[ ٣٣١ ]
ملحق رقم (١)
جواب التُّسولي المختصر عن مسائل الأمير عبد القادر ١
ــ
يخفى أن هؤلاء القبائل الكاتمين، قد خسروا دنياهم وآخرتهم، وخالفوا أمر مولاهم، فإن ثبت عليهم ما ذكرتموه فحكمهم ظاهر- ممّا يأتي-، وإنْ لم يكن إلاّ مجرّد التهمة وغلبة الظن فالواجب وهو غاية المقدور، أن يتقدّم الإمام إليهم ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وتجّارهم، ويخبرهم بأنّه إنْ ظفر بجاسوس منهم، أو بمن يبيع شيئًا لهم حلت عقوبة جميعهم، إذ لا يحرس الجاسوس أو السارق أو الغاصب غير أخيه الذي يساكنه ويجاوره، ولا يشك عاقل أنّ أهل المداشر أو الدوار لا يخفى عليهم ذهاب جاسوسهم ولا إيابه ولا مكاتبته، وقد جرت عادة قبائل الزمان- كما هو مشاهد بالعيان- أنّ الوالي إذا تقدّم، للقبيلة أو المدشر وأخبرهم: بأنّ من أذنب منهم أخذوا جميعًا بذنبه، وأنّ القوافل والأضياف إذا نهبوا بأرضهم غرموا ما نهبوه، إذ لا يخفى عليهم المذنب والناهب، فلا إشكال أنّهم يتأهبون لحراسة المذنب والناهب، ويشمرون عن ساق الجدّ في ذلك، ويتأهّبون فيما بينهم دفعًا للعقوبة وإلى هذا المعنى أشار ناظم عمل فاس بقوله:
ولا يؤاخذ بذنب الغير في كل شرع من قديم الدهر
إلاّ إذا سدّت به الذريعة أو خيف شرع شرعه أو شيعه
_________________
(١) أورده التُّسولي في "الجواهر النفسية فيما يتكرر من الحوادث الغريبة": ١/ ٢٧٤ - ب، ٢٧٦ - أ، والوزاني في "المعيار الجديد": ١٠/ ٢٠٧ - ٢١٢. ونظرًا إلى كون هذا الجواب مختصرًا من الأصل الذي وثقت نقوله فقد أغناني ذلك عن تكرار التوثيق.
[ ٣٣٣ ]
فقوله: إلاّ إذا سدت إلخ، هو المستند لما نحن فيه، لأنّ العادة أنّ المذنب إذا علم أنّ قريبه يؤاخذ به إنْ فرّ هو بنفسه كف عن ذنبه، وهذا هو مستند الأمراء والولاة في القديم في مؤاخذة القرابات بمذنبيهم، حتى عقد الموثقون- في ذلك- الوثائق لمن أراد البراءة من قريبه الشرير المعلوم بالفساد والعصيان لئلاّ يؤاخذ به كما في "المتيطية" وغيرها.
ثم بعد التقدّم المذكور- للقبائل المذكورة- يجعل المراصد على الطرقات من أهل الثقات العارفين بمغابن الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية منهم، فإذا ظفر بأحد منهم حقت عقوبة جميعهم، إما المقبوض جاسوسًا فلا يخفى حكمه وهو القتل- كما في خليل-.
وأمّا الذاهب للتجارة ولا سيّما (ببيعه ما لا يحل بيعه لهم) ١ كالخيل والبغال والجلود والشمع والنحاس أو عينه، لقول "سحنون": (من باع سلاحًا للعدوّ فقد أشرك في دماء المسلمين) اهـ والسلاح يشمل ذلك كلّه.
وقال الحسن: (من حمل إليهم الطعام فهو فاسق، ومن باع منهم السلاح فليس بمؤمن في هدنة أو غيرها) اهـ.
وقد أفتى القاضي سيدي محمد بن سودة، والشيخ ميّارة، والإمام الأبار: (بقتل من باع وصيفًا- أي مملوكًا- للعدوّ)، حيث كان من أهل الفساد، وإدخال الضرر على المسلمين، وكان لا ينكف إلاّ بالقتل زجرًا لأمثاله عن العتو والفساد.
وأمّا الكاتمون للجواسيس والتجار، والمفرطون في حراستهم من إخوانهم- بعد التقدّم المذكور- فعليهم الأدب الوجيع، لأن حرس الجواسيس والتاجريين إليهم) ليضيق بهم وتقطع عنهم الحيرة) ٧ جهاد يتعيّن بتعيين الإمام- كما في خليل - وغيره-، وهؤلاء الكاتمون والمفرطون قد عينهم الإمام للحراسة فخالفوا
_________________
(١) في المعيار الجديد للوزاني: ١٠/ ٢٠٨: (بحمله ما لا يحل بيعه منهم).
(٢) في المعيار الجديد للوزاني: ١٠/ ٢٠٩: (للتضيق بهم وقطع الحيرة عنهم).
[ ٣٣٤ ]
وكتموا أو فرطوا، فحيث افتضح أمرهم بقبض الجواسيس والتجار لزمهم العقاب، لأنهم بالمخالفة والكتمان والتفريط عصوا الله ورسوله.
وعزر الإمام لمعصية الله، أمّا بالعقوبة في الأبدان فلا خلاف، وأمّا بالأموال فعلى نزاع، فأجازها البرزلي ومنعها غيره، لكن قالوا محل الخلاف: (إذا تمكن الإمام من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضى الشريعة، وإلاّ فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال) اهـ.
وبجوازها- أيضًا- مع عدم التمكن من إقامة الحدود أفتى سيدي العربي الفاسي- حسبما في شرح نظم العمل- قائلاّ: (الواقع الآن بالمشاهدة أن القبائل التي لا تنالها أحكام السلاطين لا تمكن فيهم العقوبة بالأدان، فالعقوبة بالمال وإنْ كانت ممنوعة فهي هذا الزمان محل الضرورة وفعلها عام المصلحة) اهـ باختصار.
وإذا تقرّر هذا (فإليكم) ١ النظر في كونكم متمكّنين من إقامة الحدود في أولئك القبائل، وعدم تمكّنكم من إقامتها.
وأمّا قولكم في السؤال: أم يتركون على حالهم إلخ، فذلك ممّا لا يحلّ كتابًا وسنة وإجماعًا، لأنّ من قدر على تغيير المنكر وجب عليه تغييره، وهو فرض عين على الولاة، وما نصبوا إلاّ لتغييره، ولا منكر أعظم من ترك القبائل المذكورين على ما هم عليه من نقل الأخبار ومبايعة الكفّار، لأن ذلك مفض إلى هدم الإسلام، وقد قال العلماء﵃- (من ترك أمة محمد - ﷺ - من الولاة تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة فقد غشها)، وقال﵊-: "من غشّ أمّتي فعليه لعنة الله" وقال- أيضًا-: "إذا ظهرت البدع، وسكت العالم فعليه لعنة الله".
وأما حكم المتخلّف عن الجهاد بعد أن استنفره الإمام: فلا يخفى عليكم قوله- تعالى-: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾، ولا يخفى عليكم قول "خليل": (وتعيّن بتعيين الإمام إلخ)، لأنّ الإمام حيث استنفرهم فقد
_________________
(١) في نفس المصدر السابق: (فالحكم).
[ ٣٣٥ ]
عينهم، فمخالفتهم عصيان لله ورسوله توجب عقوبتهم- بما تقدّم ذكره- فإن كانت عقوبتهم لا تتأتّى إلاّ بقتالهم قوتلوا، لأن عدم نفورهم رضا منهم باستيلاء عدوّ الدين.
وأمّا مانع الزكاة: فتؤخذ منه إنْ تحققت عمارة ذمته ببيّنة أو إقرار ولو كرهًا، وأما غلبة الظن بتعمير ذمّته، فغاية ما توجبه عليه اليمين.
وأمّا أرزاق الجيش: فقال "ابن منظور": (إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند وما يحتاج إليه من آلة الحرب، فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم من قوله- تعالى-: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾، لكن لا يجوز ذلك إلاّ بشروط: أن يعجز بيت المال وتتعيّن الحاجة، وأن يصرفه الإمام بالعدل فلا يجوز أن يستأثر به دون المسلمين ولا ينفقه في سرف ولا يعطي من لا يستحق ولا أكثر ممّا يستحق، وأن يكون العزم على من كان قادرًا من غير ضرر ولا إجحاف ومن لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئًا، وأن يتفقدها في كل وقت فربّما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على مما في بيت المال، وكما يتعيّن التوزيع في المال فكذلك إذا تعيّنت الضرورة للمعونة بالأبدان- ولم يكف المال- فإن الناس يجبرون على التعاون بالأبدان بشرط القدرة وتعيّن المصلحة) اهـ.
فإنْ قلت: قد ورد في الحديث الكريم أنّه قال﵊-: "لا يدخل الجنة صاحب مكس" أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟.
قلنا: ليست من المكس "لابن عرفة" إذ قال: (هو منع الناس من التصرّف في أموالهم بالبيع أو غيره ليختصّ المانع بنفع ذلك).
وقال "أبو محمد المرجاني": (المكس أنّ يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد غيره) وقال "الطيبي": (المكس الضريبة التي يأخذها العشار).
قال الشيخ عبد القادر الفاسي: (فعلى تفسير الطيبي أخذ الفوائد في الأبوات والقاعات وأكثر الأسواق والرحاب مكس- وهو الذي كثر إستعماله في العرف-
[ ٣٣٦ ]
وعلى تفسير المرجاني وابن عرفة ليس بمكس وإنّما هو غصب وظلم) اهـ.
وقد علمت أنّ المغارم المذكورة ليست لنفع المانع بل النفع للمسلمين، ولذا اتفقوا على جوازها، وقال الفقيه الصالح "أبو القاسم بن خجو" في أواخر شرح "بيوع ابن جماعة" ما نصّه: (من البدع المحرمة التواطؤ على إهمال إقتناء الخيول لأهل القوة، واكتساب أنواع العدة والرماية التي بها يسيد الرجل ويصول، وترك التحفير والتحصين على ثغور المسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ والتحفير والتحصين من العدّة.
قال الإمام ابن طلحة: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإنْ اتّكل على أن يتكفف الناس الجهاد بأنفسهم ضاع الباب وتهدّم الإسلام، إذ لا يتمّ الجهاد إلاّ بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها ووضعها في جيوشهم، ويجبر أهل المال على كسب الخيول وآلة الحرب وسدّ الثغور) اهـ.
فتأمّلوا- رحمكم الله- هذا التحريض على الاستعداد، وتدبّروه- مع ما مرّ - فيمن ترك أمة محمد - ﷺ - تجري على غير الكتاب والسنة ممّا وقع للمسلمين من الوهن عن القتال في تلك الأقطار- حتى استولى العدوّ على الثغور وبعض الأمصار- إلاّ من إهمال الاستعداد، وترك أوامر الله في زوايا الإهمال والاندثار، وهو- سبحانه تعالى- يقول: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ١ ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ٢ ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٤، والتحريض والعلوّ والغلظة لا تكون إلاّ بالعدة والعدد وغير ذلك من كمال الاستعداد من تعليم الرماية للصغار والكبار وممارسة القتال، فلما أهملوا ذلك ولم يحملهم الإمام عليه، نبّه الله﷾- عدوّهم للعمل به
_________________
(١) سورة الأنفال / آية ٦٥.
(٢) سورة التوبة / آية ١٢٣.
(٣) سورة التوبة / آية ٧٣.
(٤) سورة محمد / آية ٣٥.
[ ٣٣٧ ]
ففاجأهم بالعدة والعدد- فبهتوا وخلت منه ثغورهم وقصورهم، ولم يتأخر عنهم ساعة فيستعدّوا ويثبتوا فندموا والله- وما نفع الندم- وتألموا في قلوبهم- وما نفعهم الألم فـ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ولمثل هذا فليفعل العاملون.
وأما مانع المعونة فهو باغ قطعًا لأنّه منع حقًا وجب عليه- كما تقدّم- فيجري عليه حكم البغاة، ويستعان بماله على قتاله، ويظهر غاية الظهور أنّه يؤخذ من ماله ما جهز به الإمام الجيوش التي قاتله بها، لأنّه ببغيه متسبب في إتلاف بيت المال فعليه ضمان ذلك في المال الذي بيده، وفي غيره، ولم أره مسطورًا إلاّ أنّه لا شكّ أنّ من تسبّب في إتلاف مال وجب عليه عزمه، ولعل هذا هو المستند في عدم ردّ الملوك اليوم أموالهم إليهم إذ الغالب أنّها لا تفي بما جهزوا به الجيوش المقاتلة، أو يقال مستندهم في ذلك سدّ الذريعة- على ما مرّ بيانه- وأيضًا فردّ أموالهم إنما هو إذا تأتى جمعها من الجيش ولم يخشى بغيهم بها ثانيًا، وأيضًا قد تقدم أن العقوبة بالمال فيها نزاع ومال الباغي من ذلك قطعًا، بل ينبغي أن لا يدخلها الخلاف المتقدّم حيث رأى الإمام تضمينهم لما أفسدوه- أي تسبّبوا في إتلافه ببغيهم-، والقول بردّ أموالهم يحمل على ما إذا لم يرد الإمام تضمينهم، أو على أن الأئمة قالوا: (واستعين بمالهم عليهم) والاستعانة الحقيقيّة إنّها هي قبل القدرة عليهم، وهو قبلها لا تمكنه الاستعانة بمالهم لها- على الوجه المذكور- وهو: أن يجهز جيوشه ثم يضمنهم فذلك من الاستعانة قطعًا، وأمّا بعد القدرة فلا تتصوّر الاستعانة، لأنّه بعد القدرة لم يبق قتال بينهما يوجب الاستعانة بالمال، وأيضًا فإن الردّ مقيد بما إذا عُلِم أربابه، ولذا قال في (معاوضات المعيار": (يجوز شراء ما لم يُعْلم مالكه من الطعام الذي يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) والله أعلم.
وكتب عبد ربّه- تعالى- على التُّسولي، لطف الله به، آمين.
[ ٣٣٨ ]
ملحق رقم (٢)
تقييد التُّسولي على فتوى علماء فاس وردّ الجزائريين عليها ١
ــ
لما فتح الروم ثغر الجزائر أعادها الله دار إسلام في الحرم سنة ست وأربعين ومائتين وألف، وغنموا سلطانها، وبقي ذلك الجو بلا أمير يجمع كلمتهم فدخلهم الرعب واختلّت الكلمة وغلب الفساد فيهم، فأتى رؤساؤهم وأهل الوجاهة منهم إلى أمير المؤمنين الآخذ لراية الكتاب والسنة باليمين، ظل الأمن والأمان مولانا عبد الرحمن سائلين منه الدخول في إيالته، وإجراء الأحكام فيهم بكلمته وسطوته، فاستشار- أيّده الله- قاضي هذه الحضرة الإدريسية وقتئذ وعلماءها فأفتوا بعدم قبولهم، لأن تلك إيالة أخرى وسلطانهم- وهو العثماني- سلطان إصطنبول لا زال قائمًا موجودًا، فلما رأى علماء ذلك الجو وأهل الوجاهة منهم ما أفتى به قاضي فاس وعلماؤها كتبوا للسلطان المذكور- وهم يومئذ "بفاس"- ما نصّه:
(ليعلم سيّدنا قطب المجد ومركزه، ومحل الفخر ومحرزه، أساس الشرف الباذخ ومنبعه، وبساط الفضل الشامخ ومجمعه، السلطان الأعظم الأمجد الأفخم، نجل الملوك العظام سيّدنا ومولانا عبد الرحمن بن هشام، أبقى الله سيّدنا للمسلمين ذخرًا، ومنحه مودّة وأجرًا، أن فتوى سادتنا علماء "فاس" مبنيّة على غير أساس، لأنّهم اعتقدوا أن في عنقنا للإمام العثماني بيعة، وهذا لو صحّ لكان علينا حجة، وليس الأمر كذلك وإنما له مجرد الاسم هنالك، وعامل الجزائر
_________________
(١) أورده التُّسولي بتمامه في "الجواهر النفسية فيما يتكرر من الحوادث الغربية": ١/ ٢٦٧ - أ، ٢٦٨ - أ، وأورده السلاوي في الاستقصا: ٩/ ٢٧ - ٢٩ ما ردّ به علماء الجزائر على فتوى علماء فاس في عدم قبول مبايعتهم.
[ ٣٣٩ ]
إنّما كان متغلبًا، وبالدين متلاعبًا، فأهلكه الله بظلمه وتطاوله على عباد الله وجوره وفسقه، إنّ الله يمهل على الظالم حتى يأخذه، فإذا أخذه لم يفلته، ويدل على تغلبه وإستقلاله عدم وقوفه عند الأمر العثماني وإمتثاله، بل لا يكترث به أصلًا، ولا يتبع له قولًا ولا فعلًا، وقد أمره أن يعقد مع النصارى صلحًا فلم يقبل له قولًا ولا نصحًا، وطلب منه بعض الأموال ليستعين بها على ما حلّ به مع النصارى من الأهوال، فامتنع غاية الامتناع، ولم يمكنه من شبر منها فضلًا عن الباع، حتى أخذها العدوّ الكافر، وهذا جزاء كل فاسق فاجر، مال جمع من حرام سلّط الله عليه الأعداء اللّئام، وهذا كلّه من المتغلب متواتر مشاهد بالعيان، مستغن عن إقامة الدليل والبرهان، الناس كلهم عبيد الله وإماؤه، والسلطان واحد منهم ملّكه الله أمرهم إبتلاء وامتحانًا، فإن قام فيهم بالعدل والرحمة والإنصاف والاصلاح مثل سيّدنا- نصره الله- فهو خليفة الله في أرضه وظلّ الله على عبيده وله الدرجة عند الله- تعالى-، وإن قام فيهم بالجور والعسف والطغيان والفساد مثل هذا المتغلب فهو متجاسر على الله في مملكته، ومتسلّط ومتكبّر في الأرض بغير الحق ومتعرض لعقوبة الله الشديدة وسخطه، هذا وعلى فرض التسليم أن للعثماني في عنقنا بيعة، فلا تكون علينا حجة، لأنّه تباعد علينا قطره فلم يغن عنّا شيئًا ملكه، لما بيننا وبينه من المفاوز والقفار والبحار، والقرى والمدن والأمصار، وربما قرب محله من جهة البحر لكن منعه الآن من ركوبه الكفار، على أنّه ثبت بتواتر الأخبار البالغة حدّ الكثرة والانتشار أنّه مشتغل لنفسه ومقرّه عاجز عن الدفع عن إيالته القريبة من محلّه حتى أنّه هادن النصارى خمس سنين على عدد كثير من المئين، وأعطى فيهم منهم ضامن ليكون في المدة المذكورة على نفسه وحشمه آمنًا، فكيف يمكنه مع هذا الدفاع عن قطرنا وناحيتنا وبلدنا، وأدل دليل على بعده عن هذا المرام خبر مصر ونواحي الشام، فقد استولى عليها أعداء الدين، مدة تزيد على الخمس سنين فلم يجد لهم نفعًا ولا ملك عنهم دفعًا حتى استعان بالعدوّ والكافر، والله- تعالى- قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
[ ٣٤٠ ]
هذا وقد نصّ الآبي في "شرح مسلم" - "مفصح عن مثل قضيتنا ومعلم-: (على أن الإمام إذا لم ينفذ في ناحية أمره جاز إقامة غيره فيها ونصره) ١، فانتظار نصرته يؤدي إلى الهلاك، كيف وقد تطاولت إليها الأعناق وتشوفت إليها من كل جانب العيون والأحداق، فأعرضنا عن الكل صفحًا وطوينا عنه الجواب كشحًا، مقبلين على عتبة باب سيّدنا- نصره الله- وسدّته، داخلين تحت طاعته، ملتزمين لخدمته متوافقين مع القبائل والأمصار، وأهل الرأي والاستبصار، لعلمنا أنّ سيّدنا- نصره الله- المتأهل في هذا الأمر العريق، الجدير بالإمامة الحقيق، كيف وقد ورثها كابرًا عن كابر وإليه إنتهت المآثر والمفاخر، فنطلب من سيّدنا- نصره الله- أنّ يلتزم لنا بفضله من هذه البيعة القبول، مستشفعين بجاه جدّه الرسول- صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المنتخبين وآخر دعوانا أنّ الحمد لله ربّ العالمين).
قال التُّسولي: (انتهى ما كتبه علماء ناحية الجزائر للسلطان المذكور، ولما وقف عليه- أيّده الله ونصره- قبل بيعتهم ودخولهم في إيالته، وخالف ما افتى به فقهاء فاس، فلما سئلت عن النازلة بعد قدومي من الغيبة- لأني كنت غائبًا وقت فتوى فقهاء فاس فلم احضر معهم- دعاني الحال إلى أن قيدت في شأنها ما نصّه:
الحمد لله الباقي الذي لا يزول ولا يبيد، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، الداعي إلى قتال كل جبار عنيد، وكفور صنديد، وعلى آله وأصحابه أولي السماحة والشجاعة، بلا مرية ولا تفنيد، وبعد:
فلا يخفى أنّ هؤلاء القوم اعترتهم فتنتان، فتنة فيما بينهم، وفتنة عدوّ الدين، وما يقال من وجوب العزل في الأولى يقال في الثانية بالأحرى، إذ وزان ذلك حرمة ضرب الوالدين المأخوذة من حرمة تأفيفهما بالفحوى، وقد أجمعت الأمة على أنّه إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما، قال في
_________________
(١) أنظر: إكمال إكمال المعلم: ٥/ ١٦٠.
[ ٣٤١ ]
"المواقف" ١ وشرحه: (وللأمة خلع الإمام وعزله لسبب يوجبه مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين- كما كان لهم نصبه وأقامته- لانتظامهم وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى الفتنة احتمل أي ارتكب أدنى المضرتين) ٢ اهـ.
ولا يخفى أن إمام هؤلاء بغفلته وعدم تفقدّه للأحوال مع مضيّ مدة يمكنه فيها التفقد- لو كان على البال- وقع منه غاية الاختلال، وانتكس الدين مع ذلك إلى وراء، ونبذ بالعراء، على أنّه معلوم ما فعله علماء إفريقية- وفيهم للأمة أسوة وقدوة- من عزل الغائب المعهود له من أبيه بالخلافة، وبيعة أخيه الموجود بالحضرة لما خشي في إنتظار الغائب من توقّع الفتنة، وإذا كان هذا مع التوقع فكيف به مع الوقوع؟!، الذي يراود عن التمسك بالوثقى والدين المتين. وقد قال ابن حزم﵀- في "مراتب الاجماع": (أجمعوا على أنّه لو نزل عدوّ الدين بساحة المسلمين، وقالوا إن لم تعطونا مال فلان استأصلناكم، لم يحل أن يعطوا ذلك، ولو خيف إستئصال المسلمين) ٣ اهـ.
ولا يخفى أن عدم مبادرة القوم لإقامة الإمام وبقائهم على الحال تمكين للعدوّ - دمّره الله- من الاستيلاء على الرقاب والأموال، إذ لا مقاتل يتعيّن ولا مدافع يتبيّن. كيف وهو قد استولى على أعظم الثغور، وصارت تخلى رعبًا منه المنازل والدور، إن دام هذا ولم يحدث له تغيير لم يبك لميت ولم يفرح لمولود.
وقد يقال على جهة التلميح: هؤلاء القوم اختلت كلمتهم وفسد نظامهم وكل من كان كذلك عظمت مفسدته بسفك الدماء ونهب الأموال واستيلاء
_________________
(١) المواقف في علم الكلام لأبي الفضل عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي: عالم بالأصول والمعاني والعربية. من أهل "ايج" "بفارس"، ولي القضاء، وأنجب تلامذة عظامًا، وجرت له محنة مع صاحب كرمان، فحبسه بالقلعة، فمات مسجونًا سنة (٧٥٦هـ). أنظر: السيوطى: بغية الوعاة: ٢/ ٧٥ - ٧٦، كبرى زادة- مفتاح السعادة:١/ ١٦٩).
(٢) أنظر: الإيجي- المواقف: ٤٠٠.
(٣) بحثت عنه في كتاب "مراتب الاجماع" ولم أقف عليه.
[ ٣٤٢ ]
أعداء الدين، وكل من كان كذلك وجب عليه نصب الإمام ولا ينتظر من كان، ينتج أن هؤلاء يجب عليهم نصب الإمام، ولا ينتظرون من كان، فدليل الصغرى والوسطى المشاهدة، ودليل الكبرى ما تقدّم، ولك أنّ تجعل الوسطى صغرى وتكتفي بها.
وبالجملة: فالنازلة لوضوح حكمها التحقت بضروريات العين، وصار إقامة الدليل عليها كإقامته على أنّ الواحد نصف الاثنين. ثم لا يخفى أنّ الكلام في العامل غير ضار، إذ لا علينا فيه عدل أو جار، سواء عزله الخليفة أو عليه ثار، وأيضًا فإنّ المتغلب تنعقد إمامته على الأصحّ دفعًا لفساده، إلاّ أنّه عاص بما فعله قاله: "سعد الدين التفتزاني" ١، إلاّ أنّه وإن تغلّب أو انعقدت إمامته بغير التغلب فقد وجب- لما مرّ- عدم مراعاتها. والسلام. علي التُّسولي- لطف الله به).
_________________
(١) مسعود بن عمر عبد الله التفتازاني، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد "بتفتازان"، وأقام "بسرخس"، وأبعده تيمورلنك إلى سمرقند، من كتبه: "تهذيب المنطق" و"المطول" في البلاغة، و"المختصر"، اختصر به شرح تلخيص المفتاح" وغيرها، مات بسمرقند ودفن بسرخس سنة ٧٩٣هـ). أنظر: السيوطى- بغية الوعاة: ٢/ ٢٨٥، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٢١٩.
[ ٣٤٣ ]