وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية.
الفصل الثاني: الآثار الواردة في توحيد الأولوهية.
الفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات.
الفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الفصل الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضل معرفة اللَّه.
المبحث الثاني: الآثار الوارد في استلزام التفكر والمعرفة للعبادة.
[ ١ / ٢٣١ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضل معرفة اللَّه.
٨٦ - قال أحمد: وسمعت أبا الفرج القاص يقول: قال علي بن أبي طالب: "ما يسرني أن متّ طفلا وأني لم أكبر فأعرف ربي" (^١).
٨٧ - حُدثت عن عبد الحميد بن عمر، قال: حدثنا شيخ من أهل البصرة (^٢)، قال: سمعت مالك بن دينار يحدث عن الحسن قال: "لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا عبادة كالتفكّر، ولا حَسَب كحسن الخلق، ولا ورع كالكَفِّ" (^٣).
٨٨ - حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال: "أفضل العبادة التفكر والورع" (^٤).
_________________
(١) فيه أبو الفرج القاص لم أجده، العمر والشيب (٥٩) رقم (٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٤)، وذكره المناوي في فيض القدير (٢/ ١٨).
(٢) البصرة هي القرية المشهورة في العراق، انظر تفاصيلها في معجم البلدان (١/ ٤٣٠) وتسمى البصرة العظمى، في مقابل البصرة الصغرى التي في المغرب.
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه بهام الشيخ البصري، الورع (١٢٢) رقم (٢١٦)، وهو أثر مشهور في محاورة بين عليٍّ وابنه الحسن -﵁-، ثم يرفعه علي للنبي -ﷺ-، لكنه من رواية الحبطي وهو يروي عن شعبة ما ليس من حديثه، ومثل ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٦) لذلك بهذا الحديث، وذكر المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٤٧ - ١٤٨) له طريقين آخرين لكن مدارهما على الحبطي هذا، ولا يعرف من غير طريقه واللَّه أعلم.
(٤) إسناده حسن؛ فيه الربيع بن صبيح صدوق سيء الحفظ التقريب (١٩٠٥)، وقال =
[ ١ / ٢٣٢ ]
٨٩ - دثني أبي، دثنا أبو خالد القرشي، عن حُر بن جرموز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال: "كان يقال: يا عجبا لمن يكذّب بالنشأة الآخرة، وهو يرى النشاة الأولى، يا عجبا كل العجب لمن يكذب بالنشر بعد الموت، وهو ينشر في كل يوم وليلة" (^١).
٩٠ - حدثني علي بن الجعد، عن علي بن عاصم، ثنا المستلم بن سعيد (^٢) قال: "كان رجل بأرض طبرستان (^٣)، قال: وصل أرضا شبه كثيرة الشجر، قال: فبينما هو يسير إذ نظر إلى ورق الشجر قد خفَّ
_________________
(١) = ابن عبدي في الكامل (٣/ ١٣١): "وللربيع أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر له حديثا منكرا جدا، وأرجو أنه لا بأس به وبرواياته"، كتاب الورع (٥٣) رقم (٣٧)، وانظر ما ذكره الباحث الدكتور محمد بن علي من الآثار في التفكّر في رسالته الآثار المروية عن أئمة السلف في مسائل الاعتقاد من كتاب حلية الأولياء (١٧٥) بعضها عن الحسن بغير لفظ المصنف، وبعضها عن غيره بلفظ مقارب.
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه أبو خالد القرشي متروك وكذبه ابن معين وغيره التقريب (٤١١١)، الأهوال (٢٢٠) رقم (٢١١)، وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ٢٠٠) ونسبه للمؤلف.
(٣) هو مستلم بن سعيد الثقفي الوسطي، صدوق عابد، ربما وهم، توفي بعد المائتين، التقريب (٦٥٩٠).
(٤) هي بلدان واسعة كتيرة يشملها هذا الاسم، وهي البلاد المعروفة بمزندران، ومن أعيان مدنها: دهستان وجرجان وأسترأباذ، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم، والأدب، والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، معجم البلدان (٤/ ١٢ - ١٣) وقد استقصى أخبارها وأخبار فتوحها، معجم ما استعجم (٣/ ٨٨٦).
[ ١ / ٢٣٣ ]
فتساقط، وتراكم بعضه على بعض، فجعل يفكر في نفسه وهو يسير: أترى اللَّه ﷿ يحصي هذا كله؟ فسمع مناديا ينادي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (^١) " (^٢).
٩١ - حدثنا محمد بن يزيد، نا وكيع، نا همام بن يحيى، عن سلم العلوي قال: "كنا عند أنس فقال رجل: إنها لَمَخِيلَة (^٣) المطر، فقال أنس (^٤): إنها لربها لمطيعة" (^٥).
٩٢ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه، عن هشام بن الحكم الثقفي قال:
_________________
(١) سورة الملك، الآية (١٤).
(٢) الأثر حسن، علي بن عاصم صدوق يخطئ ويصر كما في التقريب (٤٧٩٥)، وانظر في الميزان (٣/ ١٣٥ - ١٣٨) قول وكيع: "خذوا الصحاح من حديثه ودعوا الغلط"، وشيخه المستلم بن سعيد صدوق عابد ربما وهم التقريب (٦٦٣٤)، أما شيخ المصنف فهو ثقة معروف. كتاب الهواتف (٣١) رقم (٢٨).
(٣) المخيلة: موضع الخيل، وهو الظن، كالمظنة وهي السحابة الخليقة بالمطر، النهاية (٢/ ٩٣)، مختار الصحاح (١٩٦).
(٤) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول اللَّه -ﷺ-، خدمه عشر سنين، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وهو آخر الصحابة موتا، مات بالبصرة سنة (٩٢ هـ) وقيل: التي بعدها، وقد جاوز المائة، الإصابة (١/ ١٢٦)، التقريب (٥٦٥).
(٥) إسناده ضعيف، فيه سلم العلوي ضعيف التقريب (٢٤٨٦)، وانظر كلام ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢٠٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٣٨)، في أن نسبه ليس لعلي بن أبي طالب الصحابي الجليل -﵁-، كتاب المطر (٦٦) رقم (٢١).
[ ١ / ٢٣٤ ]
أخبرني أبو طفيلة الحرمازي (^١) قال: "كنت جالسا مع أبي، وكان شيخا كبيرا من أولاد الجاهلية، فرأيت بقلة (^٢) فحفرت عن أصلها، فإذا في الوعاء الذي تنبت فيه ثلاث حبات، نبتت واحدة، وثنتان صلبتان جدا، فجلست أتعجّب منه، فقال أبي: من أي شيء تعجب؟ قلت: من ثلاث حبات تنبت حبة، وثنتان صلبتان معها في وعاء، قال: يا بني إن اللَّه ﷿ خلق هذه الثلاث حبات لثلاث سنين، تنبت كل سنة واحدة، ولو نبت جميعا ثم أجدبت الأرض، ذهب حبّ النبات كلّه" (^٣).
٩٣ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، نا عفان بن مسلم، عن مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: "كانوا يقولون -يعني أصحاب النبي -ﷺ- الحمد للَّه الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرّف لقال
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة.
(٢) قال ابن مطرز: "البَقْل: ما يُنبِت الرّبيعُ من العُشب، وعن الليث: هو من النبات ما ليس بشجرٍ دِقٍّ ولا جِلٍّ، وفَرْقُ ما بين البقل ودِقِّ الشجر، أن البقل إذا رُعي لم يبق له ساقٌ، والشجر تبقَى له سُوق وإن دَقّتْ" المغرب في ترتيب المغرب (١/ ٨٣).
(٣) فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة سوى أن المزي ذكره في ترجمة صفوان بن هبيرة في جملة الرواة عنه، وهشام بن الحكم ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٠٣)، ولم يذكر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا انظر التاريخ الكبير (٨/ ٢٠٠)، والجرح والتعديل (٩/ ٥٧)، أما أبو طفيلة فلم أجد له ترجمة اللهم إلا كلاما لابن حجر في الإصابة في ترجمة مساور بن هند ذكره دون نسبة فلعله هو، كتاب المطر (١٠٩) رقم (٨٩)، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠).
[ ١ / ٢٣٥ ]
الشاكّ في اللَّه: لو كان لهذا الخلق ربّ يحادثه (^١)، وإن ﷿ قد حادث بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبّق ما بين الخافقين (^٢)، وجعل فيها معاشا، وسراجا وهّاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيها سكنا ونجوما وقمرا منيرا، وإذا شاء نباتا جعل منه المطر والبرق والرعد، والصواعق ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك الخلق، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف (^٣) الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بِحَرٍّ يأخذ بأنفاس الناس؛ ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربًّا هو يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة" (^٤).
_________________
(١) بمعنى يحدث فيه حوادث، كما قال شيخ الإسلام: "ذكر الحسن عن الصحابة الاستدلال بهذه الحوادث المشهودة على وجود الرب سبحانه، المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته، وبطلان أن يكون موجِبًا يقارنه موجَبَه؛ فإن ذلك يمتنع محادثته؛ أي إحداث الحوادث فيه"، وله تعليقات جيدة على هذا الأثر فلتراجع في رسالة في معنى كون الرب عادلا (١/ ١٣٩) من جامع الرسائل والمسائل.
(٢) الخَافِقانِ أُفُقا المشرق والمغرب؛ لأن الليل والنهار يخفقان فيهما، مختار الصحاح (١٩٦).
(٣) أي: يرعدون من شدة البرد، النهاية (٤/ ٤٩)، وتاج العروس (١/ ٦٠٦٩).
(٤) إسناده حسن، مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويسوي التقريب (٦٥٠٦)، لكنه صرح بالسماع، كتاب المطر (٨٠ - ٨١) رقم (٤١)، وأبو الشيخ في العظمة (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) رقم (٦٢)، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في جامع الرسائل والمسائل: رسالة في معنى كون الرب عادلا (١/ ١٣٩)، وزاد نسبته لابن الجوزي في التفسير.
[ ١ / ٢٣٦ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة فضل معرفة اللَّه؛ وفضل الوسيلة الموصلة إليها وهي التفكر، واعتناء السلف بالتفكر والتدبر، واستعماله في الاستدلال على مسائل الإيمان، وذلك أن معرفة اللَّه هي أشرف وأفضل معلوم، ولذلك فضل علي -﵁- الحياة على الموت صغيرا، وعلَّلَها بتحصيل هذه المعرفة العظيمة؛ لأنه "على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالا، وقد ذم اللَّه تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته" (^١)، والمراد بها كما ذكره ابن القيم: "نوعان: معرفة إقرار: وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر، والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه. . . ولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن اللَّه ورسوله، والباب الثاني التفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته. . ." (^٢).
ولما كانت هذه منزلة المعرفة، كانت منزلة وسيلتها بالمكان الأسمى، فكانت أفضل العبادة، وقد بيّن ابن القيم -﵀- وجه كونها كذلك
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
(٢) الفوائد (١٧٠).
[ ١ / ٢٣٧ ]
بقوله: "لأن الفكرة عمل القلب، والعبادة عمل الجوارح، والقلب أشرف من الجوارح، فكان عمله أشرف من عمل الجوارح، وأيضا فالتفكر يوقع صاحبَه من الإيمان على ما لا يوقعه العمل المجرد" (^١)، كما بيّن التدرج الذي يسير فيه المتفكر ليصل إلى أرفع الغايات فقال: "الخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر؛ فإنه لا بد من تفكّرٍ، وعلم يكون نتيجة للتفكر، وحالٍ يحدث للقلب من ذلك العلم. . . وتلك الحال توجب له إرادة، وتلك الإرادة توجب وقوع العمل. . . فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه، وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها" (^٢).
ولما كان هذا فضل التفكر كان للسلف منه النصيب الأوفر كما جاء في بعض الآثار هنا من الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى، وعلى البعث بالبعث بعد النوم، والتفكر في صفات اللَّه، في تساقط أوراق الشجر وهل يحصي اللَّه كل تلك الأوراق الكثيرة، والمطر والحبة في الأرض، وهذه الإشارات في مجرى التفكر ومتعلقة، جمعها ابن القيم وسبر طرقها فقال: "مجرى الفكر ومتعلقة أربعة أمور:
أحدها: غاية محبوبة مرادة الحصول، الثاني: طريق موصلة إلى تلك الغاية، الثالث: مضرة مطلوبة الإعدام، مكروهة الحصول، الرابع: الطريق
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٤٠).
(٢) المصدر السابق (١/ ٥٤٥).
[ ١ / ٢٣٨ ]
المفضي إليها، الموقع عليها، فلا تتجاوز أفكار العقلاء هذه الأمور الأربعة. . . وإذا كان الفكر النافع لا يخرج عن الأقسام الأربعة التي ذكرناها، فله أيضًا محلان ومنزلان: أحدهما: هذه الدار، والآخر: دار القرار"، والفكر في المحبوب لذاته وهو اللَّه ﷿ له حالان: "إحداهما: فكرته في جماله وأوصافه، الثانية: فكرته في أفعاله وإحسانه وبره ولطفه الدالة على كمال صفاته، وإن تعلق فكره بنفسه لم يخرج أيضًا عن حالتين: إما أن يفكر في أوصافه المسخوطة، التي يبغضها محبوبُه ويمقتُه عليها ويسقطه من عينه، فهو دائما يتوقع بفكره عليها ليتجنبها ويبعد منها، والثانية: أن يفكر في الصفات والأخلاق والأفعال إلى تقرِّبه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها، فالفكرتان الأوليان توجب له زيادة محبته وقوتها وتضاعفها، والفكرتان الأخريان توجب محبة محبوبه له وإقباله عليه وقربه منه وعطفه عليه وإيثاره على غيره، فالمحبة التامة مستلزمة لهذه الأفكار الأربعة فالفكرة الأولى والثانية تتعلق بعلم التوحيد وصفات الإله المعبود سبحانه وأفعاله، الثالثة والرابعة تتعلق بالطريق الموصلة إليها وقواطعها وآفاتها وما يمنع من السير فيها إليه" (^١).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٥٤٨ - ٥٤٩).
[ ١ / ٢٣٩ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في استلزام التفكر والمعرفة للعبادة.
٩٤ - ثنا أبو عبد اللَّه المديني، عن شجاع بن الوليد، عن يزيد بن توبة، عن الحسن قال: "من عرف ربّه أحبّه، ومن أبصر الدنيا زهد فيها، والمؤمن لا يلهو حتى يغفل، وإذا تفكّر حزن" (^١).
٩٥ - حدثنا محمد بن علي قال: قال أبو إسحاق وسمعت الفضيل (^٢) يقول: "رهبة العبد من اللَّه على قدر علمه باللَّه. . ." (^٣).
_________________
(١) إسناده لين؛ شيخ المصنف هو المسيبي محمد بن إسحاق صدوق التقريب (٥٧٦٠)، فقد ورد أنه يروي عنه ابن أبي الدنيا في ترجمته من تهذيب الكمال، ويزيد بن توبة لم أعرفه، الهم والحزن (٦٩ - ٧٠) رقم (٩٣)، وعبد اللَّه بن أحمد في زياداته على الزهد عن شجاع به، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٦٦) من طريق المصنف قال حدثنا محمد بن سعدان وغيره، ويروى هذا الأثر عن بديل في الزهد لابن المبارك رقم (٢٠٩)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠٨)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ١٧٠)، والذهبي في السير (٩/ ٨٦).
(٢) هو فضيل بن عياض بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام رفيع الذكر، مات سنة (١٨٧ هـ) وقيل قبلها، الكاشف (٢/ ١٢٤)، التقريب (٥٤٣١).
(٣) إسناده حسن؛ فيه أبو إسحاق وهو إبراهيم بن الأشعث وسيأتي (٢٣٣)، وقد تابعه غير واحد كما سيأتي، ذم الدنيا (١١٤) رقم (٣٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٨٩، ١١٠) عن محمد بن زنبور عن الفضيل به، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥١٢) رقم (٨٨٢) عن إبراهيم بن نصر عن الفضيل، وفي الزهد الكبير (٢/ ٧٤) رقم (٥٣) عن بشر بن الحارث عن الفضيل، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٤١٣) =
[ ١ / ٢٤٠ ]
٩٦ - قرأت في كتاب داود (^١) حدثني أبو عبد اللَّه قال: كتب عمر ابن عبد العزيز إلى الحسن: أن عظني وأوجز فكتب إليه الحسن: "أما بعد: فإن رأس ما هو مصلحك ومصلح به على يديك: الزهد في الدنيا، وإنما الزهد باليقين، واليقين بالتفكّر، والتفكّر بالاعتبار، فإذا أنت فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلا أن تبيع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلا أن تكرمها بهوان الدنيا، فإنما الدنيا دار بلاد ومنزل غفلة" (^٢).
٩٧ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، نا إسماعيل بن عياش الحمصي، حدثني أبو راشد التنوخي، عن يزيد بن ميسرة (^٣) قال: "كان
_________________
(١) = من طريق البيهقي في الشعب.
(٢) هو داود بن رشيد كما في السند الذي قبله من الكتاب (ص ١١٨).
(٣) أبو عبد اللَّه هو الصوري كما في الإسناد السابق ووقع في المطبوع "الصوفي"، لم أعرفه وذكر السواس أنه محمد بن المبارك بن يعلى ثقة، ولا أدري كيف جزم به فإن في طبقته محمد بن محمد بن مصعب المعروف بوحشي وهو صدوق ثقة كما في تهذيب التهذيب (٣/ ٦٩٠)؛ كما أني لم أجده في شيوخ داود، ذم الدنيا (١١٨) رقم (٣٤١)، ومن طريقه ابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٣)، وكذا البيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٦٨) رقم (٢٧)، كلاهما عن المصنف عن الحسين بن عبد الرحمن عن محمد بن معاوية الأزرق، وذكره في عيون الأنباء في طبقات الأطباء من قول أرسطوطاليس.
(٤) هو يزيد بن ميسرة بن حلبس الجبيرى الدمشقي، يكنى أبا ميسرة، ويقال: أبو حلبس، ويقال: أبو يوسف، سكن حمص وكان واعظا زاهدا عارفا، تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ٨٩٨)، تعجيل المنفعة (١/ ٤٥٤).
[ ١ / ٢٤١ ]
أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة، ولو وجدوا لها اسما شرا منه سموها به، وكانوا إذا أقبلت إلى أحدهم دنيا قالوا: إليك إليك يا خنزيرة، لا حاجة لنا بك، إنا نعرف إلهنا" (^١).
٩٨ - ثنا علي بن أبي مريم، عن موسى بن عيسى قال: "اجتمع حذيفة المرعشي (^٢) وسليمان الخواص (^٣) ويوسف بن أسباط (^٤) فتذاكروا
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه أبو راشد التنوخي لم أعرفه، ووقع عند أبي نعيم قبل هذا الأثر في حلية الأولياء (٥/ ٢٣٥) بإسناده عن إسماعيل بن أبي عياش عن راشد بن أبي راشد عن يزيد بن ميسرة فذكر أثرا غير هذا وأعقبه بالذي معنا، فلعل أبا راشد هو راشد ابن أبي راشد؛ وراشد هذا لم أجد له ترجمة إلا عند البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٧) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ذم الدنيا (١١٩) رقم (٣٤٧)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ١٣٩) رقم (٢٦٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢٣٥).
(٢) هو حذيفة بن قتادة المرعشي الزاهد، صاحب سفيان الثوري، كان موته سنة (٢٠٧ هـ)، له قدم في العبادة وكلام نافع، تاريخ الإسلام (١/ ١٥٢٩).
(٣) هو سليمان الخواص، من عباد أهل الثغر، كان لا يأكل إلا الحلال المحض، فإن وجده وإلا استف الرمل، من أقران إبراهيم بن أدهم، حكاياته في تعبده أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في ذكره، ما له حديث مستقيم يرجع إليه، الثقات لابن حبان (٨/ ٢٧٧)، وانظر أخباره في الحلية (٨/ ٢٧٦)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٧٣).
(٤) هو يوسف بن أسباط، أبو يعقوب أصله من العراق، من خيار أهل زمانه من عباد أهل الشام وقرائهم، من متقشفي العُبَّاد، والمتجردين من الزهاد، أعدم كتبه فاعتمد على حفظه فخَلَّط فَتُرِك، مات سنة (١٩٥ هـ)، الثقات لابن حبان (٧/ ٦٣٨)، مشاهير علماء الأمصار (١٨٦)، لسان الميزان (٦/ ٣١٧).
[ ١ / ٢٤٢ ]
الفقر والغنى، وسليمان ساكت فقال بعضهم: الغني من كان له بيت يُكِنُّه، وثوب يستره، وسداد من عيش يَكُفُّه عن فضول الدنيا، وقال بعضهم: الغني من لم يحتج إلى الناس، فقيل لسليمان ما تقول أنت يا أبا أيوب؟ فبكى ثم قال: رأيت جوامع الغنى في التوكل، ورأيت جوامع الشر من القنوط، والغني حق الغنى، من أسكن اللَّه قلبه من غناه يقينا، ومن معرفته توكلا، ومن عطاياه وقسمه رضى، فذاك الغني حق الغنى، وإن أمسى طاويا وأصبح مُعْوِزًا (^١)، فبكى القوم جميعا من كلامه" (^٢).
٩٩ - حدثني ابن إدريس، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أحمد بن الهرماس أبو علي الحنفي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق العكّاشي الأسدي قال: سمعت إبراهيم بن أدهم (^٣) يقول للأوزاعي: يا أبا عمرو وكان مالك بن دينار كثيرا ما يقول: "من عرف اللَّه فهو في شغل شاغل، ويل لمن ذهب عمره باطلا" (^٤)
_________________
(١) الطَّوَى: الجوع، والإعواز: الفقر والحاجة، مختار الصحاح (٤٠٣، ٤٦٧).
(٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سيأتي (١٥٤)، وموسى بن عيسى لعله الليثي الكوفي صدوق من التاسعة التقريب (٧٠٤٨)، اليقين (٥٥) رقم (١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٠٥) رقم (١٢٩٦)، وذكره المناوي في فيض القدير (٥/ ٣).
(٣) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي، وقيل: التميمي: أبو إسحاق البلخي الزاهد: صدوق، مات سنة (١٦٢)، الكاشف (١/ ٢٠٧)، التقريب (١٤٤)، وانظر أخباره في الحلية (٧/ ٣٦٧).
(٤) فيه أحمد بن الهرماس لم أجد له ترجمة، العمر والشيب (٥٦) رقم (٢٤)، وأبو =
[ ١ / ٢٤٣ ]
١٠٠ - حدثني أحمد بن جميل، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عروة بن محمد قال: "لما استعملت على اليمن قال لي أبي (^١): أوُلِّيت اليمن؟ قلت: نعم، قال: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض أسفل منك، ثم أعظم خالقهما" (^٢).
١٠١ - حدثنا سعيد بن سليمان، وهارون بن عبد اللَّه قالا: ثنا محمد ابن يزيد بن خنيس قال: قال وهيب بن الورد: قال رجل: "بينا أسير في أرض الروم ذات يوم سمعت هاتفا فوق رأس الجبل، وهو يقول: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحدا غيرك، ثم دعا الثانية فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمره غيرك، ثم دعا الثالثة فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يتعرض لشيء من غضبك يرضى غيرك، قال: فناديته فقلت: أجنِّيٌ أنت أم إنسِيٌّ قال: بل إنسِيٌّ، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك" (^٣).
_________________
(١) = الشيخ في العظمة (١/ ٣٢٩) رقم (٦٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٣).
(٢) هو محمد بن عطية بن عروة السعدي، صدوق، مات على رأس المائة، ووهم من زعم أن له صحبة، الإصابة (٦/ ٢٥١)، التقريب (٦١٤٠).
(٣) إسناده حسن إلى عروة، شيخ المصنف سيأتي برقم (٨٣٢) أنه لا ينزل عن درجة الصدوق، وعروة نفسه وهو عامل عمر بن عبد العزيز على اليمن مقبول التقريب (٤٥٩٩)، الإشراف (٢١٨) رقم (٢٤٩)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٥٩).
(٤) فيه محمد يزيد بن خنيس مقبول وكان من العباد كما في التقريب (٦٤٣٦)، وباقي =
[ ١ / ٢٤٤ ]
١٠٢ - حدثني محمد بن عبد المجيد التميمي، ثنا سفيان بن عيينة، عن وهيب بن الورد (^١) قال: "بينما أنا في السوق إذ أخذ أحد بقفاي فقال: يا وهيب خف اللَّه على قدرته عليك، واستح من اللَّه في قربه منك، فالتفت فلم أر أحدا" (^٢).
_________________
(١) = رجاله ثقات ما عدا إبهام صاحب القصة، كتاب الهواتف (٢٩) رقم (٢٢) وورد فيه: "اشغل بنفسك بما يعنيك بما لا يعنيك"، والتصحيح من الحلية، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٨٢) من طريق المصنف، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١٩٣) منسوبا لبعض السلف.
(٢) هو وهيب بن الوَرْد القرشي مولاهم المكي، أبو عثمان أو أبو أمية، يقال: اسمه عبد الوهاب، ثقة عابد، مات سنة (١٥٣)، الكاشف (٢/ ٣٥٨)، التقريب (٧٤٨٩).
(٣) الأثر حسن، شيخ المصنف غير واحد انظر: تاريخ بغداد (٣/ ١٩٦)، الميزان (٣/ ٦٣٠) وغيرهما، لكن له متابعان عند أبي نعيم والمروزي، هما: الحسن بن عبد الرحمن يعرف بالاحتياطي وهو متهم كما في الكامل لابن عدي (٢/ ٣٣٤)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (١/ ٢٠٤)، وغسان بن المفضل وهو ثقة كما في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٢٥)، كتاب الهواتف (٣٠) رقم (٢٣)، والحلية (٨/ ١٤٠)، تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٨٣٥) (٨٣٩)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ٥٠٦) في ترجمة وهيب، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢١٨)، وعند المروزي برقم (٨٤٠) من طريق ثان عن محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي قال حدثني أبو عبد اللَّه النوا وكان من العابدين. . .، ورجاله ثقات غير النوا فلم أجده، وفيه قصة أنه كان تاجرا وأن ذلك كان سبب تزهده.
[ ١ / ٢٤٥ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أثر التفكر والنظر والاعتبار على العبادة، فمعرفة اللَّه والعلم به، والتفكر في ذلك يورث حبة، والرهبة منه، والزهد في الدنيا، والاشتغال بطاعته، والامتناع من معصيته وظلم خلقه، وقد سبق بيان طرق التفكر ومجاريه وفضله، والمراد هنا بيان أنه يورث العمل ويقتضي العبادة، ولهذا كانت الأعمال من علامات المعرفة الحقة، قال ابن القيم: "من علامات المعرفة: الهيبة؛ فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه. . . ومن عرف اللَّه صفا له العيش، وطابت له الحياة. . . وأورثته المعرفة: الحياء من اللَّه، والتعظيم له والإجلال، والمراقبة والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره" (^١).
وهذا ما يعرف عند العلماء بأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبودية، فإن السلف وإن لم يتلفظوا بهذه العبارة فإنها مقتضى قولهم، ومؤدى عباراتهم، ولهذا نجد في عباراتهم أنه كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت عبادته، ويذكرون أنواعا من العبادات القلبية وغيرها، ولشدة الترابط والتلازم بين هذين الأمرين، فإنه ينعكس ومن هنا كان الخلل في توحيد العبادة، ناتج عن خلل في توحيد الربوبية، قال شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب: "أما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية
_________________
(١) روضة المحبين (١٠٦).
[ ١ / ٢٤٦ ]
إلا من لم يعطه حقه" ثم ذكر ﵀ مثالا توضيحيا لهذه القاعدة فقال: "قد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن، بسبب معرفته بالربوبية. . . أما عبادته سبحانه بالإخلاص دائما في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية" (^١).
_________________
(١) الدرر السنية (٢/ ٦٤ - ٦٥).
[ ١ / ٢٤٧ ]
الفصل الثاني: الآثار الواردة في توحيد الألوهية.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الآثار الواردة في أنواع العبادة.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد.
[ ١ / ٢٤٨ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في أنواع العبادة.
فيه ثلاثة عشر مطلبا:
المطلب الأول: الآثار الواردة في فضل التوحيد.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل.
المطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين.
المطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن باللَّه.
المطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء.
المطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف.
المطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء.
المطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر.
المطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل.
المطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى -ﷺ-.
المطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك.
[ ١ / ٢٤٩ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في فضل التوحيد.
أولا: الآثار الواردة في أنه سبب تفاضل الأعمال.
١٠٣ - حدثنا عبد الملك بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم القطعي، عن عبد الملك بن عتاب اللتي (^١) قال: "رأيت عامر بن عبد قيس (^٢) في النوم فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أريد به وجه اللَّه" (^٣).
ثانيا: الآثار الواردة في أنه أفضل نعمة على العبد.
١٠٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت سفيان بن عيينة قال:
_________________
(١) لعل صوابه عبد الملك بن عَقَّاب، كما ورد عند البيهقي، وهو مذكور في الإكمال (٦/ ٢٤٧) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
(٢) هو عامر بن عبد قيس بن قيس، ويقال: عامر بن عبد قيس بن ناشب التميمي العنبري، أبو عبد اللَّه أو أبو عمرو النصرى، الزاهد المشهور، يقال: أدرك الجاهلية، شهد فتح المدائن، من كبار التابعين وعبادهم، قال فيه كعب الأحبار: "هذا راهب هذه الأمة"، الإصابة (٥/ ٧٦).
(٣) إسناده حسن، حزم القطعي هو ابن أبي حزم وهو صدوق يهم التقريب (١٢٠٠)، وشيخ المصنف هو الجدي صدوق التقريب (٤١٩١)، الإخلاص والنية (٤٢) رقم (١٣)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين (٣٧) رقم (٤٩)، ومن طريق المصنف البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠) رقم (٦٨٩٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٢) ووقع في هذين الأخيرين سقط عبد الملك بن إبراهيم وشيخه وشيخ شيخه، وصار الأثر من رواية المصنف عن عبد الملك بن عقاب، والصواب المثبت هنا وهو موافق لما في الزهد لابن بشر.
[ ١ / ٢٥٠ ]
"ما أنعم اللَّه ﷿ على العباد نعمة أفضل من أن عرّفهم أن لا إله إلا اللَّه، قال: وإنَّ لا إله إلا اللَّه لهم في الآخرة كالماء في الدنيا" (^١).
١٠٥ - حدثنا الفضل بن جعفر قال: حدثنا أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة قال: "حضرنا عمرو بن العاص (^٢) وهو في سياقة الموت، فجعل يبكى، وولَّى وجهه الجدار، وجعل ابنه يقول: ما يبكيك؟ أما بشَّرك رسول اللَّه -ﷺ- بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما تعدّ عليّ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه (^٣)، فإذا أنا متُّ فلا تتبعني نائحة ولا نار، وإذا دفنتموني فسُنُّوا عليّ التراب سنّا (^٤)، وأقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه، حتى آنس بكم وأنظر ما أراجع به رسل ربي" (^٥).
_________________
(١) إسناد حسن، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن أبي إسرائيل كما صرح به المزي، وهو صدوق تكلم فيه لوقفه في القرآن التقريب (٣٤٠)، الشكر (١٠٩) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١١٩) رقم (٤٥٠٠)، وذكره المزى في تهذيب الكمال (٣/ ٢٢٧).
(٢) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، الصحابي المشهور، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرتين، وهو الذي فتحها، مات بمصر سنة نيف وأربعين، وقيل بعد الخمسين، الإصابة (٤/ ٦٥٠).
(٣) وانظر كذلك رقم (٣٠٢).
(٤) قال الزبيدي في تاج العروس (١/ ٨٠٧٤): "سن التراب إذا صبه على وجه الأرض صبا سهلا".
(٥) إسناده صحيح، المحتضرين (٩٥) رقم (١٠٧)، وفي معناه رقم (١٠٨)، والأثر في =
[ ١ / ٢٥١ ]
ثالثا: الآثار الواردة في أن اللَّه وصفه بالإحسان.
١٠٦ - نا أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي (^١)، ذكر محمد بن عمرو، ذكر عبيدة بن بكار بن النضر بن عبيد الأزدي، ذكر محمد بن جابر قال: سمعت محمد بن المنكدر في قول اللَّه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (^٢) قال: "هل جزاء من أنعمت عليه بالإسلام إلا الجنة، هل جزاء من قال: لا إله إلا اللَّه إلا الجنة" (^٣).
١٠٧ - نا علي بن الجعد قال: سمعت مقاتل بن سليمان (^٤) يقول في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (^٥) قال: "هل جزاء
_________________
(١) = صحيح مسلم (١/ ١١٢) رقم (١٢١).
(٢) ترجمته في الجرح والتعديل (٢/ ٧٣) وهو صدوق.
(٣) سورة الرحمن، الآية (٦٠).
(٤) في إسناده عبيدة بن بكار لم أعرفه، حسن الظن باللَّه (٨٨ - ٨٩) رقم (١٤٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٣) عن شيخ المصنف به، والطبراني في الدعاء عن ابن عباس -﵁- ومجاهد وعكرمة، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٧١٤) عن عكرمة ونسبه لعبد بن حميد، ويروى مرفوعا كما في شعب الإيمان (١/ ٣٧٢) وضعفه بالاختلاف على الراوي.
(٥) هو مقاتل بن سليمان البلخي، المفسر صاحب الضحاك، متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم، مع أنه كان من أوعية العلم بحرا في التفسير، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٤)، الكاشف (٢/ ٢٩٠)، التقريب (٦٨٦٨).
(٦) سورة الرحمن، الآية (٦٠).
[ ١ / ٢٥٢ ]
من قال: لا إله إلا اللَّه إلا الجنة" (^١).
رابعا: الآثار الواردة في أنه مكفر للذنوب.
١٠٨ - حدثنا محمد بن بشير، حدثنا عبد الرحمن بن جرير (^٢) قال: سمعت أبا حازم (^٣) يقول: "عند تصحيح الضمائر اغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح" (^٤).
١٠٩ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن، نا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: "أبطأ عن علي بن الحسين (^٥) أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبر أنه مشغول بموت ابن له كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي ابن الحسين: "إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها: فشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأما الثانية: فشفاعة رسول اللَّه -ﷺ-، وأما الثالثة: فرحمة اللَّه
_________________
(١) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٨٩) رقم (١٤٨)، وسبق (١٠٦) تخريج مثله.
(٢) كذا والصواب: "عبد الرحمن بن حريز الليثي"، قال فيه العقيلى: "مجهول بالنقل لا يتابع على حديثه"، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٣٢٧)، ولسان الميزان (٣/ ٤١٠).
(٣) هو سلمة بن دينار، أبو حازم التمار، المدني القاص، ثقة عابد، مات في خلافة المنصور، التقريب (٢٤٨٩).
(٤) إسناده ضعيف، فيه ابن حريز وهو ضعيف كما في لسان الميزان (٥/ ٩٤)، وشيخ المصنف هو أبو جعفر الكندي الواعظ الدعاء القاص، غير ثقة. انظر ميزان الاعتدال (٦/ ٨١)، الإخلاص والنية (٤٣) رقم (١٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٦٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٦٤).
(٥) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، زين العابدين، ثقة ثبت، عابد فقيه، فاضل مشهور، مات سنة (٩٣ هـ) وقيل غير ذلك، التقريب (٤٧١٥).
[ ١ / ٢٥٣ ]
﷿ التي وسعت كل شيء" (^١).
خامسا: الآثار الواردة في أنه مطهر من الشرك والذنوب.
١١٠ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا سفيان بن سعيد، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة (^٢) قال: "من وضع وجهه للَّه -﷿- فقد برئ من الشرك" (^٣).
١١١ - حدثني علي بن نصر بن بجير، عن شيخ من قريش قال: قال الحسن: "السجود يذهب بالكبر، والتوحيد يذهب بالرياء" (^٤).
١١٢ - حدثني بشر بن معاذ العقدي، حدثني محمد بن عبد اللَّه القرشي، حدثني أبي قال: قال يونس بن عبيد: "لا كبر مع السجود، ولا نفاق مع التوحيد" (^٥).
_________________
(١) إسناده لين، شيخ المصنف مقبول وسيأتي (٤٨٤)، حسن الظن باللَّه (٨٦) رقم (١٠٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤١/ ٣٩٧)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ١٠٧).
(٢) هو يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة، توفي بعد المائة، التقريب (٧٥٢٠).
(٣) إسناده لين؛ فيه حبيب بن أبي ثابت وهو ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس التقريب (١٠٩٢)، التواضع والخمول (٢٠٦) رقم (٢١٧)، وابن الجعد في مسنده (٢٦٤) رقم (١٧٣٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٢٥) رقم (٨٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٦١) من قول حبيب نفسه، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٢٩١).
(٤) إسناده ضعيف؛ لإبهام الشيخ القرشي، التواضع والخمول (٢١١) رقم (٢٢٧).
(٥) إسناده حسن؛ وعبد اللَّه هو المطرف ثقة التقريب (٣٥٢٥)، وابنه صدوق وهو =
[ ١ / ٢٥٤ ]
سادسا: الآثار الواردة في أنه عُدَّة أصحاب الكبائر.
١١٣ - ذكر أزهر بن مروان الرقاشي، نا شملة بن هزال (^١) أبو الحتروش البختري قال: "سمعت الحسن في جنازة فيها الفرزدق (^٢) والقوم حافين بالفتى يتذاكرون الموت فقال الحسن: يا أبا فراس ما أعددت لهذا اليوم، قال: لا واللَّه ما أعددت له إلا شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة، فقال الحسن: أثبت عليها وأبشر، ونحو هذا، وفي غير حديث قال: فقال الحسن: نعمت العدة، نعمت العدة" (^٣).
_________________
(١) = الملقب بالديباج، التقريب (٦٠٧٦)، التواضع والخمول (٢١١) رقم (٢٣١)، وذكره ابن كثير في التفسير (٣/ ٤٥١).
(٢) هو أخو محمد بن عمر الواقدي كما في الأسماء المفردة (١٩٦)، وهو ضعيف انظر لسان الميزان (٣/ ١٥٣).
(٣) هو الشاعر المشهور، أبو فراس همام بن غالب، ضعفه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٤)، من جهة عدالته، وقال ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٤٣٣) بعد نقله كلام ابن حبان: "قلّ ما روى" ثم ذكر قول المرزباني فيه (٦/ ١٩٨): "كان سيدا جوادا فاضلا وجيها".
(٤) إسناده ضعيف، فيه شملة، والأثر حسن بمجموع طرقه، فقد روي عن شملة وعن أبي بكر بن عياش وأبي موسى التميمي، حسن الظن باللَّه (٦٨) رقم (١٠٢)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٠)، وبحشل في تاريخ واسط (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٤٦) رقم (٣٥٧٣٢) عن أبي موسى التميمي، وابن حجر في لسان الميزان (٦/ ١٩٨)، وذكره في تكملة الإكمال (١/ ٣٣٤) وذكر أنها كانت زوجته النوار، وذكرها الذهبي في السير (٤/ ٥٨٤)، وابن رجب في كلمة الإخلاص =
[ ١ / ٢٥٥ ]
١١٤ - حدثني أبي، عن الأصمعي، عن أبيه، عن لبطة بن الفرزدق (^١) قال: "رأيت أبي في النوم فقال: أي بني نفعتني الكلمة التي راجعت بها الحسن عند القبر" (^٢).
١١٥ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي قال: حدثني أبي، ثنا سفيان بن حسين قال: "ماتت نوّارة بنت أعين بن ضبيعة النجاشي امرأة الفرزدق، فخرج الحسن في جنازتها، فلما سوّي عليها التراب قام الفرزدق فأنشأ يقول:
_________________
(١) = (٢٠)، وفيه أنها كانت جنازة أبي رجاء، ولفظها أوضح حيث قال الفرزدق: "قد استشرفنا الناس يقولون: خير الناس وشر الناس، قال: يا أبا فراس كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني، وكم من شيخ مشرك أنت خير منه، ما أعددت للموت؟ قال شهادة أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: إن معها شروطا؛ فإياك وقذف المحصنة، قال: هل من توبة؟ قال: نعم"، وذكره المناوي في فيض القدير (٣/ ١٦٣) (٦/ ١٨٩)، وورد هذا الكلام من قول الشافعي لأبي نواس في تاريخ بغداد (٧/ ٤٤٧)، وتاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٥٨).
(٢) هو لبطة بن همام بن غالب بن صعصعة، المعروف بابن الفرزدق، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٦١)، ولم يذكر فيه البخاري وأبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٧/ ٢٥١)، والجرح والتعديل (٧/ ١٨٣)، ونقل ابن حجر في لسان الميزان توثيق ابن حبان دون تعليق (٤/ ٤٣٣)، وفي سؤالات أبي داود للإمام أحمد نقل قول سفيان بن عيينة فيه: "لبطة له هيئة شيخ".
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه والد الأصمعي قال الأزدي: منكر الحديث كما في لسان الميزان (٤/ ٤٧٣)، حسن الظن (٨٦) رقم (١٠٤).
[ ١ / ٢٥٦ ]
أخاف وراء القبر إن لم تعافني أشدّ من القبر التهابا وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القيادة أزرقا
قال: وكان واللَّه يبكي الناس يومئذ، قال: فقال الحسن: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: أنت خير الناس، وأنا شر الناس، قال: لست بخير الناس، ولا أنت بشر الناس، قال: ما أعددت لذلك اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ سبعين سنة، قال الحسن: خذها من غير فقيه (^١) " (^٢).
١١٦ - حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، ثنا شملة بن هزال قال: سمعت الحسن في جنازة فيها الفرزق والقوم حافّين بالقبر يتذاكرون الموت، فقال الحسن: "يا أبا فراس ما أعددت لذلك اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة، فقال الحسن: اثبت عليها وأبشر، قال أبو محمد: وزاد بعض أصحابنا إن الفرزدق قال: فذكر الثلاثة الأبيات، قال: فبكى الحسن" (^٣).
١١٧ - ذكر محمد بن الحسين، ذكر عبد اللَّه بن محمد القرشي، نا عمرو بن الزبير قال: "مات سلمة بن عباد بن منصور (^٤) قال: فاجتمعنا
_________________
(١) وفي رقم (١١٣) قول الحسن للفرزدق: "فقيه واللَّه".
(٢) إسناده ضعيف، والد محمد بن عباد مجهول التقريب (٣١٦١)، القبور (١٠٧) رقم (١٠٩).
(٣) إسناده ضعيف، سبق (١١٣) أن فيه شملة، القبور (١٠٧) رقم (١١٠).
(٤) هو عباد بن منصور الناجي، أبو سلمة البصري القاضي بها، صدوق رمي بالقدر، =
[ ١ / ٢٥٧ ]
عند أبيه قال: وحزن عليه أبوه حزنا شديدا فقال له أصحابه: يا أبا سلمة إن كنت حريا أن لا يظهر منك هذا الجزع، فقال: إني واللَّه ما أبكي على ألفه، ولا على فراقه، ولكنه مات على حال كنت أحب أن يموت على حال أحسن منها، قال: فلما وضعه في قبره قال: أما واللَّه يا بني لقد صرت إلى أرحم الراحمين، قال: فاجتمعنا عنده من الغد، قال له رجل: يا أبا سلمة أُريت سلمة البارحة فيما يرى النائم فقلت له: ما صنعت؟ قال: غفر لي، فقلت: بماذا؟ قال: مررت بمؤذّن آل فلان يوما وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فتشهدت معه، فكأنه خفف عنه حزنه" (^١).
سابعا: الآثار الواردة في أنه أعظم ما حورب به إبليس.
١١٨ - حدثنا داود بن عمرو، حدثنا عباد بن العوام، أنبأنا حصين قال: سمعت مجاهدا (^٢) يقول: "قلَّ ما ذَكَر الشيطان قوم إلا حضرهم، فإذا
_________________
(١) = وكان يدلس، وتغير بأخرة، مات سنة (١٥٢ هـ)، التقريب (٣١٤٢).
(٢) فيه القرشي لم أتبين من هو، ولعله أبو جراب المذكور في تاريخ دمشق (٥٣/ ٤٠٥ - ٤٠٨)، أو القرشي السابق برقم (١١٢) حصل تقديم وتأخير في اسمه، وعمرو بن الزبير هو أخو عبد اللَّه بن الزبير لا تعرف له رواية انظر تاريخ دمشق (٤٦/ ٥)، حسن الظن باللَّه (٣٣) رقم (٤٢).
(٣) هو مجاهد بن جَبْر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات سنة (١٠٣ هـ) وله ثلاث وثمانون سنة، الكاشف (٢/ ٢٤٠)، التقريب (٦٤٨١).
[ ١ / ٢٥٨ ]
سمع أحدا يلعنه قال: لقد لَعَنتَ مُلَعَّنًا، ولا شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا اللَّه" (^١).
ثامنا: الآثار الواردة في الجزاء العظيم الذي أُعَدَّ لصاحبه.
١١٩ - حدثني محمد بن المغيرة التميمي قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طالب بن يزيد الحنفي، ثنا الثمالي (^٢): "أن رجلا خرج بالمدينة يتنزّه، فإذا بصوت من قبر ينادي شعرا:
هذا أبونا قد أتانا زائرا أحبب به زورا إلينا باكرا
وخير ميّت ضمن المقابر جُدَّ إلينا يا عبيد سائرا
قد وحّد اللَّه زمانا صابرا عُوِّض من توحيده أساورا
في جنّة الفردوس نزلا فاخرًا
فقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، ومن هذا الميّت، فجيء يحنازة رجل، فسألتهم عنه، فقيل لي: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عبيد، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما،
_________________
(١) إسناده صحيح، ولا يضر الكلام في حصين وهو ابن عبد الرحمن السلمي، انظر المختلطين للعلائي (٢١). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٠٥) رقم (٣٧٩)، ولم أقف عليه عند غيره، وأورد معناه الدارقطني في العلل ورجح وقفه على أبي هريرة -﵁- (١٠/ ١٤٧)، ونسبه في كنز العمال (١/ ٢٤٦) لمسند الفردوس.
(٢) هو ثابت بن أبي صفية الثُّمالي، أبو حمزة، كوفي ضعيف رافضي، مات في خلافة أبي جعفر المنصور، التقريب (٨١٨).
[ ١ / ٢٥٩ ]
فانصرفوا" (^١).
١٢٠ - حدثني محمد بن المثنى قال: ومن كتاب جدي: ثنا الكلبي: "أن رجلا مات بالمدينة فَوَلِهَ (^٢) به أبوه وَلَهًا شديدا، وإن أباه أري في منامه أن ائت قبر ابنك فودّعه، فخرج يمشي حتى أتى قبره، وهو رجل لا يقول الشعر، فألقي على لسانه أن قال:
يا صاحب القبر الذي قد استوى هجت لي حزنا على طول البلى
حزنا طويلا يأتي ما انقضى مر غصص الموت وغم قد برى
وضغطة القبر التي فيها الأذى
إن الرجل انصرف فنودي من خلفه:
اسمع أحدثك بأمر قد أصابنا بخبر أوضح من ضوء الضحى
عن غصص الموت وهم قد جلى وفرج نفسه بعد الرضى
للقول بالتوحيد فيما قد خلا أثبت من ذاك جزيلا وعى
جنان فردوس رضى للفتى يدعو فيها بائعها بما اشتهى
ثم إن الصوت خمد وانصرف الرجل فما خطر له ابنه على باله حتى مات" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه الثمالي وهو ضعيف كما سبق (ص ٢٥٩)، وانظر الميزان (١/ ٣٦٣)، وجدُّ العنزي لم أجده، كتاب الهواتف (٤٧) رقم (٥٦)، القبور (١٥٤ - ١٥٥) رقم (١٩٠).
(٢) الوَلَهُ ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، مختار الصحاح (٧٤٠).
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الكلبي إن كان الأخباري فهو كذاب كما في الميزان =
[ ١ / ٢٦٠ ]
١٢١ - نا أبو جعفر محمد بن حميد الصفار، نا جعفر بن سليمان الضبعي، نا عبد اللَّه بن المبارك، عن شريك بن عبد اللَّه، عن هلال بن عبد اللَّه بن حكيم، عن ابن مسعود قال: "يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا للَّه كساه اللَّه، ومن أطعم للَّه أطعمه اللَّه، ومن سقى للَّه سقاه اللَّه، ومن عمل للَّه أغناه اللَّه" (^١).
تاسعا: الآثار الواردة في أنه جالب لمحبة الناس للعبد، ودافع لبغضهم.
١٢٢ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال: حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن محمد بن واسع قال: "إذا أقبل العبد إلى اللَّه أقبل اللَّه بقلوب العباد إليه" (^٢).
_________________
(١) = (٣/ ٥٥٦ - ٥٥٩)، وجد العنزي، الهواتف (٤٧ - ٤٨) رقم (٥٧)، والقبور رقم (١٩١).
(٢) إسناده حسن، قضاء الحوائج (٤١ - ٤٢) رقم (٣٠)، وذكره ابن حبان في الثقات من طريق شيخ المصنف به، وسماه أحمد بن محمد الصفار وقال عنه: "شيخ"، قلت: وكذلك أورده ابن سعد في الطبقات ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا (٧/ ٣٦٠)، ثم وقفت له على ترجمة في تاريخ بغداد (٥/ ١٢٧) أورد فيها قول يحيى بن معين فيه: "لا بأس به"، وهو الصواب ولعله يوجد في النسخة خطأ أو تصحيف في اسمه، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٤٩) ونسبه إلى ابن أبي الدنيا فقط.
(٣) إسناده لين، فيه أبو شهاب وهو عبد ربه بن نافع الحناط صدوق يهم التقريب (٣٨١٤)، وليث بن أبي سليم وقد سبق (٤٩)، والأثر قابل للتحسين بطرقه لا =
[ ١ / ٢٦١ ]
١٢٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا الحسين بن عليّ الجعفي، عن معقل بن عبيد اللَّه الجزري (^١) قال: "كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض: أنه من أصلح سريرته أصلح اللَّه علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين اللَّه كفاه اللَّه ما بينه وبين الناس، ومن اهتمّ بأمر آخرته كفاه اللَّه أمر دنياه" (^٢).
_________________
(١) = سيما عند ابن عساكر، الإخلاص والنية (٤١) رقم (١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٥)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٩٩) رقم (٧٩٨)، وابن عساكر من طرق في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٦٩). وهذا الكلام مشهور عن هرم بن حيان أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٣٣) قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ عن قتادة وهرم، والبيهقي في الزهد الكبير برقم (٧٩٩)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٤٠)، والذهبي في السير (٤/ ٤٩).
(٢) هو معقل بن عبيد اللَّه الجزري، أبو عبد اللَّه العبسي مولاهم، صدوق يخطئ، مات سنة (١٦٦ هـ)، التقريب (٦٧٩٧).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، الإخلاص والنية (٥٤) رقم (٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٦٢، ٢١٧) رقم (٣٤٩٨٨، ٣٥٤٧٢)، وهناد في الزهد (١/ ٣٠٠) رقم (٥٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٤٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٠٤) جميعهم من طرق عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة من قوله، وذكره أيضًا ابن كتير في تفسيره (٤/ ٢٠٥) منسوبا إلى عمر -﵁-، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ٩) إلى سفيان بن عيينة وعزاه لكتاب الاخلاص، فلا أدري هل هناك سقط =
[ ١ / ٢٦٢ ]
١٢٤ - نا يحيى بن سليمان المحاربي، نا مسعر بن كدام، حدثني عون ابن عبد اللَّه قال: نا ابن عتبة (^١) قال: "كانوا يتواصون فيما بينهم بثلاثة أحرف، يكتب بها بعضهم إلى بعض: "من عمل للَّه كفاه اللَّه الناس، ومن عمل لآخرته كفاه اللَّه دنياه، ومن أصلح سريرته أصلح اللَّه له علانيته" (^٢).
١٢٥ - حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: "إن الرجل ليعمل العمل الحسن في أعين الناس، أو العمل لا يريد به وجه اللَّه، فيقع له المقت والعيب عند الناس حتى يكون عيبا، وإنه ليعمل العمل أو الأمر يكرهه الناس، يريد به وجه اللَّه فيقع له المقة (^٣) والحسن عند الناس" (^٤).
_________________
(١) = -وهو الظاهر- أم تداخل في الأسانيد والمتون.
(٢) هو عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، ابن أخى عبد اللَّه بن مسعود، وُلد في عهد النبي -ﷺ-، من أبناء المهاجرين، وثقه العجلي وجماعة، مات بعد السبعين، الكاشف (١/ ٥٧٢)، التقريب (٣٤٦١).
(٣) إسناده ضعيف، يحيى بن سليمان المحاربي لا يصح حديثه كما في الضعفاء للعقيلي (٤/ ٤٠٨)، وكذا في لسان الميزان (٦/ ٢٦١)، ذم الدنيا (١٢٤) رقم (٣٦٣).
(٤) المِقَةُ المحبة، وقد وَمِقَه يمِقه أحَبَّه فهو وَامِقٌ، مختار الصحاح (٧٤٠).
(٥) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق طعنوا فيه للرأي، التقريب (٤٠٧٥)، الإخلاص والنية (٤٠) رقم (١١)، وهناد في الزهد بلفظ آخر (٢/ ٤٣٨) رقم (٨٦٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٩)، ولفظهما أوضح وهو: "إن الرجل ليتكلم بالكلام على كلامه المقت، ينوي فيه الخير فيلقى اللَّه -﷿- له العذر في قلوب الناس، حتى يقولوا: ما أراد بكلامه هذا إلا الخير، وإن الرجل ليتكلم بالكلام =
[ ١ / ٢٦٣ ]
عاشرا: الآثار الواردة في أنه سبب إجابة الدعاء.
١٢٦ - حدثني أبو خزيمة قال: حدثني يونس بن محمد المكّي قال: قال فضيل بن عياض لرجل: "لأعلّمنّك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها، واللَّه لئن علم اللَّه منك إخراج الآدميين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره، لم تسأله شيئا إلا أعطاك" (^١).
١٢٧ - نا ابن أبي مريم عن محمد بن سلام الجمحي قال: جاء رجل إلى الربيع بن عبد الرحمن (^٢) فسأله أن يكلم الأمير في حاجة له، فبكى الربيع ثم قال: "أي أخي، اقصد إلى اللَّه -﷿- في أمرك تجده سريعا قريبا، فإني ما ظاهرت أحدا في أمر أريده إلا اللَّه، فأجده كريما قريبا لمن قصده وأراده وتوكّل عليه" (^٣).
١٢٨ - حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني سهل بن محمود، عن عبد اللَّه بن إدريس (^٤) قال: "لو أن رجلا انقطع إلى رجل لعرف ذلك له،
_________________
(١) = الحسن لا يريد به الخير، فيلقى اللَّه -﷿- له في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه هذا الخير".
(٢) فيه أبو خزيمة وشيخه لم أعرفهما، الإشراف (٣٢٦) رقم (٤٨٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٤١).
(٣) هو الربيع بن عبد الرحمن بن وبرة الكوفي، قال عنه أبو حاتم: ما بحديثه بأس، الجرح والتعديل (٣/ ٤٦٧).
(٤) فيه شيخ المصنف، كتاب التوكل (٩٢) رقم (٥٧).
(٥) هو عبد اللَّه بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه =
[ ١ / ٢٦٤ ]
فكيف بمن له السماوات والأرضون" (^١).
١٢٩ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إسماعيل بن زياد، قال: "قدم علينا عبد العزيز بن سليمان (^٢) عبّادان في بعض قدماته فأتيناه نسلّم عليه فقال لنا: صَفُّوا للمنعم قلوبكم يكفكم المؤن عند همّكم، قال: ثم قال: أرأيت لو خدمت مخلوقا فأطلت خدمته، ألم يكن يرعى لخدمتك حرمة، فكيف بمن ينعم عليك، وأنت تسيء إلى نفسك، تتقلب في نعمه، وتتعرض لغضبه، هيهات همّتك همّة البطالين، ليس لهذا خلقتم، ولا بهذا أمرتم، الكيس الكيس رحمكم للَّه تعالى" (^٣).
حادي عشر: الآثار الواردة في مشروعية تلقين الميت كلمة التوحيد.
١٣٠ - حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن بسطام قال: حدثنا جعفر
_________________
(١) = عابد، مات سنة (١٩٢ هـ) وله بضع وسبعون سنة، التقريب (٣٢٠٧).
(٢) إسناده صحيح، وسهل بن محمود هو أبو السري ثقة كما في تاريخ بغداد (٩/ ١١٥)، القناعة والتعفف (٥٠) رقم (٩٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦٩).
(٣) هو عبد العزيز بن سليمان العابد، من أهل البصرة، ممن له حكايات كثيرة مروية في الرقائق والعبادات، قال الخطيب: "ليس له حديث مستند يرجع إليه، وإنما ذكرته لشهرته في المتعبدين، ولما كان فيه من استجابة الدعاء"، تاريخ بغداد (٨/ ٣٩٤).
(٤) إسناده ضعيف جدا، إسماعيل بن زياد هو السكوني متروك كذبوه التقريب (٤٥٠)، القناعة والتعفف (٥٠) رقم (٩١).
[ ١ / ٢٦٥ ]
ابن سليمان قال: سمعت شميط بن عجلان قال: "لما نزل بأبي الدرداء (^١) الموت جزع جزعا شديدا، فقالت له أم الدرداء: يا أبا الدرداء لم تكن تخبرنا أنك تحب الموت، قال: بلى وعزّة ربي، ولكن نفسي لما استيقنت الموت كرهته، قال: ثم بكى فقال: هذه آخر ساعاتي من الدنيا، لقِّنوني لا إله إلا اللَّه، فلم يزل يردّدها حتى مات" (^٢).
١٣١ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول قال: قال عمر بن الخطاب: "احضروا موتاكم وذكِّروهم؛ فإنهم يرون ما لا ترون، ولقِّنوهم شهادة أن لا إله إلا اللَّه" (^٣).
_________________
(١) هو عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، أبو الدرداء، مختلف في اسم أبيه، وأما هو فمشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقب، صحابي جليل، أول مشاهده أُحُد، وكان عابدا، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل عاش بعد ذلك، الإصابة (٤/ ٧٤٧).
(٢) إسناده ضعيف، فيه يحيى بن بسطام، ضعف بسبب البدعة والمناكير في رواياته، انظر لسان الميزان (٦/ ٢٤٣)، المحتضرين (١٣٥ - ١٣٦) رقم (١٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦).
(٣) إسناده لين، وهو مرسل، عبد الرحمن بن ثابت صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بآخره، التقريب (٣٨٤٤)، وانظر تحفة التحصيل (٣١٤)، المحتضرين (٢٢) رقم (٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٨٦) رقم (٦٠٤٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٤٦) رقم (١٠٨٥٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٢٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٦٩)، ونسبه السيوطي =
[ ١ / ٢٦٦ ]
١٣٢ - حدثني محمد قال: حدثنا فهد بن حيان قال: حدثنا حفص ابن عبد الملك قال: سمعت أنس بن سيرين يقول: "شهدت أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقِّنوني لا إله إلا اللَّه، فلم يزل يقولها حتى قبض ﵀" (^١).
١٣٣ - حدثني محمد قال: حدثنا داود بن المحبر قال: حدثنا صالح المرّي قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: "أوصاني أبو الجلد (^٢) أن ألقنه لا إله إلا اللَّه، فكنت عند رأسه وقد أخذه كرب الموت، فجعلت أقول: يا أبا الجلد قل لا إله إلا اللَّه، فقال: لا إله إلا اللَّه، بها أرجو نجاة نفسي، لا إله إلا اللَّه، ثم قبض" (^٣).
١٣٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون قال: حدثني أبي، عن زيد بن أسلم قال: قال عثمان بن
_________________
(١) = في الدر (٨/ ٣٢) للمصنف، ويروى هذا الأثر مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، انظر المراسيل لأبي داود (٢٩٦)، ونصب الراية (٢/ ٢٥٤).
(٢) إسناده ضعيف، فيه فهد بن حيان، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٣/ ١٠)، وانظر لسان الميزان (/٤٥٤)، المحتضرين (٢٣) رقم (١١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٧٨)، وكذا ابن الجوزي في الثبات عند الممات (١٣٣)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٩٢).
(٣) هو جيلان بن أبي فروة الأسدي، كان ممن يقرأ كتب الأوائل، وكان من العباد، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٢)، مشاهير علماء الأمصار (٩٣).
(٤) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، المحتضرين (٢٣ - ٢٤) رقم (١٢).
[ ١ / ٢٦٧ ]
عفان (^١): "إذا احتضر الميت فلقنّوه لا إله إلا اللَّه؛ فإنه ما من عبد يُختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة" (^٢).
ثاني عشر: الآثار الواردة في أنها شعار الناس إذا خرجوا من قبورهم.
١٣٥ - دثنا هارون بن سفيان، دثنا ابن فضيل (^٣)، عن النضر بن عربي (^٤) قال: "بلغني أن الناس إذا خرجوا من قبورهم كان شعارهم لا إله إلا اللَّه، وكانت أول كلمة تغنى بها برهم وفاجرهم: ربنا ارحمنا" (^٥).
_________________
(١) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، والخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرة، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة خمس وثلاثين، وعمره ثمانون وقيل أكثر وقيل أقلّ، الإصابة (٤/ ٤٥٦)، التقريب (٤٥٠٣).
(٢) إسناده حسن إلى زيد بن أسلم، ولكنه منقطع بينه وبين عثمان، فقد كان يرسل التقريب (٢١٢٩)، وعبد الملك بن عبد العزيز صدوق له أغلاط في الحديث التقريب (٤٢٢٣)، وانظر جامع التحصيل (١٧٨)، المحتضرين (٢٠) رقم (٥)، وذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٦٧٦).
(٣) الصواب ابن نفيل فهو الراوي عن النضر بن عربي، وقد ورد صوابا في طبعة المباركفوري.
(٤) هو النضر بن عربي الباهلي مولاهم، أبو روح، ويقال أبو عمر الحراني، لا بأس به، مات سنة (١٦٨)، الكاشف (٢/ ٣٢١)، التقريب (٧١٤٥).
(٥) إسناده حسن، وسيأتي (١٥٥) الكلام على شيخ المصنف، الأهوال (٢٢٤) رقم (٢١٨)، وذكره ابن رجب في كلمة الإخلاص (٦٥)، وابن كثير في النهاية (١/ ٢١٣) عن المؤلف.
[ ١ / ٢٦٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان فضل التوحيد، وعظيم منزلة شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وقد تنوعت دلالتها على ذلك، حتى انتظمت تحت أنواع من النصوص كل نوع تحته مجموعة غير يسيرة من الآثار، وهى فضائل كثيرة لا يمكن استقصاؤها (^١)، وإنما الغرض التنبيه بتنويعها على أهمية ما دلت عليه وفضله، كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ "ليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة مثل التوحيد؛ فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله" (^٢).
فتفاضل الأعمال يكون بحسب التوحيد الذي في القلب، قال ابن القيم: "الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى لتكون صورة العملين واحدة وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى" (^٣).
وهو أعظم نِعَمِ اللَّه على العبد قال ابن القيم: "ما مُنِح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما
_________________
(١) انظر كلمة الإخلاص لابن رجب (٥٦).
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (٣/ ١١) ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ.
(٣) المنار المنيف (٣٣).
[ ١ / ٢٦٩ ]
يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم" (^١).
وقد وصفه اللَّه بالإحسان كما فسر ابن المنكدر ومقاتل الآية (^٢)، ورتب عليه الجنة والجزاء من جنس العمل و"أعظم الإحسان الإيمان، والتوحيد، والإنابة إلى اللَّه، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد اللَّه كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية. . . فإن اللَّه إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به" (^٣).
وهو كذلك مكفر للذنوب كما في أثر أبي حازم أن الذنوب تغفر عند تصحيح الضمائر، وهذه الفضيلة هي من بعض فضائله وآثاره (^٤)، وقد ترجم لها الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد بقوله: "باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب"، ولا شك أن التوحيد من جملة الأسباب لمغفرة الذنوب عموما، لكن في تكفيره كل الذنوب تفصيل ذكره ابن رجب الحنبلي فقال: "السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة. . . فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا- لقيه اللَّه بقرابها مغفرة، لكن هذا مع
_________________
(١) الأمثال في القرآن (٤٢).
(٢) وهى قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾.
(٣) بدائع الفوائد (٣/ ١٨).
(٤) القول السديد (١٢).
[ ١ / ٢٧٠ ]
مشيئة اللَّه -﷿-؛ فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. . . فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه للَّه فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية" (^١).
كما أنه مطهر من الذنوب أيضًا بمعنى أن من حقق التوحيد فقد برئ من أنواع المخالفات وهي الشرك والمعاصي والبدع، كالشرك والنفاق والرياء التي وردت في الآثار السابقة، ولا شك أن التوحيد يقاوم المخالفات ويذهبها بحسبه، وفي تمام النص السابق لابن رجب يقول: "فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى اللَّه محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات. . . فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات".
وهو عُدَّةٌ لأهل الكبائر فقد تواترت النصوص على خروج أهل الكبائر من النار، وعدم خلودهم فيها، وهم تحت المشيئة إما أن لا يدخلوها أصلا وإن
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٨)، وراجع شروح كتاب التوحيد فقد ذكروا جميعا هذه المسألة وفصلوا القول فيها، وهداية الحيارى (١/ ١٣٠)، والمجموع (١٠/ ٣١٧).
[ ١ / ٢٧١ ]
دخلوها لم يخلدوا فيها، وسيأتي بيان ذلك في الأسماء والأحكام.
وهو أيضًا أعظم ما حورب به إبليس كما في توجيه مجاهد لمن لعن إبليس بأنه لا شيء أقطع لظهره من لا إله إلا اللَّه، قال شيخ الإسلام: "أهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم، ولهذا يهربون من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، ويهربون من قراءة آية الكرسي، وآخر سورة البقرة، وغير ذلك من قوارع القرآن. . . والكهانة كانت ظاهرة كثيرة بأرض العرب، فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت أو قَلَّت ثم إنها تظهر في المواضع التي يختفي فيها أثر التوحيد" (^١)، قال ابن القيم: "التوحيد حصن اللَّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين" (^٢).
ولذلك كان أجره عظيما في الآخرة حيث يجزى به العبد أحسن الجزاء كما في سبق في ثالثا، بل حتى في الدنيا كما جاء في أثر ابن واسع من إقبال القلوب عليه، بل الأمر أعم من ذلك كما قال ابن سعدي: "ومن فضائل التوحيد أن اللَّه تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال" (^٣).
وهو كذلك من أعظم أسباب استجابة الدعاء كما في أثر الربيع
_________________
(١) النبوات (٢٨٠).
(٢) وذلك في معرض بيانه لأسباب الوقاية من الجن والعين والسحر، فعددها عشرة أسباب ثم ختمها بأعظمها وأهمها، بدائع الفوائد (٢/ ٤٧٠).
(٣) القول السديد (١٣).
[ ١ / ٢٧٢ ]
والفضيل وابن إدريس وعبد العزيز بن سليمان، وقد قال شيخ الإسلام: "لو سأل اللَّه بإيمانه بمحمد، ومحبته له، وطاعته له واتباعه، لكان قد سأله بسبب عظيم، يقتضى إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب والوسائل والنبي بيَّن أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك" (^١).
ومن هنا كان آخر ما يقوله العبد في الدنيا ويلقن به من أشرف على الموت، هو لا إله إلا اللَّه، كما ورد في النصوص الدالة على التلقين والحث على أن تكون آخر كلمة يقولها المسلم وبيان الأجر العظيم على ذلك.
أما أثر النضر بن عربي من كون كلمة التوحيد شعار من يبعث من قبره، فهو وإن كان فيه فضل هذه الكلمة لكنه بلاغ ولم أجد ما يعضده، إلا في حديث ضعيف لم يثبت (^٢)، وبقية الفضائل كما قال الشيخ ابن سعدي -بعد تعداد لبعض فضائل التوحيد-: "وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة" (^٣) واللَّه أعلم.
_________________
(١) المجموع (١/ ٢١٢).
(٢) انظر: ضعفاء العقيلي (٤/ ١٩٣)، الكامل في الضعفاء (٦/ ٣٩٥)، مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩)، وفيض القدير (٤/ ١٦١)، التخويف من النار لابن رجب (١٧٠)، وضعيف الجامع (ص ٤٩٧).
(٣) القول السديد (١٣).
[ ١ / ٢٧٣ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل.
أولا: الآثار الواردة في الإخلاص وأهميته.
١٣٦ - حدثني محمد بن العباس، نا محمد بن عمر بن الكميت الكلاعي، نا أبو إسحاق المقري قال: كان ابن الحنفية (^١) يقول: "إني واصف لك أخا لي كان أعظم الناس في عيني، وكان الذي عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يضع فيها ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم على الأمر إلا بنيّة" (^٢).
١٣٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: ثنا سفيان، عن هلال الوزان، قثنا عبد اللَّه بن عكيم قال: كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول إذا دخل شهر رمضان: ". . . ليتق أحدكم أن يقول: أصوم إن صام فلان، وأقوم إن قام فلان، من صام أو قام فليجعل ذلك للَّه. . . " (^٣).
_________________
(١) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية المدني، ثقة عالم، مات بعد الثمانين، التقريب (٦١٥٧).
(٢) ابن الكميت وشيخه لم أعرفهما، ذم الدنيا (١٠٠) رقم (٢٧٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣١٥) عن الحسن بن علي نحوه بسياق أطول وفي آخره: "كان إذا ابتداه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق، نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه"، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥٣ - ٢٥٤).
(٣) إسناده صحيح، فضائل رمضان (٥٩) رقم (٣١)، وعبد الرزاق في المصنف (٤/ ٢٦٦) رقم (٧٧٤٨)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٢٠٨)، وفي فضائل الأوقات =
[ ١ / ٢٧٤ ]
١٣٨ - حدثني محمد بن بشير، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه (^١) قال: "أدركتهم يجتهدون في الأعمال، فإذا بلغوها ألقي عليهم الهم والحزن، لا يدرون قبلت منهم أو ردّت عليهم" (^٢).
١٣٩ - حدثني محمد بن الحسن، حدثني محمد (^٣) بن مالك بن ضيغم، حدثني مولانا أبو أيوب (^٤) قال: قال لي أبو مالك (^٥) يوما: "يا أبا أيوب، احذر نفسك على نفسك؛ أني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي، وأيم اللَّه لئن لم تأت الآخرة والمؤمن بالسرور، لقد اجتمع عليه الأمران: هم الدنيا وشقاء الآخرة، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، وكيف لا تأتيته الآخرة بالسرور؟ وهو ينصب للَّه في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب،
_________________
(١) = (ص ١٨٥) عن علي ثم عن عمر وقال: "وهذا الذي كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي ﵄ يخطبان به في تنزيه الصيام عن الكذب والباطل واللغو قد روينا معناه عن النبي ﷺ".
(٢) هو عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، صدوق عابد ربما وهم، ورمي بالإرجاء، مات سنة (١٥٩ هـ)، التقريب (٣٣٨٧).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٠٨)، محاسبة النفس (١٠٨) رقم (٨٢).
(٤) لم أعرفه وأخشى أن يكون مقحما أو مكررا واللَّه أعلم.
(٥) أبو أيوب هو مولى ضيغم بن مالك، لم أجد له ترجمة لكنه يذكر في ترجمة ضيغم بالرواية عنه.
(٦) هو ضيغم بن مالك العابد، قال ابن مهدى: "ما رأيت عيناي مثل ضيغم" الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٠) ولم يذكر في ابنه مالك شيئا (٨/ ٢١١)، وانظر السير (٨/ ٤٢١).
[ ١ / ٢٧٥ ]
فكيف بالقبول؟ وكيف بالسلامة؟ قال: ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به على وجهه" (^١).
١٤٠ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن نعيم الموصلي، عن المعافى قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "لوددت أن كلَّ حديث في صدري نُسخ من صدري، فقلت يا أبا عبد اللَّه، هذا العلم الصحيح، وهذه السنة الواضحة، تتمنّى أن ينسخ من صدرك؟ قال: اسكت، أتريد أن أوقف يوم القيامة حتى أسأل عن كل مجلس جلسته، وعن كل حديث حدثته: أي شيء أردت به؟ " (^٢).
_________________
(١) فيه من لم أعرفه؛ محاسبة النفس (١٠٨) رقم (٨١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٣٦٠).
(٢) فيه محمد بن نعيم الموصلي لم أجد له ترجمة، ولعله محمد بن علي صُحِّف إلى نعيم، وهو ابن أبي خداش فهو يروي عن المعافى بن عمران وكان من أهل الفضل والجهاد والصلاح انظر خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (١/ ٣٥٢)، المتمنين (٦٦) رقم (١٠٥)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (١١٩)، وقال: "فقد بين سفيان في هذا الحديث المعنى الذي لأجله خاف على نفسه، وقد قيل: إنما خاف سفيان على نفسه من الحديث وتمنى أنه لم يكن دخل فيه؛ لأن حب الإسناد وشهوة الرواية غالبا على قلبه حتى كان يحدث عن الضعفاء ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليسا للرواية عنه، فخاف على نفسه من هذا الفعل، وقد كره التدليس والرواية عن الضعفاء جماعة من أئمة العلماء"، وذكره الذهبي في السير (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦) وقال: "قال يحيى القطان: كان الثوري قد غلبت عليه =
[ ١ / ٢٧٦ ]
١٤١ - حدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن كردوس، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أبي بكر بن الفضل قال: سمعت أيوب (^١) يقول: "ما صدق اللَّه عبدٌ إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه" (^٢).
١٤٢ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض قال: سمعته يقول: "خير العمل أخفاه، أمنعه من الشيطان، وأبعده من الرياء" (^٣).
١٤٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم قال: "كان أبو وائل (^٤) إذا خلا بكى، فسمعته يقول: رب ارحمني،
_________________
(١) = شهوة الحديث ما أخاف عليه إلا من حبة للحديث، قلت (الذهبي): حُبٌّ ذات الحديث والعملُ به للَّه مطلوبٌ، من زاد المعاد، وحب روايته وعواليه والتكثّر بمعرفته مذمومٌ مخوفٌ فهو الذي خاف منه سفيان والقطان وأهل المراقبة؛ فإن كثيرا من ذلك وبال على المحدث"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٢) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة (١٣١ هـ) وله خمس وستون، التقريب (٦٠٥).
(٣) إسناده لين، أحمد بن كردوس لم أعرفه، التواضع والخمول (١١٨) رقم (٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦) من قول إبراهيم بن أدهم، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٤٩).
(٤) إسناده حسن، وقد سبق (٢٣٣) بيان حكم رواية إبراهيم بن الأشعث عن شيخه الفضيل ابن عياض، الإخلاص والنية (٥٦) رقم (٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٥١) رقم (٦٨٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٤٠٤)، والسلمي في طبقات الصوفية (١/ ٢٦) جميعهم عن إبراهيم بن الأشعث به.
(٥) هو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن =
[ ١ / ٢٧٧ ]
رب اعف عني، رب إن تعف عني تعف طَوْلًا (^١) من قِبَلِك، وإن تعذبني تعذبني غير ظالم ولا مسبوق، قال: ثم يجيش بالبكاء كأشدّ نشيج الثكلى، ولو جعلت له الدنيا على أن يبكي، وأحد يراه، لم يفعل" (^٢).
١٤٤ - حدثنا أبو محمد القاسم بن هشام السمسار، حدثنا الحسن ابن قتيبة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عليّ قال: قال عليّ بن أبي طالب: "من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه خير من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة" (^٣).
١٤٥ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني المحاربي، عن سفيان، عن زبيد (^٤) قال: "من كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل،
_________________
(١) = عبد العزيز، وله مائة سنة، التقريب (٢٨١٦).
(٢) الطَّوْلُ بالفتح المَنُّ، يقال: طالَ عليه من باب قال، وتَطَوَّلَ عليه أي: امتن عليه، مختار الصحاح (٤٠٣).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يتشيع كما سيأتي (٨٩٥)، الإخلاص والنية (٥٨) رقم (٣٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٧٠)، والذهبي في السير (٤/ ١٦٥)، بألفاظ متقاربة.
(٤) إسناده ضعيف، فيه الحسن بن قتيبة، ذكره العقيلي في الضعفاء وقال: "كثير الوهم" (١/ ٢٤١)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٢٤٦)، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن، الإخلاص والنية (٥٢) رقم (٢٣)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٤١٩) ونسبه للمصنف.
(٥) هو زُبَيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت عابد، مات سنة (١٢٢ هـ) أو بعده، التقريب (١٩٨٩).
[ ١ / ٢٧٨ ]
ومن كانت سريرته مثل علانيته فذلك النَّصَف (^١)، ومن كانت سريرته دون علانيته فذلك الجور" (^٢).
١٤٦ - حدثنا أبو جعفر الكندي، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي واقد، عن أبيه قال: قال عليّ بن أبي طالب: "كونوا لقبول العمل أشدَّ هما منكم بالعمل، ألم تسمعوا اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٣) " (^٤).
١٤٧ - حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (^٥) قال: "علامة الدين الإخلاص للَّه،
_________________
(١) أي الوسط، انظر القاموس المحيط (١/ ١١٠٧).
(٢) إسناده حسن، والمحاربي لا بأس به ويدلس كما سيأتي (١٧٩)، لكن تابعه أبو سفيان -وهو ثقة التقريب (٥٨٧٢) - من طريق البيهقي، الإخلاص والنية (٥٣) رقم (٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٠) عن سفيان كان يقال، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٧) رقم (٦٩٨٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٧٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٣٤).
(٣) سورة المائدة، من الآية (٢٧).
(٤) فيه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي واقد وأبوه، لم أجدهما، ولعل في الإسناد تصحيفا من رواد إلى واقد كما استظهره المحقق واللَّه أعلم، وطريق أبي نعيم فيها يوسف بن أبي زياد وهو منكر الحديث كما في الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٢)، الكنى والأسماء لمسلم (١/ ٤٩٤)، الإخلاص والنية (٣٩) رقم (١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٨٨).
(٥) هو الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، =
[ ١ / ٢٧٩ ]
وعلامة العلم خشية اللَّه" (^١).
١٤٨ - حدثني سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب قال: بلغني أن عليّ بن أبي طالب قال: "العمل الصالح: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا اللَّه" (^٢).
١٤٩ - حدثني يعقوب بن إسماعيل، أخبرنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني ابن غُزيّة، عن حمزة من بعض ولد ابن مسعود (^٣) قال: "طوبى لمن أخلص عبادته ودعاءه للَّه، ولم يُشغل قلبَه ما تراه عيناه، ولم ينسه ذكرَه ما تسمع أذناه، ولم يحزن نفسَه ما أُعطِي غيرُه" (^٤).
١٥٠ - حدثنا ابن جميل، أنا عبد اللَّه، نا حيوة بن شريح، أخبرني
_________________
(١) = ورمي بالتشيع، مات سنة (١٤٠ هـ) أو قبلها، التقريب (١٨٨٢).
(٢) إسناده لين، فيه أبو جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ التقريب (٨٠٧٧)، الإخلاص والنية (٣٣) رقم (٣).
(٣) إسناده منقطع، الإخلاص والنية (٣٥) رقم (٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٨٢).
(٤) هو حمزة بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، وثقه بن حبان، من متقني أهل الكوفة، وكان من أفاضل الكوفيين، وخيار مشايخهم، مشاهير علماء الأمصار (١١٠)، تعجيل المنفعة (١/ ١٠٤).
(٥) إسناده حسن، ابن لهيعة روايته من طريق ابن المبارك وهي أعدل من غيرهما وابن غزية لا بأس به، التقريب (٣٥٨٧)، (٤٨٩٢)، الإخلاص والنية (٣٦) رقم (٧)، وابن المبارك في الزهد برقم (١٩).
[ ١ / ٢٨٠ ]
عقيل، عن ابن شهاب: أن أم سلمة (^١) زوج النبي -ﷺ- قالت: "إني لأهدي الهدية على ثلاث، هدية مكافأة؛ فإنا لا نحب أن يفضلنا أحد، ومن أهدى بقدر ما يجد فقد كافأ، وهدية أريد بها وجه اللَّه -﷿-، لا أريد بها جزاءً ولا شكورا، وهدية أريد بها اتقاءً؛ فإني لا أحب أن يقال فيَّ إلا خير" (^٢).
١٥١ - حدثني محمد بن الحسين، قال: أنشدني إبراهيم بن داود بن شداد (^٣) قوله:
المرء يزري بِلُبِّه طمعه والدهر قَدَرٌ كثيرةٌ خِدعه
والناس إخوانُ كلّ ذي نشد قد خاب عبدٌ إليهم ضرعه
والمرء إن كان عاقلا ورعا أخرسه عن عيوبهم ورعه
_________________
(١) هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزومية، أم سلمة أم المؤمنين، تزوجها النبي -ﷺ- بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاثٍ، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا، ماتت في إمارة يزيد سنة (٦٢ هـ) وقيل غير ذلك، الكاشف (٢/ ٥١٩)، الإصابة (٨/ ١٥٠)، التقريب (٨٦٩٤).
(٢) إسناده حسن إلى الزهري، وعقيل هو بن خالد ثقة ثبت، التقريب (٤٦٩٩)، وهو من أثبت الناس في الزهري كما في تهذيب الكمال (٥/ ٢٠٥)، مكارم الأخلاق (٨٨) رقم (٣٦٣)، وأورده الديلمي في مسند الفردوس (٤/ ٣٤٩) من قول عائشة ﵂.
(٣) لم أجد له ترجمة، وشيخ المصنف هو البرجلاني في درجة الصدوق انظر لسان الميزان (٥/ ١٣٧).
[ ١ / ٢٨١ ]
كما المريض السقيم يشغله عن وجع الناس كلهم وجعه (^١)
١٥٢ - حدثنا أبو عبد اللَّه العجلي حسين بن علي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا يزيد بن سنان عن من حدثه قال: قال عمر بن الخطاب لجلسائه: "ما الذي نقيم به وجوهنا عند اللَّه يوم القيامة؟ فقال بعض القوم: الصلاة، فقال عمر: قد يصلي البر والفاجر، قالوا: الصيام، قال عمر: قد يصوم البر والفاجر، قالوا: الصدقة، قال عمر: قد يتصدق البر والفاجر، قالوا: الحج، قال عمر: قد يحج البر والفاجر، قال عمر: الذي نقيم به وجوهنا عند اللَّه أداء ما افترض علينا، وتحريم ما حرم علينا، وحسن النية فيما عند اللَّه" (^٢).
١٥٣ - حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد بن حيان، حدثنا عيسى بن كثير الأسدي الرَّقِّي قال: مشيت مع ميمون بن مهران (^٣)، حتى أتى باب داره، ومعه ابنه عمرو، فلما أردت الانصراف قال له عمرو: يا أبت ألا
_________________
(١) إسناده إلى صاحب الأبيات حسن، ولم أجد له ترجمة، الورع (١٢٣) رقم (٢١٨)، والبيتين الأخيرين منها في ديوان الشافعي (٩٠).
(٢) إسناده ضعيف، فيه إبهام شيخ يزيد وكلام في يزيد وشيخ المصنف، الورع (١٠٩) رقم (١٧٥) ونحوه رقم (١٨)، رقم (٢١٤)، وانظر جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٥).
(٣) هو ميمون بن مهران الجزري، أبو أيوب أصله كوفي نزل الرقة وكان عالمها، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، مات سنة (١١٧ هـ)، الكاشف (٢/ ٣١٢)، التقريب (٧٠٤٩).
[ ١ / ٢٨٢ ]
تعرض عليه العشاء؟ قال: "ليس ذلك من نيتي" (^١).
١٥٤ - حدثني علي بن أبي مريم، عن الحميدي قال: سمعت سفيان قال: قال الأعمش (^٢): "لقد أدركت قوما لو لم يتركوا الكذب إلا حياء لتركوه" (^٣).
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه عيسى بن كثير الأسدي، لم أجد له ترجمة، إلا أنه ورد ضمن شيوخ خالد بن حيان، انظر تهذيب الكمال (٢/ ٣٣٩). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٤٧) رقم (٥٠٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٩٤ - ١٩٥)، وانظر في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٣١٥) فقد ذكر آثارا في معالجة السلف لنيتهم واهتمامهم بها.
(٢) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءات، ورع لكنه يدلس، مات سنة (١٤٧ هـ) أو التي بعدها، الكاشف (١/ ١٤٦)، التقريب (٢٦١٥).
(٣) فيه علي بن الحسن بن أبي مريم، روى عنه المصنف في عدة مواضع من كتبه منها الأمر بالمعروف على سبيل المثال رقم (٤٦)، والورع رقم (١٨٥)، وقد استظهر الدكتور نجم عبد الرحمن خلف كونه (علي بن الحسن بن أبي مريم: والد الحكيم الترمذي) بناء على أن المزي ذكره باسم علي بن الحسن بن أبي مريم فيما رواه من طريق ابن أبي الدنيا، ثم عرفه في موضع آخر في ترجمة عثمان بن زفر التيمي وترجمة مطرف بن عبد اللَّه بأنه علي بن الحسن بن أبي مريم والد الحكيم الترمذي، قلت: وهذا الذي توصل إليه يشكل عليه أن المزي نفسه في ترجمة ثابت بن محمد الشيباني من تهذيب الكمال فرّق بينهما فقال: روى عنه: . . . علي بن الحسن والد الحكيم الترمذي، وعلي بن الحسن ابن أبي مريم، وكذا في ترجمة عبد بن نافع بن ثابت، وعمرو بن حماد، وهناك شخص في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ١٣٨) في طبقة شيوخ ابن أبي الدنيا =
[ ١ / ٢٨٣ ]
١٥٥ - حدثنا هارون بن سفيان، حدثنا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: سمعت ابن السَّمَّاك (^١) يقول: "ما أراني أُوجَر على تركي الكذب؛ لأني إنما أدعه أَنَفَةً" (^٢).
_________________
(١) = اسمه: علي بن بشر بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مريم الأموي توفي سنة (٢٣١ هـ)، وقد ذكروا من شيوخه زيد بن الحباب، وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت رقم (٥١) عن ابن أبي مريم عن زيد بن الحباب، فاللَّه أعلم هل يمكن أن يكون هو ولم ينسب إلى أبيه بل إلى جدّه، وإن كان الغالب في التراجم ذكر النسبة كاملة، لكن علي بن الحسن هذا قد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات رقم (٣٠٦) ما يشعر بتقوية أمره حيث قال: سمعت محمد بن الحسين يحدث بهذا الحديث، فلم أحفظه، فحدثني علي بن أبي مريم عنه. . . "، كما أن الدكتور نجم خلف، درس جملة من شيوخه فوجد الغالب عليهم أنهم ثقات فلعل مجموع هذا يجعل الرجل ممن تقبل رواياته. الصمت وآداب اللسان (٢٥٨ - ٥٥٩) رقم (٥٤٤)، وعزاه الزبيدي (٧/ ٥٢٢) إلى المصنف.
(٢) هو محمد بن صبيح بن السماك الواعظ المشهور، قدم بغداد زمن الرشيد، وكان صدوقا، وذكر له الخطيب حكايات مع الرشيد، مات سنة (١٨٣ هـ)، تعجيل المنفعة (٣٦٤).
(٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف هارون بن سفيان هو ابن بشير أبو سفيان المستملي، كان مستملي يزيد بن هارون، ويعرف بالديك، ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٢٥)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، والذهبي في المقتنى (٢/ ١٠٥)، وابن مفلح في المقصد الأرشد (٣/ ٧٢) وقال عنه: "نقل عن إمامنا أشياء"، والبغدادي في تكملة الإكمال (٢/ ٥٨٤)، ونقل الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣٣) عن الدارقطني =
[ ١ / ٢٨٤ ]
١٥٦ - نا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن ليث، عن أبي العالية (^١) قال: اجتمع إليّ أصحاب محمد فقالوا: "يا أبا العالية لا تعمل عملا تريد به غير اللَّه فيجعل اللَّه ثوابك على ما أردت، قال: واجتمع إلى أصحاب محمد فقالوا: يا أبا العالية لا تتكِّلنَّ على غير اللَّه فيكلك اللَّه إلى من اتَّكلتَ عليه" (^٢).
ثانيا: الآثار الواردة في صلاح العمل.
١٥٧ - حدثنا محمد بن علي بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث،
_________________
(١) = في سند فيه هارون بن سفيان هذا: "ورجاله كلهم ثقات"، وفات الهيثمي ذلك فقال في مجمع الزوائد (٢/ ٨٦): "لم أجد من ذكره"، وباقى رجاله ثقات. كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٥٩) رقم (٥٤٥)، ونسبه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٢١) إلى المصنف، وأبي نعيم في الحلية، ولم أجده فيها إلا عن إبراهيم بن أدهم مثله في تركه لبعض الطيبات لأنه لا يشتهيها فخشي أن لا يؤجر على تركها (٨/ ٢٢)، وانظر السير (١٠/ ٢٧٩).
(٢) هو رُفَيْع بن مهران أبو العالية الرِّياحي، ثقة كثير الإرسال، مات (٩٠ هـ) وقيل غير ذلك، الكاشف (١/ ٣٩٧)، التقريب (١٩٥٣).
(٣) إسناده لين، مداره على ليث قد سبق الكلام فيه (٤٩)، كتاب التوكل (٧٢) رقم (٣٨)، وأحمد في الزهد (٤٤)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٦) رقم (٨٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٢٠) مختصرا من طريق ليث عن عثمان عن أبي العالية بذكر الواسطة، وعثمان هذا هو الطويل قال فيه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٧٣): "شيخ"، وأورده ابن حبان في الثقات (٥/ ١٥٧) وقال: "ربما أخطأ".
[ ١ / ٢٨٥ ]
عن فضيل بن عياض: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^١) قال: "أخلصه وأصوبه، قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: إذا كان للَّه، والصواب: إذا كان على السنة" (^٢).
١٥٨ - حدثنا داود بن محمد: أنه سمع أبا عبد (^٣) النِّباحي (^٤) يقول: "خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة اللَّه، ومعرفةُ الحق، وإخلاص العمل للَّه، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل؛ وذلك أنك إذا عرفت اللَّه ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإذا عرفت الحق ولم تعرف اللَّه لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمّت الأربعة
_________________
(١) سورة الملك، من الآية (٢).
(٢) إسناده حسن، الإخلاص والنية (٥٠) رقم (٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٩٥)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٣).
(٣) كذا وهو أبو عبد اللَّه النباجي الزاهد، وقد ورد كاملا في تاريخ دمشق من طريق المصنف كما سيأتي.
(٤) هو سعيد بن بريد التميمي الصوفي، أبو عبد اللَّه النباجي الزاهد، توفي في حدود (٢٢٠ هـ)، تاريخ الإسلام (١/ ١٦١٩)، الوافي بالوفيات (١/ ٢٠٦٢)، وله ترجمة مطولة في حلية الأولياء (٩/ ٣١٠).
[ ١ / ٢٨٦ ]
ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (^١) " (^٢).
١٥٩ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، أنبأنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبي الزِّنباع، عن أبي الدهقان قال: صحب الأحنفَ بن قيس (^٣) ﵀ رجلٌ فقال: ألا تميل فنحملك ونفعل؟ قال: لعلك من العَرَّاضين؟ قال: وما العَرَّاضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا ولا يفعلوا، قال: يا أبا بحر ما عرَّضت عليك حتى قال: "يا ابن أخي إذا عرض لك الحق فاقصد له، والْهُ عما سواه" (^٤).
_________________
(١) انظر تعليق ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٠ - ١٠٧) على اشتراط الأكل من الحلال لقبول الأعمال.
(٢) فيه شيخ المصنف، لم أقف له على ترجمة، الإخلاص والنية (٣٢) رقم (٢)، ومن طريقه الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ١٦١٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٨)، وكذلك ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٩/ ٤٢٨٧)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠١).
(٣) هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، مخضرم ثقة، وكان سيدا نبيلا، قيل مات سنة (٦٥٧ هـ)، وقيل سنة (٧٢ هـ)، الكاشف (١/ ٢٢٩)، التقريب (٢٨٨).
(٤) إسناده صحيح إلى أبي الدهقان. كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٤٧) رقم (٥٠٤)، أخرجه ابن المبارك (١٤٠١)، وأحمد (٢٣٥) كلاهما في الزهد لهما، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٦١) رقم (٣٤٩٨١)، ولم يذكر أحمد أبا الدهقان في روايته، وأبو الزنباع هو صدقة بن صالح روى البخاري في التاريخ (٤/ ٤٢٨) رقم (١٨٨٧) عن ابن معين أنه قال: =
[ ١ / ٢٨٧ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أهمية أمرين اثنين هما شرطا قبول العمل، وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإن الآثار السابقة تفيد أهمية الإخلاص في العبادة وهو الشطر الأول من الشهادة، وأهمية الاتباع في صلاح العمل وهو الشطر الثاني منها، وحرص السلف على ذلك، وعلى هذا مدار الإسلام كما قال شيخ الإسلام: "الإسلام مبني على أصلين: أن لا تعبد إلا اللَّه، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع؛ فالنصارى خرجوا عن الأصلين، وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم" (^١)، وقال: "وهو حقيقة قول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة، ومحبة وتعظيما، وخوفا ورجاء، وإجلالا وإكراما، وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا اللَّه، ولا يدعى إلا اللَّه، ولا يخاف إلا اللَّه، ولا يطاع إلا اللَّه، والرسول هو المبلغ عن اللَّه طاعته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، فهو واسطة بين اللَّه وبين
_________________
(١) = "كوفي ثقة"، أما أبو الدهقان فقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٦٨)، وكذلك البخاري في التاريخ جزء الكنى (٨/ ٢٨) رقم (٢٤٤) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وإنما ذكرا أنه يروي عنه أبو الزنباع.
(٢) منهاج السنة (١/ ٤٨١).
[ ١ / ٢٨٨ ]
خلقه في تبليغ أمره وفيه ووعده ووعيده" (^١).
ولذلك حرص السلف كما ورد في الآثار السابقة على جعل الأعمال كلها خالصة للَّه مرادا بها وجهه، ولا يقدمون على عمل حتى يستحضروا النية فيه، ومن هنا كان همهم شديدا لقبول أعمالهم، ولما كان ظهور العمل مظنة الرياء حرصوا على إخفائه، وفضلوا عمل السر على عمل العلانية، واهتموا بإصلاح البواطن والسرائر؛ لأن ذلك يثمر صلاح الظاهر والعلنية، ويرجح الميزان يوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "من صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس" (^٢)، حتى إن بعض الأعمال التي يتركونها أنفة وحياء يخافون من عدم قبولها؛ لكان الإخلاص وأهميته، ويتركون أعمالا أخرى حتى يستحضروا النية فيها، ولا يفعلونها لمجرد جريان العادة، قال شيخ الإسلام: "العمل المجرد عن النية لا يثاب عليه؛ فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص للَّه لم يقبل منه" (^٣).
ثم الآثار التي وردت في أهمية التابعة مع الإخلاص فيها بيان واضح أن هذين الأمرين لا بد من اجتماعهما ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، فإن أثر الفضيل المشهور في بيان اشتراط الاتباع والإخلاص في العمل،
_________________
(١) الرد على البكري (١/ ١٤١)، وانظر المجموع (١/ ٨٠).
(٢) المجموع (٧/ ٩).
(٣) المجموع (٢٢/ ٢٤٣).
[ ١ / ٢٨٩ ]
وأثر النباحي في بيان ما يرتفع به العمل إلى اللَّه، وأنه إذا اختل شرط الإخلاص أو المتابعة، لم يرتفع العمل، وقد بيّن ابن القيم ﵀ التلازم الوارد بين كلمة التوحيد والأعمال الصالحة وارتفاعها إلى اللَّه ومن ثَمَّ قبولها فقال: "الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي للَّه -﷿- ثمرة هذا الكلمة. . . وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^١)، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا" (^٢).
_________________
(١) سورة فاطر، من الآية (١٠).
(٢) الأمثال في القرآن الكريم (٣٦).
[ ١ / ٢٩٠ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء.
إن الدعاء من أهم مباحث التوحيد، كيف لا وقد حصر النبي -ﷺ- العبادة فيه فقال: "الدعاء هو العبادة"، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^١) فسماه ﷾ عبادة (^٢)، ولما كان هذا شأن الدعاء فقد وردت عدة آثار في كتب ابن أبي الدنيا تتحدث عن مسألة من المسائل المتعلقة به، وقد قسمتها في العناصر التالية:
أولا: الآثار الواردة في أسباب الإجابة.
١٦٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان الحلبي، حدثنا سرّار العنزي قال: سمعت عبد الواحد بن زيد (^٣) قال: "الإجابة مقرونة بالإخلاص، لا فرقة بينهما" (^٤).
١٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٦٠).
(٢) انظر تخريجه في أحكام الجنائز (ص ١٩٤) رقم (١٢٤).
(٣) هو عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد شيخ الصوفية، له أخبار كثيرة في الزهد والوعظ، لكنه كان ضعيف الحديث ورمي بالقدر، تعجيل المنفعة (١/ ٢٦٦).
(٤) إسناده حسن، وقد سبق الكلام في شيخ المصنف (١٥١)، الإخلاص والنية (٣٧) رقم (٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٦٢).
[ ١ / ٢٩١ ]
ابن جرير قال: "حُبس ابن أخٍ لمطرف بن عبد اللَّه (^١)، فلبس خُلقان ثيابه، وأخذ عكّازة بيده، فقيل: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعله أن يشفّعني في ابن أخي" (^٢).
ثانيا: الآثار الواردة في إنزال كل الحوائج باللَّه -﷿- وحده.
١٦٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الحجاج بن نصير، حدثني سهيل أخو حزم القُطَعي، حدثنا رجاء بن مسلم العبدي قال: "كنا نكون مع عَجَرَّدَة العمية (^٣) في الدار، قال: فكانت تحيي الليل صلاة، قال: وربما
_________________
(١) هو مطرف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامري الحَرَشي، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة عابد فاضل، مات سنة (١٩٥)، التقريب (٦٧٠٦).
(٢) إسناده حسن، وشيخ المصنف تابعه عفان بن مسلم وهو ثقة، التقريب (٤٦٥٩)، مجابو الدعوة (١١٦) رقم (٩١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٣٢٥) وذكر له طرقا أخرى أيضًا، وذكره الذهبي في السير (٤/ ١٩٥)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٥).
(٣) ترجمتها في طبقات الصوفية (١/ ٣٩٨)، وقال عنها: "من أهل البصرة من أرباب المجاهدات، ذكر سيار عن جعفر بن سليمان قال: سمعت نساءنا أمي أو غيرها تقول: لم تفطر عجردة العمية ستين سنة، ولم تنم بالليل إلا هدوه، وكانت إذا صحت (لعلها أصبحت) قالت: أوه قطع بنا النهار عن مناجاة سيدنا وردنا إلى ما نستحقه من كلام المخلوقين سماعا وقولا"، وذكرها ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٦)، وعبد الحق الإشبيلي في كتاب التهجد (ص ٢١٧) بقوله: "وكانت عجردة من العابدات، وكانت تحيي الليل كله، وكانت عمياء"، قلت: ولذلك فقد تذكر بلقب العابدة بدل العمياء أو العمية كما عند الإشبيلي (ص ٢٤٨) رقم =
[ ١ / ٢٩٢ ]
كانت تقوم من أول الليل إلى السحر، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدُّلج إلى ظلم الأسحار، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء وأرحم الرحماء وأعظم العظماء، ثم تخر ساجدة يُسمع وجبة سقوطها، فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر، وكان ذلك دأبها ثلاثين سنة" (^١).
١٦٣ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أبو الوليد الكلبي، حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال: قال لي سفيان الثوري: "عليك بالاستغناء عن جميع الناس، وارغب إلى اللَّه -﷿- في حوائجك، وافزع إليه فيما ينوبك، وليكن همُّك مرمةَ جهازك" (^٢).
_________________
(١) = (١٢٥٥) وليس ذلك تصحيفا كما قد يتبادر إلى الذهن.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه الحجاج بن نصير ضعيف كان يقبل التلقين التقريب (١١٤٨)، التهجد (١٥١) رقم (٤٥)، والمروزي في قيام الليل (المختصر ص ٨٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٦)، وعبد الحق الإشبيلي في كتاب التهجد (ص ٢١٧) رقم (١٠٨٩).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، وأبو الوليد الكلبي ثقة أفحش ابن حبان القول فيه ولم يأت بدليل التقريب (٢٧٠٩)، إصلاح المال (١٣١) رقم (٥٠٢)، وأحمد في الورع (١٩٥) وفيه قصة طويلة في سبب هذا القول، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٧) من طريق المصنف مطولا كذلك.
[ ١ / ٢٩٣ ]
١٦٤ - حدثني محمد بن الحسن قال: حدثني أبو الوليد عيّاش بن عاصم الكلبي قال: حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال: "أخذ بيدي سفيان الثوري ﵀، فأخرجني إلى الجبّان، فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس، فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل، فليكن همّك مرمّة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى اللَّه -﷿- في حوائجك لديه، وافرغ إليه فيما ينوء بك، وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، فارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده، فواللَّه ما أعلم اليوم بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرض عشرة دراهم فأقرضني لم يكتمها حتى يذهب ويجيء ويقول: جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته" (^١).
١٦٥ - حدثني قاسم بن هاشم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبيد اللَّه بن سهل (^٢) العدني (^٣)، حدثني عقبة بن أبي جسرة، عن محمد بن
_________________
(١) إسناده لين؛ أبو المهلهل لم أجده إلا عند ابن حبان (٢٦٢) وقال: "يروى عن سفيان الثوري أنه قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل"، وقد وقع تصحيف في اسم عاصم بن عياش في مصادر التخريج فاللَّه أعلم، العزلة والانفراد (٦٧ - ٦٨) رقم (٣١)، وأحمد في الورع (١٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٧)، وأورده الذهبي في مناقب الإمام الأعظم سفيان الثوري (ص ٤٠).
(٢) كذا ورد في المطبوع وهو كذلك في المخطوط وهو تصحيف والصواب "سهيل" كما في مصادر ترجمته.
(٣) كذا أورده المحقق محمد خير رمضان، وذكر أنها في المخطوط، "العداني" وأن الناسخ =
[ ١ / ٢٩٤ ]
سيرين (^١) قال: "ما تمنّيت شيئا قط، قلنا له: وكيف ذلك؟ قال: إذا عرض لي شيء من ذاك سألته ربي" (^٢).
١٦٦ - حدثني العلاء بن مسلمة التميمي، حدثني عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد (^٣): "أن أخا له ركب في البحر، فقام في بعض الليل ليتوضّأ، فزلّت رجله، فوقع في البحر، فجاءت موجة،
_________________
(١) = شطب على الألف، ثم استظهر أنها "الحداني"؛ فإن اثنين بهذه النسبة يرويان عن مسلم بن يسار كما قال، قلت: والذي يظهر لي أنه الغداني، أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٠٤) وقال عنه: "ربما أخطأ"، ولم يذكر فيه البخاري جرحا ولا تعديلا (٥/ ٣٨٤)، ولا ابن أبي حاتم (٥/ ٣١٨)، وهو من شيوخ ابن أبي شيبة روي عنه في المصنف انظر (٢/ ٢٩٦) رقم (٩١٧١)، بل هو مشهور بهذه النسبة انظر التاريخ الكبير (٦/ ٤٤٠) حيث ذكره بنسبته فقط فيمن روى عن عقبة بن أبي جسرة ولم يسمه، أما الشطب الذي ذكره في المخطوط "١٢٦ أ" فليس بشطب بل هو فتحة على الدال، وقبلها شرطة على العين إشارة إلى إعجامها لتكون غينا، فإن من عادة الناسخ أن يفعل ذلك، كما فعل بعدها في ابن سيرين وأبي جسرة وغيرهما واللَّه أعلم.
(٢) هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، مات (١١٧ هـ)، التقريب (٥٩٤٧).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق تاريخ بغداد (١٢/ ٤٢٩)، وعقبة بن أبي جسرة أورده ابن شاهين في الثقات (١٧٣)، ووثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل (٦/ ٣٠٩)، المتمنين (٤٧) رقم (٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٠٢).
(٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات سنة (١٧٥ هـ) التقريب (٥٦٨٤).
[ ١ / ٢٩٥ ]
فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته، فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فجاءت موجة فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فجاءت موجة فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فأجيب: لبيك وسعديك، ها أنا ذا قد جئتك، فإذا آت قد جاء، فاحتمله حتى وضعه في المركب" (^١).
١٦٧ - حدثني سويد بن سعيد، حدثني خالد بن عبد اللَّه اليمامي قال: "استودع محمد بن المنكدر وديعة، فاحتاج إليها، فأنفقها، فجاء صاحبها يطلبها فقام فتوضّأ وصلى، ثم دعا فقال: يا سادّ الهواء بالسماء، ويا كابس الأرض على الماء، ويا واحدا قبل كل أحد كان، ويا واحدا بعد كل أحد يكون، أدِّ عني أمانتي، فسمع قائلا يقول: خذ هذه، فأدِّها عن أمانتك، وأقصر في الخطبة، فإنك لن تراني" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، شيخ المصنف متروك ورماه ابن حبان بالوضع، التقريب (٥٢٩١)، مجابو الدعوة (١٣٠ - ١٣١) رقم (١١٤).
(٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف صدوق في نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه فأفحش فيه ابن معين القول، التقريب (٢٧٠٥)، والقصة صحيحة بطرقها، مجابو الدعوة (٩٨) رقم (٦٦)، الهواتف رقم (١٢٢)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٨٩) رقم (١٢٤) وسنده ممسوح كما أفاد المحقق، وابن عساكر في تاريخ دمشق من عدة طرق (٥٦/ ٥٩ - ٦١)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٣٦٠) ثم نقل قول الواقدي: "فأصحابنا يتحدثون أن الذي وضعها عامر بن عبد اللَّه بن =
[ ١ / ٢٩٦ ]
١٦٨ - قال رجل من قريش:
حلبنا الدهر أشطره ومرت بنا عقب الشدائد والرخاء
فلم نأسف على دنيا تولت ولم نفزع إلى غير الدعاء
هي الأيام تكلمنا وتأسو وتأتيتا السعادة والشقاء (^١)
١٦٩ - حدثنا عمر بن شبَّة، حدثني محدِّث، عن أمية، عن خالد، عن وضاح بن خيثمة قال: "أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، قال: فواللَّه إني لبإفريقية قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي فأخذت، فأتي بي فقال لي وضاح؟ قلت: وضاح، قال: أما واللَّه لطالما سألت اللَّه أن يمكنني منك، قلت: أنا واللَّه لطالما استعذت باللَّه من شَرِّك، قال: فواللَّه ما أعاذك اللَّه، واللَّه لأقتلنّك، ثم واللَّه لأقتلنّك، ثم واللَّه لأقتلنّك، لو سابقني ملك الموت إلى قبض روحك لسبقته، عليّ بالسيف والنطع، فجيء
_________________
(١) = الزبير كان كثيرا ما يفعل مثل هذا"، وساق ابن عساكر روايات تؤكد ذلك حيث وفي إحداها فائدة عظيمة تفيد حرص السلف على سلامة المعتقد وخشية الافتتان؛ حيث قال عامر: "فسمع عامر دعاءه فانصرف إلى منزله فصرَّ خمسمائة دينار، ثم جاء بها فوضعها بين يدي محمد بن المنكدر، ومحمد مشغول بالصلاة والدعاء لا يشعر، فانصرف محمد من صلاته فرآها بين يديه فأخذها، قال عامر: فخشيت أن يفتتن بها، فذكرت له أني وضعتها، وأخبرته بما خفت عليه من الفتنة".
(٢) الفرج بعد الشدة (٩٠) رقم (٩٦).
[ ١ / ٢٩٧ ]
بالنِّطْع (^١) فأقعدت فيه، وكتفت وقام قائم على رأسي بسيف مشهور، وأقيمت الصلاة فخرج إلى الصلاة، فلما خرّ ساجدا أخذته سيوف الجند فقتل، فجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه ثم قال: انطلق" (^٢).
١٧٠ - حدثنا يعقوب بن إسحاق بن زياد، ثنا أبو همام الصلت بن محمد الخاذكي، أخبرنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي محمد، حدثني محمد بن يزيد (^٣): "لما قدم سليمان بن عبد الملك بعثني إلى العراق إلى الميسرين إلى أهل الديماس الذين حبسهم الحجاج، فأخرجتهم منهم يزيد الرقاشي ويزيد الضبي وعابدة من أهل البصرة، فأخرجتهم في عمل ابن أبي مسلم وعنفت على أبي مسلم بضيعة، وكسوت كل رجل منهم ثوبين، فلما مات سليمان ومات عمي كنت مستعملا على إفريقية فقدم عليّ يزيد بن أبي مسلم أميرا في عمل يزيد بن عبد الملك، فعذّبني عذابا شديدا حتى كسر عظامي، فأتي بي يوما أحمل في كساء عند المغرب، فقلت: ارحمني، فقال: التمس الرحمة عند غيري، لو رأيت ملك الموت عند
_________________
(١) هو بساط من الأديم، القاموس المحيط (١/ ٩٩١).
(٢) إسناده منقطع، ولا تصح القصة عن وضاح بن خيثمة كما سيأتي قريبا، الفرج بعد الشدة (١٠١ - ١٠٢) رقم (٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٧٨ - ٢٨٠) من عدة طرق.
(٣) هو محمد بن يزيد الأنصاري مولاهم البصري، قدم دمشق واستكتبه عبد الملك بن مروان، كان في صحابة سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وولي إفريقيا، تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٧٨).
[ ١ / ٢٩٨ ]
رأسك لبادرته نفسك، اذهب حتى أصبح لك، قال: فدعوت اللَّه فقلت: اللهم اذكرني ما كان مني في أهل ديماس، اذكرني يزيد الرقاشي وفلانا فلانا، واكفني شرّ ابن أبي مسلم، وسلّط عليه من لا يرحمه، واجعل ذلك من قبل أن يرتدّ إليّ طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة، فدخل عليّ ناس من البريد فقتلوه، ثم أتوني فأطلقوني، فقلت: اذهبوا ودعوني؛ فإني أخاف إن فعلتم أن يروا أن ذلك بسببى، فذهبوا وتركوني" (^١).
١٧١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سعيد، ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المزني: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوما، ولا أراني إلا قاتله، فبعث إليه فجيء به والخصوم بين يديه، قال: فقام إليه علي بن حسين فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج اللَّه عنك: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين، قال: فقالها فانفرجت فرجة من الخصوم فرآه، فقال: أرى وجه رجل قد قرفت عليه كذبة، خلُّوا سبيله، أنا كاتب إلى أمير المؤمنين بعذره، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (^٢).
_________________
(١) الصواب أن القصة حصلت لمحمد بن يزيد كما في هذا الإسناد، وليس لوضاح بن خيثمة كما في السند السابق؛ لأن فيه إسقاط رجلين هما داود ومحمد بن يزيد، كما رجح ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٤١)، الفرج بعد الشدة (١٠٢ - ١٠٤) رقم (٧٦).
(٢) إسناده حسن، ومحمد بن سعيد أظنه الأصبهاني ثقة ثبت التقريب (٥٩٤٨)، الفرج بعد الشدة (٩٤ - ٩٥) رقم (٦٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق =
[ ١ / ٢٩٩ ]
١٧٢ - حدثنا هارون بن سفيان، حدثني رجل من أهل العلم: أن رجلا حدثه قال: "نزل علينا رجل من ولد أنس بن مالك فخدمته فلما أراد أن يفارقني أمر لي بشيء فلم أقبله فقال: ألا أعلمك دعاء كان جدي يدعو به، وما دعوت به إلا فرّج اللَّه عني؟ قلت: بلى، قال: قل: اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد قدمت آلة الحرمان بين يديّ؟، فأنا أسألك بما لا أستحقّه، وأدعوك بما لا أستوجبه، وأتضرّع إليك بما لا أستأهله، فلن يخفى عليك حالي، وإن خفي على الناس كنه معرفة أمري، اللهم إن كان رزقي في السماء فأهبطه، وإن كان رزقي في الأرض فأظهره، وإن كان بعيدا فقرّبه، وإن كان قريبا فيسّره، وإن كان قليلا فكثّره، وبارك لي فيه" (^١).
١٧٣ - حدثني القاسم بن هاشم، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: "أن حبيب بن مسلمة (^٢) كان يستحب إذا لقي عدوا أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأنه ناهض يوما
_________________
(١) = (١٣/ ٦٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ١١٣) عن البرجلاني به، وفيه بيان سبب هذا الاستدعاء وهو أنه اتهم بمراسلة أهل العراق للخروج على عبد الملك.
(٢) إسناده منقطع، الفرج بعد الشدة (٩٧) رقم (٧١).
(٣) هو حبيب بن مسلمة بن مالك بن وهب، القرشي الفهري المكي، نزيل الشام، وكان يسمى حبيب الروم، لكثرة دخوله عليهم مجاهدا، مختلف في صحبته والراجح ثبوتها، لكنه كان صغيرا، مات بأرمينية أميرا عليها لمعاوية سنة (٤٢ هـ)، الإصابة (٢/ ٢٥)، التقريب (١١٠٦).
[ ١ / ٣٠٠ ]
حصنا، فانهزم الروم، فقالها المسلمون فانصدع الحصن" (^١).
ثالثًا: الآثار الواردة في الدعاء وكرامات الصالحين.
١٧٤ - حدثنا خالد بن خداش بن العجلان، وإسماعيل بن إبراهيم قالا: حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس قال: "دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبه، وأمٌّ له عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا فقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند اللَّه، قالت: وما ذاك، أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحقّ ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدّت يدها إلى اللَّه، فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدّة ورخاء، فلا تحملني على هذه المصيبة اليوم، قال: فكشفنا عن وجهه، فما برحنا حتى طعمنا معه" (^٢).
_________________
(١) فيه جهالة الأشياخ، الفرج بعد الشدة (٦٠) رقم (١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٧٧).
(٢) إسناده ضعيف، مداره على صالح المري وهو ضعيف، التقريب (٢٨٦١)، مجابو الدعوة (٨٢) رقم (٤٦)، من عاش بعد الموت (١٤ - ١٥) رقم (١) سندا ومتنا، والطبراني في الدعاء رقم (١٠٤٠، ١٠٦٦)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٥٤) وذكر له طريقين آخرين عند البيهقي مرسلين في أحدهما متابعة عبد اللَّه بن عون لصالح المري وقال في موضع آخر (٦/ ٢٩٢): "وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: . . . "، وقال: "وهذا إسناد -أي الذي فيه متابعة عبد اللَّه لصالح المري- رجاله ثقات ولكن فيه انقطاع بين عبد اللَّه بن عون وأنس واللَّه أعلم"، =
[ ١ / ٣٠١ ]
١٧٥ - حدثنا أحمد بن بجير وإسحاق بن إسماعيل وغيرهما قالوا: أخبرنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: "أن قوما من المهاجرين، خرجوا متطوّعين في سبيل اللَّه، فنفق حمار رجل منهم، فأرادوه على أن ينطلق معهم فأبى، فانطلق أصحابه مترحّلين وتركوه، فقام فتوضّأ وصلّى، ثم رفع يديه فقال: اللهم إني خرجت من الدفينة (^١)، مجاهدا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، وأشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، اللهم فأحي لي حماري، ثم قام إلى الحمار فضربه، فقام الحمار ينفض أذنيه، فأسرجه وألجمه، ثم ركبه، فأجراه حتى لحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك قال: شأني أن اللَّه بعث لي حماري، قال إسماعيل: قال الشعبي: أنا رأيت الحمار بيع أو يباع بالكناسة" (^٢).
_________________
(١) = وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٧٣)، وابن تيمية في الرد على البكري (١٢٩)، وانظر مجموع الفتاوى (١/ ٣٤٣).
(٢) مكان لبني سليم بين مكة والبصرة، معجم البلدان (٢/ ٢٢٩).
(٣) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٨٥) رقم (٤٩)، من عاش بعد الموت رقم (٢٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٥٣) عن المصنف وعن البيهقي بسند آخر ومتن نحوه ونقل قول البيهقي: "هذا إسناد صحيح، ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة، قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل واللَّه أعلم"، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٢٨٤)، وذكره الدميري في حياة الحيوان (١/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣٠٢ ]
رابعا: الآثار الواردة في دعاء اللَّه في السراء والضراء.
١٧٦ - حدثني يعقوب بن عبيد ومحمد بن عباد قالا: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا حريز بن عثمان الدجى، ثنا راشد بن سعد قال: "جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني فقال: اذكر اللَّه في السراء يذكرك في الضراء، وإذا ذكرت الموتى فاجعل نفسك كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير" (^١).
خامسا: الآثار الواردة في بعض آداب الدعاء.
١٧٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو عمران الجوني (^٢) قال: "أدركت أربعة من أفضل من أدركت، فكانوا يكرهون أن يقولوا: اللهم أعتقنا من النار، ويقولون: إنما يعتق منها من دخلها، كانوا يقولون: نستجير باللَّه من النار، ونعوذ باللَّه من النار" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق انظر الجرح والتعديل (٩/ ٢١٠)، الفرج بعد الشدة (١٠٤) رقم (٧٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٩) من طريق آخر، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٦٦)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٥٠)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٢٩).
(٢) هو عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي، أبو عمران الجوني، مشهور بكنيته، ثقة من علماء البصرة، مات سنة (١٢٨ هـ) وقيل بعدها، الكاشف (١/ ٦٦٤)، التقريب (٤١٧٢).
(٣) إسناده حسن، فيه سيار وهو ابن حاتم صدوق له أوهام كما سيأتي (٣١٠) و(٨٩٦). =
[ ١ / ٣٠٣ ]
١٧٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، عن سليمان بن المغيرة عن ثابت، عن مطرف قال: "لِيُعَظَّم جلال اللَّه في صدوركم، فلا تذكروه عند مثل هذا، قول أحدكم للكلب: اللهم اخزِه، وللحمار وللشاة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة الموزعة على ما يناسبها من عناصر بيان مسائل هامة متعلقة بالدعاء.
فشمل العنصر الأول أثرين فيهما بيان بعض أسباب الإجابة وهي الإخلاص والاستكانة للَّه، وهما من جملة أسباب إجابة الدعاء وقد ذكرهما وغيرهما ابن رجب ﵀ فقال: "من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
أحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء.
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار.
الثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته.
الرابع: الإلحاح على اللَّه ﷿ بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما
_________________
(١) = كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٤) رقم (٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣١٤).
(٢) إسناده صحيح. كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٨١) رقم (٦٣٠)، وابن المبارك في الزهد (٧١) رقم (٢١٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٩) رقم (٣٥١٣٦).
[ ١ / ٣٠٤ ]
يطلب به إجابة الدعاء" (^١).
وشمل العنصر الثاني إنزل الحوائج كلها باللَّه، والمراد هذا العنصر بيان أن سؤال اللَّه وإنزال حاجات الناس به تعالى كان هو السائد بين هذه القرون الفاضلة، فلا نجد في أدعيتهم على اختلاف أسبابها وتنوع حاجاتهم، وتغاير عباراتهم وأساليب خطابهم، رغم كل ذلك نجدها تصب في كوثر واحد هو الرجوع إلى اللَّه والالتجاء إليه (^٢)، وقد صرح بعضهم بهذا الأمر فإن أثر عجردة العابدة فيه: "فبك إلهي لا بغيرك أسألك"، ووصايا كثير من السلف لغيرهم أن ينزل حاجته باللَّه لا بغيره كأثر الثوري، وفي أثر الليث بيان أن دعاء اللَّه لم يقتصر على حال الرخاء بل حتى حال الشدَّة وهي الغرق لم يتوجهوا لغيره تعالى، وهكذا كان دعاء اللَّه حتى في ما ليس محبوبا إليه كالانتقام والقتل كانوا يدعونه أن يمكنهم من ذلك، وعند وقوعهم في الأسر، وفتح الحصون، كل ذلك لا يرجعون إلى غيره ولا يدعون سواه، هذا منهجهم وسبيلهم، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١٠٥ - ١٠٦) وقد ذكر في كل سبب ما يشهد له من الأحاديث والآثار، وانظر سلاح المؤمن في الدعاء (٩٧)، وتحفة الذاكرين للشوكاني (٤٦ - ٤٧).
(٢) ولو تتبعت كتب الأدب الكبيرة فإنها عقدت أبوابا في بعض أدعية الأعراب وأهل البادية تجد فيها العجب من سؤال اللَّه والتضرع بين يديه ولا تجد إشارة إلى الشرك والتوسل بالمخلوقين واللَّه أعلم.
[ ١ / ٣٠٥ ]
جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١)، وما هذا إلا لعلمهم اليقيني أن الدعاء من أعظم العبادات وأن الشرك فيه من أعظم أنواع الشرك، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "إن لم يكن الإشراك فيه -أي الدعاء- شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول اللَّه -ﷺ-" (^٢).
أما العنصر الثالث فقد شمل أمرا مهما من أمور الدعاء عند أهل السنة والجماعة وهو علاقة الدعاء بكرامات الأولياء والصالحين، حيث تضمن الأثران أثر أنس بن مالك -﵁- وأثر الشعبي ﵀ جواز إحياء اللَّه الموتى بدعاء بعض الصالحين، ففي أثر أنس أن الميت من البشر وهو ابن العجوز الأنصارية، وفي أثر الشعبي أنه من الحيوانات وهو حمار، وقد عد العلماء هذا الأمر من التوسل إلى اللَّه بالأعمال الصالحة، ولذلك أدرج شيخ الإسلام أثر أنس -﵁- مع أثر الثلاثة الذين انغلق عليهم الغار فدعوا بصالح أعمالهم (^٣).
ومسألة إحياء الموتى بدعاء الصالحين مسألة شائكة ودقيقة جدا؛ وذلك أن: "المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثم كرامات الصالحين، ثم خوارق
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١١٥).
(٢) تيسير العزيز الحميد (٢١٩).
(٣) لاشتراك الجميع في الدعاء بصالح الأعمال.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الكفار والفجار، كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلال من المسلمين.
أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا هذا باتباع الأنبياء، ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا، فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما هم من جنس ما جرى للأنبياء، كما صارت النار بردا وسلاما على أبي مسلم، كما صارت على إبراهيم، وكما يكثر اللَّه الطعام والشراب لكثير من الصالحين، كما جرى في بعض المواطن للنبي -ﷺ-، أو إحياء اللَّه ميتا لبعض الصالحين كما أحياه للأنبياء، وهي أيضًا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاص، ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم، ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم، وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول" (^١).
ولما تكلم عما ينقله أهل الكتاب من كرامات صالحيهم ومعجزات أنبيائهم قال: "أصحاب محمد -ﷺ- وتابعوهم صالحون، ولهم من الآيات أعظم مما للحواريين وغيرهم من الأمم، وفيهم من كان يحمل العسكر على الماء، ومن كان يشرب السموم القاتلة، ومن يحيي اللَّه الموتى
_________________
(١) النبوات (٥ - ٦).
[ ١ / ٣٠٧ ]
بدعوته، ومن يكثر الطعام والشراب، وكتب كرامات الأولياء فيها من ذلك أعظم مما عند أهل الكتاب" (^١).
وقال: "الآيات التي يبعث اللَّه بها أنبياء قد يكون مثلها لأنبياء أخر مثل: إحياء الموتى، فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما قد وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنما أحيى اللَّه الموتى على أيدينا لاتباع محمد أو المسيح، فبإيماننا بهم وتصديقنا لهم أحيى اللَّه الموتى على أيدينا، فكان إحياء الموتى مستلزما لتصديقه عيسى ومحمدا، لم يكن قط مع تكذيبهما، فصار آية لنبوتهم، وهو أيضًا آية لنبوة موسى وغيره من أنبياء بني اسرائيل الذين أحيى اللَّه الموتى على أيديهم" (^٢).
فتلخص من هذا أن الأنبياء لهم من الآيات ما يختصون به عن غيرهم من سائر البشر كالنبوة، سواء من أتباعهم أو من غيرهم، وقد يختص النبي المعين بآية عن سائر إخوانه من الأنبياء فضلا عن غيرهم كناقة صالح وعصا موسى، وقد يشاركه فيها غيره من الأنبياء، كما قد يشاركه فيها بعض أتباعه، كإحياء الموتى فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وكان لبعض الصالحين من أتباعهم واللَّه أعلم (^٣).
_________________
(١) الجواب الصحيح (٦/ ٣٥٥).
(٢) النبوات (٢١٣).
(٣) انظر كتاب النبوات (٢١٨ - ٢١٩).
[ ١ / ٣٠٨ ]
واشتمل العنصر الرابع على بيان أهمية ذكر اللَّه في السراء وأنه عدة يدخرها المؤمن ليذكره اللَّه بها في الضراء، وفي ذلك إشارة إلى تحذير المؤمن من ذكر اللَّه ودعائه في الضراء والشدائد، ونسيانه في السراء والسمعة، لأن ذلك من أخلاق المشركين كما قال اللَّه عنهم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^١)، قال الإمام القصاب ﵀: "تقريع لمن يهمل الدعاء في الرخاء، ويفزع إليه في الشدة، وليس ذلك من أخلاق المؤمنين، إذ من أخلاقهم إكثار الدعاء في الرخاء عدة للشدة. . . فلا ينبغي للمؤمن أن يستن بالكافر، ولا يفزع إلى الدعاء إلا عند الشدائد" (^٢).
وإذا كان هذا كذلك فما بالك بمن يخص الشدائد والكرب بالفزع إلى غير اللَّه، وسؤاله ودعائه، لا شك أنه أسوأ من المشركين الذين نهينا عن اتباع سننهم، فإنهم يخلصون الدعاء للَّه في الشدائد دون الرخاء، وهؤلاء يخلصون الشرك في الشدائد فضلا عن الرخاء واللَّه المستعان (^٣).
_________________
(١) سورة الزمر، من الآية (٨).
(٢) نكت البيان (١٥٠ ب - ١٥١ أ).
(٣) انظر تيسير العزيز الحميد (٣٢٠)، رسالة الشرك ومظاهره لمبارك الميلي (١٩٦) فقد ذكر قصة مفادها أن الشيخ الصوفي أمر أتباعه بأن يسألوه كي لا تغرق السفينة وهو يتوسط لهم عند اللَّه، وعلى مثل هذه القصص تسكب عبرات التوحيد وإلى اللَّه المشتكى.
[ ١ / ٣٠٩ ]
واشتمل العنصر الخامس بعض آداب الدعاء حيث فضّل الجوني الاستجارة والتعوذ من النار على العتق منها؛ لأن العتق يتضمن دخولها، وذكر مطرف أن من تعظيم اللَّه عدم سؤاله خزي الكلب والحمار والشاة (^١)، أما عدم سؤال اللَّه العتق من النار وتفضيل سؤال الإجارة والتعوذ منها، بسبب أن السؤال يتضمن دخولها، فالذي يظهر واللَّه أعلم أن هذه المسألة نظير ما ورد من تحفّظ بعض السلف من سؤال شفاعة نبينا محمد -ﷺ- بحجة أن ذلك يتضمن دخول النار، وقد ناقشت ذلك في موضعه وبيّنت وجه جوازه بل استحبابه واللَّه يعصمنا من الخطأ والزلل (^٢).
_________________
(١) انظر في مثل هذه الآداب آداب الدعاء للطبراني (١/ ٥٥٨).
(٢) انظر هذه الرسالة (٨٨٩ - ٨٩١).
[ ١ / ٣١٠ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل.
أولا: الآثار الواردة في فضله.
١٧٩ - حدثني محمد بن إدريس، نا موسى بن محمد، نا زافر بن سليمان، عن المحاربي، عن عمر بن حسان -وسمعه موسى من المحاربي- قال: قال علي: "يا أيها الناس، توكلوا على اللَّه وثقوا به، فإنه يكفى ممن سواه" (^١).
_________________
(١) إسناده يحتمل التحسين إلى عمر بن حسان مرسلا، وعمر بن حسان هو البرمجي: قال فيه أحمد "كوفي حدث عنه أبو معاوية، ما أرى به بأسا" العلل (٢/ ٥٣٧، ١٨٩)، وكذا في أسماء الثقات لابن شاهين (١/ ١٣٥)، أما في الجرح والتعديل (٦/ ١٠٥) فسقط شيوخه تلاميذه حيث وقع بياض بعد "روى عن" و"روى عنه"، أما المحاربي فهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد كما صُرح به في سند الحارث وهو لا بأس به لكنه يدلس قاله أحمد، كما في التقريب (٤٠٢٥)، إلا أنه صرح بالتحديث من طريق الحارث في سنده، وزافر بن سليمان صدوق كثير الأوهام كما في التقريب (١٩٩٠)، لكنه تابعه كما في سند الحارث إبراهيم أبو إسحاق وهو صدوق حافظ كما في التقريب (٢٣٤)، وأما موسى بن محمد وهو الشامي مقبول كما في التقريب (٧٠٥٧)، لكن تابعه عصمة بن المتوكل كما في العظمة لأبي الشيخ (٤/ ١٢٣٠) وهو الحنفي أورده ابن حبان في الثقات وقال: "مستقيم الحديث"، وضعفه غيره بقلة الضبط انظر ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٠) وغيره، لكن الظاهر أن رواية عمر بن حسان عن علي مرسلة فتلميذه أبو معاوية مات سنة (١٩٥ هـ) وتوفي علي سنة (٤٠ هـ) ولذلك ذكر في سند الحارث الواسطة وهي: "عن يوسف بن زيد، عن عبد اللَّه بن عوف بن الأحمر: أن مسافر بن عوف بن =
[ ١ / ٣١١ ]
١٨٠ - نا علي، عن محمد بن الحسين، حدثني إبراهيم بن زكريا القرشي قال: سمعت هدابا البصري (^١) يقول: قال لي قائل في منامي: "يا هذا توكل على من توكل المتوكلون قبلك، فإنه جل ثناؤه لا يكل متوكلا عليه إلى غيره" (^٢).
١٨١ - نا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن
_________________
(١) = الأحمر قال لعليّ. . . ". كتاب التوكل (٤٢) رقم (٧)، الهيثمي في بغية الباحث بزوائد مسند الحارث (٢/ ٦٠١) رقم (٥٦٤)، وأبو الشيخ في كتاب العظمة (٤/ ١٢٣٠) رقم (٧٠٧٢٨)، وهي قصة طويلة فيها أن علي بن أبي طالب قال له منجم حين انصرف إلى أهل النهروان: لا تسر في هذه الساعة. . . .، فخالفه علي وانتصر فقال: "إنما أردت أن أبين للناس خطأه، وخشيت أن يقول جاهل إنما ظفر لكونه وافقه"، وانظر البداية والنهاية (٧/ ٢٨٨).
(٢) هو هُدْبَة بن خالد بن الأسود القيسي، أبو خالد البصري، ويقال له: هَدَّاب، ثقة عابد، تفرد النسائي بتليينه، مات سنة بضع وثلاثين ومائتين، الكاشف (٢/ ٣٣٤)، التقريب (٧٢٦٩).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه إبراهيم بن زكريا القرشي لم أقف له على ترجمة سوى أن المزي ذكره في تهذيب الكمال (٤/ ٣٥٩) في الرواة عن عبد ربه بن بارق الحنفي، وأستبعد أن يكون هو أبو إسحاق العجلي كما احتمله عبد اللَّه بدران في تحقيق التوكل؛ فإن الذهبي في الميزان (١/ ٣١) ذكر ما يعرف به فقال: "أبو إسحاق العجلي البصري الضرير المعلم. . . وهو العبدسي، وهو الواسطي" ولم يذكر أنه قرشي، كتاب التوكل (٧٨ - ٧٩) رقم (٥٤)، طبعة بدران، وهو ساقط من طبعة الدوسري.
[ ١ / ٣١٢ ]
سعيد بن المسيب قال: التقى عبد اللَّه بن سلام (^١) وسلمان (^٢) فقال أحدهما لصاحبه: "إن مُتَّ قبلي فالقني، فأخبرني ما لقيت من ربك، وإن أنا مِتُّ قبلك لقيتك فأخبرتك، فقال أحدهما للآخر: أَوَ يلقى الأمواتُ الأحياءَ؟ قال: نعم، أرواحهم تذهب في الجنة حيث شاءت، قال: فمات فلان (^٣) فلقيه في المنام فقال: توكَّل وأبشر، فلم أر مثل التوكُّل قط، توكَّل وأبشر، فلم أر مثل التوكّل قط" (^٤).
١٨٢ - حدثني أبو العباس البصري الأزدي، عن شيخ من الأزد قال:
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن سلَام -بالتخفيف- الإسرائيلى، أبو يوسف حليف بني الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي -ﷺ- عبد اللَّه، مشهور له أحاديث وفضل، مات بالمدينة سنة (٤٣ هـ)، التقريب (٣٣٧١).
(٢) هو سلمان الفارسي، أبو عبد اللَّه، ويقال له: سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٣٤ هـ)، يقال: بلغ ثلاثمائة سنة، ورجح الذهبي أنه لم يبلغ المائة، الكاشف (١/ ٤٥١)، التقريب (٢٤٧٧).
(٣) أي سلمان -﵁- كما في الزهد لابن المبارك.
(٤) إسناده صحيح. كتاب التوكل (٤٨) رقم (١٢)، وابن المبارك في الزهد (١٤٣) رقم (٤٢٨) (٤٢٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٢٠) رقم (٣٤٦٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٢١) رقم (١٣٥٥)، وعلق الذهبي في السير (١/ ٥٥٧) بعد ذكره بقوله: "سلمان مات قبل عبد اللَّه بسنوات"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٥) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي به بلفظ: "وجدت التوكل شيئا عجيبا".
[ ١ / ٣١٣ ]
جاء رجل إلى وهب بن منبه (^١) فقال: علمني شيئا ينفعني اللَّه به، قال: "أكثر من ذكر الموت، وأقصر أملك، وخصلة ثالثة، إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى وظفرت بالعبادة، قال: ما هي؟ قال: هي التوكل" (^٢).
١٨٣ - نا محمد بن الحسين قال: نا عبد اللَّه بن غالب مولى الربيع بن صبيح قال: نا الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: "العِزُّ والغِنَى يجولان في طلب التوكل، فإذا أُظفِرَ أوطنا" (^٣).
١٨٤ - نا محمد بن الحسين، حدثني مخول الكوفي قال: حدثني بهيم أبو بكر العجلي، عن رجل من أهل الكوفة قال: "بينما أنا في بستان لي إذ خُيِّل لي رؤية شخص أسود، ففزعت منه، فقلت: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فساخ في الأرض، وأنا أنظر إليه، وسمعت صوتا من ورائي يقرأ
_________________
(١) هو وهب بن منبه بن كامل اليماني، أبو عبد اللَّه الأبناوي، أخباري علامة قاصٌّ صدوق ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، التقريب (٧٤٨٥).
(٢) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، كتاب التوكل (٩٣) رقم (٥٨).
(٣) إسناده ضعيف فيه عبد اللَّه بن غالب العباداني مستور كما في التقريب (٣٥٥١)، وشيخه الربيع بن صبيح صدوق سيء الحفظ كما في التقريب (١٩٠٥)، ومعناه أن العز والغنى يبحثان عن المتوكل فإذا كان الرجل متوكلا حصل له العز والغنى، واستطوطناه. كتاب التوكل (٥٠) رقم (١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٥)، وهو أتم منه وفيه أبيات، وأخرجه أبو نعيم في موضع آخر (٣/ ١٨١) عن محمد بن علي بن الحسين بن علي، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٠٨) مختصرا.
[ ١ / ٣١٤ ]
هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (^١) فالتفتُّ فلم أر شيئا" (^٢).
١٨٥ - نا إسحاق بن إبراهيم قال: نا محمد بن منيب العدني قال: حدثني السري بن يحيى، عن وهيب بن الورد: "أن رجلين كسر بهما في البحر فوقعا إلى الأرض، فأتيا بيتا مبنيا من شجر، فكانا فيه، فبينما هما ذات ليلة، أحدهما نائم، والآخر يقظان، إذ جاءت امرأتان فوقفتا على الباب، بهما من قبح الهيئة شيء لا يعلمه إلا اللَّه، فقالت إحداهما للأخرى: ادخلي، فقالت: ويحك إني لا أستطيع، قالت: ويحك، لِمَه؟ قالت: أَوَ مَا ترين ما في البيت؟ فإذا لوح فيه كتاب: حسبي اللَّه وكفى، وسمع اللَّه لمن دعا، لي وراء اللَّه مرمى" (^٣).
١٨٦ - قال محمد بن الحسين: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: حدثني أبو قدامة الرملي قال: قرأ رجل هذه الآية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ
_________________
(١) سورة الطلاق، الآية (٣).
(٢) إسناده إلى صاحب القصة حسن، بهيم ذكره ابن حبان في الثقات (١/ ٢٨٣) وأفاد أنه صاحب حكايات، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦) جرحا ولا تعديلا، كتاب التوكل (٦٧) رقم (٣٢).
(٣) إسناده حسن، محمد بن منيب لا بأس به التقريب (٦٣٧٠)، كتاب التوكل (٦٨) رقم (٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٥٧) وفيه: "ليس وراء اللَّه منتهى".
[ ١ / ٣١٥ ]
الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (^١)، فأقبل عليه سليمان الخواص فقال: "يا أبا قدامة ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير اللَّه في أمره، ثم قال: انظر كيف قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (^٢) فأعلمك أنه لا يموت، وأن جميع الخلق يموتون، ثم أمر بعبادته فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ثم أخبرك أنه خبير بصير، ثم قال: واللَّه يا أبا قدامة لو عامل عبدٌ اللَّه بحسن التوكل وصدق النية له بطاعته، لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم، فكيف يكون هذا محتاجا، وموئله وملجأه إلى الغني الحميد" (^٣).
١٨٧ - نا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم الأسدي، عن زر، عن عبد اللَّه عن النبي قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" وما منا إلا، ولكن اللَّه يذهبه
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية (٥٢).
(٢) سورة الفرقان، من الآية (٥٨).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أحمد بن سهل الأردني ذكره ابن ماكولا في الإكمال (١/ ١٣٨ - ١٣٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وشيخه الرملي مجهول كما في ميزان الاعتدال (٤/ ٥٦٤). كتاب التوكل (٧٠) رقم (٣٦)، والقناعة والتعفف (٧١ - ٧٢) رقم (١٧٥).
[ ١ / ٣١٦ ]
بالتوكّل" (^١).
ثانيا: الآثار الواردة في تعريفه.
١٨٨ - نا الحسن بن محبوب، نا الفيض بن إسحاق قال: قلت
_________________
(١) حديث صحيح، والزيادة موقوفة على ابن مسعود -﵁-. قال الهيثمي في موارد الظمآن (٣٤٥): "قول (وما منا) إلخ: من قول ابن مسعود"، ونقل الترمذي في السنن (٤/ ١٣٨) عن البخاري قول شيخه سليمان بن حرب: "هذا عندي قول عبد اللَّه بن مسعود"، وانظر ترتيب علل الترمذي الكبير للقاضي (٢٦٦) ورواية كلام البخاري فيه أطول، ونقل البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٢) عن أحمد مثل كلام شيخ البخاري، وصوّب المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٦٥) ما نقله البخاري عن شيخه، كما جزم الحافظ في الفتح (١٠/ ٢١٣) بأنه مدرج من كلام ابن مسعود، وابن القيم في مدارج السالكين (٢/ ٥١٣) قال: "مدرجة في الحديث من قول ابن مسعود وجاء ذلك مبيّنا"، وعلل ذلك في مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١) بقوله: "فإن الطيرة نوع من الشرك"، قلت: ولعله يقصد بقوله: "وجاء ذلك مبينا" ما نقله من حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم أنه قال: "يا رسول اللَّه، ومنا أناس يتطيرون فقال: "ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدّنه"، قلت: فكأن فيه إشارة إلى أن الذي وقع منه ذلك هو بعض الصحابة، وانظر في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (١٨٥) ما يفيد أنه لا يسلم من الطيرة أحد، واللَّه أعلم بالصواب. وهناك من العلماء من صحح الحديث كاملا بدليل أنه لا دليل على الإدراج، كما نقل المناوي في فيض القدير (٤/ ٢٩٤) عن ابن القطان، ونصره الألباني في الصحيحة (١/ ٧٩١) رقم (٤٢٩)، وفي غاية المرام (١٨٥). كتاب التوكل (٧٩) رقم (٤٢).
[ ١ / ٣١٧ ]
للفضيل: "تحدُّ لي التوكّل؟ فقال: آه، كيف تتوكّل عليه وأنت يُختار لك فتسخط قضاءه؟ أرأيت لو دخلت بيتك فوجدت امرأتك قد عَمِيَت، وابنتك قد أُقعِدَت، وأنت قد أصابك الفالج، فكيف كان رضاك بقضائه؟ قلت: كنت أخاف ألا أصبر، قال: فكيف؟ لا حتى يكون عندك واحدا، ترضى بكل ما صنع في العافية والبلاء، لا تسخط على ما زُوِي عنك، وتثق بما آتاك، قال: ثم ذكر رجلا -قد سماه- قال: إني لا (^١) أكره أن أقول في سجودي: عليك توكلت" (^٢).
١٨٩ - نا أحمد بن إبراهيم، نا أبو إسحاق الطالقاني، أنا زافر عن أبي رجاء، عن عباد بن منصور قال: سئل الحسن عن التوكل فقال: "الرضا عن اللَّه" (^٣).
_________________
(١) كذا وهو خطأ، والصواب كما في المخطوط (٦/ ب): "لأكره" بالإثبات والتوكيد لا بالنفي.
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٨)، والفيض بن إسحاق سيأتي (٢٠٤)، وانظر: التاريخ الكبير (٤/ ١/ ١٣٩)، والجرح والتعديل (٧/ ٨٨)، وتاريخ بغداد (٧/ ٤٣١)، والمراد أنه خوفا من النفاق أن لا يكون حقق التوكل فإنه يكره قول هذه العبارة واللَّه أعلم. كتاب التوكل (٥١) رقم (١٥).
(٣) إسناده ضعيف، زافر القهستاني صدوق كثير الأوهام التقريب (١٩٩٠)، كتاب التوكل (٥٣) رقم (١٧) تحقيق جاسم الدوسري، وهو ساقط من تحقيق بدران في هذا الموضع مذكور في آخر الكتاب وأشار المحقق إلى سقوطه من نسخة (أ)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٤ - ٨٥) رقم (٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٩٨) رقم (١٢٧٥) من طريق المصنف.
[ ١ / ٣١٨ ]
١٩٠ - نا سويد بن سعيد، نا معتمر بن سليمان، عن عبد الجليل قال: سمعت الحسن يقول: "إن من توكل العبد، أن يكون اللَّه ﷿ هو ثقته" (^١).
١٩١ - نا محمد بن يحيى بن أبي حاتم قال: سألت عبد اللَّه بن داود (^٢) عن التوكّل فقال: "أرى التوكل حسن الظَّنِّ" (^٣).
١٩٢ - نا محمد بن إدريس، أنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني (^٤) يقول: "إذا بلغ غاية من الزهد أخرجه ذلك إلى
_________________
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات ما عدا الكلام في سويد بن سعيد من جهة كونه كبر فصار يتلقن ما ليس من حديث، وقد أخرج له مسلم في الصحيح كما في كتاب المختلطين للعلائي (٥١)، لكن تابعه صالح بن حاتم عند الخلال. كتاب التوكل (٥٤) رقم (١٨)، واليقين برقم (٩٩)، الحث على التجارة للخلال (١٣٨) من طريق صالح بن حاتم به.
(٢) هو عبد اللَّه بن داود بن عامر الهمداني، أبو عبد الرحمن الخُرَيْبي، كوفي الأصل، ثقة عابد، مات سنة (٢١٣ هـ) وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري، التقريب (٣٢٩٧).
(٣) إسناده صحيح، كتاب التوكل (٦٥) رقم (٣٠)، وحسن الظن باللَّه (٢٦) رقم (٢٧)، واليبهقى في شعب الإيمان (٢/ ٩٧) رقم (١٢٣٧)، وذُكر في تهذيب كمال (١٤/ ٤٦٤)، والسير (٩/ ٣٤٩).
(٤) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عطة العنسي، من أفاضل أهل زمانه وعبادهم، وخيار أهل الشام وزهادهم، ثقة لم يرو مسندا إلا واحدا، وله حكايات في الزهد، توفي سنة (٢١٢ هـ)، الثقات لابن حبان (٨/ ٣٧٦)، الحلية (٩/ ٢٥٤)، صفة الصفوة (٤/ ٢٢٣)، التقريب (٣٨٨٦).
[ ١ / ٣١٩ ]
التوكّل" (^١).
ثالثا: الآثار الواردة في التوكل واتخاذ الأسباب.
١٩٣ - نا علي بن الحسين العامري قال: نا يزيد بن هارون قال: أنا عون بن موسى، عن معاوية بن قرة: "أن عمر بن الخطاب لقي ناسا من أهل اليمن، فقال: "من أنتم؟ "، قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: بل أنتم المتَّكِلون، إن المتوكِّلَ الذي يُلقِي حبَّةً في الأرض، ويتوكَّل على اللَّه" (^٢).
١٩٤ - حدثني علي بن الحسين، حدثني ابن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: "لو توكلنا على اللَّه ﷿ حق توكله، ما بنينا حائطا على لبنتين ولا جعلنا على بابنا غلقا" (^٣).
١٩٥ - قال ابن أبي الدنيا: وقال زهير البابي (^٤): "ما أقدر أن أقول:
_________________
(١) إسناده صحيح، كتاب التوكل (٦٣) رقم (٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٦)، وفِي طبقات الصوفية (٨٠) رقم (١٨) عن أبي سليمان الداراني قوله: "آخر أقدام الزاهدين، أول أقدام المتوكلين".
(٢) إسناده صحيح إلى معاوية بن قرة، لكنه منقطع بين معاوية وعمر، فإنه لم يدركه، انظر المراسيل لابن أبي حاتم (٢٠١) فقد ذكر أنه عن علي -﵁- مرسل، وكذا عن عثمان وابن عمر كما في التهذيب (٤/ ١١٢)، قلت: فعمر من باب أولى. كتاب التوكل (٤٥) رقم (١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٨١) رقم (١٢١٥) مختصر السند.
(٣) إسناده صحيح، كتاب التوكل (٨٦) رقم (٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٦١٢).
(٤) هو زهير بن نعيم البابي السلولي، أبو عبد الرحمن السجستاني، نزيل البصرة، كان =
[ ١ / ٣٢٠ ]
توكلت على اللَّه" (^١).
١٩٦ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: سمعت أبا جعفر -عابدا رأيته بمكة عند قادم الديلمي- كان يقول: "توكل تساق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف" (^٢).
١٩٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، عن حكيم ابن جعفر قال: سمعت أبا عبد اللَّه البراثي (^٣) يقول: قال لي رجل من العباد: "إنك أيها الرجل إن فوضت أمرك إليه، اجتمع لك في ذلك أمران، قلت: ما هما؟ قال: قلة الاكتراث بما قد ضمن لك، وراحة البدن من تطلب ذلك، فأي حال أكبر من حال المطيع له والمتوكل عليه؟ كفاه اللَّه بتوكله عليه الهم، وأعقبه الراحة" (^٤).
_________________
(١) = أحد الزهاد والعباد المتقشفين، مات بعد المائتين، التقريب (٢٠٥٢)، تهذيب التهذيب (١/ ٦٤١)، وله ترجمة في الحلية (١٠/ ١٤٧).
(٢) كتاب التوكل (٨٦) رقم (٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٤٧ - ١٤٨) بلفظ: "لا أعلم أني توكلت على اللَّه ساعة قط"، وهو يوضح المراد أكثر.
(٣) فيه ابن أبي مريم وقد سبق (١٥٤)، كتاب التوكل (٧٧ - ٧٨) رقم (٥٢)، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٤٣٩).
(٤) هو محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان، أبو عبد اللَّه البراثي، والد أبي العباس، كان من أهل الدين والفضل، والجلالة والنبل، ذا حال من الدنيا حسنة، معروفا بالبر واصطناع الخير، وكان صديقا لبشر بن الحارث يأنس إليه في أموره، أسند، تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٠).
(٥) إسناده ضعيف؛ حكيم بن جعفر لعله المذكور في الجرح والتعديل (٣/ ٢٠٢)، ثم =
[ ١ / ٣٢١ ]
١٩٨ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: سمعت أبا فروة الزاهد (^١) يقول: "قال لي رجل في منامي: أما علمت أن المتوكلين هم المستريحون؟ قلت: رحمك اللَّه مماذا؟ قال: من هموم الدنيا وعسر الحساب غدا، قال أبو فروة: فواللَّه ما اكترثت بعد ذلك بإبطاء رزق ولا سرعته، وذلك من أنه من أجمع التوكل عليه كفاه ما همّه، وساق الرزق والخير له، وقد قال اللَّه ﷿ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٢) " (^٣).
_________________
(١) = وقفت على أنه حكيم بن جعفر السعدي في الرواة عن عصام بن طليق شيخه في الأثر (٥٤) التوكل، ونص على هذه النسبة المصنف في الأولياء رقم (١٠٣)، ولم أجد من ذكره إلا المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٦٤)، والبراثي ذكر في الحلية (١٠/ ١٣٧)، ووصفه بأنه من مشاهير المتعبدين معدود في جماهير المعتبرين، وابن ماكولا في الإكمال (١/ ٥٣٥)، وله ترجمة في تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٠)، كتاب التوكل (٩٠) رقم (٥٢)، ووقع في طبعة الدوسري (علي بن محمد بن أبي مريم)، وأخرجه الخطيب من طريق المصنف (١٤/ ٤٠٣) ووقع عنده كما في طبعة الدوسري؟ واللَّه أعلم.
(٢) هو يزيد بن سنان، أبو فروة الرهاوي، محله الصدق، والغالب عليه الغفلة، يكتب حديثه ولا يحتج به، الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٦).
(٣) سورة الطلاق، الآية (٣).
(٤) فيه ابن أبي مريم، وأحمد بن سهل الأردني لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل كما سبق (٢٤٠)، كتاب التوكل (٧٨) رقم (٥٣)، طبعة بدران، وهو ساقط والذي بعده في طبعة الدوسري، والبيهقي من طريقه في شعب الايمان (٢/ ١٠٧) رقم (١٣٠٤).
[ ١ / ٣٢٢ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة في هذا المطلب بيان بعض المسائل المتعلقة بنوع مهم من أنواع توحيد العبادة ألا وهو التوكل، حيث اشتملت العناصر الثلاثة على فضله وتعريفه وعلاقته باتخاذ الأسباب:
فأما فضله فقد تضمنت الآثار بيان فضله من أوجه عديدة؛ فمنها: أن اللَّه يكفى المتوكِّلَ عليه كما في أثر علي -﵁- وهدَّاب البصري، وبيان ذلك أن التوكل على اللَّه من أهم الأسباب لحصول النفع ودفع الضر، وليس التوكل مجرد عبادة محضة لا تأثير لها في حصول المقصود، بل هو سبب يحصل به ما يرجوه العبد من ربه، وقد ذكره اللَّه في معرض الترغيب فيه فقال تعالى ﷿ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ (^١)، فرتب الجزاء على العمل وعلق الحسب على التوكل تعليق الشرط بالمشروط، فعلم أن توكله هو سبب كونه حسبا له، وهذا ما فهمه الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي -﵁- في الأثر السابق حيث ورد كما في التخريج أنه قال له منجِّم حين انصرف إلى أهل النهروان: لا تسر في هذه الساعة. . . .، فخالفه عليٌّ وانتصر فقال: "إنما أردت أن أبين للناس خطأه، وخشيت أن يقول جاهل إنما ظفر لكونه وافقه، ومنها: أنه لم يُرَ عمل مثله كما في رؤيا ابن سلام -﵁-، وأيده أثر وهب بن منبه من أنه الغاية القصوى، التي من ظفر بها فقد ظفر بالعبادة،
_________________
(١) سورة الطلاق، الآية (٣).
[ ١ / ٣٢٣ ]
وهذا فقه عظيم يبيّن فضل التوكل ومنزلته، وأنه مقام عالٍ من مقامات الدين، وليس منزلة من منازل العوام، وقد شرح هذا المعنى ابن القيم ﵀ شرحا جميلا فقال: "العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية؛ فأشرف غاياته التي لا غاية له أجلُّ منها عبادة ربه والإنابة إليه، وأعظم وسائله التي لا وسيلة له غيرها ألبتة التوكل على اللَّه والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات وتلك أشرف الوسائل" (^١)، وقال: "التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل واللَّه أعلم" (^٢)، ومنها: ما ورد من حصول بعض المقاصد في الدنيا للمتوكَّل؛ فإن المتوكِّل يحصل له الغنى والعز كما في أثر الحسن، ومنه احتياج الأمراء للمتوكل دون العكس كما في أثر سليمان الخواص، واندفاع المكروه عنه لا سيما ما كان من أذى الجن كما في أثر بعيم العجلي، وابن الورد، وكل هذا تأكيد لما سبق من أن التوكل سبب لكفاية اللَّه للعبد (^٣)، ومنها: أنه يذهب الطيرة التي يجدها ولا
_________________
(١) طريق الهجرتين (٣٨٧).
(٢) المصدر السابق (٣٨٧)، وانظر رسالة في تحقيق التوكل (٩١)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٢٥).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٦).
[ ١ / ٣٢٤ ]
بد كل أحد من نفسه، كما في أثر ابن مسعود -﵁-، ووجه ذلك أن: "الطيرة إنما تصيب المتطير لشركه، والخوف دائما مع الشرك، والأمن دائما مع التوحيد. . . فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف، ولذلك من خاف شيئا غير اللَّه سُلِّط عليه، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف اللَّه دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه وتوكله على اللَّه من أعظم أسباب نجاته منه" (^١).
وأما تعريفه فقد وردت آثار مختلفة العبارة فمنها: أنه الثقة باللَّه، أو الرضا عنه، وعدم التسخط، أو حسن الظن به، أو أنه يأتي بعد بلوغ غاية الزهد، قال ابن القيم ﵀: "وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، وكلٌّ أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر" (^٢)، ثم ذكر الأمور التي يتركب منها التوكل وهي: "فأول ذلك معرفة بالرب وصفاته. . . فكل من كان باللَّه وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، الدرجة الثانية: إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها فتوكله مدخول. . . ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللَّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها، فالأسباب محل حكمة اللَّه وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٨٧).
(٢) مدارج السالكين (٢٥/ ١٢٣).
[ ١ / ٣٢٥ ]
على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية، الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل؛ فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل: توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. . . الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على اللَّه واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها. . . الدرجة الخامسة: حسن الظن باللَّه ﷿ فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن باللَّه، والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه. . . الدرجة السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعاته، وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله، فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده. . . الدرجة السابعة: التفويض، وهو روح التوكل ولُبُّه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى اللَّه، وإنزالها به طلبا واختيارا، لا كرها واضطرارا، بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره، كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له. . . فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة،
[ ١ / ٣٢٦ ]
انتقل منها إلى درجة الرضى، وهي ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل بها فإنما فسره بأجل نمراته وأعظم فوائده. . . فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه" (^١).
وأما التوكل واتخاذ الأسباب فهي من أجل العلاقات وأمتن التلازمات، فقد سبق ذكره في درجات التوكل التي لا يتم إلا بها مجتمعة، وأن من نفاها فإن توكله مدخول، وقد تضمن أثر عمر بن الخطاب -﵁- بيانا شافيا للفرق بين التوكل والاتكال حيث بيّن أن التوكل مقارن للأسباب وضرب لذلك مثلا بأن المتوكل هو الذي يلقي الحبة ويتوكل، أما الجالس فهو متَّكِل لا متَوَكِّل، وهذا هو الأصل الذي لا شك فيه، وأما ما ورد من الآثار التي قد تدل على ترك الأسباب، كأثر أبي سليمان لو حققنا التوكل ما بنينا حائطا. . .، وأثر أبي جعفر في سوق الرزق للمتوكل بلا تعب ولا تكلف، ونصيحة العابد للبراثي في أن المتوكل يريح جسده من طلب الرزق، ويقل همه، وعدم اكتراث أبي فروة الزاهد بإبطاء الرزق ولا بسرعته، فإن هذه الآثار ليس فيها ترك اتخاذ الأسباب فضلا عن استحبابه، لكن في بعضها إيهام لشيء من ذلك، وكلما تأخر العهد عن زمن النبوة قلَّ الصواب فعلا وقولا، قال ابن القيم: "أجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب؛ فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها،
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ١٢٣ - ١٢٩)، وانظر جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٦).
[ ١ / ٣٢٧ ]
وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد" (^١)، وإنما تفيد هذه الآثار: "أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها؛ فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على اللَّه بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق الطير إلى أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير" (^٢).
وقد عقد ابن القيم فصلا في كتابه الروح في الفرق بين التوكل والعجز، ردّ فيه على من عطل السبب واعتمد على التوكل بزعم أن: "الرزق يطلب صاحبه كما يطلبه أجله، وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي، ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي، ولو أني هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني" فقال -﵀-: "فيقال له: نعم هذا كله حق، وقد علمت أن الرزق مقدر، فما يدريك كيف قُدِّر لك؟ بسعيك أم بسعي غيرك؟ وإذا كان بسعيك، فبأي سبب؟ ومن أي وجه؟ وإذا خفى عليك هذا كله، فمن أين علمت أنه يقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كدٍّ؟ فكم من شيء سعيت فيه فقُدِّر لغيرك، وكم من شيء سعى فيه غيرك فقُدِّر لك رزقا؟ فإذا رأيت هذا عيانا، فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك؟ وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها، حتى في أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار، فهل تعطلها اعتمادا على التوكل؟ ! أم تقوم بها مع التوكل؟ بل لن
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ١٢١).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٨).
[ ١ / ٣٢٨ ]
تخلو الأرض من متوكل صبر نفسه للَّه، وملأ قلبه من الثقة به، ورجائه وحسن الظن به، فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى اللَّه، واطمأن إليه ووثق به، وكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه، فلم يعطل السبب، وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه، فكان توكله أوثق الأسباب عنده (^١)، فكان اشتغال قلبه باللَّه، وسكونه إليه، وتضرعه إليه، أحب إليه من اشتغاله بسبب يمنعه من ذلك، أو من كماله، فلم يتسع قلبه للأمرين، فأعرض أحدهما إلى الآخر، ولا ريب أن هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب، واشتغل به عن ربه، وأكمل منهما من جمع الأمرين، وهي حال الرسل والصحابة؛ فقد كان زكريا نجارا، وقد أمر اللَّه نوحا أن يصنع السفينة، ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل، بل كانوا أقوم الناس بالأمرين، ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدِّين بأيديهم وألسنتهم، وقاموا في ذلك بحقيقة التوكل، وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت اقتداء بسيد المتوكلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وآله" (^٢).
_________________
(١) ولعل هذا أحسن ما تحمل عليه الآثار الواردة عن بعض السلف في ترك التكسب اعتمادا على التوكل، أي اتخذوا التوكل سببا ولم يعطلوا الأسباب بالكلية كما هو حال الصوفية واللَّه أعلم.
(٢) الروح (٢/ ٧٤٨ - ٧٤٩).
[ ١ / ٣٢٩ ]
المطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين.
١٩٩ - حدثنا أبو عبد اللَّه الأزدي، عن الحسن بن محمد الخزاعي، عن رجل من ولد عثمان بن عفان -﵁-: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه: "إن لكل سفر زادًا لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ اللَّه من ثوابه وعقابه، ترغبون وترهبون. . . " (^١).
٢٠٠ - حدثنا أبو زكريا البلخي (^٢)، حدثنا مُعَمَّر بن سليمان (يعني) الرقي، عن الفرات بن سلمان، أن الحسن كان يقول: "إن للَّه عبادا هم
_________________
(١) إسناده ضعيف لجهالة الرجل المبهم، قصر الأمل (٥٠) رقم (٥٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٠/ ٩١) بسياق أطول وقصة وأبيات في مدح عمر من كثير عزة ونصيب، وكذلك الأصبهاني في الأغاني (٩/ ٢٩٦)، بسند ضعيف جدا فيه حماد الراوية وهو مشهور بالكذب في الرواية وعمل الشعر انظر لسان الميزان (٢/ ٣٥٢)، وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢٥٢)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٣٩)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٢٤١)، وانظر جمهرة خطب العرب (٢/ ٢٠٩) لأحمد زكي صفوت.
(٢) لعله يحيى بن أيوب المقابري، أبو زكريا البغدادي العابد، وهو ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٣٤ هـ)، انظر: التهذيب (٨/ ١٨)، والتقريب (٧٥٦٢)، لأنه من شيوخه كما في التهذيب، وقد روى عنه في قصر الأمل (٨٩) رقم (١١٣) وغيره من كتبه باسم يحيى بن أيوب، وهذا أولى مما استظهره الدكتور مصلح الحارثي في تحقيق التهجد بأنه يحيى بن موسى الحداني، للقرينتين السابقتين، وكلا الرجلين ثقة على كل حال واللَّه أعلم.
[ ١ / ٣٣٠ ]
والجنة كمن رآها؛ فهم فيها متكئون، وهم والنار كمن رآها؛ فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وحاجاتهم خفية، وأنفسهم عفيفة، أما الليل فصافِّي أقدامهم، مفترشي جباههم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، وأما النهار فحكماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح، فينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم من مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم" (^١).
٢٠١ - حدثنا أحمد بن حاتم (^٢)، سمعت شعيب بن حرب (^٣) عن أبي عوانة (^٤) قال: "لو قيل لمنصور بن زادان (^٥): إنك تموت غدا أو بعد غد ما
_________________
(١) إسناده صحيح إن كان شيخ المصنف هو البغدادي العابد. التهجد (٣٤٢) رقم (٢٨٢)، الهم والحزن (٦٩١) رقم (٩١)، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥١)، وذكره الإشبيلي في التهجد (٢٣٥) رقم (١١٩٦).
(٢) هو ابن يزيد الطويل، أبو جعفر الحناط البغدادي، وثقه ابن معين والدارقطني وغيرهما، انظر: الجرح والتعديل (٢/ ٤٨)، تاريخ بغداد (٤/ ١١٢)، تعجيل المنفعة (ص ٢٤)، وقد ورد ملقبا بالطويل في كتابه الورع (ص ٩٦) رقم (١٤٤).
(٣) المدائني، أبو صالح البغدادي نزيل مكة، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧ هـ)، انظر: التهذيب (٤/ ٣٥٠)، التقريب (ص ٢٦٧).
(٤) هو الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي البزار، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس أو ست وسبعين، انظر التقريب رقم (٧٤٥٧).
(٥) الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة (١٢٩ هـ) على الصحيح، انظر: التهذيب (١٠/ ٣٠٦)، التقريب (٦٩٤٦).
[ ١ / ٣٣١ ]
كان عنده من مزيد" (^١).
٢٠٢ - أنشدني أحمد بن العباس النمري (^٢):
وإني لأرجو اللَّه حتى كأنني أرى بجميل الظن ما اللَّه صانع (^٣)
٢٠٣ - حدثني أبي، قال أخبرنا عبد العزيز القرشي، عن سفيان، عن زياد المصفر قال: سمعت الحسن يقول: "يا ابن آدم خف مما خوّفك اللَّه تعالى يكفيك ما خوّفك الناس،
_________________
(١) إسناده صحيح؛ التهجد (٢٤٠) رقم (١٦٣). والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٥٨)، من طريق المصنف، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٨١)، ولم يذكر فيه أبا عوانة، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٢)، وذكر برنامجه اليومي المليء بالعبادات والأوراد طوال اليوم، وبعد العشاء يتفرّغ للتدريس والتحديث، وهذا الوصف والثناء مشهور عن حماد بن سلمة ﵀، انظر: طبقات الحفاظ (١/ ٩٥)، حلية الأولياء بسنده (٦/ ٢٥٠)، شذرات الذهب (١/ ٢٦٢)، السير (٧/ ٤٤٧)، العبر (١/ ٢٤٨)، صفة الصفوة (٣/ ٣٦١)، المنتظم (٨/ ٢٩٥) كلهم ذكر هذا الوصف والثناء عن حماد، ويذكر أيضًا عن صفوان بن سليم كما في صفة الصفوة (٢/ ١٥٣).
(٢) لم أجد له ترجمة، ولعله أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن العباس المعروف بابن النيري، وهو صدوق، تاريخ الإسلام (١/ ٢٤١٦)، والإكمال (٧/ ٢٩٣).
(٣) إسناده لين، وشيخ المصنف لم أجد له ترجمة إلا أن المزي ذكره في تهذيب الكمال (٦/ ٣٥٥) ضمن الرواة عن محمد بن الطفيل، حسن الظن باللَّه (٨٤) رقم (٩٨) والبيت من نسخة مخلص والظاهرية والمحمودية، وأخرج ابن عساكر في تاريخ =
[ ١ / ٣٣٢ ]
وإن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق بما في يد اللَّه تعالى" (^١).
٢٠٤ - حدثنا الحسن بن محبوب، ثنا الفيض بن إسحاق قال: قال فضيل بن عياض قال إبراهيم التيمي (^٢): "إن حبسني فهو أهون عليّ، ولكن أخاف أن يبتليني فلا أدري على ما أكون عليه؟، قال فضيل: يخاف أن يفتنه، قال إبراهيم: فحبسني فدخلت على اثنين في قيد واحد بمكان ضيّق لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، فيه يأكلون وفيه يتغوّطون، وفيه يصلّون، قال: فحبسني برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا فلم نجد مكانا، فجعلوا يترامون به، فقال: اصبروا فإنما هي الليلة، فلما كان الليل قام يصلي فقال: يا رب، مننت عليّ بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سللت عليّ أشرّ خلقك، يا رب: الليلة الليلة لا أصبح فيه، فما أصبحنا حتى ضرب أبواب السجن أين البحراني، فقلنا: ما دعا له الساعة إلا ليقتل، فخلّا سبيله، فجاء فقام
_________________
(١) = دمشق (٣٦/ ٤٤٠) أبياتا كثيرة قالها أبو الفضائل في جده أبي المجد القاضي بحماة: ومنها: وإني لأرجو اللَّه حتى لكأنما ظنوني في إحسانه كعيان
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه القرشي وهو عبد العزيز بن عبد اللَّه القرشي يروي عن سفيان الثوري، منكر الحديث كما في التقريب (٤١٣٥)، القناعة والتعفف (٥٠) رقم (٩٨)، واليقين برقم (٣٤)، وابن كثير في البداية والنهاية عن المصنف (٩/ ٢٧٠)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٩٠).
(٣) هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، أبو أسماء الكوفي العابد، ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، مات سنة (١٩٢ هـ) وله أربعون سنة، التقريب (٢٦٩).
[ ١ / ٣٣٣ ]
على الباب، فسلّم علينا، وقال: أطيعوا اللَّه لا يعصكم" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان منزلة اليقين والحث على أعلى مراتبها كما في أثر عمر بن عبد العزيز والحسن، أن يكون المؤمن كمن عاين ما أعد اللَّه لعباده من الثواب والعقاب، وذلك أن اليقين درجات يرتقي فيها العبد في هذه الدنيا ليصل إلى كمالها بإذن اللَّه، وقد ذكرها أبو بكر الوراق فقال: "اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة"، قال ابن القيم شارحا لذلك: "يريد بيقين الخبر: سكون القلب إلى خبر المخبر، وتوثقه به، وبيقين الدلالة: ما هو فوقه، وهو: أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به، وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن؛ فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدليل، فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة وهي: يقين المكاشفة؛ بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين،
_________________
(١) إسناده حسن، الفيض بن إسحاق ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٢) وقال: "كان ممن يخطئ"، وقال عنه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٨٦): "كان صاحب حديث وخير وغزو"، الفرج بعد الشدة (٨٣ - ٨٤) رقم (٥٨)، وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٠).
[ ١ / ٣٣٤ ]
وهذا أعلى أنواع المكاشفة. . . قال بعضهم: رأيت الجنة والنار حقيقة، قيل له: وكيف؟ قال: رأيتهما بعيني رسول اللَّه، ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني؛ فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره" (^١)، ولذلك ورد عن بعض السلف أنه لو أخبر أنه سيموت لم يكن عنده مزيد؛ لأنه وصل إلى أعلا درجة اليقين، وفي أبيات النمري من يقينه في حسن ظنه باللَّه أنه كأنه يرى ما اللَّه صانع به، وفي أثر الحسن والتيمي بيان علاقة التوكل باليقين، وذلك أنه إذا قوي اليقين قوي التوكل، وإذا ضعف ضعف، فإذا ضعف اليقين صارت ثقة العبد بما في يده أكثر مما في يد اللَّه، وإذا قوي اليقين، انقلب الأمر كما في قصة البحراني الذي دعا اللَّه أن يخرجه من السجن، فخرج كما دعا وتيقن، قال ابن القيم: "اليقين قرين التوكل، ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين، والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. . . ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهمٍّ وغمٍّ، فامتلأ محبة للَّه وخوفا منه، ورضي به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه، فهو مادة جميع المقامات والحامل لها" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤١٧).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٤١٤).
[ ١ / ٣٣٥ ]
المطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن باللَّه.
أولا: الآثار الواردة في فضل حسن الظن باللَّه ومعناه.
٢٠٥ - نا محمد بن بشير، نا عبد اللَّه بن المبارك قال: "كنت آتي سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان، فبكيت، فالتفت إليّ فقال: ما شأنك؟ فقلت: من أسوأ أهل الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن اللَّه لا يغفر لهم" (^١).
٢٠٦ - ذكر عليّ بن يزيد بن عيسى، نا خلف بن تميم قال: "قلت لعليّ بن بكار (^٢): ما حسن الظن باللَّه؟ قال: لا يجمعك والفجار في دار واحدة" (^٣).
٢٠٧ - نا محمد بن عباد المكي، عن سفيان بن عيينة قال: صلى
_________________
(١) إسناده ضعيف، شيخ المصنف هو أبو جعفر الكاتب أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٣/ ٤٤)، حسن الظن باللَّه (٧٢) رقم (٧٨).
(٢) هو علي بن بكار أبو الحسن المصيصي، صدوق مات في حدود (٢٤٠ هـ)، التقريب (٤٦٩٤)، وفي طبقته علي بن بكار الزاهد نزيل الثغر، لكن هذا مصيصي وخلف بن تميم مصيصي كذلك، ولم أجدهما في شيوخه ولا ذكر هو في الرواة عن أحدهما واللَّه أعلم.
(٣) حسن الظن باللَّه (١٩) رقم (١١)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٤٦٣) وفيه زيادة مهمة وهي أن خلف بن تميم سأل علي بن بكار عن حديث النبي -ﷺ-: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه"، ونقله عنه المزي في تهذيب الكمال (٥/ ٢٢٥)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١٩٠) عن المصنف.
[ ١ / ٣٣٦ ]
محمد بن المنكدر على رجل من أهل المدينة كان يؤمن (^١) بشر وقال: "إني لأستحيي من اللَّه أن يعلم من قلبي أني ظننت أن رحمته عجزت عنه" (^٢).
٢٠٨ - نا أبو حفص الصيرفي قال: بلغني أن عمر بن ذر (^٣) كان إذا تلا ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (^٤)، قال: "ونحن نقسم باللَّه جهد أيماننا ليبعث (^٥) اللَّه من يموت، أتراك تجمع بين المرأين المُقْسِمَين في دار واحدة، قال أبو بكر: وبكى أبو حفص بكاءًا شديدا" (^٦).
_________________
(١) كذا في نسخة شاحونة والسيد وذكر السيد أنها كذلك في الأصل، وفي الظاهرية والمحمودية وطبعة مخلص "يؤبن"، وهو الصحيح ومعناه يذكر بقبيح كما في مختار الصحاح (٣).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يهم، التقريب (٦٠٣١)، لكن ترجمته في الجرح والتعديل (٨/ ١٣) وغيره تفيد حسن حديثه وهو كذلك قول أحمد وابن معين، بل هناك من وثقه، حسن الظن باللَّه (٦٧) رقم (٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق بلفظ مقارب (٥٦/ ٥٨)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٣٥٩).
(٣) هو عمر بن ذر بن عبد اللَّه بن زرارة الهمداني المرهبي، أبو ذر الكوفي، ثقة بليغ واعظ، رمي بالإرجاء، مات سنة (١٥٣ هـ)، وقيل غير ذلك، الكاشف (٢/ ٦٠)، التقريب (٤٨٩٣).
(٤) سورة النحل، من الآية (٣٨).
(٥) في المخطوط: "ليبعثن" بالتوكيد، وهي كذلك في طبعة مخلص محمد، لكن أوردها شاحونة ومجدي السيد هكذا.
(٦) إسناده منقطع، حسن الظن باللَّه (٢٧ - ٢٨) رقم (١٥)، وعنه ابن رجب في التخويف من النار (١٩٠ - ١٩١).
[ ١ / ٣٣٧ ]
٢٠٩ - نا محمد بن صالح القرشي، عن عامر بن حفص (^١) قال: وقف الحسن على وكيع بن أبي الأسود فقال: "اللهم ارحم وكيعا؛ فإن رحمتك لن تعجز عن وكيع" (^٢).
٢١٠ - حدثني محمد بن الحسين، عن محمد بن جعفر بن عون (^٣) قال: قال داود الطائي (^٤): "ما نعوِّل إلا على حسن الظن باللَّه تعالى، فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان" (^٥).
٢١١ - نا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض، عن سليمان، عن خيثمة قال: قال عبد اللَّه: "والذي لا
_________________
(١) هو أبو اليقظان سحيم بن حفص، شيخ المدائني وقد دلسه بأسماء كثيرة، وهو كما قال ابن النديم: "وكان عالما بالأخبار والأنساب والمآثر والمثالب، ثقة فيما يرويه، وتوفي سنة تسعين ومائة وله من الكتب: كتاب حلق تميم بعضها بعضا، كتاب أخبار تميم. . . " الفهرست (١/ ١٣).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف أبو التياح صدوق أخباري، التقريب (٦٠٠١)، حسن الظن باللَّه (٦٧) رقم (١٠٠).
(٣) في المطبوع: "عن محمد بن جعفر عن عون" وهو خطأ صوبته من الحلية.
(٤) هو داود بن نُصَيْر أبو سليمان الطائي الكوفي، ثقة فقيه زاهد، سمع الحديث، وفَقُهَ، وعرف النحو، وعَلِمَ أيام الناس وأمورهم، ثم تعبد فلم يكن يتكلم في ذلك بشيء، مات سنة (١٦٥ هـ) وقيل إلى بعدها، طبقات ابن سعد (٦/ ٣٦٧)، التقريب (١٨١٦)، وانظر أخباره في الحلية (٧/ ٣٦١).
(٥) إسناده لين؛ محمد بن جعفر لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في الثقات (٩/ ١٠١)، محاسبة النفس (٨٥) رقم (٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٧).
[ ١ / ٣٣٨ ]
إله غيره ما أعطي عبد شيئا خير من حسن الظن باللَّه، والذي لا إله غيره ما يحسن عبد الظن باللَّه إلا أعطاه اللَّه ظنه ذلك؛ فإن الخير في يده" (^١).
٢١٢ - نا محمد بن الحسيم، نا أبو عمر الضرير، نا سهيل أخو حزم القطعي قال: "رأيت مالك بن دينار في منامي فقلت: يا أبا يحيى بماذا قدمت على اللَّه ﷿؟ فقال: قدمت بذنوب كثيرة محاها عني حسن الظن باللَّه" (^٢).
٢١٣ - ذكر محمد بن الحسين، نا عمار بن عثمان الحلبي، ذكر حصين بن القاسم الوزان، عن عبد الواحد بن زيد رحمه اللَّه تعالى قال: "رأيت حوشبا في منامي فقلت: يا أبا بشر كيف حالكم؟ قال: نجونا بعفو اللَّه، فقلت: ما تأمر به؟ قال: عليك بمجالس الذكر، وحسن الظن بمولاك
_________________
(١) إسناده منقطع، حسن الظن باللَّه (٥٩ - ٦٠) رقم (٨٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٤) رقم (٨٧٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨): "رواه الطبراني موقوفا، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود"، وكذا في الترغيب والترهيب (٤/ ١٣٦)، قلت: لعل في الأمر تصحيفا فإن السند عن الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود، وخيثمة لم يسمع من ابن مسعود كما نص على ذلك العراقي في تحفة التحصيل (٩٨)، والعلائي في جامع التحصيل (١٧٣)، أما الأعمش فأمره أوضح فقد نص على أنه لم يسمع من أحد من الصحابة واللَّه أعلم، انظر جامع التحصيل (١١٨).
(٢) إسناده حسن إلى سهيل، حسن الظن باللَّه (٢٢) رقم (٧)، والمنامات برقم (٣٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤١ - ٤٤٢).
[ ١ / ٣٣٩ ]
﷿ فكفى بهما خيرا" (^١).
٢١٤ - نا محمد بن الحسين، نا عبيد اللَّه بن موسى، نا عمار بن سيف قال: "رأيت الحسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنيا لقاءك، فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر فلم أر مثل حسن الظن باللَّه شيئا" (^٢).
ثانيا: الآثار الواردة في حسن الظن والعمل.
٢١٥ - ثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن إبراهيم، عن هاشم بن القاسم، عن أبي محمد بن الكوفي قال: قال الحسن: "إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة، يقول: إني أحسن الظن بربّي، كذب، ولو أحسن الظن بربّه لأحسن العمل" (^٣).
ثالثا: الآثار الواردة في إحسان الظن باللَّه عند الموت.
٢١٦ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثنا سعدان بن
_________________
(١) إسناده حسن إلى عبد الواحد، حسن الظن باللَّه (٢٢ - ٢٣) رقم (٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٩) أطول من هذا.
(٢) إسناده حسن إلى عمار، حسن الظن باللَّه (٢٣) رقم (٩)، والمنامات برقم (٤٨)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ٢٢٠).
(٣) فيه أبو محمد الكوفي لم أجد له ترجمة، وهاشم بن القاسم هو أبو النضر لقبه قيصر ثقة، التقريب (٧٣٠٥) وليس الحراني، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٨) رقم (٢)، وذكره المناوي في فيض القدير (٥/ ٦٧ - ٦٨).
[ ١ / ٣٤٠ ]
مسلم (^١) قال: "دخلت على أخي يحيى وهو يجود بنفسه، فقال: اذكر لي شيئا مما يحسن به ظني، فحضرني هذا الشعر، فقلت له:
يا كبير الذنب عفو اللّـ ـه من ذنبك أكبرْ
أكبر الأشياء في أصـ ـغر عفو اللَّه يصغرْ (^٢)
٢١٧ - ذكر أبو عبد اللَّه النقري، ذكر سوار بن عبد اللَّه (^٣)، نا المعتمر قال: "قال أبي (^٤) حين حضرته الوفاة: حدثني بالرخص لعلِّي ألقى اللَّه ﷿ وأنا حسن الظن به" (^٥).
_________________
(١) لم أجد له ترجمة، سوى أن ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ١٤٣) نقل عن الطوسي -في رجال الشيعة- أن ابنه يري عن ابن أبي جهيمة.
(٢) سعدان بن مسلم لم أجده، المحتضرين (٢٣٢ - ٢٣٣) رقم (٣٤٨)، وابن حجر في الأمالي المطلقة (١٤٠) وفيه أن الأبيات لأبي نواس وتمنى أبو العتاهية الذي عمل عشرين ألف بيت في الزهد أن له بها ثلاث أبيات منها هذا، وكذا في تاريخ دمشق (١٣/ ٤٢٠، ٤٦٠) وذكرها غيرهما لأبي نواس.
(٣) الصواب في الإسناد هو: أبو عبد اللَّه البصري سوار بن عبد اللَّه كما هو في المخطوط "ل ١٨٦ ب"، والإسناد متصل عن شيخ المصنف وليس فيه "ذكر"، وكذا في المحتضرين، وورد على الصواب في نسخة مخلص محمد.
(٤) هو سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة (١٤٣ هـ) وهو ابن سبع وتسعين، التقريب (٢٥٧٥).
(٥) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٣٧) رقم (٢٩)، المحتضرين (٣٩) رقم (٢٦)، وابن الجعد في مسنده (١٩٩) رقم (١٣١١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧) رقم (١٠٠٨)، وذكره كل من المزي في تهذيب =
[ ١ / ٣٤١ ]
٢١٨ - نا عمرو بن محمد الناقد، نا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال: "كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه" (^١).
٢١٩ - نا أبو عبد الرحمن الكوفي، ثنا سيار، نا جعفر قال: سمعت ثابتا (^٢) قال: "كان شاب قد رهق، وكانت أمه تعظه تقول: أي بنيّ إن لك يوما فاذكر يومك، يا بني إن لك يوما فاذكر يومك، فلما نزل به الموت قالت: أي بنيّ قد كنت أحذّرك مصرعك هذا وأقول لك: إن لك يوما فاذكر يومك، فقال: يا أم إن لي ربا كثير المعروف، فأنا أرجو أن لا يعدمني ربي بعض معروف أن يرحمني، قال ثابت: فرحمه اللَّه بحسن ظنه بربّه في حاله تلك" (^٣).
_________________
(١) = الكمال (٣/ ٢٨٦)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٠٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٩٩).
(٢) إسناده حسن، فإن سماع عمرو من خلف قديم بحسب تاريخ وفاتهيما واللَّه أعلم، وخلف صدوق اختلط في الآخر، التقريب (١٧٤١)، حسن الظن باللَّه (٢٧) رقم (٣٠)، المحتضرين (٣٩ - ٤٠) رقم (٢٧)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧) رقم (١٠٠٧)، وابن الجوزي في الثبات عند الممات (٧٠)، وذكره عنه ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٠٤)، وكذا الصنعاني في سبل السلام (٢/ ٩٠).
(٣) هو ثابت بن أسلم البُناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ست وثمانون، التقريب (٨١٠).
(٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، التقريب (٣٢٩٨)، حسن الظن باللَّه (٤٠ - ٤١) رقم (٣٤)، المحتضرين برقم (١٨)، وعبد اللَّه في زيادات الزهد (٣٠٨)، =
[ ١ / ٣٤٢ ]
٢٢٠ - نا زهير بن حرب، نا شبابة بن سوار، نا هشام بن الغاز، ذكر حيان أبو النضر قال: قال لي واثلة بن الأسقع (^١): "قدني إلى يزيد بن الأسود (^٢)، فإنه قد بلغني أنه لِما به، قال: فقدته فدخل عليه وهو ثقيل، وقد وُجّه، وقد ذهب عقله، قال: فنادوه، فقلت: إن هذا واثلة أخوك، قال: فأبقى اللَّه من عقله ما سمع أن واثلة قد جاء، قال: فمدّ يده فجعل يلمس بها، فعرفت ما يريد، فأخذت كفّ واثلة فجعلتها في كفّه، وإنما أراد أن يضع يده في يد واثلة، ذاك لموضع يد واثلة من رسول اللَّه -ﷺ-، فجعل يضعها مرّة على صدره، ومرة على وجهه، ومرّة على فيه، فقال واثلة: أما تخبرني عن شيء أسألك عنه؟ كيف ظنّك باللَّه؟ قال: أغرقتني ذنوب، وأشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة اللَّه، قال: فكبّر واثلة وكبّر أهل البيت تكبيرة، وقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يقول اللَّه:
_________________
(١) = وابن الجعد في المسند (٢١١) رقم (١٣١٥)، والربعي في وصايا العلماء (١٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٢٦)، ومن طريق المصنف البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٧) رقم (٧١١٤).
(٢) هو واثلة بن الأسقع بن كعب الليثي، صحابي مشهور، أسلم قبل تبوك وشهدها، نزل الشام، وعاش إلى سنة (٨٥ هـ)، وله مائة وخمس سنين، الإصابة (٦/ ٥٩١)، التقريب (٧٣٧٩).
(٣) هو يزيد بن الأسود أو بن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، صحابي نزل الطائف، وفد به أبوه على النبي -ﷺ- وهو غلام فدعا له، الإصابة (٦/ ٦٤٨)، التقريب (٧٦٨٥).
[ ١ / ٣٤٣ ]
أنا عند ظن عبدي، فليظنّ بي ما شاء" (^١).
٢٢١ - حدثني محمد قال: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي قال: حدثني أبو سلمة التيمي قال: سمعت عبد الأعلى التيمي (^٢) يقول لجارٍ له وقد حضره الموت: "أكثر من جزعك من الموت، وأَعِدَّ لعظيم الأمور حسن الظن باللَّه" (^٣).
٢٢٢ - حدثني محمد قال: حدثنا حاتم بن سليمان قال: "دخلنا على عبد العزيز بن سليمان وهو يجود بنفسه، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجدني أموت، فقال له بعض إخوانه: على أية حال رحمك اللَّه؟ فبكى، ثم قال: ما نعوِّل إلا على حسن الظن باللَّه، قال: فما خرجنا
_________________
(١) إسناده حسن، حيان أبو النضر وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: (صالح) انظر الجرح والتعديل (٣/ ٢٤٤)، حسن الظن باللَّه (١٦ - ١٧) رقم (٢)، والمحتضرين (٣١ - ٣٣) رقم (١٦) وهو فيه أوضح سياقا، ومن طريقه البيهقي في الأربعون الصغرى برقم (١٢٤)، وابن قدامة في المتحابين في اللَّه برقم (١٣٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ١١٥) من طريق المصنف، وذكره ابن حجر في الإصابة (٣/ ٦٧٣) ونسبه للمصنف، وأخرجه أيضًا غيرهم انظر بعض من خرجه في المسند (٢٥/ ٣٩٨).
(٢) عبد الأعلى التيمي، رجل صالح، قال ابن حجر: "معروف روى عنه أبو حنيفة في الآثار، ومسعر، وذكره البخاري في تاريخه، فلم يذكر فيه جرحا، وذكره ابن حبان في الثقات"، تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين (١٦٩)، تعجيل المنفعة (٢٤٣).
(٣) إسناده صحيح، وأبو سلمة التيمي هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون وثقه ابن معين وأبو داود انظر السير (٨/ ٣٧١)، المحتضرين (١٥٤) رقم (٢٠٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧) رقم (١٠٠٩).
[ ١ / ٣٤٤ ]
من عنده حتى مات" (^١).
٢٢٣ - حدثت عن بكر بن سليمان الصواف قال: "دخلنا على مالك بن أنس العشية التي قبض فيها فقلنا: يا أبا عبد اللَّه كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم، إلا أنكم ستعاينون غدا عن عفو اللَّه ما لم يكن في حساب، قال: ثم ما برحنا حتى أغمضناه" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أمور مهمة تتعلق بحسن الظن باللَّه، فقد اشتمل العنصر الأول على بيان معنى حسن الظن، والثاني على علاقته بالعمل، والثالث على استحضاره عند الموت، بل واستحضار ما يرغب فيه ويحث عليه.
أما تعريفه: فالآثار تدور على أن معناه متعلق بأسماء اللَّه وصفاته وفهمها؛ فلا يجوز الاعتقاد بأن اللَّه لا يغفر لعباده، أو يجمع بين الفجار والأبرار في دار واحدة، أو أن رحمته تعجز عن أهل التفريط والكبائر، وهذا كله من فقه الأسماء والصفات، لكن هذا الفقه يجب أن يكون شاملا لكل أسمائه سبحانه وصفاته، ولا يقتصر على نوع دون غيره، أو يُغَلَّب
_________________
(١) فيه حاتم لم أعرفه وسيأتي (٢٣٧)، المحتضرين (١٥٤) رقم (٢٠٩).
(٢) إسناده فيه إبهام شيخ المصنف، حسن الظن باللَّه (٧٨) رقم (٨٦)، وذكره ابن فرحون في الديباج المذهب (١/ ٢٨).
[ ١ / ٣٤٥ ]
جانب على آخر، كي لا يكون غِرَةً، فإن اللَّه ﷿ "فوق ذلك (^١)، وأجلُّ وأكرم، وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة، والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة" (^٢)، وهذا ما يتضح بعلاقة حسن الظن بالعمل.
وأما علاقته بالعمل: فهي علاقة وطيدة، علاقة الشرط بالمشروط "فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وأوقع في محارمه، وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم أحسن الظن فهذا حسن ظن، والأول غرور واللَّه المستعان" (^٣)، ومن هنا كان حسن الظن مع اتباع الهوى عجزٌ، ولا يكون إلا مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن (^٤)، ولذلك كان أثر الحسن معيارا دقيقا في هذا الموضوع حيث بيّن أن العبد لو أحسن الظن بربّه لأحسن العمل، وعكس ذلك غرور وأماني (^٥).
أما إحسان الظن باللَّه عند الموت: فإن الآثار الواردة فيه تدل على
_________________
(١) أي ما يستدل به الفجار على تماديهم فيما هم فيه من عفو اللَّه ورحمته ومغفرته و. . .
(٢) الجواب الكافي (١٥).
(٣) الجواب الكافي (١٥).
(٤) انظر الجواب الكافي (١٥).
(٥) انظر فصل الفرق بين حسن الظن والغرور في الجواب الكافي (٢٤)، وتحفة الأحوذي (١٠/ ٥٠).
[ ١ / ٣٤٦ ]
أهمية حسن الظن عند حضور الموت، وأنه إما أن يكون من مسيء فيحسن تذكيره بسعة عفو اللَّه ومغفرته، لصدق توبته في ذلك الوقف، وإما من محسن أو مخلط فيذكر بمحاسن عمله، كل ذلك ليقوى رجاؤه في اللَّه، ولا يقع فريسة لإبليس فيوقعه في القنوط واليأس من رحمة اللَّه، وسيأتي مزيد بسط وتوضيح للمسألة حسن الظن عند الموت في المبحث التالي عند الكلام على الخوف والرجاء عند الموت وأيهما أولى في تلك الحال.
[ ١ / ٣٤٧ ]
المطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء.
أولا: الآثار الواردة في رجاء ثواب الطاعة.
٢٢٤ - حدثنا أبو عبد الرحمن الخزاعي، عن عبد اللَّه بن أحمد قال: حدثنا محمد بن نصر قال: حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: "استأذن قومٌ على عبد الملك بن مروان (^١) وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لِما به، فقالوا: إنما ندخل فنسلِّم قياما ثم نخرج، فدخلوا عليه وقد أسنده خصيٌّ إلى صدره، وقد اربدَّ لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: دخلتم عليّ في حال إقبال آخرتي وإدبار دنياي، وإني تذكّرت أرجى عمل فوجدته غزوةً غزوتها في سبيل اللَّه وأنا خِلو من هذه الأشياء، فإياكم وإيَّا أبو ابِنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها" (^٢).
٢٢٥ - حدثني أبو جعفر مولى بني هاشم، حدثني أبو بكر المديني
_________________
(١) هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو الوليد، بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، فلم تصح خلافته، وبقي متغلبا على مصر والشام، ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة (٧٣ هـ) فصحت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر، توفي سنة (٨٦ هـ)، تاريخ الخلفاء (١٩٠).
(٢) إسناده ضعيف، فيه المفضل بن فضالة وهو القرشي ضعيف، التقريب (٦٩٠٥)، وفي طبقته مفضل بن فضالة بن عبيد القتباني وهو ثقة، التقريب (٦٩٠٦)، لكن الأول نص المزي في ترجمته من تهذيب الكمال أنه يروي عن أبيه ولم يذكر ذلك في القتباني واللَّه أعلم، المحتضرين (٧٥) رقم (٧٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٧ - ١٥٧)، وذكره ابن الأثير في الكامل (٤/ ٢٣٩).
[ ١ / ٣٤٨ ]
قال: قال سعيد بن العاص (^١): "يا بني، إن المكارم لو كانت سهلة يسيرة لسابقكم إليها اللئام، ولكنها كريهة مرة، لا يصبر عليها إلا من عرف فضلها ورجا ثوابها" (^٢).
٢٢٦ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الحميدي، عن سفيان قال: "سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يقول: عَدَلَ واللَّه عمر بن عبد العزيز في الأمة، قال: فبكى عمر وقال: وددت واللَّه أنه كما قلت، ومن لِعُمَرَ بالذي قُلْتَ رحمك اللَّه" (^٣).
ثانيا: الآثار الواردة في رجاء مغفرة الذنب.
٢٢٧ - حدثنا أبو عقيل الأسدي قال: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى قال: حدثنا إسرائيل، عن عبد اللَّه بن المختار، عن محمد بن سيرين قال:
_________________
(١) هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، قتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبي -ﷺ- تسع سنين، وذكر في الصحابة، وولي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، مات سنة (٥٨ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٣/ ١٠٧)، التقريب (٢٣٣٧).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه شيخ المصنف قال ابن حبان: "لا يجوز الاحتجاج به" المجروحين لابن حبان (٢/ ٣٠٨)، مكارم الأخلاق (١٢) رقم (٥٢)، البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٦٥) رقم (٨٥٤٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٣٦ - ١٣٧)، المراد أن الرجاء فضله من جهة المعرفة لأن من قوي رجاؤه فلا بد أن يكون قد قوي إيمانه ومعرفته باللَّه، ولعل هذا من أوجه تفضيل الرغبة والرهبة، وليس كما يدعى الصوفية أنها عبادة التجار، بل هي عبادة العارفين واللَّه أعلم.
(٣) إسناده صحيح، المتمنين (٥٠) رقم (٦٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
"مرض معاوية (^١) مرضا شديدا، فترل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخدَّ مرةً بالأرض ويبكى ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، اجعلني ممن تشاء أن تغفر لي" (^٣).
٢٢٨ - ذكر أبي، عن أبي المنذر الكوفي (^٤): "أن معاوية ﵀ يقول وهو في الموت:
إن تناقش يكن نقاشك يا رب عذابا لا طوق لي بالعذاب
_________________
(١) هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن، الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠ هـ)، وقد قارب الثمانين، الإصابة (٦/ ١٥١)، التقريب (٦٧٥٨).
(٢) سورة النساء، من الآية (٤٨).
(٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق ربما وهم التقريب (٧٥٧٥)، المحتضرين (٢٢٩) رقم (٣٤٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٦)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤٢).
(٤) أبو المنذر الكوفي الذي يروي عنه والد ابن أبي الدنيا هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي، نص على ذلك الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٥٣١)، وصرح باسمه كاملا المصنف في المحتضرين برقم (٧٠) من طريق شيخه العكلي.
[ ١ / ٣٥٠ ]
أو تجاوز فأنت رب رحيم عن مسيء ذنوبه كالتراب (^١)
٢٢٩ - ذكر الحسين بن يحيى بن كثير العنبري، عن خزيمة أبي محمد العابد قال: كان عمر بن ذر يقول: "اللهم ارحم قوما أطاعوك في أحب طاعتك إليك، الإيمان بك والتوكل عليك، وارحم قوما أطاعوك في ترك أبغض العاصى إليك الشرك بك والافتراء عليك، قال: وكان بعضهم يقول: إن كان كل ما عصي اللَّه به عظيما؛ فإنه في سعة رحمته صغيرا" (^٢).
٢٣٠ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: "لما جَدَّ بعمرو بن
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه الكلبي وسيأتي (٧٥٩)، حسن الظن باللَّه (٧٣) رقم (١١١) المحتضرين برقم (٧٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٤) من طريق آخر بسند ضعيف، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤٢)، وابن الأثير في الكامل (٣/ ٣٧٠). وقد رويت هذه الأبيات كذلك من قول عبد الملك بن مروان ومن قول الحجاج بن يوسف. انظر: وصايا العلماء (٨٣)، وتهذيب الكمال (٤/ ٥٧٥)، والبداية والنهاية (٩/ ٦٨)، وتاريخ ابن عساكر (٣٧ - ١٥٩)، والكامل (٤/ ٢٤٠)، جميعهم نسبها لعبد الملك ونبه بعضهم أنها تروى عن معاوية. ونسبها للحجاج ابن الأعرابي كما قال الزمخشري في الفائق (٤/ ١٦) ونبه أنها تروى عن معاوية.
(٢) إسناده حسن، وخزيمة العابد ترجم له أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٢) وذكر صلاحه وزهده ولم يذكر له رواية سوى بعض الزهديات والقصص، حسن الظن باللَّه (٨١ - ٨٢) رقم (٩٣).
[ ١ / ٣٥١ ]
العاص، وضع يده موضع الغلال من رقبته فقال: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، فكانت تلك هِجِّيراه (^١) حتى مات" (^٢).
٢٣١ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد، عن محمد بن قيس الأسدي: "أن عمرو بن العاص قال وهو في الموت: اللهم لا ذو قوّة فأنتصر، ولا ذو براءة فأعتذر، اللهم إني مقرّ، مذنب، مستغفر" (^٣).
٢٣٢ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: قال ابن السماك عند وفاته: "اللهم إنك تعلم أني كنت إذ كنت أعصيك، أني أحبّ من يطيعك" (^٤).
_________________
(١) أي دأبه وشأنه وديدنه وعادته، تاج العروس (١/ ٣٦٢٥).
(٢) إسناده صحيح، المحتضرين (٩٣ - ٩٤) رقم (١٠٤)، ثم برقم (٢٧٩)، وفيه أنه قال: "لا إله إلا أنت، ثم أخذ بإبهامه فلم يزل يهلِّل حتى فاض"، ثم رقم (٢٩٣): "اللهم منك العفو والتجاوز"، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٣٩)، وأحمد في المسند (٢٩/ ٣١٩ - ٣٢١) رقم (١٧٧٨١)، وعنه الذهبي في السير (٣/ ٧٥) وقال الهيثمي في المجمع: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
(٣) إسناده ضعيف جدا، فيه هشام بن محمد وهو الكلبي فهو الذي يروي عنه والد المصنف، وقد سبق مرارا، المحتضرين (٩٤) رقم (١٠٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٩١، ١٩٩)، وابن سعد في الطبقات (٢٦٠)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١٨٩)، والنووي في تهذيب الأسماء (٢/ ٣٤٧)، والذهبي في السير (٣/ ٧٦، ٧٧).
(٤) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٤٨٤)، المحتضرين (٢٣٢) رقم (٣٤٧)، =
[ ١ / ٣٥٢ ]
٢٣٣ - نا محمد بن الحسين، نا إبراهيم بن أشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "لو أدخلني اللَّه النار فصرت فيها ما أيسته" (^١).
٢٣٤ - نا أبو الحسن (^٢) البصري أحمد بن عبد اللَّه، نا سليمان بن نوح (^٣)، عن يونس، عن الحسن قال: "أتى أعرابي إلى النبي -ﷺ- فقال: يا
_________________
(١) = وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٧٧)، والمناوي في فيض القدير (٣/ ٢٦٤).
(٢) إسناده حسن، إبراهيم بن الأشعث تلميذ الفضيل، أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٦٦) وقال: "وكان صاحب الفضيل بن عياض، يروى عنه الرقائق، روى عنه عبد بن حميد الكشي، يغرب ويتفرد ويخطئ ويخالف"، ولهذا قال ابن أبي حاتم كما في الجرح والتعديل: "سألت أبي: عن إبراهيم بن الأشعث وذكرت له حديثا رواه عن معن عن بن أخي الزهري عن الزهري، فقال: هذا حديث باطل موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن الأشعث الخير فقد جاء بمثل هذا"، وأورده بسببها ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٣)، وكذا الذهبي في المغني (١/ ١٠)، ووثقه غيره كذلك كما في لسان الميزان (١/ ٣٦)، فالظاهر أن رواياته عن شيخه الفضيل الذي لازمه وعرف به لا سيما في الزهديات ونحوها لها حكم الحسن، وقد تابعه أيضًا في هذا الأثر إسحاق ابن إبراهيم عند أبي نعيم كما سيأتي، حسن الظن باللَّه (٥٨) رقم (٨٠)، المتمنين برقم (٨٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٨٨، ٩٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٤٢٠)، وذكره الذهبي في السير (٨/ ٤٣٢).
(٣) الصواب أنه أبو الحسين وهو ثقة التقريب (٥٦).
(٤) سليمان الظاهر أنه مصحف من سالم فهو المعروف بالرواية عن يونس ويروي عنه أحمد بن عبد اللَّه ابن الكردي كما في تهذيب الكمال (٣/ ١٠١)، وقد صحف في المخطوط اسم أبيه فصححه الناسخ وترك اسمه فاللَّه أعلم هل اكتفى بشهرته.
[ ١ / ٣٥٣ ]
رسول اللَّه من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: "اللَّه -﷿-"، قال: أفلحت ورب الكعبة، إذًا يترك حقه، وربما قال إذا لا يأخذ حقّه" (^١).
٢٣٥ - نا أبو جعفر المؤدّب أحمد بن بشير بن حبارة بشير بن الحارس، نا عطاء بن المبارك قال: قال بعض العباد: "لما علمت أن اللَّه -﷿- يلي محاسبتي زال عني حزني؛ لأن الكريم إذا حاسب عبده تفضّل" (^٢).
ثالثا: الآثار الواردة في رجاء لقاء اللَّه.
٢٣٦ - قال أبو محمد أزهر: دخلنا على جعفر بن سليمان (^٣) نعوده
_________________
(١) إسناده حسن إلى الحسن وهو مرسل، حسن الظن باللَّه (٣٥) رقم (٢٥)، والبيهقي بلفظ آخر في شعب الايمان (١/ ٢٤٧) رقم (٢٦٢) وقال: "تفرد به محمد بن زكريا الغلابي عن عبيد اللَّه بن محمد بن عائشة والغلابي متروك"، وقبل هذا قوله: "وقد روي معناه في حديث مسند لكنه يشبه أن يكون موضوعا فلم أجسر على نقله ثم إني نقلته لشهرته بين المذكورين وأنا أبرأ من عهده"، وذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ١٤٣) وشرح قول البيهقي بقوله: "ويشبه أن يكون موضوعا، ولكنه مشهور -يعني بين الزهاد ونحوهم- وأنا أبرأ من عهدته؛ يعني: لا أقول بوضعه ولا بثبوته".
(٢) إسناده ضعيف جدا، أحمد بن بشير شيخ المصنف متروك انظر تاريخ بغداد (٤/ ٤٨)، ولسان الميزان (١/ ١٤٠)، حسن الظن باللَّه (٣٥ - ٣٦) رقم (٢٦)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٤/ ٤٨)، المزي في تهذيب الكمال (١/ ٣٢).
(٣) هو جعفر بن سليمان الضُّبَعي، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، مات سنة (١٧٨ هـ)، التقريب (٩٤٢).
[ ١ / ٣٥٤ ]
في مرضه فقال: "ما أكره لقاء ربي -﷿-" (^١).
٢٣٧ - حدثني محمد قال: حدثنا حاتم بن سليمان الأسواري قال: حدثنا غاضرة بن قرهد قال: "دخلنا على حسان بن أبي سنان (^٢) وقد حضره الموت، وقال له بعض إخوانه: كيف تجدك؟ قال: أجدني بحال الموت، قالوا: أفتجد له أبا عبد اللَّه كربا شديدا، فبكى ثم قال: إن ذاك، ثم قال: ينبغي للمؤمن أن يسلِّيه عن كرب الموت وألمه ما يرجو من السرور في لقاء اللَّه" (^٣).
٢٣٨ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سريّة الربيع قالت: "لما احتضر الربيع (^٤) بكت ابنته فقال: يا بنيّة لا تبكي، ولكن قولي: يا بشرى، اليوم لقي أبي الخير" (^٥).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٢٥١)، حسن الظن باللَّه (٧٩) رقم (١٢٧)، المحتضرين برقم (٢٩١).
(٢) هو حسان بن أبي سنان البصري صدوق عابد، أحد زهاد التابعين، مشهور، الإصابة (٢/ ٢١٠)، التقريب (١٢٠٠).
(٣) فيه حاتم الأسواري لم أجد له ترجمة، ولعله حاتم بن أبي صغيرة؛ فإن اسم أبي صغيرة مسلم وهو بصري قشيري واللَّه أعلم، المحتضرين (١٥٢) رقم (٢٠٤).
(٤) هو الربيع بن خيثم، أبو يزيد الثوري الكوفي، أحد أصحاب ابن مسعود، قال ابن معين: لا يسأل عن مثله، وله مناقب كثيرة جدا، البداية والنهاية (٨/ ٢١٧).
(٥) إسناده حسن، سرية الربيع وثقها ابن حبان في الثقات (٢/ ٤٦١)، وفي المعرفة والتاريخ (٣/ ١٨٥) لا بأس بها، المحتضرين (١٢٠) رقم (١٤٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٤٧) رقم (٣٤٨٦٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠٧)، =
[ ١ / ٣٥٥ ]
٢٣٩ - نا سلمة بن شبيب، نا الحسن بن محمد بن أعين قال: سمعت زهير بن معاوية يقول: سمعت أبا عيينة الزبيدي (^١) يقول: "خفت نفسي ورجوت ربي -﷿-، فأنا أحب أن أفارق من أخاف إلى من أرجو" (^٢).
٢٤٠ - حدثني أبو بكر محمد بن خلف، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقبة، سمعت عبد اللَّه بن داود قال: "لما حضرت سفيان الثوري الوفاة قال لرجل: أدخل عليّ رجلين، فأدخل عليه أبا الأشهب وحماد بن سلمة، فقال له حماد (^٣): يا أبا عبد اللَّه أبشر، فقد أمنت ممن كنت تخافه، وتقدم على من ترجوه، قال: إي واللَّه إني لأرجو ذلك" (^٤).
٢٤١ - نا عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل المعمر (^٥) قال: "لما احتضر
_________________
(١) = وكذا المزي في تهذيب الكمال (٢/ ٤٥٩)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٨/ ٣٥٨٩)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (١/ ٩٩).
(٢) لم أعرفه، اللهم إلا أن يكون عبد الرحمن بن جَوْشَن الغَطَفَاني، بصري ثقة، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٨)، التقريب (٣٨٣٠).
(٣) إسناده حسن، ابن أعين صدوق التقريب (١٢٩٠)، حسن الظن باللَّه (٨٣ - ٨٤) رقم (٩٧).
(٤) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، لزم العبادة والعلم والورع، ونصرة السنة، والطبق على البدع، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه باخرة، من كبار الثامنة، مات سنة (١٦٧ هـ)، مشاهير علماء الأمصار (١٥٧)، التقريب (١٤٩٩).
(٥) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٣٦٢) أنه صدوق، محاسبة النفس (٧٦) رقم (٣٠).
(٦) كذا في طبعة شاحونة وفي طبعة السيد: "المعري"، وكلاهما خطأ، وفي مخطوطة =
[ ١ / ٣٥٦ ]
بشر بن منصور السليمي (^١) ضحك وقال: أخرج من بين ظهراني من أخاف فتنته، وأقدم على من لا أشك في رحمته" (^٢).
٢٤٢ - نا أبو عمرو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزي، أنا علي بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، عن أبي غالب (^٣) قال: "كنت أختلف إلى الشام في تجارة ومعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة، فإذا رجل من قيس من خيار المسلمين، فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف، يأمره وينهاه ويضربه، ولا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، وأقبل عليه يسبّه ويقول: يا عدو اللَّه الخبيث، ألم تفعل كذا، ألم تفعل كذا، قال: أفرغت؟ قال: نعم،
_________________
(١) = الظاهرية وعارف حكمت: "عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل المقري"، وهو عبد اللَّه ابن أبي عبد اللَّه وثقه الخطيب تاريخ بغداد (١٠/ ٨٤)، وقد وقع سقط فاحش في طبعة دار الكتب العلمية حيث ذكر وفاته سنة "ثنتين ومائتين"، مما يعني أن بين وفاته وولادة المصنف ست سنوات فأنى له لقاءه فضلا عن الأخذ عنه، والصواب: "ثنتين وسبعين وماتين" كما في مولد العلماء ووفياتهم (٢/ ٥٩١) للربعي، والحمد للَّه رب العالمين، وهو كذلك في مخطوطة تاريخ بغداد النسخة التركية.
(٢) هو بشر بن منصور السَّلِيمي، أبو محمد الأزدي البصري، صدوق عابد زاهد، مات سنة (١٨٠ هـ)، التقريب (٧٠٤).
(٣) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٦٦) رقم (٩٦).
(٤) هو أبو غالب صاحب أبي أمامة، بصري نزل أصبهان، قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع، صدوق يخطئ، التقريب (٨٢٩٨).
[ ١ / ٣٥٧ ]
قال: أرأيت لو أن اللَّه -﷿- دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذًا واللَّه كانت تدخدك الجنة، قال: فوالله لَلَّهُ أرحم بي من والدتي، فقبض الفتى فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، قال: فخطوا له خطا، ولم يلحدوا له، قال: فقلنا باللبن فسويناه، قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه وتأخر، فقلت: ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نورا، وفسح فيه مَدَّ البصر" (^١).
٢٤٣ - ذكر الحسين بن عمرو بن محمد القرشي (^٢)، عن الحسين بن علي، عن محمد بن أبان، عن حميد (^٣) قال: "كان لي ابن أخت مُرَهَّق (^٤)، فمرض فأرسلت إليّ أمه فأتيتها فإذا هي عند رأسه تبكي فقال: يا خالي
_________________
(١) إسناده صحيح إلى أبي غالب، حسن الظن باللَّه (٣٠) رقم (٣٥)، المحتضرين (٣٤ - ٣٥) رقم (١٩)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٧) رقم (٧١١٥)، ومثل هذا الكلام رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٥١)، والذهبي في السير (٧/ ٤٤٩) عن حماد بن سلمة قاله للثوري لما عاده، والمزي في ترجمته من تهذيب الكمال.
(٢) صححها مجدي السيد إلى "العنقزي"؟، مع أنها في المخطوطة المصرية "القرشي" كما قال، قلت: وهي كذلك في الظاهرية، وهذا تسرع منه فقد ورد في ترجمة والد الحسين وهو عمرو بن محمد القرشي في تهذيب الكمال (٥/ ٤٦٩) قوله: "عمرو بن محمد العنقزي، القرشي مولاهم، أبو سعيد الكوفي، والعنقز هو المرزنجوش، قال ابن حبان: كان يبيع العنقز فنسب إليه"، فهما نسبتان صحيحتان، وقد وردت (ص ٨٥٥): "الحسين بن محمد العنقزي" واللَّه أعلم.
(٣) لم أعرفه.
(٤) رجل مرهق: يظن به السوء، مختار الصحاح (٢٦).
[ ١ / ٣٥٨ ]
ما يبكيها؟ قلت: ما تعلم منك، قال: أليس إنما ترحمني؟ فقلت: بلى، قال: فإن اللَّه أرحم بي منها، فلما مات أنزلته القبر مع غيري، فذهبت أسوّي لبنة فاطّلعت إلى اللحد، فإذا هو مد البصر، فقلت لصاجي: رأيت ما رأيت؟ قال: نعم فليهنئك ذلك فيننت أنه بالكلمة التي قالها" (^١).
٢٤٤ - ذكر الحسين بن عمرو عن يحيى بن بيان قال: قال لي سفيان الثوري: "ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي، رب خير لي من والدي" (^٢).
٢٤٥ - ذكر الحسين بن جهور (^٣)، عن إدريس عن عبد اللَّه
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢١٦)، وانظر الجرح والتعديل (١/ ٦٣)، حسن الظن باللَّه (٣١) رقم (٣٦)، المحتضرين (٣٦) رقم (٢٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٧) رقم (٧١١٦).
(٢) إسناده ضعيف، لضعف شيخ المصنف كما سبق (٢٤٣)، حسن الظن باللَّه (٤٢) رقم (٣٧)، المحتضرين (٣٦ - ٣٧) (٢١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٤٦) رقم (٢٦١)، وقد سبق (٢٧٢) في الهامش من طريق البخاري عن بعض أصحابه أن حماد بن سلمة قال هذا القول لسفيان الثوري لما عاده.
(٣) الصواب أنه الحسن كما في نسخة الظاهرية، واسم أبيه جهور ورد كذلك في النسخة الظاهرية، لكن الظاهر أنه مصحف من جمهور، فقد ورد كذلك في بعض كتبه الأخرى والكتب التي نقلت عنه، مثل الإخوان برقم (٩٥)، والهواتف برقم (١٣٢، ١٥٨)، وتاريخ دمشق (٤٥/ ٢٣) (٦١/ ٢٩٩)، وهو القمي، من رواة أهل البيت وحامل الأثر عنهم، من طبقة شيوخ ابن أبي الدنيا واللَّه أعلم، انظر لسان =
[ ١ / ٣٥٩ ]
المروزي (^١) قال: "مرض أعرابي، فقيل له: إنك تموت قال: وأين أذهب؟ قالوا: إلى اللَّه، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه" (^٢).
٢٤٦ - ذكر مفضل بن غسان، عن أبيه قال: "احتضر النضر بن عبد اللَّه بن حازم، فقيل له: أبشر، فقال: ما أبالي أَمِتُّ أم ذُهب بي إلى الأيلة (^٣)، واللَّه ما أخرج من سلطان ربي إلى غيره، ولا نقلني ربي من حال قط إلى حال إلا كان ما نقلني إليه خيرا مما نقلني عنه" (^٤).
_________________
(١) = الميزان (٢/ ١٩٨)، وفي مقالات الإسلاميين للأشعري (٢/ ١٨٣) كلمة تفيد أنه كان رافضيا يرى عقيدة البداءة على اللَّه، وانظر الفهرست (١/ ٣١٢)، وفي الإخوان رقم (٩٥) ذكر المصنف شرحا لبعض الغريب عن ابن جمهور.
(٢) ورد في المخطوط: "إدريس بن عبد اللَّه المروزي"، وصححت "بن" إلى "عن"، لكن ورد في نسخة مخلص محمد -الذي اعتمد المصرية-: "بن" بدل "عن"، ولعله المترجم في لسان الميزان (١/ ٣٣٣) وهو المرهبي الزيات، كان حافظا خبيرا بالحديث واللَّه أعلم.
(٣) إسناده ضعيف، لحال شيخ المصنف، حسن الظن باللَّه (٤٤) رقم (٤٠)، المحتضرين (٣٨) رقم (٢٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤١٨) رقم (٧١١٩).
(٤) الأَيْلَة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، وذكر أنها مدينة اليهود الذين حرم اللَّه عليهم صيد السمك، انظر بقية أخبارها في معجم البلدان (١/ ٢٩٢).
(٥) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٣٣) رقم (٤١)، المحتضرين (٣٧ - ٣٨) رقم (٢٣)، ومن طريقه البيهقي في شعب الايمان (٥/ ٤١٨) رقم (٧١١٨).
[ ١ / ٣٦٠ ]
رابعا: الآثار الواردة في رجاء دفع الضر وجلب النفع.
٢٤٧ - أخبرني محمد بن أبي معاذ البصري، عن محمد بن يحيى الكناني، عن عبد العزيز بن عمران الزهري، عن محرَّر بن جعفر، عن أبيه (^١) قال: "دخلت على عبد اللَّه بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (^٢) وهو يموت، فبكى ثم قال: أما واللَّه ما يبكيني إلا نُسَيَّات خلف هذا الستر، لولاهنّ لهان عليّ الموت، إني مؤمن باللَّه، وإني لتائب إلى اللَّه، وإن اللَّه لغفور، قال: قلت: أي أخى، الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، فقال عبد اللَّه: جزاك اللَّه خيرا، صدقت" (^٣).
٢٤٨ - حدثني الحسين بن محمد السعدي الذارع، حدثنا عمر بن أبي خليفة العبدي، حدثني عبد اللَّه بن أبي صالح قال: "دخل عليّ طاوس (^٤)
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
(٢) هو عبد اللَّه بن الفضل بن العباس الهاشمي المدني، ثقة مات بعد المائة، التقريب (٣٥٣٣)، إسعاف المبطأ (١٧).
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه عبد العزيز بن عمران الزهري متروك، التقريب (٤١٤٢)، المحتضرين (١٩٢ - ١٩٣) رقم (٢٧١).
(٤) هو طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه فاضل، من فقهاء أهل اليمن وعبادهم وخيار التابعين وزهادهم، مات سنة (١٠٦ هـ) وقيل بعد ذلك، الكاشف (١/ ١٢٢)، التقريب (٣٠٠٩).
[ ١ / ٣٦١ ]
وأنا مريض، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ادع لي، قال: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه" (^١).
٢٤٩ - ذكر محمد بن الحسين، نا يحيى بن راشد عن مطر أبي سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت لزياد النميري (^٢): "ما منتهى الخوف؟ قال: إجلال اللَّه عن مقام السيئات، قال: قلت: فما منتهى الرجاء؟ قال: تأمل اللَّه على كل الحالات" (^٣).
خامسا: الآثار الواردة في الرجاء والعمل.
٢٥٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمرو بن مرزوق، حدثنا الربيع بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن: "لقد صحبت أقواما يبيتون لربهم في سواد الليل سجدا وقياما، يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم فمرة ركعا ومرة سجدا يناجون ربهم في فكاك
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ مداره على عمر بن أبي خليفة وهو مقبول التقريب (٤٩٢٥)، وعبد اللَّه بن أبي صالح لم أقف له على ترجمة، المرض والكفارات (٧٢) رقم (٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٠)، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (١/ ٢٢٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ٤٩٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٨٩)، وابن كثير في التفسير عن ابن أبي حاتم (٣/ ٣٧١)، وفي البداية والنهاية (٩/ ٢٣٩).
(٢) هو زياد بن عبد اللَّه النميري البصري، ضعيف توفي بعد المائة، التقريب (٢٠٨٧).
(٣) يحيى بن راشد ومطر لم أعرفهما، حسن الظن باللَّه (٩٣) رقم (١٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٦٠).
[ ١ / ٣٦٢ ]
رقابهم، لم يمَلُّوا كلال السهر، لما قد خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع؛ فأصبح القوم بما أصابوا من النصب للَّه في أبدانهم فرحين، وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشربن، فرحم اللَّه امرءا نافسهم في مثل هذه الأعمال، ولم يرض لنفسه بالتقصير في أمره، واليسير من فعله؛ فإن الدنيا عن أهلها منقطعة، والأعمال عل أهلها مردودة، قال: ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع" (^١).
٢٥١ - نا أزهر بن مروان، نا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب قال: "دخلنا على أبي عبد الرحمن (^٢) نعوده، فذهب بعض القوم يرجّيه فقال: إني لأرجو ربي -﷿- وقد صمت له ثمانين رمضان" (^٣).
٢٥٢ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار قال: حدثنا
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق. التهجد (٣٤٠) رقم (٢٧٩)، والمروزي في قيام الليل (المختصر ص ٣٣)، والإمام أحمد في الزهد (ص ٤٠١) رقم (١٦٤٨)، وذكره الإشبيلي في التهجد (٢٣٥) رقم (١١٩٥).
(٢) هو عبد اللَّه بن حبيب بن ربيعة الكوفي المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبت، مات بعد السبعين، التقريب (٣٢٧١).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، التقريب (٣١٤)، حسن الظن باللَّه (٧٩) رقم (١٢٦)، المحتضرين برقم (٢٩٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٤٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٢)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٤/ ١١٠)، والذهبي في السير (٤/ ٢٧١) وفي معرفة القراء الكبار (١/ ٥٧)، وابن الجوزي في الثبات عن الممات (٧٠)، وصفة الصفوة (٣/ ٥٨).
[ ١ / ٣٦٣ ]
جعفر، عن محمد بن ثابت البناني قال: "ذهبت ألقِّن أبي عند الموت فقال: يا بني خلِّ عني؛ فإني في وردي السابع، كأنه يقرأ ونفسه تخرج" (^١).
٢٥٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا خلف بن الوليد قال: حدثني شيخ نهشلي كوفي قال: "دخلنا على أبي بكر النهشلي (^٢) وهو في السّوق وهو يومئ، فقال له ابن السمّاك: على هذه الحال؟ فقال: أبادر طيّ الصحيفة" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن، إلى محمد بن ثابت وهو ضعيف كما سيأتي (٧٠٤)، المحتضرين (١٢٨) رقم (١٦١)، وابن الجعد في مسنده (٢١٢) رقم (١٣٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٢٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٦٣)، وهذا رجاء السلف يتبعه عمل حتى في وقت لا يقدر على العمل كثير من الناس واللَّه المستعان من حال المقصرين، وحال المرجئة المخدوعين.
(٢) هو أبو بكر النهشلي الكوفي، قيل: اسمه عبد اللَّه بن قطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوق رمي بالإرجاء، مات سنة (١٦٦ هـ)، التقريب (٨٠٠١).
(٣) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فيه إبهام الشيخ الكوفي، وورد عند الخطيب أنه ابن عم لأبي بكر النهشلي، وعند البيهقي من طريق المصنف عن محمد بن الحسين عن بشر بن عبد اللَّه النهشلي، ولم أعرفه، وله طريق آخر عند ابن حبان في المجروحين بسند حسن، المحتضرين (١٢٨ - ١٢٩) رقم (١٦٢) ورقم (٢٨٢)، وقصر الأمل (ص ١١٣)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٤٦) بسنده عن أحمد بن يونس مثله، والبيهقي في شعب الايمان (٣/ ١٧٢) رقم (٣٢٥٥)، والخطيب في اقتضاء العلم العمل رقم (١٧٩) وفيه زيادة أن الإيماء كان بالصلاة، وذكره الذهبي في السير (٧/ ٣٣٣).
[ ١ / ٣٦٤ ]
٢٥٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: قال إبراهيم التيمي: "مثلت نفسي في الجنة آكل ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي؛ أي شيء تريدين؟ قالا: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا، قال قلت: فأنت في الأمنية فاعملي" (^١).
٢٥٥ - حدثني أبو اللَّه محمد بن عبد اللَّه المديني الزاهد، عن عثمان بن مطر عن ثابت عن مطرّف أنه كان يقول: "يا إخوتاه اجتهدوا في العمل؛ فإن يكن الأمر كما ترجون من رحمة اللَّه وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (^٢)، نقول: قد عملنا، ولم يكن ينفعنا ذلك" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح، محاسبة النفس (٢٦ - ٢٧) رقم (١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١١)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٤٠٠)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٣٥)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٩١).
(٢) سورة فاطر، من الآية (٣٧).
(٣) إسناده ضعيف، مداره على ابن مطر وهو ضعيف التقريب (٤٥٥١)، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٩) رقم (٤)، محاسبة النفس برقم (٧٢)، والخطيب في اقتضاء العلم العمل رقم (١٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٢٩٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٢٣).
[ ١ / ٣٦٥ ]
٢٥٦ - حدثني محمد بن عبد المجيد قال: سمعت سفيان قال: قال رجل لمحمد بن المنكدر ولرجل آخر من قريش: "الجِدَّ الجِدَّ، والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما ترجون، كان ما قدّمتم فضلا، وإن يكن الأمر على غير ذلك، لم تلوموا أنفسكم" (^١).
٢٥٧ - حدثنا محمد بن عبد المجيد التميمي، سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال زياد مولى ابن عياش (^٢) لمحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم: "الجد الجدّ، والحذر الحذَر؛ فإن يكن الأمر على ما نرجوه كان ما عملناه فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما، قال سفيان: وقال عامر بن عبد اللَّه (^٣): واللَّه لأجتهدنّ؛ فإن نجوت فبرحمة اللَّه، وإلا لم ألم نفسي" (^٤).
٢٥٨ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، عن ضمرة بن ربيعة،
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٠٢)، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٩) رقم (٥)، ومحاسبة النفس رقم (٧٣)، ومن طريقه الخطيب في اقتضاء العلم العمل برقم (١٦٠)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٢٤٠)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٩/ ٣٩٤١)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٢).
(٢) هو زياد بن أبي زياد مولى عبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، كان رجلا عابدا معتزلا، وكان صديقا لعمر بن عبد العزيز، وقدم عليه وهو خليفة فوعظه وقربه، طبقات ابن سعد (٥/ ٣٠٥).
(٣) لم أعرفه.
(٤) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٠٢) أنه مضعف، محاسبة النفس (١٠٥) رقم (٧٣)، سبق (ص ٢٧٧) رقم (٢٥٦) تخريجه مختصرا.
[ ١ / ٣٦٦ ]
عن ابن شوذب قال: قال هرم بن حيان (^١): "لو قيل لي إنك من أهل النار، ما تركت العمل؛ لئلا تلومني نفسي، تقول: ألا صنعت، ألا فعلت" (^٢).
٢٥٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو عبد اللَّه المروزي، قال: سمعت علي بن أبي بكر الأسفذني قال: "اشتهى وهيب بن الورد لبنا فجاءته به خالته من شاة لآل عيسى بن موسى، فسألها عنه فأخبرته فأبى أن يأكله، فقالت له: كل، فأبى، فعاودته وقالت: إني أرجو إن أكلته أن يغفر اللَّه لك، أي باتباع شهوتي، فقال: ما أحب أني أكلته، وأن اللَّه غفر لي، قالت: لم؟ قال: إني أكره أن أنال مغفرته بمعصيته" (^٣).
_________________
(١) هو هرم بن حيان الأزدي، عده بعضهم في صغار الصحابة، أدرك عمر وولي الولايات في خلافته، كان من العباد الخشنين المتجردين للعبادة، من أصدقاء أويس القرني، أحد الزهاد الثمانية الكبار، مات في غزوة لم يعلم وقته، الثقات لابن حبان (٥/ ٥١٣)، مشاهير علماء الأمصار (١٥٠)، الإصابة (٦/ ٥٣٣).
(٢) إسناده حسن، ضمرة صدوق يهم قليلا سيأتي (٣٨٧)، وشيخه صدوق التقريب (٣٤٠٨)، المتمنين (٧١) رقم (١١٥)، وأحمد في الزهد (٢٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٢٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٩٣) رقم (٧٧٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢١٤).
(٣) إسناده حسن، الأسفذني صدوق ربما أخطأ وكان عابدا التقريب (٤٧٢٩)، وأبو عبد اللَّه المروزي هو أحمد بن نصر كما في الحلية وهو الخزاعي، وهو ثقة كما في التقريب (١٢٠) ونسبة المروزي ليس مشهورا بها لكن وجدتها كذلك في تهذيب الكمال (٨/ ١١٢) من طريق الدورقي فلعله كان ينسبه كذلك أحيانا، وهذا يزيل =
[ ١ / ٣٦٧ ]
٢٦٠ - حدثني القاسم بن هاشم، قال حدثني إسحاق بن عباد، قال حدثنا إسماعيل المؤدب، قال: جاء رجل إلى العمري (^١) فقال: عظني فأخذ حصاة من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك، خير لك من صلاة أهل الأرض، قال: زدني، قال: "كما تحب أن يكون اللَّه لك غدا، فكن له اليوم" (^٢).
_________________
(١) = اللبس الذي أوقع التردّد فلم يجزم به المحقق محمد الحمود بأنه الخزاعي رغم استظهاره لذلك؛ لأنه لم يقف على نسبته إلى مرو، وجزم ضياء الحسن السلفي محقق كتاب الرضا عن اللَّه رقم (٢٢)، بأنه محمد بن نصر المروزي، بينما توقف المحقق الثاني للكتاب محمد عبد القادر عطا، فالحمد للَّه على توفيقه، الورع (٨٧) رقم (١٢٢)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٥١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٢٦).
(٢) انظر لترجمته التخريج الآتي.
(٣) إسناده حسن لغيره، كتاب الورع (٤٩) رقم (٢٣) وفيه إسحاق بن عباد يحتمل الختلي كما في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٠)، ويحتمل ابن ابنة الربيع بن صبيح كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٣٠)، وكلاهما لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل، قلت: ولعله الختلي فإن المصنف روى عن أبيه كما تهذيب الكمال (٤/ ٢٧٣) وإسحاق قرينه في الرواية عن أبيه كما في ترجمة عباد من تهذيب الكمال فالظاهر أنه هو، لا سيما وأن عباد سكن بغداد، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٦) من طريق آخر وفيه شيخه وشيخ ابن أبي حاتم لم أعرفهما، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٨٤)، والعمري يحتمل عبد اللَّه بن حفص العمري المكبر وهو ضعيف عابد، التقريب (٣٥١٣)، ويحتمل عبد اللَّه بن عبد العزيز العمري الزاهد وهو ثقة، التقريب (٣٤٦٨)، وقد ورد عند أبي نعيم أنه أبو عبد الرحمن، لكن كلاهما أبو عبد الرحمن، والذي يظهر لي أنه ابن عبد العزيز فإنه كان قليل الرواية، =
[ ١ / ٣٦٨ ]
٢٦١ - حدثني أبو محمد البزار، حدثنا المسيّب بن واضح، عن محمد ابن الوليد قال: "مرَّ عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصًى يلعب به وهو يقول: اللهم زوِّجني من الحور العين، فقام عليه عمر فقال: بئس الخاطب أنت، ألا ألقيت الحصى، وأخلصت للَّه الدعاء" (^١).
٢٦٢ - حدثني محمد قال: حدثني يونس بن يحيى الأموي أبو نباتة قال: حدثني محمد بن مطرّف قال: "دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: يا أبا حازم كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، أجدني راجيا اللَّه، حسن الظن به، ثم قال: إنه واللَّه ما يستوي من غدا وراح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدّمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقوم له، ومن غدا وراح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظّ له فيها ولا نصيب" (^٢).
٢٦٣ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبدان بن عثمان، أنا عبد اللَّه،
_________________
(١) = مشتغلا بنفسه، يلزم المقبرة كثيرا، وهو المشهور بالوعظ، كما في السير (٨/ ٣٧٤) واللَّه أعلم.
(٢) فيه المسيب بن واضح، متكلم فيه انظر لسان الميزان (٦/ ٤٠)، الإخلاص والنية (٣٨) رقم (٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٨٨)، وذكر نحوه المناوي في فيض القدير (١/ ٥١٤).
(٣) إسناده حسن، يونس صدوق القريب (٧٩٧٥)، قصر الأمل (١١٠ - ١١١) رقم (١٥٣)، المحتضرين رقم (١٥٢)، حسن الظن رقم (١٣٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٧١).
[ ١ / ٣٦٩ ]
أنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير (^١) قال: "الغرور باللَّه أن يصرّ العبد في معصية اللَّه، ويتمنّى على اللَّه في ذلك المغفرة" (^٢).
٢٦٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "تسأله الجنة، وتأتي ما يكره، ما رأيت أحدا أقل نظرا منك لنفسك" (^٣).
٢٦٥ - حدثني محمد بن إدريس، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن علي بن حسين، سمع منه قال: "إنما التوبة بالعمل، والرجوع من الأمر، وليست التوبة بالكلام" (^٤).
٢٦٦ - حدثني محمد بن إدريس، ثنا حماد بن حميد، ثنا أيوب بن سويد، عن أبي رافع (^٥) قال: "إن إقامة العبد على الذنب يطبع على قلبه،
_________________
(١) هو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من عباد المكيين وفقهاء التابعين، قتل بين يدي الحجاج سنة (١٩٥ هـ) ولم يكمل الخمسين، الكاشف (١/ ٨٢)، التقريب (٢٢٧٨).
(٢) إسناده حسن؛ فيه ابن لهيعة لكن من رواية ابن المبارك عنه، ذم الدنيا (٩٦) رقم (٢٦٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٤٠).
(٣) إسناده صحيح، التوبة (٩١) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٨٢) عن أحمد بن عاصم الأنطاكي مطولا وفيه: "وأنفع الحياء أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره".
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه موسى بن أبي حبيب وهو ضعيف انظر لسان الميزان (٦/ ١١٥)، التوبة (٦٩ - ٧٠) رقم (٥٧).
(٥) لعله: عبد اللَّه بن رافع المخزومي، أبو رافع المدني، مولى أم سلمة، ثقة، التقريب (٣٣٠٥).
[ ١ / ٣٧٠ ]
ويكتب من الغافلين، ومن الأمن لمكر اللَّه إقامة العبد على الذنب يتمنى على اللَّه المغفرة" (^١).
٢٦٧ - حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: قال رجل من العبّاد لابنه: "يا بنيّ، لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخِّر التوبة بطول الأمل" (^٢).
٢٦٨ - أنشدني محمود الوراق (^٣):
يا ناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهد الأمر غير مشاهد
مننت نفسك ضلّة فأبحتها طرق الرجا وهنّ غير قواصد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درك الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أن اللَّه أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد (^٤)
_________________
(١) إسناده لين؛ أيوب بن سويد صدوق يخطئ، التقريب (٦٢٠)، وحماد بن حميد هو العسقلاني مقبول التقريب (١٥٠٣)، التوبة (٦٤) رقم (٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٥٢٩)، ولم ينسبه لغيره السيوطي في الدر (٣/ ٥٠٧).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف وهو عبد المنعم بن إدريس وأبوه، كلاهما متروكان، انظر تاريخ بغداد (١١/ ١٣١)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ١٥٤)، ولسان الميزان (٧/ ١٧٣)، التوبة (٥٣) رقم (٢٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الايمان (٥/ ٤٣٩) رقم (٧١٩٨).
(٣) هو محمود بن الحسن الوراق الشاعر، أكثر القول في الزهد والأدب، يقال إنه كان نخاسا يبيع الرقيق، مات في خلافة المعتصم، تاريخ بغداد (١٣/ ٨٧).
(٤) إسناده صحيح، العقوبات (٧٦) رقم (١١٠)، ديوان محمود الوراق (١٠٦)، وابن =
[ ١ / ٣٧١ ]
٢٦٩ - حدثني محمد عن محمد بن أشكاب الصغار قال: قال داود الطائي: "اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكن القلوب تَحِنُّ إلى الرجاء" (^١).
٢٧٠ - ذكر محمد بن الحسين، نا حكيم بن جعفر، نا عبان بن كليب الليثي، عن رجل من أهل الكوفة: "جلسنا إلى عون بن عبد اللَّه (^٢) في مسجد الكوفة فسمعته يقول: إن من أغر الغِرَّة (^٣) انتظار تمام الأماني وأنت مقيم على المعاصي، قال: وسمعته يقول: لقد خاب سعي المعرضين عن اللَّه، وسمعته يقول: "ما يؤمل إلا عفوه وغلبه البكاء فقام" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة الموزعة على العناصر الخمس أمورا مهمة تتعلق بمسألة الرجاء، حيث اشتملت العناصر الأربع الأولى بيان أنواع الرجاء وهي: رجاء ثواب الطاعة، ورجاء مغفرة الذنب، ورجاء لقاء اللَّه،
_________________
(١) = عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٤٦٠) في قصة طويلة بين عبدوس راوية أبي ونواس وأبي نواس في مرض موته، حيث قال له كيف تجدك فذكر أبياتا منها هذه، وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٨٢)، وبعضها في البداية والنهاية (٩/ ٢٥٨).
(٢) إسناده حسن، ابن أشكاب صدوق، التقريب (٥٨٥٨)، محاسبة النفس (٨٧) رقم (٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٤٢).
(٣) هو عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة عابد، مات قبل سنة عشرين ومائة، التقريب (٥٢٢٣).
(٤) هي الغفلة، تاج العروس (١/ ٣٢٩٣).
(٥) إسناده فيه إبهام الرجل الكوفي، حسن الظن باللَّه (٨٢ - ٨٣) رقم (١٣٤).
[ ١ / ٣٧٢ ]
ورجاء اللَّه في جلب النفع ودفع الضر، وعلاقته بالعمل والأسباب.
فأما ثواب الطاعة فقد تضمنت الآثار تمني بعض من حضره الموت كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز أن يتقبل اللَّه منهم بعض أعمالهم، وأثر سعيد بن العاص فيه أن المكارم تحتاج إلى جهاد وصبر، وذلك لا يكون إلا لمن رجا ثوابها.
وأما رجاء مغفرة الذنب فهي كثيرة متنوعة الدلالة على المطلوب فبعضها دعاء ومناجاة كأثر معاوية -﵁- عند الموت حيث سأل اللَّه أن يجعله ممن يشاء أن يغفر له، أو سؤال اللَّه بصفاته المتعلقة بالرجاء كصفة الرحمة في أثر معاوية كذلك وأبياته، أو إظهار العبودية للَّه والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه كأثرَي عمرو بن العاص وابن سماك، أو عدم اليأس من رحمة اللَّه كأثر الفضيل في عدم اليأس ولو كان في النار، أو فهمهم الصحيح لمعاني الأسماء والصفات ومعرفتهم بها كمن فهم من صفة الكرم تجاوز الكريم في المحاسبة عن حقه وتفضله كما في أثر الأعرابي مع النبي -ﷺ- وكلام العابد.
وأما رجاء لقاء اللَّه فقد تضمنت الآثار بيان حب السلف لقاء اللَّه واستبشارهم به وفرحهم بذلك، وأنهم لا يكرهون ذلك، وأن السرور الذي يحصل لهم بلقاء اللَّه يسليهم عن كرب الموت وآلامه، وبعضهم ذكر تعليلا لذلك فمن ذلك: المقارنة بين الخوف والرجاء؛ فالخوف هي النفس والمَرْجُوُّ هو اللَّه فيحب المَرْجُوَّ لقاءَه ومفارقة الخوف كأثر الزبيدي
[ ١ / ٣٧٣ ]
والثوري، أو المقارنة بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق تخاف فتنته، والخالق لا يشك في رحمته، أو المقارنة بين صفات المخلوق وصفات الخالق، فالمخلوق الذي أودعت فيه الرحمة رحيم كالأم لو حاسبت ابنها أدخلته الجنة، فما بالك بمن هو أرحم منها بل أرحم الراحمين، أو المقارنة بين أفعال اللَّه وأفعال غيره، حيث استبشر الأعرابي بلقاء من لا يرى الخير إلا منه وهو اللَّه، وذلك أن أفعال اللَّه ليس فيها شر والشر ليس إليه، أو التسليم للَّه في اختياره والرضا بتصرفه في عباده، وأن ذلك كله خير للعبد، كما في أثر النضر بن عبد اللَّه.
وهذه الأنواع إلى سبقت ذَكَرَهَا ابن القيم ﵀ في منزلة الرجاء فقال: "الرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم، فالأولان: رجاء رجل عمل بطاعة اللَّه على نور من اللَّه فهو راج لثوابه، ورجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها فهو راج لمغفرة اللَّه تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه، والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة اللَّه بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب" (^١)، ثم في شرح تقسيم شيخ الإسلام الهروي لدرجات الرجاء قال: "الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق. . . ." قال ﵀: "هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).
[ ١ / ٣٧٤ ]
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (^٢)، وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصار المشتاقين، ولذلك سلاهم اللَّه تعالى بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلا يسكن نفوسهم ويطمئنها" (^٣).
أما الرجاء في جلب النفع ودفع الضر، فقد تضمنت الآثار التنبيه إلى أن الرجاء ليس مقصورا عل أمر دون آخر، بل على السلم أن ينزل رجاءه في حصول مرغوب أو دفع مكروه على اللَّه في كل حالاته، ومن هنا كانت نصيحة جعفر أبي محرر لمن خاف على بناته بعد موته، بأن قال: الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، ونصيحة طاووس للمحتضر بأن يدعو اللَّه بنفسه لأن اللَّه يجيب المضطر، وكذا أثر زياد النميري بأن منتهى الرجاء تأمل اللَّه على كل الحالات، وذلك "أن الدعاء مبني عليه -الطمع والرجاء-؛ فإن الداعى ما لم يطمع في سؤله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبة إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع" (^٤)، ويتضح هذا أكثر ببيان أن الرجاء من أهم أسباب حصول المقصود كما سبق ذكره في التوكل قال ابن القيم: "قد يجعل اللَّه سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببا لحلول
_________________
(١) سورة الكهف، من الآية (١١٠).
(٢) سورة العنكبوت، الآية (٥).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٥٦).
(٤) بدائع الفوائد (٣/ ٥٢٣).
[ ١ / ٣٧٥ ]
المكروه به، كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به. . . ومن رجا مع اللَّه غيره خذل من جهته، وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلتها" (^١) وقال: "الرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه، بل هو من أقوى الأسباب" (^٢)، ولذلك جعل الرجاء نظير التوكل (^٣).
أما الرجاء والعمل فيقال فيه ما قيل في سابقيه: حسن الظن والتوكل وعلاقتهما بالأسباب والأعمال؛ لاسيما وأن حسن الظن هو الرجاء (^٤)، وهو نظير التوكل كما سبق، إلا أن الآثار التي وردت في هذا العنصر تضمنت معاني جليلة في بيان هذا الأمر، فالرجاء كما في أثر الحسن هو داعي العمل وحاديه، ولذلك لا يمل صاحبه كلال السهر ومجاهده القيام، وذلك أن قوة الرجاء تبعث على العمل: "إذا تجلى -أي اللَّه -﷿- بصفات الرحمة والبر، واللطف والإحسان، انبعثت قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله وقوي طمعه، وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل، كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر" (^٥)، ومن هنا كان بعض السلف يرجو اللَّه وقد صام له ثمانين رمضان، أو يستمر في العمل حتى عند
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٤٠).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٤٥).
(٣) انظر الروح (٢/ ٧٤٨).
(٤) الجواب الكافي (٢٤).
(٥) الفوائد (٦٩).
[ ١ / ٣٧٦ ]
سكرات الموت بقراءة القرآن أو الصلاة بالإيماء، ويتفكر في الجنة والنار كأنه فيهما، ثم يطالب نفسه بالعمل لنيل الجنة أو البعد عن النار، كأنها طلبت الرجعة فأرجعت للعمل، قال ابن رجب: "وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذرا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير" (^١)، حيث أقبلوا على إحسان العمل؛ فإن كان لهم ما يرجون برحمة اللَّه كان عملهم فضلا ودرجات عند اللَّه، وإن كان غير ذلك لم يلوموا أنفسهم على التقصير، بل لم يجترؤوا على المعصية اتكالا على الرجاء، كما قال وهيب بن الورد أكره أن أنال مغفرته بمعصتيه، وقول العمري: كما تحب أن يكون اللَّه لك غدا، فكن له اليوم، وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى هذا المعنى عند كلامه على الأسباب التي تعين على الصبر عن المعصية فقال: "الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين. . . الثالث: مشهد النعمة والإحسان؛ فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه" (^٢)، ثم إن الآثار تضمنت أن الذي يرجو للَّه وهو غير آخذ بأسباب ذلك من العمل الصالح، بله مقيم على المعصية مصر عليها مغرورٌ، كما في أثر عمر بن عبد العزيز لمن سأل اللَّه الحور وهو يلعب بالحصى: "بئس الخاطب أنت"، ولا يستوي من هذا حاله مع من أفنى حياته في طاعة ربه، وأن التوبة ليست بالكلام، وَوَصَفَهُ الفضيل بأنه قليل النظر لنفسه، وأبو رافع بأن ذلك من الأمن لمكر اللَّه، وأوصى بعض العباد ابنه بأن لا يرجو الآخرة
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٢).
(٢) عدة الصابرين (٤٤ - ٤٥).
[ ١ / ٣٧٧ ]
بغير عمل، وفي أبيات الوراق مقارنة بين الرجاء مع تواصل الذنوب، بما فعله ذنب واحد بأبينا آدم، فمن يمني نفسه طرق الرجاء يجب أن يقصدها ويأتيها، وأخيرا فإن الأعمال مهما حسنت وصلحت فإن المعَوَّل على عفو اللَّه ورحمته، خوفا من التقصير الذي يعتريها، وكثرة نعم اللَّه التي لا توافي بعضها جميع أعمالنا؛ كما في أثري داود الطائي وعون بن عبد اللَّه، وهذا يؤكد أن الأعمال ليست عوضا، وإنما هي أسباب لدخول الجنة، وأن الجزاء يوم القيامة هو بأن يتغمّد اللَّه العباد برحمته.
[ ١ / ٣٧٨ ]
المطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف.
أولا: الآثار الواردة في تعريفه.
٢٧١ - حدثني أبو محمد، عن عثمان أبي سعيد البصري قال: "سئل بعض العلماء عن الحزن: أي شيء هو؟ قال: هو الأسف، فقيل له: المحزون يهنأ بما هو فيه؟ قال: لا، قيل: ولم ذلك؟ قال: لأن المحزون خائف، ومن خاف اتقى، ومن اتقى حذر، ومن حذر حاسب نفسه، قال: أما موقعه في القلب فهو مخافة أن يعذّب، وأما ما هو: فهو التعظيم لرب العالمين، والحياء منه، ثم أرخى عينيه، ثم قال: لو أن محزونا بكى في أمة لرحم اللَّه تلك الأمة ببكائه، قال: وسئل عالم آخر عن المحزونين لأي شيء حزنوا؟ قال: حزنوا على أنفسهم، وتلهفّوا عليها أن لا تكون مطواعة لرب العالمين" (^١).
٢٧٢ - ذكر أحمد بن عمران الأخنس قال: سمعت أبا معاوية، نا الأعمش، عن شقيق قال: "خرجنا في غزاة لنا في ليلة مخيفة في يوم مخيف، وإذا رجل نائم فأيقظناه وقلنا: تنام في مثل هذا المكان فرفع رأسه فقال: إني أستحي من رب العرش أن يعلم أني أخاف شيئًا دونه ثم ضرب رأسه فنام" (^٢).
_________________
(١) فيه عثمان أبو سعيد البصري، لم أقف عليه، ولعله عمارة بن مهران المعولي أبو سعيد البصري العابد لا بأس به التقريب (٤٨٩٤)، الهم والحزن (٦٢ - ٦٣) رقم (٧٦).
(٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف متكلم فيه وقد سبق (٦٥)، لكن الأثر صحيح له =
[ ١ / ٣٧٩ ]
ثانيا: الآثار الواردة في الخوف والعمل.
٢٧٣ - حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي (^١) قال: "كان يقال: من استعمل التسويف والمنى لم ينبعث في العمل، وكان يقال: من أقلقه الخوف ترك: أرجو، وسوف، وعسى" (^٢).
٢٧٤ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: "كانوا يقولون: منع البرُّ النوم، ومن يخف يدلج (^٣) " (^٤).
٢٧٥ - حدثني أبو بكر، ثنا أبو مسهر، حدثني شيخ من حَكَم قال: قال الجراح بن عبد اللَّه الحكمي (^٥) وكان فارس أهل الشام: "تركت
_________________
(١) = متابعات، الأولياء (٣٥) رقم (٨٢)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٩٨٢)، وهناد في الزهد (١/ ٣٠٦) رقم (٥٣٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥٤٠) رقم (٧٩٠) عن الأعمش عن زيد بن وهب، ويروى هذا المعنى عن عامر بن عبد قيس انظر تاريخ دمشق (٢٦/ ٢٤).
(٢) هو الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، صاحب المسند والتاريخ، مات في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٨)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٣١).
(٣) إسناده صحيح، شيخ المصنف هو السراج ثقة انظر تاريخ بغداد (١/ ٢٤٨ - ٢٥٠)، المتمنين (٤٧) رقم (٦١).
(٤) أي يسير من أول الليل، تاج العروس (١/ ١٤٠٥).
(٥) إسناده ضعيف، فيه مبارك بن فضالة وكان يدلس ويسوي كما سبق (٩٣)، قصر الأمل (١٤٦) رقم (٢٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٣٨) عن قتادة قوله، وفيه إبراهيم أبو إسماعيل وهو السكسكي صدوق ضعيف الحفظ، التقريب (٢٠٦).
(٦) هو الجراح بن عبد اللَّه الحكمي، أبو عقبة من اليمن، شامي الأصل حمصي، كان =
[ ١ / ٣٨٠ ]
الذنوب خشيةً أربعين سنة، ثم أدركني الورع" (^١).
٢٧٦ - حدثني حمزة، أنا عبيدان، أنا عبد اللَّه، أنا طلحة بن صبيح، عن الحسن قال: "المؤمن من يعلم أن ما قال اللَّه -﷿- كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملا، وأشد خوفا، لو أنفق جبلا من مالٍ ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحا، وبِرًّا وعبادة، إلا ازداد فرقا، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس عليّ، يسيء في العمل، ويتمنى على اللَّه -﷿-" (^٢).
٢٧٧ - حدثنا سعدوية، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: "كان أبو عبيدة (^٣) أميرا على الشام، فخطب الناس فقال: يا أيها الناس،
_________________
(١) = واليا على خراسان والبصرة، ولاه يزيد بن المهلب، الجرح والتعديل (٢/ ٥٢٢).
(٢) إسناده ضعيف؛ لإبهام الشيخ من حكم، التوبة (١١١) رقم (١٣٥)، وذكره ابن العماد في شذرات الذهب (١/ ١٤٥)، والذهبي في السير (٥/ ١٦٠) والعبر (١/ ١٣٨)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٠).
(٣) إسناده لين؛ مداره على طلحة بن صبيح، لم أجد له ترجمة سوى عند ابن معين في تاريخه (٤/ ٢٩١) ولم يذكره بجرح ولا تعديل وإنما ذكر أنه بصري فقط، ذم الدنيا (٤٧) رقم (١١١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٥٣٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٣)، والذهبي في السير (٤/ ٥٨٦).
(٤) هو أمين هذه الأمة عامر بن عبد اللَّه بن الجراح القرشي الفهري، أبو عبيدة بن الجراح، أحد العشرة، أسلم قديما، وشهد بدرا، مشهور، مات شهيدا بطاعون عمواس، سنة (١٨ هـ) وله ثمان وخمسون سنة، الإصابة (٣/ ٥٨٦)، التقريب (٣٠٩٨).
[ ١ / ٣٨١ ]
إني امرؤ من قريش، واللَّه ما منكم أحمر ولا أسود يفضلني بتقًى إلا وددت أني في مسلاخه (^١) " (^٢).
٢٧٨ - حدثني أحمد بن إبراهيم، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سأل المغيرة بن مخادش الحسن فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يحدّثونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: "أيها الشيخ إنك واللَّه إن تصحب أقواما يخوّفونك حتى تدرك أمنا، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف" (^٣).
٢٧٩ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: "أن عمر -﵁- لما حضرته الوفاة قال: لو أن لي ما على الأرض
_________________
(١) المسلاخ جلد الحية الذي تنسلخ منه، والمراد أن يكون مثل هيئته وطريقته، تاج العروس (١/ ١٨١٦).
(٢) إسناده صحيح إلى ثابت، وثابت تابعه قتادة عند أحمد وغيره، وكلاهما لا أعلم أنه يروي عن أبي عبيدة، المتمنين (٣٧) رقم (٣٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١١٦) رقم (٣٤٦٢٠)، وأحمد في الزهد (١٨٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٤١٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٠١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٤٨٢)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١٨).
(٣) إسناده حسن، سعيد بن زيد صدوق له أوهام التقريب (٢٣٥٤)، وتابعه العلاء بن زياد -وهو ثقة التقريب (٥٢٧٣) - عند أحمد، الوجل والتوثّق بالعمل (٢٨) رقم (٣)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- (١٠٢) رقم (٣٠٣)، وعلقمة في زهد الثمانية (٦٨)، وأحمد في الزهد (٢٥٩) بنحوه، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٠)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١١٨)، وابن الجوزي في المقلق رقم (١).
[ ١ / ٣٨٢ ]
لافتديت به من هول المُطَّلَّع (^١) " (^٢).
ثالثا: الآثار الواردة في الخوف عند الموت.
٢٨٠ - حدثني عبيد اللَّه العتكي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا محرر أبو سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: "دخلنا على صاحب لنا نهوِّن عليه سكرات الموت، فأفاق فقال: قد سمعت ما قلتم، واللَّه لوددت أنها بقيت هاهنا أبدا، لا أدري ما أُبَشَّر به" (^٣).
٢٨١ - حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: حدثنا عاصم بن أبي بكر الزهري قال: أخبرني ابن أبي حازم قال: "لما نُزل بعبد اللَّه بن عامر بن عبد اللَّه بن أوس (^٤) بكى، فاشتدّ بكاؤه، فأرسل أهله إلى أبي حازم أن أخاك قد جزع عند الموت، فأته فعزّه وصبّره، قال ابن أبي
_________________
(١) موضع الاطِّلاعِ من إشراف إلى انحدار، والمعنى أنه شبَّه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بموضع الاطلاع، مختار الصحاح (٤٠٣).
(٢) إسناده ضعيف، هشام هو ابن حسان ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما، التقريب (٧٣٣٩)، المتمنين (٢٧) رقم (١٣)، المحتضرين رقم (٢١٥)، والقصة في صحيح البخاري (٧/ ٤١ فتح)، وانظر كذلك رقم (١٢، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٣٧).
(٣) فيه محمد بن أبي بكر وشيخه محرر لم أقف عليهما، المحتضرين (٢٤١) رقم (٣٦٧)، المتمنين برقم (١٥٣)، وبمعناه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٢٤)، والذهبي في الميزان (٣/ ٧٨)، وابن حجر في لسان الميزان (٤/ ١٧٣).
(٤) لم أعرفه.
[ ١ / ٣٨٣ ]
حازم: فأتيته جمع أبي، فقال له أبي: يا عامر، ما الذي يبكيك؟ فواللَّه ما بينك وبين أن ترى السرور إلا فراق هذه الدنيا، وإن الذي تبكي منه للَّذي كنت تدأب له وتنصب، فأخذ عامر بجلدة ذراعه ثم قال: يا أبا حازم، ما صبر هذه الجلدة على نار جهنم؟ فخرج أبي يبكي لكلامه، وأُذِّن لصلاة الظهر، فقام يريد المسجد فسقط، وتوفي وهو صائم، ما أُفطر" (^١).
٢٨٢ - حدثني الحسن قال: حدثنا الحارث بن مسكين، عن عبد اللَّه ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "أنه ذكر عمر (^٢) وأبا بكر (^٣) ابني المنكدر قال: لما حضر أحدهما الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك بهذا اليوم، قال: أما واللَّه ما أبكى أن أكون ركبت شيئًا من معاصي اللَّه اجتراء على اللَّه، ولكني أخاف أن أكون
_________________
(١) إسناده حسن؛ عاصم بن أبي بكر الزهري ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٠٥)، والمزي ذكره في شيوخ الجروي، وابن ماكولا في الإكمال (٢/ ٣٣١) في شيوخ حبيش بن سليمان وكناه أبو ضمرة، ولعله أخو أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري وهو من تلاميذ مالك المشهورين الثقات كما في السير (١١/ ٤٣٦) لاشتراكهما في النسبة والطبقة؛ ولأن ابن الجوزي روى عن عاصم عن مالك بن أنس، انظر المنتظم (٨/ ١٦٥)، المحتضرين (١٦٨ - ١٦٩) رقم (٢٣٣).
(٢) هو عمر بن المنكدر التيمي المدني، العابد الخاشع، تاريخ الإسلام (١/ ٩٣٧).
(٣) هو أبو بكر بن المنكدر التيمي المدني، أسن الإخوة، ثقة مات بعد المائة التقريب (٧٩٨٩).
[ ١ / ٣٨٤ ]
أتيت شيئًا هيّنا وهو عند اللَّه عظيم، قال: وبكى الآخر عند الموت، فقيل له مثل ذلك فقال: إني سمعت اللَّه يقول لقوم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ (^١)، فأنا أنتظر ما ترون، واللَّه ما أدري ما يبدو لي" (^٢).
٢٨٣ - حدثنا علي بن شعيب قال: حدثني عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن نافع (^٣) قال: "لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت سعدا (^٤) وضغطة القبر" (^٥).
٢٨٤ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: حدثنا إسماعيل بن
_________________
(١) سورة الزمر، من الآية (٤٧).
(٢) إسناده صحيح إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، التقريب (٣٨٩٠)، المحتضرين (١٧٠) رقم (٢٣٥)، وورد مثله برقم (٣١٩، ٣٦٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٧٠) رقم (٢٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٦٨)، كلاهما من طريق عن عبد الرحمن أزيد به.
(٣) هو نافع أبو عبد اللَّه المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، مات سنة (١١٧ هـ) أو بعد ذلك، التقريب (٧٠٨٦).
(٤) يشير إلى قول رسول اللَّه -ﷺ-: "لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد بن معاذ، ولقد ضم ضمة ثم فرج اللَّه عنه" مسند إسحاق رقم (١١٢٧)، وانظر صحيح الجامع رقم (٩).
(٥) إسناده لين، عبد المجيد بن عبد العزيز صدوق يخطئ، التقريب (٤١٨٨)، المحتضرين (١٧١) رقم (٢٣٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٤٤٠)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٩٩).
[ ١ / ٣٨٥ ]
إبراهيم، عن يونس بن عبيد قال: "دخلنا على محمد بن واسع نعوده فقال: وما يغني عني ما يقول الناس إذا أُخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار" (^١).
٢٨٥ - حدثني محمد قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي قال: "لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال له أصحابه: علام تبكي من الدنيا؟ فواللَّه لقد كنت منغّص العيش أيام حياتك، فقال: واللَّه ما أبكي على الدنيا، إنما أبكي خوفا أن أحرم خير الآخرة" (^٢).
٢٨٦ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا رستم بن أسامة قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: "لما حضر أبو عمران الجوني، جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك رحمك اللَّه؟ قال: ذكرت واللَّه تفريطي فبكيت" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٩٧٨) أنه صدوق، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية، المحتضرين (١٤٢) رقم (١٨٣)، ومثله رقم (١٨٤)، وبمعناه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٧)، والربعي في وصايا العلماء (٩٣)، وكذا أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٨)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٧٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٧١).
(٢) إسناده صحيح، عمر بن حفص ثقة ربما وهم التقريب (٤٩١٤)، وأبوه ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر، التقريب (١٤٣٩)، المحتضرين (١٤٨ - ١٤٩) رقم (١٩٦)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٥)، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ٩٩).
(٣) إسناده حسن، رستم بن أسامة صدوق كما في الجرح والتعديل (٣/ ٥١٦)، المحتضرين (١٤٩ - ١٥٠) رقم (١٩٨).
[ ١ / ٣٨٦ ]
٢٨٧ - حدثني محمد قال: حدثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا عبد اللَّه ابن المبارك قال: حدثني حماد بن سعيد بن أبي عطية المذبوح قال: "لما حضر أبا عطية (^١) الموت جزع منه، فقيل له: أتجزع من الموت؟ فقال: وما لي لا أجزع وإنما هي ساعة ثم لا أدري أين يسلك بي" (^٢).
٢٨٨ - حدثني عمر (^٣) بن الحسين قال: حدثنا سعيد بن عامر قال: حدثنا همام بن يحيى قال: "بكى عامر بن عبد اللَّه في مرضه الذي مات فيه بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ قال: آية في كتاب اللَّه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ (^٤) " (^٥).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن قيس بن سواء، أبو عطية المذبوح، مشهور بكنيته، له إدراك وشهد اليرموك، وإنما قيل له المذبوح؛ لأنه أصابه سهم وهو مع أبي عبيدة باليرموك، فقطع جلده ولم يفر الأوداج، فكان إذا شرب الماء يرى مجراه، عاش بعد ذلك زمانا فسُمِّي المذبوح، الإصابة (٥/ ١٠٧).
(٢) إسناده لين، علي بن إسحاق هو المروزي ثقة التقريب (٤٧٢١)، وحماد بن سعيد لم يذكر فيه البخاري ولا أبو حاتم جرحا ولا تعديلا انظر التاريخ الكبير (٣/ ٢٠)، والجرح والتعديل (٣/ ١٤٠)، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٢١)، المحتضرين (١٥٠ - ١٥١) رقم (٢٠١)، ورقم (٣٣٤)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٣٨)، والربعي في وصايا العلماء (٨٥)، أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٤).
(٣) صوابه محمد بن الحسين، كما في تاريخ ابن عساكر، ولم أقف على شيخ لابن أبي الدنيا باسم عمر بن الحسين، والمشهور هو محمد بن الحسين، فلعله خطأ مطبعي أو تصحيف في المخطوط.
(٤) سورة المائدة، آية (٢٧).
(٥) إسناده صحيح، المحتضرين (١٤١) رقم (١٧٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ =
[ ١ / ٣٨٧ ]
٢٨٩ - حدثنا خالد بن خداش وسعدويه، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن عبد الوهاب بن ورد، عن سلم بن بشير بن حجل: "أن أبا هريرة (^١) بكى في مرضه فقال: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكى على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري، وقلّة زادي، فإني أمسيت في صَعود مُهْبِطَةٍ على جنة ونار، ولا أدري أيتهما يؤخذ بي" (^٢).
٢٩٠ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عمر بن شبيب المسلي قال: حدثنا ليث بن أبي سليم قال: "لما نزل بحذيفة بن اليمان (^٣) الموت
_________________
(١) = دمشق (٢٦/ ٣٤)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٥٧) ونسبه للمصنف.
(٢) هو أبو هريرة الدوسي، الصحابي الجليل، حافظ الصحابة، اختلف في اسمه واسم، أسلم سنة سبع عام خيبر، مات سنة (٥٧ هـ) أو اللتين بعدها، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، الإصابة (٧/ ٤٢٥)، التقريب (٨٤٢٦).
(٣) إسناده منقطع؛ فإن بين سلم وأبي هريرة عكرمة ورجل كما في الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٦)، والثقات لابن حبان (٦/ ٤٢٠)، لكن يحتمل التحسين فإني وقفت على أنه يروي عن عكرمة وعن عبد العزيز بن صهيب وهو مولى أنس وهو ثقة، التقريب (٤١٣٠) كذلك فلعله هو المراد بقول أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٦): "روى عن عكرمة ورجل عن أبي هريرة" المحتضرين (١٣٩) رقم (١٧٥)، ثم برقم (٢٧٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٥٤)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٣٩)، وأحمد في الزهد (١٥٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥٧)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٢١) رقم (٥٧٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٨٣).
(٤) هو حذيفة بن اليمان -واسم اليمان حُسَيْل، ويقال: حِسْل- العبسي، حليف =
[ ١ / ٣٨٨ ]
جزع جزعا شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكني لا أدري على ما أقدم، على الرضا أم على سخط؟ " (^١).
٢٩١ - حدثني محمد الحسين قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي: "أن أبا الدرداء لما نزل به الموت بكى، فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول اللَّه؟ قال: نعم، ما لي لا أبكي ولا أدري ما أُهْجَمُ (^٢) من ذنوبي" (^٣).
٢٩٢ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه قال: "لما اشتد وجع الحسن بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: نفيسة ضعيفة، وأمر هؤول
_________________
(١) = الأنصار، صحابي جليل، من السابقين، مات حذيفة في أول خلافة علي سنة (٣٦ هـ)، الإصابة (٢/ ٤٤)، التقريب (١١٥٦).
(٢) إسناده ضعيف، فيه عمر بن شبيب المسلي وهو ضعيف التقريب (٤٩٥٣)، المحتضرين (١٣٤) رقم (١٦٧) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٩٦)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٥/ ٢١٧٢).
(٣) أي يريحني اللَّه من ذنوبي، انظر القاموس المحيط (١/ ١٥٠٨).
(٤) إسناده لين، فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤)، المحتضرين (١٣٥) رقم (١٦٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٥/ ٥١٦).
[ ١ / ٣٨٩ ]
عظيم، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (^١).
٢٩٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد ابن سوقة، عن عمران الخيّاط قال: "دخلت على إبراهيم أعوده وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أبا عمران؟ قال: أنتظر ملك الموت، لا أدري بالجنة يبشّرني أم بالنار" (^٢).
٢٩٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد الأصبهاني قال: كتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد (^٣) إلى بعض إخوانه: "أقرئ من أقرأتنا منه السلامَ السلامَ، وتزوّد لأُخراك، وتجاف عن دنياك، واستعدّ للموت، وبادر الفوت، واعلم أن أمامك أهوالا وأفزاعا قد أرعبت الأنبياء والرسل، والسلام" (^٤).
_________________
(١) إسناده لين، ربيعة بن كلثوم وأبوه كلاهما صدوق يخطئ، المحتضرين (١٢٧) رقم (١٥٨).
(٢) إسناده لين؛ عمران الخياط، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٤١) وقال ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٣٥٢): "شيخ لابن عون، لا يكاد يعرف"، المحتضرين (١٢١ - ١٢٢) رقم (١٤٨)، ورقم (٢٠٢) نحوه، وابن المبارك في زهد رقم (٤٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٠٨) رقم (٣٥٣٩٢)، وأحمد في الزهد (٣٦٤)، والربعي في وصايا العلماء (١٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٤)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٨٩).
(٣) هما اثنان بهذا الاسم متفقان في اسم الأب والجد، وكلاهما عابد صالح، أحدهما توفي سنة (١٨٤ هـ)، والآخر سنة (٢٨٦ هـ)، والمراد الأول لأن أبا نعيم أورد الأثر في ترجمته.
(٤) إسناده حسن، شيخ المصنف عروس الزهاد لا ينزل عن درجة الصدوق، انظر طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢٢)، قصر الأمل (٥٢) رقم (٥١)، ومن طريقه أبو =
[ ١ / ٣٩٠ ]
٢٩٥ - حدثني سلمة بن شبيب، عن علي بن معبد قال: حدثنا خالد ابن حيان، عن عبيد بن سعيد قال: "بكى عبد اللَّه عند الموت، فقيل له: أتبكي وقد صحبت رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد ركبت ما نهاني عنه، وتركت ما أمرني به، وذهبت الدنيا لحال بالها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني الرجال، إن خير فخير، وإن شر فشرّ" (^١).
رابعا: الآثار الواردة في الخوف وتمني الموت.
٢٩٦ - حدثنا محمد بن يزيل العجلي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: "مرّ سليمان ابن صرد -﵁- (^٢) بأمي، فطلب ماء ليتوضّأ به، فأتته الجارية بماء، فمرّوا برجل مجلود يقول: أنا واللَّه مظلوم، فقال: يا هذه، لمثل هذا كان زوجك (^٣) يتمنى الموت" (^٤).
_________________
(١) = نعيم في الحلية (٨/ ٢٣٦).
(٢) إسناده لين، خالد بن حيان صدوق يخطئ التقريب (١٦٣٢)، المحتضرين (١٦٨) رقم (٢٣٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٨٤)، وبعض هذا الكلام روي عن الحسن في موعظة بليغة طويلة في الحلية (٢/ ١٤٣).
(٣) هو سليمان بن صُرَد بن الجون الخزاعي، أبو مطرف الكوفي، صحابي كان اسمه يسار فغيره النبي -ﷺ-، وكان خيرا فاضلا شهد مع علي صفين، قتل بعين الوردة سنة (٦٥ هـ)، الإصابة (٣/ ١٧٢)، التقريب (٢٥٧٤).
(٤) يقصد عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
(٥) إسناده لين، شيخ المصنف ليس بالقوي، وذكره ابن عبدي في شيوخ البخاري وجزم =
[ ١ / ٣٩١ ]
٢٩٧ - حدثني الحسن بن محبوب قال: سمعت الفيض بن إسحاق قال: قال حذيفة بن قتادة المرعشي: "ينبغى لك لو أنك لم تعص اللَّه طرفة عين، أن تمنّى أنك لم تخلق" (^١).
٢٩٨ - حدثني محمد بن قدامة قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: "دخلت على عبد اللَّه بن داود في مرضه الذي مات فيه، فجعل يقول أو يمر بيديه إلى الحائط: لو خيّرت بين دخول الجنة وبين أن أكون لَبِنَةً من هذا الحائط، لاخترت أن أكون لبنة منه، متى أدخل أنا الجنة" (^٢).
٢٩٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، حدثنا عبثر بن القاسم، عن برد بن سنان، عن حزام بن حكيم قال: قال أبو الدرداء: "لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تسكنون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة
_________________
(١) = الخطيب بأن البخاري روى عنه، لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه التقريب (٦٤٤٢)، قال الحافظ في ترجمة محمد بن يزيد الحزامي الكوفي التقريب (٦٤٤٥): "يقال هو الذي روى عنه البخاري فظنه ابن عبدي أبا هشام. . . وقد فرق البخاري بينهما في التاريخ وأبو حاتم الرازي وزعم الباجي أنهما واحد فاللَّه أعلم"، المتمنين (٨٣) رقم (١٤١).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به كما سبق (١٨٨)، المتمنين (٨٣) رقم (١٤٢).
(٣) إسناده ضعيف، شيخ المصنف هو الجوهري فيه لين التقريب (٦٢٧٤)، المتمنين (٧٢ - ٧٣) رقم (١٢٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ٣٣).
[ ١ / ٣٩٢ ]
تعضد، ثم تؤكل" (^١).
٣٠٠ - حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، حدثنا محمد ابن المبارك، حدثني عبد اللَّه عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت عطاء: "أن أبا بكر -﵁- ذكر ذات يوم أهوال يوم القيامة، وفكّر فيها، حتى ذكر الموازين إذا نصبت، والجنّة إذا أزلفت، والنار حين أبرزت، وصفوف الملائكة، وطيّ السماء، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خَضِرا من هذه الخُضر، تأتي عليّ بهيمة فتأكلني فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (^٢) " (^٣).
٣٠١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد اللَّه ابن عبيدة، حدثنا
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على حزام بن حكيم وهو مقبول التقريب (١١٩٩)، المتمنين (٧٣ - ٧٤) رقم (١٢٣)، وأحمد في الزهد (١/ ١٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٦)، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير لابن عساكر فقط، انظر فيض القدير (٥/ ٣١٨)، وهو فيه (٥٦/ ٢٦٨) طريق آخر موقوفا أيضًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٤٨١٧).
(٢) سورة الرحمن، آية (٤٦).
(٣) إسناده حسن، سهل بن عاصم قال عنه أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٣)، وهو منقطع، انظر الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٢)، وجامع التحصيل (٢٣٨)، المتمنين (٥٨ - ٥٩) رقم (٩١)، وأبو الشيخ في العظمة (١/ ٣٠٨) رقم (٥١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧٠٦).
[ ١ / ٣٩٣ ]
يحيى بن راشد، حدثنا مرجَّى بن وداع الراسبي قال: "دخلنا على عطاء السليمي (^١) وهو يوقد تحت قدر له، فقال له بعضنا: يا عطاء؛ أيسرّك أنك حرقت بهذه النار ولم تبعث؟ قال: وتصدّقوني؟ فواللَّه لوددت أني حرِّقت بها، ثم أخرجت ثم أحرقت، ثم أخرجت ثم أحرقت، وأني لم أبعث" (^٢).
٣٠٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني شعيب بن محرز، حدثنا صالح المري قال: "قلت لعطاء السليمي: ما تشتهي؟ قال: فبكى ثم قال: أشتهي واللَّه يا أبا بشر أن أكون رمادا لا يجتمع منه سُفَّة (^٣) أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، قال: فأبكاني واللَّه، وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر يوم الحساب" (^٤).
٣٠٣ - حدثني عون بن إبراهيم بن الصلت، حدثني موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: "يا ليتني لم أخلق، فإذا خلقت متّ
_________________
(١) هو عطاء السليمي الزاهد، عابد أهل البصرة، يحكى عنه أمر يتجاوز الحد في الخوف والحزن، أدرك أنس بن مالك، وأخذ عن الحسن، تاريخ الإسلام (١/ ١٠١٣)، وله ترجمة في الحلية (٦/ ٢١٥).
(٢) إسناده لين، أبو عبد اللَّه ابن عبيدة لعله محمد بن عبد اللَّه بن عبيدة ترجم له في تاريخ جرجان (١/ ٤٠٢) ونقل عن الإسماعيلى قوله: "ما رأيت المصيصي حدث من كتابه"، المتمنين (٥٣) رقم (٧٧)، ويحيى بن راشد لم أجد له ترجمة، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢١٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٧/ ٢١٠).
(٣) أي حبة أو قبضة، مختار الصحاح (٣٢٦).
(٤) إسناده ضعيف، صالح المري ضعيف، التقريب (٢٨٦١)، المتمنين (٥٠) رقم (٦٧)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٢٤).
[ ١ / ٣٩٤ ]
صغيرا، ويا ليتني إذ لم أمت صغيرا عُمِّرت حتى أعمل في خلاص نفسي" (^١).
٣٠٤ - حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا المحاربي، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا ميسرة (^٢) يقول: "ليت أمى لم تلدني، فتقول امرأته: يا أبا ميسرة، أليس قد أحسن اللَّه إليك؟ هداك للإسلام، وعلّمك القرآن؟ قال: بلى، ولكن أُخبرنا أنا واردون النار، ولم نخبر أنا صادرون عنها" (^٣).
٣٠٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، وخلف بن سالم قالا: حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبد اللَّه بن مسلم، عن محمد بن عطاء بن خباب، عن
_________________
(١) إسناده لين، شيخ المصنف لم أجده إلا عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٥٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، أما موسى بن الحجاج فلم أجد له ترجمة سوى أن المزي ذكره في ترجمة مالك بن دينار ممن روى عنه، المتمنين (٥١) رقم (٧١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤١٢).
(٢) هو عمرو بن شرحبيل الهمداني أبو ميسرة، من عباد أهل الكوفة، ثقة عابد مخضرم، مات سنة (٦٣)، التقريب (٥٠٤٨).
(٣) فيه شيخ المصنف وقد سبق (٦٥)، لكن الأثر حسن من طريق ابن المبارك فقد رواه عن مالك بن مغول به، المتمنين (٤٣) رقم (٥٢) وكرره رقم (٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٥٢) رقم (٣٤٩٠٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣١٢)، ومن طريقه أحمد في الزهد (٣١٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢٦٠)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١١٠)، وعنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٤١).
[ ١ / ٣٩٥ ]
أبيه، عن جدّه خباب: "أن أبا بكر الصديق -﵁- وهو في داره جاء طير وهو عنده، فوقع على شجرة حمامٌ أو عصفور، فنظر إليه أبو بكر الصديق -﵁- فقال: طوبى لك يا طير ما أنعمك على هذه الشجرة، تأكل من هذه الثمرة، ثم تموت ثم لا تكون شيئًا، -في لفظ: لا حساب عليك ولا عذاب- ليتني مكانك"، وفي لفظ قال: وبلغني عن الحسن قال: "تمنَّوا تمنَّوا، فلما فاتهم جدُّوا" (^١).
٣٠٦ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن سيّار قال: حدثنا أبو وائل قال: قال عبد اللَّه: "وددت أن اللَّه غفر لي خطيئة من خطاياي وأنه لم يعرف نسبي" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، عبد اللَّه بن مسلم هو ابن هرمز المكي ضعيف، التقريب (٣٦٤١)، وروي هذا الأثر من عدة طرق لا تخلو من مقال لعله يرتقى بها إلى الحسن لغيره واللَّه أعلم، المتمنين (٢٥ - ٢٦) رقم (٩)، وانظر ما بعده برقم (١٠، ١١، ٤١، ٩٢، ١١٦، ١٢٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٩٦)، وبأطول منه هناد في الزهد (١/ ٢٥٨) رقم (٤٤٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩١) رقم (٣٤٤٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤٨٥) رقم (٧٨٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٣١).
(٢) إسناده حسن، سيار هو العنزي صدوق له أوهام كما سيأتي (٣٠٦) و(٨٩٦)، المتمنين (٢٩) رقم (١٩)، وانظر ما بعده (٢٠، ٢١)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٤٩٠)، وأحمد في الزهد (٢/ ١٠٥) وابن الجعد في مسنده (١/ ٢٦٠) رقم (١٧٢٩)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٣٣) رقم (٧١٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٤).
[ ١ / ٣٩٦ ]
٣٠٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام الدستوائي، عن قتادة قال: قال أبو عبيدة: "يا ليتني كبشا فذبحني أهلي فأكلوا لحمى وحسوا مرقي، قال: وقال عمران بن حصين: يا ليتني رمادا تذريني الرياح، قال وقال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف" (^١).
٣٠٨ - حدثنا إسحاق، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ذر (^٢) قال: "وددت أن اللَّه -﷿- خلقني يوم خلقني شجرة تعضد" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح وهو منقطع؛ مداره على قتادة عن أبي عبيدة، ولم يسمع منه انظر تحفة التحصيل (١/ ٢٦٢)، المتمنين (٣٠) رقم (٢٢)، ورقم (١٥٦)، ومعمر في جامعه (١١/ ٣٠٧) رقم (٢٠٦١٥) من مصنف عبد الرزاق، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤١)، وأحمد في الزهد (١٨٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٤١٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤٨٦) رقم (٧٩٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٤٨٢)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١٨).
(٢) هو أبو ذر الغفاري، الصحابي المشهور، اسمه: جندب بن جنادة على الأصح، تقدم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرا، ومناقبه كثيرة جدا، مات سنة (٣٢ هـ) في خلافة عثمان، الإصابة (٧/ ١٢٥)، التقريب (٨٠٨٧).
(٣) إسناده صحيح، المتمنين (٣١) رقم (٢٣)، الترمذي (٤/ ٥٥٦) رقم (٣٢١٢)، شعب الايمان (١/ ٤٨٤) رقم (٧٨٣)، وأحمد في الزهد (٢/ ٧٧)، وهناد في الزهد =
[ ١ / ٣٩٧ ]
٣٠٩ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر الجشمي، حدثنا بضر بن المفضل، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن ابن أبي مليكة، حدثني ذكوان: "أن ابن عباس دخل على عائشة (^١) ﵂ وهي في الموت، فجعل يرجّيها فقالت: "دعني منك يا ابن عباس، فواللَّه لوددت أني كنت نسيا منسيا" (^٢).
٣١٠ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار قال: "لو كان لأحد أن يتمنّى، لتمنّيت أنا أن يكون لي في الآخرة خصٌّ (^٣) من قصب، وأروى من الماء وأنجو من النار" (^٤).
_________________
(١) = (١/ ٥٣٨) رقم (٤٥٨)، وابن أبي عاصم في الزهد رقم (٦٦)، ووكيع في زهد (١/ ٣٩٣) رقم (١٥٩).
(٢) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقا، وأفضل أزواج النبي -ﷺ- إلا خديجة ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة (٥٧ هـ) على الصحيح، الإصابة (٨/ ١٦)، التقريب (٨٦٣٣).
(٣) إسناده حسن، عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم صدوق، التقريب (٣٤٨٩)، المتمنين (٣٤) رقم (٣٠)، المحتضرين (٢١٧) وهو أطول من هذا بكثير وفيه ذكر بعض محاسنها، وانظر رقم (٢٥، ٢٦، ٢٧، ١٢١) بألفاظ أخرى هذا أتمها: "كنت شجرة، عصا رطبا"، الزهد لأحمد (٢/ ١٤٥)، والقصة في صحيح البخاري (٨/ ٤٨٤ فتح) باب إذ تلقونه بألسنتكم، وهو أثر مشهور رواه غير واحد.
(٤) هو البيت من قصب، مختار الصحاح (١٩٦).
(٥) إسناده حسن، سيار هو ابن حاتم العنزي صدوق له أوهام، التقريب (٢٧٢٩)، =
[ ١ / ٣٩٨ ]
٣١١ - حدثنا هارون، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك ابن دينار يقول: "وددت أن اللَّه إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي: يا مالك، فأقول: لبيك، فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنه قد رضي عني، فيقول: يا مالك كن اليوم ترابا" (^١).
٣١٢ - حدثنا زكريا بن يحيى بن خلاد التميمي، حدثنا عون بن الحكم بن سيار، حدثنا حصين بن أبي بكر الباهلي قال: سمعت يزيد الرقاشي وقال له رجل: تمنَّ، نقال: "يا ليتني لم أخلق، وليتني إذ خلقت لم أوقف، وليتني إذ وقفت لم أحاسب، وليتني إذ حوسبت لم أناقش" (^٢).
٣١٣ - حدثنا المفضل بن غسّان، حدثني شيخ من موالي قريش قال: كان يزيد الرقاشي (^٣) يقول: "يا ليتنا لم نخلق، ويا ليتنا إن حوسبنا لم
_________________
(١) = المتمنين (٣٥) رقم (٣٢)، وأحمد في الزهد (٣٢٢)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤١٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٨٦).
(٢) إسناده حسن، المتمنين (٣٥) رقم (٣٣)، وأحمد في الزهد (٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤١٢)، وذكره الذهبي في السير (٥/ ٣٦٤).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٥٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤٥٩) ولم يذكر فيه شيئًا، وهو يرويه عن شيخين عون بن الحكم هنا، وعن الأصمعي عند ابن عساكر وكان من جلسائه كما في الثقات، المتمنين (٣٥ - ٣٦) رقم (٣٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ١١٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٩٠).
(٤) هو يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري، قاصٌّ زاهد ضعيف، مات قبل =
[ ١ / ٣٩٩ ]
نعذب، ويا ليتنا إن عذّبنا لم نخلد" (^١).
٣١٤ - حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني بكر بن مضر، حدثني محمد بن حكيم، أن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (^٢) قال: "يا ليتني كنت لبنة من هذا اللبن، لا عليّ ولا لي" (^٣).
٣١٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل والقاسم بن هشام قالا: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن قال: "خرج هرم بن حيّان وعبد اللَّه بن عامر يريدان الحجاز، فبينما هما يسيران على راحلتيهما إذ مرّا على مكان فيه كلأٌ حليّ ونصيّ، فجعلت راحلتهما تخالجان ذلك الشجر، فقال هرم بن حيّان: يا ابن عامر أيسرّك أنك شجرة من هذه الشجر أكلتك هذه الراحلة، فقذفتك بعرا، فاتّخذتَ جلّةً، قال: لا واللَّه،
_________________
(١) = (١٢٠ هـ)، التقريب (٧٦٨٣).
(٢) إسناده ضعيف، فيه شيخ مبهم، المتمنين (٣٦) رقم (٣٥)، وانظر الأثر السابق.
(٣) هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهمي، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح، الإصابة (٤/ ١٩٢)، التقريب (٣٤٩٩).
(٤) فيه محمد بن حكيم لم أجد له ترجمة، ولعله والد بكر بن مضر، وباقي رجاله ثقات مصريون، المتمنين (٣٦) رقم (٣٦)، وفي المحتضرين برقم (١٠٣) قوله: "ليتني كنت حيضا أعرتكني الإماء بدريب الإذخر"، وفي طبقات ابن سعد (٤/ ٢٦٧)، وشعب الإيمان برقم (١٠٦٩٦)، وتاريخ دمشق (٣١/ ٢٦٥)، قوله: "لوددت أني هذه السارية".
[ ١ / ٤٠٠ ]
لما أرجو من رحمة اللَّه تعالى أحب إليّ من ذلك، فقال هرم بن حيان: لكني واللَّه وددت أني شجرة من هذه الشجر، أكلتني هذه الناقة فقذفتني بعرا فاتخذت جلّةً، ولم أكابد الحساب يوم القيامة: إما إلى جنة وإما إلى نار، ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى، قال الحسن: كان واللَّه أفقههما وأعلمهما باللَّه -﷿-" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان عدة مسائل متعلقة بالخوف من اللَّه -﷿-، من تعريفه، وعلاقته بالعلمل، واستحضاره عند الموت، وتمني الخائف للموت.
فأما تعريفه فقد ورد في أثر أبي سعيد البصري أن بعض العلماء عرفه بأن: من خاف اتقى، وأنه التعظيم للرب والحياء منه، وفي أثر شقيق إفراد اللَّه بالخوف، والحياء منه أن يصرف لغيره، ولا شك أن الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلِّها، فيجب إخلاصه للَّه، ولا يجوز تعلقه بغير اللَّه أصلا، فلا أحد يُخاف في إيصال مكروه، من موت أو قتل أو فقر أو
_________________
(١) إسناده لين، هشام بن حسان متكلم في روايته عن الحسن كما سبق (٢٩٠)، لكن الأثر حسن رواه أحمد عن جرير بن حازم عن حميد بن هلال، المتمنين (٣٦ - ٣٧) رقم (٣٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٧)، وأحمد في الزهد (٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١١٩ - ١٢٠)، وابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٢١٩)، وذكره الذهبي في السير مختصرا (٤/ ٤٩)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢١٤).
[ ١ / ٤٠١ ]
مرض ونحو ذلك إلا اللَّه، وهذا الخوف لا يكون العبد مسلما حتى يخلصه للَّه ويفرده بذلك دون من سواه (^١)، ولذلك "الخوف والرجاء وما أشبه ذلك؛ فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا سواه. . . وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف، كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمة اللَّه تعالى" (^٢).
وإذا صرف الخوف للَّه وحده أورث ترك المخالفات، كما سبق أن من خاف اتقى قال ابن القيم: "الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم اللَّه -﷿-؛ فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط" (^٣).
أما كونه تعظيما وحياءًا من اللَّه فالذي يظهر لي أن ذلك ليس مطلق الخوف، وإنما نوع خاص منه وهو الهَيْبَة، وهي: خوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة، والإجلال تعظيم مقرون بالحب" (^٤).
وأما الخوف والعمل، فبينهما علاقة وطيدة كما سبق في الرجاء
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٤٨٥ - ٤٨٧) بتصرف.
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٩٤).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٥٥١).
(٤) انظر مدارج السالكين (١/ ٥٥٠).
[ ١ / ٤٠٢ ]
والتوكل، ولذلك اشتملت الآثار السابقة على بيان أن الخوف داع للعمل وحاثٌّ عليه، فمن خاف ترك سوف وعسى، ومن يخف يدلج، وترك بعضهم الذنوب أربعين سنة خوفا من اللَّه، حتى أدركه الورع، بل إن كلام الحسن يعتبر قاعدة عامة في هذا الموضوع حيث قال: "المؤمن أحسن الناس عملا، وأشد خوفا"، وقد لخص ابن القيم ﵀ حال السلف مع الخوف والعمل الصالح فقال: "اللَّه سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن، ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بل التقصير بل التفريط والأمن؛ فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. . . . " ثم قال: "وهذا باب يطول تتبعه" (^١).
وأما الخوف عند الموت: فقد اشتملت الآثار أن بعض السلف غلب جانب الخوف على جانب الرجاء حال الموت، وعلّلوا ذلك بعدة تعليلات: إما بعدم الجزم بما سيبشرون به، أو استحضار خوف جهنم وعدم الصبر على نارها، أو الخوف أن يبدو له ما لم يكن يحتسب، أو ضغطة القبر، أو استحضار بعض التقصير والتفريط حال الحياة والصحة، أو الخوف من عدم قبول الأعمال الصالحة، أو الخوف من أهوال القيامة، وليس في هذه الآثار أن الخوف هو الأفضل حال الاحتضار وقرب الموت،
_________________
(١) الجواب الكافي (٢٥).
[ ١ / ٤٠٣ ]
ولكن يؤخذ منها واللَّه أعلم أن ذلك بسبب التضرع والانكسار بين يدي اللَّه، والاعتراف بالتقصير المستلزم لطلب رجاء المغفرة والقبول والأمن، لأن الخوف مستلزم للرجاء والعكس، ولذلك كان خوف المقربين أعظم من خوف عامة المؤمنين واللَّه أعلم (^١).
وأما الخوف وتمني الموت: فقد وردت عدة آثار تمني فيها بعض السلف الموت أو أنه لم يخلق لشدة الخوف، فهي تدل على تمكن منزلة الخوف وقيامها بقلوبهم، وذلك أنهم كانوا أعرف الناس بربهم، وأعلمهم بصفاته وأسمائه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وأعرفهم بضعف نفوسهم، وعدم توفيتها لحق مليكها وخالقها، فتمنّوا ما تمنوا خوفا من ذلك؛ لأنه كلما كان العبد باللَّه أعرف كان له أخوف، وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحُبا، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم أليق، ولهم ألزم، ومن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزاءها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم توثقه بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو (^٢).
_________________
(١) انظر طريق الهجرتين (٢٨٧ - ٢٨٩).
(٢) انظر طريق الهجرتين (٢٨٤ - ٢٨٥) بتصرف.
[ ١ / ٤٠٤ ]
المطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء.
٣١٦ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني يزيد بن خليفة بياع الحرير قال: سمعت رجلا من العباد يقول: "ما جُليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وإن أكبر أمر المؤمن في نفسه لهمّه بمعاده، والمؤمن من ربه على كل خير، ولبئس معوّل المؤمن رجاء لا يشوبه بخوف" (^١).
٣١٧ - نا سلمة بن شبيب، نا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "من حسن ظنه باللَّه -﷿- ثم لا يخاف اللَّه فهو مخدوع" (^٢).
٣١٨ - حدثنا أبي قال: أخبرنا روح بن عبادة، عن هشام بن أبي عبد اللَّه، عن جعفر بن ميمون، عن أبي العالية (^٣) قال: "ليأتينَّ على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتبلى كما تبلى ثيابهم، وتهافت لا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصّروا عما أمروا به قالوا: إن اللَّه غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا أنا لا نشرك باللَّه شيئا،
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه بياع الحرير لم أجده، الهم والحزن (٥١) رقم (٥٠).
(٢) إسناده صحيح، حسن الظن باللَّه (٣٧) رقم (٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٧٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٢٥٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٢٦).
(٣) هو رُفَيْع بن مهران، أبو العالية الرِّياحي، ثقة كثير الإرسال، مات سنة (٩٠) وقيل بعد ذلك، التقريب (١٩٥٣).
[ ١ / ٤٠٥ ]
أمرهم كله طمع، ليس معهم خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم المداهن" (^١).
٣١٩ - حدثنا العباس بن يزيد قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن موسى بن جميل، عن أبي روح، عن أبي الجلد (^٢) قال: "أعوذ باللَّه من زمان يأمل فيه الكبير، ويمرد فيه الصغير، فلا يعتق فيه المحرّرون، في ذلك الزمان أقوام يرجون ولا يخافون، فلا يستجاب لهم، في ذلك الزمان أقوام قلوبهم قلوب الذئاب لا يتراحمون" (^٣).
_________________
(١) إسناده لين، فيه جعفر بن ميمون صدوق يخطئ، التقريب (٩٦٩)، وقال ابن عدي: "ليس بكثير الرواية، وقد حدث عنه الثقات مثل: سعيد بن أبي عروبة وجماعة من الثقات، ولم أر بأحاديثه نكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء"، العقوبات (٢١٦ - ٢١٧) رقم (٣٤١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ١٨١)، وابن أبي جرادة في بغية الطلب (٨/ ٣٦٨٨)، كلاهما من طريق الحارث بن أبي أسامة به، ولم أجده في بغية الباحث وإنما ورد فيه نفس الأثر مرفوعا بسند ضعيف عن معقل بن يسار عن النبي -ﷺ- وفيه زيادة أن المداهن: "الذي يأمر ولا ينهى".
(٢) هو جيلان بن أبي فروة الأسدي، كان ممن يقرأ كتب الأوائل، وكان من العباد، مشاهير علماء الأمصار (٩٣).
(٣) إسناده لين؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ التقريب (٣٢١١)، العقوبات (١٧٠) رقم (٢٥٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٥٨)، وورد بعض هذا الكلام عن هرم ابن حيان عند ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢١٣) رقم (٣٥٤٣٥)، وكذا أحمد في الزهد (٢٣١)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٣١، ١٣٣)، وأبو نعيم في الحلية =
[ ١ / ٤٠٦ ]
٣٢٠ - حدثني أبو جعفر الأدمي، حدثنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: "مرض كعب (^١) فعاده رهط من أهل دمشق فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: بخير جسد، أخذ بذنبه، إن شاء ربه عذّبه، وإن شاء رحمه، وإن بعثَه بعثه خلقا جديدا لا ذنب له" (^٢).
٣٢١ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا النضر بن شداد بن عطية قال: حدثني أبي شداد بن عطية قال: حدثنا أنس بن مالك قال: "دخلنا على عبد اللَّه بن مسعود نعوده في مرضه فقلنا له: كيف أصبحت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبحنا بنعمة اللَّه إخوانا، قلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجد قلبي مطمئنا بالإيمان، قلنا: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتكي ذنوبي وخطاياي، قلنا: ما تشتهي شيئا؟ قال:
_________________
(١) = (٢/ ١٢٠)، وليس في جميعها محل الشاهد من كونهم يرجون ولا يخافون.
(٢) هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في آخر خلافة عثمان سنة (٣٤ هـ)، وقد زاد على المائة، مشاهير علماء الأمصار (١١٨)، التقريب (٥٦٤٨).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أبو بكر بن أبي مريم وقد سبق (٦٢) أنه ضعيف، والأثر حسن من طريق أبي نعيم، المرض والكفارات (٥٢) رقم (٤٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٥٥) رقم (٩٨٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦٦) (٦/ ٢٦) بسند حسن، بلفظ أوضح: "جسد أخذ بذنبه؛ فإن قبض على هذه الحال فإلى رحيم، وإن يعافه ينشئ خلقا لا ذنب له".
[ ١ / ٤٠٧ ]
أشتهي مغفرة اللَّه ورضوانه، قلنا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني" (^١).
٣٢٢ - حدثني محمد بن عمر المقدّمي وهارون بن عبد اللَّه وغيرهما قالوا: حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: "يا إخوتاه تدرون أين يذهب بي؟ يذهب بي واللَّه الذي لا إله إلا هو إلى النار، أو يعفو عني" (^٢).
_________________
(١) إسناده لين، النضر بن شداد وأبوه لم أقف لهما على ترجمة، سوى ما ذكره بحشل في تاريخ واسط (١/ ٤٦) من أن النضر سأل أباه من رأى من أصحاب النبي -ﷺ- فأجابه بأنه رأى معقل بن يسار وأنس بن مالك، المحتضرين (٢٣٨ - ٢٣٩) رقم (٣٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٤٩١) رقم (٢٤٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٨٤، ١٨٦)، وانظر تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤١١) فقد بين ضعف طرقه الأخرى التي فيها فضل سورة الواقعة وأنها تنفي الفقر.
(٢) إسناده حسن، وحزم هو القطعي سبق (١٠٣) أنه صدوق يهم، وتابعه عبد الواحد ابن زيد في الأثر الذي بعده، المحتضرين (١٤١ - ١٤٢) رقم (١٨١) والذي بعده مثله وهو ضعيف انظر الضعفاء والمتروكين (٢/ ١٥٥)، ورواه عن هارون بن رئاب برقم (٢٤١)، وفيه: "وبلغني عن محمد بن واسع أنه قالها عند الموت، فأظن أنه تعلمها من هارون بن رئاب"، ورواه أيضًا في محاسبة النفس عن محمد بن واسع برقم (٣٦)، بنفس السند عن شيخين آخرين، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٨)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢٠٤) رقم (٥١٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٧١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٧١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
٣٢٣ - حدثني أحمد بن إبراهيم بن كثير قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني مضر قال: حدثني عبد الواحد بن زيد قال: "حضرت محمد بن واسع عند الموت، فجعل يقول لأصحابه: عليكم السلام، إلى النار أو يعفو اللَّه" (^١).
٣٢٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق المقرئ قال: حدثنا عبد المؤمن بن عبيد اللَّه السدوسي قال: سمعت زياد النميري يقول: "بلغني أن عامر بن عبد اللَّه لما نزل به الموت بكى ثم قال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي، وأتوب إليك من ذنوبي، لا إله إلا أنت، ثم لم يزل يردّدها حتى مات" (^٢).
٣٢٥ - حدثنا كامل بن طلحة قال: حدثنا أبو هلال الراسبي، عن معاوية بن قرة: "أن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي، قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو أضجعني" (^٣).
_________________
(١) المحتضرين (١٤٢) رقم (١٨٢)، ورقم (١٩٩)، انظر الذي قبله.
(٢) إسناده ضعيف منقطع، فيه زياد النميري ضعيف من الخامسة التقريب (٢٠٩٨)، المحتضرين (١٣٩ - ١٤٠) رقم (١٧٦)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٠).
(٣) إسناده حسن، كامل بن طلحة صدوق، تكلم فيه بغير حجة، انظر السير (١١/ ١٠٧، ١٠٩)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٢١)، المحتضرين (١٣٧) رقم (١٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٢) و(٧/ ١١١) رقم (٢٣٤٣٠، ٣٤٥٩٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٥)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٧٠).
[ ١ / ٤٠٩ ]
٣٢٦ - حدثني محمد قال: حدثنا داود بن المحبَّر قال: حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن أبي عمران الجوني: "أن أبا الدرداء لما نزل به الموت، دعا أم الدرداء، فضمّها إليه وبكى، وقال: يا أم الدرداء قد ترين ما قد نزل من الموت، إنه واللَّه قد نزل بي أمر لم ينزل بي قط أمر أشد منه، وإن كان لي عند اللَّه خير فهو أهون ما بعده، وإن تكن الأخرى فواللَّه ما هو فيما بعده إلا كحلاب ناقة، قال: ثم بكى، ثم قال: يا أم الدرداء اعملي لمثل مصرعي هذا، يا أم الدرداء اعملي لمثل ساعتي هذه، ثم دعا ابنه بلالا فقال: ويحك يا بلال اعمل لساعة الموت، اعمل لمثل مصرعي أبيك، واذكر به صرعتك وساعتك فكأن قد، ثم قُبض" (^١).
٣٢٧ - حدثنى محمد قال: حدثني عمار بن عثمان قال: سمعت بهيم العجلي (^٢) يقول: "وعزّتك ما بكى الباكون إليك فخيّبتهم من فضلك، بل ظنّ أوليائك أحسن الظنون، ورجاؤهم لك أكثر الرجاء، قال: ثم يبكي حتى يبلّ لحيته بالدموع" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، المحتضرين (١٣٦) رقم (١٧١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦).
(٢) هو بهيم العجلي، أبو بكر العابد، تروى عنه الحكايات، الثقات لابن حبان (٨/ ١٥٣)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦).
(٣) إسناده حسن، وعمار بن عثمان هو الحلبي سيأتي (٥٢٨)، الرقة والبكاء (٢٠١) رقم (٢٧٩)، وفيه أن البكاء الذي يذكر عن الصالحين في هذا الكتاب إنما هو من باب الرجاء وليس قنوطا ولذلك كان ممدوحا.
[ ١ / ٤١٠ ]
٣٢٨ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني شعيب بن راشد، عن أبي روح الأنصاري قال: كان من دعاء الحسين (^١): "اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى اعرف صدق ذلك في قلبي بالزهد مني في دنياي، اللهم ارزقني بصرا في أمر الآخرة حتى أطلب الحسنات شوقا، وأفر من السيئات خوفا من ربي" (^٢).
٣٢٩ - حدثنا محمد بن علي، نا إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "أما بعد: يا أمير المؤمنين. . . أهل البصائر الفضائل فيها يا أمير المؤمنين: مشيهم بالتواضع، وملبسهم بالاقتصاد، ومنطقهم بالصواب، ومطعمهم الطيّب من الرزق، قد نفذت أبصارهم في الآجل، كما نفذت أبصارهم في العاجل، فخوفهم في البر كخوفهم البحر، ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضرّاء، ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم تقرّ أرواحهم في أبدانهم إلا قليلا، خوفا من العقاب، وشوقا إلى الثواب، عظم الخالق في أعينهم، وصغر المخلوق عندهم. . . " (^٣).
_________________
(١) لعله الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد اللَّه المدني، سبط رسول اللَّه -ﷺ- وريحانته، حفظ عنه، استشهد يوم عاشوراء سنة (٦١ هـ)، وله ست وخمسون سنة، الإصابة (٢/ ٧٦)، التقريب (١٣٣٤).
(٢) فيه أبو روح، وسيأتي (٦٥١) أني لم أعرفه، ذم الدنيا (١٣١) رقم (٣٩١).
(٣) إسناده منقطع؛ فإن الفضيل بن عياض لم يسمع من الحسن البصري، فالحسن من الطبقة الثالثة والفضيل من الثامنة، كما في ترجمتهما من التقريب، ذم الدنيا (١٠٥=
[ ١ / ٤١١ ]
٣٣٠ - ذكر شريح بن يونس، نا محمد بن حميد، عن سفيان عن صاحب له قال: قال مسلم بن يسار (^١): "من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ما أدري ما حسبت رجاء امرئ عرض له بلاء لم يصبر عليه لما يرجو، ولا أدري ما حسبت خوف امرئ عرضت له شهوة فلم يدعها لما يخاف" (^٢).
٣٣١ - ثنا أبو يعقوب، ثنا العباس بن الوليد قثني أبي قثني الضحاك
_________________
(١) = - ١٠٦) رقم (٢٩٣)، وأخرج هذه الرسالة بلفظ مقارب أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٣) وفيه ابن أبي الأسود انظر اللسان (١/ ٧٠).
(٢) هناك ثلاثة في هذه الطبقة ممن يسمى مسلم بن يسار إما البصري الفقيه، أو الأنصاري، أو الجهني، انظر تقريب التهذيب (٦٦٥٢) (٦٦٥٣) (٦٦٥٤) واللَّه أعلم بالمراد.
(٣) إسناده معلق، وفيه رجل مبهم، والأثر متصل حسن كما سيأتي، حسن الظن باللَّه (٦٤) رقم (٩١)، ورواه (١٣٢) عن حذيفة مرفوعا بسند ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف لين الحديث التقريب (١٣٧٠)، وخازم وهو بن جبلة بن نضرة كما في مخطوط الظاهرية، ذكره ابن حجر ونقل عن الدوري قوله: "لا يكتب حديثه"، ووقع في طبعتي السيد وشاحونة: (حازم عن أبي سنان)، فأوقع في إشكال واللَّه أعلم، والوجل والتوثق بالعمل برقم (١)، وابن المبارك في الزهد برقم (٣٠٥)، وأحمد في الزهد وابنه في زوائده (٢٥٠، ٢٨٩)، والصنعاني في تفسيره (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ١٦٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ١٤٠) (٥٩/ ٢٧٢)، وذكر معناه العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٤١١) عن أنس ونسبه لتلخيص المتشابه للخطيب.
[ ١ / ٤١٢ ]
ابن عبد الرحمن بن أبي حوشب قال: سمعت بلال بن سعد (^١) يقول: "عبادَ الرحمن أمَّا ما وكلكم اللَّه به فتضيّعونه، وأما ما تكفل لكم به فتطلبونه، ما هكذا نعت اللَّه عباده الموقنين، أَذَوُوا عقول في طلب الدنيا، وبُلْهٌ عما خلقتم له، فكما ترجون رحمة اللَّه بما تؤدون من طاعة اللَّه -﷿- فكذلك اشفقوا من عذاب اللَّه بما تنتهكون من معاصي اللَّه -﷿-" (^٢).
٣٣٢ - حدثنا محمود بن خداش قال: حدثنا شجاع بن الوليد، عن عمرو بن قيس: "أن معاذ بن جبل (^٣) لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فقيل: لم نصبح، حتى أُتي فقيل له: قد أصبحت، قال: أعوذ باللَّه من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت مرحبا، زائر مغبّ حبيب جاء على فاقة، اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ
_________________
(١) هو بلال بن سعد بن تميم الأشعري أو الكندي، أبو عمرو أو أبو زرعة الدمشقي، ثقة عابد فاضل، مات في خلافة هشام، التقريب (٧٨٠).
(٢) إسناده صحيح، وشيخ المصنف هو إسحاق بن إبراهيم المروزي الإمام المعروف، التقريب (٣٣٤)، اليقين (٦٤) رقم (٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٣١)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٦٣) رقم (٧)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢١٩).
(٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، مشهور من أعيان الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة (١٨ هـ)، الإصابة (٣/ ١٣٦)، التقريب (٦٧٢٥).
[ ١ / ٤١٣ ]
الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر" (^١).
٣٣٣ - نا عبد اللَّه بن عمر بن محمد، نا الحسين بن علي الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن داود بن شابور قال: قال مطرف بن عبد اللَّه: "لو جيء بميزان تَرِيصٍ (^٢) فَوُزِن خوف المؤمن ورجاؤه كانا سواءا، يذكر رحمة اللَّه فيرجوه، ويذكر عذاب اللَّه فيخاف" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان العلاقة بيان أهمية اجتماع الخوف والرجاء في المؤمن، وأنه لا غِنَى بأحدهما عن الآخر، وأن وجود أحدهما دون الآخر مذموم، ولذلك اشتملت بعضها على ذم الرجاء الذي لم يشبه
_________________
(١) إسناده منقطع؛ فإن عمرو بن قيس لم يدرك معاذا، وورد عند أحمد عمرو بن قيس عمن حدثه، المحتضرين (١١٠ - ١١١) رقم (١٢٧)، وأحمد في زهد (١٨٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٩)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٤٥٠).
(٢) هكذا في المخطوط مع التنبيه بالشكل على صحة الكلمة، ومعناها ميزان محكم شديد، انظر القاموس المحيط (٢/ ٤٣٥)، وذكر ابن قتيبة الأثر وشرح كلمة "تريص" في غريب الحديث (٣/ ٧٥٥)، وكذا ابن الجوزي (١/ ١٠٦)، والزمخشري في الفائق (١/ ١٥٠)، وقد صحفت في طبعتي شاحونة والسيد تصحيفا فاحشا.
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف هو مشدكانة صدوق فيه تشيع، التقريب (٣٥١٧)، حسن الظن باللَّه (٨٢) رقم (١٣٣)، وأحمد في الزهد (٢٣٨ - ٢٣٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٨) رقم (٣٥١٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٢) رقم (١٠٢٤)، جميعهم لم يذكروا الميزان ووصفه بالتريص.
[ ١ / ٤١٤ ]
خوف في أول أثر، ثم بيان أن من حسن ظنه ولم يخف فهو مخدوع، ثم في أثر أبي العالية ذم قوم يأتون في الزمان القادم بأن أمرهم كله طمع ليس معهم خوف، واستعاذة أبي الجلد من ذلك الزمان ووصفه أصحابه بأنهم يرجون ولا يخافون، كما ورد بيان أن الخوف وإن كان مسيطرا على حال المذنب لا ينبغي أن يمنعه من الرجاء في سعة عفو اللَّه، وهذا في الآثار السابقة فيمن حضره الموت فخاف ذنوبه ورجا ربه، كأثر ابن مسعود وغيره فهم يشتكون ذنوبهم، ويشتهون مغفرة من ربهم وذلك أن "الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك للكان أمنا، فأهل الخوف للَّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللَّه" (^١)، قال ابن القيم في مقام تعداد بعض فوائد الرجاء: "ومنها: أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج، ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. . . والتحقيق أنه ملازم له فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط" (^٢)، ثم بيان أن الخوف والرجاء المقصود منهما الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل السيِّء، كما في دعاء الحسين أنه يطلب الحسنات شوقا، ويفر من السيئات خوفا، ووصف الحسن لأهل البصائر في الدنيا بأنهم كذلك، وأثر مسلم بن يسار في أن من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢١).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٥٥).
[ ١ / ٤١٥ ]
منه، وأثر سعي بن بلال في أمر من يرجو ثواب الطاعة، بأن يشفق من عذاب المعصية وهذه من فوائد الرجاء قال ابن القيم: "الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء" (^١).
ثم اشتملت الآثار بيان تغليب أحدهما على الآخر وأيهما أولى؛ وليست الآثار متفقة المعنى في ذلك، لكن الظاهر أنها امختلفة باختلاف الحالات التي قصدها كل واحد؛ فبينما نجد في أثر ابن مسعود تغليب جانب الخوف في الحياة، وتغليب جانب الرجاء حال الموت، نجد في أثر مطرف بأنهما سواء حتى لو وزن بأدق ميزان لوجداكذلك، وقد سبقت آثار تؤيد هذا أو ذاك في حسن الظن بالله، وفي الرجاء وفي الخوف، وقد شرح ابن حجر في الفتح قول البخاري ﵀: "باب الرجاء مع الخوف: أي استحباب ذلك؛ فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يفضي في الأول إلى المكر، وفي الثاني إلى القنوط، وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله، ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا في غرور وهذا كله متفق على استحبابه في حالة الصحة،
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٥٢)
[ ١ / ٤١٦ ]
وقيل: الأولى أن يكون الخوف في الصحة أكثر، وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى، ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته وقال آخرون: لا يهمل جانب الخوف أصلا، بحيث يجزم بأنه آمن" (^١)، وللنووي كلام قريب من هذا حيث ذكر عن العلماء قولهم: "فى حالة الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو محَّضَه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له" (^٢)، وقال ابن القيم: "السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب؛ فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله المُوصِل بمَنِّه وكرمه" (^٣)
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٠١)
(٢) شرح مسلم (١٧/ ٢١٠)
(٣) مدارج السالكين (١/ ٥٥٤)
[ ١ / ٤١٧ ]
المطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر.
٣٣٤ - حدثني محمد بن إدريس قال: سمعت عبدة بن سليمان، سمعت مخلد بن حسين (^١) يقول: كان يقال: "الشكر ترك المعاصي" (^٢).
٣٣٥ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد بن حسين، عن محمد بن لوط (^٣): كان يقال: "الشكر ترك المعصية" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان معنى الشكر، وهو ترك المعاصي، قال ابن القيم -﵀-: "أصل الشكر في وضع اللسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورا بينا، يقال: شكرت الدابة، تشكر شكرا، على وزن سمنت تسمن سمنا؛ إذا ظهر عليها أثر العلف، ودابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل، وتعطى من العلف. . . وكذلك حقيقته في العبودية: وهو ظهور أثر نعمة اللَّه على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه: شهودا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادا وطاعة" (^٥).
_________________
(١) هو مخلد بن حسين، أبو محمد مولى الهالبة، بصري سكن المصيصة، ثقة، رجل صالح، وكان من عقلاء الرجال، مات سنة (١٩٦ هـ)، التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٤٣٧)، الثقات للعجلي (٢/ ٢٦٧).
(٢) الشكر (٧٣) رقم (١٩)، وذكره ابن القيم في عدة الصابرين (١٠٤، ١٠٩)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٤٦)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٣٧١) للمصنف فقط.
(٣) هو محمد بن لوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، مات في زمن أبي جعفر، الجرح والتعديل (٨/ ٧٠)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ولم أجده عند غيره.
(٤) الشكر (٨٥) رقم (٤١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٣٠) رقم (٤٥٤٧).
(٥) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٤).
[ ١ / ٤١٨ ]
المطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل.
أولا: الآثار الواردة في التوسل بالطاعات.
٣٣٦ - زعم محمد بن الحسين، حدثني سعيد بن مسلم الحنفي، حدثني أبي مسلم بن سعيد (^١) قال: "كنا جلوسا في مجلس من مجالس بني حنيفة، فمرّ بنا أعرابي كهيئة المهموم، فسلّم وانطلق، ثم أقبل علينا فقال: معشر العرب، قد سئمت لتكرار الليالي والأيام ودورها عليّ، فهل من شيء يدفع عني سآمة ذلك أو يسلّي عني بعض ما أجد من ذلك؟ ثم ولّى غير بعيد، ثم أقبل علينا فقال: واهًا لقلوب نقيّة من الآثام، واهًا لجوارح مسارعة إلى طاعة الرحمن، أولئك الذين لم يملّوا الدنيا لتوسّلهم منها بالطاعة إلى ربهم، ولما يكرهوا الموت إذا نزل بهم لما يرجون من البركة في لقاء سيدهم، وكلا الحالتين لهم حال حسنة: إن قدموا على الآخرة قدموا على ما قدَّموا من القربة، فإن تطاولت بهم المدَّة قدَّموا الزاد ليوم الرجعة، قال: فما سمعت موعظة أشدّ استكنانا في القلوب منها، فما ذكرتها إلا هانت عليّ الدنيا وما فيها" (^٢).
_________________
(١) هو مسلم بن سعيد العبدي أبو سعيد سمع من ابن مسعود، انظر التخريج الآتي.
(٢) فيه سعيد بن مسلم لم أقف له على ترجمة؛ أما أبوه مسلم بن سعيد فذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٩٤)، وانظر تعجيل المنفعة (٤٠٢)، الليالي والأيام (٤١) رقم (٦٦)، الرقة والبكاء لابن قدامة (٣٩١).
[ ١ / ٤١٩ ]
٣٣٧ - حدثني غير محمد بن المغيرة (^١): "أن عمر بن عبد العزيز قال له -أي لسليمان بن عبد الملك-: يا أمير المؤمنين بل الصبر؛ -وهذا جوابا عن قوله لما مات ابنه-:
فإن صبرتُ فلم ألفظك من شبع وإن جزعتُ فعِلْقٌ (^٢) منفس ذهبا
فإنه أقرب إلى اللَّه وسيلةً، وليس الجزع بمحيي من مات، ولا برادّ ما فات، فقال سليمان: صدقت، وباللَّه العصمة والتوفيق" (^٣).
٣٣٨ - حدثني محمد بن المثني النخعي قال: حدثنا عبد السلام بن حرب (^٤): "أن خصيفا قال عند الموت: لِيَمُرَّ ملك الموت إذا أتانا، اللهم على ما فيَّ إنك لتعلم أني أحبّك وأحبّ رسولك" (^٥).
٣٣٩ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان
_________________
(١) هو الشيخ الذي روى الأثر بلفظ آخر قبل هذا، قال المحقق: لم أعرفه.
(٢) العِلْقُ: النفيس من كل شيء وجمعه أعْلاقُ، مختار الصحاح (٤٦٧).
(٣) إسناده لين؛ لإبهام شيخ المصنف، الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان (٤٢) رقم (١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ١٠٨) (٥٧/ ٣١١) وقال: "وهذه القصة محفوظة لسليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب"، وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان (٢/ ٣٠٣).
(٤) هو عبد السلام بن حرب بن سلم النهدي المُلَائي، أبو بكر الكوفي، أصله بصري، ثقة حافظ له مناكير، مات سنة (١٨٧ هـ)، وله ست وتسعون سنة، التقريب (٤٠٦٧).
(٥) إسناده صحيح، عبد السلام بن حرب ثقة حافظ له مناكير، التقريب (٤٠٩٥)، المحتضرين (١٢٩) رقم (١٦٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٣٩٤).
[ ١ / ٤٢٠ ]
ابن عمرو، عن أبي خير إسحاق العراوي قال: "زحف إلينا إزدمهر (^١) عند مدينة الكيرج (^٢) في ثمانين فيلا، فكادت تنقض الخيول والصفوف، فكرب لذلك محمد بن القاسم (^٣)، فنادى عمر: إن النعمان أمير حمص وأم الأجناد، فنهضوا بما استطاعوا، فلما أعيته الأمور نادى مرارا: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فكفّ اللَّه الفيلة بذلك، سلّط اللَّه عليها الحرّ، فأنضجها ففزعت إلى الماء، فما استطاع سوّاسها ولا أصحابها حبسها، وحملت الجند عند ذلك، فكان الفتح بإذن اللَّه" (^٤).
٣٤٠ - حدثني القاسم بن هاشم، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: "أن حبيب بن مسلمة كان يستحب إذا لقى عدوا
_________________
(١) كذا في المخطوط والمطبوع، وأغلب ظني أنها مصحفة، فإنني لم أجد لها ذكرا في الكتب، والظاهر أن المراد به داهر ملك السند الذي قاتل المسلمين في هذه الحادثة فقتلوه وفتحوا بلاده، والغريب أن المحقق ابن عالية ذكر أن معنى الكلمة أنه قائد الفرس، ولم يذكر توثيقا لكلامه، ولم تظهر مناسبة ذلك في هذه القصة واللَّه أعلم.
(٢) وردت في طبعة ابن عالية "الكرخ" وفسرها بأنها بلدة بالبصرة، ولا مناسبة لها هنا، وإنما الصحيح أنها الكيرج كما في المخطوط (ق/ ٨٦/ ب)، وهي من مدن السند إلى فتحها محمد بن القاسم، تاريخ خليفة بن خياط (٨٢)، وانظر تاريخ الطبري (٤/ ٢٦)، تاريخ الإسلام (١/ ٧٢٩)، تاريخ ابن خلدون (٣/ ٨٣).
(٣) هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، ابن عم الحجاج، كان عاملا له على السند وفتحها، معجم الشعراء (٣٤٣)، تاريخ ابن خلدون (٣/ ٧٦).
(٤) فيه من لم أقف على ترجمته، وانظر كلام السواس على الإسناد واحتمال السقط فيه، الفرج بعد الشدة (٥٩) رقم (١٧).
[ ١ / ٤٢١ ]
أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأنه ناهض يوما حصنا، فانهزم الروم، فقالها المسلمون فانصدع الحصن" (^١).
ثانيا: الآثار الواردة في التوسل بأسماء اللَّه وصفاته.
٣٤١ - حدثني عبد اللَّه بن بسطام قال: "احتضر بعض الملوك (^٢)، فجعل يقول: "يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه" (^٣).
٣٤٢ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، ثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي (^٤): "أخبرت أن رجلا أخذ أسيرا فألقى في جبّ،
_________________
(١) فيه جهالة الأشياخ، الفرج بعد الشدة (٦٠) رقم (١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٧٧).
(٢) هو الواثق باللَّه كما في مصادر التخريج الآتية.
(٣) هذا الأثر مشهور عن زرقان بن أبي داود ولم أعرفه اللهم إلا أن يكون زرقان بن محمد الصوفي صاحب ذي النون المصري له ترجمة في تاريخ دمشق (١٩/ ١٥) والمستطرف (١/ ٣١٥) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وكل من أخرجه فمن طريقه وأخشى أن يكون في إسناد المؤلف شيء واللَّه أعلم، المحتضرين (١٠٠) رقم (١١٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٣١٠)، والذهبي في السير (١٠/ ٣١٣)، وابن الجوزي في المنتظم (١١/ ١٨٥)، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (٢/ ٢٦٣)، وابن الأثير في الكامل (٦/ ٩١)، وفي جميعها أنه تمثل ببيتين، وابن العماد في شذرات الذهب (١/ ٧٥)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (٣١٣).
(٤) هو الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الثقفي مولاهم، أبو محمد الكوفي، نزيل دمشق، صدوق، مات بعد المائة، التقريب (١٤٦٥).
[ ١ / ٤٢٢ ]
ووضع على رأس الجب صخرة، فلقِّن فيها: سبحان الملك القدوس، سبحان اللَّه وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان" (^١).
٣٤٣ - حدثني إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو سفيان الحميري قال: سمعت أبا بلج الفزاري: "أتي الحجاج بن يوسف برجل كان جعل على نفسه إن ظفر به أن يقتله، فلما أدخل عليه تكلم بشيء فخلى سبيله، فقيل له أي شيء قلت؟ قال: قلت: يا عزيز يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني شرّ كل جبار عنيد" (^٢).
٣٤٤ - أخبرني أبي قال: أخبرني ابن عليّة، عن أيوب، عن حميد بن هلال، قال: قال رجل: "رحم اللَّه رجلا أتى على هذه الآية ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^٣)، فسأل اللَّه بذاك الوجه الباقي الكريم" (^٤).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٩٤٧)، الفرج بعد الشدة (٨٦) رقم (٥٧)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٣).
(٢) إسناده حسن، الفرج بعد الشدة (٨٧) رقم (٦٣)، الإشراف في منازل الأشراف (٣٠٣ - ٣٠٤) رقم (٤٢٤)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٤).
(٣) سورة الرحمن، الآية (٢٧).
(٤) إسناده حسن، والد المصنف "روى عنه أبو بكر أحاديث مستقيمة" تاريخ بغداد (٢/ ٣٧٠)، وأيوب هو السختياني، الإشراف (٢١٦) رقم (٢٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٥٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٩٩) إلى البيهقي وابن المنذر.
[ ١ / ٤٢٣ ]
ثالثا: الآثار الواردة في التوسل بدعاء الصالحين.
٣٤٥ - حدثني علي بن الحسن بن موسى، نا أبو عبد الرحمن القرشي، عن شيخ من أهل المدينة، عن ابن عباس -﵁- (^١): "أن عمر قال للعباس: قم فاستسق وادع ربّك، فقام العباس فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: إن عندك سحابا، وإن عندك ماءًا، فانشر السحاب ثم أنزل فيه الماء، ثم أنزل علينا فيه الماء، ثم أنزل علينا فاشدد به الأصل، وأطل به الفرع، وأدر به الضرع، اللهم إنا شفعاء إليك عمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، اللهم في أنفسنا وأهلينا، [اللهم اسقنا سقيا وادعةً بالغةً، طبقًا (^٢)، عامًا، محييًا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك، اللهم إنا نشكو إليك سغب كل ساغب (^٣)، وغرم كل غارم، وجوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف، في دعاء له (^٤) " (^٥).
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول اللَّه -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، مات سنة (٦٨ هـ) بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهائهم، الإصابة (١/ ١٤١)، التقريب (٣٤٠٩).
(٢) أي مغطية للأرض، مختار الصحاح (٤٠٣).
(٣) السغب الجوع، مختار الصحاح (٣٢٦).
(٤) ما بين المعقوفين ذكر المحقق أنه ساقط واستدركه من مصنف عبد الرزاق.
(٥) كتاب المطر (٧١) رقم (٢٨)، و(٩٤) رقم (٦٣)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٩٢ - ٩٣) رقم (٤٩١٣)، ومن طريقه وكذا من طريق المصنف ابن =
[ ١ / ٤٢٤ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أنواع التوسل إلى اللَّه -﷿- وأنه: يكون بطاعته، أو بأسمائه وصفاته، أو بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء ورجاء الاستجابة.
فأما التوسل بالطاعات: فقد تنوعت الآثار في الدلالة على هذا النوع فهي إما عامة في اتخاذ الطاعات وسيلة إلى اللَّه كقول الأعرابي، وإما آثار وردت في توسل بعض السلف ببعض أنواع العبادة كالتوسل بحب اللَّه ورسوله، والتوسل ببعض الأذكار كقول لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
وأما التوسل بالأسماء والصفات: فقد وردت فيه آثار متنوعة أيضًا، اشتملت على سؤال اللَّه تعالى ببعض أسمائه وصفاته، قضاء بعض الحاجات، سواء الأخروية كطلب الرحمة، أو الدنيوية كالفكاك من الأسر أو جور السلطان، وليست هذه التوسلات من أولئك السلف أمرا عفويا حصل اتفاقا، بل كان هذا منهجا عاما لهم كما في قول حميد بن هلال: قال رجل: "رحم اللَّه رجلا أتى على هذه الآية: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ
_________________
(١) = عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٥٧)، وانظر عمدة القاري (٧/ ٣٢)، وذكر ابن عبد البر أن ألفاظ هذا الأثر لم ترد في سياق واحد انظر الاستيعاب (٢/ ٨١٤) ثم قال: "هذا واللَّه الوسيلة إلى اللَّه -﷿- والمكان منه"، وانظر التلخيص الحبير (٢/ ١٠٧).
[ ١ / ٤٢٥ ]
وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (^١)، فسأل اللَّه بذاك الوجه الباقي الكريم"، فعلم أن هذا مبني على استدلال وعقيدة في هذه الأسماء والصفات واللَّه أعلم.
وأما التوسل بدعاء بعض الصالحين: ففيه الأثر المشهور في استسقاء عمر بن الخطاب -﵁- بعم النبي -ﷺ- العباس -﵁-، وهو النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع، بطلب الدعاء ممن يتوسم فيه الصلاح والخير، ورجاء استجابة الدعوة، ولا شك أن الذي يقف على التوسل الذي كان شائعا بين هذه القرون المفضلة لا يجد توسلا بذوات الصالحين، والإقسام على اللَّه بهم، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، وإنما هذا التوسل المعروف عنهم بأقسامه الثلاثة، وقد استقرأ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "التوسل به بمعنى الإقسام على اللَّه بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه، في الاستسقاء ونحوه، ولا في حياته، ولا بعد مماته، ولا عند قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة" (^٢).
_________________
(١) سورة الرحمن، آية: ٢٧.
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٢)، وانظر: التوصل إلى حقيقة التوسل (٢٣ - ١٧٧)، والتوسل أنواعه وأحكامه (٣١ - ٥٤).
[ ١ / ٤٢٦ ]
المطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى -ﷺ-.
٣٤٦ - حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني وأحمد بن عبيد العنبري: "أن عبد اللَّه بن جعفر (^١) كان في سفر له، فمر بفتيان يوقدون تحت قدر لهم، فقام إليه أحدهم فقال:
أقول له حين ألفيته عليك السلام أبا جعفر
فوقف وقال: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، وقال:
وهذي ثياب قد أُخلقت وقد عضّني زمن منكر
قال: فهاذي ثيابي مكانها -وعليه جبّة خز وعمامة خزّ ومطرف خز- وتعينك على زمانك المنكر، قال:
وأنت كريم بني هاشم وفي البيت منها الذي يذكر
قال: ابن أخي، ذلك رسول اللَّه -ﷺ-، قال أبو بكر: قال مصعب: الذي أنشده هذا الشعر الحزين الكناني" (^٢).
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أحد الأجواد، ولد بأرض الحبشة، وله صحبة، مات سنة (٨٠ هـ)، وهو ابن ثمانين، الإصابة (٤/ ٤٠)، التقريب (٣٢٥١).
(٢) إسناده معضل؛ بين شيخي المصنف وابن جعفر الصحابي مفاوز، مكارم الأخلاق (١٠٨) رقم (٤٢٥)، الإخوان رقم (٢١٣)، والأصفهاني في الأغاني (١١/ ٦٤) من طريق الزبير ابن بكار، والخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/ ٥٨)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٣٤٥)، ولكن الأخيرين في نسبا القصة إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي.
[ ١ / ٤٢٧ ]
٣٤٧ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت وأبو بكر يقضي:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل
فقال أبو بكر: ذاك رسول اللَّه -ﷺ-" (^١).
٣٤٨ - حدثني الحسن بن جهور بن زياد، عن شيخ من قريش قال: "دخل رؤبة بن العجاج على سليمان بن عبد الملك، وقد جلس للصحابة وهيّأ الجوائز فقال:
خرجتَ بين قمر وشمس بين ابن مروان وعبد شمس
يا خير نفس خرجت من نفس
فقال له عمر بن عبد العزيز -وهو جالس إلى جنب سليمان-: "كذبت ذاك رسول اللَّه -ﷺ-" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على علي بن زيد وهو ابن جدعان وسيأتي (٦٤٤)، المحتضرين (٥١ - ٥٢) رقم (٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٩) رقم (٢٦٠٦٧)، وأحمد في المسند (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) رقم (٢٦)، والمروزي في مسند أبي بكر رقم (٣٩)، والبزار في مسنده (١/ ١٢٨) رقم (٥٨)، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٧٢): "رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات"، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ١٢٩) في ترجمة علي بن زيد بن جدعان.
(٢) إسناده ضعيف لجهالة الشيخ المبهم، الإشراف (١٢٤) رقم (٤٢).
[ ١ / ٤٢٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان بعض حقوق النبي -ﷺ- التي حرص السلف الصالح على حفظها، وذلك أن اللَّه -﷿- خصه بخصائص لم يشاركه فيها أحد (^١)، وأنزله منزلة لم ينزلها غيره من البشر، فهو سيّد البشر ولا فخر، وأما الصفات الفاضلة التي شاركه فيها غيره فله منها النصيب الأوفر، وقصب السبق، ولما ذكر العز بن عبد السلام بعض فضائله -ﷺ- قال: "ومنها: أن اللَّه تعالى أثنى على خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٢)، واستعظام العظماء للشيء دليل على إيغاله في العظمة، فما الظن باستعظام أعظم العظماء" (^٣)، ولذلك أنكر الصحابي عبد اللَّه بن جعفر لمن وصفه بأنه كريم بني هاشم، وعمر بن عبد العزيز ﵀ أبيات المادح للخليفة عبد الملك بن مروان لما وصفه بأنه خير نفس خرجت من نفس؛ ومن جميل كلام القاضي عياض ﵀ في هذا قوله: "وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل ولا خفي منه؛ فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة
_________________
(١) انظر الشفا للقاضي عياض، وبداية السول للعز بن عبد السلام، والخصائص الكبرى للسيوطي.
(٢) سورة القلم، الآية (٤).
(٣) بداية السول في تفضيل الرسول (٥٨).
[ ١ / ٤٢٩ ]
من أكرم بلاد اللَّه على اللَّه وعلى عباده" (^١)، بل إن الصديق -﵁- لما مدحته ابنته الصديقة عائشة ﵂ بما مدح أبو طالب ابن أخيه رسول اللَّه -ﷺ- استدرك عليها؛ وهذا من كمال صديقيته -﵁-، وهذا حال سلف عرفوا حقوق النبي -ﷺ- فحفظوها له (^٢).
_________________
(١) الشفا (١/ ٨١) ثم ذكر ﵀ أدلة ذلك.
(٢) وانظر كذلك حقوق النبي -ﷺ- على أمته للأستاذ الدكتور محمد خليفة التميمي.
[ ١ / ٤٣٠ ]
المطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك.
٣٤٩ - حدثني سويد بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عليّ بن زيد قال: قال ثابت لأنس بن مالك: "مَسَسْت يد رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: نعم، قال: فناولني يدك، فناوله يده فيقبّلها" (^١).
٣٥٠ - حدثني هارون بن سفيان، عن عبد اللَّه بن بكر السهمي قال: حدثني ثمامة بن كلثوم: "أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم بعدي إلا من هو شرّ مني، كما كان قبلي خير مني، ويا يزيد إذا وفي أجلي فولِّ غسلى رجلا لبيبا، فإن اللبيب من اللَّه بمكان، فلينعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي -ﷺ-، وقُرَاضَة (^٢) من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعينى، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد احفظ وصية اللَّه
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان وسيأتي (٦٤٤)، وهو حسن لغيره، الإخوان (١٩٩) رقم (١٤٦)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٩٧٤)، وأحمد في المسند (١٩/ ١٤٦) رقم (١٢٠٩٤)، وذكر المحققون له شاهدا عن سلمة ابن الأكوع وحسنوه، وفي العلل (٣/ ١٧٠)، والدارمي في سننه (١/ ٤٠) رقم (٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق آخر فيه لين (٢/ ٢٢٩) رقم (١٦٠٥) ولفظه: "كان ثابت إذا جاء قال أنس: يا جميلة ناولينى طيبا أمسّ به يدي؛ فإن ابن أم ثابت لا يرضى بشيء حتى يقبل يدي، ويقول: قد مسست يد رسول اللَّه -ﷺ-.
(٢) القرض هو القطع، والقُراضة ما سقط بالقرض، مختار الصحاح (٥٦٠).
[ ١ / ٤٣١ ]
في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي، فخلّوا معاوية وأرحمَ الراحمين" (^١).
٣٥١ - حدثنا خالد بن خداش بن عجلان، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه -ﷺ- يوما ببردة، قال سهل: هل تدرون ما البردة؟ قالوا: هي الشملة منسوج فيها حاشيتاها، فقالت: يا رسول اللَّه، نسجت هذه بيدي جئت أكسوكها، فأخذها رسول اللَّه -ﷺ- محتاجا إليها فخرج علينا وإنها لإزاره، فجسّها رجل من القوم فقال: اكسنيها، قال: نعم، فجلس ما شاء اللَّه في المجلس، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال القوم: ما أحسنت، سألته إياها وقد علمت أنه لا يردّ سائلا، فقال الرجل: إي واللَّه، ما سألتها رسول -ﷺ- إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٥٥)، المحتضرين (٦٨) رقم (٦٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢١٧)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤١) وابن الأثير في الكامل (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وأخرج بعضه: ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٧٩) رقم (٥١٥)، والبيهقي في الزهد الكبير رقم (٦٥٦)، والذهبي في السير (٣/ ١٥٩)، وذكره أحمد زكي في جمهرة خطب العرب (٢/ ١٨٥).
(٢) الأثر صحيح، مكارم الأخلاق (٩١ - ٩٢) رقم (٣٧٧)، وأخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٣١٨ فتح) رقم (٢٠٩٣) وغيره، وذكر الحافظ في الفتح عند شرحه في الجنائز أن فيه التبرك بالصالحين، ولا وجه له، كما أنه مردود من عدة أوجه كما هو مبيّن في التحليل والتعليق.
[ ١ / ٤٣٢ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة تبرك الصحابة بالنبي -ﷺ-، إما ببعض بقايا من جسده الشريف كالشعر والأظفار، أو بقايا من ملبوسه كالثوب والبردة، بل حتى من بعدهم من التابعين كما في أثر ثابت الذي كان يقبل يد أنس لأنها مسّت يد رسول اللَّه -ﷺ-، ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: "باب ما ذكر من درع النبي -ﷺ- وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم تذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته مما يتبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته" (^١).
ويحسن التنبيه في هذا المقام أن هذا التبرك بذات النبي -ﷺ- أو مقتنياته رجاء البركة ونحوها هو من خصائصه -ﷺ- التي لا يشاركه غيره، ولا يجوز قياس غيره من الصالحين عليه -ﷺ-، لاعتبارات كثيرة وأدلة متنوعة؛ لأن هذا القياس معارض بفعل الصحابة ﵃ وإجماعهم كما قال الشاطبي ﵀: "الصحابة ﵃ بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي -ﷺ- بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق -﵁-، فهو كان خليفته، ولم يُفْعَل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵄، وهو كان في الأمة، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ١١٣١).
[ ١ / ٤٣٣ ]
به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي -ﷺ-، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء" (^١)، وهناك وجه آخر من منع هذا القياس وهو باب سد الذرائع كما قال الشيخ عبد اللَّه بن باز ﵀بعد نقله للوجه الأول الذي سبق وهو فعل الصحابة-: "الوجه الثاني سد ذريعة الشرك؛ لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم، وعبادتهم من دون اللَّه، فوجب المنع من ذلك" (^٢).
_________________
(١) الاعتصام (١٩٧ - ١٩٨).
(٢) فتح الباري (٣/ ١٣٠)، وانظر بقية المناقشات والنقولات في كتاب التبرك أنواعه وأحكامه للدكتور ناصر الجديع (٢٦٥ - ٢٦٨).
[ ١ / ٤٣٤ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: نواقض التوحيد.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد.
[ ١ / ٤٣٥ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في نواقض التوحيد.
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك.
المسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك.
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك.
المسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر.
المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى الشرك.
[ ١ / ٤٣٦ ]
المسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك.
٣٥٢ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن حنبل قال: سمعت ابن سماك: "كتبت إلى أخ لي، أو كتب إليّ أخٌ لي: أما بعد، فلا تكن لأحد غير اللَّه عبدا ما وجدت من العبودية بُدًّا" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر ابن السماك النهى عن الشرك والتحذير منه، ووجوب إفراد اللَّه تعالى بالعبادة، وقد اشتمل هذا الأثر على جانبين مهمين من جوانب العبادة هما النفي والإثبات، فالعبادة الحقة لا تتم إلا بإفراد اللَّه بها، ونفيها عمن سواه؛ إذ لا يصح التوحيد إلا بنفي الشرك، ولا بد منهما مجتمعين، قال ابن القيم: "طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى اللَّه، ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون نفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة لا إله إلا اللَّه" (^٢)، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة للَّه وحده، وينفي عبادة ما سواه وهو التوحيد" (^٣)، وقال في شرح قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٤): "فائدة هذه الجملة بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيا بعبادة اللَّه بل مشرك" (^٥).
_________________
(١) إسناده حسن، القناعة والتعفف (٤٨) رقم (٨٨).
(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٣٤).
(٣) تيسير العزيز الحميد (٥٠).
(٤) سورة النساء، من الآية (٣٦).
(٥) المصدر السابق (٦٦)، وانظر الدين الخالص (١/ ١٨٩).
[ ١ / ٤٣٧ ]
المسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك.
٣٥٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن وبرة، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: "أكبر الكبائر الشرك باللَّه، والقنوط من رحمة اللَّه، والأمن من مكر اللَّه، واليأس من روح اللَّه" (^١).
٣٥٤ - ذكر الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، عن خزيمة أبي محمد العابد قال: كان عمر بن ذر يقول: "اللهم ارحم قوما أطاعوك في أحب طاعتك إليك، الإيمان بك والتوكل عليك، وارحم قوما أطاعوك في ترك أبغض المعاصي إليك الشرك بك والافتراء عليك، قال: وكان بعضهم يقول: إن كان كل ما عصي اللَّه به عظيما؛ فإنه في سعة رحمته صغيرا" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، التوبة (٥٤) رقم (٣١)، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٤٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٦) رقم (٨٧٨٤ - ٨٧٨٥)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤): "إسناده صحيح"، وذكره السيوطي في الدر (٢/ ٥٠٣) ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في التوبة، وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨٥) بطرقه وقال: "وهو صحيح إليه بلا شك".
(٢) إسناده حسن، فيه خزيمة العابد ترجم له أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٢) وذكر صلاحه وزهده وليس له رواية سوى بعض الزهديات والقصص، حسن الظن باللَّه (٨١ - ٨٢) رقم (٩٣)، وقد سبق (٢٢٩) في رجاء مغفرة الذنب.
[ ١ / ٤٣٨ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان ذم الشرك، وبيان أنه أكبر الكبائر، وأبغض المعاصي إلى اللَّه، وهذه من أهم الأشياء التي يذم بها الشرك، وقد بيّن وجه ذلك ابن القيم ﵀ فقال: "من أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه، وأن الشرك ظلمٌ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (^١)؛ فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات، فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين، واعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي، فلما كان الشرك باللَّه منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق. . . " (^٢)، وهو كذلك أبغض المعاصي إلى اللَّه كما في أثر عمر بن ذر وذلك أنه "لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات؛ كان أبغض الأشياء إلى اللَّه تعالى، وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرَّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين
_________________
(١) سورة لقمان، من الآية (١٣).
(٢) الجواب الكافي (٨٩).
[ ١ / ٤٣٩ ]
المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا" (^١).
ولا ينافي هذا ما ورد من تسمية غير الشرك بأنه من أكبر الكبائر؛ كشتم الرجل والديه وسوء الظن باللَّه وغيرها، لأنه لا يلزم من كون الذي ذكر أنه أكبر الكبائر استواؤها؛ فإن الشرك باللَّه أعظم من جميع ما ذكر معه (^٢).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠).
(٢) نقله الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٤١١) عن ابن دقيق العيد.
[ ١ / ٤٤٠ ]
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك.
٣٥٥ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثني جرير، عن ليث، عن أبي العالية: "اجتمع إليّ أصحاب محمد -ﷺ- فقالوا: يا أبا العالية، لا تعمل عملا تريد به غير اللَّه فيجعل اللَّه ثوابك على من أردت، لا تتّكل على غير اللَّه فيكلك اللَّه إلى من توكّلت عليه" (^١).
٣٥٦ - حدثني عبد الرحيم بن بحر (^٢) قال: حدثنا عثمان بن عمارة، عن إسماعيل بن كثير السليمي قال: "قيل لعطاء السليمي: ما الحذر؟ قال: الاتقاء بالعمل ألا يكون للَّه" (^٣).
٣٥٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي خالد، عن مولى لابن عباس، عن ابن عباس ﵄، أحسب هكذا قال: "إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه، يقول: لولاه لسرقنا الليلة" (^٤).
_________________
(١) سبق (١٥٦) الأثر مخرجا.
(٢) كذا وصوابه عبد الرحيم بن يحيى، فهو شيخ للمصنف وهو المعروف بالرواية عن عثمان بن عمارة واللَّه أعلم.
(٣) إسناده ضعيف جدا، شيخ المصنف أو شيخه أحدهما متهم كما سيأتي (٤٧٢)، الإخلاص والنية (٥٠) رقم (٢١).
(٤) فيه إبهام مولى ابن عباس -﵁-، والمشهور أن ابن أبي خالد يروي عن شعيب بن يسار مولى ابن عباس، سئل عنه أبو زرعة فقال: "له أربعة أحاديث، لا أعرفه إلا برواية إسماعيل بن أبي خالد ومساور عنه" الجرح والتعديل (٤/ ٣٥٣) رقم =
[ ١ / ٤٤١ ]
٣٥٨ - حدثنا يوسف بن موسى، نا أبو أسامة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) قال: الغيث يسقي هذه، وتُمنع هذه، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ يقولون: مطرنا بالأنواء (^٢) " (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار التحذير من الشرك، وكيفية ذلك، مع ذكر بعض أنواع
_________________
(١) = (١٥٤٥)، كما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢١٧) رقم (٢٥٥٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٧) رقم (٣٥٧)، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥) للمصنف، كما عزاه للمصنف شارح كتاب التوحيد وظاهر صنيعه أنه لا يوجد عند غيره.
(٢) سورة الفرقان، آية (٥٠).
(٣) النوء هو سُقوط نجم من المنازل في المَغْرِب مع الفجر، وطُلُوع رقيبه من المَشْرِق، يُقابِلُه من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما، ما خلا الجَبهة فإن لها أربعة عشر يوما، وكانت العرب تُضيف الأمطار والرياح والحَرَّ والبرد إلى الساقط منها، وقيل إلى الطالع منها؛ لأنه في سُلطانِه، مختار الصحاح (٦٨٨).
(٤) إسناده حسن، النضر بن عربي لا بأس به، التقريب (٧١٩٥)، أما ما يخشى من تدليس حماد فلا يؤثر لأن عكرمة أحد رواة الحديث المرفوع في الأنواء، كتاب المطر (١٠٠ - ١٠١) رقم (٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٧٠٧)، وذكره السيوطي في الدر (٥/ ١٣٥) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وانظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٢) فقد أيد قول عكرمة بحديث النبي -ﷺ-، وكلام للشافعي نقله البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٥٨).
[ ١ / ٤٤٢ ]
الشرك التي قد تخفى على كثير من الناس، فيأتونها وهم لا يشعرون، وقد وقع التحذير من الشرك من جية خطورته والجزاء المترتب عليه حيث إن صاحبه يُتْرَك وشِرْكَه، ومن جهة خفائه وكثرة وقوعه كمن يشرك في كلبه وبسبب الأنواء، فينسب السلامة وحصول الخير لهما، ولهذا قال المقريزي: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه" (^١)، وقد عقد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بابا في الخوف من الشرك قال شارحه الشيخ عبد الرحمن: "نبه المصنف بهذه الترجمة على أنه ينبغي للمؤمن من أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه. . . "، فإخلاص العمل للَّه شرط في قبول العمل والإثابة عليه، كما سبق في مبحث الإخلاص وصلاح العمل، ولذلك كان هو الحذر كما في أثر السليمي، وهو وصية الصحابة لمن بعدهم من التابعين كما في أثر أبي العالية، ولذلك يقع فيه من قلَّ حذره منه وذلك بنسبة السلامة من السراق في البيت إلى الكلب، ونسبة نزول المطر إلى الأنواء في الشرك والكفر، والمراد بهذا الكفر والشرك هنا الأصغر بنسبة ذلك إلى غير اللَّه وكفران نعمته، وهو من باب الشرك الخفي في الألفاظ، وسمر ذلك أن العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير له من جهته وإن كان صنع له في ذلك، وذلك نوع شرك خفي فمنع من
_________________
(١) تجريد التوحيد (٥٨).
[ ١ / ٤٤٣ ]
ذلك (^١)، وهذا يتضمن: "قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا، وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب، أجرى اللَّه تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببا هو من نعم اللَّه عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من أنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه" (^٢).
_________________
(١) انظر تيسير العزيز الحميد (٤٦٠ - ٤٦٤).
(٢) إغاثة اللهفان (٦٨).
[ ١ / ٤٤٤ ]
المسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر.
٣٥٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأرزي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت زيدا قال: حدثني شرطي لسنان بن سلمة قال: "أُتي بامرأة زعموا أنها ساحرة فأمر بها فألقيت في العين أو كلمة غيرها فَطَفَتْ، ثم أعيدت فَطَفَتْ، فأمر بنحت خشبها وتُصْلَب، فجاء زوجها كأنه سَفُّود (^١) فقال: أصلحك اللَّه مرها أن تحل عني، قال: حلي عنه، قالت: ائتوني بباب وكُبَّة غَزْل، فجلست على الباب وأخذت الكُبَّة من الغزل كأنها تعالجها، وقد أبرزت للناس وأحاطت بها الخيل، فارتفع الباب فصدتنا يمينا وشمالا فلم نقدر منها على شيء" (^٢).
٣٦٠ - حدثني عبد العزيز بن منيب قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا رجل، عن رجل، عن عروة بن رويم قال: "لما قدم مسلمة بن عبد الملك هاهنا أميرا قيل له: إن هاهنا رجلا دخل على هاروت وماروت فأرسل إليه: فإذا شيخ جليل
_________________
(١) السَّفُّودُ بوزن التَّنُور: الحديدة التي يُشوى بها اللحم، مختار الصحاح (٣٢٦).
(٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة شُرطي سنان بن مسلمة، لكن أصل القصة حسن واللَّه أعلم؛ الإشراف في منازل الأشراف (٣١٢) رقم (٤٤٣)، وابن أبي شيبة في المصنف مختصرا من طريق آخر (٥/ ٥٦١) رقم (٢٨٩٧٩)، وابن قتيبة في مختلف الحديث (١٨٤ - ١٨٥) من طريقين آخرين عن زيد، وذكرها ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٩٥)، وكذا ابن قدامة في المغني (٩/ ٣٦)، وفيهما إنكار عمر بن عبد العزيز عليه رميها في الماء، وإنما الواجب إقامة البينة فإذا ثبتت قتلت.
[ ١ / ٤٤٥ ]
فثنيت له وسادة بين السماطين، فقال له مسلمة: أنت الذي دخلت على هاروت وماروت؟ ! فأرسل عينيه فبكى، ثم شف دموعه، فقال: إني كنت غلاما يافعا في حجر أمي، وكنت لا أدعو بشيء من الدنيا إلا أتيت به، فلما أدركت وعقلت قلت: يا أمه من أين لكم هذا المال؟ ! قالت: يا بني كل حلالا ولا تسأل، فأبيت عليها فأبت عليَّ، فقلت: إن لم تخبريني فجعتك بنفسي، فلما رأت الجد قالت: فإن أباك كان ساحرا، وإنه جمع هذا المال من السحر، قلت: فمن أين تعلمه؟ فأبت علي وأبيت عليها، فقالت: ما تريد إلى هذا؟ فأخبرتني أنه كان يختلف إلى نصراني ببابل (^١)، فارتحلت إليه حتى قدمت عليه، فلما نظر إليَّ قال: ما أَقْدَمَكَ؟ ما أظن أباك إلا قد ترك لك من المال ما لا يحتاج (^٢) إلى أحد، فقلت: إني أحب أن تدخلني على هاروت وماروت أنظر إليهما، فواعدني لشهر كذا في يوم كذا، فقال: إذا دخلت عليهما فلا تذكرنَّ للَّه اسما، قال: فذهب بي فرداني في الأرض ثلاثمائة وستين مرقاة ما أنكر من ضوء النهار شيئا، ثم قال: لا تذكرن للَّه اسما، فذهب فرقاني ثلاثمائة وستين مرقاة ما أنكر من ضوء النهار شيئا، فنظرت إليهما فإذا هما معلقين من السماء، منكوسين مُكَبَّلِين في الحديد، أعينهما مثل التِّرَسَة (^٣)، ولهما أجنحة، فلما رأيتهما قلت: لا
_________________
(١) بلدة معروفة مشهورة بالعراق ينسب إليها السحر، معجم ما استعجم (١/ ٢١٨)، معجم البلدان (١/ ٣٠٩).
(٢) كذا، ولعلها: "ما لا تحتاج".
(٣) جمع تُرْس، وهو ما يستتر به في الحرب، انظر لتفاصيل صنعتها وذكر أنواعها تاج =
[ ١ / ٤٤٦ ]
إله إلا اللَّه فانتفضا في أجنحتهما، وجالا جوالان الثور (^١)، فعدت ثلاثا ثم سكت فسكنا، فقالا: ممن الرجل؟ قلت: من أمة محمد -ﷺ-، قالا: وقد بعث محمد -ﷺ-، قلت: نعم، فساءهما ذلك، قالا: فتلبسون الحرير والديباج (^٢) في المغازي؟ قلت: نعم، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فَسُرَّا بذلك، قلت: إنكما قد سألتماني، فأنا سائلكما، قالا: سل، قلت: أرأيت جزعكما من قول: لا إله إلا اللَّه، ما هو؟ ! قالا: كلمة لم نسمعها منذ فارقنا العرش، قلت: أرأيت مساءتكما من قولي: اجتماع الأمة على رجل ما هو؟ ! قالا: إن الساعة لا تقوم ما اجتمعت الأمة على رجل واحد، قلت: أرأيت سروركما بلبس الحرير والديباج ما هو؟ ! قالا: من علامات الساعة، قلت: فما تأمراني؟ قالا: إن استطعت ألا تنام ولا تنيم فافعل؛ فإن الأمر جد، قال عبد اللَّه: طمس ذلك المكان فلا يعرف اليوم" (^٣).
_________________
(١) = العروس (١/ ١٠٤٠).
(٢) بمعني دارا من الدوران كما تجول الريح بالحصى، تاج العروس (١/ ٦٩٥٣).
(٣) كلمة فارسية معربة؛ بمعنى الثياب المتخذ من الإبريسم، تاج العروس (١/ ١٣٩٣).
(٤) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق التقريب (٤١٥٥)، وجهالة المبهمين لا تضر فقد ذكرهما المصنف بعد هذا الأثر مباشرة عن شيخه عن الحسن بن عيسى به، وهو ثقة أيضًا، التقريب (١٢٨٥)، الإشراف في منازل الأشراف (٣١٢ - ٣١٤) رقم (٤٤٤)، وقد رويت مثل هذه القصة عن مجاهد ﵀ أخرجها أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٨) والذهبي تذكرة الحفاظ (١/ ٩٣)، وذكرها في السير (٤/ ٤٥٥) فقال: "ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر وبلغنا أنه ذهب إلى بابل. . . ".
[ ١ / ٤٤٧ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان إثبات السحر، وشيء من أنواعه، وقصة تعليم هاروت وماروت للسحرة، ومنافاته للتوحيد، وعقوبة صاحبه.
فأما إثباته: فإن قصة الساحرة التي طارت بالباب مع كبة الغزل، وقصة الرجل الذي رأى هاروت وماروت وكان أبوه تعلم السحر من النصراني البابلي، فيهما إثبات وجود السحر وأنه حقيقة يفعلها الساحر، وله طرق وأساليب، وأنه مما يتعلم ويؤخذ من أهله، وأن هذا أمر لم يكن منكرا في تلك الأوساط المتقدمة، بل معروف عندهم، مشهور أمره، وهذا من عقيدة أهل السنة فقد ذكروه في كتبهم المعروفة الجامعة كقول اللالكائي: "سياق ما روي في أن السحر له حقيقة" (^١)، ولم ينكر حقيقة السحر إلا طائفة من أهل الكلام كالمعتزلة قال ابن القيم: "وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا، وحلا وعقدا، وحُبا وبُغضا، وتزيينا وغير ذلك من الآثار، موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه" (^٢)، وذكره أبو الحسن في جملة عقائد أهل السنة والأثر أصحاب الحديث فقال: "ويصدقون بأن في الدنيا سحرة،
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٢٨٣).
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤٥٢).
[ ١ / ٤٤٨ ]
وأن الساحر كافر. . . وأن السحر كائن موجود في الدنيا" (^١).
وأما بعض أنواعه: فتضمن الأثران استعمال كبة الغزل، والطيران على الباب، والطفو على الماء، وهي بعض أنواع السحر وله أنواع كثيرة جدا، منها ما يكون حقيقة ومنها ما هو خيال فقط، ومنها ما هو حيل وتمويهات (^٢).
وأما تعليم هاروت وماروت للسحرة: فقد تضمن الأثر بعض تفاصيل ذلك، وقد ذكر ذلك ابن حجر في الفتح فقال: "قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضى بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه، ومحصلها: أن اللَّه ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختبارا لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مدة، ثم افتتنا بامرأة جميلة فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك، ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص اللَّه عنهما واللَّه أعلم" (^٣)، كما نص الإمام عبد اللَّه
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٩).
(٢) انظر كتاب الدكتورة حياة با أخضر موقف الإسلام من السحر (١/ ٢٤٣) فقد ذكرت أنواعه وحققت القول في بعضها أتدخل فيه أم لا؟، وقبلها رسالة الشرك ومظاهره للمبارك الميلي (١٥٦ - ١٥٩).
(٣) (١٠/ ٢٢٥).
[ ١ / ٤٤٩ ]
ابن المبارك -﵀- كما في نهاية القصة أن ذلك المكان طمس فلم يعد يعرف واللَّه أعلم.
وأما منافاته للتوحيد: ففى انتفاض هارون وماروت من قول: لا إله إلا اللَّه، وتعليلهم ذلك بأنهما لم يسمعاها منذ فارقا العرش، وهذا حق قال ابن القيم: "قَلَّمَا يتأتَّى المسحر بدون نوع عبادة للشيطان، وتقرب إليه: إما بذبح باسمه، أو بذبح يقصد به هو، فيكون ذبحا لغير اللَّه، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق، والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان، فهو عبادة له وإن سماه بما سماه به؛ فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه" (^١)، ومن هنا أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد مبوبا له بقوله: "باب ما جاء في السحر" قال شارحه عبد الرحمن بن حسن: "لما كان السحر من أنواع الشرك؛ إذ لا يتأتى السحر بدونه. . . أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليبين ذلك تحذيرا منه، كما ذكر غيره من أنواع الشرك" (^٢).
وأما عقوبة صاحبه: فهي القتل كما هو صريح في الأثرين، وهو مذهب الجمهور إلا الشافعي الذي علق القتل بالسحر الذي يكون كفرا لا مطلق السحر، ومذهب الجمهور أولى وأرجح لفعل الصحابة له من غير نكير فكان كالإجماع واللَّه أعلم (^٣).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٤٦١).
(٢) تيسير العزيز الحميد (٣٨٢)، وانظر رسالة الشرك ومظاهره (١٦٢).
(٣) انظر المغني (٩/ ٣٦)، تيسير العزيز الحميد (٣٩٠ - ٣٩١)، وفتح المجيد (٣٩٤ - ٣٩٥)، والمسألة توسعت فيها الأستاذة حياة با أخضر في موقف الإسلام من السحر (٢/ ٥١٤ - ٥٥٣).
[ ١ / ٤٥٠ ]
المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد ذرائع الشرك.
٣٦١ - حدثني محمد قال: حدثني عمر بن حفص قال: حدثني سكين ابن مكين هذا قال: "لما مات ورّاد العجلي، فحملوه إلى حفرته، نزلوا ليدلوه في حفرته، فإذا القبر مفروش بالريحان، فأخذ بعض القوم الذين نزلوا القبر من ذلك الريحان شيئا، فمكث سبعين يوما طريا لا يتغيّر، يغدو الناس ويروحون ينظرون، إليه، قال: وكثر الناس في ذلك، حتى خاف الأمر أن يفتن الناس، فأرسل إلى الرجل، فأخذ ذلك الريحان، وفرّق الناس، ففقده الأمير من منزله، لا يدري كيف ذهب" (^١).
٣٦٢ - كتب إلي أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن صالح التيمي عن إسحاق بن أبي نباتة من بني عمرو بن سعد بن زيد مناه بن تميم: "مكث ستين يؤذن لقومه في مسجد بني عمرو بن سعد وكان يعلم الغلمان الكتاب، ولا يأخذ الأجر، ومات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة، فلما حفر الخندق وكان بين المقابر ذهب بعض أصحابه يستخرجه ووقع قبره في الخندق، فاستخرجوه كما دفن لم يتغير منه شيء، إلا أن الكفن قد جفّ عليه ويبس، والحنوط محطوط عليه، وكان خضيبا فرأوا وجهه مكشوفا وقد فصل الحناء في أطراف لحيته، فمضى المسيب بن زهير إلى أبي جعفر وهو في قصر أم موسى بنت هشام بن عبد الملك على شاطئ
_________________
(١) فيه سكين لم أعرفه، الرقة والبكاء (١٩٣ - ١٩٤) رقم (٢٧١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦٢).
[ ١ / ٤٥١ ]
الفرات، فأخبره فركب أبو جعفر في الليل حتى رآه، فأمر به فدفن بالليل لأن لا يفتتن الناس" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان مشروعية سد الذرائع إلى الشرك، وقطع كل الوسائل الموصلة إليه، وحرص حكام المسلمين في ذلك العصر على ما يعكر عقائد الناس، أو يشوش على فطرتهم، فكلا الأميرين رحمهما اللَّه قطعا مادة الشرك التي قد يفتن بها الناس وأزالاها، ولهما في ذلك أسوة بالرسول الكريم -ﷺ- الذي حمي: "جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع للَّه سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعُبَّاد الشمس، الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس" (^٢)، وعلى ذلك سار الصحابة من بعده رضوان اللَّه عليهم قال شيخ الإسلام: "ثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا للصلاة
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما في الجرح والتعديل (٧/ ٢٤٥)، وإسحاق ابن أبي نباتة هو إسحاق بن شرقي وقد نبه الحافظ إلى الاختلاف في ضبط أبيه وكذلك في تسميته مما يصعب الوقوف على ترجمته، وهو ثقة كما في لسان الميزان (١/ ٣٦٤)، الأولياء (٢٩) رقم (٦٦).
(٢) الجواب الكافي (٩٣).
[ ١ / ٤٥٢ ]
فقال: ما هذا؟ ! فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد؛ من أدركته الصلاة فليصل، وإلا فليمض، وبلغه أن قوما يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي -ﷺ- أصحابه تحتها، فأمر بقطعها، وأرسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال، وعنده مصحف فيه أخبار ما سيكون، قد ذكر فيه أخبار المسلمين، وأنهم إذا أجدبوا كشفوا عن القبر فمطروا، فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ويدفنه بالليل، في واحد منها، لئلا يعرفه الناس، لئلا يفتنوا به" (^١)، وقال ابن القيم: "فإذا كان هذا فعل عمر -﵁- بالشجرة التي ذكرها اللَّه تعالى في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول اللَّه، فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان التي قد عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بها" (^٢)، "فهذا وأمثاله مما كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل اللَّه به الرسول إليهم ويتبعون في ذلك سنته -ﷺ-" (^٣)، ولذلك عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بابا في كتاب التوحيد بعنوان: "ما جاء في حماية النبي -ﷺ- جناب التوحيد وسد ذرائعه" قال شارحه عبد الرحمن بن حسن: "اعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئا من حمايته -ﷺ- لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته الخاصة، ولقد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٣).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٩).
(٣) منهاج السنة (١/ ٤٨٠).
[ ١ / ٤٥٣ ]
بالغ -ﷺ-، وحذَّر وأنذر، وأبدأ وأعاد، وخصّ وعم في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه اللَّه بها، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، كما قال بعض العلماء: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن الشرك، وأسمح الشرائع في العمل" (^١).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٣٤٧ - ٣٤٨)، وانظر تجريد التوحيد للمقريزي (٥٤).
[ ١ / ٤٥٤ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد.
وفيه ست مسائل:
المسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء.
المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه.
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت.
المسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم.
المسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة.
المسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر.
[ ١ / ٤٥٥ ]
المسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء.
أولا: الآثار الواردة في تعريفه.
٣٦٣ - حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، أنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: "من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء" (^١).
٣٦٤ - ذكر عبد الرحيم بن يحيى، نا عثمان بن عمارة قال: "خرجنا مرة عشرة من أصحاب عبد الواحد بن زيد من البصرة حتى ركبنا البحر فسرنا في خدافه (^٢) حتى انتهينا إلى سراب فدخلنا مسجدها فتذاكرنا الرياء فيما بيننا، فقلنا حدّث عبد الواحد عن الحسن: أن أصل الرياء حب المحمدة، فإذا شيخ يصلي طوال أبيض الرأس واللحية به جنا (^٣)، في جبهته سجادة قريب منه، فلما سمع قولنا: إن أصل الرياء حب المحمدة، صاح صيحة ظننا أن نفسه قد خرجت، ثم انحئ فأخذ من رمل المسجد فوضعه على رأسه ثم قال: يا ويلي ويا عولي إني لأعبد اللَّه في هذا المكان منذ أربعين سنة، ما أقوى على ذلك إلا بحب محمدة الناس إياي" (^٤).
_________________
(١) إسناده حسن، فيه إبراهيم بن الأشعث وقد سبق (٢٣٣)، العزلة والانفراد (٦٦) رقم (٢٩)، والذي بعده كأنه شرح له فانظره، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٩)، وذكره الذهبي في السير (٨/ ٤٣٦).
(٢) الخدف يطلق على سكان السفينة، المعجم الوسيط (١/ ٢٢١).
(٣) انحناء في الظهر واحديداب، تاج العروس (١/ ٩٣).
(٤) إسناده ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف أو شيخه وسيأتي (٤٧٢) بيان ذلك، الأولياء =
[ ١ / ٤٥٦ ]
ثانيا: الآثار الواردة في خطورته.
٣٦٥ - حدثني الحسن بن الصباح، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا عمرو بن عتبة قال: قال معاوية -﵁-: "آفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء. . . " (^١).
٣٦٦ - حدثني يعقوب بن إسماعيل قال: حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير (^٢) قال: "يصعد الملك بعمل العبد مبتهجا، فإذا انتهى إلى ربه قال: اجعلوه في سِجِّين؛ فإني لم أُرد بهذا" (^٣).
_________________
(١) = (٢٥) رقم (٥١).
(٢) إسناده لين، شيخ المصنف صدوق يهم، وكان عابدا فاضلا التقريب (١٢٦١)، وسلام بن سليمان صدوق يهم أيضًا، التقريب (٢٧٢٠)، إصلاح المال (٢١٨ - ٢١٩) رقم (١٥٧)، وابن المبارك في الزهد - زيادات نعيم - (٢٨٦) رقم (٨٢٩) من قول ابن أنعم، وفي وفيات الأعيان (١/ ٢٥٤) ذكر قصة طويلة بين الحجاج وابن القرية، لكن بلفظ: "آفة العبادة الفترة"، وبمعناه عن الفضيل بن عياض في تاريخ دمشق (٢٨/ ٤٤٣) بلفظ: "آفة القراء العجب".
(٣) هو يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، مات سنة (١٣٢ هـ) وقيل قبل ذلك، التقريب (٧٦٣٢).
(٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد =
[ ١ / ٤٥٧ ]
ثالثا: الآثار الواردة في خوف السلف وتحذيرهم منه.
٣٦٧ - حدثنا يعقوب بن إسماعيل قال: أخبرنا حبان قال: أخبرنا عبد اللَّه (^١) قال: أخبرنا المعتمر، عن كهمس بن الحسن: "أن رجلا تنفّس عند عمر بن الخطاب، كأنه يتجاذب، فلكزه لكزة (^٢) - أو قال: لكمه (^٣).
٣٦٨ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت أبا عصام الرملي، عن رجل، عن الحسن: "أنه حدّث يوما، أو وعظ فتنفّس في مجلسه رجل، فقال الحسن: إن كان للَّه فقد شهّرت نفسك، وإن كان لغير اللَّه فقد هلكت" (^٤).
_________________
(١) = (١٤/ ٢٧٥)، وانظر تعجيل المنفعة (٤٥٦)، الإخلاص والنية (٤٥) رقم (١٧)، وابن المبارك في الزهد برقم (٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٧٠).
(٢) هو ابن المبارك؛ لأنه روى عن المعتمر ويروى عنه حبان بن موسى.
(٣) اللكز الضرب بجُمْع اليد على الصدر، أو على جميع البدن، تاج العروس (١/ ٣٨٠٢)، مختار الصحاح (٦١٢).
(٤) إسناده حسن إلى كهمس، وهو معضل فإن كهمس من الخامسة التقريب (٥٧٠٦)، الرقة والبكاء (١٣٢) رقم (١٥٤)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢٦٨) عن الحسن عن عمر بن عبد العزيز، وأشار إلى رواية المصنف عن عمر ابن الخطاب -﵁-.
(٥) إسناده ضعيف، لجهالة الرجل المبهم، والأثر حسن من طريقه الأخرى، الإخلاص والنية (٦٤) رقم (٤٤)، والرقة البكاء رقم (١٥٦، ١٥٧) من طريقين، ولفظ الأخرى: "ليسألنك اللَّه يوم القيامة ما أردت بهذا" من طريق محمد بن عثمان عن أبي أسامة عن الربيع بن صبيح به، ومن طريقه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٣١٣).
[ ١ / ٤٥٨ ]
٣٦٩ - حدثني محمد بن عثمان العجلي، حدثنا أبو أسامة، عن الربيع قال: "وعظ الحسن يوما، فانتحب رجل، فقال الحسن: ليسألنّك اللَّه يوم القيامة ما أردت بهذا" (^١).
٣٧٠ - حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عبد ربه بن عبد اللَّه الفلسطيني، عن مولى لابن محيريز قال: "دخلت مع ابن محيريز (^٢) حانوت بزّاز (^٣) ليشتري منه متاعا فرفع السَّوم ولم يعرفه، فأشرت إليه أنه ابن محيريز فقال: اخرج؛ إنما نشتري بأموالنا لا بأدياننا" (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح، الإخلاص والنية (٥٥) رقم (٢٩)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٩) رقم (٨٦٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٥)، وكذا أحمد في الزهد (٢٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٥) رقم (٦٩٧٢).
(٢) هو عبد اللَّه بن مُحَيْرِز بن وهب الجُمحي المكي، كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد، كان يشبه بعبد اللَّه بن عمر في العبادة والفضل، مات سنة (٩٩) وقيل قبلها، مشاهير علماء الأمصار (١١٧)، التقريب (٣٦٠٤).
(٣) أي بائع البز وهو الثياب أو نوع منه، كالمخصص للبيت، أو أمتعة البزار خاصة، انظر تاج العروس (١/ ٣٦٧٢).
(٤) إسناده ضعيف لجهالة عبد ربه، انظر تقريب التهذيب رقم (٨١٩١) فإن كان هو وإلا فلم أجد له ترجمة، ولعله الذي يروى عن مكحول الشامي حديث: "جنبوا صبيانكم مساجدكم" وهو حديث ضعيف وصنيع ابن حجر يوحي بتضعيفه في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٢٨٨) حيث قال: "فاختلف فيه على مكحول وأسانيده كلها ضعيفة"، والأثر حسن من طريقه الأخرى عند الفسوي وغيره، الإخلاص والنية (٤٣) رقم (١٥)، والفسوي في المعرافة والتاريخ (٢/ ٢١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان =
[ ١ / ٤٥٩ ]
٣٧١ - حدثني أبو هاشم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا المضّاء ابن عيسى الدمشقي قال: "مرّ سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد أضافوه وأكرموه، فقال: نعم الشيء هذا يا إبراهيم إن لم يكن تكرمة دين" (^١).
رابعا: الآثار الواردة في الفرق بينه وبين حب الذكر الحسن.
٣٧٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا يحيى بن معين، حدثني الهيثم بن عبيد الصيد، عن أبيه قال: قلت لزيد بن أسلم (^٢): "الرجل يعمل بشيء من الخير فيسمع الذاكر له فيسرّه، هل يحبط ذلك شيئا من عمله؟ قال: ومن ذا الذي يحب أن يكون له لسان سوء؟ حتى إن إبراهيم خليل الرحمن -ﷺ- قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (^٣) " (^٤).
_________________
(١) = (٤/ ٣٣٢) رقم (٥٣٠٣)، وابن الجوزي في المنتظم (٦/ ٢٩٠)، وذكره في صفة الصفوة (٤/ ٢٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٩).
(٢) إسناده صحيح، شيخ المصنف هو إسحاق بن عيسى بن بنت داود وثقه الخطيب البغدادي في تاريخه (٦/ ٣١٨) واللَّه أعلم، الإخلاص والنية (٤٤) رقم (١٦)، الحلية (٨/ ٢٧٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٧٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٧٣).
(٣) هو زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد اللَّه وأبو أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، مات سنة (٣٦ هـ)، التقريب (٢١١٧).
(٤) سورة الشعراء، الآية (٨٤).
(٥) إسناده لين، ويتقوى بشواهده الكثيرة، والهيثم بن عبيد ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٣٦)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ =
[ ١ / ٤٦٠ ]
خامسا: الآثار الواردة في الرياء وقبول الأعمال.
٣٧٣ - حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا حسين الجعفي عن الضحاك بن الطيب الجعفي (^١)، عن أبي سهل الخراساني (^٢) قال: "كان شاب يقرأ عند الحسن وكان يعجبه صوته فقال: يا أبا سعيد إني قد رزقت هذا الصوت، وإني أقوم الليل فيجيئني الشيطان فيقول: إنما تريد أن تسمع، فقال الحسن: نيّتك حين تقوم من فراشك" (^٣).
٣٧٤ - حدثنا عبد المتعال بن طالب، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني حرملة بن عمران، عن حميد بن أفلح الخولاني (^٤)، عن عبد الرحمن
_________________
(١) = الكبير (٨/ ٢١٧)، والجرح والتعديل (٩/ ٨٥)، مكارم الأخلاق (٤) رقم (١٥)، وانظر الآثار بعده في قول اللَّه في نبيه إبراهيم ﵇ (١٦ - ١٨).
(٢) لم أجد له ترجمة، وهناك غيره ورد في كتب ابن أبي الدنيا باسم الضحاك ولم يوقف له على ترجمة.
(٣) هناك اثنان من الرواة يكنيان بأبي سهل وهما خراسانيان، أوردهما الذهبي في المقتنى في سرد الكنى (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧) برقم (٢٩٤٤، ٢٩٢٩)، وكلاهما واهٍ كما قال ﵀.
(٤) الأثر ضعيف جدا، لوهاء أبي سهل الخراساني، التهجد (٣٣٦) رقم (٢٧٦)، ولم أجده عند غيره.
(٥) لم أجد له ترجمة، ولعله حميد بن هانئ الخولاني أبو هانئ المصري، لا بأس به، انظر: التهذيب (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠)، توفي سنة (١٤٢ هـ)، وروايته عن شريح لعلها من باب رواية المتقدم عن المتأخر؛ لأنه توفي سنة (١٦٧ هـ)، لاسيما وهو بلديه فهما مصريان، وعلى ذلك يكون الإسناد بعد شيخ المصنف كله مصريون واللَّه أعلم.
[ ١ / ٤٦١ ]
ابن شريح (^١) قال: "من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا اللَّه ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك، أعطاه اللَّه بالأصل ووضع عنه الفرع، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه أعطاه اللَّه الفرع ووضع عنه الأصل" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة أمورا مهمة تتعلق بالرياء، من تعريفه، وخطورته، وخوف السلف وتحذيرهم منه، والفرق بينه وبين حب الذكر الحسن، وعلاقة الرياء بقبول الأعمال.
فأما تعريفه: فعرفه الحسن بأن أصله حب المحمدة، وإظهار العمل الصالح للناس ليحمدوه عليه، كما في أثر الحسن وقصة الشيخ العابد الذي لا يقوى على العبادة إلا بسبب حب المحمدة، ولذلك كان علامة ذلك أن المرائي يستوحش من الوحدة فضلا عن العبادة فيها، قال ابن حجر: "الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدوا صاحبها" (^٣).
_________________
(١) ابن عبيد اللَّه المعافري، أبو شريح الإسكندراني، ثقة فاضل لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من السابعة، مات سنة (١٦٧ هـ)، انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٤١٥) رقم (٣٨٣٣) والتقريب (٣٩١٧).
(٢) إسناده حسن إن كان حميد هو الخولاني المصري. التهجد (ص ٣٤١) رقم (٢٧٧).
(٣) فتح الباري (١١/ ٣٣٦)، وانظر تهذيب الآثار (٢/ ٨١١)، وتيسير العزيز الحميد (٥٢٤).
[ ١ / ٤٦٢ ]
وأما خطورته: فقد تضمنت الآثار بيان خطورته، فهو آفة العبادة كما قال معاوية -﵁-، ثم بيّن يحيى بن أبي كثير أن العمل الذي لا يراد به اللَّه يوضع في سجين، وخلاصة خطورته أنه من باب الشرك وهو مناف للتوحيد بحسبه، وقد سبق الكلام على أهمية الإخلاص في مبحث الإخلاص والعمل الصالح، وأنه شرط لقبول العمل.
وأما خوف السلف وتحذيرهم منه: فإنك تقف على العجب في هذه الآثار حيث نهوا عن التنفس المبالغ فيه عند الموعظة، فلكز عمر بن الخطاب -﵁- فاعله، ونهى الحسن جليسه عنه وبيَّن له أنه دائر بين الهلاك في الرياء، أو الشهرة إن كان لخلصا، وأنه مسؤول عن فعله ماذا أراد به، ومن حذرهم من الرياء خوفهم من إكرام الناس لهم بسبب منزلتهم الدينية، فلا يرضون بتنزيل السعر عن المثل، ولا بالإكرام والإضافة التي يكون دافعها ما عرف عنهم من الصلاح والديانة، ومن أجمل ما نقل في هذا الصدد ابن رجب قوله: "فما أحسن قول سهل بن عبد اللَّه: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر" (^١).
وأما الفرق بينه وبينه حب الذكر الحسن: فقد بيّن أثر زيد بن أسلم أنه لا تنافي بينهما، وذكر دعاء إبراهيم ﵇ بأن يجعل اللَّه له
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧).
[ ١ / ٤٦٣ ]
لسان صدق في العالمين، ويؤيده من شريعتنا قول النبي -ﷺ-: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (^١) وقد بوب له النووي ﵀ في رياض الصالحين بقوله: "باب ما يتوهم أنه رياء وليس كذلك" (^٢)، قال ابن رجب: "إذا عمل العمل للَّه خالصا ثم ألقى اللَّه له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضره ذلك" (^٣).
أما علاقة الرياء بقبول العمل: فقد سبق أن شرط قبول العمل الإخلاص فيه، وأن من أشرك مع اللَّه أحدا تركه اللَّه وشركه، والمقصود هنا بيان بعض تفاصيل هذه المسألة، حيث تضمن أثرا الحسن وابن شريح، أن من قام بعمل ولم يقصد به غير اللَّه، ثم طرأ عليه الرياء لم يضره ذلك، بل يجازيه اللَّه على أصل نيته ويعفو له عما طرأ، وزاد أثر ابن شريح أنه من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة، ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه، أعطاه اللَّه الفرع، ووضع عنه الأصل، وهذان الأثران يفيدان أن المسألة فيها تفصيل، وقد جمع ابن رجب هذا التفصيل وحالاته فقال: "اعلم أن العمل لغير اللَّه أقسام:
فتارة يكون رياء محضا: بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم. . . وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٤) رقم (٢٦٤٢).
(٢) رياض الصالحين (٤٨١).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧).
[ ١ / ٤٦٤ ]
والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من اللَّه، والعقوبة.
وتارة يكون العمل للَّه ويشاركه الرياء؛ فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه. . . ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين؛ فإن خالط نيته الجهاد مثلًا نية يخل الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية. . .
وأما إن كان أصل العمل للَّه ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره؛ فإن كان خاطرا ودفعة فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى. . . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم! فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. . . " (^١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٦ - ١٧)، وانظر فتح الباري (٦/ ٢٨ - ٢٩)، وأبجد العلوم فقد ذكر في علم آفات إلرياء أربعة أقسام وحكمها (٢/ ٨٥).
[ ١ / ٤٦٥ ]
المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه.
٣٧٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن كعب -﵁- قال: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف باللَّه صادقا أو كاذبا، ولا تحلف بغيره" (^١).
٣٧٦ - حدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سُحيم قال: "أقبلت مع زياد بن حُدَير (^٢) من الكُناسة، فقلت في كلامي: لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يُكرَه ما قلت؟ قال: نعم، كان عمر -﵁-، ينهانا عن الحلف بالأمانة، أشدَّ النهي" (^٣).
_________________
(١) رجاله ثقات إلا المحاربي وقد مر (١٧٩)، فإنه لا بأس به لكنه مدلس وقد عنعن. كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٦ - ١٩٧) رقم (٣٥٦)، وأورده الغزالي في الإحياء (٣/ ١٤٠)، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٨) إلى المصنف.
(٢) في مصادر ترجمة خناس أنه يروي عن ابن حدير بالحاء وليس بالجيم، وقد نبه عليه المحققان الحويني ومحمد عاشور، وهو زياد بن حُدَير الأسدي، له ذكر في الصحيح، ثقة عابد، التقريب (٢٠٦٤).
(٣) فيه شريك وهو سيء الحفظ، إلا أن روايته هنا عن أبي إسحاق وقد ذكر أنه أثبت فيها من زهير وإسرائيل وزكريا، انظر المختلطين (٥٧)، وخناس ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٢/ ٣٩٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذلك البخاري في التاريخ (٣/ ٢١٨) رقم (٧٤٢)، وابن ماكولا في الإكمال (٢/ ٣٤٧).=
[ ١ / ٤٦٦ ]
٣٧٧ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن القاسم بن مخيمرة (^١) ﵀ قال: "لأن أحلف بالصليب، أحب إليّ من أن أحلف بحياة رجل" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة النهي عن الحلف بغير اللَّه، وتسمية ذلك شركا، كما في أثر كعب -﵁- وقد ذكر ابن حجر وجه هذا النهي فقال: "السر في النهي عن الحلف بغير اللَّه أن الحلف بالشيء يقتضي
_________________
(١) = كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٨٢) رقم (٦٣١)، وابن المبارك في الزهد (٧١) رقم (٢١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٦)، كلهم من طريق ابن المبارك به، وقد ورد مرفوعا عند أبي داود (٣/ ٥٧١) رقم (٣٢٥٣) وغيره: "من حلف بالأمانة فليس منا"، وأخرج عبد الرزاق نحوه من حديث أبي تميمة الهجيمي عن النبي -ﷺ- (٨/ ٤٦٩) رقم (١٥٩٣٠)، وأورده الألباني في الصحيحة برقم (٩٤).
(٢) هو قاسم بن مخيمرة أبو عروة الهمداني الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل، مات سنة (١٠٠ هـ)، التقريب (٥٤٩٥).
(٣) إسناده صحيح. كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٦) رقم (٣٥٥)، لعله ذكره لأن الصليب واضح كفر من حلف به، بخلاف حياة الرجل، مما قد يتساهل فيه كتير من الناس، كما أشار إليه كعب ﵁ في الأثر الذي بعده، فقرب لهم صورة المسألة، وبيّن خطورتها بضرب هذا المثال واللَّه أعلم.
[ ١ / ٤٦٧ ]
تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي للَّه وحده" (^١)، بل إن الحلف باللَّه كاذبا أهون من الحلف بغير اللَّه ولو كان صادقا؛ وقد علل شيخ الإسلام ذلك بقوله: "لأن الحلف بغير اللَّه شرك، والحلف باللَّه توحيد، وتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق" (^٢)، ومن خطورة هذا الشرك أن القاسم بن مخيمرة قرنه بالحلف بالصليب، وجعله أهون من الحلف بحياة الرجل، وذلك لأن الحلف بالصليب لا يشكل على أحد، فلذلك قرنه به حتى تعلم خطورته ولا يتساهل الناس به، هذا وجهه واللَّه أعلم، ومن جملة الحلف بغير اللَّه: الحلف بالأب، وبالكعبة، وبالأمانة، قال شيخ الإسلام: "فصل وأما الحلف بغير اللَّه من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم، فإنه منهي عنه، وغير منعقد باتفاق الأئمة، ولم ينازعوا إلا في الحلف برسول اللَّه خاصة، والجمهور على أنه لا تنعقد اليمين لا به ولا بغيره. . . فمن حلف بشيخه، أو بتربته، أو بحياته، أو بحقه على اللَّه، أو بالملوك، أو بنعمة السلطان، أو بالسيف، أو بالكعبة، أو أبيه، أو تربة أبيه، أو نحو ذلك كان منهيا عن ذلك ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين" (^٣).
_________________
(١) نقل هذا عن العلماء، فتح الباري (١١/ ٥٣١).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٨١)، وانظر الفتاوى الكبرى (٤/ ٦٢١).
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٥٠٦).
[ ١ / ٤٦٨ ]
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت.
٣٧٨ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيمي، حدثنا مغيرة قال: "كان إبراهيم ﵀ يكره أن يقول الرجل: أعوذ باللَّه وبك، ويرخِّص أن يقول: أعوذ باللَّه ثم بك، ويكره أن يقول: لولا اللَّه وفلان، ويرخص أن يقول: لولا اللَّه ثم فلان" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر النخعي ﵀ كراهية عطف المخلوق على الخالق في الاستعاذة والاعتماد، كقول: أعوذ باللَّه وبك، وأن الصواب قول: أعوذ
_________________
(١) إسناده فيه إسماعيل بن إبراهيم وهو الأحول، أبو يحيى التيمي، ضعيف، قال ابن حبان فيه: "يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وكان ابن نمير شديد الحمل عليه"، وقال الذهبي: "ضعفه غير واحد، وما علمت أحدا صلّحه إلا ابن عدي"، وكلام ابن عدي فيه هو: "ولأبي يحيى هذا أحاديث حسان، وليس فيما يرويه حديث منكر المتن، ويكتب حديثه"، قلت: وهذا الأثر من جملة ما ليس منكر المتن، بل على العكس، لا سيما وله ما يشهد له في المرفوع كما سيأتي عن ابن حجر، انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٢١٣) رقم (٨٢٧)، تهذيب الكمال (١/ ٢٢) رقم (٤١٥)، التقريب (٤٢٥). الصمت (١٩٣ - ١٩٤) رقم (٣٤٤)، وأورده في فتح الباري (١١/ ٥٤١)، ونسبه لمصنف عبد الرزاق وهو فيه برقم (١٩٨١١) مختصرا، ثم قال: "وهو مطابق لحديث ابن عباس"، أي في النهى عن قول ما شاء اللَّه وشئت، وأورد الغزلي في الإحياء (٣/ ١٤٠)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥)، والنووي في الأذكار (٣٠٨).
[ ١ / ٤٦٩ ]
باللَّه ثم بك، وهذه المسألة والتي قبلها من الشرك الأصغر، وهو من شرك الألفاظ، قال ابن القيم: "أما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير اللَّه كما ثبت عن النبي أنه قال: "من حلف بغير اللَّه فقد أشرك"، وقول الرجل للرجل: ما شاء اللَّه وشئت، وهذا من اللَّه ومنا، وأنا باللَّه وبك، ومالي إلا اللَّه وأنت، وأنا متوكل على اللَّه وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده" (^١)، وقال الشيخ مبارك الميلي لما تكلم عن أقسام الحلف بغير اللَّه وأن منه المخرج من الملة ومنه غير المخرج، ومنه الأصغر والأكبر، وحالات كل منها، قال ﵀: "خلاصة هذه النقول أن الاختلاف في حكم الحلف بغير اللَّه إنما هو مع سلامة الحالف من تعظيم المخلوق تعظيما من نوع تعظيم الخالق. . . فأما إن حل بالقلب تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق فجرى اللسان لذلك بتلك اليمين وخشيت النفس في الحنث بها ما تخشاه في الحنث باللَّه، فهذه اليمين مظهر من مظاهر الشرك لا نزاع في ذلك ولا شك" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٤٤).
(٢) رسالة الشرك ومظاهره (٢٧٧).
[ ١ / ٤٧٠ ]
المسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم.
٣٧٩ - حدثنا أبو خيثمة، وإسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: "بسم اللَّه، أعوذ بكلمات اللَّه التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، قال: وكان عبد اللَّه بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ أن يقولها، كتبه فعلقه عليه" (^١).
٣٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبان بن تغلب، عن يونس بن خباب قال: "سألت أبا جعفر (^٢) عن التعويذ يعلق على الصبيان؟ قال: لا بأس به" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، العيال (٢/ ٨٦١) رقم (٦٥٦)، والترمذي في السنن (٥/ ٥٤١) رقم (٣٥٢٨) وقال: "حديث حسن غريب"، وأبو داود كذلك (٤/ ٢١٨) رقم (٣٨٩٣)، وأحمد في المسند (١١/ ٢٩٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٨) وقال: "صحيح الإسناد متصل في موضع الخلاف" من طرق عن محمد بن إسحاق به، وفي تحقيق المسند أنه قابل للتحسين، قلت: الذي يقبل التحسين هو الدعاء الوارد لكثرة طرقه التي أوردها له، أما قصة عمرو وهي محل الشاهد فإنها لم ترد إلا من طريق ابن إسحاق ولذلك قال الألباني: "لم يصح إسنادها إلى ابن عمرو" الكلم الطيب (٤٤).
(٢) يعني الباقر.
(٣) إسناده لين؛ يونس بن خباب صدوق يخطئ ورمي بالرفض التقريب (٧٩٦٠)، العيال (٢/ ٨٦٢) رقم (٦٥٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٤) رقم =
[ ١ / ٤٧١ ]
٣٨١ - حدثنا الحسين بن محمد السعدي، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يونس بن خباب قال: "استشرت أبا جعفر محمد بن علي في تعليق العاذة، قال: نعم؛ إذا كان من كتاب اللَّه ﷿، أو عن كلامٍ عن نبي اللَّه -ﷺ-، وأمرني أن أستشفى به ما استطعت، فكتب لي كتابا من الحمى الربع: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ (^١)، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب" (^٢).
٣٨٢ - حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، عن رجلين من أهل خراسان يقال لأحدهما: أبو عصمة، عن رجل من أهل المدينة، أنه سأل سعيد بن المسيب عن التعويذ؟ فقال: "لا بأس إذا كان في أديم، أو فضة" (^٣).
٣٨٣ - حدثني قاسم بن هاشم، حدثنا موسى بن داود، حدثنا هضيم، عن حجاج قال: "أخبرني من رأى سعيد بن جبير يكتب التعاويذ للناس" (^٤).
_________________
(١) = (٢٣٥٥١)، ورواه من طريق آخر فيه من لم أعرفه برقم (٢٣٥٤٦).
(٢) سورة الأنبياء، الآيتين (٦٩ - ٧٠).
(٣) إسناده كسابقه، العيال (٢/ ٨٦٣) رقم (٦٥٨)، ولم أجده عند غيره.
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه جهالة المبهمِين، العيال (٢/ ٨٦٤) رقم (٥٦٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٣) رقم (٢٣٥٤٣) بدون إبهام لكن فيه أبو عصمة وهو الخراساني نوح بن أبي مريم، مشهور بكنيته، ويعرف بالجامع، لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: (كان يضع) التقريب (٧٢٥٩).
(٥) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، والأثر حسن من طريق البيهقي الآتية، العيال =
[ ١ / ٤٧٢ ]
٣٨٤ - وبه عن حجاج قال: "سألت عطاء عن ذلك؟ فقال: إنما جاءنا كراهيته من قبلكم يا أهل العراق" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة جواز تعليق نوع من التمائم والتعاويذ، وهي التي تكون بما في كتاب اللَّه أو سنة نبيه -ﷺ-، حيث ورد تقييدها بذلك إما بحكاية الواقع الذي كانوا يفعلونه كما في أثر ابن عمرو أنه كتب ما علمه رسول اللَّه -ﷺ- لمن لم يعقل من أولاده أن يحفظه، أو باشتراط من أجاز التعليق أن لا يكون بغير ما ذكر كما في كلام أبي جعفر، وبعضها اشترط عدم امتهانها بأن توضع في جلد أو فضة ونحو ذلك، كما في كلام سعيد ابن جبير، كما تضمنت هذه الآثار الإشارة إلى وجود خلاف في المسألة من القرون الأولى، حيث ذكر عطاء أن الكراهة جاءت من قبل أهل العراق.
والمسألة بصرف النظر عما صح ولم يصح من الآثار فيها، هي مسألة خلافية بين السلف، ذكرها غير واحد من العلماء، وسأذكر أقوال العلماء في التمائم عموما، لكي تتضح هذه المسألة أكثر، ولا يلتبس نوع بنوع آخر، فيحمل ما فيه خلاف على الجواز على ما فيه اتفاق على المنع.
_________________
(١) = (٢/ ٨٦٨) رقم (٦٦٣)، والبيهقي الكبرى (٩/ ٣٥١) بسنده عن فضيل به وهو ابن عمرو الفقيمي ثقة التقريب (٥٤٦٥).
(٢) هو تتمة للأثر السابق، العيال (٢/ ٨٦٩) رقم (٦٦٤).
[ ١ / ٤٧٣ ]
القسم الأول: ما كان بغير العربية وبكلام لا يعرف، وهذا القسم داخل في عموم النهي الوارد في التمائم، كحديث عقبة بن عامر مرفوعا: "من تعلق تميمة فلا أتم اللَّه له" (^١)، وفي بعض رواياته: "من تعلق تميمة فقد أشرك" (^٢)، وعن ابن مسعود -﵁- قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (^٣).
القسم الثاني: ما كان بالقرآن الكريم، وسنة رسول اللَّه -ﷺ-، والكلام المشروع.
وهو مذهب مالك -﵀- في إحدى الروايتين، اختارها الباجي وابن رشد ونقل عن مالك أنه سئل: "أتعلق شيء من هذه الكتب أو يعلقها؟ قال: كذلك أيضًا إن ما لا بأس به فلا بأس بذلك" (^٤)، وقال: "و[هو أولى بالصواب من جهة النظر" (^٥)، وقال الباجي: "الصحيح من قول العلماء جواز ذلك في الوجهين [قبل نزول البلاء وبعده وهو قول مالك والفقهاء" (^٦).
_________________
(١) أورده الألباني في الصحيحة (١/ ٨٨٨) وهو أحد طرق الحديث الذي بعده.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٨/ ٦٣٧)، وأورده الألباني في الصحيحة (١/ ٨٨٩) (ح ٤٩٢).
(٣) أورده الألباني في الصحيحة (١/ ٦٤٨) (ح ٣٣١)، وصححه بشواهده.
(٤) البيان والتحصيل (١/ ٤٢٦).
(٥) البيان والتحصيل (١/ ٤٤١ - ٤٤٢).
(٦) المنتقى (٢/ ٢٥٥).
[ ١ / ٤٧٤ ]
وذهب إليه من المتقدمين عطاء (^١) وسعيد بن المسيب (^٢) كما في الآثار السابقة، وأبو عبيدة بن الهروي (^٣)، والبيهقي (^٤)، وحملوا أحاديث النهي على ما كان بغير لغة العرب مما لا يدرى ما هو.
وللسلف في هذه المسألة قولان آخران هما:
الأول: قول من يرى جواز ذلك لكن يخصه بما كان بعد نزول البلاء، ولا يجيزه قبل ذلك، قال الشيخ سليمان آل الشيخ: "وهو قول عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الصادق وأحمد في رواية" (^٥).
وقد وجه ابن رشد -﵀- سبب تخصيص ما بعد نزول البلاء بالجواز فقال: "لا وجه له من طريق النظر للتفرقة فيما كان منها [التمائم بذكر اللَّه، بين الصحة والمرض إلا اتباع قول عائشة في ذلك إذ لا تقوله رأيا واللَّه أعلم" (^٦)، وهذا ما نص عليه الحاكم ﵀ فقال: "لعل متوهما يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد ذكر التمائم في أخبار كثيرة فإذا فسرت عائشة التميمة
_________________
(١) فضائل القرآن (٣٨٤ - ٣٨٥).
(٢) سنن البيهقي (٩/ ٣٥١).
(٣) فضائل القرآن (٣٨٢).
(٤) السنن (٩/ ٣٥١).
(٥) تيسير العزيز الحميد (١٦٧ - ١٦٨).
(٦) البيان والتحصيل (١/ ٤٢٦).
[ ١ / ٤٧٥ ]
فإنه حديث مسند" (^١).
وأثر عائشة المشار إليه هو قولها: "ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء" (^٢).
الثاني: تحريم تعليق التمائم مطلقا دون تفريق بين ما كان من القرآن أو غيره، أو ما كان قبل نزول البلاء أو بعده. وذلك للأمور التالية:
١ - عموم الأدلة الواردة في تحريم التمائم ولم يأت مخصص يخص ما كان بالقرآن من غيره، قال الشيخ سليمان آل الشيخ -﵀-: "يؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود، وروي عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد اللَّه بن عكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ باللَّه من ذلك قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من تعلق شيئا وكل إليه"، وروى وكيع عن ابن عباس قال: دخلت على عبد اللَّه بن عكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ قال: اتفل بالمعوذتين ولا تعلق"، وأما القياس على الرقية بذلك فهذا إلى الرقى
_________________
(١) المستدرك (٤/ ٢١٧).
(٢) روي من طرق عن بكير بن الأشج عن القاسم بن محمد عن عائشة، رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٥٠) والحاكم (٤/ ٢١٧) وابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٦٤) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وتعقبه الوادعي بقوله: "طلحة بن سعيد لم يخرج له مسلم فهو على شرط البخاري فحسب".
[ ١ / ٤٧٦ ]
المركبة من حق وباطل أقرب" (^١).
٢ - "سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
٣ - أنه إذا علق فلا بدّ أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك" (^٢).
ويجاب عن الأثرين الواردين عن عبد اللَّه بن عمرو وعائشة بأن الأول ضعيف لا يثبت سنده عنيه، أما أثر عائشة فإنه على سلامة سنده من مطعن فهو معارض بفهم غيرها من الصحابة الذين فهموا العموم من النصوص الواردة في التمائم وكذلك من بعدهم من كبار التابعين الذين أدركوا الصحابة، قال إبراهيم النخعي -﵀-: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" (^٣)، قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ: "مراده بذلك أصحاب عبد اللَّه بن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع خيثم وسويد ابن غفلة وغيرهم، وهم من سادات التابعين، وهذه صيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم" (^٤) واللَّه أعلم.
وقد ختم الشيخ مبارك الميلي كلامه على التمائم وأقسامها بقوله:
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (١٦٨).
(٢) فتح المجيد (١٧٠).
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٥٨). وقال الألباني عنه: (سنده صحيح)، الكلم الطيب (٤٥).
(٤) فتح المجيد (١٧٧). وانظر منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة (٤٠٨ - ٤١٥).
[ ١ / ٤٧٧ ]
"وقد علمت من الأحاديث السابقة استعظام من استعظم من الصحابة للتعليق، حتى قال: الموت أقرب من ذلك، هذا مع كمال توحيدهم ومعرفتهم بربهم، فلندع التمائم وما في معناها ولنُقَوِّ إيماننا بآية: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (^١) " (^٢).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (٥١).
(٢) رسالة الشرك ومظاهره (١٧٦).
[ ١ / ٤٧٨ ]
المسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة.
٣٨٥ - حدثني محمد بن عمار الأسدي، نا مالك بن إسماعيل، نا مسلمة بن جعفر، عن عمرو بن عامر البجلي، عن وهب بن منبّه قال: "ثلاث من مناقب الكفر: الغفلة عن اللَّه ﷿، وحب الدنيا، والطيرة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر وهب بن منبه أن الطيرة من مناقب الكفر، والظاهر أن مراده مناقب الكفر أي من طريقه فقد ورد تفسير المنقبة بأنها الطريق الضيق بين دارين (^٢)، فكأن ما ذكره كعب -﵁- من الطرق المؤدية إلى الكفر، وهي طريق بين الإيمان والكفر، من سلكها أو شك أن يقع في الكفر، ولا شك في كون الطيرة شركا وقد سبق قول النبي -ﷺ- "الطيرة شرك، الطيرة شرك" قال ابن القيم: "الطيرة نوع من الشرك" (^٣)، وقد بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن: "التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره، وامتنع بها عما عزم
_________________
(١) إسناده فيه شيخ المصنف لم أعرفه، ولعله محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق، ذم الدنيا (١٤٩ - ١٥٠) رقم (٤٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٧) بسياق أطول، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٣٨٩)، وذكره الذهبي في السير (١١/ ٥٤٥) من قول النخشبي.
(٢) لسان العرب (١٤/ ٢٥٠).
(٣) مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٨١).
[ ١ / ٤٧٩ ]
إليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه وبرئ من التوكل على اللَّه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير اللَّه، وذلك قاطع له عن مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فيصير قلبه متعلقا بغير اللَّه، وذلك شرك، فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفا لسهام الطيرة، ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة" (^١).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٤٣٩).
[ ١ / ٤٨٠ ]
المسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر.
٣٨٦ - حدثني المثنى بن معاذ قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (^١) قال: بناه بالآجر، قال إبراهيم: "كانوا يكرهون أن يبنوا بالآجر، ويجعلوه في قبر" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر إبراهيم النخعي ﵀ النهي عن البناء على القبر، والأثر ليس في البناء وإنما أن يوضع الآجر مكان اللبن، وهي مسألة مطروقة في كتب الفقه، وقد كرهها جماعة من العلماء ونصوا على استحباب اللبن والقصب، بدل الآجر، والفرق بينهما أن اللبن هو الطين يعجن ويجفف، فإذا أُحرق صار آجرّ (^٣)، وقد ذكروا تعليلات عدة لهذا النهى والكراهة، منها: أنها من بناء المترفين كما هو ظاهر كلام إبراهيم في هذا الأثر، ولأنه مسته النار تفاؤلا بأن لا تمسه النار (^٤)، ومحل الشاهد أن السلف عظموا أمر البناء على القبور وتشددوا فيه، إلى درجة نهيهم عن اتخاذ الآجر في اللحد، وهو وإن كان سيردم بالتراب، لكن سدا لأي
_________________
(١) سورة غافر، من الآية (٣٦).
(٢) إسناده لين، فيه المؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ، لكن الأثر صحيح من طريقيه الآخرين، قصر الأمل (١٨٦) رقم (٢٩٢)، تفسير الثوري (٢٦٣)، وأبو مسهر في نسخته رقم (٦٢).
(٣) انظر مقدمة فتح الباري هدي الساري (١/ ١٨٢).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٨٠)، الجامع الصغير للشيباني (١/ ١١٨)، والمبسوط (١/ ٤٢٢)، المغني لابن قدامة (٢/ ١٩٠).
[ ١ / ٤٨١ ]
ذريعة أو باب من أبواب الشرك أن يفتح، وهو داخل واللَّه أعلم في عموم البناء على القبور، فإذا كان السلف تورعوا عن غلق اللحد بالآجر لما ذُكِر، ولأنه نوع من البناء، فما بال البناء عليها وإيقاد السرج والعكوف عليها وزيارتها للتبرك بأصحابها ودعائهم. . .، وقد عقد ابن القيم ﵀ مقارنة لطيفة بين هدي الرسول -ﷺ- وصحابته وسلف هذه الأمة وحال عباد القبور في زمانه فقال: "من جمع بين سنة رسول اللَّه في القبور وما أمر به ونهي عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا، فنهى رسول اللَّه عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت اللَّه تعالى، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذ عيدا وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها. . . وهؤلاء. . . يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه. . . ونهى عن الكتابة عليها. . . وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها. . . وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص. . . والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذين لها أعيادا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب، مناقضون لما أمر به رسول اللَّه محادون لما جاء به" (^١).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٥ - ١٩٧).
[ ١ / ٤٨٢ ]
الفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات.
وفيه أربعة عشر مبحثا:
المبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول.
المبحث السادس: الآثار الواردة في اليد.
المبحث السابع: الآثار الواردة في الساق.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته.
المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر.
المبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء.
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع.
المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف.
المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط.
المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة.
[ ١ / ٤٨٣ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى.
٣٨٧ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن رجاء ابن أبي سلمة (^١) قال: "الحلم أرفع من العقل، لأن اللَّه تسمى به" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر رجاء بن أبي سلمة أن أسماء اللَّه تعالى حسنى وليست حسنة فقط، وذلك أن الحِلم بكسر الحاء في اللغة هو العقل والأناة، وهو ضد السفه (^٣)، فرغم أنهما يجتمعان في المعنى العام لكن اللَّه تسمى باسم الحليم ولم يتسم بالعاقل؛ لأن له الأسماء الحسنى، وهذه قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الأسماء والصفات، قال ابن القيم: "له من كل صفة كمال أحسن اسم، وأكمله، وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون
_________________
(١) هو رجاء بن أبي سلمة -مهران-، أبو المقدام الفلسطيني، أصله من البصرة، ثقة فاضل، مات سنة (١٦١ هـ) وله سبعون سنة، التقريب (١٩٢٤).
(٢) إسناده حسن، ضمرة بن ربيعة صدوق يهم قليلا، التقريب (٣٠٠٥)، الحلم (٢٩) رقم (١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٢) و(٦/ ٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٥٦) رقم (٨٤٩٨)، وذكره السيوطي في الدر ونسبه (٢/ ٣٥٦) ونسبه لابن أبي حاتم والبيهقي، ثم (٤/ ٤٥٥) ونسبه لأبي الشيخ من قول أبي ضمرة -﵁-.
(٣) لسان العرب (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
[ ١ / ٤٨٤ ]
الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون السخي، والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل، والغفور العفو دون الصفوح الساتر، وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها، وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون" (^١).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٧٨).
[ ١ / ٤٨٥ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات.
٣٨٨ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير، عن أحمد بن مُعَذل (^١) قال: "دخلت على أختي وهي مريضة، فقلت: يا خيَّة كيف تجدينك؟ قالت: أجدني ضعيفة ومولاي قويّ، وفي قوّته ما يقوِّي به ضعفي، وأجدني فقيرة ومولاي غنيّ، وفي غَنَائِه ما يسدّ به فقري" (^٢).
٣٨٩ - حدثنيا أبو المنهال المهبلي، حدثنا أبو غسان اليشكري، عن أبي عمر المديني قال: قال أبو الأسود الدؤلي (^٣) لابنه: "يا بنيّ إذا وسّع اللَّه ﷿ عليك فوسِّع، وإذا قتَّر عليك فاقتر، ولا تجاود اللَّه؛ فإنه أكرم وأقدر وأجود" (^٤).
_________________
(١) هو أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم، أبو العباس العبدي البصري، المالكي الفقيه المتكلم، كان من أصحاب عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة، وكان ورعا متبعا للسنة، مُفَوَّها له مصنفات، قال الذهبي: "كان ابن المعذل من بحور العلم، لكنه لم يطلب الحديث، ودخل في الكلام، ولهذا توقف في مسألة القرآن ﵀"، تاريخ الإسلام (١/ ١٧٦٨).
(٢) إسناده حسن، أحمد بن معذل هو شيخ المالكية البصري كما في الإكمال (٧/ ٢١١)، وانظر ترجمته في السير (١١/ ٥١٩)، المحتضرين (٢٣٩ - ٢٤٠) رقم (٣٦٣).
(٣) هو أبو الأسود الديلي، ويقال: الدُّؤَلي، البصري، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان أو عثمان ابن عمرو، قاضي البصرة، ثقة فاضل مخضرم، ابتكر النحو، مات سنة (٦٩ هـ)، الكاشف (٢/ ٤٠٨)، التقريب (٧٩٤٠).
(٤) فيه شيخ المصنف لم أعرفه، ولعله خالد بن خداش فهو مهبلي ويكنى أبا الهيثم فلعله تصحف إلى المنهال واللَّه أعلم، إصلاح المال (٢٣٧) رقم (١٩٩).
[ ١ / ٤٨٦ ]
٣٩٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد اللَّه بن قبيصة، عن ليث، عن مجاهد ﵀ أنه كان يكره أن يقول: "اللهم أدخلني في مستقر من رحمتك، فإن مستقر رحمته هو نفسه" (^١).
٣٩١ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا ابن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم ﵀ أنه كان يكره أن يقال: "على قراءة ابن مسعود، ولكن: كما كان ابن مسعود يقرأ" (^٢).
٣٩٢ - حدثني محمد بن إدريس، نا عبد الصمد بن محمد، عن أبيه قال: قال عبد اللَّه بن ثعلبة (^٣): "إلهي، مِن كرمك أنك (^٤) تطاع فلا
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه عبد اللَّه بن قبيصة وهو الفزاري، ذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٠) رقم (٨٦٣) وقال: "كثير الوهم لا يتابع على كثير من حديثه"، وقال ابن عدي: "له مناكير" كما في الميزان (٢/ ٤٧٢) (٤٥١٠)، وليث وهو ابن أبي سليم وقد سبق (٤٩). كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٤ - ١٩٥) رقم (٣٤٧)، وله شاهد في الأدب المفرد (٧٦٨) للبخاري عن أبي رجاء، وأورده المزي في تهذيب الكمال (٨/ ٢٨١)، وهو أوضح عبارة من هذا من طريق أبي الحارث الكرماني، قال: قال سمعت رجلا قال لأبي رجاء: أقرأ عليك السلام وأسأل اللَّه أن يجمع بيني وبينك في مستقر رحمته، قال: وهل يستطع أحد ذلك؟، قال: فما مستقر رحمته؟ قال: الجنة، قال: لم تصب، قال: فما مستقر رحمته؟ قال: رب العالمين"، ويراجع الأذكار للنووي، وأورده الغزالي في الإحياء (٣/ ١٤٠)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥) وعزاه للمصنف.
(٢) إسناده صحيح. كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٦) رقم (٣٥٣).
(٣) لعله: عبد اللَّه بن ثعلبة الحضرمي المصري، مقبول، التقريب (٣٢٤٣).
(٤) ذكر ياسين السواس محقق الكتاب أنه ورد في الأصل: "أنك كأنك تطاع"، وأنه =
[ ١ / ٤٨٧ ]
تعصى، ومن حلمك أنك تُعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكّان أرضك؟، فكنت واللَّه بالخير عليهم عوَّادا" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة فهم السلف لمعاني الصفات، وفقههم لها، حيث فهمت أخت ابن المعذل قوة الرب وغناه، وأن المتصف بهذه الصفات هو الذي يقويها ويغنيها، كما أن نصيحة أبي الأسود الدؤلي لابنه فيها أن صفات اللَّه هي صفات كمال لا نقص فيها بحال، ولذلك فإن إحسانه وبره لا ينقطع عن خلقه، بخلاف العبد فإن قدرته محدودة وغناه مقيد، وكراهية مجاهد لمن سأل اللَّه أن يدخله في مستقر رحمته، وفسّر ذلك بأن مستقر رحمته هو نفسه، وكذا كراهية إبراهيم النخعي نسبة القراءة لابن مسعود، واستحبابه نسبة فعل القراءة إليه، دليل واللَّه أعلم أنه فهم من صفة كلام اللَّه أنه هو المتكلم به ابتداء، وأن المتكلم به بعده إنما مؤدٍ لكلام رب العالمين، فيفرق واللَّه أعلم بين القراءة التي هي المقروء نفسه وهو كلام اللَّه، والفعل الذي يصدر من العبد، وفي مناجاة ابن ثعلبة للَّه فهم من صفة كرم اللَّه تعالى منتهى الكمال حيث يحسن لعباده رغم
_________________
(١) = أثبت ما في المطبوع.
(٢) إسناده حسن إلى صاحب الأثر، شيخ المصنف هو ابن أبي حاتم الإمام المشهور، وعبد الصمد بن محمد هو ابن مقاتل العباداني قال عنه تلميذه ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل (٦/ ٥٢): "صدوق"، وأبوه محمد قال عنه في التقريب (٦٣٦٠): "صدوق عابد"، الشكر (٨٦ - ٨٧) رقم (٤٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٤٦).
[ ١ / ٤٨٨ ]
إساءتهم، ومن صفة الحلم وكمالها كأنه لا يرى ما يعصيه به عباده.
والمقصود بهذا المبحث الإشارة إلى فهم السلف لنصوص الصفات وتدبرهم لمعانيها، وأن مذهبهم ليس التفويض المطلق، كما ينسبه لهم المتأخرون زورا وبهتانا، "ومن هنا قال من قال من النفاة: إن طريقة الخلف أعلم وأحكم، وطريقة السلف أسلم؛ لأنه ظن أن طريقة الخلف فيها معرفة النفي، الذي هو عنده الحق، وفيها طلب التأويل لمعاني نصوص الإثبات، فكان في هذه عندهم علم بمعقول، وتأويل لمنقول، ليس في الطريقة التي ظنها طريقة السلف. . . ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص، لتعارض الاحتمالات، وهذا عنده أسلم؛ لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معان فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة، فلو كان قد بُيِّن وتبَيَّن لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهم ما دلت عليه، وتدبره، وعقله، وإبطال طريقة النفاة، وبيان مخالفتها لصريح المعقول، وصحيح المنقول، علم أن طريقة السلف أعلم، وأحكم، وأسلم، وأهدى إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وفهم ذلك، ومعرفته. . . وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات، وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات، فقد قال غير الحق، إما عمدا وإما خطأ" (^١).
_________________
(١) درء التعارض (٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وانظر كتاب مذهب التفويض في نصوص الصفات للدكتور أحمد القاضي وبحث الأستاذ الدكتور عبد الرزاق البدر في مجلة الجامعة الإسلامية في أثر الإمام مالك المشهور عن الاستواء العدد (١١ - ١١٢).
[ ١ / ٤٨٩ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية
٣٩٣ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير، ثنا عمرو بن كنيز أبو حفص، حدثني يحيى بن حماد الهباري، عن رجل، عن الرجل الذي أُخذ، وكان الحجاج بن يوسف قد طلبه، فأتي به الحجاج عشية، فأمر به فقُيِّد بقيود كثيرة، وأمر الحرس فأدخل في ثلاثة أبيات، وأقفلت عليه، وقال: إذا كان غدوة فآتوني به، قال: "فبينا أنا مُكَبٌّ على وجهي إذ سمعت مناديا ينادي في الزاوية: يا فلان؟ قلت: من هذا؟ قال: ادع بهذا الدعاء، قلت: بأي شيء أدعو؟ قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، يا من لا يعلم قدرته إلا هو، فرِّج عني ما أنا فيه، قال: واللَّه ما فرغت منها حتى تساقطت القيود من رجلي، ونظرت إلى الأبواب مفتحة، فخرجت إلى صحن الدار، فإذا الباب الكبير مفتوح، وإذا الحرس نيام عن يميني وعن شمالي، فخرجت حتى كنت بأقصى واسط (^١)، فلبثت في مسجدها حتى أصبحت" (^٢).
_________________
(١) واسط: اسم يقع على عدة مواضع؛ فواسط مدينة الحجاج التي بين بغداد والبصرة، سميت بذلك لأن بينها وبين الكوفة فرسخا، وبينها وبين البصرة مثل ذلك، وبينها وبين المدائن مثل ذلك، ولعلها المقصودة هنا، معجم البلدان (٤/ ١٣٦٣).
(٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة المبهمين، الهواتف (٥١ - ٥٢) رقم (٦١)، والفرج بعد الشدة (٥٨) رقم (٥١)، وقد ورد في السير (٧/ ٣١٢)، وكذا في طبقات الشافعية =
[ ١ / ٤٩٠ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثر السابق قاعدة مهمة من قواعد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وهي قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك في دعاء السجين بقوله: "يا من لا يعلم كيف هو إلا هو"، وهو أثر مهم جدا، حيث تضمن إثبات كيفية للَّه ﷿، وأن هذه الكيفية لا يعلمها إلا هو من نفسه، وهذه العبارة وردت كما سبق في التخريج في رسالة عبد العزيز بن الماجشون في الرد على الجهمية، ولأهميتها ودقتها نوّه بها العلماء ونقلوها واستشهدوا بها على مذهب أهل السنة ومرادهم، قال شيخ الإسلام: "بيَّن -أي الإمام مالك في أثره المشهور في الاستواء- أن كيفية استواءه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد اللَّه الماجشون، وغير واحد من السلف والأئمة، ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته، وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف" (^١)، ولهذا قال الشيخ خليل هراس في تعليقه على
_________________
(١) = للسبكي (٩/ ٧٤)، عن عبد العزيز ابن الماجشون ﵀ في رسالة قيّمة كتبها في الرد على الجهمية قوله: ". . . فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو" رواه عنه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٦٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧) رقم (٨٧٣)، والذهبي في العلو (١٤١ - ١٤٢) وصححه، وكذا الألباني في مختصره (١٤٦) هامش (٢)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٢).
(٢) درء التعارض (٢/ ٣٥).
[ ١ / ٤٩١ ]
الواسطية: "وليس المراد من قوله: (من غير تكييف) أنهم ينفون الكيف مطلقا؛ فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه" (^١)، وشرح ابن القيم قول شيخ الإسلام الهروي في منازل السائرين (^٢): "الإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها"، بقوله: "العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف اللَّه إلا اللَّه، وهذا معنى قول السلف: بلا كيف، أي بلا كيف يعقله البشر؛ فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك" (^٣).
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (٢٣).
(٢) (١٢٦).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).
[ ١ / ٤٩٢ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية.
٣٩٤ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي قال: حدثني صفوان بن هبيرة قال: "قدم علينا عبد الملك بن أيوب النميري (^١) واليا من قبل أبي جعفر، فاستحفيناه، فخطبنا يوم الجمعة فقال: الحمد للَّه الذي علا في سمائه، وقهر في ملكه، وعدل في حكمه، وسمي الجبّار لجبروته، فله الأسماء والأمثال العلا، يعلم السرّ وأخفى، وهو بالمنظر الأعلى. . . " (^٢).
٣٩٥ - حدثني إسحاق بن بهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن الحارث البصري عن أبي عمرو أبو السرايا قال: "كنت أعبر في بلاد الروم وحدي، فبينما أنا ذات يوم نائم، إذ ورد عليّ عِلْجٌ (^٣) فحرّكني برجله فانتبهت، فقال: يا عربي اختر إن شئت مطاعنة، وإن شئت مسايفة، وإن شئت مصارعة، فقلت: أما المسايفة وأما المطاعنة، فلا بقيا لهما، ولكن المصارعة، فنزل فلم ينهنهني (^٤)
_________________
(١) هو عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، عينه الخليفة العباسي المهدي على البصرة، ثم عزله، تاريخ الطبري (٤/ ٥٥٠).
(٢) إسناده ضعيف، شيخ المصنف لم أجده إلا في الرواة عن صفوان بن هبيرة في ترجمته من تهذيب الكمال، وصفوان بن هبيرة لين الحديث التقريب (٢٩٥٩)، قصر الأمل (١١٥) رقم (١٦٢)، وهذا أثر عظيم فيه بيان أن العلو بالذات غير العلو بالقهر والقدر، وفيه بيان أن الاسم يشتق منه الصفة، وليس مجرد أعلام دون تضمنها لوصف.
(٣) العلج: من كفار العجم، والجمع علوج وأعلاج وعِلجة، مختار الصحاح (٤٦٧).
(٤) كأنه لم يمنعني شيء منه، لأن معنى النهنهة المنعة، انظر لسان العرب (١٣/ ٥٥٠).
[ ١ / ٤٩٣ ]
أن صرعني، وجلس على صدري فقال: أي قتلة أقتلك؟ فذكرت الدعاء (^١) فرفعت طرفي إلى السماء فقلت: أشهد أن كل معبود دون عرشك إلى قرار الأرضين باطل غير وجهك الكريم، قد ترى ما أنا فيه، ففرّج عني، فأغمي عليّ ثم أفقت فإذا الرومي قتيل إلى جنبي، قال إسحاق بن بنت داود: جربته وعلمته الناس فوجدوه نافعا، وهو الإخلاص بعينه" (^٢).
٣٩٦ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، عن مفضل، عن رجل، عن إبراهيم التيمي قال: "أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة، فلم يتكلم بكلام لا يصعد" (^٣).
٣٩٧ - حدثني حمزة قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن خيثمة، عن عبد اللَّه قال: "إن الرجل ليشرف على الأمر من التجارة أو الإمارة، حتى يرى أنه قد قَدَر عليه، ذكره
_________________
(١) قال المحقق السواس: "زيادة من الفرج بعد الشدة".
(٢) إسناده صحيح، وعمرو السرايا هو عمرو بن قيس بن مازن أبو ثور الحمصي ثقة التقريب (٥١٣٤)، وانظر تاريخ دمشق (٤٦/ ٣١٥) فقد نص أنه تولى السرايا واللَّه أعلم، الفرج بعد الشدة (٦٤) رقم (٦٠)، ومجابو الدعوة رقم (٦٠)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦٦).
(٣) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فيه إبهام الراوي عن إبراهيم، لكنه ورد عند ابن سعد والفسوي وأبي نعيم من طريق سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم، وله لفظ آخر هو: "كلمة تعاب"، بدل "كلمة تصعد". الصمت (٢١٧) رقم (٤١٣)، وانظر المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٦٣)، الزهد لابن المبارك رقم (٢٣)، الطبقات لابن سعد (٦/ ١٨٥)، الحلية لأبي نعيم (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، الثقات للعجلي (١/ ٣٥٤).
[ ١ / ٤٩٤ ]
اللَّه فوق سبع سموات، فيقول للمك: اذهب فاصرف عن عبدي هذا، فإني إن أيسّره له أدخله جهنّم، فيجيء الملك فيعوقه فيصرف عنه، فيظل يتطيّر بجيرانه إنه دهاني فلان، سبقني فلان، وما صرفه عنه إلا اللَّه" (^١).
٣٩٨ - حدثني سليمان بن أبي الشيخ، ثنا أبو سليمان الحميري، عن العوام بن حوشب فقال: "صحبنا إبراهيم التيمي إلى سجن الحجاج، فقلنا له: أوصنا؟ قال: أوصيكم أن تذكروني عند الرب الذي فوق الرب الذي سأل يوسف أن يذكره عند ربه" (^٢).
٣٩٩ - حدثنا وليد بن شجاع قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، أن نافعا حدّثه قال: "كانت لابن رواحة (^٣) امرأة وكان يتّقيها، وكانت له جارية فوقع عليها، فقالت له، وفرقت أن يكون قد فعل، فقال: سبحان اللَّه!، قالت: اقرأ عليّ القرآن فإنك جنب، فقال:
شهدت بإذن اللَّه أن محمدا رسول الذي فوق السماوات من علُ
_________________
(١) إسناده منطقع؛ فإن خيثمة لم يسمع من ابن مسعود -﵁- انظر المراسيل لابن أبي حاتم (٥٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦١) رقم (٥٧)، وابن المبارك في الزهد برقم (١٢٩)، ويروى هذا الأثر مرفوعا ولا يصح، انظر: الحلية لأبي نعيم (٣/ ٣٠٥) (٧/ ٢٠٨)، العلو للذهبي رقم (٨٩)، إثبات صفة العلو للمقدسي (١٠١)، وأطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٣٢٤).
(٢) إسناده حسن، الحميري صدوق التقريب (٢٤٣٠)، الفرج بعد الشدة (٨٣) رقم (٥٦).
(٣) هو عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس، الخزرجي الأنصاري، الشاعر، أحد السابقين، شهد بدرا، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها، استشهد بمؤتة في جمادى الأولى سنة (٨ هـ)، الإصابة (٤/ ٨٢)، التقريب (٣٣١٨).
[ ١ / ٤٩٥ ]
وأن أبا يحيى ويحيى كليهما له عمل في دينه متقبّل (^١)
٤٠٠ - حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني قال: حدثني عبد اللَّه بن وهب، عن عبد الرحمن بن سلمان، عن ابن الهاد: "أن امرأة ابن رواحة رأته على جارية له، فقالت له وهي تكلمه: وعلى فراشي أيضًا، فقام يجاحدها، فقالت له: فاقرأ القرآن؛ فإني أعلم أنك لا تقرأ القرآن وأنت جنب، فقال:
شهدت بأن وعد اللَّه حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسوّمينا (^٢)
_________________
(١) إسناده لين، فيه أسامة بن زيد الليثي صدوق يهم التقريب (٣١٩)، وفيه كلام أشد من هذا انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤)، الإشراف (٢١٤) رقم (٢٤٠)، والعيال (٧٧٣) رقم (٥٧٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٣) رقم (٢٦٠٢٤)، والذهبي في السير (١/ ٢٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٣)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو (١٤٦) رقم (٥٣).
(٢) إسناده حسن إلى ابن الهاد لكنه منقطع، عبد الرحمن بن سلمان هو الحجري المصري لا بأس به، التقريب (٣٩٠٧)، الإشراف (٢١٣ - ٢١٤) رقم (٢٣٩)، والعيال (٧٧٢) رقم (٥٧٢)، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ٩٠١) وقال: "وقصته مع زوجته في حين وقع على أمته مشهورة رويناها من وجوه صحاح"، وابن عساكر في تاريخه (٢٨/ ١١٢ - ١١٥)، والذهبي في السير (١/ ٢٣٨) من طريق آخر مرفوعا، وفي العلو (٤٩) رقم (٨٣)، وذكره في العرش (١/ ١٠٧) وقال: "روي من وجوه صحاح مرسلة"، والدارمي في الرد على الجهمية (٥٦) رقم (٨٢)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو (١٠٦) رقم (٢٣)، واليزيدي في أماليه (١٠٢)، والقيرواني في جمع الجواهر (٣٨)، والسبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٦٤)، وذكره الحازمي في كتاب الصفات (٥٠)، وأشار ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٢) إلى =
[ ١ / ٤٩٦ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات علو اللَّه على خلقه، واستوائه على عرشه، حيث تضمن أثر الوالي النميري بأن علو اللَّه في سمائه، غير قهره في ملكه، وهذا مهم في أن العلو الذي كان يقصده السلف وفهموه من النصوص هو علو الذات، لا علو القهر والغلبة فقط كما يذهب إليه الأشاعرة، وأثر أبي السرايا حيث رفع رأسه إلى السماء وشهد أن كل معبود دون العرش باطل، فله أن اللَّه فوق عرشه في سمائه وعليائه، ومكوث الربيع بن خيثم عشرين سنة لا يتكلم بكلام لا يصعد، ثم الآثار التي تضمنت ذكر فوقية اللَّه كأثر ابن مسعود، كل ذلك يبيّن عقيدة السلف المشهورة عنهم من إثبات علو اللَّه على خلقه، علو ذات يليق بجلاله وكماله ﷾، قال ابن القيم: "الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه، وفوقيته، واستوائه على عرشه، قد قيل: إنها تقارب الألف، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم" (^١)، بل إن ذلك أمر فطري مركوز في النفوس قال شيخ الإسلام: "علو اللَّه على العرش معلوم بالفطرة الضرورية، وقد تواطأت عليه الآثار النبوية، واتفق
_________________
(١) = القصة وقال: "ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة"، وصححه الألوسي في روح المعاني (٧/ ١١٤)، وضعفه الألباني في تحقيقه لشرح العقيدة الطحاوية (٢٨٢) رقم (٣٠٦) وتعقب قول ابن عبد البر بقوله: "فيه نظر".
(٢) الصواعق المرسلة (١/ ٣٦٨).
[ ١ / ٤٩٧ ]
عليه خير البرية" (^١)، ولكثرة نصوص علو اللَّه على خلقه اهتم العلماء بتنويعها وذكر كل دليل تحت نوعه، قال ابن أبي العز الحنفي: "النصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو اللَّه على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا" (^٢)، وقد أثبت السلف من صفة العلو والفوقية كل أنواعها ولم يقتصروا على نوع دون غيره، وقد نقل الإمام سعد بن علي الزنجاني في هذا الإجماع فقال: "أجمع المسلمون على أن اللَّه هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٣)، وأن للَّه علو الغلبة، والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن للَّه علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة" (^٤).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١١٠)، وانظر درء التعارض (٧/ ١٣٣).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٢٨٥)، وانظر شرح نونية ابن القيم توضيح المقاصد (١/ ٣٩٧) فما بعدها.
(٣) سورة الأعلى، الآية (١).
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية (١١٨)، وانظر مختصر الصواعق (٢٠٥).
[ ١ / ٤٩٨ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول.
٤٠١ - دثنا يوسف، دثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^١)، قال: جاء اللَّه ﷿ وأهل السماوات، كل سماء صفًّا" (^٢).
٤٠٢ - دثنا حمزة، أدنا عبيد اللَّه بن عثمان، دثنا ابن المبارك، نا عوف، عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي، دثنا شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: "إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدَّ الأديم، وحمع الخلائق بصعيد واحد، جنّهم وإنسهم بالضعف، فإذا كان ذلك، قيّضت هذه السماء الدنيا عن أهلها، فنضروا على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء الدنيا وحدهم أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا إليهم، ويقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا، ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماء الثانية، وأهل السماء الثانية أكثر وحدهم من أهل هذه السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض بالضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزع إليه أهل الأرض، فيقولون لهم: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون: سبحان ربنا ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماوات
_________________
(١) سورة الفجر، الآية (٢٢).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه جويبر ضعيف جدا التقريب (٩٩٤)، الأهوال (١٧٣) رقم (١٥٩)، وذكره السيوطي في الدر (٨/ ٥١١) لكن دون ذكر نزول الرب ﷿.
[ ١ / ٤٩٩ ]
سماء سماء، كلما قبضت سماء كانت أكثر من السماوات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بالضعف جنّهم وإنسهم، كلما نثروا على وجه الأرض، فزع إليهم أهل الأرض، ويقولون مثل ذلك ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقبض السماء السابعة، فلأهلها وحدهم أكثر من أهل ست سموات، وجميع أهل الأرض بالضعف، ويجيء اللَّه فيهم، والأمم جثيّ صفوف. . . " (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام التقريب (٢٨٤٦)، الأهوال (١٨٢ - ١٨٣) رقم (١٧٣)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ١٨٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ٩٥٩) نحوه وفيه عن شهر بن حوشب أنه حدثه قال إنه كان يقال ولم يضفه إلى ابن عباس -﵁-، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ١٠٠١) رقم (١١٢٢)، وقال في المطالب العالية (٥/ ١٠٩): "هذا موقوف إسناده حسن"، وابن المبارك في الزهد (١٠١) رقم (٣٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٢)، وحسنه أيضًا السيوطي في الدر (٥/ ٣٥٤) ونسبه إلى الحارث بن أبي أسامة وابن جرير، قلت: لعل تحسين الحافظين لشواهده والمتابعات أي فهو حسن لغيره، فقد أخرجه الحاكم أيضًا في المستدرك (٤/ ٥٦٩) وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٦ - ٣١٧)، من طريق علي بن زيد بن جدعان -وهو ضعيف، التقريب (٤٧٦٨) - عن يوسف بن مهران عن ابن عباس -﵁-، وقال الحاكم: "رواة هذا الحديث عن آخرهم محتج بهم، غير علي بن زيد بن جدعان القرشي وهو وإن كان موقوفا على ابن عباس فإنه عجيب بمرة"، وقال الذهبي: "إسناده قوي"، وقال ابن كثير في نهاية البداية (٢/ ٣٩ - ٤١): "مداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف سياقاته غالبا فيها نكارة شديدة"، قلت: ولم يظهر لي =
[ ١ / ٥٠٠ ]
٤٠٣ - دثني المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري، دثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي قال: دثنا أبو نضرة، عن ابن عباس قال: "ينادي منادي بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، قال: فسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل اللَّه ﷿ إلى السماء الدنيا، فينادي منادي: لمن الملك اليوم؟ للَّه الواحد القهّار" (^١).
٤٠٤ - دثني حمزة، أدنا عبدان بن عثمان، ادنا ابن المبارك، أدنا جويبر، عن الضحاك قال: "إذا كان يوم القيامة أمر اللَّه السماء الدنيا فتشقّقت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب ﷿، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يؤمر أهل السماء التي تليها فينزلون فيكونون صفا في جوف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل (^٢) الملك الأعلى في
_________________
(١) = فيها نكارة، فقد ورد ما يشهد لها، إضافة إلى عدم تفرد علي به واللَّه أعلم.
(٢) إسناده صحيح، الأهوال (٦٢) رقم (٢٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ١٧٧) رقم (٢٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٢٤)، ونعيم بن حماد مختصرا في الفتن (٢/ ٦٣٣) رقم (١٧٦٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٧) وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجها" ووفقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢٤٨) رقم (٣٦٦)، وابن كثير في تفسيره (٤/ ٧٥) من طريق ابن أبي حاتم، وانظر الدر المنثور (١/ ٢٧٩).
(٣) في طبعة المباركفوري (٢١٤): "فينزل" وهو المناسب هنا، وفي طبعة مجدي السيد: "فيقول".
[ ١ / ٥٠١ ]
بهائه وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها فيندّون فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفا من الملائكة قياما، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (^١)، والسلطان العذر، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (^٢)، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (^٣)، يعني بأرجائها ما تشقّق منها، فبينا هم كذلك إذ سمعوا الصوت فأقبلوا للحساب" (^٤).
٤٠٥ - قال عمار بن نصر، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا سعيد بن بشمير، دنا القاسم بن الوليد الهمداني، أن سعيد بن جبير حدثه، عن ابن عباس -﵁- قال: "يحشر الجن والإنس إلى صُقْع (^٥) من الأرض، فيأخذون
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية (٣٢).
(٢) سورة الفجر، الآية (٢٢).
(٣) سورة الحاقة، الآية (١٦ - ١٧).
(٤) إسناده ضعيف جدا، فيه جويبر وسيأتي (١٠٩١) لكن الأثر حسن من طريق أخرى ستأتي، الأهوال (١٧٣ - ١٧٤) رقم (١٦٠)، وابن المبارك في الزهد (١٠٣) رقم (٣٥٤)، والطبري في تفسيره (٢٤/ ٦١) و(٢٧/ ١٣٧) و(٢٩/ ٥٧) و(٣٠/ ١٧٦)، بإسناد حسن فيه الأجلح وهو صدوق، التقريب (٢٨٧)، وذكره مختصرا ابن رجب في التخويف من النار (٨٦).
(٥) الصُّقع من الأرض -بالضم- هو الناحية منها، مختار الصحاح (٣٧٥).
[ ١ / ٥٠٢ ]
مقامهم منها، ثم ينزل اللَّه سبطا (^١) من الملائكة، فيطيفون بالجن والإنس، أي يحدّقون بهم، ثم ينزل سبطا من الملائكة يطيفون بالملائكة، وبالجن والإنس، ثم ينزل سبطا ثالثا، ورابعا، وخامسا، وسادسا، وينزل اللَّه تعالى في السبط السابع مجنبتاه (^٢) جهنم، فإذا رأوه الخلائق، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ (^٣)، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ (^٤) " (^٥).
التحليل والتعليق
تضمن أثرا ابن عباس -﵁- والضحاك إثبات النزول والمجيء للَّه -﷿-، والآية التي فسرها الضحاك من أقوى الأدلة على إثبات هذه الصفة، قال الإمام القصاب ﵀: "هي حجة خانقة لهم، شديدة عليهم" (^٦)، وقد أوضح ابن القيم وجه ذلك في معرض بيان أوجه إثبات صفة النزول
_________________
(١) السبط يأتي بمعنى الأمة من الأمم، لسان العرب (٧/ ٣٠٨).
(٢) في الأصل: مجتنباه، وفي طبعة المباركفوري: "مجنبتاه" -كما أثبته- وهو الأليق.
(٣) سورة الصافات، الآيات (٢٤ - ٢٦).
(٤) سورة الرحمن، آية (٣٣).
(٥) إسناده ضعيف، فيه سعيد بن بشير وهو الشامى وسيأتي (١٠١٢)، الأهوال (١٧٩) رقم (١٧٠).
(٦) نكت البيان (٣/ ٥٠٤).
[ ١ / ٥٠٣ ]
فقال: "الإتيان والمجيء من اللَّه نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه كان مقيدا. . .
النوع الثاني: المجيء والاتيان المطلق كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^١)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٢) وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه.
هذا إذا كان مطلقا فكيف إذا قيّد بما يجعله صريحا في مجيئه نفسه كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٣)، فعطف مجيئه على مجيء الملائكة ثم عطف مجيء آياته على مجيئه" (^٤)، ولذلك فإن سياق الآثار الأخرى عن ابن عباس -﵁- لا يحتمل بأي وجه تأويل الصفة؛ فإن سؤال أهل الأرض لأهل كل سماء: أفيكم ربنا؟ وجوابهم بأنه ليس فينا، وهو آت، هكذا سماءً سماءً حتى السابعة: "يجيء اللَّه فيهم"، قال ابن القيم: "دلّ القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى يماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها
_________________
(١) سورة الفجر، الآية (٢٢).
(٢) سورة البقرة، من الآية (٢١٠).
(٣) سورة الأنعام، من الآية (١٥٨).
(٤) مختصر الصواعق (٢٢٧).
[ ١ / ٥٠٤ ]
بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين؛ فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له" (^١).
_________________
(١) مختصر الصواعق (٣٨٩).
[ ١ / ٥٠٥ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في اليد.
٤٠٦ - دثنا عبيد بن عمر، دثنا معاذ بن هشام، دثنا أبي، عن قتادة، قال: دثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجرشي (^١) أنه قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^٢)، قال: ويده الأخرى خلو، ليس فيها شيء" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمن أثر ربيعة الجرشي إثبات صفة اليدين للَّه تعالى، وأن له يدين سبحانه إحداهما يقبض ويطوي بها، وأن إحديهما خلو ليس فيها شيء، وهذه الأفعال وغيرهما المضافة إلى اليد أو اليدين، تفيد أنهما صفتان للَّه -﷿- مضافتان إليه إضافة صفة إلى موصوف، قال ابن القيم: "إن اقتران لفظ الطيّ والقبض والإمساك، باليد يصير المجموع حقيقة، هذا في الفعل، وهذا في الصفة، بخلاف اليد المجازية؛ فإنها إذا أفردت لم يقترن بها ما يدل على
_________________
(١) هو ربيعة بن عمرو، ويقال: ابن الحارث الدمشقي، وهو ربيعة بن الغاز، أبو الغاز الجُرشي، مختلف في صحبته، قتل يوم مرج راهط، وكان فقيها، وثقه الدارقطني وغيره، التقريب (١٩١٥).
(٢) سورة الزمر، من الآية (٦٧).
(٣) إسناده حسن؛ معاذ بن هشام صدوق ربما وهم التقريب (٦٧٨٩)، الأهوال (٢١٤) رقم (٢٠٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٢٥)، وعبد اللَّه في السنة (١/ ٥٠١) رقم (١١٥٧)، وصحح إسناده ابن حجر في الإصابة (١/ ٥١٠).
[ ١ / ٥٠٦ ]
اليد حقيقة، بل ما يدل على المجاز، كقولهم: له عندي يد وأنا تحت يدهم ونحو ذلك، وأما إذا قيل: قبض بيده، وأمسك بيده، أو قبض بإحدى يديه كذا، وبالأخرى كذا، وجلس عن يمينه، أو كتب كذا، وعمله بيمينه، أو بيديه، فهذا لا يكون إلا حقيقة " (^١).
_________________
(١) مختصر الصواعق (٣٢٣)، وانظر تأويل مختلف الحديث (٢٤٥ - ٢٤٧)، وراجع المجموع (١٧/ ٩٢) فما بعدها، في تفضيل اليمنى على الأخرى ووجه ذلك.
[ ١ / ٥٠٧ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في الساق.
٤٠٧ - دثنا فضيل، دثنا سلام أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة (^١): " ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٢) قال: شدة يوم القيامة" (^٣).
٤٠٨ - دثنا يوسف بن موسى، دثنا وكيع، دثنا أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "عن شِدَّة، ألم تسمع قول الشاعر:
وقامت الحرب بنا على ساق" (^٤).
_________________
(١) هو عكرمة أبو عبد اللَّه مولى ابن عباس، أصله بربري، ثمة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة (١٠٤ هـ) وقيل بعد ذلك، التقريب (٤٦٧٣).
(٢) سورة القلم: من الآية (٤٢).
(٣) إسناده ضعيف؛ لأنه من طريق سماك عن عكرمة وسيأتي الكلام فيها (٦٠٩)، الأهوال (١٣٧) رقم (١١٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٤٢) نحوه من طريق أسامة بن زيد وهو الليثي به وهو صدوق يهم، التقريب (٣١٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٥) لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات.
(٤) إسناده لين؛ أسامة بن زيد صدوق يهم كما سبق قبل هذا، الأهوال (١٣٨) رقم (١١٨)، وابن جرير (٢٩/ ٣٨ - ٣٩، ٤٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٠) وقال: "صحيح الإسناد"، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٩)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٥٤) للفريابي وسعيد بن منصور وابن منده والبيهقي في الأسماء والصفات، وحسنه الحافظ في الفتح (٣/ ٤٢٨).
[ ١ / ٥٠٨ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان عن ابن عباس وعكرمة تفسير الساق الواردة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، بالشدة، وهو قول مشهور عنهما وقال به بعض السلف، ولم أجد في كتب ابن أبي الدنيا التي وقفت عليها إشارة إلى القول الآخر في تفسير هذه الآية، وهو قول أبي سعيد الخدري -﵁- وغيره من السلف، حيث فسروا الساق هنا بأنها ساق اللَّه، لكن الاختلاف هنا ليس من باب الاختلاف في إثبات الصفة ونفيها؛ إذ لا يوجد نزاع بين السلف في باب الأسماء والصفات، وإنما النزاع في دلالة الآية على الصفة أو على غيرها، قال ابن القيم: "الصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة للَّه؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: "فيكشف الرب عن ساقه، فيخرون له سجدا"، ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، مطابق لقوله: "فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا"، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال:
[ ١ / ٥٠٩ ]
يكشف عن ساق عظيمة، جلت عظمتها، وتعالى شأنها، أن يكون لها نظير، أو مثيل، أو شبيه" (^١)، وهناك وجه آخر لإثبات الصفة من الآية فقط وهو ما ذكره شيخ الإسلام: "قد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا للَّه، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه. . . لكن هذا الظاهر ليس ظاهرا من مجرد لفظ: ساق، بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود" (^٢).
_________________
(١) الصواعق المرسلة (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٢) نقض التأسيس مخطوط (٣/ ق ٨/ أ - ب) بواسطة منهج الخطابي في العقيدة (١٧٦)، وانظر إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
[ ١ / ٥١٠ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته.
إن عقيدة رؤية المؤمنين لربهم -﷾- في الآخرة، وإيمانهم بأن ذلك واقع لا محالة، هي من أصول عقائد أهل السنة والجماعة، وخالص مذهب أهل الحديث والأثر، الذي تميزوا به عن سائر أهل البدع، وهي من أشرف المسائل وأجل المعارف، فهي غاية كل عابد، ومرام كل مجتهد، وأعظم نعيم في دار الخلد، كل نعيم دونهما، ولا لذة فوقها، ولا غرو أن مثل هذه المسائل يكون لها شأن كبير، فقد تواردت الأدلة المتنوعة على إثباتها، وانتصر السلف الصالح لتقريرها، قال اللَّه -﷿-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^١)، وفي السنة الصحيحة أن النبي -ﷺ-: قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا" (^٢)، وأجمع علماء السلف على القول بها؛ فإن أدلتها كما قال ابن بطة: "من كتاب اللَّه تعالى، وسنة نبيه محمد -ﷺ-، وإجماع العلماء، وأئمة المسلمين، ولغات العرب" (^٣).
_________________
(١) سورة يونس، الآية (٢٦).
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٤١٩ فتح) رقم (٧٤٣٤)، ومسلم برقم (٦٣٣).
(٣) الإبانة (٣/ ٧٠)، وانظر الرد على الجهمية للدارمي (١٢٢ - ١٢٣)، الاقتصاد في الاعتقاد لابن قدامة (١٢٥).
[ ١ / ٥١١ ]
وللسلف أقوال كثيرة في تقرير هذه العقيدة والاستدلال لها من الكتاب والسنة، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما سأذكره في عناصر بارزة، لبيان تنوعها وأنها أقسام تحت كل قسم جملة من الأدلة كلها تدل على إثبات هذا المعتقد العظيم:
أولا: الآثار الواردة في تفسير الزيادة بالنظر إلى اللَّه -﷿-.
٤٠٩ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البلخي، عن أبي بكر الصدّيق -﵁- قال: "الزيادة النظر إلى وجه اللَّه تعالى" (^١).
٤١٠ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا أبو بكر الهذلي، أنا أبو تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى
_________________
(١) إسناده لين؛ مداره على أبي إسحاق وقد اختلط ورواية إسرائيل عنه بعد الاختلاط كما في المختلطين للعلائي (٩٤)، وعامر بن سعد مقبول، التقريب (٣١٠٧)، صفة الجنة (١٠٢) رقم (٣٣٧)، وذكر سنده إلى حذيفة وابن سابط، وعقبه بقوله: "مثله"، والدارمي في نقضه على المريسي (٢/ ٧١٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٠٦) رقم (٤٧٣ - ٤٧٤) وصحح الألباني وقفه، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٤ - ١٠٥)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢/ ٢٠) رقم (٢٦٤) فما بعده، وإسحاق بن راهوية في مسند (٣/ ٧٩٣) رقم (١٤٢٤)، والدارقطني في رؤية اللَّه رقم (٢١٥)، والآجري في التصديق بالنظر إلى اللَّه رقم (٢٠)، والبيهقي في الاعتقاد (١٢٥)، وانظر فتح الباري (٨/ ٣٤٧)، وحاشية ابن القيم (١٣/ ٣٨)، ومشكل الحديث لابن الفورك (٤٢٩).
[ ١ / ٥١٢ ]
الأشعري (^١) يخطب على منبر البصرة يقول: "إن اللَّه -﷿- يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحليّ والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرّة فيقولون: نعم، قد أنجزنا اللَّه ما وعدنا، ثم يقول الملك: هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئًا مما وعدوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء؛ إن اللَّه -﷿- يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٢)، ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم" (^٣).
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن قيس بن سليم بن حَضَّار، أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمَّرَه عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، مات سنة (٥٠ هـ) وقيل بعدها، الإصابة (٤/ ٢١١)، التقريب (٣٥٤٢).
(٢) سورة يونس، الآية (٢٦).
(٣) إسناده ضعيف جدا، مداره على أبي بكر الهذلي، وهو أخباري متروك الحديث التقريب (٨٠٥٩)، والأثر عموما ثابت مشهور بين الصحابة والتابعين بل قيل فيه: إنه متواتر، صفة الجنة (٤٣ - ٤٤) رقم (٩٤)، و(٣٤٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤١٩)، وهناد في الزهد (١/ ١٣١) رقم (١٦٩)، والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٥)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٥) وقال ابن حجر في تغليق التعليق (٤/ ٢٢٣): "رواه بسند لا بأس به"، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٩٤٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٥٦) رقم (٢٦٧)، والمحاملي في أماليه رقم (٤١٤)، والدارقطني في الرؤية رقم (٥٤ - ٥٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٠٨) رقم (٧٨٦)، وانظر تخريج الأحاديث والآثار (٢/ ١٢٥)، وانظر نظم المتناثر (٣٥٣)، كما أن للمناوي تعليقا جيدا عن فعل البيضاوي انظر لزاما =
[ ١ / ٥١٣ ]
٤١١ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^١) في قوله -﷿-: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ قال: قيل له: أرأيت قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأعطوا فيه ما أعطوا من الكرامة والنعيم، نودوا يا أهل الجنة إن اللَّه وعدكم الزيادة فيتجلّى لهم -﷿-، قال ابن أبي ليلى: فما ظنّك بهم حين ثقلت موازينهم، وحين صارت الصحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم، ودخلوا الجنة، وأعطوا ما أعطوا من الكرامة والنعيم، كأن ذا لم يكن شيئًا رأوه" (^٢).
ثانيا: الآثار الواردة في أن رؤية اللَّه أعظم نعيم في الجنة.
٤١٢ - ثنا علي بن الحسن، عن ثابت بن محمد العابد قال: سمعت سلمة العابد (^٣) يقول: "لولا الجماعة (^٤) ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت، وسمعته يقول: ما وجد المطيعون للَّه -﷿- لذّة في الدنيا أحلى من
_________________
(١) = الفتح السماوي (٢/ ٧١٣).
(٢) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة (٨٣ هـ) قيل إنه غرق، التقريب (٣٩٩٣).
(٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٤٤) رقم (٩٥)، ورقم (٣٣٢ - ٣٣٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٢)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٦)، والدارقطني في الرؤية رقم (٢٣٣)، ومختصرا الدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٢) وغيره.
(٤) لم أعرفه.
(٥) يعني الصلاة في جماعة.
[ ١ / ٥١٤ ]
الخلوة بمناجاة سيّدهم، ولا أحب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكثر في صدورهم وألذّ في قلوبهم من النظر إليه، قال: ثم غشي عليه" (^١).
ثالثا: الآثار الواردة في زيارة المؤمنين ربهم يوم الجمعة.
٤١٣ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة (^٢) قال: "إن أهل الجنة لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يُمْنون، إنما نعيمهم الذي هم فيه: مسك يتحدّر من جلودهم كالجُمَان (^٣)، وعلى ألوانهم كُثْبَان (^٤) من مسك، يزورون اللَّه -﷿- في الجمعة مرتين، فيجلسون على كراس من ذهب، مكللة باللؤلؤ والزبرجد، ينظرون إلى اللَّه -﷿- وينظر إليهم فإذا قاموا انقلب أحدهم إلى الغرفة من غرفة لها سبعون بابا مكللة باللؤلؤ والياقوت" (^٥).
_________________
(١) إسناده حسن، ثابت العابد صدوق زاهد يخطئ في أحاديث، التقريب (٨٣٧)، العزلة والانفراد (١٨٥ - ١٨٦) رقم (١٨٥)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨).
(٢) هو صُدَيّ بن عجلان، أبو أمامة الباهلي، صحابي مشهور، سكن الشام، ومات بها سنة (٨٦ هـ)، الإصابة (٣/ ٤٢٠)، التقريب (٢٩٢٣).
(٣) الجُمَانَةُ حبة تعمل من الفضة كالدُّرة وجمعه جُمَانٌ، مختار الصحاح (١١٩).
(٤) جمع الكثيب التل من الرمل، القاموس المحيط (١/ ١٦٥).
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن يزيد وهو الألهاني ضعيف التقريب (٤٨٥١)، صفة الجنة (٤٥) رقم (٩٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٨) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا".
[ ١ / ٥١٥ ]
رابعا: الآثار الواردة في تجلي اللَّه -﷿- لعباده.
٤١٤ - حدثني عمار بن نصر المروزي، ثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (^١) قال: "يتجلى لهم كل جمعة" (^٢).
خامسا: الآثار الواردة في بروز اللَّه -﷿- لعباده.
٤١٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يحيى بن كثير، ثنا المسعودي،
_________________
(١) سورة ق، الآية (٣٥).
(٢) إسناده ضعيف؛ مداره على أبي اليقظان وهو عثمان بن عمير ضعيف واختلط التقريب (٤٥٣٩)، ويحيى بن يمان صدوق كثير الخطأ كما سيأتي (١٠٥٧)، والأثر حسن بطرقه الكثيرة انظر في ذلك بحثا مفصلا في طرقه وشواهده مما قد لا يوجد في غيره في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠١ - ٤١٥)، صفة الجنة (٤٣) رقم (٩٣)، والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٤٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٩) رقم (٨١٣) عن يحيى به، وابن أبي حاتم في تفسيره - جمع المحقق نقلا عن ابن كثير (١٠/ ٣٣١٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٦/ ١٧٣)، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٢): "رواه البزار وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف"، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٢٩) ونسبه لابن أبي حاتم والبزار والشافعي في مسنده مرفوعا مطولا ثم قال: "وله طرق عن أنس بن مالك ﵁، وقد أورد بن جرير هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير عن أنس ﵁ بأبسط من هذا، وذكر هاهنا أثرا مطولا عن أنس بن مالك ﵁ موقوفا وفيه غرائب كثيرة"، وانظر العلل للرازي (٢/ ٨٦)، انظر تخريج الرد على الجهمية برقم (١٤٥) فقد حسن المرفوع بطرقه.
[ ١ / ٥١٦ ]
عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه قال: "سارعوا إلى الجمعة، فإن اللَّه -﷿- يبرز أهل الجنة في كل جمعة إلى كثيب من كافور أبيض، فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعات في الدنيا، فيحدث لهم من الكرامة ما لم يكن قبل ذلك" (^١).
سادسا: الآثار الواردة في الفرق بين نظر المؤمنين لربهم ونضارة وجوههم.
٤١٦ - حدثني أزهر بن مروان، ثنا عبد اللَّه بن عرادة الشيباني، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن صيفي اليماني قال: سألت عبد العزيز ابن مروان (^٢) عن وفد أهل الجنة قال: "إنهم يفدون إلى اللَّه -﷿- في كل يوم
_________________
(١) إسناده منقطع؛ لعدم سماع أبي عبيدة من أبيه عبد اللَّه بن مسعود -﵁- كما سيأتي (٥٥١)، صفة الجنة (٤٣) رقم (٩٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٣٦)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ٢) رقم (٤٧٦)، والدراقطني في رؤية اللَّه رقم (١٨٠ - ١٨١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨) رقم (٩١٦٩) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٧٨): "وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه"، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٢٩٠) وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وأبو عبيدة اسمه عامر، ولم يسمع من أبيه عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وقيل سمع منه"، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٣)، وانظر (٦/ ٤٠٥) لبيان أن له حكم الرفع وليس من الإسرائيليات.
(٢) هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو الأصبَغ أخو الخليفة عبد الملك، وهو والد عمر، أَمَّره أبوه على مصر، فأقام بها أكثر من عشرين سنة، وكان صدوقا، مات بعد الثمانين، التقريب (٤١٢١).
[ ١ / ٥١٧ ]
خميس فيوضع لهم أسرّة، كل إنسان منهم أعرف بسريره منك بسريرك هذا الذي أنت عليه -قال: وأقسم صيفي على ذلك-، فإذا قعدوا عليه وأخذ القوم مجالسهم قال ﵎: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي أطعموهم، قال: فيؤتون بطير بيض أمثال البُخْت (^١)، فيأكلون منها ما شاءوا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا، اسقوهم، فيؤتون بآنية من ألوان شيء مختّمة فيسقون منها، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا فكِّهوهم، فتجيء ثمرات شجر مدلّى فيأكلون منها ما شاءوا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا اكسوهم، فتجيء ثمرات شجر أصفر وأخضر وأحمر وكل لون، لم تنبت إلا الحلل -وأقسم صيفي ما أنبتت غيرها- فتنشر عليهم حُلَلًا وقُمُصًا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا، لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ، فإذا تجلى لهم -﷿- فنظروا إليه نضرت وجوههم، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيقول أزواجهم: خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، فيقولون: ذلك أن اللَّه -﷿- تجلى لنا فنظرنا إليه فنضرت وجوهنا" (^٢).
_________________
(١) هي الإبل الخراسانية، تاج العروس (١/ ١٠٥٠).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه عبد اللَّه بن عرادة الشيباني وهو ضعيف التقريب (٣٧٩٨)، صفة الجنة (١٠٠) رقم (٣٣١)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٥ =
[ ١ / ٥١٨ ]
سابعا: الآثار الواردة في كون رؤية اللَّه جزاءا لأعمال معينة.
٤١٧ - حدثني محمد قال: حدثني شعيب بن محرز قال: حدثني صالح المرّي قال: بلغني عن كعب أنه كان يقول: "من بكى خوفا من ذنب غُفر له، ومن بكى اشتياقا إلى اللَّه أباحه النظر إليه -﵎- يراه متى يشاء" (^١).
٤١٨ - حدثني محمد قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: سمعت بكر ابن مصاد يقول: سمعت عبد الواحد بن زيد قال: "يا إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى اللَّه؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيّده لم يحرمه النظر إليه" (^٢).
ثامنا: الآثار الواردة في يقين السلف بهذه العقيدة.
٤١٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي، حدثني أم سعيد بن علقمة النخعي وكانت أمه طائية قالت: "كانت بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، قالت: فكنت أحسه عامة الليل لا يهدأ، قالت: وربما سمعته يقول في جوف الليل: اللهم همّك عطل عليّ الهموم،
_________________
(١) = - ٣٠٦) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا"، وابن القيم في حادي الأرواح من طريق المصنف (١٨٧).
(٢) إسناده ضعيف، فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤)، وفيه انقطاع لأنه بلاغ، الرقة والبكاء (٤٩) رقم (٢٠)، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ٢٠٠).
(٣) إسناده لين، بكر بن مصاد لم أجده ولعله بكر بن مضر التقريب (٧٥١)، الرقة والبكاء (٥١) رقم (٢٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٣٢٢)، وابن رجب في التخويف من النار (١/ ٤٢).
[ ١ / ٥١٩ ]
وخالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني الشهوات، ومنع مني اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطرّح، قالت: وربما ترنم (^١) في السحر بالشيء من القرآن، فارى أن جميع نعيم الدنيا في ترنّمه، وقالت: وكان يكون في الدار وحده، وكأنه لا يصبح فيها" (^٢).
٤٢٠ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: ". . . كنت أرى ورّادا العجلي (^٣) يأتي المسجد مقنّع الرأس، يعتزل ناحية، فلا يزال مصليا وداعيا وباكيا كم شاء اللَّه من النهار، ثم يخرج، ثم يعود فيصلي الظهر، فهو كذلك بين صلاة ودعاء وبكاء حتى يصلي العشاء، ثم يخرج لا يكلم أحدا، ولا يجلس، فسألت عنه رجلا من حيّه، ووصفته له، قلت: شاب من صفته، من هيئته، قال: بخ يا أبا عمر، تدري عمن تسأل؟ ذاك ورّاد العجلي الذي عاهد اللَّه أن لا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين، قال
_________________
(١) أي رجع بصوته، مختار الصحاح (٢٦٧).
(٢) إسناده لين؛ أم سعيد لم أجد لها ترجمة وقد كان ابنها من نساك النخع كما في الحلية الموضع الآتي، الهم والحزن (٩١) رقم (١٤٧)، التهجد رقم (١٧٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٣٥١)، وذكره ابن رجب في شرح حديث لبيك (٩٩)، وفي جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٦)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٤١).
(٣) لم أجد له ترجمة.
[ ١ / ٥٢٠ ]
أبي: فكنت إذا رأيته بعد هبته" (^١).
تاسعا: الآثار الواردة في الحجب، واحتجابه تعالى عن الكفار.
٤٢١ - حدثنا محمد بن الحسين، أخبرني شعيث بن محرز الأسدي أو الأودي (^٢)، حدثنا الهيثم بن جماز البكاء (^٣)، قال: قال حبيب أبو محمد ليزيد الرقاشي كلاما بالفارسية معناه: "بأي شيء تقر عيون العابدين في الدنيا؟ وبأي شيء تقرُّ عيونهم في الآخرة؟ قال له يزيد: يا أبا محمد أما الذي تقر به عيونهم في الدنيا فما أعلم شيئًا لعيون العابدين في دار الدنيا من التهجد في ظلم الليل، وأما الذي تقر عيونهم به في الآخرة فما أعلم شيئًا من نعيم الجنة وخيرها وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم، قال: فصاح عند ذلك صيحة خر مغشيا عليه" (^٤).
٤٢٢ - حدثنا يعقوب بن إسحاق قال: سمعت نعيم بن حماد قال:
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سبق (١٧٤)، الرقة والبكاء (١٩٢) رقم (٢٦٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦١)، وابن قدامة في الرقة والبكاء (٣٠٤).
(٢) أبو محمد البصري، قال فيه أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "مستقيم الحديث" مات سنة (٢٣٠ هـ)، انظر الجرح والتعديل (٤/ ٣٨٦)، الثقات (٨/ ٣١٥).
(٣) الحنفي البصري، منكر الحديث، انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ١٧٨).
(٤) إسناده ضعيف، فيه ابن جماز البكاء، التهجد (٣٩٧ - ٣٩٨) رقم (٣٥٠)، ورقم (٢٩) مختصرا دون محل الشاهد، والمروزي في قيام الليل (المختصر ص ٥٤)، والإشبيلي في كتاب التهجد (٢٣٥) رقم (١١٩٧).
[ ١ / ٥٢١ ]
سمعت ابن المبارك (^١) قال: "ما حجب اللَّه -﷿- أحدا عنه إلا عذّبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (^٢) قال: بالرؤية" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابق ذكرها إثبات عقيدة السلف في رؤية اللَّه تعالى يوم القيامة، فقد ورد عنهم تفسير الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بأن الزيادة هي النظر إلى وجه اللَّه تعالى، وهذا التفسير أخذوه عن رسول اللَّه -ﷺ- كما قال البيهقي ﵀: "فسر رسول اللَّه -ﷺ- المبين عن اللَّه -﷿-، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن المبارك المروزي، مولى بني حنظة، ثقة ثبت، فقيه عالم، جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة (١٨١ هـ) وله ثلاث وستون، التقريب (٣٥٧٠).
(٢) سورة المطففين، الآيات (١٥ - ١٧).
(٣) إسناده حسن؛ فإن نعيم بن حماد وإن كان صدوقا يخطئ كثيرا، فقد قال ابن حجر: "وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: باقي حديثه مستقيم" التقريب (٧٢١٥)، قلت: لا سيما وأنه وصف بأنه كان شديدا على الجهمية كما في السير (١٠/ ٥٩٩)، فهذا يفيد اعتناؤه بمثل هذا الأثر عن مثل هذا الإمام واللَّه أعلم، صفة الجنة (١٠٢) رقم (٣٤٠)، ومن طريقه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥) رقم (٨٩٤)، وابن شاهين الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة رقم (٢٥)، وذكره قوام السنة في الحجة (٢/ ٢٤٩)، وابن القيم في حادي الأرواح (٢٣٥).
[ ١ / ٥٢٢ ]
الذين أخذوا عن الصحابة: أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه اللَّه ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية اللَّه ﷿ في الآخرة بالأبصار" (^١).
كما تضمنت الآثار بيان أن أعظم نعيم أهل الجنة هو رؤيتهم لربهم -﷿- وأن كل نعيم دونه، فقد بين ابن أبي ليلى أن كل نعيم بل وكل أهوال القيامة بعد تجلي اللَّه لهم كان كل ذلك لم يكن شيئًا، وكذلك سلمة العباد بين أن ألذ نعيم وأكثره هو النظر إلى اللَّه، وهي مسألة أنكرها بعض من أثبت رؤية الرب تعالى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربه. . . وأكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق كما جاء في الحديث: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك" (^٢)، وذكر الإمام القصاب ﵀ في بيان الرد على من استدل بقوله تعالى: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بأنها منتظرة، بأن ذلك ليس بخلاف لما دلّ عليه القرآن من إثبات الرؤية وقال: "إذ لا ثواب أجل من انتظاره رؤية
_________________
(١) الاعتقاد (١٢٣)، ثم توسع في ذكر طرق تلك الأحاديث والآثار ﵀، وانظر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٠٢ - ٥١٣)، والشريعة للآجري (٢/ ٩٨١) فقد ذكرا مثل قول البيهقي، وكذا ابن فورك في مشكل الحديث (٢٢٢).
(٢) الاستقامة (٢/ ٩٧ - ٩٩).
[ ١ / ٥٢٣ ]
الرب سبحانه؛ لأنه غاية الطالبين، وأمتع تمتع المتمتعين" (^١).
كما أن الآثار التي وردت في بروز اللَّه وتجليه لعباده وزيارتهم له وازدياد حسنهم هي من الآثار الدالة على الرؤية، وهذه الآثار هي فيما يحصل يوم الجمعة للمؤمنين من الكرامة والنعيم، فقد ورد ذكر الزيارة والتجلى والرؤية وسوق الجنة، وفي بعضها كلام، كما أنها وردت بصيغ مختلفة بعضها مختصر وبعضها اشتمل على زيادات مختلفة في بيان سبب ازدياد حسن وجوه أهل الجنة هل هو الرؤية أم الريح، وكل لا يقدح في الاستدلال بها على ما تضمنته من الرؤية والكرامة؛ لأن تلك الزيادات تكون بمنزلة أخبار مستقلة لكل خبر دلالة زائدة على ما في غيره؛ لأن هذا من باب الأخبار وليس من باب الأحكام (^٢)، قال شيخ الإسلام: "وهذا الذي أخبر به ابن مسعود (^٣) أمر لا يعرفه إلا نبي أو من أخذ عن نبي"، فما يحدث يوم الجمعة في الجنة أشياء كثير منها بروز اللَّه لعباده وتجليه لهم ورؤيتهم له وازدياد حسنهم بسبب ذلك أو بعضه (^٤).
ومن ذلك ما ورد عن بعض السلف من جعل رؤية اللَّه هي جزاء لبعض الأعمال كالبكاء من خشيته سبحانه، وما ورد عن بعضهم الآخر
_________________
(١) نكت القرآن (٢٠٦/ أ - ب).
(٢) انظر المجموع (٦/ ٤٠٧ - ٤٠٨).
(٣) أي بروز اللَّه يوم الجمعة كما سبق، ثم بيّن أنه مما لم يؤخذ عن أهل الكتاب من وجوه كثيرة فراجعها.
(٤) انظر المجموع (٦/ ٤٠٩).
[ ١ / ٥٢٤ ]
من كونه امتنع من الضحك أو من المعاصي لما يؤمله من رؤية اللَّه تعالى، يؤكد أن هذه العقيدة كانت راسخة في نفوسهم لا يداخلهم فيها أدنى شك.
وبعد هذا كله فإن من عقيدتهم المتعلقة برؤية اللَّه ما ورد عنهم في ذكر الحجب التي احتجب اللَّه بها عن خلقه، واحتجابه عن الكفار يوم القيامة لأعظم دليل على رؤية المؤمنين له ﷾، قال الشافعي ﵀: "لما حجبهم في السخط، كان هذا دليلا على أنهم يرونه في الرضا"، وهذا من أدل الأدلة وأبينها على المسألة كما قال القصّاب وأبو المظفر السمعاني رحمهم اللَّه تعالى (^١)، واللَّه أعلم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ٤٠)، الاعتقاد للبيهقي (١٣١)، والنكت للقصاب مخطوط (٢١٠ أ)، وتفسير السمعاني (٦/ ١٨١).
[ ١ / ٥٢٥ ]
المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر.
٤٢٣ - حدثني الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد بن كناسة قال: سمعت ابن ذر يقول: "أيها الناس أحلوا. . . اللَّه -﷿- بالتوبة عما لا يحل؛ فإن اللَّه -﷿- لا يؤمن إذا عصي" (^١).
٤٢٤ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: "آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه، أفأسفه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (^٢) " (^٣).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان أن الاستمرار على المعصية، والاسترسال فيها، لا يؤمن على صاحبه من العقوبة، فإن المعاصي تورث غضب الرب، وإذا غضب ﷾ لم يؤمن انتقامه، وهذا من أنواع المكر الذي
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف سبق (٢٤٥)، وابن كناسة صدوق التقريب (٦٠٦٥)، العقوبات (٥٩) رقم (٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٤٨) رقم (٧٢٢٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٣)، جميعهم من طريق المصنف.
(٢) سورة الزخرف، آية (٥٥).
(٣) إسناده كسابقه، العقوبات (٥٩) رقم (٧٢)، وأعاده بسند آخر ولفظ آخر برقم (٩٨)، من خلال مصادر تخريج الأثر السابق تبين لي أنهما أثر واحد جاء مفرقا هنا واللَّه أعلم، حيث رواه أبو نعيم بسياق واحد مبتدئا بهذا الأثر ثم الذي قبله.
[ ١ / ٥٢٦ ]
يضاف إلى اللَّه ويخافه أولياؤه وعباده المتقون، قال ابن القيم: "أما خوف أوليائه من مكره فحق؛ فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم، فيصيرون إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمته، وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ (^١) إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعصي ويأمن مقابلة اللَّه له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون، والذي يخافه العارفون باللَّه من مكره: أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع اغترار، فيأنسوا بالذنوب، فيجيئهم العذاب على غرة وفترة، وأمر آخر وهو: أن يغفلوا عنه، وينسوا ذكره، فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، فيكون مكره بهم تخليه عنهم، وأمر آخر: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون، وأمر آخر: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر" (^٢).
_________________
(١) سورة الأعراف، من الآية (٩٩).
(٢) الفوائد (١٦٣).
[ ١ / ٥٢٧ ]
المبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء.
٤٢٥ - حدثني حمزة بن العباس قال: حدثنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح (^١) في قول اللَّه جلّ وعزَّ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (^٢) قال: "يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، ويفتح لهم أبواب، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليه على الأرائك (^٣) فإذا انتهوا إلى أبوابها غلِّقت دوهم، فذلك قول اللَّه -﷿- ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ويضحك (^٤) منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (^٥) " (^٦).
_________________
(١) أبو صالح هو باذام مولى أم هانئ؛ إذ لم يذكر سواه في شيوخ الكلبي في ترجمته من تهذيب الكمال، وقد ذكر الكلبي في الرواة عن أبي صالح باذام في ترجمته من تذهيب الكمال، أما أبو صالح ذكوان السمان -الذي استظهر المحقق محمد خير أنه هو- فلم يرد في كلا الترجمتين وإن كانا في نفس الطبقة واللَّه أعلم.
(٢) سورة البقرة، بعض الآية (١٥).
(٣) كلمة مطموسة لعلها (الأرائك) كما قال المحقق، وهي كذلك في مصادر التخريج، وهو جمع أريكة وهي سرير منجد مزين في قبة أو بيت، مختار الصحاح (١٤).
(٤) كلمة مطموسة لعلها (ويضحك) كما قال المحقق، وهي كذلك في مصادر التخريج.
(٥) سورة المطففين، الآيات (٣٤ - ٣٦).
(٦) إسناده ضعيف جدًا؛ فيه الكلبي وهو محمد بن السائب وسيأتي (٧٥٩)، صفة النار (١٥٨ - ١٥٧) رقم (٢٥٤)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٧٩) لابن المنذر، وذكره =
[ ١ / ٥٢٨ ]
التحليل والتعليق
تضمن أثر أبي صالح تفسير استهزاء اللَّه بالكفار، وأنه يقع يوم القيامة لما يفتح للكفار باب فيهرعون إليه لكي يخرجوا من النار ثم يغلق عليهم، وهو مروي عن ابن عباس، وللآية تفسيرات أخرى لا تخرج عن مثل هذا معنى (^١)، كما سيأتي بعد هذا في الخداع، قال ابن جرير الطبري -﵀- بعدما نقل الأقوال في تفسير الاستهزاء: "الصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزئ به من القول والفعل ما يرضيه، ويوافقه ظاهرا، وهو بذلك من قبله وفعله به مورثه مساءةً باطنا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر. . . إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل" (^٢)، قال ابن كثير: "المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن اللَّه -﷿- بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك" (^٣).
_________________
(١) = القرطبي في تفسيره من طريق ابن المبارك (١٩/ ٢٦٨)، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ٦١)، والبغوي كذلك (١/ ٥٢).
(٢) انظر التخريج السابق.
(٣) تفسير ابن جرير (١/ ١٣٣).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٥٣).
[ ١ / ٥٢٩ ]
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع.
٤٢٦ - ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، دثنا أبي، أدنا ابن المبارك، أدنا صفوان بن عمرو قال: دثني سليم بن عامر قال: "خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة فلما صلى على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا (^١) منه إلى منزل آخر، وهو هذا يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق إلا ما وسع اللَّه، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فأيكم لفي بعض تلك المواطن إذا يغشى الناس أمر من أمر اللَّه، فتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (^٢)، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا
_________________
(١) تسيروا، مختار الصحاح (٤٠٧).
(٢) سورة النور، الآية (٤٠).
[ ١ / ٥٣٠ ]
نُورًا﴾ (^١)، وهي خدعة اللَّه التي خدع بها المنافقين، قال اللَّه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (^٢)، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم، وقد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ (^٣) نصلى صلاتكم، ونغزو مغازيكم؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (^٤)، يقول سليم: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم الفور، ويميّز اللَّه بين المؤمن والمنافق" (^٥).
التحليل والتعليق
تضمن أثر أبي أمامة إثبات صفة الخداع للَّه -﷿-، وتفسيرها بالنور
_________________
(١) سورة الحديد، من الآية (١٣).
(٢) سورة النساء، من الآية (١٤٢).
(٣) سورة الحديد، من الآية (١٤).
(٤) سورة الحديد، الآيتان (١٤ - ١٥).
(٥) إسناده صحيح، الأهوال (١٢٧ - ١٢٨) رقم (٩٩)، وابن المبارك في الزهد (١٠٨) رقم (٣٦٨)، وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٠٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠٠) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٤١ - ٢٤٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٥٣) إلى جميعهم ما عدا المصنف.
[ ١ / ٥٣١ ]
الذي يعطاه المؤمن يوم القيامة وطمع المنافق فيه، فيضرب بينهما بباب فينقطع النور عن المنافق ويبقى في الظلمة، جزاء وفاقا، قال ابن القيم: "في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نارا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه؛ إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، ويبقون في الظلمة على الجسر، لا يستطيعون العبور؛ فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت، يصحبه حتى يقطع الجسر، فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب اللَّه تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم" (^١).
وليس في إثبات هذه الصفة والتي قبلها على الوجه اللائق باللَّه أي محذور كما يتوهمه المعطلة، بسبب غلبة استعمالهما في المعاني المذمومة قال ابن القيم: "لما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (٣٣).
[ ١ / ٥٣٢ ]
ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا. . . والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة؛ فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله.
إذا عرف ذلك فنقول: إن اللَّه تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسن. . . فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على اللَّه مطلقا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد. . .
والمقصود أن اللَّه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق" (^١).
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (٢٤٩ - ٢٥٠)، وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ١١١ - ١١٢) (٢٠/ ٤٦٩ - ٤٧١)، شرح العقيدة الواسطية للشيخ الفوزان (٦٥ - ٦٦).
[ ١ / ٥٣٣ ]
المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف.
٤٢٧ - حدثني محمد بن عمران الضبي قال: سمعت أبي يحكي قال فذكر قصة ثم ذكر قول سفيان: "بلغني أن الأدب يطفئ غضب الرب" (^١).
٤٢٨ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن اللَّه -﷿- إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبياهم" (^٢).
٤٢٩ - حدثنا يعقوب بن هارون قال: حدثنا العوام بن حوشب قال: قال إبراهيم التيمي: "إن اللَّه -﷿- عندما يريد أن يقيم الساعة أغضب ما يكون على خلقه، قال العوام: وقال الحسن: الزجرة من الغضب: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ (^٣) " (^٤).
_________________
(١) إسناده حسن، عمران بن ذياد ذكر ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٢٠١) أنه إخباري، وتابعه ضمرة بن ربيعة عند أبي نعيم وهو صدوق وقد سبق (٣٨٧)، العيال (٤٨٦) رقم (٣١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٦٢).
(٢) إسناده لين، شيخ المصنف لم أقف له على ترجمة إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٩٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، العقوبات (٦٠) رقم (٧٤).
(٣) سورة الصافات، آية (١٣).
(٤) إسناده صحيح، العقوبات (١٧٧) رقم (٢٦٦)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٤/ ٧٦٥) رقم (٣٧٨)، ووقع في سنده: "يزيد بن هارون" بدل: "يعقوب ابن هارون"، وهو الصواب والذي هنا خطأ أو تصحيف، كما أن يزيد بن هارون في طبقة شيوخ شيوخ ابن أبي الدنيا يروي عنه بواسطة كما مر في هذا البحث =
[ ١ / ٥٣٤ ]
٤٣٠ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سفيان يقول في قول اللَّه -﷿- ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (^١) قال: أغضبونا" (^٢).
٤٣١ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: "آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه أفأسَفَه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (^٣) " (^٤).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات صفة الغضب اللَّه تعالى، وتفسير
_________________
(١) = مرارا، والظاهر أنه سقط من السند شيخ ابن أبي الدنيا وهو الحسين بن حسن المروزي وقد ورد عند أبي الشيخ.
(٢) سورة الزخرف، من الآية (٥٥).
(٣) إسناده صحيح، فإن محمد بن يزيد بن خنيس مقبول كما في التقريب (٦٤٣٦)، لكن الصواب أنه ثقة؛ وثقه أبو حاتم والعجلي، انظر الجرح والتعديل (٨/ ١٢٧)، ومعرفة الثقات (٢/ ٢٥٧)، ولم ينقل توثيقهما الحافظ في التهذيب (٩/ ٤٦١)، وقال عنه ابن حبان في الثقات (٩/ ٦١): "وكان من خيار الناس، ربما أخطا، يجب أن يعتبر حديثه إذا بين السماع في خبره، ولم يرو عنه إلا ثقة، فأما عبد اللَّه بن مسيب فعنده عنه عجائب كثيرة لا اعتبار بهما" قلت: وقد بين سماعه وحدث عنه ثقة، العقوبات (٥٩ - ٦٠) رقم (٧٣)، والأثر في تفسير سفيان الثوري (٢٧٢).
(٤) سورة الزخرف، آية (٥٥).
(٥) سبق (٢٤٤) في مبحث المكر.
[ ١ / ٥٣٥ ]
الأسف الوارد في القرآن بالغضب، وهذا التفسير هو قول جمهور المفسرين (^١)، وهو قول أهل اللغة (^٢)، وذكر في تفسيرها أيضًا خالفونا وأسخطونا ومعانيها متقاربة كما قال العيني في عمدة القاري (^٣).
وصفة الغضب من الصفات الفعلية كما يشير أثر التيمي في قيام الساعة وأنها تكون أغضب ما يكون اللَّه تعالى، وكما يشير أثر سفيان في كون الأدب يطفئ غضب الرب، وفي أثر سفيان بيان أثر هذه الصفة وهو العقوبة، وكما يشير تفسير الأسف بالغضب، وترتيب العقاب عليه بفاء التعقيب، كل هذا يفيد أن هذه الصفة تحصل في وقت دون آخر، وتكون في وقت أشد منها في غيره، وأنها ليست نفس العذاب، بل العذاب يترتب عليها، قال ابن القيم: "عذابه مفعول منفصل، وهو ناشئ عن غضبه، ورحمته هاهنا هي الجنة، وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن، فههنا أربعة أمور: رحمة هي وصفه سبحانه، وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه" (^٤)، "وقد فطر اللَّه عباده على قولهم: هذا الفعل يحبه اللَّه، وهذا يكرهه اللَّه ويبغضه، وفلان يفعل ما لا يحبه اللَّه، والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه، وذلك صفة قائمة به، ويترتب عليها العذاب واللعنة" (^٥).
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (١١/ ١٩٨)، وابن كثير (٤/ ١١٧)، ومعاني القرآن للنحاس (٦/ ٣٧٢)، وتفسير السمعاني (٥/ ١١٠).
(٢) القاموس المحيط (٣/ ١٧٣)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٠٣)، ولسان العرب (١/ ١٤٢)، وغريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٦٢٦).
(٣) (١٩/ ١٥٨).
(٤) حادي الأرواح (٢٥٨).
(٥) مدارج السالكين (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
[ ١ / ٥٣٦ ]
المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط
٤٣٢ - حدثني عبد العظيم بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم بن جشم -مولى عبد اللَّه بن عامر- قال: حدثني أبي قال: سمعت صالحا المري (^١) يقول: "دخلت دار المورياني وهي خراب فقلت: يا دار ما فعل أهلك؟ فإذا أنا بمناد ينادي من أقصى الدار: قف يرحمك اللَّه يا صالح، هذا سخط مخلوق على مخلوق، فكيف سخط الخالق على المخلوق؟ لا إله إلا اللَّه" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر صالح المري إثبات صفة السخط اللَّه تعالى، وهي الغضب نفسه (^٣)، لكن السخط هو أشد ما يكون من الغضب (^٤)، ونقل القرطبي عن الماوردي قوله: "الفرق بينهما: أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام" (^٥)، وكما سبق في التعليق السابق أن الغضب والسخط صفة قائمة باللَّه تعالى، ويترتب عليها العذاب واللعنة.
_________________
(١) لعله: صالح بن بشير بن وادع المُرِّي، أبو بشر البصري، القاص الزاهد، ضعيف مات سنة (١٧٢ هـ) وقيل بعدها، التقريب (٢٨٤٥).
(٢) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وأبوه لم أجد لهما ترجمة، الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان (٧٧) رقم (٦١)، والذي بعده، وفيه: "فخرج عليّ أسود من ناحية الدار"، وقصة المورياني مع المنصور انظرها في تاريخ الإسلام (١/ ١١٠٨).
(٣) انظر القاموس المحيط (٢/ ٥٣٦)، ومشكل الحديث (١/ ٤٨٥).
(٤) انظر التعاريف للمناوي (٤٠٠).
(٥) تفسير القرطبي (١٦/ ١٠١)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٥٠).
[ ١ / ٥٣٧ ]
المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة.
٤٣٣ - حدثني محمد بن ناصح قال: حدثنا بقيّة بن الوليد، عن يزيد ابن عبد اللَّه الجهني قال: حدثني أبو العلاء، عن أنس بن مالك: "أنّه دخل على عائشة ﵂ ورجل معه، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين، حدثينا عن الزلزلة، فقال: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمر، وضربوا بالمغاني، وغار اللَّه -﷿- في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين، قال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول اللَّه -ﷺ- أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر عائشة ﵂ إثبات صفة الغيرة للَّه تعالى، وأنه -﷿-
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه تدليس بقية بن الوليد وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء التقريب (٧٤١)، ويزيد الجهني يروي حديث شراء الثوب بعشرة دراهم من جرام، قال عنه ابن حجر في لسان الميزان (٦/ ٢٩٠): "لا يصح خبره"، العقوبات (٢٩) رقم (١٧)، ونعيم في الفتن (٢/ ٦٢٠)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥١٦) وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل أحسبه موضوعا على أنس ونعيم منكر الحديث إلى الغاية مع أن البخاري روى عنه"، وذكره ابن القيم عن المصنف في إغاثة اللهفان (١/ ٢٦٤)، والجواب الكافي (٢٩).
[ ١ / ٥٣٨ ]
يغير في سمائه، وأن غيرته بسبب ما يحدثه عباده من الفواحش من استباحة الزنا، وشرب الخمور، وضرب المغاني، وحينئذ ينزل عذابه وعقابه بالزلزلة تذكيرا لعباده ونكالا على أعدائه، وأصلها كراهة القبائح وبغضها (^١)، قال شيخ الإسلام: "ثبت في الأحاديث الصحيحة (^٢) أن اللَّه يوصف بالغيرة وهي مشتقة من التغير" (^٣) وقال ابن القيم: "المغيرة من صفات الرب ﷻ" (^٤) وقال: "اللَّه ﷾ يغار على قلب عبده، أن يكون معطلا من حبة، وخوفه ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فاللَّه ﷾ خلقه لنفسه، واختاره من بين خلقه. . . ويغار على لسانه أن يتعطل من ذكره، ويشتغل بذكر غيره، ويغار على جوارحه أن تتعطل من طاعته، وتشتغل بمعصيته. . . وإذا أراد اللَّه بعبده خيرا سلط على قلبه إذا أعرض عنه، واشتغل بحب غيره أنواع العذاب، حتى يرجع قلبه إليه، وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء، وهذا من غيرته ﷾ على عبده. . . ومن غيرته ﷾، غيرته على توحيده، ودينه وكلامه، أن يحظى به من ليس من أهله، بل حال بينهم وبينه غيرة عليه" (^٥).
_________________
(١) انظر الجواب الكافي (٤٤).
(٢) انظر مثلا صحيح البخاري رقم (٩٩٧)، ومسلم رقم (١٤٩٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٥٣).
(٤) روضة المحبين (٢٩٥).
(٥) روضة المحبين (٣٠٥).
[ ١ / ٥٣٩ ]
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠)
الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة
من خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة»
تأليف
الدكتور حميد بن أحمد نعيجات
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٥٣٤ ]
(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ
فهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
نعيجات، حميد بن أحمد
الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ.
٣ مج.
ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٩ - ٦٢٩ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢)
١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١
٢ - العقيدة الإسلامية
أ. العنوان
ديوي: ٢٤٠ ٤٠٢٠/ ١٤٣١
رقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١
ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٩ - ٦٢٩ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢)
أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.
الآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة
جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
[ ٢ / ٥٣٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر.
وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال.
المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي).
المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم.
المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه.
٤٣٤ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا مبشِّر بن إسماعيل الحلبي، حدثني فرات بن سلمان (^١) قال: كان يقال: إذا سُئلت فلا تَعِد، وقل: "أَسْمَعُ ما تقول، فإن يُقَدَّر شيء يكن" (^٢).
٤٣٥ - حدثني المفضل بن غسان الغلابي، نا أبو مسهر، عن سعيد ابن عبد العزيز قال: قال شريح (^٣): "ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان للَّه -﷿- فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لا بدّ كائنة فقد كانت" (^٤).
٤٣٦ - حدثني المفضل بن غسان قال: حدثنا أبي، عن أبي زيد
_________________
(١) هو فرات بن سلمان الحضرمي الجزري الرقي، وثقه ابن حبان وغيره، مات سنة (١٥٠ هـ)، الثقات لابن حبان (٧/ ٣٢٢)، تعجيل المنفعة (٣٣١).
(٢) إسناده حسن، مبشر بن إسماعيل صدوق التقريب (٦٥٠٧). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٣٢ - ٢٣٣) رقم (٤٦١)، ولعله يشهد لمعناه ما أخرجه الطبري (٢/ ٥٢٦) عن السدي في التعريض بخطبة المعتدة قوله: "هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها فيقول: واللَّه إنكم لأكفاء كرام، وإنكم لرغبة، وإنكِ لتعجبيني، وإن يقدر شيء يكن".
(٣) انظر التخريج الآتي.
(٤) إسناده صحيح إلى شريح، وشريح لم أعرفه ولعله شريح بن عبيد الحضرمي ثقة يرسل كثيرا، التقريب (٢٧٩٠)، الشكر (١٠٣) رقم (٧٩).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
العبدي (^١): "نظر علي بن أبي طالب -﵁- إلى عدي بن حاتم كئيبا فقال: يا عديّ، ما لي أراك كئيبا حزينا؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي، وفقئت عيني، فقال: يا عديّ، إنه من رضي بقضاء اللَّه جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء اللَّه جرى عليه وحبط عمله" (^٢).
٤٣٧ - حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم عن المحرر بن أبي هريرة عن أبية، عن عمر -﵁- أنه قال: "ما من امرئ إلا وله أثر هو واطؤه، ورزق هو بالغه، وحتف هو قاتله، حتى لو أن رجلا هرب من رزقه لاتّبعه حتى يدركه، كما أن الموت مدرك من هرب منه" (^٣).
٤٣٨ - حدثني الحسين بن جهور، عن شيخ من قريش قال: قال الحسن البصري: "الحريص الجاهل، والقانع الزاهد، كلٌّ مستوٍ في أكله،
_________________
(١) زاد مصطفى عطا: "قال: عن سماك، عن الأغر"، ولم أجدها في المخطوط ومصادر التخريج ولا في طبعة السلفي.
(٢) إسناده لين، أبو زيد العبدي هو قمامة ولم أقف له على ترجمة، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٨ - ٢٩) رقم (١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٤٣) رقم (١٠١٦٨)، من طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٣٤)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٤٦).
(٣) إسناده ضعيف؛ المحرر بن أبي هريرة مقبول التقريب (٦٥٤٢)، وثعلبة بن مسلم مستور التقريب (٨٥٤)، القناعة والتعفف (٣٩) رقم (٥٩)، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٧٢)، ويروى هذا الأثر مرفوعا انظر كشف الخفاء (١/ ٢٦٦).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
موفَّى رزقه، فعلام التهافت في النار" (^١).
٤٣٩ - حدثنا محمود بن خداش، حدثنا أشعث بن عبد الرحمن، حدثنا رجل يقال له: عبد الملك، عن الحسن قال: "ابن آدم، لا تحمل همّ سنة على يوم، كفى يومك بما فيه، فإن تكن السنة من عمرك يأتك اللَّه فيها برزقك، وإلا تكن من عمرك فأراك تطلب ما ليس لك" (^٢).
٤٤٠ - حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر قال: ثنا معتمر ابن سليمان، عن عدي بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز قال: "يا أيها الناس اتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب؛ فلو كان رزق أحدكم في قُلَّة (^٣) جبل، أو في حضيض (^٤) أرض، لأكل رزقه، فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب" (^٥).
_________________
(١) فيه شيخ المصنف وقد سبق (٢٤٥)، وإبهام شيخ شيخه، القناعة والتعفف (٤١) رقم (٦٦).
(٢) إسناده لين؛ أشعث بن عبد الرحمن اليامي صدوق يخطئ التقريب (٥٣٣)، وشيخه عبد الملك ذكره المزي في شيوخ أشعث ووصفه بأنه رجل من أصحاب الحسن، الليالي والأيام (٤٠) رقم (٦٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٠٧) رقم (١٣٠٣).
(٣) قلة كل شيء أعلاه، مختار الصحاح (٥٦٠).
(٤) في المطبوع "خفيض".
(٥) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به تكلموا في سماعه من المعتمر، التقريب (١٢٤٩)، وذلك أن سماعه منه وهو ابن خمس سنين كما في تهذيب التهذيب (٢/ ٣٩٣) والظاهر من كلامه احتمال روايته، القناعة والتعفف (٤٠ - ٤١) رقم (٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ١٥٢ - =
[ ٢ / ٥٦٠ ]
٤٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد اللَّه بن محمد بن سيرين، عن أبيه قال: "أردت أن أخرج في وجه فبينا أنا في الطريق إذ قال رجل: هذا أبوك خلفك، فقمت حتى لحقني فقال: يا بنيّ اتّق اللَّه حيث كنت، واعلم أن لك رزقا لن تعدوه، فاطلبه من حلّه، فإنك إن طلبته من حلّه، رزقك اللَّه طيبا، واستعملك صالحا، وأستودعك اللَّه، والسلام عليك" (^١).
٤٤٢ - حدثني أبو جعفر محمد بن يزيد الأدمي، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز قال: "قيل لأبي أسيد الفزاري (^٢): من أين تعيش؟ فكبر اللَّه وحمده وقال: يرزق اللَّه -﷿- القرد والخنزير، ولا يرزق أبا أسيد" (^٣).
٤٤٣ - حدثني أبي ﵀ قال: "لما قدِّم هدبة بن الخشرم العذري (^٤)
_________________
(١) = ١٥٣)، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (٢٤١)، وابن منظور في لسان العرب (٩/ ١٢٧) بلفظ: "عرعرة جبل" وشرحها بأنها قمته.
(٢) إسناده ضعيف، فإن عبد الملك بن عبد اللَّه مستور التقريب (٤٢١٧)، القناعة والتعفف (٤١) رقم (٦٥).
(٣) هو أبو أُسيد الفزاري، من زهاد أهل دمشق، كان مستجاب الدعوة، انظر تاريخ دمشق (٦٦/ ١٢).
(٤) إسناده صحيح، القناعة والتعفف (٥٤) رقم (١١٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٣٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٦/ ١٢).
(٥) هو هدبة بن الخشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن العذري، أبو سليمان، شاعر مفلق، كثير الأمثال في شعره، وهو قاتل ابن عمة زيادة بن زيد العذري في أيام =
[ ٢ / ٥٦١ ]
ليقتل ومعه أبواه يبكيان، التفت إليهما فقال:
أبلياني اليوم صبرا منكما إنَّ حزنا منكما بادٍ لشرّ
لا أدرى ذا الموتَ إلا هيّنًا إن بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإني صابر كلّ حَيٍّ لفَنَاء وقَدَرْ (^١)
٤٤٤ - أنشدني أبي ﵀:
إذا المرء لم يطلب معاشا ولم يتحاش من طول الجلوس
جفاه الأقربون وصار كلًّا على الإخوان كالثوب اللّبيس
وما الأرزاق عن جلَدٍ ولكن بما قدر المقدِّر للنفوس (^٢)
٤٤٥ - حدثني أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: "كتب سليمان بن حبيب المهلبي إلى الخليل بن أحمد (^٣) وولي
_________________
(١) = معاوية، فحبسه سعيد بن العاص وهو على المدينة خمس سنين أو ستا، إلى أن بلغ المسور بن زيادة وكان صغيرا فقتله بأبيه، معجم الشعراء (٤٦٠).
(٢) إسناده حسن، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، المحتضرين (١٩٠) رقم (٢٦٦)، والأصبهاني في الأغاني (١٠/ ٢٧٢) وعجز البيت الأخير عنده: "كل حي لقضاء وقدر"، وذكر ابن حجر في الإصابة أن قصة هدبة مشهورة مذكورة في كامل المبرد وغيره.
(٣) إسناده حسن، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، إصلاح المال (٢٥٧) رقم (٢٣٨)، الإشراف في منازل الأشراف رقم (٢٨٣) وفيه زيادة بيتين.
(٤) هو الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي، أبو عبد الرحمن البصري اللغوي، صاحب العروض والنحو، صدوق عالم عابد، مات بعد الستين وقيل سنة سبعين أو بعده، التقريب (١٧٥٠).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
الأهواز (^١) يدعوه، فأبى أن يأتيه وكتب إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة غنى وفي غير أني لست ذال مال
شخّا بنفسي إني لا أرى أحدا يموت هزلا ولا يبقى على حال
٤٤٦ - قال أبو بكر: وزادني غيره:
الرزق عن قدر، لا الضعف ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال (^٢)
٤٤٧ - حدثني على بن الحسن بن موسى، قال: حدثني زكريا بن أبي خالد، قال: "كان ابن عباس -﵁- يتمثل بهذين البيتين:
إن المقادير لا تناولها الأوهام لطفا ولا تراها العيون
وسيجري عليك ما قدر اللَّه ويأتيك رزقك المضمون (^٣)
_________________
(١) أصل الكلمة أحواز قلبت الماء هاء لكثرة استعمال الفرس لها كذلك، ثم أخذها العرب منهم واستقرت كذلك، وكان اسمها في أيام الفرس خوزستان، وهي مواضع يقال لكل واحد منها خوز كذا، معجم البلدان (١/ ٢٨٤).
(٢) إسناده صحيح، القناعة والتعفف (٥٤) رقم (١١٢)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ٤٠٠) مختصرا وفيه أنه القى كسرا بين يدي رسوله ثم قال الأبيات، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢٨٠) وفيه أن الأمير هو سليمان بن علي الهاشمي، وعلق بقوله: "وقد روي لنا أن الذي بعث إليه سليمان بن حبيب المهلبي، بعث إليه من أرض السند الخليل بالبصرة، وهذا أليق بالصحة، وقيل من أرض الأهواز، ثم آل الأمر إلى أن صار وكيلا ليزيد بن حاتم المهلبي، وكان يجري عليه في كل شهر مائتي درهم"، وابن خلكان في وفيات الأعيان (٢/ ٢٤٦) وهو أتم سياقا وفيه تتمة للقصة والأبيات، وورد نفس الخبر في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٣٩١) منسوبا إلى الأخفش.
(٣) إسناده ضعيف؛ فإن زكريا بن أبي خالد لم أجد له ترجمة، وورد هذا الاسم يروي عن ابن المبارك في تاريخ دمشق (٣٢/ ٤٦٤)، ومحمد بن عيسى الطباع في أخبار المدينة لابن شبة (١/ ٢١٥، ٣٦٢)، وهذا ظاهر الانقطاع إن كان هو. =
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٤٤٨ - حدثني الحسن بن عبد الرحمن، عن عصمة بن سليمان الخزاز، قال: حدثنا جعفر بن أبي شعيب الكندي (^١) قال: "كان لرجل من أهل البصرة له جِدَةٌ وعطايا ومعروف، فأصابه ريب الزمان فاجتاح ماله، فأراد أن يضرب في الأرض لتغي من فضل اللَّه -﷿-، فقالت بنيّة له في ذلك قولا حكاه عنها في شعر له فقال:
تقول ابنتي والسير قد جدّ جدّه -وقد حصرتني بغتة- ورحيل
لعل المنايا في ارتحالك تنذري بنفسك قوما أو تغولك غول
فتتركني أدعى يتيمة بعد ما تبين وعزي يوم ذاك ذليل
أفي طلب الدنيا وربك للَّذِي تحاول منها والشخوص كفيل
أليس ضعيف القوم يأتيه رزقه يساق إليه والبلاء محول
ويحرم جمع المال من لم تزل له بكل بلاد رحلة وحلول
فلو كنت في طود (^٢) على رأس هضبة لها لجف فيه الوعول تقيل
مصدّعة لا يستطاع ارتقاؤها وليس إلى منها النزول سبيل
إذًا لأتاك الرزق يحدوه سائق حثيث ويهديه إليك دليل (^٣)
_________________
(١) = في المطبوع جعل هذا الأثر تابعا للذي قبله من قول أبي أسيد، والتصحيح من المخطوط (ل ١١٦ أ).
(٢) لم أجد له ترجمة.
(٣) الطود هو الجبل العظيم، مختار الصحاح (٤٠٣).
(٤) فيه راوي القصة الكندي لم أجده، القناعة والتعفف (٥٢) رقم (١٠٣)، ووقعت القصة في العزلة والانفراد للخطابي (١٢٤) بأسلوب آخر تماما.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٤٤٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، قال: ثنا الحسن بن علي زبان البصري مولى بني هاشم، قال ثنا سفيان بن عبدة الحميدي وعبيد بن يحيى الهجري، قالا: "خرج إلى عبد اللَّه بن عامر بن كريز (^١) -وهو عامل العراق لعثمان بن عفان -﵁- رجلان من أهل المدينة، أحدهما: ابن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، والآخر من ثقيف، فكتب به إلى عبد اللَّه بن عامر فيما تكتب به من الأخبار، فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة، قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: اعرضه، قال: رأيت أن ننيخ رواحلنا ونتناول مطاهرنا فنتوضّأ، ثم نصلي ركعتين، ونحمد اللَّه -﷿- على ما قضى من سفرنا، قال: هذا الذي لا يردّ، فتوضّينا ثم صليا ركعتين، فالتفت الأنصاري إلى الثقفي فقال: يا أخا ثقيف: ما رأيك؟ قال: وأي لموضع رأي هذا؟ قضيت سفري، وأنصبت بدني، وأنضيت (^٢) راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: إني لما صلّيت هاتين الركعتين فكّرت فاستحييت من ربي ﵎ أن يراني طالبا رزقا من غيره، اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولّى راجعا إلى المدينة، ودخل الثقفي البصرة فمكث أياما فأذن له ابن عامر، فلما رآه رحّب به ثم قال: ألم أخبر أن
_________________
(١) القرشي، ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد النبي -ﷺ- وجيء به إليه، فتح عدة بلدان من جهة سجستان، كان محبا للعمران، وهو أول من أدخل الحياض إلى عرفة، طبقات ابن سعد (٥/ ٤٤).
(٢) أنضى بعيره: هزله، مختار الصحاح (٦٨٨).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
ابن جابر خرج معك فخبَّره خبرَه، فبكى ابن عامر ثم قال: أما واللَّه ما قالها أشرًا، ولا بطرًا، ولكن رأى مجرى الرزق عليَّ ومخرج النعمة، فعلم أن اللَّه ﵎ الذي فعل ذلك، فسأله من فضله، [فأمر للثقفي بأربعة ألف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك كله للأنصاري فخرج الثقفي (^١) وهو يقول:
أمامة ما حرص الحريص فتيلا بزائدي ولا زهد الضعيف بضائر
خرجنا جميعا من مساقط رؤوسنا على ثقة منا بخير ابن عامر
فلما أنخنا الناعجات ببابه تأخّر عني اليثربي ابن جابر
وقال: ستكفيني عطية قادر على ما يشاء اليوم بالخلق قاهر
وإن الذي أعطى العراق ابن عامر لرب الذي أرجو لسدّ معاقر
فلما رآني سال عنه صبابة إليه كما حنّت ظراب الأباعر
فأضعف عبد اللَّه إذ غاب حظّه على حظّ لهفان من الحرص فاغر
فأتيت وقد أيقنت أن ليس نافعي ولا صائر شيء خلاف المقادر (^٢)
٤٥٠ - أخبرني أبو زيد النميري، حدثني عمر بن محمد بن أقيصر
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من المطوع وهو يحيل المعنى تماما، ويصير القول من قول ابن عامر.
(٢) إسناده فيه لين، فيه الحسن بن علي بن زبان لم أجده إلا عند ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ١١٩) ولم يذكر سوى بروايته عن شيخيه سفيان وعبيد، وعبيد ثقة خلاصة تذهيب التهذيب (١/ ٢٥٦)، القناعة والتعفف (٤٧ - ٤٨) رقم (٨٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨) ومن طريق آخر فيها لين كذلك، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٣١٣).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
السلمي، حدثني يحيى بن عروة بن أذينة قال: "أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام بن عبد الملك (^١)، فأنشدوه فنسبهم فلما عرف أبي (^٢) قال: ألست القائل:
لقد علمت وما الإشراف في طمعي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنِّيني تطلّبه ولو قعدتُّ أتاني لا يعنّينِّي
فهلَّ جلست حتى يأتيك؟ فلما خرجوا من عنده جلس أبي على راحلته حتى أتى المدينة، وتنبّه هشام عليهم فأمر بجوائزهم ففقد أبي فسأل عنه فأُخبر بانصرافه فقال: لا جرم، واللَّه ليعلمنَّ أن ذلك سيأتيه في بيته، ثم أضعف له ما أعطى واحدا من أصحابه وكتب له فريضتين كنت أنا آخذهما" (^٣).
٤٥١ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني محمد بن عمر
_________________
(١) هو الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، أبو الوليد، بويع بعهد من أخيه يزيد، كان حازما عاقلا ورعا، فتحت عدة بلدان في عهده، تاريخ الخلفاء (٢١٨).
(٢) هو عروة بن أذينة، الليثي الحجازي، شاعر مشهور، وله وفادة على هشام بن عبد الملك، وكان من فحول الشعراء، تاريخ الإسلام (١/ ٩٣٦)، وانظر أخباره مفصلة في الأغاني (١/ ٣٣٠).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه شيخ النميري وشيخه لم أجد لهما ترجمة، مكارم الأخلاق (١١٣) رقم (٤٣٥)، واعتنى به الأصفهاني في الأغاني (٢١/ ١٠٦)، فأخرجه من ثلاثة طرق، كلها عن عمر بن شبة به، واعتنى برواية بقية الأبيات وهي أبيات قوية في العفة وترك السؤال إذا أدّى إلى منقصة في دين أو مروءة، وأورده في المستطرف في كل فن مستظرف (١٥٧) بلفظ مخالف قليلا وفي آخره قوله لرسول الأمير: "أبلغ أمير المؤمنين مني السلام، وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فأكديت فرجعت، فأتاني رزقى في منزلي".
[ ٢ / ٥٦٧ ]
الأسلمي، نا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: "أنا بالرصافة حين قدم ابن أذينة على هشام فلما دخل عليه قال له: ألست الذي يقول:
ولو قعدت أتاني لا يعنّيني
فقال: قد خرجت وأنا أعلم أن ذلك كذاك (^١)، قال محمد بن عمر، قال بعضهم: أتبعه حين انصرف أربع مائة دينار وقالوا: أقلّ، واختلفوا في ذلك" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات حتمية وقوع القدر، وأنه لا مفرَّ منه، فمن قدر له شيء أتاه، مهما كانت العوائق، ومهما بدا حصوله مستبعدا، ومن قدّر عليه شيء من المصائب أو غيرها، جرى عليه القدر سواء رضى أم سخط، كما تضمنت الآثار التأكيد على ضمان الرزق حتى ضرب له مثل بمن يطلبه الموت؛ فالرزق لو لم تطلبه طلبك، سواء كان في قلة جبل، أو حضيض أرض، والذي رزق الحيوان كالقرد والخنزير كيف لا يرزق عباده، وقد ضمَّن شعراء السلف أشعارهم هذه المعاني، سواء قضاء الموت
_________________
(١) هذه فائدة رائعة ومهمة في هذا الباب، حيث إن عقيدة القدر لا تمنع اتخاذ الأسباب، والسعي في الأرض، والتكسب لتحصيل المعاش، كما سبق بيانه في التوكل (٣٢٧) والدعاء (٣٠٤)، وسيأتي في معارضة القدر بالأسباب (٦٣٨)، لكن النكتة هنا أن نفس الذين اعتقدوا هذه العقيدة ونظموها في أشعارهم، لا يرون تعارضا بينهما والحمد للَّه رب العالمين، فلذلك يجب التنبه فيما ينقل عن السلف في هذا الباب حتى لا ينسب إليهم ترك الأسباب والقعود عن الاكتساب بمجرد تلك العبارات واللَّه أعلم.
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن عمر وهو الواقدي الأخبارى متروك مع سعة علمه التقريب (٦٢١٥)، مكارم الأخلاق (٤٣٦) رقم (١١٣ - ١١٤).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الذي لا مفر منه، أو قضاء الرزق الذي لا تبطؤه البلادة والغفلة، ولا يعجله الذكاء والفطنة، ولا ينقصه عجز الضعيف، ولا يزيده سعى القوي، وإنما كل ذلك بقضاء وقدر، وإذا قدر اللَّه شيئًا هيّأ له أسبابه، وسخر من يدلّه عليك ويدلُّك عليه، وفي هذا المعنى بوَّب البيهقي رحمه اللَّه تعالى بابا في كتابه القضاء والقدر فقال:
"باب ذكر البيان أن القلم لما جرى بما هو كائن كان فيما جرى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ (^١).
وإذا كان قد قدر وقضي وكتب على آدم ﵇ قبل أن يخلق أنه يأكل من شجرة ينهى عن أكلها، لم يجد آدم ﵇ بدا من فعله، ولم يتهيأ له دفعه عن نفسه؛ لأن خلاف ما كتب عليه يوجب خلاف ما علم منه، وخلاف ما أخبر عن كونه، وخبر اللَّه تعالى صدق، وعلمه حق فما علم أنه كائن لا يجوز أن يكون غير كائن، وما أخبر عن كونه فهو كائن في حينه، لا خلف فيه" (^٢)، وهذا معتقد أهل السنة خلفا عن سلف أن: "ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا كلام أخذته الصحابة عن رسول اللَّه -ﷺ-، وأخذه التابعون عنهم، ولم يزل يأخذه الخلف عن السلف من غير نكير، وصار ذلك إجماعا منهم على ذلك" (^٣).
_________________
(١) سورة طه، الآية (١٢١).
(٢) القضاء والقدر للبيهقي (. . .).
(٣) الاعتقاد للبيهقي (١٦١ - ١٦٢)، وانظر تأويل مختلف الحديث (١٦)، والإبانة (٢/ ٢٨٦).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار.
٤٥٢ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأرزي قال: حدثنا أسد بن راشد، عن البراء بن عبد اللَّه أو ابن يزيد، أراه عن الحسن: "أن معاذ بن جبل لما احتضر دُخل عليه وهو يبكي، فقيل: ما يبكيك، فقد صحبت محمدا -ﷺ-؟ قال: ما أبكى جزعا من الموت إن حلّ بي، وعلى دنيا أتركها بعدي، ولكن بكائي أن اللَّه قبض قبضتين، فجعل واحدة في النار، وواحدة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أكون" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر معاذ -﵁- السابق أن أمر الجنة والنار مفروغ منه؛ حيث إن أمر الجنة والنار، وأمر أهل كل منهما مفروغ منه، حدَّد اللَّه هؤلاء وهؤلاء،
_________________
(١) إسناده ضعيف منقطع، والأثر حسن لغيره، فيه البراء بن عبد اللَّه الغنوي وهو ضعيف، التقريب (٦٥٥)، وسيأتي عن الهيثمي إعلاله به، المحتضرين (١٣٣) رقم (١٦٥)، ثم برقم (٢٧٦) لكن عن معاوية -﵁-، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٢) رقم (٣٦٥)، وابن مندة في الإيمان (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨) رقم (١٠٢)، بسند حسن؛ يروي فيه روح عن أبي العوام عن معاذ وهذا سند متصل، فيه شيخه وهو سلم بن الفضل ترجمه الذهبي في السير (١٦/ ٢٧) وقال: "محله الصدق"؛ أما روح فهو ابن عابد فيه جهالة كما في تعجيل المنفعة (١٣٢)، وأبو العوام هو سادن بيت المقدس ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٦٤)، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم (٩/ ٤١٥) جرحا ولا تعديلا، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥٠٢) رقم (٤٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٧): "رواه الطبراني، وفيه البراء بن عبد اللَّه الغنوي، وهو ضعيف، والحسن لم يدرك معاذا"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٤٥٠ - ٤٥١).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذا المعنى مشهور عن النبي -ﷺ- من وجوه متعددة" (^١) وقال ابن كثير ﵀بعد إيراده أحاديث القبضتين-: "وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدا" (^٢).
وذكر شيخ الإسلام أن من فوائد أحاديث القبضتين إثبات القدر السابق وهو علم اللَّه بالأشياء قبل كونها: "القدر السابق وهو أن اللَّه سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار، من قبل أن يعملوا الأعمال، وهذا حق يجب الإيمان به، بل قد نص الأئمة كذلك، والشافعي، وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر، بل يجب الإيمان أن اللَّه علم ما سيكون كله قبل أن يكون" (^٣).
وتقدير القبضتين ذكره ابن القيم ﵀ في المرتبة الثانية من مراتب التقدير الذي قدره اللَّه على عباده فقال: "الرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا عاما، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهنا كتب السعادة، والشقاوة، والأعمال، والأرزاق، والآجال، الثاني: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه، وهو التقدير الواقع عند القبضتين، حين قبض ﵎ أهل السعادة بيمينه وقال: هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٩)، وانظر كلام ابن عبد البر وابن القيم في شهرة هذه الأحاديث في الاستذكار (٨/ ٢٦١)، وشفاء العليل (١٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٧٧)، وسيأتي ذكر هذه المسألة وبيانها في مراتب القضاء والقدر والإشارة إلى أنه لم يخالف في إثباتها إلا غلاة القدرية.
(٤) التبيان في أقسام القرآن (٢١٩)، وقد فصل هذا الكلام تفصيلا مطولا في أبواب مستقلة لكل تقدير في شفاء العليل (٧ - ٤٢).
[ ٢ / ٥٧١ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر.
٤٥٣ - حدثني الحارث بن محمد التميمي، ثنا سعيد بن عامر، ثنا جسر أبو جعفر قال: قلت ليونس: يا أبا عبد اللَّه مررت بقوم يختصمون في القدر؟ قال: "لو كان أهمتهم ذنوبهم ما اختصموا في القدر" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر يونس النهي والإنكار على المتخاصمين في القدر، والخصومة في الدين ليست من منهج أهل السنة عموما، سواء في القدر أو في الدين عموما، كما سبق في الباب الأول بيان النهي عن الخصومات في الدين، قال ابن عبد البر ﵀: "قد تواترت الآثار عن السلف الصالح بالنهي عن الجدال فيه، والاستسلام له، والإيمان به" (^٢) وقال شيخ الإسلام: "الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعا صاروا فيه بين طرفين متباعدين، ووسط بينهما، وخيار الأمور أوساطها، وذلك بسبب البحث
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على جسر أبي جعفر وهو ابن فرقد وسيأتي (٥١٥)، التوبة (٥٩ - ٦٠) رقم (٤٠)، لكن كونه صاحب القصة ولم يكن يتعمد الكذب وهو صالح في نفسه وصدوق كما في لسان الميزان (٢/ ١٠٤)، فلعله يرتقي إلى الحسن واللَّه أعلم، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ١٨٣)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ٢١٥)، وذكره الذهبي في السير (٦/ ٢٩٣)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ٤٧١).
(٢) الاستذكار (٨/ ٢٦٦).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
في القدر ومجامعته للشرع؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تام، أوجب ضلال عامة الأمم، ولهذا نهى النبي أصحابه عن التنازع فيه" (^١)، ونقل عن السلف قولهم: "الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٧).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٦٣).
[ ٢ / ٥٧٣ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم.
٤٥٤ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني الحسن بن عبد الرحمن الفزاري قال: سمع الحسن رجلا يقول: واحزناه على الحزن، فقال له الحسن: "يا هذا فهلا على ما سلف من علمه فيك" (^١).
٤٥٥ - بلغني عن حامد بن عمر البكراوي قال: سمعت عبد اللَّه بن ثعلبة يقول لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد، واحزناه على الحزن، فقال سفيان: "يا عبد اللَّه، هل حزنت قط لعلم اللَّه فيك؟ " قال عبد اللَّه: "تركتني لا أفرح أبدا" (^٢).
٤٥٦ - حدثني أبو عياش القطان قال: حدثني قاسم الخواص قال: قال محمد بن واسع لرجل: "أبكاك قط سابق علم اللَّه فيك" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن، سيأتي (٥٦٢) بيان حال شيخ المصنف، ولعل نسخة لاله لي التركية فيها تكرار، وإلا فقد ورد في النسخة الظاهرية الحسين بن عبد الرحمن الفزاري، الهم والحزن (٣٣) رقم (١١).
(٢) إسناده ضعيف؛ فهو منقطع، وفيه عبد اللَّه بن ثعلبة هو الحضرمي مقبول التقريب (٣٢٦٠)، الهم والحزن (٣٤) رقم (١٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٤٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٣٦).
(٣) إسناده لين؛ شيخ المصنف وشيخه، لم أجدهما، الهم والحزن (٣٤ - ٣٥) رقم (١٤)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٦٣)، وذكره الذهبي في السير (٦/ ١٢١)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
٤٥٧ - حدثنا حجاج بن يوسف (^١) قال: حدثنا سهل بن حماد قال: حدثنا ثابت الأنصاري قال: حدثني الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف قال: "مرض عبد الرحمن بن عوف (^٢)، فظننا أنه لِما به، فأُغمي عليه، فخرجت أم كلثوم، فصرخت عليه، فلما أفاق قال: أُغمي عليّ؟ قلنا: نعم، قال: أتاني رجلان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فأخذا بيدي، فانطلقا بي، فلقيهما رجل فقال: أين تنطلقان بهذا؟ قالا: ننطلق به إلى العزيز الأمين، قال: لا تنطلقا به؛ إن هذا ممن سبقت له السعادة في بطن أمه" (^٣).
_________________
(١) هو ابن الشاعر ثقة حافظ التقريب (١١٤٩)، الحافظ الأوحد المأمون، كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٩).
(٢) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد العشرة، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة، مات سنة (٣٢ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٤/ ٣٤٦)، التقريب (٣٩٧٣).
(٣) إسناده حسن؛ سهل بن حماد هو أبو عتاب الدلّال صدوق التقريب (٢٦٦٩)، المحتضرين (٢٣٤ - ٢٣٥) رقم (٣٥٢)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ١١٢) رقم (٢٠٠٦٥)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ٦٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٨٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٣٤)، والفريابي في القدر رقم (٤٣٥)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٤٠) رقم (١٢٢٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٩)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ١٤٣) رقم (١٥٨٦/ ١٩٨٧)، والملطي في التنبيه والرد (١/ ١٦٧)، والآجري في الشريعة (٢/ ٨٦١) رقم (٤٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١١٥) رقم (٩٦٨٤)، وابن =
[ ٢ / ٥٧٦ ]
٤٥٨ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا أبو عبد اللَّه الصوفي (^١) قال: "كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى اللَّه -﷿- والرضى بالقدر، والتسليم لما علم الجبار من مكنون الأجل، ومقسوم الرزق، فإن اللَّه -﷿- جعل لكل نفس رزقا موصوفا، ليس لشيء منه إلى غيرها منصرف، فلا يشغلك الرزق المضمون لك عن العمل المفروض عليك، فقد شغلت رجالا أتعبت أبدانهم، وطالت أسفارهم ثم لم يزيدوا ولم يزدادوا على المقسوم لهم رزقا، رزقنا اللَّه وإياك القنوع والرضا، فإنه من رضي قنع، ومن قنع رضي بما قسم اللَّه -﷿- والسلام" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات علم اللَّه ﷾ بالأشياء قبل كونها، وهذا العلم أحزن السلف الذين فقهوا معناه، وأبكاهم كما في الآثار الثلاث الأولى، حيث خافوا على أنفسهم أن يكون علم من حالهم أنهم ليسوا أهلا السعادة في الآخرة، ولهذا تضمنت رؤيا عبد الرحمن بن
_________________
(١) = عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٩٦)، وذكره ابن حجر في الإصابة (٢/ ٤١٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ٤٥٢)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٥٤١).
(٢) هو الحسين بن علي بن بشر، أبو عبد اللَّه الصوفي، توفي ببغداد سنة (٢٨٦)، تاريخ بغداد (٨/ ٦٩٢٨٣).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق وقد سبق (١٦٥)، إصلاح المال (٣٦٦ - ٣٦٧) رقم (٤٧٧).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
عوف -﵁- علم اللَّه بحاله وهو في بطن أمه، كما تضمن أثر أبي عبد اللَّه علم اللَّه السابق بالأجل والرزق، وهذه المرتبة أول مراتب القضاء التي من لم يؤمن ها جميعا لم يؤمن بالقضاء والقدر (^١)، ومعناها: "الإيمان بأن اللَّه تعالى عليم بما الخلق عاملون، بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال" (^٢)، "فكل ما يوجد في ما يوجد من أعيان وأوصاف، ويقع من أفعال وأحداث، فهو مطابق لما علمه اللَّه -﷿- أزلا" (^٣)، وهي مما اتفقت عليه الرسل من أولها إلى آخرها، والصحابة ومن تبعهم من الأمة على إثباتها، وخالفهم مجوس هذه الأمة (^٤)، قال شيخ الإسلام: "إثبات علمه، وتقديره للحوادث قبل كونها، ففي القرآن، والحديث، والآثار، ما لا يكاد يحصر، بل كل ما أخبر اللَّه به قبل كونه فقد علمه قبل كونه، وهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد أخبر بذلك، والنزاع في هذا مع غلاة القدرية ونحوهم" (^٥).
_________________
(١) انظر شفاء العليل (٥٥).
(٢) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية انظر شرح الشيخ الفوزان (١٦٤).
(٣) شرح الشيخ خليل هراس على الواسطية (١٥٣).
(٤) انظر شفاء العليل (٥٥).
(٥) رسالة في تحقيق مسألة علم اللَّه (١١٧).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
المطلب الثالث [*]: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة.
٤٥٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، على ابن يعمر قال: قال علي -﵁-: "إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر، لكل نفس بما كتب اللَّه لها من زيادة أو نقصان. . . (^١)، الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما اللَّه تعالى لأقوام، قال سفيان: ومن ذا يتكلم بهذا الكلام إلا علي" (^٢).
٤٦٠ - حدثني سويد بن سعيد، قال: ثنا علي بن مسهر، عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: أخبرني عبد الملك بن مروان قال: "كنت جالسا عند معاوية فأتي بطعامه فأخذ لقمة فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه، ثم أخذها فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه فوضعها فتناولتها فأكلتها، وطلبها فلم يجدها، فخطب الناس فيها عشية على المنبر فقال: أيها الناس اتقوا اللَّه؛ فإنه ما لامرئ منكم إلا ما كتب اللَّه -﷿- له، وواللَّه إن أحدكم ليرفع
_________________
(١) [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالكتاب المطبوع عن الجامعة، وأيضا بأصل رسالة الباحث [تقدم المطلب الثالث على الثاني]
(٢) هناك عبارات غير واضحة في المخطوط، وغير مستقيمة في المطبوع وفي تاريخ دمشق، فاكتفيت بمحل الشاهد.
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فإن أبا حمزة هو ثابت بن أبي صفية ضعيف رافضي التقريب (٨٢٦)، القناعة والتعفف (٣٩) رقم (٦٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٠٢).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
اللقمة إلى فيه مرة ومرتين ثم تقضى لغيره" (^١).
٤٦١ - ذكر أبي، نا إسماعيل بن إبراهيم، ذكر أبو مخزوم (^٢)، ذكر عمر بن الوليد (^٣) قال: "خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، وهو ناحل الجسم، فخطب كما كان يخطب ثم قال: يا أيها الناس من أحسن منكم فليحمد اللَّه، ومن أساء فليستغفر اللَّه، ثم إن عاد فليستغفر اللَّه؛ فإنه لا بدّ لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها اللَّه في رقابهم وكتبها عليهم" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٦٧)، القناعة والتعفف (٣٩ - ٤٠) رقم (٦١).
(٢) أبو مخزوم في النسخة الظاهرية كأنها أبو محروم، ولعله الصواب فقد ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٦٥) وقال: "مولى سليمان بن هشام بن عبد الملك ابن مروان من أهل دمشق له ذكر في كتاب أبي الحسن أحمد بن حميد بن أبي العجائز" واللَّه أعلم.
(٣) هو عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، روى عن عمر بن عبد العزيز وعنه أبو محروم، "كان يقال له: فحل بني مروان وكان يركب معه من ولده ستون لصلبه، ولَّاه أبوه الوليد الموسم والغزو واستعمله على الأردن مدة ولايته"، انظر تاريخ دمشق (٤٥/ ٣٥٤)، وليس هو الشني الذي ضعفه النسائي كما استظهره محققا الكتاب: شاحونة ومجدي السيد واللَّه أعلم.
(٤) إسناده حسن إن شاء اللَّه، فيه أبو مخزوم وعمر بن الوليد وقد سبقت ترجمتهما، ووالد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، حسن الظن باللَّه (٦٥) رقم (٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٣) رقم (٣٥٠٨٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٣٥٥) (٤٧/ ٣٢٨)، من =
[ ٢ / ٥٨٠ ]
٤٦٢ - حدثنا علي بن الجعد قال: أنا أبو مغيرة، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (^١) قال: "ليلة النصف من شعبان يُدَبِّر أمر السنة، وتُنسَخ الأموات من الأحياء، ويكتب الحاج فلا ينقص منهم ولا يزيد فيهم أحد" (^٢).
٤٦٣ - حدثنا عبد اللَّه بن خيران قال: ثنا المسعودي، عن مهاجر أبي الحسن، عن عطاء قال: "لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- في شهر أكثر صياما منه في شعبان؛ وذلك لأنه تُنسخ فيه آجال من يموت إلى العام المقبل" (^٣).
_________________
(١) = طرق عن ابن علية به، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٦٥).
(٢) سورة الدخان، الآية (٤).
(٣) إسناده لين، فيه أبو مغيرة وهو النضر بن إسماعيل القاضي ليس بالقوي التقريب (٧١٨٠)، فضائل رمضان (٣١) رقم (٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٠٩) من طريق الحسن بن إسماعيل البجلي، ولا أحسبه إلا تصحيفا من النضر وهو أبو المغيرة هذا؛ فإني لم أجد الحسن هذا رغم تدقيق البحث فيه واللَّه أعلم، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق بغير إسناد نقلا عن الدر- (١٠/ ٣٢٨٧)، وزاد السيوطي في الدر (٧/ ٤١) نسبته لابن المنذر.
(٤) إسناده لين؛ فإن المسعودي اختلط ولا أدري هل سماع ابن خيران بعد الاختلاط أم قبله، وتابعه يزيد بن هارون عند ابن أبي شيبة لكن سماعه بعد الاختلاط؛ لكن قال الخطيب (٩/ ٤٥٠) في ابن خيران: "اعتبرت من روايته أحاديث كثيرة فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته"، وانظر اللسان (٣/ ٢٨٢)، فضائل رمضان (٣٢) رقم (٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣٤٦) رقم (٩٧٦٤) عن يزيد وهو ابن هارون به، وانظر ما ورد عن عائشة ﵂ في مسند أبي يعلى رقم (٤٩١١).
[ ٢ / ٥٨١ ]
٤٦٤ - حدثني محمد بن يحيى المروزي: "أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا، فلما بلغ أصابته آفة فذهبت به فاشتدّ ذلك عليهم، حتى رؤي فيهم، فخرجت أعرابية منهم فقالت: "ما لي أراكم متغيّرة ألوانكم، ميّتة قلوبكم، هو ربنا فليفعل بنا ما يشاء، فرزقنا عليه، يأتي به من حيث يشاء ثم أنشأت تقول:
لو كان في صخرة في البحر راسية صمّاء ملمومة ملس نواحيها
رزقٌ لنفس براها اللَّه لانفَلَقَتْ حتى تؤدّي إليه كل ما فيها
أو كان بين أطباق السبع مسلكها لسهل اللَّه في المرقى مراقيها
حتى تنال الذي في اللوح المحفوظ خط لها فإن أتته وإلا سوف يأتيها (^١)
٤٦٥ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن مقاتل العباداني أنه أنشد هذه الأبيات لبعض السلف:
إذا يقدر لك الرحمن رزقا يُعدّ لرزقه المقضيِّ بابا
وإن يحرمك لم تستطع بحول ولا رأي الرجال له اكتسابا
فاقصر في خطاك فليس تعدو بحيلتك القضاء ولا الكتابا (^٢)
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي الكتابة، وذلك أن اللَّه كتب ما علمه من أحوال الخلق جميعا، وقد
_________________
(١) شيخ المصنف ثقة التقريب (٦٤٢٩)، القناعة والتعفف (٥٢ - ٥٣) رقم (١٠٤).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف سيأتي (٤٦٤)، القناعة والتعفف (٥٤) رقم (١١٥).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
تنوعت دلالة هذه الآثار على مرتبة الكتابة، بحيث اشتملت على عدة أنواع من الأدلة الدالة عليها؛ فمن جهة المكتوب فيه اشتملت أبيات الأعرابية الكتابة في اللوح المحفوظ، ومن جهة وقت الكتابة تضمن أثر علي الإشارة إلى التقدير اليومي لكل نفس بما كتب لها من زيادة أو نقصان، كما اشتمل أثر عكرمة الكتابة ليلة النصف من شعبان، من نسخ آجال الأحياء، وتقدير حجاج تلك السنة، كما اشتملت آثار كل من معاوية -﵁- وعمر بن عبد العزيز وابن مقاتل نفوذ الكتاب السابق ووجوب وقوعه، وأنها مهما حاول المرء جاهدا كسب شيء أو تركه مما لم يكن مكتوبا عليه، فإنه لن يعدو ما كتب، وقد سبق بيانه في حتمية وقوع القدر، قال شيخ الإسلام: "التقدير التابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا" (^١)، وقد استقصى ابن القيم ﵀ مواضع الجملة والتفصيل في ذلك، وهي:
التقدير العام: وهو التقدير الأول قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كتب اللَّه فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان ذلك حين خلق القلم، وأمره بكتابة ما هو كائن، وهذه الكتابة هي أول التقديرات التي قدرها اللَّه وكتبها على عباده.
التقدير الخاص: وهو تقدير أصحاب الجنة وأصحاب النار خاصة، عقيب خلق آدم ﵇، فقدّر اللَّه أعمال كل فريق منهما، وأخرج
_________________
(١) العقيدة الواسطة من مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٩).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ذرية آدم من ظهره، وأخذ عليهم ميثاقه وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم.
التقدير العمري: وهو حين يكون الجنين في بطن أمه، فيرسل المَلَك بكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، وقد ورد في هذا التقدير عدة أحاديث وآثار ظن بعض الناس التعارض بينها، أوردها ابن القيم -﵀- وجمع بينها فقال: "اجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد، وأجله، وشقاوته، وسعادته وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا التقدير، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض، وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم، ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم، وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما، وفي لفظ بأربعين ليلة، وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة، وهو حديث تفرد به مسلم، ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد اللَّه، وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره اللَّه سبحانه على رأس الأربعين الأولى، حتى يأخذ في الطور الثاني، وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع
[ ٢ / ٥٨٤ ]
كلمات، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها، ينقلها بإذن اللَّه من حال إلى حال، فيقدر اللَّه سبحانه شأن النطفة، حتى تأخذ في مبدأ التخليق، وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول اللَّه -ﷺ-، وصدق بعضها بعضا، ودلَّت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم، أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية، وفهمت كما ينبغي، تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة، متضمنة لنفس الحق وباللَّه التوفيق" (^١).
التقدير الحولي: وقد ورد في أثر عطاء أنه في شهر النصف من شعبان، وخصها عكرمة بليل النصف منه، وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر من رمضان، قال ابن العربي المالكي: "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوَّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها" (^٢) وقال ابن القيم: "من زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط (^٣) " (^٤).
التقدير اليومي: وقد واردت الإشارة إليه في أثر علي -﵁-، وهو ما
_________________
(١) شفاء العليل (٣٩).
(٢) تفسير القرطبي (١٦/ ١٣٠) وهو ترجيح القرطبي كذلك.
(٣) وعبارة ابن كثير: "فقد أبعد النجعة"، انظر تفسيره (٤/ ١٣٨).
(٤) شفاء العليل (٤٠)، وانظر ابن جرير (٢٥/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
يقدره اللَّه تعالى في كل من موت ومرض وفقر وغنى ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ (^١).
قال ابن القيم ﵀: "هذا تقدير يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري، عند تعلق النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقة وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك دليل على كمال علم الرب، وقدرته، وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته، وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه" (^٢).
_________________
(١) سورة الرحمن، من الآية (٢٩).
(٢) شفاء العليل (٤٣).
[ ٢ / ٥٨٦ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة.
٤٦٦ - حدثني شيخ من بنى تميم قال: "أوصى رجل ابنه فقال: يا بنيّ اغتنم مسالمة من لا يدين لك بمحاربته، وليكن هربك من السلطان إلى الوحش في الفيافي حتى تأمن من سعاية الساعي بك، وطمع الطامع فيك، ولا يغرّنّك بشاشة امرئ حتى تعلم ما وراءها، فإن دفائن الناس في صدورهم، وجزعهم في وجوههم، ولتكن شكايتك من الدهر إلى رب الدهر، واعلم أن اللَّه إذا أراد بك خيرا أو شرا أمضاه فيك على ما أحبّ العباد أو كرهوا" (^١).
٤٦٧ - حدثني عمر بن أبي الحارث الهمداني، نا محبوب بن عبد اللَّه النميري، نا عبيد اللَّه بن أبي المغيرة القرشي قال: كتب إليّ الفضل بن عيسى (^٢): "أما بعد فإن الدار التي أصبحنا فيها دار بالبلاء محفوفة، والفناء موصوفة، كل ما فيها إلى زوال ونفاذ، بينما أهلها منها في رخاء وسرور، إذ صيّرتم في وعثاء ووعور، أحوالها مختلفة، وطبقاتها منصرفة، يضربون ببلائها، ويمتحنون برخائها، العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، وكيف يدوم عيش تغيّره الآفات، وتنوبه الفجيعات، وتفجع فيه الرزايا، وتسوق أهلها المنايا، إنمها هم بها أغراض مستهدفة، والحتوف لها
_________________
(١) فيه إبهام شيخ المصنف، الإشراف (٣٣٨) رقم (٥١٥).
(٢) هو الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، أبو عيسى البصري الواعظ، منكر الحديث، ورمي بالقدر، التقريب (٥٤١٣).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
مستشرفة، ترميهم بسهامها، وتغشاهم بحماها، لا بدّ من الورود بمشارعه، والمعاينة لفظائعه، أمر قد سبق من اللَّه في قضائه، وعزم عليه في إمضائه، فليس منه مذهب، ولا عنه مهرب. . ." (^١).
٤٦٨ - حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه ﷿ من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منائح منها خلقا حسنا" (^٢).
٤٦٩ - أنشدني أبو بكر التيمي من ولد أبي بكر الصديق، أنشدني إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان من ولد أبي بكر الصديق -﵁-:
فخل الجواد على جوده وخلّ البخيل على بخله
ولا تسأل الناس من فضلهم ولكن سل اللَّه من فضله
إذا أذن اللَّه في حاجة أتاك النجاح على رسله
وليس القضا بأيد العباد على حزنه وعلى سهله
وللعسر يسر فلا تجزعنّ سيعقب غيث على محله
إذا قنع المرء نال الغنى تدعر المطيّة مرحله (^٣)
_________________
(١) فيه محبوب بن عبد اللَّه النميري لم أقف له على ترجمة، وكذا عبيد اللَّه بن أبي المغيرة، ذم الدنيا (٦٨ - ٦٩) رقم (١٦٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٦)، وروى ابن عساكر (٤٢/ ٥٠٠) بعضه عن علي -﵁-.
(٢) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٨) رقم (٣٢)، وورد مرفوعا وهو ضعيف جدا كما في ضعيف الجامع رقم (٢٠٢٦)، وانظر فيض القدير (٢/ ٥٤٧).
(٣) فيه شيخ المصنف، وشيخه لم أعرفهما، وأخشى أن يكون "إبراهيم" مصحفا؛ فإن البخاري وأبو حاتم لم يذكرا في الرواة عن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان -وهو محمد ابن أبي بكر الصديق- سوى ابنه القاسم، انظر التاريخ الكبير (١/ ١٢٤)، بل ظاهر =
[ ٢ / ٥٨٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات مشيئة اللَّه، وأنها نافذة على خلقه على ما أراد، وهذه هي الرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي: "الإيمان بأن ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات، وما في الأرض من حركة، ولا يكون، إلا بمشيئه اللَّه سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات" (^١)، وفي الآثار السابقة بيان أن المشيئة نافذة ففى وصية الرجل لابنه أن اللَّه إذا أراد به خيرا أو شرا أمضاه، أحبّ العباد أم كرهوا، وفي أثر الفضل بن عيسى أن الموت لا مفر منه؛ لأن اللَّه عزم على إمضائه (^٢)، وسبق به قدره (^٣)، وفي أثر طاووس أن اللَّه يخص بمنحه من يشاء ممن يريد به خيرا (^٤)، قال ابن القيم: "هذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند اللَّه، والفطرة
_________________
(١) = كلام ابن حجر في الإصابة (٣/ ٤٧٢) أنه ليس له غيره واللَّه أعلم، والجرح والتعديل (٧/ ٣٠١)، إصلاح المال (٣٧٧) رقم (٥٠٥)، وذكره في المستظرف من كل فن مستطرف (١/ ٢٥٤) ونسبه لسلم الخاسر.
(٢) العقيدة الواسطية من مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٩).
(٣) وصف إرادة اللَّه بالعزم ذكره شيخ الإسلام عند كلامه على إرادة الشيء لمعين، وذكر فيه قولين وقال: "الثاني: الجواز وهو أصح" مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٠٤).
(٤) وهذا قد سبق بيانه (٤١٥) في حتمية وقوع القدر.
(٥) سيأتي (٦٠٤) بيان وتوضيح لهذه المسألة في الهداية والضلال.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
التي فطر اللَّه عليها خلقه، وأدلة العقول، والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة اللَّه وحده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به، والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن" (^١).
وفي الأبيات الواردة في آخر المطلب تعلق قضاء الحاجات بإذن اللَّه، فإذا أذن في حاجة قضيت وإن اختلفت أسباب وطرق قضائها، وهذا أمر مهم جدا فإن إذن اللَّه بالشيء على ما فهمه السلف ﵏ هو مشيئته وما في معناها، فعن ابن عباس -﵁- في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٢) قال: "إلا بما سبق في قضاء اللَّه وقدره" (^٣) وقال عطاء: "بمشيئة اللَّه" (^٤) وقال الزجاج: "وما كان لنفس الوصول إلى الإيمان إلا بتوفيق اللَّه وهو إذنه" (^٥) وقال الشيخ عبد الرحمن
_________________
(١) شفاء العليل (٨٠).
(٢) سورة آل عمران، من الآية (١٤٥).
(٣) الوسيط للواحدي (٢/ ٥٦٠)، تفسير البغوي (٢/ ٣٧٠)، وروى ابن جرير مثله أيضًا عن سفيان الثوري (٦/ ٦١٦).
(٤) الوسيط للواحدي (٢/ ٥٦٠)، تفسير البغوي (٢/ ٣٧٠)، وذكر عنه السمعاني قوله: "إلا بتوفيق اللَّه".
(٥) معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٦)، ونقله عنه الواحدي في الوسيط (٢/ ٥٦٠).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ابن سعدي ﵀ فقال: "بإرادته ومشيئته، وإذنه القدري الشرعي" (^١)، وليس مجرد علمه بالشيء كما زعم المعتزلة (^٢).
_________________
(١) تيسير الكريم المنان (٣/ ٣٩٣)، وعقد ابن القيم -﵀- بابا في شفاء العليل عنون له بقوله: "في انقسام القضاء والحكم والإرادة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والإنشاء إلى كوني قدري متعلق بخلقه، وإلى ديني متعلق بأمره، وما يحقّق ذلك من إزالة اللبس والإشكال". قلت: وبسبب عدم التفريق بين الأمرين خلّط عبد الجبار المعتزلي تخليطا عجيبا لما أراد أن يرد استدلال أهل السنة: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فقال في متشابه القرآن (٢/ ٣٧٢): "لا يصح التعلق به في أن المؤمن لا يؤمن إلا بمشيئته؛ لأن عندنا أن الإيمان خاصة لابدّ أن يريده اللَّه، وإنما نمنع من أن يريد الكفر، ولو احتججنا نحن به كان أقرب، في أنه تعالى يريد الإيمان من الجميع دون الكفر، فلذلك خصّ الايمان بأنه علقه بإذنه دون غيره"، فهذا واضح في أنه لا يفرّق بين الإذن الشرعي المحبوب للَّه، والإذن الكوني الذي لا يستلزم ذلك ولا يدلّ عليه وإنما يدلّ على كمال الربوبية ونفوذ المشيئة.
(٢) انظر متشابه القرآن لعبد الجبار (١/ ٣٧٢) وذلك هروبا من إثبات القدر وخلق أفعال العباد، وقد ذكرت مناقشة الإمام القصاب للمعتزلة في تفسيرهم الإذن في رسالة الماجستير وردوده المطولة عليهم، وقد رد عليهم ذلك لغة وعقلا وشرعا.
[ ٢ / ٥٩١ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق.
٤٧٠ - حدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى الحسّاني، حدثني عبد اللَّه بن بكر السهمي، حدثني ابن لمحمد بن حصين، أن الحسن بن أبي الحسن مرّ على مجلس لثقيف فقالوا له: يا أبا سعيد لو وعظتنا بكلمات لعل اللَّه أن ينفعنا بهن، فتكلم وهو قائم فقال: "إن ربنا لا شريك له، جعل الدنيا دار مرحلة، وجعل الخير والشر فيها فتنة لأهلها، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فهم يتقلبون فيها لسعي مختلف في مدّة من آجال منقطعة، تجري عليهم فيها أرزاق، يأكلون منها ما صحبوها، ويتركونها عما قليل لمن بعدهم، كما ورثوها عمّن كان قبلهم، كذلك حتى تلفظ الدنيا أهلها، وتبلغ مداها، وتفنوا كما فنوا، وجعل الآخرة دار الحيوان في جنة ونار، نزل بكم الخير والشرّ من قضائه (^١)، الخير من الشرّ بعيد، والشر من الخير بعيد، فنسأل الذي خلقنا لماء أن يجعل متقلّبنا ومتقلّبكم إلى داره دار السلام" (^٢).
٤٧١ - حدثنا خالد بن مرداس، حدثنا أبو عقيل، عن القاسم بن عبيد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه عبد اللَّه بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: "ما خلق اللَّه -﷿- ميتة أموتها، بعد القتل في سبيل اللَّه -﷿- أحب إليّ من
_________________
(١) ورد في طبعة السواس وفي مخطوطة الظاهرية (ل ٢٧ ب): "نزلتا بختم من فضاء (كذا) ربهما".
(٢) إسناده لين؛ فيه جهالة المبهم ابن محمد بن حصين، ذم الدنيا (٦٦) رقم (١٦٠).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
أموت بين شعبتي رحل، أضرب في الأرض، أبتغي من فضل اللَّه" (^١).
٤٧٢ - حدثني عبد الرحيم بن يحيى الدبيلي، نا عثمان بن عمارة أبو سعيد عن المبارك بن فضالة، عن حميد بن هلال قال: "دخلت الكوفة وجلست إلى الربيع بن خيثم فقال: يا أخا بني عديّ، عليك بمكارم الأخلاق، فكن بها عاملا، ولها صاحبا، واعلم أن الذي خلق مكارم الأخلاق لم يخلقها ولم يدلّ عليها حتى أحبها وحبّبها إلى أهلها" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن، أبو عقيل صدوق ربما وهم مشهور بكنيته التقريب (٧٥٧٥)، إصلاح المال (٢٤١) رقم (٢٠٥)، ومعمر في الجامع كما في المصنف (١١/ ٤٦٤) رقم (٢١٠١٨) وفيه استثناء الجهاد في سبيل اللَّه أي بعد الجهاد، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٩٤) رقم (١٢٥٦) وقال: "ورواه غيره فقال: عن عمر بن الخطاب، لم يشك، وزاد: "وتلا هذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ "، قلت: لأنه يروى عن ابن عمر وعن عمر وأحيانا بالشك عن عمر أو ابنه، وذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٤/ ١١٢) ونسبه للثعلبي والبيهقي وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية.
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه متهم بالكذب في حديث الأبدال؛ إما شيخ المصنف أو شيخه كما في ميزان الاعتدال (٢/ ٦٠٨) و(٣/ ٥٠) والظاهر أن الأدمي هو الدبيلي والنسبة الثانية للبلد وهي مدينة بأرمينية كما في معجم البلدان (٢/ ٤٣٩) وفيه ذكر نسبة الدبيلي إليها لكن وقع فيه: (عبد الرحمن) بدل: (عبد الرحيم)، وهنا فائدة أخرى هي أن عبد الرحيم كانت له عناية بالتصوف وأحواله وإشاراته مما دعا أبا زرعة إلى التحذير من طريقته كما في سؤالات البرذعي (٥٦١)، مكارم الأخلاق (١١ - ١٢) رقم (٥١).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة التنصيص على إثبات خلق اللَّه لبعض أفعال العباد كمكارم الأخلاق، بل وخلق الخير والشر عموما، كما في موعظة الحسن حيث قال: "نزل بكم الخير والشر من قضائه"، وكذلك أثر عمر ابن الخطاب -﵁- فيه تمني الموت حال الجهاد أو طلب الرزق في الأرض، وهذه أعمال خير وبر وطاعة، وهي مخلوقة للَّه، ولهذا تمنى أن يدركه قضاء اللَّه على تلك الحال.
قال ابن القيم -﵀-: "هذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى اللَّه تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر، والعقول، والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة، فأخرجت طاعات ملائكته، وأنبيائه، ورسله، وعباده المؤمنين، وهي أشرف ما في العالم، عن ربوبيته، وتكوينه، ومشيئته، بل جعلوهم هم الخالقون لها، ولا تعلق لها بمشيئته، ولا تدخل تحت قدرته، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية، فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا، ولا يضل مهتديا، ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما، والكافر كافرا، والمصلي مصليا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك، لا بجعله تعالى، وقد نادى القرآن، بل الكتب السماوية كلها، والسنة، وأدلة التوحيد، والعقول على بطلان قولهم، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض، وصنف حزب الإسلام، وعصابة الرسول وعسكره، التصانيف في الرد عليهم، وهي
[ ٢ / ٥٩٤ ]
أكثر من أن يحصيها إلا اللَّه، ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم، ونواصيهم تحت أرجلهم؛ إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض، وبدعتهم بالسنة، والسنة لا يقوم لها شيء" (^١).
_________________
(١) شفاء العليل (٩١).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال.
٤٧٣ - حدثني محمد قال: حدثنا شعيب بن محرز قال: حدثنا صالح المري قال: سمعت يزيد الرقاشي يقول: "بلغنا أن عامر بن عبد اللَّه لما احتضر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: هذا الموت غاية الساعين، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه ما أبكي جزعا من الموت، ولكن أبكي على حرّ النهار وبرد الليل، وإني أستعين باللَّه على مصرعي هذا بين يديه" (^١).
٤٧٤ - أنبأنا إسحاق بن إبراهيم، أنا علي بن بزيع الهلالي، عن أبي حمزة الهجيمي قال: قال عامر بن عبد قيس: "إلهي خلقتني ولم تؤمرني في خلقي، وتميتني ولا تلمني، وخلقت معي عدوًّا وجعلته يجري مني مجرى الدم، وجعلته يراني ولا أراه، ثم قلت لي: استمسك، إلهي، كيف أستمسك إن لم تمسكني؟ إلهى في الدنيا الغموم والأحزان، وفي الآخرة العقاب والحساب، فأين الراحة والفرح" (^٢).
٤٧٥ - نا محمد بن أبي عمر المكي، وأحمد بن إبراهيم، عن عبد اللَّه
_________________
(١) إسناده ضعيف منقطع، فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤) ويزيد يرويه بلاغا، المحتضرين (١٤٠) رقم (١٧٧)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤١٤) رقم (٣٩٢٤)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٩).
(٢) إسناده لين؛ شيخ المصنف ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٦٤) وقال: "يروي عن أبي حمزة الهجيمي عن عامر بن عبد قيس الحكايات"، الهم والحزن (٧٠) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٧).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
ابن يزيد القرئ، نا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد اللَّه بن الوليد قال: سمعت عبد الرحمن بن حجيرة يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود يقول: "إنكم من الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، من زرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثلما زرع، لا يسبق بطيء بحظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدَّر له، فمن أعطي خيرا فاللَّه أعطاه، ومن وقي شرا فاللَّه وقاه، المتقون سادة، والعلماء قادة، ومجالسهم ريادة" (^١).
٤٧٦ - حدثني يوسف بن موسى، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن خالد ابن وردان، عن محمد بن كثير أنه كان يقول: "اللهم إنك سألتنا من أنفسنا ما لا نملك، فأعطنا من أنفسنا ما يرضيك عنّا، حتى تأخذ رضى نفسك من أنفسنا؛ إنك على كل شيء قدير" (^٢).
_________________
(١) إسناده لين؛ مداره على عبد اللَّه بن الوليد وهو التجيبي لين الحديث التقريب (٣٧١٥)، الليالي والأيام (١٦ - ١٧) رقم (٦)، والأثر فيه طمس استدركه المحقق من نثر الدر كما قال (١/ ٤٢٢)، والباقي لم يهتد إليه ووقع الأثر عنده من قول ابن عباس -﵁-، ثم وقفت عليه عند ابن عساكر كاملا فلله الحمد والمنة فقد أخرجه من طريق المصنف في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٧٦) فنقلت السند منه، وأخرجه كذلك الطبراني في الكبير (٩/ ١٠٥) رقم (٨٥٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٥): "رجاله موثقون"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٤)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٩٥) عن أبي عبد الرحمن المقرئ به، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٩٧).
(٢) إسناده حسن، خالد بن وردان ليس به بأس كما في الجرح والتعديل (٣/ ٣٥٦)، =
[ ٢ / ٥٩٧ ]
٤٧٧ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا الحكم بن سنان قال: كان مالك ابن دينار يقول: "اللهم أنت أصلحت الصالحين فأصلحنا حتى نكون صالحين" (^١).
٤٧٨ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني محمد بن القاسم خراط العنبر (^٢) عن سفيان بن عيينة قال: "بينما أنا أطوف بالبيت وإلى جانبي أعرابي، وهو ساكت، فلما أتمّ طوافه جاء إلى المقام فصلى ركعتين، ثم جاء فقام بحذاء البيت، فقال: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك فِيَّ سابق، وقضاؤك بي محيط، أطعتك بإذنك، والمنة لك، وعصيتك بعلمك، والحجة لك، فأسألك بوجوب حجّتك عليّ وانقطاع حجتي، وفقري إليك وغناك عني، إلا ما غفرت لي، قال سفيان: ففرحت فرحا ما أعلم متى فرحت مثله حين سمعته يتكلم بهؤلاء الكلمات" (^٣).
_________________
(١) = محاسبة النفس (١١١ - ١١٢) رقم (٩٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ١٤٥)، وفي طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٢٢٤) عن أبي هريرة.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه الحكم بن سنان وهو ضعيف التقريب (١٤٥٢)، التوبة (٧٥) رقم (٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٨٠)، ومن طريق المصنف البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٦٨) رقم (٧٣١٥)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٢٥).
(٣) الصواب محمد بن القاسم العنبري كما في الحلية (٧/ ٣٠٤).
(٤) إسناده لين، فيه محمد بن القاسم لم أعرفه، والأثر حسن بطرقه، التوبة (٨٨) رقم (٩٠)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٢٣) رقم (١١٨٦ - ١١٨٨) =
[ ٢ / ٥٩٨ ]
٤٧٩ - حدثنا عبد اللَّه بن الهيثم الدوري، أخبرنا شعيب بن حرب، حدثنا الوليد بن نمير بن أوس الأشعري، عن أبيه (^١) قال: "كانوا يقولون: الأدب من الآباء، والصلاح من اللَّه" (^٢).
٤٨٠ - حدثني محمد قال: حدثني عمر بن حفص قال: حدثني سكين ابن مكين -رجل من بني عج- قال: "كانت بيننا وبينه قرابة - يعني ورّادا، فسألت أختا له أصغر منه، قال: قلت: كيف كان ليله؟ قالت: بكاء عامة الليل وتضرع، قلت: فما كان طُعمه؟ قالت: قرص في أول الليل، وقرص في آخره عند السحر، قلت: فتحفظين من دعائه شيئًا؟ قالت: نعم، كان إذا كان أو قريب من طلوع الفجر سجد، ثم بكى، ثم
_________________
(١) = من طرق عن سفيان بن عيينة والثوري، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٠٤) من طريق المصنف، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٥٠٠) رقم (٤١٩٧) عن ابن عيينة، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٤٠٩)، وابن قدامة في المغني (٥/ ٢٦٩) مطولا، ونسبه اليافعي في مرهم العلل المضلة (١٤٧) إلى البيهقي واستشهد به في القدر فليراجع.
(٢) هو نمير بن أوس الأشعري، ويقال الأشجعي، قاضي دمشق، لا تصح له صحبة كما حققه ابن عبد البر، كان قليل الحديث، مات سنة (١٥ هـ) أو عشرين أو إحدى وعشرين، الإصابة (٦/ ٥١١).
(٣) إسناده لين، الوليد بن نمير مقبول التقريب (٧٥١٠)، العيال (٥٣٦) رقم (٣٥٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤٩٠)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٣٢٩) من قول نمير نفسه.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
قال: مولاي عبدك يحب الاتّصال بطاعتك، فأعنه عليها بتوفيقك أيها المنّان، مولاي عبدك يحبّ اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنّك عليه أيها المنان، مولاي عبدك عظيم الرجاء لخيرك، فلا تقطع رجاءه يوم يفرح بخيرك الفائزون، قالت: فلا يزال على هذا ونحوه حتى يصبح، قالت: وكان قد كلّ من الاجتهاد، وتغيّر لونه جدا" (^١).
٤٨١ - حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن السكن قال: حدثنا أيوب (^٢) بن محمد العجلي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر؛ فإن اللَّه قد أحيا بك سننا، وأظهر بك عدلا، فبكى ثم قال: أليس أوقف فأُسأل عن أمر هذا الخلق؟ فواللَّه لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجّتها بين يدي اللَّه إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه، فلم يلبث إلا يسيرا بعدها حتى مات ﵀" (^٣).
_________________
(١) فيه سكين لم أجده، وذكر المحقق اختلافا في اسمه واسم أبيه في مصادر التخريج فلعله مصحف واللَّه أعلم، الرقة والبكاء (١٩٣) رقم (٢٧٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٦٢)، وابن قدامة في الرقة والبكاء (٣٠٥).
(٢) ذكر المحقق أن الاسم مطموس ولم يبق منه إلا الحرف الأول وهو الألف، قلت: واستدركته من تاريخ دمشق.
(٣) إسناده ضعيف، فيه أيوب بن محمد العجلي اليمامي ضعفه ابن معين وغيره، انظر لسان الميزان (١/ ٤٨٧)، المحتضرين (٨٣) رقم (٨٩)، ومن طريقه ابن عساكر في =
[ ٢ / ٦٠٠ ]
٤٨٢ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن القرشي، عن عبد اللَّه بن عكيم قال: "خطبنا أبو بكر الصديق -﵁- فقال: اعلموا عباد اللَّه أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن ينقضي وأنتم في عمل اللَّه فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا باللَّه، فسارعوا في مهل أعماركم من قبل أن تقضى آجالكم، فيردّكم إلى أسوأ أعمالكم" (^١).
٤٨٣ - قال محمد بن الحسين: حدثني خلف بن إسماعيل قال: "سمعت رجلا مبتلى من هؤلاء الزمنى يقول: وعزّتك لو أمرت هوام الأرض فقسمتني مضغا، ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبرا، وعنك بمنِّك وحمدك إلا رضا، قال خلف: وكان الجذام قد قطع يديه ورجليه، وعامة بدنه" (^٢).
_________________
(١) = تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٥٤)، والغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٦٩٧).
(٢) إسناده ضعيف؛ مداره على عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف التقريب (٣٨٢٣)، قصر الأمل (١٣١) رقم (١٩٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩١) رقم (٣٤٤٣١)، هناد في الزهد (١/ ٢٨٣) رقم (٣٤٤٣١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤) وقال: "حديث صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي بقوله: "عبد الرحمن بن إسحاق كوفي ضعيف"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٦٤) رقم (١٠/ ٥٩٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٣٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٢٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فيه إسماعيل بن خلف، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٧٣) ولم يذكر =
[ ٢ / ٦٠١ ]
٤٨٤ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن قال: قال ابن السماك: "تباركت يا عظيم، لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة أُطعت فيها، ما زاد على النعماء التي تبتليها (^١)، وإنك لتزيد في الإحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الإساءة إحسان، فلا أنت بكثرة الإساءة منا تدع الإحسان، ولا نحن بكثرة الإحسان منك إلينا عن الاساءة نقلع، أبيت إلا إحسانا وأبينا إلا إساء واجتراء، فمن ذا الذي يحصي نعمك، ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك، إلا بتوفيقك ونعمك، ولقد فكّرت في طاعة المطيعين، فوجدت رحمتك مقدمة لطاعتهم، ولولا ذلك لما وصلوا إليها، فنسألك بالرحمة المتقدّمة للمطيعين قبل طاعتهم لما مننت على العاصين بعد معصيتهم" (^٢).
٤٨٥ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه قال: حدثني محمد بن إسماعيل بن عياش قال: حدثني أبي قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد
_________________
(١) = فيه جرحا ولا تعديلا، ونسبه بقوله: "الخزاعي"، لكن وقع في الحلية (٧/ ٨) نسبته بقوله: "البرزاني" فاللَّه أعلم، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٧) رقم (٦٦).
(٢) كذا في طبعتي السيد وشاحونة، واستغربها مجدي السيد، لكنها وردت في مخطوطة الظاهرية (ل ١٩٧ أ): "النعماء التي تنيلنيها"، وصححت في الهامش إلى: "النعم التي تنيلها"، ولعلها الأقرب.
(٣) إسناده ضعيف، شيخ المصنف مقبول التقريب (١٣٣٦)، وأظنه منقطعًا بينه وبين ابن السماك؛ لأنه لم يذكر في شيوخه، مع أنهما من طبقة واحدة تقريبا، وليس في السند تصريح بالسماع واللَّه أعلم، حسن الظن باللَّه (٨٠) رقم (٩١).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وغيره قال: "كان مروان بن الحكم (^١) إذا ذكر الإسلام قال: بنعمة ربي لا بما قدّمت يديّ ولا بإرادتي، إني كنت خاطئا" (^٢).
٤٨٦ - حدثني محمد بن إسحاق المسيّبي المخزومي قال: حدثنا أنس ابن عياض، عن يزيد بن أبي عبيد قال: قال سلمة بن الأكوع: "كان رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه في سفر نحو حنين ذاهبين فقال رجل: يا عامر بن سنان (^٣) أسمعنا من هَنَاتِك (^٤) فنزل عامر فقال:
واللَّه لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فاغفر لذاك اليوم ما أتينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
_________________
(١) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولد على عهد النبي، ولم يره، اسكتتبه عثمان ﵁، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤ هـ)، ومات سنة (٦٥ هـ) وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لا تثبت له صحبة، أسد الغابة (١/ ١٠٠٣)، التقريب (٦٥٦٧).
(٢) إسناده منقطع والأثر صحيح، محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه انظر التقريب (٥٧٧٢) والجرح والتعديل (٧/ ١٨٩)، وإن كان هنا صرح بالسماع فاللَّه أعلم، لكن تابعه عند ابن أبي عاصم أبو اليمان وهو الحكم بن نافع البهراي ثقة ثبت، التقريب (١٤٧٢)، الشكر (١٢٦) رقم (١١٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٩٤) رقم (٥٤٧).
(٣) هو عامر بن سنان بن عبد اللَّه بن قشير الأسلمي، المعروف بابن الأكوع، عم سلمة ابن عمرو بن الأكوع، ويقال أخوه، استشهد يوم خيبر، الإصابة (٣/ ٥٨٢)، الوافي بالوفيات (١/ ٢٣٢١).
(٤) أي من كلماتك أو أراجيزك، كما في لسان العرب (١٥/ ٣٦٥).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عوَّلوا علينا
فقال رسول اللَّه -ﷺ- من السائق؟، قالوا: عامر، قال: يرحمه اللَّه، فقال رجل من القوم: وجبت واللَّه يا رسول اللَّه، لو متّعتنا به، قال: فأصيب بحنين" (^١).
٤٨٧ - حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه ﷿ من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منحه منها خلقا حسنا" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أمر مهم من أمور القدر وهو إثبات أن التوفيق للأعمال الصالحة، والهدى والطاعة متعلق بمشيئه اللَّه، وأنه إذا حصل توفيق اللَّه للعبد نال كل خير، ولذلك فإنك تجد في هذه الآثار فقه السلف لهذا الأمر، فعند سكرات الموت يستعين عامر بن عبد اللَّه باللَّه على مصرعه، ويناجي عامر بن عبد قيس ربه فيطلب منه أن يمسكه عن فعل المعاصي، وأنه إن لم يحصل هذا الإمساك فكيف سيستمسك؟، وهكذا ابن مسعود -﵁- ذكر أن اللَّه هو المعطي للخير، الواقي من الشر، ومحمد بن كثير ذكر أن رضا اللَّه لا نملكه بل هو سبحانه يعطينا ما نرضيه
_________________
(١) الإشراف (٢٥٨ - ٢٥٩) رقم (٣٣٠)، وأخرجاه: البخاري (٧/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، ومسلم كتاب الجهاد (١٨/ ١٦٥ - ١٦٧)، وكان -ﷺ- إذا ترحم على أحد رزق الشهادة.
(٢) سبق (٤٦٨) الأثر مخرجا.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
به، ومالك بن دينار يسأل اللَّه أن يصلحه لأنه هو الذي أصلح الصالحين، والأعرابي الذي طاف بالبيت ناجى ربه واعترف بأنه أطاعه بإذنه والمنة له، وفي أثر نمير الأشعري توضيح أدق حيث ذكر أن الأدب من الآباء وهو فعلهم وهم سببه، لكن نتيجة ذلك وأثره وهو الصلاح فمن اللَّه، وكذا وراد العجلي يناجي ربه بأن يعينه بتوفيقه لفعل طاعته واجتناب نواهيه، بل إن عمر بن عبد العزيز رغم عدله في الرعية، فإنه خاف أن لا تقوم نفسه بحجتها أمام اللَّه إلا أن يلقنه إياها اللَّه تعالى، وخطبة أبي بكر الصديق -﵁- بيّنت أن فعل العبل واستطاعته ليس ممكنا إلا باللَّه، وهكذا بقية الآثار في أن كل خير وفعل حسن فإنه بتوفيق اللَّه ومنه ونعمته على عبده.
ومسألة الهداية والضلال هي: "قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر اللَّه لعبده، وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به، ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال، وقد اتفقت رسل اللَّه من أولهم إلى أخرهم، وكتبه المنزلة عليهم، على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده، لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه، ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن؛ فأما مراتب الهدى فأربعة؛ إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها، وما
[ ٢ / ٦٠٥ ]
يقيمها، وهذا أعم مراتبه.
المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة، والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى، وأعم من الثالثة.
المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق، ومشيئة اللَّه لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى، وإرادته، والقدرة عليه للعبد، وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا اللَّه -﷿-.
المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار" (^١).
_________________
(١) شفاء العليل (١١٧).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي).
٤٨٨ - حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثني سهل بن عاصم (^١) قال: "كان يقال: عقوبة الذنبِ الذنبُ" (^٢).
٤٨٩ - حدثني أبو عبد اللَّه التميمي، عن سليمان بن الحكم بن عوانة (^٣): "أن رجلا دعا بعرفات فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن سكَّنت توحيدك قلوبنا، قال: ثم بكى وقال: ما أخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت فبذنوبنا، لتجمعنّ (^٤) بيننا وبين قوم طال ما عاديناهم فيك" (^٥).
_________________
(١) انظر التخريج الآتي.
(٢) إسناده حسن، سهل بن عاصم سبق (٣٠٠) قول أبي حاتم فيه: "شيخ"، العقوبات (٥٨) رقم (٦٨)، والسلمي في طبقات الصوفية (١/ ٢٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٤٦) رقم (٧٢٢٢) عن أبي الحسين المزين، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٦٦)، وابن العماد في شذرات الذهب (١/ ٣١٦).
(٣) هو سليمان بن الحكم بن عوانة، ضعفوه، وقواه النفيلي وقال ابن عدي: "لسليمان ابن الحكم بن عوانة أخبار مسندة ليس بكثير، إلا أنه يروي من الأخبار أخبارا حسانا عن العوام بن حوشب وغيره، ولم أر في مقدار ما يرويه حديثا منكرا فأذكره"، الكامل (٣/ ٢٥٨)، لسان الميزان (٣/ ٨٢).
(٤) كذا في المخطوط والمطبوع بلام التوكيد، والظاهر أنها خطأ والمراد النفي واللَّه أعلم، وقد وردت بالنفي في التخويف من النار (١٩٠).
(٥) إسناده حسن، حسن الظن باللَّه (٢٥ - ٢٦) رقم (١٢)، وابن رجب في التخويف من =
[ ٢ / ٦٠٧ ]
٤٩٠ - حدثنا خلف بن هشام قال: ثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن قال: "خلق اللَّه آدم حين خلقه، فأخرج أهل الجنة فدبّوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصمّ والمبتلى، فقال آدم: يا ربّ، ألا سوّيت بين ولدي، قال: يا آدم، إني أردت أن أُشكر" (^١).
٤٩١ - حدثنا أحمد بن عبيد التميمي قال: قال أعرابي: "الحمد للَّه الذي لا يحمد على المكروه غيره" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة نفي الجور عن اللَّه -﷿-، وإثبات العدل له في أفعاله وأحكامه، فالذنب الذي يفعله العبد هو عقوبة على ذنب سبقه كما في أثر سهل بن عاصم، وفي دعاء الرجل بعرفات أن اللَّه لا يظلم
_________________
(١) = النار (١٩٠)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٣٣) من دعاء يزيد الرقاشي.
(٢) إسناده ضعيف، فيه الحكم بن سنان وهو القربي ضعيف التقريب (١٤٥٢)، الشكر (٦٥) رقم (١٦٢)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٠٧) رقم (٤٤٤١)، وابن كثير أيضًا في البداية والنهاية (١/ ٨٨)، وزاد السيوطي في الدر (٣/ ٦٠٣) نسبته إلى أبي الشيخ.
(٣) فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة إلا ما ذكره المزي في تهذيب الكمال (٣/ ٢٤٢) من كونه يروي عن سلمة بن بشر وسماه أبو الحسن أحمد بن عبيد التميمي العنبري وبدأ به في الرواة عن سلمة، الشكر (٣٧) رقم (٨٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١١٨) رقم (٤٤٩٥)، وانظر فتح الباري (٣/ ٢٩٠) ففيه بحث حول أن اللَّه هو الذي يشكر على كل الأحوال واستشكال حديث المتصدق على الزانية. . . .
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الناس شيئًا؛ فلا يعذبهم بالنار بعد أن وحدوه، وهذا مقتضى عفوه، ولو عذبهم فبذنوبهم، وكذلك خلق اللَّه العباد مختلفي الحالات منهم المبتلى والأعمى والأصم ولم يسوِّ بينهم؛ لأنه سبحانه يحب أن يشكر، وهو الذي لا يحمد على المكروه سواه.
وهذه المسألة من أهم مسائل القضاء والقدر قال شيخ الإسلام: "اتفق المسلمون وسائر أهل الملل، على أن اللَّه تعالى عدل، قائم بالقسط، لا يظلم شيئًا، بل هو منزه عن الظلم، ثم لما خاضوا في القدر، تنازعوا في معنى كونه عدلا وفي الظلم لذي هو منزه عنه. . . وهذا الأصل وهو عدل الرب، يتعلق يحميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب، ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله، وشرائعه، وكتبه المنزلة، وما يدخل في ذلك من مسائل المبدأ، والمعاد، ومسائل النبوات، وآياتهم، والثواب، والعقاب، ومسائل التعديل والتجوير وغير ذلك" (^١).
وقد بين ابن أبي العز ﵀ لما شرح قول الطحاوي: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا) أن توفية هذا المقام حقه يبلغ به المسلم أعلى مقامات العبودية فقال: "روى أبو داود والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت عن النبي -ﷺ-: "لو أن اللَّه عذب أهل سمواته، وأهل أرضهن لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم
_________________
(١) رسالة في معنى كون الرب عادلا (١٢١، ١٢٥).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" (^١)، وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة، ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل، وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة اللَّه وجلاله، قدر نعم اللَّه على خلقه وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه. . . وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، . . .وسأله -أي النبي -ﷺ- الصديق دعاء يدعو به في صلاته فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (^٢)، فإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فما الظن بمن سواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة تقصيره" (^٣).
وقد أورد على كون الذنب عقوبة على ذنب قبله، سؤالٌ قال ابن القيم: "يبقى أن يقال في الكلام: فالذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ فيقال: هو عقوبة أيضًا على عدم ما خلق له وفطر عليه، فإن اللَّه
_________________
(١) قال الألباني في التعليق على الطحاوية (٤٥١): "صحيح".
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٤٥٠ - ٤٥١).
[ ٢ / ٦١٠ ]
سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه. . .فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة اللَّه وعبوديته والإنابة إليه، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فلأنه صادف قلبا فارغا خاليا قابلا للخير وللشرّ ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن من الشر. . .وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه وخلوه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة على عدم هذا الإخلاص وهذا محض العدل.
فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قلت: هذا سؤال فاسد فإن العدم كاسمه يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض والشر ليس إلى الرب -﵎-" (^١).
ومن هنا لم يسوِّ بين جميع عباده في الخِلْقَة، ولا في الهداية والضلال؛ لأن له في ذلك حكما كثيرة، وهو سبحانه لذلك يحمد على كل حال، قال ابن القيم ﵀: "فصل في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه، والمقصود بيان شمول حمده سبحانه وحكمته لكل ما يحدثه، من إحسان، ونعمة، وامتحان، وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، واللَّه تعالى محمود على ذلك مشكور، حمد المدح، وحمد الشكر، أما حمد المدح
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (١٨٨)، وانظر بقية كلامه فإنه مهم، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٣٣١)، شرح العقيدة الطحاوية (٤٤٠ - ٤٤٤).
[ ٢ / ٦١١ ]
فاللَّه محمود على كل ما خلق؛ إذ هو رب العالمين، والحمد للَّه رب العالمين، وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن؛ إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة، إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعة من أجل نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة، والاستغفار، والإنابة، والذل، والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة، والاستغفار. . .هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه، وأما بالإضافة إلى العبد؛ فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة، والإنابة. . .فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه. . . ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها. . . والرب سبحانه محمود على ذلك أيضًا، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان. . .فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها، ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح، التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية، وأن خلق الأضداد، والمقابلات، وترتيب آثارها
[ ٢ / ٦١٢ ]
عليها، موجب ربوبيته، وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية، وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن؛ فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه، ويده، ولسانه، أو بقلبه ولسانه فقط، أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه، ونفسه، وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك" (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين (١١٨ - ١١٩).
[ ٢ / ٦١٣ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة.
المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة.
المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر. والصبر عليه، وبين العزم على ذلك.
[ ٢ / ٦١٤ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه.
٤٩٢ - حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان -يعني الداراني- يقول: "ما أعرف للرضا حدًّا، ولا للزهد حدًّا، ولا للورع حدًّا، ما أعرف من كل شيء إلا طريقه، قال أحمد: فحدثت به سليمان ابنه فقال: لكني أعرفه: من رضي في كل شيء فقد بلغ حدّ الرضا، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حدّ الزهد، ومن تورّع في كل شيء فقد بلغ حدّ الورع، وسمعت أبا سليمان يقول: "الورع من الزهد بمنزلة القناعة من الرضا" (^١).
٤٩٣ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: "إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض" (^٢).
٤٩٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني قادم الديلمي العابد قال: قلت لفضيل بن عياض: "من الراضي عن اللَّه؟ قال: الذي لا يحب
_________________
(١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٨) رقم (١٠١)، وابن بشر في الزهد برقم (٢٤) وفيه زيادة: "قال فهذا أول الرضا يعني القناعة وهو أول الزهد يعني الورع"، والقشيري في الرسالة (١/ ٤١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩٢٧٤)، وابن عساكر من طريق المصنف في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٤٦).
(٢) إسناده صحيح، وحسنه شيخ الإسلام واستحسنه في الاستقامة (٢/ ٧١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣١ - ٣٢) رقم (١٨)، وطبقات الصوفية أطول من هذه (٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٥ - ٦).
[ ٢ / ٦١٥ ]
أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها" (^١).
٤٩٥ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: "الراضي لا يتمنّى فوق منزلته" (^٢).
٤٩٦ - حدثني أبو عبد اللَّه المروزي رجل من أهل مرو قال: قال حفص بن حميد: "كنت عند عبد اللَّه بن المبارك بالكوفة (^٣) حين ماتت أمه، فسألته ما الرضا؟ قال: الرضا لا يتمنى (^٤) خلاف حاله، فجاء أبو بكر بن عياش (^٥) فعزّى عبد اللَّه، قال حفص: ولم أعرفه، فقال عبد اللَّه:
_________________
(١) إسناده حسن، قادم الديلمي من أصحاب الفضيل بن عياض وأقرانه وسلك مسلكه في الخضوع والخشوع، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٤) رقم (٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣١).
(٢) إسناده حسن، سبق الكلام في رواية ابن الأشعث (٢٣٣) عن التفصيل، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٠) رقم (١٦)، والبيهقي في الشعب الإيمان (١/ ٢٢٧) رقم (٢٣٠) بلفظ: "الراضي لا شيء فوق منزلته" وكأن فيه تحريفا واللَّه أعلم، ويروى هذا عن بشر الحافي عن الفضيل ذكره القشيري في الرسالة وقال شيخ الإسلام في الاستقامة (٢/ ٨١): "أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل.
(٣) المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، معجم البلدان (٤/ ٤٩٠).
(٤) ووقع في طبعة السلفي: "الإظهار خلاف حاله" وهو خطأ في المعنى ظاهر، لا يصدر من مثل ابن المبارك ﵀، والكلمة واضحة في المخطوط كما هو مثبت.
(٥) هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي، المقرئ الحناط، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل في اسمه عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، مات سنة (١٩٤ هـ) وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين، وقد قارب =
[ ٢ / ٦١٦ ]
سله عما كنا فيه، فسألته فقال: من لم يتكلم بغير الرضا، فهو راض، قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض فقال: ذلك للخواص" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان معنى الرضا وتعريفه، وهي عبارات مختلفة فسليمان الداراني عرفه بأنه الرضى في كل شيء، وأبو عرفه بأنه السلوة عن الشهوات، والفضيل عرفه بأنه عدم تمني منزلة فوق ما أنت عليه، وقريب منه تعريف ابن المبارك، وأبو بكر بن عياش عرفه بأنه عدم التكلم بغير الرضا، قال ابن رجب: "الرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية" (^٢)، وقد استحسن شيخ الإسلام بعض هذه التعاريف لا تكلم عما أورده القشيري من ذلك ووجهها بقوله: "ذكر آثارا حسنة، بأسانيد حسنة، مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض. . . وذكر عن الشيخ أبي
_________________
(١) = المائة، وروايته في مقدمة مسلم، التقريب (٧٩٨٥).
(٢) إسناده حسن، حفص بن حميد صدوق التقريب (١٤١٣)، وأبو عبد اللَّه المروزي هو أحمد ابن نصر الخزاعي كما سبق (٢٥٩) تحقيقه، وليس محمد بن نصر الفقيه كما حققه السلفي واللَّه أعلم، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٣ - ٣٤) رقم (٢٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٥).
[ ٢ / ٦١٧ ]
عبد الرحمن أنه قال سمعت النصرآباذي يقول: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللَّه رضاه فيه؛ فإن هذا الكلام في غاية الحسن؛ فإنه من لزم ما يرضي اللَّه من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لا سيما إذ قام بواجبها، ومستحبها يرضي اللَّه عنه. . . وكذلك قول الشيخ أبي سليمان. . . وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم اللَّه له من الرزق، وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته، كلام حسن، لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل، وكذلك ما ذكره معلقا قال: وقيل: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء؛ فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ﵁، سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليما، وتأديبا، وتقويما، وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا، فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالا ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه" (^١).
_________________
(١) الاستقامة (٢/ ٨٠) فما بعدها.
[ ٢ / ٦١٨ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله.
٤٩٧ - قال نصر بن علي: حدثنا أبي، عن شداد بن سعيد الراسبي، عن غيلان بن جرير (^١) قال: "من أعطى الرضا، والتوكّل، والتفويض فقد كفي" (^٢).
٤٩٨ - حدثنا الحسن، عن سفيان قال: "سمعت المفسرين من كل جانب يقولون في قوله: ﴿أَغْنَى﴾: أرضى، قال سفيان: لا يكون غنيا أبدا حتى يرضى بما قسم اللَّه له فذللك الغنى" (^٣).
٤٩٩ - حدثنا الفضل بن جعفر قال: حدثنا يحيى بن عمير العنزي قال: حدثنا الربيع بن صبيح قال: كان الحسن يقول: "ارض عن اللَّه يرض اللَّه عنك، واعط اللَّه الحق من نفسك، أما سمعت ما قال ﵎: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٤) " (^٥).
_________________
(١) هو غيلان بن جرير المعولي الأزدي البصري، ثقة، مات سنة (١٢٩ هـ)، التقريب (٥٣٦٩).
(٢) إسناده حسن، شداد بن سعيد صدوق يخطئ التقريب (٢٧٧٠)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٦ - ٨٧) رقم (١٠٠).
(٣) إسناده حسن، الرضا عن اللَّه بقصائه والتسليم بأمره (٨٤) رقم (٩٥).
(٤) سورة البينة، من الآية (٨).
(٥) إسناده ضعيف، يحيى بن عمير لعله المدني البزاز مقبول التقريب (٧٦٦٧)، وشيخه الربيع صدوق سيء الحفظ، التقريب (١٩٠٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨١) رقم (٩٠).
[ ٢ / ٦١٩ ]
٥٠٠ - حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي هارون المديني قال: قال ابن مسعود: "إن اللَّه ﵎ بقسطه وحلمه، جعل الروح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (^١).
٥٠١ - حدثنا الحسن بن الصباح، عن سفيان، قال: قال الحسن: "من رضي بما قسم اللَّه له وَسِعَه، وبارك اللَّه له فيه، ومن لم يرض لم يَسَعْه ولم يبَارَك له فيه" (^٢).
٥٠٢ - حدثنا علي بن الحسن، عن مصعب بن ماهان، عن سفيان في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ (^٣) قال: المطمئنين، الراضين بقضائه، المستسلمين له" (^٤).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يهم التقريب (١٢٦١) وقد وثقه الإمام أحمد وغيره ورفع من قدره، وكان صاحب سنة وجلالة ببغداد، وتابعه هناد بن السري وغيره، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٣) رقم (٩٣)، اليقين برقم (٢٣) (٣٢)، وابن المبارك في الزهد - زيادت نعيم - برقم (١٠٠٤، ١٤٣٨)، وهناد في الزهد برقم (٥٣٥)، وابن عساكر من طريق المصنف في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٧٥).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يهم، كما في الأثر السابق، وتوثيق أحمد له ورفعه من قدره، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٤) رقم (٩٤).
(٣) سورة الحج، آية (٣٤).
(٤) إسناده ضعيف، مصعب بن ماهان صدوق كثير الخطأ التقريب (٦٧٣٩)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٤) رقم (٧٩)، وعلقه البخاري في صحيحه =
[ ٢ / ٦٢٠ ]
٥٠٣ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثني عمرو بن أسلم العابد قال: سمعت أبا معاوية الأسود (^١) يقول في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (^٢) قال: هي الرضا والقناعة" (^٣).
٥٠٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت عبد اللَّه البراثي يقول: "من وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات" (^٤).
٥٠٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثني مسكين بن عبد اللَّه
_________________
(١) = (٨/ ٤٣٨ فتح) وقال ابن حجر: "هو كذلك في تفسير ابن عيينة، لكن أسنده عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكذا هو عند ابن المنذر من هذا الوجه" وقال في (١/ ١١٠): "أي المطمئنين كذا في الأصل وهو تفسير باللازم"، وذكره ابن كتير (٣/ ٢٢٢).
(٢) هو أبو معاوية الأسود الزاهد مولى بني أمية صحب سفيان الثوري وغيره، لا يعرف اسمه وإنما يعرف بكنيته، له كرامات، له ترجمة في تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٤٠ - ٢٤٥).
(٣) سورة النحل، الآية (٩٧).
(٤) إسناده حسن، عمرو بن أسلم صدوق كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٦)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٨ - ٤٩) رقم (٤٢) ورقم (٧١)، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس -﵁- هو ما رجحه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٧٢)، وانظر الدر المنثور كذلك (٥/ ١٦٤)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم عن بعض السلف (١/ ١٩٥).
(٥) إسناده حسن، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٢) رقم (٣١)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٨) مطولا، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٣٨٩)، ورواه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٥٠) عن بشر الحافي مطولا.
[ ٢ / ٦٢١ ]
قال: سمعت هدابا يقول: قال لي بعض العباد: "إن أنت رضيت مهما أعطيت، خفّ الحساب فيما أوتيت" (^١).
٥٠٦ - حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن شيخ من أهل البصرة، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال: "من رضي من اللَّه بالرزق اليسير، رضي اللَّه منه بالعمل القليل" (^٢).
٥٠٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت أبا عبد اللَّه البراثي يقول: "لن يرد الآخرة أرفع درجات من الراضين عن اللَّه -﷿- على كل حال" (^٣).
٥٠٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو أسامة
_________________
(١) إسناده لين، فيه مسكين بن عبد اللَّه، أورده ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٤٩)، ولم يذكر فيه البخاري وأبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٨/ ٣)، والجرح والتعديل (٨/ ٣٢٩)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٣) رقم (٣٢).
(٢) إسناده ضعيف لإبهام الشيخ البصري، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٣ - ٤٤) رقم (٣٣)، وفي الإحياء (٤/ ٣٣٤)، مرفوعا من حديث علي بن أبي طالب وتعقبه العراقي في تخريجه، وانظر ضعيف الجامع للألباني برقم (٥٦٠١) والضعيفة برقم (٢٣٧٣).
(٣) إسناده حسن، فإن حكيم بن جعفر ذكره ابن أبي حاتم (٣/ ٢٠٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكان أحد العباد الزهاد ومشهور بالرواية عن البراثي انظر الإكمال (١/ ٥٣٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٥) رقم (٢٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٨).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
قال: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق (^١) قال: "كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظه للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء، والكلب يحرسهم، قال: فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا لذهاب الديك، وكان الرجل صالحا، فقال: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا ما شاء اللَّه، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله، فحزنوا لذهاب الحمار، فقال الرجل الصالح: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا ما شاء اللَّه بعد ذلك، ثم أصيب الكلب، فقال الرجل الصالح: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا بعد ذلك ما شاء اللَّه، فأصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم، وبقوا هم، قال: وإنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من الصوت والجلبة، ولم يكن عند أولئك شيء يجدب، قد ذهب كلبهم وحمارهم وديكهم" (^٢).
٥٠٩ - حدثني الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: "اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فتذاكرا العيش، فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، وقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشاء ولم يجد غداء،
_________________
(١) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه، عابد مخضرم، مات سنة (٦٢ هـ) ويقال التي بعدها، التقريب (٦٦٠١).
(٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٨ - ٣٩) رقم (٢٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٤٩) رقم (٣٤٨٧٧).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وهو عن اللَّه -﷿- راض، أو فقال: واللَّه عنه راض" (^١).
٥١٠ - حدثني محمد بن إدريس، عن زهير بن عباد، عن السري بن حيان قال: قال عبد الواحد بن زيد: "الرضا باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين" (^٢).
٥١١ - حدثني علي بن الحسين العامري قال: حدثني أبو ذر قال: حدثنا عمر بن ذر قال: "بلغنا أن أم الدرداء (^٣) كانت تقول: "إن الراضين بقضاء اللَّه: الذين ما قضى اللَّه لهم رضوا به، لهم في الجنة منار (^٤) ليغبطهم
_________________
(١) إسناده حسن، ضمرة وابن شوذب صدوقان، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣١) رقم (١٧)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٤٨)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ١٨٠) رقم (٤٢٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٥)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٤١) والسير (١٩/ ٣٥٧) من طريق المصنف، والخليلي في الإرشاد (٣/ ٨٧٨)، الحلية (٢/ ٣٤٩).
(٢) فيه السري بن حيان ذكره البخاري وأبو حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٤/ ١٧٤)، والجرح والتعديل (٤/ ٢٨٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٧ - ٢٨) رقم (١٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٥٦).
(٣) هي أم الدرداء زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة وقيل جهيمة الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة -وهي صحابية أيضًا- ولا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى ثقة فقيهة، ماتت سنة (٨١ هـ)، الإصابة (٧/ ٦٢٩)، التقريب (٨٧٢٨).
(٤) في طبعة المباركفوري: "منازلا" وهو كذلك في مخطوطة الظاهرية "ل ١٦٤ ب".
[ ٢ / ٦٢٤ ]
بها الشهداء يوم القيامة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة فضل الرضا بالقدر والتسليم له، وذكر أئمة السلف عدة فضائل للرضا بالقدر، فمنها: حصول الكفاية والغنى لصاحبه، وهو سبب رضا اللَّه، وسبب حصول البركة، وصاحبه له البشرى من اللَّه، وهو الحياة الطيبة، وصاحبه بلغ أفضل الدرجات، ويخف حسابه فيما أوتي، والراضي بيسير الرزق، يجازيه اللَّه بالرضا بيسير العمل، وعاقبة صاحبه إلى خير كصاحب الكلب والحمار والديك، الذي رضي فجوزي بالنجاة من السبي، وهو باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، ويغبطهم الشهداء يوم القيامة، هذا ملخص الفضل الذي ورد في الآثار السابقة للرضا.
قال ابن القيم -﵀-: "أجمع العلماء على أنه مستحب، مؤكد استحبابه، واختلفوا في وجوبه على قولين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد، وكان يذهب إلى القول باستحبابه. . . ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم" (^٢).
_________________
(١) إسناده منقطع، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٤ - ٢٥) رقم (٨).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٢)، والكلام الأخير من قول شيخ الإسلام الهروي.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب.
٥١٢ - حدثني أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم العبدي، حدثنا عامر ابن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه (^١): "أنه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كانوا بوادي القرى (^٢) وجد في رجله شيئًا، فظهرت به قرحة، وكانوا على رواحل فأرادوه أن يركب محملا فأبى عليهم، فرحلوا ناقة له بمحمل فركبها ولم يركب محملا قبل ذلك، فلما أصبح تلا هذه الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (^٣)، حتى فرغ منها، فقال: لقد أنعم اللَّه على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة لا يؤدّون شكرها، وترقّى في رجله الوجع، حتى قدم على الوليد، فلما رآه الوليد قال: يا أبا عبد اللَّه اقطعها؛ فإني أخاف أن يبالغ فوق ذلك، قال: فدونك، فدعا له الطبيب، فقال له: اشرب المُرقِد (^٤)، قال: لا أشرب
_________________
(١) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة فقيه مشهور، له أخبار في العبادة وتلاوة القرآن والتجلد، مات سنة (٩٤ هـ) على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عثمان، مشاهير علماء الأمصار (٦٤)، التقريب (٥٤٦١).
(٢) هو واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، فتحها النبي عنوة ثم صولحوا على الجزية، معجم البلدان (٥/ ٣٤٥).
(٣) سورة فاطر، الآية (٢).
(٤) دواء يُرْقِد من يشربه، مختار الصحاح (٢٦٧)، وهو المعروف اليوم بالبنج ونحوه.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
مُرقِدا أبدا (^١)، قال: فعذرها الطبيب واحتاط بشيء من اللحم مخافة أن يبقى منها شيء فيرقى، فأخذ منشارا فأمسّه بالنار واتّكأ له عروة، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على أن يقول: حسّ حسّ (^٢)، فقال الوليد: ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا (^٣)، وأصيب عروة بابن له يقال له: محمد في ذلك السفر، ودخل اصطبل دواب من الليل ليبول، فركضته بغلة فقتلته، وكان من أحب ولده إليه (^٤)، ولم يُسمَع من عروة في ذلك كلمة، حتى رجع فلما كان بوادي القرى قال: ﴿لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (^٥)، اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، وكانت لي أطراف أربعة فأخذت مني طرفا وبقيت ثلاث، وأيمك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت، فلما قدم المدينة جاء رجل من قومه
_________________
(١) وفي رقم (١٦٤): "ما كنت لأشرب شيئًا يحول بيني وبين ذكر ربي -﷿-"، وفي (١٦٤): "واللَّه ما يسرني أن هذا الحائط وقاني ألمها"، وفي رقم (١٧٢): "إنما ابتلاني ليرى صبري فأعارض أمره بدفع"، قلت: وهذا إذا كان ترك شيئًا محرما وصبر، أما شيئًا مباحا فلا يكون دفعا بل هو مقارعة الأقدار بالأقدار واللَّه أعلم.
(٢) "أخذها بيده وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أنقلها إلى معصية لك قط" رقم (١٣٧)، وانظر رقم (١٤٠)، وفي رقم (١٤٠) أنه: "أمر بها فغسلت، وطيبت، ولفت في قبطية، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين".
(٣) "وعاش بعد ذلك سنين، وكان من أصبر الناس" رقم (١٣٦).
(٤) وفي رقم (١٦٥) أنه: "كان حسن الوجه".
(٥) سورة الكهف، من الآية (٦٢).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
يقال له عطاء بن ذويب فقال: يا أبا عبد اللَّه واللَّه ما كنا نحتاج أن نسابق بك، ولا أن نصارع بك، ولكنا كنا نحتاج إلى رأيك، والأنس بك، فأما ما أصبت به فهو أمر ذخره اللَّه لك، وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقى (^١) " (^٢).
٥١٣ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، قال: حدثنا: إبراهيم بن الأشعث، قال: قال فضيل بن عياض: "ما اهتممت لرزق أبدا، أو قال: "إني لأستحيي من ربي أن أحزن لرزقي بعد رضائه" (^٣).
_________________
(١) وكانت هذه التعزية بعد رجوعه إلى المدينة وقوله: "لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة، أو حاسد على نعمة، فمضى إلى قصره بالعقيق. . . "، وفيها قوله: "يا عيسى ما عزّاني أحد بمثل ما عزيتني" انظر رقم (١٦٦).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ عامر بن صالح هو الزبيري متروك الحديث، وأفرط فيه ابن معين فكذبه، وكان عالما بالأخبار التقريب (٣١١٣)، والأثر صحيح بمجموع طرقه -غير طريق المصنف لضعفها الشديد- وبعضها حسن والآخر منها صحيح، المرض والكفارات (١١٥ - ١١٧) رقم (١٣٩)، والأثر أخرجه من طرق متعددة وكرره عدة مرات مختصرا ومطولا وفي كل طريق تقريبا لفظة زائدة أو عبارة جديدة أشرت إليها في موضعها من هذا الأثر -الذي جعلته أصلا- بحاشية مستقلة، الهم والحزن (٥٤) رقم (٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٩٧) رقم (٩٩٧٨)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٢٦٢)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ٤٣٠).
(٣) إسناده حسن، فيه ابن الأشعث وقد سبق (٢٣٣)، القناعة والتعفف (٥٣) رقم (١٠٦).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
٥١٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم العبدي، ومحمد بن عباد العكلي، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك عن أبي غنية قال: ثنا زمعة قال: كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه أن يرفع إليه حوائجه فكتب إليه: "أما بعد: فقد جاءني كتابك تعزم عليّ إلا رفعت فيه إليك حوائجي، وهيهات رفعت حوائجي إلى من لا تقضى (^١) الحوائج دونه، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت" (^٢).
٥١٥ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي قال: حدثني القاسم بن نافع، عن جسر، عن عامر بن عبد قيس قال: "ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب اللَّه قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٤)،
_________________
(١) قراءتها في المخطوط هكذا بعد تأمل، ووردت في المطبوع "تعتصر"، ووردت في الحلية "تختزل"، وفي تاريخ دمشق "يختزل"، وعند البيهقي "تحجب"، ولعل الأقرب ما ذكرته وهو محتمل في المخطوط واللَّه أعلم.
(٢) إسناده ضعيف، فيه زمعة وهو الجندي ضعيف التقريب (٢٠٤٦)، لكن الأثر حسن فقد تابعه ابن عيينة عند البيهقي، القناعة والتعفف (٤٧) رقم (٨٦)، وابن السني في القناعة رقم (١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣١٣) رقم (١٩١٥) وذكره برقم (١٣٠١) دون إسناد، وبرقم (٧٤٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٨، ٣٢).
(٣) سورة هود، الآية (٦).
(٤) سورة فاطر، من الآية (٢).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (^١) " (^٢).
٥١٦ - حدثنا الحسين قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرني زياد بن أبي حسان: أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك قال: "فلما سوّي عليه قبره بالأرض، وجعلوا في قبره خشبتين من زيتون، إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل بينه وبين القبلة، ثم استوى قائما، وأحاط به الناس فقال: رحمك اللَّه يا بني، فقد كنت برا بأبيك، وما زلت منذ وهبك اللَّه لي مسرورا بك، ولا واللَّه ما كنت قط أشد سرورا ولا أرجى لحظي من اللَّه فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيّرك اللَّه إليه،
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٧).
(٢) إسناده ضعيف، فيه جسر بن فرقد ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٨) وقال: "ضعيف"، انظر لسان الميزان (٢/ ١٠٤)، لكنه توبع عند البيهقي وغيره فالأثر حسن، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٠) رقم (٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١١٢) رقم (١٣٢٦) بلفظ مقارب، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٥)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٥) ونسبه إلى ابن المنذر، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٠٧)، وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان (٤/ ٤٩) وعلق بقوله: "وكان ولده المذكور شابا سريا، من كبار الصالحين، وهو معدود في جملة من قتلهم محبة الباري ﷾، وهم مذكورون في جزء سمعناه قديما، ولا أذكر الآن من مؤلفه".
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فرحمك اللَّه، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك وتجاوز عن سيّئه، ورحم كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب، رضينا بقضاء اللَّه وسلمنا لأمره، والحمد للَّه رب العالمين، ثم انصرف" (^١).
٥١٧ - حدثنا الحسين بن علي بن يزيد قال: قال رجل لفتح الموصلى (^٢): ادع اللَّه فقال: "اللهم هَبْنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، وارضنا بقضائك" (^٣).
٥١٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حيان التيمي قال: "دخلوا على سويد بن مثعبة (^٤) -وكان من
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه زياد بن أبي حسان أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٩٩)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٤٩٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٨) رقم (٨٤)، وأحمد في الزهد (٣٠٠ - ٣٠١)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية بسياق أطول (٥/ ٣٥٦)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٣٩٤٩)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ١٣٨) (٣٧/ ٥٢)، جميعهم بطرق عن زياد به.
(٢) هو فتح بن سعيد الموصلي، شيخ الصوفية انظر ترجمته في الحلية (٨/ ٢٩٢)، وتاريخ الإسلام (١/ ١٦٥٢).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوف التقريب (١٣٤٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٨) رقم (٨٥)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٩٣).
(٤) هو سويد بن مثعبة اليربوعي من بني تميم، وكان من أصحاب الخطط الذين اختطوا بالكوفة أيام عمر بن الخطاب، وكان كبيرا، ولم يرو عن عمر شيئًا، وكان عابدا مجتهدا، طبقات ابن سعد (٦/ ١٦٠).
[ ٢ / ٦٣١ ]
أفاضل أصحاب عبد اللَّه- وأهله تقول له: نفسي فداؤك، أما نطعمك؟ أما نسقيك؟ قال: فأجابها بصوت له ضعيف: دبرت الحراقف (^١)، وطالت الضجعة، واللَّه ما يسرّني أن اللَّه نقصني منه قدر قلامة" (^٢).
٥١٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، عن محمد بن مسعر اليربوعي قال: حدثنا عطيّة بن سليمان قال: "صليت الجمعة ثم انصرفت، فجلست إلى يونس بن عبيد حتى صلينا العصر، فقال: هل لكم في جنازة فلان؟ فمشينا ناحية بني سعد فصلينا على جنازة، ثم قال: هل لكم في فلان العابد نعوده؟ فأتينا رجلا قد وقعت فيه الخبيثة حتى أبدت عن أضراسه، فكان إذا أراد أن يتكلّم دعا بقعب (^٣) من ماء، وبقطنة فيبلّ لسانه حتى يبتلّ، ثم يتكلّم بكلمات يحسن فيهن، فلما دخلنا عليه دعا بالقَدَح ليفعل ما كان يفعل، فبينما هو بلّ لسانه إذ سقطت حدقتاه في القدح، فأخذ بهما، فمسهما بيده، ثم قال: إني لأجد فيهما دسما، وما
_________________
(١) قال ابن منظور في لسان العرب (٩/ ٤٦): "الحرقفة عظم الحجبة، وهي رأس الورك، يقال للمريض إذا طالت ضجعته: دبرت حراقفه. . . والجمع الحراقف".
(٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٣) رقم (٧٨)، والمرض والكفارات برقم (١٩٧)، ونعيم في زيادات الزهد لابن المبارك برقم (٤٦٣)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٦٠)، وأحمد في الزهد (٣٥٩)، وابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٤٧)، وذكره في صفة الصفوة (٤/ ١٤)، وكذا في الثبات عند الممات (٤٩)، وابن منظور في شرح كلمة "الحراقف" انظر الهامش السابق.
(٣) القعب هو القدح الضخم الغليظ الجافي، انظر لسان العرب (١١/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
كنت أظنه بقى فيهما، ثم استقبل القبلة فقال: الحمد للَّه الذي أعطانيهما فأمتعني بهما شبابي وصحّتي، حتى إذا فنيت أيامي وحضر أجلي، أخذهما مني ليبدلني بهما إن شاء اللَّه خيرا منهما، فقال له يونس: قد كنا تهيّأنا لنعزّيك، فنحن الآن نستهنئك، فقال خيرا ودعا" (^١).
٥٢٠ - حدثني علي بن الحسين قال: "كان رجل بالمصيصة (^٢) ذاهب النصف الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب، فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى اللَّه ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفّاني على الإسلام" (^٣).
٥٢١ - حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: حدثنا محمد بن عيينة، عن مخلد بن حسين قال: "كان بالبصرة رجل يقال
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه عطية بن سليمان مجهول التقريب (٤٦٥١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٧ - ٦٨) رقم (٦٨)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٤ - ١٥).
(٢) مدينة على شاطئ جيحان، من ثغور الشام، بين أنطاكية وبلاد الروم، تقارب طرسوس، وكانت من مشهور ثغور الإسلام، قد رابط بها الصالحون قديما، وبها بساتين كثيرة، يسقيها جيحان، معجم البلدان (٥/ ١٤٥).
(٣) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٦) رقم (٦٥)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٨٢)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (١٠/ ٤٦١٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٨٧).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
له: شداد، أصابه الجذام فتقطّع، فدخل عليه عوّاده من أصحاب الحسن فقالوا له: كيف تجدك؟ قال: بخير، قال: أما إنه ما فاتني جزئي بالليل منذ سقطت، وما بي إلا أني لا أقدر على أن أحضر صلاة الجماعة" (^١).
٥٢٢ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، عن الحسن بن علي البصري (^٢) قال: "أصبح أعرابي وقد مات له أباعر كثير فقال:
لا والذي أنا عبد في عبادته لولا شماتة أعاديه أظن (^٣)
فما سرّني أن إبلى في مباركها وأن شيئًا قضاه اللَّه لم يكن (^٤)
_________________
(١) إسناده حسن، محمد بن عيينة هو الفزاري مقبول التقريب (٦٢٥٢)، لكن قال ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٩١): "كان عالما"، فلعل مثل هذه القصص مقبولة عنه واللَّه أعلم، لا سيما وأن الترمذي حسن حديثه في السنن برقم (٢٦٧٧)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٨) رقم (٤١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٦)، وذكره ابن الجوزي ﵀ في صفة الصفوة (٣/ ٣٦٤).
(٢) هو الحسن بن علي بن راشد الواسطي نزيل البصرة، صدوق رمي بشيء من التدليس التقريب (١٢٦٨)، وليس الهذلي المجهول كما استظهره المحقق السلفي، لأن هذا الأخير روى عن سقط وروى عنه سقط كما في الجرح والتعديل (٣/ ٢١)، لا سيما وأن الراوي عنه قيل فيه: "وأصله كوفي، ويقال: واسطي، وكان صاحب أخبار وحفظ لأيام الناس" كما في ترجمته من تهذيب الكمال.
(٣) كذا في طبعة مصطفى عطا، وفي طبعة السلفي "لولا لسماره اعداد وبى أحن" هكذا، وقرأتها من المخطوطة الظاهرية "ل ١٦٤ ب": "لولا شماتة أعداء ذوي إحن" وهو الأولى واللَّه أعلم.
(٤) إسناده حسن، فيه شيخُ شيخِ المصنف وقد سبق قريبا، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٦ - ٢٧) رقم (١١).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
٥٢٣ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة ﴿يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (^١) قال: "هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند اللَّه فيسلّم لها ويرضى" (^٢).
٥٢٤ - حدثت عن إسحاق بن موسى الخطمي قال: حدثنا محمد بن زائدة أبو هشام الكوفي، عن رقبة قال: "قيل لإبراهيم التيمي وهو في الديماس: لو دعوت اللَّه -﷿- أن يفرج عنك؟ قال: إني لأستحي أن أدعو اللَّه أن يفرج عني مما لي فيه أجر" (^٣).
٥٢٥ - حدثني علي بن الجعد وإسحاق بن إسماعيل قالا: ثنا سفيان ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز قال: قال عمر بن الخطاب: "ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره؛ لأني لا
_________________
(١) سورة التغابن، من الآية (١١).
(٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٣ - ٢٤) رقم (٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٨/ ١٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٦٦)، وشعب الإيمان (٧/ ١٩٦) رقم (٩٩٧٦)، وأشار إلى أنه يروى عن ابن مسعود قلت: وهو في البخاري عنه معلقا انظر فتح الباري (٨/ ٦٥٢) وتغليق التعليق (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٨٤) ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، وذكره ابن كثير (٤/ ٣٧٦) ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في التفسير.
(٣) إسناده منقطع ورجاله ثقات، الفرج بعد الشدة (٨٦) رقم (٦٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٠٠) رقم (٩٩٨٩).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أرى الخير فيما أحب أو فيما أكره" (^١).
٥٢٦ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "إن لم يكن لنا خير فيما نكره، لم يكن لنا خير فيما نحب" (^٢).
٥٢٧ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني أبو روح قال: قال ابن عيينة: "ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيّجه الدعاء، وما يحبّه يلهيه" (^٣).
٥٢٨ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان، حدثني بشر بن بشارة المجاشعي وكان من العابدين قال: "قلت لعابد: أوصني، قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك، وأن
_________________
(١) إسناده منقطع؛ فإن أبا مجلز لم يدرك عمر بن الخطاب، انظر تحفة التحصيل (٣٤٠)، الفرج بعد الشدة (٥٧) رقم (١٣)، والرضا عن اللَّه بقضائه (٦٥ - ٦٦) رقم (٣٠)، وابن المبارك في الزهد (١٤٣) رقم (٤٢٥)، وأحمد في العلل (١/ ٤٤٧)، وذكره أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧١)، وكذا البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٦).
(٢) إسناده صحيح، الفرج بعد الشدة (٥٧) رقم (١٤)، الإشراف (١٤٢) رقم (٧١)، وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ١٤٥).
(٣) فيه أبو روح وسيأتي (٦٥١)، الفرج بعد الشدة (٦١ - ٦٢) رقم (٢١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢١١) رقم (١٠٠٣٣)، وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ١٤٦) عن المصنف.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
يقل همّك، وإياك أن تسخطك ذلك، فيحل بك السخط، وأنت عنه في غفلة لا تشعر به" (^١).
٥٢٩ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي خالد يزيد بن تميم قال: "لما أدخل إبراهيم التيمي سجن الحجاج، رأى قوما مقرّنين في السلاسل، إذا قاموا قاموا معا، وإذا قعدوا قعدوا معا، فقال: يا أهل بلاء اللَّه في نعمته، ويا أهل نعمة اللَّه في بلائه، إن اللَّه -﷿- قد رآكم أهلا ليبليتكم، فأروه (^٢) أهلا للصبر، فقالوا: من أنت رحمك اللَّه؟ قال: أنا ممن يتوقع من البلاء مثل ما أنتم عليه، فقال أهل السجن: ما نحب أنَّا أُخرجنا" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن، عمار بن عثمان هو الحلبي أورده ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٨): "يروى الرقائق، سمع جعفر بن سليمان الضبعي وأهل العراق، روى عنه محمد بن الحسين البرجلاني"، قلت: كل من وقفت على تعليقه من المحققين اكتفى بذكر توثيق ابن حبان، بل بعض المحققين لم يعرفه أصلا، لكى وقفت على توثيق قوى له من الإمام أحمد، بل وتأسفه على عدم الرواية عنه، نقله المقدسي في المختارة (٥/ ١١ - ١٢)، فلله الحمد والمنة، الفرج بعد الشدة (٦٢ - ٦٣) رقم (٢٤)، والرضا عن اللَّه بقضائه مطولا برقم (٧٢)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٢٤) رقم (٢١٨)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٤٦).
(٢) كذا وفي طبعة أبو حذيفة "فرآوه"، ولعلها: فراؤوه، واللَّه أعلم.
(٣) إسناده حسن شيخ المصنف سبق (١٥٤)، ويزيد بن تميم لعله الذي ذكره الحافظ في الإصابة (٣/ ٦٥٢)، وانظر تاريخ دمشق (٦٥/ ١٣٤) واللَّه أعلم، الفرج بعد الشدة (٨٢) رقم (٥٥)، وانظر رقم (٥٧).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
التحليل والتعليق
تضنمت الآثار السابقة بيان أهمية التسليم للقضاء والقدر، وخطورة تسخطه وعدم الرضا به، ولئن كان الرضا بالقضاء المكروه للعبد فيه مشقة على النفس، فقد ذكر السلف ما جعلهم يرضون بذلك، فعروة بن الزبير -﵁- خفّف على نفسه مصابه برجله وولده، بما بقي له من سائر جسده، وبقية أولاده، والفضيل رضي بالرزق الذي رضيه اللَّه له، وكذا أبو حازم قَبِلَ العطاء، ورضي بما لم يقسم له من السماء، وذكر عامر بن عبد قيس سبب ذلك أنه ما وجده في القرآن من تكفل اللَّه بالرزق، وأن الأمور كلها بيده فرضي بقسمة اللَّه له، ولشدة حرصهم على تحقيق هذا كان من دعائهم للَّه أن يرضيهم بقضائه، ولما حصلت لهم المصائب فإنهم قابلوها بالتسليم والرضا، ولم يتمنوا على اللَّه زوالها، لأمور هي أعظم من تلك المصائب التي أصيبوا بها، حيث رجوا ثوابها عند اللَّه، أو رأوا خيرا فيها لأنها كانت سبب تفرغهم للطاعة، أو أنهم لم يتيقنوا أين الخير في الصحة أم في العافية ففوَّضوا أمرهم للَّه يختار لهم ما فيه الخير، بل إن إبراهيم التيمي بيّن أن الخير إن لم يكن في القضاء الذي نكرهه، فلن يكون فيما نحب، وقد ذكر ابن عيينة توجيها لذلك بأن ما يكرهه يهيجه على الدعاء -وهو من أجَلِّ العبادات-، أما ما يحب فهو يلهيه، وفي الرضا بالقضاء تفريغ القلب، وقلة الهم وقد ذكر العلماء عدة أسباب تسهل الرضا والتسليم للقدر جمعها شيخ الإسلام الهروي عند كلامه على درجة
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الصبر على البلاء بقوله: "الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج، وتهوين البلية بِعَدِّ أيادي المنن، وبذكر سوالف النعم" (^١)، قال شارحه ابن القيم: "هذه ثلاثة أشياء تبعث المُتَلَبِّس بها على الصبر في البلاء، إحداها: ملاحظة حسن الجزاء، وعلى حسب ملاحظته، والوثوق به، ومطالعته، يخف حمل البلاء، لشهود العوض. . . والثاني: انتظار روح الفرج؛ يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء. . . الثالث: تهوين البلية بأمرين؛ أحدهما: أن يعد نعم اللَّه عليه وأياديه عنده، فإذا عجز عن عدها، وأيس من حصرها، هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنسبة إلى أيادي اللَّه ونعمه كقطرة من بحر، الثاني: تذكر سوالف النعم التي أنعم اللَّه بها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدنيا، والثاني يوم الجزاء" (^٢).
ومسألة الاستسلام للقدر والرضا به فيها تفصيل ضل بسبب عدم إتقانه طوائف كثيرة من أهل البدع، بل وكثير من عوام وجهال أهل السنة، وأنصاف متعلميهم، تجد في كلام بعضهم خلطا أو عدم وضوح رؤية حتى إنك لتقف أمام بعض الآثار في هذا الباب مستغربا ومتحيرا،
_________________
(١) منازل السائرين (٥٠).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٧٤).
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-.
قال القشيري: "اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء اللَّه الذي أمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز أو يجب على العبد الرضا به، كالمعاصي وفنون محن المسلمين" (^١)، قال شيخ الإسلام معلقا على كلامه: "وهذا الذي قاله، قاله قبله، وبعده، ومعه، غير واحد من العلماء" (^٢).
قال ابن القيم: "غلط في هذا الأصل طائفتان أقبح الغلط، فقالت القدرية النفاة: الرضا بالقضاء طاعة وقربة، والرضا بالمعصية لا يجوز فليست بقضائه وقدره وقالت غلاة الجبرية الذين طَوَوا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء اللَّه وقدره، والرضا بالقضاء قربة وطاعة، فنحن نرضى بها ولا نسخطها" (^٣)، ثم فصّل القول وميّز الحقّ من الباطل فقال: "الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني؛
فالديني: يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام.
والكوني: منه ما يجب الرضا به، كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمصائب والذنوب التي يسخطها اللَّه، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحبّ الرضا به
_________________
(١) الرسالة (.؟؟).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٩).
(٣) شفاء العليل (٤٦٠).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
كالمصائب، وفي وجوبه قولان، هذا كلّه في القضاء الذي هو المقضِيّ" (^١).
وذكر تفصيلا أطول في القضاء الكوني فقال: "الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه، ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم ألبتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا، فينازع حكم الحق بالحق للحق، فيدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي: (الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والعارف من يكون منازعا للقدر، لا واقفا مع القدر) اهـ، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر اللَّه؟ ! فقال: نفر من قدر اللَّه إلى قدره.
أما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضا باللَّه ربا وإلها ومالكا ومدبّرا، فبهذا التفصيل يتبيّن الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس" (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل (٤٦١)، وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٧٦ - ٧٧).
(٢) شفاء العليل (٤٦١)، وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٧٦ - ٧٧).
[ ٢ / ٦٤١ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة.
٥٣٠ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: "إن أحببتم أن تكونوا أبدالا (^١)، فأحبوا ما شاء اللَّه، ومن أحب ما شاء لم ينزل به من مقادير اللَّه وأحكامه شيء إلا أحبّه" (^٢).
٥٣١ - حدثنا العباس بن يزيد قال: يعلى بن عبد الرحمن العنزي
_________________
(١) لفظ الأبدال من الألفاظ التي يستعملها الصوفية كثيرا، مع غيره من الألفاظ كالقطب والوتد والغوث والنجباء والنقباء، وكلها ألفاظ مبتدعة لم ترد بها سنة ولا كتاب، انظر الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف (٥٨)، إلا لفظ الأبدال فقد ورد فيه حديث مرفوع لكنه ضعيف منكر انظر الضعيفة برقم (٩٣٦)، وورد أيضًا عن بعض السلف وصح عن علي -﵁- أنه قال: "لا تسبوا أهل الشام جما غفيرا فإن فيهم الأبدال" أخرجه المقدسي في المختارة وقال: "فكأن الموقوف أولى"، وانظر الضعيفة رقم (٢٩٩٣)، لكن الصوفية حملوه على معاني غير صحيحة فيها من البدع والشرك وصرف حق اللَّه لغيره ما اللَّه به عليم، انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤١) والمرجع السابق للصنعاني، وقد أطلق هذا اللفظ على بعض السلف فانظر العلو للذهبي (١٨٩)، السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥٩٦)، التاريخ الكبير (٧/ ١٢٧)، الثقات لابن حبان (٥/ ٥٤٩) وغيرها من كتب التراجم واللَّه أعلم.
(٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٥) رقم (٣٥)، الأولياء برقم (٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣١٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٢٠) من طريق المصنف، وابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب (٩/ ٤٢٨٦).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
قال: حدثنا سيار بن سلامة قال: "دخل رجل على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه فقال: إن أحبّه إليّ، أحبه إلى اللَّه -﷿-" (^١).
٥٣٢ - حدثنا العباس بن يزيد البصري، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن العنبري، حدثنا سيار بن سلامة قال: "دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه، فقال: إن أحبه إليّ أحبّه إلى اللَّه -﷿-" (^٢).
٥٣٣ - حدثنا علي بن الحسن بن موسى قال: قال رجل: "لأمتحننّ أهل البلاء، فقال: فدخلت على رجل بطَرَسوس (^٣) وقد أكلت الأكلة أطرافه، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت واللَّه، وكل عرق، وكل عضو يألم على حدته من الوجع، لو أن الروم في كفرها وشركها، اطّلعت عليّ لرحمتني مما أنا فيه، وإن ذلك لبعين اللَّه، أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكرا، فقال له
_________________
(١) إسناده لين، يعلى بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٢)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٦ - ٤٧) رقم (٣٩)، المحتضرين برقم (٣٠٨)، المرض والكفارات برقم (٢٠٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ١٨٩)، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦١١) وغيره عن يحيى القطان.
(٢) إسناده لين، وهو نفس الذي قبله، المرض والكفارات (١٦٢) رقم (٢٠٦).
(٣) كلمة عجمية رومية، ولا يجوز سكون الراء إلا في ضرورة الشعر، مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم، معجم البلدان (٤/ ٢٨).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
رجل: متى بدأت بك هذه العلة؟ قال: أما كفاك؟ الخلق كلهم عبيد اللَّه وعياله، فإذا نزلت بالعباد علة فالشكوى إلى اللَّه، ليس يشتكى اللَّه إلى العباد" (^١).
٥٣٤ - حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: حدثنا عبد اللَّه قال: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت حميد بن هلال يحدث قال: حدثني مطرف قال: "أتيت عمران بن حصين يوما فقلت له: إني لأدع إتيانك لما أراك فيه، ولما أراك تلقى، قال: فلا تفعل، فواللَّه إن أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، قال جرير: سقى بطنه، فبقي ثلاثين سنة على سرير مثقوب" (^٢).
٥٣٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن قال: "اشتكى عمران بن حصين فدخل عليه جار له، فاستبطأه في العيادة، فقال له: يا أبا نجيد، إن بعض ما يمنعني عن عيادتك ما أرى بك من الجهد، قال: فلا تفعل؛ فإن أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، فلا
_________________
(١) إسناده صحيح، شيخ المصنف ثقة التقريب (٤٧٤١)، وانظر الحلية (١٠/ ١٤٣)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٦) رقم (٦٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٤٨٧).
(٢) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٣ - ٦٤) رقم (٦٠)، وابن المبارك في الزهد - زيادات نعيم - برقم (٤٦١، ٤٦٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٢٥) رقم (٣٤٦٩٣)، الطبقات لابن سعد (٤/ ٢٩٠) (٧/ ١١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٠٤، ١٠٧) برقمي (١٩٣، ٢٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٩٦) رقم (٩٩٧٣).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
تبتئس لي بما ترى، أرأيت إذا كان ما ترى مجازاة بذنوب قد مضت، وأنا أرجو عفو اللَّه على ما بقي؛ فإنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (^١) " (^٢).
٥٣٦ - حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا يعلى بن الحارث المحاربي قال: حدثنا أبي، عن سليمان بن حبيب قال: "لما مات عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز دخل عليه هشام بن الغاز (^٣) فعزّاه، فقال عمر: وأنا أعوذ باللَّه أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبّة اللَّه، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إليّ" (^٤).
٥٣٧ - حدثني هاشم بن قاسم قال: حدثنا إسحاق بن عباد بن موسى، عن أبي على الرازي قال: "صحبت فضيل بن عياض ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا متبسّما، إلا يوم مات عليّ ابنه، فقلت له في ذلك،
_________________
(١) سورة الشورى، الآية (٣٠).
(٢) إسناده صحيح، وانظر ما قبل، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٤) رقم (٦١) وانظر رقم (٦٢)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٢٧٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦) دون قوله: "إن أحبه إلي أحبه إلى اللَّه" وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(٣) هو ابن ربيعة الجرشي، ثقة الدمشقي نزيل بغداد، ثقة من كبار السابعة، التقريب (٧٣٥٥).
(٤) فيه الحارث بن حرب لم أعرفه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٦) رقم (٨٢)، وينظر الذي بعده وهم بسياق أتم منه.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
فقال: إن اللَّه -﷿- أحب أمرًا، فأحببت ما أحب اللَّه" (^١).
٥٣٨ - حدثني عبد الرحيم بن يحيى قال: حدثني عثمان بن عمارة، عن عبد الواحد بن زيد قال: "خرجنا أنا وفرقد السبخي، ومحمد بن واسع، ومالك بن دينار، نزور أخا لنا من فارس، فلما جاوزنا رامهرمز (^٢) إذ نحن بصوت في سفح جبل فتراكضنا نحوه، فإذا نحن برجل مجذوم يتفطّر قيحا ودما، فقال له بعضنا: يا هذا لو دخلت هذه المدينة فتداويت وتعالجت من ذلك؟ فرفع طرفه إلى السماء ثم قال: إلهي أتيت بهؤلاء ليسخطوني عليك، لك الكرامة والعتبى بأن لا أخالفك أبدًا" (^٣).
٥٣٩ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني أحمد بن صاعد قال: سمعت عبد العزيز بن عمير (^٤) يقول: "كان في
_________________
(١) إسناده ضعيف، لجهالة حال شيخ المصنف، فقد ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٣٢)، ولم يذكرا شيئًا عن حاله، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٠ - ٨١) رقم (٨٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٣٨٣).
(٢) مدينة مشهورة، من نواحي خوزستان، معجم البلدان (٢/ ٣٠٣).
(٣) إسناده ضعيف جدا، فيه شيخ المصنف أو شيخ شيخه أحدهما متهم بحديث الأبدال كما سبق (٤٧٢) بيانه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٥٥) رقم (٥٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٥٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٨٦).
(٤) هو عبد العزيز بن عمير، أبو الفقير، الخراساني الزاهد، تلميذ أم هارون الخراسانية الزاهدة، له ترجمة في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
خرابات القبائل بمصر رجل مجذوم، وكان شاب من أهل مصر يختلف إليه يتعاهده، ويغسل خرقه، ويخدمه، فتعرّى (^١) فتى من أهل مصر، فقال للذي كان يخدمه: إنه يعرف اسم اللَّه الأعظم، وأنا أحب أن أجيء معك إليه، فأتاه فسلم عليه وقال: يا عم إنه بلغني أنك تعرف اسم اللَّه الأعظم، فلو سألته أن يكشف ما بك، قال: يا ابن أخي هو الذي ابتلاني، فأنا أكره أن أردّه" (^٢).
٥٤٠ - حدثنا محمد بن زياد الآدمي قال: حدثنا ابن عيينة، عن رجل، عن محمد بن علي: "أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه، ثم أخبر بموته فسرّي عنه، فقيل له، فقال: ندعو اللَّه فيما نحب، فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللَّه فيما أحبّ" (^٣).
_________________
(١) كذا وفي طبعة السلفي: "فتقرأ فتى"، وفي المخطوط "ل ٦٢ ب": "فتقرا فتى" أي تتبعه، انظر لسان العرب (١١/ ١٤٦).
(٢) إسناده حسن، أحمد بن صاعد كان صاحب حكمة وزهد كما في الجرح والتعديل (٢/ ٣٧٦)، وشيخه له ترجمة إضافية في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣٢)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٢ - ٣٣) رقم (٢٠)، والأولياء برقم (٥٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣٦).
(٣) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، لكنه صحيح فقد سمى ابن عيينة المبهم في طريق الإمام أحمد وهو عمرو ابن دينار، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٧٩) رقم (٨٧)، وأحمد في الزهد (٤٣٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٤٤) رقم (١٠١٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق عن سفيان الثوري عن أبيه (٥٤/ ٢٩٤) ثم عن ابن عيينة مثله، وذكره الذهبي في السير ووقع فيه: "قال سفيان الثوري: . . . ".
[ ٢ / ٦٤٧ ]
٥٤١ - حدثني أسد بن عمار التميمي قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع قال: "اشتكى ابن لعبد اللَّه بن عمر (^١) فاشتدّ وجده عليه، حتى قال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ أن يحدث هذا الغلام حدث، فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته، وما رجل أشد سرورا منه، فقيل له في ذلك، فقال ابن عمر: إنما كانت رحمة له، فلما وقع أمر اللَّه رضينا به" (^٢).
٥٤٢ - حدثني سريج بن يونس، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن قيس بن حبتر قال: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: "ما هو إلا الغنى والفقر، وما أبالي بأيهما ابتدأت، إنهما سواء، إن كان الغنى إنَّ عليّ فيه لتعطّف (^٣)، وإن كان فقرا إنَّ عليَّ فيه لصبر" (^٤).
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستُصْغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعا للأثر، مات سنة (٧٣ هـ) في آخرها أو أول التي تليها، الإصابة (٤/ ١٨١)، التقريب (٣٤٩٠).
(٢) فيه شيخ المصنف لم أقف له على ترجمة إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ١٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٥) رقم (٩٧).
(٣) التعطف هو الإشفاق، مختار الصحاح (٤٦٧).
(٤) إسناده ضعيف، فيه المسعودي اختلط وسماع عاصم منه بعد الاختلاط انظر المختلطين (٧٣) هامش، إصلاح المال (١٣٠) رقم (٤٩٤)، وهناد في الزهد (١/ =
[ ٢ / ٦٤٨ ]
٥٤٣ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي قال: حدثنا علي بن عثمان ابن عبد الحميد (^١) قال: حدثني أبي (^٢) قال: عن زياد بن زاذان قال: قال عمر بن عبد العزيز: "ما كنت على حالة من حالات الدنيا فسرَّني أني على غيرها" (^٣).
٥٤٤ - حدثنا حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: "ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم أبسرّاء أم بضرّاء، وما أصبحت
_________________
(١) = ٣٣٠) رقم (٦٠٥)، وابن جرير في تهذيب الآثار (١/ ٢٩٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٩٢) رقم (٨٥٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٩٦) رقم (٩٩٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٧٠ - ١٧١، ١٨٢)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٩٦)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٠٧).
(٢) هو ابن لاحق الرقاشي البصري، ثقة كما في الجرح والتعديل (٦/ ١٩٦).
(٣) ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٥٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
(٤) فيه عثمان بن عبد الحميد وقد سبق قريبا، وزياد بن زاذان ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٥٤)، وذكر البخاري (٣/ ٣٥٦) وابن أبي حاتم (٣/ ٣٥٢) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، أما شيخ المصنف فثقة ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٥) ووثقه، ونص على أنه من شيوخ المصنف، والغريب أن المحقق مصطفى عطا ذكر أنه البجلي مقبول من الثالثة، والغرابة في نقله أنه من الثالثة، مع أن المصنف من الثانية عشرة كما في التقريب (٣٦١٦)، وذكره السلفي على الصواب لكن قصر بالإحالة على ابن حبان فقط وذكر أنه لم يبين حاله، لأجل ذلك نبهت على هذه الفائدة واللَّه أعلم، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٦) رقم (٩٩).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
على حال فتمنّيت أني على سواها" (^١).
٥٤٥ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال: قال عمر بن الخطاب: "ما أبالي على أي (^٢) حال أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره؛ إني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره" (^٣).
٥٤٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "ما لي في الأمور هوى سوى مواقع قضاء اللَّه -﷿- فيها" (^٤).
٥٤٧ - حدثنا أبو سعيد المديني قال: حدثني إسحاق بن محمد
_________________
(١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٢) رقم (٥٩)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- برقم (١٢٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٠٨).
(٢) زيادة من المخطوط، ومن طبعة السلفي.
(٣) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤١ - ٤٢) رقم (٣٠)، ابن المبارك في الزهد (٤٢٥)، الفرج بعد الشدة (١٣ رقم)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧١)، وذكره ابن القيم في شفاء العليل (٣٤).
(٤) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٦) رقم (١٠)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٧٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣١٧)، البيهقي في الشعب (١/ ٢٢٧) رقم (٢٢٧ - ٢٢٨) ولفظ الأول منهما هو: "لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور كلها أردت أني في موضع قدر اللَّه، قال: وكان كثيرا ما يدعو: اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته"، وذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٣٣٦)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٥، ٤٤٢)، وشرح حديث لبيك (٥٥)، والمناوي في فيض القدر (٣/ ٩٢).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الفروي قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: "لقد تركتني هؤلاء الدعوات، وما لي في شيء من الأمور كلها أردت (^١) إلا في مواقع قدر اللَّه (^٢)، قال: وكان كثيرا مما يدعو بها: اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته" (^٣).
٥٤٨ - حدثني محمد قال: حدثنا أحمد، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: "إن في خلق اللَّه خلقا يستحيون (^٤) من الصبر، لو يعلمون مواقع أقداره تلقفوها تلقفا" (^٥).
٥٤٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبي، عن منصور، عن إبراهيم: "أن أم الأسود قعدت من رجليها فجزعت ابنة
_________________
(١) في المخطوط: "ارت".
(٢) في طبعة مصطفى عطا سقط استدركته من المخطوط ومن طبعة السلفي، والعبارة عند كليهما غير مستقيمة.
(٣) إسناده ضعيف، الفروي صدوق كفّ فساء حفظه التقريب (٣٨٥)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٥١ - ٥٢) رقم (٤٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٢٧) رقم (٢٢٧).
(٤) في طبعة مصطفى عطا: "يستحقون" وهو خطأ، والمثبت من المخطوط "ل ٤٢ ب" ومن طبعة السلفي.
(٥) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٥) رقم (٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣١٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٨٠).
[ ٢ / ٦٥١ ]
لها، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرا فزد" (^١).
٥٥٠ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا عمارة بن زادان، عن مكحول قال: سمعت ابن عمر يقول: "إن الرجل ليستخير اللَّه فيختار له فيتسخّط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له" (^٢).
٥٥١ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن سفيان قال: "كنا نعود زبيد اليامي فنقول: استشف اللَّه؟ فيقول: اللهم خر لي، اللهم خر لي" (^٣).
_________________
(١) فيه الجراح بن مليح أبو وكيع، صدوق يهم التقريب (٩١٧)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٥ - ٦٦) رقم (٦٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٨٨)، وخبر إقعاد أم الأسود عند الطبراني في الكبير برقم (٩٣٩٥) وورد فيه أنهم سألوا عبد اللَّه بن مسعود -﵁- عن كيفية صلاتها، وأعله الهيثمي في المجمع (٢/ ١٤٩) بأن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود.
(٢) إسناده ضعيف، والأثر حسن لغيره، عمارة بن زادان صدوق كثير الخطأ التقريب (٤٨٨١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٠) رقم (٥٦)، ونعيم في زياداته على الزهد لابن المبارك رقم (١٢٨) وسنده من ابن المبارك صحيح، وذكره ابن القيم في شفاء العليل (٦٣).
(٣) حسن لغيره، فيه عنعنة المحاربي وهو مدلس من الطبقة الثالثة، ولم يذكر في شيوخه سفيان فاللَّه أعلم، انظر تعريف أهل التقديس (١٤٠)، وتهذيب الكمال (٤/ ٤٦٦)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٧) رقم (٤٠) وكرره برقم (٧٧)، المحتضرين رقم (١٩٤)، المرض والكفارات برقم (٢١٣)، وابن معين في تاريخه (٣/ ٤١٧) بسند حسن عن جرير بن عبد الحميد عن فضيل بن مرزوق قال: "دخلت =
[ ٢ / ٦٥٢ ]
٥٥٢ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني جعفر بن محمد من الأبناء (^١) قال: "ذكروا عند رابعة العدوية (^٢) عابدا كان في بني إسرائيل، لا ينزل في كل سنة إلا مرة، ينزل من متعبّده فيأتي مزبلة على باب الملك فيتقمّم من فضول مائدته، فقال رجل عندها: وما على هذا إذ كان في هذه المنزلة أن يسأل اللَّه أن يجعل رزقه من غير هذا؟ فقالت رابعة: يا هذا، إن أولياء اللَّه إذا قضى لهم قضاء لم يتسخّطوه" (^٣).
٥٥٣ - حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أبي مسلم: "أنه دخل على أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه، وكان عندهم في العزّ
_________________
(١) = على زبيد، فقلت: شفاك اللَّه، فقال: أستخير اللَّه"، وفضيل صدوق يهم ورمي بالتشيع، التقريب (٥٤٧٢)، وأبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد (٥/ ٣٠).
(٢) لم أقف له على ترجمة.
(٣) هي رابعة بنت إسماعيل مولاة آل عتيك العدوية البصرية العابدة المشهورة، ماتت بالقدس سنة (١٨٥ هـ)، وأخبارها كثيرة جدا الوافي بالوفيات (١/ ١٩٣٥).
(٤) فيه جعفر بن محمد لم أجد له ترجمة، والغريب أن المحقق السلفي ذكر أنه ابن بهلول وذكر أن ولادته سنة (٣٧٧ هـ) من تاريخ بغداد (٧/ ٢٣٢)، وهذا لم يدرك ابن أبي الدنيا نفسه فكيف يكون من طبقة شيوخ شيوخ شيوخه، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٣) رقم (٢١).
[ ٢ / ٦٥٣ ]
كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبّر، فقال أبو الدرداء: أجل، فهكذا فقولوا؛ فإن اللَّه ﵎ إذا قضى قضاء أحبّ أن يرضى" (^١).
٥٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إبراهيم بن داود قال: قال بعض الحكماء: "إن للَّه عبادا يستقبلون المصائب بالبِشْر، أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة حرص السلف على موافقة مشيئة اللَّه فيما قضاه وأحبه، وأن أحب شيء إليهم هو أحب شيء إلى اللَّه، وأن الذي
_________________
(١) إسناده ضعيف، لعنعنة الوليد بن مسلم فهو ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية التقريب (٧٥٠٦)، والأثر حسن لغيره، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٢) رقم (٦)، ومن طريق آخر برقم (٤٧) عن مالك أنه بلغة. . .، المحتضرين برقم (١٢٥)، وابن المبارك في الزهد برقم (١٢٤) عن يحيى بن أبي عمرو عن سعيد بن جابر به دون القصة، وأبو مسهر في نسخته برقم (٢٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٩٦) وقال: "هذه الحكاية محفوظة عن أبي مسلم الخولاني"، وكذلك في (٦٥/ ٢٩٦)، وفي الموضع الأول تصريح الوليد بالسماع، وفي الثانية متابعة أبي مسهر له وهو ثقة فاضل، التقريب (٣٧٦٢)، وذكره ابن الجوزي في الثبات عند الممات (٧٥)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٤).
(٢) إسناده لين، إبراهيم بن داود لم أجد له ترجمة، ولعله القصار انظر طبقات الصوفية (٢٤٥) والحلية (١٠/ ٣٥٤)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٤٥) رقم (٣٧)، الورع رقم (٢١٨).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
هوّن عليهم البلاء رؤيتهم القدر وأن اللَّه أراد بهم ذلك، وهو أعلم بعباده فلم يعارضوا هذه الإرادة بإرادة غيرها، وأنهم لا يحبون أن يردوا قضاء اللَّه، وفي أثر محمد بن علي وابن عمر -﵁- بيان قاعدة مهمة في هذا الباب وهي أنهم يدعون اللَّه قبل وقوع البلاء فإذا وقع لم يخالفوا ما أحب اللَّه وقوعه بل رضوا به وسلموا له، ومن هنا نظروا إلى ما أوجب اللَّه عليهم في حالتي السراء والضراء، ولم يلتفتوا إلى تسخط القضاء ومعارضته، بل نظروا إلى واجب اللَّه عليهم فيه، فإن كان سراء شكروا، وإن كان ضراء صبروا أو رضوا، كما في أثر ابن مسعود -﵁-، ولذلك لم يبالوا على أي الحالين أصبحوا، وفي أيهما كانوا، وقد زاد عمر بن الخطاب -﵁- هذا المعنى شرحا بأنه لا يدري الخير في أي الحالين، ولذلك لم يتمنوا على اللَّه شيئًا سوى ما قدَّره، وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بأن سال اللَّه أن يختار له كما في أثر زبيد اليامي.
ولما شرح ابن رجب ﵀ منزلة الرضا، ومعنى أقوال السلف الواردة في موافقتهم ما أحبه اللَّه من القضاء قال: "الرضا أن لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. . . فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (^١). . . وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي،
_________________
(١) سورة الأنعام، من الآية (٩٧).
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وخِيرَتَه لعبده في البلاء، وأنه غير مُتَّهَمٍ في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به، وتارة يلاحظون عظمة المبتلي، وجلاله، وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى لا يشعروا بالألم، وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم" (^١).
وناقش ابن القيم ﵀ شيخ الإسلام الهروي في تعريفه الرضا عن اللَّه بقوله: "الرضا عنه في كل ما قضى" (^٢)، فقال: "الرضا عنه وإن كان من أَجَلِّ الأمور، وأشرف أنواع العبودية، فلم يطالب به العموم، لعجزهم ومشقته عليهم، وأوجبته طائفة واحتجوا بحجج. . . أن الرب ﵎ يختار شيئًا ويرضاه، فلا يختاره العبد ولا يرضاه، وهذا مناف للعبودية"، فأجابهم بقوله: "هذا موضع تفصيل، لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان:
أحدهما: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده. . . فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه، وتسليمه ورضاه باللَّه ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا.
النوع الثاني: اختيار كوني قدري، لا يسخطه الرب، كالمصائب
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) ثم أورد آثارا كثيرة أغلبها مما ذكرته هنا في الأصل.
(٢) منازل السائرين (٥٢).
[ ٢ / ٦٥٦ ]
التي يبتلى اللَّه بها عبده، فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ويدفعها، ويكشفها، وليس في ذلك منازعة للربوبية، وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر، فهذا يكون تارة واجبا، وتارة يكون مستحبا، وتارة يكون مباحا مستوى الطرفين، وتارة يكون مكروها، وتارة يكون حراما، وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه مثل قدر المعائب، والذنوب، فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضى بها، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء، وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيما، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل؛ فإن لفظ الرضى بالقضاء لفظ محمود مأمور به، وهو من مقامات الصديقين، فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل، وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضي مرضي، مخلوقا له ينبغي له الرضى به".
وهناك تقسيم آخر للقدر الكوني باعتبار ملاءمته للنفس ومنافرته لها، والمراد رضا العبد "بحسن اختيار اللَّه له، وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته، فإن هذا خلاف الطبع البشري، بل خلاف الطبع الحيواني" (^١)، قال ابن القيم: "الرضى بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد، وإرادته، ورضاه، من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة، أمر لازم بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد محبوب له، فليس في الرضى به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر. . . والرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢١٣).
[ ٢ / ٦٥٧ ]
على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض، والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك" (^١).
وعلى كل حال فإن العبد مأمور بعبودية اللَّه في كل حالاته "فعبودية أمره الكوني القدري: أن لا يتقدم بين يديه إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك، فيكون التقدم أيضًا بأمره الكوني والديني، فإذا كان فرضه الصبر، أو ندبه، أو فرضه الرضى، حتى ترك ذلك فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره" (^٢)، وقد ذكر ﵀ أوجه استواء رضا العبد بالنعمة والبلية فبلغت اثنان وستون وجها (^٣).
وهنا مسألة وردت في أثناء بعض الآثار وهي ترك بعض السلف الدعاء، وأن ذلك من تمام الرضا، أو من شرطه؛ كأثر إبراهيم التيمي الذي ترك الدعاء لأن في الابتلاء أجرا، أو أثر ابن عمير في الذي ترك الدعاء وكان يعرف اسم اللَّه الأعظم كي لا يرد قضاء اللَّه، أو أثر زبيد اليامي الذي ترك سؤال اللَّه وفضّل اختياره له عن اختياره لنفسه، فكان يقول: "اللهم خر لي" إذا طلب منه أن يستشفي اللَّه، وأثر رابعة العدوية عن قصة الإسرائيلي الذي كان يأكل من القمامة، وترك دعاء اللَّه أن يجعل
_________________
(١) مدارج السالكين (١٩٧، ٢٠١).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٦).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٢١٤ - ٢٣٩).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
رزقه من غير ذلك، وتعليلها بأن أولياء اللَّه إذا قضي لهم قضاء كرهوا أن يتسخطوه، وهذه مسألة مهمة جدا، تحتاج إلى تفصيل وليست على إطلاقها، ولذلك قال ابن القيم: "هذا يصح في وجه دون وجه؛ فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة، وأما إذا ألحّ على اللَّه في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه، فإن ذلك لا ينافي الرضا أصلا. . . بل الذي ينافي الرضا أن يلح عليه متحكما عليه، متخيرا عليه ما لم يعلم: هل يرضيه أم لا؟ كمن يلحّ علي ربه في ولاية شخص، أو إغنائه أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا؛ لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك" (^١).
وعلاقة الرضا بالدعاء علاقة وطيدة، وذلك أن المطلوب من العبد طاعة اللَّه ورضاه في كل حال؛ فإن كان الدعاء مأمورا به أمر إيجاب، أو استحاب، وجب فعله، أو استحب، والواجب والمستحب من جملة الرضا فكيف يعارضه، وإن كان الدعاء محرما، أو مكروها، حَرُم، أو كُرِه، ومن فعله كان متسخطا وغير راض، أما إن كان مباحا مستوي الطرفين، فهو مثله مستو الطرفين، ولا يكون ساخطا أو راضيا، إلا بأمر يضاف إليه، ليخرجه عن الإباحة، إلى الدرجتين السابقتين من الحرمة والكراهة، أو الوجوب والاستحباب، وهذا كالأكل والشرب واللباس، فإنه لا ينافي الرضا، وليس ترك ذلك من شرط الرضا، لكن قد يأخذ كل واحد من
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٨)، وانظر الاستقامة (٢/ ١٢٤ - ١٣٢).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
هذه الأمور حكما آخر غير الإباحة، لأمر خارجي اتصل به، ولذلك غلط من غلط في هذا الباب بأحد أمرين؛ إما أنه ظن بأن الرضا بكل مقدور أمر يحبه اللَّه ويرضاه، والثاني أنهم لم يفرقوا بين أنواع الدعاء وأحكامه الخمسة التكليفية، وهذا الذي أدخل كثيرا منهم في الرهبانية، والخروج عن شريعة اللَّه، حتى تركوا الأكل والشرب واللباس والنكاح وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به (^١).
ومن هنا يتبيّن أن من ادعى من الصوفية أن الدعاء يقدح في الرضا مطلقا فقد غلط غلطا بيّنا، ولذلك بوّب البخاري باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الوجع، قال ابن حجر: "لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يُمْنَع، ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم، فنَبَّه على أن الطلب من اللَّه ليس ممنوعا بل فيه زيادة عبادة" (^٢).
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٨ - ٧١٨).
(٢) فتح الباري (١٠/ ١٢٤).
[ ٢ / ٦٦٠ ]
المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة.
٥٥٥ - حدثني محمد بن إسحاق قال: "قيل لبعض العلماء: بم يبلغ أهل الرضى الرضا؟ قال: بالمعرفة، وإنما الرضا غصن من أغصان المعرفة" (^١).
٥٥٦ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا داود بن المحبر، قال: ثنا صالح المري، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد: "كان لنا جار، وكان أثر الفاقة والسكينة عليه، فقلت له: لو عالجت شيئًا، لو طلبت شيئًا؟ قال: يا أبا الجلد، وأنت تقول هذا؟ من عرف ربّه فلم يستغن فلا أغناه اللَّه" (^٢).
٥٥٧ - حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم البزاز، عن محمد بن عبد اللَّه الحذاء، قال سمعت أبا عبد الرحمن العمري: "كنت جنينا في بطن أمي وكان يؤتى برزقي حتى يوضع في فمي، حتى إذا كبرت وعرفت ربي ساء ظني، فأي عبد أشر مني" (^٣).
٥٥٨ - حدثني إبراهيم بن الحسين، قال: قال لي رجل من أصحابنا: "ضاعت نفقتي مرة وأنا في بعض الثغور، فأصابتني حاجة شديدة، فإني في
_________________
(١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٨٨) رقم (١٠٢).
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (١٠٠٣)، القناعة والتعفف (٤٥) رقم (٨١).
(٣) إسناده صحيح، القناعة والتعفف (٥٥) رقم (١١٦)، وذكره في فيض القدير عن عيسى بن آدم بلفظ آخر بمعناه.
[ ٢ / ٦٦١ ]
بعض أيامى لَكَذَلِك أفكر في جهد ما أنا فيه إذ خرج رجل من المتعبّدين من أحسن من رأيت وجها وهو يقول:
تبارك اللَّه وسبحانه من جهل اللَّه فذاك الفقر
من ذا الذي تلزمه فاقة وذخره اللَّه العليّ الكبير
قال: فكأنما ملئت غنى، وذهب عني ما كنت أجده" (^١).
٥٥٩ - حدثني علي بن الحسن بن موسى، عن محمد بن سعيد قال: أخبرنا أشعث بن شعبة قال: قال ابن عون: "ارض بقضاء اللَّه على ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقلّ لهمّك، وأبلغ فيما تتطلب من آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والبلاء، كيف تستقضى اللَّه في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاء مخالفا لهواك، ولعل ما هويت من ذلك لو وفّق لك لكان فيه هلكتك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلّة علمك بالغيب، وكيف تستقضيه إن كنت كذلك، ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح إلى صاحب القصة، إن كان شيخ المصنف هو الحافظ ابن ديزل الرحالة المشهور انظر السير (١٣/ ١٨٤) فهو من طبقة شيوخ المصنف وقد روى عنه خلق كثير، القناعة والتعفف (٤٩) رقم (٩٢)، وأخرج أبو نعيم في الحلية البيت الأخير عن سفيان الثوري (٦/ ٣٧٣).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه أشعث بن شعبة وهو مقبول التقريب (٥٢٩)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٦٨ - ٦٩) رقم (٦٩)، صفة الصفوة (٣/ ٣١١).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
٥٦٠ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا أبو عمرو الكندي (^١) قال: "أغارت الروم على جواميس (^٢) لبضير الطبري نحو من أربعمائة جاموس، قال: فاستركبني فركبت معه أنا وابن له، قال: فلقينا عبيدة الذين كانوا مع الجواميس معهم قالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس فقال: وأنتم أيضًا فاذهبوا معها، فأنتم أحرار لوجه اللَّه، فقال له ابنه: يا أباه أفقرتنا، فقال: اسكت يا بنيّ إن ربي -﷿- اختبرني، فأحببت أن أزيده" (^٣).
٥٦١ - حدثني أحمد بن العباس النمري قال: حدثني يونس بن محمد المكي (^٤) قال: "زرع رجل من أهل الطائف زرعا، فلما بلغ أصابته آفة
_________________
(١) هو عيسى بن حنيفة أبو عمرو الكندي، قال الذهبي: "وكان محله الصدق"، وله ترجمة في الحلية، (٤/ ١٩٩)، ويعرف بهذه الكنية والنسبة أيضًا كلٌّ من: باذام، والهيثم بن خالد البراغي، أولهما متقدم جدا تاب على يد عبد اللَّه بن مسعود، والثاني متأخر لعله توفي بعد ابن أبي الدنيا بقليل، تاريخ بغداد (١٤/ ٦٢)، تاريخ الإسلام (١/ ١٣٩٩)، البداية، والنهاية (٩/ ٤٧).
(٢) نوع من البَقر دَخيلٌ، وجمعه جَوامِيسُ، فارسي معرّب، لسان العرب (٦/ ٤٢).
(٣) إسناده حسن، بشير الطبري له ترجمة في صفة الصفوة (٤/ ٢٣٥) وهو معروف بهذه القصة، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٣٢) رقم (١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٣١) رقم (١٠١٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٣٠)، وذكره ابن الجوزى في صفة الصفوة (٤/ ٢٣٦).
(٤) لم أجد له ترجمة، ويحتمل أن يكون المؤدب البغدادي مات سنة (٢٠٧ هـ) كما في التقريب (٧٩١٤).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فاحترق، فدخلنا عليه نواسيه عنه فبكى وقال: واللَّه ما عليه أبكي، ولكن سمعت اللَّه ﵎ يقول: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (^١)، فأخاف أن أكون من هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني" (^٢).
٥٦٢ - حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال: "كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية (^٣) من السجن يشكو إليه طول الحبس، وشدة الغمّ، فكتب
إليه: هي الأيام والغِيَرُ (^٤) وأمر اللَّه ينتظر
أتيأس أن ترى فرجا فأين اللَّه والقدر (^٥)
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١١٧).
(٢) فيه شيخ المصنف لم أقف له على ترجمة، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٧) رقم (١٢) وهذا من الأشياء إلى تعين على الصبر على القدر.
(٣) هو الشاعر المشهور إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، المعروف بأبي العتاهية، كان يبيع الجرار، واشتهر بمحبة عتبة جارية المهدي، وقد نسك بآخره وقال في الزهد والمواعظ فاحسن وأبلغ، تاريخ الإسلام (١/ ١٦٧١)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٥).
(٤) الغِيَر على وزن عنب، من قولك غيَّرت الشيء فتغير، ومنه غِيَر الزمان، مختار الصحاح (٤٨٨).
(٥) إسناده حسن، شيخ المصنف ذكره السهمي في تاريخ جرجان (١/ ١٩٥) ولم يذكره فيه جرحا ولا تعديلا، ولعله هو الذي ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٨٨) =
[ ٢ / ٦٦٤ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان علاقة المعرفة بالرضا بالقضاء والقدر؛ وأن الرضا غصن من أغصان المعرفة، كما في أثر ابن إسحاق، حيثما بيّن أن بلوغ الرضا يكون بالمعرفة، ثم الآثار التي بعده تؤكد هذا المعنى، حيثما تضمنت أن رضا السلف بحالهم التي كانوا عليها إنما حصل لهم بالمعرفة، فمن عرف ربه استغنى عن الناس، ولم يسُؤ ظنه به، والفقير هو الذي جهل اللَّه، وأن الذي يرضى بالقضاء الموافق لهواه، ويتسخط المخالف لهواه إنما أوتي لقلة علمه بالغيب، ولذلك عامل بشير الطبري ربه بمقتضى هذه المعرفة فأعتق عبيدة بعد سرقة جواميسه، رغبة فيما عند اللَّه من الأجر، وكذا المزارع الذي أصابت الآفة زرعه، فبكى خوفا من أيكون ذلك بسبب ذنب اقترفه، فيكون من الظالمين، وأجاب أبو العتاهية من شكى إليه طول السجن، بأن لا ييأس من الفرج، وهو يعرف أنه من اللَّه وبقضائه، وبهذا كله يتبيّن أهمية المعرفة وأثرها على الرضا بالقضاء والقدر، وأنه كلما قويت معرفة العبد كان أرضا لحكمه، وأتبع لدينه وأمره، وأبعد عن نهيه وسخطه، وقد سبق في الفصل الأول بيان فضل المعرفة واستلزامها للعبادة ومن أجل العبادات العباداتُ القلبية كالرضا والتسليم للقدر، قال ابن القيم: "من عرف اللَّه صفا له
_________________
(١) = وقال عنه ابن حجر: مقبول، التقريب (١٣٣٦)، انظر تحقيقا لبشار عواد في هامش تهذيب الكمال (٢/ ١٨٢)، الفرج بعد الشدة (١١٨) رقم (١٠١)، والتنوخي في الفرج بعد الشدة (٣/ ٣٥٨ - ٣٦٣)، والبيتان في ديوان أبي العتاهية (٥٣٨).
[ ٢ / ٦٦٥ ]
العيش، وطابت له الحياة. . . وأورثته المعرفة: الحياء من اللَّه، والتعظيم له والإجلال، والمراقبة والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره" (^١)، ووجه هذه المعرفة التي تثمر هذا الرضا هو: "أن يعلم أن منع اللَّه ﷾ لعبده المؤمن المحب عطاء، وابتلاءه إياه عافية، قال سفيان الثوري: منعه عطاء، وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير عبده المؤمن، فمنعه اختيار، وحسن نظر، وهذا كما قال. . . ولكن لجهل العبد وظلمه، لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائما لطبعه، ولو رزق من المعرفة حظا وافرا لعد المنع نعمة، والبلاء رحمة. . . وهذه كانت حال السلف. . . فالراضي هو الذي يعد نعم اللَّه عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه" (^٢)، وقال: "من صحت له معرفة ربه، والفقه في أسمائه وصفاته، علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها، فأنظر إلى غارس جنة من الجنات، خبير بالفلاحة، غرس جنة، وتعاهدها بالسقي والإصلاح، حتى أثمرت أشجارها، فأقبل عليها يفصل أوصالها، ويقطع أغصانها، لعلمه أنها لو
_________________
(١) روضة المحبين (١٠٦).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
خليت على حالها، لم تطب ثمرتها، فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة، حتى إذا التحمت بها، واتحدت، وأعطت ثمرتها، أقبل يقلمها، ويقطع أغصانها الضعيفة، التي تذهب قوتها، ويذيقها ألم القطع، والحديد، لمصلحتها، وكمالها، لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك، ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت، بل يعطشها وقتا، ويسقيها وقتا، ولا يترك الماء عليها دائما، وإن كان ذلك أنضر لورقها، وأسرع لنباتها، ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق، فيلقى عنها كثيرا منها؛ لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها، كما في شجر العنب ونحوه، فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويلقى عنها كثيرا من زينتها، وذلك عين مصلحتها فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان، لتوهمت أن ذلك إفساد لها، وإضرار بها، وإنما هو عين مصلحتها. . . فأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله. . ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم، علما وإرادة وعملا، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم، بموجب علمه، وحكمته، ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفى ذلك على الجهال به، وبأسمائه، وصفاته. . . ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة، في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة. . . وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل
[ ٢ / ٦٦٧ ]
اللَّه، وحكمته، ورحمته، وحسن اختياره، فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى" (^١).
_________________
(١) الفوائد (٩٢ - ٩٣)، وانظر مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٧)، وفيض القدير (٢/ ١٠٨).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر والصبر عليه، وبين العزم على ذلك.
٥٦٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن كثير، عن سليمان الخواص قال: مات ابن لرجل فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان الرجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا واللَّه الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضيا بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر" (^١).
٥٦٤ - حدثني زكريا بن عبد اللَّه التميمي، أن محمد بن عبد اللَّه القرشي حدثه، أن أباه حدثه: أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز عند موت ابنه: "أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألما؟ قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر معوَّل المؤمن" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فإن محمد بن كثير هو ابن أبي عطاء المصيصي صدوق كثير الغلط التقريب (٦٢٩١)، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٥٣) رقم (٤٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٧٧)، وابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز (١٥٠).
(٢) إسناده لين، شيخ المصنف لم يتبين لي من هو، الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان (٤٢ - ٤٣) رقم (١٩)، ومن طريقه وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ١٠٥)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٣٧٨) للمصنف في هذا الكتاب، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤٢) بلفظ: "الرضا قليل ولكن الصبر معول المؤمن"، وفي البداية والنهاية (٩/ ٢٧٢) مثله عن الحسن البصري.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
٥٦٥ - حدثني محمد بن إدريس الرازي قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: "أرجو أن أكون قد رزقت من الرضا طرفا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر الفرق بين الصبر والرضا، وبين الرضا والعزم على الرضا، فورد في أثر سليمان الخواص أن الفرق بينهما أن الرضا يكون قبل وقوع المصيبة راضيا بأي ذلك كان، فإذا وقعت صبر، وإن كان في نفس الأثر ورد ذكر الفرق بينهما عن عمر بن عبد العزيز في إشارة إلى أن درجة الصبر دون درجة الرضا، من غير بيان لنوع الفرق، وهو مفسَّر في الأثر الثاني بأن الرضا هو أن يستوي عندك ما تحب وما تكره (^٢)، والصبر دون ذلك وهو معوّل المؤمن، فهو لا يستوي عنده ما يحب وما يكره، لكنه يصبر على ما يكره، كما أن أثر الداراني فيه الفرق بين الرضا والعزم على الرضا.
ولا شك أن الرضا درجة أعلى من الصبر كما قال ابن رجب:
_________________
(١) إسناده صحيح، الرضا عن اللَّه بقضائه والتسليم بأمره (٢٨) رقم (١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٦٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٢٦)، وانظر كلام ابن تيمية على هذا الأثر في التعليق الآتي.
(٢) أي من جهة الرضا به، لا من جهة عدم التالم، أو موافقة الطبيعة البشرية، فهذا أمر لا يقدر عليه البشر وهو خلاف طبيعتهم، وانظر أيضا فتح الباري (١٠/ ١٢٤).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
"الصبر كف النفس وحبسها عن السخط، مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب، من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية" (^١).
لكن ليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل من شرطه ألا يعترض الحكم ولا يتسخطه، وقد ذكر ابن القيم ﵀ لذلك مثالا جيدا فقال: "المريض الشارب للدواء الكريه، متألم بصومه، راض به، والصائم في شهر رمضان، في شدة الحر، متألم بصومه، راض به، والبخيل متالم بإخراج زكاة ماله، راض بها، فالتألم كما لا ينافي الصبر، لا ينافي الرضا به" (^٢).
أما الذي يكون قبل المصيبة فليس رضا وإنما هو عزم على الرضا قال شيخ الإسلام: "ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا، لا حقيقة للرضا، ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره" (^٣).
ثم شرح هذا الكلام بقوله: "ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا،
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٥).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).
(٣) التحفة العراقية (٥١).
[ ٢ / ٦٧١ ]
وإنما هو عزم على الرضا، وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء، وإن كان هذا عزما، فالعزم قد يدوم، وقد ينفسخ، وما أكثر انفساخ العزائم، خصوصا عزائم الصوفية. . . ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب، أنه كان يقول: وليس في سواك حظ، فكيفما شئت فاختبرني، فأخذه العسر من ساعته، أي حصر بوله، فكان يدور على المكاتب، ويفرق الجوز على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب" (^١).
وهنا لطيفة يجب التنبه لها وهي أن العزم على الرضا منوط بالشرع فلا يجوز العزم على الرضا بما لم يشرع للمرء الرضا به، وقد أوفى ابن القيم ﵀ هذا المقام حقه في مدارج السالكين فقال: "وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه: فهذا هو الرعونة كل الرعونة؛ فإن مراده سبحانه نوعان: مراد يحبه ويرضاه؛ ويمدح فاعله ويواليه؛ فموافقته في هذا المراد هي عين محبته، وإرادة خلافه رعونةٌ ومعارضةٌ واعتراضٌ، ومراد يبغضه ويكرهه، ويمقت فاعله ويعاديه، فموافقته في هذا المراد عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه، فهذا الموضع موضع فرقان، فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر، فالعبودية الحق: معارضة مراده بمراده، ومزاحمة أحكامه بأحكامه، فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه عين الرعونة، والخروج عن العبودية، وهو عين الدعوى الكاذبة؛ إذ لو كان مصدر ذلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦٩١ - ٦٩٣) بتصرف، وانظر تيسير العزيز الحميد (٥٢٤).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
الاستسلام والموافقة وترك الاعتراض والمعارضة لكان ذلك مخصوصا بمحابه ومراضيه وأوامره التي الاستسلام لها والموافقة فيها، وترك معارضتها والاعتراض عليها هو عين المحبة والموالاة. . . ومن العجب: دعواهم خروجهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم، وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد اللَّه الدينى الأمري النبوي، وبذلها للَّه في إقامة دينه، وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزقون أديمه، ويرمونه بالعظائم، و. . .، قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم، وتعلق بمراضي الحي القيوم، مقامه ساعة في جهاد أعداء اللَّه، ورباطه ليلة على ثغر الإيمان، آثر عنده وأحب إليه من فناء ومشاهدات وأحوال، هي أعظم عيش النفس، وأعلى قوتها، وأوفر حظها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها؟ !، ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده وهو حظه، ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا، وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه، وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه فإنه لا حظ للنفس في ذلك، فواللَّه ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج، وماذا يلعب الشيطان بالنفوس، وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة، فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم ثم قايس بينهما وانظر
[ ٢ / ٦٧٣ ]
التفاوت. . . -ثم ذكر آيات وأحاديث في تعوذهم من عذاب اللَّه وبلائه وسؤالهم العافية والسلام- فأين هذا من حال من قال: لا أحبك لثوابك؛ لأنه عين حظي، وإنما أحبك لعقابك؛ لأنه لاحظ لي فيه. . . فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم: إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده، ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية التي يتعاطاها العبد، ويشمر إليها، فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب، ولا تصبر عليه نفوس العلماء" (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩).
[ ٢ / ٦٧٤ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم.
٥٦٦ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي قال: "رأيت أبا عمر الضرير في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري، معتزلي، مرجئ، فجعل يعد أصحاب الأهواء" (^١).
٥٦٧ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت مالك بن أنس عن القدري والمخنث؛ أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: "إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان التحذير من أهل القدر وذمهم، وقد سبق هذان الأثران في الباب الأول من هذه الرسالة في المطلب الأول: التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد، ولا شك أن بدعة القدر من أوائل البدع ظهورا وكان السلف أشد إنكارا لها وتحذيرا من أهلها، قال شيخ الإسلام: "لم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر، فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقى من الصحابة، كعبد اللَّه
_________________
(١) سبق (١١٣) في كتاب الاتباع والابتداع.
(٢) سبق (١١٧) في كتاب الاتباع والابتداع.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
ابن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وواثلة بن الأسقع، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز، فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية، ولهذا قال وكيع بن الجراح القدرية: يقولون الأمر مستقبل، وإن اللَّه لم يقدر الكتابة والأعمال. . . وهو كله كفر. . . ولكن لما اشتهر الكلام في القدر، ودخل فيه كثير من أهل النظر، والعباد، صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. . . وقول أولئك كفرهم عليه مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء، والعباد كتب عنهم العلم، وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم، لكن من كان داعية إليه، لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة، لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، وأقل عقوبته أن يهجر، فلا يكون له مرتبة في الدين، لا يؤخذ عنه العلم، ولا يستقضى، ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك" (^١)، وقال: "قد رويت أحاديث في ذم القدرية والمرجئة، روى بعضها أهل السنن، كأبي داود، وابن ماجه، وبعض الناس يثبتها ويقويها، ومن العلماء من طعن فيها، وضعفها، ولكن الذي ثبت في ذم القدرية ونحوهم هو عن الصحابة كابن عمر وابن عباس" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥١).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر
٥٦٨ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم العبدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور بن عبد الرحمن قال: "كنت جالسا مع الحسن فقال لي رجل اسأله عن قول اللَّه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^١)، فسألته عنها فقال: سبحان اللَّه من يشكّ في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض، ففى كتاب من قبل أن تبرأ النسمة" (^٢).
٥٦٩ - حدثنا أبو جعفر الصفار قال: حدثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذّاء (^٣) قال: "خرجت إلى فارس (^٤)، فجئت وقد رمي الحسن بالقدر، فأتيته فقلت: يا أبا سعيد، آدم خُلق للأرض أم للجنة؟ قال: يا أبا منازل
_________________
(١) سورة الحديد، من الآية (٢٢).
(٢) إسناده حسن، منصور صدوق يهم التقريب (٦٩٥٣)، الفرج بعد الشدة (٥٨) رقم (١٥)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٤٠) رقم (٩٧٧٠)، وأورده مختصرا السيوطي في الدار (٨/ ٦٢).
(٣) هو خالد بن مهران، أبو المُنَازِل، البصري الحَذَّاء، قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم، وقيل لأنه كان يقول أُخذ على هذا النحو، وهو ثقة يرسل، التقريب (١٦٨٠).
(٤) ولاية واسعة، أول حدودها من جهة العراق أرجان، ومن جهة كرمان السيرجان، ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف، ومن جهة السند مكران، معجم البلدان (٤/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ليس هذا من مسائلك، قلت: أحببت أن أعلم ذلك، قال: للأرض خُلق، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ فقال: لم يكن بدٌّ من أن يأتي على الخطيئة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان تبرئة الإمام الحسن البصري ﵀ من تهمة القول بالقدر، وهي مسألة مهمّة في مباحث العقيدة السلفية والرّد على المخالفين لها، ألا وهي تعلّق أصحاب الباطل بأئمة من أهل السنة وانتسابهم إليهم، ليروج باطلهم وتستساغ بدعتهم عند العوام، وضعاف العقول والنفوس، خصوصا من كان له لسان صدق وكلمة مسموعة، وصيت ذائع ومكانة في قلوب الأمة، وهذا ما حدث للحسن البصري -﵀- حيث نسبه المعتزلة إليهم وترجموا له في طبقاتهم (^٢)، كما نسبت إليه رسالة كتبها إلى عبد الملك بن مروان، جوابا على سؤاله له عن مذهبه في القدر فأجاب على طريقة القدرية (^٣)، وقد اعتنى علماء
_________________
(١) إسناده حسن، والأثر صحيح، وشيخ المصنف سبق (١٢١) وقد تابعه غير واحد، العقوبات (٧٤) رقم (١٠٨)، والفريابي في القدر رقم (٣٥٣)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٤ - ٢٥)، مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة لليافعي وصحح سنده (١٣٤).
(٢) عدّه عبد الجبار المعتزلي في الطبقة الثالثة في كتابه فرق وطبقات المعتزلة (٣٣)، وانظر المنية والأمل (٢٥).
(٣) طبعت هذه الرسالة ضمن رسائل العدل والتوحيد، جمع محمد عمارة الرسالة الأولى من (٨٣ - ٨٨).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
السلف والمحدثون نفي هذه التهم عن مثل هؤلاء الأئمة، خصوصا منهم من اهتم بالتأليف في العقيدة، حيث أوردوا ذلك في كتبهم، فنجد الآجري واللالكائي وابن بطة كلهم اعتنوا بالرد على هذه التُّهَم (^١)، خصوصا ما كان من ذلك في حقّ الحسن البصري لأنهم اتخذوه حجة على أهل السنة، فأثبتوا لهم من عدة طرق أنه يثبت القدر كسائر أهل السنة ويقول بقولهم فلا داعي للتعلق بما لا متعلق لهم فيه.
والذي يبدو من خلال التأمّل في ما روي عنه في هذا الباب نفيا وإثباتا، أن الحسن بريء من هذه التهمة، وأن سبب إلصاقها به عدّة أمور، أوجزها فيما يلي:
_________________
(١) انظر الشريعة (٢/ ٨٧٩ - ٨٨٦) فقد جعله في مقدمة من ذكر قوله من التابعين في القدر ورد على مزاعم القدرية عليه، وكذلك شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٥) حيث أورد أقواله في القدر، والإبانة لابن بطة حيث أورد دعوى القدرية عليه وردها (٢/ ١٧٩ - ١٩٥)، والانتصار للعمراني (٤٠٦ - ٤١٢) كما نقل بعض أقواله في ذلك عبد الرزاق في مصنفه في باب القدر (١/ ١١١) مثل رقم (٢٠٠٧٩، ٢٠٠٨٥).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
أولا: استغلال المبتدعة لمكانته العلمية والعملية في قلوب الناس، لترويج مذهبهم، وقد نصّ على ذلك عصريه، وزميله الذي كان يناصحه أيوب السختياني، وكلّ من دافع عن الحسن بعده، قال أيوب: "كذب -يعني على الحسن البصري- صنفان من الناس؛ قوم القدر رأيهم، فهم يريدون أن ينفقوا بذلك قولهم، وقوم في قلوبهم له شنآن وبغض، يقولون: من قوله كذا، وليس من قوله كذا" (^١).
ثانيا: وجود خصوم له وأعداء وحسدة يريدون تشويه سمعته لأغراض دنيئة غير المعتقد، كما في الأثر السابق عن أيوب.
ثالثا: صدور بعض العبارات منه أوهمت بعض من كان في قلبه حاجة، أنه يقول بالقدر وهذا قد صرح به هو نفسه كما قال حمزة بن دينار: "عوتب الحسن في شيء من القدر، فقال: كانت موعظة فجعلوها دينا"، وقال أيوب: "إن قوما جعلوا غضب الحسن دينا" (^٢).
رابعا: وضع رسالة زعموا أنه أجاب بها عن سؤال لعبد الملك بن مروان سأل فيها الحسن عن مذهبه في القدر فأجابه على مذهب المعتزلة مستدلا بآيات ودلائل عقلية، وقد استبعد الشهرستاني (^٣) صدورها عن الحسن، واحتمل أن تكون لواصل بن عطاء، بسبب أن كون القدر خيره
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٥٥) وغيره.
(٢) الإبانة (٢/ ١٨٧).
(٣) الملل والنحل (١/ ٤٢).
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وشرّه من اللَّه كالمجمع عليه بين السلف، قلت: ولو كان الكتاب صحيح النسبة للحسن، لما تردّد السلف في تخطئته، والتبري منه، خصوصا وأنه ثارت ضجّة كبيرة في عصره عليه، بسبب هذه التهمة، فلو كان الكتاب له لكان أولى ما يتهم به، بدلا من التعلق بالموعظة واستغلال حالة الغضب منه وجعلها دينا واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٦٨١ ]