وفيه فصلان:
الفصل الأول: دراسة جوانبه الشخصية.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
المبحث الثاني: مولده ونسبه.
المبحث الثالث: وفاته.
[ ١ / ٣٧ ]
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
هو عبد اللَّه بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس، أبو بكر القرشي الأموي مولاهم، الحنبلي البغدادي، المشهور بـ (ابن أبي الدنيا).
ومع شهرته الواسعة ﵀ بهذا الاسم إلا أنه قد يرد باسم أو نسبة غير ما اشتهر به، وقد اعتنى ببيان هذه الفائدة الخطيب البغدادي فقال: "ذكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا المصنف. . .
وهو عبد اللَّه بن عبيد الذي روى عنه الحارث بن أبي أسامة. . .
وهو عبد اللَّه بن سفيان الأموي. . .
وهو أبو بكر بن عبيد الذي روى عنه وكيع القاضي. . .
وهو أبو بكر بن سفيان الكوفي. . .
وهو أبو بكر الأموي" (^١).
_________________
(١) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢٠٩ - ٢١١)، وانظر الكفاية في علوم الحديث (٣٦٩)، وفي فتح المغيث (١/ ١٩٠) ذكره في أنواع التدليس وبيّن أن سبب تدليس الحارث بن أبي أسامة له هو أنه أكبر من ابن أبي الدنيا سنًا، وما ذكره الخطيب ﵀ في غاية الأهمية لمعرفة نسبة مرويات ابن أبي الدنيا إليه، ومعرفة تلاميذه، وتصرفات بعضهم عند الرواية عنه، ولم أجد من نبه على هذه الفائدة ممن درس ابن أبي الدنيا أو حقق بعض كتبه.
[ ١ / ٣٩ ]
المبحث الثاني: مولده ونشأته.
لقد توجه عدد من التراجم المعاصرة - التي ترجمت لابن أبي الدنيا (^١) إلى القول بأنه ولد ببغداد سنة (٢٠٨ هـ)، وليس في تحديد سنة ولادته خلاف، أما تحديد مكان الولادة بأنه (بغداد) فبعد البحث لم أقف له على مستند يؤيده، مع أنه لا خلاف في كونه بغداديا: مسكنا، واستقرارا، وشهرة.
وقد وقفت على قول الخطيب يصفه بأن: "أصله من الكوفة، ومسكنه بغداد" (^٢) فلا أستبعد أن يكون مولده بالكوفة، حيث ذكر أن
_________________
(١) انظر ترجمته في المصادر التالية: الجرح والتعديل (٥/ ١٦٣)، الفهرست لابن النديم، (٢٦٢)، تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩)، طبقات الحنابلة (١/ ١٩٢)، مروج الذهب (١/ ١٣) (١٥/ ٥٠، ١٧٤)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٧٨)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٤٧١)، المنتظم (٥/ ١٤٨)، التمييز والفصل لابن باطيش (٣٢٢)، تهذيب الكمال (١٦/ ٧٢)، السير (١٣/ ٣٩٧)، تذهيب التهذيب (٥/ ٢٩٧)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٧٧)، العبر (١/ ٤٠٤)، مختصر دول الإسلام (١/ ١٣٣) للذهبي، البداية والنهاية (١١/ ٧١)، النجوم الزاهرة (٣/ ٩٨)، فوات الوفيات (٣/ ٣٨٣)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٢)، المنهج الأحمد (١/ ٢٧٣)، هدية العارفين (١/ ٤٤١ - ٤٤٢)، أبجد العلوم (٣/ ١٠٠). وانظر ما كتبه كل من أصحاب الفضيلة: د. نجم خلف في مقدمة الصمت، د. مصلح الحارثي في مقدمة التهجد، الأستاذ ياسين السواس في مقدمة الشكر، وما أورده عدد من محققي كتبه في ذلك.
(٢) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢١١).
[ ١ / ٤٠ ]
أصله من الكوفة، ومسكنه بغداد، ولفقدان مستند القول بولادته في بغداد -فيما وقفت عليه- فلا يحسن الجزم به ولا ترجيحه (^١)، وذلك لما في مقولة الخطيب السابقة -في أصله ومسكنه- ما لعله يشير لكون ولادته بالكوفة واللَّه أعلم.
وقد نشأ في بيت علم وفضل، فقد كان والده من أهل العلم والحديث، روى عنه في عدة مواطن من كتبه، في موضوعات متعددة، حديثا وأثرا وشعرا وأخبارا وتاريخا.
وكان والده حريصا على توجيهه لطلب العلم على بعض المحدثين والسماع منهم وهو في مقتبل شبابه، فقد ذكر الذهبي أن أقدم شيخ له هو سعيد بن سليمان الواسطي وهو المشهور بسعدوية، وقد توفي سنة (٢٢٥ هـ)، وكان حينئذ في سن السابعة عشرة، ولهذا لم يتهيأ له السماع من عفان بن مسلم -كما ذكره إبراهيم بن إسحاق الحربي-، لأن عفان بن مسلم توفي في عام (٢٢٠ هـ) وكان ابن أبي الدنيا في الثانية عشرة من عمره، وكأنه في هذا الوقت توجَّه -ولعله بتوجيه والده- لأدب الحديث وللتهذيب، فكان يصحب البرجلاني (ت: ٢٣٨ هـ) وهو صاحب التآليف في الزهد والرقائق (^٢).
_________________
(١) كما رآه محقق مقتل أمير المؤمنين علي -﵁-، ولم يفصح عن وجه الترجيح.
(٢) وقد كانت هذه عادة المحدثين أنهم لا يبدؤون بسماع الحديث قبل الأدب، ولهم في ذلك أقوال شهيرة ومباحث كثيرة في كتب المصطح، ومن أقوالهم في ذلك: "كان الرجل إذا أراد أن يطب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة"، انظر مقدمة ابن الصلاح (٧٣)، المنهل الروي لابن جماعة (١٠٥)، تدريب الراوي (٢/ ٥).
[ ١ / ٤١ ]
كما نشأ ﵀ في كنف أئمة علماء السنة، من محدثين ولغويين وأهل سير وتاريخ وزهاد وعباد، حيث إن الباحث حين يقرأ سيرته ويبصر ما في كتبه ويتتبع شيوخه، يلفت انتباهه الانتقاء والتميز والتخصص، ناهيك عن الإمامة في الدين والعلم.
وتتلمذ على أئمة كبار ونهل من معينهم، وروى عنهم، وكان الغالب على كل واحد منهم حيازة السبق في ميدانه وميادين أخرى كثيرة، بحيث استطاع ﵀ تكوين شخصيته العلمية الفذة المتميزة، التي مكنته من تبوّأ مكانة علمية مرموقة، علمًا وعملا وتأليفا.
فقد لازم الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، وروى عن الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث (^١)، والذي قال عنه ابن حجر: "جبل الحفظ، وإمام الدنيا في فقه الحديث" (^٢)، ولازم أبا عبيد القاسم بن سلام، وابن سعد صاحب الطبقات، وابن الجعد صاحب المسند، وخلف ابن هشام أحد القراء العشرة، وجميع هؤلاء متقدمو الوفاة، وهم جميعا أصحاب علم متنوّع، وأدب، وزهد، وبصيرة، وإمامة، فلا عجب أن يكون ابن أبي الدنيا بعد هذه التنشئة المميزة موسوعة جامعة كما قال العلامة ابن القيم: "كان يقال: ملأ ابن أبي الدنيا الدنيا علما" (^٣).
_________________
(١) انظر هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث (٢٤).
(٢) تقريب التهذيب رقم (٥٧٦٤).
(٣) طريق الهجرتين (١٩٥)، وانظر ما ذكره الدكتور نجم خلف في كتابه العيال (٧٩ - ٩٨) فقد نبه على فوائد علمية قيّمة تتعلق بصاحب الترجمة.
[ ١ / ٤٢ ]
المبحث الثالث: وفاته.
توفي ﵀ يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة (٢٨١ هـ) (^١) -ويقال: في جمادى الأولى (^٢) -، هذا على أولى الأقوال بالصواب، وهناك قول وهّمه الخطيب يجعلها قبل ذلك بسنة (^٣)، وقول مرّضه الصفدي (^٤) يجعلها بعد ذلك بسنة يعني (٢٨٢ هـ).
وهناك قول آخر يبتعد بها إلى سنة (٢٩٠ هـ)، فقد ذكر الذهبي (^٥)، والديار بكري (^٦) أن عُمْره حين وفاته كان نيفا وثمانين سنة، وهذا يفيد أنه عاش إلى حدود سنة (٢٩٠ هـ)، وقد ذكر محقق كتاب مقتل أمير المؤمنين علي ﵁ ما يؤيد هذا الاحتمال (^٧) وهو قصة إرسال ابن أبي الدنيا للمكتفي لما تولى الخلافة ببيتين من الشعر يذكره فيهما بحق التأديب وأنه كحق الأبوه الذي يتعنِ مراعاته من أهل الفضل، فبعث إليه
_________________
(١) الفهرست لابن النديم (٢٦٢)، وقد وَهَّم الخطيب من قال إنه توفي سنة ثمانين، انظر تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).
(٢) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).
(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).
(٤) فوات الوفيات (١/ ٤٩٤)، وانظر الوافي بالوفيات (١/ ٢٤٢٨).
(٥) العبر (١/ ٤٠٤)، دول الإسلام (١/ ٢٥٢).
(٦) تاريخ الخميس (١/ ٣٤٤).
(٧) (١١ - ١٢).
[ ١ / ٤٣ ]
بعشرة آلاف درهم (^١)، ولذلك قال السيوطي: "هذا يدل على تأخر ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي" (^٢)، ويجاب عن هذا بما يلى:
الأول: أن القصة مروية من طريق أبي سليمان الخطابي، وسُمِّي فيها شيخه والراوي عنه؛ ولم أقف لهما على ترجمة، إضافة لروايتها بطريق الإجازة وهى مضعّفة عند التعارض.
الثاني: أنه قد ورد أثر بسند حسن رواه ابن المرزبان عن ابن أبي الدنيا فقال: "أنشدني ابن أبي الدنيا، وكتب به إلى المعتضد أمير المؤمنين (^٣)، وكان يؤدب ابن أمير المؤمنين علي المكتفي" (^٤)، فهذه الرواية تفيد أن البيتين مرسلان لوالد المكتفي وهو المعتضد، وأنه لما أرسل له البيتين كان يؤدب ابنه المكتفي، وأما سياق القصة القائل بالإرسال للمكتفي فلم يضبط فيه المرسل إليه فجُعِل المكتفي، ولو صح القول الذي ذكره الصفدي وابن شاكر أنه أرسله إلى كليهما، فإرساله إلى المكتفي في
_________________
(١) المنتخب من السياق (٦٧).
(٢) تاريخ الخلفاء (٣٢٦).
(٣) هو الخليفة العباسى المعتضد باللَّه أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم، كان ملكا شجاعا، مهيبا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس، جدَّدَ ملك بني العباس بعد أن خَلِقَ، فكان يدعى السفاح الثاني، مات سنة (٨٩ هـ)، تاريخ الخلفاء (٣٢٠).
(٤) وهذا سند حسن؛ فإن المرزبان وصفه الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٣٧)، بقوله: "كان إخباريا مصنفا حسن التصنيف"، ونقل الذهبي في الميزان (٣/ ٥٣٧) عن الدارقطني تليينه وقال ابن الجوزي في المنتظم (٦/ ١٦٥): "وكان صدوقا ثبتا"، وكذا الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٢٣٤٥)، ذم الثقلاء (١٣).
[ ١ / ٤٤ ]
عهد ولاية أبيه لا في عهده هو واللَّه أعلم.
الثالث: أنه يستبعد جدا أن يكون قد بقي إلى حدود سنة (٢٩٠ هـ)؛ لأن القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي الذي حضر وفاته، وتأسف على العلم الذي مات معه (^١)، لم يعمِّر إلى هذه السنة، بل توفي فجاة سنة (٢٨٢ هـ) (^٢).
الرابع: أما ما سبق ذكره عن السيوطي فقد ذكر هو نفسه ما هو بخلافه، حيث جزم في نهاية ترجمة المعتضد (^٣)، بأن ابن أبي الدنيا ممن مات في عهده من الأعلام.
هذا وقد تأثر لوفاته ﵀ العلماء، وتأسفوا على موته، كما روى الخطيب البغدادي -بسند حسن- (^٤) في تاريخه عن القاضي أبي الحسن قال: بكّرت إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي يوم مات ابن أبي الدنيا، فقلت له: أعزّ اللَّه القاضي مات ابن أبي الدنيا، فقال: رحم اللَّه أبا بكر مات معه علم كثير، يا غلام امض إلى يوسف حتى يصلي عليه، فحضر يوسف بن يعقوب فصلى عليه في الشونيزية (^٥)، ودفن بها" (^٦).
_________________
(١) كما سيأتي نقله قريبا في قصة وفاته والصلاة عليه.
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٩).
(٣) تاريخ الخلفاء (٣٢٠).
(٤) فإن القاضي أبا الحسن وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن هارون بن الصلت، كان صدوقا صالحًا، وفيه كلام لا ينزل الأثر عن درجة الحسن، انظر تاريخ بغداد (٥/ ٩٤)، ولسان الميزان (١/ ٢٥٥).
(٥) هي مقبرة في الجانب الغربى من بغداد، دفن فيها جماعة كثيرة من الصالحين، ولهذا يطلق عليها مقبرة الصالحين، انظر القاموس المحيط (١/ ٦٦١)، معجم البلدان (٣/ ٣٧٤).
(٦) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).
[ ١ / ٤٥ ]
الفصل الثاني: دراسة جوانبه العلمية.
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم ورحلاته.
المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه.
المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه في الفروع.
المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: آثاره العلمية.
[ ١ / ٤٦ ]
المبحث الأول: طلبه للعلم ورحلاته.
سبق في المبحث الثاني الفصل السابق -عند الكلام على نشأته- الكلام على أن ابن أبي الدنيا ﵀ اعتنى بطلب العلم من صغره، وأنه تتلمذ على جِلَّة علماء عصره وأفاضلهم بل وأئمتهم.
أما رحلاته فلم يشتهر ابن أبي الدنيا ﵀ بالرحلة في الطلب، بل كان كما قال الذهبي: "قليل الرحلة" (^١)، وفي هذا يقول الدكور نجم عبد الرحمن خلف -بعد تتبع لمشايخه، والنُّتَف المنثورة في سيرته-: "لم يرحل خارج العراق إلا لأداء فريضة الحج، فكان معظم سماعه ببغداد، سواء من شيوخها النازلين بها، أو من الشيوخ الوافدين عليها من البلاد الأخرى، فتكون رحلاته ضمن حدود العراق كالبصرة والكوفة والموصل" (^٢).
قلت: ولعل الأولى من هذا القول بأنه اكتفى بمن في بلده (بغداد) من أئمة كبار ومحدثين إضافة إلى من زارها ونزل بها من غيرهم، كان استغناؤه بهم عن الرحلة أمرا لا يقدح في اجتهاده في العلم وحرصه عليه، والدليل على ذلك هو واقع مروياته الواسعة المنوعة المودعة في تآليفه الكثيرة جدًّا.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩٩).
(٢) العيال (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٤٧ ]
المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه
أولا: شيوخه.
لقد تتلمذ ابن أبي الدنيا وسمع من شيوخ كثيرين يعدون بالمئات، عدّ منهم المزي -على عادته في تتبع شيوخ المترجم لهم في تهذيب الكمال- أكثر من مائة وعشرين شيخا (^١)، وقد استفتح الذهبي سرد أسمائهم بقوله: "وهم خلق كثير" ثم سرد (٥٢) شيخا لم يذكرهم المزي (^٢)، وختم ذلك بقوله: ويروي عن خلق كثير لا يعرفون" (^٣).
وقد ذكروا من مشاهير شيوخه: أبا عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ)، وخلف بن هشام القارئ المشهور الذي تنسب رواية خلف في القراءة إليه (ت: ٢٢٩ هـ)، وابن سعد صاحب الطبقات (ت: ٢٣٥ هـ)، وعلي بن الجعد صاحب المسند (ت: ٢٣٥ هـ)، وأبا خيثمة زهير بن حرب (ت: ٢٣٤ هـ)، ومحمد بن الحسين البرجلاني صاحب التآليف في الزهد والرقائق (ت: ٢٣٨ هـ)، والإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ت: ٢٤١ هـ)، وعمرو بن علي الفلاس
_________________
(١) وقد وقع تفاوت في العد بين الدكتور مصلح الحارثي والدكتور نجم خلف؛ فعدهم الدكتور مصلح الحارثي ١٢٠ شيخا، وعدهم الدكتور نجم خلف ١٢٩ شيخا، مع اعتمادهما على نفس المصدر، وإن كانت الطبعة مختلفة، ولما أجريت العد وجدته (١٢٤) شيخا.
(٢) السير (١٣/ ٣٩٧).
(٣) السير (١٣/ ٣٩٩).
[ ١ / ٤٨ ]
(ت: ٢٤٩ هـ) (^١)، والإمام البخاري صاحب الصحيح (ت: ٢٥٦ هـ)، وقاضي بغداد إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت: ٢٨٢ هـ).
وكثيرا ما يُعْزى عدم الوقوف على ترجمة لبعض شيوخه إلى ما سبق من كونه روى عن أناس لا يُعرفون، وهذا وإن كان له نسبة من الصحة (^٢)، فله كذلك أسباب أخرى توصلت إليها خلال بحثي في تخريج الآثار الواردة في هذه الرسالة، أبرز منها في هذه المقدمة سببين هما:
السبب الأول: وهو أنه ﵀ ينسب كثيرا من شيوخه إلى نسب غير مشهورة عنهم، وهذا ما حدا بالخطيب البغدادي إلى ذكره في كتابه المختص بهذا الفن من فنون علوم الحديث وهو موضح أوهام الجمع والتفريق، حيث ذكر في حرف الياء يحيى بن أبي طالب، وذكر أن ابن أبي الدنيا سماه: أبا بكر بن جعفر، وأن اسمه الكامل هو أبو بكر يحيى بن أبي طالب واسم أبي طالب: جعفر بن عبد اللَّه بن الزبرقان مولى بني هاشم (^٣)، ولهذا لم يتعرف عليه محقق كتاب المرض والكفارات الباحث عبد الوكيل الندوي فقال: "إسناده: فيه شيخ المؤلف لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" (^٤)،
_________________
(١) انظر الفلاس منهجه وأقواله في الرواة (٢٨٣).
(٢) حددها الدكتور نجم خلف في تحقيقه لكتاب العيال (١/ ١٠٩) بأنها لا تتجاوز ٥ %.
(٣) موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧)، وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).
(٤) انظر المرض والكفارات حكمه على الأثر رقم (٤٥)، وليس هذا أمرا خاصا بشيوخه بل تجده في غيرهم كأبي المنذر الكوفي وهو الكلبي المتروك يروي عنه والد ابن أبي الدنيا ولا يسميه باسمه المعروف.
[ ١ / ٤٩ ]
وذكر أيضًا في الكفاية (^١) إبراهيم بن سعيد الجوهري وأنه يروي عنه ابن أبي الدنيا فيسميه إبراهيم بن أبي عثمان، وأحيانا أبا إسحاق الجزري.
ولهذا الكلام أمثلة عندي كذلك، منها أنه سمى شيخه الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبا مسلم الحراني، فلم يهتد إليه المحقق الدكتور نجم خلف فعرَّفه بأنه المغيرة بن عبد الرحمن الأسدي (^٢)، وكذلك سمى شيخه عمرو بن علي الفلاس أبا حفص الصيرفي، وشيخه أبو عبد اللَّه المروزي يشتبه فيه أحمد بن نصر الخزاعي المروزي بمحمد بن نصر المروزي، وهذا ما أوقع ارتباكا لدى محققي كتبه تجده مفصلا في تعليقاتي في أثناء هذه الرسالة، ومحمد بن عبد الملك القرشي، سماه في عدة مواطن من كتبه هكذا، وهو معروف بمحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، والقاضي إسماعيل ابن إسحاق المالكي سماه أبا إسحاق الأزدي.
السبب الثاني: كثرة التصحيف في كتبه المطبوعة، بل لم تسلم المخطوطة أيضًا من هذه الآفة؛ ولذلك يتعب الباحث كثيرا في تحقيق أسماء الرواة في الأسانيد لا سيما في بعض الطبعات السقيمة، وتجد تفاصيل هذا في بحث فضيلة الدكتور عبد اللَّه دمفو فقد تناول كتبه المطبوعة وقارن بين
_________________
(١) حيث ذكر في باب الكلام في التدليس (٣٧٠) عنوانا في ذكر شيء من أخبار بعض المدلسين أورد فيه ما ذكرته في المتن.
(٢) انظر كتاب الصمت رقم (٣٦٦)، وانظر تحقيق ذلك فيما سيأتي من هذه الرسالة الأثر رقم (١١٢٥).
[ ١ / ٥٠ ]
طبعاتها المختلفة، كما قام بالرجوع إلى بعض الأصول الخطية، وقابلها أو بعضها بالمطبوع.
ثانيا: تلاميذه.
لقد كان طلاب ابن أبي الدنيا كثرة كشيوخه، قال ابن تغري بردي: "روى عنه خلق كثيرا" (^١)، عدَّ منهم المزي في تهذيب الكمال أكثر من خمسين تلميذا (^٢).
ومن مشاهير تلاميذه: الفاكهي صاحب أخبار مكة (ت: ٢٧١ هـ تقريبا) (^٣)، والإمام ابن ماجه صاحب السنن (ت: ٢٧٣ هـ)، وشيخه الحارث بن أبي أسامة (ت: ٢٨٢ هـ)، ووكيع صاحب كتاب أخبار القضاة (ت: ٣٠٨ هـ) (^٤)، وابن خزيمة صاحب الصحيح (ت: ٣١١ هـ)، وابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل (ت: ٣٢٧ هـ)، ومحدث الأندلس القاسم بن أصبغ المالكي (ت ٣٤٠ هـ)، وغيرهم.
_________________
(١) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).
(٢) تهذيب الكمال (٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، وانظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩٩ - ٣٤٠).
(٣) وقد ذكر محقق الكتاب (١/ ٢٤) أنه روى عنه في هذا الكتاب أثرا واحدا فقط هو رقم (١٦٠).
(٤) انظر أخبار القضاة (٣/ ٣٥٥) فقد أحال المحقق على مواضع روايته عنه.
[ ١ / ٥١ ]
المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه في الفروع.
أولا: عقيدته.
لم أجد أثناء بحثى من نص على عقيدة ابن أبي الدنيا -﵀-، إلا أنه من الواضح جدا أنه كان سلفي المعتقد، على طريقة الصحابة والتابعين، متبعا لهم، معظما لآثارهم، جامعا لأقوالهم، وناصرا لمذهبهم، وهذا يدرك بالنظر أولا إلى شيوخه الذين تتلمذ عليهم، فهم ليسوا فقط على مذهبهم، بل أئمة فيه، أصحاب القدم الراسخة والقدح المعلَّى، ولو لم يكن إلا إمامهم الإمام أحمد الذي يلقب بإمام أهل السنة والجماعة، والبخاري صاحب الصحيح، إضافة إلى العدد الكبير الذي ألفه من الكتب سواء المطبوع والمخطوط منها أو المفقود، أما المطبوع والمخطوط فيوجد فيها مخبآت وأقوال فريدة وفوائد عديدة في عقيدة السلف، وأما المفقود فيلحظ من عناوينها اهتمام هذا الإمام بعقيدة السلف وحرصه على تدوينها ونشرها.
فالإخلاص، وأعلام النبوة، وآخر الزمان، وأخبار معاوية، وحلم معاوية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنزال الحاجة باللَّه، والأنواء، والأهوال، والأولياء، والبعث والنشور، والتقوى، والتوبة، والتوكل، وحسن الظن باللَّه، والخائفين، والدعاء، ودلائل النبوة، وذكر الموت، وذم الرياء، والرضا عن اللَّه، والرقى، وسدرة المنتهى، والسنة، وشجرة طوبى، والشكر، والصبر، وصفة الجنة، وصفة الصراط، وصفة الميزان، وصفة النار، وفضائل علي، وفضائل لا إله إلا اللَّه، والقبور، وكرامات الأولياء،
[ ١ / ٥٢ ]
والمجوس، والمحتضرين، ومقتل عثمان، ومقتل علي، ومقتل الزبير، ومقتل الحسين، ومن عاش بعد الموت، والموقف.
كل هذه الكتب الموجود منها والمفقود تسفر عن توجه عقدي سليم، ونصرة لمذهب السلف وبيان له في مثل هذه القضايا العقدية الخطيرة، فلا تكاد تجد مفردا من مفردات مقرر العقيدة إلا وله تأليف مستقل فيه، وعنوان بارز عليه، وإذا عرفت أن تآليفه ﵀ كلها نقولات عن السلف وذكر لتقريراتهم وأقوالهم في الباب المفرد، ناهيك عن جمعه لما ورد في كل باب من الآيات والأحاديث المسندة، ظهر ما ذكرته.
أضف إلى ذلك ما نالته كتبه من الثناء العطر من علماء السلف، والاعتماد عليها في مسائل هامة من مسائل الاعتقاد.
قال عنه ابن كثير: "المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الذائعة في الرقاق وغيرها" (^١)، وخصَّ ﵀ كتاب مكائد الشيطان (^٢) بأن فيه فوائد جمة (^٣)، وقال الذهبي: "تصانيفه كثيرة جدا، فيها مخبآت وعجائب" (^٤)، وقال ابن تغري بردي: "الناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها" (^٥).
_________________
(١) البداية والنهاية (١١/ ٧١).
(٢) وهو من كتب المصنف التي لم يعثر عليها، وقد جمع مجدي السيد ما وقف عليه من مروياته.
(٣) البداية والنهاية (١/ ٦٤).
(٤) السير (١٣/ ٣٩٩).
(٥) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).
[ ١ / ٥٣ ]
بل إن من النصوص العزيزة التي وقفت عليها أثناء البحث أن قوام السنة جعل ابن أبي الدنيا هو العمدة في بعض المسائل العقدية الخطيرة المتعلقة بالصحابة والفتن التي جرت لهم كقتل الحسين ونحوه، وموقف يزيد بن معاوية -وأهل بيت معاوية -﵁- المنكر لفعل ابن زياد وشهادة علي بن الحسين وبنته فاطمة بذلك فقال: "هذا ما نقله الثقات من أهل الحديث، فأما ما رواه أبو مخنف وغيره من الروافض فلا اعتماد بروايتهم، وإنما الاعتماد على نقل ابن أبي الدنيا وغيره ممن نقل هذه القصة على الصحة" (^١).
وفي نفس السياق وافقه شيخ الإسلام على هذا التحقيق، بل زاده شرحا وتعليلا فقال: "والمصنفون من أهل الحديث في ذلك كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما، كالمصنفين من أهل الحديث في سائر المنقولات، هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم؛ لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات، أو يرسلونه عمن يكون مرسله يقارب الصحة، بخلاف الأخباريين" (^٢)، وهذه شهادة وتزكية وأي شهادة وتزكية، من هذين الإمامين الكبيرين في السنة.
وقد اشتهر عن ابن أبي الدنيا ﵀ أن كتبه وعظية زهدية، يغلب عليها طابع التصوف (^٣)، وربما تراه باديا لدى كثير من طلبة العلم.
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٢٦)، وهو توثيق عزيز لم يذكره أحد ممن سبقني إلى دراسة ابن أبي الدنيا.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٧٩)، وانظر منهاج السنة (٤/ ٥٥٦).
(٣) سمعت هذا من كثير من طلبة العلم أثناء تحضير خطة البحث، بل إني كنت عرضت هذا الموضوع أثناء مرحلة الماجستر على عدة طلاب فكنت أرى علامة الاستغراب =
[ ١ / ٥٤ ]
لكن الذي وجدته أثناء البحث والدراسة لشيوخه، والآثار التي رواها عنهم، أنه على صورة مغايرة تماما -في غالبها- لهذا، فابن أبي الدنيا كان في بغداد في القرن الثالث، وهي الفترة التي برز فيها عدد من أئمة أهل السنة واحتوت على كثير من أعلامها، ومع كل هذا بل ومع حرص ابن أبي الدنيا على التأليف وجمع المادة العلمية التي يثري بها مؤلفاته، لا سيما في مثل هذه المواضيع التي لها صلة بالزهد والرقائق، وتربية النفس، فإننا نجده لا يتوجه إلى هذه الطائفة التي عرفت بتوسعها في هذا المجال، بل على العكس تماما فرغم وجود كثير من المشايخ في بلده بغداد، ومعاصرته لهم، فقد عزف عنهم ولم يرو لهم في كتبه شيئا، وهذا يفيد فائدة علمية مهمة، وهى أن ابن أبي الدنيا ليس مجرد جَمَّاعَة، وإنما هو مؤلف ينتقي مادته العلمية ويقصد إلى بيان منهج السلف في مثل هذه المسائل التي تناولها هؤلاء، فكأن لسان حاله يقول: هذا الزهد الصحيح، وهذا هو المنهج القويم فيه، وعلى هذا كان السلف، حاله في هذا حال من سبقه من مشايخه ومن سبقهم كالإمام أحمد والبرجلاني وابن المبارك وغيرهم، ولهذا تجد كثيرا من مادته العلمية تدور على هؤلاء كما سيتبين أثناء تخريج الآثار في هذه الرسالة، إضافة إلى أن أصحاب الآثار الذين روى أقوالهم هم أئمة السلف الكبار كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وأيوب السختياني ونحوهم، فضلا عمن سبقهم من الصحابة.
ويؤكد هذا الكلام أنك لو ألقيت نظرة عابرة على كتاب طبقات الصوفية للسلمي، لا تكاد تجد ذكرا لأصحاب الطبقتين الأولى والثانية،
_________________
(١) = والتعجب من كثيرهم، وكانت تعليقاتهم تدور حول جدواه، بل شك كثير منهم في وجود مادة علمية تغطي بحثا أكاديميا متخصصا في العقيدة.
[ ١ / ٥٥ ]
وهم من يمكن روايته عنهم أو عمن فوقهم في كتبه، إلا الفضيل بن عياض ﵀، وتلميذه إبراهيم بن أدهم، وصاحبه أبا عبد اللَّه النباجي، ثم الداراني شيئا يسيرا، من طريق أحمد بن أبي الحواري، ومنصور بن عمار، وعبد اللَّه بن خبيق الأنطاكى، ورويم بن أحمد البغدادي (ت: ٣٠٣ هـ)، فهؤلاء إما أن تجد مروياتهم قليلة جدا بالنسبة لحجم الآثار الواردة في كتبه، أو أن أقوالهم فيها رد صريح على ما اشتهر من مذهب التصوف في تلك العصور، أو لغرض آخر كأن يكون أحدهم أخباريا ونحو ذلك.
ولا تجد ذكرا لبشر الحافي رغم أنه سكن بغداد ومات بها، ولا للسري السقطي وهو إمام البغداديين وشيخهم في وقته وهو متأخر توفي سنة (٢٥١ هـ)، ولا الحارث المحاسبي (ت: ٢٤٣ هـ) وهو أستاذ أكثر البغداديين، وقرينه أحمد بن عاصم الأنطاكي، ولا معروف الكرخي (ت: ٢٠٠ هـ) وهو بغدادي، ولا الجنيد وهو عراقي مولدا ومنشأً وتأخرت وفاته إلى سنة (٢٩٧ هـ)، وسمنون بن عمر المحب وهو من كبار مشايخ بغداد مات بعد الجنيد، وكذا أبو الحسين النوري وهو بغدادي المنشأ والمولد، وكان من أجلِّ القوم وعلمائهم، لم يكن في وقته أحسن طريقة منه، ولا ألطف كلاما، وتأخرت وفاته إلى سنة (٢٩٥ هـ)، وأبو العباس بن مسروق سكن بغداد ومات بها سنة (٢٩٩ هـ)، وغير هؤلاء كثير يمكن تتبعهم في طبقات الصوفية للسلمي أو غيره من الكتب التي اهتمت بتراجم الصوفية، مع أن هؤلاء كان لهم شأن كبير وسمعة أكبر، وأكثر من ذلك كانوا بلديّيه -ولم أتعرض لذكر غير بلدييه وهم كذلك كُثُر-، ورغم كثرة مشايخه، بل وروايته عمن لا يُعرف كما ذكر عنه فتركه لأمثال من سبق دليل واضح أنه كان صاحب
[ ١ / ٥٦ ]
توجه مستقل تماما عن هذه الطائفة كطائفة، بل إن المتأمل لما أورده من أقوال السلف في المسائل التي تناولها بالتأليف فيها، يلحظ بكل وضوح أنه كان يقصد إبراز منهج السلف فيها، والرواية عن أئمتهم، فهي في الحقيقة رد على كل باطل اشتهر في وقته، بإرجاع الناس إلى ما كان عليه السلف، وإذا عرفت أنه بقى للتدريس إلى العام الذي توفي فيه يدرس كتبه ويملى ما ورد فيها، تبينت لك هذه الحقيقة أكثر.
يضاف إلى هذا تأليفاته الصريحة في الرد على هذه الطائفة ككتاب التوكل الذي عالج فيه قضية عقدية مهمة وهي علاقة الأسباب بالتوكل وحكم التكسب، وذم الملاهي، والرضا عن اللَّه بقضائه وقدره، والتواضع والخمول، وكتاب الأولياء وغيرها من الكتب الهامة التي عالج فيها قضايا عقدية اشتهرت بها هذه الطائفة فبيّن منهج السلف فيها بتلك الكتب وروى آثارهم كما ستجده مفصلا في محله من أبواب هذه الرسالة ومباحثها التفصيلية.
لكن هذا التقرير والتحقيق لا يمنع من ذكر بعض الملاحظات والإشارة إلى بعض الانتقادات التي لاحظتها أثناء إعداد هذه الرسالة العلمية.
أولا: مسألة حياة الخضر.
١ - الخضر صاحب نبي اللَّه موسى ﵇؛ فقد وردت آثار كثيرة في حياته وبعض الحكايات التي تفيد بقاءه، بل روى أحاديث مرفوعة في مقابلته للنبي -ﷺ-؛ فإنك تجد كثيرا من المرويات التي ذكرها الحافظ في الإصابة وفتح الباري عن الخضر من طريق ابن أبي الدنيا (^١)، لكن هذا
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٤٣٥، ٤٤٣)، والإصابة (٢/ ٢٩٥ - فما بعدها)، وقد روى ﵀ كثيرا منها في كتابه الهواتف انظر مثلا الأرقام: (٢٩، ٣٠، ٦٢، ٧١، =
[ ١ / ٥٧ ]
الأمر لا يمكن اعتباره استدراكا بالنظر إلى الفترة التي عاش فيها المؤلف وطريقة التأليف فيها؛ إذ كان يغلب على تلك الفترة رواية الآثار بالأسانيد، وكان صاحب الكتاب إذا ذكر السند يعتقد أنه قد برأت ذمته، ولهذا تعقب ابن دحية الكلبي ما ذكره ابن أبي الدنيا وغيره في أخبار الخضر بقوله: "جميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء باتفاق أهل النقل، وإنما يذكر ذلك من يروي الخبر ولا يذكر علته؛ إما لكونه لا يعرفها، وإما لوضوحها عند أهل الحديث" (^١)، وقال ابن حجر: "الاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها يحمل ما صدر من كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان" (^٢).
ثانيا: بعض المسائل في توحيد العبادة.
٢ - عن الربيع بن ثعلب قال رجل: "بينما أنا أطوف بالبيت إذ أعرابي يدعو فسمعته يقول: يا معين المخذولين لا تقطعن بي زور نبيك محمد، ضيفك حل بفنائك فاجعل قراه منك الجنة" (^٣).
_________________
(١) = ٧٢، ١٠٨)، والأولياء رقم: (٥٦).
(٢) الإصابة (٢/ ٢٩٦).
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٦٣)، وهذا تخريج لصنيعهم وهو لا يخلو من نوع لوم وعتاب واللَّه أعلم، أما في هذه الأعصار المتأخرة فلا تبرأ العهدة بذكر السند، بل يتعين ذكر الحكم على الحديث الموضوع صراحة، انظر فتح المغيث (١/ ٢٥٤)، والوضع في الحديث للدكتور عمر حسن فلاتة (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٤) الإشراف في منازل الأشراف رقم (٢٥٣).
[ ١ / ٥٨ ]
٣ - أثر دعوة الأربعة: عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن الزبير ومصعب ابن الزبير وعبد الملك بن مروان الذين اجتمعوا بفناء الكعبة وقام كل واحد منهم فدعا اللَّه بما يتمنَّى تحقُّقَه، فدعا كل واحد منهم وكان من دعاء عبد اللَّه بن الزبير أن قال: "اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك -ﷺ-" (^١).
٤ - عن كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة قال: "جاء رجل إلى عبد الملك ابن حيان بن سعيد بن الحسن بن أبجر فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: هو الدبيلة، فتحول الرجل فقال: "اللَّه اللَّه ربي لا أشرك به أحدا، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد -ﷺ- نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي أن يرحمني مما بي، رحمة يغنيني بها عن رحمة من سواه، ثلاث مرات"، ثم دعا إلى ابن أبجر فجس بطنه فقال: برأت ما بك علة" (^٢).
٥ - عن المنكدر بن محمد: "أن رجلا من أهل اليمن أودع أباه ثمانين دينارا وخرج يريد الجهاد وقال له: إن احتجت فأنفقها إلى أن آتي إن شاء اللَّه، قال: وخرج الرجل وأصاب أهل المدينة سنة وجهد، قال: فأخرجها أبي فقسمها، فلم يلبث الرجل أن قدم فطلب ماله، فقال له أبي: عد إلي غدا، قال: وثاب في المسجد متلوذا بقبر رسول اللَّه -ﷺ- مرة، وبمنبره مرة، حتى كاد يصبح، فإذا شخص في السواد يقول له: دونكها يا محمد، قال: فمد يده فإذا
_________________
(١) مجابو الدعوة رقم (٨٢).
(٢) مجابو الدعوة رقم (١٢٧).
[ ١ / ٥٩ ]
صرة فيها ثمانون دينارا قال: وغدا عليه الرجل فدفعها إليه" (^١).
٦ - عن سعيد بن عمرو قال: "قحط الناس في زمن بشر بن مروان فخرجوا فاستسقوا وبشر معهم، فرجعوا وقد مطروا، ووافق ذلك سيلا من الليل، فغرقت ناحية بارق وبني سليم، فخرج بشر من الغد ينظر إلى آثار المطر حتى انتهى إلى بارق، فإذا الماء في دار سراقة بن مرداس البارقي، وسراقة قائم في الماء، فقال: أصلح اللَّه الأمير، إنك دعوت أمس ولم ترفع يديك فجاء ما ترى، ولو كنت رفعت يديك لجاء الطوفان، فضحك بشر، فأنشأ سراقة يقول:
دعا الرحمن بشر فاستجابا لدعوته فأسقانا السحابا
وكان دعاء بشر صوب غيث يعاش به ويحيى ما أصابا
أغر بوجهه نسقى ونحيا ونستجلي بغرته الضبابا (^٢)
وهذه الآثار تتضمن مخالفات عقدية في توحيد الألوهية من سؤال اللَّه زيارة النبي -ﷺ-، مع شد الرحل لأنه كان بمكة، وسؤاله بالمخلوق إما بعرشه أو بنبينا محمد -ﷺ-، أو بحرمته، أو التلوذ مرة بقبره ومرة بمنبره، أو الغلو في الأشخاص بأن يقال في أحدهم: أغرّ بوجهه نسقى ونحيا، ونستجلى بغرته الضبابا.
ثالثا: الرواية عن أهل الكتاب عموما، وسؤال الرهبان ونحوهم خصوصا.
٧ - عن عقبة بن أبي زينب قال: "مكتوب في التوراة:
_________________
(١) مجابو الدعوة رقم (١٢٦).
(٢) مكارم الأخلاق رقم (٤٦٢).
[ ١ / ٦٠ ]
لا توكل على ابن آدم؛ فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على اللَّه الحي الذي لا يموت" (^١).
وقد وجه ذلك بقوله: "قال أبو بكر بن أبي الدنيا ثم إنا وجدنا فيما وضع الأولون من حكمهم وضربوا من أمثالهم كتابا فيه حكم وأمثال تحذو ذا اللب على رفض العاجلة وتحثه على الأخذ بالوثيقة في العمل للآجلة وهو الكتاب الذي ينسب إلى أنطونس السائح فقالوا فيما يذكرون" (^٢).
٨ - عن سالم بن عبد اللَّه قال: "أبطأ خبر عمر على أبي موسى فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت حتى يجيء إلي الشيطان فجاء فسألته عنه فقال تركته مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصدقة وذاك لا يراه شيطان إلا خر لمنخره، الملك بين يديه وروح القدس ينطق بلسانه".
٩ - عن محمد بن المبارك الصوري قال: "قلت لراهب ما علامة الورع؟ " (^٣).
١٠ - عن أبي طاهر زرارة بن عمارة الدارمي قال: "بينا نحن في طريق الشام إذ أتينا على راهب في صومعة فقلنا له: أوصنا، قال: نعم رفيق المرء ورعه. . . " (^٤).
١١ - عن زيد بن موسى قال: "سألت راهبا فقلت: إلام ينتهي
_________________
(١) التوكل رقم (٦٠).
(٢) الوجل والتوثق بالعمل رقم (٧).
(٣) الورع رقم (٥٨).
(٤) الورع رقم (٢١٧).
[ ١ / ٦١ ]
الحزن؟ فقال: إلى الكمد. . . " (^١).
ولا شك أن فتح باب النقل عن الرهبان وسؤالهم والأخذ عنهم كان من أسباب هلاك كثير من العُبَّاد والصوفية، فليسوا أهلا لأن يأخذ عنهم المسلم أمور الدين، وما كان عندهم من حق ففي ديننا ما يغني عنه، وكذا الأمر بالنسبة للرواية من كتبهم (^٢)، ولعل أحسن ما يعتذر به للمصنف في هذا المقام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية لما اعترض عليه البكري استدلالة بحديث مضعف فأجابه بقوله: "هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره، ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار، والمراسيل، وأقوال العلماء، وغير ذلك؛ لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة، من الأخبار التى تكلم في بعض رواتها، لسوء حفظ أو نحو ذلك، وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ، والإسرائيليات، والمنامات، مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع، وما يصلح للاعتماد نوع" (^٣).
رابعا: الكلام في الأنبياء.
١٢ - فمن ذلك ما ورد من قول مالك بن عوف ﵁ في النبي ﷺ لما أعطاه كما أعطى المؤلفة في غزوة الطائف،
_________________
(١) الهم والحزن رقم (٦٩).
(٢) انظر كتاب أضواء على التصوف (٨٥ - ١٠٠).
(٣) الرد على البكري (١/ ٣٠٨).
[ ١ / ٦٢ ]
وردَّ عليه أهله وماله، فأثنى عليه بأبيات:
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ومتى تشأ يخبرك عما في غد (^١)
١٣ - عن سعيد بن جبير قال: "كانت فتنة داود ﵇ في النظر" (^٢).
فهذان الأثران تضمنا أمرين عظيمين نسبا إلى نبيّين كريمين من أنبياء اللَّه تعالى، الأولى: دعوى أن النبي محمد -ﷺ- يعلم ما في غد، والثاني: نسبة الخيانة إلى نبي اللَّه داود ﵇، فأما دعوى علم ما في الغد لنبينا فقد ثبت أنه لا يعلم ما في غد من وجوه كثيرة لعل من أبرزها إنكاره ﷺ على من نسب ذلك إليه وردّه بأنه لا يعلم الغيب إلا اللَّه (^٣)، وأما قصة نبي اللَّه داود فقد أنكرها جمع من العلماء، وذكروا براءة نبي اللَّه داود ﵇ مما يشير إليه هذا الأثر، وأن تفاصيل هذه القصة مأخوذة عن أهل الكتاب، ولهذا قال ابن كثير ﵀: "وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوب لا محالة، تركنا إيرادها في كتابنا قصدا، اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (^٤).
_________________
(١) مكارم الأخلاق رقم (٤٠٩).
(٢) الورع رقم (٦٣).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٥١٤)، (٩/ ٢٠٣)، (١٣/ ٣٦٣).
(٤) قصص الأنبياء (٢/ ٢٧٢)، وانظر لمناقشة المسألة كتاب عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم للدكتور محمد الحديدي (٣٥٢ فما بعدها).
[ ١ / ٦٣ ]
ثانيا: مذهبه في الفروع.
أما مذهبه فهو حنبلي من تلاميذ الإمام أحمد وله سؤالات فقهية للإمام، كما أنه مترجم له في كتب طبقات الذهب، كطبقات الحنابلة لأبي يعلى، والمنهج الأحمد للعليمي، والمقصد الأرشد لابن مفلح، انظر طبقات الحنابلة (١٩٢: ١)، والمنهج الأحمد (٢٧٣: ١)، وقد اعتنى الحنابلة بهذه النسبة فهذا ابن الجوزي ﵀ أورد ابن أبي الدنيا تحت عنوانين بارزين في كتابه مناقب الإمام أحمد في الباب الثاني عشر: في ذكر من حدث عن أحمد على الإطلاق من الشيوخ والأصحاب، ثم في الباب المائة: في ذكر أعيان أصحابه وأتباعه من زمانه إلى زماننا وقد خصه كما قال بكبار الأعيان المشتهرين بالذكر، وجعلهم تسع طبقات، ثم أورده في: "الطبقة الأولى: وهم الذين صحبوا أحمد ونقلوا عنه" (^١).
ووقع في هدية العارفين (^٢) أنه شافعى، ولا يظهر إلا أنه خطأ واللَّه أعلم.
_________________
(١) انظر مناقب الإمام أحمد (١٣١، ٦٧٣، ٦٧٩).
(٢) (١/ ٢٣٠).
[ ١ / ٦٤ ]
المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
لقد احتل ابن أبي الدنيا ﵀ مكانة علمية مرموقة بين علماء عصره، ومن بعدهم إلى عصرنا هذا، فقد أثنى عليه كل من ترجم له، وذكره بما ينبئ عن مكانة علمية متميزة بين علماء عصره، ومن أتى بعدهم.
فقد أثنى عليه العلماء بأوصاف عديدة تفيد اعتماده في الرواية؛ فمنهم من وصفه بالثقة، ومنهم من وصفه بالصدوق، ومنهم وصفه بالحافظ، وغير ذلك من الأوصاف.
فمن التنصيص على أنه ثقة، ما قال ابن الجوزي: "كان ذا مروءة ثقة صدوقا" (^١)، وقال ابن شاكر الكتبي: "هو أحد الثقات المصنفين للأخبار والسير" (^٢)، وقال ابن تغري بردي: "روى عنه خلق كثير، واتفقوا على ثقته وصدقه أمانته" (^٣)، وقال ابن باطيش: "كان ثقة صدوقا" (^٤).
ومن التنصيص على أنه صدوق ما قال ابن أبي حاتم: "كتبت عنه
_________________
(١) المنتظم (٥/ ١٤٨).
(٢) فوات الوفيات (١/ ٤٩٤).
(٣) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).
(٤) التمييز والفصل (١/ ٣٢٢).
[ ١ / ٦٥ ]
مع أبي، قال: وسئل أبي عنه فقال: بغدادي صدوق" (^١)، وقال صالح جزرة: "صدوق" (^٢)، وقال الذهبي: "كان صدوقا أخباريا كثير العلم" (^٣).
وممن نص على وصفه بالحافظ المزي (^٤)، وابن حجر (^٥)، والسخاوي (^٦)، بل قال: "الحافظ الشهير" (^٧)، وأعلا منه قول مرتضى الزبيدي: "حافظ الدنيا ابن أبي الدنيا" (^٨).
ووصفه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي بالعلم الكثير فقال: "رحم اللَّه ابن أبي الدنيا، مات معه علم كثير" (^٩).
ولقد عرف قدر هذه المنزلة من أتى بعده فذكروه بها وأبرزوها له، فعند ذكر المصنفين في التاريخ والسير نصوا على اعتنائه وتأليفه في ذلك، كالكتبي وقوام السنة وابن تغري بردي.
كما عُدَّ ابن أبي الدنيا في العلوم التي أفردها بالتأليف مرجعا فيها،
_________________
(١) الجرح والتعديل (٥/ ١٦٣).
(٢) تاريخ بغداد (١٠/ ٨٩).
(٣) العبر (١/ ٤٠٤).
(٤) تهذيب الكمال (٤/ ٢٧٢).
(٥) تقريب التهذيب ترجمة رقم (٣٦١٦).
(٦) الإعلان بالتوبيخ (٤٢٦).
(٧) فتح المغيث (١/ ١٩٠).
(٨) إتحاف السادة المتقين (٧/ ٨٨).
(٩) المصدر السابق.
[ ١ / ٦٦ ]
وكل من أتى بعده فهم عيال عليه، كما قال ابن تغري بردي: "الناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها" (^١).
ونص عدد منهم على أنها مصنفات مفيدة، وفيها نوادر، كما سبق النقل عن ابن كثير وغيره قريبا، بل إن الحافظ السخاوي ﵀ لا سئل سؤالا عقديا رجع إلى مظانّه فبدأ أولا بكتاب القبور لابن أبي الدنيا، فقد ورد في الأجوبة المرضية (^٢) ما يلي: "سئل الحافظ السخاوي عن سؤال الملكين للميت، هل هو عام لجميع الأمم الماضية، أم خاص بالأمة المحمدية؟ فأجاب:
قد راجعت أهوال القبور لابن أبي الدنيا، ثم لابن رجب، وكتاب البعث للبيهقي وغيره، وغير ذلك من مظان هذا السؤال كالتذكرة ونحوها، فلم أقف على شيء صريح في ذلك"، وهذا يدل على المكانة المميزة التي يتمتع بها ابن أبي الدنيا، ويؤكد ما قاله ابن تغري بردي بأن الناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها.
بل كثيرا ما تجد في كتب التراجم الاهتمام بأجزاء ابن أبي الدنيا والحرص على سماعها، وذكر ذلك في أعمال المترجم له، فهذا الخطيب البغدادي بلغ به الحرص على مصنفاته أن جمع منها (٣٩) جزءا، قال
_________________
(١) النجوم الزاهرة (٣/ ٨٦).
(٢) (٢/ ٧٧٩ - ٧٨٠)، وانظر الروح لابن القيم (١/ ٣٢٥) وإحالته على كتاب المنامات لابن أبي الدنيا.
[ ١ / ٦٧ ]
الدكتور يوسف العش -بعد إيراده لهذ الإحصاء-: "لعل القارئ الكريم انتبه إلى مكانة ابن أبي الدنيا عند الخطيب" (^١)، وابن الطيوري حاز منها (٨٤) مصنفا (^٢)، وهكذا كثيرا ما تجد في كتب التراجم والمشيخات والبرامج أن فلانا سمع كذا من كتب ابن أبي الدنيا أو أجازه بها فلان ونحو ذلك.
أما قول السيوطي ﵀ عند كلامه على النوع الحادي عشر -وهو المعضل-: "من مظان المعضل والمنقطع والمرسل: كتاب السنن لسعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا" (^٣)، فلا يعني كثرة هذه الأنواع في مؤلفاته، فضلا عن أن تكون هي الأغلب على مروياته، وقد قام فضيلة الدكتور مصلح الحارثي بإحصاء مرويات ابن أبي الدنيا في كتابه التهجد الذي قام بتحقيقه فبلغ المجموع (٥١٨) نصا، الصحيح منها (٢٢)، والحسن أو الضعيف المنجبر (٦٧)، أما الضعيف غير المنجبر (٢٦)، هذا في المرفوع ويبقى الموقوف فما دونه من المقطوعات والأقوال الأخرى، وكما أن الآثار التي قمت بتخريجها في هذه الرسالة العلمية ووجدت أنها منقطعة أو معضلة أو مرسلة، لم تصل مائة أثر كان الأغلب منها المنقطع بلغ (٥٢)، يليه المرسل (٢٨)، ثم أخيرا المعضل (٧)، هذا في حصيلة تبلغ
_________________
(١) الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها (١٤٧)، وانظر مشيخة ابن الحطاب (٢٦٩، ٢٧٥).
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ٣٥٠٦)، وانظر كذلك (١/ ٢١١٠، ٤٢٧٧).
(٣) تدريب الراوي (١/ ٢١٤).
[ ١ / ٦٨ ]
أكثر من (١١٠٠)، ومجمل الأعداد لا تصل نسبته ٨ %.
وقرين ما جاء في كلام السيوطي كتاب سنن سعيد بن منصور، وقد تعقبه فضيلة الدكتور سعد الحميّد فبيّن أن الجزء الذي قام بتحقيقه يبلغ (٨٦٩) حديثا، لا يتجاوز نسبة المرسل فيه ٨ % وهو أكثر الأنواع الثلاثة وجودا، أما المعضل فلا يتجاوز سبعة أحاديث، فقال: "وجه تخطئة السيوطي في كلامه هذا تخصيصه سنن سعيد بن منصور دون سواها بوجود هذه الأنواع (المعضل والمنقطع والمرسل) بما يفيد كثرتها فيها، وهذا ليس بصحيح" (^١).
قلت: والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن ذكر مصنفات ابن أبي الدنيا في النوع الثامن من أنواع علوم الحديث وهو المقطوع أولى من هذا المكان؛ حيث ذكر في نهاية هذا النوع فائدة فقال: "ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم" (^٢)، فهذا الموضع أولى بكتب ابن أبي الدنيا لأنها مليئة بالآثار من موقوفات ومقطوعات وما دونها من أقوال الأئمة والسلف عموما فضلا عما احتوته من الأحاديث المرفوعة.
ومما يتصل بمكانته العلمية ما عرف عنه من تأديبه أولاد الخلفاء، وهذا أمر اشتهر عنه وعدَّه المترجمون من أهم مناقبه فلم يغفل هذه المعلومة
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور (١/ ٢٠٣/ ق).
(٢) تدريب الراوي (١/ ١٩٥).
[ ١ / ٦٩ ]
أحد منهم، إلا أن تفاصيل ذلك لا يعرف عنها إلا الشيء اليسير، ومن ذلك الشيء اليسير أنه لم يذكر ممن أدبهم إلا الخليفة العباسى المعتضد باللَّه أحمد بن طلحة، وابنه المكتفي باللَّه علي بن المعتضد.
والذي أريد إبرازه مما ذكرت هنا هو الجانب المتعلق بتخصصي وهو أثر ابن أبي الدنيا على عقيدة هذين الخليفتين (^١).
فأما الخليفة المعتضد باللَّه فقد ظهر أثر التربية العقدية عليه واضحا فيما قام به من أفعال أثناء فترة حكمه، فمن أهم ذلك موقفه من الفلسفة والإلحاد، حيث قتل أحمد بن الطيب واستعظم دعوته له للإلحاد والكفر بقوله: "أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه" (^٢)، وأحمد ابن الطيب هذا قال عنه ابن حجر: "معلم المعتضد. . .، قال ابن النجار: كان يرى رأي الفلاسفة، قتل سكران، قلت: وهو تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي، فيلسوف العرب. . . وكان موضعه من الفلسفة لا يجهل، وله مصنفات في الفلسفة وغيرها" (^٣)، وقال الذهبي: "إن المعتضد قتل السرخسي -يعني أحمد هذا- لفلسفته وسوء اعتقاده" (^٤).
كما استعظم الرخص والتحايل على الشريعة بتتبع زلات العلماء،
_________________
(١) ولهما رحمهما اللَّه جوانب عديدة مشرقة في حياتهما أغفلت الكلام عليها لأنني التزمت بأن تكون المقدمة مختصرة.
(٢) البداية والنهاية (١١/ ٨٦).
(٣) لسان الميزان (١/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٤) تاريخ الإسلام (١/ ٢٢٣٠)، وانظر الوافي بالوفيات فقد ذكر قصة مطولة في ذلك (١/ ٨٧١).
[ ١ / ٧٠ ]
وذلك لما جمع له بعض الناس كتابا فيه إباحة نكاح المتعة وآلات اللهو والغناء، فعرضه على القاضي إسماعيل فنصحه بأنه لا يفعل هذا إلا زنديق، وأن العلماء لا يجتمع في أحدهم كل هذه الأقوال الشاذة، بل من قال ببعضها لم يقل ببعضها الآخر، فمن أخذ بجميعها ذهب دينه، فعند ذلك أمر بتحريق الكتاب (^١)، وكان شديد الحرص على القضاء على الفتن في البلاد وقضى بالفعل على كثير منها، وقال السيوطي: "في أول سنة -استخلف فيها- منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القصاص، والمنجمين من القعود في الطريق. . . وفي سنة اثنتين وثمانين أبطل ما يفعل في النيروز: من وقيد النيران، وصب الماء على الناس، وأزال سنة المجوس" (^٢).
وقد شهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بهذا الأثر العقدي الذي حصل في الناس فقال: "كان في أيام المتوكل قد عزَّ الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء، الذين كانوا أحمد سيرة، وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك" (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق (١١/ ٨٧).
(٢) تاريخ الخلفاء (٣٢٠)، وانظر تاريخ الطبري (٥/ ٦١٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢١ - ٢٢).
[ ١ / ٧١ ]
وأما ابنه المكتفي باللَّه فقد سار بنفسه للقضاء على القرامطة (^١)، وأسلم على يديه قدامة بن جعفر بن قدامة وكان نصرانيا (^٢).
وإذا كان أثر التأديب ظاهرا هذا الظهور، كان قول ابن الجوزي (^٣): "جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه، وقلَّ الصبر فدخلوا مداخل شانتهم، وإن تأولوا فيها إلا أن غيرها كان أحسن لهم، فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن أبي الدنيا مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدر كتابه بمدح الوزير، وما زال خلف من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم، وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقا من التأويل، فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا"، ليس على إطلاقه؛ فإنه ليس كل من دخل على السلطان دخل لأجل الدنيا، ولا كل من دخل عليهم ضعف إيمانه وغيّرته الدنيا، ولا تفضل حالة على أخرى مطلقا، بل يختلف ذلك باختلاف الداخل والمدخول عليه واللَّه أعلم (^٤).
_________________
(١) تاريخ الإسلام (١/ ٢١٦٦).
(٢) تاريخ الإسلام (١/ ٢٣٥٨).
(٣) صيد الخاطر (٧٠).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٧٧).
[ ١ / ٧٢ ]
المبحث الخامس: آثاره العلمية.
لقد سبق في المبحث المنصرم بيان شيء من منزلة ابن أبي الدنيا العلمية واهتمام العلماء بتراثه، ومن هذا الاهتمام البالغ أن وضع له بعضهم فهرسا لكتبه، كابن النديم في الفهرست (١٨٥: ١)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤٠١: ١٣ - ٤٠٤)، وابن خير في الفهرست (٢٨٢ - ٢٨٤)، وحاجي خليفة في كشف الظنون، والبغدادي في هدية العارفين (٤٤١: ٥ - ٤٤٢)، والكتاني في الرسالة المستطرفة (٥٠)، ووضع أحد المحدثين معجما لمصنفاته (^١)، ودائرة المعارف الإسلامية (١٩٨: ١ - ٢٠٠)، وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي ذيل (٢٤٧: ١ - ٢٤٨).
كما صنع محققو كتبه ﵀ مباحث خاصة بعدد مؤلفاته وأسمائها كالدكتور نجم خلف (^٢)، والدكتور مصلح الحارثي (^٣)، وياسين السواس (^٤)، ومشهور حسن (^٥)، وغيرهم ولعل الثلاثة الأوائل هم أحسن
_________________
(١) معجم مصنفات ابن أبي الدنيا لمؤلف مجهول، محفوظ بمكتبة الأسد بدمشق، وقد أخرجه الدكتور صلاح الدين المنجد في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مجلد ٤٩، سنة ١٩٧٤ م، (٥٧٩ - ٥٩٤).
(٢) كتاب الصمت (٢٥)، واكتفيت بالإحالة على عملهم لأنني ترجمت للمصنف ترجمة مختصرة.
(٣) كتاب التهجد (٢٧ - ٤٩).
(٤) الشكر (٢٤ - ٤٦).
(٥) الوجل والتوثق بالعمل (١٥ - ٢٠).
[ ١ / ٧٣ ]
من اعتنى بذكر مؤلفاته وتوثيقها، وفي جمع السواس زيادة توثيق لأماكن وجود المخطوط منها واللَّه أعلم.
والذي يلاحظ في هذه الفهارس الاختلاف والتباين في التعداد، والاستدراك من بعضهم على بعض، واختلاف وجهات النظر في تحديد هل الكتاب مكرر أم أنه واحد، كل ذلك بسبب فقدان معظم كتب ابن أبي الدنيا فيبقى المجال للاجتهاد واللَّه أعلم.
لكن الذي يقتضى التنبيه مما لا مجال للاجتهاد فيه ما ورد في قائمة ياسين السواس محقق كتاب الشكر عند كلامه على كتاب الجيران حيث أحال في الهامش على الظاهرية مجموع (٨٩) ورقة (١ - ١٦) (^١)، فأوهم أن الكتاب موجود وبالرجوع إلى مكتبة الأسد الوطنية قسم المخطوطات على الإحالة المذكورة وجدت المخطوط هو الكتاب الذي يسبق هذا وهو الجوع، ثم انتبهت أن الإحالة المذكورة في كتاب الجيران هي نفس الإحالة المذكورة في كتاب الجوع في كل تفاصيلها ورغم أن الكتابين متتاليان في ترتيب المصنفات لم يتنبه لهما المحققان.
كما أن المحقق بسام الجابي ذكر أيضًا كتابا آخر هو كتاب الإشراف في منازل الأشراف ثلاث مرات للاختلاف في العنوان حيث وردت تسميته أيضًا في إحدى الطبعات الإشراف على مناقب الأشراف، وفي أخرى الأشراف، موهما أنه ثلاثة كتب وهو كتاب واحد اختلف محققوه،
_________________
(١) وورد نفس الخطأ عند بسام الجابي في تحقيقه لكتاب الورع (٣٢ - ٣٣).
[ ١ / ٧٤ ]
وهذا خطأ واضح لأن الكتاب مطبوع، والمحقق وثق معلوماته الببلوغرافية مما يوحى باطلاعه عليه بطبعاته المختلفة، وقد استدرك الأستاذ الدكتور عبد اللَّه دمفو على عنوان "الإشراف على مناقب الأشراف" الذي طبع بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا بأنه خطأ، وأن الصواب الموافق لما في النسختين الخطيتين للكتاب هو كتاب الإشراف في منازل الأشراف (^١)، وكذلك يقال في طبعة وليد قصاب التي عنون لها "الأشراف" (^٢).
وكما ذكر السواس في مقدمة كتابي: الشكر والفرج بعد الشدة، كتابا سماه المختصر قال عنه: "يظهر أنه كتاب في الحديث"، ووصف النسخة وعدد أوراقها وأنها مخرومة الأول، لكن الإحالة التى ذكرها هي نفس الإحالة التي قبلها لكتاب المحتضرين، وهو موهم ومشكل واللَّه المستعان، وبالرجوع إليه تبيّن أنه نفس الكتاب السابق واللَّه أعلم.
وإتماما للفائدة أذكر أنواع كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة وأقسامها وهي:
أولا: ما هو موافق لما وضعه مؤلفه، وهذا النوع هو أغلب مؤلفاته المطبوعة.
ثانيا: ما هو مختصر من أصل؛ سواء كان الاختصار في المخطوط
_________________
(١) انظر المصنفات المطبوعة للإمام ابن أبي الدنيا عرض ونقد (٢٣٦ - ٢٣٧)، مجلة جامعة الملك عبد العزيز (المجلد ١٠) (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).
(٢) ولم يطلع على هذه الطبعة الدكتور عبد اللَّه دمفو.
[ ١ / ٧٥ ]
نفسه كذم الملاهي بتحقيق محمد عبد القادر عطا، أو أن المحقق نفسه قام باختصاره، ككتاب ذم الكذب وأهله الذي حققه محمد غسان عزقول فهو المستل من كتاب الصمت.
ثالثا: ما هو جمع للأحاديث والآثار من كتب فرعية نقلت عن المصنف، ككتاب مصايد الشيطان، وكتاب ذكر الموت.
رابعا: محاولة جمع كل كتب ابن أبي الدنيا في مجموعة شاملة، وكان أول هذا العمل ما قام به محمد عبد القادر عطا في موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا، بمؤسسة الكتب الثقافية، اشتملت على واحد وعشرون مصنفا في خمس مجلدات، ثم قام أبو بكر السعداوي بعمل مماثل كان أكثر استيعابا حيث ضمّ سبعا وخمسين رسالة، إلا أنه أضاع فوائد كثيرة بتجريد موسوعته من أسانيد المصنف، وأخيرا صدر عن المكتبة العصرية موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا في ثمان مجلدات جمعت تسعة وخمسين مصنفا جمعوا فيها ما طبع مستقلا.
خامسا: نوع آخر ظهر مؤخرا يقوم المحقق فيه بشرح الكتاب الذي طبعه، مثل كتاب: ضوء الشموع شرح كتاب الجوع، وتنبيه الساهي شرح كتاب ذم الملاهي.
[ ١ / ٧٦ ]