[فضائل المدينة وأهلها]:
وفضائل المدينة أكثر من أن تُحصى، وأشهر من أن تُذكَر، وأقول ما قاله أبو محمد البسكري (١) - ﵀ -: * وكفى بها شرفًا حلول المصطفى - ﷺ - بفنائها.
وقد جاء في الحديث أنه - ﷺ - قال: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أخْرجْتَني مِنّ أحَبِّ البِلَادِ إِلَيَّ فَأسْكِنِّي أحَبَّ (٢) البِلَادِ إِلَيْكَ"، فأسكنه الله تعالى المدينة (٣).
_________________
(١) (*) سبق التعليق على التبرك في ص ٧٢٩.
(٢) أبو محمد عبد الله بن عمران البسكري صاحب أبي عبد الله محمد بن رشيد الذي يحليه بـ (الفقيه) الفاضل الصوفي الأديب المتخلق ، وقد ساق في رحلته بعض أشعاره. انظر (ملء العيبة: ٢٦٧).
(٣) (ر): في أحب.
(٤) أخرجه الحاكم في (المستدرك: ٣/ ٣ كتاب الهجرة) عن سعيد بن سعيد المقبري عن أخيه عن أبي هريرة. وقال: رواته مدنيون من بيت أبي سعيد المقبري. قال الذهبي: "لكنه موضوع فقد ثبت أن أحب البلاد إِلى الله مكة، وسعد ليس =
[ ٢ / ٨١٢ ]
والإِجماع على أن ما ضمَّ أعضاءه الشريفة - ﷺ - أفضَلُ بقاعِ الأرضِ (١)، ولهذا كان ما جاورَ تلك البقعة روضة من رياض الجنة.
وفي الصحيح أنه - ﷺ - قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا، وباركْ لَنا في
_________________
(١) = بثقة". (التلخيص: ٣/ ٣). ونقل السخاوي عن ابن عبد البر قوله: لا يختلف أهل العلم في نكارته وضعفه، وعن ابن حزم قوله: هو حديث لا يسند، وإِنما هو مرسل من جهة محمد بن الحسن بن زبالة، وهو هالك. (المقاصد الحسنة: ٨٩ رقم ١٧٠).
(٢) مدعي هذا الاجماع هو القاضي عياض، فقد قال: "لا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض" (الشفا: ٢/ ٧٥). وعارضه في دعوى الإِجماع الإِمام أحمد تقي الدين بن تيمية، وقال: "أما التربة التي دفن فيها النبي - ﷺ - فلا أعلم أحدًا من الناس قال إِنها أفضل من المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة لم يستثن منها قبور الأنبياء ولا قبور الصالحين، ولو كان ما ذكره (عياض) حقًّا لكان مدفن كل نبي وكل صالح أفضل من المساجد التي هي بيوت الله". (مجموع الفتاوي: ٢٧/ ٣٧ - ٣٨). وانظر: (مقدمة ابن خلدون: ٢٥٥، إِتحاف السادة المتقين: ٤/ ٢٨٦، التمهيد: ٦/ ١٨، المحلى: ٧/ ٤٤١ وما بعدها، قواعد الأحكام لابن عبد السلام: ١/ ٣٩ وما بعدها، إِكمال إِكمال المعلم: ٣/ ٤٧٨، الجامع من المقدمات، لابن رشد: ٣٢٧ وما بعدها - القرى: ٦٢٦ - ٦٢٧).
[ ٢ / ٨١٣ ]
مَدِينَتِنَا، وبارك لنا في صَاعِنَا ومُدّنا (١)، اللهمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خليلُك وعبدك ونبيُّك، وأنا عبدُك ونبيُّك، وإِنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه" (٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن عباس: "أنت القائل: مكة خير من المدينة؟ قال عبد الله: قلتُ: حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته وأمنه شيئًا، ثم قال - ﵁ - كما قال له أولًا، فأجابه عبد الله بجوابه الأول وأجابه عمر بمثل الأول ثلاث
_________________
(١) الدعاء بالبركة في المدّ والصاع، طرف مما روته عائشة وأخرجه البخاري كتاب فضائل المدينة (الفتح: ٤/ ٩٩) وكتاب المرضى، باب عيادة النساء الرجال (الفتح: ١٠/ ١١٧) وكتاب الدعوات، باب الدعاء برفع الوباء والوجع (الفتح: ١١/ ١٧٩) ومالك في الموطإِ ما جاء في فضل المدينة).
(٢) جاء في حديث أبي قتادة أن رسول الله - ﷺ - قال: "اللهم إِن إِبراهيم خليلك وعبدك، دعاك لأهل مكة وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثل ما دعاك به إِبراهيم لمكة ندعوك أن تبارك في صاعهم ومدّهم وثمارهم " أخرجه الإِمام أحمد ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي في (مجمع الزوائد: ٣/ ٣٠٤). ومن حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "اللهم بارك لنا في ثمارنا وبارك في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدّنا، اللهم إِن إِبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإِني عبدك ونبيك وإِنه دعاك لمكة، وإِني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه". (أخرجه مالك في الموطإِ: كتاب الجامع، الدعاء للمدينة وأهلها). ودعاء إِبراهيم هو قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. (الزرقاني على الموطإِ: ٤/ ٢١٨ - ٢١٩).
[ ٢ / ٨١٤ ]
مرات، ثم انصرف (١).
وقال - ﷺ -: "لا يصبر أحد على لأواء المدينة (٢) وشدتها إِلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة (٣) وفي رواية: وشفيعًا، ذكره القاضي عياض في المدارك (٤).
وقال - ﷺ - في غزوة أحد (٥): "إِنهَا طَيّبَةٌ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تنفِي النَّارُ حَبَثَ الفِضَّةِ" (٦).
_________________
(١) كما قال له أولًا ثم انصرف: ساقط من (ر). وهذا الأثر أخرجه الإمام مالك في (الموطإِ، كتاب الجامع، جامع ما جاء في أمر المدينة). انظر: (الزرقاني على الموطإِ: ٤/ ٢٣٥ رقم ١٧١٩).
(٢) لأواء المدينة: شدتها وضيق معيشتها (النهاية: لأواء: ٤/ ٢٢١).
(٣) أخرج مسلم أحاديث في هذا المعنى، منها حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إِلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا). (الصحيح: ١/ ١٠٠٤ رقم ٤٨٤ كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها). وانظر (جامع الأصول: ٩/ ٣١٥، فضائل المدينة ٣٠ - ٣٢. المنتقى: ٧/ ١٨٨ - ١٨٩، وفاء الوفاء: ١/ ٣٩ وما بعدها).
(٤) المدارك: ٢/ ٣٣.
(٥) في غزوة أحد: سقطت من (ر)، وطمست في (ص).
(٦) أخرج البخاري ومالك عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - =
[ ٢ / ٨١٥ ]
وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: "والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَخْرُجُ أحَدٌ رغْبَةً عنها إِلَّا أخْلَفَ الله فيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ" (١).
والأحاديث في أنواع فضلها يطول ذكرها.
وذكر القاضي عياض في المدارك (٢) وابن الجوزي في مناسكه (٣)، واللفظ
_________________
(١) = يقول: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد". ذهب الخطابي وابن بطال إِلى أن معنى (تأكل القرى) يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم، لأن العرب تقول: أكلنا بلد كذا: إِذا ظهرُوا عليها. وعند القاضي عبد الوهاب: المعنى رجوح فضلها على القرى. (فتح الباري: ٤/ ٨٧، كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس الزرقاني على الموطإِ: ٤/ ٢٢٢، الجامع: ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها). وانظر (جامع الأصول: ٩/ ٣٢٠ - رقم ٦٩٣٦، فضائل المدينة: ٢٥ - ٢٦، رقم ١٩).
(٢) أخرج أبو سعيد المفضل اليمني عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها، إِلّا أبدلها الله ﷿ خيرًا منه" (فضائل المدينة: ٣٢ رقم ٣٥ باب من رغب عن سكنى المدينة إِلى غيرها). ومن حديث عمر أنه - ﷺ - قال: " من خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله به من هو خير منه فيها" قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد: ٣/ ٣٠٦).
(٣) ١/ ٢٤.
(٤) ٤٥٧.
[ ٢ / ٨١٦ ]
لابن الجوزي، قال: كان مالك بن أنس يقول في فضل المدينة: هي دار الهجرة والسنة وهي محفوفة بالشهداء، واختارها الله ﷿ لنبيه - ﷺ - فجعل قبره - ﷺ - بها وبها (١) روضة من رياض الجنة، وفيها منبر رسول الله - ﷺ -.
وزاد القاضي عياض: وعلى أنقابها (٢) ملائكة يحرسونها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وبها خيار الناس بعد رسول الله - ﷺ -، وليس ذلك لشيء (٣) من البلاد غيرها.
وفي رواية: ومنها: تُبعثُ أشرافُ هذه الأمةِ يوم القيامة (٤).
وهذا كلام لا يقوله مالك عن نفسه (٥).
وقيل لمالك: أيما أحب إِليك: المقام هنا - يعني المدينة (٦) - أو مكة؟ فقال: ها هنا، وقال: كيف لا أختار المدينة وما بالمدينة طريق إِلا سلكه عليها رسول الله - ﷺ -. وجبريل ﵇ نزل عليه من عند ربّ العالمين في أقل من ساعة (٧).
_________________
(١) وبها: سقطت من (ر). وفي مثير الغرام: ٤٥٧، وفيها.
(٢) (ر): أبوابها، وما أثبتناه يوافق ما في المدارك.
(٣) (ر، ب): لبد، وما أثبتناه يوافق ما في المدارك.
(٤) المدارك: ١/ ٣٤ - ٣٥.
(٥) هذا من كلام عياض وتمامه: لا يدرك بالقياس.
(٦) يعني المدينة: ساقط من (ر).
(٧) المدارك: ١/ ٣٥.
[ ٢ / ٨١٧ ]
قال القاضي عياض: قال محمد بن مسلمة (١): سمعت مالكًا يقول: دخلت على المهدي، فقال؛ أوصني: فقلت: أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله - ﷺ - وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال *: "المدينة مهاجَرِي ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني، وحقيق على أمتي حفظي في جيراني، فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال" (٢). انتهى.
وطِينَةُ الحَبَال: عصارةُ أهلِ النَّار، أجارنا الله منها (٣).
وقال القاضي عياض في المدارك، قال مصعب (٤): لما قدم المهدي المدينة
_________________
(١) محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إِسماعيل أبو هشام، روى عن الإِمام مالك وتفقه به، وكان من فقهاء المدينة، وهو ثقة مأمون حجة. ت حوالي ٢٠٦. (الجرح والتعديل: ٤/ ٧١، الديباج: ٢/ ١٥٦، المدارك: ٣/ ١٣١).
(٢) المدارك ١/ ٣٥ - ٣٦ وعنه نقله السمهودي في (وفاء الوفاء: ١/ ٤٨). والحديث أخرجه ابن النجار عن معقل بن يسار بلفظ قريب من لفظ مالك (الدرة الثمينة: ١٧ أ). كما أورد السمهودي روايات أخرى لهذا الحديث: (وفاء الوفاء: ١/ ٤٧ - ٤٨)، وانظر (القرى ٦١٩).
(٣) هذا التفسير يعزى لمعقل بن يسار المزني. (وفاء الوفاء: ١/ ٤٧).
(٤) مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله =
[ ٢ / ٨١٨ ]
استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهديُّ إِليه فعانقه وسلم عليه وسايره، فالتفت مالك إِلى المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إِنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسلم عليهم، فإِنَّ ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا خير من المدينة، فقال [له] (١): ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ ! فقال: لأنه لا يُعرف قبرُ نبيٍّ، اليومَ على وجه الأرض، غير قبر محمد - ﷺ - (٢)، ومن كان قبر محمد عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم.
ففعل المهديُّ ما أمره به مالك (٣).
وقال القاضي عياض في المدارك: قيل لمالك: لِمَ صار لأهل المدينة لين القلوب وفي أهل مكة قساوة القلوب؟ (٤) فقال: لأن أهل مكة أخرجوا نبيهم وأهل المدينة آووه (٥).
_________________
(١) = القرشي الأسدي، روى عن مالك الموطأ وغيره. وكان علامة قريش في النسب والشعر، وثقة يحيى بن معين. ت ٢٣٦. (المدارك: ٣/ ١٧٠).
(٢) زيادة من المدارك.
(٣) أكد الشيخ أحمد تقي الدين بن تيمية أن القبر المتفق عليه هو قبر نبينا محمد - ﷺ - وأن قبر الخليل ﵇ فيه نزاع، أما قبور سائر الأنبياء فلا تعرف. (الفتاوى الكبرى: ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥ - ط. دار المعرفة، بيروت).
(٤) المدارك: ٢/ ١٠٢.
(٥) (ر): القلب - وما أثبتناه موافق لما في المدارك.
(٦) المدارك: ١/ ٣٥.
[ ٢ / ٨١٩ ]
فصل: في المساجد (١) والآثار التي ينبغي زيارتها والتبرك بها (*)
فأولها: مسجد قُبَاء (٢) والذي جعله مسجدًا هو رسول الله - ﷺ -، فإِنه كان مربدًا (٣) لكلثوم بن الهدم (٤) فأعطاه رسول الله - ﷺ - فبناه مسجدًا وأسسه بنفسه (٥) هو وأصحابه - ﷺ - ورضي عنهم.
ونقل ابن النجار أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وأبا بكر في أصحابه ينقلون حجارته على بطونهم، ويؤسسه رسول الله - ﷺ - وجبريل ﵇ يؤم به
_________________
(١) (*) سبق التعليق على التبرك في ص ٧٢٩.
(٢) تحدث ابن هلال عن هذه المساجد في (مناسكه: ١١ أ. ١٢ ب.)
(٣) انظر عنه (مناسك الحربي: ٣٩٧ - ٣٩٨).
(٤) المربد: مكان يبسط فيه الزرع أو التمر للتجفيف، ويرادفه الجرين والمسطح والبيدر. (السيرة الحلبية: ٢/ ٦٤).
(٥) كلثوم بن هدم بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري، كان يسكن قباء. أسلم قبل وصول الرسول - ﷺ - إِلى المدينة. توفي قبل بدر بيسير (أسد الغابة: ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦). وقيل: إِن المربد ليتيمين يسميان سهلًا وسهيلًا في حجر أسعد بن زرارة، ابتاعه الرسول - ﷺ - منهما. (الجامع لابن أبي زيد: ٢٦٩، السيرة الحلبية: ٢/ ٦٤ - ٦٥).
(٦) ص: هو بنفسه.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
البيت، ومحلوف عمر بالله: لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إِليه أكباد الإِبل (١).
وفضائله عديدة.
فقد صح في الحديث أن رسول الله - ﷺ - كان يزور قُباء راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين (٢).
وفي بعض الروايات: كان - ﷺ - يأتي مسجد قباء كل سبت، وكان ابنُ عمر - ﵁ - يفعله (٣).
_________________
(١) الدرة الثمينة: ٦٥ أ. وذكره الطبري في (القرى: ٦٨٨).
(٢) عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي - ﷺ - يأتي قباء راكبًا وماشيًا" زاد ابن نمير: حدثنا عبيد الله عن نافع: "فيصلي فيه ركعتين". (صحيح البخارى: ٢/ ٥٧ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب إِتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا). (صحيح مسلم: ١/ ١٠١٦ رقم ٥١٦ - كتاب الحج، باب: فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته).
(٣) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄. (صحيح البخاري: ٢/ ٥٧ - كتاب الحج، باب: فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته). وأخرجه أحمد عن ابن عمر بلفظ: "إِن رسول الله - ﷺ - كان يزور قباء راكبًا وماشيًا". (المسند: ٢/ ٤ - ٥).
[ ٢ / ٨٢١ ]
وروى أبو أمامة عن سهل بن حنيف عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ تَوضَّأ فأسْبَغ الوضُوءَ وَجَاءَ مَسْجِدَ قُبَاء فصَلَّى فيه ركعتَيْنِ كَانَ لَهُ أجْرُ عُمْرَةٍ" (١).
_________________
(١) حدث أسيد بن ظهير الأنصاري من أصحاب النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ -: "صلاة في مسجد قباء كعمرة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه إِلا أن أبا الأبرد مجهول، ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص: ١/ ٤٨٧، كتاب المناسك، فضل مسجد النبي - ﷺ - ومسجد قباء). روى الطبراني في الكبير عن كعب بن عجرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم عمد إِلى مسجد قباء لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو إِلا الصلاة في مسجد قباء، فصلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إِلى بيت الله" قال الهيثمي: فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف. (مجمع الزوائد: ٤/ ١١). وأورده ابن الجوزي في (مثير الغرام: ٤٧٥) وابن النجار في (الدرة الثمينة: ٦٥) والمنذري في (الترغيب والترهيب: ٢/ ٢١٧ - رقم ١٧). وأورد الغزالي في الإِحياء قوله - ﷺ -: "من خرج من بيته يأتي مسجد قباء ويصلي فيه، كان عدل عمرة". قال العراقي: رواه النسائي وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بإِسناد صحيح. وتتبع الزبيدي طرقه الأخرى. انظر (إِتحاف السادة المتقين: ٤/ ٤٢٥).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وروي عن سعد بن أبي (١) وقاص - ﵁ - قال: والله لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إِلّي من أن آتي بيت * المقدس مرتين، ولو تعلمون ما فيه لضربتم إِليه أكباد الإِبل (٢).
وقد أثنى الله ﷿ على أهله في كتابه العزيز (٣).
_________________
(١) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي، أبو إِسحاق، كان من السابقين إِلى الإِسلام وشهد بدرا والحديبية وغيرهما من المشاهد، وهو أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشوري. ت ٥٥. (أسد الغابة: ٢/ ٣٦٦ رقم ٢٠٣٧، الإصابة، ٢/ ٣٠ رقم ٣١٩٤، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٢).
(٢) القرى: ٦٣٧، مثير الغرام: ٤٧٥
(٣) قال تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. وقد أفادنا العلامة الشيخ ابن عاشور أنه ثبت في الصحيح أن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا هم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء، وذلك ما يقتضي أن المسجد المؤسس على التقوى من أول يوم هو مسجدهم، لقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾. وهذا ما يقصده ابن فرحون بإِشارته إِلى الثناء على أهل مسجد قباء في الكتاب العزيز. وأفادنا الشيخ ابن عاشور أنه ثبت أيضًا في صحيح مسلم أنه - ﷺ - سئل عن المراد من المسجد الذي أسس التقوى في الآية المذكورة؟ فقال: هو مسجدكم هذا - أي المسجد النبوي. =
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وقد ألف الناس في فضل قباء وزيارته تآليف منفردة (١)، فينبغي أن تتوضأ وتقْصِدَ زيارتَه للحديث السابق (٢)، ولا تؤخر الوضوء حتى تأتي المسجد.
فائدة:
أخبرني الإِمام العلامة المحدث اللغوي مجد الدين الشيرازي (٣) من ذرية الشيخ أبي إِسحاق الشيرازي، صاحب التصانيف المفيدة: أن قباء اسْمُ بئر
_________________
(١) = ويرى الشيخ ابن عاشور الجمع بين هذين الحديثين "بأن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾. المسجد الذي هذه صفته لا مسجدًا واحدًا معينًا، فيكون هذا الوصف كليًّا انحصر في فردين: المسجد النبوي ومسجد قباء فأيهما صلى فيه رسول الله - ﷺ - في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار كان ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مسجدهم، ومن مطاعنهم أيضًا. ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين". (التحرير والتنوير: ١١/ ٣٢).
(٢) ب: متعددة.
(٣) يعني قوله - ﷺ -: "من توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة"
(٤) أفادنا ابن فهد أن المجد الشيرازي فقيه تولى القضاء ورحل إِلى اليمن فأخذ عنه الطلبة هناك (معجم الشيوخ: ١٠٨). ولم أعثر على ترجمته في مصدر آخر رغم البحث.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
واطئة، قال: كان عليها قبو، فسمي المسجد باسم ما جاوره، ولذلك سمي (١) مسجد قُباء فيعرفونه باسم تلك البئر ليتميز عن غيره من المساجد، ولم أعلم من أين نقله (٢).
واعلم أن قباء على ثلاثة أميال من المدينة (٣)، وقيل غير ذلك، وما ذكرناه أصح لأنه مروي عن مالك، نقله جمال الدين المطري.
تنبيه:
واعلم أن مسجد ضرار (٤) لا أثر له، ولا تعرف جهته، وقول من قال: إِنه
_________________
(١) ب: يسمى.
(٢) قال المحب الطبري: "أصله اسم بئر هناك" (القرى: ٦٣٨).
(٣) القرى: ٦٣٨.
(٤) هو المسجد الذي بناه بنو غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف مجاورًا لمسجد قباء الذي بناه عمرو بن عوف وكان رسول الله - ﷺ - يأتيه ويصلي فيه فحسدهم على ذلك بنو غنم وبنو سالم وأرادوا قطع الصلاة فيه وذاك هو الضرار الذي قصدوه. ولما طلبوا من الرسول - ﷺ - أن يصلي لهم فيه نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. (التسهيل لعلوم التنزيل: ٢٧٨ - ٢٧٩).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
موجود، وهم لا أصل له (١)، قاله جمال الدين المطري (٢).
ومنها: مسجد الجمعة (٣) وهو على يمين السالك إِلى مسجد قباء وشماليه أطم عتبان بن مالك، وهو الآن خراب، وهو مسجد صغير جدًّا (٤) صلى فيه رسول الله - ﷺ - الجمعة لما ارتحل من قباء قاصدًا إِلى المدينة أول هجرته، فكانت أول جمعة صلاها - ﷺ - بالمدينة (٥).
_________________
(١) تحدث ابن النجار (ت ٦٤٣) عن مسجد الضرار وقصة تأسيسه ثم قال: "وهذا المسجد قريب من مسجد قباء وهو كبير حيطانه عالية وتؤخذ منه الحجارة، وقد كان بناؤه مليحًا" (الدرة الثمينة ٦٨ أ).
(٢) نقل السمهودي كلام المطري: ثم لاحظ أن ذلك بالنسبة إِلى زمانه، أمّا قبله فكان موجودًا؛ لأن ابن جبير وصفه في رحلته وغيره ذكره، انظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٨١٨ - ٨١٩).
(٣) يسمى أيضًا (مسجد الوادي) انظر عنه (مناسك الحربي: ٤٠٢، وفاء الوفاء: ٣/ ٨١٩ - ٨٢١).
(٤) عيّن المطري مكانه ووصفه بالصغر ونقل عنه ذلك السمهودي في (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢٠).
(٥) تحدث ابن إِسحاق عن إِقامة الرسول - ﷺ - بقباء في بني عمرو بن عوف، ثم خروجه إِلى المدينة، وقال: "أدركت رسول الله - ﷺ - الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة". (سيرة ابن هشام: ٣/ ١١١ - ١١٢).
[ ٢ / ٨٢٦ ]
ومنها: مسجد الفضيخ (١) ويعرف الآن بمسجد الشمس، وهو شرقي مسجد قباء (٢) على شفير الوادي، وهو صغير جدًّا، ذكر أن النبي - ﷺ - لما حاصر بني النضير ضرب قبته في موضع المسجد وأقام بها بيتًا، وفي تلك المدة نزل تحريم الخمر فأمر أبو أيوب بِمَزَادَةٍ ففتحت فسال الفضيخ في موضع المسجد فسمي مسجد الفضيخ (٣).
ومنها: مسجد بني قُريظة، وهو شرقي (٤) مسجد الشمس بعيد عنه، بالقرب من الحرة الشرقية، وقد دثر، وكان عمر بن عبد العزيز - ﵁ - بناه على صفة بناء مسجد قباء (٥).
_________________
(١) قال عنه ابن النجار: "هذا المسجد قريب من قباء، ويعرف الآن بمسجد الشمس، وهو حجارة مبنية على نشزٍ من الأرض". (الدرة الثمينة: ٦٧ أ). وانظر عن هذا المسجد (مناسك الحربي: ٤٠١).
(٢) نزهة الناظرين: ١١٥.
(٣) أورد السمهودي ذلك برواية ابن شَبَّةَ وابن زبالة عن جابر بن عبد الله (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢١).
(٤) شرقي: سقطت من (ر).
(٥) كان هذا المسجد معروفًا في عصر ابن النجار (ت ٦٤٣) وقد قال عنه: "هذا المسجد اليوم باق بالعوالي، وهو كبير طوله نحو العشرين ذراعًا وعرضه كذلك، وفيه نحو الستة عشر أسطوانة قد سقطت بعضها، وهو بلا سقف وحيطانه مهدومة، وقد كان مبنيًّا على شكل بناء مسجد قباء، وحوله بساتين ومزارع). (الدرة الثمينة: ٦٧ أ).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
وجاء أن النبي - ﷺ - صلَّى في بيتِ امرأةٍ من بني قُريظة، فأدخل الوليد بن عبد الملك ذلك البيت في المسجد (١).
ومنها: مَشْرَبة أم إبراهيم ﵇.
والمشربة: البستان (٢).
ولعله كان بستانًا لمارية (٣) أمِّ إِبراهيم (٤) ﵄، وفيها ولدت إِبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -.
وجاء أنه - ﷺ - صلى فيها (٥)، وهذا الموضع شمالي مسجد بني قريظة قريب من الحرة (٦) في موضع يعرف بالدشت، بالشين المعجمة.
_________________
(١) روى ذلك ابن النجار عن علي بن رفاعة عن أشياخ من قومه (م. ن.: ٦٧ أ).
(٢) قال ابن النجار: المشربة: البستان واطئة (م. ن.: ٦٧ أ).
(٣) مارية بنت شمعون القبطية، أهداها المقوقس صاحب الإِسكندرية ومصر للرسول - ﷺ -، فولدت له ابنه إِبراهيم، وكانت وفاتها سنة ١٦. (الأعلام: ٦/ ١٢٣، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥، الاستيعاب ٤/ ٤١٠، أسد الغابة: ٧/ ٢٦١، الجامع من المقدمات لابن رشد: ٥٨).
(٤) ذكر ابن النجار ذلك بصيغة التأكيد (الدرة الثمينة: ٦٧ أ).
(٥) روى ذلك ابن النجار عن إِبراهيم بن ثابت (م. ن.: ٦٧ أ).
(٦) وصف ابن النجار هذا المكان بقوله: "هذا الموضع بالعوالي من المدينة من النخل وهو أكمة قد حوط حولها بلبن (م. ن.: ٦٧ أ).
[ ٢ / ٨٢٨ ]
ومنها: مسجد بني ظَفَر، وهو شرقي البقيع ويعرف اليوم بمسجد البغلة (١) *.
وروى الزبير بن بكار أن النبي - ﷺ - جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر (٢)، وكان زياد بن عبيد الله أمر بقلعه حتى جاءه مشائخ بني ظفر فأعلموه أن النبي - ﷺ - جلس عليه، فرده.
قال: وقلَّ أن جلست عليه امرأة تريد الحمل إِلا حملت (٣).
وعنده آثار في الحرة يقال: إِنها أثر حافر بغلة النبي - ﷺ - من جهة القبلة، وفي غربيه أثر على حجر كأنه أثر مرفق، وعلى حجر آخر أثر مجلس وأصابع، والناس يتبركون بذلك (٤).
_________________
(١) ذكرهُ ابن النجار ضمن المساجد الخربة قرب البقيع، وقال عنه: "حوله نشز من الحجارة فيها أثر يقولون: إِنه أثر حافري بغلة النبي - ﷺ -) (م. ن.: ٦٧ ب). وانظر عنه (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢٧).
(٢) أورد السمهودي ذلك برواية يحيى عن إِدريس بن محمد بن يونس بن محمد الظفري عن جده. (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢٧).
(٣) القرى: ٦٣٩، مثير الغرام: ٤٩٧، وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢٧ - ٨٢٨.
(٤) تحدث السمهودي عن الآثار التي في الحرة ناقلًا عن المطري (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢٨). والملاحظ أنه ترد آثار صحيحة في مشروعية هذا التبرك بالمواضع، ولم يكن هذا من شأن السلف الصالح.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
ومنها مسجد الإجابة (١) وهو المسجد الذي دعا فيه رسول الله - ﷺ - ثلاث دعوات لأمته، دعا - ﷺ - أن لا يظهر عليهم عدوّ من غيرهم فأعطيها، وأن لا يهلكهم بالسنين فأعطيها، وأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها ﷺ (٢).
_________________
(١) قال عنه ابن النجار (ت ٦٤٣): "قريب من البقيع، يعرف بمسجد الإِجابة، وفيه أسطوان قائمة ومحراب مليح وباقيه خراب). وقال السمهودي: هو مسجد بني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس. (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٢٨).
(٢) عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - أقبل ذات يوم من العالية حتى إِذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إِلينا، فقال - ﷺ -، "سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". أخرجه مسلم. قال النووي: هذا الحديث من المعجزات الظاهرة (صحيح مسلم بشرح النووي: ١٨/ ١٤ - ١٥، كتاب الفتن وأشراط الساعة). ولهذا الحديث شواهد أخرجها مسلم في صحيحه عن خباب بن الأرت (٥/ ١٠٨ - ١٠٩) وعن معاذ (٥/ ٢٤٣) وعن جابر بن عتيك (٥/ ٤٤٥) وعن شداد بن أوس (٤/ ١٢٣). وحديث خباب بن الأرت أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب صحيح (عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: ٩/ ٢٠ - ٢١، أبواب الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي - ﷺ - ثلاثًا في أمته).
[ ٢ / ٨٣٠ ]
وهذا المسجد صلى فيه - ﷺ -، وهو شمالي البقيع على يسار السالك (١) إِلى العريض (٢).
ومنها: مسجد الفتح (٣)، وجاء أنه - ﷺ - دعا في مسجد الفتح يوم الإِثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له، وذلك بين صلاتي الظهر والعصر، فعرف البشر في وجهه - ﷺ - (٤).
_________________
(١) ب: الذاهب.
(٢) تقدم أن هذا المسجد كان في عهد ابن النجار خربًا، وقد لاحظ السمهودي أنه وقع ترميمه بعد ذلك ووصفه، فقال: "ليس به اليوم شيء من الأساطين وقد رمم ما تخرب منه وهو في شمالي البقيع على يسار السالك إِلى العريض وسط تلول هي آثار قرية بني معاوية، وذرعته فكان من المشرق إِلى المغرب خمسة وعشرين ذراعًا ينقص يسيرًا، من القبلة إِلى الشام عشرين ذراعًا ينقص يسيرًا". (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٣٠).
(٣) يسمى أيضًا: مسجد الأحزاب، والمسجد الأعلى. وحوله في قبلته مساجد تعرف كلها بمساجد الفتح والأول المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب غربيه وادي بطحان، هو المراد بمسجد الفتح حيث أطلق (م. ن.: ٣/ ٨٣٠).
(٤) هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وأخرجه أحمد برجال ثقات وابن زبالة والبزار، كما قال السمهودي في (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٣٠). وعنه أخرجه ابن النجار في (الدرة الثمينة: ٦٦ أ) وابن الجوزي في (مثير الغرام: ٣٢٦). وانظر (القرى: ٦٣٩).
[ ٢ / ٨٣١ ]
ومُصَلّاه في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذي على الجبل (١).
وروي (٢) أنه كان من دعائه - ﷺ -:
اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة، فلا مكرم لمن أهنت، ولا مهين لمن أكرمت، ولا معز لمن أذللت، ولا مذل لمن أعززت، ولا ناصر لمن خذلت، ولا خاذل لمن نصرت (٣) ولا مُعطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا رازق لمن حرمت، ولا حارم لمن رزقت، ولا رافع لمن خفضت ولا خافض لمن رفعت، ولا خارق لما سترت ولا ساتر لما خرقت، ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قربت.
وقد جدده ابن أبي الهيجاء بعد أن خرب، وكان قد بناه عمر بن عبد العزيز، وكذلك قالوا في موضع الأسطوانة الوسطى، وكان تجديده في سنة خمسة وسبعين وخمسمائة.
وبالقرب منه مسجدان، فالذي يلي المدينة معروف بمسجد علي بن أبي طالب - ﵁ - والآخر بمسجد سلمان الفارسي - ﵁ -.
_________________
(١) القرى: ٦٣٨.
(٢) رواه ابن زبالة من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان قال: أخبرني من صلى وراء النبي - ﷺ - في مسجد الفتح، ثم دعا فقال: اللهم لك الحمد الخ ). (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٣٢).
(٣) ب: ولا مخذل إِن نصرت.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
ومنها مسجد القبلتين (١) وهو الذي صلى فيه رسول الله - ﷺ - الظهر بأصحابه، فلما صلَّى ركعتين أمر أن يتوجه إِلى الكعبة (٢) فسُمِّي لذلك مسجد القبلتين.
والثابت عند أهل التاريخ أن الصلاة حولت في مسجد القبلتين (٣).
وفي هذا المسجد رأى النبي - ﷺ - النخامة في قبلة المسجد فحكها بعرجون، وخلَّق موضعها بخلوق (٤) * فهو أول مسجد خلق في الإِسلام.
ومنها مسجد العيد (٥)، وقد ثبت أنه - ﷺ - صلَّى العيد (٦) في سنين
_________________
(١) قال ابن النجار عن موقعه: "هو بعيد عن المدينة، قريب من بئر رومة وموضعه يعرف بالقاع". (الدرة الثمينة: ٦٧ أ).
(٢) ر: أمر أن يتوجه إِلى القبلة وهي الكعبة. وقال سعيد بن المسيب: صرفت قبل بدر بشهرين: "الدرة الثمينة ٦٦ ب). وانظر (سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٤٣).
(٣) انظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٤١ - ٨٤٢).
(٤) عن ابن عمر ﵄ أن الرسول - ﷺ - "رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها، وخلق مكانها" (مسند الإِمام أحمد: ٢/ ١٨) ونقل السمهودي عن المطري أن مسجد القبلتين هو الذى رأى فيه الرسول - ﷺ - النخامة فحكها. (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٤٠).
(٥) يقع هذا المسجد بالمصلى الذي صلى الرسول - ﷺ - فيه صلاة العيد يبعد عن الحرم النبوي بمسافة ألف ذراع. تحدث عنه السمهودي في (وفاء الوفاء: ٣/ ٧٧٩ وما بعدها).
(٦) ب: العيدين.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
متعددة في أماكن متعددة ومواضع (١) غير معروفة، ولا يعرف منها إِلا المسجد الذي يصلي الناس فيه اليوم (٢).
وفي الحديقة المعروفة [بالعريضيّة (٣)] مسجد يقال: إِنه مسجد أبي بكر - ﵁ -، ومسجد كبير شمالي الحديقة يقال: إِنه مسجد علي - ﵁ - ولعل النبي - ﷺ - صلى العيد فيهما لأنه لا يظن أن أبا بكر وعليًّا - ﵄ - يختصان بمواضع غير المواضع التي صلى فيها رسول الله - ﷺ -، والله أعلم.
والمسجد الذي في طريق السافلة إِلى جانب النخل المعروف بالبحير يقال: إِنه مسجد أبي ذر الغفاري (٤)، ولم ير فيه شيء يعتمد.
_________________
(١) ب، ص: ومواضعها. وانظر: المساجد التي صلى فيها النبي - ﷺ - في: (مناسك الحربي: ٣٩٨ وما بعدها).
(٢) يعرف بمسجد المصلى، وقد تجدد بناؤه في عهد السلطان حسن بن محمد بن قلاوون الصالحي (٧٤٨ - ٧٦٢) ثم أصلح ورمم سنة ٨٦١، وكان مصونًا في عصر السمهودي المتوفى سنة ٩١١. (وفاء الوفاء: ٣/ ٧٨٥ - ٧٨٦).
(٣) ب: بالعريض. ص: بالعرضية. ر: بالفريضة. والإِصلاح من (وفاء الوفاء: ٣/ ٧٨٣).
(٤) هذا المسجد في حظيرة صغيرة على يمين نقع الأسواق في طريق السافلة، وهو طريق اليمنى الشرقية إِلى مشهد حمزة. (نزهة الناظرين: ١١٥).
[ ٢ / ٨٣٤ ]
والمسجد الذي يعرف بمسجد الراية لم يثبت فيه شيء.
وكذلك المسجد الذي في أول البقيع عن يمين الخارج من درب الجمعة (١).
فصل
ومن الآثار المشهورة: جبلُ أُحُد:
وفي البخاري: أنه - ﷺ - قال في جَبل أُحُدٍ: "هَذَا الجَبَلُ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ" (٢).
وقيل: إِن ذلك على ظاهره (٣)، وإِن الله تعالى خلق له إِدراكا، وذلك موجود في نظائره من الجمادات، ومن ذلك قوله تعالى في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. (٤) وكحنين الجذع إِلى النبي
_________________
(١) ذكره البرزنجي في (نزهة الناظرين: ١١٥).
(٢) عن أنس بن مالك قال: "خرجت مع رسول الله - ﷺ - إِلى خيبر أخدمه، فلما قدم النبي - ﷺ - راجعًا، وبدا له أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه". (صحيح البخاري: ٣/ ٢٢٣، كتاب الجهاد، باب فضل الخدمة في الغزو). وأخرجه الطبراني في الكبير عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده وقال في (المجمع: ١٠/ ٤٢): فيه عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف. (المعجم الكبير للطبراني: ٦/ ١٥٢ - رقم ٥٧٢٠).
(٣) الدرة الثمينة: ٢٦ ب.
(٤) البقرة: ٧٤ ونصها: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً =
[ ٢ / ٨٣٥ ]
- ﷺ - (١) وهو خشبة يابسة (٢)، كما فر الحجر بثوب موسى ﵇ (٣)، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "إِني لأعرف بمكة حجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَّي" (٤) ونظائره كثيرة.
_________________
(١) = وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. والقول بأن الله خلق في بعض الأحجار خشية وحياة يجعلانها تهبط من علو تواضعًا، ذكره ابن عطية في (المحرر الوجيز: ١/ ٢٦٦).
(٢) عن ابن عمر ﵄: "كان النبي - ﷺ - يخطب إِلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إِليه فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه). (صحيح البخاري: ٤/ ٧٣ كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإِسلام).
(٣) انظر (الدرة الثمينة: ٤٤ ب وما بعدها).
(٤) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إِلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إِثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إِسرائيل إِلى موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربًا". (صحيح البخاري: ١/ ٧٣، كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل). والآدر: بيّن الأدر - والأدْرَة: نفخة في الخصية. (النهاية: ١/ ٣١ - أدر).
(٥) عن جابر بن سمرة قال: رسول الله - ﷺ -: "إِني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إِني لأعرفه الآن". أخرجه مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي: ١٥/ ٣٦ - كتاب الفضائل، باب =
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وقيل: إِن ذلك من باب حذف المضاف، أي يحبنا أهله، والأول أظهر (١).
قال تاج الدين عبد الباقي في تاريخه: وفي الحديث: "أحد ركن من أركان الجنة" (٢).
ويقال: إِن موسى ﵊ دفن أخاه هارون ﵇ في جبل أحد (٣).
_________________
(١) = فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة). وبهذا اللفظ أخرجه أحمد عنه في (المسند: ٥/ ٨٩). وأخرجه الترمذي عن جابر بن سمرة بلفظ: "إِن بمكة حجرًا كان يسلم علي ليالي إِني لأعرفه الآن" وقال: حديث حسن غريب. (عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: ١٣/ ١١٠)، أبواب المناقب، باب: في آيات إِثبات نبوة النبي - ﷺ -، وما خصه الله ﷿ به).
(٢) وهو ما رجحه النووي. انظر (صحيح مسلم بشرح النووي: ٩/ ١٣٩ - ١٤٠، ١٥/ ٣٦ - ٣٧).
(٣) أخرجه ابن النجار عن سهل بن سعد (الدرة الثمينة: ٢٧ أ). وعنه رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن جعفر وأورده صاحب (كنز العمال: ١٢/ ٢٦٨، رقم ٣٤٩٨٨).
(٤) تحدث السمهودي عن شعب بأحد يعرف بشعب هرون وذكر أنهم يزعمون أن قبر هرون ﵇ في أعلاه، ثم استبعد ذلك وذكر أنه مما لا يصح. (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٣٠). وذكر ذلك قبله أبو إِسحاق الحربي في (مناسكه: ٤١٨).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وروي أنه قطعة من جبل طور سيناء (١).
وفي الحديث: أحد على ترعة من ترع الجنة (٢).
والترعة، قيل: إِنها الروضة (٣) وقيل: إِنها (٤) الدرجة.
وتحت جبل أحد من جهة القبلة مسجد صغير (٥) يقال: إِن النبي - ﷺ -
_________________
(١) انظر (الدرة الثمينة: ٢٧ أ).
(٢) عن عبد الله بن مكنف قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إِن رسول الله - ﷺ - قال: "إِن أحدًا جبل يحبنا ونحبه، وهو على ترعة من ترع الجنة". قال في الزوائد: في إِسناده ابن إِسحاق وهو مدلس، وقد عنعنه، وشيخه عبد الله قال البخاري: في أحاديثه نظر، وقال ابن حبان: له سماع من أنس، ولكنه يدفعه ما في ابن ماجه من التصريح بالسماع. (سنن ابن ماجه: ٢/ ١٠٤٠ رقم ٣١١٥ - كتاب المناسك، باب فضل المدينة، بتحقيق فؤاد عبد الباقي).
(٣) قال ابن الأثير: الترعة في الأصل: الروضة على المكان المرتفع خاصة (النهاية: ترع).
(٤) إِنها: سقطت من ص.
(٥) مسجد لاصق بجبل أحد على يمين الذاهب إِلى الشعب الذي فيه المهراس، كان متهدم البناء في عصر السمهودي، ويسمى مسجد القبيح، ويزعم بعضهم أنه نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ﴾ [المجادلة: ١١]. قال السمهودي: ولم أقف على أصل لذلك. (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٤٨).
[ ٢ / ٨٣٨ ]
صلِّى فيه الظهر والعصر يوم أحد، بعد انقضاء القتال (١).
وفي جهة القبلة من هذا المسجد موضع منقور في الجبل على قدر رأس الإِنسان، يقال: إِن النبي - ﷺ - جلس على الصخرة التي تحته، ولم يرد في هذا ولا في الغار الذي في الجبل شمالي المسجد (٢) أثر يعتمد عليه (٣).
وقبلي مشهد (٤) سيدي حمزة جبل صغير يقال له عَينِين بفتح العين وكسر النون الأولى، والوادي بينه وبين القبة كان عليه الرماة يوم أحد. * وضبطه عبد الكريم في شرح سيرة عبد الغني عينين بفتح النون الأولى تثنية عين وكذلك ضبطه الصاغاني. والضبط الأول ذكره المطري.
وهناك بالقرب منه مسجدان أحدهما مع ركنه الشرقي يقال: إِنه الموضع الذي طعن فيه سيدنا حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - والآخر بالقرب منه على شفير الوادي، يقال: إِنه مصرع حمزة (٥). وأنه مشى بطعنته إِلى هناك، فانصرع - ﵁ -.
_________________
(١) روى ابن شبة بسند جيد عن رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - صلى في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الحرار على اليمين، لازق بالجبل. (م، ن.: ٣/ ٨٤٨، ٩٣٠).
(٢) شمالي المسجد: سقطت من ص.
(٣) هذا ما قاله ابن النجار، ونقله عنه السمهودي وأضاف إليه. انظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٣٠).
(٤) وقبلي مشهد: سقطت من ص. ر: وقبل مسجد.
(٥) نقل ذلك السمهودي عن المطري وعن المجد الذي قال: ولم يثبت في ذلك أثر، وإِنما =
[ ٢ / ٨٣٩ ]
واعلم أن بين مشهد سيدي حمزة والمدينة ثلاثة أميال ونصف، وبينها وبين أحد أربعة أميال أو ما يقارب ذلك، ذكره المطري.
ومن المواضع التي يتبرك بها وادي صعيب، فقد روى (١) الزبير بن بكار أن رسول الله - ﷺ - "أتى الحارث (٢) بن الخزرج فإِذا هم رَوْبَى (٣) فقال لهم: يا بني الحارث ما لكم رَوْبَى؟ قالوا: نعم يا رسول الله أصابتنا هذه الحمى. قال: فأين أنتم عن (٤) صعيب؟ قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل فيه (٥) أحدُكم ويقول: بسم الله تراب
_________________
(١) = هو قول مستفيض لدى أهل المدينة. وتكلم السمهودي عن هذين المسجدين. انظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٨٤٨ - ٨٤٩).
(٢) هذه الرواية أوردها ابن النجار في (الدرة الثمينة: ١٤ أ).
(٣) كذا في النسخ المعتمدة وفي (وفاء الوفاء: ١/ ٦٨): بلحارث.
(٤) روبى: جمع روبان، شبيه في الجمع بهلكى وسكرى. قوم روبى: خثراء النفس مختلطون، وقال سيبويه: هم الذين أثخنهم السفر والوجع، فاستثقلوا نوما. وقال الأصمعي: واحدهم رائب. وعن ثعلب: راب الرَّجل، وروَّب: أعيا (اللسان: روب).
(٥) ر: من؛ وما أثبتناه يطابق ما في (وفاء الوفاء).
(٦) فيه: سقطت من ب. وفي الدرة الثمينة، ووفاء الوفاء: عليه - بدل فيه.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا، بإِذن ربنا، ففعلوه، فتركتهم الحمّى" (١).
وصعيب وادي بطحان (٢) دون الماجشونية (٣)، وفيه حفرة، وما زال الناس يأخذون منها التراب للتداوي، إِلى اليوم، إِذا حصل للإِنسان (٤) وباء أخذ منه
_________________
(١) أورده السهودي وقال: رواه ابن زبالة ويحيى بن الحسن بن جعفر العلوي وابن النجار (وفاء الوفاء: ١/ ٦٨). ولم نجد هذا الحديث بهذه الصيغة في كتب الصحاح، وإنما وجدنا حديثًا آخر، لم يذكر فيه وادي صعيب، أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشة ﵂. رواية البخاري: "أن النبي - ﷺ - كان يقول للمريض: بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإِذن ربنا". (الصحيح: ٧/ ٢٤، كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -). ورواية مسلم، فيها " بريقة بعضنا ليشفى به ". (الصحيح: ٢/ ١٧٢٤ رقم ٥٤ - كتاب السلام، باب استحباب الرقية). ورواية ابن ماجه فيها " بريقة بعضنا، ليشفى سقيمنا". (السنن: ٢/ ١١٦٣ رقم ٣٥٢١ - كتاب الطب، باب ما عوذ به النبي - ﷺ -، وما عوذ به).
(٢) انظر عن هذا الوادي (وفاء الوفاء: ٣/ ١٠٧).
(٣) الماجشونية: نسبة إِلى الماجشون (علم معرب) مال بوادي بطحان بقرية تربة صعيب. (وفاء الوفاء: ٤/ ١٢٩٨).
(٤) ص: لانسان.
[ ٢ / ٨٤١ ]
فجعله في ماء واغتسل به من الحمى (١).
قال ابن النجار: وأنا أخذت منه، وقد جرب ذلك فصح (٢).
ومن المواضع المشهورة البركة وادي العقيق (٣).
وفي البخاري أن رسول الله - ﷺ - قال: "أتاني الليلة آتٍ من ربي ﷿ قال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة" (٤).
وفي وادي العقيق الموضع المعروف بالمعرس (٥) وقد تقدم ذكره في القدوم
_________________
(١) هذه الفقرة وأوردها ابن النجار في (الدرة الثمينة: ١٤ أ) معزوة إِلى أبي القاسم طاهر بن يحيى العلوي كما أوردها السمهودي معزوة إِليه في (وفاء الوفاء: ١/ ٦٨). ويحسن أن ننبه إِلى أن ذلك من البدع التي قد تفسد عقيدة العامة الذين يخشى عليهم تقديسهم عناصر الطبيعة واعتقادهم تأثيرها في الكون.
(٢) عبارة ابن النجار: "رأيت هذه الحفرة اليوم والناس يأخذون منها، وذكروا أنه قد جربوه فوجدوه صحيحًا، وأخذت أنا منها أيضا". (الدرة الثمينة: ١٤ أ). وانظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٦٨ - ٦٩).
(٣) وادي عقيق: يقع بقرب البقيع، روى الزبير بن بكار أن تبعًا لما رجع من المدينة انحدر في مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمى العقيق. (فتح الباري: ٣/ ٣٩٢).
(٤) أخرجه عن عمر (الصحيح: ٢/ ١٤٤ - كتاب الحج، باب قول النبي - ﷺ - العقيق واد مبارك).
(٥) هو بذي الحليفة (القرى: ٦٤٠).
[ ٢ / ٨٤٢ ]
على المدينة الشريفة (١).
وفي هذا الوادي من قبور الصحابة ما لا يُحصَى كثرةً (٢).
ووجد قبر عليه حجر مكتوب (٣): أنا عبد الله ورسول رسول الله سليمان
_________________
(١) تقدم في ص ٥٥٣.
(٢) كثرة: سقطت من (ر).
(٣) إِنّ الكتابة على القبر منهي عنها، فقد أخرج الترمذي عن جابر قال: "نهى النبي - ﷺ - أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن جابر. (السنن: ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩ - كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها). وأخرج الحاكم حديث جابر بلفظ: "نهى رسول الله - ﷺ - عن تجصيص القبور والكتاب فيها والبناء عليها والجلوس عليها" وقال الحاكم: ليس العمل عليه فإِن الأيمة مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف، وتعقب الذهبي كلامه بقوله: "ما قلت طائلًا ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم ولم يبلغهم النهي". (المستدرك وتلخيص الذهبي: ١/ ٣٧٠ - كتاب الجنائز، النهي عن تجصيص القبور والكتاب فيها والبناء عليها). قال أبو سعيد بن لب: إِن سُلم ما ذكره الحاكم من العمل فإِنما يجوز ذلك على وجه لا تطؤه، الأقدام كالكتب في الرخامة المنصوبة عند رأس الميت، وأمَّا على صفيح القبر فلا، لأن فيه تعريضًا للمشي عليها. أهـ. =
[ ٢ / ٨٤٣ ]
ابن داود إِلى أهل يثرب، ووجد أيضًا حجر على قبر مكتوب عليه: أنا أسود بن سوادة (١) رسول رسول الله عيسى بن مريم إِلى أهل هذه القرية.
فينبغي إِتيانه (٢) والصلاة فيه، والسلام على من دفن فيه من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين - رضوان الله عليهم أجمعين -.
فصل
وحول المدينة آبار (٣) تردد النبي - ﷺ - في عرصاتها وشرب من مائها. وهي سبعة.
مئها بئر أريس (٤) بقباء غربي المسجد الشريف، ينزل إِليها بدرج،
_________________
(١) = وقد روى ابن القاسم عن الإِمام مالك أنه يكره الكتابة على القبر. انظر (المعيار: ١/ ٣١٧ - ٣١٩). وممن صرح بكراهة الكتابة على القبر من الفقهاء ابن قدامة في (الشرح الكبير: ١/ ٥٧٨) وشيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب في (مختصر الإِنصاف والشرح الكبير: ١٤٦).
(٢) (ر): بن سواد.
(٣) لا ينهض دليل على مشروعية إِتيان هذا المكان والصلاة فيه، فهو ميقات كسائر مواقيت الإِحرام لم يرد نص في فضله والندب إِلى زيارته، وإِن العبادة لتقتضي الاتباع وتتنافى مع الابتداع.
(٤) تحدث ابن هلال عن هذه الآبار في (مناسكه: ١٥ أ).
(٥) وصفها ابن النجار قال: عندها مزارع ويسقى منها، وماؤها عذب .. انظر (الدرة الثمينة: ٢٣ ب).
[ ٢ / ٨٤٤ ]
قصدها النبي - ﷺ - وجلس في وسط قفها (١) * وجلس أبو بكر - ﵁ - على يمينه، وعمر - ﵁ - على يساره، ثم جاء عثمان - ﵁ - فجلس مقابلهم (٢)، وفيها سقط خاتم النبي - ﷺ - من يد
_________________
(١) ص، ر: فمها، وهو تصحيف. والقف للبئر: هو الدكة التي تجعل حولها - وأصل القفّ ما غلظ من الأرض وارتفع، أو هو من القفّ: اليابس؛ لأن ما أرفع حول البئر يكون يابسًا غالبًا. (النهاية: ٤/ ٩١ - قفف).
(٢) ر: مقابله. والحديث أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: "خرج النبي - ﷺ - إِلى حائط من حوائط المدينة لحاجته وخرجت في إِثره فلما دخل الحائط جلست على بابه وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي - ﷺ - ولم يأمرني، فذهب النبي - ﷺ - وقضى حاجته وجلس على قفّ البئر، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فوقف فجئت إِلى النبي - ﷺ - فقلت: يا نبي الله، أبو بكر يستأذن عليك، قال: ائذن له وبشره بالجنة فدخل فجاء عن يمين النبي - ﷺ -، فكشف عن ساقيه ودلّاهما في البئر، فجاء عمر فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي - ﷺ -: ائذن له وبشره بالجنة، فجاء عن يسار النبي - ﷺ - فكشف عن ساقيه فدلاهما في البئر فامتلأ القف، فلم يكن فيه مجلس، ثم جاء عثمان فقلت: كما أنت حتى استأذن لك، فقال النبي - ﷺ -: ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه، فدخل فلم يجد معهم مجلسًا فتحول حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر، فجعلت أتمنى أخًا لِي، وأدعو الله أن يأتي". =
[ ٢ / ٨٤٥ ]
عثمان (١) - ﵁ - فنزح البئر وتكرروا لنزحها ثلاثة أيام فلم يجدوه (٢).
ومن ذلك الوقت حصل في خلافته - ﵁ - ما حصل من اختلاف الأمر، لفوات بركة الخاتم (٣).
ومئها بئر غرس (٤) وقد جاء أنه - ﷺ - جاءها ودعا بدلو من مائها فتوضأ
_________________
(١) = (الصحيح: ٨/ ٩٦ - ٩٧ - كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر). وأخرجه مسلم عن أبي موسى، وفيه "حتى دخل بئر أريس" كما قال ابن النجار في (الدرة الثمينة: ٢٢ أ).
(٢) عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - أتخذ خاتمًا من ذهب أو فضة .. فلبس الخاتم بعد النبي - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع من عثمان في بئر أريس. (صحيح البخاري: ٧/ ٥١ - كتاب اللباس، باب: خاتم الفضة).
(٣) الدرة الثمينة: ٢٣ أ - ب. نزهة الناظرين: ١١٥. سنن المهتدين، للمواق: ٨٧، مناسك الحربي ٤١٠ - ٤١١).
(٤) لا دليل على ما ذهب إليه ابن فرحون من تفسير الفتنة الحاصلة في خلافة عثمان بفوات بركة خاتم النبي - ﷺ - بعد سقوطه في البئر، وربط الأحداث ببركة بعض الأشياء قد يكون له تأثير على العقيدة وإِن إِيماننا بالقدر خيره وشره يجعلنا تتجنب ذلك. والفتنة المذكورة حصلت بسبب الدسائس اليهودية والمجوسية التي قام بها ابن سبأ اليهودي وأعوانه.
(٥) غرس: بمعجمة مضمومة أو مفتوحة، فراء ساكنة أو مفتوحة: شرقي مسجد قباء =
[ ٢ / ٨٤٦ ]
منه ثم سكبه فيها، فما نزفت (١) بعد (٢).
وقال الشيخ عبد الكريم في شرح السيرة فيما ذكره الواقدي بسنده أن النبي - ﷺ - غُسِّل من بئر يقال لها: الغُرس (٣) بضم الغين والمعجمة والراء المهملة والسين المهملة.
وجاء أنه - ﷺ - قال: "رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة" فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق (٤) فيها، وغسل منها حين توفي - ﷺ - (٥) ذكره المطري بسنده.
وقال ابن النجار: بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل (٦)، وكانت قد خربت فجددت بعد السبعمائة.
_________________
(١) = على نصف ميل إِلى جهة الشمال، وحولها مقبرة. (نزهة الناظرين: ١١٤)، وانظر عن هذه البئر (وفاء الوفا: ٣/ ٩٧٨ - ٩٨١).
(٢) ب: نزحت. ومعنى ما نزفت: ما فني ماؤها (النهاية: ٥/ ٤٢ - نزف).
(٣) أخرجه ابن النجار عن أنس بن مالك في (الدرة الثمينة: ٢٤ ب).
(٤) ر يقال له: غرس.
(٥) ر: وبصق.
(٦) أخرجه ابن النجار عن إِبراهيم بن إِسماعيل بن مجمع في (الدرة الثمينة: ٢٤ ب).
(٧) الدرة الثمينة: ٢٤ ب. =
[ ٢ / ٨٤٧ ]
ومنها بئر البُصة (١)، وقد جاء أنه - ﷺ - خرج مع أبي سعيد الخدري - ﵁ - يوم جمعة (٢) فغسل من البئر رأسه الكريم بسِدْر وصب غسالة رأسه - ﷺ - ومراقة شعره في البُصَّة (٣).
وهي مشهودة قريبة من البقيع، وفي البصة بئر كبيرة وأخرى صغيرة (٤)
قال جمال الدين المطري: وسمعت بعض من أدركت من أكابر أهل
_________________
(١) = وقال ابن النجار: هي في وسط الصحراء، وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر، إِلا أنه عذب طيب.
(٢) ر، ص: بضة - وما أثبتناه من (ب)، مطابق لما في (الدرة الثمينة، ٢٥ أ، نزهة الناظرين: ١١٥، وفاء الوفاء: ٣/ ٩٥٤). والبُصة بموحدة مضمومة، فمهملة مخففة، وقيل: مشددة، والمعروف لدى أهل المدينة التخفيف، وهي قريبة من البقيع على طريق قُباء، ذكر ابن النجار أن السيل هدمها وقد أصلحت بعده لأن المطري تحدث عنها.
(٣) ر: الجمعة.
(٤) أخرج ابن النجار عن ربيح بن أبي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - ﷺ - يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالاتهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدري فقال: هل عندك من سدر أغسل به رأسي فإِن اليوم الجمعة؟ قال: نعم، فأخرج له سدرًا وخرج معه إِلى البُصَّةِ فغسل رسول الله - ﷺ - رأسه وصب غسالة رأسه ومراقة شعره في البصة. (الدرة الثمينة: ٢٥ أ).
(٥) تحدث عنهما السمهودي في (وفاء الوفاء: ٩٥٥).
[ ٢ / ٨٤٨ ]
المدينة وأكابر الخدَّام يقولون: إِنها الكبرى القبلية وإِن الأولياء مثل سيدي أبي العباس أحمد بن موسى بن عجيل ما كان يقصد إِلا الكبرى.
ومنها بيرحاء (١).
وفي الصحيح أنه - ﷺ - كان يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب (٢).
وتعرف الآن بحديقة تسمى النورية وهي شمالي سور المدينة معروفة عند أهل المدينة (٣).
_________________
(١) اختلف في بيرحا: هل هو بكسر الموحدة أو بفتحها، وهل بعدها همزة ساكنة أو مثناة تحتية، وهل الراء مضمومة أومفتوحة، وهل هو معرب أم لا، وهل حا ممدود أو مقصور منصرف أو غير منصرف، وهل هم اسم قبيلة أو امرأة أو بئر أو بستان أو أرض. وقال الصنعاني: من البراح اسم أرض لأبي طلحة، ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر فقد صحف. انظر (إِرشاد الساري: ٣/ ٥٠ فتح الباري: ٣/ ٣٢٦ - نزهة الناظرين: ١١٥، وفاء الوفاء: ٣/ ٩٦٤ - ٩٦٦).
(٢) عن أنس بن مالك: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إِليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب .. " الحديث. (صحيح البخاري: ٢/ ١٢٦ - كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب).
(٣) في عصر ابن النجار كانت هذه البئر وسط حديقة صغيرة فيها نخيلات ويزرع حولها وهي قريبة من البقيع ومن سور المدينة، وماؤها عذب حلو. (الدرة الثمينة: ٢٢ أ).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
ومنها بئر بُضاعة (١)، وجاء أنه - ﷺ - شرب منها (٢).
وذكر ابن النجار بإِسناده أنَّه - ﷺ - دعا لبئر بضاعة (٣)؛ وبسنده أيضًا أنه - ﷺ - بصق في بئر بضاعة (٤)
وهي باقية على مائها القديم، وموضعها معروف عند أهل المدينة.
ومنها بئر رُومة (٥) وجاء أنه - ﷺ - قال: "نعم الحفيرة حفيرة المزني (يعني
_________________
(١) بموحدة مضمومة، وقيل: مكسورة، تقع غربي بيرحاء، إِلى جهة الشمال. (نزهة الناظرين: ١١٥). وانظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٥٦ - ٩٥٩).
(٢) أخرج ابن النجار عن أم محمد بن أبي يحيى قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو أنني سقيتكن من بئر بُضاعة لكرهتن ذلك، وقد - والله - سقيت رسول الله - ﷺ - بيدي منها. (الدرة الثمينة: ٢٣ ب). ورواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في (مجمع الزوائد: ٤/ ١٢).
(٣) الدرة الثمينة: ٢٤ أ.
(٤) م. ن: ٢٤ أ. عن سهل بن سعد أن النبي - ﷺ - "نزل في بئر بضاعة وبصق فيها" رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل، وهو ضعيف. (مجمع الزوائد: ٤/ ١٢).
(٥) رُومة (بضم الراء وسكون الواو وفتح الميم بعدها هاء، وقيل: رؤمة، بعد الراء همزة ساكنة) وهي بئر قديمة جاهلية في أسفل وادي العقيق في براح واسع من الأرض. انظر عنها (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٦٧ - ٩٧١).
[ ٢ / ٨٥٠ ]
رومة)، فلما سمع بذلك عثمان بن عفان - ﵁ - ابتاع نصفها بمائة بكرة وتصدق بها، ثم اشترى النصف الآخر وتصدق بها كلها على المسلمين" (١).
وصح أنه - ﷺ - حض على شرائها (٢) وقال: "من يشتري رومة ويجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله بها مشرب * في الجنة؟ فأتى عثمان - ﵁ - اليهودي (٣) فساومه فيها فأبى أن يبيعها كلها، وكان يبيع ماءها من المسلمين فاشترى عثمان - ﵁ - نصفها باثني عشر ألف درهم، ثم اشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم (٤).
وهي مشهورة وسط وادي العقيق، وهي اليوم عامرة - والحمد لله -.
والآبار المذكورة سِتٌ، واختلف في السابعة: فقيل: هي بئر العِهن (٥)
_________________
(١) أخرجه ابن النجار عن موسى بن طلحة (الدرة الثمينة: ٢٥ ب). وأورده السمهودي في (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٦٧).
(٢) أخرج البخاري تعليقًا أنه - ﷺ - قال: "من يحفر بئر رومة فله الجنة، فحفرها عثمان" (الصحيح: ٥/ ١٧ - كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان).
(٣) ب: إِلى اليهودي.
(٤) أخرجه ابن عبد البر كما جاء في (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٧٠).
(٥) بئر العهن (بكسر العين وسكون الهاء، ونون). قال عنها المطري: معروفة بالعوالي، وهي مليحة جدًّا، منقورة في الجبل. وقال السمهودي: لم يذكروا شيئًا يتمسك به في فضلها، ولكن الناس يتبركون بها. انظر (وفاء الوفاء: ٣/ ٩٧٧ - ٩٧٨).
[ ٢ / ٨٥١ ]
وهي معروفة مشهورة، وقيل: هي بئر الجمل (١).
قال المطري: ولم نعلم من ذكرها ولا أين هي؟ ! .
وأما بئر السقيا (٢) فهي حرة النقاء، ولا يعلم عينها تحقيقًا، والظاهرة أنها التي على الطريق على يسار السالك إِلى العقيق (٣)، وقد جدد عمارتها بعض مشائخ العجم وجعل لها علمًا تعرف به، وقد شرب منها - ﷺ -.
وأما بئر زمزم (٤) فهي على يمين الطريق للسالك إِلى العقيق ولمّا يَزلّ أهل المدينة قديمًا وحديثًا يتبركون بها ويشربون من مائها، وينقل إِلى الآفاق منها كما ينقل ماء زمزم، ويسمونها زمزم أيضًا لبركتها، وقد جددها في هذا
_________________
(١) بئر كانت معروفة بناحية الجرف آخر العقيق، وأصبحت غير معروفة في عهد السمهودي الذي روى أحاديث تدل على أنها كانت موجودة في عهد النبي - ﷺ -. انظر (م. ن. ٣/ ٩٦٠ - ٩٦١).
(٢) بئر السقيا (بضم السين المهملة وسكون القاف) كانت بأرض تسمى الفلجان. أورد السمهودي أحاديث ذكرت فيها هذه البئر، منها حديث ابن شبة عن عائشة "أنه - ﷺ - كان يُسقى له الماء العذب من بئر السقيا" وفي رواية: "من بيوت السقيا" وهي لأبي داود بسند جيد، وصحّحه الحاكم. (م. ن: ٣/ ٩٧٢).
(٣) نقل السمهودي عن المطري أنها في آخر منزلة النقاء على يسار السالك إِلى بئر علي بالحرم. (م. ن: ٣/ ٩٧٣).
(٤) كانت تسمى بئر إِهاب (نزهة الناظرين: ١١٥).
[ ٢ / ٨٥٢ ]
الزمان قاضي القضاة زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن قاضي القضاة نور الدين الزرندي الحنفي (١) - نفعه الله بنيته -.
وقد ذكر ابن النجار وغيره من المساجد والمآثر والآبار (٢) التي شملتها بركة النبي - ﷺ - مواضع كثيرة لا تعرف بأعيانها، وربما عرف جهات بعضها فلا نطول بذكرها.
وبالجملة. فكل طرف المدينة وفجاجها ودورها وما حولها قد شملته بركته - ﷺ -، فإِنهم كانوا يتبركون بدخوله - ﷺ - منازلهم ويدعونه إِليها وإِلى الصلاة في بيوتهم (٣)، ولذلك امتنع مالك - ﵀ - من ركوب دابة في المدينة وقال: لا أطأ بحافر دابة في عراص كان رسول الله - ﷺ - يمشي فيها بقدمه (٤)
_________________
(١) عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد الأنصاري الزرندي المدني، سمع من العز بن جماعة والصلاح العلائي والزين العراقي والبدر بن فرحون وغيرهم، وولي قضاء المدينة سنة ٧٨٣، وكان عاقلًا متوددًا فاضلًا عزيز المروءة. حدث بالصحيح وغيره. ولد سنة ٧٤٦. ت ٨١٧. قال السخاوي: هو الذي جدد البئر التي اشتهرت بين المدنيين بزمزم على يمين الطريق السالك إِلى العقيق. (التحفة اللطيفة: ٣/ ١٧٣ - ١٦٥ رقم ٢٤٧٢).
(٢) الدرة الثمينة: ٢١ ب وما بعدها.
(٣) من ذلك أن ابن أم مكتوم سأل النبي - ﷺ - أن يصلي في بيته، حتى يتخذ ذلك مصلى، كما أورد ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٧٤٢).
(٤) ص: بقدميه.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
الشريفة (١)، ثم أصحابه الخلفاء الراشدون - ﵃ - والصحابة البررة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين -.
فينبغي الإِقامة بها لقوله - ﷺ -: "من استطاع منكم أن يموتَ بالمدينة فليمت بها، فمن مات بها كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة" (٢).
قال - ﷺ -: "ترابها شفاء من الجذام" (٣).
_________________
(١) انتصار الفقير السالك: ١٤٣ و١٥٣.
(٢) تقدم تخريجه، في ص ٧٧٧.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في (مثير الغرام: ٢١٥). وقال صاحب الكنز: رواه أبو نعيم في الطب عن ثابت بن قيس بن شماس. وأورده أيضا بلفظ "غبار المدينة يبرئ الجذام" وهي رواية ابن السني وأبي نعيم في الطب عن أبي بكر ومحمد بن سالم مرسلًا. (كنز العمال: ١٢/ ٢٣٦). وقال السمهودي: روى ابن زبالة عن صيفي بن أبي عامر "والذي نفسي بيده إِن تربتها لمؤمنة وإِنها شفاء من الجذام" (وفاء الوفاء: ١/ ٦٨).
[ ٢ / ٨٥٤ ]