الفصل الأول: في الاستخارة (*) في سفر الحج
إِذا عزم على السفر صلى ركعتين ينوي بهما الاستخارة (١)، ويستحب أن يقرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بقل هو الله أحد، فإِذا سلم صلى على النبي - ﷺ -، ثم قال:
_________________
(١) (*) استخارة (على وزن استفعال من الخير ضد الشر)، والمعنى: طلب الخيرة في شيء (النهاية لابن الأثير: ٢/ ٩١: خير).
(٢) حديث الاستخارة رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن. يقول: "إِذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: ". أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، كما قال المنذري في (الترغيب والترهيب: ١/ ٤٨٠ رقم ٢). وأخرجه البخاري في (الأدب المفرد: ٣٠٦ رقم ٧٠٣، باب الدعاء عند الاستخارة). والملاحظ أن استخارة قاصد سفر الحج لا تعود إِلى نفس الحج، لأن الاستخارة في الواجب والمكروه والحرام لا محل لها، وإِنما تكون الاستخارة في وسيلة النقل والمرافق وطريق السفر ونحو ذلك. كما قال خليل بن إِسحاق في (منسكه: ٩ ب).
[ ١ / ١٦٧ ]
اللَّهُمَّ إِنِّي أستَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ واستَقْدِرُكَ بقدرتك، وأسألُك من فضلك العظيم، فإِنَّكَ تقدِرُ ولَا أقْدِر وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب، اللهمّ إِن كنت تعلم أن لي في سَفَرِي هَذا في هذا الوقت خيرًا لي في ديني ودنيايَ، ومعاشي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي، ويسره في وبارك لي فيه، وإن كنتَ تَعْلَمُ أنَّ لِي في سفري هذا في هذا الوقت شرًّا لي في ديني ودُنياي ومَعَاشي وعَاجِلِ أمري وآجله، فاصْرِفْهُ عنِّي واصرفْنِي عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثم رضِّنِي به، يا أرْحَمَ الراحمين.
[ ١ / ١٦٨ ]
الفصل الثاني: فيما يجوز صرفه من المال في الحج
قال ابن معلى السبتي في منسكه: قال العلماء: يجب على مريد الحج أن يحرص على أن تكون نفقته حلالًا * لا شبهة فيها، فإِن الله ﵎ لا يقبل إِلا طيبًا.
وقال ابن عطاء الله (١) في منسكه: وإِنما أُتِيَ على كثير من الناس، في عدم قبول عباداتهم وعدم استجابة دعواتهم، لعدم تصفية أقواتهم عن الحرام والشبهات (٢).
_________________
(١) أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإِسكندري الجذامي، تاج الدين أبو العباس، صوفي مشارك في بعض العلوم كالتفاسير والحديث والفقه. من تآليفه: مفتاح الفلاح، ولطائف المنن، والمرقى إلى القدير الأبقى. ت ٧٠٩ بالقاهرة. (الأعلام: ١/ ٢١٣، الدرر الكامنة: ١/ ٢٩١ رقم ٧٠٠، شجرة النور: ٢٠٤ رقم ٧٠٣، شذرات: ٦/ ١٩، طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ١٧٦، كحالة: ٢/ ١٢١، كشف الظنون: ١/ ٦٧٥، معجم المطبوعات: ١٨٤).
(٢) كلام ابن عطاء الله هذا أورده الحطاب في (مواهب الجليل: ٢/ ٥٣٠) عند شرح قول خليل: "وصح بالحرام وعصى".
[ ١ / ١٦٩ ]
مسألة:
وقال سَنَد بن عِنَان (١) المالكي في كتابه الطَّرَازِ (٢): إِذا حج بمال مغصوب ضمنه وأجزاه حجه، وهو قول الجمهور (٣).
وعن الإِمام أحمد بن حنبل: أنه لا يجزئه وحجه باطل (٤).
_________________
(١) سند بن عنان بن إِبراهيم الأزدي المصري أبو علي، عالم مالكي نظار، تفقه بأبي بكر الطرطوشي وروى عن أبي طاهر السلفي. له تآليف في الفقه والجدل وغيرهما. ت ٥٤١ بالإِسكندرية. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٢، الديباج: ١/ ٣٩٩، شجرة النور: ١٢٥ رقم ٣٦١، كحالة: ٥/ ٢٨٣، هدية العارفين: ٢٢١).
(٢) الطراز شرح به سند المدونة، وهو حسن مفيد، يقع في نحو الثلاثين سفرا (شجرة النور: ١٢٥). يوجد منه جزء بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، رقمه (١٣٣٨).
(٣) نص سند هذا أورده الحطاب وذكر أن القرافي وغيره نقلوه. ولاحظ أن الحج بمال حرام غير مقبول لفقدان شرطه حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ولا منافاة بين الحكم بالصحة وعدم القبول؛ لأن أثر القبول في ترتيب الثواب وأثر الصحة في سقوط الطلب. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٨). وهذا النص وارد أيضًا في (المعيار المعرب: ١/ ٤٤٠).
(٤) لم يقل أحمد بن حنبل بإِجزاء هذا الحج؛ لأنه سبب غير مشروع، وذلك جار على أصله في الصلاة في الدار المغصوبة. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٨). وقد صرح ابن تيمية بعدم جواز الحج على بعير مُحرّم. (مجموع الفتاوى: ٢٦/ ٣٠٣).
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال التَّادلي (١) في منسكه وفي شرح الرسالة لعبد الصادق ونقله من كتاب جمل من أصول العلم لابن رشد (٢) قال: وسألته: عمن حج بمال حرام أترى ذلك مجزيًا عنه ويغرم المال لأصحابه؟
قال: أما في مذهبنا فلا يجزئه ذلك، وأما في قول الشافعي: فذلك جائز ويرد المال ويطيب له حجه (٣)؛ وقول الشافعي هذا أقرب إِلى مذهب مالك
_________________
(١) أحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي، أبو العباس، نزيل المدينة، فقيه فاضل متفنن، إِمام في أصول الفقه، له شرح على الرسالة وشرح عمدة الأحكام وتقييد على التنقيح، تولى نيابة القضاء بالمدينة وبها توفي سنة ٧٤١. (التحفة اللطيفة: ١/ ١٦٨، درة الحجال: ١/ ٤٢، الديباج: ١/ ٢٥٥ رقم ١٣٩).
(٢) محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، أبو الوليد، المالكي (الجد)، قاضي الجماعة بقرطبة وصاحب الصلاة بمسجدها الجامع، وزعيم فقهاء عصره بالمغرب والأندلس، تصانيفه كثيرة منها: "البيان والتحصيل" ولد سنة ٤٤٥. ت ٥٢٠ ودفق بمقبرة العباس. (أزهار الرياض: ٣/ ٥٩، بغية الملتمس: ٤٠، الديباج: ٢/ ٢٤٨، الصلة: ٢/ ٥٤٦، الغنية: ١٢٢، المرقبة العليا: ٩٨).
(٣) يقول الإمام النووي الشافعي: "إِذا حج بمال حرام أو راكبًا دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأء عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبدري، وبه قال أكثر الفقهاء، وقال أحمد: لا يجزئه. ودليلنا أن الحج أفعال مخصوصة، والتحريم لمعنى خارج عنها". (المجموع: ٧/ ٦٢ - ٦٣).
[ ١ / ١٧١ ]
ابن أنس (١).
فرع:
فإِذا قلنا بالإِجزاء، فقد أشار جماعة من العلماء المالكية والشافعية إِلى عدم القبول، منهم: القرافي (٢) والقرطبي من أصحابنا والغزالي والنووي (٣) من الشافعية.
_________________
(١) ساق الحطاب هذا الكلام ناقلًا من منسك التادلي، ملاحظًا أن ابن فرحون نقله عن مناسكه (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٨).
(٢) عقد القرافي فرقًا "بين ما يثاب عليه من الواجبات وبين قاعدة ما لا يثاب عليه منها وإن وقع ذلك واجبًا" ذكر فيه "أن القبول غير الإجزاء وغير الفعل الصحيح، فالمجزئ من الأفعال: هو ما اجتمعت شرائطه وأركانه. وانتفت موانعه، فهذا يبرئ الذمة بغير خلاف ويكون فاعله مطيعًا بريء الذمة فهذا أمر لازم مجمع عليه، وأما الثواب عليه فالمحققون على عدم لزومه، وإِن الله تعالى قد يبرئ الذمة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصور وهذا معنى القبول" وقدم القرافي عدة أدلة لتقرير ذلك. وذكر أن وصف التقوى شرط في القبول بعد الإِجزاء، والتقوى في عرف الشرع المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات. انظر: (الفروق: ٢/ ٥٠ وما بعدها، الفرق ٦٥).
(٣) قال النووي: "إِن خالف وحج بما فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه في ظاهر الحكم لكنه ليس حجًا مبرورًا ويبعد قبوله. هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ﵏ وجماهير العلماء من السلف والخلف". (الهيثمي على شرح الإِيضاح: ٣٠).
[ ١ / ١٧٢ ]
قلت: ورأيت في بعض الكتب، ولم يحضرني الآن، عن مالك - ﵀ - عدم الإِجزاء، وأنه وقف في المسجد الحرام في الحاج (١). ونادى: يا أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، من حج بمال حرام فليس له حج، أو كلام هذا معناه (٢).
تنبيه:
قال التادلي: وجدت بخط الشيخ الفقيه الصالح أبي إِسحاق إِبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين القرطبي (٣)، من تلامذة ابن رشد، على ظهر شرحه لكتاب الموطإِ، ما نصه: قال أحمد بن خالد (٤). قال ابن وضاح: يستحب لمن حج بمال فيه شبهة شيء أن ينفقه في سفره وما يريد من حوائجه، ويتحرَّى
_________________
(١) (ب): في الحج، وفي (ر): ساقطة.
(٢) أورد هذا النص الحطاب، وعلق عليه بقوله: ظاهر هذه الرواية عدم الإِجزاء كقول الإِمام أحمد وحملها على عدم القبول بعيد. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٨).
(٣) إِبراهيم بن يحيى بن إِبراهيم، مؤرخ أندلسي قرطبي وأصله من طليطلة، ألف كتاب "الإِعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي ﵇" ذيل به كتاب الاستيعاب لابن عبد البر. ت ٥٤٤ بلبلة الواقعة في غربي الأندلس.
(٤) أحمد بن خالد بن يزيد يعرف بابن الحباب القرطبي، أبو عمرو، من حفاظ الحديث، شيخ الأندلس في عصره، إِمام في المذهب المالكي. من تآليفه: مسند مالك، والصلاة، وقصص الأنبياء. ت ٣٢٢. (الأعلام: ١/ ١١٨، بغية الملتمس: ١٦٣، جذوة المقتبس: ١١٣ رقم ٢٠٤).
[ ١ / ١٧٣ ]
أطيب ما يجد فينفقه من حين يحرم بالحج فيما يأكل ويلبس من ثياب إِحرامه وشبه هذا. ورأيته يستحب هذا ويعجبه (١) أن يعمل به، وذكره عن بعض السلف (٢).
ومن هذا المعنى ما نقله ابن المعلى عن الغزالي - ﵀ - أن من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيِّب، فإِن لم يقدر فمن وقت الإِحرام إِلى التحلل، فإِن لم يقدر فليجتهد يومَ عرفة (٣)، فإِن لم يقدر فليلزِمْ قلبه مما هو مضطر إِليه من تناول ما ليس بطيب، فعساه سبحانه أن ينظر إِليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهيته (٤) *.
_________________
(١) (ص): ويعجبني، وكذا في مواهب الجليل.
(٢) أورد الحطاب هذا النص، وقال بعده: نقله ابن فرحون جميعه. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١). وكلام ابن فرحون وكلام التادلي، كله منقول في إِحدى الفتاوى المتعلقة بموضوع الحج بالمال الحرام، في (المعيار المعرب ١/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
(٣) هناك زيادة ساقها الحطاب لما نقل هذا النص، وهي: " .. لئلا يكون قيامه بين يدي الله تعالى ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام، فإِنا وإِن جوزنا هذا للحاجة فهو نوع ضرورة". (مواهب الجليل: ٢/ ٥٣٠).
(٤) لاحظ الحطاب أن التادلي نقله (ن. م: ٥٣٠). وأصله في (الإِحياء: ٥/ ٩٩).
[ ١ / ١٧٤ ]
مسألة:
ونقل ابن الحاج عن كتاب ابن المواز (١) والعتبية (٢) قال ابن القاسم: قال مالك - ﵀ -: لا بأس أن يحج بثمن ولد الزنى.
_________________
(١) محمد بن إِبراهيم بن زياد الإِسكندري المعروف بابن الموَّاز. كان راسخًا في الفقه والفتيا وكتابه (الموَّازية) من أمهات كتب المذهب ومن أصحها مسائل وأوعبها، رجحه القابسي على سائر الأمهات. ولد ابن المواز سنة ١٨٠. ت ٢٨١. (الأعلام: ٦/ ١٨٣، حسن المحاضرة: ١/ ٣١، الديباج: ٢/ ١٦٦ رقم ١٠، شجرة النور: ٦٨ رقم ٧٢، شذرات: ٢/ ١٧٧، المدارك: ٤/ ١٦١، الوافي بالوفيات: ١/ ٣٣٥).
(٢) كتاب فقهي كان الأندلسيون يعتمدونه ويسمى أيضًا "المستخرجة" ألفه الفقيه الحافظ أبو عبد الله محمد العتبي القرطبي. ت حوالي ٢٥٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
الفصل الثالث: فيما يفعله عند إرادة الخروج إلى الحج من منزله
قال عز الدين بن جماعة في منسكه عن بعض العلماء: إِنه يُستحب أن يتصدق بشيء عند سفره وأن يصل رحمه بما أمكن (١).
قال النووي: وإِذا أراد الخروج من منزله صلى ركعتين، لما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما خلف أحدٌ عند أهْله أفْضل من ركْعتين يْركعُهُما عنْدهُمْ حين يُريدُ سفرًا" رواه الطبراني (٢).
_________________
(١) هداية السالك: ٢/ ٣١١، الباب الخامس فيما يتعلق بالسفر، وعزاه إِلى بعض الشافعية. وانظر (المدخل لابن الحاج: ٤/ ٥١).
(٢) الطبراني عن المطعم بن المقداد، كما جاء في (الأذكار للنووي: ١٩٤). وهو في (فيض القدير: ٥/ ٤٤٣ رقم ٧٩٠٠). وفي (الكلم الطيب: ٩٣ رقم ١٦٦)، وقال ابن تيمية: أخرجه الطبراني، وقال محققه الألباني: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وهو ضعيف الإسناد وعلته الإِرسال. ولهذا الحديث شاهد رواه عثمان بن سعد بن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي - ﷺ - لا ينزل منزلًا إِلا ودعه بركعتين". أخرجه الحاكم في (المستدرك: ١/ ٤٤٦، كتاب المناسك) وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. =
[ ١ / ١٧٦ ]
وقال بعض الشافعية: إِنه يستحب أن يقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية قل هو الله أحد (١).
وقال النووي: ويستحب أن يقرأ بعد سلامه آية الكرسي ولإِيلاف قريش لآثار فيها عن بعض السلف (٢).
ومن الآثار: أن من قرأ آية الكرسي قبل خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع (٣).
واستحب بعضهم أن يقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٤).
قال: فإِذا فرغ من هذه القراءة يستحب له أن يدعو بإِخلاص ونيه.
ومن أحسن ما يقول:
"اللَّهُمَّ بك أسْتَعِينُ وعليك أتَوَكَّلُ، اللَّهُمَّ ذلِّلْ لي صعوبةَ أمرِي وسهِّلْ
_________________
(١) = وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال، وعثمان ضعيف ما احتج به البخاري. (التلخيص: ١/ ٤٤٦).
(٢) كذا في (أذكار النووي: ١٩٤) وفي (أوضح المسالك إِلى أحكام المناسك للسلمان: ٣٢) وفي (مناسك خليل: ٩ ب).
(٣) كذا في (الإِيضاح للنووي: ١٤) وتمام كلامه: "مع ما علم من بركة القرآن في كل شيء وكل وقت".
(٤) انظر: أذكار النووي: ١٩٥، الإِيضاح للنووى: ١٤.
(٥) القصص: ٨٥.
[ ١ / ١٧٧ ]
علَيَّ مشقَّةَ سَفَري، وارزُقْنِي من الخيْرِ أكْثَر ممَّا أطْلُب، واصرف عنّي كل شرّ، ربّ اشرح لي صدري ونوّر قلبي ويسّر لي أمري، اللهمّ إِنّي أستحفظك وأستودعك نفسي وديني وأهلي وأقاربي، وكل ما أنعمتَ به عليّ وعليهم من آخرة ودنيا، فاحفظنا أجمعين من كل سوء يا كريم" (١).
ويفتتح دعاءه ويختتمه بالتحميد لله تعالى. والصلاة على سيّدنا رسول الله - ﷺ - (٢).
ورُوي أيضًا عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يخرج إِلى سفر قال:
"اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إِنِّي أعُوذ بك من الضيعَةِ في السَّفَر، والكآبةِ في المُنْقَلَب، اللهمّ اقبض لنا الأمرض وهوِّنْ علينا السفر" (٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ أراد سفَرًا
_________________
(١) كذا في: (أذكار النووي: ١٩٠).
(٢) شأن الدعاء: ١٣.
(٣) أخرجه النسائي عن أبي هريرة بلفظ قريب. (عمل اليوم والليلة: ٣٥٠ رقم ٥٠٣). وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وفيه: " اللَهمَ إِني أعوذ بك من وعثاء السفر وسوء المنظر في الأهل والمال، اللَهمَ اطوِ لنا الأرض ". (السنن: ٣/ ٧٤، كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إِذا سافر، ٢٥٩٨).
[ ١ / ١٧٨ ]
فليقل لمن يخلف: أستوْدِعُكُم الله الذِي لا يُضَيِّعُ وَدَائِعَه" (١). رواه ابن السِّنِّي.
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: لم يرد رسول الله - ﷺ - سفرًا إِلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهمّ بك انتشرتُ، وإِليك توجَّهْتُ *، وبك اعتَصَمْتُ، أنت ثقتِي ورجائي، اللهمّ اكْفِنِي مَا أهَمَّنِي وَمَا لَا أهْتَمُّ به، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ منِّي، اللهُمّ زَوَّدْنِي التقْوَى واغْفِرْ لِي ذَنْبِي، ووَجِّهْنِي إِلَى الخَيْرِ حيْثُما تَوَجَّهْتُ" (٢).
فإِذا خرج من منزله وودع أهله فليقل ما صح عن النبي - ﷺ - من ذلك (٣).
_________________
(١) أخرجه النسائي عن أبي هريرة، وفيه: قال (لموسى بن وردان): ألا أعلمك يا ابن أخي شيئًا علمنيه رسول الله - ﷺ - عند الوداع؟ قال: بلى، قال: قل: أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. (عمل اليوم والليلة: ٣٥٢ - ٣٥٣ رقم ٥٠٨). وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: ودعني رسول الله - ﷺ - فقال: أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. (السنن: ٢/ ٩٤٣ رقم ٢٨٢٥، كتاب الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم). وأورده ابن تيمية في (الكلم الطيب: ٩٣ رقم ١٦٧). وقال محققه الألباني: حديث حسن الإسناد أخرجه ابن ماجه والنسائي وابن السني وأحمد وحسنه الحافظ.
(٢) أذكار النووي: ١٩٥.
(٣) من ذلك: سقطت من (ب).
[ ١ / ١٧٩ ]
وهو ما روته أم سلمة (١) - ﵂ - أن النبي - ﷺ - كان إِذا خرج من بيته قال:
"بسم الله، توكلت على الله، اللهمّ إِنّا نعوذ بك من أن نزلّ أو نضلَّ، أو نَظلم أو نجهَل أو يُجهَل علينا" (٢). رواه الأربعة.
وما رواه أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "إِذَا خَرجَ الرَّجُلُ منْ بيتِهِ فقال: بسم الله، توكَّلْتُ على الله، لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بالله،
_________________
(١) أم سلمة هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، أسلمت قديمًا وتزوجها الرسول - ﷺ - في السنة الرابعة وقيل في السنة الثالثة هـ. قال الواقدي ت ٥٩. وقيل: بعدها. (الإِصابة: ٤/ ٤٣٩، عيون الأثر: ٣٨١ - ٣٨٢).
(٢) (سنن ابن ماجه: ٢/ ١٢٧٨ رقم ٣٨٨٤، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إِذا خرج من بيته) بلفظ قريب. الترمذي عن أم سلمة: كتاب الدعوات، باب ما يقول إِذا خرج من بيته - قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. (السنن: ٥/ ٤٩٠ رقم ٣٤٢٧). النسائي عن أم سلمة، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الضلال. (السنن: ٨/ ٢٦٩ رقم الباب ٣٠). أبو داود عن أم سلمة، كتاب الأدب، باب ما يقول إِذا خرج من بيته. (السنن: ٥/ ٣٢٧ رقم ٥٠٩٤).
[ ١ / ١٨٠ ]
قال: يقالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وكُفِيتَ ووُقِيتَ (١)، فَيَتَنَحَّى له الشيْطانُ، قال: فيقول له شيْطانٌ آخَر: كيف لكَ برجُلٍ قد هُدِيَ وكُفَي ووُقَي". رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي وابن حبان وابن ماجه (٤).
وما رواه أبو هريرة - ﵁ - قالَ: كان رسول الله - ﷺ - إِذا خرج من منزله يقول: "بسم الله لَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بالله العَليِّ العَظيمِ، التكْلَانُ عَلَى الله" (٥)، رواه الحاكم.
_________________
(١) أورد هذا الدعاء السلماني في كتابه (أوضح المسالك: ٣٣٠) وقال: يستحب هذا الدعاء لكل خارج من بيته.
(٢) كتاب الأدب، باب ما يقول إِذا خرج من بيته، باتفاق في اللفظ إِلا في عبارة: فتتنحى له الشياطين. (السنن: ٥/ ٣٢٨ رقم ٥٠٩٥).
(٣) كتاب الدعوات، باب ما يقول إِذا خرج من بيته منتهيًا عند قوله: وتتنحى عنه الشياطين. (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إِلا من هذا الوجه). (السنن: ٥/ ٤٩٠ رقم ٣٤٢٦).
(٤) لفظه عند ابن ماجه: "إِذا خرج الرجل من باب بيته كان معه ملكان مُوكَلان به، فإِذا قال: توكلت على الله، قال: كفيت" قال: فيلقاه قرينان، فيقولان: ماذا تريدان من رجل قد هدي وكفي ووقي؟ . نقل محمد فؤاد عبد الباقي أن في إِسناده هارون بن هارون بن عبد الله، وهو ضعيف (سنن ابن ماجه: ٢/ ١٢٧٨ - ١٢٧٩ رقم ٣٨٨٦).
(٥) أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: " لا حول ولا قوة إِلا بالله، التكلان على الله". =
[ ١ / ١٨١ ]
ثم يقصد أقاربه وأصدقاءه فيودعهم ويسْتَحِل منهم، ويسألهم الدعاء.
قال النووي: فقد روي أن الله تعالى جاعل له في دعائهم خيرًا.
_________________
(١) = (السنن: ٢/ ١٢٧٨ رقم ٣٨٨٥، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إِذا خرج من بيته). ونقل محمد فؤاد عبد الباقي عن الزوائد أن في إِسناده عبد الله بن حسين، ضعفه أبو زرعة والبخاري وابن حبان.
[ ١ / ١٨٢ ]
تنبيه:
فإِن كان في مدينة النبي - ﷺ - فليجعل آخر عهده بالسلام على النبي - ﷺ - (١) والابتهال عنده والاستمداد فيما يقصده من خيري الدارين، وإن كان في غير المدينة وفي بلده من تُرجى بركتُه، فليقصده ويسأله الدعاء.
وينبغي لقرابة المسافر وأصدقائه أن يُشَيِّعُوه. وكذلك إِن كان المسافر رجلًا عالمًا أو من الصالحين أن يُشَيَّعَ عند خروجه بالمشي معه والدعاء له.
ويدل على مَشْرُوعية ذلك ذكرُ ثَنِيَّات الوداع.
قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: هذا الموضع بالمدينة سُمِّي بذلك لأن الحاج من المدينة يُودِّع بها مشيّعه.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن النبي - ﷺ - ودع فيها بعض المسلمين.
فائدة:
وثنيات الوداع: خارج المدينة النبوية في طريق الركب الشامي (٢) قريبًا من قبر النفس الزكية (٣)، وهي كذا على يمين الذاهب إِلى طريق الشام، وعلى
_________________
(١) الشفا: ٢/ ٧١.
(٢) انظر: (مشارق الأنوار: ١/ ١٣٦).
(٣) محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الملقب بالأرقط وبالمهدي وبالنفس الزكية، كان غزير العلم، شجاعًا سخيًّا، ولد بالمدينة سنة ٩٣ ونشأ بها. ت ١٤٥. (الأعلام: ٧/ ٩٠، شذرات الذهب: ١/ ٢١٣). وسيعرف ابن فرحون بقبر النفس التركية في ص ٧٩٦.
[ ١ / ١٨٣ ]
يسار الطريق متصل بجبل سَلْع (١) وهو موضع مشهور.
قال القاضي عياض في "المدارك" (٢) *: ولما انصرف عيسى بن دينار (٣) من عند ابن القاسم (٤) شيّعه ثلاثة فراسخ، وهي تسعة أميال.
_________________
(١) جبل سَلْعَ (بفتح السين وسكون اللام) ما يزال معروفًا وقد أصبح داخل المدينة. (المناسك وأماكن طرق الحج: ٤٠٨ هامش ٣). وانظر (معجم ما استعجم: ٣/ ٧٤٧، سلع)
(٢) ٤/ ١٠٧.
(٣) عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، أبو محمد، من أهل الأندلس، رحل فسمع من ابن القاسم وصحبه وعول عليه، وعندما رجع صارت الفتيا تدور عليه بقرطبة. كان عابدًا فاضلًا ورعًا. ت ٢١٢ بطيطلة ودفن بها. (بغية الملتمس: ٣٨٩ رقم ١١٤٤، تاريخ ابن الفرضي: ٣٣١ رقم ٩٧٥، جذوة المقتبس: ٢٧٩ رقم ٦٧٨، المدارك: ٤/ ١٠٥).
(٤) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري، أبو عبد الله، أشهر أصحاب مالك، روى عن الليث وابن الماجشون، وعنه أصبغ وسحنون وكثيرون. كان عالمًا زاهدًا سخيًّا شجاعًا. ت ١٩١، وسنه ٦٣ سنة. (الأعلام: ٤/ ٩٧، الانتقاء: ٥٠، تذكرة الحفاظ: ٣٥٦، تهذيب التهذيب: ٦/ ٢٥٢ رقم ٢٤، حسن المحاضرة: ١/ ٣٠٣، الديباج: ١/ ٤٦٥، شجرة النور: ٨٥ رقم ٢٤، شذرات الذهب: ١/ ٣٢٩، العبر: ١/ ٣٠٧، المدارك: ٣/ ٢٤٤، وفيات الأعيان: ٣/ ١٢٩ رقم ٣٦٢).
[ ١ / ١٨٤ ]
فرع:
وصفة الموادعة على ما رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) وابن خزيمة (٣) أن ابن عمر - ﵄ - كان يقول للرجل إِذا أراد سفرًا: ادن منِّي أودعك، كما كان رسول الله - ﷺ - يودعنا فيقول: "أسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وأمَانَتَكَ وخوَاتِيمَ عمَلِكَ".
وفي كتاب ابن السني عن ابن عمر - ﵄ - عنه - ﷺ - أنه ودع غلامًا فقال له: "زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى (٤) وَوَجَّهَكَ فِي الخَيْرِ وَكَفَاكَ الهَمَّ".
ويستحب أن يقول (٥) للمسافر إِذا ولّى: "اللَّهمّ اطو له البَعِيدَ، وهَوِّنْ عليه السَّفرَ"، لحديث أبي هريرة - ﵁ - المروي في ذلك (٦).
_________________
(١) كتاب الدعوات، باب ما يقول إِذا ودع إِنسانًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث سالم. (السنن: ٥/ ٤٩٩ رقم ٣٤٤٣).
(٢) عمل اليوم والليلة، للنسائي: ٣٥١ رقم ٥٠٦.
(٣) صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٣٧ رقم ٢٥٣١، باب توديع المسلم أخاه عند إِرادة السفر.
(٤) عن أنس ﵁ قال: "جاء رجل إِلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إِني أريد سفرًا فزودني، فقال: زودك الله التقوى " قال الترمذي: حديث حسن، وعن الترمذي رواه النووي. (الأذكار: ١٩٦، باب أذكاره إِذا خرج).
(٥) (ر): يُقال.
(٦) أخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله، إِني أريد أن أسافر فأوصني. قال: عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف، فلما أن ولى الرجل قال: "اللَّهمَ اطوِ لَهُ الأرضَ وهوَّنْ عليه السَّفَر". قال الترمذي: هذا حديث حسن. (السنن: ٥/ ٥٠٠ رقم ٣٤٤٥، كتاب الدعوات، باب ٤٦).
[ ١ / ١٨٥ ]
فصل: فيما جاء في المصافحة والمعانقة وتقبيل الرأس واليد وغيرهما والسلام عند الانصراف
ولم أقف على مشروعية المصافحة عند الوداع بخلاف القدوم، والظاهر الجواز؛ لأن المصافحة جائزة بل مستحَبَّةٌ، كلما لقي الرجل أخاه، لقوله - ﷺ -: "تَصَافَحُوا يذْهَبِ الغِلُّ" (١) وكرهها مالك في حكاية أشهب (٢). حكاه ابن
_________________
(١) كشف الخفاء: ١/ ٣٧٤ رقم ٩٨٥، عن ابن عمر بزيادة: " عن قلوبكم"، المقاصد الحسنة: ١٦٦ رقم ٣٥٢. وعزا تخريجه إِلى الإمام مالك في الموطإِ بلفظ: "تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا تذهب السخائم" وقال: وهو حديث جيد. وهو في (تنوير الحوالك: ٢/ ٢١٤، كتاب الجامع، باب ما جاء في المهاجرة).
(٢) أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري المصري، أبو عمرو، فقيه ثبت ورع، انتهت إِليه رئاسة المذهب بعد ابن القاسم، صحب مالكًا وروى عن الليث والفضيل بن عياض، وأخذ عنه بنو عبد الحكم والحارث بن مسكين وسحنون وجماعة. وخرّج عنه أصحاب السنن. ولد حوالي سنة ١٤٥. ت ٢٠٤ بمصر. (الأعلام: ١/ ١٣٥، الانتقاء: ٥١، تهذيب التهذيب: ١/ ٣٥٩ رقم ٦٥٤. حسن المحاضرة: ١/ ٣٥ رقم ٤٠، شجرة النور: ٥٩ رقم ٢٦، طبقات الفقهاء للشيرازي: ١٥٠، المدارك: ٣/ ٢٦٢، وفيات الأعيان: ١/ ٢٣٨).
[ ١ / ١٨٦ ]
شاس (١) وغيره.
قال (٢) ابن يونس (٣)، وسئل مالك عن المصافحة؟ فقال: إِن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فلا أفعله (٤).
وروي عن مالك في المصافحة غير هذا، وأنه صافح سفيان بن عيينة (٥)
_________________
(١) عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي، أبو محمد نجم الدين الجلال المالكي المصري، فقيه فاضل عارف بقواعد مذهبه، ألف فيه "عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة". ت ٦١٦ بدمياط مجاهدًا في سبيل الله. (الأعلام: ٤/ ٢٨٦، الديباج: ١/ ٤٤٣ رقم ٢٤، شجرة النور: ١٦٥ رقم ٥١٧، كحالة: ٦/ ١٥٨، مرآة الجنان: ٤/ ٣٥، وفيات الأعيان: ٦/ ٢٦٢، مقدمتنا لتحقيق كتابه عقد الجواهر).
(٢) (ص): وروى.
(٣) أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي، فقيه إِمام فرضي من أيمة الترجيح في المذهب المالكي ومن الملازمين للجهاد، أخذ عن علماء صقلية وعن شيوخ القيروان، ألف كتابًا في الفرائض وآخر في الفقه كان عليه اعتماد الطلبة. ت ٤٥١ ودفن بالمنستير. (الديباج: ٢/ ٢٤٩ رقم ٦٧، شجرة النور: ١١١ رقم ٢٩٤).
(٤) الجامع لابن أبي زيد: ١٩٣.
(٥) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد. من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين، عني بالكتاب الكريم والسنن وتفقه في الدين. ولد بالكوفة سنة ١٠٧، وانتقل إِلى مكة فسكنها إِلى أن توفي ١٩٨. =
[ ١ / ١٨٧ ]
وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة رسول الله - ﷺ - لجعفر ﵁ (١)، حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: ذلك خاص بجعفر، ورآه سفيان عامًا (٢).
وأجاز مالك في رسالته (٣) لهارون الرشيد (٤) أن يعانق قريبه، إِذا قدم من سفره (٥).
_________________
(١) = (تاريخ بغداد: ٩/ ١٧٤، تهذيب التهذيب: ٤/ ١١٧ رقم ٢٠٥، العقد الثمين: ٤/ ٥٩١، مشاهير علماء الأمصار: ١٤٩ رقم ١١٨١، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٩١ رقم ٢٦٧).
(٢) جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي عم رسول الله - ﷺ -، أخو الإِمام علي، وهو جعفر الطيار. له هجرتان: إِلى الحبشة وإلى المدينة. روى عنه ابنه عبد الله وأبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، استشهد في مؤتة سنة ٨ وعمره ٤١ سنة. (أسد الغابة: ١/ ٣٤١ رقم ٧٥٩، الإِصابة: ١/ ٢٣٩ رقم ١١٦٦).
(٣) الجامع لابن أبي زيد: ١٩٤، الجامع من المقدمات لابن رشد: ٢٥٤.
(٤) صدرت الطبعة الثانية لهذه الرسالة سنة ١٣١١ عن الطبعة الأميرية ببولاق، مصر (٣٠ صفحة من الحجم الصغير).
(٥) هارون بن محمد المهدي، أبو جعفر، خامس خلفاء الدولة العباسية وأشهرهم. ولد سنة ١٤٩، وبويع بالخلافة بعد أخيه الهادي سنة ١٧٠. ت ١٩٣. (الأعلام: ٩/ ٤٣ - ٤٤، البداية والنهاية: ١٠/ ٢١٣، تاريخ الطبري: ١٠/ ٤٧).
(٦) نصه: "لا تعانق رجلًا ولا تقبله ليس بذي رحم لك، واصنع ذلك بذي رحمك، ضم النبي - ﷺ - جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة إِلى نفسه، وقبل بين عينيه). (رسالة مالك إِلى هارون الرشيد: ٢٥).
[ ١ / ١٨٨ ]
وقيل: إِن هذه الرسالة لم تثبت لمالك (١).
قال الشارمساحي (٢): وفي المصافحة عن مالك ثلاث روايات:
إِحداها: أنها مكروهة دون كراهة المعانقة، والأخرى: جوازها.
والثالثة: استحبابها، وهو مقتضى مذهبه في الموطإِ بإِدخاله حديث الأمر بها (٣).
_________________
(١) تاريخ التراث العربي، لسزكين: ١/ ٣/ ١٤١، تزيين الممالك، للسيوطي: ٤١، الجامع لابن أبي زيد: ١٩٤.
(٢) عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المصري الأصل الشارمساحي المولد نسبة إِلى شارمساح (قرية على الضفة الشرقية لفرع دمياط بمصر)، أبو محمد، الإِسكندري المنشأ، إِمام فقيه في مذهب مالك رحل إِلى بغداد سنة ٦٣٣ فرحب به الخليفة المستنصر بالله. له مؤلفات منها: شرح التفريع، ونظم الدرر. ولد سنة ٥٨٩. ت ٦٦٩. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٧ رقم ٦٦، الديباج: ١/ ٤٤٨ رقم ٣٠، شجرة النور: ١٨٧ رقم ٦٢٢).
(٣) هو الحديث الذي رواه مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتهذب الشحناء". قال ولي الله الدهلوي: عليه أهل العلم. وقال النووي: إِن المصافحة مستحبة عن كل لقاء. (المسوى شرح الموطإِ: ٢/ ٣٩٣ رقم ١٦٥٩، باب يستحب المصافحة والهدية).
[ ١ / ١٨٩ ]
ونقل القاضي عياض في "المدارك" قال مصعب (١): لما قدم أمير المؤمنين المهدي (٢) المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إِليه، فعانقه وسلم عليه (٣).
تنبيه:
وفي تلقِّي مالكٍ وأشراف المدينة المهديَّ على أميال دليل على أن العمل عندهم على ذلك، وأنه لا بأس بذلك لأهل الفضل.
وكره مالك معانقةَ الرجلِ الرجلَ، وتلا قوله تعالى (٤): ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (٥).
وأمَّا تقبيل اليد والرأس وغيرهما فقال ابن يونس: سُئل مالك - رحمه
_________________
(١) مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله القرشي الأسدي، من أحفاد الزبير بن العوام. صحب مالكًا وروى عنه الموطأ، وكان عالمًا بالأنساب والشعر والأخبار، وثقه يحيى بن معين. ت ٢٣٦ وعمره ٧٦ أو ٧٧ سنة. (طبقات ابن سعد: ٥/ ٤٣٩، المدارك: ٣/ ١٧٠).
(٢) محمد بن عبد الله المنصور العباسي، أبو عبد الله المهدي بالله من الخلفاء العباسيين بالعراق ولد سنة ١٢٧ وولي بعد أبيه بعهد منه سنة ١٥٨. ت ١٦٩. (الأعلام: ٧/ ٩١، تاريخ بغداد: ٥/ ٣٩١ رقم ٢٩١٧، تاريخ الطبري: ١٠/ ١١).
(٣) كذا في (المدارك: ٢/ ١٠٢) بزيادة: وسايره، ويلي ذلك نصيحة مالك للمهدي.
(٤) الجامع لابن أبي زيد: ١٩٤.
(٥) الأحزاب: ٤٤ وتماما ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
[ ١ / ١٩٠ ]
الله - عن الرجل يُقبل يدَ الوالي أو رأسَه، أو المولى يفعل ذلك بسيده (١)؟ فقال: ليس ذلك من عمل الناس هو من عمل الأعاجم (٢).
وأرخص لابنه * القادم من سفر أن يتلقاه ويقبله.
قال: ولا ينبغي إِن قدم من سفر أن تعانقه أم زوجته.
قيل: فتقبيل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا (٣).
وسئل في رواية أخرى: هل يقبل يد أبيه (٤) أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإِن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك (٥).
وقيل: كان ابن عمر - ﵄ - إِذا قدم من سفر قبّل ابنَه سالمًا (٦)، وقال: شيخ يقبل شيخًا (٧).
_________________
(١) (ر): لسيده.
(٢) الجامع لابن أبي زيد: ١٩٦.
(٣) الجامع لابن أبي زيد: ١٩٦.
(٤) (ص): أخيه.
(٥) الجامع لابن أبي زيد: ١٩٧.
(٦) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه. روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة، وعنه كثيرون. قال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، ووثقه ابن سعد وقال: إِنه كثير الحديث. ت ١٠٦. (تهذيب التهذيب: ٣/ ٤٣٦ رقم ٨٠٧).
(٧) كذا في (الجامع: ١٩٧) بزيادة: "فأنكر (مالك) الحديث، وقال: لا نتحدث بمثل هذه الأحاديث، ولا تهلكوا فيها".
[ ١ / ١٩١ ]
وقيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك.
وقال أيضًا: لا بأس أن يقبل خدّ ابنته (١).
قيل: أفترى أن تُقَبِّله خَتَنَتُه (٢) أو تعتنقه وهي متجالة؟ (٣) فكره ذلك (٤).
_________________
(١) الجامع: ١٩٥.
(٢) الختنة: أم الزوجة. (النهاية: ختن: ٢/ ١٠).
(٣) المتجالة: هي التي لا أرب للرجال فيها غالبًا. (التتائي على نظم مقدمة ابن رشد: ٢٧١).
(٤) الجامع: ١٩٣.
[ ١ / ١٩٢ ]
الفصل الرابع: فيما يقال عند الركوب والنزول ودخول القرى
فإِذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإِذا استوى على ظهر دابته فليقل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١). ثم يقولُ:
الحمد لله، ثلاث مرات، ثم يكبر، ثلاث مرات، ثم يقول: سبحانك إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، فإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنْتَ.
لحديث علي - ﵁ - في ذلك عن النبي - ﷺ - رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣).
وعن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان إِذا استوى
_________________
(١) الزخرف: ١٣ - ١٤.
(٢) كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إِذا ركب، عن علي بن ربيعة عنْ علي. (السنن: ٣/ ٧٧ رقم ٢٦٨٢).
(٣) كتاب الدعوات، باب ما يقول إِذا ركب الناقة، بالسند الذي رواه به أبو داود. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (السنن: ٥/ ٥٠١ رقم ٣٤٤٦) وانظر: (الكلم الطيب: ٩٥ رقم ١٧٢ والتعليق ١٢٦).
[ ١ / ١٩٣ ]
على بعيره - خارجًا إِلى سفر - يكبِّرُ ثلاثًا ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهمّ إِنَّا نَسألُكَ في سَفَرِنَا هذا البِرَّ والتَّقْوَى ومن العمَلِ مَا تَرْضَى. اللهمّ هوِّنْ (١) علَيْنَا سَفَرنَا هذا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهمّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ والخليفةُ في الأهْلِ. اللهمّ إِنِّي أعُوذُ بكَ من وَعْثَاءِ السَّفرِ (٢) وكآبَةِ المنظر وسوءِ المنقلَبِ في المال والأهْلِ والوَلَدِ (٣) "، وإِذا رجع قالهنّ وزاد فيهنّ: "آيِبُونَ تَائِبُون عَابدُون لربِّنَا حَامِدُون". رواه مسلم (٤).
وفي رواية له: وكآبة المنقلب وسوء المنظر (٥).
وإِن كان في سفينة قال عند ركوبها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي
_________________
(١) (ر): سهّل، وما أثبتناه مطابق لرواية مسلم.
(٢) وعثاء السفر: مشقته وشدته (اللسان: وعث).
(٣) والولد: سقطت من (ص)، (ر) وانفردت بها (ب). ولم ترد في رواية مسلم.
(٤) كتاب الحج، باب ما يقول إِذا ركب إِلى سفر الحج وغيره، عن ابن عمر. (الصحيح: ١/ ٩٧٨ رقم ١٣٤٢). وأخرجه النسائي في (عمل اليوم والليلة: ٣٧٠ رقم ٥٤٨) قال محققه: أخرجه أبو داود ومسلم والترمذي والبيهقي. ونقله ابن تيمية في (الكلم الطيب: ٩٦ رقم ١٧٣) عن صحيح مسلم.
(٥) وردت هذه الرواية في دعاء السفر الذي ساقه خليل في (مناسكه: ١١ ب).
[ ١ / ١٩٤ ]
لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾ (١)، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) لمَا رُوي أن النبي - ﷺ - قال: "ذلك لأمَّتِي أمَانٌ مِنَ الغَرَق" رواه ابن السنّي (٣).
ويقول أيضًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، إِذا ركب السفينة، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا﴾ (٤)، الآية.
فهي صريحة في استعمال هذا الذكر في السفينة والبعير.
ومنها: التكبير، إِذا صعد الثنايا وشبهها، والتسبيح إِذا هبط الأودية، وذلك مروي في البخاري (٥) وفي
_________________
(١) هود: ٤١.
(٢) الزمر: ٦٧.
(٣) في كتاب ابن السني عن الحسين بن علي - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أمان لأمتي من الغرق إِذا ركبوا أن يقولوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ الآية". (أذكار النووي: ١٩٩، باب ما يقول إِذا ركب سفينة.
(٤) نعمة وتقولوا: ساقطة من (ص)، (ب) والآية من الزخرف: ١٢.
(٥) عن أبي موسى ﵁ قال: "كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فكنا إِذا علونا كبرنا". (صحيح البخاري: ٨/ ١٠١، الدعوات، باب الدعاء، إِذا علا عقبة، ط. =
[ ١ / ١٩٥ ]
مسلم (١) نحوه، غير أنه لم يذكر التسبيح * وذكر عوض التسبيح التهليل والتكبير.
ومنها: إِذا نزل منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التَّامّات منْ شرِّ ما خلق، فإِنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله، رواه مالك في الموطإِ (٢)، وخرجه
_________________
(١) = الحلبي، مصر). وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "كنا إِذا صعدنا كبرنا وإِذا نزلنا سبحنا". (صحيح البخاري: ٤/ ٦٩، الجهاد، باب التسبيح إِذا هبط واديًا).
(٢) عن أبي موسى أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - وهم يصعدون في ثنية، قال: فجعل رجل كلما علا ثنية نادى: لا إِله إِلا الله والله أكبر. (صحيح مسلم بشرح النووي: ١٧/ ٢٦، كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر). ويقول ابن حجر مبينًا مناسبة التكبير عند الصعود: "إِن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء فكبره ليشكر له ذلك فيزيده من فضله". (فتح الباري: ١١/ ١٨٨).
(٣) عن خولة بنت حكيم، كتاب الجامع، ما يؤمر به من الكلام في السفر (تنوير الحوالك: ٢/ ٢٤٧) كتاب الأحكام المتعلقة بالطعام والشراب وغير ذلك مما يحتاج إِليه الإِنسان في معيشته، باب الدعاء إِذا نزل منزلًا. (المسوى؛ شرح الموطأ: ٢/ ١٤٦ رقم ١٧١٠).
[ ١ / ١٩٦ ]
مسلم (١) والترمذي (٢) عن النبي - ﷺ -.
ومنها: أنه يكره النزول في قارعة الطريق لنهيه - ﷺ - عن ذلك، فإِنها طريق الدواب ومأوى الهوام بالليل، رواه مسلم (٣).
ومنها: أنه ينبغي إذا نزل منزلًا أن يودِّعه بركعتين، لحديث أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كَانَ لَا ينزلُ منزلًا إِلَّا ودَّعَهُ بركْعَتَيْن. رواه الحاكم وصححه (٤).
ومنها: إِذا أقبل الليلُ فليقل ما روي في سنن أبي داود وغيره عن
_________________
(١) عن خولة بنت حكيم السلمية، كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره. (الصحيح: ٣/ ٢٠٨٠ - ٢٠٨١ رقم ٢٧٠٨).
(٢) سنن الترمذي: ٥/ ٤٩٦ رقم ٧٤٣٧، كتاب الدعوات، باب ما جاء ما يقول إِذا نزل منزلًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وعنها أخرجه ابن خزيمة. (صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٥٠ - ١٥١ رقم ٢٥٦٦)
(٣) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إِذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإِنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل". (صحيح مسلم: ٣/ ١٥٢٥ - ١٥٢٦، كتاب الإِمارة، باب مراعاة مصلحة الدواب في السير والنهي عن التعريس في الطريق). وعنه أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه: ٤/ ١٤٧ رقم ٢٥٥٦).
(٤) المستدرك: ١/ ٤٤٦، كتاب المناسك. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. مكرر في المستدرك: ٢/ ١٠١، كتاب الجهاد.
[ ١ / ١٩٧ ]
عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - إِذَا سَافَرَ فَأقْبَلَ اللَّيْلُ قال:
"يا أرْضُ: ربّي وربُّك الله، أعوذُ بالله من شَرِّك وشرِّ مَا فِيك وشَرِّ ما خُلق فيك وشرِّ ما يَدِبُّ علَيْك، أعوذُ بكَ من أسَد رأسْوَدَ، ومن الحيَّةِ والعَقْرَب، ومن سَاكِنِ البَلَدِ ومنْ وَالِدٍ ومَا وَلَد" (١).
قال الخطابي (٢): ساكن البلد: هم الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد
_________________
(١) سنن أبي داود: ٣/ ٧٨ رقم ٢٦٠٣، كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إِذا نزل المنزل. ولاحظ مخرج أحاديثه أن أحمد أخرجه في (مسنده: ٢/ ١٣٢ - ٣/ ١٢٤) وأن المنذري نسبه للنسائي. وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه، وأيده الذهبي فقال: صحيح، (المستدرك، والتلخيص: ١/ ٤٤٦ - ٤٤٧). وأورده ابن تيمية في (الكلم الطيب: ٩٩ رقم ١٨٠) قال محققه الألباني: وهو ضعيف وإِن صححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ، فإِن فيه الزبير بن الوليد.
(٢) أحمد بن محمد بن إِبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، أبو سليمان، من ذرية زيد بن الخطاب أخي عمر، محدث لغوي فقيه. سمع بمكة والبصرة وبغداد، وصنف في غريب الحديث وشرح البخاري. وله مؤلفات أخرى. ولد ببست من بلاد كابل الأفغانية، سنة ٣١٩. ت بها ٣٨٨. (شذرات: ٣/ ١٢٧، طبقات الشافعية للسبكي: ٢/ ٢١٨، كحالة: ٢/ ٦١ و٤/ ٧٤، مرآة الجنان: ٢/ ٤٣٥، معجم الأدباء لياقوت: ١٠/ ٢٦٨، مفتاح السعادة: ٢/ ١٧).
[ ١ / ١٩٨ ]
من الأرض ما كان مأوى لحيوان، وإِن لم يكن فيه بناء ومنازل.
قال: ويحتمل أن المراد بالوالد إِبليس، وما ولد: الشياطين (١).
الأسود: الشخص، وكل شخص يسمى أسود.
ومنها إِذا أراد دخول قرية فليقل ما رواه النَّسائي في سننه أن النبي - ﷺ - لم ير قرية يريد دخولها إِلا قال حين يراها: "اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظْلَلْنَ، والأرَضِينَ السَّبْع وما أقْلَلْنَ، ورب الشياطين وما أظْلَلْنَ، وربّ الرياح وما ذَرَيْن، أسألُكَ خيرَ هذهِ القريَةِ وخيرَ أهْلِها، ونعوذُ بكَ منْ شَرِّها وشرِّ أهْلِها وشرِّ مَا فيها" (٢).
قال النووي: وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة - ﵂ - قالت:
"كان رسول الله - ﷺ - إِذا أشْرَفَ على أرضٍ يريد دخولها قال:
"اللهمّ إِنِّي أسألُكَ من خَيْر هذهِ وخيْرِ ما جمعْتَ فيها، وأعوذ بكَ مِنْ
_________________
(١) كذا في (معالم السنن: ٢/ ٢٥٩).
(٢) الأذكار للنووي: ٢٠١، باب ما يقوله إِذا رأى قرية يريد دخولها أو لا يريده. وقال: رويناه في سنن النسائي وكتاب ابن السني عن صهيب ﵁. وأخرجه الحاكم في (المستدرك: ١/ ٤٤٦) وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
[ ١ / ١٩٩ ]
شَرَّهَا وشَّر ما جمَعْتَ فيها. اللهمّ ارزقْنَا حياها (١)، وأعذنا من وَبَاها، وحببنا إِلى أهلها، وأحْبِبْ صالحي أهلها إِلينا" (٢).
_________________
(١) الحيا (مقصور): الخصب والمطر، يقال: حياهم الله بحيا أي أغاثهم. ويقال: حيا الربيع: ما تحيا به الأرض من الغيث. (اللسان: حيا).
(٢) كذا في (الأذكار: ٢٠٢)، باب ما يقوله إِذا رأى قرية يريد دخولها أو لا يريده.
[ ١ / ٢٠٠ ]
الفصل الخامس: في آداب سفره في نفسه ومع رفقائه
قال تاج الدين بن عطاء الله في "منسكه": وينبغي لمريد الحج أن يقدم النية في امتثال أمر الله ﷿ عند شروعه في سفره لتكون * حركاتُه في سفره كلُّها طاعةً، والأوْلي أن تكون نيتهُ خالصةً، لا يُخالطها شيء مِن المقاصد الدنيوية.
فرع:
قال القرافي في "قواعده": فلو حج وخلط في نيته قصد التجارة، أو كانت متمحضة للتجارة ونية الحج تابعة، صح حجه، ولم يكن آثمًا (١).
وينبغي له أن ينظر في الرفيق، فيجتهد في اختيار من لا بد له منه من المكارية (٢) والتجارة: فليكن مع من يصلي ومن الغالب علي حاله اجتناب
_________________
(١) الفروق: ٣/ ٢٣، الفرق: ١٢٢ بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات.
(٢) المكاري: الذي يكري دابته، والجمع أكرياء. والكري: علي وزن فعيل: هو المكاري. يقال: أكري دابته، فهو مكر وكريّ. (اللسان: كرا).
[ ١ / ٢٠١ ]
المنكر، ولو كان ذلك بزيادة أجرة.
مسألة:
قال ابن الحاج في منسكه: وفي كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يحج ومعه النصراني يخدمه (١) وقد يكري الحاج مع النصراني للرخص وحسن الصحبة.
قلت: وعلي هذا فلا يكره الكراء مع أهل البدع واستخدامهم، وإِن كان يؤدي إِلي مخالطتهم، إِذا كان له بهم رفق أكثر من غيرهم والله أعلم.
وينبغي له أن يعتمد مع رفقائه بسط الوجه وحسن الخلق والإِيثار بما لا
_________________
(١) اختلف الفقهاء في استئجار المسلمِ غيرَ المسلم، قال ابن بطال: عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإِنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إِذلال المسلم. والدليل على جواز استئجار غير المسلم أن الرسول - ﷺ - وأبا بكر استأجرا رجلًا من بني الديل - غير مسلم - ليهديهم الطريق عند الهجرة، فأمَّناه ودفعا إِليه راحلتهما. (البخاري، كتاب الإِجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إِذا لم يوجد أهل الإِسلام). وهذه الترجمة تشعر أن البخاري ممن يرون أن هذه الإِجارة تمتنع إِلا عند الحاجة كما جاء في (فتح الباري: ٤/ ٤٤٢). وهو ما صرح به ابن حزم في (المحلى: ٧/ ٥٤٤).
[ ١ / ٢٠٢ ]
يضره فقده وحمل ما بدر إِليه منهم من أمر مؤلم أو تقصير في حقه، فبذلك ينشرح له صدره ويطيب له سفره.
وذكر ابنُ رُشْدٍ في "البيان والتحصيل" أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يخدم أصحابه في سفر الحج ويدور بإِبلهم وهم نيام، وذلك من كرم طباعه (١) - ﵁ -.
وينبغي له إِذا كان قادرًا علي المشي أن يُريح دابته بما لا يضره من المشي (٢).
قال عز الدين بن جماعة: ويجب ذلك في الدابة المستأجرة، حيث جرت العادة، إِلا إِذا كانت مطيقةً، ورضيَ به المالك (٣).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - إِذا صلَّى الفجر في السفر مشى قليلًا وناقته تُقَاد"، رواه البيهقي (٤).
_________________
(١) كان عمر - عند خدمة أصحابه في السفر - يرتجز ويقول: [الرجز] لا يأخذ الليل عليك بالهمّ والبس القميص فيه واعتم وكن شريك رافع واسلم ولتخدم الأقوام حتّى تُخدَم (البيان والتحصيل: ١٨/ ٥٦٧).
(٢) قال خليل بن إِسحاق: "يستحب أن يريح دابته، ولا سيما عند العقبات، ولا يكثر النوم عليها، ولا يحملها ما لا طاقة لها به". (مناسك خليل: ١٢ أ).
(٣) كذا في (هداية السالك: ٢/ ٤١١).
(٤) السنن الكبرى: ٥/ ٢٥٥، كتاب الحج، باب النزول للرواح.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقال الغزالي: وفي المشي عن الدابة صدقتان:
أحدهما: ترويحُ الدابة، وقد قال - ﷺ -: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ" (١).
والأخرى: إِدخالُ السرور على مالكها.
قال: وفيه أيضًا راحةٌ للراكب وصحةٌ لبدنه ورياضة، وفي ذلك آثار عن السلف (٢).
وقال ابن عطاء الله في "منسكه": في المشي عن الدابة فوائد؛ منها: أن المشي إِلى العبادات أفضل، فليقصد ذلك لعظيم أجره (٣).
قال ابن معلّى: قالوا: ويحرم عليه أن يُحمِّل دابته فوق طاقتها وأن يُجوِّعها من غير ضرورة، فإِن حمّلها الجمال فوق طاقتها لزم المستأجر الامتناع من ذلك.
_________________
(١) كشف الخفاء: ٢/ ١١٦ رقم ١٨٤٥، برواية البخاري عن أبي هريرة: في كل ذات كبد حرّاء أجر، وقال في رواية: في كل ذات كبد رطبة أجر، وفي الباب عن سراقة عند البيهقي بلفظ: في الكبد الحارة أجر. (تمييز الطيب من الخبيث: ١١٤ برواية البخاري عن أبي هريرة المذكورة).
(٢) النقل مختصر من كلام الإِمام الغزالي في (الإِحياء: ٢/ ٢٥٥، كتاب آداب السفر، الباب الأول، الفصل الثاني في آداب المسافر). وهذا المعنى ساقه خليل في (مناسكه: ١٢ أ).
(٣) أجره: سقطت من (ص).
[ ١ / ٢٠٤ ]
قال سحنون (١) - ﵀ -: وقد كان عمر بن الخطاب - ﵁ - إِذا رأى دابة مثقلة خفف عنها مخافة أن يسأله الله تعالى عما تقلده منها. ويكره ضرب الدابة في الوجه، لنهيه - ﷺ - * عن ذلك (٢).
قال ابن معلّى: أمّا ضرب الدابة في غير الوجه فمباح؛ لأنها لا تتأدب بالكلام. وقد أجازوا ركوبها بالمهاميز (٣) وقد حرك النبي - ﷺ - بعيره بالمحجن،
_________________
(١) عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب بن ربيعة التنوخي القيرواني أبو سعيد، الحافظ العابد الإِمام، أخذ عن أئمة المشرق والمغرب، وعنه كثيرون. أخذ المدونة عن ابن القاسم فكان عليها المعول لدى المالكية. ولي القضاء سنة ٢٣٤ فكان عدلًا، واستمر عليه إِلى وفاته. ولد سنة ١٦٠. ت ٢٤٠ وقبره بالقيروان معروف. (الأعلام: ٤/ ١٢٩، البداية والنهاية: ١٠/ ٣٢٣، تراجم المؤلفين التونسيين: ٣/ ١٣ رقم ٢٣٢، الحلل السندسية للسراج: ١/ ٧٦٩، الديباج: ٢/ ٣٠، رياض النفوس: ١/ ٢٤٩، شذرات الذهب: ٢/ ٩٤، طبقات الخشني: ٢٢٧، الفكر السامي، ٤/ ٩٩، المدارك: ٤/ ٤٥، مرآة الجنان: ٢/ ١٣١).
(٢) عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه. (صحيح مسلم: ٢/ ١٦٧٣ رقم ٢١١٦، كتاب اللباس والزينة باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه).
(٣) قال مالك: أكره المهاميز، ولا يصلح الفساد، وإذا أكثر من ذلك خرقها. (الجامع لابن أبي زيد: ٢٥١ - ٢٥٢). والمهاميز: جمع مهماز وهو حديدة في مؤخر خف الرائض. (ترتيب القاموس: همز).
[ ١ / ٢٠٥ ]
لكن يكون ذلك برفق، لا كما يفعله أصحاب القلوب القاسية والأيدي الخاطئة من المبالغة في ضربها، فإِن ذلك تعذيبٌ لها، وهو حرام لنهيه - ﷺ - عن تعذيب الحيوان (١).
ولا ينبغي للمسافر اتخاذ الأجراس (٢)، ولا يعلقها علي دابته، ولا يقلدها بالأوْتَار (٣) فإِنه مكروه، فإِن وقع ذلك من الرفقة ولم يقدر علي إِزالته فلينكره علي قدر استطاعته، ويبرأ إِلى الله تعالى من ذلك.
قال النووي: ويجتنب النّوم علي الدابة (٤)، لأنه يثقل بالنوم.
قال ابن معلّى: ويحمل كلامه على كثرة النوم، فإِن في صحيح مسلم أن
_________________
(١) من ذلك قوله - ﷺ -: "اتقوا الله في هذه البهائم اركبوها صحاحًا واركبوها سمانًا". (مجمع الزوائد: ٣/ ٩٥). ومنه قوله - ﷺ -: "اركبوا هذه الدواب سالمة وابتدعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي". (المستدرك: ١/ ٤٤٤) وصححه الذهبي (التلخيص: ١/ ٤٤٤).
(٢) أخرج الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "الجرس مزمار الشيطان" وقال: حديث صحيح علي شرط مسلم. وقال الذهبي: خرجه مسلم بهذا السند. (المستدرك والتلخيص: ١/ ٤٤٥).
(٣) قيل لمالك: أتعلق الأجراس في أعناق الإِبل والحمير؟ فكره ذلك؛ قيل: فالقلائد؟ قال: ما سمعت فيها بكراهية إِلا في الوتر. (الجامع: ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٤) الإِيضاح: ١٦.
[ ١ / ٢٠٦ ]
النبي - ﷺ - نام علي راحلته (١).
وينبغي له أن يجتنب المخاصمة ومزاحمة الناس في الطريق وعند الموارد جهدهُ، وليصن لسانه من الشتم والغيبة ولعنة الدواب وجميع الألفاظ القبيحة، ولا يوبخ سائلًا، بل يواسيه بما تيسر خصوصًا بالماء في أوقات العطش أو يردُّه (٢) بالحُسْنَى، وليلحظ في مخالطته للناس قوله - ﷺ -: "مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يفسقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" (٣).
وينبغي لمريد الحج أن يلتمس رفقة، فقد كره رسول الله - ﷺ - الوِحدة في السَّفَر (٤).
وفي الحديث الصحيح: "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، والاثْنَانِ شَيْطَانان وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ" (٥).
_________________
(١) في حديث طويل رواه أبو قتادة: " فنعس رسول الله - ﷺ - فمال عن راحلته، فأتيته ودعمته من غير أن أوقظه". (صحيح مسلم: ١/ ٤٧٢ رقم ٦٨١، المساجد في مواضع الصلاة).
(٢) (ب): ويرد.
(٣) تقدم تخريجه ص ٩٦.
(٤) انظر: (الإِحياء للغزالي: ٢/ ٢٥٢، دار المعرفة بيروت، صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٤٠، باب استحباب تأمير المسافرين أحدهم على أنفسهم).
(٥) أخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في: (المسند: ٢/ ١٨٦) =
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال (١) - ﷺ -: "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ". رواه الترمذي (٢).
وخرج البزار في مسنده وابن عبد البر في التمهيد أنه - ﷺ -: "إِن الشيطان يَهُمُّ بالوَاحِدِ والاثْنَينِ فإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لم يهم بهم" (٣).
_________________
(١) = وفيه: والراكبان شيطانان. وعنه أخرجه ابن خزيمة بلفظ: "الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب". وقال الأعظمي: إِسناده حسن. (صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٥٢ رقم ٢٥٧٠).
(٢) (ر): وعنه.
(٣) عن ابن عباس باللفظ المذكور أعلاه، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وروي عن الزهري مرسلًا. (سنن الترمذي: ٤/ ١٢٥ رقم ١٥٥٥، كتاب السير، باب ما جاء في السرايا). وأخرجه الحاكم عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄، وقال: هذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف بين الناقلين فيه عن الزهري (المستدرك: ٢/ ١٠١، كتاب الجهاد).
(٤) أخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا قدم من سفر فقال له رسول الله - ﷺ -: من صحبك؟ قال: ما صحبت أحدًا. فقال رسول الله - ﷺ -: "الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب). قال ابن حرملة: وسمعت سعيد بن المسيَّب يقول: قال - ﷺ -: "إِن الشيطان يهم بالواحد، ويهم بالاثنين فإِذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم". (سنن البيهقي: ٥/ ٢٧٥، كتاب الحج، باب كراهة السفر وحده).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وفي البخاري أنه - ﷺ - قال: "لَوْ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مَا فِي الوحْدَةِ مَا سَارَ رَاكِبٌ" (١)
قال ابن عمر - ﵄ -: يعني وحده.
وينبغي إِذا ترافق ثلاثة فأكثر أن يؤمروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيًا ثم ليطيعوه لأمره - ﷺ - بذلك (٢).
ففي مسند أبي داود عنه - ﷺ - أنه قال: "إِذَا كَانُوا ثلاثَةً فليؤمروا أحَدَهُمْ" (٣).
فائدة:
قال النووي: روينا في كتاب ابن السني أن رسول الله - ﷺ - قال: "إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ أحَدِكم بأرْضِ فَلَاةٍ فَلْيُنَادِ: يَا عِبَادَ الله احْبسُوا، يا عِبَادَ الله
_________________
(١) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل وحده". (صحيح البخاري: ٤/ ١٧، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده. هداية الباري: ٢/ ١٥٥). وعنه أخرجه ابن خزيمة بلفظ قريب (صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٥١ رقم ٢٥٦٩).
(٢) أخرج الطبراني من حديث ابن مسعود: "إِذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم" قال الزين العراقي: إِسناده جيد. (الإِحياء، والمغني عن حمل الأسفار: ٢/ ٢٥٢).
(٣) أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ولفظه: "إِذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم". (معالم السنن: ٢/ ٢٦٠، كتاب الجهاد، باب القوم يسافرون يؤمر أحدهم).
[ ١ / ٢٠٩ ]
احبسُوا، فإِنَّ الله ﷿ حَاضِرٌ (١) سَيَحْبِسُهَا (٢) ".
وذكر النووي أنه جربها هو وغيره، فوجدوا أثر ذلك على الفور (٣).
فائدة:
قال النووي عن بعض كبار العلماء * أنه ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٤) إِلا وقفت بإِذن الله ﷿ (٥).
_________________
(١) أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، ولفظه: "إِذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احسبوا علي، فإِن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم". قال محققه: رواه أبو يعلى وعنه ابن السني، قال في (المجمع: ١٠/ ١٣٢)، فيه معروف بن حسان وهو ضعيف، ثم فيه انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود كما قال ابن حجر. (المعجم الكبير: ١٠/ ٢٦٧ رقم ١٠٥١٨).
(٢) (ص): سيحبسه، (ب): يحسبه. وفي كتاب الأذكار: ٢٠١: فإِن لله ﷿ حاضرًا سيحبسه. وفي الكلم الطيب: ٩٨ رقم ١٧٧ رواه ابن تيمية عن ابن مسعود وفيه: فإِن الله ﷿ في الأرض حاضرًا سيحبسه. قال محققه الألباني: أخرجه الطبراني وابن السني بسند ضعيف.
(٣) أذكار النووي: ٢٠١، وقد اختصر ابن فرحون كلام النووي.
(٤) آل عمران: ٨٣.
(٥) كذا في (أذكار النووي: ٢٠١) راويًا عن ابن السني عن أبي عبد الله يونس بن عبيد بن دينار البصري التابعي.
[ ١ / ٢١٠ ]
مسألة:
قال ابن معلّى: قال النووي: يستحب للحاج أن لا يشارك أحدًا في زاد ولا راحلة، فإِن المشاركة تمنع من التصرف في وجوه الخير (١).
قال: ولم أقف على نص في هذه المسألة في مذهبنا، غير أني سمعت من أثق به، ينقل عن بعض المتأخرين: أنها لا تجوز.
وذكر شيخنا يحيى بن جماعة التونسي (٢) في مختصره: أنه يؤخذ من كتاب الأضحية من المدونة جواز المخارجة.
وهي أن يكون جماعة فيخرج كل واحد منهم مثل ما يخرجه الآخر. بشرط أن تكون نفوسُهم طيبةً.
قال: وبالجملة، فلا ينبغي أن يقدم على ذلك؛ لأن طيب النفوس شرط
_________________
(١) الإِيضاح: ١٠. الهيثمي على شرح الإِيضاح: ٣٢.
(٢) كذا ورد في جميع النسخ. والراجح أنه أبو يحيى أبو بكر بن القاسم بن جماعة الهواري التونسي حج مع أبي الحسن المنتصر سنة ٦٩٩ وأخذ عن أعلام منهم ابن دقيق العيد ولا يتأتى أن يكون ابن فرحون أخذ عنه وإِنما نقل عنه في إِرشاد السالك من كتابيه "تذكرة المبتدئ" و"المنسك". ولابن جماعة تأليف في البيوع. ت ٧١٢. (تاريخ الدولتين: ٦٣ - ٧٦، تراجم المؤلفين التونسيين: ٣/ ٤٨ رقم ٩٨، شجرة النور: ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٧١٤).
[ ١ / ٢١١ ]
في الجواز وذلك متعذر لاختلاف أحوال الناس؛ ولذلك قال النووي: لو أذن له شريكه في التصرف لم يؤثر ذلك في استمرار رضاه (١).
مسألة:
الركوب في سفر الحج أفضل، اقتداءً بالنبي - ﷺ - (٢)، وهذا عند مالك (٣) والشافعي (٤) والجمهور.
وقال بعض المتأخرين من المالكية كاللخمي (٥) وغيره: المشي أفضل.
_________________
(١) العبارة في (الإِيضاح: ١٠): ولو أذن له شريكه لم يوثق باستمرار رضاه.
(٢) روي أبو داود عن أنس ﵁ قال: (حج النبي - ﷺ - على رحل رث). (حجة المصطفى للمحب الطبري: ١٥).
(٣) اعتبر المالكية الركوب أفضل إِذا كان هو الغالب ولو في الوقوف، لقربه إِلى الشكر ولزيادة النفقة فيه إِضافة إِلي كونه فعل الرسول - ﷺ -. (شرح المجموع وحاشية حجازي: ١/ ٣١٤).
(٤) قال النووي: "الركوب في الحج أفضل من المشي على المذهب الصحيح". انظر (الهيثمي على شرح الإِيضاح: ٣٣)
(٥) علي بن محمد الربعي، أبو الحسن المعروف باللخمي، من أعلام المالكية بإِفريقية، قيرواني الأصل، نزيل صفاقس أخذ عنه جماعة من أهلها. له اختيارات فقهية تخرج أحيانًا عن المذهب. له تعليق كبير على المدونة يسمى "التبصرة". ت ٤٧٨. وقبره معروف بصفاقس. (الأعلام: ٥/ ١٤٨، التعريف بابن خلدن: ٣٢، الحلل السندسية: ١/ ٢/ ٣٣٦، =
[ ١ / ٢١٢ ]
مسألة:
والحجُّ علي القَتَب (١) أفضلُ من المحمل (٢)، اقتداء برسول الله - ﷺ - وأصحابه (٣) ﵃.
وكرهوا الهوادج والمحامل (٤) إِلا لعذر أو ضرورة، وليست الرئاسة وارتفاع المنزلة عذرًا في ترك السنة.
_________________
(١) = الديباج: ٢/ ١٠٤ رقم ١٥، شجرة النور: ١١٧ رقم ٣٢٦، معالم الإِيمان: ٣/ ١٩٩ رقم ٣١٧، ط. المكتبة العتيقة، وفيات ابن قنفذ: ٢٥٨).
(٢) القَتب للجمال كالإِكاف لغيره، وقد يؤنث والتذكير أعم. (النهاية: ٤/ ١١: قَتَبَ، إِرشاد الساري: ٣/ ٩٥، اللسان: قتب).
(٣) قال خليل: "وفضل حج على غزو إِلا لخوف وركوب ومقتب" انظر: (الزرقاني علي خليل: ٢/ ٢٩٨، جواهر الإِكليل: ١/ ١٦٣، الشرح الكبير، للدردير: ٢/ ١٠).
(٤) أخرج البخاري تعليقًا عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: "أن النبي - ﷺ - بعث معها أخاها عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وحملها على قتب". وأخرج عن أنس "أن رسول الله - ﷺ - علي رحل وكانت زاملته"، (كتاب الحج، باب الحج على الرحل). انظر: (إِرشاد الساري: ٣/ ٩٥، فتح الباري: ٣/ ٣٨٠ وما بعدها).
(٥) كرهوا الهوادج والمحامل للحاج سواء اشتراها أو استأجرها؛ لأنه لا يليق به إِلا التواضع. (الهيثمي على شرح الإِيضاح: ٣٤).
[ ١ / ٢١٣ ]