[١٨٣١] مسألة: يجوز الاصطياد بكل جارح معلّم، خلافًا لمن منع صيد الأسود والبهيم من الكلاب، ولمن منع سائر الجوارح سوى الكلب؛ لقوله تعالى:"وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله"، فعم، وقوله ﷺ: "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل"، واعتبارًا بالكلب الأبيض لعلّة أنه جارح يفقه التعليم.
[١٨٣٢] مسألة: ليس من شرط التعليم أن يمنع من الأكل، ولا يمنع أكل الكلب من الصيد كله، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، ومن أصحاب الشافعي من يركب ذلك في البزاة وسائر الجوارح، وهذا ركوب؛ ودليلنا قوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم"، ولم يفرق بين أن يأكل منه أو لم يأكل، وفي حديث أبي ثعلبة: "وان أكل فكل"، ولأنّه قتل إذا لم
[ ٢ / ٩١٦ ]
يتعقبه أكل كان ذكاة، فوجب أن يكون ذكاة وإن تعقبه الأكل كالذبح، ولأنه جارح أبيح صيده فلم يمنع أكله من الصيد من أكلة البازي، ولأنه يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر، فإذا صاد بعد الإرسال جاز أكله، أصله إذا أمسك عن أكله، ولأنّ أكل الجارح بعد تلف المصيد لا يمنع أكله، أصله إذا كان بعد مهلة، ولأن ترك الأكل لو كان من شرط التعليم لم يجز البدار بأخذ الصيد من فم الكلب حين عقره ووجب التوقف عليه لينظر هل أكل منه أو لا، وذلك باطل، ولأن عقره له قبل الأكل لا يخلو أن يكون ذكاة أو غير ذكاة، فإن لم يكن ذكاة فلم يجز أكله وإن أمسك عنه وذلك باطل، وإن كان ذكاة لم يضر ما طرأ عليه من بعد كما لو أكل منه غيره، فإن كان نزاعًا وجب التوقف عنه على ما ذكرناه.
[١٨٣٣] مسألة: إذا عقر الكلب الصيد فأخذه الصائد فتلف في الفور قبل إمكان ذبحه جاز أكله، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ فدليلنا قوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم"، ولأنه تلف بالعقر قبل إمكان تذكيته كما لو أدركه وقد مات.
[١٨٣٤] مسألة: ليس من شرط تذكية الصيد أن يعقره الجارح أو السهم بحيث يشاهده، بل يؤكل وإن قتله غائبًا عنه، ما لم يكن منه تفريط في طلبه إذا رأى فيه أثر كلبه أو سهمه ولم يبت، وسواء توارى عنه بعد أن رأى الجارح علق به أو قبل ذلك، خلافًا للشافعي في أحد قوليه: إنّه إذا قتله غائبًا عنه بعد أن رآه علق به لم يؤكل، وفي قوله: إنه إذا كان قبل مشاهدته متشبثًا به فلا يؤكل؛ لقوله ﷺ: «إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله فكل» فعم، ولأن في اعتبار مشاهدة عقره تكليف مشاهدة تؤدي إلى سد
[ ٢ / ٩١٧ ]
باب جواز أكل صيد صاده جارح، لأن الغزال والطائر لا يملك عقره لسرعة طيرانه واختبائه في المكامن والغياض والكهوف والمواضع التي لا يصل إليها إلا الجارح يحيلوا له الحوائل دونه، ولأنه إذا رآه وفيه سهمه أو بالقرب منه جارحه فالظاهر أنه ليس به إلا عقره، فجاز أكله، ويفارق المبيت لأن الهوام تنتشر بالليل فلا يؤمن مشاركتها فيه.
[١٨٣٥] مسألة: إذا بات عنه الجارح بالصيد ثم وجده من الغد قد قتله لم يأكله، واختلف في السهم، وقال الشافعي في أحد قوليه: يؤكل؛ ودليلنا ما روي أن رجلًا أهدى إلى رسول الله ﷺ ظبيًا، فقال: إني رميته يا رسول الله، ثم اتبعته من الغد فوجدت سهمي فيه أعرفه، فقال ﷺ: «لا آكله، لا أدري لعل هوام الأرض قتلته» وهذا يعم بتعليله الجوارح والسهم.
[١٨٣٦] مسألة: إذا أرسل كلبه أو رمى بسهمه على صيد بعينه فعقر غيره لم يجز أكله، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الذكاة تحتاج إلى نية لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنه عقر صيدًا لم يرسل عليه كما لو استرسل بنفسه.
[١٨٣٧] مسألة: إذا استرسل بنفسه ابتداء ثم أغراه صاحبه فقوي في سيره لم يؤكل ما صاده، وقال أبو حنيفة: يؤكل؛ ودليلنا أن إرسال صاحبه حصل [بعد] استرسال يمنع الأكل لو انفرد به، فلم يكن بإغراء صاحبه اعتبارًا، كما لو أرسله مجوسي، ولأنه اجتمع في هذا حظر وإباحة، فكان الحكم للحظر كما لو ذبحه مسلم ومجوسي.
[ ٢ / ٩١٨ ]
[١٨٣٨] مسألة: إذا رمى الصيد فأبان يده أو رجله أو عضوًا منه أكل الصيد ولم يأكل ذلك العضو، وقال الشافعي: يؤكل الجميع؛ فدليلنا قوله ﷺ: «ما قطع من حي فهو ميتة».
[١٨٣٩] مسألة: إذا أرسل المسلم كلبه على الصيد فشاركه كلب المجوسي فقتلاه جميعًا لم يجز أكله، خلافًا للشافعي؛ لقوله ﷺ في حديث عدي: «وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله»، ولأنه نوع من التذكية فإذا اشترك فيه المسلم والمجوسي لم تقع الإباحة أصله الذبح.
[١٨٤٠] مسألة: يجوز الصيد بكلب المجوسي، خلافًا لمن منعه؛ لأنه آلة للذكاة كالذبح بالسكينة، ولأن الاعتبار بالمرسل دون الجارح بدليل أن المجوسي لو صاد بكلب المسلم لم يجز أكله.
[١٨٤١] مسألة: إذا صاد صيدًا ثم أفلت منه ولحق بالوحش وطال أمده ثم صاده غيره فهو لمن صاده ثانيًا، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن ملك الأول باق عليه؛ لأنه صار ممتنعًا مختلطًا بالوحش على صفة ما هي عليه من الإباحة، فكان له، أصله الأول، ولأن ما أصله الإباحة إذا ملك ثم عاد إلى ما كان عليه كان للذي ملكه ثانيًا، أصله الماء في نهر إذا أخذ منه إنسان ثم انصب من يده إلى النهر.
[ ٢ / ٩١٩ ]