[٢٠٥٢] مسألة: لا تجب الوصية للأقارب الذين لا يرثون، وذكر عن بعض التابعين وجوبها لمن لا يرث من الأقارب، للوالدين إذا لم يكونا وارثين وهو قول داود؛ فدليلنا قوله ﷺ لسعد وسأله بالتصدق بثلثي ماله، قال: «لا»، فال: فالشطر، قال: «لا»، قال: فبالثلث، قال: «الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، فعلل المنع بأن فيه إبقاء على الورثة، ولو كان ما تنازعناه واجبًا لم يعتبر فيه بقاء الورثة بعده أغنياء أو عالة، ولأن كل من لا تجب عطيته في الحياة لم تجب بعد الوفاة، كالأجانب، ولأنها هبة كحال الحياة، ولأن كل من لا يجب علمه إخراج ماله إلى شخص حال حياته، فكذلك بعد وفاته، أصله من لا قرابة له.
[٢٠٥٣] مسألة: إذا أوصى بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، كان موصيًا بماله كله، وقال أبو حنيفة والشافعي: يكون موصيًا بنصف ماله؛ فدليلنا أنّه لما أحال في معرفة القدر الموصى به على نصيب ابنه متقررًا قبل الوصية وأن لا يكون مفتقرًا في العلم بقدره إلى ربط الوصية به، وإذا كان نصيب ابنه قبل الوصية الكل، كان كأنه قال: قد وصيت لك بالكل فأشبه أن يقول لزيد دينار، وقد وصيت لعمرو بمثل نصيب زيد، فيقتضي أن يكون
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
له دينار، ومتى ربطنا نصيب الابن بالوصية تناقض، لأنه لا يحتاج أن يعلم مقدار نصيب الابن من مقدار الوصية، والموصي قصد أن يعلم قدر الوصية من نصيب الابن، فلمّا أدى إلى هذا التناقض وجب سقوطه، وصحّ ما قلناه.
[٢٠٥٤] مسألة: لا فرق بين أن يقول وصيت لك بنصيب ابني أو بمثل نصيبه، وقال الشافعي: إذا أوصى بنصيب ابنه بطلت الوصية؛ فدليلنا أن نصيب الابن هو كل المال، فإذا لم يوص فالابن يستحقه كله، وإذا أوصى الأب به فللأب منه الثلث فينفذ للموصى، ويكون الباقي موقوفًا على إجازة الابن، فإن أجازه فقد أجاز نصيبه في الحقيقة فلم يمنع.
[٢٠٥٥] مسألة: إذا أجاز الورثة الوصية للوارث جازت له، خلافًا لمن قال: لا تصحّ له على وجه؛ لأن المنع هو حق للورثة، ولأنه محجور عليه لأجلهم لئلا يفضل بعضهم على بعض، فإذا أجازوا فقد تركوا حقوقهم فجاز ذلك لهم، لأن المنع إنما تعلّق بحقهم فجاز بإجازتهم، ولأنها وصية لمباح، فجاز أن تصحّ كالوصية للأجنبي أو بزيادة على الثلث.
[٢٠٥٦] مسألة: إذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث، والوصية للوارث، كان ذلك تنفيذًا منهم لفعل الموصي، ولم يكن ابتداء عطية منهم للموصى له، وللشافعي قول: إنه يكون ابتداء عطية منهم؛ ودليلنا أن المنع هو لحق الورثة، فإذا أجازوه فإنما تركوا ما كان لهم من حق الفسخ فصحّ بتركهم الفسخ فعل الميت، وصاروا كأنهم أذنوا له أن يوصي بأكثر من ثلثه، وصار الميت كأنه أوصى بما له أن يوصي، وهو الثلث الذي لا اعتراض لهم فيه.
[٢٠٥٧] مسألة: إذا أذنوا له في المرض المخوف الذي يمنع فيه التصرف في ماله أن يوصي لوارث وبزيادة على الثلث، لم يكن لهم الرجوع فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي: لهم الرجوع، ولا يلزمهم الإذن إلا بعد
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
الموت وحكي عن قوم لزوم ذلك لهم في الصحة والمرض؛ فدليلنا أنها حال يملكون عليه الحجر فيها، فإذا أذنوا له فيما لهم منعه منه لزمهم، كالسّيد إذا أذن لعبده، والزوج لامرأته في الحج، ولأنّه حال يعتبر عطيته فيها من الثلث كبعد الموت.
[٢٠٥٨] مسألة: هبات المريض وعطاياه وعتقه وكل ما يخرجه من ماله على غير معاوضة موقوف غير متنجز، فإن صحّ لزمه، وإن مات كان من الثلث، وقال داود: كل ذلك جائز من رأس المال؛ فدليلنا قوله ﷺ: «إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند موتكم»، فأخبر أنّه ليس له إلا الثلث، فلم يجز زيادة عليه، ولحديث عمران بن حصين: أن رجلًا أعتق في مرضه ستة أعبد له لا مال له غيرهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فتغيظ لذلك غيظًا شديدًا ثم دعا بهم فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة، ولأن حضور سبب الموت جار في ذلك مجرى حضور نفس الموت، فإن منعوا ذلك دل عليه باجماع الصحابة، لأن أبا بكر ﵁ قال لعائشة ﵂: إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا، ولو كنت حزتيه لكان ذلك، وإنما هو اليوم مال الوارث، فبين أن حق الورثة متعلّق به في هذه الحال وإن ذلك هو المانع من تسليمه إليها ولم يخالف عليه أحد، ولأنه ابتداء عطية في المرض كالوصية.
[٢٠٥٩] مسألة: إذا أوصى بسهم من ماله، وجزء، أو بنصيب، فلأصحابنا فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن له الثمن، والآخر: السدس، والثالث: أنه ينظر مقدار ما
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
انقسمت عليه الفريضة بالأصل أو بالضرب فيعطي سهمًا منها، واتفقوا على أنه لا يبلغ به زيادة على السدس. وقال أبو حنيفة: يكون له مثل أقل سهام الورثة ما لم يزد على السدس، فإن زاد كان له السدس، وقال الشافعي: لا حدّ في ذلك، ويدفع إليه الورثة ما شاؤوا من غير مقدار.
فدليلنا على الشافعي أنه لا بد من حدّ بين الوصية بالسهم والجزء والنصيب وبين الوصية بالشيء، لأنّ السهم والجزء اسم لمقدّر، يقال هذا المال سهم على كذا وكذا بينهما، فيفاد بذلك الإبانة عن مبلغ مقدار ما لكل واحد منهم، وإذا ثبت ذلك ثم وصَّى بسهم من ماله صار كأنه قال قد وصيت لك بمقدار ولم يبينه، فيفارق ذلك قوله وصيت بشيء إلى أن يطلب ذلك المقدار، فإذا ثبت ذلك فوجه اعتبار الثمن أنه أقل السّهام؛ ووجه اعتبار السدس أنه أقل السهام المستحقة بأصل الميراث بخلاف الثمن، لأنه ليس بأصل، وإنما ينصرف إليه بالحجب؛ ووجه اعتبار سهام الفريضة أن قوله سهم من مال لا ينصرف إلى الفرائض المتحددة دون سهام الفريضة بدليل أنه لو كان ورثته عصبة لم ينصرف إلى ذلك فيهم فصحّ ما قلناه.
[٢٠٦٠] مسألة: إذا أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم يجز الورثة الزيادة على الثلث تضارب الموصى لهم في الثلث على خمسة أسهم، للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهمان، وقال أبو حنيفة: يقسمان الثلث نصفين؛ فدليلنا أنّهما وصيتان يقتسمان لو كانتا مرسلتين على التفصيل، فكذلك إذا كانتا مقيدتين، أصله إذا أوصى بالسدس والثمن، ولأنها وصايا تتفاضل إذا قصرت عن الثلث بحسابها، فوجب أن تتفاضل في قسمة الثلث عليها إذا زادت عليه كالمرسله.
[٢٠٦١] مسألة: إذا أوصى لرجلٍ بجميع ماله، ولآخر بثلثه، قسم الثلث بينهما على أربعة أسهم إذا لم يجز الورثة، وقال أبو حنيفة في إحدى
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
روايتيه: للموصى له بجميع المال خمسة أسداسه، وللموصى له بالثلث سدسه؛ فدليلنا أن السهام المستحقة إذا ضاق عنها قدر ما حصل من المال وجب قسمتها بين المستحقين على قدر ما حصل لكل واحد منهم من غير تخصيص بعضهم بزيادة كسهام الورثة في العول.
[٢٠٦٢] مسألة: تصحّ وصية الصبي المميز الذي يعقل وجوه القرب، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا تصحّ وصية لدون البالغ؛ فدليلنا إجماع الصحابة، لأنه مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ولا مخالف لهم، ولأنه عاقل عارف بوجوه القرب كالبالغ، ولأن الفقر مأمون عليه بعد الموت، فلا يبقى موضع يمنع الوصية.
[٢٠٦٣] مسألة: تصحّ الوصية إلى المرأة والعبد، كان له أو لغيره، خلافًا للشافعي؛ لأنها وصية إلى عاقل مأمون في نفسه يتأتى منه تنفيذها فأشبه الحر الذكر.
[٢٠٦٤] مسألة: إذا وصى له بثلث شيء بعينه فتلف ثلثاه، كان للموصى له بالثلث الباقي إذا احتمله ثلث المال، وحكي عن أبي ثور أنه قال: يكون له ثلث الثلث الباقي، وللورثة ثلثاه؛ ودليلنا أن الثلث يحتمل ما وصى به وما بقي منه، فوجب أن يستحقه كما لو أوصى له بعبد أو بثوب واحتمله الثلث.
[٢٠٦٥] مسألة: إذا أوصى له بأبيه أو بابنه فأبى أن يقبله لم يلزمه قبوله، وحكي عن قوم أنّهم أوجبوا عليه قبوله؛ فدليلنا أنها وصية فلم يلزم قبولها كالوصية بالمال، ولأنه استجلاب مال فلم يجب، أصله الابتياع.
[ ٢ / ١٠١٠ ]
[٢٠٦٦] مسألة: إذا أوصى بشيء من ماله بعينه ناضّ، وله عروض وديون وعقار وأموال غائبة، والناض يكون ثلث جميع ماله، فقال الورثة: لا نجيز، فهم بالخيار بين أن يجيزوا الناض كلّه أو يفرجوا له عن ثلث الميت كلّه، فيكون للموصى له ثلث جميع التركة، وقال أبو حنيفة والشافعي: للموصى له ثلث ذلك الشيء، لا يزاد عليه، ويكون بقيمة باقيه شريكًا في باقي تركة الميت حتى يستوفي قيمة الثلث، لا يزاد عليه؛ فدليلنا أن الورثة يتعدّى عليهم، لأنّ الميت لم يكن له أن يوصي من شيء بعينه، لأنّه لا يؤمن عليه أن يتلف باقي المال فتصل الوصية إلى الموصى له قبل وصول الميراث إلى الورثة، فإذا ثبت ذلك فالمتعدّى عليه مخير في الأصول، فيقال للورثة: أنتم بالخيار؛ بين أن يجيزوا للميت ما وصى له أو يفرجوا عنه عن الثلث الذي كان مستحقًا له، لأنه إنما تركه إلى ما فعله فإذا لم ينجزوه له عادت الوصية إلى ما كانت متعلقة به في الأصل، وذلك كالعبد إذا جنى، فإن الجناية متعلّقة برقبته، فإما فداه السيد وإما أسلمه، فإن فداه والا أفرج عنه، كذلك في مسألتنا.
[٢٠٦٧] مسألة: إذا أوصى بعبد، أو بثوب، أو بشيء بعينه لرجل، ثم وصى به لآخر، ولم يذكر رجوعًا عن الأول، فإنه يكون بينهما نصفين، قال عطاء وطاوس فيما حكي عنهما: أنه يكون للآخر، ويكون رجوعًا عن الأول؛ فدليلنا أنه إذا لم يذكر رجوعًا عن الأول لم يجز أن يكون جميع العبد لكل واحد منهما، ولا كان أحدهما أولى به من الآخر، لم يبق إلا أن يكون بينهما لتساويهما في سبب الاستحقاق، وهو الوصية به.
[٢٠٦٨] مسألة: إذا أوصى لبني فلان، وهم قبيلة لا يحصون، كبني تميم وتغلب، فالوصية صحيحة، وقال أبو حنيفة: الوصية باطلة؛ فدليلنا قوله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أو دين"، ولأنها وصية لفرقة غير معينة ولا محصية، كالفقراء، ولأنّ النسب معنى يتعرف به الجنس الموصى له، فإذا حصلت معرفته لم يضر الجهل بعددهم وأعيانهم في صحة
[ ٢ / ١٠١١ ]
الوصية لهم، كالصفات، مثل قوله: العلماء والفقراء.
[٢٠٦٩] مسألة: إذا قال ثلث مالي لفلان، وللفقراء والمساكين، أعطي فلان على قدر الاجتهاد، وقال أبو حنيفة لفلان الثلث، وللفقراء الثلث، وللمساكين الثلث؛ فدليلنا أنه لمّا قرن فلان بالفقراء والمساكين علمنا أنّه أراد إجراءه مجراهم وإعطاءه على حسب إعطائهم، وأنه إنما نص عليه ليجعل كنصيب آخر، وقد ثبت أن ما يصيب الفقراء مصروف فيهم على الاجتهاد، فكذلك يجب أن يكون حضهم مع فلان ومع المساكين، ولأنها عطية على وجه القربة للفقراء والمساكين مرسلة في اللفظ، فيجوز أن يعطى أحد الصنفين الموصى لهم بزيادة على الآخر كالزكاة.
[٢٠٧٠] مسألة: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده، أو سكنى داره، فللموصى له أن يؤاجر الدار والعبد، إلا أن يعلم أن الموصي أراد أن يسكنها بنفسه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس له ذلك؛ ودليلنا أن الموصى له قد ملك هذه المنافع فجاز له أخذ البدل عليها كالمستأجرة، ولأنها وصية بما يصحّ أن يملك فجاز أخذ العوض عليها كالأعيان.
[٢٠٧١] مسألة: تصحّ الوصية بسكنى دار وخدمة عبد وغلّة أرض وبستان، وقال ابن أبي ليلى: لا يصحّ، قال الطحاوي: وهو القياس؛ فدليلنا أن المانع يصحح إفرادها بالعقد، بدليل جواز الإجارة عليها، فصحت الوصية بها، كالأعيان، ولأنه تمليك منافع بغير بدل، كالعارية.
[٢٠٧٢] مسألة: إذا أوصى لعبد وارثه بشيء، فإن كان يسيرًا جاز، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في منعهما ذلك في القليل والكثير؛ لأن العبد يملك، وملكه منفرد عن ملك سيده إلا أن ينتزعه سيده فيصير حينئذ مالكًا له، فإذا أوصى له بالشيء اليسير علمنا أنه أراد به عين العبد لا السيد، لأنّه يتهم في ذلك القدر للسيد فخرج أن يكون وصية لوارث.
[ ٢ / ١٠١٢ ]
[٢٠٧٣] مسألة: إذا قال ضع ثلثي حيث شئت، أو اجعله حيث أحببت، أو أعطه من أحببت، فذلك كلّه سواء لا يأخذ لنفسه شيئًا ولا لولده، إلا أن يكون لذلك وجه، وقال أبو حنيفة: إذا قال اجعله حيث شئت أو ضعه حيث أحببت فله أن يأخذه لنفسه أو بعض ولده، ولو قال أعطه من أحببت لم يكن له أن يأخذه لنفسه، فالكلام في موضعين: أحدهما: أنه ليس له أن يأخذ لنفسه شيئًا إلا أن يكون لذلك وجه، والآخر: أنه لا فرق بين اللّفظين.
فدليلنا على الأول مفهوم هذه الألفاظ في الشرع أنها عبارة عن الاجتهاد بقدر فعل الإمام فيه ما رأى، وقد وضعه حيث أراه الله، مفهومه أنه قد وكل ذلك إلى رأيه، وجعله إلى اجتهاده، وقد علم أن الموصي بالثلث غرضه وضعه في وجوه القرب، وأنه إنما وكله إلى الموصى لينظر أنفع الوجوه له فيجعله فيه، فلو أراد أن يأخذ هو منه لقال له: أو لك منه كذا، وما أشبه ذلك من ألفاظ التمليك، وقياسًا على قوله: أعطه من شئت.
ودليلنا على الثاني قوله: ضعه بمنزلة قوله: أعطه من شئت، لأن مفهوم اللفظين واحد، ولأنه جعل صرفها موكولًا إلى مشيئته، كما لو قال: أعطه من شئت.
[٢٠٧٤] مسألة: إذا قال غلامي: يخدم فلانًا سنة ثم هو حر، فقال فلان: قد وهبت له خدمته، عتق العبد للوقت، ولو قال: لست أريد خدمته خدم ورثة السيد ثم عتق، وقال أبو حنيفة: العتق باطل والعبد رقيق للورثة كما لم يرض بخدمته؛ فدليلنا أن السيد علق العتق في وصيته بأجل لا بد أن يأتي فلم يبطل ذلك، أصله لو أطلق ولم يشترط خدمة فلان، بأن يقول: أنت حرٌّ بعد موتي بسنة، ولأن تعليق العتق بالأجل حاصل، وإنّما المنع من تنجيزه لحق الموصى له بالخدمة، وإذا وهبها له فقد زال المانع من العتق فوجب تنجيزه، كالاستيلاد أنه يوجب عتق أم الولد، وإنّما المانع من تنجيزه ثبوت حق السيد في الوطء، فإذا زال بموته تنجز عتقها، ولأن هبة الموصى له بالخدمة للعبد خدمته يجري مجرى استيفائه إياها، وقد ثبت أنه يعتق بعد الاستيفاء، كذلك بالهبة.
[ ٢ / ١٠١٣ ]
[٢٠٧٥] مسألة: إذا مات الموصي فهل تدخل الوصية في ملك الموصى له بنفس موته أو حتى يقبلها؟، قال شيوخنا: يكون الأمر مراعى، فإن قبلها تبينا أنها دخلت في ملكه بموت الموصي، وإن ردها تبينا أنها لم تزل على ملك الموصي، ومن أصحابنا من يقول: إن الوصية باقية على حكم ملك الميت، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها أنه مراعى، والآخر أنه يدخل في ملك الموصى له بنفس موت الموصي، والثالث بالموت وقبول الموصى له.
فدليلنا أنه قد ثبت أن الشيء الموصى به باق على ملك مالك، لأنه لا يجوز أن يكون مملوكًا لا مالك له، ولا يجوز أن يقال على ملك الميت لأنّ ملكه قد زال عنها إلى الموصى له أو الورثة، ولا يجوز أن يقال على حكم ملكه لأنّ ذلك فيما يخصه كالكفن، فأما فيما لا حق له فيه فلا يجب، فلم يبق إلا ما قلناه من أنه يكون للورثة وللموصى له، ولا يجوز أن يكون لأحدهما قطعًا، لأنه لو كان كذلك لم يكن للآخر أن يملكه، فثبت أنه مراعى، وأن الميت جعل له أن يتملّكه، فإن تملّكه تبينا أنه حصل ملكًا له بالموت، وكان قبوله دالًا على ذلك.
فوجه قول صاحبنا، إنّه تمليك غير مفتقرٍ إلى إيجاب وقبول، فلما لم يحصل قبول الملك فإن الملك لا ينتقل كالعطايا والهبات.
[٢٠٧٦] مسألة: إذا لم يكن له وارث معين لم يكن له أن يوصي إلا بالثلث، فإن زاد كان ما زاد لبيت المال ميراثًا، وقال أبو حنيفة: له أن يوصي بكل ماله؛ فدليلنا قوله ﷺ: «إن الله تعالى جعل لكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم»، وهذا نهي أن يكون للمريض حق تصرف فيما زاد على الثلث، ولأنها عطية تلزم بالموت فكانت في الثلث، أصله إذا كان له وارث معين، ولأن له من يعقل عنه فلم يكن له أن يوصي بزيادة
[ ٢ / ١٠١٤ ]
على الثلث كما لو كان له أموال، ولأن أسباب التوارث مختلفة في القوة والضعف، والنسب أولى من الولاء، والولاء أقوى من موالاة الدّين، ثم قد ثبت أن مع بعض هذه الأسباب ليس له أن يزيد على الثلث فكان مع ما ضعف عنها أولى، فإن قيل هذا مبني على أنّ المال ينتقل إلى المسلمين إرثًا فدلوا على ذلك، قلنا: لأنهم يعقلون عنه فجاز أن يرثوه كالمولى، ولأنه ميت من أهل الإسلام فلم ينفك عن وارث كالذي له نسب معين.
[٢٠٧٧] مسألة: الجد كسائر العصبات لا ولاية له على الأيتام إلا بوصية من أب أو تولية من سلطان، وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا لم يكن له أب ولا وصي فالجدّ ولي كالأب؛ فدليلنا أن كل من لم يكن له ولي حال وجود الأب، لم يكن وليًا بنفسه بعده، كسائر العصبات.
[٢٠٧٨] مسألة: الوصية للعبد جائزة، سواء كان عبد الموصي أو عبد غيره، فإذا أوصى لعبده بثلث ماله جاز وعتق العبد من الثلث إن حمله، فإن بقي شيء منه أعطي، وقال الأوزاعي: لا تجوز الوصية، ويكون العبد للورثة؛ فدليلنا أن الوصية بالثلث تشتمل على رقبة العبد، لأنها مال للموصي كسائر أمواله فكانت الوصية له بالثلث كالوصية له برقبته، ولو وصى له برقبته أو تصدق بها عليه، أو وهبها له لعتق، فكذلك الوصية بالثلث الذي يدخل فيه.
[٢٠٧٩] مسألة: الوصية للمشركين جائزة، كانوا أهل حرب أو ذمة، وقال أبو حنيفة: لا تصحّ لأهل الحرب؛ فدليلنا قوله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أو دين"، ولأنّ كل من جازت عطيته في الحياة جازت بعد الوفاة كالذمي ولأنَّ كل من صحّ تمليكه بغير الوصية صحّ أن يملك بالوصية كالمعاهد والمستامن، ولأنّ اختلاف الأديان أو الدّار لا يؤثر في التمليك بالوصية، أصله وصية الذمي للمسلم.
[٢٠٨٠] مسألة: إذا أوصى إليه بشيء خاص لم يكن وصيًا في غيره،
[ ٢ / ١٠١٥ ]
ولو وصى إلى أحدهما بقضاء دينه، وإلى الآخر بالنظر في أمر ولده لم يكن لأحدهما النظر فيما رده إلى الآخر، وقال أبو حنيفة: يكون كل واحد منهما وصيًا فيما رده إليه وفيما يرده إلى الآخر، ويصير كالوكيل المفوض إليه.
فدليلنا قوله تعالى: "فمن بدلة بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه"، وليس في التبديل أكثر من أن يوصي إليه في شيء مخصوص، فجعل إليه غيره مما لم يوص إليه به، ولأنه ملك التصرف بتفويض غيره إليه، فوجب أن يكون مقصورًا على قدر ما فوضه إليه كالوكيل، ولأنه يلي بتوليته، فلم يملك النظر إلا بما تناولته الولاية كالحاكم والأمير، ولأن الموصي له غرض في إفراد كل واحد بما جعله إليه، لعلمه بأنّه يقوم به ولا يقوم بما جعله إلى غيره، ففي إشراكنا بينهما بعض إبطال غرضه، فلم يجز.
[٢٠٨١] مسألة: إذا أوصى رجلين مطلقًا لم يملك أحدهما أن ينفرد بالتصرف بحال إلا برضى الآخر وإذنه، وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف فيما جعل إليهما، وقال أصحاب أبي حنيفة: إنّه ليس لأحدهما أن يتصرف في شيء دون صاحبه إلا في سبعة أشياء، شراء كفن الميت، وقضاء ديونه عنه، وإنفاذ وصيته، ورد الوديعة المعينة، وشراء ما لا بد للصغير منه، وقبول الهبة للصغير، والخصومة عن الميت فيما يدّعى عليه وفيما يدعيه له من الحقوق.
فدليلنا أن الموصي شرك بينهما في النظر ولم يرض بانفراد أحدهما بالنظر دون أن ينضم إليه الآخر فوجب أن لا يملك أحدهما الانفراد به، أصله إذا وكلهما وكالة مطلقة، ولأن في انفراد أحدهما بالنظر إسقاط حق الآخر من الشركة له، وذلك تبديل الوصية، وقال تعالى: "فمن بدله بعدما
[ ٢ / ١٠١٦ ]
سمعه" الآية، ولأنه تصرف لم يرض به الموصي فلم يجز، أصله تصرف الأجنبي.
وعلى أبي حنيفة خاصة، لأن الجهة التي يملك بها التصرف في هذه السبعة يملك بها التصرف فيما عداها، وقوله: أوصيته إليكما، فوجب أن يكون الحكم في كل ذلك واحدًا.
[٢٠٨٢] مسألة: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته، وله ورثة متفاضلون في الميراث، نظر إلى عدد رؤوسهم فأعطي سهمًا من عددهم، وقال الشافعي: يكون له نصيب أقلهم، لأنه يقين، وما زاد عليه مشكوك فيه؛ فدليلنا أنه لا يخلو أن يكون الاعتبار بأنصبائهم لأنه يجوز أن يكون أراد الأكثر، ويجوز أن يكون أراد الأقل فلم يبق إلا اعتبار الرؤوس. [٢٠٨٣] مسألة: إذا أوصى لأجنبي [و] وارث، فلم يجز الورثة الوصية، فإن الوارث يحاص بوصيته الأجنبي، فما حصل له رجع ميراثًا، وما بقي بعد ذلك رجع لأهل الوصايا، خلافًا للشافعي في قوله: يكون كالموصى له الأجنبي؛ لأن الميت لم يرد إفراد الأجنبي حين أدخل معه غيره فكأنّه أعطاه الفاضل عن عطية الوارث، ألا ترى الورثة لو أجازوا لم يستحق الأجنبي إلا نصف الوصية، وإنما يؤثر منعهم في غير من يأخذ الفاضل من مقدار نصيبه.
[٢٠٨٤] مسألة: إذا أوصى له مطلقًا جاز له أن يوصي إلى غيره، خلافًا للشافعي؛ لأن الموصي لما أطلق ولم يقيد كان ذلك في عموم أحواله ولأنها حال يصحّ استثناوها وتقييد الوصية بها، فإذا أطلقت الوصية عارية منها وجب أن يتضمنها كحال السفر والغيبة، ولأن الوصية ولاية فجاز لواليها أن يستخلف إذا لم يكن على يده يدًا، أصله الأمانة الكبرى.
[٢٠٨٥] مسألة: إذا وصى لميت وهو يعلم أنه ميت فالوصية صحيحة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "فمن بدله بعدما
[ ٢ / ١٠١٧ ]
سمعه" فعم، ولأنّه آدمي فصحت الوصية له كالحي، ولأنها أحد أحوال الآدمي فجازت الوصية فيها كحال الحياة، ولأن الغرض بالوصية نفع الموصى له على وجه يصحّ من العقلاء قصده، وذلك يختلف باختلاف حال من يوصى له، تارة يكون بالتمليك للحي، وتارة يكون بغيره كالوصية للمسجد والقنطرة والجسور وما أشبه ذلك، والغرض من الوصية للميت أن يكون كماله الذي يتركه فيتصدّق بها عنه ويقضي منها ديونه، ويرثها ورثته.
[٢٠٨٦] مسألة: الوصية فيما علم به الميت في ماله دون ما لم يعلم به، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن ما لم يعلم به فقد علمنا أنّه لم يرده ولا قصده بالوصية فكان في حكم المستثنى ممّا وصى به.
[٢٠٨٧] مسألة: تصحّ الوصية للقاتل عمدًا أو خطأ، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: "فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه"، فعم، ولأنها هبة فالقتل لا يمنعها اعتبارًا بحال الحياة، ولأنه تملك فصحّ في القاتل كإسقاط الحقوق.
[٢٠٨٨] مسألة: إذا وصى له بعبد من عبيده أو شاة من غنمه، فله جزء منهم بالقيمة، وإن كانوا أربعة فله الربع أو عشرة فله العشر، خلافًا للشافعي في قوله: إن الورثة يدفعون إليه رأسًا منها أي شيء اختار؛ لأن في ذلك تعارض الدعاوى، ولأن الورثة يدعون أنه يستحق أدناها قيمة، والموصى له يدّعي أنه يستحق أعلاها قيمة، وليس أحدهما أولى من الآخر بقوله، فلم يبق إلا اعتبار الجزء، لأن ذلك هو العدل بينهم.
[٢٠٨٩] مسألة: الحامل إذا بلغت ستة أشهر، والمحبوس للقتل في قود واحد، والزاحف في الصف، كل هؤلاء حكمهم حكم المريض المخوف عليه في قصر تصرفهم على الثلث، وقال أبو حنيفة والشافعي: حكمهم حكم
[ ٢ / ١٠١٨ ]
الصحيح ما لم يضرب الحامل الطلق، ويقرب المحبوس للقتل، ويتقدّم الزاحف إلى البراز؛ فدليلنا أن الأحوال التي ذكرناها حال خوف شديد على من انتهى إليه، بدليل قوله تعالى: "فلما أثقلث دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا"، قيل في التفسير: بلغت ستة أشهر، ولأنها بلغت حال الوضع فكانت كحال الطلق، ولأن الله تعالى جعل حضور سبب الموت كحضور الموت بنفسه فقال تعالى: "ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه"، يريد رأيتم أسبابه وعلاماته، وهذا موجود في المحبوس للقتل والزاحف في الصف، ولأن تجويز الموت عليهم مع حضور سببه، كتجويزه على المريض مع اختلاف الأمراض المخوفة في بقاء زيادة المرض وسرعة تلفه، فإذا كان ذلك لا اعتبار به، فكذلك في مسألتنا.
[٢٠٩٠] مسألة: إذا فرط في زكاة فإنه إن أوصى لزم الورثة إخراجها من الثلث، خلافًا للشافعي في قوله: تكون من رأس المال؛ لأنه يتهم أنه أراد الانتفاع بالمال حياته وصرفه عن ورثته بعده، فكانت كالوصايا، وفارقت الديون.
[٢٠٩١] مسألة: إذا لم يوص بها ولم يعلم صحة دعواه بغير قوله، لم يلزم الورثة إخراجها عنه، خلافًا للشافعي؛ لأن إخراجها موكول إلى أمانته، فيجوز أن يكون قد أخرجها من حيث لا يعلم غيره.
[٢٠٩٢] مسألة: إذا زاحمتها الوصايا قدمت على ما هو أضعف منها، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها وسائر الوصايا سواء؛ لأنها آكد من غيرها، لأنه لولا التهمة لكانت من رأس المال.
***
[ ٢ / ١٠١٩ ]