المسألة التي ذكرها عبد الملك بن حبيب ﵀ في كتاب الأحكام هذا في الأمة تستحق وقد ولدت من مشتريها، ورأي مالك ﵁ فيها استوعب عبد الملك ذكرها في العاشر من البيوع من الواضحة.
قال عبد الملك بن حبيب: كان من قول مالك - في الجارية يستحقها صاحبها وقد ولدت من مشتر اشتراها من سوق المسلمين ان له أن يأخذها ويأخذ قيمة ولدها من أبيهم. حتى نزلت بمالك في جاريته - أم ولده محمد - كان اشتراها فولدت محمدًا ثم استحقها ابن غنج - رجل من أهل المدينة - فخاصمه فيها إلى المطلب - وهو أمير المدينة - وكان كل واحد منهما قد وكل وكيلًا على الخصومة، فقال المطلب لوكيل ابن غنج: لا بد لنا من ان نستشير في هذا الأمر، ولا نجد أحدًا إلا مالكًا، ولو كان صاحبه حاضرًا استشرناه - يعني عبدالعزيز بن أبي سلمة، وقد كان ذلك بعد خروج عبدالعزيز إلى العراق - فقال وكيل ابن غنج: نستشيره في أمر نتبعه به؟ فقال: ما نجد بالمدينة أولى بذلك منه، قال: فافعل. وكان قد عرف قول مالك - في ذلك - أن المستحق يأخذ جاريته وقيمة ولدها من أبيهم، فأرسل إليه فدخل عليه، فقال له المطلب: يا أبا عبد الله ما تقول في أمرك وأمر ابن غنج، فقال: أمتع الله بك! قد كان من رأيي في هذا الأمر ما قد كان بلغك وغرف من رأيي وقولي حين نزل ذلك بي، فرأيت أمرًا شديدًا؛ يعمد إلى أم ولدي فتؤخذ مني، ويحمل على الزرنوق؛ إذًا لا أدعها بجميع مالي حتى
[ ٢٣٩ ]
أفديها من ذلك، فهذا مما يدخل به الضرر على الناس، وقد ينزل ذلك في أم ولد القرشي والشريف فما أرى هذا هكذا، ولكني أرى القيمة على المشتري قيمتها يوم وطئها وقومها بالحبل، فقال المطلب لكاتبه: اكتب ما قال أبو عبد الله. فحملهم على ذلك.
قال: قال به ابن الماجشون، فسر بذلك أشراف أهل المدينة من قريش وغيرهم سرورًا ما سرو بمثله بمسألة سمعوا بها، لما كان قد ينزل بهم مثله في أمهات أولادهم.
قال عبد الملك: وبقوله هذا الذي رجع إليه أخذ الأكابر من أصحاب مالك بالمدينة: المغيرة، وابن نافع، وابن دينار، وابن كنانة، وابن الماجشون، وابن أبي حازم، والدراوردي.
ورأيت مطرفًا والمصريين أخذوا بقوله الأول.
وقوله الذي رجع إليه وأخذ به الأكابر من أصحابه أحب إلي وأقوى في الحجة من أجل أنه حق للجارية حين ولدت من سيد اشتراها، وحل له وطؤها وإيلادها، ولحق به ولدها بلا حد لزمه ولا عقوبة ولا توبيخ في وطئه إياها، فقد وجب لها أن تعتق بذلك الولد كما يعتق أمهات الأولاد، لقول رسول الله - ﷺ - في جاريته مارية حين ولدت منه: «أعتقها ولدها».
[ ٢٤٠ ]
وإنما لمستحقها من بعد إيلادها قيمتها يوم فاتت بالوطء الذي به ولدت، لا شيء له على أبيهم من قيمة ولده منها، لأن الولد جاء فيما قد ضمن أبوه قيمته.
تمت المسألة بحمد الله وعونه
* * *
قال محمد بن عيسى: سألت ابن القاسم عن الرجل يخطب إلى الرجل ابنته، فيقول له الخاطب: ماذا لابنتك؟ فيقول: لها ثلاثة رؤوس، ولها دار، وله كذا وكذا - لأشياء يسميها - فينقده على ذلك، أو يرفع في صداقها للذي سمى لها من ذلك، ثم يجد الأمر على غير ذلك.
فقال: إن لم يدخل بها فهو بالخيار؛ إن أحب أقام على نكاحه، ولو شاء فارق ورد عليه ماله.
قال: فإن كان دخل بها على هذا الوجه ومس؟
قال: تعطى صداق مثلها في جمالها ومالها.
قال محمد بن عيسى: فذكرت لابن القاسم قول بعض الناس: إن النكاح يثبت، وإنما هذه كذبة كذبها الأب، فقال: قد سمعتها. وهو ضعيف؛ صداق مثلها إذا وقع الدخول أحب إلي.
قال عبد الملك: وقال ابن وهب مثله.
قال: وإن قال: لها في ملكي كذا وكذا، ولها فلان - لغلام يملكه - أو دار كذا وكذا - بعض دوره ومزارعه - فهذا كله يلزمه أن يدفعه إليها، وإن مات قبل أن تحوز ذلك فلا شيء لها.
[ ٢٤١ ]
وإن قال: لها في مالي كذا وكذا فذلك يلزمه إن كان يومئذ ذا مال، وإن لم يكن يومئذ ذا مال فلا يتبع به.
قال: وإن قال: لها عندي؛ فإنما هي عدة؛ كان له مال أو لم يكن، لا يلزمه إخراج ذلك إلا أن يتطوع به.
قال: وإن قال: لها علي، فهو لازم له في ماله إن كان ذا مال أو دين عليه، يتبع به إن لم يكن ذا مال.
وسئل عيسى بن دينار عن ذلك كله، فقال: سمعت في ذلك اختلافًا كثيرًا، والذي اخترت من ذلك ورضيته لنفسي أن ينظر؛ فإن قال: لها عندي، أو لها علي، أو لها في مالي - فسمى لها مالًا أو رقيقًا أو عروضًا أو ثيابًا أو دورًا أو زرعة معروفة له أو غير معروفة - فهو لازم له، يؤخذ من ماله إن كان له مال، وإلا اتبع به دينًا في حياته وبعد موته، لأنه من أعطى عطية نكح عليها فهي لازمة له - وإن مات قبل أن تؤخذ منه كان هذا المزوج أخًا أو عما أو مولى، بكرًا كانت أو ثيبًا.
قال: وإن قال: لها من المال كذا وكذا، ولها من الحلي كذا وكذا، ولها من الثياب كذا - فسمى ما يخفى موضعه - فانظر؛ فإن كان المزوج ابا أو وصيا أو وليا ولاه السلطان عليها وعلى مالها، وكانت المرأة بكرًا هي ومالها في ولاية هذا المزوج، فذلك لازم للمزوج، يؤدب من قاله إن كان له مال، وإلا اتبع به دينًا، لأنه أقر أن ذلك لها، وأنه من مالها، ومالها في يديه، فهو بمنزلة أب أقر لابنته بمال، أو وصي أقر ليتيمه من المال بكذا وكذا، فهو يؤخذ منه، ويلزمه إقراره.
وإن ادعى أن ذلك إنما كان تزيينًا منه للجارية لم يقبل قوله.
قال: وإن سمى لها الأب أو الوصي أو الولي الذي ولاه السلطان عليها وعلى مالها - سمى لها - شيئًا يظهر ويعرف؛ مثل أن يقول: لها رأس، أو لها دار، أو لها قرية، وليس لها شيء من ذلك، فذلك لا يلزم الزوج، وإنما هي كذبة كذبها، ويكون الزوج قبل البناء بالخيار؛ إن شاء تقدم على أن ذلك ليس لها ويلزمه جميع ما كان أصدقها، وإن شاء فارق
[ ٢٤٢ ]
ولم يكن عليه شيء، فإن لم يعلم حتى بنى بها ثبت نكاحها وردت إلى صداق مثلها، على أن ذلك ليس لها، ويرجع الزوج بفضل ما كان أصدقها للذي كان سمى لها؛ يرجع بذلك على المرأة في الصداق الذي أخذته، وليس على الذي زوجها إذا كان أبًا أو وصيا أو وليا ولاه السلطان عليها، وكانت الجارية بكرًا في ولايته.
قال: وإن كان الذي زوجها غير أب ولا وصي ولا ولي ولاه السلطان، أو كانت المرأة ثيبًا قد ملكت نفسها، فسمى لها الولي مالًا أو حليا أو ثيابًا أو ما يظهر من الأموال؛ مثل أن يقول: لها رأس أو دار أو قرية أو نحوها، فذلك كله سواء، ولا شيء على الولي من ذلك، وقد أساء وظلم فيما تقول وكذب.
وإن تبين للزوج كذبه قبل البناء بالمرأة خير؛ فإن شاء تقدم على أن ذلك ليس لها وعلى أن عليه جميع ما أصدقها فعل، وإن كره فارق ولم يكن عليه شيء، وتكون طلقة.
قال: وإن لم يعلم ذلك حتى دخل بها ردت إلى صداق مثلها، على أن ليس لها شيء مما سمى لها، فما كان في صداقها الأول من فضل على صداق مثلها رجع به على من زوجه وغره إن كانت المرأة بكرًا؛ علمت بكذب المزوج أو لم تعلم، أو كانت ثيبًا غير عالمة بكذب الذي زوجها، فأخذه من الولي ولم يرجع به الولي عليها، لأن هذا أشد من العيوب التي تكون بالمرأة فلا يخبر بها الولي فيرجع عليه بالصداق.
قال: وإن كانت المرأة ثيبًا عالمة بما صنع وليها فسكتت، فهي الغارمة لفضل الصداق على البكر - في المسألة الأولى - إذا كان الذي زوجها أبًا أو وصيا أو وليا ولاه السلطان عليها، لأن أمورهم كلها جائزة تجوز عليها.
وأما إذا كان الذي زوجها غير هؤلاء، فقلت: يرجع الزوج بفضل الصداق؛ عالمة كانت البكر أو غير عالمة، لأنه ليس يجوز من أمره عليها
[ ٢٤٣ ]
إلا عقدة النكاح برضاها بما أخذ لها في ذلك من الصداق مما رضيت به، وليس له أن يأخذ لها شيئًا لا يسميه لها كما يجوز ذلك للصبي أو الوصي أو الولي الذي ولاه السلطان، فإذا سمى لها شيئًا يزوجها عليه فرضيته ثم غر هو الزوج بشيء فعليه غرم ما غر، وليس على البكر من ذلك شيء وإن علمت، لأن علمها وهي بكر وغير علمها سواء.
قال: وإن سمى لها شيئًا من ماله معروفًا له مثل أن يقول: لها داري التي بموضع كذا، أو لها عبدي فلان، أو مزرعتي فلانة، فذلك لازم له، ويؤخذ منه ما سمى؛ أبًا كان هذا المزوج أو وصيا أو غيرهما من جميع الأولياء.
فإن قال بعد ذلك: ما أعطيتها شيئًا، وإنما كانت كذبة كذبتها، لم يقبل ذلك منه.
قال: ولو أن الخاطب سأل الولي عما لوليته فسكت، فقال غيره من أهل المرأة أو أجنبي: لها حانوت بموضع كذا، أو الحانوت الذي وصف له، كان ذلك لازمًا له يؤخذ منه، لقوله: هو لها. لأنها عطية منه لها، وهي تحاز في حياته وبعد موته، لأنه نكح عليها.
قال: فالولي أحق أن يلزمه ذلك إذا سمى لها بعض المعروف له.
* * *