أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام العَتْق وما عطف عليه. العَتْق لغة: الخلوص؛ وعُرْفًا: خلوص الرقبة من الرَّق بصيغة، وهو مندوب إليه مرغب فيه؛ لقوله ﷺ مَنْ أعْتَقَ رقبة أعْتَقَ الَّه بكلَّ عُضْوٍ منها عُضْوًا من أعضائه من النار حتى الفَرْج بالفَرْج أخرجه الشيخان وغيرهما، وقد أعْتَقَ ﷺ ثلاثًا وستين رَقَبة. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: هذا العدد لا مفهوم له وإلاَّ فقد ثبت في الصحيح أنه أعتق من هوزان ستة آلاف نسمة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "يَصِحُّ العِتْقُ مِنْ كُلَّ مُكلَّفِ جَائِز التَّصَرُّفِ ابْتَدَأَهُ أَوِ اخْتَارَ سَبَبَهُ أَوْ وَرِثَهُ" يعني يصحُّ لمالك الرقبة بإرْثٍ أو غيره عَتقَها ابتداءًا أو اختار سببه بشروطٍ وأركانٍ ثلاثة، قال ابن جزي ف يالأركان: الأول: المُعْتِق وهو مالك للعبد مالك أمْرَ نفسه ليس بمريض ولا أحاط الدَّيْن بمالِهِ، فأمَّا المريض فيصحُّ عَتْقُه، ويكون في الثُّلُث من ماله، فإن وَسِعَه الثُّلُث عُتِقَ جميعه وإلاَّ عُتِقَ ثُلُثه، وإن كان عليه دَيْنٌ مستغرق لمالِهِ لم يُعْتَقْ منه شيئ.
الثاني: المُعْتَق وهو كل إنسان مملوك لم يتعلَّق بعينه حقُّ لازم.
الثالث: الصيغة وهي نوعان: صريح وهو لفظ الإعتاق والتحرير وفكُّ الرقبة. وكناية كقوله: قد وهب لك نفسك، أو لا سبيل لي عليك، أو اذهب واعزب، فلا تعمل إلاَّ باقتران النيّة فينوي السيَّد فيما أراد. اهـ. باختصار.
قال رحمه الله تعالى: "فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ سَرَى فِي جَمِيعِهِ" يعني كماف ي الرسالة: ومَنْ أعْتَقَ بعض عَبْدِهِ استتمَّ عليه. قال شارحها: أي بحُكْم حاكم، على المشهور الذي اقتصر عليه العلاّمة خليل حيث قال: وبالحُكْمِ جميعه إن أعْتَقَ جزءًا والباقي له. وعبارة
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ابن جزي في القوانين: وأمَّا تبعيض العَتْقِ فَمَن أعْتَقَ بعض عَبْدِه أو عضوًا منه عُتِقَ سائره عليه، وفي عَتْقِهِ بالسراية أو بالحُكْم روايتان اهـ. والمعنى: أن مَنْ أعتقَ جزءًا ولو يدًا أو رجلًا من عَبدِه الذي يملك جميعه فإن الباقي يُعْتَقُ عليه بالحُكْم، سواء كان موسِرًا أو معسِرًا. قوله: بعض عَبْدِ، يشمل
القِن المحض والمدبر والمعتق إلى أجل وأُمّ الولد والمكاتب؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وإنَّما يلزم ذلك إذا كان المُعْتِق مسلِمًا مكلَّفًا رشيدًا لا دَيْنَ عليه يَرُدُّ العبد أو بعضه. وأمَّا لو أعتق الكافر عَبْدَه الكافر فَلَهُ الرجوع فيه إلاَّ أن يسلِم أحدهما أو يبِين العبد عن سيَّده اهـ. النفراوي.
قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإنْ كانَ مُشْتَرِكًا وَهُوَ وسِرٌ قُوَّمَ عَلَيْهِ بَاقيهِ في رَأْس مَالِهِ صَحِيحًا وَفِي ثُلُثِهِ مَريضًا وَإِنْ أبِقَ العَبْدُ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ الشَّريكُ عِتْقَ نَسِيبِهِ مُنجّزًا لاَ كِتَابَةً أَوْ تدْبِيرًا إلاَّ فِي إِعْسَارِ الأَوَّلِ إذْ لا تَقْويمَ كَمَوْتِهِ أَوْ يُسْرِهِ بَعْدَ الحُكْمِ بِعُسْرِهِ وَفِي يُسْرِهِ بِبَعْضِ قِيمَتِهِ يُقَوَّمُ عَلَيْه بِقَدْرِهِ لاَ بِإرْثِهِ" يعني كما في الرسالة قال: وإن كان لغيره معه فيه شركة قُوَّم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم يُقام عليه وعتق، فإن لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقًا. وقال شارحها: والمعنى أن مَنْ أعْتَقَ نصيبه من عبدٍ مشتركٍ بينه وبين غيره فإنه تقوَّم عليه حصّة شريكه بشروط ستة: أحدها: أن يدفع القيمة بالفعل لشريكه يوم الحكم بالعَتْق. ثانيها: أن يكون المُعْتِق مسلِمًا أو العبد فلو كان العبد والشريكان كفرة فلا تقويم، وكذا لو كان المُعْتِق ذِمَّيًّا والعبد كذلك وغير المُعْتِق مسلِمًا. ثالثها: أن يعتق الشريك باختيراه لا إن ورث جزءًا من أبيه فلا تقوَّم عليه حِصّة شريكه. رابعها: أن يكون المُعْتِق هو الذي ابتدأ العتق لأنه الذي أبد الرقبة، وأما لو كان العبد حرًا لبعض قبل العتق فلا تقوم عليه حصة شريكه، كما لو كان العبد مشتركًا بين ثلاثة أملياء وأعتق أحدهم نصيبه ابتداءًا وتبعه الثاني بإعتقاء حِصَّته وامتنع الثال ثمن العَتْق فإن حِصَّته تقوَّم على الأوّل،
[ ٣ / ٢٤٥ ]
إلاَّ أن يرضى الثاني بتقويمها عليه، فلو كان المبتدي العَتْق معسِرًا لم تُقَمْ حِصّة الثالث على الثاني إلاَّ برضاه، وأمَّا لو أعتقا معًا أو مترتبًا وجهل الأول قوَّمت حِصّة الثالث عليهما أن أيسرَا وإلاَّ فعلى الموسِر منهما. خامسها: أن يكون المعتِق موسِرًا بقيمة حِصّة الشريك، فإن أيسر ببعضها عَتَقَ منها بقدر ما هو موسر به، والمعسَر به لا تقوَّم عليه ولو رضي شريكه باتباع ذِمَّته. سادسها: أن تكون تلك القيمة التي يُشْتَرِطْ يُسْرُه بها أو ببعضها زائدة على ما يترك للمفلس. اهـ. النفراوي باختصار على ما تلخَّص من كلام خليل. وإليه أشار رحمه اللَّه تعالى بقوله: "فَلَوْ أَعْتَقَ اثْنَانِ قُوَّمَ نَصِيبُ الثَّالِثِ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهمَا ولَفِي تَعَاقُبِهِمَا يُقَوَّمُ عَلَى الأَوَّل كَإِعْسَارِ أَحَدِهِما وَالْحَمْلُ يَتبَعُ أُمَّمه: يعني أنه تقدَّم آنفًا قول النفراوي: إنه لو كان العبد مشتركًا بين ثلاثة أملياء وأعْتَقَ أحدهم نصيبه ابتداءً وتبعه الثاني بإعتاق حِصَّته وامتنع الثالث من العَتْق وهو ملئ قُوَّم نصيب الثالث على الأول وحده؛ لأنه الذي ابتدأ العَتْقَ في الرقبة، هذا إن كان إتاق الثاني بعد إعتاق الأول، وإلاَّ بأن كان إعتاقهما في وقت واحد قُوَّمت حِصَّة الثالث عليهما على قدر حِصَصِها لا على رؤوسهما، فإن كان لأحدهما نِصْفه
وللثاني ثُلُثه وللثالث سُدْسه وأُعْتِق الأول والثاني دفعة فعلى الأول ثلاثة أخماس سُدْس قيمته، وعلى الثاني خُمْسَاه إن أيسرا وإلاَّ أي وإن لم يكونا موسَرَيْن بأن كانا معسَرَيْن فلا تقويم، وإن كان أحدهما موسِرًا ولاآخر معسِرًا فعلى الموسِر منهما اهـ. بتوضيح. قوله: والحمل يتبع أمّة هذا إذا كان حَمْلًا ظاهرًا. قال ابن جزي:
فرع: يلزم عَتْقُ الجنين في بطن أمَّه إذا كان الحَمْل ظاهرًا، واختُلِفَ إذا كان غير ظاهر. وفي الرسالة: ومَنْ أعْتَقَ حامِلًا كان جنينهاحرًّا معها. قال شارحها: ولا يصحُّ استثناؤه لأن كل ولد حدث من غير مِلْك يمين فإنه تابع الأمَّة في الحريَّية والرَّقّية؛ لأنه لا يوجد في الأصول حرَّة حامِل برقيق إلاَّ على جهة الندور، وإنَّما توجد أمَة حامل
[ ٣ / ٢٤٦ ]
بحرَّ، ولأن الحرَّية مسّتْه وهو في بطنها وهو كعُضُوٍ من أعضاءها فوَجَبَ أن يُعْتَقَ بِعَتْقِها وسيأتي كلام المصنَّف ي قوله: ويتبع المُعْتِق مالُهُ إلى أن قال: وأَمَتُهُ الحامِلُ لا جنينها وأولادُهُ، أي فلا يُعْتَقون بعَتْقِهِ فتُرَقُّ به؛ لأن تلك المسألة كالمسْتثنى من قولهم: وكل ذات رَحِم فولدها بمنزلتها.
قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَوْ قَالَ: ثُلُثُ عَبِيدِي أَحْرار عُدَّلُوا بِالْقيمَةِ وَأَعْتَقَ ثُلثُهم بِالْقُرْعَةِ خَرَجَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ" يعني كما قال عبيدًا له ستَّة عند موته فأسهم رسول الله ﷺ بينهم فأعتق ثُلُث تلك العبيد قال مالك: وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مالٌ غيرهم اهـ. وعنه أيضًا أنّ رجلًا في إمارة أبان بن عثمان بتلك الرقيق فقَسَّمَتْ أثلاثًا ثم أسهم على أيَّهم يخرج سهم الميت فيُعْتَقون فوقع السهم على أحد الأثلاثِ فعَتَقَ الثُّلُث الذي وقع عليه السهم اهـ. ومثله ي المدوَّنة.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطْ مِلْكِهِ أَوْ أَجَلٍ يَبْلُغُهُ وَلِيْسَ لَهُ وَطْءُ المُعْتَقَةِ إِلى أَجَلٍ: يعني أنه يصحُّ تعليق العَتْقِ علىش رط مِلْك الرقبة في مستقبل، كأن يقول: إن ملكت رقبة فلان فهو حرّ، وبمجرَّد تملكه إيّاه صار فلان حُرًّا كتعليق الطلاق بالعقد، وكذلك يصحُّ العَتْقُ بِتَعْليقه إِلى أجل يبلغه فيؤخَّر إليه، بخلاف الطلاق فلا يؤخَّر بن ينجز عليه بمجرَّد النطق به. قال الخرشي: أي فلا يستوي باب العَتْق وباب الطلاق في هذه المسائل، منها إذا طلَّق زوجته إلى أجَل يشبه بلوغهما عادة فإنه ينجز عليه من الآن؛ لئلا يلزم على عدم التنجيز نِكاح المتعة، بخلاف ما إذا أعْتِقَ إلى أجَل معلوم فإنه لا يُعْتَق إلاّ إلى ذلك الأجل، ويمنع السيَّد من البيع والوَطْءِ إلى
[ ٣ / ٢٤٧ ]
ذلك الأجَل، وله الخدمة إليه فقط اهـ. وفي الرسالة: ولا يطأ المُعْتَقَة إلى أجَل ولا يبيعُها وله أن يستخدمها وله أن ينتزع مالها
ما لم يقرب الأجَل أي بكشهر فيحرُم عليه انتزاعه، وأمَّا ما كان من خراجها وكَسْبِها وأرْش جناية عليها فلَهُ انتزاعه وإن قرب الأجَل اهـ. بتوضيح من النفراوي.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَه مِنْ خِدْمَةِ نَفْسِهِ بِقِسْطِهَا وَلاَ يَنْتَزعُ مَالُهُ وَأَحْكَامُهُ كالْقِنَّ وَمِيرَاثُهُ لِمَالِكِ بَاقِيهِ: يعني أن من كان بعضه حرًّا وبعضه عبدًا فلَهُ خدمة نفسه في البعض الذي من جهة الحرية، ويخدم مالك الباقي من جهة الرَّقيّة، ولا ينتزع ماله، وأحكامه وميراثه كالقِنّ. قال في المدوَّنة: قلتُ: أي لابن القاسم: أرَايتَ عَبْدًا نِصْفه رقيق ونِصْفه حرّ، باع السيَذد المتمسَّك بالرَّق نصيبه منه، أيكونله أن يأخذ من مالِهِ شيئًا أم لا؟ في قول مالك قال: قال لي مالك: أيما عبد كان نِصْفه عبدًا ونِصْفه حرًّا فأراد سيَّده الذي له فيه الرَّق أن يبيع نصيبه منه فإن يبيعه على حاله، ويكون المال موقوفًا في يَدَي العبد، ويكون الذي ابتاع العبد في مال العبد بمنزلة سيَّده الذي باعه، وليس للذي اشتراه ولا للذي باعه أن يأخذ من مالِهِ شيئًا، ف إن عَتَقَ يومًا كان جميع مالِهِ له، أو يموت فيكون المال للذي له فيه الرَّق، ولاي كون للذي أعْتِقَ من ماله الذي مات عند العبد قليل ولا كثير؛ لأنه لا يورث بالحرَّية حتى تتمَّ فيه الحرَّية عند مالك: قلت: ولِمَ جعل مالك المال موقوفًا في يَدَي العبد ولم يجعل لمتمسَّك بالرَّق ألاَّ يأخذ من مالِهِ شيئًا؟ قال: لشركة العبد في نفسه وللعَتْقِ الذي دخله فماله موقوف إن عتق تبعه ماله وإن مات قبل أن تتم حخريته كان سبيله ما وصفت لك عند مالك اهـ. "وَيَتْبَعُ المُعْتَقَ مَالُهُ إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ سَيَّدُهُ وَأمَتُهُ الحامِلُ لاَ جَنِينُهَا وَأَوْلاَدُهُ" يعني أن مال المُعْتَق تابع له بعد العَتْق، إلاَّ أن يستثنيه السيَّد قبل عَقْدِ العَتْق. قال في الرسالة: ومالُ العبد له إلاَّ أن ينتزعه السيَّد فإن أعتقه
[ ٣ / ٢٤٨ ]
أو كاتبه ولم يَستثن مالَهُ فليس له أن ينتزعه اهـ. وفي القوانين:
فرع: للسيَّد أن ينتزع مال عبده ومال المُعْتِق إلى أجَل ما لم يقرب الأجَل، وليست السنّة قربًا، ومال أمَّ الولد والمدبر ما لم يمرض فإذا أُعْتِقَ العبد تبعه مالُه، إلاَّ أن يستثنيه سيَّده بِبَيَّنةٍ فإن لم تكن إلاَّ دعواه لم يصدق وكان القول قول العبد مع يمينه وله رد اليمين اهـ.
وحاصل ما في المذهب كما في الموطَّأ عن مالك عن ابن شهاب أنه سمعه يقول: مضت السنّة أن العبد إذا أُعتق تبعه مالُهُ. قال مالك: ومما يُبَيَّنُ ذلك أن العبد إذا أُعتِق تبعه مالُهُ أن المكاتب إذا كوتب تبعه مالُهُ وإن لم يشترطه المكاتَبُ، وذلك أن عقد الكتابة هو عقد الولاءِ إذا تَم ذلك، وليس مالُ العبدِ والمكاتب بمنزلة ما كان لهما من ولد، إنَّما أولادُهما بمنزلة رقابهما ليسوا بمنزلةِ أموالهما؛ لان السنّة التي لا اختلاف فيها أن العبد إذا عُتِقَ تبعه مالُهُ ولم يتبعه ولدُهُ وأن
المكاتب إذا كوتب تبعه مالُهُ ولم يتبعه ولده. قال مالكٌ: وممَّا يُبَيَّنُ ذلك أيضًا أن العبد والمكاتَب إذا أفلسا أخِذت أموالهما وأُمهات أولادهما ولم تؤْخذ أولادهُما؛ لأنهم ليسوا بأموال لهما. قال مالك: وممَّا يبيَّن ذلك أيضًا أن العبد إذا جرح أُخِذَ هو ومالُهُ ولم ي﴾ خذ ولده اهـ. وقول المصنَّ: وأمَتُه الحامل معطوفة على يتبع. فالمعنى: أنّ أمَة المعتوق إذا كانت حاملة تبعت ماله إذا لم يشترط السيَّد مال عبده المُعْتَق، ف إذا أعتَقَها سيَّها المُعْتَق صارت حرّةً دون جنينها، وكأنه ﵀ قال: ويتبع المُعْتَق مالُهُ وأَمتُهُ الحالم لا جنينها ولا أولاده، فغنهم أرقّاء للسّيَّد المعتِقِ لأبيهم، ولا غرابة أن تكون الحرّة حاملة برق في بطنها. قال خليل في توضيحه: قد وجدت حرّة حاملًا بعبد، وصورتها: أن يكون عبد وَطِئ جاريته فحَمَلَتْ منه وأعْتَقَها لوم يَعْلَمْ سيَّده بعَتْقِهِ حختى أعتقه ولم يستثن مالَه فعَتْقُ الأمَة ماضٍ ومقصود عليها وتصير حرّة والولد في بطنها رقيق لسيَّد أبيه اهـ. نَقَلَه النفراوي عنه، انظره إن شئت
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وفيه زيادة إيضاح. قال مالك في الأمَة تُعْتَقُ وهي حامل وزوجها مملوكُ ثم يثعْتَقُ زوجُها قبل أن تضع حَمْلَها أو بعدما تضع: إنّ ولاء ما كان في بطنها للذي أعْتَقَ أُمَّهُ، لأن ذلك الولد قد كان أصابه الرَّقُّ قبل أن تُعتق أُمُّهُ، وليس هو بمنزلة الذي تَحْمل به أُمُّهُ بعد العتاقة؛ لأن الذي تَحْمل به أمه بعد العتاقة إذا عُتِقَ أبوه جرَّ ولاءَهُ. قال مالك في العبد يستأذِنُ سَيَّدَهُ أن يعتق عَبْدًا له فيأْذَنَ له سيَّدُهُ: إنَّ ولاءَ العبد المعتق لسيَّ العبد لا يرجع ولاؤُه لسيَّده الذي أعتقه وإن عُتِق اهـ. قاله في جرَّ العبد الولاء.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَعْتِقُ بِالنَّسَبِ عَمُدَاهُ وَإِنْ بَعُدَ وَالإِخْوَةُ والأَخوَاتُ لاَ غَيْرُ" يعني كما في الرسالة قال: ومَنْ ملك أبوَيْه أو أحدًا من ولده أو ولد ولده أو ولد بناته أو جدّه أو جدّته أو أخاه لأُمَّ أو لأبٍ أو لهماجميعًا عُتِقَ عليه. قال خليل: وعُتِقَ بنفس المِلْك الأبوان وإن علَوْا والولد وإن سفل والإخوة ولاأخوات ولو لأُمًّ. قال النفراوي: والمعنى أن الشخص إذاملك أصله وإن علا أو فرعه وإن سفل أو حاشيته القريبة فإِنه يُعْتَقُ عليه بمجرَّد المِلْك، ومحل العَتْق: حيث كان المالك والمملوك مسلمين، وكذا إن كان أحدهما مسلِمًا، ولابدَّ أن يكون المالك رشيدًا، ولا فرق في المِلْك بين أن يكون بالبيع الصحيح البتّ اللازم أو بالهبة أو الصّدَقة إن عَلِمَ المُعطِي بالكسر أو قبل المُعطَى بالفتح والولاءُ للمُعطَى بالفتح، ولا فرقَ مع عِلْم المُعطِى بالكسر بين أن يكون المُعطَى بالفتح دَيْنًا أم لا. والضابط أنه إن عُتِقَ لِعِلْم المُعَطي لعدم قبول المُعطَى بالفتح لا يُباع في دَيْنٍ ولا غيره، وأمَّا إن عُتِقَ لقبول الموهوب له فإن كان عليه دَيْنٌ فإنه يُباع فيه، وحيث لاَ قبول فلا يُباع ولو كان عَليه دَيْن، وأمَّا المملوك بالإرث أو الشراء فمحلّ عَتْقِهِ حيث لا دَيْن وإلاَّ بِيع فيه. قال خليل: لا بإرث أو شراء
وعلهي دَيْن فيُباع. وقوله: ويُعْتَقُ بالنسب عموداه إلخ احتراز عن مالك أبوي الرَّضاع أو أولاد الرَّضاع أو الإخوة منه فلا عَتْقَ على المشهور. اهـ. باختصار.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَمَنْ قَصَدَ الْمُثْلَةَ بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْفِعْل وُقِيلّ بِاْحُكْم" يعني أن مَنْ قصد أن يمثَّل بعبده مُثْلَة فإنه يَعْتِقُ عليه بالحْكْم إذا فعل، وقيل: بمجرَّد الفعل عَتَقَ عليه لا يتوقف إلى حُكْمِ حاكم، والأول أصحُّ. قال ابن جزي: ولا يُعْتَقُ بالمُثْلة إلاَّ بالحْكْم. وقال أشهب: بالمُثْلة يصير حرًّا. قال في الرسالة: ومَنْ مثَّلَ بعبده مُثْلَة بيَّنة مِن قطع جارحة ونحوه عَتَقَ عليه. وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: جاء سندر مستصرخًا إلى النبي ﷺ فقال: ويْحضك ما لك؟ فقال سندر: أبصر لسيَّده جارية فغار فجبَّ مذاكريه وقَطَعَ أنفه وأذنَيْه، فقال رسول اللَّه صلى لله عليه وسلم "عليّ بالرجل"،لآ فطلب فلم يقدر عليه، فقال رسول الله ﷺ: "اذهب فأنت حرُّ"، فقال: يا رسول اللذَه على من نصرتي؟ فقال: على كل مؤمن أو على كل مسلِم اهـ. وعبارة المدوَّنة لهذا الحديث قال: كان لزنباع عبد يسمّى سندرًا أو ابن سندر فوجده يقبَّل جارية له فأخذه فجَبَّه وجَدَعَ أذُنَيْه وأنْفَه، فأتى إلى رسول الله ﷺ فأرسل إلىزنباع فقال: لا تحمَّلوهم ما لا يطيقون، وأطعموهم ممَّا تأكلون واكسوهم ممَّا تلبسون، وما كرهتم فبيعنوا، وما رضيتم فأمسكوا، ولا تعذَّبوا خَلْقَ اللَّه، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: "مَنْ مَثّل بعبده أو أحرق بالنار فهو حرٌّ وهو مولى الله ورسوله"، فأعتقه رسول الله صلى الله ﵊ قال: يارسول الله أوصِ بي فقال: أوصي بك كل مسلِم اهـ. وفيها أن زنباعًا كان يومئذ كافرًا. قال خليل: وبالحكم إن عَمَدَ لشين برقيقه أو رقيق رقيقه أو لود صغير. قال الخرشي: والمعنى أن المسلِم المكلَّف الحرَّ الرشيد إذا عَمَدَ العقوبة أي المثلة وهي المراد بالشين - ويدلُّ على قصدها القرائن - برقيقة أو رقيق رقيقة فإنه يَعْتِقُ عليه، أو لا بدّ من الحكم عليه بالعَتْقِ على لمشهور، ولا يتبعه مالُهُ، قال فيها: مَنْ مثَّل بعبده أو بأمَّ ولده وبمدبره أو بعبد لعبده أو لمدبره أو لأمَّ ولده عتقوا عليه اهـ. باختصار. ولمَّا أنهى الكلامعلى ما تلَّق بالعَتْقِ انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بأحكام الولاء فقال رحمه اللَّه تعالى:
[ ٣ / ٢٥١ ]
فصل في الولاء
فَصْلٌ
في الولاء
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الولاء بفتح الواو والمد من الولاية بفتح الواو، وهو من النسب والعَتْق، وأصله من الولي وهو القرب، والمراد هناولاية الإنعام والعَتْق، وسببه زوال المِلْك بالحريَّة، فمَنْ زال مِلْكه بالحرّية عن رقيق فهو مواله، وهي ولاية العَتْق، وحُكْمُها العصوبة وهي تفيد الميراتث للمُعْتَق لِمَن عَتَقَ لا تُباع ولا توهب؛ لان النبي صلى لله عليه وسلم نهى عن بَيْع الولاء وهِبَتِه، لأنه لحمة كلحمة النسب، ولذا قال رحمه الله تعالى: "وَالْوضلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَوْ عَتَقَ عَنْهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَصحُّ نَقْلُهُ" يعني أن الولاء لِمَن أعْتَق أو أعْتَقَ عنه. قال مالكف يالعبد يبتاع نفسه من سيَّده على أن يوالي مَنْ شاء: إن ذلك لا يجوز وإنَّما الولاء لَمَن أعتق، ولو أن رجلًا أذِن لمواله أن يوالي من شاء ما جاز ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الولاء لِمَن أعْتَق"، ونهى رسول اللَّه ﷺ بَيْع الولاء وعن هِبَتِهِ، فإذا جاز لسيَّده يشترط ذلك له وأن يأذَن له أن يوالي مَنْ شَاء فتلك الهِبَة اهـ. ومَنْ أعْتَقَ عَبْدًا عن رجل فالولاء للرجل أي الذي أعْتَقَ عنه ولو بغير إذْنه؛ لأن التسرع يقدر دخوله في مِلك مَنْ أعْتَقَ عنه، وشرط كونه للمُعْتَق عنه كونه حرًّا مسلِمًا، أمّا إن كان رقيقًا فإن ولاء أعْتَقَ عنه لسيَّده، وإن كان كافرًا يكون ولاء الذي أعْتَقَ عنه مسلِمًا للمسلمين، لأن الكافر لا ولاء له على مسلِم. اهـ. الرسالة بطرف من النفراوي.
ثم قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلَيْسَ لِنَّسَاءِ مِنْهُ إِلاَّ مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعتَقْنَ أَوْ جَرَّه إليهن" يعني أنالنساء لا يَرِثْن ولاء موروثهن لكن يَرِثْنَ ولاء ما أعتقن وولاء من يجرُّ مَنْ أعْتَقَ قال في الرسالة: وولاءُ ما أعتقت المراة لها، وولاء من يجرُّ من ولدٍ أو عبدٍ أعتقته، ولا تَرِثُ خما أعتق غيرها من أبٍ أو ابن أو زوج أو غيره اهـ. قال خليل: ولا تَرُث
[ ٣ / ٢٥٢ ]
أُنثى إن لم تباشره بعَتْقٍ أو جرّه ولاء بولادة أو عتق. وقال فيها أي المدوَّنة: ولا يَرثُ النساء من الولاء إلاّ ما أعْتَقْنَ أو أعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ أو ولد من أعْتَقْنَ من ولد الذكور ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا شيئ لهن في ولد البنت ذكرًا كان أو أنثى فافْهَم ذلك اهـ. وفي القوانين: لا ينجز ميراث الولاء إلى المرأة، وإنَّما تَرِثُ بالولاء مَنْ أعْتَقَتْه أو مَنْ أعْتَقَتْ مَنْ أعْتَقَه إن عدم مَنْ أعْتَقَه أو ذرية مَنْ أعْتَقَه أو مَنْ أعْتَقَه مَنْ أعتَقَتْه لا مَنْ أعْتَقَه موروثها اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَالإرْثُ بِهِ لِلْعَصبَةِ فَيُقَدَّمُ الابْنُ عَلَى الأَبِ والأخِ وابْنُهُ عَلَى الْجَدَّ وَالْجَدُّ عَلَى الْعَمَّ ثُمَّ الأقْوَى فَالأقْوَى" يعني أن الإرث في الولاء للعصبة، وقد عقد العلاّمة ابن جزي في قوانينه فصْلاص في بيان ترتيب الموالي في الإرْث بالولاء فقال: المولى الأعلىهو مُعتِقُ العبد بأيَّ نوع من أنواع العَتْقِ أعْتَقَه أو مُعْتِقُ أبيه أو جدّه أو أمه وهو وارث المولى الأسفل العتيق ووارث أولاده وأحفاده ووارث كل من أعتقه العتيق أو مَنْ أعْتَقَه عتيق العتيق على الترتيب الذي نذكره، وذلك أنه إذامات عَبْدٌ بعد أن عُتِقَ فإن كان له عصبة ورثته عصبته دون مولاه، فإن لم تكن له عصبة ورثه مولاه، وهو المعتِقُ أو معتق المعتق في عدم المعتق فإذا انفرد أخذ المال كلَّه، وإن كان مع ذوي سهام أخذ ما يفصل عنهم فإن
كان المتوفّى حرًّا في الأصل غير عتيق كان الولاء لِمَن أعْتَقَ أباه، فغ، كان أبوه حرًّا غير عتيق كان الولاء لِمَن أعْتَقَ جدّه، وهكذا ما ارتفعوعلا، فإن لم يكن في آبائه عتيق لم يَرِثْه موالي أُمه إلاَّ إن كان منقطع لنسب كولد الزَّنا والمنفي باللَّعان أو كان آباؤه كفارًا فحينئذٍ يرثه موالي أُمه إن كانت مُعْتَقَة، فإن كانت حرّةً غير مُعْتَقَة كانالولاء لموالي أبيها، فإن لم يكن أبوها عتيقًا لم يَرِثْه موالي أُمها إلاَّ إن كانت هي منقطعة النسب. وهكذا ترتيب الموالي أبدًا فيما علا من الآباء والأُمّهات اهـ. قال النفراوي في الفواكه: والحاصل أنَّ أوْلَى الناس بميراث الولاء عند عدم القرابة المُعْتِق ثم أولاده
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الذكور ثم بنوهم وإن نزلوا، والأعلى يحجب الأسفل، فإن عدم بنو المُعْتِق فأبوه، فإن عدم أبوه فإخوته الأشقاء ثم الذين للأب ثم بنو الإخوة الأشقاء ثم بنو الإخوة للأب ثم بنوهم وإن نزلوا، فإن استَوَتِ الدرجة فالشقيق أوْلَى، فإ، عدمت إخوة المُعتِق وبنوهم فجدّ المُعْتِق، فإن لم يكن جدّ فالأعمام، وهم في الترتيب كالإخوة، ثم بعد انقراض أقارب المُعتِق مُعْتِقُ المُعْتِق، فإن لم يوجد مُعْتِقُه انتقل الحُكْمُ لعصبة مُعْتِقه إن كان له استحقاق وإلاَّ كان للمسلمين، مثاله: لو أعتقت امرأةٌ عبدًا ولها ابن من زوج غير قريب لها فإذا ماتت المرأة كان ولاء مَنْ أعتقته لابنها، فإذا مات ابنها لم يَرِثْ ابنه ما أعْتَقَتْه أُمّه بالولاء عند الأئمة الأربعة، ويكون ميراثه للمسلمين وهو من جملتهم، وخبر: مَنْ مات عن حقّ فلوارثه، غير معروف، والمراد بالعاصب الذي يُرِثُ الولاء: العاصب بالنفس لا بغيره ولا مع غيره، فلا تَرِثُ الأمّ مع الأبِ ولا الأخت مع الأخ ولا الأبُ مع الابن ولا البنت مع الابن اهـ. فتأمّل.
قال رحمه الله تعالى: "وَوَلاءُ السَّائِبَةِ وَالمَنْبُوذِ والْمُعْتَقِ فِي الزكّاةِ لِلْمُسْلِمِينَ" وفي نسخة: السابية بدل السائبة، والأصحُّ ما قرَّرْناه، يعني أن ولاء السائبة وما عطفت عليه لجماعة المسلمين لا يختصُ به أحد عن أحدٍ؛ قال مالك في الموطَّأ: إن أحسن ما سُمِع في السائبة أنه لا يوالي أحدًا، وأنّ ميراثه للمسلمين وعقله عليهم. ومعنى السائبة: هو الذي قال له سيَّده: أنت سائبة أو سيبتك قاصدًا بذلك العَتْق، وكذلك لَفْظُ أنت حُرٌّ عن المسلمين يكون ميراثه لهم، وكما يرثنه يعقلون عنه ويلون عقد نكاحه إن كان أنثى ويحضنونه. اهـ. النفراوي بتصرف واختصار.
قال رحمه الله تعالى: "وَيَرْجِعُ وَلاَءُ الكَافِرِ يُسْلِمُ لِمَوْلاَه كالْمُكاتَبِ يَعْتِقُ ثُمَّ يَعْتِقُ بِأَدَاءٍ" يعني كما في الخرشي: أن الكافر إذا أعتق عبده ثم أسلمَ العبد فإنَّ ولاءه ينتقل للمسلمين من عصبة سيَّده النصراني، فإن أسلمّ سيَّدُه الذي
[ ٣ / ٢٥٤ ]
أعتقه بعد ذلك فإنّ الولاء يعود إليه. والمراد بعود الولاءِ هنا إنَّما هو الميراث فقط، وإلاَّ
فالولاء ثابت لا ينتقل؛ لأن الولاء كالنسب فكما لا تزول عنه الأبوّة إن أسلَم ولده فكذلك الولاء اهـ. ومثله في المدوَّنة انظر الموّاق. قوله: كالمكاتب تشبيه في رجوع الولاء لِمَن أعْتَقَ، يعني أنّ المكاتب إذا أعْتَقَ عَبْدَه قبل أداء ما عليه من الكتابة ثبت العَتْق، فإذا أدّى ما عليه من الكتابة وصار بذلك حُرًا رجع إليه ولاء الكتابة الذي عُتِقَ؛ لأن الولاء لَمَن أعْتَقَ بشرط الإسلام، ولذا نبَّه رحمه اللذَه تعالى فقال: "بِخِلاف الذَّمَّيَّ يَعْتِقُ مُسْلِمًا ثمَّ يُسْلِمُ وَالْعَبْدُ يُعْتَقُ ثُمَّ يَعْتِقُ والْمُوَالاةُ بَاطِلَةٌ" يعني أن الذَّمّي إذا أعْتَقَ مسلِمًا ثم أسلم الذَّمّي فلا يرجع الولاء إليه؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلمين، ولا ينتقل إلى الذي أعتقه وإن أسلَم. قال مالك في الموجطَّأ في اليهودي والنصراني يسلِم عبدُ أحدهما فيعتقه قبل أن يُباع عليه: إنّ ولاء العبد المُعْتَق للمسلمي، وإن أسلَم اليهودي أو النصراني بعد ذلك لم يرجع إليه الولاء أبدًا. قال: ولكن إذا أعْتَق اليهودي أو النصراني بعد ذلك لم يرجع إليه الولاء أبدًا. قال: ولكن إذا أعْتَقَ اليهودي أو النصراني عَبْدًا على دينهما ثم أسلَم المُعْتَقُ قبل أن يُسلِم اليهودي أو النصراني الذي أعتقه ثم أسلَم الذي أعتقه رجع إليه الولاء؛ لأنه قد كان ثبت له الولاء يوم أعْتَقَه. قال مالك: وإن كان لليهودي أوالنصراني ولَدٌ مسلِمٌ وَرَثَ موالي أبيه اليهودي أوالنصراني إذا أسلَم المَوْلى المُعْتَقُ قبل أن يُسلِمَ الذي أعْتَقَه، وإن كان المُعْتَقُ حين أعْتَقَ مسلِمًا لم يكن لولد النصرانيَّ أو اليهوديَّ المسلمين منولاء العبد المسلِم شيئٌ، لأنه ليس للهوديَّ ولا للنصراني ولاءٌ فولاءُ العبد المُسِلم لجماعة المسلمين اهـ.".
قال رحمه اللذَه تعالى: "وَلاَ يَجُرُّ الْوَلاءَ إِلاَّ أَبٌ أَوْ جَدٌّ كَمُعْتَقٍ وَلَدُهُ عَبْدٌ فَوَلاءُ أَوْلاَدِهِ لِمُعْتِقِ أبِيهِ فَإذَا أَعْتَقَ جَرَّهُ إِلَى مَوَالِيهِ كالْعَبْد يَتَزَوَّجُ عَتِيقَة فَوَلاَءُ أَوْلاَدِهَا لِمَوَالِيهَا فَإِذّا عَتَقَ أَبُوهُمْ جَرَّه لِمَوَاليه" هذه الجملة تقدَّم الكلام في معناها في إرث العصبة عند قول المصنَّف: والإرث به للعصبة وإلى ذلك أشار الإمام في الموطَّأ
[ ٣ / ٢٥٥ ]
فصل في الكتابة
بقوله: الأمر المجتمع علهي عندنا في ولد العبد من امرأةٍ حرّة وأبو العبد حرٌّ أنّ الجدّ أبا العبد يجرُّ ولاءَ ولد أبنائه الأحرار مِن امرأةٍ حُرَّةٍ يرثهم ما دام أبوهم عَبْدَا، فإن عتَقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبدٌ كان الميراثُ والولاءُ للجدّ، وإن كانالعبد له ابنان حرّان فمات أحدهما وأبوه عبدٌ جَرَّ الجدّ أبو الأبِ الولاء والميراث اهـ. فراجِعْه في إرْثِ العصبة إن شئت.
ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الولاء ومامعه من المسائل انتقل يتكلم على الكتابة وممّا يتعلَّق باحكامها فقال رحمه اللَّه تعالى:
فَصْلٌ
في الكتابة
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الكتابة وهي مشتقة من الكتاب بمعنى الأجَل؛ قال تعالى: كِتَابًا مُّؤَجَّلًا [آل عمران: ١٤٥] أي مضروبًا، وقوله: إلاَّ ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ [الحجر: ٤] أي أجَل مقدَّر، أو من الكَتب بمعنى الإلزام؛ لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذينَ مِن قَبلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] وكَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نلَفسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ١٢]. ويقال في المصدر: كتاب وكتابة وكتبة ومكاتبة، قال تعالى: والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور: ٣٣]، والأمر فيها للندب أو الجواز، وعرَّفها ابن عرفة بقوله: هي عَتْقٌ على مالٍ مؤجلَّل من العبد موقوفٌ على أدائه. اهـ. الخرشي. ومثله في حاشية الصاوي على الدردير. وقد دلَّ على مشروعيتها الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، أمَّا الكتاب فقوله تعالى في تنزيله: فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وأمَّا السنّة فقوله ﷺ: "المكاتب عَبْدٌ ما بقي عليه درهم" وفي رواية: "ما بقي عليه شيئ". وأمَّا الإجماع فقد انعقدت الأمّة على جوازها بل على ندبها. قال خليل: ندب مكاتبة أهل التبرُّع وحط جزءٍ آخر ولم يُجْبَر العبد عليها اهـ. وفي الرسالة: والكتابة جائزة على ما رَضِيَه العبد
[ ٣ / ٢٥٦ ]
والسيَّد من المال منجَّمًا، قلَّت النجوم أو كرَت، فإن عجز رجع رقيقًا وحلَّ له ما أُخِذَ منه، ولا يعجَّزه إلاَّ السلطان بعد التلوُّم إذا امتنع من التعجيز اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "الْكِتَابَةُ بَيْعُ السَّيِّد عَبْدَهُ مِن نَفْسِهِ بِمَالٍ مُنجَّم يُؤَدِيهِ عَلَى نَجْمِه فَإِنْ عَجَّلَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَيُرَقُّ بِعَجْزِهِ وَلَوْ بَقِيَ دِرْهَمٌ: يعني أن الكتابةً بَيْعٌ بعِوَضٍ مؤَجّل إلى أجِلِه فإن عجَّله العبد لزم على السَّيد قبوله، وإن عجز عن الأداء ولو درهمًا واحدًا عجَّزه الحاكم بعد التلوّم؛ وذلم لِما ثبت ف يالصحيح أن رسول الله ﷺ قال:"المكاتب عَبْدٌ ما بقي عليه درهم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عند جدّه مرفوعًا. ورواه مالك في الموطَّأ عن نافع عن عبد الله بن عمر بلفظ: المكاتب عَبْدٌ ما بقي من كتابته شيئٌ. وأركانها أربعة، قال ابن جزي: وهي المكاتَب بالفتح والمكاتِب بالكسر والعِوَض والصيغة؛ وذلك أنّ معنى الكتابةش راء العبد نفسه من سيَّده بمالٍ يكسبه العبد، فالسيَّد كالبائع والعبد كالمشتري ورقبته كالثمن والمال الثمن، فأمَّا السيَّد فهو كل مالك صحيح غير محجور اهـ.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاَ يُجْبَرُ السَّيَّدُ عَلَيْهَا:" يعني أن السَّيد لا يُجْبَرُ على أن يكاتب عبده؛ لأن الكتابة ليست بواجبة على المشهور، والغاية أنها مندوبة أو جائزة، ولا يُجْبَر أحد على فِعْلِ واحدة منهما. قال مالكٌ: الأمر عندنا أنه ليس
على سيَّد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أن أحدًا من الأئمة أَكْرَهَ رجلًا على أن يكاتب عَبْدَه، وقد سمعتُ بعض أهل العِلْم إذا سُئل عن ذلك فقيل له: إنّ اللَّه ﵎ يقول: فكاتِبُوهم إن عَلِمْتم فيهم خيرًا، يتلوهاتين الآيتَيْن: وإذا حللتم فاصطادوا. فإذا قَضِيَتِ الصلاةُ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. قال مالكٌ: وإنَّما ذلك أمرٌ أذِن اللَّه ﷿ فيه للناس، وليس بواجب عليهم اهـ. الموطَّأ.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
قال رحمه اللَّه تعالى: "وَهَلْ لَهُ إِجْبَارُ عَبْدِه فيهِ خِلاَفٌ" يعني أختلف أئمّتنا هل للسيَّد جَبْرُ عَبْدِه على الكتابة؟ قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة: ظاهر كلام الشيخ أن السيَّد لا يُجْبِر عَبْدَه على الكتابة، وهو كذلك على لمشهور. قال النفراوي: وقول المصنَلّف على ما رَضِيَه العبد والسيَّد إشارة إلى أن العبد لا يُدْبَر على الكتابة هو مشهور المذهب، وصدر به خليل حيث قال: ولم يُجْبَر العبد عليها. قال الخرشي: المشهور من المذهب أنّ العبد لا يُجْبِرُه سيَّده على الكتابة، نُصَّ عليه في الجلاب، وأخَذَ الجَبْرَ عليها من المدوَّنة، وإليه أشار بقوله: والمأخوذ منها الجَبْر، قال زروق: ولو طلب السيَّد جَبْرَ عَبْده على الكتابة فقال إسماعيل القاضي: له جَبْرُه وهو الآتي على ما في المدوَّنة، قال ابن رشد: اختلف في ذلك قول ابن القاسم: وعلى الدَبْرَ فترجع المراضاة للمقدار. ونصُّ ما رُوِي عن مالك ممَّا يدلُّ على الجَبْرَ قولها: ومن كاتب عَبْدَه على نفسه وعلى عَبْدٍ له غائب لزم العبد الغائب وإن كُرِه؛ لأن هذا يؤّدَّ عنه. قال النفراوي: وسبب الخلاف كون الكتابة من باب البيع فلا يُجْبَرُ عليها العبد أو من باب العَتْقِ فيُجْبَر اهـ. واللَّه أعلَم.
قال رحمه الله تعالى: "وَيُكْرَهُ كِتَابَةُ أَمَةِ لاَ كَسْبَ لَهَا" يعني واختلف ائمّتنا في المذهب في كراهة كتابة الأمَة التي لا مال لها ولا كَسْبَ ومثلهاالصغير. وفي المدوَّنة: تجوز كتابة الصغير ومَنْ لا حِرْفة له وإن كان يسأل. وقال غيره. لا تجوز كتابة الصبي إلاَّ أن تفوت بالأداء أو يكون بيده ما يؤدّي منه فيأخذه منه ولا يُتْرَك له، وكَرِهَ مالك كتابة أمَة لا كَسْبَ لها؛ لأنها تضيع نفسها أو يؤدّي ذلك لأمر آخر اهـ. نَقَله زروق في شرحه على الرسالة. وفي القوانين: واختُلِفَ في الصغير الضعيف عن الأداء هل يكاتب أم لا؟ وكذلك الأمَة التي لا صنعة لها اهـ. قال النفراوي: وأمّا الصغير الذي لا ماله له ولا قدرة له على الأداء ففيه خلاف بين ابن القاسم وأشهب: فعند ابن لاقاسم: لا بأس بكتابته، وعند أشهب: تمنع كتابته وتُفْسَخ إلاَّ أن تفوت بالأداء. والمعتمد الأوّل
[ ٣ / ٢٥٨ ]
كما قدّمنا وإليه ذهب خليل عاطفًا على الجواز بقوله: ومكاتبة أمَةٍ وصغير وإن بلا مَالٍ وكَسبٍ اهـ. ومثله في الدردير.
قال رحمه الله تعالى: "وَلِلْمكاتِبِ كَسْبُهُ وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ انْتِزَاعُ مَاله
ولا يعجزه ولا يطأ مكاتبة، فإن حملت خيرت بين بقائها مكاتبة وفسخها، وتصير أم ولد)، يعني كما في القوانين: والمكاتب في تصرفه كالحر، إلا فيما تبرع، فلا ينفذ عتقه ولا هبته، ولا يتزوج بغير إذن سيده، وله التسري بغير إذنه. اهـ.
وفي الرسالة: وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق، ولا يتزوج ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده. قال شارحها: ومفهوم العتق وما معه أنه لا يمنع من التصرفات المالية، ولذا قال العلامة خليل: وللمكاتب بلا إذن بيع وشراء ومشاركة ومقارضة ومكاتبة واستخلاف عاقد لأمته وإسلامها أو فداؤها إن جنت بالنظر، وسفر لا يحل فيه نجم وإقرار في ذمته وإسقاط شفعته لا عتق وإن قريبًا، وهبة وصدقة وتزوج وإقرار بجناية خطأ أو سفر بعد إلا بإذن، وإنما نص خليل على تلك الجزئيات جوازًا ومنعًا رفقًا بالمفتي. والضباط في ذلك: أن تقول: وللمكاتب التصرف بغير تبرع، ولذا قال ابن الحاجب: وتصرف المكاتب كالحر إلا في التبرع؛ لأنه مظنة لعجزه. اهـ. النفراوي. هذا معنى قوله: وللمكاتب كسب هذا وهو ظاهر؛ لأنه أحرز نفسه وماله، وليس للسيد انتزاع ماله كما تقدم، ولا تعجيزه ولا وطؤها إن كانت مكاتبة.
وفي الرسالة: وليس له وطء مكاتبته. قال: سواء قلنا: إن الكتابة بيع أو عتق؛ لأنها حررت نفسها ومالها، فإن تعدى ووطئ أدب ولا حد عليه للشبهة، وإنما يؤدب إذا كان عالمًا بحرمة الوطء لا إن كان جاهلًا أو غالطًا. قال خليل: وأدب إن وطئ بلا مهر وعليه نقص المكرهة، وذلك فيما إذا كانت بكرًا لا إن كانت ثيبًا، وإن حملت خيرت في البقاء وأمومة الولد إلا لضعفاء معها أو أقوياء لم يرضوا، وحط حصتها إن اختارت الأمومة، وإن اختارت البقاء على كتابتها فهي
[ ٣ / ٢٥٩ ]
مستولدة ومكاتبة، ونفقة حملها على سيدها كالمبتوتة، ثم إن أدت النجوم عتقت وإلا عتقت بموت سيدها من رأس المال. اهـ. النفراوي. قال مالك في رجل وطئ مكاتبة له: إنها إن حملت فهي بالخيار إن شاءت كانت أم ولد وإن شاءت أقرت على كتابتها، فإن لم تحمل فهي على كتابتها. اهـ. الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: (وله بيع الكتابة من أجنبي والنقد بعوض وبعكسه معجلًا ومن المكاتب كيف شاء، وهو أحق بها لا بيع نجم، وفي الجزء خلاف)، يعني كما في القوانين قال في المسألة الرابعة: لا يصح بيع رقبة المكاتب ولا انتزاع ماله، ويجوز بيع كتابته، خلافًا للشافعي، وعلى المذهب يبقى مكاتبًا، فإن وفى عتق وولاؤه لبائعها لا لمشتريها، وإن عجز أرقه مشتريها، ويشترط في ثمنها التعجيل؛ لئلا يكون بيع دين بدين. والمخالفة لجنس ما عقدت الكتابة به لئلا يكون ربًا. اهـ. أما لو وقع شراء الكتابة من المكاتب نفسه لجاز ذلك كيف شاء، وهو
أحق بشرائها من الأجنبي. قال خليل عاطفًا على الجائزات: وبيع كتابة أو جزء لا نجم، فإن وفى فالولاء للأول وإلا رق للمشتري. انظر الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: (فإذا أدى إلى مبتاعها عتق وولاؤه لسيده وإلا رق لمبتاعها كالموهوب والموصى له بها)، يعني فإذا أدى المكاتب ما عليه من النجوم لمشتريها عتق وولاؤه لبائعه وإلا رجع رقيقًا لمشتريها. قال في المدونة: لا بأس ببيع كتابة المكاتب، إن كانت عينًا فبعرض نقدًا، وإن كانت نقدًا فبعرض مخالف أو بعين نقدًا، وما تأخر كان دينًا بدين. قال عبد الوهاب: هذا إن باعها من غير العبد، وأما إن باعها منه فذلك جائز على كل حال، فإن باعها من غير العبد فإن وفى العبد فولاؤه لبائع الكتابة، وإن عجز رق لمشتريها. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (ويستحب أن يضع عنه شيئًا من آخرها، فإذا أعتق
[ ٣ / ٢٦٠ ]
تبعه ماله وولده الحادث أو المشترط فيها وأمته الحامل دون جنينها)، يعني أنه يستحب لمن كاتب عبده أن يضع عنه شيئًا منها، وأن يكون الوضع في آخر النجم منها على الاستحباب. قال المواق من المدونة والموطأ: قال مالك في قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي أتاكم﴾ [النور: ٣٣]: هو أن يضع عن المكاتب من آخر كتابته شيئًا. وقال أبو عمر: وهذا على الندب ولا يُقضى به، وقوله: فإذا أعتق تبعه ماله إلخ تقدم الكلام فيه عند قوله: ويتبع المعتق ماله، فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: (فإذا مات وترك وفاء عجل وعتق أو ورثوه، فإن لم يف وهم أقوياء سعوا وأدوا وعنقوا وإلا رقوا)، يعني كما في القوانين قال في المسألة الثالثة: تنفسخ الكتابة بموت العبد وإن خلف وفاء، إلا أن يكون له ولد يقوم بها فيؤديها حالة، ثم له ما بقي ميراثًا دون سائر ولده، وقال الدردير كما في المختصر: وفسخت إن مات وإن عن مال إلا لولد أو غيره دخل معه بشرط أو غيره، فتؤدي حالة ويرثه من معه فقط إن عتق عليه كفرعه أو أصله، فإن لم يترك وفاء وقوي من معه على السعي سعى وترك للولد متروكه إن أمن وقوي وإلا فلأم ولده كذلك. اهـ. وفي الرسالة: وإذا مات وله ولد قام مقامه وأدى من ماله ما بقي عليه حالًا، وورث من معه من ولده ما بقي، وإن لم يكن في المال وفاء، فإن أولاده يسعون فيه ويؤدون نجومًا إن كانوا كبارًا، وإن كانوا صغارًا، وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا، وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده. اهـ. انظر النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: (ولا يعجز نفسه ولا يتبرع ولا يحابي ولا يعتق ولا ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده)، يعني أنه لا يجوز للمكاتب أن يعجز نفسه، ولا يفعل شيئًا مما يؤدي إلى تعجيزه من التبرع والعتق والنكاح وغيرها إلا بإذن السيد.
قال ابن جزي في القوانين: يحصل العتق بأداء جميع العوض، فإن بقي منه شيء لم يعتق، وإن
[ ٣ / ٢٦١ ]
عجز عن أداء النجوم أو عن أداء نجم منها رُق، وفسخت الكتابة بعد أن يتلوم له الأيام بعد الأجل، فلو امتنع من الأداء مع القدرة لم تفسخ وأخذ من ماله، وليس له تعجيز نفسه إن كان له ماله ظاهر، خلافًا لابن كنانة، فإن لم يكن له مال ظاهر كان له تعجيز نفسه. وقال سحنون: لا يعجزه إلا السلطان. اهـ. قال رحمه الله تعالى: (وله مقاطعته إلى شيء معجل)، يعني كما قال الخرشي ونصه: والقطاعة بسكر القاف أفصح، وهي اسم مصدر لقاطع، والمصدر: المقاطعة، ولها صورتان: إحداهما: أن يكاتبه على مال حال. والثانية: أن يفسخ ما عليه في شيء يأخذه منه وإن لم يكن حالًا. اهـ. وفي الحطاب: والكتابة الحالة تسمى بالقطاعة. قاله ابن رشد في اللباب ونصه: قال الأستاذ أبو بكر: وظاهر قول مالك أن التأجيل شرط في الكتابة. قال علماؤنا: النظارة يجيزون الكتابة الحالة ويسمونها القطاعة. وتطلق القطاعة أيضًا على ما يفسخ السيد في كتابة العبد. قال في التنبيهات: والقطاعة بفتح القاف وكسرها أيضًا هي مقاطعة السيد عبده المكاتب على مال بتعجله من ذلك، وأخذ العوض منه معجلًا أو مؤجلًا، وكأنه ما انقطع طلبه عنه بما أعطاه وانقطع له بتمام حريته بذلك، أو قطع بعض ما كان له عنده من جملته، وهذا جائز عند مالك وابن القاسم بكل ما كان، وبما لا يجوز بين رب المال وغريمه، عجل العتق لقبض جميعه أو أخره لتأخير بعضه، عجل قبض ما قاطع عليه أو أخره، وسحنون لا يجيزها إلا بما يجوز بين الأجنبي وغريمه. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وإذا أسلم مكاتب الذمي، فإن نجزه وإلا بيعت عليه من مسلم)، يعني إذا أسلم مكاتب الذمي فإن نجز عتقه فذلك وإلا بيعت عليه الكتابة لمسلم. قال خليل: ومضت كتابة الكافر لمسلم وبيعت كأن أسلم. قال في التهذيب: إذا كاتب النصراني عبدًا له مسلمًا ابتاعه أو كان عبده أو أسلم مكاتب له فإن كتابته تباع من مسلم، ثم قال: وإذا أسلم أحد مكاتبي الذمي في كتابة واحدة بيعت كتابتهما جميعًا ولا تفرق.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
انظر التهذيب فالمسألة فيه مبسوطة ومبينة. اهـ. كما في المواق.
قال رحمه الله تعالى: (ومن أوصى له بكتابته جعل في الثلث الأقل من قيمته أو قيمتها وأحكامه كالعبد)، يعني كما قال مالك في الموطأ في رجل كاتب عبده عند موته: إنه يقوم عبدًا، فإن كان في ثلثه سعة لثمن العبد جاز ذلك. قال: وتفسير ذلك أن تكون قيمة العبد ألف دينار فيكاتبه سيده على مائتي دينار عند موته فيكون ثلث مال سيده ألف دينار فذلك جائز له، وإنما هي وصية أوصى له بها في
ثلثه، فإن كان السيد قد أوصى لقوم بوصايا وليس في الثلث فضل عن قيمة المكاتب بدئ بالمكاتب؛ لأن الكتابة عتاقة، والعتاقة تقدم على الوصايا، ثم تجعل تلك الوصايا في كتابة المكاتب يتبعونه بها، ويخير ورثة الموصي، فإن أحبوا أن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم كاملة وتكون كتابة المكاتب لهم فذلك لهم، وإن أبوا وأسلموا المكاتب وما عليه إلى أهل الوصايا فذلك لهم؛ لأن الثلث صار في المكاتب، ولأن كل وصية أوصى بها أحد فقال الورثة: الذي أوصى به صاحبنا أكثر من ثلثه وقد أخذ ما ليس له، فقال: فإن ورثته يخيرون فيقال لهم: قد أوصى صاحبكم بما قد علمتم، فإن أحببتم أن تنفذوا ذلك لأهله على ما أوصى به الميت، وإلا فأسلموا لأهل الوصايا ثلث مال الميت كله. قال: فإن أسلم الورثة المكاتب إلى أهل الوصايا كان لأهل الوصايا ما عليه من الكتابة، فإن أدى المكاتب ما عليه من الكتابة أخذوا ذلك في وصاياهم على قدر حصصهم، وإن عجز المكاتب كان عبدًا لأهل الوصايا لا يرجع إلى أهل الميراث؛ لأنهم تركوه حين خيروا؛ لأن أهل الوصايا حين أسلم إليهم ضمنوه، فلو مات لم يكن لهم على الورثة شيء، وإن مات المكاتب قبل أن يؤدي كتابته وترك مالًا هو أكثر مما عليه فماله لأهل الوصايا، وإن أدى المكاتب ما عليه عتق ورجع ولاؤه إلى عصبة الذي عقد كتابته. اهـ. الموطأ.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بالكتابة وأحكامها انتقل يتكلم على ما يتعلق بمسائل التدبير والمدبر فقال رحمه الله تعالى:
[ ٣ / ٢٦٣ ]
فَصْلٌ
في التدبير والمدبر
أي في بيان ما يتعلق بأحكام التدبير والمدبر، والتدبير لغة: النظر في عاقبة الأمر والتفكير فيه، وعرفًا: تعليق السيد المكلف الرشيد عتق رقيقه على موته، كأن يقول لعبده: إذا أقبلت على الله وأدبرت عن الدنيا فأنت حر، وحكمه أنه مستحب، دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] ونحوه، وأما السنة فقوله ﷺ: «لا يباع المدبر ولا يوهب وهو حر من الثلث»، وأما الإجماع فقد انعقد إجماع الأمة على أنه قربة، فقال رحمه الله تعالى: (من قال لعبده: أنت مدبر أو دبرتك أو أنت حر عن دبر مني عتق بموته من ثلثه أو محمله)، يعني أي مكلف رشيد مالك وإن زوجة قال لعبده أو لأمته: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني أو دبرتك فإنه يعتق بمجرد موته من ثلث ماله أو ما حمله الثلث، فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق قدر ما حمله ورق الباقي. قال الدردير: لأن التدبير إنما يخرج من الثلث، فإذا كانت قيمته
خمسة وترك سيده خمسة ولا دين على سيده فثلث التركة ثلاثة وثلث هي قيمة ثلثي المدبر فيعتق ثلثاه ويرق ثلثه. اهـ. قال في الرسالة: والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني، ثم لا يجوز له بيعه، وله خدمته وله انتزاع ماله ما لم يمرض، وله وطؤها إن كانت أمة. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فإن لم يترك غيره عتق ثلثه)، يعني أن السيد إذا دبر عبده وليس له مال غيره، فإذا مات عتق ثلث العبد، قال مالك في رجل دبر غلامًا له فهلك السيد ولا مال له إلا العبد المدبر وللعبد مال قال: يعتق ثلث المدبر، ويوقف ماله بيديه. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فلو بعضه سرى في جميعه)، يعني لو دبر بعض العبد فإن
[ ٣ / ٢٦٤ ]
التدبير يسري في جميعه. قال في الرسالة: ومن أعتق بعض عبده استتم عليه، أي لأن العتق يسري في جميع العبد المعتوق كما يسري في المدبر وغيره. قال شارحها: يعني أن من أعتق جزءًا ولو يدًا أو رجلًا من عبده الذي يملك جميعه، فإن الباقي يعتق عليه بالحكم. ويشمل القن المحض والمدبر والمعتق إلى أجل وأم الولد والمكاتب؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم كما تقدم، وإنما يلزم ذلك إذا كان المعتق مسلمًا مكلفًا رشيدًا لا دين عليه يرد العبد أو بعضه. وأما لو أعتق الكافر عبده الكافر فله الرجوع فيه إلا أن يسلم أحدهما أو يبين العبد عن سيده. اهـ. النفراوي بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: (ولو كان مشتركًا خير الشريك بين التقويم والمقاومة، فإن صار له رق وإن صار للمدبر سرى)، يعني كما قال مالك في الموطأ والمدونة في العبد يكون بين الرجلين فيدبر أحدهما حصته: إنهما يتقاومانه فإن اشتراه الذي دبره كان مدبرًا كله، وإن لم يشتره انتقض تدبيره، إلا أن يشاء الذي بقي له فيه الرق أن يعطيه شريكه الذي دبره بقيمته، فإن أعطاه إياه بقيمته لزمه ذلك وكان مدبرًا كله. اهـ. راجع شرح الباجي عليه.
قال رحمه الله تعالى: (وليس له نقضه إلا أن يستغرقه أو بعضه دين فيباع منه ما يقابله)، يعني ليس للسيد نقض التدبر إذا دبر عبده، إلا أن يستغرق الدين قيمة المدبر فيباع له. قال في القوانين: وليس للسيد الرجوع في التدبير، بخلاف الوصية بالعتق فله الرجوع فيها. ثم قال في آخر الباب: ويبطل التدبير بقتل المدبر لسيده عمدًا أو باستغراق الدين له وللتركة. اهـ. ومثله في أقرب المسالك تبعًا لما في المختصر، وقال شارحه الخرشي: يعني أن المدبر إذا قتل سيده عمدًا عدوانًا لا في باغية فإن تدبيره يبطل إن استحياه الورثة، أما لو قتل سيده خطأ، فإن تدبيره لا
يبطل، ويعتق في مال سيده الذي تركه، ولم يعتق في الدية وهي دين عليه ليس على العاقلة منها شيء؛ لأنه إنما صنع ذلك وهو مملوك ولا تحمل على عاقلته. وكذلك يبطل التدبير أيضًا
[ ٣ / ٢٦٥ ]
باستغراق الدين للمدبر وللتركة، كما لو ترك السيد عشرة مثلًا وقيمة المدبر خمسة وعليه دين خمسة عشر فقط استغرق الدين للمدبر وللتركة؛ لأن الدين مقدم على ما يخرج من الثلث، وظاهره سواء كان الدين سابقًا على التدبير أو لاحقًا له، وهو واضح إذا قام الغرماء بعد موته السيد، وأما إن قاموا في حياته فإن كان الدين سابقًا على التدبير فإنه يباع للغرماء، وإلا فلا كما في المدونة. وكذلك يبطل بعض التدبير بسبب مجاوزته لثلث السيد، كما لو ترك السيد عشرة وقيمة المدبر عشرة فثلث التركة ستة وثلثان هي قيمة ثلثي المدبر فيعتق ثلثاه ويرق ثلثه. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وله مقاطعته ومكاتبته، فإن أدى تعجل عتقه وإلا بقي مدبرًا. وله استخدامه وانتزاع ماله ما لم يمرض مرض الموت ويتبع الحامل ولدها)، يعني للسيد أن يقاطع المدبر بشيء معلوم يتعجل أداءه حالًا أو يتأخر به، فإن عجله عتق وإلا بقي كما هو مدبرًا. وأيضًا للسيد أن يكاتب المدبر إن علم فيه خيرًا وقدر على أداء النجوم كما تقدم، وله استخدامه. قال ابن جزي: ويجوز له وطء مدبرته عند الجمهور، بخلاف المكاتبة، وله أن يستخدم المدبر والمكاتب ويؤاجرهما. وقال أي ابن جزي في مال المدبر: أما في حياة سيده فهو لسيده وله انتزاعه منه ما لم تحضر الوفاة أو يفلس، وليس لغرمائه أخذ ماله، وأما بعد وفاة السيد فيقوم ماله معه كأنه جزء منه، ويسمى مجموع قيمته وما له من الثلث حسبما تقدم، فيأخذ منه ماله مقدار ما يعتق من رقبته حسبما ذكرنا. اهـ. القوانين.
قال رحمه الله تعالى: (ويؤجر مدبر الذمي يسلم من مسلم وقيل يباع)، يعني كما قال مالك في الموطأ في رجل نصراني دبر عبدًا له نصرانيًا فأسلم العبد قال مالك: يحال بينه وبين العبد ويخارج على سيده النصراني ولا يباع عليه حتى يتبين أمره فإن هلك النصراني وعليه دين قضى دينه من ثمن المدبر إلا أن يكون في ماله ما يحمل الدين
[ ٣ / ٢٦٦ ]
فصل في أم الولد
فيعتق المدبر. اهـ. قال الشارح: وهذا على ما قال: إن النصراني إذا دبر عبده النصراني ثم أسلم العبد فإنه انتهى إلى حكم بين مسلم ونصراني ينظر فيه على حكم الإسلام، ولا يجوز بيع المدبر فيلزم نماؤه على حكم التدبير لكنه تزال يد السيد عنه ويخارج له؛ لأن الذي بقي له فيه منافعه، فيمنع من مباشرة استيفائها ويباع من غيره من المسلمين فيستوفيها ويدفع إليه ثمنها، فإن مات النصراني عن دين يستغرق ماله بيع المدبر وقضي منه دينه، وإن لم يكن عليه دين أعتق في ثلثه
أو ما حمل منه ثلثه على حسب ما يفعل لو كان السيد مسلمًا لا فرق بينهما إلا في إزالة يده عنه ومنعه من استخدامه. والله أعلم وأحكم. اهـ. انظر المنتقى للباجي.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل التدبير والمدبر انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام أم الولد فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في أم الولد
أي في بيان ما يتعلق بأحكام الأمة التي استولدها سيدها وتسمى أم ولد لإتيانها به من سيدها. قال العلامة الدردير: أم الولد هي الحرة حملها من وطء مالكها. وقال الصاوي في حاشيته عليه: وأم الولد في اللغة: عبارة عن كل من لها ولد وهي في استعمال الفقهاء: خاصة بالأمة التي ولدت من سيدها الحر. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (تعتق المستولدة بالموت من رأس المال وإن كان مدينًا ولم يترك غيرها أو استولدها بعد استدانته أو وضعت غير مخلق)، يعني كما قال في أقرب المسالك: وتعتق من رأس ماله إن أقر بوطئها ووجد الولد أو ثبت إلقاء علقة ففوق ولو بامرأتين. وفي الرسالة: وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد. قال في القوانين: فمن وطئ أمته فحملت صارت له أم ولد، سواء وضعته كاملًا أو مضغة أو
[ ٣ / ٢٦٧ ]
علقة أو دمًا إذا علم أنه حمل. وقال أشهب: لا تكون أم ولد بالدم المجتمع، ويرد قول أشهب أن يقال: بأن المراد بالدم المجتمع هو الذي يسمى علقة إذا صب عليه الماء الحار لا يذوب بل يزيد تجمدًا، وهذا معنى قوله: أو وضعت غير مخلق كما سبق آنفًا، وهو معنى قول الرسالة: وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد فتأمل. اهـ بمعناه.
قال رحمه الله تعالى: (ولا يجوز له إخراجها عن ملكه بغير العتق وله الاستمتاع بها والاستخدام الخفيف)، يعني أنه لا يجوز للسيد أن يبيع أم ولده، ولا أن يهبها ولا أن يفعل بها شيئًا مما يؤدي إلى خروجها عن ملكه إلا العتق، وفي الرسالة: فله أن يستمتع منها في حياته وتعتق من رأس ماله بعد مماته، ولا يجوز بيعها ولا له عليها خدمة ولا غلة، وله ذلك في ولدها من غيره، وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعتقها. اهـ. وحاصل ما نقل عن عياض، ﵁، أنه قال: لأم الولد حكم الحرائر في ستة أوجه، وحكم العبيد في أربعة أوجه. فأما الستة فلا خلاف عندنا أنهن لا يبعن في دين ولا غيره ولا يرهن ولا يوهبن ولا يؤجرن (١) ولا يسلمن في جناية ولا يستسعين، وأما الأربعة: فانتزاع أموالهن ما لم يمرض
السيد، وإجبارهن على النكاح على قول، واستخدامهن لكن في خفيف الخدمة فيما لا يلزم الحرة، والاستمتاع بهن وله أرش الجناية عليهن. وزيد على ذلك: عدم شهادتهن، وحدهن نصف حد الحرة وعدم إرثهن وعدم القيم لهن في المبيت اهـ. نقله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: (ولو اشترى زوجته بعد وضعها لم تكن به أم ولد)، يعني أن الزوج لو اشترى زوجته بعد وضعها من حملها منه لا تكون بذلك الوضع أم ولد له؛ لأنه قبل الشراء، أما لو اشتراها وهي حامل منه لكانت به أم ولد. قال
_________________
(١) أي إلا برضاهن، قاله خليل في المختصر.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
خليل: مشبه بها كاشتراء زوجته حاملًا لا بولد سبق. قال ابن شرد: اختلف قول مالك فيمن تزوج أمة ثم اشتراها وهي حامل، فمرة قال: إنها تكون أم ولد؛ لأنه عتق عليه وهو في بطنها، وهو مذهب ابن القاسم، وأكثر أصحاب مالك، وبه العمل كما في أقرب المسالك، وأما لو وضعت قبل الشراء فلا تكون به أم ولد، وإليه أشار خليل بقوله: لا بولد سبق. وفي المدونة: إن اشترى زوجته وقد كانت ولدت منه قبل الشراء لم تكن به أم ولد، إلا أن يشتريها حاملًا منه اهـ. نقله المواق. انظر الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: (وفي أمة المكاتب والمدبر روايتان)، فالمشهور صيرورتهما أم ولد بوطء سيد المكاتب والمدبر إن حملتا. قال الدردير: أو حمل من وطء شبهة إلا أمة مكاتبه فتكون له أم ولد، أي من وطئ أمة عبده المكاتب فحملت منه فإنها تكون أم ولد للواطئ ولا حد عليه للشبهة، ويغرم قيمتها لمكاتبه، وتعتبر قيمتها يوم الحمل، فإن لم تحمل فلا يملكها ولا يغرم لها قيمة. اهـ. بطرف من الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: (وفي إسلام مستولدة الذمي يعرض عليه الإسلام فإن أبى فهل تعتق أم تباع عليه؟ روايتان)، والصحيح أنها تعتق ولا تباع، ويكون ولاؤها لجميع المسلمين، إلا أن يسلم سيدها بعد ذلك فيرجع إليه ولاؤها. قال مالك في المدونة في مكاتب الذمي إذا أسلم فأدى كتابته: إن ولاء للمسلمين، فإن أسلم سيده بعد ذلك رجع إليه ولاؤه؛ لأنه عقد كتابته وهو على دينه، فكذلك أم الولد. اهـ. قال الباجي في شرحه على الموطأ:
مسألة: ولو أسلم عبد لنصراني فدبره النصراني ففي المزنية من رواية عبد الرحمن بن دينار، عن أبي حازم: يباع عليه ولا ينفعه تدبيره؛ لأنه لا يجوز ملكه حين أسلم. وروى عيسى، عن ابن القاسم: لا يباع عليه ويحال بينه وبينه ويخارج عليه، وإخراجه من يده يقوم مقام بيعه عليه، وإبقاؤه على حكم العتق
أفضل من بيعه؛ لأن ذلك رد له
[ ٣ / ٢٦٩ ]
إلى الرق، فإن مات النصراني وخرج من ثلثه عتق عليه، وإن ترك دينًا يغترقه بيع وقضي منه بثمنه، وكان بيعه الآن كبيعه يوم دبره، والله أعلم وأحكم. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وأحكامها أحكام الأرقاء مدة حياة السيد، والله أعلم)، يعني كما في القوانين لابن جزي لأنه عقد فيه فصلًا شاملًا في الكلام على أم الولد وأحكامها في حياة سيدها، بعد مماته على مشهور المذهب وبعض ما ذهب إليه الأئمة، فقال: أما في حياة السيد فأحكامها أحكام المملوك في منع الميراث وفي الحد في الزنا وغير ذلك، ولسيدها وطؤها إجماعًا، ولا يجوز له استخدامها إلا في الشيء الخفيف، ولا مؤاجرتها خلافًا للشافعي، ولا يجوز له بيعها عند الجمهور وفاقًا لعمر وعثمان، ﵄، وأجازه الظاهرية وفاقًا لأبي بكر وعلي، ﵄، وإن جنت جناية لم يسلمها كما يسلم الأمة بل يفكها بالأقل من أرش الجناية أو قيمة رقبتها، وأما إذا مات السيد عتقت أم ولده من رأس ماله، وإن لم يترك مالًا غيرها، ولحقت بالأحرار في الميراث والحد والجناية وغير ذلك. اهـ. والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بأحكام أم الولد انتقل يتكلم على أحكام الوصايا وما يتعلق بمسائلها، فقال رحمه الله تعالى:
[ ٣ / ٢٧٠ ]