[دماء الحج]:
ودماء الحج دمان: هَدْيٌ ونُسك.
والهدي هديان: واجبٌ وتَطَوُّعٌ (١).
فالواجب: هدي جزاء الصيد.
وما وجب لنقص في حج أو عمرة كدم القِران والتمتع، وقد سماه الله تعالى هديًا في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، وكذلك هدي فساد الحج وفواته.
والهدي عن تعدي الميقات.
وهدي القُبلة وما ضارعها من ناحية الجماع وتلذذه بالنساء أو ترك التلبية كلها.
_________________
(١) (*) دماء الحج: سقطت من (ر). (* *) ب: وشعائر الحج.
(٢) أصول الفتيا: ٩٣.
(٣) البقرة ١٩٦ ونصها: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
[ ٢ / ٦١٥ ]
أو طواف القدوم.
أو ترك رمي الجمار أو حصاة منها.
أو ترك المبيت بمنى ليالي مني ليلة منها أو جلها.
وما أشبه ذلك من نقصان مناسك الحج وجبر ما انكسر منها، وتقديم الشيء وتأخيره.
وما نوى به الهدْيَ من النسك، فإِنه يلحق بذلك.
[الهدي الواجب وأحكامه]:
واعلمْ أنَّ ما عدَا فدية الأذى وجزاء الصيد، وهو الواجب لنقص فعل كما تقدم، فالواجب فيه هَدْيٌ، فإِن لم يقدر عليه فصيامٌ (١).
وهو على الترتيب: هدي ثم صيام، ولا يدخل الطعام فيه.
والأصل في ذلك قوله تعالى في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢).
_________________
(١) ب: صام.
(٢) البقرة: ١٩٦.
[ ٢ / ٦١٦ ]
فرع:
والأوْلَى في الهدي الإِبل ثم البقر ثم الغنم (١).
وقال مالك فيمن أخرج شاة مع القدرة على البدنة: إِنها تجزئ عندي وتكره (٢).
ولا يجزئه الصوم وهو قادر على الهدي، فمن لم يجد الهدي صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج من حين يحرم بالحج إِلى يوم النحر، فإِن أخرها إِلى يوم النحر، صام أيام التشريق، وإِن فاته صوم أيام التشريق صام ما بعدها قضاء، ويصوم سبعة أيام إِذا رجع من مِنى إِلى مكة أو غيرها (٣).
وقيل: إِذا رجع إِلى أهله.
ويجزئه إِن صامها راجعًا في طريقه، فإِن أخرها صام متى شاء (٤) والتتابع ليس بلازم لا في الثلاثة ولا في السبعة * وهذا هو المشهور.
_________________
(١) درج على ذلك عبد الله بن أبي زيد القيرواني، فقال: "وأما في الهدايا فالإِبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز" (الثمر الداني: ٣٩٢ - الرسالة الفقهية: ١٨٤) وانظر (قوانين الأحكام الشرعية ١٥٨).
(٢) ب: أنها تجزئة مع الكراهة. ص: على تكره.
(٣) أسهل المدارك: ١/ ٥٣.
(٤) انظر الجواهر: ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وظاهر كلام ابن حبيب: إِن الثلاثة يطلب تتابعها.
وقال ابن الحاجب: إِن كان النقص متقدمًا على الوقوف كالتمتع والقران والفساد والفوات وتعدي الميقات صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع كما تقدم بيانه، وإِن كان عن نقص بعد الوقوف كترك مزدلفة أو رمي أو حلق أو مبيت بمنى أو وطء قبل الإِفاضة أو الحلق صام متى شاء، وكذلك صام هدي العمرة كتعدي الميقات فيها (١) مثلًا لا يتعين له زمان، وكذلك من مشى في نذر إِلى مكة فعجز فإِنه يصوم عند عجزه عن الهدي حيث شاء (٢).
قال ابن عبد السلام: وهذا أحد مذهَبي المدونة، وذلك أنه ذكر المسألة فيها في موضعين:
أحدهما قوله: وكلُّ هديٍ وجب على من تعدَّى ميقاتَه أو تمتَّع أو قَرن أو فسدَ حجُّه أو فاته الحج، أو ترك الرمي أو النزول بالمزدلفة أو نذر مشيًا فعجز عنه أو ترك شيئًا من الحج يجبره بالدم، فإِنه إِذا لم يجد هديًا صام ثلاثةَ أيام في الحج وسبعةً بعد ذلك (٣).
وهذا خلاف ما ذكره ابن الحاجب، ألا ترى أنه يجمع ما وجب من الهدايا قبل عرفة وبعدها؟
_________________
(١) فيها: سقطت من (ر).
(٢) كذا في جامع الأمهات: ٢١٦ - ٢١٧.
(٣) المدونة: ٢/ ١٤٩.
[ ٢ / ٦١٨ ]
والموضع الثاني: قال فيه: وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج المتمتع والقارن ومن تعدى ميقاته وأفسد حجه أو فاته الحج، وأما من يلزمه (١) ذلك [بعد الوقوف] كترك جمرة أو النزول بالمزدلفة فليصم متى شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإِفاضة؛ لأنه إِنما يصوم إِذَا أهْدَى بعد أيام منى.
وهذا الموضع هو الذي اعتمده ابن الحاجب - ﵀ - وأضرب عن الأول، ويمكن أن يكون هذا الثاني مفسرًا للأول.
وقال أصبغ: الذي يجب عليه ثلاثة أيام (٢) في الحج وسبعةٌ إِذا رجع هو المتمتع والقارن، وغيرهما استحسانًا.
وعن ابن القاسم - ﵀ - أربعة: المتمتِّعُ والقارِنُ، والذي أفسدَ حجَّه أو فاته.
ورجَّحَ ابنُ عبد السلام مذهبَ أصبغ.
فرع:
ومن أيسر قبل أن يصُوم فصام وترك الهدْيَ (٣) أو وجد مسلفًا وهو ملي ببلده فصام ولم يتسلف لم يجزه الصوم، فلو شرع في الصوم قبل اليسر ثم أيسر بعد أن شرع في الصيام أجزأه، ولم يلزمه الهدي، غير أنه يستحب له
_________________
(١) ص: لزمه.
(٢) أيام: سقطت من (ر).
(٣) ص: شراء الهدي.
[ ٢ / ٦١٩ ]
إِن كان لم يطل صيامه وإِنما صام اليوم أو اليومين، خاصة، أنه يرجع إِلى الأصل، وهو الهدي ليسارة الأمر وخفته.
وعن ابن عبد الحكم، عن مالك: أنه مخيَّر في ذلك.
فرع:
ولا يلفق الواجب من صنفين، ومعنى ذلك أن هدي التمتع وفديه الأذى، وجزاء الصيد لا يصلح أن يكون الواجب فيها ملفَّقًا من هدي وصيام وإِطعام.
وقال ابن عبد السلام: وهذا ظاهر فيما كان الوجوب فيه على الترتيب * كهدي المتعة، وأما فيما الوجوب فيه على التخيير كفدية الأذى وجزاء الصيد، إِذا وجب عليه إِطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، فأحب أن يطعم مسكينين ويصوم يومين أو يصوم يومًا ويطعم أربعة مساكين؛ فلا يجزئه ذلك على ما هو الصحيح من المذهب في كفارة الأيمان.
وأما ما حُكي عن ابن القاسم أنه يجزئه أن يلفق كفارة اليمين بالله من طعام وكسوة فينبغي أن يكون الأمر هنا كذلك والله أعلم.
ولا يجزئه أن يخرج عن الهدي أو الإِطعام الواجب على التخيير أو الترتيب قيمته كما في الكفارات، وفي الزكاة خلاف.
وأما هدي التطوع فهو كل هدي ساقه لغير شيء وجب عليه أو يجب في المستقبل.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ولا يكون الهدي إِلا من بهيمة الأنعام: الإِبل والبقر والغنم، والبدن لا يكون إِلا من الإِبل، وهي داخلة في اسم الهدي، والذكر والأنثى في البدن (١) سواء.
قال مجاهد: وإِنما سُمّيت البُدْن من أجل السمانة.
[النُّسك وأحكامه]
وأما النُّسك: فهو في لبس الثياب واستعمال الطيب وحلق الشعر وتقليم الأظفار، وإِزالة الشعَثِ وإِلقاء التفث.
والتَّفَثُ: الوسخ والقذارة.
ومن القاء التفث: حلق الرأس وأخذ الشارب ونتف الإِبط وحلق العانة وقص الأظافر والأخذ من العارضين ونحو ذلك.
وقد تقدم أن نسك فدية الأذى على التخيير دون الترتيب.
فرع:
وموقف (٢) الهدي في الحج عرفة ومنحره مِنى حيث شاء منها (٣)، والأفضل حيث نحر النبي - ﷺ - (٤).
_________________
(١) ب: الهدي.
(٢) ر: وموضع.
(٣) أصول الفتيا: ٩٣.
(٤) قال المحب الطبرى: "روي أنه - ﷺ - نحر في منزله، ولعل منزله كان عند المنحر، وروى =
[ ٢ / ٦٢١ ]
قال مالك: ومِنى كلها منحر إِلا ما خلف العقبة. وأفضل ذلك عند الجمرة الأولى.
ويشترط في صحة نحو الهدي بمِنى شرطان.
أحدهما: أن يكون ذلك الهدي قد وقف به بعرفة ليلًا، وهذا قول مالك (١).
وقال ابن الماجشون: يجوز أن ينحره بمِنى وإِن لم يقف به بعرفة.
قال اللخمي: وهو أحسن؛ لأن الهدي لم يتعبد به بوقوف ولا تعبد الناس فيه بذلك - وإِنما كان الوقوف بها بعرفة خوفًا عليها إِن تركت بمنى؛ لأن مني لم يكن بها ساكن.
واختاره ابن عبد السلام.
قال: وهو الراجح عندي، وهو قول ابن عباس وعائشة - ﵄ - وهو مذهب الشافعي (٢) ﵁.
_________________
(١) = أبو ذر عن ابن عباس قال: نحو رسول الله - ﷺ - في منحر إِبراهيم الذي ذبح فيه الكبش فاتخذوه منحرًا، قال: وهو النحر الذي ينحر فيه الخلفاء اليوم" (حجة المصطفى: ٥٧).
(٢) الكافي: ١/ ٤٠٤.
(٣) المجموع: ٨/ ٣٥٧.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وبه قال القاضي أبو إِسحاق من أصحابنا، وهو مذهب عائشة ﵂. نقله ابن راشد.
ولا يجزئ ما وقف به الرعاة ولا ما وقف به غيرك إِلا أن تسيره أو يضل منك مقلدًا فيقف به غيرك ثم تجده يوم النحر فإِنك تنحره ويجزئك.
قال بعضهم: يريد (١) ونوى الوقوف به عن صاحبه وإِلا لم يجزه، يعني على المشهور، خلافًا لابن الماجشون.
وإِن نحره الأجنبي عنك قبل أن تجده أجزأك أيضًا (٢).
وفي مختصر الواضحة: قيل لمالك فيمن اشترى هديًا بعرفة وقلَّدَه وأشعَرَهُ وأمرَ الباعة أن يوقفوه له مع الناس أيجزئه ذلك؟ قال: نعم.
وقولهم: إِلا أن تسيره، يدخل فيه الباعة * وغيرهم.
والثاني: أن يكون ذلك في أيام مِنى.
وزاد بعضهم شرطًا ثالثًا، وهو أن يكون النحر في حج احترازًا من العمرة.
فمتى اختل أحد هذه الشروط لم ينحر إِلا بمكة.
وفي المدونة: وإِن مات الهدي بالمشعر فحسن.
_________________
(١) يريد: سقطت من (ب، ص).
(٢) الشرح الصغير: ٢/ ١٢٩.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وسئل عن إِخراج الهدي إِلى منى يوم التروية؟ فقال: لم أسمعه من مالك.
ولو فات وقوف الهدي بعرفة، أو فاتت أيام النحر بمنى، تعينت مكة وما يليها من البيوت، والأفضل المروة، ويجزئ نحوه بمكة ولو كان هديًا واجبًا (١).
هذا هو المشهور، وفيه خلاف (٢).
فرع:
فإِن وقف بالهدي (٣) بعرفة ونحره بمكة جاهلًا أو ترك مِنى متعمدًا، ففي المدونة عن ابن القاسم أنه يجزئه (٤).
وما لم يقف به بعرفة من الهدي فمحله مكة بعد أن يخرج به إِلى الحل من أي جهة كانت.
ولو عطب قبل أن يبلغ مكة لم يجزه؛ لأنه لم يبلغ محله وليس له مِنى بمحل (٥).
_________________
(١) ر: واحدًا.
(٢) انظر: (بداية المجتهد: ١/ ٣٠٠ - ٣٠١).
(٣) ر: الهدي.
(٤) المدونة: ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٥) المدونة: ٢/ ٢٤٣.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
قال محمَّد بن المواز: ولا يجزئه نحوه في أيام مني بمكة حتى تذهب أيام مِنى، وتحل العمرة.
وقيل: إِن نحره بمكة في أيام مِنى أجزأه (١).
وما أوجبه المحرم بعد عرفة من الهدايا، فإِن أدخله في الحل نحره بمكة ولم يؤمر بإِخراجه ثانية، وإِن كان أوجبه بمكة فلا بد أن يخرج به إِلى الحِل ثم يدخله إِلى مكة (٢) وسواء ذهب به بنفسه أو بعثه مع غيره حلالًا كان أم محرمًا؛ لأن المقصود من الهدي أن يُساق من الحل إِلى مكة تعظيمًا لمكة، وذلك يحصل من صاحب الهدي وغيره.
فإِن اشترى جزورًا فنحره (٣) للمساكين أو بقرة أو شاة، ولم ينو جعل ذلك هديًا، فإِنه ينحره بمكة ولا يحتاج إِلى إِخراجه؛ أما لو جعله هديًا في مكة فإِنه لا بد من إِخراجه إِلى الحِلِّ *، ولو كان تطوعًا؛ لأن الهدي الواجب والتطوع سواء بالنسبة إِلى اشتراط سَوقه من الحل إِلى الحرم، ولا يفترقان في ذلك.
فرع:
وأما من اعتمر وساق هديًا من نذر أو تطوع أو جزاء صيد فإِنه ينحره بعد فراغه من السعي قبل الحلاق عند المروة من باب الأوْلى، ثم يحلق لقوله
_________________
(١) العبارة مضطربة في ر - وقد اعتمدنا ما جاء في (ص) ب.
(٢) مواهب الجليل: ٣/ ١٨٥.
(٣) ص: ينحرها.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). فإِن خشي المعتمر أنه إِن تشاغل بعمل العمرة ونحر الهدي فاته الحج لأنه مراهق، وكذلك المعتمرة تحيض قبل أن تطوف، وتخشى فوات الحج إِن انتظرت الطهر، فإِنها تُردفُ الحجَّ وتسوقُ الهدْيَ، وقد تقدم ذلك في باب صفة العمرة (٢).
فصل
ويؤكل من الهدي كله واجبه وتطوعه، إِلا أربعة أشياء: جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين وهدي التطوع إِذا عطب قبل محله (٣)، وما سوى ذلك من هدي التمتع والقران ومجاوزة الميقات والفوات والفساد وغير ذلك سوى ما ذكرناه فإِنه يؤكل منه (٤)، وقيل: إِنه لا يؤكل من هدي الفساد (٥).
قال ابن عبد السلام: وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - أن من أكل من
_________________
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) انظر ص ٤٩٩.
(٣) عن ابن عباس ﵄ أن ذئيب أبا قبيصه حدثه أن رسول الله - ﷺ - كان يبعث معه بالبُدن ثم يقول: "إِن عطب منها شيء فخشيت عليه موتًا، فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". أخرجه مسلم في (الصحيح: ١/ ٩٦٣ رقم ١٣٢٦ كتاب الحج باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق).
(٤) مختصر ابن عرفة: ١/ ١٥٦ ب - مناسك خليل: ٤٤ ب.
(٥) الجواهر: ١/ ٤٥٢ - ٤٥٣.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
جزاء الصيد أو فدية الأذى يستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه.
وإِنما لم يجز له أن يأكل من هدي جزاء الصيد؛ لأن الله جعله للمساكين (١) لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ * أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٢) فهو عدل الصدقة إِن اختارها، وكذلك نسك الأذى، وإِن كانت ليست من الهدي - لكن صاحبها لا يأكل منها لقوله - ﷺ - "أو أطْعِمْ ستَّةَ مَسَاكِينَ" (٣).
والنُسُكُ عدل الصدقة (٤) ألا ترى أن من ذبح شاة فقد افتدى، ومن تصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين فقد افتدى.
ونذر المساكين هو صدقة منه عليهم، وما سماه للمساكين فقد نذره لهم، فلا يجوز له الرجوع فيه، ولا يأكل من صدقته في الهدي (٥)، هذا إِذا نواه
_________________
(١) هناك تعليل آخر وهو أن الفدية عوض عن الترفه فالجمع بين الأكل منها والترفه جمع بين العوض والمعوض. (الصاوي على الشرح الصغير: ٢/ ١٢٦).
(٢) المائدة: ٩٥ ونصها: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾.
(٣) من حديث كعب بن عجرة، ونصه: "أن النبي - ﷺ - مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة، وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك هذه؟ قال: نعم. قال: فاحلق رأسك، وأطعم فرقًا بين ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة" (عوالي الإِمام مسلم: ١٣٥). وأخرجه البخاري، كتاب الحج باب النسك شاة (الصحيح: ٣/ ١٣).
(٤) أصول الفتيا: ٩٤.
(٥) في الهدي: سقطت من (ر)، ص.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
صدقة للمساكين بقلبه أو سماه بلسانه، وإن كان نذره هديًا طلبًا للأجر فإِنه يأكل منه؛ لأنَّ جنس الهدي ليس مقصورًا على الفقراء، وكذلك يجوز إِطعام الغني منه (١).
وأما ما عطب من نذر المساكين قبل محلّه فإِنه يأكل منه ويطعم، هذا إِذا كان مضمونًا، وما ما نذره من الهدي المعين فلا يأكل منه سواء بلغ محله أو لم يبلغ.
وإِنما لم يجز له أن يأكل من هدي التطوع إِذا عطب قبل محله؛ لأن يتهم أنه أعطيه ليأكل منه، فإِن أكل منه أبدله لقوة التهمة فيما ذكرناه (٢).
قال ابن الحاج: وما عطب من الهدي الواجب جاز له أن يأكل منه وأن يطعم (٣) ويبيع إِن شاء لأنه حينئذ ليس بهدي، والهدي عليه بحاله ولا بد أن يبدله.
_________________
(١) جاء في فروق الونشريسي قوله: "إِنما يأكل المهدي من سائر الهدايا ويطعم منها الغني، إِلا جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين بعد محله؛ لأن جزاء الصيد قيمة متلف، وفدية الأذى بدل عن الترفه، وأيضًا لما كان في فديه الأذى وجزاء الصيد مخيرًا بين الدم والطعام ابتداء ثم أهدى صار كأنه بدل الطعام، فكما لا يأكل من الطعام لا يأكل من بدله" (عدة البروق: ١٨٧ - الفرق: ٢٠٦).
(٢) قوانين الأحكام الشرعية: ١٥٩.
(٣) ب: ويطعم.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
فرع:
ومن أطعم غنيًّا أو ذميًّا من الجزاء والفدية فعليه البدل - ولو جهلهم - كالزكاة، ولا يطعم منها أبويه ونحوهما كزوجته وولده ومُدَبَّره (١) ومكاتَبَه (٢) وأمَّ ولَدِه، والذمّيُّ في غير هذين الدّمين أمره خفيف بالنسبة إِلى البدل، وقد أساء إِن فعل ذلك.
فرع:
وأما هدي المتطوع فيؤكلُ منه بعد بلوغِهِ محله، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٣).
وكذلك يُؤكل من هدْي الواجب إِذا بلغ محلَّه، وليس لما يؤكل منه أو يتصدق به شيء معلوم، وما فعلت من ذلك أجزأ، ولا بأس أن تُطعمَ منها جارك الغني أو تهدي لصديقك، ولا بأس أن تدَّخر وتتزود (٤).
وفي البخاري عن جابر - ﵁ -: "كُنَّا نَتَزَوَّدُ لحُومَ الهدْي (٥)
_________________
(١) المدبَّر: هو المملوك الذي يعتقه سيده عن دبر، فيكون حرًا بعد موته في ثلث التركة. انظر (الرصاع على حدود ابن عرفة: ٢/ ٦٧٣ - وما بعدها).
(٢) المكاتب: هو المملوك الذي أعتقه سيده على مال مؤجل، يدفع نجومًا ويكون العتق موقوفًا على أدائه. (ن. م: ٥٢٤).
(٣) الحج: ٣٦.
(٤) أسهل المدارك: ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥.
(٥) ر: الهدايا.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
على عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى المَدِينَة" (١).
فرع:
وللرجل أن يبعث الهدي الواجب عليه في حج أو عمرة، وكذلك في التطوع.
فرع:
ومن بعث هدي تطوع فلا يأمر رسوله أن يأكل منه إِن عطب قبل محله، فإِن أمره فهو ضامن، وليس للرسول أن يأكل منه، فإِن أكل بغير أمره فلا ضمان عليه ولا على مُرسله.
ويُنحر هدي التطوع إِذا عطب قبل محله، ويرمي قلائده في دمه، ويرمي جلالها وخطامها، ويخلي بين الناس وبينها؛ فإِن أمر أحدًا بأخذ شيء منها فعليه * البدل.
فرع:
إِذا ساق الهدي في العمرة تطوعًا ثم أردف الحج وأراد أن يجعله هديًا عن قرانِه، فقد اختلف قوله فيه.
_________________
(١) عن جابر قال: كنا نتزود لحوم الهدي على عهد النبي - ﷺ - إِلى المدينة - تابعة محمَّد عن ابن عيينة، وقال ابن جريج قلت لعطاء: أقال: حتى جئنا المدينة؟ قال: لا البخاري في (الصحيح: ٧/ ٩٩، كتاب الأطعمة، باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم وغيره، وقالت عائشة وأسماء: صنعنا للنبي - ﷺ - وأبي بكر سُفْرَةً)
[ ٢ / ٦٣٠ ]
والصحيح: أنه لا يجزئه (١)، لأنه قد وجب بالتقليد والإِشعار، ولم يبقَ فيه إِلا النحرُ، فلا ينتقل عن أصله.
فصل: في أسنان الهدي
إِذا كان الهدي من الإِبل أو البقر فلا بد أن يكون ثنيَّا.
والثَّنييُّ من الإِبل: ما له خمس سنين وقد دخل في السادسة، والثني من البقر ما دخل في الرابعة.
وإِن كان من الغنم فأقل ما يجزئ من الضأن، والثني من المعز، وفي الجدي أربعة أقوال: ستة أشهر، وثمانية، وعشرة، وسنة.
قال ابن عبد السلام: والتحاكم في ذلك إِلى أهل اللغة.
وأما الثني فإِنه ما دخل في الثانية.
وفي كتاب محمَّد: لا بأس بالنعجة والتيس في الهدي.
فصل: في عيوب الهدايا
وأكملُ الهدايا: الجيدةُ السالمةُ (٢)، ولا تجزئ العرجاء البين عرجها، وهي
_________________
(١) شهَّر الخرشي القولَ بأنه يجزئه عن دم القِران. (أسهل المدارك: ١/ ٥٠٤).
(٢) قال الإِمام المقري: "كل ما يطلب من الدماء فلا يجوز فيه العيب الكثير، ويتقى اليسير" انظر (الكليات الفقهية ١١٤ رقم ١٥٩).
[ ٢ / ٦٣١ ]
التي لا تلحق بالغنم، ولا العوراء البين عورها وهي التي لا تنظر إلا بعين واحدة، وسواء كانت العين التي تنظر بها قائمة أو مفقودة.
وقال محمَّد عن مالك: إِن كان بعينها بياض يسير على الناظر لا يمنعها أن تبصر أو كان على غير الناظر لم يمنع الإِجراء، وإِن منعها كثيرًا لكونه على الناظر فهي العوراء.
وظاهر كلام أشهب: أنه إِن نقص من نظرها شيء لم يجز أن يضحى بها.
ولا تجزئ المريضةُ البينُ مرضُها، وهذا الوصف معلوم بالحس.
والخلاف الذي يوجد في بعض المسائل في المريضة إِنما هو خلاف في تحقيق مناطٍ (١)، هل وُجد المرض البين أم لا؟ وكذلك العجفاء التي لا مخ فيها، وقيل: لا شحم.
قال ابن عبد السلام: والأول هو المنقول عن أهل اللغة.
قال سحنون في التي أقعدها الشحم: لا بأس بها.
وكذلك قطع الأذن والذَّنَب ونحوه لا يجزئ على المشهور، ويُغتفر اليسيرُ، وهو ما دون الثلث، وفي الثلث قولان.
_________________
(١) فصل الإِمام الشاطبي الكلام على تحقيق المناط باعتباره من ضروب الاجتهاد وقسمه إِلى تحقيق خاص وتحقيق عام. انظر (الموافقات: ٤/ ٩٥ وما بعدها).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
والنهيُ عن الخرقاءِ والشَرْقَاءِ والمقابلة والمدابرة بيانٌ للأكمل على الأشهر (١).
قال الجوهري: الخرقاء: التي في أذنها خَرْقٌ وهو ثقب مستدير (٢)، والشرقاء: المشقوقة الأذن (٣).
ويقال: شاة مقابلة إِذا قطعت من أذنها قطعة لم تبن وتركت معَلقة من قدام، فإِن تركت من أُخر فهي مُدَابرة (٤).
ويغتفر كسر القرن ما لم يكن مرضًا كالدامي، فإِن كان يدمى وأهداها كذلك أجزاه عند أشهب.
ولو كانت بغير أذن أو ذنب خِلقة وهي السكاء أو البتراء فكقطعهما، والصمعاء جدًّا كالسكاء، والصمعاء هي صغيرة الأذنين بخلاف الجمّاء، فإِنها تجزئ وهي التي لا قرن لها.
والبشم والجرب كالمرض.
والبشم: التخمة الممرضة.
_________________
(١) ص: على المشهور.
(٢) الصحاح: ٤/ ١٤٦٨.
(٣) قال الجوهري شرَقتُ الشاة أشرُقُها شرقًا، أي شققت أذنها، وقد شرِقت الشاة فهي شاة شرقاءُ بينه الشَّرق (الصحاح: ٤/ ١٥٠١).
(٤) الصحاح: ٥/ ١٧٩٧.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
والجرباء: التي لا سمن لها (١).
وفي السنن الواحدة والاثنتين (٢) قولان، بخلاف الكل والجل، فإِنها لا تجزئ حينئذ على المشهور.
قال محمَّد: ولا تجزئ يابسة الضرع كله، وإِن أرضعت ببعضه فلا بأس (٣) * والدبرة والجرح، فإِن كان عنهما مرض فهما كالمرض البين، وفي الهرم كثيرًا قولان.
قال ابن عبد السلام: الخلاف في هذا الفرع ينبغي أن يكون خلافًا في حال (٤)، فإِن منعها الهرمُ من الحركَةِ، كما يمنع المريضة البين مرضها، كان مانعًا وإِلا لم يكن مانعًا.
ولا نصَّ في المجنونة، ورآه الباجي كالمرض فيكون مانعًا (٥).
_________________
(١) والجرباء التي لا سمن لها: ساقط من (ص) (ب) يقال: جرب البعير فهو أجرب. وناقة جرباء وإِبل جُرْبٌ ومثله: بعير أعجف جمعه عِجَاف والجَرَبُ في كتب الطب: مرض جلدي يكون معه بثور وربما حصل معه هزال لكثرته (المصباح: جرب).
(٢) المقصود: سقوط السن الواحد والاثنتين.
(٣) أسهل المدارك: ١/ ٥٠١.
(٤) ر: في حال الهرم.
(٥) جعل الباجي نقص الخلقة في الضحايا على ثلاثة أضرب، واعتبر الجنون من الضرب الذي ينقص المنافع دون الجسم، وله تأثير بين وهذا يمنع الإجزاء وقال: لم أجد نصًّا لأصحابنا في الجنون. (المنتقى: ٣/ ٨٤).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وفرق بعض الشيوخ بين الدائم منه فيكون مانعًا وما يعتاد أحيانًا فلا يكون مانعًا.
قال ابن عبد السلام: وهو معنى كلام الباجي؛ لأن مطلق المرض لا يكون مانعًا.
فرع:
ويعتبر حصول السّن المجزئ والسلامة من العيوب حين التقليد والإِشعار لا وقت الذبح على المنصوص فلو قلد هديًا سالمًا ثُمَّ تعَّيب أجزأه.
وبالعكس لم يجزه على المشهور فيهما، فلو اطلع قبل نحره أو بعده على أن به من العيوب ما يمنع الإِجزاء فإِن ذلك لا يجزئ عن الهدي الواجب ثم يبقى النظر بعد ذلك فيما يأخذه عوضًا عن العيب وفي ثمن الهدي على تقدير أن لو استحق، وحكمه أن يتعين بالأرش وبثمن الهدي المستحق في الهدي الواجب؛ لأن الذمة مشغولة به فالبدل واجب وإِن لم يوف ذلك بثمن الهدي تيمم من عنده بقيمة الثمن، وأما التطوع إِذا جرى فيه مثل هذا فإِن بلغ قيمة ما يأخذه في العيب أو ثمن المستحق قيمة هدي اشتراه به وإِن لم يبلغ قيمة هدي تصدق به، وقيل: يتملكه ويفعل به ما شاء.
فصل
من سنة الهدي في الإِبل: التقليد والإِشعار (١)، وفي البقر التقليد دون
_________________
(١) الأصل في ذلك حديث ابن عباس: "أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم =
[ ٢ / ٦٣٥ ]
الإِشعار، والغنم لا تقلد ولا تشعر على الأشهر (١)، والقول الآخر أنها تُقَلَّدُ.
واختلف المذهب في إِشعار ما لا سنام له من الإِبل والبقر، والأقرب عدمه لأن الأصلَ عدم تعذيبِ الحيوان، فيُقتصر على ما ورد. وقيل: تشعر؛ لأن ذلك لأجل شهرتها هديًا، ولذلك قلدت.
وأمَّا ماله أسْنِمَةٌ من البقر ففي الجلاب: أنها تشعر (٢) لتحقق المشابهة (٣) بينها وبين الإِبل.
واتفقوا: أن الغنم لا تُشعُر.
قال مالك في الموازية: ويقلد هديه ثم يشعره ثم يجلله إِن شاء ثم يركع ثم يحرم.
قال ابن حبيب: وليس التجليل بواجب على من أهدى لا في واجب ولا في تطوع، إِلا من أحب.
_________________
(١) = دعا ببدنَةٍ، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها بنعلين، ثم أتى براحلته فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج". أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الإِشعار. (مختصر سنن أبي داود: ٢/ ٢٩٠ رقم: ١٦٧٧).
(٢) انظر: (الكافي: ١/ ٤٠٢).
(٣) عبارة الجلاب: "تقلد البقر وتشعر إِذا كانت لها أسنمة، وإِن لم تكن لها أسنمة قلدت ولم تشعر". (التفريع: ١/ ٣٣٣).
(٤) ر: للمشابهة.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وقال مالك في المبسوط: إِن البقر والغنم لا تجلل.
وأما التقليد والإِشعار في الإِبل فواجب لأنها علم الهدي.
قال ابن حبيب عن مالك: وحسن أن يشق جلال البدن عن الأسمنة، وهو من عمل الناس.
واستحبَّ مالكٌ: إِذا كان ثمنُ الجِلالِ يسيرًا أن تُجَلَّلَ به من حين تشعر الهدي وتشق أوساطها، فإِنَّ ذلك زينةٌ لها، وإن كان لها خطْبٌ وبَالٌ أخرت إِلى أن تغدوَ إِلى عرفَات من مِنى.
قال ابن الحاج: وقد روي أن حكيم بن حزام (١) حج في الإِسلام ومعه مائة بدنَة قد جللها بالحِبَرة (٢) وكلها عن أعجازها وأهداها ووقف بعرفة بمائة وصيف في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن حزام وأهدى ألف شاة (٣).
_________________
(١) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزى، أبو خالد القرشي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين. ولد بمكة في الجاهلية وشهد حرب الفجار، وأسلم يوم فتح مكة، ورويت عنه بعض الأحاديث. عمر طويلًا. ت بالمدينة حوالي ٥٤. (الأعلام: ٢/ ٢٩٨، أسد الغابة: ٢/ ٤٥ رقم ١٢٣٤، الإِصابة: ١/ ٣٤٨، شذرات الذهب ١/ ١٠، صفة الصفوة: ١/ ٧٢٥، رقم ١٠٩).
(٢) الحِبْرَة والحَبَرة: ضرب من برد اليمن منمر (اللسان: حبر).
(٣) أورد ذلك ابن عبد البر عندما ترجم لحكيم بن حزام في الاستيعاب: ١/ ٣٦٣ ط. مكتبة نهضة مصر، الفجالة، مصر.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
والتقليد: تعليق نعل في العُنق، وأقل ما يكفي نعلٌ (١).
واستحب مالك - رحمه الله تعالى - أن يقلدَها نعليْن (٢) ومن لم يجدهما قلدها بشيء مما تنبته الأرض.
وقال ابن حبيب *: يقلدها بما شاء.
وقال ابن عبد السلام: والمذهب أن ما تنبته الأرض مستحب على غيره (٣).
ويكره التقليد بالأوتار لما يُخشى أن يتعلق بشجرة فتؤذيها لقوتها ورقتها، وله أن يجعل حبال القلائد مما شاء.
وقال مالك - ﵀ -: تفتل حبال القلائد فتلًا.
وقالت عائشة - ﵂ - كنت أفتل لرسول الله - ﷺ - قلائد هديه من عِهن (٤)، وهو الصوف.
_________________
(١) الكافي: ١/ ٤٠٢.
(٢) الأصل فيه ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يسوق بدنة. قال: اركبها، قال: إِنها بدنة، قال: اركبها.، قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي - ﷺ - والنعل في عنقها.- أخرجه البخاري في (الصحيح: ٣/ ١٨٣ - ١٨٤، كتاب الحج، باب: تقليد النعل).
(٣) تقييد أبي الحسن الصغير: ٢/ ٤ أ.
(٤) عن القاسم عن أم المؤمنين ﵂ قالت: فتلتُ قلائدها من عِهْن كان =
[ ٢ / ٦٣٨ ]
والإِشعار: وهو العلامة.
وصفة إِشعار الهدي: أن تشق في سنامها الأيسر (١) بسكين أو بمبضع.
وقيل: من الأيمن من نحو الرقبة إِلى المؤخر حتى يخرج شيء من دمها (٢).
ويقول عند الإِشعار: بسم الله والله أكبر (٣).
_________________
(١) = عندي.- أخرجه البخاري في (الصحيح: ٢/ ٢٠٨، كتاب الحج، باب: القلائد من العهن). وأخرجه ابن خزيمة عن عائشة بلفظ: "كنت أفتل قلائد رسول الله - ﷺ - بيدي هاتين" (صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٥٣ رقم ٢٥٧٣). وعنها أخرجه أبو داود، ولفظه "فتلت قلائد رسول الله - ﷺ - بيدي هاتين" (صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٥٣ رقم ٢٥٧٣). وعنها أخرجه أبو داود، ولفظه "فتلت قلائد بدن رسول الله - ﷺ - بيدي ". قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (مختصر سنن أبي داود: ٢/ ٢٩٣ رقم ١٦٧٣).
(٢) سنة الإِشعار أن يكون من الشق الأيسر سواء كانت البدن صعبة أو ذللًا، وكان ابن عمر يشعرها من الشقين جميعًا، وإِذا كانت صعابًا أشعرها وهي مقرنة موثقة. وإِنما يفعل هذا ليدللها بذلك. (البيان والتحصيل: ١٧/ ١٧٨) وانظر (الكافي: ١/ ٤٠٢).
(٣) انظر (البيان والتحصيل: ١٧/ ١٧٨.
(٤) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إِذا طعن في سَنام هديه وهو يشعره قال: بسم الله والله أكبر (مالك في الموطإِ، كتاب الحج، العمل في الهدي حين يساق). قال الزرقاني: في ذلك امتثال لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ =
[ ٢ / ٦٣٩ ]
ويكون التقليد والإِشعار في مكان واحد، وهو متوجه إِلى القبلة، ويكون التقليد قبل الإِشعار وقد تقدم.
وقال ابن القاسم: كل ذلك واسع، يعني الترتيب بينهما ليس بواجب.
ثم يجلله بعد ذلك الإِشعار بما أحبّ، وذلك على قدر الجدة والرغبة في الثواب، فمن الناس من يجلل بالوشي والحبر، وبعضهم بالقطن.
فرع:
قال مالك: ولا ينبغي للمرأة أن تُقَلِّد ولا أن تُشْعِرَ ولا أن تَأمَرَ بذلك جاريتها. وهي تجد رجلًا يقلد لها ويشعر، ولو اضطرت إلى ذلك أجزأها.
فرع:
وخطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك تحقيقًا للتبعية.
وقال أشهب: إِن أعطى جلال بدنته الواجبة لبعض ولده فلا شيء عليه.
فرع:
ولا ينبغي أن يقلد هدي التمتع إِلا بعد الإِحرام بالحج، فإِن قلد قبل ذلك
_________________
(١) = [البقرة: ١٨٥]- (الزرقاني على الموطأ: ٢/ ٣٢٦) وانظر (الجواهر: ١/ ٤٥١ - قوانين ابن جزي: ١٥٩).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
فهل يجزئ عن الهدي الواجب؟
اختلف قول مالك فيه:
فكان أولًا يقول: لا يجزئ؛ لأنه قد وجب بالتقليد قبل التَّمتُّع.
ثم قال: إِن أخره إِلى يوم النحر فنحره عن متعته رجوت أن يجزئه، وقد فعله الصحابة ﵃.
قال ابن عبد السلام: وقد أشار غير واحد إِلى الخلاف (١) في ذلك إِنما هو إِذا ساق هذا الهدي في العمرة لينحره عن التمتع فيكون ذلك من باب الكفارة قبل الحنث، وأما لو ساقه على نية التطوع ثم حل من العمرة فأحرم بالحج فإِنه لا يجزؤه، قولًا واحدًا. والله أعلم.
فرع مرتب:
لو قلد هدي ترك الوقوف نهارًا بعرفة قبل عرفة أو هدي ترك الجمار أو غير ذلك قبل موجبها لم يجزه ذلك، ولم يجز فيه الخلاف المتقدم.
فرع:
فإِن أكل مما ليس له الأكل منه وهي الأنواع الأربعة المتقدم ذكرها ففي ذلك أربعة أقوال:
الأول: أن عليه البدل بهدي كامل في جميع الأنواع الأربعة.
_________________
(١) ر: أن هذا الخلاف.
[ ٢ / ٦٤١ ]
والثاني: عليه قدر ما أكل خاصة في جميعها، وهو مذهب ابن الماجشون في جزاء الصيد وفدية الأذى.
والثالث: أن عليه البدل كاملًا في جزاء الصيد وفدية الأذى وهدي التطوع، إِذا عطب قبل محله دون نذر المساكين (١) فإِنه لا يلزم فيه إِلا قدر ما أكل خاصة.
والرابع: الفرق بين المعيّن للمساكين وبين غيره.
فالأول يلزم فيه قدر ما أكل وما كان من نذر المساكين مضمونًا أو كان من الأنواع الثلاثة الباقية فعليه الهدي كاملًا، وقد تقدم ما روي عن مالك أن من أكل من هدي جزاء الصيد أو فدية الأذى فلا شيء عليه إِلا الاستغفار. انظر ابن عبد السلام.
فرع:
وإِذا قلنا بأن الواجب مقدار ما أكل لإِكمال البدل، سواء كان ذلك مطلقًا كما في القول الثاني أو مقيدًا كما في القول الثالث والرابع، فاختلف هل يؤدي مثل ذلك اللحم إِن علم وزنه أو قيمته إِن لم يعلم وزنه أو يؤدي قيمته مطلقًا طعامًا، وهذان القولان للمتقدمين أو يؤدي قيمته عينًا، وهذا القول لبعض المتأخرين.
_________________
(١) المساكين: سقطت من (ر) (ص).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
والظاهر من الأقوال الأربعة هو الثاني، وهو أنه ليس عليه إِلا قدر ما أكل؛ لأن القربة حصلت بالنحر، والأكل إِنما أتلف على المساكين أو من في معناهم مقدارًا من اللحم، فوجب أن يغرم لهم مقداره، وهو الظاهر من الأقوال الثلاثة، غرم مقدار اللحم لحمًا ولا حاجة للعدول إِلى الطعام والثمن.
فرع:
إِذا ولدت البدنة بعد تقليدها وإِشعارها فولدها بمنزلتها يحمل معها فإِن كان له محمل حمله على غيرها وإِلّا فعلى أمه (١) فإِن لم يكن يمكن حمله على غيرها ولا تركه ليشتد، فكهدي تطوع عطب فينحره مكانه ويتصدق به ولا يأكل منه ولا يبدله (٢)، وإِذا حمله على غيرها فعليه أن ينفق عليه في حمله أو إِبقائه، فإِن أضاعه حتى هلك كان عليه بدله (٣).
قال أشهب: فإِن باعه أو ذبحه لغير ضرورة فعليه بدله.
_________________
(١) كذا في (المدونة: ٢/ ٢٤٣).
(٢) الجواهر: ١/ ٤٥٣.
(٣) انظر (أسهل المدارك: ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣) وقد قال الونشريسي في فروقه: "إِنما قالوا إِذا أنتجت الشاة أو البقرة أو الناقة وهي هدي يجب حمل ولدها معها إِلى مكة ويذبح أو ينحر معها، وإِذا ولدت الضحية يحسن أن يذبح ولدها من غير إِيجاب؛ لأن الضحية لا تتعين بالاشتراك، والهدي يتعين بالتقليد والإِشعار، وولد الهدي كبعض أمه ويجري فيه من العقد ما جرى في أمه". (عدة البروق: ١٤٤ - الفرق: ٢١٣).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وما ولدت بعد نية الهدي وقبل التقليد والإِشعار، فقال ابن المواز عن مالك: أحب إِلي أن ينحر ولدها معها.
واستحسن أن لا يركب بدنته إِلا إِن احتاج، ولا يلزم النزول بعد الراحة على المشهور (١).
وكذلك إِذا احتاج لحمل متاعه عليها فإِن وجد غيرها نقله عنها، ولا يشرب من لبنها ولا شيء عليه إِن فعل ما لم يضرَّ بها (٢) أو بولدها، فيغرم موجب فعله، وإِن خيف عليها الضرر والمرض بترك الحلاب فيحلب قدر ما يزيل عنها الضرر (٣).
ومن أضر بفصيل بدنته في لبنه (٤) حتى قتله، فعليه بدله هديًا ممن يجوز في الهدي.
_________________
(١) عن أبي الزبير قال: "سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "اركبها بالمعروف إِذا ألجئت إِليها حتى تجد ظهرًا" أي مركبا. أخرجه مسلم في (الصحيح ١/ ٩٦١ رقم ١٣٢٤ كتاب الحج: جواز البدنة المهداة
(٢) ر: ما لم يضرها.
(٣) الجواهر: ١/ ٤٥٣ - الكافي: ١/ ٤٠٤.
(٤) ر: في لبنها.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
فصل: في نحر الهدي
والشأن أن تُنحر الإِبل قائمة قد صفت يداها بالقيد وعطفت رؤسها ولويت أعناقها لكي تظهر لبتها وهي المنحر، ويستقبل بها القبلة. والبقرة والغنم تضجع وتذبح (١)، ولا يجوز في الإِبل الذبح، وإِن نحرت البقر فلا بأس بذلك. والنحر فيها بالسنة (٢) والذبح فيها (٣) بالكتاب في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وقوله ﷿: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ
_________________
(١) انظر (البيان والتحصيل: ١٧/ ٦١٧ - ٦١٨).
(٢) ص: للسنة. ومن الأحاديث الدالة على النحر في البقر ما روته عائشة "أن رسول الله - ﷺ - نحر عن آل محمَّد - ﷺ - في حجة الوداع بقرة واحدة". (سنن ابن ماجه: ٢/ ١٠٤٧. رقم ٣١٣٥ كتاب الأضاحي، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة). ومنها ما روي عن ابن عباس قال: "قلّت الإِبل على عهد رسول الله - ﷺ - فأمرهم أن ينحروا البقر". قال في الزوائد: إِسناده صحيح ورجاله ثقات. (سنن ابن ماجه: ٢/ ١٠٤٧ رقم ٣١٣٤. كتاب الأضاحي باب عن كم تجزىُ البدنة والبقرة).
(٣) فيها: سقطت من (ب).
(٤) البقرة: ٧١. ونصها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وَانْحَرْ﴾ (١)، وإِن نحرت الغنم لغير ضرورة أو ذبحت الإِبل لغير ضرورة، فالمشهور التحريم.
فرع:
والسنة نحو الهدي كله واجبه وتطوعه يوم النحر بعد طلوع الشمس (٢) بمنى وبعد رمي جمرة العقبة *، فإِن نحر (٣) قبل الرمي أو قبل طلوع الشمس بمنى (٤) فقد أساء وأجزأه في الوجهين. ولو نحر هديه قبل الإِمام أجزأه (٥) وهو ذلك بخلاف الأضحية لأنه يشترط فيها أن تذبح بعد طلوع الشمس وبعد ذبح الإِمام، ولا يجزئ نحو شيء من الهدايا ولا الضحايا ليلًا.
فصل
ويوم الحج الأكبر، قيل: هو يوم عرفة (٦) والأصح أنه يوم النحر (٧) والأيام
_________________
(١) الكوثر: ٢.
(٢) مختصر ابن عرفة: ١/ ١٦٠ ب.
(٣) ر: فإِن نحره.
(٤) بمِنى: سقطت من (ب) ص.
(٥) الكافي: ١/ ٤٠٥.
(٦) هذا قول ابن عباس وطاووس (التمهيد: ١/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٧) هذا ما روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وهو ما اتفق عليه مالك وأصحابه (م ن: ١/ ١٢٥ - ١٢٦). =
[ ٢ / ٦٤٦ ]
المعلومات ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده.
قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١).
فهي أيام الذبح، اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها، وليس في اليوم الرابع ذبح.
والأيام المعدودات: أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر: وهي أيام مِنى (٢) وسُمِّيت أيام التشريق لتشريق الناس فيها للحوم الأضاحي أي تعليقهم اللحم فيها ليصير قديدًا، الشروق: طلوع الشمس.
تنبيه:
قال عبد الحق: كره مالك أن يقال: أيام التشريق، واستحب أن تسمى الأيام المعدودات، قال: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣).
_________________
(١) = وانظر (البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩ - ١٧/ ١٦٤، إِرشاد الساري للقسطلاني: ٣/ ٢٤٤). وهذا ما ذهب إليه ابن قدامة، وقال: سمي بذلك لكثيرة أفعال الحج فيه. (المغني ٣/ ٤٤٦).
(٢) الحج ٢٨ ونصها: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾.
(٣) أصول الفتيا: ٨٩. قوانين ابن جزي: ١٦٢.
(٤) البقرة: ٢٠٣ وتمامها ﴿.. فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
ووَقع (١) لمالك في الموطإِ تسمية أيام التشريق في عدة مواضع وقال: الأيام المعدودات أيام التشريق (٢).
فيوم النحر معلوم في النحر، والذبح غير معدود في الرمي، واليومان بعده معلومان في الذبح معدودان في الرمي، واليوم الرابع وهو آخر أيام مِنى معدود في الرّمي غير معلوم في النحر.
فصل: أيام الحج سبعة
يوم الزينة: وهو اليوم السابع، كانوا يبرزُون فيه زينة المحامل وجلالات الهدْي.
ويومُ التْروِيَة: وهو اليوم الثامن كانوا يحملون الماء يتروَّوْن به (٣) لقلة الماء بمِنى.
يوم عرفة: وهو يوم الحج الأكبر، على أحد القولين.
ويوم العيد: ويسمّى يوم النحر ويوم الحج الأكبر (٤) على الأصح.
_________________
(١) ب: وقد وقع.
(٢) الموطأ، كتاب الحج، تكبير أيام التشريق. (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٣) تقييد أبي الحسن الصغير: ٢/ ٢١ ب.
(٤) سئل مالك عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: هو يوم النحر. (النوادر: ١/ ١٥٤ أ - البيان والتحصيل: ١٧/ ١٦٤). وانظر (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
ويوم القَرِّ (١)، ويسمى يوم الرؤوس (٢) ومعنى القر أنه ليس فيه رحيل ولا نزول بخلاف ما قبله وما بعده، ومعنى الرؤوس - والله أعلم - أنهم كانوا يكتفون يوم النحر باللَّحم، ويأكلون الرؤوس في يوم القر.
ويوم النفر الأول، والنفر عند العرب: الافتراق.
ويوم النفر الثاني، ويسمى يوم الانجفال.
ويوم الصدر من مِنى إِلى مكة. ملخص من مناسك الحج (٣).
_________________
(١) وردت هذه التسمية في حديث عبد الله بن قرط، عن النبي - ﷺ - قال: "إِن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر، وهو اليوم الثاني" أخرجه أبو داود، وقال المنذري: أخرجه النسائي (مختصر سنن أبي داود: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٦). قال الخطابي: يوم القر: هو اليوم الذي يلي يوم النحر، وإِنما سمي يوم القر لأن الناس يقرون فيه بمِنى، بعد الفراغ من طواف الإِفاضة والنحر. (معالم السنن المطبوع مع مختصر السنن: ٢/ ٢٩٥).
(٢) وردت هذه التسمية في حديث السراء بنت النبهان قالت: "خطبنا النبي - ﷺ - يوم الرؤُوس فقال أيُّ يَوْم هذَا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس أوْسَطَ أيَّامِ التشريق؟ ! ". أخرجه أبو داود (السنن: ٢/ ٤٨٨، رقم ١٩٥٤. كتاب المناسك، باب أي يوم يخطب بمِنى).
(٣) عوض: ملخص من مناسك الحج في (ب): ذكره ابن الحاج.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
فصل: شعائر الحج
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ (١) الآية عشرة: الركن والمقام والصفا والمروة وعرفة والمزدلفة والجمار الثلاث، والبدن والوقوف بالمشعر داخل في النزول بالمزْدَلِفة. ذكره ابن حبيب في مختصر الواضحة عن زيد بن أسلم (٢).
فرع:
والأفضل أن يُباشرَ الرجلُ ذلك كلَّه بنفسه - إِن أمكنه - اقْتِدَاءً برسول الله - ﷺ -، وتواضعًا لله تعالى (٣).
وروي أنه - ﷺ - نحر بيده الكريمة سبع بدن قيامًا، رواه البخاري (٤).
_________________
(١) الحج: ٣٢ وتمامها: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
(٢) جملة: ذكره أسلم في (ر) متقدمة على: الوقوف بالمزدلفة.
(٣) انظر (البيان والتحصيل: ١٧/ ٦١٨).
(٤) عن أنس ﵁ قال: "صلَّى النبيُّ - ﷺ - الظهرَ بالمدينة أربعًا، والعصرَ بذي الحليفة ركعتين فبات بها، فلما أصبح ركب راحلته فجل يُهلل ويسبِّح، فلما علا على البيداء لبَّى بها جميعًا، ولما دخل مكة أمرهم أن يحلُّوا، نحر النبي - ﷺ - بيده سبع بُدْن قيامًا" (الصحيح: ٣/ ١٨٥، كتاب الحج، باب نحر البدن قائمة).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وكره مالك أن ينحر هديَه (١) أو أُضحيتَه غيره (٢) ويجزئه، إِلا أن يكون غير مسلم فلا يجزئه * وحسنٌ أن يقول مع التسمية:
الله أكبر، اللهم تقبل من فلان،
فإِن نحره مسلم غير مالكه وبغير إِذنه لكنه عن مالكه، وكان ذلك بعد أن تعيَّن الهدي بالتقليد، فإِنه يجزئ مالكه بخلاف الأضحية، فإِنه لو وقع مثل ذلك فيها لم يجز مالكها؛ لأن الهدي تعين بالتقليد والإِشعار والأضحية لا تتعين بالشراء، ألا ترى أنه يجوز بدلها بخير منها ولو تعينت لما جاز بدلها.
فإِن نحر هذا الهدي عن نفسه تعديًا أو غلطًا ففيه ثلاثةُ أقوالٍ:
الإِجزاء عن صاحبه.
ونفي الإِجزاء.
والثالث وهو المشهور (٣): يجزئ في الغلط دون التعدِّي.
وإِذا قلنا: لا يجزئ عن ربه فهل يجزئ عن الذابح؟ المشهور عدم الإِجزاء.
وروى أبو قرة (٤) أنَّه يجزئه وعليه قيمته وبدله لصاحبه.
_________________
(١) ر: بدنة.
(٢) قال ابن عبد البر: تولي الرجل نحر هديه بيده مستحب عند أهل العلم لفعله - ﷺ - ولأنها قربة إِلى الله فمباشرتها أولى. (التمهيد: ٢/ ١٠٧).
(٣) وهو ما حكاه ابن عبد الحكم عن مالك. (التمهيد: ٢/ ١٠٩).
(٤) أبو قرة موسى بن طارق السكسكي، أبو محمد القاضي، من أهل اليمن، روى عن =
[ ٢ / ٦٥١ ]
فرع:
فلو دفع الهدي إِلى المساكين حيًّا فنحروه، أجزأه ذلك، على أن الذي ينْبَغِي أن لا يدفعه إِليهم إِلا بعد نحره، فإِن استحبوه لم يجزه (١) وعليه البدل.
أمَّا في الواجب فظاهر، لأنَّ الذمةَ لا تبرأ إِلا بعد نحره.
وأما في التطوع فلأنه سبب في إِتلافه، فصار كمن أفسد تطوعًا بعد الدخول فيه فوجب أن يفضيه.
فرع: [الاشتراك في الهدي]
اتفق العلماء على أنه لا يشترك في الهدي إِذا كان من الغنم، واختلفوا في الإِبل والبقر، والمشهور عن مالك أنه لا يجوز فيهما سواء كان الهدي واجبًا أو تطوعًا (٢)، وروي أيضًا أن ذلك يجوز في التطوع (٣).
_________________
(١) = مالك، له كتابه الكبير وكتابه المبسوط. قرأ على نافع وروى عن موسى عقبة وابن جريج وابن عيينة، وروى عنه أحمد بن حنبل وأثنى عليه خيرًا، وقال عنه أبو حاتم الرازي: محمله الصدق. ت ٢٠٣. (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٩ - الجرح والتعديل: ٤/ ١٤٨. المدارك ٣/ ١٩٦).
(٢) ص: لم يجز.
(٣) استدل مالك بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي الهدي الكامل، والمشتركون لم يفتدوا واحد منهم بهدي كامل. (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤١٠) وانظر (مختصر ابن عرفة: ١/ ٥٠٦).
(٤) الرواية بالجواز في كتاب محمد بن المواز. انظر (الجواهر: ١/ ٤٥٤، أسهل المدارك: ١/ ٥٠٦).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال ابن عبد السلام: وقال أكثر العلماء بجواز ذلك في الواجب والتطوع (١) وهو الصحيح، واستدل بما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة (٢).
فرع: [متى يجب بدل الهدي]
ولو هلك الهدي أو ضل أو قتل أو سرق قبل نحره وجب بدله في الواجب دون التطوع، فلو سرق الهدي الواجب فأبدله صاحبه ونحر البدل ثم وجد المسروق، فإِن كان سرق بعد تقليده وجب نحر المسروق أيضًا؛ لأنه تعين بالتقليد، وذلك يمنع من عوده إِلى ملك ربه، وإِن كان سرق قبل التقليد جاز بيعه لعدم تعيينه بالتقليد، ولبراءة الذمة ينحر البدل، وإِن وجد المسروق بعد أن أبدله (٣) وقبل نحر البدل، فإِن كانا مقلدين نحرهما وإِلا بيع الآخر، ولو سرق بعد نحوه أجزأه، والله أعلم.
_________________
(١) المغني: ٣/ ٥٥٢، النووي على مسلم: ٩/ ٦٧.
(٢) عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مُهِلِّينَ بالحجِّ فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة". أخرجه مسلم (الصحيح: ١/ ٩٥٥ رقم ٣٥١ كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة).
(٣) ر: بعد إِبداله.
[ ٢ / ٦٥٣ ]