أي في بيان ما يتعلق بأحكام الميراث، والمواريث جمع ميراث، ويطلق بمعنى الإرث وهو المقصود بالترجمة، وهو لغة: البقاء وانتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين، والانتقال إما حقيقة كانتقال المال، أو معنى كانتقال العلم، ومنه العلماء ورثة الأنبياء. وأما معناه شرعًا: فهو حق قابل للتجزي يثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك. اهـ. من حاشية البقري على الرحبية باختصار. واعلم أن هذا العلم كفاه فخرًا وشرفًا أن الله تعالى هو الواضع له، لما روي عنه ﵊ أنه قال: «إن الله تعالى لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، ولكن تولى قسمتها بنفسه أبين قسمة، ولا وصية لوارث» اهـ. فلله در القائل حيث قال:
علم الفرائض علم لا نظير له يكفيك أن قد تولى قسمه الله
وبين الحظ تبيانًا لوارثه فقال سبحانه ﴿يوصيكم الله﴾
وفي الكلالة فتيا الله منزلة فبان تشريف ما أفتى به الله اهـ
أشار بقوله: يوصيكم الله، إلى ما في سورة النساء من قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] إلى آخر الآيتين، أما قوله في الكلالة، فهو إشارة إلى كلالتين: الأولى: في قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ [النساء: ١٢]، والثانية في آخر السورة في قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] إلخ، فاحرص على الفرق بين كلالتين؛ لأن الأولى غير الثانية. وقد رغب رسول الله ﷺ في تعليم علم الفرائض حيث قال: تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإن هذا العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما اهـ. رواه الإمام أحمد
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وغيره. والحقوق المتعلقة بالتركة خمسة باستقراء الفقهاء. قال أستاذنا في بعض مقدماته: الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة مرتبة: الأول: الحق المتعلق بعين التركة. الثاني: مؤمن التجهيز بالمعروف. الثالث: الديون المرسلة في الذمة. الرابع: الوصايا بالثلث فما دونه لأجنبي. الخامس: الإرث. اهـ. واعلم أن الإرث له أركان وأسباب وشروط وموانع. فأركانه ثلاثة: وارث ومورث وشيء موروث. وأسبابه أربعة:
القرابة المخصوصة، والولاء، وجهة الإسلام في الصرف إلى بيت المال، والنكاح ولو مختلفًا فيه ولو لم يحصل دخول. وشروطه ثلاثة: تقدم موت المورث واستقرار حياة الوارث بعده والعلم بالجهة المقتضية للإرث اهـ النفراوي. وإلى جميع ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: (أسبابها نسب وولاء ونكاح)، يعني أن أسباب الإرث عندنا أربعة: القرابة وهي المعبرة بالنسب وهي البنوة والأبوة والإدلاء بأحدهما. ومن أسباب الإرث: الولاء، وتقدم الكلام فيها عند قول المصنف: والإرث به للعصبة، فيقدم الابن على الأب والأخ وابنه على الجد والجد على العم ثم الأقوى فالأقوى، فراجعه إن شئت في الولاء. وأما النكاح فهو من أسباب التوارث بين الزوجين، وتقدم أنه من أسباب الإرث ولو كان النكاح مختلفًا فيه أو قبل الدخول فإنه يثبت به التوارث. قال في القوانين: أسباب التوارث خمسة: نسب ونكاح وولاء عتق ورق عبودية وبيت المال اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وموانعها كفر ورق وقتل عمد وقاتل الخطأ عن الدية ولا عبرة بالتغير بعد الموت إلا لحوق النسب)، يعني كما قال أبو الحسن شارح الرسالة في العزية: يمنع الميراث اختلاف الدينين، فلا توارث بين مسلم وكافر ولا بين اليهودي والنصراني، والرق، فلا يرث الرقيق ولا يورث وما مات عنه فهو لمالكه. والقتل، فلا ميراث لمن قتل مورثه عمدًا. وانتفاء النسب باللعان، فينقطع التوارث بين الملاعن والولد فقط. واستبهام المتقدم والمتأخر في الموت، كما إذا مات أقارب تحت هدم
[ ٣ / ٢٨٨ ]
مثلًا اهـ. قوله: إلا لحوق النسب يعني إذا قتل الأب ابنه المنفي عنه بلعان ثم لاحقه فإنه يعتبر إلحاقه؛ لأن استلحاقه يدفع المعرة عن أمه. وفي الكواكب الدرية في ولدي الملاعنة أنهما شقيقان، إذ لو رجع عن اللعان واستلحقهما لحقا، قلت: فلحوق ولد الملاعنة لأبيه بعد أن قتله معتبر فيه ينظر في صفة قتله بين أن تكون عمدًا فلا يرثه لا في المال ولا في الدية وبين أن تكون خطأ فيرث المال دون الدية ولا قصاص عليه فتأمل اهـ. بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: (وفي استبهام الموت يرث كلا أحياء ورثته لا بعضهم من بعض ويمنع من الجنين له إلا بأمارة تدل على حياته)، يعني أن الاستبهام يمنع الإرث وهو عدم العلم بالمتقدم في الموت، وإذا مات إخوان تحت هدم معًا أو غرقًا أو حرقًا معًا أو مترتبين وجهل السابق لا موارثة بينهما. قال الدردير: ولا من جهل تأخر موته فيفرض أن كل واحد لم يخلف صاحبه، وإنما خلف الأحياء فلا يرث من مات معه ولا يحجب وارثًا كما أن الجنين لا يرث ولا يورث إلا إذا استهل صارخًا وتحقق حياته أو دلت فيه أمارة الحياة ظاهرة فحينئذ يثبت له الإرث ويرثه ورثته الأحياء.
ثم انتقل إلى ذكر عدد الوارثين من الرجال والنساء فقال رحمه الله تعالى: (والوارثون عشرة)، أي من الرجال عن طريق الاختصار هم: (الأب وأبوه وإن علا والابن وابنه وإن سفل والأخ وابن الأخ إلا من الأم والعم وابنه كذلك والزوج والمولى) (والوارثات سبع) أي من النساء على طريق الاختصار وهن: (الأم وأمها وأم الأب وإن علتا والبنت وابنة الابن وإن نزلت والأخت والزوجة والمولاة) هذا الطريق وهو طريق الاختصار هو الذي مشى عليه أكثر أئمة المذهب، ومشى غيرهم على طريق البسط، فعدتهم خمسة عشر وارثًا ومن النساء عشر وارثات، وبه أخذ بعض أئمتنا وهو مذهب الجمهور، وإليه أشار العلامة ابن جزي في القوانين بقوله: والوارثون عند أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت ومالك والشافعي هم الذين أجمع على
[ ٣ / ٢٨٩ ]
توريثهم لا غير، فمن الرجال خمسة عشر: الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد وإن علا والأخ الشقيق والأخ للأب والأخ للأم وابن الأخ الشقيق وابن الأخ للأب والعم الشقيق والعم للأب وابن العم الشقيق وابن العم للأب والزوج والمولى. ومن النساء عشر: البنت وبنت الابن وإن سفل والأم والجدة للأم والجدة للأب والأخت الشقيقة والأخت للأب والأخت للأم والزوجة والمولاة اهـ.
(مهمات عظيمات الفائدة) وهي ثمانية: إحداها: كل ذكر مات وخلف جميع من يرث من الذكور لا يرث منهم إلا اثنان: الأب والابن، ووجهه أن الأب يحجب من كان من جهته كالجد والأعمام والإخوة، والابن يحجب كل من كان من جهته كابنه وإن نزل. وثانيتها: كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من النساء لا يرثه منهن إلا خمس: الأم والبنت وبنت الابن والزوجة والأخت الشقيقة، ومن عداهن محجوب بهن على التوزيع. وثالثتها: كل ذكر مات وخلف جميع من يرث من الرجال والنساء فلا يرثه منهم إلا خمسة: الابن والأب والأم والزوجة والبنت. ورابعتها: كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من الذكور لم يرثها منهم إلا ثلاثة: الابن والأب والزوج. وخامستها: كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من النساء لا يرثها إلا أربع: البنت وبنت الابن والأخت لغير الأم والأم. وسادستها: كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من الذكور والإناث لا يرث منهم سوى خمسة: الأب والأم والابن والبنت والزوج. وسابعتها: إذا انفرد واحد من الذكور ورث جميع المال إلا الزوج والأخ للأم إلا أن يكون الزوج أو الأخ للأم ابن عم أو يكون مولى. وثامنتها: أن كل من انفرد من النساء لا يحوز جميع المال إلا المعتقة اهـ. أفاده النفراوي في الفواكه بحذف.
ثم ذكر الفروض فقال رحمه الله تعالى: (والفروض ستة: النصف للبنت
تنفرد وبنت الابن والشقيقة والتي للأب والزوج مع عدم الحاجب وله الربع مع
[ ٣ / ٢٩٠ ]
وجوده وللزوجة فصاعدًا مع عدمه ولهن الثمن معه والثلثان للاثنتين فصاعدًا من ذوات النصف. والثلث للأم غير محجوبة وللاثنين فصاعدًا من ولدها بالسوية والسدس لواحدهم وللأم محجوبة وللجدة والجدتين ولا يرث أكثر من جدتين وبنت الابن فصاعدًا في درجة مع الصلبية والسفلى مع العليا وللأخت للأب فصاعدًا مع الشقيقة ويسقطن مع الشقيقتين إلا مع أخ يعصبهن) يعني أخبر رحمه الله تعالى أن الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: (النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس).
أما (النصف) ففرض خمسة: البنت إذا انفردت وبنت الابن عند عدم بنت الصلب والأخت الشقيقة والتي للأب عند عدم الشقيقة والزوج عند عدم الحاجب كما يأتي بيان جميع ذلك عن قريب. الزوج يستحق النصف بشرط واحد وهو ألا يكون للزوجة فرع وارث، فإن كان لها فرع وارث انتقل الزوج عن النصف إلى الربع. وتستحق بنت الصلب النصف بشرطين: ألا يكون لها معصب، فإن كان لها معصب يكون المال لهما أو لهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وألا تكون لها مماثل أي بنت مثلها، فإن كان لها مماثل فلهما أو لهن الثلثان. وتستحق بنت الابن النصف بثلاثة شروط: ألا يكون للميت ولد صلب، فإن وجد فإن كان ذكرًا أو أنثيين حجبت بنت الابن، وإن كانت أنثى واحدة فلبنت الابن السدس تكملة الثلثين، ومثل ولد الصلب ولد ابن أعلى منها درجة، وألا يكون لها معصب أي ابن ابن في درجتها ومثله أنزل منها إذا كانت لولاه لكانت محجوبة، وتكون معه للذكر مثل حظ الأنثيين. وألا تكون لها مماثل أي بنت ابن مثلها واحدة فأكثر في درجتها، فإن وجدت كان لهما أو لهن الثلثان. وتستحق الأخت الشقيقة النصف بخمسة شروط: ألا يكون للميت ولد صلب، فإذا وجد ولد صلب فإن كان ذكرًا حجبها، وإن كان أنثى ولو متعددة كانت الأخت عصبة معها،
[ ٣ / ٢٩١ ]
ومثله ولد الابن. ولذا قال: وألا يكون ولد ابن ولا معصب أي أخ شقيق يعصبها وتكون معه للذكر مثل حظ الأنثيين. وألا مماثل لها فإذا وجدت أخت مثلها في درجة يكون الثلثان لهما أو لهن إن كثرن. وألا يكون للميت أب فإذا كان له أب حجبها. وتستحق الأخت للأب النصف بستة شروط: أن يكون ولد صلب ولا ولد ابن ولا معصب ولا مماثل ولا أب ولا أحد من الأشقاء، فإذا وجد أحد من هؤلاء فكما تقدم في الشقيقة، وإذا وجد أحد من الأشقاء فإن كان ذكرًا أو أنثيين حجبت الأخت للأب وإن كانت شقيقة واحدة فللأخت للأب السدس تكملة الثلثين.
وأما (الربع) فهو فرض اثنين: الزوج والزوجة أو الزوجات. يستحق الزوج الربع بشرط واحد هو أن يكون للزوجة فرع وارث، فإن لم يكن لها فرع وارث فله النصف كما سبق. وتستحق الزوجة أو الزوجات الربع بشرط واحد هو ألا يكون للزوج فرع وارث، فإن كان له فرع وارث فلها أو لهن الثمن بالسوية بينهن.
وأما (الثمن) فهو فرض الزوجة أو الزوجات إذا كان للميت فرع وارث، فإن لم يكن للميت فرع وارث كان لها أو لهن الربع كما سبق.
وأما (الثلثان) ففرض أربعة: بنتي صلب فأكثر وبنت ابن فأكثر وأختين شقيقتين فأكثر وأختين للأب فأكثر. تستحق بنتا الصلب الثلثين بشرط واحد هو ألا يكون لهما معصب ابن صلب، فإن وجد يكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وتستحق بنتا الابن الثلثين بشرطين: ألا يكون للميت ولد صلب ولا ولد ابن أقرب منهما، فإن وجد أحدهما فإن كان ذكرًا أو أنثيين حجبتا، وإن كان أنثى واحدة فلهما السدس تكملة الثلثين. وألا يكون لهما معصب وهو ابن ابن في درجتهما، فإن وجد فيعصبهما ويكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وتستحق الشقيقتان الثلثين بأربعة شروط: ألا يكون للميت ولد صلب ولا ولد ابن، فإن وجد أحدهما فإن كان ذكرًا
[ ٣ / ٢٩٢ ]
حجبهما وإذا كان أنثى واحدة فأكثر كانت الشقيقتان عصبة معها أو معهن. وألا يكون لهما معصب وهو الشقيق، فإن وجد لهما أخ شقيق يكونان أو يكون معه للذكر مثل حظ الأنثيين. وألا يكون أب فإن كان أبوهما موجودًا حجبهما؛ لأنهما أدليا به. وتستحق الأختان للأب الثلثين بخمسة شروط: ألا يكون للميت ولد صلب ولا ولد ابن ولا معصب ولا أب ولا أحد من الأشقاء، فإن وجد أحد من الأشقاء فإن كان ذكرًا أو أنثيين حجب اللواتي للأب، وإن كانت أنثى واحدة فلهما أو لهن السدس ومع ولد الصلب وولد الابن والمعصب والأب فكما تقدم في الشقيقتين.
وأما (الثلث) فهو فرض ثلاثة: الأم والإخوة للأم والجد في بعض أحواله كما سيأتي كلامه خاصة. وتستحق الأم الثلث بشرطين: ألا يكون للميت فرع وارث. وألا يكون اثنان فأكثر من الإخوة والأخوات، فإن كان فرع وارث أو عدد من الإخوة والأخوات فللأم السدس. ويستحق الإخوة للأم الثلث إذا لم يحجبوا، ويحجبهم أصل ذكر هو أب أو جد أو فرع وارث ذكرًا كان أو أنثى. ويشترط أن يكونا اثنين فأكثر، فإذا كان منفردًا سواء كان ذكرًا أو أنثى فله السدس، أما إذا تعدد إخوة لأم ذكورًا أو إناثًا أو مجتمعين فإنهم يقسمون الثلث بينهم بالسوية: الذكر كالأنثى.
وأما (السدس) فهو فرض سبعة: الأب، والجد، والأم، والجدة، وبنت الابن، والأخت للأب، والأخ للأم منفردًا ذكرًا كان أو أنثى، يستحق الأب السدس إذا كان
للميت فرع وارث ذكر، فإن لم يكن فرع وارث ذكر فهو العصبة، يأخذ ما بقي بعد أهل الفرض أو جميع المال إن لم يكن أحد من أهل الفرض. ويستحق الجد السدس بشرطين: أن يكون للميت فرع وارث ذكر. وألا يكون له أب، فإن كان للميت أب حجبه، وإن لم يكن للميت أب ولا ولد ذكر فهو عصبة، وله أحوال تذكر في بابه إن شاء الله. وتستحق الأم السدس بشرطين: أن يكون للميت فرع وارث أو عدد من
[ ٣ / ٢٩٣ ]
الإخوة والأخوات، فإن لم يكونوا فلها الثلث كما تقدم. وتستحق الجدة أو الجدات السدس بشرط ألا تحجب بالأم، أو جدة أقرب منها في جهتها أو جهة الأم والأب إن أدلت به، وكل جدة أدلت بذكر بين أنثيين فهي غير وارثة كأم أبي الأم؛ لأنها من ذوات الأرحام، وتستحق بنت الابن السدس إذا كان للميت بنت صلب واحدة أي تكملة للثلثين؛ لأن البنتين لهما الثلثان وهذه بنت ثانية للميت في الجملة ولبعدها أعطيت الأقل، وكذا يقال في الأخت للأب مع الشقيقة وتستحق الأخت للأب السدس إذا كان للميت أخت شقيقة واحدة. ويستحق الأخ للأم ذكرًا كان أو أنثى السدس إذا لم يحجب بأصل ذكر أو فرع وارث، فإن تعدد الأخ للأم كان لهم الثلث يقسمونه ذكورًا وإناثًا بالسوية كما تقدم. اهـ. من الخلاصة بتوضيح. ثم ذكر الذين لا يسقطون بحال وهم ستة: الابن، والبنت، والأم، والأب، والزوج، والزوجة، كما سيأتي بيانهم.
قال رحمه الله تعالى: (ولا مسقط لأولاد الصلب والأبوين والزوجين)، يعني كما في عبارة أبي الحسن في العزية أنه قال: الحجب قسمان: حجب إسقاط وحجب نقل. أما حجب الإسقاط فلا يلحق من ينسب إلى الميت بنفسه كالبنين والبنات والآباء والأمهات ومن في معناهم الزوج والزوجة ويلحق من عداهم. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (ويسقط الأبعد بالأقرب من جهته وولد الابن به وإناثهم بالصلبيتين إلا مع ذكر يعصب درجته فما فوقها ويسقط من بعده كالأسفلين منهن مع العليا)، فالمعنى أن الأبعد من الميت أو من الورثة يسقط بالأقرب منه كالجد مع وجود الأب والأخ مع وجود الولد والجدة مع وجود الأم وكولد الابن مه وجود الابن، وإناثهم يسقطن بالصلبيتين إلا إذا كان معهن ذكر في درجتهن فيعصب لهن ويقسمون ما فضل عن صلبيتين للذكر مثل حظ الأنثيين ويسقط من بعده كالأسفلين منهن مع العليا. قال في الرسالة: ولابنة الابن السدس تمام الثلثين، وإن كثرت بنات الابن لم يزدن على ذلك
[ ٣ / ٢٩٤ ]
السدس شيئًا إن لم يكن معهن ذكر وما بقي للعصبة، وإن كانت البنات اثنتين لم يكن لبنات الابن شيء إلا أن يكون معهن أخ فيكون ما بقي بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك إذا كان
ذلك الذكر تحتهن كان ذلك بينه وبينهن كذلك، وكذلك لو ورثت بنات الابن مع الابنة السدس وتحتهن بنات ابن معهن أو تحتهن ذكر كان ذلك بينه وبين أخواته أو من فوقه من عماته ولا يدخل في ذلك من دخل في الثلثين من بنات الابن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (والإخوة للأم بالأب والجد والولد وولد الابن والجدة للأب به وبالأم وبعدى جهته بقربى جهة الأم لا بعكسه)، يعني يسقط الإخوة مطلقًا بالأب والولد وولده، والذي من جهة الأم أيضًا يسقط بالجد والولد وولده، كما تسقط الجدة التي من جهة الأب به وبالأم، وتسقط البعدى من جهته بالقربى من جهة الأم لا بعكسه. قال في الرسالة: وترث الجدة للأم السدس، وكذلك التي للأب، فإن اجتمعتا فالسدس بينهما إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به؛ لأنها التي فيها النص، وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين، ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين: أم الأب وأم الأم وأمهاتهما، ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جدات: واحدة من قِبَل الأم واثنتين من قِبل الأب: أم الأب وأم أبي الأب، ولم يحفظ عن الخلفاء توريث أكثر من جدتين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (والعصبة باستغراق الفروض المال إلا الأشقاء في المشتركة وهي زوج وأم وإخوة لأم وأشقاء يشتركون في الثلث)، يعني ويسقط العاصب باستغراق أصحاب الفروض المال إلا إذا كان العاصب شقيقًا وقد ورث الإخوة للأم الثلث فيشاركهم العاصب في ثلثهم فيقسمونه بالسوية للذكر مثل حظ الأنثيين. قال في الرسالة: فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم إلا أن يكون في أهل
[ ٣ / ٢٩٥ ]
السهام إخوة لأم قد ورثوا الثلث وقد بقي أخ شقيق أو إخوة ذكور أو ذكور وإناث شقائق معهم فيشاركون كلهم الإخوة للأم في ثلثهم فيكون بينهم بالسواء، وهي الفريضة التي تسمى المشتركة، ولو كان من بقي إخوة لأب لم يشاركوا الإخوة للأم لخروجهم عن ولادة الأم اهـ.
وحاصل فقه مسائل الحجب كما في القوانين أنه قال: (والحجب نوعان): حجب إسقاط، وحجب نقص، فأما حجب الإسقاط، فلا ينال ستة من الوارثين وهم: الابن والبنت والأم والأب والزوج والزوجة كما تقدم، وأما غير هؤلاء فقد يحجبون عن الميراث، فأما ابن الابن وبنت الابن فيحجبهما الابن خاصة، والقريب من ذكور الحفدة يحجب البعيد من ذكورهم وإناثهم. والجد يحجبه الأب خاصة. ويحجب الجد القريب البعيد. وأما الأخ الشقيق والأخت الشقيقة فيحجبهما الابن وابن الابن وإن سفل والأب. وأما الأخ للأب والأخت للأب فيحجبهما الشقيق ومن حجبه ولا تحجبهما الشقيقة، وأما ابن الأخ الشقيق فيحجبه الجد والأخ للأب
ومن حجبه. وأما ابن الأخ للأب فيحجبه ابن الأخ الشقيق ومن حجبه. وأما العم الشقيق فيحجبه ابن الأخ للأب ومن حجبه. وأما العم للأب فيحجبه العم الشقيق ومن حجبه. وأما ابن العم الشقيق فيحجبه العم للأب ومن حجبه. وأما ابن العم للأب فيحجبه ابن العم الشقيق ومن حجبه. وأما الأخ للأم والأخت للأم فيحجبهما الابن والبنت وابن الابن وبنت الابن وإن سفل والأب والجد وإن علا. وأما الجدة للأم فتحجبها الأم خاصة. وأما الجدة للأب فيحجبها الأب والأم عند زيد والثلاثة. وقال ابن مسعود وابن حنبل: لا يحجبها الأب، فإن اجتمعت جدتان في قعدد واحد ورثتا معًا السدس بينهما، وإن كانت إحداهما أقرب من الأخرى حجبت القريبة البعيدة إن كانت من جهتها، وحجبت القريبة التي من جهة الأم البعيدة التي من جهة الأب، ولا تحجب القريبة من جهة الأب البعيدة من جهة الأم بل تشاركها خلافًا لأبي
[ ٣ / ٢٩٦ ]
حنيفة. وأما المولى المعتق فيحجبه العصبة. وأما السيد المالك فيمنع جميع الورثة ولا يحجبه أحد اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وتنتقل الأم إلى السدس بالولد أو ولد الابن أو اثنين من الإخوة ولها ثلث الباقي في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين)، يعني كما في القوانين. وأما حجب النقص فهو على ثلاثة أقسام: نقل من فرض إلى فرض دونه ونقل من تعصيب إلى فرض. ونقل من فرض إلى تعصيب. فأما النقل من فرض إلى فرض فيختص بخمسة أصناف:
الأول: الأم ينقلها من الثلث إلى السدس الابن وابن الابن والبنت وبنت الابن واثنان فأكثر من الإخوة والأخوات سواء كانوا شقائق أو للأب أو للأم.
الثاني: الزوج ينقله الابن وابن الابن والبنت وبنت الابن من النصف إلى الربع.
الثالث: الزوجة والزوجات ينقلهن الابن وابن الابن والبنت وبنت الابن من الربع إلى الثمن.
الرابع: بنت الابن تنقلها البنت الواحدة من النصف إلى السدس. وتنقل اثنتين فأكثر من بنات الابن من الثلثين إلى السدس.
الخامس: الأخت للأب تنقلها الشقيقة من النصف إلى السدس وتنقل اثنتين فأكثر من الثلثين إلى السدس. وأما النقل من تعصيب إلى فرض فيختص بالأب والجد ينقلهما الابن وابن الابن من التعصيب إلى السدس. وأما النقل من فرض إلى تعصيب فهو للبنت وبنت الابن والأخت الشقيقة وللأب ينقل كل واحدة منهن فأكثر أخوها عن فرضها ويعصبها وكذلك الأخوات الشقائق وللأب يعصبهن البنات فتنقلهن البنت الواحدة فأكثر من الفرض إلى التعصيب اهـ. قوله رحمه الله تعالى:
ولها ثلث الباقي إلخ، أشار إلى مسألة
[ ٣ / ٢٩٧ ]
مشهورة بالغراوين كما في الرسالة. وقال ابن جزي: وهما أب وأم وزوجة أو أب وأم وزوج ففرضها ثلث ما بقي بعد الزوج أو الزوجة وهو الربع في الأولى والسدس في الثانية وللأب الثلثان مما بقي بعدهما اهـ. اعلم أن للأم حالتين ترث في إحداهما الثلث وفي أخرى السدس بنص القرآن، وثبت بالاجتهاد حالة ثالثة ترث فيها ثلث الباقي وهي المذكورة هنا وتسمى بالغراوين. قال الدردير: لأن الأم غرت فيهما بقولهم: لها الثلث وهو في الحقيقة سدس كما في الأولى أو ربع كما في الثانية. قال: هي في زوجة ماتت عن زوج وأبوين أصلها من اثنين مخرج نصيب الزوج فله النصف يبقى واحد على ثلاثة مباينًا فتضرب ثلاثة في اثنين بستة فلها واحد بعد فرض الزوج، إذ لو أعطيت ثلث التركة للزم تفضيل الأنثى على الذكر فيخالف القاعدة القطعية: متى اجتمع ذكر وأنثى يدليان بجهة واحدة فللذكر مثل حظ الأنثيين فخصصت القاعدة عموم آية، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، وأشار لثانية الغراوين بقوله: أو زوجة مات زوجها عنها وعن أبوين فهي من أربعة: للزوجة الربع وللأم ثلث الباقي وللأب الباقي إذ لو أعطيناها ثلث المال للزم عدم تفضيل الذكر عليها التفضيل المعهود. هذا ما قضى به عمر، ﵁، ووافقه الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة. اهـ. مع طرف من الصاوي عليه.
قال رحمه الله تعالى: (والزوج إلى الربع والزوجة إلى الثمن بالولد أو ولد ابن)، يعني أنه تقدم الكلام أن الولد وولده والبنت وبنت الابن ينقلان الزوج والزوجة يمنعانهما من كثرة الميراث، فراجع القسم الثاني والثالث من أقسام حجب النقل مما تقدم آنفًا فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: (ويرث الأب بالفرض مع الابن وابنه وبالتعصيب إذا انفرد وبهما مع البنات والجد مثله إلا مع الإخوة ويسقطون بالأب)، يعني هذه الجملة أشارت إلى بعض أحوال الأب والجد في الإرث، وقد تقدم الكلام فيهما عند
[ ٣ / ٢٩٨ ]
قوله: والوارث العصبة يحوز المال إلخ. وقال أبو محمد في الرسالة: وميراث الأب من ولده إذا انفرد ورث المال كله، ويفرض له مع الولد الذكر أو ولد الابن السدس، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن فرض للأب السدس وأعطى من شركه من أهل السهام سهامهم ثم كان له ما بقي. وقال في موضع آخر: ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الأب ولا مع الولد الذكر أو مع ولد الولد. اهـ. فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وفي اجتماع الذكور والإناث في درجة للذكر مثل حظ الأنثيين)، يعني إذا اجتمع من له حظ في الميراث وكانوا رجالًا ونساء في درجة واحدة فإنهم يرثون المال للذكر مثل حظ الأنثيين. قال في الرسالة: فإن كانوا إخوة
وأخوات شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قلوا أو كثروا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وذو جهتي فرض بأقواهما كأخت هي بنت وفرض وتعصيب بهما كابني عم أحدهما أخ لأم أو زوج)، يعني أنه يرث ذو وجهي فرض بأقوى الفرضين، كما أنه يرث بالفرض والتعصيب معًا كابن عم هو زوج. قال خليل: ويرث بفرض وعصوبة الأب ثم الجد مع بنت وإن سفلت كابن عم أخ لأم، وورث ذو فرضين بالأقوى وإن اتفق في المسلمين كأم أو بنت أخت. وعبارة الدردير في أقرب المسالك: وورث ذو فرضين بالأقوى وهي ما لا تسقط أو ما تحجب الأخرى كأم أو بنت هي أخت كعاصب بجهتين كأخ أو عم هو معتق. وحاصل ما في الخرشي: أن من اجتمع له جهتان يرث بكل منهما وإحداهما أقوى من الأخرى، فإنه يرث بالأقوى منهما، وهذا يقع من المسلمين على وجه الغلط ومن المجوس على وجه العمد والقوة تكون بأحد أمور ثلاثة:
الأول: أن تكون إحداهما لا تحجب بخلاف الأخرى، وذلك كأن يتزوج المجوسي ابنته عمدًا فولدت منه ابنة ثم أسلم ومات فهذه الابنة تكون أختًا لأمها لأبيها
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وهي أيضًا بنت لها، فإذا ماتت الكبرى بعد موت أبيها ورثتها الصغرى بأقوى السببين وهو البنوة؛ لأنها لا تسقط بحال، والأخوة قد تسقط: فلها النصف بالبنوة ولا شيء لها بالأخوة، ومن ورثها بالجهتين قال: النصف والباقي بالتعصيب، وإن ماتت الصغرى أولًا فالكبرى أم وأخت لأب فترث بالأمومة لأنها لا تسقط. والأخت للأب قد تسقط فلها الثلث بالأمومة.
الثاني: أن تحجب إحداهما الأخرى فالحاجبة أقوى، كأن يطأ مجوسي أمه فتلد ولدًا فهي أمه وجدته فترث بالأمومة اتفاقًا.
الثالث: أن تكون إحداهما أقل حجبًا من الأخرى كأم أم هي أخت لأب، كأن يطأ مجوسي بنته فتلد بنتًا ثم يطأ الثانية فتلد بنتًا ثم تموت الصغرى عن العليا بعد موت الوسطى والأب فهي أم أمها وأختها من أبيها فترث بالجدودة دون الأختية؛ لأن أم الأم تحجبها الأم فقط والأختية يحجبها جماعة. وقيل: ترث بالأختية؛ لأن نصيب الأختية أكثر، وإذا كانت القوية محجوبة ورثت بالضعيفة كأن تموت الصغرى في هذا المثال عن الوسطى والعليا فترث الوسطى بالأمومة الثلث والعليا بالأختية النصف. اهـ. الخرشي ومثله في القوانين.
فرع: من لم تكن له عصبة ولا مولى فعاصبه بيت مال المسلمين، يجوز جمع المال في الانفراد ويأخذ ما بقي بعد ذوي السهام عند زيد والإمامين. وقال علي وابن مسعود وأبو حنيفة وابن حنبل: يرد الباقي على ذوي السهام،
[ ٣ / ٣٠٠ ]
فصل في الجد
فإن لم يكونوا فلذوي الأرحام. وحكى الطرطوشي عن المذهب: أنه يعصب بيت المال إذا كان الإمام عدلًا، وإن لم يكن عدلًا رد على ذوي السهام وذوي الأرحام. وحكي عن ابن القاسم: من مات ولا وارث له تصدق بما له إلا أن يكون الإمام كعمر بن عبد العزيز. اهـ. قاله في القوانين. قلت: وعدم الرد لذوي السهام هو المشهور في المذهب كما في الدردير على أقرب المسالك عند قوله: ولا يرد ولا يدفع لذوي الأرحام لكنه قال: الذي اعتمده المتأخرون الرد على ذوي السهام، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام، وعلى الرد فيرد على كل ذي سهم بقدر ما ورث إلا الزوج والزوجة فلا رد عليهما إجماعًا. انظر حاشية الصاوي عليه. اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل الورثة على وجه الإجمال انتقل يتكلم على ما يخص الجد مع الإخوة، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الجد
أي في بيان ما يتعلق بأحوال الجد مع الإخوة. اعلم أنه قد علمت مما تقدم أن الجد مع الإخوة في جهة واحدة ولكن الشارع يخص الجد بمزيد عناية وله في ذلك أحوال تزيده المزية كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. وفي عبارة: ثم شرع في بيان إرث الجد للأب وهو أحد الثلاثة الذين يرثون بالإجماع والاثنان الآخران ابن الابن وابناهما، وقد تكرر أن الجد كالأب عند عدمه: فيرث تارة بالفرض وتارة بالتعصيب وتارة يجمع بينهما، وأنه يحجب ما يحجبه الأب إلا الإخوة الأشقاء والذين للأب.
قال رحمه الله تعالى: (الجد يقاسم الإخوة كأخ)، يعني إذا كان الجد مع الأخ الواحد أو الأخوين فالمقاسمة خير له؛ لأنه يأخذ نصف المال مع الأخ أو الثلث مع الأخوين. وفي الرسالة: فإن لم يكن معه غير الإخوة فهو يقاسم أخًا أو أخوين أو عدلهما أربع أخوات، فإن زادوا فله الثلث فهو يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون المقاسمة أفضل له. قال خليل: وله مع الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب الخير من الثلث أو المقاسمة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فإن نقصته عن الثلث فرض له)، يعني أن الجد إن نقصته حالة من أحواله بالمقاسمة أو غيرها عن الثلث فإنه يفرض له ما هو خير منه. قال في الرسالة: فإن كان مع أهل السهام إخوة فالجد مخير في ثلاثة أوجه يأخذ أي ذلك أفضل
[ ٣ / ٣٠١ ]
له: إما مقاسمة الإخوة أو السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي اهـ. وفي القوانين: وإذا اجتمع مع الجد إخوة وذوو سهام كان له الأرجح من ثلاثة أشياء: السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي بعد ذوي السهام أو مقاسمة الإخوة كذكر منهم إلا في فريضة يقال لها: الخرقاء وهي أم وجد وأخت فقال
مالك وزيد: للأم الثلث وما بقي يقسمه الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال أبو بكر وابن عباس: لا شيء للأخت. وقال علي: للأم الثلث وللأخت النصف وللجد ما بقي وهو السدس. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فإن كانوا أشقاء ولأب عادون بالذين للأب ثم يرجع الشقيق بما أخذه والشقيقة بتمام النصف والشقيقتان بتمام الثلثين)، يعني إذا كان الجد مع إخوة شقائق وإخوة للأب يعامل الجد باعتبار أن الإخوة للأب كالأشقاء، فإذا أخذ الجد حقه عومل الإخوة للأب كما لو لم يكن جد فيحجبونهم ويرجع الشقائق بما أخذوه للأب. قال في الرسالة: والإخوة للأب معه في عدم الشقائق كالشقائق فإن اجتمعوا عاده الشقائق بالذين للأب فمنعوه بهم كثرة الميراث ثم كانوا أحق منهم بذلك إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت للأب فتأخذ نصفها مما حصل وتسلم ما بقي إليهم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فإن كان معهم ذو فرض بدئ به ثم ينظر للجد في أحظ الأمور من المقاسمة كجد وأخ وزوجة)، يعني إذا اجتمع الجد والأخ وذو سهم كجد وأخ وزوجة فإنه يبدأ بالزوجة، فالمسألة من أربعة إن لم يكن للميت فرع وارث فلها ربع واحد من أربعة أسهام، وإن كان له فرع وارث فالمسألة من ثمانية: فلها ثمن واحد من ثمانية سهام والباقي بين الجد والأخ بالمقاسمة بالسوية.
قال رحمه الله تعالى: (أو ثلث الباقي كزوجة وجد وثلاثة إخوة)، يعني من أحوال الجد في اجتماعه مع الإخوة وذوي سهم كزوجة وجد وثلاثة إخوة فالمسألة تصح
[ ٣ / ٣٠٢ ]
من اثني عشر: للزوجة ربع ثلاثة لعدم الفرع الوارث وللجد ثلث الباقي بعد فرض الزوجة والباقي بين ثلاثة إخوة لكل واحد منهم اثنان وثلث سهم.
قال رحمه الله تعالى: (أو سدس الأصل كزوج وأم وجد وأخوين)، يعني من أحوال الجد اجتماعه مع الأخوين وذوي فرض، وذلك كزوج وأم وجد وأخوين فالمسألة تصح من اثني عشر: فالزوج له نصفها: ستة لعدم الفرع الوارث وللأم سدس: اثنان لوجود الأخوين وللجد سدسها: اثنان وهو سدس الأصل والباقي اثنان يأخذ كل أخ منهما سهمًا.
قال رحمه الله تعالى: (ولا يفرض للأخت معه إلا في الأكدرية وهي زوج وأم وجد وأخت أصلها ستة وتعول إلى تسعة وتصح من سبعة وعشرين)، يعني من جملة أحوال الجد مع ذوي فرض المسألة المشهورة بالغراء وتسمى أيضًا بالأكدرية. قال في الرسالة وغيرها: ولا يعال للأخت مع الجد إلا في الغراء وهي امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها: فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد
السدس فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة ثم جمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهمًا. اهـ. وإلى ذلك أشار بعضهم بقوله:
أتيتك بالغراء فاعلم بأنها ستبلغ سبعًا بعد عشرين تجمعه
فللزوج تسع وللأم ستة ثمانية للجد والأخت أربعه
وعبارة ابن جزي في القوانين الفقهية في بيان هذه المسألة أنه قال: لا يفرض للأخت مع جد بل ترث معه في البقية إلا في الفريضة الأكدرية وتسمى الغراء وهي زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب: فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس ويعال للأخت بالنصف ثم يرد الجد سدسه ويخلط نصيبه مع نصيب الأخت ثم يقسمانه
[ ٣ / ٣٠٣ ]
للجد ثلثان وللأخت ثلث، وتصح الفريضة من سبعة وعشرين: للجد ثمانية وللأخت أربعة وللزوج تسعة وللأم ستة. هذا مذهب زيد ومالك. وقال عمر وابن مسعود: للزوج النصف وللأخت النصف وللجد سدس وللأم سدس على جهة العول، وإن كان مكانها أختان فأكثر سقط العول؛ لأن الأم لا تأخذ مع الأختين إلا السدس، ويقاسم الجد الأختين وإن كان مكان الأخت أخ شقيق أو لأب لم يكن له شيء؛ لأنه عاصب لم يفضل له شيء بعد ذوي السهام، فإن كان فيها أخ لأب وإخوة ولأم فهي الفريضة المالكية: وذلك أن تترك المتوفاة زوجًا وأمًا وجدًا وأخًا لأب وإخوة لأم: فمذهب مالك أن للزوج النصف وللأم السدس وللجد ما بقي ولا يأخذ الإخوة للأم شيئًا؛ لأن الجد يحجبهم ولا يأخذ الأخ للأب شيئًا؛ لأن الجد يقول له: لو كنت دوني لم ترث شيئًا؛ لأن ذوي السهام يحصلون المال بوراثة الإخوة للأم فلما حجبت أنا الإخوة للأم كنت أحق به. ومذهب زيد: أن للجد السدس وللأخ ما بقي وهو السدس، فإن كان فيها مكان الأخ للأب أخ شقيق فهي أخت المالكية، فمذهب مالك: أن الجد يأخذ ما بقي بعد ذوي السهام دون الأخ. ومذهب زيد: أن للجد السدس خاصة ويأخذ الأخ ما بقي كالحكم في التي قبلها اهـ. كلام ابن جزي. وإلى هذه المسألة الأخيرة أشار رحمه الله تعالى بقوله: (ويسقط الأخ في العالية وهي زوج وأم وجد وأخ يبقى سدس يأخذه الجد)، يعني من أحوال الجد مع ذوي فرض هذه المسألة المشهورة التي تسمى بالعالية وتسمى أيضًا بالمالكية؛ لأن مالكًا خالف فيها زيدًا فيما يأخذه الجد: فعند مالك: الجد يأخذ ما بقي بعد ذوي السهام، وعند زيد: الجد يأخذ السدس والأخ يأخذ ما بقي كما تقدم. قال ابن جزي:
تنبيه: مذهب مالك موافق لمذهب زيد في الفرائض كلها إلا في المالكية
وأختها وتوريث الجدة الثالثة. اهـ. انظر تلخيص مسائل الجد في القوانين فقد أجاد
[ ٣ / ٣٠٤ ]
فصل في الفرائض
وأحسن فيه جزاه الله تعالى عن المسلمين خير جزاء.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل الجد وأحواله المتقدمة انتقل يتكلم على ما يتعلق بالأصول وهو بالمعنى: العدد الذي يخرج منه سهام الفريضة صحيحًا.
قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الفرائض
أي في بيان ما يتعلق بأصول الفرائض وعولها. والعول هو زيادة في السهام عند ازدحامها يلزمها النقص في الأنصباء بحسب الحصص. أما أصول المسائل فعدها المتقدمون سبعة وزاد المتأخرون أصلين في مسائل الجد مع الإخوة، ولذا قال بعضهم: أصول المسائل تسعة: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وستة، وثمانية، واثنا عشر، وأربعة وعشرون، وثمانية عشر، وستة وثلاثون، واقتصر المصنف على ما مشى عليه المتقدمون ولذا قال رحمه الله تعالى: (الأصول سبعة)، يعني أن الأصول التي هي مخرج السهام سبعة أو تسعة باعتبار ما زادوه: الأول كما قال المصنف: (الاثنان) وصور ذلك بقوله: (كنصف ونصف كزوج وأخت أو وما بقي كبنت وأخت)، يعني أن أول الأصول السبعة أو التسعة: الاثنان لأنها مخرج النصف أو ما بقي بعدم كما وصف المصنف بقوله: كزوج وأخت أي كأن ماتت امرأة وتركت زوجها وأختها شقيقة أو للأب وكل واحد من الزوج والأخت يأخذ النصف أي واحدًا من اثنين، فالزوج له النصف لعدم الفرع الوارث والأخت تأخذ ما بقي وهو النصف الثاني تعصيبًا كذلك قوله: أو وما بقي كبنت وأخت، والمراد بالبنت مطلقًا سواء كانت بنت صلب أو بنت الابن فإنها تأخذ النصف إذا انفردت بعد أخذ البنت نصف المال فتأخذ النصف الثاني وهو ما بقي عن فرض بنت تعصيبًا أيضًا.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
قال رحمه الله تعالى: (والثلاثة لثلث وثلثين)، يعني أن أصل الثاني من الأصول السبعة أو التسعة الثلاثة؛ لأنها مخرج للثلث والثلثين وصور ذلك بقوله رحمه الله تعالى: (كشقيقتين وأختين لأم أو ما بقي كأم وشقيق)، يعني إذا هلك هالك وترك شقيقتين له وأختين للأم فالمسألة تصح من ثلاثة: للأختين الشقيقتين الثلثان أي لهما سهمان من ثلاثة أسهم كما هو واضح وما بقي وهو الثلث للإخوة للأم. قوله: أو ما بقي كأم وشقيق يعني إذا هلك هالك وترك أمه وشقيقه فالمسألة تصح من ثلاثة: فلأمه الثلث وهو سهم والباقي ثلثان يأخذه الشقيق تعصيبًا.
قال رحمه الله تعالى: (والأربعة لربع وما بقي)، يعني أن أصل الثالث من الأصول السبعة أو التسعة الأربعة: لأنها مخرج لربع وما بقي كما مثل المصنف
بقوله: (كزوجة وشقيق أو نصف وما بقي كزوج وبنت وعاصب)، يعني إذا مات شخص وترك زوجة وشقيقًا فالمسألة تصح من أربعة: فللزوجة ربع وهو سهم واحد وللأخ الشقيق ثلاثة وهو ما بقي بعد فرض الزوجة يأخذه بالتعصيب. قوله: أو نصف وما بقي يعني أن الأربعة مخرج لنصف وما بقي كزوج وبنت وعاصب فإن للزوج الربع واحد من أربعة وللبنت النصف اثنان وما بقي للعاصب وهو سهم واحد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والثمانية لثمن وما بقي)، يعني أن أصل الربع من الأصول السبعة أو التسعة الثمانية؛ لأنها مخرج لثمن وما بقي كما صوره بقوله: (كزوجة وابن أو نصف وما بقي كزوجة وبنت وعم)، يعني إذا مات شخص وترك زوجته وابنه فالمسألة تصح من ثمانية: فللزوجة ثمن المال واحد والباقي للابن تعصيبًا. قوله: أو نصف وما بقي كزوجة وبنت وعم، فتصح أيضًا من ثمانية. للزوجة الثمن كذلك وللبنت النصف أربعة وما بقي للعم تعصيبًا. فهذه الأصول الأربعة المتقدمة لا تعال، وإنما العول في غيرها وهي الثلاثة الباقية أي وهي الستة والاثنا عشر والأربعة والعشرون
[ ٣ / ٣٠٦ ]
فإنها تعال كما يأتي الكلام عليها عن قريب.
قال رحمه الله تعالى: (والستة لسدس وما بقي)، يعني أن أصل الخامس من الأصول السبعة والتسعة الستة؛ لأنها مخرج لسدس وما بقي. قال الدردير: وهذه الأصول الخمسة هي مخارج الفروض الستة في كتاب الله تعالى: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، ولم تكن ستة كأصلها لاتحاد مخرج الثلث والثلثين، وكلها مشتقة من عددها إلا الأول. اهـ.
قال المصنف في وصفه لمخرج السدس: (كأم وابن أو وثلث وما بقي كأم وأخوين لأم وشقيق أو ونصف وما بقي كأم وبنت وعم أو السدسين والثلثين كأبوين وابنتين)، يعني إذا مات شخص وترك أمه وابنه، فتصح المسألة من ستة: فلأمه السدس واحد والباقي للابن تعصيبًا. قوله: أو وثلث وما بقي يعني أن الستة مخرج لثلث وما بقي كما إذا مات شخص وترك أمه وأخوين لأم وشقيق: فلأمه السدس واحد، لوجود عدد من الإخوة فلأخوين للأم الثلث: اثنان. والباقي ثلاثة للأخ الشقيق تعصيبًا. قوله: أو ونصف وما بقي كما إذا مات شخص وترك أمه وبنته وعمه، فتصح المسألة من ستة: فلأمه السدس واحد وللبنت النصف ثلاثة والباقي اثنان للعم تعصيبًا. قوله: أو السدسين والثلثين يعني إذا مات شخص وترك أبوين وابنتين: فللأبوين لكل واحد منهما السدس والباقي أربعة لكل واحدة من البنتين اثنان: وتقدم أن الستة يعال لها وتعال أربع مرات متوالية: فتعال بمثل سدسها لسبعة وإليه أشار ﵀ بقوله: (وتعول بسدسها كأم وشقيقتين وأخوين لأم.
وثلثها وزوج وشقيقة. ونصفها كزوج وشقيقتين وإخوة لأم. وثلثيها تزيد أمًا)، يعني أن الستة تعول إلى سبعة وإلى ثمانية وإلى تسعة وإلى عشرة.
قال ﵀ مشيرًا بذلك: كأم وشقيقتين وأخوين لأم، فتصح المسألة من سبعة
[ ٣ / ٣٠٧ ]
بعولها، وأصلها ستة فللأم سدس واحد وللشقيقتين ثلثان أربعة وللأخوين للأم ثلث اثنان. قوله: وثلثها يعني تعول الستة بمثل ثلثها وهو اثنان، وإذا ماتت امرأة وتركت أمها وزوجها وأختها الشقيقة فتصح المسألة من ثمانية بعولها، وأصلها من ستة: فللأم ثلث: اثنان وللزوج نصف: ثلاثة وللأخت الشقيقة ما بقي وهو ثلاثة أسهام. قوله: ونصفها يعني أن الستة تعول بمثل نصفها كزوج وشقيقتين وإخوة لأم. فتصح من تسعة بعولها، وأصلها ستة: فللزوج نصف ثلاثة وللإخوة للأم ثلث اثنان وللشقيقتين ما بقي وهو ثلثان. قوله: وثلثيها يعني أن الستة تعول بمثل ثلثيها العشر لزيادة أم على ما تقدم، فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وشقيقتيها وإخوة لأم، فالمسألة تصح من عشرة بعولها وأصلها ستة: فللزوج نصف ثلاثة وللأم سدس واحد وللشقيقتين ثلثان أربعة وللإخوة للأم ثلث اثنان وهي التي تسمى بأم الفروخ بالخاء المعجمة، سميت بذلك لكثرة ما فرخت في العول، قاله الدردير على أقرب المسالك.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والاثنا عشر لربع مع سدس)، يعني أن أصل السادس من الأصول السبعة أو التسعة الاثنا عشر؛ لأنها مخرج لربع مع سدس. قال العلامة أحمد بن جزي: وأما الاثنا عشر فتعول إلى ثلاثة عشر وإلى خمسة عشر وغلى سبعة عشر، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (كزوج وجدة وابن أو مع الثلث كزوجة وأم وعم وتعول إلى ثلاثة عشر كزوجة وشقيقتين وأخ لأم وإلى خمسة عشر تزيد أخًا لأم وإلى سبعة عشر تزيد جدة)، يعني إذا ماتت امرأة وتركت زوجها وجدتها وابنها فالمسألة تصح من اثنا عشر: فللزوج الربع ثلاثة وللجدة السدس اثنان وما بقي للابن تعصيبًا. قوله: أو مع الثلث كزوجة وأم وعم يعني إذا مات شخص وترك زوجته وأمه وعمه، فالمسألة تصح من اثنا عشر: فللزوجة الربع ثلاثة وللأم الثلث أربعة وما بقي للعم تعصيبًا. قوله: وتعول إلى ثلاثة عشر كزوجة وشقيقتين وأخ لأم يعني إذا مات شخص وترك
[ ٣ / ٣٠٨ ]
زوجته وشقيقتين وأخًا لأم، فالمسألة تصح من ثلاثة عشر بعولها؛ لأنها تعول بمثل نصف سدسها: واحد، فللزوجة الربع ثلاثة وللشقيقتين الثلثان ثمانية أسهام وللأخ لأم السدس سهمان. قوله: وإلى خمسة عشر تزيد أخًا لأم، يعني إذا مات شخص وترك زوجته وشقيقتين وإخوة لأم، فالمسألة تصح من خمسة عشر بعولها؛ لأنها تعول بمثل
ربعها ثلاثة: فللزوجة الربع ثلاثة كما سبق في مسألة قبلها وللشقيقتين الثلثان ثمانية وللإخوة لأم الثلث أربعة. قوله: إلى سبعة عشر تزيد جدة، يعني إذا مات شخص وترك زوجته وشقيقتين وإخوة لأم وجدة، فالمسألة أصلها من اثنا عشر وتعول بمثل ربعها وسدسها خمسة فتصح من سبعة عشر كما تقدم: فللجدة السدس اثنان فتأمل. وفي النفراوي: وأما الاثنا عشر فتعول ثلاث عولات على توالي الأفراد، فتعول إلى ثلاثة عشر بمثل نصف سدسها كزوج وأم وبنتين: فللزوج الربع وللأم السدس وللابنتين الثلثان، ومجموعهما من الاثني عشر ثلاثة عشر، وتعول إلى خمسة عشر بمثل ربعها كزوج وأبوين وابنتين: للزوج الربع وللأبوين سدسان وللبنتين الثلثان ومجموعها خمسة عشر. وتعول إلى سبعة عشر بمثل ربعها وسدسها كزوجة وأم وولديها وأخت لأبوين وأخت لأب، ومجموعها من الاثني عشر سبعة عشر اهـ.
ثم ذكر أصل السابع فقال رحمه الله تعالى: (والأربعة والعشرون لثمن مع سدس كزوجة وأم وابن، أو مع ثلثين كزوجة وابنتين وعاصب)، يعني أن أصل السابع من الأصول السبعة أو التسعة الأربعة والعشرون؛ لأنها مخرج لثمن من سدس. قال النفراوي: وأما الأربعة والعشرون فتعول عولة واحدة إلى سبعة وعشرين، وتسمى البخيلة والمنبرية، فتعول بمثل ثمنها ثلاثة كزوجة وأبوين وابنتين، ولما سئل عنها سيدنا علي، ﵁، قال في خطبته: صار ثمنها تسعًا. اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وتعول إلى سبعة وعشرين)، يعني أنها تعول عولة واحدة بمثل
[ ٣ / ٣٠٩ ]
ثمنها كما تقدم، ومن أمثلتها أنه إذا مات شخص وترك زوجته وأمه وابنه، فالمسألة من أربعة وعشرين: فللزوجة الثمن ثلاثة وللأم السدس أربعة والباقي للابن تعصيبًا. قوله: أو مع ثلثين كزوجة وابنتين وعاصب. يعني من أمثلة هذا الأصل أن يجتمع صاحب الثمن وصاحب الثلثين وما بقي، كما إذا مات شخص وترك زوجة وابنتين وعاصبًا، فالمسألة تصح من أربعة وعشرين: فللزوجة الثمن ثلاثة وللبنتين الثلثان ستة عشر: لكل واحدة منهما ثمانية والباقي للعاصب.
ومن أمثلة هذا الأصل كما قال رحمه الله تعالى: (كزوجة وأبوين وبنتين وهي المنبرية)، يعني إذا اجتمع زوجة وأبوان وبنتان فهي المسألة التي تسمى بالمنبرية كما تقدم ذكرها، فتصح من سبعة وعشرين مع عولها: فللزوجة الثمن ثلاثة وللأبوين الثمانية لكل واحد منهما السدس أربعة والباقي ستة عشر سهمًا للبنتين. لكل واحدة منهما الثمانية. ثم نذكر الأصلين الزائدين كما مر، أعني أن أصل الثامن من الأصول التسعة الثمانية عشر. قال بعضهم: وهي أصل كل مسألة
فيها سدس وثلث الباقي كأم وجد وأخوين وأخت لغير أم، وترتيب هذا الأصل: للأم سدس ومخرجه ستة فتأخذ واحدًا ويبقى خمسة للجد فيها ثلثها لأنها أحظ له والثلاثة مخرج ثلث الباقي - تباين الخمسة فتضرب ثلاثة في أصل المسألة ستة يحصل ثمانية عشر هي الأصل الصحيح اهـ. وبيان ذلك أنه إذا مات شخص وترك أمه وجده وأخوين شقيقين وأختًا شقيقة فاضرب ثلاثة في ستة يحصل ثمانية عشر منها تصح المسألة، فللأم السدس ثلاثة وللجد ثلث الباقي خمسة أسهام وللشقيقين ثمانية أسهام لكل أربعة وللشقيقة سهمان. وأما أصل التاسع من الأصلين الزائدين فهو الستة والثلاثون. قال بعضهم: وهي أصل كل مسألة فيها ربع وسدس وثلث الباقي كزوجة وأم وجد وثلاثة إخوة وأخت لغير أم؛ لأن الباقي من مخرج الربع مع السدس بعد إخراجهما سبعة وهي تباين مخرج ثلث الباقي فتضرب مخرج الثلث ثلاثة
[ ٣ / ٣١٠ ]
في اثني عشر يحصل ستة وثلاثون اهـ. وبيان ذلك أنه إذا مات شخص وترك زوجته وأمه وجده وثلاثة إخوة أشقاء وأختًا شقيقة فاضرب ثلاثة في اثني عشر يحصل ستة وثلاثون فتصح المسألة منها فللزوجة الربع تسعة أسهام وللأم السدس ستة أسهم وللجد ثلث الباقي سبعة أسهام، ولكل واحد من إخوته الثلاثة أربعة أسهام وللشقيقة سهمان اهـ. هذا حاصل ما في الأصلين الزائدين، والله أعلم.
واعلم أن حاصل ما في الأصول كما نقله المواق عن ابن شاس ونصه: فالأصل الذي تنشأ عنه مسائل الفرض على قول المتقدمين سبعة أعداد: الاثنان وضعفهما وهو الأربعة وضعفها وهو الثمانية. والثلاثة وضعفها وهو الاثنا عشر وضعفها وهو الأربعة والعشرون ولا مخرج لها عند المتقدمين سوى هذه، ومقصود الفرضيين بتحرير هذه المخارج شيئان: أحدهما: قسمة السهام على أعداد صحاح من غير كسر. والثاني: طلب أقل عدد تصح فيه فيعولون عليه، فالاثنان لكل مسألة اشتملت على نصف ونصف كزوج وأخت أو على النصف وما بقي كزوج وأخ. والأربعة لكل فريضة اشتملت على ربع وما بقي كزوج وابن أو ربع ونصف وما بقي كزوج وبنت وأخ أو ربع وثلث ما بقي كزوجة وأبوين. والثمانية لكل فرض فيها ثمن وما بقي كزوجة وابن أو ثمن ونصف وما بقي كزوجة وبنت وأخ. وأما الثلاثة فلكل فريضة فيها ثلث وثلثان كإخوة لأم وأخوات شقائق أو لأب أو ثلث وما بقي كأم وأخ أو ثلثان وما بقي كبنتين وعم. والستة لكل فريضة فيها سدس وما بقي كجدة وابن أو سدس وثلث وما بقي كجدة وأخوين لأم وأخ لأب أو سدس وثلثان وما بقي كأم وبنتين وأخ أو نصف وثلث وما بقي كأخت وأم وابن أخ. والاثنا عشر لكل فريضة فيها ربع وثلث وما بقي كزوجة وأم وأخ أو ربع وسدس وما بقي كزوج وأم وابن أو ربع وثلثان وما بقي كزوج وبنتين وأخ. والأربعة والعشرون لكل
فريضة فيها ثمن وسدس وما بقي كزوجة وأم وابن أو ربع وثلثان وما بقي
[ ٣ / ٣١١ ]
كزوج وبنتين وأخ ولا يتصور اجتماع الثمن والثلث. اهـ. ما ذكره ابن شاس ونقله المواق، لكن قوله: وربع وثمن سبق قلم فتنبه.
قال رحمه الله تعالى: (ولا يجتمع ثمن وربع ولا ثلث)، يعني أنه لا يجتمع ثمن وربع في مسائل العروض ولا ثمن وثلث؛ لأن ذلك لا يتصور في فرض؛ لأن الثمن فرض زوجة أو زوجات مع وجود الفرع، كما أن الربع لمن ذكر مع عدم الفرع ولا يجتمعان. قال العلامة الباجوري في حاشيته على الشنشوري شارح الرحبية: قوله لا يتصور أن يجتمع الثمن مع الثلث ولا مع الربع أي لأن الوارث للثمن الزوجة بشرط وجود الفرع الوارث، والوارث للثلث الأم أو العدد من الإخوة للأم بشرط عدم الفرع الوارث، فشرط إرث الثمن نقيض شرط إرث الثلث والنقيضان لا يجتمعان. قوله: ولا مع الربع أي ولا يتصور أن يجتمع الثمن مع الربع؛ لأن الوارث للثمن الزوجة بشرط وجود الفرع الوارث كما مر، والوارث للربع إما الزوج بشرط وجود الفرع الوارث أو الزوجة بشرط عدم الفرع الوارث، واجتماع الزوجين في مسألة غير ممكن إلا في مسألة الملفوف وهي نادرة. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: لا يمكن اجتماع زوجة وزوج يطلبان الإرث بالزوجية إلا في مسألة الملفوف المشهور. اهـ. مراد منه ولله در القائل:
والثمن في الميراث لا يجامع ثلثًا ولا ربعًا وغير واقع اهـ.
ثم أراد الشروع في بيان أخذ المسائل على مقاماتها وأعدادها من رؤوس الورثة على حسب فرائضهم ودرجاتهم وعلى بيان صحة المسائل وانكسارها والنظر فيها فقال رحمه الله تعالى: (فتؤخذ المسألة من عدد ذكور العصبة في درجتها أو عدد إناثهم وضعف ذكورهم)، يعني كما في القوانين: إذا كان الورثة كلهم عصبة فأصل فريضتهم عدد رؤوسهم، فإن كانوا كلهم ذكورًا فعد كل واحد منهم بواحد، وإذا كانوا ذكورًا وإناثًا فعد الذكر باثنين والأنثى بواحد، وإذا كان فيها صاحب سهم فأصل الفريضة من
[ ٣ / ٣١٢ ]
مقام سهمه كما قال بعضهم: متى صحت المسألة من أصلها فذلك واضح غني عن العمل. قال صاحب الرحبية:
وإن تكن من أصلها تصح فترك تطويل الحساب ربح
وأما إذا لم تصح من أصلها بل وقع فيها انكسار على فريق واحد أو على فريقين أو على ثلاث فرق أو على أربع فرق ولا يزيد الانكسار على أربع فرق فاطلب بيان الحكم في ذاك. قال ابن جزي: ولا بد من تقديم مقدمة وهي أن كل
عدد بالنسبة إلى عدد آخر لا يخلو من أن يكونا متماثلين أو متداخلين أو متوافقين أو متباينين: فأما المتماثلان فلا خفاء فيهما كثلاثة مع ثلاثة أو عشرة مع عشرة، وأما المتداخلان فهما اللذان يكون فيهما الأصغر داخلًا تحت الأكبر بعده مرتين فأكثر حتى يفنى كدخول الثلاثة تحت الستة وتحت التسعة وتحت الخمسة عشر، وأما المتوافقان بجزء ويعدهما اسم ذلك الجزء كالأربعة والستة فإنهما اتفقا بالنصف ويعد كل واحد منهما اثنين، وأما المتباينان فهما ما سوى ذلك فافهم هذا. اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فإن اشتملت على فرض فمن مخرجه أو على فرضين نظرت فإن تباينا كثلث وربع ضربت أحدهما في الآخر أو توافقًا كسدس وربع ضربت الوفق في الكامل فالحاصل أصل المسألة)، يعني فإن اشتملت المسألة على فرض تحصل من مخرجه أو على فرضين نظرت عليهما: إما أن يتوافقا أو يتباينا، فإن تباينا كثلث وربع فاضرب أحد المتباينين في الآخر يحصل اثنا عشر منها تصح المسألة، أو توافقا كسدس وربع فاضرب الوفق في الكامل يحصل أربعة وعشرون فمنها تصح المسألة. قال ابن جزي في القوانين: فإن انقسمت سهام الفريضة على رؤوس أهلها فلا إشكال، وذلك إذا تماثلا أو كان عدد الرؤوس داخلًا تحت عدد السهام، وإن لم ينقسم فيحتاج إلى التصحيح. والانكسار يكون على فريق واحد وعلى فريقين وعلى ثلاثة
[ ٣ / ٣١٣ ]
وقد يكون على أربعة في مذهب من يورث ثلاث جدات. فأما الانكسار على فريق فيكون في الموافقة والمباينة فإن تباين عدد السهام والرؤوس ضربت عدد الرؤوس في أصل الفريضة وصحت من المجموع ثم ضربت ما بيد كل وارث فيما ضربت فيه أصل الفريضة، وإن توافقا ضربت وفق عدد الرؤوس وهو الراجح في أصل الفريضة وصحت من المجموع ثم ضربت ما بيد كل وارث فيما ضربت فيه أصل الفريضة وهو الوفق. ولو ضربت عدد الرؤوس بجملتها كالمتباين لصح، ولكن المقصود الاختصار إلى أقل عدد صحيح تصح منه: مثال ذلك خمس بنات وأم وعاصب، فالفريضة من ستة: للبنات أربعة وهو مباين لرؤوسهن، فاضرب الخمسة وهي عدد الرؤوس في أصل الفريضة بثلاثين فمن ذلك تصح ثم اضرب الأربعة التي بيد البنات في الخمسة التي ضربت فيها أصل الفريضة يكن لهن عشرون: لكل واحدة أربعة وللأم السدس خمسة وللعاصب الباقي وهو خمسة، فلو كانت البنات ستًا لكانا متوافقين بالنصف، فتضرب وفق الرؤوس وهو ثلاثة في أصل الفريضة بثمانية عشر فمنها تصح ثم تضرب ما بيد كل وارث في الثلاثة فيكون للبنات اثنا عشر: لكل واحدة اثنان وللأم ثلاثة وللعاصب ثلاثة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فإن انقسم فبها فإن انكسر على حيز فإن تباينت سهمه كأم وابنين وبنتين ضربته في المسألة وإن توافق كست بنات وأبوين ضربت الوفق)، يعني فإن انقسم في بيان المتقدم فذلك مكتف فإن انكسر على حيز نظرت سهامه في التباين والتوافق، فإن تباين كأم وابنين وابنتين فاضربه في أصل المسألة يحصل لكل وارث فرضه على التفصيل الآتي. وإن توافق كست بنات وأبوين فاضرب الوفق في أصل المسألة يحصل بذلك نصيب كل وارث مضروبًا في وفقه كما سيأتي بيان جميع ذلك إن شاء الله تعالى. قال الناظم الشيخ سعيد بن سعد في دليل الحائض في علم الفرائض:
[ ٣ / ٣١٤ ]
فإن تر القسم صحيحًا حصلا من أصلها فقد كفيت العملا
وإن ترى كسرًا على صنف وقع فقابلن كل رؤوس الصنف مع
سهامه بالوفق والتباين فإن تجد تباينًا فعين
ضرب الرؤوس كلها في أصلها كذا مع العول إذا كان بها
وإن تجد بينهما توافقًا فلتضربن وفق الرؤوس مطلقا
في أصلها بالعول إن كان فما صحت به في الحالتين قسما
كزوجة مع ستة أو خمسة من إخوة لغير أم الميت اهـ
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: إن انقسمت السهام على الورثة كزوجة وثلاثة إخوة أو تماثلت مع الرؤوس كثلاثة بنين أو تداخلت كزوج وأم وأخوين فظاهر وإلا رد كل صنف انكسرت عليه سهامه إلى وفقه كزوجة وستة إخوة لغير أم وإلا فاضربه في أصل المسألة كبنت وثلاثة إخوة لغير أم وقابل بين الصنفين، فخذ أحد المتماثلين وأكثر المتداخلين وحاصل ضرب أحدهما في وفق الآخر إن توافقا وفي كله إن تباينا ثم بينه وبين ثالث كذلك ثم اضربه في أصل المسألة بعولها اهـ. أي يحصل المطلوب. قوله: كزوجة وثلاثة إخوة، المسألة من أربعة: للزوجة واحد ولكل أخ واحد. قوله: كزوج إلخ فالمسألة من ستة، للزوج النصف ثلاثة وللأم السدس واحد ولكل أخ واحد. وأما قوله: وإلا رد إلخ فالمعنى: وإن لا تنقسم السهام ولا تماثلت ولا تداخلت بأن انكسرت السهام على الورثة فإنك تنظر بين سهم المنكسر عليهم وبينهم بالموافقة والتباين فقط فإن توافقت فرد كل صنف انكسرت عليه سهامه إلى وفقه كما إذا مات شخص وترك زوجة وستة إخوة لغير أم بل أشقاء أو لأب فالمسألة أصلها أربعة: فللزوجة الربع واحد يبقى ثلاثة منكسرة على الستة إخوة ولكن توافق بالثلث فاضرب وفق الرؤوس وهو اثنان في أصل الفريضة أربعة بثمانية منها تصح:
[ ٣ / ٣١٥ ]
فللزوجة اثنان ولكل أخ
واحد. هذا حكمه إذا توافق أو تماثل أو تداخل، وأما إذا لم توافق السهام الرؤوس بأن باينتها فلا ترد الصنف المنكسر عليه سهامه بل اضربه بتمامه في أصل المسألة، كما إذا مات شخص وترك بنتًا وثلاث أخوات شقائق أو لب فالمسألة من اثنين: للبنت النصف وللأخوات الباقي؛ لأنهن عصبات مع البنت، وهو مباين لهن، فتضرب ثلاثة في اثنين بستة، فمن له شيء من أصل المسألة أخذه مضروبًا فيما ضربت فيه المسألة وهو ثلاثة: فللبنت واحد في ثلاثة بثلاثة وللأخوات الثلاث واحد في ثلاثة بثلاثة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (أو على حيزين فإن تباينا وتباينت رؤوسهم كثلاث زوجات وشقيقتين ضربت ما حصل من أحدهما في الآخر في المسألة وفي توافقهما كتسع بنات وستة أشقاء تضرب حاصل الوفق في الكامل حاصل)، يعني كما في القوانين ونصه: أما الانكسار على فريقين فتنظر بين سهام كل فريق ورؤوسه كما تقدم، فما تباين مع السهام أثبت عدده وما توافق أثبت وفقه ثم تنظر بين العددين المثبتين من الرؤوس أو وفقها، فإن تماثلا اكتفيت بأحدهما وضربته في أصل الفريضة، وإن تداخلا اكتفيت بالأكبر وضربته في أصل الفريضة، وإن توافقا ضربت وفق أحدهما في كل الآخر ثم ضربت المجموع في أصل الفريضة، وإن تباينا ضربت أحدهما في الآخر ثم ضربت المجموع في أصل الفريضة، ثم ضربت ما يفد كل وارث فيما ضربت فيه أصل الفريضة، مثال ذلك: أختان شقيقتان وزوجتان وعاصبان، فأصلها من اثني عشر وانكسرت سهام الزوجتين والعاصبين وكل واحد منهما مباين لرؤوسه والرؤوس متماثلة، فاضرب أحدهما وهو اثنان في أصل الفريضة بأربعة وعشرين، فلو كان الزوجان أربعًا لدخل فيها رؤوس العاصبين فتكتفي بالأربعة وتضربها في أصل الفريضة بثمانية وأربعين، فلو ترك أما وست أخوات شقائق وأربع أخوات للأم فالمسألة بعولها من سبعة
[ ٣ / ٣١٦ ]
وانكسرت سهام الشقائق على رؤوسهن وهي موافقة لهما فأثبت وفق الرؤوس وهو ثلاثة وقد انكسرت أيضًا سهام الأخوات للأم وهي موافقة لرؤوسها ووفقها اثنان وتباين الوفقان فاضرب أحدهما في الآخر بستة ثم اضرب الستة في السبعة باثنين وأربعين فمنها تصح ثم اضرب ما بيد كل وارث في الستة اهـ. وعبارة الدردير في هذه المسألة أنه قال: وإن انكسرت السهام على صنفين فإنك تنظر بين كل صنف وسهامه بالموافقة والمباينة كما تقدم ثم تنظر بين الرؤوس بعضها مع بعض بأربعة أنظار فقد يتماثلان فتكتفي بأحدهما وتضربه في أصل المسألة كأم وأربعة إخوة لأم وستة إخوة لأب: أصلها من ستة: للأم سهم منقسم عليها وللأخوة للأم الثلث
اثنان لا ينقسمان على الأربعة ولكن يوافقان بالنصف، فرد الأربعة إلى نصفها وللإخوة للأب ثلاثة لا تنقسم ولكن توافق بالثلث، فردهم إلى اثنين، فكأن المسألة انكسرت على صنف واحد، فتضرب اثنين في ستة أصل المسألة يخرج اثنا عشر، فمن له شيء من أصل المسألة أخذه مضروبًا، في اثنين للأم سهم في اثنين اثنين إلخ، وغلى ذلك أشار الدردير بقوله: وقابل بين الصنفين فخذ أحد المتماثلين وقد يتداخل رجع الصنفين فتكتفي بأكثرهما كأم وثمانية إخوة لأم وستة إخوة لأب، فالمسألة من ستة: للأم سهم وللإخوة للأم سهمان لا ينقسمان عليهم ولكن يوافق عددهم بالنصف فتردهم إلى الأربعة وللإخوة للأب ثلاثة لا تنقسم وتوافق بالثلث فتردهم إلى اثنين واثنان داخلان في الأربعة فتكتفي بها وتضرب الأربعة في الستة بأربعة وعشرين فمن له شيء من أصل المسألة أخذه مضروبًا فيما ضربت فيه المسألة وهو أربعة: فللأم سهم في أربعة بأربعة إلخ، وإلى ذلك أشار الدردير بقوله: وأكثر المتداخلين ثم قال: وإن كان بين الصنفين موافقة فتضرب أحدهما في وفق الآخر كأم وثمانية إخوة لأم وثمانية عشر أخًا، فالمسألة من ستة: للأم سهم وللإخوة لأم اثنان لا ينقسمان عليهم، وتوافق بالنصف فترد الثمانية لأربعة وللأخوة للأب ثلاثة لا تنقسم، وتوافق بالثلث
[ ٣ / ٣١٧ ]
فترد لستة وهي توافق الأربعة وفق الإخوة للأم بالنصف فتضرب وفق أحدهما في كامل الآخر باثني عشر في ستة أصل المسألة يحصل اثنان وسبعون، فمن له شيء في المسألة أخذه مضروبًا في اثني عشر، وإلى ذلك أشار بقوله: وحاصل ضرب أحدهما في وفق الآخر إن توافقا. قال: وقد يتباينان فيضرب كل في كل الآخر ثم في أصل المسألة كأم وأربعة إخوة لأم وست أخوات، أصلها ستة وتعول لسبعة: للأم سهم وللإخوة للأم اثنان وراجع لأولاد ألم اثنان مباين لوفق الأخوات الست وهو ثلاثة فتضرب ثلاثة في اثنين يحصل ستة ثم في أصل المسألة بعولها يحصل اثنان وأربعون، فمن له شيء من سبعة أخذه مضروبًا في ستة، وإلى ذلك أشار بقوله: وفي كله إن تباينا اهـ. كلام الدردير.
ثم ذكر الانكسار مع تداخل في المسألة أو تماثل فيها قال رحمه الله تعالى: (وفي المسألة وتداخلها كزوجتين وبنت وأربعة أشقاء تضرب الأكثر وتماثلهما كزوجتين وشقيقين اضرب أحدهما في المسألة تكن من ثمانية وإن وافقا جعلت الوفقين أصلين وعملت كما تقدم)، يعني كما في خلاصة الكلام: وإن انكسرت على صنفين فتنظر بنظرين: تنظر بين كل صنف وسهامه بالتوافق والتباين فقط، فتحفظ وفق رؤوس الصنف والموافقة والكل في المباينة ثم تنظر بين المحفوظين بالنسب الأربع، فإن تماثلا فأحدهما جزء السهم، وإن تداخلا فأكبرهما جزء
السهم، وإن توافقا تضرب وفق أحدهما في الآخر وحاصل الضرب جزء السهم، وإن تباينا تضرب أحدهما في الآخر والحاصل جزء السهم تضربه في أصل المسألة إن لم تعل، وفي مبلغها بالعول إن عالت يحصل التصحيح. مثال ذلك: لو خلف زوجتين وثلاثة إخوة لأم وعمًا، أصل المسألة من اثني عشر؛ لأن فيها ربعًا وثلثًا وبين مخرجيهما تباين، تضرب أحدهما في الآخر يحصل أصل المسألة اثنا عشر فتجد أن حصة الزوجتين ثلاثة منكسر عليهما، وحصة الإخوة أربعة منكسر عليهم فالانكسار إذا كان على الصنفين نظرنا أولًا بين
[ ٣ / ٣١٨ ]
كل صنف وسهامه وجدنا أن بينهما تباينًا فحفظنا رؤوس الزوجتين اثنين ورؤوس الإخوة ثلاثة، فنظرنا ثانيًا بينهما فوجدنا تباينًا أيضًا فضربنا ثلاثة في اثنين تحصل ستة وهي جزء السهم ضربناه في أصل المسألة اثني عشر فحصل اثنان وسبعون وهو التصحيح اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (فتباينهما كأم وأربع أخوات لأم وست شقائق، وتوافقهما كأم وثمانية إخوة لأم وثمانية عشر لأب، وتماثلهما كأم وستة إخوة لأب وأربعة لأم. وتداخلهما كأم وثمانية إخوة لأم وستة لأب فإن وافق أحدهما رددته إلى وفقه وعملت كما تقدم. فتباينهما كأربع بنات وابن ابن وبنت ابن وتوافقهما كثماني بنات وستة بني ابن. وتداخلهما كأربع زوجات وستة أشقاء. وتماثلهما كأم وست بنات وثلاثة بني ابن أو على ثلاثة)، يعني كما قال خليل: ورد كل صنف انكسرت عليه سهامه إلى قوله: وإلا ففي كله إن تباينا. قال شارحه المواق عن ابن شاس: إن وقع الانكسار على صنفين فتعتبر عدد رؤوس كل صنف مع سهامه من حيث المباينة والموافقة خاصة فما وافق سهامه أقمنا وفقه مقامه وما باينها تركنا الرؤوس على حالها ثم تنظر بين العددين الحاصلين أعني الوفقين أو الكاملين أو الرؤوس والوفق، وتعتبر نسبة بعضها إلى بعض في أربعة: في التماثل والتداخل والتباين والتوافق، فإن تماثلا اقتصرنا على أحدهما وضربناه في أصل المسألة، وإن تداخلا اقتصرنا على الأكثر وضربناه في أصل المسألة، وإن توافقا ضربنا وفق أحدهما في كامل الآخر ثم ما اجتمع فأصل المسألة، وإن تباينا ضربنا جملة أحدهما في جملة الآخر ثم ما اجتمع فأصل المسألة فما انتهى إليه الضرب في جميع ذلك فمنه تصح المسألة على الصنفين جميعًا، وقد تبين من هذا أن كل واحد من الأقسام الثلاثة تعرض عليه الأحوال الأربع فتتضاعف بها اثنتا عشرة صورة، ويظهر تفصيل ما أجمل بالتمثيل. المثال الأول: أم وأربع أخوات لأم وستة إخوة لأب تصح من اثني عشر. الثاني: جدة وثمانية إخوة لأم وستة إخوة لأب
[ ٣ / ٣١٩ ]
تصح من أربعة وعشرين. الثالث: أم وثمانية إخوة لأم وثمانية عشر ابن عم تصح من اثنين
وسبعين. الرابع: أم وست أخوات أشقاء وأربع أخوات لأم تصح من اثنين وأربعين. الخامس: جدتان وزوجتان وأخوان لأب تصح من أربعة وعشرين. السادس: زوجتان وبنت وأربعة إخوة لأب تصح من اثنين وثلاثين. السابع: تسع بنات وستة إخوة لأب تصح من أربعة وخمسين. الثامن: ثلاث زوجات وشقيقتان وعاصبان تصح من أربعة وعشرين. التاسع: أم وست بنات وثلاثة بني ابن تصح من ثمانية عشر. العاشر: أربع زوجات وستة إخوة لأب تصح من ستة عشر. الحادي عشر: ثماني بنات وستة بني ابن تصح من ستة وثلاثين. الثاني عشر: أربع بنات وابن ابن وبنت ابن تصح من ثمانية عشر اهـ. ثم ذكر الانكسار على ثلاث فرق أي على ثلاثة أصناف. قال الخرشي: وإن رفع الانكسار في المسألة على ثلاثة أصناف وهو غاية ما ينكسر فيه الفرائض عند مالك؛ لأنه لا يورث أكثر من جدتين فإنه يعمل في صنفين منها على ما مر، ثم انظر بين الحاصل من الصنفين وبين الصنف الثالث بالموافقة والمباينة والمماثلة والمداخلة ثم ما حصل انظر فيه كذلك بالوجوه الأربعة: المماثلة والموافقة والمداخلة والمباينة، فإن تماثلت كلها رجعت لصنف واحد، وكذلك إن دخل اثنان منها في واحد، وإن تماثل اثنان منها أو دخل أحدهما في الآخر رجعت لصنفين وضرب في العول أيضًا إن كان كما ضرب فيها بلا عول اهـ. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (ولا يتصور الكسر على أصلنا على أكثر كزوجتين وخمس بنات وثلاث شقائق فكل يباين سهامه وصاحبه فالحاصل من الضرب ثلاثون في المسألة يكون سبع مائة وعشرين ثم من له شيء يأخذه مضروبًا فيما ضربته في المسألة)، هذا كما ذكره المواق نقلًا عن ابن شاس أنه قال: فإن وقع الانكسار على ثلاثة أصناف فاختلف الحساب على طريقتين، وذكر بعض الأصحاب طريقة وجيزة مغنية عن
[ ٣ / ٣٢٠ ]
التطويل، فقال: يجعل النظر بين صنفين من الثلاثة كأنه لم يقع الانكسار إلا عليهما خاصة فتعمل فيهما على ما تقدم عمله في الانكسار على صنفين حتى إذا انتهت في الإقامة إلى عدد المنكسرين أعني الذي يضرب في أصل المسألة نظرنا بينه وبين العدد الثالث الباقي ثم عملنا فيه ما عملناه في العددين الأولين فما انتهى إليه العمل وحصل من مبلغ الضرب جعلناه عدد المنكسرين هاهنا ضربناه في أصل المسألة فما انتهى إليه الضرب فمنه تصح اهـ. وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: وأما الانكسار على ثلاثة فرق فأحسن عمل فيها عمل الكوفيين، وهو أن تنظر في الفريقين خاصة بحسبما تقدم فما تلخص منها نظرته مع الثالث كما تنظر بين الفريقين، قال: فإن كان فريق رابع نظرت ما تلخص من الثلاثة معه ثم تضرب ما تلخص آخرًا في أصل الفريضة ثم تضرب فيه ما بيد
كل وارث فتكون أبدًا إنما تنظر بين فريقين نختصر التمثيل اعتمادًا على البيان المتقدم وخوف التطويل اهـ. بحروفه.
ثم قال رحمه الله تعالى: (ومعرفة نسبة العددين أن يفنى أحدهما بالآخر فإن أفناه فمتداخل وإن فضل واحد فمتباين وإلا عكست فتكون الموافقة بمخرج المفني كان أصم كجزء من أحد عشر أو ثلاثة وعشرين أو مفتوحًا كأحد الكسور التسعة والمماثلة ظاهرة)، يعني هذا بيان معرفة التماثل والتداخل والتوافق والتباين بين العددين، قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: إذا فرض عددان فإما أن يكون بينهما التساوي كخمسة وخمسة وهما المتماثلان أو التفاضل فإن كان القليل جزءًا واحدًا من الكثير كالاثنين والأربعة وكالثلاثة والخمسة عشر فمتداخلان، وإن لم يكن جزءًا واحدًا منه فإن كان بينهما موافقة في جزء أو أكثر فمتوافقان كأربعة وستة، فإن لكل منهما نصفًا صحيحًا وكثمانية واثنا عشر، فإن لكل منهما نصفًا صحيحًا وربعًا. وإن لم يكن بينهما موافقة فمتباينان، والواحد يباين كل عدد والأعداد الأوائل كلها
[ ٣ / ٣٢١ ]
متباينة. والعدد الأول ما لا يفنيه إلا الواحد كالاثنين والثلاثة والخمسة والسبعة والأحد عشر والثلاثة عشر ونحوها. والأربعة تسمى أوائل منطفه وما عداها أوائل أصم فلو ألبست النسبة بين العددين فأسقط الأصغر من الأكبر مرة بعد أخرى فإن فني الأكبر فمتداخلان، وإن بقي من الأكبر واحد فمتباينان: كثلاثة وسبعة أو عشرة، وإن بقي أكثر من واحد فأسقطه من الأصغر مرة فأكثر، فإن فني به الأصغر فمتوافقان كعشرة وخمسة عشر وكعشرين وأربعة وثمانين وإلا فإن بقي منه واحد فمتباينان كخمسة وتسعة وكثلاثين وسبعة وإن بقي أكثر فاطرحه من بقية الأكبر، فإن فنيت به فمتوافقان كعشرين وخمسة وسبعين أو بقي منهما واحد فمتباينان أو أكثر فاطرحه من بقية الأصغر وهكذا تسلط بقية كل عدد على العدد الذي طرحته به فإن بقي واحد فمتباينان أو لا يبقى شيء فمتوافقان بما للعدد الأخير المفني لكل منهما من الأجزاء.
واعلم أن كل متماثلين متوافقان بما لأحدهما من الأجزاء وكذا كل متداخلين متوافقان بما لأصغرهما ولكن لا يطلق عليهما متوافقان اصطلاحًا؛ لأن المتوافقين هما مشتركان ليسا متماثلين ولا متداخلين، والمعتبر من أجزاء الموافقة إذا تعددت أقلها طلبًا للاختصار اهـ. كلام الدردير:
ثم ذكر رحمه الله تعالى بقية من يستحق الميراث ممن يظن عدم إرثهم فقال: (والمنفي باللعان يتوارث وإخوته كإخوة لأم كأولاد الزانية وتوأمه كإخوة لأبوين بخلافهما ولا توارث بالشك كالمسبيين الذين لا تعرف أنسابهم) يعني أن ولد
المنفي باللعان يتوارث بينه وبين أمه وإخوته لأم، ولا توارث بينه وبين أبيه الذي نفاه عن نفسه باللعان ما لم يرجع عن نفيه، لما في الموطأ عن مالك: أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله تعالى وإخوته لأمه حقوقهم ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة، وإن كانت
[ ٣ / ٣٢٢ ]
عربية ورثت حقها وورث إخوته لأم حقوقهم وكان ما بقي للمسلمين. قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا اهـ. قال ابن جزي في القوانين: الرابع من موانع الميراث اللعان، فلا يرث المنفي به النافي ولا يرثه هو، وإذا مات ولد الملاعنة ورثته أمه وإخوته للأم وما بقي لبيت المال وتوأما الملاعنة شقيقان وتوأما البغي للأم، وفي توأمي المغتصبة قولان. قال: المانع الخامس الزنا، فلا يرث ولد الزنا والده ولا يرثه هو؛ لأنه غير لاحق به، وإن أقر به الوالد حد ولم يلحق به اهـ. قال الناظم رحمه الله تعالى:
وقل أشقا توأما اللعان وفي الزنا للأم ينسبان
قال شارحه: أي ثبت للتوأمين المنفي حملهما بلعان الزوج لزوجته حكم الأخوين الشقيقين، والتوأمان هما الولدان اللذان جمعهما حمل واحد وبينهما في النزول أقل من ستة أشهر وهي التي أقل مدة للحمل فيتوارثان توارث الشقيقين. اهـ. قاله في مصباح السالك شرح أسهل المسالك، وإلى جميع ما تقدم أشار خليل بقوله: ولا يرث ملاعن وملاعنة وتوأماها شقيقان. قال الخرشي: والمعنى أن توأمي الملاعنة يتوارثان على أنهما شقيقان وكذلك توأما المسبية والمستأمنة يتوارثان على أنهم أشقاء على المشهور، وأما توأما الزانية والمغتصبة فالمشهور أنهما يتوارثان على أنهما إخوة لأم، وهو مذهب ابن القاسم لأن الحكم للأنثى قياسًا على المكاتبة والمدبرة ونحوهما اهـ. قوله: ولا توارث بالشك سواء كان الشك في السباب كعدم صحة النسب بين الوارث والموروث أو عدم صحة العقد مثلًا أو في الجهل بالسابق في الموت كما تقدم، وعلى كل حال فإن الشك من موانع الميراث وإن كمفقود. قال خليل: ومال المفقود للحكم بموته إلى أن قال: ووقف المشكوك فيه فإن مضت مدة التعمير فكالمجهول اهـ. كما تقدم في أحكام المفقود.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بالفرائض ومسائله انتقل يتكلم على المناسخة ومسائلها وما يتعلق بها فقال رحمه الله تعالى:
[ ٣ / ٣٢٣ ]
فصل في المناسخة
فَصْلٌ
في المناسخة
أي في بيان ما يتعلق بالمناسخة، والمناسخة: من النسخ وهو لغة: الإزالة، وفي اصطلاح الفرضيين: أن يموت إنسان ولم تقسم تركته حتى يموت من ورثته وارث. قال العلامة الباجوري في حاشيته على الشنشوري: وهذا الباب من مستصعبات هذا الفن ولا يتقنه إلا ماهر في الفرائض والحساب كما في اللؤلؤة اهـ.
واعلم أن المناسخة قسمان: قسم لا يفتقر لعمل وقسم يحتاج للعمل: أما الذي لا يفتقر للعمل ككون ورثة الثاني هم ورثة الأول، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (إذا مات ثان قبل القسمة فإن كانت ورثته يرثونه كالأول فلا عمل كالإخوة بقي منهم واحد)، يعني كما إذا كان ثلاثة نفر في درجة كالشقيقين مات أحدهم وترك اثنين ثم مات الثاني قبل قسمة التركة وبقي واحد فإنه يرث المال كأن الميت الأول لم يترك إلا نفرًا واحدًا من إخوته. وقال بعضهم في الأمثلة: إذا مات ميت عن ورثة فمات أحدهم قبل القسمة فإن لم يرث الميت الثاني غير الباقين وكان إرثهم منه كإرثهم من الأول جعل الميت الثاني كأن لم يكن. مثاله: كأن يترك أربعة بنين وثلاث بنات مات أحد الأبناء قبل القسمة فبقي ثلاثة بنين وثلاث بنات فكأن الميت خلف من بقي فقط، فأصل المسألة عدد رؤوسهم تصح من تسعة: للذكر مثل حظ الأنثيين. وفي أقرب المسالك: إن مات وارث قبل القسمة وورثه الباقون كثلاثة بنين وزوج ليس أباهم فكالعدم اهـ.
ثم ذكر القسم الثاني من قسمي المناسخة أي القسم الذي يفتقر للعمل فقال رحمه الله تعالى: (وإن لم يرثوا الأول أو يرثونه بغير المعنى الأول أفردت سهام الثاني من الأول فإن انقسمت عليهم فقد صحت من الأولى وإلا نظرت فإن وافقت تركته مسألته ضربت وفق الثانية في الأولى وإلا ضربت الثانية في الأولى فمن
[ ٣ / ٣٢٤ ]
له شيء من الأولى أخذه مضروبًا في الثانية أو وفقها ومن الثانية في تركة الثاني أو وفقها. وعلى هذا إذا تعدد الموتى)، يعني كما في عبارة ابن جزي في القوانين: أي وإن اختلف الورثة أو حظوظهم فالعمل في ذلك أن تصحح فريضة الميت الأول ثم فريضة الثاني ويقسم حظ الثاني من الفريضة الأولى على فريضته فإن انقسم صحت الفريضتان من عدد الأولى، وذلك في التماثل والتداخل، وأعطيت كل واحد حظه من الفريضتين إن ورث فيهما أو من الواحدة إن ورث فيها خاصة، وإن لم ينقسم وذلك إذا كان سهمه موافقًا للفريضة أو مباينًا فإن كان مباينًا فاضرب فريضته في الأولى وتصحان من المجموع، وإن كان موافقًا فاضرب وفق فريضته في الأولى وتصحان من المجموع ثم اضرب ما بيد كل وارث من الأولى في عدد
الثانية أو وفقها وما بيد كل وارث من الثانية في نصيب الميت الثاني من الفريضة الأولى أو في وفقه، واجمع لمن يرث في الفريضتين حظه منهما.
مثال ذلك: زوجة وشقيقة وأخ لأم وعم ثم ماتت الشقيقة عن أخيها للأم وعن العم فالفريضة الأولى من اثني عشر وحظ المتوفاة الثانية منها ستة وفريضتها ستة فانقسمت بالتماثل وصحت الفريضتان من اثني عشر للزوجة ثلاثة من الأولى وللأخ اثنان من الأولى وواحد من الثانية وللعم واحد من الأولى وخمسة من الثانية. فلو تركت الثانية ثلاثة بنين انقسمت بالتداخل، فلو تركت خمسة بنين لم تنقسم للتباين فتضرب الخمسة في الاثني عشر بستين ومنها تصح الفريضتان ثم تضرب ما بيد كل وارث من الأولى في خمسة وما بيد كل وارث من الثانية في ستة وهي نصيبها من الأولى. فلو تركت زوجًا وثلاثة بنين لم تنقسم للتوافق فتضرب وفق الأربعة وهو اثنان في الاثني عشر بأربعة وعشرين ثم تضرب ما بيد كل وارث من الأولى في اثنين وما بيد كل وارث من الثانية في ثلاثة وهي وفق نصيبها اهـ. كلام ابن جزي فتأمل. وفي عبارة لبعض الأفاضل أنه قال: وإن اختلف قدر الاستحقاق منهما فصح مسألة للميت الأول وصحح مسألة للثاني باعتباره
[ ٣ / ٣٢٥ ]
فصل في الخنثى
ميتًا آخر ثم انظر فإن انقسمت سهام الثاني من مسألة الأول على مسألته فالعدد الذي صحت منه مسألة الأول هو الجامعة للمسألتين فأعط كل وارث من ورثة الثاني حصته من نصيب الثاني من الأول، مثاله: زوج وأب وأم مات الزوج قبل القسمة عن ابن وبنت صححنا مسألة للأول فكان مصححها ستة وصححنا مسألة الثاني فكان مصححها ثلاثة عدد رؤوس الابن والبنت، ونصيب الميت الثاني الذي هو الزوج ثلاثة ومسألته ثلاثة فلا حساب للابن اثنان وللبنت واحد والجامعة ستة وهي نفس مسألة الأول ثم قال: وإن لم تنقسم سهامه على مسألته فانظر بين سهامه ومسألته بالتوافق والتباين فقط، فإن توافقا فاضرب وفق مسألته في جميع مسألة الأول تحصل الجامعة، وإن تباينا فاضرب مسألته في مسألة الأول تحصل الجامعة، ثم جزء السهم لمسألة ما ضرب فيها وهو نفس مسألة الثاني في المباينة ووفقها في الموافقة. وجزء سهم مسألة الثاني نصيبه من مسألة الأول في المباينة ووفقه في الموافقة وكل من له سهام في المسألتين يأخذها مضروبة في جزء سهمها، مثال ذلك: أن تترك زوجًا وأبوين مات الزوج عن ستة بنين، فأصل الأولى ستة وسهام الميت الثاني منها ثلاثة، وأصل الثانية ستة وبين الثلاثة والستة توافق بالثلث فاضرب وفق مسألة الثاني اثنان في ستة مصحح الأولى يحصل اثنا عشر هو الجامعة فجزء سهم الأولى وفق مسألة الثاني اثنان وجزء سهم الثانية وفق نصيب الميت
الثاني وهو واحد. اهـ. خلاصة الكلام وبه انتهى خلاصة الكلام عن المناسخة ولم يبق إلا مشكلة الخنثى وسيزال عنها الإشكال عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الخنثى
أي في بيان ما يتعلق بأحكام الخنثى بأنواعه وفيما يتعلق بصفتيه من الأنوثة والذكورة،
[ ٣ / ٣٢٦ ]
والخنثى مأخوذ من الانخناث وهو التثني والتكسر أو من قولهم: خنث الطعام: إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه، وهو آدمي له آلتا الرجل والمرأة أو له ثقبة لا تشبه واحدة منهما، والمشكل مأخوذ من شكل الأمر شكولًا وأشكل: التبس، والخنثى ما دام مشكلًا لا يكون أبًا ولا أمًا ولا جدًا ولا جدة ولا زوجًا ولا زوجة، وهو منحصر في أربع جهات: البنوة والأخوة والعمومة والولاء. والكلام فيه في المقامين: أحدهما فيما يتضح به وما لا يتضح ومحله كتب الفقه اهـ. شنشوري.
قال رحمه الله تعالى: (يعتبر الخنثى بمباله فمن أيهما كان ثبت حكمه فإن بال منهما فالأكثر فإن استويا فالأسبق فإن استويا فالبلوغ من حيض أو احتلام ونبات اللحية أو الثدي فإن تساوت أحواله فمشكل)، يعني كما قال الدردير: ولو قامت به علامات الإناث أو الرجال اتضحت الحال وزال الإشكال، كما لو بال من فرجه دون ذكره أو كان بوله من الفرج أكثر خروجًا من الذكر وليس المراد أكثر كيلًا أو وزنًا، فإذا بال مرتين من الفرج ومرة من الذكر دل على أنه أنثى، ولو كان الذي نزل من الذكر أكثر كيلًا أو وزنًا أو كان بوله من الفرج أسبق حيث كان يبول منهما فإنه يدل على أنه أنثى، فإن اندفع منهما معًا اعتبر الأكثر، أو نبت له ثدي كثدي النساء لا كثدي رجل بدين فإن نبتا معًا أو لم ينبتا فباق على إشكاله، أو حصل حيض ولو مرة أو مني من الفرج إلى آخر ما تقدم اهـ. قال الخرشي: وحقيقة الخنثى سواء كان مشكلًا أم لا: من له آلة المرأة وآلة الرجل، وقيل: يوجد منه نوع ليس له واحدة منهما، وله مكان يبول منه ولا يتصور أن يكون أبًا ولا أمًا ولا جدًا ولا جدة ولا زوجًا ولا زوجة؛ لأنه لا يجوز مناكحته ما دام مشكلًا، وهو منحصر في سبعة أصناف: الأولاد وأولادهم والإخوة وأولادهم والأعمام وأولادهم والموالي اهـ. انظر الحطاب.
ثم لما عرف حقيقة الخنثى أراد أن يبين مقدار ميراثه فقال: (له نصف
[ ٣ / ٣٢٧ ]
نصيبي ذكر وأنثى)، قال الخرشي: يعني أنه يأخذ نصف نصيبه حال فرضه ذكرًا وحال فرضه أنثى لا أنه يعطى نصف نصيب الذكر المحقق الذكورية المقابل له ونصف
نصيب الأنثى المحققة الأنوثة المقابلة له، فإذا كان له على تقدير كونه ذكرًا سهمان وعلى كونه أنثى سهم فإنه يعطى نصف نصيب الذكر وهو سهم ونصيب الأنثى وهو نصف سهم فمجموع ذلك سهم ونصف سهم، وهذا إذا كان إرثه بالجهتين مختلفًا؛ لأن له أربع أحوال: حال يرث على أنه ذكر ويرث على أنه أنثى إلا أن ميراثه بالذكورة أكثر وحال يرث على أنه ذكر فقط وحال عكسه وحال مساواة إرثه ذكورة وأنوثة. فالأول: كما إذا كان ابنًا وابن ابن. والثاني: كما إذا كان عمًا أو ابن عم. والثالث: إذا كان في مسائل العول كالأكدرية فإنه لا يعال فيها إذا كان ذكرًا ولا يرث كما مر. والرابع: كما إذا كان أخًا لأم، والحكم في الثاني والثالث إعطاؤه نصف نصيب الوجه الذي يرث به ذكرًا كان أو أنثى، وأما الرابع فيعطى فرضه كاملًا لاستواء الحالتين. اهـ. وفي ذلك قال خليل: تصحح المسألة على التقديرات ثم تضرب الوفق أو الكل ثم في حالتي الخنثى تأخذ من كل نصيب من الاثنين النصف وأربعة الربع فما اجتمع فنصيب كل كذكر وخنثى فالتذكير من اثنين والتأنيث من ثلاثة تضرب الاثنين فيها ثم في حالتي الخنثى له في الذكورة ستة وفي الأنوثة أربعة فنصفها خمسة وكذلك غيره. قال شارحه: أي ممن معه من الورثة، فللذكر في الذكورة ستة وفي الأنوثة ثمانية ومجموعهما أربعة عشر فله نصفها سبعة ومجموعها مع الخمسة اثنا عشر اهـ. أفاده صاحب الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: (كخنثى وعاصب مسألة أنوثته من اثنين وذكوريته واحد داخل فاضرب اثنين في حالتيه تكن أربعة ففريضة تذكيره أي فاضرب فريضة تذكيره في تأنيثه باثنين وعكسها بواحد وذلك ثلاثة فهي له وللعاصب واحد)، يعني كما الميارة على العاصمية، قال: فإذا ترك الميت ابنًا وخنثى مشكلًا
[ ٣ / ٣٢٨ ]
فتعمل الفريضة على أنه ذكر فتكون من اثنين وعلى أنه أنثى من ثلاثة ثم تضرب الاثنين في الثلاثة بستة ثم تضرب الستة في حالتي الخنثى وهما حالتا الذكورة والأنوثة باثني عشر هي الجامعة اقسمها على الفريضة الأولى يخرج جزء سهمها ستة وعلى الثانية يخرج أربعة ثم تضرب للأولى واحدًا في ستة بها وواحدًا في أربعة بها المجموع عشرة اقسمها على حالتي الخنثى يخرج له خمسة، هذا إذا كان يرث على أنه ذكر وعلى أنه أنثى، وإرثه على أنه أنثى على نصف إرثه إن كان ذكرًا كما إذا كان ابنًا، وأما إن كان إنما يرث على أنه ذكر فقط كابن الأخ فإنما له نصف نصيب الذكر، أو على أنه أنثى فقط كالأخت في الأكدرية فإنما له نصف أنثى، أو على أنه يرث على الذكورة والأنوثة سواء كالأخ للأم فله نصيب كاملًا والله أعلم اهـ. وأما لو كانا خنثيين وعاصبًا فتتضاعف الأحوال في المسألة. قال خليل: وكخنثيين وعاصب فأربع
أحوال تنهي لأربعة وعشرين لكل أحد عشر وللعاصب اثنان. قال الخرشي: يعني لو ترك الميت خنثيين وعاصبًا فإن العمل في ذلك لا بد فيه من أربع أحوال: تعمل فريضة التذكير من اثنين ولا شيء للعاصب، وفريضة التأنيث من ثلاثة: للعاصب سهم ولهما سهمان ثم تذكير أحدهما فقط من ثلاثة أيضًا ثم تذكير الأنثى وتأنيث الذكر من ثلاثة أيضًا فثلاث فرائض متماثلة تكتفي بواحدة منها وتضربها في حالتي التذكير وهي اثنان بستة ثم تضربها في الأحوال الأربع بأربعة وعشرين، فعلى تقدير تذكيرهما لكل واحد منهما اثنا عشر، وعلى تقدير تأنيثهما يكون لكل واحد منهما ثمانية وللعاصب ثمانية، وعلى تذكير واحد فقط يكون للذكر ستة عشر وللأنثى ثمانية وكذلك العكس ثم تجمع ما بيد كل واحد وتعطيه ربعه؛ لأن نسبة واحد هو إلى الأربع أحوال ربع، وقد علمت أن مجموع ما بيد كل خنثى أربعة وأربعون؛ لأنه في التذكير اثنا عشر وفي التأنيث ثمانية أيضًا في كونه أنثى والآخر ذكرًا وفي العكس ستة عشر وبيد العاصب ثمانية فيعطى لكل خنثى أحد عشر وللعاصب اثنين. اهـ.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
قال رحمه الله تعالى: (وتتضاعف الأحوال بتعدده فللاثنتين أربعة وللثلاثة ستة وللأربعة ثمانية وعلى هذا)، يعني أن للخنثى إحدى حالتين: حال الذكورة وحال الأنوثة، وإذا كان في المسألة خنثيان تكون حالهما أربعًا كما مر آنفًا، وإذا كانوا ثلاثة خناثى تكون الأحوال ستًا، وإذا كانوا أربعة تكون الأحوال ثماني، ومهما زاد عدد الخناثى تضاعفت الأحوال كما للمصنف. وفي الخرشي: فإن كان في فريضة خنثى واحد فله حالتان، وإن كان اثنان فلهما أربع أحوال؛ لأنهما يقدران في حالة ذكرين وفي أخرى أنثيين وفي أخرى يقدر أحدهما ذكرًا والآخر أنثى وبالعكس. وهكذا فمهما زاد عدد الخناثى فإنك تضعف عدد الأحوال اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والمذهب أن ما أبقت الفروض فالأولى به عصبة فإن لم يكن فالموالي فإن لم يكن فبيت المال فإن عدم فللفقراء والمساكين)، يعني كما في الحطاب نقلًا عن المصنف في العمدة ونصها: المذهب أن ما أبقت الفروض يكون عند عدم العصبة لبيت المال وأنه وارث من لا وارث له. قال الدردير: وإن لم يكن عدلًا فيأخذ جميع المال أو ما أبقت الفروض. فإن لم يكن فللمسلمين، ولا يرد على ذوي السهام، ولا يرثه ذوو الأرحام هذا هو المشهور. وقيل: بل يرث بالرد والرحم واعتمده المتأخرون، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام. اهـ. الدردير بتوضيح. وذكر الشيخ سليمان البحيري في شرح الإرشاد لهذا الكتاب نقلًا عن عيون المسائل أنه حكى اتفاق شيوخ المذهب بعد المائتين على توريث ذوي الأرحام والرد على ذوي السهام لعدم انتظام بيت المال. وقيل:
إن بيت المال إذا كان غير منتظم يتصدق بالمال عن المسلمين لا عن الميت، والقياس صرفه في مصارف بيت المال إن أمكن، فإن كان ذوو رحم الميت من جملة مصاريف بيت المال فهم أولى اهـ. فراجع الفرع بعد قول المصنف: وذو جهتي فرض إلخ، هناك شيء من هذا المعنى فافهم ذلك.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
تنبيه: سئل ابن رشد عمن مات في بلد وخلف فيه مالًا وفي بلد آخر مالًا وليس له وارث إلا جماعة المسلمين وليس أحد البلدين له وطنًا وأراد صاحب البلد الذي مات فيه أخذ المال الذي خلفه في البلد الثاني ومنعه صاحبه هل له ذلك أم لا؟ وكيف إن كان البلد الذي مات فيه وطنًا أو الذي لم يمت فيه؟ فأجاب بقوله: عامل البلد الذي فيه استيطان المتوفى أحق بقبض ميراثه، مات فيه أو في غيره كان ماله فيه أو فيما سواه من البلاد، ذكره في مسائل المواريث. اهـ. نقله الحطاب.
ثم قال رحمه الله تعالى: (لا بالرد والرحم وورث المتأخرون بهما)، أي بالرد وإعطاء ذوي الأرحام وهو مذهب الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وكذا عبد الله بن مسعود، وعليه أبو حنيفة وابن حنبل قالوا: يرد ما بقي عن الفروض على ذوي السهام، فإن لم يكونوا فلذوي الأرحام، وعليه ذهب بعض المتأخرين من المالكية حتى حكى بعضهم الاتفاق عليه كما تقدم. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فيزاد بالرد مثل ما نقص القول بحسب السهام إلا الزوجين فلا يرد عليهما)، يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك: وعلى الرد فيرد على كل ذي سهم بقدر ما ورث إلا الزوج والزوجة فلا رد عليهما إجماعًا. قال العلامة الصاوي على الدردير: قوله: فيرد على كل ذي سهم أي فإن كان من يرد عليه شخصًا واحدًا كأم أو ولد أم فله المال فرضًا وردًا، وإن كان صنفًا واحدًا كأولاد أم أو جدات فأصل المسألة من عددهم كالعصبة، وإن كان صنفين جمعت فروضهم من أصل المسألة لتلك الفروض، فالمجتمع أصل المسألة الرد فاقطع النظر عن الباقي من أصل مسألة تلك الفروض فإنه لم يكن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وذوو الأرحام من عدا من ذكرناه من الورثة) يعني المراد بذوي الرحام: من لا يرث من الأقارب لا بالفرض ولا بالتعصيب، وعدهم في الجلاب خمسة عشر: الجد أبو الأم، والجدة أم أبي الأب، وولد الإخوة، والأخوات للأم،
[ ٣ / ٣٣١ ]
والخال وأولاده، والخالة وأولادها، والعم للأم وأولاده، والعمة وأولادها، وولد البنات وولد الأخوات من جميع الجهات كلها، وبنات العمومة. اهـ. أفاده الشبراخيتي. وقال بعض الأفاضل: ذوو الأرحام هم أصناف كثيرة ترجع بالاختصار إلى أربعة أصناف: الأول: من ينتمي إلى الميت وهم أولاد البنات
وأولاد بنات الابن وإن نزلوا. الثاني: من ينتمي إليهم الميت وهم الأجداد والجدات الساقطون وإن علوا. الثالث: من ينتمي إلى أبوي الميت وهم أولاد الأخوات وإن سفلوا ذكورًا كانوا أو إناثًا وبنات الإخوة ومن يدلي بهم وإن نزلوا. الرابع: من ينتمي إلى أجداد الميت وجداته وهم الأعمام من الأم والعمات مطلقًا والأخوال والخالات وإن تباعدوا وأولادهم وإن نزلوا. اهـ. قاله الشيخ محمد بن سالم التريمي في فقه المواريث.
قال رحمه الله تعالى: (وينزل كل منزلة من يدلي به فإن كان أحدهما يدلي بوارث فالمال له كابن بنت وابن بنت بنت وإن أدليا بغير وارث والجهة واحدة فهو للأقرب كابن خال وبنت ابن خال وإن اختلفت كابن عمه وابن خالة فالجمهور أنه كذلك وقيل بل ينزل كل حتى يلحق بالميت)، يعني كما في الصاوي على الدردير: واعلم أن في كيفية توريث ذوي الأرحام مذاهب أصحها مذهب أهل التنزيل، وحاصله أننا ننزلهم منزلة من أدلوا به للميت درجة فيقدم السابق للميت، فإن استووا فاجعل المسألة لمن أدلوا به. وهو أول وارث بالفرض أو التعصيب مما يلي ذوي الأرحام، وحينئذ يعطى نصيب كل وارث بفرض أو تعصيب لمن أدلى به، فإن أدلى بعاصب أخذه عصوبة، وإن أدلى بذي فرض أخذه فرضًا وردًا، وكيفية إرثهم أنه ينزل كل واحد منهم منزلة من أدلى به إلا الأخوال والخالات فينزلون منزلة الأم وإلا الأعمام للأم والعمات مطلقًا ينزلون منزلة الأب المدلى به؛ لأنه هو أول وارث بالفرض أو بالتعصيب مما يلي ذوي الأرحام، وحينئذ فمن كان أقرب إلى وارث من البقية قدم بإرث
[ ٣ / ٣٣٢ ]
المال كله دون الباقين، وإن استووا في القرب إلى وارث قدر كأن الميت خلف من أدلوا به فيحب بعضهم بعضًا كالمدلى بهم ويستحق كل منهم قدر استحقاق من أدلى به، وقدر أيضًا كأن المدلى بهم ماتوا عن هؤلاء الأرحام فمن ورث منهم في المدلى به ورث هنا ومن لا فلا، وقدر استحقاقهم فهنا قدر استحقاقهم في المدلى بهم اهـ. قال العلامة الشيخ محمد سالم: ثم إن لنا بعد هذا التنزيل ثلاثة أنظار: الأول: أن ننظر في ذوي الأرحام هل سبق بعضهم إلى الوارث أو لا؟ فمن سبق منهم إلى وارث قدم مطلقًا سواء اتحد صنفه هو والباقون أو جهتهم أم لا. وسواء قربت جهته للميت أم بعدت. وذلك كما في بنت بنت بنت مع بنت بنت ابن ابن فالمال كله للثانية لسبقها إلى الوارث، فإن أمها وارثة بخلاف الأولى، فإن أمها غير وارثة، وإن كانت هي أقرب إلى الميت من الثانية. وكما في بنت أخ مع ابن ابن بنت فالمال كله لبنت الأخ لسبقها إلى الوارث ولا شيء معها لابن ابن البنت وهكذا. الثاني: أن ننظر حيث لا سبق
إلى الوارث بين الورثة المدلى بهم بمراتب الحجب، وقدر الاستحقاق بتقدير حياتهم. فمن أدلى من ذوي الأرحام بوارث ورث ومن أدلى بمحجوب حجب. وذلك كما لو مات عن عمة وابن أخ لأم فالمال كله للعمة؛ لأنها تنزل منزلة الأب. ولا شيء لابن الأخ لأم؛ لأنه ينزل منزلة الأخ لأم، إذ لا شيء للأخ للأم مع وجود الأب. وكما لو مات عن ابن بنت وابن أخت لأم فالمال كله لابن البنت، ولا شيء لابن الأخت لأم لأنه أدلى بمحجوب. وذلك لأن كلا من ابن البنت وابن الأخت لأم ينزل منزلة أمه. والبنت لكونها فرعًا وارثًا تحجب الإخوة لأم. الثالث: أنه إذا لم يحجب أحد الورثة الآخر ننظر بين ذوي الأرحام بمراتب الحجب وقدر الاستحقاق عصوبة وفرضًا، وذلك أنه قد ينزل من ذوي الأرحام منزلة الأب أو غيره من الورثة اثنان فأكثر، فتجعل حصة من نزلوا منزلته لهم بتقدير أن من نزلوا منزلته مات وترك حصته إرثًا لهم، فيقسم بينهم على حسب ما يأخذونه من
[ ٣ / ٣٣٣ ]
تركة الوارث الذي نزلوا منزلته لو كان هو الميت عصوبة وفرضًا وحجبًا.
مثال ذلك: مات عن عمة شقيقة وعمة لأب وعمة لأم وخال شقيق وخال لأب. فالعمات ينزلن منزلة الأب والأخوال ينزلون منزلة الأم. فكأن الميت مات عن أب وأم. حصة الأم الثلث وحصة الأب الباقي وهو الثلثان ثم إن حصة الأب يقدر فيها كأن الأب مات عن أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم فتقسم أخماسًا: لأن مسألة الرد في حقهم من خمسة: للشقيقة ثلاثة وللأخت لأب واحد وللأخت لأم واحد. وحصة الأم يقدر فيها كأن الأم ماتت عن أخ شقيق وأخ لأب فتعطى جميعها للأخ الشقيق ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه محجوب بالشقيق. فأصل المسألة ثلاثة اثنان منها للعمات غير منقسمة على مسألة ردهن وهي الخمسة فنضرب مسألتهن وهي الخمسة في أصل المسألة يكون الخارج خمسة عشر ومنه تصح المسألة، للخال الشقيق من ذلك خمسة حصة الأم وللعمات عشرة حصة الأب منها للعمة الشقيقة ستة. وللعمة للأب اثنان وللعمة للأم اثنان اهـ. وأما قول المصنف: وإن اختلف إلخ فلا حاجة تدعو إلى تكرار بيان زائد عما قدمناه لك فتأمل. انظر بقية الأمثلة لمسألة الرد وذوي الأرحام في فقه المواريث للشيخ المذكور جزاه الله في الدارين خير جزاء.
ولنختم مسائل الرد بما نقله الصاوي عن الشنشوري على الرحبية أنه قال: واعلم أن مسائل الرد التي ليس فيها أحد الزوجين كلها مقتطعة من ستة، وأنها قد تحتاج لتصحيح، فإن كان هناك أحد الزوجين فخذ له فرضه من مخرج فرض الزوجية فقط وهو واحد من اثنين أو أربعة أو ثمانية واقسم الباقي على مسألة من
يرد عليه، فإن كان من يرد عليه شخصًا واحدًا وصنفًا فأصل مسألة الرد مخرج فرض الزوجية، وإن كان من يرد عليه أكثر من صنف فأعرض على مسألة الرد الباقي من مخرج فرض الزوجية، فإن انقسم فمخرج فرض الزوجية أصل المسألة الرد كزوجة وأم وولديها. وإن لم ينقسم ضربت مسألة من يرد عليه في مخرج فرض الزوجية؛ لأنه لا يكون إلا مباينًا فما بلغ فهو أصل مسألة
[ ٣ / ٣٣٤ ]
فصل في الميراث
الرد وقد تحتاج مسألة الرد التي فيها أحد الزوجين لتصحيح أيضًا، إذا تقرر ذلك فأصول مسائل الرد كان فيها أحد الزوجين أم لا ثمانية أصول: اثنان كجدة وأخ لأم. وكزوج وأم. وثلاثة كأن وولديها. واربعة كأم وبنت وكزوجة وأم وولديها. وأربعة كأم وبنت وكزوجة وأم وولديها. وخمسة كأم وشقيقة. وثمانية كزوجة وبنت. وستة عشر كزوجة وشقيقة وأخت لأب. واثنان وثلاثون كزوجة وبنت وبنت ابن. وأربعون كزوجة وبنت وبنت ابن وجدة اهـ.
تنبيه: إذا وجد زوج أو زوجة مع ذي الرحم أخذ فرضه تامًا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع ولا الزوجة من الربع إلى الثمن بأحد من الفروع الوارثين بالرحم، ولا يدخل على أحد منهم ضرر العول بازدحام الفروض. وما بقي بعد فرض أحد الزوجين فلذوي الأرحام يقسم عليهم كما يقسم الجميع لو انفردوا كأن لم يكن أحد الزوجين اهـ. قاله العلامة الشيخ أبو بكر بن شهاب الدين في فتوحات الباعث شرح تقرير المباحث.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل الخنثى وأحكام الرد وذوي الأرحام وغير ذلك انتقل يتكلم على ما إذا اجتمع إقرار وإنكار في الميراث وما يتعلق بتصحيح المسائل في جميع ذلك فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الميراث
أي في بيان ما يتعلق بمسائل الإقرار والإنكار في الميراث، وتقدم بعض مسائل الإقرار من هذا الكتاب، والآن نتكلم عن اجتماع الإقرار والإنكار في الميراث وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (إذا اجتمع مسألتا ميراث: وإقرار وإنكار صححتهما)، يعني إذا اجتمع إقرار وإنكار في الميراث فإنه ينظر في فريضة الإنكار والإقرار معًا. قال الدردير: إن أقر أحد الورثة فقط بوارث فللمقر له ما نقصه الإقرار، تعمل فريضة الإنكار ثم فريضة الإقرار ثم انظر ما بينهما من تداخل وتباين وتوافق وتماثل وإليه
[ ٣ / ٣٣٥ ]
أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فإن توافقتا ضربت الوفق في الآخر كالبنتين وابن أقر بآخر)، يعني أي إذا توافقتا فإنك تضرب الوفق في الآخر، وذلك كما إذا مات شخص وترك ابنًا وبنتين أقر الابن بابن آخر وكذبته الابنتان ففريضة الإنكار من أربعة وفريضة الإقرار من ستة وبينهما توافق بالأنصاف
فتضرب اثنين في ستة أو ثلاثة في أربعة يحصل اثنا عشر فاقسمها على مسألة الإنكار يحصل للابن ستة ولكل بنت ثلاثة، وعلى مسألة الإقرار يخص المقر أربعة ولكل بنت سهمان فقد نقص المقر من حصته اثنان يدفعهما للمقر به، هذا حكم التوافق في المسألة.
قال رحمه الله تعالى: (وإن تباينتا فإحداهما في الأخرى كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة بأخ)، يعني أنه إذا تباينت مسألتا الإنكار والإقرار فاضرب إحداهما في الأخرى، وذلك كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة من الأختين بأخ شقيق وأكذبها الباقون من الورثة، فمسألة الإنكار من ثلاثة ومسألة الإقرار من أربعة وبينهما تباين فتضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر ثم تقسمها على الإنكار لكل أخت أربعة وللعاصب أربعة، وعلى الإقرار لكل أخت ثلاثة وللأخ ستة فقد نقص من حصة المقرة سهم تدفعه للمقر به، هذا حكم التباين.
قال رحمه الله تعالى: (وإن تداخلتا فمن أكثرهما كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة بثالثة)، يعني أنه إذا تداخلت مسألتا الإنكار والإقرار فإنك تكتفي بأكثرهما وذلك كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة من الأختين بأخت شقيقة وكذبها الباقون من الورثة ففريضة الإنكار من ثلاثة وفريضة الإقرار تصح من تسعة لإنكار السهمين على الأخوات الثلاث فتضرب عدد الرؤوس المنكسر عليها سهامها في أصل المسألة وهو ثلاثة يخرج تسعة، فالثلاثة داخلة في التسعة فتقسم التسعة على الورثة باعتبار فريضة الإنكار لكل أخت ثلاثة وللعاصب ثلاثة ثم تقسمها على الورثة باعتبار فريضة الإقرار فلكل
[ ٣ / ٣٣٦ ]
أخت سهمان وللعاصب ثلاثة فقد نقصت المقرة سهمًا فتدفعه للمقر لها، هذا حكم التداخل في المسألة.
قال رحمه الله تعالى: (وفي تماثلهما من أحدهما كأم وأخت لأب وعاصب أقرت بشقيقة)، يعني أن مسألتي الإنكار والإقرار إذا تماثلتا فهي من أحدهما كما قال ﵀ ومثل ذلك بقوله: كأم وأخت لأب وعاصب أقرت بشقيقة، فالمعنى إذا أقرت أخت بأخت أخرى شقيقة للميت وأنكرتها الأم ففريضة الإنكار من ستة: للأم اثنان وللأخت ثلاثة وللعاصب الباقي وهو واحد، وكذلك فريضة الإقرار من ستة أيضًا. للشقيقة النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين وللأم السدس واحد وللعاصب ما بقي وهو واحد فقد نقصت حصة الأخت للأب سهمين تدفعهما للشقيقة المقر بها. قال العلامة الصاوي: أي فقد صار للأم سهمان وللعاصب سهم وللأخت المقرة سهم وللمقر بها سهمان. فلو أقرت بالشقيقة الأم فقط دفعت لها سهمًا وبقي لها سهم، ولا يلتفت للعاصب في الإقرار ولا في الإنكار لاستواء
نصيبه فيهما. وإلى جميع ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فمن له شيء من الإقرار يأخذه مضروبًا في مسألة الإنكار أو وفقها وبالعكس)، يعني إذا ضربت كل مسألة من هذه المسائل المتقدمة وحصل ما حصل من المضروبات فإن كل وارث يأخذ ما حصل له من النصيب مضروبًا في مسألة الإنكار أو الإقرار أو في وفق مسألة من أحدهما وهو معنى قوله: وبالعكس فتأمل اهـ. أفاد جميع ذلك الدردير بتوضيح من الصاوي وغيره. وأما عبارة ابن جزي لهذه المسائل على ما ذكره في الفصل الثاني في مسائل الإقرار والإنكار قال: إذا أقر وارث بوارث حيث لا يثبت النسب فإنما يأخذ المقر به ما يوجب الإقرار من نقص للمقر، فإن لم يوجب له نقصًا لم يأخذ شيئًا كزوجة أقرت بأم، وإن أقر بمن يحجبه أعطاه جميع نصيبه كابن ابن أقر بابن، وإن أقر بمن ينقصه أعطاه فضل ما يحصل له في الإنكار على ما يحصل له في الإقرار. والعمل في ذلك
[ ٣ / ٣٣٧ ]
أن تصحح فريضة الإنكار ثم فريضة الإقرار وتنظر بين عدديهما حتى يصحا معًا من عدد واحد فإن كانتا متماثلتين كفت إحداهما وأعطيت المقر به فضل ما بيد المقر في الإنكار وإن كانتا متداخلتين كفت الكبرى فقسمتها على الصغرى ثم ضربت ما بيد كل وارث من الصغرى في الخارج من القسمة. وإن كانتا متباينتين ضربت إحداهما في الأخرى ثم ضربت ما بيد كل وارث من هذه في عدد هذه وما بيد كل وارث من هذه في عدد هذه. وإن كانتا متوافقتين ضربت وفق أحدهما في جميع الأخرى ثم ضربت ما بيد كل وارث من هذه في وفق هذه وما بيد كل وارث من هذه في وفق هذه. مثال ذلك: زوج وابن أقر الابن ببنت ففريضة الإنكار من أربعة وكذلك الإقرار وبيد المقر في الإنكار ثلاثة وفي الإقرار اثنان فأعط المقر به واحدًا وهو فضل ما بيد المقر، فإن أقر الابن بابن كانتا متداخلتين، فمسألة الإنكار من أربعة والإقرار من ثمانية وبيد المقر في الإنكار ستة وفي الإقرار ثلاثة فأعط المقر به ثلاثة، فإن كان ثلاثة إخوة أقر أحدهم بأخ رابع كانتا متباينتين لأن الإنكار من ثلاثة والإقرار من أربعة فتضرب إحداهما في الأخرى باثني عشر يكون للمقر على الإنكار أربعة وعلى الإقرار ثلاثة فيأخذ المقر به واحدًا، ويتصور في هذا الباب أربع صور: الأولى: أن يتحد المقر والمقر به فالعمل على ما تقدم. الثانية: أن يتحد المقر به ويتعدد المقر فيأخذ المقر به من يد كل مقر ما نقصه الإقرار ويجمع له ذلك. الثالثة: أن يتحد المقر ويتعدد المقر به فيقسمون فضل ما بيد المقر على حسب محاصتهم. الرابعة: أن يتعدد المقر والمقر به فيأخذ كل مقر به ما بيد كل من أقر به اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فإن اجتمع ميراث ووصية صححت مسألة الوصية
وأخذت جزءها فإن انقسم الباقي تم العمل وإلا صححت الفريضة أيضًا فإن وافقت الباقي بعد الوصية ضربت الوفق في الأخرى وإلا إحداهما في الأخرى)، يعني أنه إذا اجتمع ميراث ووصية فلا بد من تصحيح مسألة الوصية، وكيفية ذلك كما في القوانين
[ ٣ / ٣٣٨ ]
فصل في التركة
لابن جزي أنه قال: إذا أوصى بجزء معلوم كالثلث أو الربع أو العشر أو جزء من أحد عشر أو غير ذلك ففي العمل وجهان: أحدهما: أن تصحح الفريضة ثم تزيد عليها من العدد ما قبل الجزء الموصى به فإن أوصى بثلث زدت نصف الفريضة، وإن أوصى بربع زدت ثلثها، وإن أوصى بعشر زدت تسعها. الوجه الثاني: أن تنظر مقام الجزء الموصى به فتعطي للموصى له وصيته منه وتقسم الباقي على فريضة الورثة فإن انقسم صحت الفريضة والوصية من المقام وذلك في المماثلة والمداخلة، وإن لم تنقسم ضربت في المباينة عدد الفريضة في مقام الوصية وصحتا من المجموع وضربت في الموافقة راجع أحدهما في كل الآخر وصحتا في المجموع، مثال ذلك: ماتت امرأة وتركت زوجًا وثلاثة بنين وأوصت بالخمس فالفريضة من أربعة، فعلى الوجه الأول: تزيد عليها واحدًا وهو ربعها فتصحان من خمسة، وعلى الوجه الثاني: تأخذ مقام الخمس وهو خمسة فتعطي الموصى له واحدًا وتقسم الأربعة على الفريضة فتبقى كما كانت للتماثل، فلو أوصت بالثلث فعلى الوجه الأول يزيد عليها نصف الفريضة وهو اثنان فتصحان من ستة، وعلى الثاني تنظر مقام الثلث وهو ثلاثة فتعطي الموصى له واحدًا ويبقى اثنان لا تنقسم على الفريضة وتوافقها بالنصف فتضرب اثنين وهو راجع الفريضة في مقام الثلث وهو ثلاثة بستة ومنها تصحان ولولا الموافقة لضربت الفريضة كلها في مقام الثلث باثني عشر اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل الجمع بين الإنكار والإقرار في الميراث انتقل يتكلم على ما هو أهم وهو الكلام على قسمة التركة فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في التركة
أي في بيان ما يتعلق بقسمة التركة وكيفية العمل فيها ليأخذ كل وارث نصيبه بعد تخليص جميع الحقوق عنها. قال بعض الأفاضل: قسمة التركات هي الثمرة المقصودة من
[ ٣ / ٣٣٩ ]
هذا الفن وما تقدم من تأصيل المسائل وتصحيحها إنما هو وسيلة لها.
قال رحمه الله تعالى: (وإذا أردت قسمة تركة معلومة القدر جعلتها أصل المسألة وصححت الفريضة)، يعني أنك إذا أردت أن تقسم التركة بعد علم قدرها فاجعلها أصل المسألة وصحح فريضتها بعد معرفة ما يلزم معرفته كالقيراط وغيره مما هو لازم في القسمة. قال بعضهم: اعلم أن كل شيء يقسم أربعة وعشرين
قسمًا فيسمى أحدها قيراطًا وكل قيراط يقسم أربعة وعشرين قسمًا فيسمى أحدها دانقًا وكل دانق يقسم أربعة وعشرين قسمًا فيسمى أحدها (١) حبة ولقسمة التركة بهذه القاعدة أن تعرف قيراط المسألة بأن تقسم مصحح المسألة على مخرج القيراط أربعة وعشرين فما خرج بالقسمة من صحيح أو صحيح وكسر فهو قيراط المسألة ثم حول كل نصيب من مصحح المسألة إلى القيراط أي طريقة شئت. ومنها أن تقسم نصيب الوارث من المصحح على قيراط المسألة يخرج نصيبه من مخرج القيراط قراريط، فإن بقي بعد القسمة باق فاضربه اهـ. وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فإن تباينا ضربت سهام كل في التركة ثم قسمت على الفريضة كزوج وأم وأخوين لأم والتركة خمسة وعشرون تقسمها على ستة يخرج النصيب أربعة دنانير وثلاثة قراريط وحبة فهو نصيب الأم ولكل من الأخوين مثله وللزوج ثلاثة أمثاله)، يعني إذا كان في المسألة تباين ضربت سهام كل وارث في التركة يخرج نصيب كل وارث ثم قسمها على الفريضة كزوج أي ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخويها لأم والتركة خمسة وعشرون دينارًا مثلًا وإذا قسمتها على الستة وهي أصل المسألة يخرج للزوج النصف وهو اثنا عشر دينارًا وتسعة قراريط وثلاث حبات ويخرج للأخوين للأم لكل واحد منهما أربعة دنانير وثلاثة قراريط وواحد حبة وهو الثلث ويخرج للأم أربعة دنانير وثلاثة قراريط وواحد حبة وهو السدس، هذا معنى عبارة المصنف فتأمل.
_________________
(١) قوله: كل دانق إلخ، المشهور أن الدانق سدس القيراط والحبة ثلثه.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
قال رحمه الله تعالى: (وإن توافقا والمسألة بحالها والتركة أربعة وعشرون ضربت سهم كل في وفق التركة وقسمت على وفق الفريضة)، يعني وإن توافقا والمسألة بحالها أي كما صورها المصنف بقوله: كزوج وأم وأخوين للأم وأصلها ستة كما تقدم فإنك تضرب سهم كل وارث في وفق التركة وتقسم على وفق الفريضة يخرج نصيبه من ذلك الوفق كما تقدم لكن التركة هنا أربعة وعشرون للموافقة، وبإسقاط واحد الدينار أسقطنا القراريط وما بعدها فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: (فإن كانت عينًا وعرضًا كعشرة دنانير وثوب فأخذت الأم الثوب بحقها فاجعل العين مالًا ذهب سدسه فأضف عليه مثل خمسه فهو قيمته. وإن أردت معرفة ما له من الدينار فانظر نسبة سهامه من التركة وأعطه مثل تلك النسبة من الدينار والله أعلم)، يعني إن كان في التركة عين وعرض كالدنانير أو الدراهم أو الثياب وغيرها أو كانت العروض من العقارات أو الحيوانات فأخذ بعض الورثة شيئًا من ذلك في نصيبه وأردت أن تعرف ثمن تلك العروض بالنسبة لذلك في سهام الآخذ
فافعل كما أمرك المصنف بأن تجعل العين مالًا ذهب سدسه فأضف عليه مثل خمسه فهو قيمته اهـ باختصار. وإليه أشار خليل بقوله: وإن أخذ أحدهم عرضًا فأخذ بسهمه وأردت معرفة قيمته فاجعل المسألة سهام غير الآخذ ثم اجعل لسهامه من تلك النسبة. فإن زاد خمسة ليأخذ فزدها على العشرين ثم اقسم اهـ. قال الخرشي: قوله: وإن أخذ أحدهم، الضمير يرجع للزوج وللأم وللأخت المذكورين في المختصر، فإن أخذ أحدهم عرضًا من التركة في المسألة السابقة فأخذه عن جملة نصيبه من غير تعين لقيمته وأخذ باقيهم العين وأردت معرفة قيمة ذلك العرض والمراد بالقيمة ما يتراضى عليه الورثة لا ما يساويه للعرض في السوق فوجه العمل في ذلك أن تصحح الفريضة وتسقط منها سهام آخذ العرض وتجعل القسمة على الباقي، فإذا أخذ الزوج العرض فاقسم العشرين على سهام الأم
[ ٣ / ٣٤١ ]
والأخت وذلك خمسة يكن الخارج لكل سهم أربعة فاضرب للزوج أربعة في ثلاثة سهامه باثني عشر وذلك ثمن العرض فتكون جملة التركة اثنين وثلاثين وكذلك لو أخذته الأخت وإن أخذته الأم كان الباقي بعد إسقاط سهمهما ستة فاقسم العشرين عليها يخرج ثلاثة وثلث هي جزء السهم اضربها في سهمهما يخرج ستة وثلثان هي قيمة العرض فالتركة ستة وعشرون وثلثان اهـ باختصار. وفي القوانين: إذا ضم أحد الورثة في نصيبه عرضًا أو عقارًا وأخذ سائرهم العين، فإن كانت قيمته قدر حظه فلا إشكال، وإن كانت أزيد دفع لسائر الورثة ما زاد، وإن كانت أقل دفع له سائر الورثة ما نقص ثم يقسم سائر الورثة ما كان في التركة من عين ويضيفون إلى ذلك ما زادهم أو ينقصون منه ما زادوه.
وحاصل ما ذكره في قسمة التركة: أنه إن كان المال مما يعد أو يكال أو يوزن فاقسم عدده على العدد الذي صحت منه الفريضة، وإن كان عروضًا أو عقارًا فيقوم وتقسم قيمته أو يباع ويقسم ثمنه على عدد الفريضة فما خرج ضربت فيه ما بيد كل وارث فذلك ما يحصل له من المال، وإن شئت سميت ما بيد كل وارث من أصل الفريضة فذلك الاسم نصيبه من المال. مثاله: زوج وأم وابن فالفريضة من اثني عشر والمال ستون، فإذا قسمته على أصل الفريضة خرج خمسة فتضربها فيما بيد كل وارث فيكون للأم عشرة وللزوج خمسة عشر وللابن خمسة وثلاثون. وإن سميت يكن للأم سدس المال وهو عشرة وللزوج ربعه وهو الخمسة عشر وللابن ثلاثة أسداس ونصف سدس وهو الخمسة والثلاثون اهـ. وأما عبارة الشنشوري على شرح الرحبية في قسمة التركات أنه قال: وهي مبنية على الأربعة أعداد المتناسبة التي هي أصل كبير في استخراج المجهولات وهي مذكورة في كتب الحساب، وذلك أن نسبة ما لكل وارث من تصحيح المسألة إلى تصحيح المسألة كنسبة ماله من التركة إلى التركة، إذا تقرر ذلك فتارة تكون التركة مما لا تمكن قسمته
[ ٣ / ٣٤٢ ]
كالعقارات والحيوانات، فبقدر تلك النسبة
تكون حصته من ذلك الموروث ثم تارة يعبر المفتي عنها بالقراريط وتارة يعبر عنها بالكسور المشهورة فهو مخير، والأولى مراعاة عرف ذلك البلد، ولو جمع بينهما كأن يقول مثلًا: للأم السدس أربعة قراريط لكان أولى، وتارة تكون التركة مما تمكن قسمته كالنقد أو ما يقدر بالوزن أو الكيل أو العدد أو ثمن أو قيمة ما لا تمكن قسمته أو أريد قسمة ما تمكن قسمته أو ما لا تمكن بالقراريط فيقدر مخرج القراريط وهو أربعة وعشرون كتركة مقدارها أربعة وعشرون دينارًا مثلًا ففي هذه الصور كلها إن كانت التركة مماثلة للتصحيح فالأمر واضح لا يحتاج لعمل كزوجة وبنت وأبوين والتركة عبد مثلًا أو أربعة وعشرون دينارًا فتصح المسألة من أصلها أربعة وعشرين: للزوجة ثلاثة وللبنت اثنا عشر وللأم أربعة وللأب خمسة، ومخرج القيراط أو التركة مساو كل منهما للتصحيح، فللزوجة ثلاثة قراريط من العبد أو ثلاثة دنانير وللبنت اثنا عشر قيراطًا من العبد أو اثنا عشر دينارًا وللأم أربعة قراريط من العبد أو أربعة دنانير وللأب خمسة قراريط من العبد أو خمسة دنانير. وإن كانت التركة غير مساوية لمصحح المسألة ففي قسمة التركة خمسة أوجه بل أكثر. الأول: وهو المشهور أن تضرب نصيب كل وارث من التصحيح في التركة أو مخرج القيراط وتقسم الحاصل على التصحيح يخرج ما لذلك الوارث، ففي المباهلة وهي زوج وأم وأخت شقيقة أو لأب لو كانت التركة عقارًا أو أربعة وعشرين دينارًا، فأصل المسألة ستة وتعول لثمانية ومنها تصح كما تقدم فاضرب للزوج ثلاثة في أربعة وعشرين مخرج القيراط أو عدد الدنانير يحصل اثنان وسبعون فاقسمها على الثمانية يخرج تسعة فللزوج تسعة قراريط في العقار أو تسعة دنانير وللأخت كذلك واضرب للأم اثنين في الأربعة والعشرين واقسم الحاصل وهو ثمانية وأربعون على الثمانية يخرج لها ستة قراريط في العقار أو ستة دنانير. ومنها وهو أصل الأوجه وهو أعمها نفعًا أن تنسب كل حصة من المصحح إليه
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وتأخذ من التركة أو من مخرج القيراط بتلك النسبة ففي المثال المذكور انسب للزوج حصته وهي ثلاثة إلى الثمانية مصحح المسألة تكن ربعًا وثمنًا فله ربع الأربعة والعشرين وثمنها وذلك تسعة قراريط أو دنانير وإن شئت قلت: له ربع التركة وثمنها وللأخت كذلك. وانسب للأم اثنين إلى الثمانية تكن ربعًا فلها ربع الأربعة والعشرين ستة دنانير أو قراريط، وإن شئت قلت: لها ربع التركة اهـ. ومن أراد معرفة بقية الأوجه مع زيادة فعليه بشرح الترتيب للعلامة الشنشوري فقد أتى فيه بعجب العجائب من هذا الفن، والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بقسمة التركة ومسائلها انتقل يتكلم على المسائل الجامعة على ما يأتي ولما مر من الأمور والأحكام مما يجب أن يعتني به الإنسان من أمر دينه ودنياه وذلك في أمور شتى.
قال رحمه الله تعالى:
[ ٣ / ٣٤٤ ]