تأليف
الفقيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله محمد
ابن عبد البر النمري القرطبي
﵁ المتوفى ٤٦٣ هـ
[ ١٥ ]
(ق ١ ب)
بسم الله الرحمن الرحيم
[الحمد] لله [..] فا [] وحراما علم وفهم و[صلى الله عـ]ـلى محمد [وعلى] آله وسلم.
هذا كتاب أذكر فيه إن شاء الله ما حضرني ذكره [من اختـ]ـلاف أقوال مالك وأصحابه وأتباع مذاهبهم في مشكلات [ ا] لفقه والأحكام وشبهات الحلال والحرام.
[] لم أستوعب فيه كتب أصحابنا المالكية، ونيتي أن أعطف (١) على ذلك فأستوعبه إن شاء الله، وعسى الله أن يعين عليه، [فهو] عوني وهو حسبي وعليه توكلي.
_________________
(١) كذا في الأصل؛ ولعل صوابه: أعكف على ذلك.
[ ١٧ ]
باب في الماء
قال عبد الله بن عبد [الحكم] حاكيا عن مالك ﵀: من توضأ بماء غير طاهر أعاد.
قال (١): لا يتوضأ بماء وقعت فيه ميتة إلا أن يكون كثيرا [لم (٢) يتـ]ـغير منه ريح ولا طعم، فلا بأس بذلك.
قال: وإذا وقـ[ـعت في بئر دجـ]ـاجة فماتت فإنه ينزف منها حتى تصفو ويغسل من الثياب [] سل به، وتعاد الصلاة منه في الوقت؛ ولا يؤكل طعام عجن به وإن [أخر] جت منه حين ماتت [ولم] يتغير فليشرب (٣) منه، ثم يتوضأ [منه].
وروى عنه ابن الماجشون (٤): الفرق بين ما وقع ميتا في الماء [فـ]ـمات فيه كأنه أشد كراهة لما مات فيه.
_________________
(١) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٧٤ من المختصر لابن عبد الحكم: ولا يتوضأ بماء وقعت فيه ميتة إلا أن يكون كثيرا جدا لا تغير منه ريحا ولا طعما فلا بأس به.
(٢) خرم بالأصل، والإكمال من النوادر والزيادات.
(٣) فليشرب منه: كذا في الأصل. وفي النوادر والزيادات: فلينزف منه.
(٤) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، يشار إليه في أغلب المصادر عادة بابن الماجشون. أما والده فهو عبد العزيز وغالبا ما يخلط بعض الباحثين بين الأب والإبن. ولعبد العزيز كتب في الفقه، يوجد منها نسختان في المكتبة العتيقة بالقيروان برواية سحنون بن سعيد؛ نشر منها الدكتور موراني قطعة قديمة في فقه أهل المدينة. وعلق عليها (باللغة الألمانية)، ١٩٨٤ Stuttgart.
[ ١٨ ]
وروى علي [بن زياد] (١) عن مالك قال: من توضأ بماء وقعت فيه ميتة فتغير [لونه وطعامـ]ـه (٢) وصلى أعاد الصلاة وإن ذهب الوقت. وإن كان (ق ٢ أ) [لم يتغير لونه أو] طعمه أعاد ما دام في الوقت.
وقال عنه ابن [] معينة اغتسل فيها جنبه لأنه لا يفسدها.
قال: وقال مالك (٣) في الحياض التي تسقى منها الدواب: لو اغتسل فيها جنب أفسدها إلا أن يكون قد غسل فرجه قبل [] موضع الأذى منه.
وكره اغتسال الجنب في الماء الدائم، فـ[ـقال]: ولو اغتسل فيه لم ينجسه إذا كان معينا.
وقال أبو مصعب (٤) عن مالك: الماء طهور كله إلا ما تغير ريحه أو طعمه أو لونه من نجس أو غيره وقع فيه، معينا كان أو غير معين (٥).
_________________
(١) هو علي بن زياد التونسي، أبو الحسن العبسي، توفي سنة ١٨٣؛ انظر ترجمته في تراجم أغلبية، ص ٢١ - ٢٦؛ ورياض النفوس، ١/ ٢٣٤؛ والديباج المذهب، ٢/ ١٩٢ إتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك لابن ناصر الدين، ص ٢٧٠ (تحقيق: سيد كسروي حسن. بيروت ١٩٩٥). روى عن مالك الموطأ وسماعه عنه. وعليه يعتمد سحنون في المدونة في كثير من المسائل. وروى أيضا الجامع الكبير في الفقه والاختلاف لسفيان الثوري وبروايته انتشر هذا الكتاب في الأندلس: فهارس ابن خير، ص ١٣٧.
(٢) المدونة، ١/ ٢٥ في هذه الرواية: [لونه أو طعمـ]ـه.
(٣) المدونة، ١/ ٢٧.
(٤) هو أبو مصعب، أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني، توفي سنة ٢٤٢: انظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٣/ ٣٤٧؛ والديباج المذهب، ١/ ١٤٠؛ وسير أعلام النبلاء، ١١/ ٤٣٦؛ والمزي، ٦/ ٢٧٨ وإتحاف السالك لابن ناصر الدين، ص ١٧٣، له رواية الموطأ لمالك بن أنس (بتحقيق بشار عواد معروف ومحمود محمد خليل، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت ١٩٩٣). كما له المختصر في الفقه، منه نسخة فريدة في مكتبة القرويين (تحت الرقم ٨٧٤ في ٣٤٨ صفحة)، كتب في آخره: «كتبه حسين بن يوسف عبد الإمام الحكم المستنصر وقابله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأدام خلافته في شعبان من سنة ٣٥٩».
(٥) في النوادر والزيادات ٦/ ٧٦: «قال أبو الفرج: روى أبو مصعب عن مالك الخ».
[ ١٩ ]
وهو قول ابن القاسم وسالم (١) وابن شهاب (٢) وربيعة (٣) وسائر علماء أهل المدينة، وإليه ذهب مطرف (٤) وابن وهب.
وقال إسماعيل بن إسحاق (٥) في قول الله ﷿: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (٦)، الذي يجب، والله أعلم، في الماء إذا خالطه شيء فلم يتغير طعمه ولا لونه ولا ريحه؛ إن الماء على أصل حكمه طاهر.
_________________
(١) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، توفي بين ١٠٥ - ١٠٦؛ انظر ترجمته في تهذيب التهذيب، ٣/ ٤٣٦؛ وسير أعلم النبلاء، ٤/ ٤٥٨؛ المزي، ١٠/ ١٤٥.
(٢) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله، ابن شهاب الزهري، توفي سنة ١٢٤؛ انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥/ ٤٥١، والمزي ٢٦/ ٤١٩، وسير أعلم النبلاء، ٥/ ٣٢٦، وابن عساكر، ٥٥/ ٢٩٤ - ٣٨٧، وحلية الأولياء، ٣/ ٣٦٠.
(٣) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمان التيمي المدني، توفي سنة ١٣٦: انظر ترجمته في تهذيب التهذيب، ٣/ ٢٥٨؛ وسير أعلام النبلاء، ٦/ ٨٩؛ والمزي ٩/ ١٢٣. كان ربيعة الرأي من أبرز الفقهاء بالمدينة في عصره، عليه تفقه مالك بن أنس والماجشون وغيرهما.
(٤) هو مطرف بن عبد الله بن مطرف المدني، توفي سنة ٢١٤ تقريبا؛ كان مطرف من أهم رواة مالك، روى عنه الموطأ. وروى عنه عبد الملك بن حبيب الأندلسي كثيرا في كل من الواضحة والسماع. أنظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٣/ ١٣٣؛ وتهذيب التهذيب، ١٠/ ١٧٥؛ والمزي، ٢٨/ ٧٠، وإتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك لابن ناصر الدين القيسي ٨٣ - ٨٩. لقد اعتمد محقق هذا الكتاب، وهو سيد كسروي حسن، على نسخة حصل عليها هدية من محمود محمد محمود حسن نصار في يوم عرفة من سنة ١٤١٤ ويقول إن المخطوط كان في رصيد مكتبة الشيخ حمد أحمد أبو بكر: أنظر مقدمة المحقق، ص ٢٣ - ٢٤. وفي هذا الكلام نظر لأن المخطوط الذي قام بتحقيقه الأستاذ الفاضل سيد كسروي حسن في رصيد مكتبة الأزهر بالقاهرة، ضمن مجاميع تحت رقم ١٠٠٣، الإمبابي، رقم ٤٩٠٩١. ولقد جاء وصف هذا المخطوط مفصلا في: دراسات في مصادر الفقه المالكي لميكلوش موراني.
(٥) هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي القاضي، توفي سنة ٢٨٢؛ انظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٤/ ٢٧٦؛ والديباج المذهب، ١/ ٢٨٢؛ وتأريخ بغداد، ٦/ ٢٨٤؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٩. قاضي المالكيين في بغداد.
(٦) سورة الفرقان، الآية: ٤٨.
[ ٢٠ ]
قال: ومعنى طهور: أي قد طهر [] خالطه؛ وكذلك كل نجاسة أصابت ثوبا أو بدنا أو موضعا [خا] لطها الماء فأذهب لون النجاسة وطعمها وريحها منه طهرها، ولو ظهرت النجاسة في الماء وعـ[ـلمـ (؟)]ـه كان نجسا.
ومذهب إسماعيل هو مذهب المدنيين كلهم من أصحاب مالك وغيرهم؛ وهو قول بن وهب، ولا أعلم مخالفا من أصحاب مالك المدنيين إلا عبد الملك (١). ذكر ابن سحنون عن أبيه في الماء الذي [وقعت] فيه (ق ٢ ب) الدابة أنه من الماء المشكوك فيه لم يجـ[] بما عاب عليه من الطهارات أنه غير مطهر، ومن [] غير متـ[ـو] ضئ يعيد أبدا كما يفعل بالذي غلبت عليه النجاسة سواء.
الطير التي تأكل الجيف
في المدونة (٢): قال [مالك] في الماء الذي تشرب منه الطير التي تأكل الجيف والأنجال أنه لا يتوضأ به.
قال ابن القاسم: ولو شربت في لبن لم يلق. قال: وكذلك سائر الطعام، وليس مثل الذي يلقى ولا يتوضاء به.
ومن المجموعة (٣): رو [ى عـ]ـلي بن زياد عن مالك في الماء الذي تشرب منه الطير التي تأكل الجيف: إن تيقنت أن في منقارها نجسا فاطرح الماء وإلا فهو طاهر.
قال: وقال سحنون: سبيل هذا الماء سبيل الماء المشكوك فيه، يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ به ويصلي.
_________________
(١) يعني عبد الملك بن عبد العزيز، هو ابن الماجشون كما سبق ذكره.
(٢) المدونة، ١/ ٥.
(٣) من أهم الأمهات في المذهب، تأليف محمد بن إبراهيم بن عبدوس (توفي ٢٦٠)؛ راجع: دراسات في مصادر الفقه المالكي لموراني، ص ١٤٠ - ١٤٨.
[ ٢١ ]
ومن المدونة (١): قال ابن القاسم في السبع التي تأكل الجيف أنه لا يتوضأ بالماء الذي تشرب منه، وهو بمنزلة الـ[ـدجا] ج المخلاة.
ورواية أبي مصعب عن مالك وأهل المدينة خلاف هذا، وهو اختيار إسماعيل.
في سؤر النصراني
في المدونة (٢): قال مالك: لا يتوضأ بسؤر النصراني ولا بما (٣) أدخل يده فيه.
وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وترك الوضوء بفضل ما شرب منه النصراني أحب إلي، وإن توضأ به فلا شيء عليه.
قال: ولا يتوضأ بفضل الـ[ـجنب] (٤).
وفي المستخرجة (٥) اختلاف في قول مالك في سؤر النصراني (ق ٣ أ) [] لم ير به بأسا.
كذلك اختلف قول سحنون (٦) [] في سؤر النصراني، فمرة قال: التيمم أحب إلي من الوضوء بسؤر النصراني، وهو بمنزلة الدجاج المخلاة التي تأكل الأقذار؛ ومرة قال: إذا أمنت أن يشرب خمرا أو يأكل خنزيرا فلا بأس بالوضوء من سؤره.
_________________
(١) المدونة، ١/ ٥.
(٢) المدونة، ١/ ١٤؛ وانظر أيضا: الواضحة، ص ١١٩؛ والنوادر والزيادات ١/ ٧١ عن ابن حبيب.
(٣) بما: كذا في الأصل وفي المدونة؛ وفي بعض الروايات: بماء. وكلاهما يؤديان إلى نفس المعنى.
(٤) النوادر والزيادات، ١/ ٧١ - ٧٢: ولا بأس بفضل الجنب والحائض.
(٥) انظر اختلافهم في هذه المسألة في البيان والتحصيل، ١/ ٣٣؛ ١٣٨؛ ١٧٢ - ١٧٣؛ والنوادر والزيادات، ١/ ٦٩ - ٧٣.
(٦) البيان والتحصيل، ١/ ٣٣؛ ١٧٢ - ١٧٣.
[ ٢٢ ]
وعند المدنيين: الماء على أصل طهارته حتى تظهر النجاسة فيه؛ وهو الحق عندي إن شاء الله (١).
في سؤر الدواب والسباع والكلاب
قال ابن عبد الحكم (٢) عنه: لا بأس بفضل الدواب كلها أن يتوضأ منه والطير كلها إذا لم يكن بموضع يصيب فيه الأذى.
ولا بأس بفضل الهر إذا لم يكن بخطمه أذى.
ولا يتوضأ بفضل الخنزير، وهذه جملة يختلف عن مالك وأصحابه في شيء منها.
قال ابن عبد الحكم: ولا يتوضأ بفضل الكلب الضاري ولا غير الضاري.
وقد مضى في باب سؤر الطير قول ابن القاسم في سؤر سباع الطير أنه مثل سؤر الدجاج المخلاة لا يتوضأ به.
وروى أبو زيد (٣) عن ابن القاسم أنه قال له في الحياض تكون في الفيافي يشرب منها الكلاب والخنازير، فقال: لا بأس بالوضوء منه إذا كانت الكلاب تشرب منها، وإن كانت الخنازير تشرب منها فلا يتوضأ منها.
وذكر ابن حبيب عن أصحابه أن لا بأس (ق ٣ ب) بالوضوء في حياض البرك التي تردها [] عمر وحديث ابن زيد.
وفي المدونة (٤) من رواية [ابن وهب وعلـ]ـي بن زياد عن مالك: لا
_________________
(١) رواه المؤلف في الاستذكار، ٢/ ١٢٨، رقم ١٦٨٩.
(٢) النوادر والزيادات، ١/ ٧١ من المختصر لابن عبد الحكم: «ولا بأس بالوضوء بفضل جميع الدواب والطير، إلا أن تكون بموضع يصيب فيه الأذى».
(٣) انظر ما جاء في البيان والتحصيل، ١/ ٢١٥ - ٢١٦. وأبو زيد هو عبد الرحمان ابن عمر بن أبي الغمر، توفي سنة ٢٣٤، وهو راوي الأسدية، وألف عليها مختصرا، كما له سماع من ابن القاسم أدخله العتبي في المسخرجة، أنظر: ترتيب المدارك، ٤/ ٢٢.
(٤) المدونة، ١/ ٦ برواية ابن وهب وعلي بن زياد عن مالك. وزيادة علي بن زياد تسبق هذه الفقرة في المدونة، ونصه: «لا أرى عليه إعادة وإن علم في الوقت».
[ ٢٣ ]
يعجبني الوضوء بفضل الكلب إذا كان الماء قليلا، ولا بأس به إذا كان الماء كثيرا كهيئة الحوض؛ وزاد علي عنه: وإن توضأ به وصلى فلا إعادة عليه في وقت ولا في غيره.
وفي المجموعة: لعبد الملك بن الماجشون أنه رأى عليه الإعادة في الوقت.
وروى أبو زيد عن أصبغ (١) قال: يتوضأ به ولا يتيمم، ولا إعادة عليه في وقت ولا غيره. قال: وهو قول مالك.
وقال ابن القاسم عن مالك (٢): لا يغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب إلا من الماء وحده، ويؤكل الطعام الذي يلغ فيه ولا يلقى شيء منه.
وروى ابن وهب عنه أنه يغسل من الطعام ومن الماء وغيره سبعا ويؤكل الطعام.
وذكر الأبهري (٣) أن مطرفا ومعنا (٤) رويا عن مالك (٥) أن الإناء يغسل من
ولوغ الخنزير سبعا.
_________________
(١) هو أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع المصري، توفي سنة ٢٢٥، روى عنه ابن أبي زيد القيرواني كتبه برواية الحسن بن نصر عن خالد بن نصر: الجامع، الرقم ٢٨٧ انظر: ترتيب المدارك، ٤/ ١٧، والديباج المذهب، ١/ ٢٩٩، وتهذيب التهذيب ١/ ٧٢، وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٦٥٦، والمزي ٣/ ٣٠٤، والمقفى الكبير للمقريزي، ٢/ ٢١٤.
(٢) انظر الاستذكار، ٢/ ٢١١، رقم ٢٠٩٤. وانظر اختلاف أقوال مالك في هذه المسألة في النوادر والزيادات، ١/ ٧٢ - ٧٣.
(٣) هو محمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر الأبهري، توفي سنة ٣٧٥، من كبار فقهاء المالكيين بالعراق. له شرح المختصر الكبير لابن عبد الحكم، توجد منه أجزاء في مكتبة الأزهر وفي مكتبة الدولة في جوتا/ ألمانيا (تحت رقم ١١٤٣)، وما ذكر فؤاد سزجين في تأريخ التراث، ١/ ٤٦٤ (الأصل، باللغة الألمانية) فهو خطأ.
(٤) هو معن بن عيسى بن يحيى بن دينار، أبو يحيى القزاز المدني، توفي سنة ١٩٨ بالمدينة، من كبار أصحاب مالك وراوي الموطأ عنه انظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٣/ ١٤٨، والديباج المذهب ٣/ ١٤٤، وسير أعلام النبلاء، ٩/ ٣٠٤، والمزي ٢٨/ ٣٣٦، وإتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك، ٨٠.
(٥) انظر التمهيد، ١٨/ ٢٧٠ - ٢٧١.
[ ٢٤ ]
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه (١): من لم يجد إلا ماء مشكوكا فيه كما وقعت فيه نجاسة أو ماتت فيه دابة أو ما ولغ فيه كلب، قال: يتيمم ويدعه، وقد قال مرة: يتوضأ به، ثم يتيمم.
وفي المجموعة: لابن القاسم عن مالك إن توضأ بسؤر الكلب أجزأه.
وذكر ابن وهب في موطأه (٢) عن مالك لا يتوضأ بفضل الكلب وما ولغ فيه ضاريا كان أو غير ضار إلا أن يكون كبعض الحياض ويغسل الإناء منه (ق ٤ أ) [].
قال: إن توضأ بماء ولغ فيه الكلب وصلى [] ولا إعادة عليه ضاريا كان أو غير ضار إلا أن يرى في حين ولوغه في فمه نجاسة، فيكون حكمه حكم الماء النجس.
وروي عن المغيرة بن عبد الرحمان المخزومي (٣) أنه قال: من توضأ بماء
_________________
(١) رواه ابن أبي زيد في النوادر والزيادات، ١/ ٩١ مختصرا من كتاب ابن سحنون عن أبيه.
(٢) أي في الموطأ من تأليف ابن وهب، وهو غير روايته لموطأ مالك بن أنس. يوجد جزء من الموطأ لابن وهب، فيه كتاب المحاربة، في رصيد المكتبة العتيقة بالقيروان، تم تحقيقه ونشره في دراسة خاصة تحت العنوان: عبد الله بن وهب؛ حياته وفقهه. لموراني. وطبع في ألمانيا سنة ١٩٩٢. كما يوجد جزء آخر من الموطأ لابن وهب، فيه كتاب القضاء في البيوع، رواية سحنون بن سعيد عن ابن وهب، وفي آخره سماع في منزل عيسى بن مسكين سنة ٢٩٠. هذا، والجدير بالذكر أن النسخة الموجودة في مكتبة Chester Beatty، رقم ٣٤٩٧، التي نشرت مؤخرا بتحقيق د. هشام بن إسماعيل (طبع دار ابن الجوزي ١٩٩٩) ليست جزءا من الموطأ لابن وهب، كما يزعم البعض، وإنما هو مختصر لأحاديث ابن وهب لمحمد بن يعقوب بن يوسف، أبي العباس الأصم (ت ٣٤٦). وهناك جزء آخر في مكتبة الظاهرية ينتمي إلى نسخة Chester Beatty المذكورة من حيث روايته، وهو في «المجاميع»، ٤٠، من ق ١٥٦ أإلى ١٧١ ب برواية أبي العباس الأصم أيضا عن تلميذي ابن وهب وهما: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني.
(٣) من كبار فقهاء أهل المدينة، توفي سنة ١٨٦؛ انظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٢/ ٣، =
[ ٢٥ ]
في إناء قد ولغ فيه كلب وصلى فعليه الإعادة في الوضوء والصلاة، ويغسل ما أصاب ثوبه من ذلك الماء على كل حال.
وبه كان يقول يحيى بن يحيى الأندلسي، وذكر أنه قول الليث (١).
وروى ابن وهب عن الليث (٢) في الرجل يصيب ثوبه من لعاب الكلب، قال: يغسله ويعيد الصلاة منه لأن النبي (ص) أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه (٣).
قال ابن وهب: وهو أحب إلي.
في الماء المستعمل
في المدونة (٤): قال ابن القاسم: إذا كان الذي توضأ به طاهرا فلا إعادة على من توضأ به إذا صلى.
_________________
(١) = والديباج المذهب، ٢/ ٣٤٣؛ وتهذيب التهذيب، ١٠/ ٢٦٤؛ والمزي، ٢٨/ ٣٨٤. كان يفتي بالمدينة في حياة مالك وتنسب إليه كتب فقه كانت متداولة بين أيدي الناس. يذكره ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات مرارا. هذا، ويخبرنا الخشني أن محمد بن بسطام القيرواني (توفي سنة ٣١٣) قد أدخل القيروان من فقه رجال مالك كتبا غريبة مثل كتب المغيرة وكتب ابن كنانة وكتب ابن دينار وكان يغرب بمسائلها، أنظر طبقات علماء إفريقية، تحقيق محمد بن شنب، ص ١٦٨؛ راجع أيضا تراجم أغلبية ٣٨٤؛ والديباج المذهب، ٢/ ١٨٨.
(٢) انظر الاستذكار، ٢/ ٢٢١، رقم ٢٠٨٨.
(٣) انظر الاستذكار، ٢/ ٢٢١، رقم ٢٠٩٠. وهو الليث بن سعد المصري، توفي سنة ١٧٥؛ من أصحاب مالك وعلى مذهبه ثم اختار لنفسه مذهبا وكان يكاتب مالكا ويسأله. وله من الكتب: كتاب التأريخ وكتاب المسائل في الفقه؛ انظر الفهرست لابن نديم، ص ٢٥٢ (تحقيق رضاء تجدد، طهران).
(٤) أخرجه البخاري، في كتاب الوضوء، باب ٣٣؛ ومسلم، في كتاب الطهارة، باب ٢٧؛ وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب ٣١؛ والدارمي في كتاب الوضوء، باب ٥٩. انظر أيضا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ج ٧، ص ٣٢٠.
(٥) المدونة، ١/ ٤.
[ ٢٦ ]
قال: وقال مالك: لا يعجبني الوضوء به ولا خير فيه؛ وكان يرى الوضوء به إذا لم يجد غيره أحسن من التيمم.
وقال أصبغ بن الفرج: لا يجوز الوضوء به، وحكمه حكم الغسالة، ومن لم يجد غيره تيمم فإذ لم يفعل وتوضأ به أعاد الصلاة أبدا في الوقت.
في الماء المشكوك فيه
ذكر محمد بن سحنون عن أبيه (١) في الماء المشكوك فيه أنه يتيمم ولا يصلي به؛ وقال مرة أخرى: يتيمم ويتوضأ، ثم يصلي.
قال محمد: وأنا أرى أن يتيمم (ق ٤ ب) ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي ولا يبدأ بالوضوء [] (٢).
وذكر ابن عبدوس عن سحنون أنه يتيمم ويصلي، ثم []ـى.
وروى أبو زيد بن إبراهيم عن ابن الماجشون في الماء يلغ فيه الكلب أنه يتوضأ به ويتيمم، ثم يصلي ورآه من الماء المشكوك فيه.
وللماء المشكوك فيه عند ابن الماجشون وسحنون هو الذي تدخله شبهة، أعملوا فيه الشك ولم يحملوا على أصله حتى يستيقنوا النجاسة فيه.
هذه رواية أبي زيد الأندلسي عن ابن الماجشون.
قال ابن الماجشون وسحنون في إنائين أحدهما طاهر والآخر حلت فيه نجاسة لا يدري بعينه، فقالا: يتوضأ لكن واحدة مرة، ويصلي به صلاة هذا مرة؛، وهذا مرة.
هذه رواية أبي زيد الأندلسي عن ابن الماجشون.
_________________
(١) النوادر والزيادات، ١/ ٩١: من كتاب ابن سحنون عن أبيه.
(٢) لعل ما سقط من النص هو المثبت في النوادر والزيادات قال: «فلعله ينجس أعضاءه وهو من أهل التيمم».
[ ٢٧ ]
وروى أحمد بن المعذل (١) عنه أن الماء على أصل طهارة طاهر ويجزي فيهما، ولا شيء عليه.
وقال ابن سحنون: يتحرى في الإنائين لإجماعهم على التحري في القبلة.
باب
لم يختلفوا فيما لا دم له من خشاش الأرض ودواب الماء تموت في الماء أنه لا ينجسه إلا في الضفدع؛ فإن في المدونة (٢) عن مالك أنه لا ينجس الماء إن مات فيه لأنه من صيد البحر.
وقال عبد الله بن نافع: ليس الضفدع كغيره من خشاش الأرض ولا الحيتان وهو ينجس الماء إن مات فيه؛ ذكره العتبي عنه.
(ق ٥ أ).
[] يؤكل لحمه أو ما يؤكل [] مما لا يأكل الأنجاس.
لم يختلف عن مالك وأصحابه في بول ما يؤكل لحمه ورجيعه من الأنعام والوحش والطير التي لا تأكل الأقذار أنه غير نجس.
وذكر ابن عبد الحكم (٣) عنه أن أبوال الخيل والبغال والحمير وخرو الطير التي تأكل الجيف ينجس الثوب.
_________________
(١) أحمد بن المعذل بن غيلان بن حكم، أبو العباس البصري؛ من شيوخ المالكيين، ومن الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك. تفقه بابن الماجشون وغيره وكان من شيوخ إسماعيل بن إسحاق القاضي: ترتيب المدارك، ٤/ ٢٧٩. انظر ترجمته أيضا في: سير أعلام النبلاء، ١١/ ٥١٩. وقد أهمل الناسخ إعجام الدال في «المعدل»، والصحيح إعجامها، راجع المشتبه للذهبي، ٢/ ٦٠٠.
(٢) المدونة، ١/ ٥.
(٣) النوادر والزيادات، ١/ ٨٥ وفيه: «ومن المختصر: ولا يصلي ببول الخيل والدواب».
[ ٢٨ ]
وكذلك في المدونة (١) وغيرها عن مالك وأصحابه إلا ما حكاه أبو إسحاق البرقي (٢) عن أشهب فإنه قال عنه: خرو الطير كله طاهر غير نجس أكل الأنجاس أو لم يأكل.
وذكر ابن إسحاق (٣) عن أصبغ عن ابن القاسم في ذرق البازي أنه نجس وإن كان ما يأكل ذكيا.
قال أصبغ: لا يعجبني قوله: «إذا كان ما يأكل ذكيا» فذرقه طاهر.
وذكر العتبي (٤) عن ابن القاسم في ذرق البازي أنه طاهر إذا كان يأكل ذكيا.
وقال سحنون (٥) فيما ذكر العتبي عنه في لبن الأنعام التي تشرب الماء النجس أنه لا يؤكل وهو نجس (٦).
_________________
(١) المدونة، ١/ ٥.
(٢) هو إبراهيم بن عبد الرحمان بن عمرو، ابن أبي الفياض، أبو إسحاق البرقي من تلاميذ أشهب بن عبد العزيز، توفي سنة ٢٤٥، أنظر ترجمته في: ترتيب المدارك، ٤/ ١٥٤؛ والمقفى الكبير للمقريزي، ١/ ٢١٤. روى عنه يحيى بن عمر الجزء الأول من مجالس أشهب سمعه خلال رحلته لمصر كما يروي عنه كتاب الدعوى واليبنات من تصنيف أشهب. منه جزء كامل بالقيروان في ١٨ ورقة من الكاغذ. وفي آخره إشارة إلى مقابلة النسخة، مؤرخة سنة ٢٧٣ في حلقة يحيى به عمر.
(٣) البيان والتحصيل، ٦/ ١٨٩ ذكره ابن حارث في كتاب يحيى بن إسحاق من رواية أصبغ عن ابن القاسم بهذا النص. وهو يحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى الليثي، روى عن محمد بن أصبغ بن الفرج وغيره. وله كتاب سماه بالمبسوطة في اختلاف أصحاب مالك وأقواله. توفي سنة ٣٠٣. ويغلب على الظن أن ابن عبد البر كان ينقل من هذا الكتاب مباشرة. أما صاحب البيان والتحصيل، أبو الوليد بن رشد فإن روايته في هذا الموضع قد ترجع إلى كتاب ابن الحارث الخشني المسمى بالاتفاق والاختلاف بين الإمام مالك وأصحابه، توجد منه ١٦ ورقة فقط تشتمل على كتاب الإجارات، في رقادة بالقيروان.
(٤) البيان والتحصيل، ١/ ٨٩.
(٥) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٨٥ وفيه: «وقال سحنون: إذا شربت الأنعام مما نجس فبولها نجس». وانظر أيضا البيان والتحصيل، ١/ ١٥٥.
(٦) قارن بما جاء في البيان والتحصيل، ١/ ١٥٥.
[ ٢٩ ]
وقال العتبي: هو عندي طاهر كالعسل، النجس تأكله النحل وما تأتي به من العسل طاهر.
في الدم
قال مالك في المدونة (١): الدم كله واحد، دم الحيضة وسائر الدماء القليل النزر منه معفو عنه، لا إعادة على من صلى به في وقت ولا غيره، والكثير تعاد منه الصلاة في الوقت ويغسل (ق ٥ ب) من الثوب والبدن. قال ابن حبيب [] وابن عبد الحكم وأصبغ.
وروى البرقي عن [أشهب أ] ن دم الحيضة مخالف لسائر الدماء، وسبيله سبيل البول؛ وهو قول ابن وهب، ويغسل قليله وكثيره لأنه من مخرج البول.
في جلود الميتة بعد الدباغ هل يتوصأ بما فيها من الماء،
وهل يسقى بها الماء، وكيف حكم طهارتها
ذكر ابن عبد الحكم: ومن اشترى جلد ميتة فدبغه نعالا لم يبعه حتى يبين.
وقال ابن القاسم: البيع مفسوخ في جلد الميتة وهو نجس قبل الدباغ، لا يحل بيعه ولا استعماله في شيء؛ وهو قول مالك وعامة أصحابه.
وقال ابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك: ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت في الجلوس عليها وامتهانها وافتراشها والغربلة بها في الأشياء اليابسـ[ـة] كلها، ولا يباع ولا يصلى عليها.
زاد ابن القاسم (٢): فقلت له: أيستقى بها؟ فقال: أما أنا فأبقيها في خاصة نفسي، وما أحب أن أضيق على الناس.
_________________
(١) المدونة ١/ ٢١: قال (يعني ابن القاسم): «وما رأيت مالكا يفرق بين الدماء».
(٢) انظر البيان والتحصيل، ١/ ١٠٠.
[ ٣٠ ]
وإلى هذا ذهب سحنون وابن حبيب في الصلاة عليها وبيعها، أن ذلك غير جائز فيها؛ وهو قول مالك ومذهبه الذي عليه يناظر أصحابه.
وروى زونان (١) عن ابن وهب: لا بأس بجلود الميتة إذا دبغت أن يصلى عليها، ولا بأس ببيعها.
وذكره (ق ٦ أ) [ عـ]ـن ابن وهب؛ وذكر ابن وهب في موطأه عن يونس [بن (٢) يزيد] أنه قال: لا نرى بأسا بالسقاء فيها إذا دبغت. قال: ولا بأس ببيعها إذا بين بائعها.
قال ابن شهاب: وعامة الفراء منها (٣).
وعن يحيى بن أيوب (٤) عن يحيى بن سعيد الأنصاري (٥) أنه قال: دباغها
_________________
(١) هو عبد الملك بن الحسن بن محمد بن رزيق القرطبي، يعرف بزُونان، وأيضا: زَوْنان، توفي سنة ٢٣٢. سمع في رحلته من أشهب وابن القاسم وابن وهب وغيرهم من الفقهاء المدنيين. ولي القضاء في طليطلة وقد أدخل العتبي سماعه عن ابن وهب في المستخرجة وكذلك يروي عنه أن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات من طريق العتبي. أنظر ترجمته: ابن الفرضي، الرقم ٨٦٣؛ ترتيب المدارك، ٤/ ١١٠ - ١١١؛ والديباج المذهب، ٢/ ١٩.
(٢) هو يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، توفي سنة ١٥٩. من شيوخ ابن وهب المشهورين وقد روى عنه ابن وهب في موطئه كثيرا، يذكر في المدونة من طريق ابن وهب، أنظر ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر، ١١/ ٤٥٠؛ وسير أعلام النبلاء، ٦/ ٢٩٧؛ والمزي، ٣٢/ ٥٥١.
(٣) قارن بما جاء في المصنف لعبد الرزاق، ١/ ٦٥، الرقم ٦٩٩ - ٢٠٠.
(٤) يحيى بن أيوب الغافقي، أبو العباس المصري، من مصادر موطأ ابن وهب؛ يذكره سحنون برواية ابن وهب في المدونة مرارا؛ توفي سنة ١٦٨. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر، ١١/ ١٨٦؛ وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٨/ ٥؛ وتذكرة الحفاظ، ٢٢٧؛ والمزي، ٣١/ ٢٣٣؛ أنظر أيضا رواياته في المدونة من طريق ابن وهب في الدراسة المفصلة: «عبد الله بن وهب؛ حياته وفقهه». ومعه تحقيق كتاب المحاربة من الموطأ لعبد الله بن وهب. لميكلوش موراني، ص ١٩٩ - ٢٠٠ [بالطبعة الأصلية]. ١٩٩٢ Wiesbaden.
(٥) يحيى بن سعيد الأنصاري، أنظر ترجمته في: المزي، ٣١/ ٣٤٦؛ وتهذيب التهذيب، =
[ ٣١ ]
طهورها فلا بأس بشرائها.
وعن ابن القاسم وسالم مثل ذلك، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (١).
قال محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالصلاة عليها وبيعها لأن دباغها طهورها.
وقال أشهب في كتابه: أكره بيع جلود الميتة بعد الدباغ، وإن نزل لم أفسخه؛ قال: وإن اجتمعا جميعا على فسخه فهو أحب إلي.
وقال ابن حبيب: إن بيع جلد الميتة بعد دباغه فسخ البيع ما كان قائما؛ فإذا فات مضى لاختلاف الناس فيه.
وذكر سحنون عن ابن القاسم أنه قال: لا تلبس وإن دبغت.
وذكر سحنون: لا بأس بلباسها إذا دبغت ما لم يصل فيها.
وقال ابن حبيب في هذه المسألة: أرى قول ابن القاسم في أنه لا يجوز لباسها ولا بيعها ولا الصلاة عليها.
في عظام الميتة
وذكر ابن حبيب أن ابن وهب كان يجيز بيع ناب الفيل إذا طبخ، ويرى طبخه بمنزلة دباغ الجلد.
قال: وكان ابن الماجشون ومطرف يرخصان في الانتفاع بعظام الميتة، لأن ذلك إنما يعمل من نابها؛ وقد (ق ٦ ب) رخص فيه ربيعة.
وروى ابن القاسـ[ـم ]: لا ينتفع بشيء من عظام الميتة ولا يتجر بها، و[ طعـ]ـام ولا شراب ولا يمشط بها، ولا يدهن فيها، وينتفع
_________________
(١) = ١١/ ٢١١؛ وسير أعلام النبلاء، ٥/ ٤٦٨؛ والتمهيد لابن عبد البر، ٢٣/ ٨٨.
(٢) توفي سنة ٢٦٨، من فقهاء أهل مصر المشهورين، انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب، ٩/ ٢٦٠؛ والديباج المذهب، ٢/ ١٦٣؛ وطبقات الشافعية للسبكي، ٢/ ٦٧.
[ ٣٢ ]
بشعرها وصوفها، لأن ذلك يؤخذ منها وهي حية.
وروى العتبي (١) عن سحنون في الطعام يطبخ بعظام الميتة أو بأرواث الدواب: أكره ذلك بدءا، فإن فعل لم أر بأكله بأسا.
في جلود السباع والحمير المذكاة لجلودها
في المدونة (٢) لابن القاسم عن مالك: أن السباع إذا ذكيت لجلودها حل بيعها ولبسها والصلاة بها وينتفع بها؛ وكذلك ذكر ابن عبد الحكم.
وقال ابن حبيب (٣): إنما ذلك في السباع المختلف فيها، وأما المتفق عليها فلا يجوز بيعها ولا لبسها ولا الصلاة بها، وينتفع بها في غير ذلك كجلود الميتة إذا دبغت سواء.
قال أشهب: أكره بيع جلود السباع وإن ذكيت ودبغت، وإن لم تدبغ فأرى أن يفسخ البيع فيها والارتهان ويؤدب فاعل ذلك إلا أن يعذر بالجهالة، لأن النبي (ص) حرم (٤) أكل كل ذي ناب من السباع بالذكاة فيها ليست بذكاة.
قال ابن حبيب: ولو أن الدواب والخيل والبغال والحمير ذكيت لجلودها لما حل بيعها ولا الانتفاع بها ولا الصلاة بها ولا (ق ٧ أ) [] فإنه لو ذكي لحل بيع جلده أو الانتفاع به للصلاة و[] ف الناس في تحريم أكله.
وذكر العتبي (٥) عن أشهب عن مالك أن ما لا يؤكل لحمه من الدواب فلا يطهر جلده بالدباغ.
_________________
(١) البيان والتحصيل ١/ ٩٥.
(٢) المدونة ٣/ ٧٤ في كتاب الضحايا.
(٣) البيان والتحصيل ٣/ ٣٥٧.
(٤) راجع صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ٥٧؛ والموطأ، رواية يحيى، ٢/ ٤٩٦؛ وسنن ابن ماجه، كتاب الصيد، باب ١٣؛ وسنن الترمذي، كتاب الصيد، باب ٩؛ ومسند ابن حنبل، ١/ ١٤٧؛ ٤/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٥) البيان والتحصيل ٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
[ ٣٣ ]
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يجوز تذكية السباع، وإن ذكيت لم يحل جلودها إلا أن تدبغ.
وقال ابن القاسم: لا يصلى على جلد الحمار وإن ذكي؛ وروي ذلك عن مالك.
في الانتفاع بما ماتت فيه الفأرة من الزيت
ذكر ابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب عن مالك أنه ينتفع به في الوقيد وحده، ولا يحل بيعه ولا أكله.
وذكر ابن حبيب مثل ذلك عن مالك وطائفة من أصحابه، ثم قال: وقال ابن الماجشون (١): لا يحل الانتفاع به إلا للاستصباح ولا لغيره.
قال ابن حبيب: لا بأس أن يستصبح به ويجعل صابونا، وإن بيع فسخ البيع إن أدرك قائما، وإن فات رد الثمن.
وذكر العتبي (٢) قال: روى أشهب عن مالك أنه لا يجوز أن يباع وإن من به.
وذكر عن أصبغ عن ابن القاسم (٣) قال: بلغني عن مالك في بان طبخ فوجد فيه فأرة، قال: يطبخ بماء طيب.
وروى يحيى بن عمر (٤) عن محمد بن عبد الحكم أنه قال: العجب من
_________________
(١) دليل ابن الماجشون أن حكمه، حكم الميتة لنجاسته. أنظر البيان والتحصيل ١/ ١٧٠.
(٢) البيان والتحصيل ٣/ ٢٩٧. وأنظر أيضا ١/ ١٧٠ و٣٣٩ من نفس المصدر.
(٣) البيان والتحصيل ١/ ١٩٨.
(٤) هو يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني، أبو زكرياء الأندلسي، نزيل القيروان، توفي سنة ٢٨٩، من أشهر تلاميذ سحنون ومن رواة المدونة والمختلطة بالقيروان. روى كثيرا عن المصريين: عن أشهب وأصبغ ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم. ألف كتاب أحكام السوق (حققه حسن حسني عبد الوهاب وفرحات الدشراوي وطبع بتونس ١٩٧٥). وله كتاب اختلاف ابن القاسم وأشهب راجع المقدمة، ص: ١٠، =
[ ٣٤ ]
قول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة حيث يقولون: أن يستصبح بالزيت الذي تموت فيه الفأرة ويتحفظ منه وقال: (ق ٧ ب) هذا لا يحل كما لا يحل في شحم الميتة.
قال [] زيت كثيرة أدخل الرجل يده فيها واحدا بعد و[] ان، أن الأول فيه فأر ميت أنه لا تفسد منها إلا الثالثة ونحوها.
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: تفسد منها كلها ولو كانت مائة، فذكر له قول من قال: بعد الثالثة طاهر، فأنكره وقال: النجاسة لا يطهرها إلا الماء.
في النية للوضوء
لم يختلف عن مالك وأصحابه أن الوضوء للنافلة، أو لمس المصحف والجنازة يصلى به المكتوبة، والأصل في ذلك أن كل ما لا يستباح إلا بوضوء فالوضوء له يرفع الحدث ويصلى به كل صلاة.
واختلف في من توضأ للنوم أو للدخول على الأمير، هل يصلي به نافلة أو مكتوبة؛ فروي عن مالك فيه روايتان: إحداهما تجوز، والثانية لا تجوز.
واختلف أشهب وسحنون فيمن توضأ للصبح من حدث وصلاها، ثم توضأ للظهر من غير حدث وصلى الظهر والعصر، ثم ذكر مسح رأسه من أحد
_________________
(١) = يذكره ابن أبي زيد في النوادر، وكتاب الحجة في الرد على الشافعي، يوجد منه الجزء ١٢ سماع أخيه محمد، أنظر المكتبة الأثرية بالقيروان للشيخ محمد البهلي النيال (تونس ١٩٦٣)، ص ٣٨. وقد اكتشفنا أوراقا متفرقة ضمن خروم من كتابه في البدعة، جاءت الإشارة إليها في الدراسات البيوغرافية والببليوغرافية لميكلوش موراني، ص ٩٦ وما بعدها (الطبعة الأصلية) ١٩٩٨ Wiesbaden. قرئ عليه جزء من أحاديث سفيان بن عيينة في مسجد الجامع بالقيروان سنة ٢٧٢، كما روى أيضا كتبا لأشهب بن عبد العزير كما سبق ذكره. انظر ترجمته: تراجم أغلبية، ٢٦١، ورياض النفوس، ١/ ٤٩٠؛ ومعالم الإيمان، ٢/ ٢٣٣ والديباج المذهب، ٢/ ٣٥٤ وابن الفرضي، الرقم ١٥٦٦؛ وسير أعلام النبلاء، ١٣/ ٤٦٢.
[ ٣٥ ]
الوضوئين ولا يدريه بعينه، فقال: يمسح برأسه ويعيد الصبح فقط.
وقال ابن سحنون عن أبيه: يعيد الصلوات كلها لأنه قصد بالوضوء الثاني النافلة.
في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء للوضوء
(ق ٨ أ) [] وأشهب وابن وهب عن مالك أنه كره أن يدخل أحـ[ـد يده في] وضوءه قبل أن يغسلها إذا كان محدثا، وإن كانت يده طاهرة؛ وكذلك لو كان حدثه في خلال وضوءه، فإن فعل ويده طاهرة لم يضر ذلك وضوءه؛ هذا معنى ما تحصلت عليه رواياتهم عن مالك في ذلك.
وقال عند ابن عبد الحكم (١): من استيقظ من نومه أو مس فرجه أو كان جنبا أو امرأة حائض فأدخل أحدهم يده في وضوءه، فليس ذلك يفسده إلا أن يكون في يده نجاسة، كان ذلك الماء قليلا أو كثيرا.
قال: ولا يدخل أحد منهم يده في وضوءه حتى يغسلها.
قال: ومن انتقض وضوءه ويده طاهرة فليغسلها قبل أن يدخلها في وضوءه، فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وفي كتاب العتبي (٢): لابن القاسم عن مالك في الذي يستيقظ فيدخل يده في الإناء أنه لا بأس بذلك.
وذكر عن ابن وهب وأصبغ أنهما كرها ذلك.
وقال أشهب: ليس على المتوضئ غسل يده إذا كانت طاهرة وكان يحضره الوضوء.
وقال ابن مزين (٣): كان يحيى بن يحيى لا يرى على المتوضئ غسل يده قبل إدخالها في وضوءه.
_________________
(١) حكاه ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات، ١/ ١٦.
(٢) البيان والتحصيل ١/ ٦٧.
(٣) هو أبو زكرياء يحيى بن إبراهيم بن مزين نزيل قرطبة وموطنه طليطلة، توفي سنة ٢٥٩. =
[ ٣٦ ]
في التسمية بذكر الله ﷿ على الوضوء
قال علي بن زياد: قال مالك (١): ما أعرف التسمية في الوضوء وأنكرها، واستحب ذلك علي بن زياد قال: وقاله سفيان.
وذكر (ق ٨ ب) ابن حبيب (٢) قال: وما روي أنه لا وضوء لمن لم يسم [الله ] أن تكون نيته، ويحتمل تسمية الله سبحانه في ابـ[ـتدائه وأحب] إلي أن يسمى.
في تخليل اللحية في الوضوء وغسل الجنابة
ذكر ابن عبد الحكم (٣) قال: وإن كان شعر لحيته كثيرا فليحركها ولا يخللها أحب إلينا؛ وإن كان جنبا حرك لحيته قليلة كانت أو كثيرة، ويخللها أحب إلينا، لأن رسول الله (ص) كان يخلل أصول شعرها في الجنابة (٤).
_________________
(١) = له تفسير للموطأ لمالك بن أنس، توجد منه أجزاء في القيروان، ومنها تفسير كتاب الجهاد في جزء كامل، قرئ على أبي الحسن القابسي. أنظر ترجمته عند ابن الفرضي، الرقم ١٥٥٦؛ وفي ترتيب المدارك، ٤/ ٢٣٩. أخذ كتبه ابن أبي زيد القيرواني من طريق يوسف بن يحيى المغامي وأدخلها في الجامع، وهو الجزء الأخير لمختصر المدونة والمختلطة. أنظر الإشارة إلى هذه الرواية في الجامع، الرقم ٢٩١.
(٢) النوادر والزيادات، ١/ ٢٠. سفيان: هو سفيان بن عيينة (ت ١٩٦ هـ).
(٣) الواضحة، ١٦٢ (ق ٣ أ) ونصها: عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال: لا إيمان لمن لم يؤمن بي ولا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء لمن لم يسم الله، قال عبد الملك: يعني بالتسمية النية أن ينوي بوضوءه طهر الصلاة هذا، وراجع الحديث عند ابن ماجه، ١/ رقم ٣٩٧؛ والدارمي، ١/ رقم ٦٩١؛ والترمذي، ١/ رقم ٢٥ - ٢٦؛ وابن حنبل، ٢/ ٤١٨؛ ٣/ ٤١؛ ٤/ ٧٠؛ ٥/ ٣٨١؛ ٦/ ٣٨٢؛ والبيهقي، ١/ ٤١؛ ٤٣، بألفاظ مختلفة. وأنظر ما ذكر الحطاب في المواهب ١/ ٢٢٦ عن ابن حبيب في نفس المسألة. وأنظر الحديث أيضا في النوادر والزيادات، ١/ ٢٠ برواية ابن حبيب، وإكمال الخرم من هناك.
(٤) النوادر والزيادات، ١/ ٣٤.
(٥) انظر الموطأ، رواية يحيى، ١/ ٤٤، رقم ٦٧؛ وفي رواية أبي مصعب، ١/ ٥٠، رقم ١٢٠؛ وفي رواية الحدثاني، ٦٦، رقم ٥٠؛ والاستذكار، ٣/ ٦٢؛ رقم ٢٧٠٢؛ والمعجم المفهرس ٢/ ٥٦.
[ ٣٧ ]
وفي المدونة (١): قال مالك: ليس على المتوضئ أن يخلل لحيته.
وفي المجموعة: روى ابن وهب وابن نافع (٢) عن مالك (٣): واللحية من الوجه وليمر عليها من فضل ماء الوجه، ولا يجدد لها ماء.
قال سحنون (٤): من لم يمر عليها الماء أعاد ولم تجزه صلاته.
وفي المستخرجة (٥): لأشهب عن مالك أن الواجب تخليل اللحية في الغسل من الجنابة ولا يجب ذلك في الوضوء.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب (٦) وذكره عن مالك. ومحمد بن عبد الحكم (٧) يرى تخليلها في الوضوء.
وفي العتبية (٨) أيضا لابن القاسم عن مالك أن تخليل اللحية غير واجب في الغسل من الجنابة.
_________________
(١) المدونة، ١/ ١٧.
(٢) ابن نافع: أثبته الناسخ بالهامش.
(٣) النوادر والزيادات، ١/ ٣٣.
(٤) النوادر والزيادات، ١/ ٣٣؛ وانظر الاستذكار، ١/ ١٩، رقم ١٢٠٠: «هو بمنزلة من لم يمسح رأسه، وعليه الإعادة».
(٥) البيان والتحصيل، ١/ ٩٨.
(٦) الواضحة، ١٦٦ - ١٦٧، ونصه بلفظه: «قال عبد الملك: وتخليل اللحية عند الوضوء رغبة وليس بواجب، وإنما اللحية من الوجه فإنما عليك أن تمر يديك بالماء على لحيتك كما تمرهما على وجهك، وإن كثر شعر اللحية حركتها وذلك عند الوضوء». وفي نفس المصدر أيضا: ١٦٧ (ق ٤ ب): «قال عبد الملك: ومن خلل لحيته عند الوضوء فحسن مستحب مرغوب فيه وهو الذي آخذ به، قد كان رسول الله (ص) يخلل ويرغب في التخليل من غير إيجاب».
(٧) النوادر والزيادات، ١/ ٣٤.
(٨) البيان والتحصيل، ١/ ٥٩ وعبارته: سئل مالك عن الجنب إذا اغتسل أيخلل لحيته، قال: ليس ذلك عليه.
[ ٣٨ ]
في توقيت الغسلات في الوضوء
وفي المدونة (١) لابن القاسم: لم يكن مالك يؤقت في الوضوء مرة ولا (ق ٩ أ) [اثنتين ولا ثلاثا ولكـ]ـنه كان يقول: يتوضأ ويغتسل ويسبغ ذلك.
وذكـ[ـر ابن عبد الـ]ـحكم (٢) عنه أنه قال: ليس في الوضوء حد معلوم، إنما قال الله تعالى: ﴿فاغسلوا﴾ (٣)، ولم يذكر عده. فما عم من ذلك فهو يجزئ، ولا يجب أن يقصر من اثنتين إذا عمتا.
وذكر ابن حبيب (٤) عن مطرف عن مالك أنه قال: الوضوء واسع مرتين وثلاثا ولا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء.
قال مالك (٥): ولا أحب أن ينقص من اثنتين ولا يزاد على الثلاث إلا في مسح الرأس فإنه لا يستحب أن يزاد فيه على واحدة.
في إدخال المرفقين والكعبين في الغسل
في المدونة (٦) لابن القاسم في الذي يقطع يده من المرفق أنه إن كان بقي من المرفقين شيء يعرفه العرب والناس فليغسل، وإذا ذهبت المرفقان مع الدراعين لم يكن عليه أن يغسل موضع القطع لأن القطع قد أتى على جميع الذراعين والمرفقين.
_________________
(١) لم نقف عليه في المدونة.
(٢) النوادر والزيادات، ١/ ٣١.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٤) الواضحة، ١٦٥ (ق ٤ أ) ونصه: «وأخبرني مطرف أنه سمع مالكا يقول: الوضوء واسع مرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، قيل له: فالواحدة، قال: لا أحبها إلا من العالم بالوضوء». أنظر أيضا النوادر والزيادات، ١/ ٣٦ عن ابن حبيب.
(٥) الواضحة، ١٦٥ (ق ٤ أ) ونصه: «قال مالك: ولا أحب أن ينقص من إثنتين ولا يزاد على الثلاث إلا مسح الرأس، فإنه لا يستحب أن يزاد على واحدة؛ وغسل القدمين فإنه لا حد لغسلهما في عدد». وانظر أيضا النوادر والزيادات، ١/ ٣٦ عن ابن حبيب.
(٦) المدونة، ١/ ٢٤.
[ ٣٩ ]
قال: وأما الأقطع الكعبين فلا بد أن يغسل ما بقي من الكعـ[ـبين] لأن الكعبين يبقيان في الساقين فيغسل الكعبين وموضع القطع أيضا.
وفي المجموعة (١): قال ابن نافع: قال مالك: ليس عليه تجاوز المرفـ[ـقين] ولا الكعبين بالغسل، وإنما عليه أن يبلغ إليهما.
في تخليل أصابع اليدين والرجلين
في المدونة (٢): (ق ٩ أ) قال مالك: ليس على المتوضئ أن يخلل أصابعـ[ـه ].
قال سحنون: إن لم يخلل فهو بمنزلة لمعة باقية من [].
وقال ابن حبيب (٣): تخليل أصابع اليدين عند الوضوء حسن مرغوب فيه، وكذلك تخليل أصابع القدمين، غير أن تخليل أصابع اليدين ألزم.
قال: وتخليل أصابع القدمين في الغسل من الجنابة واجب، ومن تركه فلا غسل له، وهو كمن ترك لمعة من جسده لم يغسلها.
وروى عبد الله بن وهب (٤) قال: سئل مالك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأنكر ذلك وعابه.
قال ابن وهب: فقلت له: فإن أخاك ابن لهيعة يروي أن النبي (ص) كان
_________________
(١) النوادر والزيادات، ١/ ٣٤ من المجموعة لابن عبدوس.
(٢) لم نقف عليه في المدونة؛ ولكن له ما يؤيده في العتبية، وهو من سماع ابن القاسم عن مالك في البيان والتحصيل، ٧٨/ ١، ونصه: «وسئل مالك عمن توضأ ولم يخلل أصابع رجليه، قال: يجزئ عنه».
(٣) الواضحة. ١٦٧ (ق ٤ ب) ونصه: «قال عبد الملك: فالتخليل عند الوضوء رغبة وليس بلازم كما أعلمتك إلا في الاغتسال. قال عبد الملك وكذلك تخليل أصابع القدمين عند الوضوء رغبة وليس بلازم». وفي النوادر والزيادات، ١/ ٣٥ بلفظ قريب من هذا المعنى. وانظر أيضا تعليق ابن رشد في البيان والتحصيل، ١/ ٧٨.
(٤) النوادر والزيادات، ١/ ٣٦: «قال ابن وهب: وهذا يبرق وجهه».
[ ٤٠ ]
يخلل أصابعه في الوضوء (١)؛ قال: فسمعته بعد ذلك يسأل عن تخليل الأصابع فيوجبه وبقي به.
في مسح بعض الرأس
في المدونة (٢): قال مالك: المرأة في مسح الرأس بمنزلة الرجل تمسح على رأسها كله، وإن كان معقوصا فلتمسح على ضفرها.
وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: ويمسح رأسه مسحة واحدة بدء بمقدم رأسه إلى قفاه بيديه جميعا، ثم يردهما إلى حيث بدأ.
وروى ابن القاسم وأشهب عن مالك: من ترك مسح بعض رأسه فهو بمنزلة من ترك بعض وجهه أو بعض ذراعيه.
قال ابن القاسم (٣): ويعيد صلاته أبدا إن لم يمسحه كله.
قال محمد بن مسلمة المخزومي (٤): إذا (ق ١٠ أ) كان [] رأس
_________________
(١) لعله يقصد بذلك ما رواه الترمذي في سننه، ١/ ٥٧ - ٥٨ ب برواية ابن لهيعة المشار إليها في هذا الموضع: عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمان الحبلي عن المستورد بن شداد الفهري قال: رأيت النبي (ص) إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره. قال عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. ورواه ابن حبيب في الواضحة، ١٦٧ - ١٦٨ بهذا الإسناد؛ راجع أيضا البيهقي، ١/ ٧٦.
(٢) المدونة، ١/ ١٦، وانظر الاستذكار، ٢/ الرقم ١٢٧٤ ونصه: «والمرأة عند جميع الفقهاء في مسح رأسها كالرجل سواء».
(٣) النوادر والزيادات، ١/ ٤٠، انظر أيضا: البيان والتحصيل، ١/ ١٩٣. والملاحظ أن المؤلف لم يشر هنا إلى المستخرجة كمصدر له عند ذكر قول ابن القاسم. وقد أثبتنا مصدر هذا القول اعتمادا على ما جاء عند ابن أبي زيد القيرواني. موسى [بن معاوية الصمادحي] عن ابن القاسم. وهذا الأخير من مصادر العتبية.
(٤) النوادر والزيادات، ١/ ٤٠ عن محمد بن مسلمة؛ وانظر أيضا البيان والتحصيل. ١/ ١٠٤، والاستذكار، ٢/ الرقم ١٢٥٣. محمد بن مسلمة المخزومي المدني، توفي سنة ٢١٦ هـ؛ انظر ترجمته في ترتيب المدارك ٣/ ١٣١، والديباج المذهب، ٢/ ١٥٦.
[ ٤١ ]
الأقل فما دونه وكان الممسوح الأكثر الثلثين [] أجزأ.
وروى أبو إسحاق البرقي عن أشهب (١): إن ترك مسح بعض الرأس لم يضره. وروى ذلك عن ابن عمر وصلاته مجزئة عنه.
وذكر أبو الفرج عن مالك قال: وصفة المسح بالرأس أن يبدأ الماسح بمقدمه حتى يأتي إلى مؤخره، ثم يرجع إلى حيث بدأ منه ماسحا كل ذلك أو أكثره.
قال: وقد اختلف متأخرو أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: إذا كان الممسوح أكثر الرأس أجزأ ترك سائره؛ وقال آخرون: إذا مسح الثلث (٢) فصاعدا أجزأه، وإن كان المتروك مسحه أكثر الرأس.
قال أبو الفرج (٣): وهو أشبه القولين عندي، وأولاهما من قبل أنه قد جعل الثلث فما فوقه من خير الكثير في غير موضع من كتبه.
في مسح الرأس ببلل اللحية
في المدونة (٤): قال ابن القاسم: لا يمسح رأسه ببلل اللحية. قال: وقال لي مالك: لا يجزئه أن يمسح بذلك البلل، ولكن يأخذ الماء لرأسه. وإن كان في صلاة ابتدأ صلاته بعد مسح رأسه. فإن كان ناسيا وخف وضوءه لم يكن عليه أن يغسل رجليه.
_________________
(١) البيان والتحصيل، ١/ ١٠٣ ونصه: «سئل عمن مسح مقدم رأسه مثل ما صنع ابن عمر، فقال: ما يدريك أن [ابن] عمر مسح مقدم رأسه، فقال: أرى أن يعيد الصلاة. قال أشهب: لا إعادة عليه ». وفي النوادر والزيادات، ١/ ٤٠: «وقال البرقي عن أشهب: لا يعيد، وقال: أما من مسح بعض رأسه فليعد». انظر أيضا الاستذكار، ٢/ الرقم ١٢٤٩.
(٢) قارن بما جاء في النوادر والزيادات، ١/ ١٧.
(٣) قارن بما جاء في النوادر والزيادات، ١/ ٤٠: «وقال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه. قاله بعض أصحاب مالك».
(٤) المدونة، ١/ ١٦.
[ ٤٢ ]
وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون (١) أنه قال: إذا نفد الماء عنه مسح رأسه ببلل لحيته. قال ابن حبيب. وقول ابن الماجشون أحب إلي (٢). (ق ١٠ ب) هل يجدد الماء لأذنيه؟
[] إن شاء جدد لهما الماء وإن شاء مسحهما بما مسح به [رأسـ]ـه.
وقال ابن حبيب (٣): من مسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه فهو كمن لم يمسحها.
فيمن نسي مسنون الوضوء حتى صلى ذكر ابن عبد الحكم (٤) قال: من نسي المضمضة والاستنشاق حتى صلى فلا إعادة عليه.
_________________
(١) الواضحة، ١٨٤ - ١٨٥ (ق ١٠ أ) ونصه: «وقد سألت ابن الماجشون عن الرجل ينسى المسح برأسه وفي لحيته بلل فأراد أن يمسح برأسه ببلل لحيته، فقال لي: إن كان الماء منه قريبا فلا يفعل وليأخذ الماء لرأسه وإن بعد عنه فلا بأس أن يفعل إذا كان بللا بينا قال عبد الملك: وقد قال ابن القاسم في مسح الرأس ببلة الرش ولم يقله في مسح الرأس ببلل اللحية، وقول ابن الماجشون فيه أحب إلي وأبين عندي». وفي الاستذكار، ٢/ رقم ١٢٧٣: «وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه قال: إذا نفد الماء عنه مسح رأسه ببلل لحيته، واختاره ابن حبيب». وانظر أيضا النوادر والزيادات، ١/ ٤٠.
(٢) أحب إلي: أثبته الناسخ في أدنى هامش هذه الصفحة.
(٣) كذا في النوادر والزيادات، ١/ ٤١. وفي الواضحة، ١٨٤ (ق ١٠ أ): «ومن جهل أو نسي فمسح أذنيه بالماء الذي أخذه لرأسه فهو كمن لم يمسح أذنيه فعليه أن يأخذ الماء لأذنيه لما يستقبل، ووضوءه تام وصلاته تامة إن كان صلى به».
(٤) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٤٢: «قال مالك في المختصر في من ترك المضمضة والاستنشاق، بأثر الوضوء، فليتمضمض، ويستنشق، ولا يعيد بعد ذلك، بخلاف ما ينسى من الفروض».
[ ٤٣ ]
وفي المستخرجة (١): ليحيى بن يحيى عن ابن القاسم أنه قال: أحب إلي أن يعيد في الوقت.
وقال ابن حبيب: العامد والناسي (٢) في ذلك سواء ولا إعادة عليه وصلاته مجزئة عنه.
وفي الموطأ (٣): سئل مالك عن رجل نسي أن يتمضمض أو يستنثر حتى صلى، قال: ليس عليه أن يعيد صلاته وليتمضمض ويستنثر لما يستقبل إن كان يريد أن يصلي.
فيمن نسي شيئا من مفروض الوضوء
قال ابن عبد الحكم: من نسي مسح رأسه أو غسل وجهه أو يديه أو رجليه فليغسل الذي نسي وحده بعينه ويعيد صلاته إن كان صلى.
وقال ابن القاسم في المدونة (٤): يغسل ذلك إذا ذكره فقط إذا كان قد جف وضوءه وتباعد.
وذكر ابن حبيب (٥) عن ابن الماجشون ومطرف أنهما قالا: لا يبتدئ
_________________
(١) البيان والتحصيل، ١/ ١٦٣: قال: « أما الناسي فلا شيء عليه، وأما العامد فأحب إلي أن يعيد ما كان صلى في الوقت ولا أرى ذلك واجبا عليه».
(٢) في الأصل: العامر والماشي. انظر صوابه في الواضحة، ١٨٠ (ق ٩ أ)، ونصه: «قال عبد الملك: من نسي أو جهل فنكس وضوءه ولم يتابعه على الفريضة مثل أن يغسل وجهه قبل أن يتمضمض أو يغسل ذراعيه قبل أن يغسل وجهه ويغسل رجليه قبل أن يمسح برأسه ثم صلى فصلاته مجزية لا إعادة عليه لا في وقت ولا في غيره». راجع أيضا: مواهب الجليل، ١/ ١٦٦ - ١٦٧؛ ٢٥٠؛ ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٣) الموطأ، رواية يحيى، ١/ ١٩، رقم ٤.
(٤) المدونة، ١/ ١٦.
(٥) انظر الواضحة، ١٨٢ (ق ٩ ب) ونصها: «وإن كان ما نسي من مفروض الوضوء وهو مما يغسل مثل الوجه أو الذراعين أو الرجلين فعليه ابتداء الوضوء ولا يجزيه أن يغسل من نسي فقط، وإن كان ما نسي مما يمسح مثل الرأس أو الخفين، فإنما يقضي ذلك =
[ ٤٤ ]
الوضوء إذا كان المنسي مغسولا، وإن كان ممسوحا كالرأس مسح رأسه فقط. (ق ١١ أ) [] من نسي من مفروض الوضوء شيئا حتى صلى أنه يعيد [ الصـ]ـلاة أبدا.
فيمن نكس وضوءه
في الموطأ (١): سئل مالك عن رجل نسي فغسل وجهه قبل أن يمضمض، أو غسل ذراعيه قبل أن يغسل وجهه، فقال: أما الذي غسل وجهه قبل أن يتمضمض فليمضمض، ولا يعد غسل وجهه، وأما الذي غسل ذراعيه قبل وجهه فليغسل وجهه، ثم ليعد غسل ذراعيه حتى يكون غسلهما بعد وجهه، إذا كان في مكانه وبحضرة ذلك.
فهذا يدلك على الترتيب عنده، لا يراعي في المسنون مع المفروض وإنما يراعي في المفروض بعضه قبل بعض.
وذكر ابن عبد الحكم قال: ومن قدم بعض وضوءه قبل بعض فإن كان ذلك في مجلسه أعاد ما أخره، ثم غسل ما بعده، وإن كان قد صلى فلا إعادة عليه، وإن كان الذي في المضمضة والاستنثار فليمضمض ويستنثر ولا يعيد وضوءه إن كان في مكانه.
وفي المدونة (٢): لابن القاسم عن مالك فيمن نكس و[ضوء] هـ: أحب إلي أن يعيد الوضوء ولا أدري ما وجوبه.
وفي المجموعة (٣): لعلي بن زياد عن مالك أنه قال: يعيد الوضوء
_________________
(١) = وحده وليس عليه أن يبتدئ له وضوءه وعليه في الوجهين جميعا في نسيان ما كان غسلا أو مسحا أن يعيد الصلاة في الوقت وبعده إن كان صلى قبل أن يذكر ما نسي؛ وهكذا أخبرني مطرف وابن الماجشون عن مالك في ذلك حين سألتهما عنه».
(٢) الموطأ، رواية يحيى، ١/ ٢٠، رقم ٧؛ الاستذكار، ٢، الرقم ١٣٨٤.
(٣) المدونة، ١/ ١٤.
(٤) انظر ما جاء في الإستذكار، ٢/ ٥٦، الرقم ١٣٨٤ في هذه المسألة برواية علي بن زياد.
[ ٤٥ ]
والصلاة، قال: ثم رجع فقال: لا إعادة عليه في الصلاة.
وقال ابن حبيب (١): إذا نكس وضوءه جاهلا أو عامدا وصلى فلا إعادة عليه في الصلاة.
وقال ابن حبيب: إذا نكس وضوءه جاهلا (ق ١١ ب) أو عامدا وصلى فلا إعادة عليه في الصلاة [كان ذلك من مـ]ـسنون الوضوء أو من مفروضه كان عالما بخطئه أو [جاهلا (؟)] به.
قال (٢): وأما النسيان في الوضوء فإن كان ناسيا فلا شيء عليه من تنكيس المسنون، وأما المفروض فعليه إعادة ذلك الشيء وما بعده مثل أن يقدم الرأس على الذراعين فإنه يعيد مسح الرأس وما بعد ذلك.
قال (٣): وقد قال ابن القاسم: إن كان بالحضرة أصلح وضوءه فأخر ما قدم وغسل ما بعده، وإن كان قد تطاول ذلك غسل ما نسي وحده.
قال ابن حبيب (٤): ولا يعجبني ذلك، لأنه إذا فعل ذلك فقد أخر من
_________________
(١) قال في لفظه في باب «العمل في النسيان في الوضوء» من الواضحة، ١٨٠ - ١٨١ (ق ٩ أ): «قال عبد الملك: من نسي أو جهل فنكس وضوءه لم يتابعه على الفريضة والسنة، مثل أن يغسل وجهه قبل أن يتمضمض، أو يغسل ذراعيه قبل أن يغسل وجهه، أو يغسل رجليه قبل أن يمسح رأسه، ثم صلى صلاته مجزية لا إعادة عليه لها لا في وقت ولا في غيره، غير أنه إن كان فعل ذلك متعمدا جاهلا بصوابه، أو عالما بخطئه فعليه ابتداء وضوءه لما كان يستقبل كان ذلك في مسنون الوضوء، أو في مفروضه». أنظر أيضا النوادر والزيادات، ١/ ٣٢.
(٢) الواضحة، ١٨١ (ق ٩ أ) قال بلفظه: «وليس عليه أن يبتدئه ولا يصلح منه شيئا لأنه صار في تقديمه ما قدم من مسنون الوضوء أو تأخيره كأنه كان نسيه ثم ذكره، فإنما يأخذ الماء به وحده وإذا كان تقديمه ما قدم من وضوءه أو تأخيره إنما وقع في مفروض الوضوء فلا بد له الخ».
(٣) الاستذكار، ٢، الرقم ١٣٨٥: عن ابن حبيب عن ابن القاسم.
(٤) الواضحة، ١٨٢ (ق ٩ ب): وفيها «قال عبد الملك: وهذا خطأ [] سل (؟) ما بعده لأنه إذا اقتصر على تقديم ما أخر أو تأخير ما قدم فقط، ولا يغسل ما بعده لا بد له من أن يكون قد تقدم من وضوءه ما ينبغي أن يكون بعد هذا». =
[ ٤٦ ]
الوضوء ما ينبغي أن يقدم؛ والصواب غسل ما بعده إلى تمام الوضوء.
قال: وكذلك قال لي مطرف وابن الماجشون.
في تفريق الوضوء
في المدونة (١): لابن القاسم عن مالك فيمن توضأ فعجزه الماء فقام لأخذه إن كان قريبا بنى، وإن تطاول ذلك وتباعد وجف وضوءه، ابتدأ الوضوء من أوله.
قال: وقال مالك فيمن نسي في غسله لمعة من بدنه حتى صلى، أنه إن كان عامدا لذلك ابتدأ غسله من أوله وأعاد صلاته، وإن كان ناسيا غسل الموضع وحده وأعاد صلاته، وإن لم يغسلها الناسي حين ذكر كان عليه أن يعيد الغسل من أوله.
وذكر عنه ابن عبد الحكم قال: [] يفرق الرجل وضوءه، وإن عجز الماء عنه فبعث من يأتيه به فلا بأس (ق ١٢ أ) أن []ـطل.
وذكر عنه أبو الفرج قال: يستحب له غسل الـ[] في مقام واحد، وإن فرق غسله أجزته طهارته إلا أن يكون تفريقا فاحشا يخرج به من أن يكون متتابعا لغسلها فلا يجزئه حينئذ، وعليه أن يستأنف طهارته مبتدأة.
ومن المجموعة (٢): روى علي بن زياد عن مالك فيمن أخر مسح خفيه في الوضوء فليمسحهما ويصلي ولا يخلع.
وقال ابن القاسم فيمن التصق بذراعيه شيء من عجين فلم يصل إلى ما
_________________
(١) = وانظر أيضا في النوادر والزيادات، ١/ ٣٣: قال ابن حبيب: «وبالأول أقول، وهو قول مطرف وابن الماجشون». وانظر الاستذكار ٢/ الرقم ١٣٨٦.
(٢) المدونة، ١/ ١٦.
(٣) النوادر والزيادات، ١/ ٤٣ بهذه الرواية عن علي بن زياد عن مالك من المجموعة لابن عبدوس.
[ ٤٧ ]
تحته الماء: عليه إعادة الوضوء والصلاة.
وقال ابن كنانة: إن كان يسيرا فلا يضره ذلك.
مسألة
وقال محمد بن عبد الحكم: ترك تفريق الوضوء عند مالك اختيار، ومن فرق وضوءه ناسيا عنده أجزأه.
قال: ولو كانت المتابعة من شرط صحة الوضوء وجب أن يكون تركها ناسيا يفسده، ولهذا ينكسر عليه بالتكلم في الصلاة ناسيا وبالإفطار في شهري التتابع ناسيا، لم يختـ[ـلفوا] في أنه لا يجوز المسح على العمامة، فإن مسح عليها أحد عامدا أو جاهلا.
فقال سحنون: يبتديء الوضوء من أوله.
وروى علي بن زياد عن مالك في المجموعة: إن فعل ذلك سهوا أو جاهلا فليمسح برأسه ويعيد الصلاة.
في الاستنجاء
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك (١): لا (ق ١٢ ب) يستنجى بعظم ولا بروث، ويستحب الحجارة.
[قال ابن القاسـ]ـم في المدونة عن مالك (٢): من تغوط واستنجى بالحـ[جارة، ثم توضأ] ولم يغسل ما هنالك بالماء أجزأه، وليغتسل بالماء لما يستقبل. وهو معنى ما ذكر ابن عبد الحكم سواء.
وذكر أبو الفرج عن مالك: فإن استجمر بشماله بثلاثة أحجار لا يجزئه ما دونها لا عظم فيها ولا روث للغائط والبول.
_________________
(١) في البيان والتحصيل، ١/ ٥٥: «سمعت مالكا يكره أن يستنجى بالعظم والروث».
(٢) المدونة ١/ ٨.
[ ٤٨ ]
قال ابن القاسم عن مالك في المدونة (١): إنما يغسل مخرج الأذى فقط من البول والغائط.
وقال عنه ابن عبد الحكم (٢): من استنجى فأصاب الأذى بغير المخرج أو ما لا بد له منه فليعد في الوقت، ولا يستنجي أحد بيمينه.
وفي المستخرجة (٣): لأشهب عن مالك أنه سئل عن الاستنجاء بالروث والحممة، فقال: ما سمعت فيه بنهي عام، فقيل له: أفترى به بأسا؟ قال: ما أراه. وكذلك ذكر ابن عبدوس (٤) عن مالك.
قال ابن حبيب (٥): كان مالك يكره الاستنجاء بالعظم والروث، ويستحب ما سوى ذلك (٦).
قال أصبغ (٧): ومن استجمر بعود أو فحم، وهي الحممة، أو بخرق أعاد الصلاة في الوقت، ووقته وقت الصلاة المفروضة.
وعن ابن نافع: إن ترك الاستنجاء بالعظم والروث استحبابا ا []ـما.
وقال محمد بن عبد الحكم: من استنجى بما نهي عنه فصلاته باطلة (٨) إن صلى قبل أن يغتسل أو يستنجي.
قال ابن حبيب (٩): (ق ١٣ أ) و[] بما نهي عنه أجزأه ورخصه
_________________
(١) المدونة، ١/ ٨.
(٢) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٢٥: قال في المختصر: لا يستنجي بيمينه.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ١١٠ وفيه: «وسألته عن الاستنجاء بالعظم والحممة، فقال.» الخ.
(٤) انظر النوادر والزيادات ١/ ٢٣ وفيها: «قال في المجموعة في الروث والحممة: ما سمعت فيه بنهي عام، وقد سمعت ما يقال: وأما في علمي فما أرى به بأسا».
(٥) الواضحة، ٢٢٦ (٢٣ ب)، وكذا عند ابن عبد البر.
(٦) في الواضحة، ص ٢٢٦ (ق ٢٣ ت): يستخف ما سوى ذلك. كذا أيضا في مواهب الجليل، ١/ ٢٨٨.
(٧) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٢٣ - ٢٤.
(٨) في الأصل: باطل، وهو خطأ بين.
(٩) نص المسألة في الواضحة، ٢٢٦ (ق ٢٣ ب): «ومن جهل فاستنجى بما نهي عنه أو =
[ ٤٩ ]
فيما فعل. قال: وكذلك إذا [استنـ]ـجى بحجر واحد فقد أساء، ولا إعادة عليه لصلاته إذا بالغ ولم يعد المخرج، فإن أصاب شيئا من ذلك غير المخرج وما قارب ذلك كان عليه أن يغسله بالماء ويعيد الصلاة. قال: وهو قول مالك.
قال ابن حبيب: وقد ترك مالك الاستنجاء بغير الماء ورجع إلى الماء، فلسنا نجيز الاستنجاء بغير الماء إلا لمن لم يجد الماء، لأن من مضى كانوا يبعرون، والناس اليوم يثلطون (١).
وفي المستخرجة (٢): لأبي زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم: سألت مالكا عن من استنجى بالحجارة، ثم توضأ وصلى عليه الإعادة، فقال: لا إعادة عليه في وقت ولا غيره.
قال: وقد كان بعض الناس يقول: إن عدا المخرج؛ فسألت مالكا عنها فلم يذكر عدا المخرج ولا غيره، وقال: فإن قال قائل: إن الناس كانوا يبعرون فيما مضى، فالحجة عليه أن يقال له البول منا ومنهم واحد، وقد كانوا يستنجون في البول وغيره بالحجارة.
وقال محمد بن عبد الحكم: من استنجى بما نهي عنه لم يجزه، وإن صلى فصلاته باطلة (٣).
_________________
(١) = استنجى بأقل من ثلاثة أحجار وإن لم يستنح إلا بحجر فقد أساء ولا إعادة عليه لصلاته إذا بالغ ولم يعد ذلك المخرج، فإن كان أصاب شيئا من ذلك غير المخرج مما قارب ذلك لم يجز غير الماء، وكان عليه أن يغسل ذلك بالماء ويعيد الصلاة، وكذلك قال مالك. قال عبد الملك وقد ترك الاستنجاء بغير الماء ورجع الأمر والعمل إلى الماء، فلسنا نحب الاستنجاء بالحجارة اليوم إلا لمن لم يجد الماء، فأما من وجد الماء فلا نحب ذلك له ولا نبيح الطهر به » الخ.
(٢) يروي ابن حبيب في الواضحة، ٢٢٧ (ق ٢٣ ب) عن الحزامي عن الواقدي أن علي بن أبي طالب قال: إن من مضى كانوا يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا []. سقط الباقي من نسخة القرويين.
(٣) البيان والتحصيل ١/ ٢١١ - ٢١٠.
(٤) في الأصل: باطل.
[ ٥٠ ]
وقال الأبهري: الاستنجاء عند مالك واجب بالسنة.
قال: والحجارة وكل ما كان في معناها من المدر والخرق والخشب، وكل الإنزال به الأذى من الشيء الطاهر، فجائز الاستنجاء به، إلا أن يكون من المأكول، فلا يجوز الاستنجاء به.
قال: وإن استنجى (ق ١٣ ب) بعظم أو روث أو بشيء من الأنجاس أو بيمينه أو شيء [] فقد أساء، ولا شيء عليه، وأجزأه إذا أنقى ما هنالك؛ قـ[ـال: ما أ] عرف هذا عن مالك وأصحابه نصا، ولكن أقوله على ما يوجبه أصل مالك.
قال: فأما عدد ما يستنجى به فلست أعرف عن مالك فيه نصا، هل يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى، والذي أدركت شيوخنا يقولون إنه يجوز أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى، إلا أبا الفرج المالكي، فإنه قال في الكتاب الحاوي (١): لا يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار. قال: والذي عنده أنه إذا أنقى بحجر أو حجرين أجزأه. في الشك في الحدث في المدونة (٢): لابن القاسم: قال مالك فيمن توضأ فشك في الحدث فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا، إنه يعيد وضوءه [بمنز] لة من شك في صلاته
_________________
(١) هو أبو الفرج، عمر بن محمد بن عمرو الليثي البغدادي (ت ٣٣١ هـ)؛ صحب إسماعيل ابن إسحاق القاضي وتفقه عليه وغيره من المالكيين. ولي القضاء في الثغور. وله الكتاب المعروف بالحاوي في الفقه وكتاب اللمع في أصول الفقه. انظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٥/ ٢٢ والديباج المذهب، ٢/ ١٢٧. هذا ويذكر ابن أبي زيد القيرواني كتاب الحاوي في «الرسالة في طلب العلم»، وهي محفوظة ضمن كتابه الذب عن مذهب مالك بن أنس (مخطوط Chester Beatty، رقم ٤٧٥؛، ق ١٠٧ ب) قائلا: والكتاب الحاوي لأبي الفرج إن كسبته، ففيه فوائد.
(٢) المدونة ١/ ١٣ - ١٤.
[ ٥١ ]
فلم يدر (١) أثلاثا صلى أم أربعا، فإنه يلغي الشك.
قال: وقال مالك فيمن شك في بعض وضوءه يعرض له هذا كثيرا، قال: يمضي ولا شيء عليه، وهو بمنزل الصلاة.
وفي المجموعة (٢): لابن نافع عن مالك فيمن وجد بللا في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يوقن به فينصرف، وإنما يتمادى المستنكح.
قال ابن نافع: قال مالك: من وجد بللا بعد أن تنظف فلم يدر من الماء هو أم من البول، فأرجو أن لا شيء عليه، وما سمعت بمن أعاد الوضوء من مثل.
(ق ١٤ أ) [وفي الـ[ـموطأ (٣) قال مالك: من وجد بللا ما في ثوب يبيت فيه و[] إنما يعيد من أحدث نوم نامه كما صنع عمر (٤).
وقال ابن حبيب (٥): بل يعيد من أول نوم نامه.
في الجنب يغتسل في الماء الراكد
في المدونة (٦): لمالك أنه كره له ذلك وإن غسل ما به من الأذى.
وقال ابن القاسم (٧): إن كان الماء كثيرا فلا بأس أن يغتسل فيه، وإن لم يغسل الأذى عن نفسه، وإن كان الماء قليلا غسل الأذى عنه فلا بأس به.
وذكر ابن عبد الحكم (٨) قال: ولا يغتسل الجنب في الماء المعين ولا
_________________
(١) في الأصل: لم يدري. وهو خطأ.
(٢) انظر النوادر والزيادات ١/ ٥١.
(٣) انظر الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ١/ ٥٠.
(٤) راجع عمل عمر بن الخطاب بالاستذكار، ٣/ ١١٠ - ١١١.
(٥) الاستذكار، ٣/ ١١٩، رقم ٣٠١٤: الوضوء عليه واجب ويقول في هذه المسألة: يلزمه أن يعيد ما صلى من أول نوم نامه في ذلك الثوب إذا كان عليه، لا يلبس معه غيره.
(٦) المدونة، ١/ ٢٧.
(٧) قارن بالنص الذي في البيان والتحصيل، ١/ ١٦٣ رواية ابن القاسم.
(٨) النوادر والزيادات، ١/ ٦٨، من المختصر. أما الجملة في آخر المسألة: «التي تكون بين =
[ ٥٢ ]
الماء الدائم لا بركة ولا بئر، إلا أن يكون مثل البرك العظام التي تكون بين مكة والمدينة، فلا بأس بذلك.
في المرأة تطهر من حيضتها في السفر حيث لا ماء
هل لزوجها وطئها بالتيمم
في المدونة (١): قال مالك: لا يطأ المسافر امرأته ولا جاريته إلا ومعه ماء.
وقال في موضع آخر: لا يجوز له أن يمسها إلا أن يكون معـ[ـهما مـ]ـن الماء ما يتطهران به جميعا.
قال سحنون: لا يجوز له أن يطأها إلا أن يكون معهما من الماء ما تغتسل به المرأة غسلين (ق ١٤ ب) اثنين، وما يغتسل به الرجل غسلا واحدا لأنـ[ـه لا يجوز] له أن يمس امرأته إذا طهرت من الحيضة حتى تتـ[ـطهر بمـ]ـاء، وطهارة التيمم منتقضة عند أول تلاقيهما فيصير باقي الوطء في حائض لم تتطهر بالماء.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يطأها وإن لم يكن معها ماء، لأن فرضها التيمم عند عدم الماء.
في غسل اليد بالنخالة
ذكر العتبي (٢) عن سحنون أنه كرهه، وذكر عن ابن نافع أنه لا بأس به. وذكر ابن عبد الحكم (٣) عن ابن وهب قال: سئل مالك عن الدقيق يغسل
_________________
(١) = مكة والمدينة، فلا بأس بذلك»، فقد سقطت من النوادر والزيادات؛ وقد يكون ابن أبي زيد اختصرها من المختضر. أو ليست من رواية ابن عبد الحكم أصلا، بل من زيادات ابن عبد البر في هذا الموضع.
(٢) المدونة، ١/ ٣١.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ١٣١: وروى محمد بن خالد عن ابن نافع أنه لا بأس بالوضوء بالنخالة؛ راجع أيضا البيان والتحصيل، ٦/ ١٧٣.
(٤) انظر المختضر لابن عبد الحكم، نسخة مكتبة القرويين، رقم ٨١٠، كتاب الجامع =
[ ٥٣ ]
به اليد، فقال: غيره أعجب إلي، فإن فعله لم أر به بأسا.
قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول في الجلبان والفول وما أشبهه من الطعام: لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في الحمام.
في الزوجة الكتابية هل تجبر على الغسل من الحيضة
في المدونة (١): لابن القاسم عن مالك يجبرها على الاغتسال ليجد الـ[ـسـ]ـبيل إلى ما يجب له من الوطء.
وفي المستخرجة (٢): لعيسى عن ابن القاسم مثله: يجبرها.
ولأشهب عن مالك أنه لا يجبرها.
وبه قال محمد بن عبد الحكم: والنصرانية لا يجبرها على الغسل من الجنابة.
في غروب النية عند الغسل من الجنابة
لعيسى (٣) عن ابن القاسم (٤) في الرجل يدخل الحمام للغسل من الجنابة ويـ[ـتـ]ـطهر (ق ١٥ أ) [ خـ (؟)]ـروج ناسيا للجنابة، أن ذلك يجزئه؛
_________________
(١) = وبنفس اللفظ؛ ورواه ابن شاس في كتابه الجواهر الثمينة، كتاب الجامع، ٦/ ١٣٩٧. تحقيق حميد لحمر. وقال الشيخ الأبهري في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم: «وإنما قال ذلك لأن فعل هذا مباح لأن فيه صلاحا ومنفعة للإنسان». انظر أيضا البيان والتحصيل، ١/ ١٣١ والجامع لابن أبي زيد القيرواني، ص ٢٥٠.
(٢) المدونة، ١/ ٣٢ خلاف ذلك.
(٣) قارن بما جاء في البيان والتحصيل، ١/ ١٢١؛ وفي النوادر والزيادات، ١/ ٦١: «قال أشهب عن مالك: لا يكره المسلم امرأته النصرانية على الغسل من الحيضة، وبه قال محمد بن عبد الحكم».
(٤) هو عيسى بن دينار، أبو محمد توفي سنة ٢١٢ هـ؛ من أهل قرطبة، سمع من ابن القاسم في رحلته. وسماعه من ابن القاسم عشرون كتابا، وألف كتابا يسمى بكتاب الهدية. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، ٤/ ١٠٥ - ١١٠، وابن الفرضي، رقم ٩٧٣.
(٥) البيان والتحصيل، ١/ ١٤١.
[ ٥٤ ]
وهو على أصل [مالك (؟)] (١).
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجزئه ذلك الغسل إلا أن ينوي به الجنابة في حين التطهر. وقال عيسى عن ابن القاسم (٢) فيمن أمر أن يصب له الماء ليغتسل من الجنابة، فنسي أو ذهب إلى النهر أو البحر فنسي عند التطهر جنابته، إن ذلك يجزئه.
وقال سحنون (٣): يجزيء الذي ذهب إلى البحر أو النهر، ولا يجزئ الذي ذهب إلى الحمام.
في الحائض تغتسل للجنابة ولا تذكر الحيض
قال ابن القاسم عن مالك: يكفيها غسل واحد عنهما جميعا إذا طهرت من الحيض، فلا غسل حتى تطهر من حيضتها.
وقال ابن سحنون عن أبيه: إن طهرت للحيضة ولم تذكر الجنابة أجزأها، وإن طهرت للجنابة ولم تذكر الحيض لم يجزئها.
وقال غيره: يجزئها لأنه فرض ينوب عن فرض.
في الجنب يغتسل للجمعة ولا يذكر الجنابة
في المدونة (٤): لابن القاسم عن مالك في الرجل يغتسل للجمعة وهو جنب، ولم ينو بغسل الجمعة الجنابة، أن ذلك لا يجزئه من غسل الجنابة.
_________________
(١) انظر هذه العبارة في ص ٦٢.
(٢) قارن بما جاء في ذلك بالبيان والتحصيل، ١/ ١٤١ من سماع عيسى عن ابن القاسم. وانظر أيضا النوادر والزيادات، ١/ ٤٦.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ١٤١: «قال محمد بن رشد: قد روي عن سحنون أن ذلك يجزئه في النهر ولا يجزئه في الحمام».
(٤) المدونة، ١/ ٣٢.
[ ٥٥ ]
وقال ابن عبد الحكم: ولا يجزئ الجنب (ق ١٥ ب) إلا غسل ينوي به الجنابة، وإن اغتسل تبردا لم يجزئه.
[قال ا] بن حبيب (١): إن ابن عبد الحكم وأصبغ كانا يقولان: بقول [مالك أن] الجنب يغتسل للجمعة ولا ينوي الجنابة، أن ذلك لا يجزئه (٢).
وذكر (٣) أن مطرفا وابن الماجشون وابن كنانة وابن نافع وابن وهب وأشهب كانوا يقولون: إن غسل الجمعة يجزئ من غسل الجنابة، وإنهم كلهم رووا ذلك عن مالك (٤).
قال ابن حبيب: ولم يختلف مالك ولا من علمت من أصحابه أنه من اغتسل لجنابته وهو ناس لجمعته أن ذلك يجزئه عن غسل الجمعة، لأن الجمعة لا يكون أمرها إلا بنية.
واختاره ابن حبيب وقاسه على الوضوء لمس المصحف والجنابة والنوم.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: غسل الجنابة يغني عن غسل الجمعة، ولا يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة.
وقال الأبهري: إذا لم يجز غسل الجمعة عن غسل الجنابة من قبل أن غسل الجنابة مفترض، وغسل الجمعة مندوب إليه ليس بفرض.
قال: وليس الوضوء للجنازة، وللقراءة في المصحف كذلك، لأنه تصح الجمعة من غير أن يغتسل لها، ولا تصح الصلاة على الجنائز ولا القراءة في المصحف إلا بوضوء فلم يشبها غسل الجمعة.
_________________
(١) انظر ما روى ابن حبيب في هذه المسألة في النوادر والزيادات، ١/ ٤٧ مفصلا.
(٢) انظر الاستذكار، ٣/ الرقم ٢٧٥٨.
(٣) وذكر: أي: وذكر ابن حبيب في الواضحة أو في السماع.
(٤) انظر الاستذكار، ٣/ الرقم ٢٧٥٨: وفيه: « إلا ما ذكره محمد بن عبد الحكم وأبو إسحاق البرقي عن أشهب أنه قال: يجزئه غسل الجنابة من غسل الجمعة».
[ ٥٦ ]
فيمن وطأ فلم ينزل واغتسل لمجاوزة الختان (ق ١٦ أ)
[ثـ]ـم ينزل بعد الغسل والصلاة
في [المستـ]ـخرجة (١): لابن دينار عن ابن القاسم أنه يتوضأ ولا غسل عليه.
ولابن سحنون عن أشهب مثله وقال: إنما ذلك الإنزال بمنزلة البول.
وذكر ابن سحنون (٢) عن أبيه أنه يعيد الغسل ثانية.
قال سحنون: وقد قال بعض أصحابنا أنه إن صلى أعاد الغسل والصلاة.
وقال آخرون: يعيد الغسل ولا يعيد الصلاة.
وقد أخبرني علي بن زياد عن مالك (٣) أنه سئل عن رجل لاعب امرأته وجد اللذة ولم يخرج منه المني، ثم توضأ وصلى، وخرج منه المني، أنه يغتسل ويعيد الصلاة.
وقاله أصبغ (٤): إن الماء قد زايل موضعه.
وقال ابن المواز (٥): يغتسل ويعيد الصلاة، لأنه إنما صار جنبا بخروج الماء.
وسئل سحنون أو ابنه عن خياطين تسابقا في خياطة فسبق أحدهما الآخر، فأمنى، فقال: عليه الغسل.
_________________
(١) البيان والتحصيل، ١/ ١٦٠؛ وانظر أيضا النوادر والزيادات، ١/ ٦٦.
(٢) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٦٧: وقاله سحنون في كتاب ابنه؛ (في النسخة المحققة: «في كتاب أبيه» وهو خطأ مطبعي).
(٣) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٦٧: «وكذلك روى علي بن زياد عن مالك في المجموعة ».
(٤) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٦٧ من المجموعة لابن عبدوس.
(٥) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٦٧؛ وفيها: «وقال ابن المواز: يغتسل، ولا [كذا!] يعيد الصلاة » الخ؛ مع إثبات لام النفي الساقطة في نص ابن عبد البر.
[ ٥٧ ]
قال علي (١): وقال مالك: من اغتسل من جنابة ثم خرج منه بقية مني وقد بال أو لم يبل فليغسل ذلك وليتوضأ.
قال عنه ابن القاسم: ويعيد الصلاة.
ومن كتاب ابن سحنون: ومن لدغ أو ضرب بسيف فأمنى فلا غسل عليه، وإنما ذلك على من خرج منه الماء للذة.
وقال فيمن به حكة فينزل في الحوض ويحتك فيمني أنه عليه الغسل.
ولابن وهب في موطأه عن مالك في (ق ١٦ ب) الرجل ينزل فيغتسل، ثم يخرج بقية مائه من احـ[ـليله ] الغسل أنه ليس عليه إلا الوضوء. وذكر مثله [عـ]ـن ابن شهاب.
وقال ابن عبد الحكم (٢): من خرج منه ماء بعد غسله فعليه الوضوء ولا غسل عليه.
في الوضوء في المسجد
في المستخرجة (٣): لموسى (٤) عن ابن القاسم أنه استخفه وقال: لا بأس به.
_________________
(١) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٦٧ من المجموعة.
(٢) في النوادر والزيادات، ١/ ٦٧: ومن المختصر قال: من خرج منه الماء بعد غسله فليس عليه إلا الوضوء.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ١٩٥.
(٤) هو موسى بن معاوية الصمادحي، أبو جعفر (ت ٢٢٥ هـ)؛ رحل من إفريقية في طلب العلم، وانصرف إلى القيروان سنة ١٨٩ هـ. وله من الكتب: كتاب الزهد وكتاب المواعظ، مسائل من ابن القاسم العتقي. روى موطأ مالك بن أنس برواية علي بن زياد التونسي بالقيروان. انظر ترجمته في تراجم أغلبية مستخرجة من مدارك القاضي عياض (تحقيق: محمد الطالبي. تونس ١٩٦٨)، ص ١٤١، ورياض النفوس، ١/ ٣٧٦، ومعالم الإيمان، ٢/ ٥١، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ١٠٨.
[ ٥٨ ]
وكرهه سحنون (١) وقال: لا يجوز.
في التدلك في الغسل من الجنابة
قال ابن القاسم عن مالك: لا يجزئه إلا أن يتدلك، وإن لم يقدر على ذلك أمر من يفعل ذلك به؛ وأكثر أصحاب مالك على ذلك.
وقد روي عن مروان بن محمد الطاطاري (٢) عن مالك أنه لم ير على من اغتسل ولم يتدلك من الجنابة وصلى إعادة وضوء ولا غسل.
وقال أبو الفرج القاضي: إن انغمس في الماء من هو جنب، فعم جسده كله بذلك ولم يتدلك أجزى عنه.
وأضاف ذلك إلى مالك، وبه قال محمد بن عبد الحكم.
وحكى ابن زرب (٣) في الخصال أنه قد قيل ذلك عن مالك.
فيمن مس ذكره ناسيا
في المدونة (٤): لابن القاسم (ق ١٧ أ) [] إن مسه بباطن كفه
_________________
(١) البيان والتحصيل؛ ١/ ١٩٥.
(٢) في الأصل: الطاهري وهو خطأ. هو مروان محمد بن حسان الدمشقي الأسدي الطاطاري، أبو عبد الرحمان، ويقال أبو بكر، ويقال أبو حفص، توفي سنة ٢١٠. صحب مالك بن أنس وروى عنه مسائل، ونسب إلى الإرجاء. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٩/ ٥١٠؛ وتهذيب التهذيب لابن حجر، ١٠/ ٩٥؛ والمزي ٢٧/ ٣٩٨؛ وترتيب المدارك، ٣/ ٢٢٥.
(٣) هو القاضي أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب بن يزيد بن مسلمة القرطبي من أحفظ أهل زمانه وأفقههم في مذهب مالك وأصحابه. له كتاب الخصال في الفقه على مذهب مالك. توفي سنة ٣٨١. انظر ترجمته في ترتيب المدارك، ٧/ ١١٤؛ وابن الفرضي الرقم ١٣٦١؛ والديباج المذهب، ٢/ ٢٣٠. وروي كثير من مسائله ونوازله في الأحكام الكبرى لعيسى بن سهل، أبي الأصبغ وبعده في المعيار المعرب للونشريسي.
(٤) المدونة، ١/ ٨؛ قارن بما جاء في البيان والتحصيل، ١/ ١٢٧.
[ ٥٩ ]
انتقض وضوءه وإن مسه بظاهر الـ[ـكف] أو الذراع لم ينتقض وضوءه.
ولأشهب عن مالك مثل ذلك، ولم يفرق ما بين الناسي والعامد.
وفي المستخرجة (١): لعيسى عن ابن وهب عن مالك أنه يجب الوضوء على من مس ذكره ناسيا.
وقال ابن وهب: لا وضوء عليه إذا مسه ناسيا.
وقال ابن عبد الحكم: لا وضوء على من مس فرجه بعقبه ولا ذراعه ولا ظاهر كفه.
وقال ابن حبيب: الوضوء واجب على من مس ذكره ناسيا أو عامدا على ظاهر الحديث (٢)، لأنه لم يقل فيه عامدا ولا ناسيا.
وذهب إسماعيل وأبو الفرج والأبهري وسائر المالكيين البغدادين (٣) إلى أن من مس ذكره فوجد شهوة ولذة انتقض وضوءه مع الحائل وغير الحائل قياسا على من مس النساء، ويعيد منه في الوقت وبعده إن صلى قبل أن يتوضأ من ذلك.
متى يعيد من مس ذكره وصلى قبل أن يتوضأ
في المستخرحة (٤): لأشهب عن مالك أنه قال: لا آمره بإعادة، ثم رجع، فقال: يعيد في الوقت.
وقال فيها سحنون: لا إعادة عليه، وذكر أن ابن القاسم كان يضعف الإعادة.
_________________
(١) البيان والتحصيل، ١/ ١٦٢؛ وقارن بما جاء في تعليق أبي الوليد بن رشد بنفس المصدر، ١/ ٧٧ - ٧٨.
(٢) يقصد بذلك قول ابن عمر أنه كان يقول: إذا مس أحدكم ذكره فقد وجب عليه الوضوء؛ وقول عروة بن الزبير برواية هشام بن عروة بمعناه: الموطأ، رواية يحيى ١/ ٤٢ - ٤٣؛ وانظر ما جاء في الاستذكار ٣/ ص ٣٢ - ٣٦. وانظر أيضا المعجم المفهرس، ٦/ ٢٠٧.
(٣) قارن بما جاء في الاستذكار، ٣/ الرقم ٢٥٦٩.
(٤) انظر البيان والتحصيل، ١/ ٤٥٣.
[ ٦٠ ]
ولسحنون أيضا في المستخرجة (١) عن ابن القاسم روايتان، إحداهما: لا إعادة عليه في وقت ولا غيره، ولكنه يعيد وضوءه (ق ١٧ ب) لما يستقبل؛ والأخرى: يعيد صلاته في الوقت.
وقال [ابن نا] فع وأصبغ وعيسى بن دينار: يعيد في الوقت وبعده، وذكـ[ـره ابن مـ]ـزين عنهم.
وقال ابن حبيب (٢): اختلف قول مالك فيمن مس ذكره وصلى ولم يتوضأ، فروى المدنيون عنه: ألا إعادة عليه في الوقت وبعده، واحتجوا أن مالكا روى عن نافع عن ابن عمر أنه أعاد من ذلك صلاة الصبح بعد طلوع الشمس؛ وروى عنه المصريون أنه استخف إعادة الصلاة من ذلك إلا في الوقت.
قال: ورأيت أصبغ أخذ برواية المدنيين وأحب ما فيه إلي أن يعيد في الوقت وبعده إن مسه عامدا، وإن كان إنما خطرت يده عليه غير متعمد بجسه أعاد في الوقت (٣).
في مس المرأة فرجها
في المدونة (٤): لابن القاسم أنه بلغه عن مالك أن لا وضوء عليها.
وقال ابن عبد الحكم (٥): يستحب للمرأة أن تتوضأ من مس فرجها.
_________________
(١) انظر البيان والتحصيل، ١/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) الواضحة، ١٩١ (ق ٦٢ أ)، ونصه: «قال عبد الملك: ومن ترك الوضوء من مس الذكر حتى صلى فقد اختلف فيه قول مالك، وروى المدنيون عنه أنه قال: عليه الإعادة في الوقت وبعده » إلخ.
(٣) انظر خلاف ذلك في النوادر والزيادات، ١/ ٥٤: وقال عيسى عن ابن وهب: وإذا خطرت يده على الذكر من غير تعمد فلا وضوء عليه. قال: ومالك يرى عليه الوضوء.
(٤) المدونة، ١/ ٩، وأنظر النوادر والزيادات ١/ ٥٥.
(٥) النوادر والزيادات، ١/ ٥٥، من المختصر لابن عبد الحكم.
[ ٦١ ]
وروى ابن حبيب (١) عن أصبغ عن ابن وهب عن مالك أن عليها الوضوء.
قال ابن حبيب: إلا أنها عندي أخف من الرجل؛ قال ابن حبيب: وهي عندي مثل الرجل.
قال أبو عمر: الحجة في ذلك حديث بسرة (٢) عن النبي (ص): من مس فرجه فليتوضأ.
وروى علي بن زياد عن مالك في المرأة تمس فرجها أن الوضوء واجب عليها.
وروى محمد بن عبد الحكم عن أشهب: إذا ألطفت فلتتوضأ، (ق ١٨ أ) ير [يد بـ] ألطفت قال: تدخل أصابعها في فرجها؛ قال محمد و[قال ما] لك: إذا ألطفت فأحب إلي أن تتوضأ. وقيل: معنى ألطفت: التذت.
_________________
(١) الواضحة ١٩٢ (ق ١٢ ب) ونصه: «وأخبرني أصبغ بن الفرج عن ابن وهب أنه سمع مالكا يرى ذلك ويستحسنه إلا أنها عنده في ذلك أخف من الرجل. قال عبد الملك: وما هي في ذلك إلا كالرجل لأن رسول الله (ص) أمرها بذلك كما أمر الرجل». هذا، ويقصد ابن حبيب بهذا الإشارة إلى ما جاء قبل ذلك في الواضحة ونصه: «حدثني أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن إبراهيم بن نشيط عن خالد بن يزيد أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق إذا مست إحدانا فرجها، أعليها الوضوء، فقال لها رسول الله (ص) نعم، فلتتوضأ».
(٢) هي بسرة بنت صفوان عن رسول الله (ص): «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ». انظر الموطأ، رواية يحيى، ١/ ٤٢؛ ورواية أبي مصعب، ١/ الرقم ١١١، ورواية القعنبي، الرقم ٦١، ورواية الحدثاني، الرقم ٤٨؛ أنظر أيضا: مسند الموطأ للجوهري، الرقم ٤٩٥، والنسائي ١/ ٢١٦؛ وابن ماجه ١/ رقم ٤٧٩؛ والدارمي ١/ ١٩٩ - ٢٠٠ عن بسرة بنت صفوان؛ وابن حنبل ٦/ ٤٠٦ في مسند بسرة بنت صفوان؛ وابن ماجه ١/ رقم ٤٨١: عن أم حبيبة عن رسول الله (ص) من مس فرجه فليتوضأ؛ الطبقات الكبرى لابن سعد، ٨/ ١٧٩: روت بسرة بنت صفوان عن رسول الله (ص) حديثا في مس الذكر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلجان، ٣/ الرقم ١١١٤ - ١١١٦. راجع هذه الروايات بالاستذكار ٣/ ٢٦ - ٣٦. وهكذا في الواضحة، ١٨٩ (ق ١١ ب) عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: «من مس ذكره فليتوضأ».
[ ٦٢ ]
قال ابن سحنون عن أبيه (١): لا وضوء عليها في مس فرجها، وأنكر رواية علي بن زياد عن مالك أن عليها الوضوء (٢).
في القبلة
ذكر ابن حبيب (٣) عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم: من قبل امرأته للذة انتقض وضوءه، وإن استغفلته فقبلته ولم تلتذ بذلك، فلا وضوء عليه.
قال: وقال أصبغ (٤): الوضوء على من قبل امرأته وعلى من قبلته امرأته، وإن استكره واستغفل، للآثار (٥) التي جاءت أن الوضوء من القبلة مجملا.
وذكر محمد بن سحنون عن أبيه: من قبل امرأته لشهوة أو مس ذكره وصلى قبل أن يتوضأ أنه يعيد صلاته ما لم يطل ذلك جدا، فإن طال ذلك وجاوز اليوم واليومين لم أر أن يعيد.
وروى عيسى عن ابن القاسم (٦) فيمن قبل لشهوة وصلى قبل أن يتوضأ أنه يعيد أبدا.
وفي المدونة (٧): لابن القاسم فيمن قبلته امراته على غير فيه، على جبهته أو ظهره أو يده أن ذلك من الملامسة، إن التذ الرجل أو أنعظ فعليه الوضوء، وإن لم يلتذ فلا شيء عليه؛ وكذلك هو أيضا إن قبلها أو لمسها على غير الفم
_________________
(١) النوادر والزيادات، ١/ ٥٥ من كتاب ابن سحنون قال سحنون.
(٢) انظر ذلك في المدونة، ١/ ٩: «قال وبلغني أن مالكا قال في مس المرأة فرجها أنه لا وضوء عليها».
(٣) قارن بما جاء في الواضحة، ١٨٦ (ق ١٠ ب)؛ والنوادر والزيادات، ١/ ٥٢.
(٤) قارن بما جاء في النوادر والزيادات ١/ ٥٢ من قول أصبغ بن الفرج. وانظر أيضا البيان والتحصيل، ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٥) انظر الآثار المشار إليها، عند ابن حبيب في الاستذكار، ٣/ ٤٤ - ٥٧.
(٦) انظر النوادر والزيادات، ١/ ٥٦.
(٧) المدونة ١/ ١٣.
[ ٦٣ ]
فالتذت هي لذلك، فعليها الوضوء، وإن لم تلتذ لذلك ولم تشته فلا وضوء عليها.
فيمن مس امرأته من فوق الثوب دون حائل والتذ
(ق ١٨ ب) فلا خلاف عن مالك وأصحابه في ذلك، وكذلك عنـ[ـد ابن حبيـ]ـب، وجمهور الروايات التي عليها يناظر البغداديون أن [] اللذة فوق الثوب ودون الثوب، ولا يراعون الحائل مع القصد إلى اللذة.
ووجودها في المدونة (١) عن مالك قال: إذا مست المرأة الرجل للذة فعليها الوضوء، وكذلك إذا مسها الرجل بيده للذة فعليه الوضوء، وإن مسته لمرض أو نحوه لغير شهوة فلا وضوء عليها.
وفي المستخرجة (٢): لمالك في مس المرأة فوق الثياب مثل ذلك.
وذكر العتبي (٣) عن سحنون قال: كان علي بن زياد يروي عن مالك أنه إن كان الثوب كثيفا ولا يصل إلى جسدها فلا وضوء عليه، وإن كان خفيفا يصل إلى جسدها فعليه الوضوء.
وقال ابن حبيب (٤) في الملامسة: يجب عليها الوضوء، وإن كان عليهما ثيابهما إذا التذا.
وذكر ابن سحنون عن أبيه فيمن قبل امرأته لشهوة وصلى قبل أن يتوضأ أنه يعيد أبدا ما لم يطل، وكذلك صلاتين بتيمم واحد يعيد الثانية ما لم يطل، فإذا جاوز اليوم أو اليومين وأكثر لم يعد.
روى عيسى عن ابن القاسم في القبلة أنه يعيد أبدا.
_________________
(١) المدونة، ١/ ١٣.
(٢) انظر البيان والتحصيل، ١/ ٧٥.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ١٧٢ في تعليق أبي الوليد بن رشد؛ وانظر أيضا ١/ ٧٥.
(٤) الواضحة، ١٨٦ (ق ١٠ ب) ونصه: «إذا لامست المرأة زوجها ففعلت هي به شيئا من هذا فعليهما جميعا الوضوء».
[ ٦٤ ]
في الدود تخرج من الدبر والدم
قال ابن عبد الحكم (١): من خرج من دبره دود أو دم فلا وضوء عليه.
وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في المدونة (٢).
وقال سحنون (٣): من (ق ١٩ أ) خر [ج من] دبره دود فعليه الوضوء لأنه لا يسلم من بلة.
قال يحيى بن [عمر] (٤): وكذلك كان يقول محمد بن عبد الحكم.
وروى ابن وهب في موطأه عن مالك فيمن خرج من دبره دم أنه لا وضوء عليه.
في المسح على الخفين
ذكر أبو بكر (٥) الأبهري قال: اختلف قول مالك في المسح على الخفين، فذكر عنه ابن عبد الحكم وغيره أنه [يـ]ـمسح المقيم والمسافر من غير توقيت.
قال: وهذا القول المشهور عنه الصحيح، قاله في الموطأ (٦) ونقله عنه أكثر أصحابه؛ وقد قال: أنه يمسح المسافر، ولا يمسح الحاضر.
وروى عنه ابن وهب في سماعه (٧) وابن القاسم في الأسدية.
_________________
(١) النوادر والزيادات ١/ ٤٨ بلفظ قريب من هذا. وقارن بما جاء في الاستذكار، ٢/ الرقم ١٥٤٤.
(٢) المدونة، ١/ ١٠: لا شيء عليه عند مالك؛ وقارن بما جاء في البيان والتحصيل ١/ ٩٧ عن مالك.
(٣) أنظر الاستذكار، ٢، الرقم ١٥٤٥.
(٤) وليحيى بن عمر الكناني تعليق آخر على هذه المسائل في النوادر والزيادات ١/ ٤٩.
(٥) في الأصل: أبو بكر: مكرر من الناسخ، وهو خطأ.
(٦) راجع اختلافهم في الاستذكار، ٢/ ٢٤٣ - ٢٥٥؛ و٢/ الرقم ٢٢٠٣.
(٧) قال ابن ناصر الدين في كتابه إتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك، ص ٩١: =
[ ٦٥ ]
قال: وقد روي عن مالك أنه لا يمسح المسافر ولا الحاضر في المدونة (١).
قال مالك: لا يمسح المقيم على خفيه.
قال ابن القاسم: وقد كان يقول قبل ذلك: يمسح عليهما، قال: ويمسح المسافر، وليس لذلك وقت.
وفي المستخرجة (٢): لابن القاسم عن مالك أنه سئل عن المسح على الخفين في الحضر، فقال: لا، ما أقول ذلك، ثم قال لي: إني لأقولن مقالة ما قلتها قط في جماعة من الناس: أقام رسول الله (ص) في المدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان خلافتهم، فذاك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون؛ قال: وإنما هي هذه (ق ١٩ ب) الأحاديث (٣)، وكتاب الله أحق أن يتبع.
وقال ابن حبـ[ـيب (٤): الـ]ـمسح على الخفين حسن جائز للمقيم، والمسافر، لم يختلف [فيه أ] هل السنة، وليس فيه شك ولا يرتاب فيه إلا مخذول أو صاحب بدعة.
قال: وسألت مطرفا وابن الماجشون عن المسح على الخفين فقالا لي:
_________________
(١) = ولابن وهب مؤلفات منها كتاب سماعه من مالك ثمانون كتابا. هذا، وذكر أبو مصعب الزهري أن مسائل ابن وهب عن مالك صحيحة؛ وأغلب الظن أنه يقصد بهذه المسائل سماع ابن وهب. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر، ٦/ ٧٢؛ وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٩/ ٢٢٦.
(٢) المدونة ١/ ٤١؛ وانظر أيضا البيان والتحصيل، ٢/ الرقم ٢١٨٢.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ٨٢.
(٤) الأحاديث في المسح على الخفين كثيرة: راجع على سبيل المثال صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب ٤٨ والتعليق الجيد لابن حجر على هذا الحديث في فتح الباري، ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦؛ كتاب الصلاة، باب ٧؛ وصحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب ٢٢؛ والموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ١/ ٣٥ - ٣٧؛ والاستذكار، ٢/ ٢٢٤ - ٢٥٨.
(٥) قارن بالنص الذي جاء في النوادر والزيادات، ١/ ٩٤ عن ابن حبيب.
[ ٦٦ ]
جائز قوي في السفر والحضر، والحضر معمول به ببلد الرسول (ص) ودار التنزيل وموضع الصحابة والتابعين غير مختلف فيه، ولا نعلم مالكا ولا غيره من علمائنا قط تركه، ولا نهى عنه في فتياه.
وذكر يحيى بن إسحاق بن يحيى الأندلسي في كتابه (١) عن أصبغ ابن الفرج قال: اختلف قول مالك في المسح على الخفين بأقاويل ثلاثة (٢)، أخبرنا بها ابن القاسم وأشهب وابن وهب، مرة قال: لا يمسح في حضر ولا سفر، ومرة قال: يمسح في السفر ولا يمسح في الحضر، ومرة قال: يمسح على كل حال في السفر والحضر ولا يوقت وقتا ولا غيره، وهو أعم قوله في موطأه (٣) وغيره.
قال أصبغ (٤): وسمعت ابن وهب يرد قوله في استثقاله المسح ردا شديدا بالآثار والسنة، وقد مسح يوما وأنا إلى جنبه فقال: اشهد علي بالمسح.
قال: وسمعت ابن القاسم يضعف قوله في ترك المسح فقال: أنا أصلي خلف من يمسح، ومن صلى خلفه فلا إعادة عليه.
وقال ابن نافع: يمسح في الحضر والسفر؛ قال ابن نافع: وقت (ق ٢٠ أ) ذلك في الحضر من الجمعة إلى الجمعة.
ومن المجموعة (٥): قال ابن نا [فع عن] مالك في المسح للحاضر من الجمعة إلى الجمعة.
_________________
(١) ألف يحيي بن إسحاق (توفي سنة ٣٠٣) الكتب المبسوطة في اختلاف أصحاب مالك وأقواله؛ انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، ١/ ١٦٠ - ١٦١، والديباج المذهب، ٢/ ٣٥٧، وابن الفرضي، الرقم ١٥٧١؛ وأخبار الفقهاء للخشني، ص ٣٧٩؛ والغنية، فهرست شيوخ القاضي عياض، ص ٥٤، وقد اختصر أبو الوليد بن رشد هذه الكتب المبسوطة كما يذكرها في البيان والتحصيل في أماكن متعددة.
(٢) بخصوص هذا الموضوع راجع ما جاء في الاستذكار، ٢/ الرقم ٢٢٠٨ - ٢٢١١.
(٣) انظر الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ١/ ٣٦ - ٣٧.
(٤) انظر البيان والتحصيل، ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٥) كذا أيضا في النوادر والزيادات، ١/ ٩٣ من طريق المجموعة لابن عبدوس.
[ ٦٧ ]
فيمن لبس خفيه وقد نسي مسح رأسه
ثم ذكر فمسح رأسه ولم ينزعهما، هل يمسح عليهما
ذكر أبو زيد عبد الرحمان بن إبراهيم عن أصبغ أنه لا يمسح، وخفف مسح الرأس في ذلك.
وذكر ابن حبيب أنه سمع ابن الماجشون ومطرف بن عبد الله وابن عبد الحكم وأصبغ يقولون: لا يجوز له أن يمسح على خفيه لأنه لبسهما قبل أن تكمل طهارته؛ وهذا عندي هو الحق عن ابن الماجشون وغيره. وما ذكره أبو زيد وهم وغلط، والله أعلم.
وقد قال مالك في موطأه (١): إنما المسح على الخفين من أدخل رجليه فيهما طاهرتين بطهر الوضوء.
فيمن لبس الخف في رجله اليمنى بعد غسلها في وضوءه
وقبل أن يغسل الأخرى هل يمسح عليهما
ذكر العتبي (٢) عن سحنون في هذه المسألة وفي التي قبلها أنه لا يمسح عليهما.
قال سحنون: ولا يجوز المسح في الوجهين إلا أن يكون الوضوء كاملا، ويكون اللبس للخفين جميعا بعد كمال (٢٠ ب) الطهارة.
وفي المستخرجة (٣) قال مطرف: جائز للذي أدخل اليمنى في الخف قبل أن يغسل اليسرى أن يمسح [عليـ]ـهما لأنه لم يدخل كل رجل منهما إلا بعد طهارتها.
وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يمسح، مثل قول سحنون.
_________________
(١) الموطأ، رواية يحيى، ١/ ٣٧.
(٢) انظر البيان والتحصيل، ١/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٣) انظر البيان والتحصيل، ١/ ١٤٥.
[ ٦٨ ]
فيمن لبس خفية بطهر التيمم، هل يمسح عليهما
ذكر أبو زيد بن إبراهيم عن أصبغ إجازة ذلك، وعن ابن الماجشون أنه قال: لا يجوز، لأن طهارة التيمم إنما هي طهارة إلى وقت الفراغ من الصلاة وليست كطهارة الوضوء بالماء.
وذكر ابن سحنون عن أبيه في ذلك مثل قول ابن الماجشون: لا يجوز.
فيمن نزع إحدى خفيه هل يخلع الأخرى
في المستخرجة (١): لأشهب عن مالك أنه يغسل تلك الرجل فقط، وليس عليه خلع الخف الأخرى.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم (٢) مثل ذلك.
وقال ابن حبيب: لا بد أن يخلع الأخرى ويغسل رجليه جميعا.
وذكر ابن عبد الحكم قال: إن خرجت القدم خروجا فاحشا نزعهما جميعا وغسل رجليه. قال: وإن نزع خفيه أو أحدهما غسل رجليه، فإن أخر ذلك عن فوره مكانه أعاد الوضوء.
(ق ٢١ أ) في المر [أة تـ]ـلبس خفيها على الخضاب
لتمسح [] الخضاب
ذ [كر ابـ]ـن سحنون قال: قال بعض أصحابنا: يكره ذلك لها، فإن فعلت فلا شيء عليها.
قال: وقال سحنون: تؤدب بإعادة الصلاة. قال: وقد روى علي بن زياد عن مالك أنه ليس لها أن تصلي بعد ما خضبت بالحناء حتى تنزعها.
_________________
(١) انظر البيان والتحصيل، ١/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) انظر البيان والتحصيل، ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٦٩ ]
فيمن اقتصر على مسح أعلى الخف فقط
وعلى أسفله فقط
في المدونة (١): لابن القاسم إن مسح الظهور دون البطون لم أر عليه الإعادة إلا في الوقت.
وكذلك قال سحنون: يعيد في الوقت.
وقال ابن مزين عن عيسى بن دينار أنه يعيد في الوقت وبعده.
وذكر ابن سحنون في كتابه عن ابن نافع أنه يعيد في الوقت وبعده.
وأجمعوا أنه لا يجوز الاقتصار على مسح أسفل الخف، وأرى من فعل ذلك فلم يمسح وعليه الإعادة أبدا، إلا أشهب، فإنه أجاز ذلك فيما روي عنه، وقال: يعيد في الوقت.
فيمن تيمم بضربة واحدة للوجه واليدين
قال ابن عبد الحكم: من تيمم بضربة واحدة لوجهه وليديه إلى المرفقين، ثم صلى فلا إعادة عليه.
وذكر ابن وهب في موطأه أنه عليه الإعادة في الوقت وبعده.
وفي المستخرجة (٢): لابن القاسم (ق ٢١ ب) عن مالك أرجو أن يجزئه، ولا إعادة عليه؛ و[قال ابن] القاسم: لا [إعادة] عليه.
وقال ابن حبيب: عليه الإعادة في الوقت بمنزلة من تيمم إلى الكوعين.
وفي كتاب يحيى بن إسحاق: قال ابن كنانة: من صلى بذلك التيمم أعاد الصلاة في الوقت وبعده، وهو بمنزلة من توضأ بغرفة واحدة للوجه واليدين.
_________________
(١) المدونة، ١/ ٣٩: لأن عروة بن الزبير كان يمسح ظهورها ولا يمسح بطونها. قال ابن القاسم: أخبرنا بذلك مالك.
(٢) البيان والتحصيل، ١/ ٩٤؛ وكذا في النوادر والزيادات، ١/ ١٠٤.
[ ٧٠ ]
وذكر ابن سحنون عن ابن نافع مثل قول ابن كنانة: يعيد أبدا؛ قال: وقال سحنون: يعيد في الوقت.
فيمن تيمم إلى الكوعين
قال ابن عبد الحكم (١): إن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت.
وكذلك لابن القاسم عن مالك في المدونة (٢): يعيد في الوقت.
وكذلك ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم، قال: وبه آخذ.
وذكر ابن سحنون عن ابن نافع أنه يعيد في الوقت وغيره.
وقال سحنون: يعيد في الوقت.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: من تيمم بضربة واحدة للوجه واليدين وتيمم إلى الكوعين أعاد أبدا في الوقت وغيره.
فيمن تيمم على الثلج
في المدونة (٣): قال ابن القاسم: بلغني أن مالكا أوسع في ذلك.
وكذلك روى علي بن زياد (٤) عن مالك أنه تيمم على الثلج.
وقال أشهب: لا يتيمم على الثلج لأنه ليس من الصعيد.
وذكر ابن حبيب (٥) عن مالك إجازة (ق ٢٢ أ) التيمم على الثلج.
قال: وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز التيمم على الثلج و[إن لم (؟)] يجد غيره.
_________________
(١) كذا في النوادر والزيادات، ١/ ١٠٤؛ نقلا من المختصر لابن عبد الحكم.
(٢) المدونة، ١/ ٤٣ - ٤٤.
(٣) المدونة، ١/ ٤٦.
(٤) انظر النوادر والزيادات، ١/ ١٠٧ نقلا من المجموعة لابن عبدوس وعن ابن حبيب.
(٥) النوادر والزيادات، ١/ ١٠٧ عن ابن حبيب.
[ ٧١ ]
قال ابن حبيب: وهو أحب إلي، قال (١): وإن وجد الصعيد أعاد في الوقت.
قال: وكذلك قال لي عبد الله بن عبد الحكم أنه يعيد في الوقت.
وقال ابن وهب: لا بأس بالتيمم على الثلج والماء الجامد إذا لم يجد الصعيد.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: هذا تبديل في التيمم على الثلج.
هل يتيمم الصحيح في الحضر لخوف خروج الوقت
في المدونة (٢): لابن القاسم عن مالك في المقيم يعالج الماء فيعسر عليه أمره حتى يخاف طلوع الشمس، قال مالك: يتيمم ويصلي، ورآه مثل المسافر.
قال ابن القاسم: وقد كان مرة يقول في الحضري أنه يعيد إذا قدر على الماء.
وفي المستخرجة (٣): لعيسى عن ابن القاسم أنه يعالج الماء وإن طلعت الشمس؛ قال: وقد قال: يتيمم ويصلي إذا خاف طلوع الشمس.
وذكر ابن حبيب عن مالك أنه يتيمم ويصلي، ثم يعيد في الوقت وبعده؛ قال: ثم رجع مالك عن قوله في الإعادة بعد خروج الوقت.
قال ابن حبيب (٤): وبذلك أقول، لأنه حاضر، ليس بمسافر. قال: وقد كان ابن القاسم يخفف ذلك ورآه كالمسافر، وليس هو كذلك عندنا.
قال ابن حبيب: وكذلك أهل السجن يعيدون في الوقت إن تيمموا.
_________________
(١) النوادر والزيادات، ١/ ١٠٧، وفيها: «قال ابن حبيب: من صلى بذلك فإن وجد الصعيد في الوقت أعاد ولا يعيد بعد الوقت، ولو فعله واجدا للصعيد أعاد أبدا».
(٢) المدونة، ١/ ٤٤.
(٣) البيان والتحصيل، ١/ ١٤٧.
(٤) انظر ما جاء في هذه المسألة في روايات ابن حبيب بالنوادر والزيادات، ١/ ١١٠.
[ ٧٢ ]
وذكر ابن (ق ٢٢ ب) عبد الحكم قال: ومن رجا ماء فخاف أن تطلع عليه الشمس قبل أن يدركه فيتيمم وليصل (١)، ومن ظن أنه يدركه فليعاجله ما لم يخف الفوات.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز للحاضر التيمم إلا أن يكون مريضا وإن خاف فوات الوقت.
قال: وقد اختلف فيه قول مالك.
فيمن نسي الماء في رحله وتيمم
ذكر ابن عبد الحكم قال: ومن تيمم فوجد الماء في رحله فلا إعادة عليه، وإن أعاد فحسن وعليه أن يطلب الماء في رفقته ممن يليه وممن يظن أنه يعطيه.
وقال ابن القاسم عن مالك: يعيد في الوقت؛ قال: وإن ذكر وهو في الصلاة، قطع وتوضأ بالماء.
وذكر ابن حبيب (٢) عن ابن الماجشون ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن ترك الماء في رحله نسيه أو خفي عليه موضعه وتيمم، ثم وجده أنه يعيد في الوقت وبعده.
قال ابن حبيب: لأنه ليس من أهل التيمم.
قال ابن حبيب (٣): ولو وجد الماء في الرفقة التي هو فيها فإن كانت الرفقة عظيمة جدا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره، وإن كانت صغيرة مثل الرجل والرجلين فعليه الإعادة في الوقت وبعده؛ وحكى هذا عن أصبغ.
_________________
(١) وليصل: في الأصل: وليصلي.
(٢) انظر النوادر والزيادات، ١/ ١١٣ عن ابن حبيب؛ وقارن بما جاء في الاستذكار، ٣/ الرقم ٣١٥٣ عن ابن حبيب أيضا.
(٣) انظر ما جاء في النوادر والزيادات، ١/ ١١٣ عن ابن حبيب عمن ذكر من أصحاب مالك وأصبغ بن الفرج.
[ ٧٣ ]
وروى أبو زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم (١) في المسافر لا يكون معه ماء وهو يعلم مع رفقائه الماء، فإن (ق ٢٣ أ) ظن أنهم يعطونه وتيمم ولم يسألهم أعاد في الوقت وبعده.
قال ابن القاسم (٢): وقال لي مالك في قوم نزلوا في صحراء لا يحسبون بها ماء فتيمموا وصلوا ثم وجدوا بئرا أو غديرا قريبا منهم أنهم يعيدون ما صلوا في الوقت.
فيمن صلى مكتوبتين بتيمم واحد
في المستخرجة (٣): روى يحيى عن ابن القاسم فيمن صلى صلوات كثيرة بتيمم واحد أنه يعيد ما زاد على واحدة في الوقت، واستحب أن يعيد أبدا.
وروى أبو زيد بن أبي الغمر (٤) عن ابن القاسم أنه يعيدها أبدا.
وذكر أبو الفرج (٥) فيمن ذكر صلوات: إن قضاهن بتيمم واحد أجزأه.
وذكر ابن عبدوس (٦): لابن نافع عن مالك في الذي يجمع بين الصلاتين أنه يتيمم لكل صلاة.
وروى أبو زيد بن إبراهيم عن مطرف وعبد الملك أنهما سمعا مالكا يقول: من صلى مكتوبتين بتيمم واحد كان عليه أن يعيد الثانية في الوقت وبعده.
_________________
(١) انظر البيان والتحصيل، ١/ ٢١١.
(٢) انظر البيان والتحصيل، ١/ ٢١١.
(٣) الاستذكار، ٣/ الرقم ٣٢٩٤.
(٤) البيان والتحصيل ١/ ٢٠٢.
(٥) الاستذكار، ٣/ الرقم ٣٢٩٨ فلا شيء عليه. ويقول ابن عبد البر في هذا الموضع (الرقم ٣٢٩٩): «وقد ذكرنا اختلاف قول مالك وأصحابه في هذه المسألة في كتاب جمعناه في اختلافهم». وهو يقصد كتابه هذا الذي بين يدينا.
(٦) كذا أيضا في الاستذكار، ٣/ الرقم ٣٢٩٧.
[ ٧٤ ]
قال: وسمعت أصبغ يقول (١): إنما يعيد الثانية أبدا إذا كان وقتها منفصلا من وقت الأولى مثل المغرب من العصر والظهر من الصبح، وأما إذا كانت ظهرا أو عصرا فإنه إنما يعيد الثانية ما دام في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة
عليه.
وذكر العتبي (ق ٢٣ ب) عن أصبغ مثل ذلك (٢). وكذلك حكى ابن حبيب عن أصبغ سواء.
هل يصلى الوتر بتيمم الفريضة
ذكر ابن عبد الحكم قال: لا بأس أن تصلى النافلة بتيمم الفريضة، ولا تصلى الفريضة بتيمم النافلة ولا تصلى صلاتان (٣) بتيمم واحد، ولا بأس أن يتنفل الرجل ما شاء بتيمم واحد ما لم يقطع ذلك ويطول، ومن تيمم لركعتي الفجر فلا يصلي به مكتوبة.
ومن تيمم لركعتي الفجر لنافلة فلا بأس أن يصلي به ركعتي الفجر ويوتر به.
وذكر ابن سحنون عن أبيه (٤) فيمن تيمم للعشاء وصلاها، أنه يتيمم للوتر تيمما ثانيا.
ابن عبدوس عن سحنون أنه إن صلى الوتر بأثر العشاء نسقا فلا يحدث لهما تيمما، وإن قام من مجلسه أو تباعد أحدث للوتر تيمما آخر.
_________________
(١) قارن بما جاء في الاستذكار، ٣/ الرقم ٣٢٩٦ عن أصبغ بن الفرج.
(٢) لم نقف عليه في سماع أصبغ وفي نوازله في البيان والتحصيل.
(٣) في الأصل: صلاتين.
(٤) قارن بما جاء في النوادر والزيادات، ١١٨/ ١: «وقال في كتاب ابنه: لا يوتر بتيمم العشاء فإن فعل فلا شيء عليه».
[ ٧٥ ]
هل يتيمم من خاف على ماله دون نفسه
قال مالك: أكره له ذلك.
وقال ابن القاسم: إن تيمم وصلى أعاد في الوقت وبعده.
وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره لأن المال من النفس.
وقال يحيى بن يحيى: يقول ابن القاسم: لأنه ترك الماء تخوفا من شيء لعله لا يكون.
متى يتيمم المريض والخائف والمسافر
(ق ٢٤ أ) في المدونة (١): قال مالك في المريض والخائف والمسافر أنهم [يتيمـ]ـمون في وسط الوقت، إلا أن يكون المسافر على يأس من الماء فيتـ[ـمـ]ـم في أول الوقت؛ قال: فإن وجدوا الماء في أول الوقت أعاد المريض والخائف ولا إعادة على المسافر.
وذكر ابن عبد الحكم قال: وإذا لم يجد المريض (٢) من يناوله الماء تيمم، ويعيد في الوقت أحب إلينا.
وذكر ابن سحنون عن ابن نافع قال: صلاة المريض الذي لا يجد من يناوله الماء تامة ولا يعيد.
وذكر ابن عبدوس في المجموعة عن المغيرة (٣) في المحصور: يتيمم، ثم
_________________
(١) المدونة ١/ ٤٢.
(٢) وفي النوادر والزيادات، ١/ ١١٥ تعليق لابن أبي زيد القيرواني على هذه المسألة قال فيه: «قال عبد الله: يعني بالمريض هاهنا الذي يجد الماء ولم يجد من يناوله إياه». انظر أيضا ما جاء في البيان والتحصيل، ١/ ٧٠ عن مالك بن أنس في تفسير الآية ٤٣ من سورة النساء.
(٣) قارن بما جاء عن المغيرة في النوادر والزيادات، ١/ ١١٥.
[ ٧٦ ]
ينطلق في الوقت أنه لا إعادة عليه.
وقال ابن حبيب: أما المريض الذي يكون في معنى المخدور المحصوب والمجروح الذي عمت الجراح جسده فلا يستطيعون مس الماء، فإن هؤلاء فرضهم التيمم في أول الوقت وفي وسطه وفي آخره حاله واحد؛ وأما المريض الذي يستطيع مس الماء إلا أنه لا يجد من يناوله أو لا يجد من يوصيه فإنه ينتظر ما بينه وبين آخر الوقت، ثم يتيمم؛ وكذلك الخائف، فإن قدر على الوضوء بالماء في بقية الوقت كان عليهما الإعادة، وإن ذهب الوقت فلا إعادة عليهما.
قال (١): وأما المسافر الذي يجد الماء فإن كان عالما بالمكان يائسا من الماء فإنه يتيمم في أول الوقت، الوقت الذي يصلي فيه اليائس، وإن كان راجيا للماء أو جاهلا بالمكان فإنه يؤخر (ق ٢٤ ب) التيمم ما بينه وبين آخر الوقت، إن كانت الظهر، فإلى أن يكون الظل مثل صاحبه، والعصر إلى أن يكون ظل كل شيء مثليه، [والمـ]ـغرب إلى مغرب الشفق، والعشاء إلى ثلث الليل.
قال ابن حبيب: فإن جهل من هؤلاء من أمر بالتأخير إلى آخر الوقت فتيمم وصلى في أول الوقت، ثم وجد الماء في الوقت فإنه يعيد الصلاة، فإن لم يفعل فقد أساء، ولا شيء عليه.
قال: وهكذا فسر لي مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
وروى ابن وهب في موطأه عن مالك أن كل شيء من لم يجد الماء فلا يتيمم إلا في آخر الوقت.
وهكذا ذكر ابن عبدوس في المجموعة عن ابن كنانة؛ قال: وقال المغيرة: إن كان في رجاء ففي آخر الوقت.
وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم في الذي يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، أن عليه الانتظار إلى آخر الوقت، فإن لم يفعل وتيمم وصلى في
_________________
(١) انظر ما جاء في المسافر المؤيس (كذا، وفي نسخة أخرى: اليائس) من الماء في النوادر والزيادات، ١/ ١١٥ من طريق ابن حبيب.
[ ٧٧ ]
أول الوقت، ثم وصل إلى الماء في الوقت أو بعده فعليه الإعادة أبدا.
قال ابن حبيب: لا يعجبنا ذلك، ولا إعادة عليه في الوقت ولا بعد الوقت.
في الذي لا يستطيع على الماء ولا على التيمم
في المستخرجة (١): عن أصبغ قال ابن القاسم في المحبوس إذا لم يجد ماء ولم يقدر على الصعيد، صلى كما هو وأعاد أبدا إذا قدر على الماء (ق ٢٥ أ) أو على الصعيد.
وقال أشهب في المتعذر عليه والمجبوس والمربوط والمصلوب حيا، لا صلاة على واحد منهم حتى يقدروا على الماء أو على الصعيد، فإن قدروا صلوا.
وقال ابن خويز منداد (٢): روى المدنيون عن مالك في كل من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد حتى خرج الوقت، أنه يصلي ولا إعادة عليه كالمغمى عليه، والصلاة عنهم ساقطة، قال: وهو الصحيح في مذهب مالك.
وروى أبو زيد عن معن عن مالك في الذي يكتفه الوالي ويمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها، أنه لا إعادة عليه (٣).
في الذي يخاف فلا يقدر على النزول عن دابته
إنه يصل على حالته ويعيد الصلاة بعد ذلك في الوقت وبعده.
وروى أبو زيد أيضا عن مطرف أنه يصلي إيماء ويعيد الصلاة في الوقت وبعده.
_________________
(١) البيان والتحصيل ١/ ٢٠٦ بلفظ قريب من هذا.
(٢) ابن خويز منداد: في الأصل: ابن خولد بنداد أو ما يشبهه؛ وقد أثبتناه كما جاء في ترتيب المدارك ٧/ ٧٧. له كتاب في الخلاف وفي أصول الفقه وغيرهما كما ذكر القاضي عياض. وراجع أيضا الديباج المذهب، ٢/ ٢٢٩.
(٣) حكاه ابن رشد في البيان والتحصيل، ٢/ ١٨٠ وزاد قائلا: «إلا ما أدركوا وقته».
[ ٧٨ ]
وقال ابن حبيب في الخائف: قال مطرف وابن عبد الحكم وابن الماجشون: يصلي بذلك ويعيد أبدا، وكذلك؛ الأسير والمريض. وقال أصبغ: لا يصلي.
وقال ابن المواز عن ابن القاسم في الهارب من العدو أو من اللصوص:
إن صلى بغير وضوء أعاد أبدا. قال أصبغ: إلا أن يتيمم.
وكذلك مريض لا يجد من يناوله ماء ولا ترابا، ولا جدار عنده، فإن صلى كذلك أعاد أبدا.
(ق ٢٥ ب) في الجنب يتيمم للصلاة ولا يذكر الجنابة
ذكر ابن عبد الحكم: ومن تيمم وهو جنب لا [ينوي] به الجنابة، فليعد حتى يتيمم بنيه الجنابة، ثم يعيد ما كان في الوقت.
وفي بعض المختصر: في الوقت وبعده. وكذلك قال ابنه محمد: يعيد في الوقت وبعده.
وروى محمد بن مسلمة عن مالك أنه يجزئه.
وروى ابن القاسم عنه أنه إن تيمم بنية الحدث لم يجزه حتى يتيمم بنية الجنابة.
في الحائض يتمادى بها الدم فتزيد على أيامها المعروفة
في المدونة (١): لابن القاسم عن مالك أنها تقعد عن الصلاة إلى تمام خمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي.
قال: ثم رجع عن قوله وقال: تستظهر بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها ثم
تغتسل وتصلي.
_________________
(١) المدونة ١/ ٤٩ - ٥٠.
[ ٧٩ ]
وذكر ابن حبيب (١) عن مالك مثل ذلك، ثم قال: فأخذ بقول مالك الأول أنها تقعد خمسة عشر يوما الأكابر من أصحابه: ابن أبي حازم وابن دينار والمغيرة وابن نافع ومطرف وابن الماجشون، وأخذ بقول مالك الآخر أنها تستظهر بثلاثة أيام: ابن كنانة وابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
قال ابن حبيب: وهو أحب إلي وأقرب إلى الحيطة في الصلاة.
في الصفرة والكدرة
في المدونة (٢) في المرأة التي ترى الصفرة والكدرة في أيام حيضتها أو في غير (ق ٢٦ أ) أيام حيضـ[ـتها]، وقال مالك: ذلك حيض وإن لم [تـ]ـر مع ذلك دما.
وفي المجموعة: قال علي عن مالك: وما رأ [ته] المر [أة] من الصفرة والكدرة في أيام الحيض أو أيام الاستظهار فهو كالدم، وما رأته بعد ذلك فهو استحاضة.
إذا اختلفت حيضتها على أيها يكون استظهارها
في المدونة (٣): تستظهر على أكثر أيام حيضتها.
وروى أبو زيد عن أصبغ أنها تستظهر على أقل أيام حيضتها لأن الاحتياط في الصلاة واجب (٤).
هل تستظهر من حيضتها خمسة عشر يوما
لا تستظهر عند مالك وجمهور أصحابه إلا ابن نافع، فإنه ذكر ابن سحنون
_________________
(١) انظر ما جاء مختصرا في النوادر والزيادات، ١/ ١٣١ من الواضحة.
(٢) المدونة ١/ ٥٠.
(٣) المدونة ١/ ٥٠ - ٥١.
(٤) في الأصل: اختلاط: وانظر ما جاء في هذه المسألة بالبيان والتحصيل، ١/ ٢١٤ - ٢١٥؛ والنوادر والزيادات، ١/ ١٣٢.
[ ٨٠ ]
في كتابه عنه أنها إن كانت حيضتها خمسة عشر يوما تستظهر على ظاهر الخبر.
وأنكر سحنون أن يكون قول ابن نافع هذا من قول مالك (١).
في المبتدأة بالحيض يتمادى بها الدم
في المدونة (٢): لابن القاسم: تقعد خمسة عشر يوما، ثم تغتسل، ثم تصلي.
وفيها روى علي بن زياد عن مالك أنها تقعد قدر أيام لداتها، ثم هي مستحاضة.
وقال ابن حبيب (٣): في هذه ما في الكبيرة من الاختلاف من قال في الكبيرة: تقعد خمسة عشر يوما؛ قال في هذه: بخمسة عشر (ق ٢٦ ب) يوما، [قال في هذه] (٤)، ومن قال في الكبيرة بالاستظهار قال في هذه: تقعد أيام لداتها.
قال ابن حبيب: ثم اختلفوا في الاستظهار على أيام لداتها.
فقال ابن كنانة وابن عبد الحكم وأصبغ بن الفرج: تستظهر على أيام لداتها بثلاثة أيام.
وقال ابن القاسم: لا تستظهر إلا على أيام معروفة.
قال ابن حبيب: وهذا أحب إلي احتياطا للصلاة.
هل يستحب للمستحاضة غسل فرجها مع الوضوء
وقال سحتون: ليس عليها غسل الفرج.
_________________
(١) النوادر والزيادات، ١/ ١٣٢ وفيها: «ولابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون رواية منكرة » الخ.
(٢) المدونة، ١/ ٤٩ - ٥٠.
(٣) انظر ما جاء في النوادر والزيادات، ١/ ١٣٤ - ١٣٥ عن ابن حبيب وغيره.
(٤) [قال في هذه] عبارة مكررة في الأصل ولا معنى لها.
[ ٨١ ]
قال ابن حبيب: ويستحب لسلس البول والمستحاضة أن يتوضأ لكل صلاة مع غسل الفرج.
في المستحاضة المميزة لأيام حيضتها واستحاضتها
يزيد دم حيضتها على أيامها المعروفة لها
ذكر ابن حبيب: قال لي مطرف: تقعد خمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي.
قال ابن القاسم وقال ابن الماجشون وأصبغ: بل تستظهر ثلاثة أيام، يعني على أيامها المعروفة لها في حيضتها من استحاصتها.
قال ابن حبيب: فقال ابن الماجشون: بالخمسة عشر يوما في أول دمها؛ وقال بالاستظهار في آخره.
وفي المستخرجة (١): لعيسى عن ابن القاسم أنها تستظهر.
وروى أصبغ عن ابن القاسم أنها لا تستظهر.
وفي كتاب يحيى بن إسحاق قال: قال غيرهما (ق ٢٧ أ) من أصحاب مالك: إن تمادى الدم المستنكر استظهرت، وإن دم الاستحاصة أن تستظهر.
وذكر ابن مزين عن أصبغ يقول: تستظهر تغير الدم أم لم يتغير.
هل تعتد المستحاصة قرءا بالأيام التي تترك فيها الصلاة
لتمييزها لدم حيضتها من دم استحاصتها
في المدونة (٢): إن كانت معتدة كان حكم ذلك الدم الذي لا تترك فيه الصلاة حكم القرء واعتدت به من الطلاق.
_________________
(١) انظر ما جاء في البيان والتحصيل ١/ ١٤٨ - ١٤٩، وراجع الشرح المفصل لأبي الوليد ابن رشد.
(٢) المدونة، ١/ ٥٦.
[ ٨٢ ]
وفي المجموعة أن ابن الماجشون وسحنون قالا: يدخل ذلك الدم في عدتها ولا تعتد به.
وهو قول أشهب؛ وبه قال ابن المواز، يريد: عدتها سنة.
في علامة الطهر
في المدونة (١): قال مالك: إن كانت ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فحتى ترى الجفوف؛ وذلك أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة.
وفي المجموعة (٢): إن رأت الجفوف فهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتى تراها إلا أن يطول ذلك بها.
وذكر ابن حبيب أنها تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى الجفوف فلا تطهر بالقصة، وذكره عن عبد الله بن عبد الحكم.
في المستحاضة ينقطع دمها، هل تغتسل
(ق ٢٧ ب) في المدونة (٣): لابن القاسم عن مالك: لا غسل عليها، ثم رجع عن ذلك فقال: [أحـ]ـب إلي أن تغتسل.
قال ابن القاسم (٤): هو أحب قوله إلي.
واختار سحنون قوله الأول: لا غسل عليها.
وقال ابن حبيب: أحب إلي أن تغتسل ولـ[ـيس] عليها ذلك بالواجب.
_________________
(١) المدونة، ١/ ٥٠ - ٥١.
(٢) انظر النوادر والزيادات، ١/ ١٢٨ من المجموعة ومن قول ابن حبيب.
(٣) المدونة، ١/ ٥٢.
(٤) انظر النوادر والزيادات، ٦/ ١٢٩: وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا قلن مثلها لا تحيض، فلا غسل عليها منه.
[ ٨٣ ]
في المستحاضة تترك الصلاة في أيام استحاضتها جاهلة
لابن القاسم عن مالك: لا تعيد تلك الصلوات.
قال ابن القاسم: ولو أعادتها كان أحب إلي؛ رواها أبو زيد عن ابن القاسم.
وقال أصبغ: الإعادة عليها واجبة لكن ما تركت الصلاة فيه جاهلة.
وأنكر سحنون رواية أبي زيد عن ابن القاسم عن مالك (١) في المستحاضة تدع الصلاة بعد أيام حيضتها، وبعد الاستظهار أياما جاهلة، قال: لا تقضيها.
قال سحنون: لا تعذر في الصلاة بالجهل.
وقال ابن خويز منداد: اختلف قول مالك في المستحاضة تترك الصلاة شهرا جاهلة، فمرة لم ير عليها إعادة. وقد قال: عليها القضاء.
قال: وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
في الحامل ترى الدم
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال (٢): وإذا رأت الحامل الدم فلتكف عن الصلاة قدر أيام حيضتها، ثم تستظهر بثلاث، ثم تصلي. قال: وإذا رأت المرأة الحامل العرق من الدم أو الكدرة أو الصفرة فلتدع (ق ٢٨ أ) الصلاة حتى ينقطع ذلك عنها.
وذكر ابن حبيب أ [ن] أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ قالوا: تدع الصلاة أيام حيضتها وتستظهر بثلاث؛ قالوا: وحكمها وحكم التي ليست بحامل واحد.
وكذلك روى أبو زيد عن أصبغ قال: الحامل وغير الحامل سواء.
_________________
(١) انظر البيان والتحصيل، ١/ ٢١٤؛ والنوادر والزيادات، ١/ ١٣٣.
(٢) انظر ما جاء في باب «في الحامل ترى الدم على حملها» في النوادر والزيادات، ١/ ١٣٦ - ١٣٨.
[ ٨٤ ]
وكذلك روى أشهب عن مالك.
في المدونة (١): لابن القاسم عن مالك: ليس أول الحمل كآخره، إن رأت الدم في أول الحمل أمسكت عن الصلاة قدر ما يجتهد لها فيه، وليس في ذلك حد.
قال ابن القاسم: إن رأت ذلك وقد مضى لها ثلاثة أشهر أو نحو ذلك تركت الصلاة خمسة عشر يوما، فإن رأته وقد جاوزت الستة الأشهر تركت الصلاة ما بينها وبين عشرين يوما.
وفي المجموعة (٢): روى علي بن زياد عن مالك في الحامل ترى الدم ويتمادى بها أنها تمسك عن الصلاة أقصى ما تمسك الدم الحوامل حتى ترى أن ذلك سقم ليس بعرض للحوامل، ولم يؤقت فيه شيء.
وفي الواضحة لابن حبيب عن مطرف عن مالك قال: تمسك عن الصلاة قدر أيام حيضتها، ثم تستظهر بثلاث إن كان ذلك في أول الشهر، وإن كان في الثاني قعدت عن الصلاة ضعفي ذلك ولا تستظهر، وإن كان ذلك في الشهر الثالث أمسكت عن الصلاة ثلاثة أضعاف، ذلك ما بينها وبين ستين يوما.
قال مطرف: استحسنا ذلك من قوله، ورأيت كثيرا (ق ٢٨ ب) [من؟] (٣) أصحابه يستحسنون ذلك ويقولون به.
وروى أبو زيد عن أصبغ []ـه رواية مطرف هذه، فقال: هذا قول له حلاوة، غير أنه إذا كثرت الأيام تفاحش فليس بشيء.
وقال ابن حبيب: الذي أقول [به] أن الحامل والحائض غير الحامل سواء تستظهران، وأول الحمل كآخره سواء.
وروى أبو زيد عن مطرف قال: سألت مالكا عن الحامل ترى الدم، قال:
_________________
(١) المدونة، ١/ ٥٤ - ٥٥.
(٢) النوادر والزيادات، ١/ ١٣٧ من المجموعة برواية علي بن زياد.
(٣) [من؟]: زيادة اقتضاها السياق.
[ ٨٥ ]
تعرف ما مضى من أول حملها وتحسب كم كان يمسكها الدم في حيضتها لو لم تكن حاملا، وكم أحتقن فيها الدم حيضة أو حيضتين أو ثلاث، ثم تجمع ذلك كله وتترك الصلاة عدد أيامه ما لم تجاوز الستين يوما، فأي الأمرين انقضى قبل صاحبه عدد الأيام التي أحتقن فيها الحيض، أو الستون يوما تطهرت وصلت.
وذكر ابن عبدوس (١) عن سحنون أنه أنكر رواية مطرف في الحامل تبني أيام حيضتها في الشهور، وقال: ليس هذا من قول مالك، وهذا خطأ ولا تكون نفساء إلا بعد ولادة، والاستحاضة أملك بها.
وقال أبو زيد: قال عبد الملك بن الماجشون: تقعد أيام حيضتها لو لم تكن حاملا، ثم تغتسل وتصلي ولا تستظهر.
قال: ولقد قال أكثر الناس إن الحامل إذا رأت الدم لم تمسك عن الصلاة لأن الحامل عندهم لا تحيض، فلذلك رأيت ألا تستظهر.
وروي عن المغيرة (ق ٢٩ أ) أنه كان يقول: الحامل وغيرها سواء؛ وبذلك يقول أصبغ.
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون في الحامل [تر] ى الدم أنها تقعد خمسة عشر يوما ولا تنظر إلى أول الحمل ولا إلى آخره، وذكر عنه في اعتلائه نحو ما ذكر أبو زيد أنه قال: كثير من العلماء لا يرون ذلك حيضا.
في أقصى مدة دم النفاس المانع من الصلاة والصوم
وغشيان الزوج
في المدونة (٢): لابن القاسم: قال مالك في النفساء: تقعد أقصى ما تمسك النساء الدم ستين يوما، ثم رجع فقال: سئل النساء عن ذلك وأهل المعرفة فتقعد أقصى ذلك.
_________________
(١) قارن بما جاء في النوادر والزيادات، ١/ ١٣٧ - ١٣٨: «وأنكر ابن الماجشون في المجموعة قول مطرف هذا » الخ.
(٢) المدونة، ١/ ٥٣.
[ ٨٦ ]
وروى ابن وهب عن مالك (١) أنه قال: ليس أمر النفساء في ذلك واحد، ولكن يسعها اجتهاد العالم لها.
وروى ابن وهب أيضا في موطأه عن مالك أنه قال: تحبس أيضا ما تحبس النساء دم النفساء.
قال ابن وهب: وذلك ستون ليلة.
وكذلك روى أشهب عن مالك (٢) أنه قال: ستون ليلة وهو أقصاه.
وذكر ابن حبيب قال: قال لي عبد الملك بن الماجشون عن أبيه أنه قد سأل عن ذلك النساء فقلن: أقصى ذلك الستون إلى السبعين.
قال ابن حبيب: والإقتصار عندي على الستين عدل حسن، ولا تسأل (ق ٢٩ ب) عن ذلك نساء أهل زماننا لقلة معرفتهن.
قال: وقال لي مطـ[ـرف]: بذلك رأيت مالكا يفتي.
فيمن وضعت ولدا وبقي في بطنها آخر
في المدونة (٣): لابن القاسم: حكمها حكم النفساء ولزوجها عليها الرجعة ما لم تضع الثاني.
قال سحنون: وقد قيل: حكمها حكم الحامل.
وقال ابن خويز منداد: اختلف أصحابنا في ذلك، فقيل: الدم دم نفاس، كما لو خرج بعض الولد كان الدم دم نفاس، وقيل: الدم دم حيضة والنفاس من الولد الثاني؛ وهذا على أصل المذهب في أن الحامل تحيض فكأنها حامل قذفت دما، ولما كان لزوجها عليها الرجعة كان النفاس الأول كلا نفاس.
_________________
(١) المدونة، ١/ ٥٣.
(٢) انظر قول مطرف عن مالك في رواية ابن حبيب بالنوادر والزيادات، ١/ ١٣٧.
(٣) المدونة، ١/ ٥٤.
[ ٨٧ ]
في بول الصبي والصبية
في المدونة (١): قال مالك: يغسل بول الصبي والصبية أكلا الطعام أم لم يأكلا، وبولهما نجس كالكبير.
وذكر عبد الله بن عبد الحكم قال: ويغسل الثوب من بول الصبي والصبية.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يغسل الثوب من بول الصبي والصبية ما لم يأكلا الطعام؛ قال: ولم يثبت عن النبي ﵇ في بول الصبية شيء.
تم كتاب الوضوء بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد
_________________
(١) المدونة، ١/ ٢٧.
[ ٨٨ ]
(ق ٣٠ ب) بسم الله الرحمن الرحيم. توكلت على الله.