[٢٠٢٧] مسألة: الكتابة مستحبة غير واجبة، وقال بعض التابعين: يلزم السيد إجابة العبد إليها إذا سألها بقيمته، وهو قول داود؛ فدليلنا أن الأصل فيها المنع والحظر، لأنها غرر، لانّ العبد يسعى ويؤدي المال على أنّه إن كمل له الأداء عتق، وإن عجز عاد رقًا فزال ملكه عمّا كان أداه ولأنها بيع من السيد لماله بماله وذلك إتلافه، لكن جوزت في الشرع رفقًا بالعبد، وبحرمة العتق، والأمر بعد الحظر يبيح ولا يجب، واعتبارًا به إذا سأله أن يكاتب بدون قيمته، وبه إذا سأله بيعه من غيره، ولأنه عقد إذا تم أفضى إلى الحرية، فلم يكن على السيد إجابة العبد إليه، كالتدبير وشراء الأقارب.
[٢٠٢٨] مسألة: يجوز مكاتبة العبد القن الذي هو غير مكتسب، ويكره في الأمة إذا لم تكن مكتسبة، خلافًا للشافعي في قوله: لا يكره؛ لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: لا تكلّفوا الأمة الكسب، فإنها تكسب بفرجها، روي ذلك مرفوعًا.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
[٢٠٢٩] مسألة: تجوز الكتابة على عبد مطلق غير موصوف، خلافًا للشافعي؛ للظاهر، وهو عام، ولأن المقصود منها الرفق وحصول حرمة الحرية دون محض العوض، كالمهر في النكاح.
[٢٠٣٠] مسألة: الذي نص عليه مالك ﵀ بتنجم الكتابة، وليس له نص في الكتابة الحالة، وأصحابنا يقولون: إنّها جائزة ويسمّونها قطاعة، والشافعي يقول: لا تجوز إلا منجمة وأقلها نجمان؛ فدليلنا أنّها عتق بعوض فجاز مع تعجيله وتأجيله، كبيع العبد من نفسه، ولأن الأجل غير مستحق في عقد الكتابة كالثالث والرابع، ولأنّه عتق بعوض فجاز كالمنجم.
[٢٠٣١] مسألة: إذا قال لعبده: كاتبتك على كذا وكذا، كان ذلك صريحًا في الكتابة وإن لم يقل: فإذا أديت ذلك عتقت، هكذا يجيء على المذهب، وقال الشافعي: لا يكون صريحًا في الكتابة، ولا يعتق العبد حتى يقول: فإذا أديت عتقت؛ فدليلنا أن كتابة العبد معنى مقرر المقصود به بالعرف في الشرع، فكان ذلك صريحًا وإن لم يلفظ بموجبه كالخلع إذا قال: خالعتك على كذا ولم يقل: فإذا دفعته إلي بنت به.
[٢٠٣٢] مسألة: يجوز أن يجمع السيد بين جماعة من عبيده في كتابة واحدة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز ذلك؛ فدليلنا قوله تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا"، وهو عام، ولأنه ألزم نفسه عتقهم بشرط أدائهم المال كما لو أفردهم، ولأن البدل معلوم في الجملة وإن لم يعلم بقسطه في الحال كما لو باع عدة أعبد له بألف درهم لجازوا، وإن لم يعلم قسط كل واحد.
[٢٠٣٣] مسألة: ولا يعتقون إلا بأداء جميع مال الكتابة، وقال الشافعي: يعتق من أدى بقدر نصيبه؛ فدليلنا أن عقد الكتابة وقع عقدًا
[ ٢ / ٩٩٩ ]
واحدًا، فلم ينفرد به بعضهم دون بعض، أصله كتابة العبد الواحد.
[٢٠٣٤] مسألة: يلزم كل واحد منهم بقدر قوته في السعي، ويكون بعضهم حملاء بعض، خلافًا للشافعي؛ لأن العقد واحد فكان حكم الجميع فيه حكمًا واحدًا، كما لو كاتب عبدًا واحدًا.
[٢٠٣٥] مسألة: لا يعتق المكاتب إلا بأداء جميع الكتابة، خلافًا لما ذكر عن بعض السلف أنّه يعتق منه بقدر ما أداه؛ لقوله ﷺ: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، ولأنها عتق بصفة الأداء، فما لم يحصل الأداء لم يحصل العتق، ولأنه لا يخلو أن يكون بمنزلة العتق المطلق أو المعلّق بصفة المعاوضة، ولا يجوز أن يكون كالمطلق لأنّ العتق فيها يقف على الأداء وإن كانت بمنزلة المعتق بصفة لم يقع قبل وجودها، وهي أداء جميع المال، وإن كانت كالمعاوضات فالملك لا يستقر في المعاوضات إلا بعد توفية جميع العوض، ولأن عتق الإنسان جزءًا من عبده باختياره مبتدئًا يجب عليه تكميله وتتميم الحرية من باقيه، ولو قلنا: إنه يعتق بقدر ما أداه لوجب أن يعتق الباقي بالسراية أو بالحكم، سواء أدَّى في الكتابة أم لا، وذلك فاسد.
[٢٠٣٦] مسألة: ليس للمكاتب تعجيز نفسه مع القدرة على الأداء، وقال الشافعي: له ذلك؛ فدليلنا أن الكتابة عقد يتضمن تسمية العوض، فإذا رضي به العبد والتزمه لم يكن له أن يرجع عنه من غير عذر كسائر العقود، ولأنّ ذلك يؤدي إلى إبطال حق الله تعالى من العتاقة التي قد التزما عقدها، وليس لأحد أن يرد نفسه إلى الرق بعد ثبوته أو ثبوت عقد له.
[٢٠٣٧] مسألة: إذا مات المكاتب وقد بقي عليه بعض مال الكتابة وترك ولدًا معه في الكتابة بالشرط أو بالولادة لم تنفسخ الكتابة، خلافًا للشافعي؛ لأن عقد الكتابة قد تضمّن إلزام السيد نفسه عتق المكاتب وولده الدّاخلين معه في العقد بصفة أداء المال، فلم يكن للسيد فسخ العقد في حقهم كما لم يكن له ذلك في حق العبد نفسه، ولم يكن له أيضًا فعل ما يؤدي إلى ذلك من انتزاع المال منهم.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
[٢٠٣٨] مسألة: وإن ترك أولادًا أحرارًا أو عبيدًا ليسوا معه في كتابته، فإن العقد يبطل ويكون ما ترك للسيد، وقال أبو حنيفة: يقوم ولده الأحرار مقامه ويرثونه؛ فدليلنا أن المواريث موضوعة على تساوي الحرم، وهذا مات مكاتبًا لا عبدًا على الإطلاق، ولا حرًا، بل مكاتبًا، له حكم مخالف لحكم العبد ولحكم الحر فلم يرثه ولده الأحرار ولا العبيد، وورثه من شركه في عقد كتابته.
[٢٠٣٩] مسألة: الإيتاء مستحب غير واجب، خلافًا للشافعي؛ لقوله ﷺ: «لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه»، ولأنه عقد معاوضة على رقبة العبد كبيعه من أجنبي، ولأن الواجبات ضربان مقدّر بالنص، وموكول إلى الاجتهاد في الكتابة، وما تنازعناه خارج عن هذين، ولأنه موكول إلى الإرادة والاختيار وليس ذلك في الأصول.
[٢٠٤٠] مسألة: إذا اختلف السيد والعبد في قدر مال الكتابة، فالقول قول العبد، وقال الشافعي: القول قول السيد؛ فدليلنا أنه عتق على مال، فأشبه قوله: إن جئتني بألف درهم فأنت حر، أن القول قول العبد.
[٢٠٤١] مسألة: إذا زوج ابنته من مكاتبه، ثم مات وكانت ابنته وارثة له فان النكاح ينفسخ، وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ؛ ودليلنا أن حكم الملك إذا منع ابتداء النكاح منع استدامته كالعبد القن، وقد ثبت أنّها لو أرادت أن تتزوجه ابتداء في هذه الحال لم يصحّ العقد عليه، كذلك إذا طرأ حكم الملك على نكاحها.
[٢٠٤٢] مسألة: قال ابن القاسم: إذا كاتبه على قيمته جاز، ويكون عليه الوسط من ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ فدليلنا أن مقدار القيمة معروف في الغالب فكان كالكتابة على الوصف.
[٢٠٤٣] مسألة: العبد بين شريكين لا يجوز لأحدهما أن يكاتب على
[ ٢ / ١٠٠١ ]
قدر حصته منه، أذن شريكه أم لم يأذن، وقال ابن أبي ليلى: يصحّ، ولا يعتبر بإذن الشريك، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: إن أذن الشريك جاز، وإن لم يأذن لم يجز؛ فدليلنا أن ذلك بمنزلة ابتداء تبعيض الحرية، وذلك غير جائز، وإذا ثبت منعه بغير إذن السيد ثبت منعه مع إذنه، لأن تبعيض العتق ممنوع لحق الله تعالى، فلا يسقط بإذن الشريك فيه.
[٢٠٤٤] مسألة: إذا وطىء مكاتبته فلا حدَّ عليه، كان عالمًا بتحريم ذلك أو جاهلًا به، وحكي عن الحسن: أنَّ عليه الحدّ إن كان عالمًا؛ فدليلنا أن بالكتابة لم تخرج عن ملكه، بدليل أنه لو اعتقها لنفذ عتقه فيها، وإنما ضعف ملكه، وضعف الملك شبهة في سقوط الحدّ.
[٢٠٤٥] مسألة: إذا كاتبها بشرط أن يطأها فالكتابة صحيحة، والشرط باطل، وقال أبو حنيفة والشافعي: الكتابة فاسدة؛ فدليلنا أن ذلك اشتراط منفعة من منافعها لا تؤدي إلى منع المقصود بالعقد، فإذا بطل لم يؤد إلى إبطال أصل الكتابة، أصله لو كاتبها على أن يستخدمها أو يزوجها من غلامه.
***
[ ٢ / ١٠٠٢ ]