وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهِيَ اثْنَانِ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى الشَّرَائِطُ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ الْمَوَاقِيتُ وَهِيَ زَمَانِيَّةٌ وَمَكَانِيَّةٌ
الْقِسْمُ الثَّانِي فِي الْمَقَاصِدِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ مِنْ إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ، الْبَابُ الثَّانِي فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ مِنْ الْإِحْرَامِ وَسُنَنِهِ وَسُنَنِ دُخُولِ مَكَّةَ وَوَاجِبَاتِهِ وَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَسْبَابِ التَّحَلُّلِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالرَّمْيِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ وَبَيَانِ مَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ وَحُكْمِ الصَّبِيِّ
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ اللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَالْحَلْقِ وَالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَإِتْلَافِ الصَّيْدِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اللَّوَاحِقِ وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ مِنْ الْإِحْصَارِ وَالْحَبْسِ وَالرِّقِّ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْأُبُوَّةِ وَالدَّيْنِ
الْبَابُ الثَّانِي فِي الدِّمَاءِ فِي أَحْكَامِ الْهَدَايَا وَأَنْوَاعِ الدِّمَاءِ وَأَزْمَانِ إرَاقَتِهَا (فُرِضَ الْحَجُّ وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ مَرَّةً) ابْنُ يُونُسَ: الْحَجُّ فَرْضٌ عَلَى مُسْتَطِيعِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ الْمُكَلَّفِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ
[ ٣ / ٤١٢ ]
كَالْوِتْرِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا قَالَ: وَهِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْعُمْرِ. (وَفِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ خِلَافٌ) الْجَلَّابُ: مَنْ لَزِمَهُ فَرْضٌ فِي الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَفَرْضُهُ عَلَى الْفَوْرِ دُونَ التَّرَاخِي
[ ٣ / ٤٢٠ ]
وَالتَّسْوِيفِ. وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا لِلْعِرَاقِيِّينَ، وَعَزَا لِابْنِ مُحْرِزٍ وَالْمَغَارِبَةِ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ.
[شَرَائِط الْحَجّ]
(وَصِحَّتُهُمَا بِإِسْلَامٍ) ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجِّ إلَّا الْإِسْلَامُ ثُمَّ
[ ٣ / ٤٢٤ ]
قَالَ: وَتُسَاوِي الْعُمْرَةُ الْحَجَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ خَلَا الْوُجُوبِ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
(فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَصِحُّ الْحَجُّ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَلِلْمَجْنُونِ وَيُحْرِمُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا بِتَجْرِيدِهِمَا نَاوِيهِ
[ ٣ / ٤٢٦ ]
وَلَا يُلَبِّي عَنْهُمَا وَيُجَرَّدُ الْمُنَاهِزُ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَنْتَهِزُ كَابْنِ ثَمَانِ سِنِينَ فَيُجَرَّدُ قُرْبَ الْحَرَمِ. (وَمُطْبِقٍ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: يُحْرِمُ عَنْ الْمَجْنُونِ وَلِيُّهُ. اللَّخْمِيِّ: الرَّضِيعُ كَالْبَهِيمَةِ وَأَمَّا ابْنُ الرَّضِيعِ كَالْبَهِيمَةِ وَأَمَّا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ فَيَخْتَلِفُ إذَا عَقَدَ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامَ وَكَذَلِكَ الْمُطْبِقُ وَالْمَجْنُونُ فَأَجَازَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ.
(لَا مُغْمًى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَحْرَمَ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ
[ ٣ / ٤٣٣ ]
مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ (وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: الْمُمَيِّزُ يُحْرِمُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَيُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ (وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: شَكَّ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَوَازِ تَحْلِيلِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ السَّفِيهِ وَلِيُّهُ قُصُورٌ لِقَبُولٍ. الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ: قَوْلُ أَشْهَبَ لَوْ عَتَقَ أَوْ بَلَغَ عَقِبَ تَحْلِيلِهِ سَيِّدُهُ أَوْ وَلِيُّهُ فَأَحْرَمَ لِفَرْضِهِ، أَجْزَأَهُ.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إحْرَامُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ لِسَفَهٍ اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ ". (وَلَا قَضَاءَ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ ".
(بِخِلَافِ الْعَبْدِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُ ذِي رِقٍّ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. الْجَلَّابُ:
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وَعَلَى الْعَبْدِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ. (وَأَمَرَهُ مَقْدُورَهُ وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ إنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ لَا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ)
[ ٣ / ٤٣٦ ]
(وَأَحْضَرَهُمْ الْمَوَاقِفَ) الْقَرَافِيُّ: إنْ لَمْ يَقْوَ الصَّبِيُّ عَلَى الطَّوَافِ طَافَ بِهِ مَنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ مَحْمُولًا عَلَى سُنَّةِ الطَّوَافِ وَلَا يَرْكَعُ عَنْهُ إنْ لَمْ يَعْقِلْ الصَّلَاةَ لِتَعَذُّرِ النِّيَابَةِ فِيهَا شَرْعًا، وَلَهُ أَنْ يَسْعَى عَنْهُ وَعَنْ الصَّبِيِّ سَعْيًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الطَّوَافِ. إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَتَكَلَّمُ لُقِّنَ التَّلْبِيَةَ وَإِلَّا سَقَطَتْ كَمَا تَسْقُطُ عَنْ الْأَخْرَسِ وَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهَا سَقَطَ دَمُهَا، وَيَخْرُجُ بِهِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَقِفُ بِهِ وَيَبِيتُ بِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ رَمَى وَإِلَّا رَمَى عَنْهُ وَلَا يَرْمِي عَنْهُ إلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَدَاخُلِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ.
(وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إنْ خِيفَ ضَيْعَتُهُ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ إنْ بِحَجِّهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ضَيْعَتِهِ بَعْدَهُ إذْ لَا كَافِلَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ مَا أَكْرَى
[ ٣ / ٤٣٨ ]
وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا قَدْرَ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي مُقَامِهِ.
(كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ بِلَا ضَرُورَةٍ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَا أَصَابَ الصَّبِيُّ مِنْ صَيْدٍ أَوْ مَا فِيهِ فِدْيَةٌ فَفِي مَالِ الْأَبِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِهِ نَظَرًا لِأَنَّهُ
[ ٣ / ٤٤٠ ]
لَوْ تَرَكَهُ ضَاعَ فَيَكُونُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
(وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إحْرَامِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجِّ إلَّا الْإِسْلَامُ إذْ يَصِحُّ حَجُّ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ، وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ حَجِّ الْإِسْلَامِ مَا عَدَا الْإِسْلَامَ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ.
(بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مَنْ نَوَى النَّفَلَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ
[ ٣ / ٤٤٢ ]
الْفَرْضِ (وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: يَجِبُ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا قُدْرَةُ الْوُصُولِ
[ ٣ / ٤٤٧ ]
(بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ) نَحْوُ هَذَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ (وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُعْتَبَرُ فِي
[ ٣ / ٤٤٨ ]
الِاسْتِطَاعَةِ الْإِمْكَانُ غَيْرُ الْمُضِرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَيُعْتَبَرُ الْأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ (إلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا قَلَّ لَا يَنْكُثُ عَلَى الْأَظْهَرِ) ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ إلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ: إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَشُقُّ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ كَالثَّمَنِ فِي مَاءِ الطَّهَارَةِ وَالثَّمَنِ فِي رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قَرِيبًا فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَخْفِرَهُمْ
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وَيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ فَيَصِيرُونَ قَدْ غَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَغْلِبُ مِنْ غَالِبِ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفِرُ مَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا أَشْبَهُ انْتَهَى بِالْمَعْنَى ابْنُ يُونُسَ: وَلَمْ أَجِدْهُ لِابْنِ رُشْدٍ. (وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) قِيلَ لِمَالِكٍ: الِاسْتِطَاعَةُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ وَاحِدٌ يَجِدُ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ، وَآخَرُ يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ رَاجِلًا وَرُبَّ صَغِيرٍ أَجْلَدُ مِنْ كَبِيرٍ وَلَا صِفَةَ فِي هَذَا أَبْيَنُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
(كَذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ قَدَر عَلَى الْمَشْيِ وَمَا يَعِيشُ بِهِ فِي بَلَدِهِ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِ لَا يَعْدَمُهَا أَوْ سُؤَالٍ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
(وَكَأَعْمَى بِقَائِدٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: قُدْرَةُ أَعْمَى عَلَى وُصُولِهِ بِقَائِدٍ اسْتِطَاعَةٌ (وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) . رَاجِعْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ
[ ٣ / ٤٥٧ ]
الْحَجَّ تَارَةً يَجِبُ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالْمَرْكَبِ وَتَارَةً يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِمَا وَتَارَةً يَجِبُ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًا) . ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ بِثَمَنِ وَلَدِ الزِّنَا وَأَنْ يُعْتِقَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْبَابُ عِنْدَهُ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ رَسْمِ الْمُحْرِمِ.
قَالَ عُمَرُ: هُوَ خَيْرُ الثَّلَاثَةِ. الْقَرَافِيُّ: إنْ غَصَبَ مَالًا فَحَجَّ بِهِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُجْزِئُهُ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي الدَّارِ
[ ٣ / ٤٦٠ ]
الْمَغْصُوبَةِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ عِنْدَ الْحَجِّ بَلْ هُوَ كَمَنْ غَرَّ بِنَفْسِهِ وَحَجَّ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ غَصَبَ فَرَسًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّخْمِيِّ: سَهْمَاهُ لَهُ لَا لِرَبِّ الْفَرَسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ: مَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ فَلَهُ الشَّهَادَةُ وَعَلَيْهِ الْمَعْصِيَةُ فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَتِهِ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَةٍ.
(أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّاضِّ مَا يَحُجُّ بِهِ وَعِنْدَهُ عُرُوضٌ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ
[ ٣ / ٤٦٢ ]
عُرُوضِهِ لِلْحَجِّ مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ.
(أَوْ بِافْتِقَارِهِ أَوْ تَرَكَ وَلَدَهُ لِلصَّدَقَةِ) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْقَرْيَةُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، أَيَبِيعُهَا فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ وَلَدَهُ فِي الصَّدَقَةِ (إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا) ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: " وَيَتْرُكُ وَلَدَهُ فِي الصَّدَقَةِ " هَذَا إنْ
[ ٣ / ٤٦٣ ]
أَمِنَ ضَيْعَتَهُمْ (لَا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ) . الْقَرَافِيُّ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ بُذِلَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ
[ ٣ / ٤٦٨ ]
لِأَنَّ أَسْبَابَ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ تَحْصِيلُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ مِنْ الْحَجِّ. (أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا) . ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَجِبُ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ قَادِرٍ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ بِالسَّفَرِ اسْتِطَاعَةٌ.
وَقَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَادَتُهُ السُّؤَالُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ
[ ٣ / ٤٧١ ]
إعْطَاءَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ الْمَسِيرُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ السُّؤَالَ أَوْ لَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ إعْطَاءَهُ سَقَطَ الْحَجُّ بِالِاتِّفَاقِ. (وَاعْتُبِرَ مَا يُرَدُّ بِهِ خَشِيَ ضَيَاعًا) نَصَّ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ مَا يُوَصِّلُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ هُنَاكَ ضَاعَ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَيُرَاعِي مَا يُبْلِغُهُ وَيَرْجِعُ بِهِ إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِمَّا
[ ٣ / ٤٧٤ ]
يُمْكِنُهُ التَّمْعِيشُ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُعَلَّى عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارَ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَحْرُ الْآمِنُ مَعَ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَالْبَرِّ وَإِلَّا سَقَطَ (أَوْ يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلَاتِهِ لِكَمِيدِ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ غَالِبُ رَاكِبِ الْبَحْرِ الْعَطَبَ أَوْ عَلِمَ مِنْ حَالِ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَمِيدُ حَتَّى يُعَطِّلَ الصَّلَاةَ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ إلَّا عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ فَلَا يَرْكَبُهُ.
قَالَ مَالِكٌ:
[ ٣ / ٤٧٥ ]
أَيَرْكَبُ حَيْثُ لَا يُصَلِّي وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ.
قَالَ سَنَدٌ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَإِذَا ذَكَرَ الْعِشَاءَ صَلَّاهَا وَإِنْ فَاتَ الْحَجُّ فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ عَلَى الْحَجِّ.
(وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) . ابْنُ شَاسٍ: الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ إلَّا فِي اسْتِصْحَابِ الْوَلِيِّ. ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ النِّسَاءُ كَالرِّجَالِ وَإِنْ قَوِينَ لِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ فِي مَشْيِهِنَّ إلَّا الْمَكَانَ الْقَرِيبَ، مِثْلُ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا أَقْرَبُ مِنْهَا إذَا أَطَقْنَ الْمَشْيَ. وَكَرِهَ مَالِكٌ حَجَّ الْمَرْأَةِ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهَا تَنْكَشِفُ. (إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ وَرُكُوبِ بَحْرٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ وَكَرَاهَةُ مَالِكٍ حَجَّهَا فِي الْبَحْرِ (إلَّا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ) . اللَّخْمِيِّ: رُكُوبُ النِّسَاءِ فِي الْبَحْرِ إذَا كَانَتْ فِي سَرِيرٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ عِنْدَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ إلَّا فِي
[ ٣ / ٤٨٥ ]
الْمَشْيِ مِنْ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَرُكُوبِ الْبَحْرِ وَاخْتُلِفَ فِي إلْزَامِهَا ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ اللُّزُومِ فِيهَا.
قَالَ عِيَاضٌ: إلَّا فِي الْمَرَاكِبِ الْكِبَارِ الَّتِي تَخْتَصُّ فِيهَا بِمَكَانٍ.
(وَزِيَادَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَعْرُوفُ شَرْطُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِصُحْبَةِ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ (كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ) . الْبَاجِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ صُحْبَةُ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ فِي كِبَرِ الْقَوَافِلِ وَعَامِرِ الطُّرُقِ الْمَأْمُونَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: جَمَاعَةُ النَّاسِ كَالْمَحْرَمِ (بِفَرْضٍ) .
[ ٣ / ٤٨٨ ]
ابْنُ حَبِيبٍ: لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِلْفَرْضِ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا وَلَا بُدَّ فِي التَّطَوُّعِ مِنْ إذْنِهِ وَالْمَحْرَمِ. وَقَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ وُجُودُ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ يَكْتَفِي بِالرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ. هَذَا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ وَأَمَّا فِي النَّافِلَةِ فَلَا، وَسَوَاءٌ الشَّابَّةُ وَغَيْرُهَا. (وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ) عِيَاضٌ: اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ: " تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ " هَلْ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ حَدِّ الْجِنْسَيْنِ؟ وَأَكْثَرُ مَا نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا عَنْهُ
[ ٣ / ٤٩٦ ]
اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ لَيْسُوا مِنْهَا بِمَحْرَمٍ، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَتُسَافِرُ كَيْفَ شَاءَتْ لِلْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ مَعَ الرِّجَالِ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ. (وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ
[ ٣ / ٤٩٧ ]
الْجُمْهُورِ.
(وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ) رَوَى ابْنُ وَهْبٍ: تَطَوُّعُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الْحَجِّ.
وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ سَنَدٍ قَالَ مَالِكٌ: الْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ (وَإِلَّا لِخَوْفٍ) سَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ: الْحَجُّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ
[ ٣ / ٥٠٧ ]
الْغَزْوِ إلَّا فِي الْخَوْفِ، وَمِنْ الصَّدَقَةِ إلَّا فِي الْمُجَامَعَةِ وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ.
(وَرُكُوبٌ) رَوَى مُحَمَّدٌ:
[ ٣ / ٥١٤ ]
الْحَجُّ عَلَى الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَشْيِ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيِّ عَكْسَ هَذَا. (وَمُقَتَّبٌ) الْجَوْهَرِيُّ: الْقَتَبُ رَجُلٌ صَغِيرٌ عَلَى قَدْرِ السَّنَامِ وَاقْتَتَبَتْ الْبَعِيرَ أَقْتَابًا إذَا شَدَدْت عَلَيْهِ الْقَتَبَ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: الْمُقَتَّبُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَحْمَلِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِ - ﵇ - وَلِإِرَاحَةِ الدَّابَّةِ.
[ ٣ / ٥١٦ ]
(وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ) . ابْنُ يُونُسَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالْحَجِّ عَنْ مَيِّتٍ ضَرُورَةً وَلْيَتَطَوَّعْ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ. التَّلْقِينُ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ
[ ٣ / ٥١٨ ]
يَحُجَّ لَمْ يَلْزَمْ الْحَجُّ عَنْهُ فِي رَأْسِ مَالِهِ وَلَا فِي ثُلُثِهِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ. (وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عِنْدَنَا عَلَى الْحَجِّ، الْقَرَافِيُّ: إنَّمَا صَحَّحْنَاهَا لِأَنَّهَا مَحِلُّ اجْتِهَادٍ فَلَا يُقْطَعُ بِالْبُطْلَانِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَلَى وَجْهِ الْجَعَالَةِ وَهُوَ أَنْ لَا يُلْزِمَ نَفْسَهُ شَيْئًا وَلَكِنْ إنْ حَجَّ كَانَ لَهُ
[ ٣ / ٥٢١ ]
كَذَا وَإِلَّا فَلَا
الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ بِالنَّفَقَةِ وَتُسَمَّى الْبَلَاغُ وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةٍ رَجَعَ بِهَا وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ رَدَّهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَلَاغِ. (وَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهَا) الْجَلَّابُ: الْإِجَارَةُ الْمَضْمُونَةُ هُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ
[ ٣ / ٥٢٤ ]
الرَّجُلُ عَلَى حَجَّةٍ مَوْصُوفَةٍ مِنْ مَكَان مَعْلُومٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَكُونَ الْفَضْلُ لَهُ وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ كَانَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَأَخَذَ الْبَاقِيَ مِنْ مَالِهِ. ابْنُ شَاسٍ: هِيَ كَالْإِجَارَةِ كُلِّهَا (وَتَعَيَّنَتْ فِي الْإِطْلَاقِ) مِنْ وَثَائِقِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَزَائِرِيِّ. الْإِجَارَةُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: اسْتِئْجَارٌ وَبَلَاغٌ وَمَضْمُونٌ. وَلَا يُعْرَفُ غَيْرُهُ الْمَضْمُونُ إذْ لَا يَضْمَنُ الْعَمَلَ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْمَالَ وَلَوْ ضَمِنَ الْعَمَلَ لَوَجَبَ عَلَى وَرَثَتِهِ إكْمَالُ الْحَجِّ إنْ مَاتَ، وَكَانَ بَعْضُ الْقُضَاةِ يَقْضِي بِالْمَضْمُونِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا يَضْمَنُ الْحَجَّةَ لَا الْإِجَارَةَ وَكَذَلِكَ سُنَّةُ السَّلَفِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْجُعَلَ وَاعْتَمَدَ فِي تَقْيِيدِ ذَلِكَ عَلَى مَا يَعْهَدُ بِهِ الْمُوصِي فَإِنْ لَمْ يُفَسِّرْ فَعَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ.
(كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ) فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَجِّ عَنْ مَيِّتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَيِّتِ (وَلَهُ
[ ٣ / ٥٢٥ ]
بِالْحِسَابِ إنْ مَاتَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْجَلَّابِ: كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحَسَبِ مَا عَمِلَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ وَانْفَسَخَ الْبَاقِي عَنْ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى حُكْمِهِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ صَدَّهُ عَدُوٌّ وَحَلَّ مَكَانَهُ وَإِنْ مَرِضَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ أَقَامَ حَتَّى مَكَانِهِ وَيَحِلُّ
[ ٣ / ٥٢٦ ]
بِعُمْرَةٍ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي تَمَادِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِخَطَأِ الْعَدَدِ وَلَا شَيْءَ لَهُ بِتَمَادِيهِ لِأَنَّ الْعَامَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ ذَهَبَ أَوْ فِي مَعْنَى الذَّاهِبِ، وَإِنَّمَا تَمَادِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيمَا يَنْحَلُّ بِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ. وَلَوْ أَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَإِنْ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَضَى قَابِلًا وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَجَّةٍ مَضْمُونَةٍ فَصَدَّهُ عَدُوٌّ حَلَّ ثُمَّ يَنْظُرُ. فَإِنْ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ لِقَابِلٍ لَمْ تُفْسَخْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ أَوْ يَفْسَخَ.
وَكَذَلِكَ إنْ مَرِضَ وَفَاتَهُ الْحَجُّ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ بِالْخِيَارِ إذَا كَانَ عَلَى بُعْدٍ، وَلَا خِيَارَ لَهُ إذَا لَمْ تُدْرِكْهُ مَشَقَّةٌ فِي الصَّبْرِ. وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ وَحَجّ أَجْزَأَهُ وَاسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ الْبَاقِي مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ وَمَا يُقِيمُ لِأَعْمَالِهِ حَتَّى يَقْضِيَ الْحَجَّ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ كُلَّهَا لِأَنَّهُ بَلَغَ مَكَّةَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ عُمْدَةَ مَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى عَامٍ بِعَيْنِهِ فَصَدَّهُ عَدُوٌّ حَلَّ وَرَجَعَ وَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ، وَإِنْ تَمَادَى وَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ لَمْ تَكُنْ لَهُ نَفَقَةٌ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي صُدَّ فِيهِ حَتَّى رَجَعَ إلَيْهِ وَلَهُ النَّفَقَةُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي صُدَّ فِيهِ حَتَّى رَجَعَ.
وَكَذَلِكَ إنْ مَرِضَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لَهُ نَفَقَتُهُ مَا أَقَامَ مَرِيضًا وَلَا شَيْءَ فِي رَجْعَتِهِ وَلَهُ فِي تَمَادِيهِ إلَى مَكَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ تَمَادَى وَلَهُ نَفَقَتُهُ فِي تَمَادِيهِ وَفِي رَجْعَتِهِ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّجُوعَ، وَإِنْ مَاتَ وَكَانَ الْحَجُّ عَلَى الْإِجَارَةِ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ مَا سَارَ وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ الْبَاقِيَ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ بِنَفَقَتِهِ كَانَ لَهُ مَا أَنْفَقَ وَاسْتَرْجَعَ الْفَاضِلَ، وَإِنْ كَانَتْ جُعْلَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا سَارَ مِنْ؛ الطَّرِيقِ شَيْءٌ.
وَكُلُّ هَذَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ مَضْمُونَةً فِي الذِّمَّةِ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يُتِمُّ مِنْ بَقِيَّةِ الطَّرِيقِ.
(وَلَوْ بِمَكَّةَ) الْقَرَافِيُّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي الْأَجِيرِ إذَا مَاتَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ لَهُ جُمْلَةُ الْأَجْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ثُمَّ أَتَى بِعِبَارَةِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ (أَوْ صُدَّ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ
[ ٣ / ٥٢٧ ]
عَلَى حَجِّ عَامٍ بِعَيْنِهِ فَصَدَّهُ عَدُوٌّ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ (وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَجَّةٍ مَضْمُونَةٍ فَصَدَّهُ عَدُوٌّ حَلَّ وَصَبَرَ لِقَابِلٍ إنْ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ وَإِلَّا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ لِقَابِلٍ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ.
فَانْظُرْ أَنْتَ إنْ كَانَ خَلِيلٌ عَنَى هَذَا أَوْ يَكُونُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ مَضْمُونِهِ وَالْمُعَيَّنَةُ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَعَيَّنُ كَإِجَارَةٍ عَلَى سَوْقِ قُلَّةِ مَاءِ الْيَوْمِ إنْ لَمْ يَسْقِهَا وَجَبَ خَلَفُ مَاءٍ بِالْغَدِ.
وَقَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلَوْ صُدَّ الْأَجِيرُ أَوْ مَاتَ سَوَاءٌ عَلَى الضَّمَانِ وَعَلَى الْبَلَاغِ فَفِي الضَّمَانِ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ بِقَدْرِ صُعُوبَةِ الطَّرِيقِ وَسُهُولَتِهَا وَأَمْنِهَا وَخَوْفِهَا لَا بِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ. فَقَدْ يَكُونُ رُبْعُهَا يُسَاوِي ثُلُثَ الْكِرَاءِ. وَفِي الْبَلَاغِ يَرُدُّ مَا فَضَلَ ثُمَّ يَسْتَأْجِرُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. إنْ أَمْكَنَ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ النِّيَابَةُ إلَيْهِ. فَإِنْ أَرَادَ بَقَاءَ إجَارَتِهِ إلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ جَازَ فِي الْبَلَاغِ.
أَمَّا إجَارَتُهُ فِي الْبَلَاغِ فَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ الْأَجِيرُ فِيهَا لَيْسَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ. وَفِي جَوَازِهِ فِي الْمَضْمُونَةِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ. فَمَنْ رَأَى لَمَّا تَعَذَّرَ الْحَجُّ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فَصَارَ لَهُ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّأْخِيرُ لِأَنَّ فِيهِ فَسْخَ دَيْنٍ فِي مَنَافِعَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحَجُّ أَجَازَ، وَمَتَى
[ ٣ / ٥٢٨ ]
لَمْ تَتَعَيَّنْ السُّنَّةُ فَفِي الْبُطْلَانِ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةُ.
(وَاسْتُؤْجِرَ مِنْ الِانْتِهَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَاتَ أَجِيرٌ بِالطَّرِيقِ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ. الْقَابِسِيُّ: يَسْتَأْجِرُ مِنْ مَوْضِعِ مَوْتِ الْأَوَّلِ أَوْ صَدِّهِ.
(وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ وَصَحَّ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَامَ وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنْ السَّنَةَ فَفِي الْبُطْلَانِ قَوْلَانِ وَعَلَى الصِّحَّةِ تَتَعَيَّنُ أَوَّلُ سَنَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَجَّةٍ وَلَمْ يُسَمِّ فِي أَيِّ سَنَةٍ فَتَكُونُ الْحَجَّةُ عَلَى الْحُلُولِ، فَإِنْ أَفْسَدَهَا فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَوْ حُصِرَ حَتَّى فَاتَتْهُ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا.
قَالَ سَنَدٌ: يَجِبُ اتِّصَالُ الْعَمَلِ بِالْعَقْدِ فِي الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ وَإِنْ كَانَتْ بِالْحِجَازِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِيَشْرَعَ فِيهَا عَقِبَ الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي الْمَضْمُونَةِ السِّنِينَ. ابْنُ يُونُسَ:
[ ٣ / ٥٣٠ ]
حُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ مَيِّتٍ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَتَى يَخْرُجُ أَنَّهَا إجَارَةٌ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ مَتَى شَاءَ خَرَجَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الشُّرُوعَ فَيَجُوزُ. (وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ) ابْنُ شَاسٍ: حُكْمُ الْأَجِيرِ أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عَمَّنْ حَجَّ عَنْهُ فَإِنْ نَوَى لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اُسْتُؤْجِرَ لِعَامٍ لَا بِعَيْنِهِ (وَعَلَى الْجَعَالَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: النِّيَابَةُ بِعِوَضِ إجَارَةٍ إنْ كَانَ عَنْ مُطْلَقِ الْعَمَلِ وَجُعْلٍ إنْ كَانَ عَلَى
[ ٣ / ٥٣٢ ]
تَمَامِهِ وَبَلَاغٍ إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ. اُنْظُرْ عِبَارَةَ غَيْرِهِ قَبْلَ هَذَا (وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ وَجَنَى إنْ وَفَى دَيْنَهُ وَمَشَى) اللَّخْمِيِّ: فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَخَذَ الْحِجَّةَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ الْجَمَالِ وَالدَّوَابِّ إلَّا مَا كَانَ الْمَيِّتُ يَرْكَبُهُ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ أَرَادَ الْمَيِّتُ أَنْ يُوصِيَ، وَلَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ وَهَذِهِ خِيَانَةٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَيِّتُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمَالِهِ وَالْعَادَةُ الْيَوْمَ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصْنَعُ مَا أَحَبَّ وَيَحُجُّ مَاشِيًا وَكَيْفَ تَيَسَّرَ. (وَالْبَلَاغُ إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ " (بِالْعُرْفِ) فِيهَا: مَنْ أَخَذَ عَلَى الْبَلَاغِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مَالًا بَدَلَهُ مِنْهُ مِمَّا يَصْلُحُهُ مِنْ الْكَعْكِ وَاللَّحْمِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَالْوِطَاءِ وَاللِّحَافِ فَإِذَا
[ ٣ / ٥٣٣ ]
رَجَعَ رَدَّ مَا فَضَلَ.
(وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا) فِيهَا: مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَتَرَكَ مِنْ الْمَنَاسِكِ شَيْئًا. فَإِنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ لَوْ كَانَتْ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَتْهُ فَهِيَ تُجْزِئُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ مِنْ ذَلِكَ أَوْ فَعَلَهُ لِضَرُورَةٍ فَوَجَبَ بِهِ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَوْ أَصَابَهُ أَذًى فَأَمَاطَهُ فَلَزِمَهُ فِدْيَةٌ كَانَتْ الْفِدْيَةُ وَالْهَدْيُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الْبَلَاغِ وَمَا وَجَبَ فِي ذَلِكَ بِتَعَمُّدِهِ فَهُوَ فِي مَالِهِ (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ وَاسْتَمَرَّ إنْ فَرَغَ) قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَأَمَّا الْبَلَاغُ فِي الثَّمَنِ فَأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُهُ، فَإِنْ فَضَلَ وَلَهُ شَيْءٌ رَدَّهُ، وَإِنْ عَجَزَ الْمَالُ وَجَبَ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ تَمَامُ نَفَقَتِهِ وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ كَعْكٍ وَزَيْتٍ وَلَحْمٍ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَالْوِطَاءِ وَاللِّحَافِ وَالثِّيَابِ. وَإِذَا رَجَعَ رَدَّ مَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَرَدَّ الثِّيَابَ وَيَكُونُ لَهُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبَ ذَلِكَ فَإِنْ تَعَمَّدَ وَزَادَ
[ ٣ / ٥٣٤ ]
الْمَعْرُوفُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحَجِّ كَهَدِيَّةٍ لِأَصْحَابِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُمْ.
(أَوْ أَحْرَمَ وَمَرِضَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ مَرِضَ أَجِيرُ الْبَلَاغِ بَعْدَ إحْرَامِهِ تَمَادَى وَنَفَقَةُ تَمَادِيهِ وَرَجْعَتِهِ عَلَى مُسْتَأْجِرِهِ (وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ) مُقْتَضَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ عَلَى الْبَلَاغِ فَتَلِفَ مَا قَبَضَهُ لِنَفَقَتِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ رَجَعَ وَنَفَقَةُ رَجْعَتِهِ عَلَى آجِرِهِ، وَفِي لُزُومِ الْحَجِّ مِنْ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِأَشْهَبَ، وَالثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَمَادَى هَذَا الَّذِي سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ وَلَمْ يَرْجِعْ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي ذَهَابِهِ. قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: وَلَا فِي رُجُوعِهِ إلَى مَوْضِعِ سُقُوطِهِ مِنْهُ وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى بُلُوغِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ تَسْقُطَ نَفَقَتُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَلْيَمْضِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ وَلَمْ يَسْتَطِعْ الرَّحِيلَ وَيُنْفِقُ فِي ذَهَابِهِ وَرَجْعَتِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَخَذَهُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَسَقَطَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْحَجِّ، أَحْرَمَ أَوْ لَمْ يُحْرِمْ. انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَفِي مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الْمَضْمُونَةِ فَهُوَ مِنْ الْأَجِيرِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَاغِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرُّجُوعِ وَالتَّمَادِي وَالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُ إمَّا
[ ٣ / ٥٣٥ ]
أَنْ يَتْلَفَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ بَعْدَهُ. فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ وَرَجَعَ وَنَفَقَتُهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ فَإِنْ تَمَادَى فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ إلَى مَكَانِ السُّقُوطِ.
قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (وَإِلَّا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ثُمَّ قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمَنَاسِكِ: وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ تَمَادَى إذْ الْإِحْرَامُ لَا يَرْتَفِضُ. ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: النَّفَقَةُ أَيْضًا عَلَى مُسْتَأْجِرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بَلْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَحُجُّوا عَنْهُ بِالْبَلَاغِ، وَأَمَّا إنْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ فَرَجَعَ فِي بَقِيَّةِ الثُّلُثِ إنْ لَمْ يُقَسَّمْ الْمَالُ بِاتِّفَاقٍ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَإِنْ كَانَ قَدْ قُسِّمَ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الَّذِي يُوصِي أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ مِنْ ثُلُثِهِ فَيَعْتِقُ فَاشْتَرَى وَلَمْ يُنْفِذْ لَهُ الْعِتْقُ حَتَّى مَاتَ وَقَدْ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الْمَالَ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُشْتَرَى عَبْدٌ آخَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ: لَا. (إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ) تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ
(وَأَجْزَأَ إنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّوْطِ) مِنْ مَنَاسِكِ الْمُصَنِّفِ - ﵀ -: وَلَوْ قُدِّمَ الْحَجُّ
[ ٣ / ٥٣٦ ]
عَلَى الْعَامِ الْمُشْتَرَطِ فَقَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ قَدَّمَ دَيْنًا قَبْلَ مَحِلِّهِ (أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ وَرَجَعَ بِقِسْطِهَا) مِنْ مَنَاسِكِهِ - ﵀ -: وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ وَشُرِطَتْ عَلَيْهِ زِيَارَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: يَرُدُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَسَافَةِ الزِّيَارَةِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ ثَانِيَةً حَتَّى يَزُورَ (أَوْ خَالَفَ إفْرَادًا لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ وَإِلَّا فَلَا) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ فَخَالَفَ فَفِي الْإِجْزَاءِ خِلَافٌ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَإِنْ قُلْنَا ثُمَّ بِالْإِجْزَاءِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَإِنَّ قُلْنَا بِعَدَمِهِ فَفِي ثُبُوتِ الْإِجْزَاءِ هَاهُنَا وَنَفْيِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِالْعُمْرَةِ الْمُوصِي فَيُجْزِئَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا نَفْسَهُ فَيُجْزِئَهُ. ثُمَّ إنْ تَمَتَّعَ أَعَادَ الْحَجَّ ثَانِيًا، وَإِنْ قَرَنَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ خَائِنٌ وَلَا تُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ (كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ) الْقَرَافِيُّ: لَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَتَمَتَّعَ فَقَرَنَ لَمْ يُجْزِهِ (أَوْ عَكْسِهِ) خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ فَأَفْرَدَ فَلَا يُجْزِئُهُ لِإِتْيَانِهِ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ. وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْقِرَانِ فَتَمَتَّعَ أَوْ بِالْعَكْسِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ: لَمْ يُجْزِهِ لِغَيْرِ الْقَرَافِيُّ.
(أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ) أَمَّا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَتَمَتَّعَ
[ ٣ / ٥٣٧ ]
فَأَفْرَدَ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَمَّا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَقْرُنَ فَأَفْرَدَ فَقَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: لَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ فَأَفْرَدَ فَلَا يُجْزِيهِ لِإِتْيَانِهِ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ. (أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ
[ ٣ / ٥٣٨ ]
شَرَطُوا إحْرَامَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ (فُسِخَتْ إنْ عُيِّنَ الْعَامُ وَعُدِمَ) أَمَّا فَسْخُ الْإِجَارَةِ إذَا عُيِّنَ الْعَامُ وَخَالَفَ إفْرَادًا لِغَيْرٍ فَفِي مَنَاسِكِهِ وَحُكْمُ الْأَجِيرِ أَنْ يَنْوِيَ لِمَنْ حَجَّ عَنْهُ، فَإِنْ نَوَى لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ إنْ عُيِّنَ الْعَامُ وَإِلَّا لَمْ يَنْفَسِخْ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُمَا وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ وَكَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا انْفَسَخَتْ. وَقِيلَ: بَلْ
[ ٣ / ٥٣٩ ]
يُجْزِئُ. وَقِيلَ: إنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ أَجْزَأَهُ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ هَذَا الثَّالِثَ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ. (كَغَيْرِهِ) الْجَلَّابُ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ إلَّا بِإِذْنِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ (أَوْ قَرَنَ) اُنْظُرْ هَلْ يَتَنَزَّلُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ قَبْلَ هَذَا.
(أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ) ابْنُ شَاسٍ: حُكْمُ الْأَجِيرِ أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ لِمَنْ حَجَّ عَنْهُ وَإِنْ نَوَى لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَامٍ لَا بِعَيْنِهِ (وَأَعَادَ إنْ تَمَتَّعَ) هَذَا لَفْظُ ابْنِ شَاسٍ قَبْلَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ " فَانْظُرْ هَلْ يَتَنَزَّلُ كَلَامُهُ عَلَيْهِ.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
(وَهَلْ يَنْفَسِخُ إنْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ أَوْ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ عَنْ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ تَأْوِيلَانِ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَجِّ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى عَنْهُ كَمَا اُسْتُؤْجِرَ. ابْنُ يُونُسَ: وَاَلَّذِي أَرَى أَنَّهُ إنْ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مِنْهُ تَعَدَّى فَأَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ. وَلَمَّا نَقَلَ الْقَرَافِيُّ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَامٍ بِعَيْنِهِ وَقُلْنَا لَا يُجْزِئُهُ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَجْزَأَهُ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى مَتَاعٍ فَقَبَضَهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضَمِنَهُ وَلَا كِرَاءَ لَهُ لِأَنَّ الْغَيْبَ كَشَفَ أَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَهُ لِنَفْسِهِ وَلَوْ رَدَّ الْمَتَاعَ ثُمَّ كَمَّلَ الْحُمُولَةَ كَانَتْ لَهُ جُمْلَةُ الْأُجْرَةِ.
[ ٣ / ٥٤١ ]
[الْإِنَابَةُ فِي الْحَجِّ]
(وَمَنْعُ اسْتِنَابَةِ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ وَإِلَّا كُرِهَ) الْقَرَافِيُّ قَالَ سَنَدٌ: اتَّفَقَ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ أَنَّ الصَّحِيحَ لَا تَجُوزُ اسْتِنَابَتُهُ فِي فَرْضِ الْحَجِّ وَالْمَذْهَبُ كَرَاهَتُهَا فِي التَّطَوُّعِ فَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ (كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ) الْكَافِي: لَا يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَ عَنْهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى كَرَاهِيَةٍ مِنْهُ (وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ) اللَّخْمِيِّ: تُكْرَهُ الْإِجَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي
[ ٤ / ٣ ]
سُوقِ الْإِبِلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِجَارَةٍ.
(وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ) فِيهَا بَعْدَ
[ ٤ / ٤ ]
ذِكْرِهِ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالَ: يُوصِي فَيَنْفُذُ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِهِ (وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إنْ وَسِعَ وَقَالَ يَحُجُّ بِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ مَالٌ كَثِيرٌ فِيهِ مَا يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ حَجَّاتٌ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِوَصِيَّتِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْفُذَ ثُلُثُهُ فِي حَجَّاتٍ فَيَنْفُذُ عَنْهُ ثُلُثُهُ فِي الْحَجِّ، وَلَا يَرْجِعُ مِنْهُ إلَى الْوَرَثَةِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَا فَضَلَ يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَا بَلَغَ وَلَوْ مِنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ أَشْبَهَ ثُلُثُهُ ثَمَنَ حَجَّةٍ فَفَضْلُهُ مِيرَاثٌ كَقَوْلِهِ: " فِي فَضْلِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا " اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَدُفِعَ الْمُسَمَّى ".
وَانْظُرْ مَنْ أَوْصَى بِبَقِيَّةِ ثُلُثِهِ يَشْتَرِي لَهُ أَرْبَعَةَ مَلَاحِفَ فَكَانَتْ الْبَقِيَّةُ كَثِيرَةً (لَا مِنْهُ) ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ ثُلُثُهُ وَاسِعًا كَثِيرًا. لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُنْفِقَ ثُلُثَهُ كُلَّهُ فِي حَجٍّ (وَإِلَّا فَمِيرَاتٌ) ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ الْأَنْدَلُسِ أَوْ مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجَعَ ذَلِكَ الْمَالُ مِيرَاثًا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَقَالَ حُجُّوا عَنِّي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِثُلُثِي وَلَا مِنْ ثُلُثِي وَلَا بِكَذَا وَكَذَا لَجَرَى ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْأَمْرِ، هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ فَيَنْفُذُ عَنْهُ ثُلُثُهُ كُلُّهُ فِي الْحَجِّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُعَلَّقَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً.
(بِوُجُودِهِ بِأَقَلَّ) فِيهَا: لَوْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ حُجُّوا عَنِّي بِهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا فَدَفَعُوهَا إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَلَى الْبَلَاغِ فَفَضَلَتْ مِنْهَا عِشْرُونَ دِينَارًا فَلْيَرُدَّ إلَى الْوَرَثَةِ مَا فَضَلَ، كَمَنْ قَالَ اعْتِقُوا بِهَا عَبْدَ فُلَانٍ فَبَاعَهُ بِثَلَاثِينَ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ كَلَامًا عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَأَمَّا إنْ قَالَ يَحُجُّ عَنِّي بِهَا فَهَاهُنَا كُلُّهَا فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ أَحْسَنَ.
(أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ) الْقَرَافِيُّ: إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمَالٍ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ بِغَيْرِ مَالٍ فَعَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَعُودُ الْمَالُ مِيرَاثًا (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَقُولَ يَحُجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ تَأْوِيلَانِ) اُنْظُرْ هَلْ يَتَنَزَّلُ هَذَا عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ؟ " وَمِنْ مَنَاسِكِ الْمُؤَلِّفِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُسَمِّ
[ ٤ / ٥ ]
الْمَيِّتُ مَا يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ فَلَهُمْ أَنْ يَحُجُّوا عَنْهُ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَكِنْ إنَّمَا يَسْتَأْجِرُونَ عَنْهُ مِنْ مَكَانِهِ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ، وَإِنْ سَمَّى قَدْرًا حُجَّ عَنْهُ بِهِ، فَإِنْ وَجَدُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِدُونِهِ كَانَ الْفَاضِلُ مِيرَاثًا إلَّا أَنْ يُفْهِمَ إعْطَاءُ الْجَمِيعِ هَذَا إنْ سَمَّى حَجَّةً، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّ فَكَذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحُجُّ عَنْهُ حِجَجٌ. وَاخْتُلِفَ هَلْ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ أَوْ خِلَافٌ؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ خِلَافٌ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ حُجَّ عَنْهُ بِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا صَاحِبُ الْبَيَانِ خِلَافًا قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ثُلُثُهُ وَاسِعًا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَجَّةً وَاحِدَةً.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ ثُلُثُهُ يُشْبِهُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً لَرَجَعَ الْبَاقِي مِيرَاثًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا سَمَّى أَوْ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ بَلَدِ كَذَا حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ أَمْكَنَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سَمَّى بَلْدَةً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ: يَرْجِعُ مِيرَاثًا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ: كَالْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ حَجَّ، وَكَالثَّانِي إنْ لَمْ يَحُجَّ.
(وَدُفِعَ الْمُسَمَّى وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ لِمُعَيَّنٍ) نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ أَعْطُوا فُلَانًا أَرْبَعِينَ دِينَارًا يَحُجُّ بِهَا عَنِّي فَاسْتَأْجَرَهُ بِثَلَاثِينَ فَحَجَّ عَنْهُ بِهَا فَالْعَشَرَةُ الْفَاضِلَةُ مِيرَاثٌ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى لَهُ غُلَامٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَعْتِقُ فَاشْتَرَوْهُ بِثَمَانِينَ أَنَّ الْبَقِيَّةَ مِيرَاثٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّمَا هَذَا إذَا عَرَفَ صَاحِبُ الْغُلَامِ وَاَلَّذِي يَحُجُّ بِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَرَضِيَ بِدُونِهِ وَإِلَّا فَالْوَصِيَّةُ نَافِذَةٌ.
(لَا يَرِثُ) مِنْ الْكَافِي: وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثُهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ وَصِيَّةٌ إنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ جَازَ وَإِلَّا رَجَعَ مِيرَاثًا. سَنَدٌ: لَا يُزَادُ الْوَارِثُ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْكِرَاءِ شَيْئًا. (فُهِمَ إعْطَاؤُهُ لَهُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ وَجَدُوا بِدُونِ مَا أَوْصَى بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ كَانَ الْفَاضِلُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ قَصْدِهِ أَنَّهُ أَرَادَ إعْطَاءَ جُمْلَةِ مَا عَيَّنَ مِنْ الْمَالِ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَيُعْطَاهُ.
(وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ إنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثَهَا ثُمَّ
[ ٤ / ٦ ]
تُرُبِّصَ ثُمَّ أُوجِرَ لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ) الصَّرُورَةِ لُغَةً مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَوْ لَمْ يَحُجَّ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ قَالَ يَحُجُّ فُلَانٌ عَنِّي وَلَمْ يُسَمِّ عَدَدًا فَأَبَى فُلَانٌ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ لَكَانَ الْحُكْمُ أَنْ يُزَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ مِثْلُ ثُلُثِهَا، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتُؤْجِرَ غَيْرُهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ فَرِيضَةً بِاتِّفَاقٍ، أَوْ نَافِلَةً عَلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى.
(غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ وَإِنْ امْرَأَةً وَلَمْ يَضْمَنْ
[ ٤ / ٧ ]
وَصِيٌّ وَحَاجٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا) مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا: وَتَحُجُّ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ الْحُرُّ عَنْ الْمَرْأَةِ وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ فِيهِ عُلْقَةُ رِقٍّ وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ وَلَمْ يَعْلَمْ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ.
(وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنْ الْمُمْكِنِ) ابْنُ رُشْدٍ: إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِسِتِّينَ دِينَارًا وَلَمْ يُسَمِّ مِنْ بَلَدِ كَذَا، فَلَا خِلَافَ أَنْ يَحُجَّ بِهَا عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يُوجَدُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحُجُّ بِهَا عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ حُجُّوا بِهَا عَنِّي مِنْ بَلَدِ كَذَا وَبِهِ مَاتَ فَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا تَرْجِعُ مِيرَاثًا وَلَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عِنْدَ أَصْبَغَ وَقَالَ: مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُ لَهُ بِهَا مِنْ حَيْثُ يُوجَدُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَنْ لَا يَحُجَّ عَنْهُ إلَّا مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَحَكَى مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَاخْتَارَ هُوَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ حَجَّ وَقَوْلَ أَشْهَبَ إنْ كَانَ صَرُورَةً لَمْ يَحُجَّ (وَلَوْ سَمَّاهُ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ فَمِيرَاثٌ) فِي مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا سَمَّى أَوْ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ بَلَدِ كَذَا حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ أَمْكَنَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سَمَّى بَلْدَةً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ: يَرْجِعُ مِيرَاثًا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ كَالْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ حَجَّ، وَكَالثَّانِي إنْ لَمْ يَحُجَّ (وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْجَلَّابِ.
وَمِنْ الْكَافِي: وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجَرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي تَعَلُّقِ فِعْلِ الْحَجِّ بِعَيْنِ الْأَجِيرِ أَوْ ذِمَّتِهِ قَوْلَانِ: لِابْنِ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَبَعْضِ شُيُوخِهِ. مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ أَجِيرُ حَجٍّ فَفِي مَالِهِ. اُنْظُرْ آخِرَ الْحَجِّ الثَّانِي مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(لَا الْإِشْهَادُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ) سُئِلَ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ الْأُجَرَاءِ عَلَى الْحَجِّ، هَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُشْهِدُوا أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا عَمَّنْ اسْتَأْجَرَهُمْ؟ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ لِأَنَّ عُرْفَ النَّاسِ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ فَهُوَ كَالشَّرْطِ. ابْنُ يُونُسَ: صَوَابٌ. اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْحَجِّ الثَّانِي مِنْهُ وَفِيهَا: مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ أَجْزَأَتْهُ نِيَّتُهُ دُونَ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ.
قَالَ سَنَدٌ: الِاقْتِصَارُ عَلَى النِّيَّةِ يَدُلُّ عَلَى
[ ٤ / ٩ ]
قَبُولِ قَوْلِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْإِشْهَادِ يُعْلِنُ بِتَلْبِيَتِهِ عَنْهُ.
(وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ) الْقَرَافِيُّ: مَا نَصُّهُ الْمَذْهَبُ أَنَّ حَجَّ النَّائِبِ لَا يُسْقِطُ حَجَّ الْمُنِيبِ.
وَقَالَ خَلِيلٌ: يَقَعُ الْحَجُّ عَنْهُ تَطَوُّعًا عَنْ النَّائِبِ وَلِلْمُسْتَنِيبِ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. وَفِي الصِّحَاحِ «إنَّ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: نَعَمْ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ» . وَجَوَابُهُ إنَّ هَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعَجْزِ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ
[ ٤ / ١٠ ]
بِالدُّعَاءِ وَبِالنَّفَقَةِ.
[أَرْكَانُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]
(وَرُكْنُهُمَا الْإِحْرَامُ) أَمَّا الْعُمْرَةُ فَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَصِحَّتُهُمَا " وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لِلْحَجِّ أَرْكَانٌ: الْأَوَّلُ الْإِحْرَامُ الْقَرَافِيُّ: مَقَاصِدُ الْحَجِّ اثْنَا عَشَرَ: الْإِحْرَامُ وَدُخُولُ مَكَّةَ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالدَّفْعُ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ وَالْحِلَاقُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيُ مِنًى وَالرُّجُوعُ مِنْ مِنًى وَطَوَافُ الْوَدَاعِ. أَمَّا الْإِحْرَامُ فَيُقَالُ أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَأَحْرَمَ إذَا
[ ٤ / ١١ ]
دَخَلَ فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ (وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لِآخِرِ ذِي الْحَجَّةِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلْإِحْرَامِ مِيقَاتَانِ: زَمَانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ. ابْنُ عَرَفَةَ: مِيقَاتُهُ الزَّمَانِيُّ مَا قَبْلَ زَمَانِ الْوُقُوفِ مِنْ أَشْهُرِهِ وَهِيَ شَوَّالٌ وَتَالِيَاهُ
[ ٤ / ٢١ ]
وَآخِرُهُمَا. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ وَأَيَّامُ الرَّمْيِ. وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ رِوَايَةَ أَشْهَبَ بَاقِيهِ فَائِدَتُهُ دَمُ تَأْخِيرِ الْإِفَاضَةِ (وَكُرِهَ قَبْلَهُ كَمَكَانِهِ) فِيهَا: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مِيقَاتَهُ أَوْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ فَعَلَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَزِمَهُ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يُحْرِمُ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ فَإِنْ فَعَلَ انْعَقَدَ.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَنْعَقِدُ وَمَالَ إلَيْهِ وَمِنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ وَقَبْلَ الْمِيقَاتِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّا نَكْرَهُ لِمَنْ قَارَبَ الْمِيقَاتَ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَفِي رَابِعٍ تَرَدُّدٌ) وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَرَأَى سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ أَنَّ إحْرَامَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ رَابِعٍ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ. وَمَالَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْجُحْفَةِ وَمُتَّصِلٌ بِهَا وَكَانَ يَنْقُلُهُ عَنْ الزَّوَاوِيِّ وَفِي بَهْرَامُ: ذَهَبَ إلَى الْكَرَامَةِ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْمِيقَاتِ وَمِنْ أَعْمَالِ الْجُحْفَةِ وَمُتَّصِلٌ بِهَا. حَكَى هَذَا شَيْخُ شُيُوخِنَا الْمَنُوفِيُّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَصَحَّ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا فَإِنْ فَعَلَ فِي
[ ٤ / ٢٤ ]
الْوَجْهَيْنِ لَزِمَهُ.
(وَلِلْعُمْرَةِ أَبَدًا) الْقَرَافِيُّ: أَمَّا الْعُمْرَةُ فَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لَهَا لَكِنْ تُكْرَهُ فِي أَيَّامِ مِنًى لِمَنْ حَجَّ (إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ لِتَحَلُّلِهِ وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ) الْكَافِي: لَا يَعْتَمِرُ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ رَمَى فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا وَمَضَى فِيهَا حَتَّى يُتِمَّهَا، فَإِنْ أَتَمَّهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ تُجْزِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ رَمْيِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ عَمَلُهَا وَلَا قَضَاؤُهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَتَجُوزُ الْعُمْرَةُ فِي أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا الْحَاجَّ فَيُكْرَهُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِرُوا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ خَرَجَ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَمِنْ مَنَاسِكِ الْمُؤَلِّفِ - ﵀ - أَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَهَا مِيقَاتَانِ: مَكَانِيٌّ وَزَمَانِيٌّ فَذَكَرَ الْمَكَانِيَّ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الزَّمَانِيُّ فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَيُمْتَنَعَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِهَا مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ وَلَوْ
[ ٤ / ٣٠ ]
نَفَرَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ رَمْيِهِ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا وَلَا قَضَاؤُهَا، وَيُكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ أَحْرَمَ حِينَئِذٍ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا وَمَضَى فِيهَا حَتَّى يُتِمَّهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَرْمِيَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ وَأَنْ يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ.
(وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ) تَقَدَّمَ
[ ٤ / ٣٥ ]
نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْإِحْرَامِ مِيقَاتَانِ زَمَانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إحْرَامُ مُرِيدِ الْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: وَيُسْتَحَبُّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (كَخُرُوجِ ذِي النَّفْثِ لِمِيقَاتِهِ) فِيهَا: إحْرَامُ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ
[ ٤ / ٣٧ ]
دَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ وَاجِبٌ لِآفَاقِيٍّ حَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَهُ نَفْسٌ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ. (وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ مَكَّةُ فِي الْحَجِّ لَا فِي الْعُمْرَةِ وَلَا فِي الْقِرَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وُجُوبُ الْحِلِّ لِإِحْرَامِ قِرَانِ الْمَكِّيِّ (وَالْجِعْرَانَةُ أَوْلَى ثُمَّ التَّنْعِيمُ) ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٤ / ٣٨ ]
مِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِلْآفَاقِيِّ كَحَجِّهِ وَمَنْ بِالْحَرَمِ طَرَفُ الْحِلِّ وَلَوْ كَخُطْوَةٍ وَالْجِعْرَانَةُ أَوْ التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ. (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ وَأَهْدَى إنْ حَلَقَ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ:
[ ٤ / ٤٠ ]
وَإِذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ الْحَرَمِ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا فِي طَوَافِهِ فَلْيُتِمَّ طَوَافَهُ وَلْيَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ وَيَدْخُلْ مِنْهُ. مُحَمَّدٌ: يُرِيدُ وَيَبْتَدِئُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى أَتَمَّ عُمْرَتَهُ وَحَلَقَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِحْلَالٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَيَدْخُلَ مِنْهُ وَيَأْتَنِفَ عَمَلَ الْعُمْرَةِ ثَانِيَةً وَيَمُرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي حِلَاقِهِ الْأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا غَلَطٌ بَلْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي حَلْقِهِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا رَأَيْت فِي أُمَّهَاتِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهَا وَهُوَ الصَّوَابُ. (وَإِلَّا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةُ وَيَلَمْلَمْ وَقَرْنٌ وَذَاتُ عِرْقٍ
[ ٤ / ٤١ ]
وَمَسْكَنٌ دُونَهَا وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِلْآفَاقِيِّ كَحَجِّهِ، فَمِيقَاتُ الْمَدَنِيِّ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالشَّامِيُّ وَالْمِصْرِيُّ وَالْمَغْرِبِيُّ الْجُحْفَةُ وَرَوَى الشَّيْخُ: إنْ حَجَّ فِي الْبَحْرِ أَحْرَمَ إذَا حَاذَاهَا. وَالْيَمَنُ يَلَمْلَمُ وَالنَّجْدِيُّ قَرْنٌ وَالْعِرَاقِيُّ ذَاتُ عِرْقٍ، وَمُحَاذِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِثْلُهُ وَلِمَنْ
[ ٤ / ٤٦ ]
بَعْدَهَا رَوَى الشَّيْخُ مِنْ دَارِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ.
(إلَّا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ أَوْلَى) ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ مَرَّ بِمِيقَاتِ غَيْرِهِ أَحْرَمَ مِنْهُ إلَّا ذَا مِيقَاتِ الْجُحْفَةِ إنْ مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ لَهَا مِنْ أَنْ يُؤَخِّرَ
[ ٤ / ٤٨ ]
لِلْجُحْفَةِ (وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ) فِي النَّوَادِرِ: وَإِذَا مَرَّتْ الْحَائِضُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَتَرْجُو أَنْ يَحْصُلَ لَهَا الطُّهْرُ قَبْلَ الْجُحْفَةِ فَإِنَّهَا لَا تُؤَخِّرُ إحْرَامَهَا إلَى الْجُحْفَةِ، وَالْأَوْلَى لَهَا أَنْ تُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا اُخْتُلِفَ فِي تَأْخِيرِ الْمَدَنِيِّ إحْرَامُهُ لِلْجُحْفَةِ لِمَرَضٍ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤَخِّرُ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى الْجُحْفَةِ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَخِيطِ أَوْ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فَعَلَ وَافْتَدَى. وَعَلَّلَ
[ ٤ / ٥١ ]
مَالِكٌ تَأْخِيرَهُ لِمَا يَرْجُو مِنْ قُوَّةٍ لَعَلَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ فِدَاءً.
(كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ) الْكَافِي: مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْجُحْفَةِ فَالْوَادِي كُلُّهُ مَحَلٌّ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهِ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَالْأَفْضَلُ
[ ٤ / ٥٣ ]
أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَإِزَالَةُ شَعَثِهِ) فِيهَا يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ إحْرَامِهِ رَأْسَهُ بِزَيْتٍ وَبِالْبَانِ غَيْرِ الْمُطَيَّبِ، وَأَمَّا مَا يَبْقَى رِيحُهُ فَلَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَمْتَشِطَ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ وَبِمَا لَا طِيبَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُصَّ شَارِبَهُ وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ.
[ ٤ / ٥٤ ]
وَيَتَنَوَّرُ عِنْدَمَا يُرِيدُ الْإِحْرَامَ لَا حَلْقَ رَأْسِهِ (وَتَرْكُ اللَّفْظِ بِهِ) فِيهَا يُجْزِئُ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ التَّلْبِيَةُ وَيَنْوِي بِهَا مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَتَكْفِيهِ النِّيَّةُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يُسَمِّي عُمْرَةً وَلَا حَجَّةً ذَلِكَ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ مِنْ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ.
(وَالْمَارُّ بِهِ إنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ أَوْ كَعَبْدٍ فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ وَإِنْ أَحْرَمَ إلَّا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعُ فَتَأْوِيلَانِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الَّذِي يَمُرُّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدِ مَكَّةَ فَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ
[ ٤ / ٥٥ ]
مَالِكٌ: مَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ وَهُوَ صَرُورَةً ثُمَّ أَحْرَمَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرُورَةً؟ قَالَ: إنْ كَانَ جَاوَزَهُ مُرِيدًا الْحَجَّ ثُمَّ أَحْرَمَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الصَّرُورَةِ وَغَيْرُ الصَّرُورَةِ سَوَاءٌ لَا دَمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُجَاوِزَهُ يُرِيدُ الْحَجَّ. وَحَكَى ابْنُ شَبْلُونَ أَنَّ الصَّرُورَةَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ إذَا تَعَدَّاهُ ثُمَّ أَحْرَمَ وَكَانَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ أَوْ غَيْرَ مُرِيدٍ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَعَدِّيهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِالْحَجِّ وَهُوَ صَرُورَةً، وَأَمَّا غَيْرُ الصَّرُورَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّاهُ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَقَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ صَوَابٌ، وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ تَعَدِّيهِ حَلَالٌ لِغَيْرِ دُخُولٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ عَفْوٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَفِي دَمِهِ قَوْلَانِ. ابْنُ شَبْلُونَ مَعَ ظَاهِرِهَا الشَّيْخِ وَخُرِّجَا عَلَى الْفَوْرِ وَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْأَوَّلُ لَا يُقَيِّدُ كَوْنَهُ أَحْرَمَ وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ ابْنِ شَبْلُونَ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَعَدِّيهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِزِيَادَةِ أَحْرَمَ بَعْدَ تَعَدِّيهِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ فَفِيهَا لِلسَّيِّدِ أَنْ يُدْخِلَ عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ. وَفِيهَا إنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
(وَمُرِيدُهَا إنْ تَرَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ فَكَذَلِكَ
[ ٤ / ٥٦ ]
وَإِلَّا وَجَبَ الْإِحْرَامُ وَأَسَاءَ تَارِكُهُ وَلَا دَمَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَمَنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَقَدْ عَصَى وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَاسِعٌ فِي مِثْلِ الَّذِي صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ خَرَجَ إلَى قَدِيدٍ فَبَلَغَهُ خَبَرُ فِتْنَةِ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، أَوْ مِثْلِ أَهْلِ الطَّائِفِ وَعُسْفَانَ وَجُدَّةَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ بِالْفَوَاكِهِ وَالطَّعَامِ وَالْحَطَبِ أَنْ يَدْخُلُوا
[ ٤ / ٥٧ ]
مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ عَلَيْهِمْ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ فِي مِثْلِ الْحَطَّابِينَ وَمَنْ يَكْثُرُ دُخُولُهُمْ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِأَمْرٍ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ فَدَخَلَهَا كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا بَلَغَتْهُ فِتْنَةُ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ، وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ.
(وَإِلَّا رَجَعَ وَإِنْ شَارَفَهَا وَلَا دَمَ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ جَاهِلًا أَوْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلْيُرَاجِعْ فَيُحْرِمُ مِنْهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقِيلَ إنْ شَارَفَ مَكَّةَ أَحْرَمَ وَأَهْدَى. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إلَّا إنْ رَجَعَ فَأَحْرَمَ
[ ٤ / ٥٨ ]
مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (وَلَوْ عَلِمَ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ " إنْ كَانَ جَاهِلًا وَإِلَّا فَدَمٌ " لَا أَعْرِفُهُ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ - ﵀ -: فَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَلَهُ حَالَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَقْصِدَ أَحَدَهُمَا. أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَقَدْ أَسَاءَ، ثُمَّ إنْ عَادَ وَلَوْ بَعْدَ الْبُعْدِ أَسَاءَ، ثُمَّ إنْ عَادَ وَلَوْ بَعْدَ الْبُعْدِ فَلَا دَمَ وَيَرْجِعُ عِنْدَ مَالِكٍ إنْ
[ ٤ / ٥٩ ]
أَمْكَنَهُ مَا لَمْ يُحْرِمْ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يُشَارِفْ مَكَّةَ هَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ وَهَكَذَا نَقَلَ غَيْرُهُ. وَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالدَّمُ لَا يَسْقُطُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلَّا أَنْ يُحْرِمَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. قِيلَ: وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّفْسِيرَ. ثُمَّ إنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا كَانَ جَاهِلًا. وَأَمَّا إنْ جَاوَزَهُ عَالِمًا بِقُبْحِ مَا فَعَلَهُ فَمَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ وَلَا يُسْقِطُهُ رُجُوعُهُ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى سُقُوطِ الدَّمِ بِالرُّجُوعِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ كَالتُّجَّارِ، فَاخْتُلِفَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ يُسْتَحَبُّ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَإِنْ أَحْرَمُوا فَلَا إشْكَالَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْهَرِ إنْ لَمْ يُحْرِمُوا، وَإِنْ أَحْرَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَاخْتُلِفَ فِي لُزُومِ الدَّمِ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرُورَةٌ أَوْ كَانَ صَرُورَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَرُورَةٌ مُسْتَطِيعًا فَفِي الدَّمِ خِلَافٌ.
[فَرْعٌ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ]
فَرْعٌ: وَإِنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ لَزِمَهُ دَمٌ وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِالْإِفْسَادِ وَلَوْ فَاتَهُ لَسَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ. (مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا فَالدَّمُ) فِيهَا: وَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّى مِيقَاتَهُ خَافَ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ فَوَاتَ الْحَجِّ فَلْيُحْرِمْ مِنْ مَوْضِعِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ (كَرَاجِعٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ أَحْرَمَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ مُحْرِمًا. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: رُجُوعُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ يُسْقِطُ الدَّمَ عَنْهُ، وَدَلِيلُهَا أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَجِبْ لِتَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ لِانْفِرَادِهِ إنَّمَا هُوَ لِإِحْرَامِهِ بَعْدَهُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَلَا حَلِّهِ بَعْدَ عَقْدِهِ نَاقِصًا.
(وَلَوْ أَفْسَدَ) فِيهَا: إنْ تَعَدَّاهُ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ جَامَعَ وَأَفْسَدَ حَجَّتَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى عَمَلِ حَجِّهِ مُتَمَادِيًا (لَا فَاتَ) فِيهَا: وَإِنْ قَضَاهُ مَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ
[ ٤ / ٦٠ ]
فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ بِرُجُوعِهِ إلَى عَمَلِ الْعُمْرَةِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ وَرَجَعَ أَمْرُهُ إلَى الْعُمْرَةِ وَهُوَ لَمْ يُرِدْهَا صَارَ كَأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِهَا.
(وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ) الْقَرَافِيُّ: صَرَّحَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيُّ أَنَّ النِّيَّةَ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ الْحَجُّ، وَتَقَدَّمَ تَصْرِيحُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ النِّيَّةَ كَافِيَةٌ وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّلْقِينِ وَالْمُعَلَّمِ وَالْقَبَسِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: بَلْ نَقَلَ سَنَدٌ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مِنْهُ وَهُوَ يُجَامِعُ وَيَلْزَمُهُ التَّمَادِي وَالْقَضَاءُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، بَلْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ.
(وَلَوْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ وَلَا دَمَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ اخْتَلَفَ الْعَقْدُ وَاللَّفْظُ فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَقْدِ.
وَرُوِيَ مَا
[ ٤ / ٦١ ]
يُشِيرُ إلَى اعْتِبَارِ النُّطْقِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مُفْرِدًا فَأَخْطَأَ فَقَرَنَ أَوْ تَكَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ عَلَى حَجِّهِ.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ. (وَإِنْ بِجِمَاعٍ) تَقَدَّمَ نَقْلُ سَنَدٍ وَهُوَ فَرْعُ الِانْعِقَادِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ دُونَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَانْظُرْهُ.
[ ٤ / ٦٢ ]
(مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ) تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي هَذَا وَنَصُّ ابْنِ شَاسٍ يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْقَوْلِ وَالنِّيَّةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنْ تَجَرَّدَتْ النِّيَّةُ عَنْهُمَا فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ.
(بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ وَصَرَفَهُ لِلْحَجِّ وَالْقِيَاسُ الْقِرَانُ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا لَا يَنْوِي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَقَالَ أَشْهَبُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي حَجَّةٍ.
قَالَ أَشْهَبُ: فَمَنْ أَتَى يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا الِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ قَارِنًا، وَإِنْ نَوَى شَيْئًا فَنَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ كَانَ قَارِنًا لَا بُدَّ اللَّخْمِيِّ: جَوَابُهُ فِي السُّؤَالَيْنِ عَلَى مِثْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ يُحْرِمُ مَرَّةً لِلْعُمْرَةِ وَمَرَّةً لِلْحَجِّ، فَأَمَّا أَهْلُ الْمَغْرِبِ فَإِنَّمَا يُحْرِمُونَ لِلْحَجِّ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ وَلَا يُرِيدُونَ إلَّا إيَّاهُ وَإِنْ شَكَّ هَذَا هَلْ أَفْرَدَ أَوْ قَارَنَ وَتَمَادَى عَلَى نِيَّةِ الْقِرَانِ وَحْدَهُ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا طَافَ وَسَعَى لِإِمْكَانِ إحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ، وَلَا يَحْلِقُ لِإِمْكَانِ
[ ٤ / ٦٣ ]
أَنْ يَكُونَ فِي حَجٍّ وَيَتَمَادَى عَلَى عَمَلِ الْحَجِّ وَيُهْدِي لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ وَلَيْسَ لِلْقِرَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ نِيَّةً لِلْحَجِّ وَإِنَّمَا يَتَمَادَى عَلَى نِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، وَتِلْكَ النِّيَّةُ كَانَتْ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَتْ لِعُمْرَةٍ فَقَدْ تَمَّتْ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَتَمَادِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بِهِ قَارِنًا، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْحَجَّ كَانَ مُفْرِدًا وَكَانَ ذَلِكَ الطَّوَافُ لَهُ لَا لِلْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ نِيَّةً لِلْعُمْرَةِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ فِي أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ: وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: إفْرَادٌ وَقِرَانٌ وَتَمَتُّعٌ وَإِطْلَاقٌ. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ ثُمَّ يُخَيَّرَ فِي صَرْفِهِ إلَى أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْنِي مِنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَلَا يَفْعَلُ فِعْلًا إلَّا بَعْدَ التَّعْيِينِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ حِينَ طَافَ فَالصَّوَابُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا، وَيَكُونُ هَذَا طَوَافَ قُدُومٍ، لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْحَجِّ وَالطَّوَافُ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي الْإِطْلَاقِ إلَى إفْرَادٍ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقْرُنَ وَقِيلَ: الْقِيَاسُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى عُمْرَةٍ. وَرَأَى اللَّخْمِيِّ أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمَدَنِيِّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَغْرِبِ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ لَا يَقْصِدُ إلَى الْحَجِّ فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ.
(وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ أَشْهَبَ إنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ كَانَ قَارِنًا (وَنَوَى الْحَجَّ وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ) .
[ ٤ / ٦٥ ]
ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ عَمِلَ عَلَى الْحَجِّ وَالْقِرَانِ كَمَا لَوْ شَكَّ أَفْرَدَ أَمْ تَمَتَّعَ فَإِنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِجَوَازِ الْحَجِّ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: قَارَنَ وَيَنْوِي الْحَجَّ لِجَوَازِ التَّمَتُّعِ ابْنُ عَرَفَةَ: صُورَتُهُ مَسْأَلَةُ اللَّخْمِيِّ، وَقَوْلُهُ يَنْوِي الْحَجَّ خِلَافَ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ.
(وَأَلْغَى عُمْرَةً عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ) فِيهَا كَرِهَ مَالِكٌ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ عُمْرَةً أَوْ حَجَّةً وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا أَرْدَفَ وَلَا قَضَاءَ وَلَا دَمَ قِرَانٍ. ابْنُ يُونُسَ: بِخِلَافِ مَنْ أَرْدَفَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ خَامِسُ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ.
(وَرَفْضُهُ) مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ
[ ٤ / ٦٧ ]
مِنْ النُّكَتِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ: مَنْ رَفَضَ صَلَاتَهُ أَوْ رَفَضَ صِيَامَهُ كَانَ رَافِضًا بِخِلَافِ مَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ أَوْ رَفَضَ وُضُوءَهُ بَعْدَ كَمَالِهِ أَوْ فِي خِلَالِهِ. ثُمَّ قَالَ: فَرَافِضُ إحْرَامِهِ لَيْسَ رَفْضُهُ بِمُضَادٍّ لِمَا هُوَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَفَضَ مَوَاضِعَ يَأْتِيهَا، فَإِذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُخَاطَبُ بِهَا فَفَعَلَهَا لَمْ يُحْمَلْ لِرَفْضِهِ حُكْمٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي حِينِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ نَوَى الرَّفْضَ وَفَعَلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ رَافِضٌ بَعْدُ كَالتَّارِكِ لِذَلِكَ. الْقَرَافِيُّ: قَالَ سَنَدٌ: إنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ الْمَدْخُولَ فِي جِنْسِهِ كَفَسْخِ عُمْرَةٍ فِي عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ فِي حَجٍّ لَا يَخْتَلِفُ فِي بَقَائِهِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ عُمْرَةً فَأَرَادَ بَقَاءَهَا مَعَ الْحَجِّ وَالْوَقْتُ قَابِلٌ لِلْإِرْدَافِ فَهُوَ قَارِنٌ، وَإِنْ أَرْدَفَ قَلَبَ الْأَوَّلَ إلَى الْحَجِّ فَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ وَلَا يَنْقَلِبُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَجًّا فَاعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ وَلَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ عَلَى الْحَجِّ، وَإِنْ اعْتَقَدَ انْقِلَابَهُ عُمْرَةً لَمْ يَنْقَلِبْ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَأَمَّا لَوْ رَفَضَ إحْرَامَهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ فَهُوَ بَاقٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْأَئِمَّةِ خِلَافًا لِدَاوُدَ انْتَهَى.
(وَفِي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ تَرَدُّدٌ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: مَنْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَشْهَبَ وَالشَّافِعِيَّةِ لِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ - ﵁ -. هَذَا هُوَ نَصُّ الْقَرَافِيُّ.
(وَنُدِبَ إفْرَادٌ) فِيهَا لِمَالِكٍ: الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَوْلَى مِنْ الْقِرَانِ
[ ٤ / ٦٨ ]
وَالتَّمَتُّعِ (ثُمَّ قِرَانٌ) . أَشْهَبُ: إنْ لَمْ يُفْرِدْ فَالْقِرَانُ أَوْلَى مِنْ التَّمَتُّعِ، اللَّخْمِيِّ: التَّمَتُّعُ أَوْلَى مِنْ الْإِفْرَادِ لِلْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ.
(بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْقِرَانُ الْإِحْرَامُ بِنِيَّةِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَإِنْ سَمَّى قَدَّمَ الْعُمْرَةَ وَلَوْ عَكَسَ نَاوِيًا الْقِرَانَ فَقَارِنٌ وَإِلَّا فَمُفْرِدٌ.
(أَوْ يُرْدِفُهُ بِطَوَافِهَا) الْكَافِي: إنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى
[ ٤ / ٧٠ ]
الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ فَهُوَ قَارِنٌ.
(إنْ صَحَّتْ) مُحَمَّدٌ: لَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَفْسَدَ عُمْرَتَهُ ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجَّتِهِ وَحَجُّهُ تَامٌّ، وَلَوْ أَرْدَفَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ الْحَجُّ، اُنْظُرْ سَادِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَكَمَّلَهُ لَا يَسْعَى وَتَنْدَرِجُ وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ) فِيهَا: إنْ طَافَ وَلَمْ يَرْكَعْ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُرْدِفَ
[ ٤ / ٧١ ]
الْحَجَّ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ وَصَارَ قَارِنًا عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ ثُمَّ أَتَمَّ طَوَافَهُ بِالرُّكُوعِ وَلَا يَسْعَى.
وَفِيهَا أَيْضًا: مَنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَرْكَعَ فَطَوَافُهُ لَهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ فَلِذَلِكَ جَبَرَهُ بِالْهَدْيِ وَكَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ.
[ ٤ / ٧٢ ]
(لَا بَعْدَهُ) فِيهَا: إنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْعَ أَوْ سَعَى بَعْضَ السَّعْيِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَضَى عَلَى سَعْيِهِ ثُمَّ يُحِلُّ وَيَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: إنْ شَاءَ انْتَهَى. فَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنْ إنْ أَرْدَفَهُ قَبْلَ
[ ٤ / ٧٤ ]
الرُّكُوعِ فَهُوَ قَارِنٌ، وَإِنْ أَرْدَفَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ لَا بَعْدَهُ أَيْ فَلَيْسَ بِقَارِنٍ وَلَا يَلْزَمُهُ حَجٌّ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ هَذَا مَا نَصُّهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ بَعْدَ السَّعْيِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَلَمْ يَكُنْ قَارِنًا وَيُؤَخِّرُ حِلَاقَ رَأْسِهِ.
(وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ وَحَرُمَ الْحَلْقُ وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِهِ) فِيهَا: إنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ بَعْدَ سَعْيٍ عُمْرَتُهُ قَبْلَ حِلَاقِهِ كَانَ مُفْرِدًا وَعَلَيْهِ دَمُ تَأْخِيرِ حِلَاقِ عُمْرَتِهِ (وَلَوْ فَعَلَهُ) . ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ حَلَقَ افْتَدَى. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي سُقُوطِ دَمِ تَأْخِيرِهِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ كَقَوْلِي سُقُوطِ دَمِ مُحْرِمٍ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ رَجَعَ إلَيْهِ، وَكَقَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي سُقُوطِ سُجُودِ مَنْ قَامَ مِنْ
[ ٤ / ٧٦ ]
اثْنَتَيْنِ بِرُجُوعِهِ.
(ثُمَّ تَمَتَّعَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ أَشْهَبَ أَنَّ التَّمَتُّعَ دُونَ الْقِرَانِ فِي الْفَضْلِ، وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - شَرَعَهَا وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَهَا.
(بِأَنْ يُحْرِمَ بَعْدَهَا) . الْكَافِي: التَّمَتُّعُ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ الْإِنْسَانُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ يَتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ
[ ٤ / ٧٧ ]
الْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِهَا ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ. (وَإِنْ بِقِرَانٍ) حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَلَقَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِقِرَانٍ.
(وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إقَامَتِهِ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا) . أَبُو عُمَرَ: عَلَى الْقَارِنِ هَدْيٌ هُوَ فِيهِ كَالتَّمَتُّعِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ. هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَهْلُ ذِي طُوًى لِأَنَّهَا مِنْ مَكَّةَ. وَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ أَهْلُ مَكَّةَ وَتَمَتَّعَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاقِ وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْعُمْرَةِ فِي سَفَرٍ وَبِالْحَجِّ فِي سَفَرٍ ثَانٍ، وَالْهَدْيُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ إذَا اعْتَمَرَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى بَلَدِهِ لِإِسْقَاطِهِ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ بَلَدِهِ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأُفُقُ الَّذِي انْصَرَفَ إلَيْهِ فِي الْبُعْدِ مِثْلَ أُفُقِهِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُنْقَطِعُ
[ ٤ / ٧٨ ]
إلَيْهَا كَأَهْلِهَا كَمَا أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهَا وَالدَّاخِلَ لَا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ كَغَيْرِهِمْ. وَفِيهَا: لَوْ انْتَجَعَ لِسُكْنَى مَكَّةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجّ مِنْ عَامِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا. (أَوْ خَرَجَ
[ ٤ / ٨٠ ]
لِحَاجَةٍ لَا إنْ انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُنْقَطِعُ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهَا كَغَيْرِهِمْ. (أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُنْقَطِعُ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهَا كَغَيْرِهِمْ نَصُّهَا: مَنْ انْتَجَعَ لِسُكْنَى مَكَّةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا دَمَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَلَوْ دَخَلَهَا هَذَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ فِي هَذَا الْعَامِ ثُمَّ لَا دَمَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا دَامَ سَاكِنًا بِمَكَّةَ.
(وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ وَهَلْ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ تَأْوِيلَانِ) الْكَافِي: مَنْ كَانَ لَهُ بِمَكَّةَ أَهْلٌ وَبِغَيْرِهَا أَهْلٌ تَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ وَقَالَ: هِيَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْأُمُورِ وَاسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ الْمُتْعَةِ إنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّمَا يَأْتِي أَهْلَهُ بِمَكَّةَ مُنْتَابًا فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ كَانَ سُكْنَاهُ بِمَكَّةَ وَيَأْتِي أَهْلَهُ الَّتِي
[ ٤ / ٨١ ]
بِغَيْرِهَا مُنْتَابًا فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ كَالْمَكِّيِّ. اللَّخْمِيِّ: لَا يُخْتَلَفُ فِي هَذَا وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَى مُسَاوَاةِ إقَامَتِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ) الْكَافِي: الْهَدْيُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ إذَا اعْتَمَرَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ.
(وَلِلْمُتَمَتِّعِ عَدَمُ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ) الْكَافِي: كُلُّ مَنْ رَجَعَ لِبَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا دَمَ عَلَيْهِ. (أَوْ مِثْلِهِ) . الْكَافِي: وَكَذَا إنْ رَجَعَ إلَى أُفُقٍ مِثْلِ أُفُقِهِ لَا دَمَ عَلَيْهِ. (وَلَوْ بِالْحِجَازِ) فِيهَا: أَمَّا أَهْلُ مِنًى أَوْ الْمَنَاهِلِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَوَاقِيتِ كَقَدِيدٍ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ وَعُسْفَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سُكَّانِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمْ الدَّمُ إذَا قَرَنُوا أَوْ تَمَتَّعُوا (لَا بِأَقَلَّ) .
[ ٤ / ٨٢ ]
الْكَافِي: إنْ رَجَعَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لَا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أُفُقِهِ.
(وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ) ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُتَمَتِّعًا: إنْ تَحَلَّلَ مِنْ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُحْرِمُ فَلَوْ تَقَدَّمَ تَحَلُّلُهَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا إذْ لَمْ يَرْجِعْ الْحَجُّ بِالْعُمْرَةِ فِي مَظِنَّتِهِ. (وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا عَنْ وَاحِدٍ تَرَدُّدٌ) ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ الشُّرُوطَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُتَمَتِّعًا أَنْ يَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا بَلْ فِي
[ ٤ / ٨٣ ]
كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ عَنْ غَيْرِهِ مُتَمَتِّعٌ.
(وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ دَمَ التَّمَتُّعِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُوهِمُ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ وُقُوفِهِ وَلَا أَعْلَمُ فِي سُقُوطِهِ خِلَافًا.
(وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: يُجْزِئُ تَقْلِيدُهُ وَإِشْعَارُهُ بَعْدَ إحْرَامِ
[ ٤ / ٨٥ ]
حَجِّهِ وَيَجُوزُ أَيْضًا قَبْلَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا) أَمَّا الطَّوَافُ لِلْعُمْرَةِ فَفِي الرِّسَالَةِ ذَكَرْنَا يَعْنِي فِي الْحَجِّ إلَى تَمَامِ السَّعْيِ ثُمَّ يَحْلِقُ، وَأَمَّا الطَّوَافُ لِلْحَجِّ فَقَالَ عِيَاضٌ: أَرْكَانُ الْحَجِّ: النِّيَّةُ وَالْإِحْرَامُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَوَقْتُ الْحَجِّ وَاخْتُلِفَ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: طَوَافٌ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَهُوَ السَّعْيُ فَكَانَ مِنْ مُتَأَكِّدِي السُّنَنِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَرْضٌ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ مُسْتَحَبٌّ. الْقَرَافِيُّ: صِفَةُ الطَّوَافِ كُلُّهَا وَاحِدَةٌ.
(سَبْعًا) الْقَرَافِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ إكْمَالُ الْعَدَدِ وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ الدِّينِ، وَفِي الْحَدِيثِ إنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى
[ ٤ / ٩٠ ]
أَرْبَعًا» .
(بِالطُّهْرَيْنِ وَالسَّتْرِ) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ
[ ٤ / ٩٤ ]
إلَّا أَنَّهُ يُبَاحُ فِيهِ الْكَلَامُ.
(وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ انْتَقَضَ فِي أَثْنَائِهِ تَطَهَّرَ وَاسْتَأْنَفَ فِيهَا إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ طَافَ وَاجِبًا بِنَجَاسَةٍ لَمْ يَعُدْ كَذِكْرِهِ بَعْدَ وَقْتِ صَلَاةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ ذِكْرَهَا فِيهِ
[ ٤ / ٩٥ ]
ابْتَدَأَ. ابْنُ عَرَفَةَ: حَكَاهُ أَشْهَبُ. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ ذَكَرَهَا فِيهِ بَنَى لَا أَعْرِفُهُ.
(وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) عَدَّ ابْنُ شَاسٍ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ التَّرْتِيبَ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ
[ ٤ / ٩٧ ]
لَمْ يَصِحَّ.
(وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) عَدَّ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ بَدَنِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِهِ وَلَا فِي دَاخِلِ مَحُوطِ الْحَجَرِ فَإِنَّ بَعْضَهُ مِنْ الْبَيْتِ (وَسِتَّةِ
[ ٤ / ٩٨ ]
أَذْرُعٍ مِنْ الْحَجَرِ وَنَصْبِ الْمُقْبِلِ قَامَتَهُ) وَفِي مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِهِ وَلَا فِي مَحُوطِ الْحِجْرِ فَإِنَّ بَعْضَهُ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُ: وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِقْدَارُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ. وَصَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَلِكَوْنِ الشَّاذَرْوَانِ
[ ٤ / ١٠٠ ]
مِنْ الْبَيْتِ قَالُوا: يَنْتَبِهُ عِنْدَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ إلَى مَنْكِبِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَطُوفَ مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ بَلْ يُثَبِّتُ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ وَيَطُوفُ لِأَنَّهُ إذَا طَافَ مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ يَكُونُ قَدْ طَافَ بَعْضَ الطَّوَافِ وَبَعْضَهُ فِي الْبَيْتِ.
(دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) . الْقَرَافِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ.
قَالَ سَنَدٌ: وَيُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ كَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَإِنْ طَافَ فِي السَّقَائِفِ لِغَيْرِ زِحَامٍ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَعَادَ، وَإِنْ طَافَ فِيهَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ مِنْ زِحَامِ النَّاسِ أَجْزَأَهُ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَوَلَاءً) . الْقَرَافِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ الْمُوَالَاةُ.
قَالَ مَالِكٌ:
[ ٤ / ١٠٥ ]
وَالشَّكُّ فِي الْإِكْمَالِ كَتَيَقُّنِ النَّقْصِ.
(وَابْتَدَأَ إنْ قَطَعَ لِجِنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ) فِيهَا: إنْ خَرَجَ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ فَصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ طَلَبِ نَفَقَةٍ نَسِيَهَا ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ طَوَافِهِ إلَّا لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلُ لَا سِيَّمَا لِضَرُورَةِ الصَّلَاةِ.
(أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إنْ فَرَغَ سَعْيُهُ) فِيهَا: مَنْ ذَكَرَ مِنْ طَوَافِ السَّعْيِ بَعْدَ رُكُوعِهِ وَسَعْيِهِ شُرُوطًا بَنَى إنْ قَرُبَ وَبَقِيَ وُضُوءُهُ وَرَكَعَ وَسَعَى وَإِنْ طَالَ ابْتَدَأَ، ابْنُ عَرَفَةَ.
[ ٤ / ١٠٦ ]
لَا أَعْرِفُ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ إنَّ الْمَشْهُورَ يَبْتَدِئُ طَوَافَهُ إنْ ذَكَرَ بَعْدَ فَرَاغِ سَعْيِهِ أَنَّهُ نَسِيَ بَعْضَهُ انْتَهَى. غَرِيبٌ إنْ اتَّبَعَ خَلِيلُ ابْنَ الْحَاجِبِ وَتَرَكَ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ) لَوْ قَالَ: " وَبَنَى " لِتَنْزِلَ
[ ٤ / ١٠٧ ]
عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهَا بِهَذَا (وَنُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ) . الْقَرَافِيُّ قَالَ سَنَدٌ: وَإِذَا خَرَجَ لِلْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يَبْنِي قَبْلَ أَنْ يَتَنَفَّلَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ كَمَالِ الشَّوْطِ عِنْدَ الْحَجَرِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الطَّوَافِ شَوْطَانِ أَتَمَّهُمَا إلَى أَنْ تَعْتَدِلَ الصُّفُوفُ.
(وَبَنَى إنْ رَعَفَ) . ابْنُ حَبِيبٍ: يَبْنِي الرَّاعِفُ.
[ ٤ / ١٠٩ ]
(أَوْ عَلِمَ بِنَجِسٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ ".
وَقَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: أَمَّا النَّجَاسَةُ فَإِنْ طَافَ بِهَا نَاسِيًا ثُمَّ ذَكَرَ طَرَحَهَا مَتَى ذَكَرَ بَنَى.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَبْطُلُ كَالصَّلَاةِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْمَوَّازِ إعَادَةَ الرَّكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ
[ ٤ / ١١٠ ]
وَقْتَهُمَا بَاقٍ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُمَا أَصْبَغُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَقْتَهُمَا مُنْقَضٍ بِفَرَاغِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ وَلَوْ بَعْدُ، وَلَوْ رَعَفَ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ لَخَرَجَ وَغَسَلَ وَبَنَى.
(وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِثَوْبٍ نَجِسٍ لَمْ يُعِدْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَطْ إنْ كَانَ قَرِيبًا. اُنْظُرْ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِ قَوْلِهِ: " وَبَطَلَ بِحَدَثٍ ".
(وَعَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ) قَالَ
[ ٤ / ١١١ ]
مَالِكٌ: وَالشَّكُّ فِي إكْمَالِ الْأَشْوَاطِ كَتَيَقُّنِ النَّقْصِ.
(وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ وَإِلَّا أَعَادَ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " دَاخِلَ الْمَسْجِدِ " (وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ طَافَ فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ فِرَارًا مِنْ الشَّمْسِ أَعَادَ.
قَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: وَرَجَعَ مِنْ بَلَدِهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَرْجِعُ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ يَجْرِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. (وَلَا دَمَ) وَجَّهَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ أَبِي مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ كَمَنْ طَافَ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَعَادَهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ فَلْيُهْرِقْ دَمًا كَالطَّائِفِ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَإِنْ طَافَ فِي سَقَائِفَ لَا لِزِحَامٍ بَلْ لِحَرٍّ وَنَحْوِهِ أَعَادَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَلَا يَرْجِعُ لَهُ مِنْ
[ ٤ / ١١٢ ]
بَلَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: يَرْجِعُ. الْبَاجِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَعُودُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
(وَوَجَبَ) تَقَدَّمَ نَصُّ عِيَاضٍ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ.
قَالَ: وَطَوَافُ الْقُدُومِ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ سُنَّةٌ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِيهِمَا وَزَادَ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ مُسْتَحَبٌّ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ - ﵀ -: اعْلَمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ وَاجِبَاتُ أَرْكَانٍ الْقِسْمُ الثَّانِي وَاجِبَاتٌ لَيْسَتْ بِأَرْكَانٍ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالسُّنَنِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ سُنَنٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ التَّأْثِيمُ لَكِنْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا هَلْ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا أَمْ لَا؟ وَأَرَادُوا بِالْوُجُوبِ وُجُوبَ الدَّمِ، وَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ: أَوَّلُهَا تَرْكُ التَّلْبِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، ثَانِيهَا تَرْكُ طَوَافِ الْقُدُومِ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ.
(كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) ثُمَّ قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ:
[ ٤ / ١١٤ ]
الثَّانِي عَشَرَ إعَادَةُ السَّعْيِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى أَوَّلًا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ.
(لَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَامٍ) اللَّخْمِيِّ: طَوَافُ الْقُدُومِ يَسْقُطُ عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَعَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا وَعَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَجَّ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا دَمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ قَدِمَ وَلَمْ يَعُدْ) الْكَافِي: مَنْ خَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ
[ ٤ / ١١٦ ]
الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمُرَاهِقَ. فَلْيَتْرُكْ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ، فَإِذَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ سَعَى بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِهِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ حَجَّتُهُ مَكِّيَّةً مِنْ أَهْلِهَا كَانَ أَوْ مُتَمَتِّعًا فَلَا يَطُوفُ وَلَا يَسْعَى لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ مِنْ الْحِلِّ، فَإِنْ طَافَ وَسَعَى أَعَادَ السَّعْيَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ حَتَّى رَجَعَ لِبَلَدِهِ فَلْيُهْدِ هَدْيًا، وَيُجْزِئُهُ عَنْ مَالِكٍ.
(ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) عِيَاضٌ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا
[ ٤ / ١١٧ ]
وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ (مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّةً وَالْعَوْدُ أُخْرَى) أَبُو عُمَرَ: إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَادَ إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فَلْيَسْتَلِمْهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا فَيَرْقَى عَلَيْهَا حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ ثُمَّ يَمْشِيَ إلَى الْمَرْوَةِ يَصْنَعُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا وَيُعَدُّ ذَلِكَ شَوْطًا، ثُمَّ يَسْعَى إلَى الصَّفَا.
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَيَقِفُ بِذَلِكَ أَرْبَعَ وَقَفَاتٍ عَلَى الصَّفَا وَأَرْبَعًا عَلَى الْمَرْوَةِ.
(وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ وَإِلَّا فَدَمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِئُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِي فَرْضَهُ.
[ ٤ / ١١٨ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَجُوزُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ لِمَا قَصَدَ لَهُ مِنْ الْحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ سَعْيَهُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الطَّوَافَيْنِ حَتَّى أَتَى بَلَدَهُ أَجْزَأَهُ سَعْيُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ.
(وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ حَرَمًا وَافْتَدَى
[ ٤ / ١٢١ ]
لِحَلْقِهِ) فِيهَا: مَنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَذَكَرَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْهَا بِمَكَّةَ أَوْ بِبَلَدِهِ فَلْيَرْجِعْ حَرَامًا كَمَا كَانَ، وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَرْجِعُ وَيَسْعَى وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَطَأْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَقَ بَعْدَ طَوَافِهِ افْتَدَى.
(وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارِنٌ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: نِسْيَانُ بَعْضِ طَوَافِهِ كَجَمِيعِهِ إلَّا أَنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يُطِلْ، أَمَّا طَوَافُ عُمْرَتِهِ فَيَرْجِعُ لَهُ مُحْرِمًا كَمَارٍّ ثُمَّ يَحْلِقُ وَيَفْتَدِي مِنْ الْحَلْقِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِرًا وَقَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ سَعْيِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا.
[ ٤ / ١٢٢ ]
(كَطَوَافِ الْقُدُومِ إنْ سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ) فِيهَا: إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ قُدُومِهِ ثُمَّ سَعَى وَأَتَى عَرَفَةَ ثُمَّ رَجَعَ وَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَسْعَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَلْيَرْجِعْ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ ".
(وَالْإِفَاضَةُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ وَلَا دَمَ) فِيهَا مَنْ طَافَ
[ ٤ / ١٢٣ ]
لِلْإِفَاضَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ رَجَعَ لِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ طَافَ بَعْدَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا فَيُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ (حَلَالًا إلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ وَكُرِهَ الطَّيِّبُ وَاعْتَمَرَ وَالْأَكْثَرُ إنْ وَطِئَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَلَوْ طَافَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ أَعَادَ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَجَعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ
[ ٤ / ١٢٤ ]
طَافَ بَعْدَهُ تَطَوُّعًا فَيُجْزِئُهُ وَفِي الدَّمِ نَظَرٌ، وَيَرْجِعُ حَلَالًا إلَّا مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ لِأَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ فِي مِنًى حَتَّى يَطُوفَ ثُمَّ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ.
وَقِيلَ: لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَطَأَ وَجُلُّ النَّاسِ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ لَمْ يَطَأْ فَلْيُرَاجِعْ وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: أَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَيَرْجِعُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ طَافَ بَعْدَهُ تَطَوُّعًا فَيُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَفَسَّرَ ابْنُ يُونُسَ الْمَشْهُورَ بِأَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي الدَّمِ نَظَرٌ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمَشْهُورَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نِسْيَانًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمْدِ وَلَا يُجْزِئُ طَوَافُ الْقُدُومِ عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ إذَا سَعَى بَعْدُ بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ السَّعْيَ بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنْ عَرَفَاتٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَلْيَرْجِعْ لَابِسًا لِلثِّيَابِ حَلَالًا إلَّا مِنْ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَالصَّيْدِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ عَلَى مَا
[ ٤ / ١٢٧ ]
كَانَ عَلَيْهِ فِي مِنًى حَتَّى يَطُوفَ ثُمَّ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ إذَا رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَقَ بِمِنًى، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي لِبَاسِ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَلَّ لَهُ اللِّبَاسُ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُ الثِّيَابِ حَتَّى يَفْرُغَ عَنْ السَّعْيِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الطِّيبِ لِأَنَّهُ بَعْدُ رَمْيٌ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَهُوَ خَفِيفٌ وَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ الْجَزَاءُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ الَّذِي طَافَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَأَرْجُوَ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ وَهُوَ كَالْمُرَاهِقِ وَالْعُمْرَةُ مَعَ الْهَدْيِ تُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَجُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ) . عِيَاضٌ: مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. ابْنُ شَاسٍ: وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحُضُورِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَرَفَةَ سِوَى بَطْنِ عُرَنَةَ (سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) . ابْنُ شَاسٍ: مُتَعَلِّقُ الْإِجْزَاءِ لَيْلَةَ النَّحْرِ لَا بُدَّ مِنْ الْوُقُوفِ فِيهَا وَلَوْ لَحْظَةً.
(وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ مَرَّ بِعَرَفَةَ مَارًّا بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقِفْ بِهَا أَجْزَاهُ إنْ نَوَى بِمُرُورِهِ وَقْفًا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ وُقُوفُهُ
[ ٤ / ١٢٨ ]
بِهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا لَمْ يُجْزِهِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) فِيهَا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ
[ ٤ / ١٣٢ ]
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَةَ فَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ مُغْمًى عَلَيْهِ حَتَّى دَفَعُوا مِنْهَا أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
(أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ وَقَفَ الْحَاجُّ يَوْمَ الْعَاشِرِ غَلَطًا فِي الْهِلَالِ أَجْزَأَهُمْ الْحَجُّ وَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ وَيَمْضُونَ عَلَى عِلْمِهِمْ وَلَوْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ بَقِيَّةُ يَوْمِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ وَيَكُونُ حَالُهُمْ فِي شَأْنِهِ
[ ٤ / ١٣٣ ]
كُلِّهِ كَحَالِ مَنْ لَمْ يُخْطِئْ، وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الثَّامِنَ لَمْ يُجْزِهِمْ، اُنْظُرْ فِيهِ الْخِلَافَ فِي هَذَا. (لَا بِالْجَاهِلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَوْ مَرَّ " وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا رِوَايَتَيْنِ. (كَبَطْنِ عُرَنَةَ)
[ ٤ / ١٣٥ ]
تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ بِالْحِلِّ وَعُرَنَةُ بِالْحَرَمِ.
(وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ) . الْقَرَافِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يُصِبْ مَنْ وَقَفَ بِهِ فَمَنْ فَعَلَ لَا أَدْرِي.
قَالَ أَصْبَغُ: لَا
[ ٤ / ١٣٦ ]
يُجْزِئُ، وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ الْإِجْزَاءَ.
(وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَتَى قُرْبَ الْفَجْرِ وَقَدْ نَسِيَ
[ ٤ / ١٣٧ ]
صَلَاةً فَإِنْ صَلَّاهَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
(وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٤ / ١٤١ ]
غُسْلُ الْإِحْرَامِ وَلَوْ بِعُمْرَةٍ سُنَّةٌ وَلَوْ لِصَبِيٍّ أَوْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ وَلَا دَمَ إنْ تَرَكَ. سَحْنُونَ: وَقَدْ أَسَاءَ.
(مُتَّصِلٌ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْكَاتِبِ: إنَّمَا يَجُوزُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ لِرَجُلٍ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَرْكَبُ مِنْ فَوْرِهِ أَوْ رَجُلٍ يَأْتِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فَيَغْتَسِلُ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ. سَحْنُونَ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ مِنْ الْمَدِينَةِ غُسْلُهُ بِهَا بِعَقِبِ خُرُوجِهِ ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ انْتَهَى. اسْتَظْهَرَ عَلَى هَذَا هَلْ هُوَ مَشْهُورٌ. ابْنُ يُونُسَ: كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ. (وَلَا دَمَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ.
[ ٤ / ١٤٢ ]
(وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيِّ) تَقَدَّمَ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَلَا دَمَ ".
[ ٤ / ١٤٣ ]
(وَلِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِذِي طُوًى) وَرَوَى مُحَمَّدٌ: غُسْلُ دُخُولٍ بِمَكَّةَ بِذِي طُوًى وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فَوَاسِعٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِرَوَاحِهِ إلَى الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ، وَغُسْلُ الْإِحْرَامِ أَوْجَبُ مِنْ هَذَيْنِ الْغُسْلَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيَتَدَلَّكُ فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا غُسْلُ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ فَلَا يَتَدَلَّكُ
[ ٤ / ١٤٤ ]
فِيهِ، وَلَا يُغَيِّبُ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى الشَّيْخُ: لَا يَغْتَسِلُ لِلدُّخُولِ حَائِضٌ وَلَا نُفَسَاءُ. (وَلِلْوُقُوفِ) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ يَغْتَسِلُ لِرَوَاحِهِ لِعَرَفَةَ.
(وَلُبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) الَّذِي لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ مِنْ السُّنَنِ التَّجَرُّدَ مِنْ الْمَخِيطِ فَانْظُرْهُ. سَحْنُونَ: وَإِذَا اغْتَسَلَ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ لَبِسَ ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ ثَوْبَانِ يَرْتَدِي بِأَحَدِهِمَا وَيَأْتَزِرُ بِالْآخَرِ. زَادَ الْقَرَافِيُّ وَنَعْلَيْنِ.
(وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ ثُمَّ إشْعَارُهُ) فِيهَا: مَنْ
[ ٤ / ١٤٦ ]
أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقَلِّدْهُ ثُمَّ يُشْعِرْهُ ثُمَّ يُجَلِّلْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِشْعَارُ بِدْعَةٌ.
(ثُمَّ رَكْعَتَانِ وَالْفَرْضُ مُجْزِئٌ) فِيهَا: مَنْ أَتَى الْمِيقَاتَ فَلْيُحْرِمْ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ وَلَا يُحْرِمُ إلَّا بِإِثْرِ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ أَوْ بِإِثْرِ
[ ٤ / ١٤٧ ]
فَرِيضَةٍ، كَانَ بَعْدَهَا نَافِلَةً أَمْ لَا، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ إثْرَ النَّافِلَةِ.
(يُحْرِمُ إذَا اسْتَوَى وَالْمَاشِي إذَا مَشَى وَتَلْبِيَةٌ) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ السُّنَّةِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُلَبِّي. وَفِيهَا: لَا يُحْرِمُ دُبُرَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَكِنْ إذَا خَرَجَ مِنْهُ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ لَبَّى وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ تَسِيرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا فَحِينَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ مُتَوَجِّهًا لِلذَّهَابِ يُحْرِمُ وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَذْهَبَ بِالْبَيْدَاءِ.
قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: وَالتَّلْبِيَةُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك. وَيَكْفِي مِنْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ. .
[ ٤ / ١٤٨ ]
(وَجُدِّدَتْ لِتَغْيِيرِ حَالٍ وَخَلْفَ صَلَاةٍ) فِيهَا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلَبِّيَ فَلَا يَسْكُبُ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. وَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ. الرِّسَالَةُ: وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ الرِّفَاقِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَيُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى فَلْيَرْفَعْ صَوْتَهُ فِيهِمَا.
(وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ خِلَافٌ) . الرِّسَالَةُ: فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى ثُمَّ يُعَاوِدُهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحُ إلَى مُصَلَّاهَا. وَفِيهَا: كَرِهَهَا مَالِكٌ مِنْ أَوَّلِ طَوَافِهِ حَتَّى يُتِمَّ سَعْيَهُ.
(وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلُهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ) مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: مَنْ لَمْ يُلَبِّ وَتَوَجَّهَ نَاسِيهَا حَتَّى
[ ٤ / ١٤٩ ]
طَالَ فَدَمٌ.
(وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: يَرْفَعُ الرَّجُلُ صَوْتَهُ وَسَطًا وَلَوْ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ وَمِنًى يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ بِمَسْجِدِ غَيْرِهَا. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجُدِّدَتْ " (وَفِيهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلَبِّيَ فَلَا يَسْكُتُ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ) فِيهَا وَيُلَبِّي بَعْدَ سَعْيِهِ.
(وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ يُلَبِّي بِمَسْجِدِ مِنًى وَمَسْجِدِ عَرَفَةَ. وَقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الرِّسَالَةِ: وَيَرُوحُ إلَى مُصَلَّاهَا (وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ أَيْضًا.
(وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُهُ الْحَجُّ لِلْحَرَمِ) فِيهَا: وَمَنْ اعْتَمَرَ مِنْ مِيقَاتِهِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ أَوَّلَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَا يُعَاوِدُهَا، وَكَذَا مَنْ أَتَى وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ حَتَّى فَاتَهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ أَوَّلَ الْحَرَمِ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ صَارَ كَالْعُمْرَةِ.
(وَمِنْ الْجِعْرَانَةُ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ) فِيهَا: وَاَلَّذِي يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ مِيقَاتِهِ مِثْلِ الْجِعْرَانَةُ وَالتَّنْعِيمِ يَقْطَعُ إذَا دَخَلَ بُيُوتَ مَكَّةَ أَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، كُلُّ ذَلِكَ
[ ٤ / ١٥٠ ]
وَاسِعٌ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ طَافَ مَحْمُولًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ يُعِيدَ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَأَيْت أَنْ يُهْرِقَ دَمًا. سَحْنُونَ: قَوْلُهُ: " مَحْمُولًا " أَيْ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. ابْنُ يُونُسَ: وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوبِهِ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ إنَّمَا يُبَاحُ الرُّكُوبُ لِعُذْرٍ.
(وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ) لَوْ قَالَ: " وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ وَلَمْسُ الْيَمَانِيِّ أَوَّلَهُ " لَكَانَ أَبْيَنَ فِيهَا إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ بَدَأَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُقَبِّلَهُ لَمَسَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ عِوَضٌ مِنْ التَّقْبِيلِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَبَّرَ إذَا حَاذَاهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْضِي لِلطَّوَافِ وَلَا يَقِفُ، وَكُلَّمَا مَرَّ إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ أَوْ تَرَكَ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ بِيَدِهِ وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ الزِّحَامِ كَبَّرَ وَمَضَى. وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ فِي طَوَافٍ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ فَوَاسِعٌ إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ أَوْ تَرَكَ، وَلَا يَدَعُ التَّكْبِيرَ كُلَّمَا حَاذَاهُمَا فِي طَوَافٍ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ
[ ٤ / ١٥١ ]
اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ وَلَا يُقَبَّلَانِ وَلَا يُكَبِّرُ إذَا حَاذَاهُمَا. (وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ) . الْقَرَافِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يُقَبِّلُ يَدَهُ كَمَا يُقَبِّلُ الْحَجَرَ. قَالَ: وَحُجَّةُ الْمَشْهُورِ أَنَّ التَّقْبِيلَ فِي الْحَجَرِ تَعَبُّدٌ وَلَيْسَتْ الْيَدُ بِالْحَجَرِ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ - ﵀ -: قَالَ مَالِكٌ: وَلْيُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مَا لَمْ يَكُنْ أَذًى.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِاسْتِلَامِهِ بِغَيْرِ طَوَافٍ. قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَيْسَ الِاسْتِلَامُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، وَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا وَيُقَبِّلُ الْحَجَرَ بِغَيْرِ صَوْتٍ، وَأَشَارَ أَبُو عِمْرَانَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّوْتِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: الْأَوَّلُ ضَيِّقٌ. وَأَنْكَرَ مَالِكٌ وَضْعَ الْخَدَّيْنِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ بِدْعَةٌ.
(وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ ثُمَّ عُودٍ وَوُضِعَا عَلَى فِيهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ إنْ لَمْ يَقْدِرْ لَمَسَهُ بِيَدِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ زُوحِمَ لَمَسَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ أَوْ بِعُودٍ وَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ وَفِي تَقْبِيلِهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ كَبَّرَ وَمَضَى (ثُمَّ كَبَّرَ) . الْقَرَافِيُّ: إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إنْ يَلْمِسَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ كَبَّرَ إذَا حَاذَاهُ وَلَا يَرْفَعُ
[ ٤ / ١٥٢ ]
يَدَيْهِ.
(وَالدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ) . الْقَرَافِيُّ: مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ الدُّعَاءُ. وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِي كَافِيهِ أَدْعِيَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ. وَقَالَ أَيْضًا: وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ.
(وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ) فِيهَا: يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَمَنْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ فَتَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: عَلَيْهِ الدَّمُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ اعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَةُ أَوْ التَّنْعِيمِ أَنْ يَرْمُلَ، وَلَيْسَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ كَوُجُوبِهِ عَلَى مَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ مِنْ الْمَوَاقِيتِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا رَمَلَ
[ ٤ / ١٥٣ ]
عَلَى النِّسَاءِ وَلَا سَعْيَ بِبَطْنِ الْمَسِيلِ.
(وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا) فِيهَا: إنْ لَمْ يَقْوَ الصَّبِيُّ عَلَى الطَّوَافِ طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا وَيَرْمُلُ الَّذِي يَطُوفُ بِهِ الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى فِي الْمَسِيلِ وَالْمَجْنُونُ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ كَالصَّبِيِّ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي الرَّمَلِ بِالْمَرِيضِ وَالصَّبِيِّ قَوْلَانِ.
(وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ) فِيهَا: وَإِذَا زُوحِمَ فِي الرَّمَلِ وَلَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا رَمَلَ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ.
(وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) فِيهَا: إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ الْوَاجِبِ
[ ٤ / ١٥٤ ]
وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ فَلَا يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا) فِيهَا: إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ الْوَاجِبِ خَرَجَ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصْعَدَ مِنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَعْلَاهُمَا حَيْثُ يَرَى الْكَعْبَةَ مِنْهُمَا فَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْعُوَ قَاعِدًا إلَّا مِنْ عِلَّةٍ (كَمَرْأَةٍ إنْ خَلَا) فِيهَا: وَيَقِفُ النِّسَاءُ أَيْضًا أَسْفَلَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَصْعَدْنَ إلَّا أَنْ يَخْلُوَ مِنْ الزِّحَامِ.
(وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الْأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ) ابْنُ شَاسٍ: ثُمَّ يَمْشِي إلَى الْمَرْوَةِ وَيُسْرِعُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ فِي الْمَشْيِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَثَمَّ مِيلٌ أَخْضَرُ مُلْصَقٌ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ مَنْ سَعَى سَعْيًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الرَّمَلِ حَوْلَ الْبَيْتِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بَطْنِ الْمَسِيلِ إلَى مِيلٍ أَخْضَرَ هُنَاكَ
[ ٤ / ١٥٥ ]
ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْهَيْئَةِ. (وَدُعَاءٌ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا بِهَذَا وَيَدْعُو.
(وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ) . ابْنُ يُونُسَ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ الْوَاجِبِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. الْقَرَافِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ اتِّصَالُ رَكْعَتَيْنِ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: الشَّرْطُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ. قُلْت: الْمَشْرُوطُ صِحَّةُ الطَّوَافِ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالرُّكُوعُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْفِعْلِ فَقَطْ.
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُمَا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، وَيَجِبَانِ بِالدُّخُولِ فِي التَّطَوُّعِ وَقَالَ سَنَدٌ: لَا خِلَافَ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا رُكْنًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ (وَنُدِبَا كَالْإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ) أَمَّا اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ بِذَلِكَ
[ ٤ / ١٥٦ ]
وَأَمَّا فِي رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ.
(وَبِالْمَقَامِ) الْكَافِي: إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ إنْ أَمْكَنَهُ رَكْعَتَيْنِ وَإِلَّا
[ ٤ / ١٥٧ ]
فَحَيْثُ تَيَسَّرَ لَهُ.
(وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ) فِي الْمُوَطَّأِ: الْمُلْتَزَمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ. أَبُو عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ دَعَا اللَّهَ عِنْدَهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ أَوْ ذِي كُرْبَةٍ أَوْ ذِي غَمٍّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ» وَكَانَ - ﷺ - يُلْصِقُ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ بِالْمُلْتَزَمِ (وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ وَالْيَمَانِيِّ بَعْدَ الْأَوَّلِ) اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتَقْبِيلُ
[ ٤ / ١٥٨ ]
حَجَرٍ ".
(وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - ﷺ -) أَشْهَبُ: مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْمَعْرُوفَةِ اقْتَصَرَ عَلَى حَظٍّ وَافِرٍ وَلَا بَأْسَ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
(وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) فِيهَا مَنْ أَتَى مَكَّةَ لَيْلًا فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِذَا دَخَلْت مَكَّةَ فَائْتِ الْمَسْجِدَ وَلَا تُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ دُونَهُ.
(وَالْبَيْتِ) عِيَاضٌ: يُسْتَحَبُّ الْقَصْرُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ إلَى الْبَيْتِ دُونَ التَّعْرِيجِ عَلَى غَيْرِهِ.
[ ٤ / ١٥٩ ]
(وَمِنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِيٍّ) فِيهَا: أُحِبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ لِمَنْ أَتَى مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ. ثَنِيَّةُ كَدَاءٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدِّ هِيَ الصُّغْرَى الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ مَوْضِعٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدِّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأَنَّهُ عَلَمٌ. وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ: لَمْ أَسْمَعْهُ إلَّا مُنَوَّنًا.
(وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) . ابْنُ حَبِيبٍ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَخَرَجَ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ وَخَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى عِنْدَ الدُّخُولِ وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك. وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ
[ ٤ / ١٦٠ ]
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَطَوَافَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّذَلُّلِ. وَحُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَعَلَتْ تَقُولُ: أَيْنَ بَيْتُ رَبِّي حَتَّى أَرَى لَهَا فَأَلْصَقَتْ جَبِينَهَا بِالْبَيْتِ وَمَا رُفِعَتْ إلَّا مَيْتَةً.
وَعَنْ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَفَاقَ فَأَنْشَدَ:
هَذِهِ دَارُهُمْ وَأَنْتَ مُحِبٌّ مَا بَقَاءُ الدُّمُوعِ فِي الْآمَاقِ
وَإِذَا خَرَجْتَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلْتُقَدِّمْ رِجْلَكَ الْيُسْرَى وَتَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك.
(وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى) الْقَرَافِيُّ: وَيَخْرُجُ مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ فَتْحُ الْكَافِ وَهِيَ الْوُسْطَى الَّتِي بِأَسْفَلِ مَكَّةَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيَخْرُجُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» . وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَإِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فَلْيَخْرُجْ مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى - مَنُونٌ مُنْصَرِفٌ - هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ - وَالثَّنِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ.
(وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، وَإِنْ رَكَعَهُمَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَجَائِزٌ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ أَحَبُّ إلَيْنَا. الْقَرَافِيُّ: إنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ فَالْمَشْهُورُ يُؤَخِّرُ
[ ٤ / ١٦١ ]
الرُّكُوعَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (وَبِالْمَسْجِدِ) الْقَرَافِيُّ: وَالْمُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بِمَكَّةَ فَإِنْ صَلَّاهُمَا فِي طَرِيقِهِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالرُّكُوعَ.
(وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ أَنْ يَرْمُلَ.
(أَوْ بِالْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ لَا تَطَوُّعٍ) . ابْنُ يُونُسَ: لَا يَرْمُلُ إلَّا طَوَافَ السَّعْيِ وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ أَوْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ الَّذِي يَسْعَى بَعْدَهُ الْمُرَاهِقُ وَلَا يَكُونُ الرَّمَلُ فِي طَوَافِ التَّطَوُّعِ.
(وَوَدَاعٍ) قَالَ سَنَدٌ: لَا يُخْتَلَفُ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ أَنَّهُ لَا رَمَلَ فِيهِ.
(وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ) . ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَالْوُضُوءِ بِهِ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلْيَقُلْ إذَا شَرِبَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسَالِكُ عِلْمًا نَافِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَهُوَ لِمَا شُرِبَ لَهُ انْتَهَى. نَقْلُ الْقَرَافِيُّ.
[ ٤ / ١٦٣ ]
(وَنَقْلُهُ وَلِلسَّعْيِ شُرُوطٌ الصَّلَاةُ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ سَعَى جُنُبًا أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ فِي طَوَافِهِ وَرُكُوعِهِ طَاهِرًا وَتَسْعَى الْمَرْأَةُ حَائِضًا إذَا كَانَتْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ طَاهِرَةً. ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا الطَّوَافُ فَكَالصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ لِمَنْ أَحْدَثَ فِيهِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَيَجُوزُ أَنْ يَسْعَى غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ، فَكَذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ فِيهِ لَهُ
[ ٤ / ١٦٥ ]
أَنْ يُتِمَّهُ كَذَلِكَ. الْقَرَافِيُّ عَنْ سَنَدٍ: يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ وَالطَّهَارَةُ لِلسَّعْيِ.
(وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابِعِ بِمَكَّةَ وَاحِدَةٌ يُخْبِرُ بِالْمَنَاسِكِ) رَوَى مُحَمَّدٌ: خُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثٌ: الْأُولَى بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ لِسَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ
[ ٤ / ١٦٦ ]
بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ وَلَا يَجْلِسُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ.
(وَخُرُوجُهُ بِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهِ الظُّهْرَ) مَالِكٌ: مِنْ السُّنَّةِ الْخُرُوجُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى بِمِقْدَارِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهَا.
(وَبَيَاتُهُ بِهَا)
[ ٤ / ١٦٧ ]
مَالِكٌ: يَبِيتُ بِمِنًى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَهِيَ لَيْلَةُ عَرَفَةَ.
(وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ) مَالِكٌ: يُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى وَيَدْفَعُ مِنْهَا إلَى عَرَفَةَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا بَأْسَ لِلضَّعِيفِ وَمَنْ بِهِ عِلَّةٌ أَنْ يَغْدُوَ قَبْلَ ذَلِكَ وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ. سَنَدٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ النُّزُولُ بِنَمِرَةَ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ فَيَضْرِبُ الْإِمَامُ خِبَاءً أَوْ قُبَّةً كَفِعْلِهِ - ﵇ -.
(وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الظُّهْرِ يَجْلِسُ وَسَطَهَا وَهِيَ تَعْلِيمٌ لِلنَّاسِ مَا بَقِيَ مِنْ مَنَاسِكِهِمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ بِعَرَفَةَ، وَوُقُوفِهِمْ بِهَا وَدَفْعِهِمْ وَنُزُولِهِمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَصَلَاتِهِمْ بِهَا، وَوُقُوفِهِمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَالدَّفْعِ مِنْهُ وَرَمْيِ الْجَمْرَةِ وَالْحَلْقِ وَالنَّحْرِ وَالْإِفَاضَةِ.
(ثُمَّ أَذَانٌ وَجَمْعٌ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ إثْرَ الزَّوَالِ) فِيهَا: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ خَطَبَ الْإِمَامُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، وَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إنْ شَاءَ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَلَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ) اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَقِفَ رَاكِبًا فَأَمَّا الْمَاشِي فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَدْعُوَ قَائِمًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِذَا دَعَوْت وَسَأَلْت فَابْسُطْ يَدَك، وَإِذَا رَهِبْت وَاسْتَغْفَرْت وَتَضَرَّعْت فَحَوِّلْهَا، فَلَا تَزَلْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِالْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَالدُّعَاءِ لِنَفْسِك وَلِأَبَوَيْك وَالِاسْتِغْفَارِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَدْفَعُ الْإِمَامُ وَتَدْفَعُ مَعَهُ.
(وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ) فِيهَا: إنْ وَقَفَ جُنُبًا مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَجْزَاهُ، وَكَوْنُهُ طَاهِرًا أَحَبُّ إلَيَّ (وَرُكُوبُهُ ثُمَّ قِيَامٌ إلَّا لِتَعَبٍ) اسْتَحَبَّ مَالِكٌ هَذَا.
(وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ) . ابْنُ يُونُسَ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]
[ ٤ / ١٦٨ ]
وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] إلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَتِيقِ﴾ «وَجَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ»، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهَا صَلَّى الْمَغْرِبَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهَا وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَاهُ.
(وَبَيَاتُهُ بِهَا) الْكَافِي: إذَا اسْتَيْقَنَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ غُرُوبَ الشَّمْسِ بِعَرَفَةَ دَفَعَ بِهِمْ الْإِمَامُ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَهِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَهِيَ جَمْعٌ كُلُّ هَذَا اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وَيَبِيتُ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهَا حَتَّى يُصْبِحُوا، وَمَنْ لَمْ يَبِتْ بِهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ أَقَامَ بِهَا أَكْثَرَ لَيْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَالْمَبِيتُ بِهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَرَخَّصَ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا لَيْلًا قَبْلَ الْفَجْرِ. انْتَهَى بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ)
[ ٤ / ١٦٩ ]
تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ وَلَمْ يُنِخْ بِهَا فَلْيُهْدِ بَدَنَةً، وَفِيهَا: إنْ نَزَلَ ثُمَّ دَفَعَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
(وَجَمَعَ وَقَصَرَ، إلَّا لِأَهْلِهَا كَمِنًى وَعَرَفَةَ) ابْنُ عَرَفَةَ: ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَصْرًا وَيُتِمُّ الْعَرَفِيُّ. وَفِيهَا: لَا أُحِبُّ كَوْنَ الْإِمَامِ عُرْفِيًّا وَجَمْعُهُمَا السُّنَّةُ. أَبُو عُمَرَ: إجْمَاعًا (وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ إنْ نَفَر مَعَ الْإِمَامِ) فِيهَا: وَمَنْ لَمْ تَكُنْ بِهِ عِلَّةٌ وَلَا بِدَابَّتِهِ وَهُوَ يَسِيرُ بِسَيْرِ النَّاسِ فَلَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ إلَّا
[ ٤ / ١٧٠ ]
بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَهَا أَعَادَ إنْ أَتَاهَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا، وَهَذَا لِمَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا مَنْ وَقَفَ بَعْدَهُ فَلْيُصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا مَنْ بِهِ عِلَّةٌ أَوْ بِدَابَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْمَسِيرَ مَعَ النَّاسِ أَمْهَلَ حَتَّى يَمِيلَ الشَّفَقُ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ كَانَ وَيُجْزِيهِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَمْ يَقُلْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا لِأَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُ فِيمَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. (وَإِلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ وَقَفَ بَعْدَهُ فَلْيُصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا (وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ إلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنْ صَلَّى قَبْلَهَا أَعَادَ.
(وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ مُغَلِّسًا) الْكَافِي: إذَا أَصْبَحُوا بِمُزْدَلِفَةَ صَلَّوْا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ بِهَا وَوَقَفُوا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَلِيلًا لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ثُمَّ نَهَضُوا إلَى مِنًى قَبْلَ
[ ٤ / ١٧٧ ]
طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْإِسْفَارِ الْأَعْلَى وَلَيْسَ السُّنَّةُ أَنْ يُسْفِرُوا جِدًّا.
(وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلْإِسْفَارِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي: وَوَقَفُوا عِنْدَ الْمَشْعَرِ (وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ) فِيهَا: وَالْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَوَجْهُك إذَا وَقَفَتْ أَمَامَ الْبَيْتِ (وَلَا وُقُوفَ بَعْدَهُ) مَالِكٌ: وَلَا يَقِفُ أَحَدٌ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْإِسْفَارِ وَلْيَدْفَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ (وَلَا قَبْلَ الصُّبْحِ) فِيهَا: مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَقِفْ.
(وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) مِنْ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَتَفْعَلُ فِي الدَّفْعِ مِنْ الْمَشْعَرِ مِنْ الذِّكْرِ وَالسَّكِينَةِ مِثْلَ فِعْلِك فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَيُهَرْوِلُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ.
(وَرَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ وَإِنْ رَاكِبًا) فِيهَا: الشَّأْنُ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ضَحْوَةً رَاكِبًا كَمَا
[ ٤ / ١٧٨ ]
يَأْتِي النَّاسُ عَلَى دَوَابِّهِمْ.
قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: تَسْتَقْبِلُهَا وَمِنًى عَنْ يَمِينِك وَالْبَيْتُ عَنْ يَسَارِك وَأَنْتَ بِبَطْنِ الْوَادِي. التَّلْقِينُ: جُمْلَةُ مَا يَرْمِيهِ الْحَاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً مِنْهَا سَبْعٌ يَوْمَ النَّحْرِ (وَالْمَشْيُ فِي غَيْرِهَا) قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمِي مَاشِيًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ مَشَى يَوْمَ النَّحْرِ رَمَى الْعَقَبَةَ رَكِبَ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ) قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ وَالطِّيبَ (وَكُرِهَ الطِّيبُ) كَرِهَ مَالِكٌ لِمَنْ رَمَى جَمْرَةَ
[ ٤ / ١٧٩ ]
الْعَقَبَةِ أَنْ يَتَطَيَّبَ حَتَّى يُفِيضَ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) فِيهَا: وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ أَجْزَأَهُ. (وَتَتَابُعُهَا) الْكَافِي: لَا يَرْمِي بِحَصَاتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي مَرَّةٍ فَإِنْ فَعَلَ عَدَّهَا حَصَاةً وَاحِدَةً. وَفِيهَا: وَيُوَالِي بَيْنَ الرَّمْيِ.
(وَلَقْطُهَا) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: قَدْرَ حَصَاةِ الْجِمَارِ قَدْرَ الْفُولَةِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلْيَأْخُذْهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ. قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَقْطُهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَسْرِهَا وَإِنْ أُلْجِئَ أَنْ يَكْسِرَهَا حَجَرًا فَلَا بَأْسَ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ أَخْذَهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهَا مِنْ غَيْرِهَا إذَا اجْتَنَبَ رَمَى بِهِ.
(وَذَبْحٌ قَبْلِ الزَّوَالِ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ نَحَرَ هَدْيًا إذَا كَانَ مَعَهُ ثُمَّ حَلَقَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنَّمَا قَالَ يَرْمِي ثُمَّ يَنْحَرُ ثُمَّ يَحْلِقُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ.
(وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ لِيَحْلِقَ) فِيهَا: وَمَنْ ضَلَّتْ بَدَنَتُهُ
[ ٤ / ١٨٠ ]
يَوْمَ النَّحْرِ أَخَّرَ الْحِلَاقَ وَطَلَبَهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوَالِ فَإِنْ أَصَابَهَا وَإِلَّا حَلَقَ (ثُمَّ حَلْقُهُ وَلَوْ بِنُورَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ: يَنْحَرُ ثُمَّ يَحْلِقُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِالنُّورَةِ عِنْدَ الْحِلَاقِ أَجْزَأَهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ حَلَقَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَالْحَلْقِ بِالْحَدِيدِ.
(إنْ عَمَّ رَأْسَهُ) الْكَافِي: وَمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَهُ فَلْيَعُمَّ بِذَلِكَ رَأْسَهُ كُلَّهُ وَلَا يُجْزِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهِ (وَالتَّقْصِيرُ مُجْزِئٌ
[ ٤ / ١٨١ ]
وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ غَيْرُهُ: وَالْحِلَاقُ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ.
وَقَالَ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ إلَّا
[ ٤ / ١٨٣ ]
التَّقْصِيرُ» . وَقَالَهُ عُمَرُ وَابْنُهُ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا (تَأْخُذُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ) فِيهَا: إذَا قَصَّرَ الرَّجُلُ فَلْيَأْخُذْ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَمَا أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: يَجُزُّ ذَلِكَ جَزًّا وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ يَسِيرًا مِنْ جَمِيعِ الْقُرُونِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - تَجُزُّ قَدْرَ التَّطْرِيفِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُقَصِّرَا بَعْضًا وَيُبْقَيَا بَعْضًا.
(ثُمَّ يُفِيضُ) الْكَافِي: فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ انْصَرَفَ إلَى مَكَّةَ لِجَوَازِ الْإِفَاضَةِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا مِنْ غَيْرِ رَمَلٍ وَلَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إنْ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ
[ ٤ / ١٨٤ ]
طَوَافِ الدُّخُولِ.
(وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ) الْكَافِي: إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ وَتَمَّ لَهُ وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ نُسُكِهِ غَيْرُ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَوَدَاعُ الْبَيْتِ.
(إنْ حَلَقَ) الْكَافِي: مَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْحِلَاقِ فَلَا حَرَجَ.
(وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ) فِيهَا: وَإِنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ بَعْدَ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَعُمْرَةٌ يَنْحَرُ الْهَدْيَ فِيهَا.
(بِخِلَافِ الصَّيْدِ) الَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ مَا نَصُّهُ: يَخْتَلِفُ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ فِي الثِّيَابِ وَالصَّيْدِ وَاللَّمْسِ وَالطِّيبِ وَالْمَذْهَبُ التَّحْرِيمُ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ.
وَفِي الْجَلَّابِ: إنْ تَطَيَّبَ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَادَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ وَطِئَ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَيُهْدِي وَيَعْتَمِرُ انْتَهَى. قَيَّدْت هَذَا لِأَنِّي ظَنَنْت أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " قَبْلَهُ " يَعُودُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالنَّقْلُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ إنَّمَا عَنَى قَبْلَ الْحَلْقِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْحَلْقُ بِمِنًى أَفْضَلُ وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى بَلَغَ بَلَدَهُ حَلَقَ وَأَهْدَى، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ فِعْلِهِ أَهْدَى بِخِلَافِ الصَّيْدِ (كَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ لِبَلَدِهِ) اُنْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ كَتَأْخِيرِهِ فَلِإِتْيَانِهِ بِالظَّاهِرِ هُنَا فَهِمْت مِنْهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " قَبْلَهُ " يَعُودُ عَلَى الطَّوَافِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْحِلَاقُ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَفْضَلُ وَإِنْ أَخَّرَ الْحِلَاقَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَأَهْدَى.
(أَوْ الْإِفَاضَةُ لِلْمُحْرِمِ) الذَّخِيرَةُ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ.
[ ٤ / ١٨٥ ]
وَفِي الْكِتَابِ: تَعْجِيلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ. وَأَمَّا تَحْدِيدُ آخِرِ وَقْتِهِ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَمَامُ الشَّهْرِ وَعَلَيْهِ الدَّمُ بِدُخُولِ الْمَحْرَمِ.
(وَرَمْيُ كُلِّ حَصَاةٍ أَوْ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ) وَفِي الْعُتْبِيَّةِ: الرَّمْيُ أَيَّامَ مِنًى حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إلَى أَنْ تَصْفَرَّ، فَإِذَا اصْفَرَّتْ فَقَدْ فَاتَ الرَّمْيُ إلَّا لِمَرَضٍ أَوْ نَاسٍ، وَأَمَّا يَوْمَ النَّحْرِ فَمِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةٍ مِنْ هَذَا الْجِمَارِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَوْ الْجِمَارَ كُلَّهَا حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ رَمَاهَا لَيْلًا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَلْزَمَهُ الدَّمُ. الْقَرَافِيُّ: الْمَرَّةُ اسْمٌ لِلْحَصَاةِ. عِيَاضٌ: مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالْمَبِيتُ بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَرَمْيُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَ جَمَرَاتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَمْرَةً بِسَبْعِ حَصَاةٍ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ: " وَرَمْيُ " هَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " وَالْإِفَاضَةُ " أَوْ عَلَى الْمَعْطُوفَاتِ قَبْلَهُ؟ .
(وَإِنْ لِصَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ أَوْ عَاجِزٍ وَيَسْتَنِيبُ فَيَتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْيِ وَكَبَّرَ) فِيهَا: إذَا قَدَرَ عَلَى حَمْلِ الْمَرِيضِ وَهُوَ يَقْوَى عَلَى الرَّمْيِ حَمَلَ وَرَمَى بِيَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَمْلِهِ أَوْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرَّمْيَ رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ. مُحَمَّدٌ: مِمَّنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَتَحَرَّى الْمَرِيضُ وَقْتَ الرَّمْيِ فَيُكَبِّرُ لِكُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ وَإِنَّمَا رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ، وَيَرْمِي عَنْ الصَّغِيرِ مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ كَالطَّوَافِ، وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ كَبِيرًا قَدْ عَرَفَ الرَّمْيَ فَلْيَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ أَوْ لَمْ يَرْمِ عَنْ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّمْيِ فَالدَّمُ عَلَى مَنْ أَحَجَّهُمَا.
(وَأَعَادَ إنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنْ الرَّابِعِ وَقَضَاءُ كُلٍّ إلَيْهِ) فِيهَا: وَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ أَعَادَ مَا رُمِيَ عَنْهُ كُلَّهُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَيْهِ
[ ٤ / ١٨٦ ]
الدَّمُ.
(وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ) ابْنُ شَاسٍ: لِلرَّمْيِ وَقْتُ أَدَاءٍ وَوَقْتُ قَضَاءٍ وَوَقْتُ فَوَاتٍ. فَوَقْتُ الْأَدَاءِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْفَضِيلَةُ تَتَعَلَّقُ بِعَقِيبِ الزَّوَالِ، وَتَرَدَّدَ الْبَاجِيُّ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ هَلْ هِيَ وَقْتُ أَدَاءٍ أَوْ وَقْتُ الْقَضَاءِ؟ وَوَقْتُ الْأَدَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ وَيَتَرَدَّدُ فِي اللَّيْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَحَمَلَ مُطِيقٌ وَرَمَى) فِيهَا: الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَرِيضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهَا فِي الْمَرِيضِ إنْ قَدَرَ عَلَى الرَّمْيِ حَمَلَ وَرَمَى بِيَدِهِ (وَلَا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَرْمِي الْحَصَاةَ فِي كَفِّ غَيْرِهِ لِيَرْمِيَهَا ذَلِكَ عَنْهُ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي يَدِ النَّائِبِ عَنْهُ.
(وَتَقْدِيمُ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ) اُنْظُرْ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمَعْطُوفَاتِ عَلَى تَأْخِيرِ الْحَلْقِ، وَعَلَى هَذَا فَأَمَّا مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَفْتَدِي، وَأَمَّا إذَا أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِئُهُ. قَالَ: وَلْيَرْمِ ثُمَّ يَحْلِقْ ثُمَّ يُفِضْ ثَانِيَةً.
(لَا إنْ خَالَفَ فِي غَيْرِ) مَالِكٍ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ حَلَقَ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
(وَعَادَ لِلْمَبِيتِ فِيهِ بِمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثًا) الْكَافِي: إذَا
[ ٤ / ١٨٧ ]
طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَادَ إلَى مِنًى فَيَبِيتُ بِهَا لَيَالِيَ مِنًى كُلِّهَا (وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ) الْكَافِي: إنْ بَاتَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَبِتْ بِمِنًى فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيْلَةً كَامِلَةً أَوْ جُلَّهَا.
(أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ) قَالَ مَالِكٌ: لِلْحَاجِّ التَّعْجِيلُ فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَرْمِيَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ ثَالِثُ يَوْمِ النَّحْرِ. مُحَمَّدٌ: يَرْمِي بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ فَيَصِيرُ جَمِيعُ رَمْيِهِ بِسَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ حَصَاةً، وَيَسْقُطُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَذَلِكَ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِمِنًى أَقَامَ حَتَّى يَرْمِيَ مِنْ الْغَدِ، فَإِنْ جَهِلَ أَسَاءَ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
(وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ) . ابْنُ يُونُسَ: وَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ مَا بَدَا لَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إنْ بَاتَ بِمَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَيَرْجِعُ إلَى مِنًى.
(أَوْ مَكِّيًّا) فِيهَا: لَا بَأْسَ بِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَتَعَجَّلُوا. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. (قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الثَّانِي فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ) تَقَدَّمَ نَصُّ
[ ٤ / ١٨٨ ]
مَالِكٍ وَهُوَ ثَالِثُ يَوْمِ النَّحْرِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ إنْ لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ.
(وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِيَ لِلْيَوْمَيْنِ) مَالِكٌ: وَأُرْخِصَ لِرُعَاةِ الْإِبِلِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ الْعَقَبَةَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ مِنًى نَفَرَ الْمُتَعَجِّلُ أَتَوْا فَرَمَوْا الْجِمَارَ لِلْيَوْمِ الْمَاضِي وَلِلْيَوْمِ، ثُمَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَجَّلُوا فَإِنْ أَقَامُوا رَمَوْا لِلْغَدِ مَعَ النَّاسِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ رَعَوْا النَّهَارَ وَرَمَوْا اللَّيْلَ أَجْزَأَهُمْ.
[ ٤ / ١٨٩ ]
(وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ) فِيهَا: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِدَفْعِ الْإِمَامِ وَلَا يَتَعَجَّلُ قَبْلَهُ. قَالَ: وَوَاسِعٌ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ يَتَأَخَّرُوا.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدَّمَ ضَعَفَةَ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يُقَدِّمْهُمْ مِنْ عَرَفَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا فَرْضٌ.
(وَتَرْكُ التَّحْصِيبِ لِغَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ) اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ " (وَرَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ الثَّلَاثَ) مَالِكٌ: أَيَّامُ الرَّمْيِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا ثَلَاثَ جَمَرَاتٍ مَاشِيًا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ يَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ (وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ) فِيهَا: وَيَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَا يَقِفُ (مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: وَقْتُ الْأَدَاءِ مِنْ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ وَالْفَضِيلَةُ تَتَعَلَّقُ بِعَقِبِ الزَّوَالِ وَقْتَ الْأَدَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ وَيَتَرَدَّدُ فِي اللَّيْلِ (وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الْخَذْفِ) . ابْنُ يُونُسَ: الْحَصَاةُ الْخَذْفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ أَنَّهَا كَالْفُولَةِ.
(وَرَمَى) مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَيُشْتَرَطُ الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ. وَفِيهَا: إنْ وَضَعَ الْحَصَاةَ وَضْعًا أَوْ طَرَحَهَا لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَمَاهَا رَمْيًا.
(وَإِنْ بِمُتَنَجِّسٍ)
[ ٤ / ١٩٠ ]
الْكَافِي: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ وَيُسْتَحَبُّ أَخْذُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَمِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ. وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الْمَدَرُ وَلَا شَيْءَ غَيْرُ الْحَجَرِ، وَلَوْ لَمْ يَغْسِلْ الْجِمَارَ النَّجِسَةَ أَوْ رَمَى بِمَا قَدْ رَمَى بِهِ فَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَسَاءَ وَأَجْزَأَ عَنْهُ.
(عَلَى الْجَمْرَةِ) ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: تَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا وَالْجَمْرَتَانِ مِنْ أَعْلَاهُمَا.
(وَإِنْ أَصَابَتْ غَيْرَهَا إنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ) فِيهَا: إنْ رَمَى حَصَاةً فَسَقَطَتْ فِي مَحْمَلِ رَجُلٍ فَقَبَضَهَا صَاحِبُ الْمَحْمَلِ فَسَقَطَتْ فِي الْجَمْرَةِ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ أَصَابَتْ الْمَحْمَلَ ثُمَّ مَضَتْ بِقُوَّةِ الرَّمْيِ الْأَوَّلِ حَتَّى وَقَفَتْ فِي الْجَمْرَةِ أَجْزَأَهُ.
(لَا دُونَهَا) . أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا إنْ رَمَاهَا مِنْ أَسْفَلَ أَوْ مِنْ فَوْقُ وَوَقَفَتْ الْحَصَاةُ فِي الْجَمْرَةِ أَجْزَاهُ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ فِيهَا وَلَا قُرْبَهَا أَعَادَ.
(وَإِنْ أَطَارَتْ غَيْرَهَا لَهَا) . سَنَدٌ: الْعَقَبَةُ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْرَةُ اسْمٌ لِلْكُلِّ، فَلَوْ وَقَعَتْ دُونَ الْجَمْرَةِ وَقَدْ خَرَجَتْ إلَيْهَا أَجْزَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي وُصُولِهَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، فَلَوْ وَقَعَتْ دُونَ الْمَرْسَى عَلَى حَصَاةٍ فَطَارَتْ الثَّانِيَةُ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُجْزِهِ.
(وَلَا طِينٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي بِهَذَا (وَلَا مَعْدِنٍ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مَنْعُ الطِّينِ وَالْمَعَادِنِ الْمُتَطَرِّقَةِ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِ الْمُتَطَرِّقَةِ كَالزِّرْنِيخِ. قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ.
(وَفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ) مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَإِنْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ فِي شُقُوقِ الْبِنَاءِ فَفِي الْإِجْزَاءِ نَظَرٌ، وَالْفَقِيهُ خَلِيلٌ الَّذِي بِمَكَّةَ يُفْتِي بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَرَأَيْت مِنْ شَيْخِنَا الشَّهِيرِ الْمَنُوفِيِّ مَيْلًا إلَى الْإِجْزَاءِ.
(وَبِتَرَتُّبِهِنَّ) وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَنْسِيَّةِ وَمَا
[ ٤ / ١٩١ ]
بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ. مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ عَكَسَ تَرْتِيبَهَا أَعَادَ الْمُقَدَّمَ وَمَا بَعْدَهُ فَقَطْ. الْكَافِي: فِي الرَّمْيِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا يُرَتِّبُ الْجَمَرَاتِ وَيَجْمَعُهُنَّ وَلَا يُفَرِّقُهُنَّ وَلَا يُنَكِّسُهُنَّ يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهَا تَقَدَّمَ فَوَقَفَ طَوِيلًا لِلدُّعَاءِ ثُمَّ يَرْمِي الثَّانِيَةَ وَهِيَ الْوُسْطَى وَيَنْصَرِفُ عَنْهَا ذَاتَ الشِّمَالِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ وَيُطِيلُ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا لِلدُّعَاءِ، ثُمَّ يَرْمِي الثَّالِثَةَ بِمَوْضِعِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْوُسْطَى ثُمَّ الْأَخِيرَةُ ثُمَّ الْأُولَى أَعَادَ يَرْمِي مِنْ أَسْفَلِهَا وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، فَإِنْ نَكَّسَ الْجِمَارَ فَرَمَى الْأَخِيرَةَ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ أَعَادَ الْوُسْطَى ثُمَّ الْأَخِيرَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى الْوُسْطَى ثُمَّ الْأَخِيرَةَ ثُمَّ الْأُولَى أَعَادَ الْوُسْطَى ثُمَّ الْأَخِيرَةَ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْأَخِيرَةَ فَقَطْ، وَمِنْ الذَّخِيرَةِ: إذَا تَرَكَ حَصَاةً مِنْ يَوْمِهِ الذَّاهِبِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأُولَى فَقَدْ تَرَكَ الْأَخِيرَتَيْنِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَخِيرَةِ قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ شَاةٌ.
(وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ) فِيهَا: يُوَالِي بَيْنَ الرَّمْيِ وَلَا يَنْتَظِرُ بَيْنَ الْحَصَاتَيْنِ شَيْئًا.
(فَإِنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ) فِيهَا: مَنْ رَمَى يَوْمَ ثَانِي النَّحْرِ الْجِمَارَ الثَّلَاثَةَ بِخَمْسٍ خَمْسٍ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ يَوْمِهِ رَمَى الْأُولَى
[ ٤ / ١٩٢ ]
الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى بِحَصَاتَيْنِ ثُمَّ الْوُسْطَى بِسَبْعٍ ثُمَّ الْعَقَبَةُ بِسَبْعٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ ذَكَرَهَا مِنْ الْغَدِ رَمَى هَكَذَا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْأَمْسِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي رَمَى عَنْ أَمْسِ كَمَا ذَكَرْنَا وَعَلَيْهِ دَمٌ وَلَا يُعِيدُ رَمْيَ يَوْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا بَعْدَ يَوْمِهِ وَذَكَرَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى الْأُولَى بِحَصَاةٍ وَالِاثْنَيْنِ بِسَبْعٍ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وَأَعَادَ رَمْيَ يَوْمِهِ هَذَا فَقَطْ إذْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ وَقْتِهِ، وَلَا يُعِيدُ رَمْيَ الْيَوْمِ الَّذِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّ وَقْتَ رَمْيِ ذَلِكَ مَضَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنْ الْأُولَى) فِيهَا: مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ حَصَاةً مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَمْرَةٍ هِيَ فَلْيَرْمِ الْأُولَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى وَالْعَقَبَةَ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ.
(وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ آخَرَ وَلَوْ حَصَاةً حَصَاةً) قَالَ الْقَابِسِيُّ: مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ حَصَاةً وَعَنْ صَبِيٍّ مَعَهُ حَصَاةً حَتَّى أَتَمَّ الرَّمْيَ فَلْيُعِدْ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَعْتَدُّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ رَمَى جَمْرَةً عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ رَمَاهَا عَنْ
[ ٤ / ١٩٣ ]
الصَّبِيِّ حَتَّى أَتَمَّ فَذَاكَ يُجْزِئُهُ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ.
(وَرَمْيُ الْعَقَبَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَإِلَّا إثْرَ الزَّوَالِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " الْعَقَبَةَ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " إثْرَ الزَّوَالِ " (قَبْلَ الظُّهْرِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ " وَوُقُوفُهُ إثْرَ الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ إسْرَاعِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِيهَا: يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ لِلدُّعَاءِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: يَبْدَأُ بِالْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى فَإِذَا رَمَاهَا تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ وَأَطَالَ الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى وَيَنْصَرِفُ مِنْهَا إلَى الشِّمَالِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَيَقِفُ أَمَامَهَا مِمَّا يَلِي يَسَارَهَا وَوَجْهُهُ إلَى الْبَيْتِ فَيَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى. ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَيَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. وَكَانَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ يَقِفَانِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ السَّرِيعُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ.
(وَتَيَاسُرُهُ فِي الثَّانِيَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: فِي الثَّانِيَةِ يَنْصَرِفُ مِنْهَا إلَى الشِّمَالِ فَيَقِفُ مِمَّا يَلِي يَسَارَهَا (وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ لِيُصَلِّيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: الْمَقْصِدُ الْحَادِيَ عَشَرَ الرُّجُوعُ مِنْ مِنًى. فِيهَا: لَا
[ ٤ / ١٩٥ ]
بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الْأَثْقَالِ إلَى مَكَّةَ بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْأَثْقَالِ إلَى مِنًى قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَوْ إلَى عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا رَجَعَ النَّاسُ مِنْ مِنًى نَزَلُوا بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ فَصَلَّوْا بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ أَنْ لَا يَدَعَ النُّزُولَ بِالْأَبْطُحِ. الذَّخِيرَةُ: الْأَبْطُحُ حَيْثُ الْمَقْبَرَةُ بِأَعْلَى مَكَّةَ تَحْتَ عَقَبَةِ كَدَاءٍ وَهُوَ مِنْ الْمُحَصَّبِ، وَالْمُحَصَّبُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ، وَسُمِّيَ مُحَصَّبًا لِكَثْرَةِ الْحَصْبَاءِ فِيهِ مِنْ الْمَسِيلِ] وَنُزُولِ الْأَبْطُحِ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَيْسَ بِنُسُكٍ.
(وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) الْكَافِي: لَا يَنْصَرِفُ أَحَدٌ إلَى بَلَدِهِ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ سَبْعًا فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ وَنُسُكٌ، وَلَا يَسْقُطُ إلَّا عَنْ الْحَائِضِ وَحْدَهَا، وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ مُسْتَحَبٌّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَدَاعُهُ الْبَيْتَ مُتَّصِلًا بِنُهُوضِهِ بَعْدَ كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَإِنْ اشْتَغَلَ بَعْدَ الْوَدَاعِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى أَوْ عَادَ مَرِيضًا وَنَحْوَ ذَلِكَ عَادَ لِلْوَدَاعِ حَتَّى يَكُونَ صَدْرُهُ وَنُهُوضُهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ طَوَافِهِ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَيَحْمَدَ اللَّهَ وَيَشْكُرَهُ عَلَى مَا مَنَّ عَلَيْهِ وَيَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ رَغْبَةٍ وَلْيَقُلْ إنْ شَاءَ: اللَّهُمَّ إنَّك حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْت بِنِعْمَتِك لِعِبَادِك وَمَا كَانُوا لَهُ مُقْرِنِينَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي لِبَيْتِك الْحَرَامِ، فَإِنْ كُنْت يَا رَبِّ قَبِلْت وَرَضِيت فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا وَإِلَّا الْآنَ قَبْلَ أَنْ أَبْعُدَ عَنْ بَيْتِك غَيْرَ مُبَدِّلٍ بِك وَلَا رَاغِبٍ عَنْك، اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي وَكُلَّ مَا يُنْقِصُ أَجْرِي أَوْ يُحْبِطُ عَمَلِي وَاجْمَعْ لِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(إنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ) فِيهَا: وَمَنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ فَخَرَجَ لِيَعْتَمِرَ مِنْ الْجِعْرَانَةُ أَوْ التَّنْعِيمِ
[ ٤ / ١٩٦ ]
فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَأَمَّا إنْ خَرَجَ لِيَعْتَمِرَ مِنْ مِيقَاتٍ كَالْجُحْفَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُوَدِّعْ قَالَ: وَإِذَا سَافَرَ مَكِّيٌّ فَلْيُوَدِّعْ، وَمَنْ حَجَّ مِنْ عَرَفَةَ فَلْيُوَدِّعْ إذَا خَرَجَ.
(وَإِنْ صَغِيرًا) فِيهَا: طَوَافُ الْوَدَاعِ عَلَى مَنْ حَجَّ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ (وَتَأَدَّى بِالْإِفَاضَةِ) فِيهَا: إنْ خَرَجَ إثْرَ طَوَافِ إفَاضَتِهِ سَقَطَ (وَالْعُمْرَةِ) فِيهَا: مَنْ خَرَجَ إثْرَ عُمْرَتِهِ سَقَطَ وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ وَدَّعَ.
(وَلَا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى وَبَطَلَ بِإِقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ) فِيهَا: إنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْضَ يَوْمٍ رَجَعَ وَطَافَ (لَا بِشُغْلٍ خَفَّ) فِيهَا: يَسِيرٌ
[ ٤ / ١٩٧ ]
شَغَلَ بَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَا يُبْطِلُهُ (وَرَجَعَ لَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَرْجِعُ مَنْ لَمْ يَبْعُدْ. وَفِيهَا: وَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَالِكٌ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْبِ، وَأَرَى أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ أَوْ يَمْنَعُهُ كَرِيُّهُ (وَحَبَسَ الْكَرِيُّ وَالْوَلِيُّ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَقَدْرَهُ، وَقُيِّدَ إنْ أَمِنَ) اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ لِأَيِّ شَيْءٍ يُحْبَسُ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُحْبَسُ لِلْإِفَاضَةِ لَا لِلْوَدَاعِ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي فِي أَنَّ الْحَائِضَ يَسْقُطُ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ. ابْنُ شَاسٍ: الْحَائِضُ تَخْرُجُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَلَا تَتَرَقَّبُ الطُّهْرَ لِتُوَدِّعَ، فَأَمَّا لَوْ حَاضَتْ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَجَلَسَتْ حَتَّى تَطْهُرَ وَيُحْبَسَ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا. رَوَى ابْنُ وَهْبٍ: يَحْبِسُ أَكْثَرَ مَا تُقِيمُ الْحَائِضُ فِي الْحَيْضِ وَالنُّفَسَاءُ فِي النِّفَاسِ.
قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: هَذَا فِي الْأَمْنِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَالْفَسْخُ
[ ٤ / ١٩٨ ]
لِخَوْفِ الطَّرِيقِ. عِيَاضٌ: اتِّفَاقًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُعِينَهُ فِي الْعَلَفِ. قَالَ: وَإِنْ بَقِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطُّهْرِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ حُبِسَ الْكَرِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ لَهَا أَيَّامٌ لَمْ يُحْبَسْ إلَّا وَحْدَهُ. الْبَاجِيُّ: وَمِثْلُ هَذَا عِنْدِي الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا وَإِنَّمَا فِي الرُّفْقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَأَمَّا ذَاتُ الْمَحْرَمِ مَعَ الطَّرِيقِ الْآمِنِ فَلَا. ثُمَّ قَالَ: وَاقْتَضَى أَنَّ الْحَيْضَ يَحْبِسُ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تُفِضْ وَيَحْبِسُ مَنْ مَعَهَا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُهَا. اُنْظُرْ تَرْجَمَةَ إفَاضَةِ الْحَائِضِ مِنْ الْمُوَطَّأِ. (وَالرُّفْقَةُ فِي كَيَوْمَيْنِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الِاسْتِذْكَارِ
[ ٤ / ١٩٩ ]
عَنْ مَالِكٍ: إنْ كَانَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ حُبِسَ الْكَرِيُّ وَمَنْ مَعَهُ.
(وَكُرِهَ رَمْيٌ بِمَرْمِيٍّ بِهِ) فِيهَا: لَا يَرْمِي بِحَصَى الْجِمَارِ لِأَنَّهَا قَدْ رُمِيَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَقَطَتْ مِنِّي حَصَاةٌ فَلَمْ أَعْرِفْهَا فَرَمَيْت بِحَصَاةٍ مِنْ حَصَى الْجِمَارِ فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إنَّهُ لَمَكْرُوهٌ وَمَا أَرَى عَلَيْك شَيْئًا.
(كَأَنْ يُقَالَ لِلْإِفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ - ﵇ -) فِيهَا: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَأَنْ يُقَالَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ -. ابْنُ يُونُسَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ لِلْحَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» .
(وَرُقِيُّ الْبَيْتِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ مِنْبَرِهِ - ﵇ - بِنَعْلٍ بِخِلَافِ الطَّوَافِ وَالْحَجَرِ) فِيهَا: لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فِي النَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِمَا الْبَيْتَ أَوْ يَرْقَى بِهِمَا
[ ٤ / ٢٠٠ ]
الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْبَرَ النَّبِيِّ - ﷺ - إعْظَامًا لَهُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْعَلَ نَعْلَهُ فِي الْبَيْتِ إذَا جَلَسَ يَدْعُو. قَالَ: وَلْيَجْعَلْهَا فِي حُجْرَتِهِ وَأَيَّامَ دُخُولِ الْحِجْرِ بِالنَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ.
(وَإِنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ لَمْ يُجِزْ وَاحِدًا مِنْهُمَا) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الصَّبِيِّ طَوَافًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ عَنْ الصَّبِيِّ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ عَنْ نَفْسِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُعِيدَ أَيْضًا عَنْ الصَّبِيِّ وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَأَجْزَأَ السَّعْيُ عَنْهُمَا) فِيهَا: لَا يَطُوفُ بِالصَّبِيِّ إلَّا مَنْ طَافَ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْعَى لِنَفْسِهِ وَلِلصَّبِيِّ سَعْيًا وَاحِدًا يَحْمِلُهُ فِي ذَلِكَ (كَمَحْمُولِينَ فِيهِمَا) أَمَّا فِي الطَّوَافِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ لِمَنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَطُوفَ بِصَبِيَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يَحْمِلُهُمْ طَوَافًا وَاحِدًا.
[بَاب فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]
فَصْلٌ
ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهِيَ: اللُّبْسُ وَالتَّطَيُّبُ وَتَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَالتَّنْظِيفُ وَالْجِمَاعُ وَمُقَدَّمَاتُهُ وَإِتْلَافُ الصَّيْدِ (حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَسِتْرُ وَجْهٍ إلَّا
[ ٤ / ٢٠١ ]
لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ) الْكَافِي: الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مَا شَاءَتْ غَيْرَ الْقُفَّازَيْنِ وَالْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ وَلَا تُغَطِّي
[ ٤ / ٢٠٢ ]
وَجْهَهَا، وَإِحْرَامُهَا فِي وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْدُلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا لِتَسْتُرَهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلْتَسْدُلْهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا وَلَا تَرْفَعُهُ مِنْ تَحْتِ ذَقَنِهَا وَلَا تَشُدُّهُ عَلَى رَأْسِهَا بِإِبْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَفِي الْقُفَّازَيْنِ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بِعُضْوٍ) الْكَافِي: لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ قَمِيصًا وَلَا مَخِيطًا وَلَا عِمَامَةً وَلَا سَرَاوِيلَ وَلَا خُفَّيْنِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتَزِرَ كَمَا لَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْفِرَ بِالْمِئْزَرِ عِنْدَ رُكُوبِهِ. وَلَا يَشُدُّ فَوْقَ مِئْزَرِهِ تِكَّةً وَلَا خَيْطًا، وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْهِمْيَانِ لِلسُّرَّةِ وَالْمِنْطَقَةِ لِلْحِزَامِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَمْنُوعٌ إلَّا لُبْسَ الرَّجُلِ الْمَخِيطَ لِكَيْفِ نَفْسِهِ كَالْقَمِيصِ. الْبَاجِيُّ: لَا الْمَخِيطُ عَلَى صُورَةِ النَّسْجِ. فِيهَا: جَائِزٌ طَرْحُ قَمِيصِهِ عَلَى ظَهْرِهِ يَرْتَدِي بِهِ دُونَ دُخُولٍ فِيهِ.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
(وَإِنْ بِنَسْجٍ أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ) فِيهَا: التَّخْلِيلُ وَالْعَقْدُ وَالتَّزَرُّرُ كَالْخِيَاطَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لِذَا قَالُوا: الْمُلَبَّدُ وَالْمَنْسُوجُ عَلَى صُورَةِ الْمَخِيطِ الْمَمْنُوعِ مِثْلُهُ.
(كَخَاتَمٍ) . ابْنُ بَشِيرٍ: فِي جَوَازِ لِبَاسِهِ الْخَاتَمَ قَوْلَانِ اُنْظُرْ، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ تَأْوِيلَانِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.
(وَقَبَاءٍ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ كَمَا) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ لَبِسَ الْقَبَاءَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَإِنْ
[ ٤ / ٢٠٤ ]
لَمْ يُدْخِلْ الْيَدَ فِي الْكُمِّ وَلَا زَرَّهُ
(وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ) . ابْنُ شَاسٍ: إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي الرَّأْسِ وَوَجْهِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ رَأْسَهُ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ رِدَاءٍ. مَالِكٌ: وَلَا يَسْتُرُ الْمُحْرِمُ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا عَلَى وَجْهِهِ مِنْ الشَّمْسِ بِعَصًا فِيهَا ثَوْبٌ فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى. (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا كَطِينٍ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْمَخِيطِ بَلْ مَا أَوْجَبَ رَفَاهِيَةً لِلْجَسَدِ كَانَ مَخِيطًا أَوْ مُحِيطًا كَالطِّينِ أَوْ جِلْدِ حَيَوَانٍ يُسْلَخُ فَيُلْبَسُ، وَقَدْ لَا يُمْنَعُ الْمَخِيطُ إذَا اُسْتُعْمِلَ اسْتِعْمَالَ غَيْرِ الْمَخِيطِ عَلَى الظَّهْرِ أَوْ يَأْتَزِرَ بِهِ.
(وَلَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ وَلَا بِلَا عُذْرٍ) فِيهَا: إنْ أُلْجِئَ الْمُحْرِمُ أَنْ يُقَلَّدَ سَيْفًا فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنْ قُلِّدَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَنْزِعُهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
(وَاحْتِزَامٍ وَاسْتِثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ) فِيهَا: لَا يَحْتَزِمُ الْمُحْرِمُ فَإِنْ احْتَزَمَ فَوْقَ إزَارِهِ افْتَدَى وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَزِمَ. الْقَرَافِيُّ: وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الِاسْتِثْفَارِ عِنْدَ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَعَلَى الرَّجُلِ ".
(وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا) فِيهَا: إنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَوَجَدَ خُفَّيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَيَلْبَسْهُمَا وَلَا
[ ٤ / ٢٠٥ ]
شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَ نَعْلَيْنِ وَاحْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ بِقَدَمَيْهِ فَقَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فَلْيَلْبَسْهُمَا وَيَفْتَدِي لِأَنَّ لِبَاسَهُ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ بِسَبَبِ الدَّوَاءِ فَلِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ وَجَدَ نَعْلَيْنِ. بِشِرَاءٍ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي قَطْعِ الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ يَرْفَعَ فِي الثَّمَنِ كَثِيرًا.
(وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ يَسْتُرَ بِيَدِهِ وَجْهَهُ مِنْ الشَّمْسِ. هَذَا لَا يَدُومُ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ. لِلْمُحْرِمِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ مِنْ غُبَارٍ أَوْ جِيفَةٍ مَرَّ بِهَا. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاسْتَحَبَّ لَهُ ذَلِكَ إنْ مَرَّ عَلَى طِيبٍ (أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَهُ رَفْعُ مَا يَقِيهِ الْمَطَرَ فَوْقَهُ.
(وَتَقْلِيمُ ظُفْرٍ انْكَسَرَ) فِيهَا: لَوْ
[ ٤ / ٢٠٦ ]
انْكَسَرَ ظُفْرُهُ قَلَّمَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: جَائِزٌ طَرْحَ قَمِيصِهِ عَلَى ظَهْرِهِ.
(وَفِي كُرْهِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ) رَوَى مُحَمَّدٌ: مَنْ لَمْ يَجِدْ مِئْزَرًا لَا يَلْبَسْ سَرَاوِيلَ وَلَوْ افْتَدَى فِيهِ وَجَاءَ النَّهْيُ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَلْبَسُهُ وَيَفْتَدِي.
(وَتَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ وَخِبَاءٍ وَمَحَارَةٍ لَا فِيهَا كَثَوْبٍ
[ ٤ / ٢٠٧ ]
بِعَصًا فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلَافٌ) قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُعَادِلُ الْمَرْأَةَ فِي الْمَحْمَلِ لَا يَجْعَلُ عَلَيْهَا ظِلًّا عَسَى أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. وَرَوَى أَشْهَبُ: تَسْتَظِلُّ هِيَ دُونَهُ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكْشِفْ الْمَحَارَةَ افْتَدَى وَلَا يَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا إنْ كَانَ نَازِلًا، فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ فِي ظِلِّهَا خَارِجًا عَنْهَا وَلَا يَمْشِي تَحْتَهَا، وَاخْتُلِفَ إذَا فَعَلَ انْتَهَى نَقْلُ الذَّخِيرَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى مُحَمَّدٌ لَا بَأْسَ بِاسْتِظْلَالِهِ بِالْفُسْطَاطِ وَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ وَالْقُبَّةِ وَهُوَ نَازِلٌ. ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي الِاسْتِظْلَالِ بِثَوْبٍ فِي عَصًا
[ ٤ / ٢٠٨ ]
قَوْلَانِ. الْقَرَافِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي اسْتِظْلَالِهِ إذَا نَزَلَ بِثَوْبٍ عَلَى شَجَرَةٍ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قِيَاسًا عَلَى الْخَيْمَةِ، وَأَمَّا الرَّاكِبُ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ. (وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ وَفَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ) فِيهَا: لَا بَأْسَ
[ ٤ / ٢٠٩ ]
بِحَمْلِهِ عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَ زَادُهُ أَوْ جِرَابُهُ وَلَا يَنْبَغِي حَمْلُهُ تَجْرًا لَهُ. اللَّخْمِيِّ: مَعْنَاهُ لَمْ يَضْطَرَّ لَهُ.
(وَإِبْدَالُ ثَوْبِهِ أَوْ بَيْعُهُ) فِيهَا: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ الَّتِي أَحْرَمَ فِيهَا أَوْ يَبِيعَهَا لِقَمْلٍ آذَاهُ فِيهَا أَوْ غَيْرِهِ.
(بِخِلَافِ غُسْلِهِ إلَّا النَّجَسَ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ) فِيهَا: وَأَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْسِلَ ثَوْبَهُ إلَّا أَنْ تُصِيبَهُ جَنَابَةٌ فَيَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ
[ ٤ / ٢١٠ ]
وَحْدَهُ، وَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ. زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ: فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى.
(وَرَبْطُ جُرْحِهِ) . الْجَلَّابُ: لَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَرْبِطَ جُرْحَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: أَكْرَهُ الْحِجَامَةَ لِلْمُحْرِمِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ. لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ أَنْ يَعْصِبَ الْمُحْرِمُ عَلَى جِرَاحِهِ خِرَقًا فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى.
(وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ) . الْجَلَّابُ: لَا يَشُدُّ فِي حَكِّ مَا خَفِيَ مِنْ جَسَدِهِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ جَسَدِهِ (وَفَصْدٌ إنْ لَمْ يَعْصِبْهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ احْتَجَمَ وَفِيهَا
[ ٤ / ٢١١ ]
تَعْصِيبُ الْجَسَدِ كَالرَّأْسِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْفِدْيَةِ سَوَاءٌ عَصَبَ لِعِلَّةٍ أَمْ لَا. ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالْمَنْعِ.
(وَشَدُّ مِنْطَقَتِهِ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ) فِيهَا: لَا بَأْسَ بِرَبْطِهِ مِنْطَقَتَهُ لِنَفَقَتِهِ تَحْتَ إزَارِهِ وَجَعْلَ سُيُورِهَا فِي ثَقْبِهَا وَجَعْلَ نَفَقَةِ غَيْرِهِ فِيهَا بَعْدَ نَفَقَتِهِ (وَإِضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ جَعْلِ نَفَقَةِ غَيْرِهِ مَعَهُ ابْتِدَاءً (وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ) فِيهَا: لَوْ شَدَّهَا فَوْقَ إزَارِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ افْتَدَى.
(كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا عَصْبُهُ لِعِلَّةٍ أَمْ لَا (أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ) التُّونِسِيُّ فِيهَا: صَغِيرُ خَرْقِ التَّعْصِيبِ وَالرَّبْطِ كَكَبِيرِهَا. وَرَوَى مُحَمَّدٌ: رُقْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ كَبِيرَةٌ فِيهَا الْفِدْيَةُ.
(أَوْ لَفَّهَا عَلَى ذَكَرٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ وَلَا فِدْيَةَ فِي جَعْلِ فَرْجِهِ فِي خِرْقَةٍ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنْ لَفَّهَا عَلَى ذَكَرِهِ لِبَوْلٍ أَوْ مَذْيٍ افْتَدَى.
(أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ) فِيهَا: الْفِدْيَةُ فِي جَعْلِ قُطْنٍ بِأُذُنَيْهِ لِشَيْءٍ فِيهِمَا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ مَحَلُّ إحْرَامٍ بِخِلَافِ الْجَسَدِ (أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ صُدْغَيْنِ افْتَدَى
[ ٤ / ٢١٢ ]
(وَتَرْكُ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَتْ) الْجَلَّابُ: إنْ نَفَذَتْ نَفَقَتُهُ أَلْقَى الْمِنْطَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ تَرَكَهَا افْتَدَى. اللَّخْمِيِّ: إنْ شَدَّ مِنْطَقَتَهُ فِي وَسَطِهِ لِنَفَقَتِهِ تَحْتَ مِئْزَرِهِ فَلَا بَأْسَ، وَكَرِهَ أَنْ يَشُدَّهَا عَلَى فَخِذِهِ أَوْ عَضُدِهِ أَوْ سَاقِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ، وَإِنْ شَدَّهَا لِغَيْرِ نَفَقَتِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ افْتَدَى، وَإِنْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ وَكَانَ قَدْ جَعَلَ مَعَهَا نَفَقَةَ غَيْرِهِ رَدَّ نَفَقَةَ غَيْرِهِ إلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا افْتَدَى، وَإِنْ ذَهَبَ صَاحِبُهَا وَهُوَ عَالِمٌ افْتَدَى وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (أَوْ رَدَّهَا لَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ رَدَّ نَفَقَةَ غَيْرِهِ إلَى صَاحِبِهَا وَإِلَّا افْتَدَى.
(وَلِلْمَرْأَةِ خَزٌّ وَحُلِيٌّ) فِيهَا: جَائِزٌ لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ.
(وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ) تَقَدَّمَ مَا لِلَّخْمِيِّ وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: أَكْرَهُ جَعْلَ رَأْسِهِ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ خَدِّهِ عَلَيْهَا، وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ شَاسٍ تَوَسُّدُهُ جَائِزٌ.
(وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ) رَوَى مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ لِبَاسِ الْمُحْرِمِ إلَيَّ الْبَيَاضُ. الْجَلَّابُ: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ السُّودِ وَالْكُحْلِيَّاتِ وَالدُّكْنِ وَالْخُضْرِ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِ أَنْ يَلْبَسَ مُمَشَّقًا فِي الْإِحْرَامِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِغَيْرِهِ. وَفِي الْمُوَطَّأِ: رَأَى عُمَرُ عَلَى طَلْحَةَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: إنَّمَا هُوَ مَدَرٌ. فَقَالَ عُمَرُ: إنَّكُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ الْحَدِيثُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ لِبَاسِ مَا صُبِغَ بِالْمَدَرِ وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ طَرِيقِ رَفْعِ الشُّبُهَاتِ مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ مَصْبُوغٌ بِطِيبٍ، وَقَدْ أَبْصَرَ عُمَرُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: مَا أَخَالُ أَحَدًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ فَسَكَتَ عُمَرُ انْتَهَى. حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ مَا فِيهِ طِيبٌ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ لَا الْمَصْبُوغُ مُطْلَقًا.
[ ٤ / ٢١٣ ]
(وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ) . ابْنُ حَبِيبٍ: شَمُّ مُطْلَقِ الطِّيبِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ فِي مُذَكَّرِهِ وَلَوْ بِمَسِّهِ كَالرَّيْحَانِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَلَا فِي مُجَرَّدِ شَمِّ مُؤَنَّثِهِ كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ.
(وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ فِيهِ طِيبٌ) ابْنُ شَاسٍ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي جُلُوسِهِ فِي حَانُوتِ عَطَّارٍ مَعَ كَرَاهِيَةِ تَمَادِيهِ عَلَى ذَلِكَ.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
(وَاسْتِصْحَابُهُ) رَوَى مُحَمَّدٌ: كَرَاهَةَ خُرُوجِهِ فِي رُفْقَةِ أَحْمَالِ الطِّيبِ.
(وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ أَكْرَهُ الْحِجَامَةَ لِلْمُحْرِمِ (وَغَمْسُ رَأْسِهِ) فِيهَا: يَجُوزُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ لِحَرٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَيُحَرِّكُهُ فِي الْجَنَابَةِ بِيَدِهِ حِينَ صَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَأَكْرَهُ غَمْسَ رَأْسِهِ فِي الْمَاءِ خَوْفَ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ شَيْئًا. ابْنُ عَرَفَةَ: إسْقَاطُ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ فَعَلَ أَطْعَمَ مُوهِمٌ إسْقَاطَ الْإِطْعَامِ انْتَهَى. اُنْظُرْ كَذَلِكَ هُوَ
[ ٤ / ٢٢٣ ]
أَيْضًا خَلِيلٌ.
(وَتَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا يُجَفِّفُ رَأْسَهُ إذَا اغْتَسَلَ بَلْ يُحَرِّكُهُ بِيَدِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَهُ خَوْفَ أَنْ يُجَفِّفَ بِشِدَّةٍ فَيَقْتُلَ دَوَابَّهُ وَلَوْ جَفَّفَهُ بِرِفْقٍ لَمْ يُكْرَهْ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ شِبْهُ تَغْطِيَةٍ وَفِي هَذَا الْبَابِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
(وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أُحِبُّ نَظَرَ الْمُحْرِمِ فِي مِرْآةٍ فَإِنْ نَظَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ.
(وَلُبْسُ امْرَأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا) فِيهَا كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمَرْأَةِ لُبْسَ الْقَبَاءِ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ لِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِفُهُنَّ.
(وَعَلَيْهِمَا دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَإِنْ صَلِعَا) . ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَاللِّحْيَةِ بِالدُّهْنِ وَهُوَ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ فِيهَا إنْ دَهَنَ رَأْسَهُ بِزَيْتٍ
[ ٤ / ٢٢٤ ]
افْتَدَى ابْنُ شَاسٍ: وَكَذَا لَوْ دَهَنَ الْأَصْلَعُ رَأْسَهُ انْتَهَى.
وَهَذَا فِي الْمُحْرِمِ وَأَمَّا الْمُحْرِمَةُ.
(وَإِبَانَةُ ظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَسَخٍ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ التَّنْظِيفُ بِالْحَلْقِ وَفِي مَعْنَاهُ الْقَلْمُ، فَإِنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ افْتَدَى، وَلَوْ نَتَفَ شَعْرَةً أَوْ شَعَرَاتٍ أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ، فَإِنْ نَتَفَ مَا أَمَاطَ عَنْهُ أَذًى فَلْيَفْتَدِ وَنَحْوُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. الْجَلَّابُ: وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي إلْقَاءِ التَّفَثِ وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ. وَفِيهَا: وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ بِالْأُشْنَانِ الْمُطَيَّبِ بِالرَّيْحَانِ وَالْغَاسُولِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي إزَالَةِ الْوَسَخِ الْفِدْيَةُ.
(إلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي غَسْلِ رَأْسِهِ بِسِدْرٍ الْفِدْيَةُ بِخِلَافِ يَدَيْهِ بِالْحُرُضِ. ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ غَسْلُ يَدَيْهِ بِأُشْنَانٍ دُونَ طِيبٍ.
(وَتَسَاقُطُ شَعْرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ) فِيهَا: لَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا تَقَلَّعَ عِنْدَ وُضُوئِهِ مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ شَارِبِهِ أَوْ مَا حَلَقَ الْإِكَافَ وَالسُّرُوجُ فِي الرُّكُوبِ مِنْ سَاقِهِ وَهَذَا خَفِيفٌ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ.
(وَدَهْنُ الْجَسَدِ كَكَفٍّ وَرِجْلٍ بِمُطَيَّبٍ) فِيهَا: إنْ دَهَنَ بِطِيبٍ افْتَدَى. وَنَصُّ التَّهْذِيبِ: إنْ دَهَنَ قَدَمَيْهِ وَعَقِبَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ
[ ٤ / ٢٢٥ ]
لِيُحْسِنَهُمَا لَا مِنْ عِلَّةٍ افْتَدَى. وَنَصُّ التَّهْذِيبِ: إنْ دَهَنَ شُقُوقًا فِي يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ بِزَيْتٍ أَوْ شَحْمٍ أَوْ وَدَكٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَ ذَلِكَ بِطِيبٍ افْتَدَى (وَلَهَا قَوْلَانِ اخْتَصَرَتْ عَلَيْهِمَا) تَقَدَّمَ نَصُّ التَّهْذِيبِ: إنْ دَهَنَ مِنْ شُقُوقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: فَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ لِشُقُوقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ أَوْ مَا هُوَ دَاخِلُ الْجَسَدِ فَالْفِدْيَةُ، هَكَذَا قَالَ
[ ٤ / ٢٢٦ ]
فِي التَّهْذِيبِ وَاخْتَصَرَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ لِعِلَّةٍ.
(وَتَطَيُّبٌ بكورس وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ التَّطَيُّبُ وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ
[ ٤ / ٢٢٨ ]
بِاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ كَالْمِسْكِ وَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَلَوْ بَطَلَتْ رِيحُ الطِّيبِ لَمْ يُبَحْ اسْتِعْمَالُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا نَظَرٌ.
(أَوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: اكْتِحَالُ الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا لِدَوَاءٍ جَائِزٌ وَفِيهِ بِمُطَيَّبٍ
[ ٤ / ٢٢٩ ]
الْفِدْيَةُ.
(وَلَوْ فِي طَعَامٍ) فِيهَا: إنْ أَكَلَ طَعَامًا مَسَّتْهُ النَّارُ فِيهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرَسٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
(أَوْ لَمْ يُعَلِّقْ) فِيهَا: إنْ مَسَّ الطِّيبَ افْتَدَى. قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ: وَجَدَ رِيحَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ لَصِقَ بِيَدِهِ أَوْ لَمْ يَلْصَقْ.
(إلَّا قَارُورَةً سُدَّتْ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ حَمَلَ الْمِسْكَ فِي قَارُورَةٍ مُصَمَّمَةِ
[ ٤ / ٢٣٠ ]
الرَّأْسِ فَلَا فِدْيَةَ (وَمَطْبُوخًا) تَقَدَّمَ نَصُّهَا إنْ مَسَّتْهُ النَّارُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ) . مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: لَا يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ بَعْدَهُ. الْبَاجِيُّ: إنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِهِ بَعْدَهُ.
[ ٤ / ٢٣١ ]
(وَمُصِيبًا مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ) ابْنِ الْحَاجِبِ: فِعْلُ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَالضَّرُورَةِ وَالْجَهْلِ فِي الْفِدْيَةِ سَوَاءٌ إلَّا فِي حَرَجٍ عَامٍّ كَمَا لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الطِّيبَ عَلَيْهِ فَلَوْ تَرَاخَى فِي إزَالَتِهِ لَزِمَتْهُ.
(أَوْ غَيْرِهِ) فِيهَا: إنْ طَيَّبَ نَائِمًا غَيْرَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَى النَّائِمِ إنْ غَسَلَهُ إثْرَ انْتِبَاهِهِ.
(أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ) فِيهَا: إنْ مَسَّهُ خَلُوقُ الْكَعْبَةِ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ وَلَا أَرَى أَنْ تَخْلَقَ الْكَعْبَةُ أَيَّامَ الْحَجِّ.
(وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى) تَقَدَّمَ هَذَا النَّصُّ لِابْنِ الْحَاجِبِ
[ ٤ / ٢٣٣ ]
فِيمَا أَلْقَتْ الرِّيحُ، وَلِلْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ طَيَّبَ نَائِمًا، وَأَمَّا إنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِ غَيْرِ الْيَسِيرِ مِمَّا مَسَّهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ إنْ كَانَ كَثِيرًا نَزَعَهُ وَإِلَّا افْتَدَى، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي نَزْعِهِ. وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ اسْتِدَامَةُ شَمِّ الطِّيبِ وَاسْتِصْحَابُ أَعْدَالٍ هُوَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ إذَا مَرَّ بِطِيبٍ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: لَا تَخْلَقُ الْكَعْبَةُ أَيَّامَ الْحَجِّ وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ نَائِمًا) فِيهَا: مَا جَرَّهُ الْمُحْرِمُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ لِحَافِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَانْتَبَهَ فَنَزَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ طَالَ، وَإِنْ نَامَ فَغَطَّى رَجُلٌ رَأْسَهُ أَوْ طَيَّبَهُ فَنَزَعَ ذَاكَ أَوْ نَزَعَ الطِّيبَ عَنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ.
قَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ: فَإِذَا انْتَبَهَ فَلَمْ يَغْسِلْ الطِّيبَ مَكَانَهُ وَأَخَّرَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ (وَلَا تَخْلَقُ أَيَّامَ الْحَجِّ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: لَا أَرَى أَنْ تَخْلَقَ الْكَعْبَةُ (وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ فِيهَا مِنْ الْمَسْعَى) فِيهَا: يُقَامُ الْعَطَّارُونَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَّامَ الْحَجِّ.
(وَافْتَدَى الْمُلْقِي الْحِلُّ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: إنْ نَامَ فَطَيَّبَهُ رَجُلٌ فَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ (إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ) تَقَدَّمَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَشْهَبُ: إنْ لَمْ يَغْسِلْ الطِّيبَ مَكَانَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ (بِلَا صَوْمٍ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُجْزِئُ الْفَاعِلَ أَنْ يَفْتَدِيَ بِالصِّيَامِ وَلَكِنْ يَفْتَدِي بِالنُّسُكِ أَوْ الْإِطْعَامِ (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ عَدِيمًا فَلْيَفْتَدِ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْفَاعِلِ إنْ أَيْسَرَ وَقَدَرَ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ وَثَمَنِ النُّسُكِ إنْ افْتَدَى بِأَحَدِهِمَا، وَأَمَّا إنْ صَامَ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. ابْنُ يُونُسَ: الْبَيِّنُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْفَاعِلُ عَدِيمًا (كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: إنْ نَامَ فَغَطَّى رَأْسَهُ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَهُ (وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِصَوْمٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَيَرْجِعُ عَلَى الْفَاعِلِ بِالْأَقَلِّ.
(وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْقِي فِدْيَتَانِ عَلَى الْأَرْجَحِ) اخْتَلَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ الْقَابِسِيِّ إذَا طَيَّبَ
[ ٤ / ٢٣٤ ]
مُحْرِمٌ مُحْرِمًا فَقَالَ ابْنُ الْقَابِسِيِّ: يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ فِدْيَتَانِ: فِدْيَةٌ لِمَسِّهِ الطِّيبَ وَفِدْيَةٌ لِتَطْيِيبِهِ النَّائِمَ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَصْوَبُ (وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإِذْنٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ) اللَّخْمِيِّ: فِدْيَةُ إمَاطَةِ حَلَالٍ عَنْ مُحْرِمٍ أَذًى بِإِذْنِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ (وَإِلَّا فَعَلَيْهِ) فِيهَا: عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَ نَائِمٍ مُحْرِمٍ أَوْ غِطَاءٍ الْفِدْيَةُ.
(وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ) فِيهَا قَالَ مَالِكٌ: يَفْتَدِي الْمُحْرِمُ إنْ حَلَقَ رَأْسَ حَلَالٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْيَنُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وِفَاقًا.
(وَهَلْ حَفْنَةٌ أَوْ فِدْيَةٌ تَأْوِيلَانِ) اُنْظُرْ خَامِسَ فَصْلٍ مِنْ بَابِ مَا يُلْقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ (وَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ) فِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سَمِعْت بِحَدٍّ فِيمَا دُونَ إمَاطَةِ الْأَذَى أَكْثَرَ مِنْ حَفْنَةٍ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ قَالَ فِي قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَالْحَفْنَةُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ. ابْنُ شَاسٍ: إنْ قَلَّمَ ظُفْرًا وَاحِدًا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى افْتَدَى، وَإِنْ لَمْ يُمِطْ بِهِ أَذًى أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ
[ ٤ / ٢٣٥ ]
(كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ أَوْ قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا بِهَذَا.
(أَوْ طَرَحَهَا) فِيهَا: لَا يَطْرَحُ الْمُحْرِمُ عَنْ نَفْسِهِ الْقَمْلَ. ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي قَتْلِ قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ حَفْنَةٌ وَكَذَلِكَ طَرْحُهَا. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إنْ وَقَعَتْ مِنْ رَأْسِهِ قَمْلَةٌ عَلَى ثَوْبِهِ فَلَهُ نَقْلُهَا لِمَوْضِعٍ أَخْفَى وَرَوَى أَشْهَبُ لَا يَنْقُلُهَا.
(كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُ الْقَمْلِ) فِيهَا: لَوْ اُضْطُرَّ مُحْرِمٌ إلَى الْحِجَامَةِ جَازَ لِمُحْرِمٍ غَيْرِهِ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ وَيَحْجُمَهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ قَمْلًا، وَأَمَّا إذَا خَافَ أَنْ يَقْتُلَ قَمْلًا فَلَا،
[ ٤ / ٢٣٦ ]
وَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ ذَلِكَ.
(وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ) فِيهَا: لَوْ طَرَحَ الْقُرَادَ عَنْ بَعِيرِهِ فَلْيُطْعِمْ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلْقَتْلِ.
(لَا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ) فِيهَا: لَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَ عَنْ نَفْسِهِ الْقَمْلَةَ وَالْقُرَادَ وَالْبُرْغُوثَ وَالْعَلَقَةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ طَرَحَ الْعَلَقَةَ عَنْ بَعِيرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ (وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يَتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى) ابْنُ شَاسٍ: وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ بِحَلْقِ مَا يَتَرَفَّهُ بِهِ وَيَزُولُ مَعَهُ أَذًى.
(كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفْرٍ) . ابْنُ شَاسٍ: إنْ قَصَّ الشَّارِبَ افْتَدَى لِأَنَّهُ إمَاطَةُ أَذًى فِيهَا: إنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ الْوَاحِدَ فَإِنْ
[ ٤ / ٢٣٧ ]
أَمَاطَ بِهِ أَذًى افْتَدَى وَإِنْ لَمْ يُمِطْ بِهِ أَطْعَمَ وَفِي كُلِّ مَا أَمَاطَ بِهِ أَذًى الْفِدْيَةُ.
(وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثِيرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: فِي الْقَمْلَةِ وَالْقَمْلَتَيْنِ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَفِي الْكَثِيرِ الْفِدْيَةُ.
(وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءَ) فِيهَا: إنْ خَضَّبَ لِحْيَتَهُ أَوْ رَأْسَهُ وَالْمَرْأَةُ رَأْسَهَا أَوْ رِجْلَيْهَا أَوْ طَرَفَتْ أَصَابِعَهَا بِحِنَّاءٍ افْتَدَيَا.
(وَإِنْ رُقْعَةً إنْ كَثُرَتْ) فِيهَا: إنْ عَصَبَ جُرْحَ أُصْبُعِهِ بِرُقْعَةٍ صَغِيرَةٍ فَلَا فِدْيَةَ، وَبِكَبِيرَةٍ افْتَدَى وَفِي رُقْعَةٍ بِمُؤَنَّثِ طِيبٍ الْفِدْيَةُ وَلَوْ صَغُرَتْ (وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ عَلَى الْمُخْتَارِ) فِيهَا: لَا يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ فَإِنْ دَخَلَهُ وَتَدَلَّكَ وَأَلْقَى الْوَسَخَ افْتَدَى. اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ يَفْتَدِيَ وَلَوْ لَمْ يَتَدَلَّكْ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيمَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ ثُمَّ اغْتَسَلَ أَنَّ الشُّعْثَ يَذْهَبُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَتَدَلَّكْ.
(وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ) فِيهَا: إنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ فَعَلَهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَفِي كُلِّ وَجْهٍ فِدْيَةٌ، وَإِنْ تَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَفِي كُلِّ وَجْهٍ فِدْيَةٌ، وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَلَوْ فَعَلَ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ بِأَنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَقَارِبٍ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَنْصُوصِ كَمَا لَوْ لَامَسَ وَقَبَّلَ وَبَالَ، وَخَرَّجَ
[ ٤ / ٢٣٨ ]
اللَّخْمِيِّ قَوْلًا بِالتَّعَدُّدِ بِمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ، وَكَذَا أَيْضًا تَتَّحِدُ الْفِدْيَةُ وَإِنْ تَرَاخَى الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ فَظَنَّ إبَاحَتَهَا (أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِعْلَ جَمِيعِهَا فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ تِلْكَ الْأَفْعَالِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَحَدَهُمَا ثُمَّ حَدَثَتْ نِيَّةٌ فَفَعَلَ أَيْضًا كَانَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِدْيَةٌ إلَّا إنْ فَعَلَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ.
(أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: إنْ احْتَاجَ إلَى قَمِيصٍ ثُمَّ اسْتَحْدَثَ السَّرَاوِيلَ مَعَ الْقَمِيصِ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِسَتْرِ الْقَمِيصِ مَوْضِعَ السَّرَاوِيلِ فَلَوْ احْتَاجَ إلَى السَّرَاوِيلِ أَوَّلًا فَفِدْيَتَانِ (وَشَرْطُهُمَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ
[ ٤ / ٢٣٩ ]
بَرْدٍ) . ابْنُ شَاسٍ: ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاللُّبْسِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا انْتَفَعَ بِاللُّبْسِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ دَامَ عَلَيْهِ كَالْيَوْمِ.
(لَا إنْ نَزَعَ مَكَانَهُ) فِيهَا: لَهُ أَنْ يَحْتَبِيَ وَيَتَوَشَّحَ بِثَوْبِهِ مَا لَمْ يَعْقِدْ ذَلِكَ فَإِنْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ ثَوْبَهُ الَّذِي تَوَشَّحَ بِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ مَكَانَهُ فَحَلَّهُ أَوْ صَاحَ بِهِ رَجُلٌ فَحَلَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ افْتَدَى (وَفِي صَلَاةٍ قَوْلَانِ) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: اُخْتُلِفَ إذَا صَلَّى بِهِ فَقِيلَ يَفْتَدِي، وَقِيلَ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ قَرِيبًا كَغَيْرِ الْمُصَلِّي وَلَمْ يُرَجِّحْ ابْنُ يُونُسَ مِنْهُمَا قَوْلًا.
(وَلَمْ يَأْثَمْ إنْ فَعَلَ لِعُذْرِهِ) . الْكَافِي: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِيَسَارَةِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ إنَّمَا الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ.
(وَهِيَ نُسُكٌ بِشَاةٍ فَأَعْلَى أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ كَالْكَفَّارَةِ أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)
[ ٤ / ٢٤٠ ]
ابْنُ عَرَفَةَ: فِدْيَةُ الْأَذَى عَلَى التَّخْيِيرِ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِيهَا وَيَصُومُهَا حَيْثُ شَاءَ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ نَبَوِيَّانِ، أَوْ يَنْسُكُ بِشَاةٍ فِيهَا وَيَذْبَحُهَا أَيْضًا حَيْثُ شَاءَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَفِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَنْسُكَ بِبَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ بِبَلَدِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا وَيُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ ثُمَّ يَنْحَرَهُ إذَا قَلَّدَهُ إلَّا بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ إنْ أَدْخَلَهُ مِنْ الْحِلِّ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْبِلَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ لِلْفِدْيَةِ مَحَلًّا وَسَمَّاهَا نُسُكًا وَلَمْ يُسَمِّهَا هَدْيًا فَأَيْنَمَا ذُبِحَتْ أَجْزَأَتْ.
(وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى) . اللَّخْمِيِّ: إنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ بِالصِّيَامِ صَامَ قَبْلَ وُقُوفِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ فَهَلْ يَصُومُ أَيَّامَ الرَّمْيِ؟ أَبَاحَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَلَمْ يَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ بِمَكَانٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالذَّبْحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ) هَذَا كُلُّهُ مَفْهُومٌ مِنْ النَّقْلِ قَبْلَهُ (وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ) فِيهَا: لَا يُجْزِئُ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمَّى مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ. أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَبْلُغَاهُمَا.
(وَالْجِمَاعُ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْجِمَاعُ وَنَتِيجَتُهُ الْفَسَادُ وَالْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ (وَمُقَدَّمَاتُهُ) ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ السَّادِسُ مُقَدَّمَاتُ الْجِمَاعِ وَهِيَ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَهُ وَجَمِيعُهَا مَكْرُوهٌ فَإِنْ كَانَ عَنْهُ إنْزَالٌ أَفْسَدَ
[ ٤ / ٢٤١ ]
(وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا) . الْبَاجِيُّ: مَغِيبُ الْحَشَفَةِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَلَوْ كَانَ سَهْوًا يُفْسِدُ الْحَجَّ. (كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: إنْ كَانَ عَنْهُ إنْزَالٌ أَفْسَدَ.
(وَإِنْ بِنَظَرٍ) مَالِكٌ: إنْ أَرَادَ الْمُحْرِمُ النَّظَرَ لِلَّذَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يُبَالِغْ النَّظَرَ وَلَا أَدَامَهُ فَأَنْزَلَ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ. الْأَبْهَرِيُّ: عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. (قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَلَوْ سَهْوًا وَانْظُرْ ابْنَ الْحَاجِبِ أَوْ بَعْدَهُ.
(إنْ وَقَعَ قَبْلَ إفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ) . ابْنُ شَاسٍ: إذَا وَقَعَ الْجِمَاعُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَمْ يَرْمِ وَلَمْ يُفِضْ فَالْمَشْهُورُ يُفْسِدُ (أَوْ قَبْلَهُ) قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إذَا وَطِئَ قَبْلَ الرَّمْيِ بَعْدَ الْوُقُوفِ أَنَّهُ أَفْسَدَ حَجَّهُ (وَإِلَّا فَهَدْيٌ) . الْبَاجِيُّ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَطِئَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَيُفِيضَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعَلَيْهِ
[ ٤ / ٢٤٢ ]
عُمْرَةٌ وَهَدْيَانِ: هَدْيٌ لِوَطْئِهِ وَهَدْيٌ لِتَأْخِيرِ رَمْيِ الْجَمْرَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَإِنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ.
(كَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً) أَمَّا لَوْ أَمْنَى ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ مُدَاوَمَةِ النَّظَرِ وَالتَّذَكُّرِ فَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَقَطْ وَيَجِبُ التَّمَادِي وَفِي الْفَاسِدِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ قَابِلٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَبْدَاهُ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا. مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَتَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ إنْ لَمْ يُبَالِغْ النَّظَرَ وَلَا أَدَامَهُ فَأَنْزَلَ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ (وَإِمْذَائِهِ) اُنْظُرْ رَسْمَ اغْتَسَلَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَقُبْلَتِهِ) . الْبَاجِيُّ: الْقُبْلَةُ مَمْنُوعَةٌ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ فَإِذَا قَبَّلَ فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى نُسُكِهِ نَقْصًا فَلَزِمَهُ الْهَدْيُ قَالَ مَالِكٌ: وَهَدْيُهُ مَمْنُوعَةٌ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ فَإِذَا قَبَّلَ فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى نُسُكِهِ فِدْيَةً، وَأَمَّا غَيْرُ الْقُبْلَةِ مِمَّا يُفْعَلُ لِلَّذَّةِ وَلِغَيْرِ اللَّذَّةِ مِثْلُ لَمْسِ كَفِّهَا فَإِنْ كَانَ لِلَّذَّةِ فَمَمْنُوعٌ وَإِلَّا فَمُبَاحٌ.
(وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ) الْكَافِي: إنْ جَامَعَ الْمُعْتَمِرُ بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَعُمْرَتُهُ تَامَّةٌ (وَإِلَّا فَسَدَتْ) الْكَافِي: إنْ جَامَعَ الْمُعْتَمِرُ قَبْلَ تَمَامِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَقَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ.
(وَوَجَبَ إتْمَامُ الْمُفْسِدِ) الْكَافِي: مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي حَجَّتِهِ كَمَا يُكْمِلُهَا وَيُحِلَّ مِنْهَا بِمَا يُحِلُّ بِهِ مَنْ لَمْ يُفْسِدْ حَجَّتَهُ سَوَاءً، ثُمَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا بِحَجَّةٍ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ،
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وَسَوَاءٌ كَانَ حَجُّهُ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا وَمَنْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ مَضَى فِيهَا حَتَّى يُتِمَّهَا ثُمَّ يُبْدِلَهَا وَأَهْدَى هَدْيًا.
(وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَحْرَمَ) فِيهَا: مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِوَطْءٍ فَلَمْ يُتِمَّهُ حَتَّى أَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ
[ ٤ / ٢٤٤ ]
ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى حَجِّهِ الَّذِي أَفْسَدَهُ فَيُتِمُّهُ وَيَقْضِيهِ وَيَهْدِي وَلَا يَكُونُ مَا جَدَّدَ مِنْ إحْرَامِهِ نَقْضًا لِحَجَّتِهِ الْفَاسِدَةِ.
(وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثَةٍ) هَذَا نَصُّ ابْنِ الْجَلَّابِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ (وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ فِي قَابِلٍ تَطَوُّعًا كَانَ أَوْ فَرْضًا (وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَقَضَاهُ قَابِلًا فَأَفْسَدَهُ أَيْضًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّتَيْنِ. قَالَهُ مَالِكٌ فِيمَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيْنِ. أَصْبَغُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءُ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَمَا هُوَ فِي الْحَجِّ بِالْقَوِيِّ. عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَبِهَذَا أَقُولُ (وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي الْقَضَاءِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي: عَلَيْهِ بَدَلُهَا وَالْهَدْيُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أُحِبُّ نَحْرَهُ قَبْلَ قَضَائِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَحَجَّ أَجْزَاهُ إذْ لَوْ مَاتَ قَبْلَ حَجِّهِ أَهْدَى عَنْهُ.
(وَاتَّحَدَ وَإِنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ) فِيهَا: أَمَّا وَطْؤُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ مِرَارًا أَوْ عَدَدًا مِنْ النِّسَاءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ بِالْوَطْءِ فَسَدَ حَجُّهُ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَلِأَنَّ الْوَطْءَ الثَّانِيَ لَمْ يُفْسِدْ الْحَجَّ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْوَطْءَ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْفَسَادَ فَلَهُ الْحُكْمُ كَثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ فِي عَبْدٍ أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَ الثَّانِي بَعْدَهُ فَإِنَّمَا التَّقْوِيمُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْفَسَادَ وَلَا تَقْوِيمَ عَلَى الثَّانِي.
(بِخِلَافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) فِيهَا: مَنْ جَامَعَ فِي حَجِّهِ فَأَفْسَدَ ثُمَّ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ وَلَبِسَ وَتَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي مَجَالِسَ شَتَّى وَحَلَقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ فِيمَا
[ ٤ / ٢٤٥ ]
فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَرَّةٍ فِدْيَةٌ وَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ عَدَدًا مِنْ الْفِدْيَةِ وَعَلَيْهِ جَزَاءُ كُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ. ابْنُ يُونُسَ: فَارَقَ الْوَطْءُ الصَّيْدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَهُوَ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا صَغِيرًا فَعَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِهِ وَكَبِيرًا عَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِهِ فَكَذَلِكَ جَمَاعَةُ صَيْدٍ عَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِهِمْ (وَأَجْزَأَ إنْ عَجَّلَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا أُحِبُّ نَحْرَهُ قَبْلَ قَضَائِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ.
(وَثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى) فِيهَا: مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَجَامَعَ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ الْآنَ دَمٌ لِقِرَانِهِ هَذَا الْفَاسِدِ وَيَفْعَلُ فِيهِ كَمَا يَفْعَلُ لَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ قَابِلًا قَارِنًا، وَعَلَيْهِ مَعَ حَجَّةِ الْقَضَاءِ هَدْيَانِ: هَدْيٌ لِقِرَانِهِ الثَّانِي وَهَدْيٌ لِفَسَادِ الْأَوَّلِ. سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مَعَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ هَدَايَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا وَسَمِعَ أَصْبَغُ ثَلَاثَ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَعُمْرَةٌ إنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَسَدَتْ ".
(وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ وَإِنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ) التَّهْذِيبُ: إنْ أَكْرَهَ نِسَاءَهُ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ أَحَجَّهُنَّ وَكَفَّرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةً وَإِنْ بِنَّ مِنْهُ وَنَكَحْنَ غَيْرَهُ وَإِنْ طَاوَعْنَهُ فَذَلِكَ عَلَيْهِنَّ دُونَهُ (وَعَلَيْهَا إنْ أَعْدَمَ وَرَجَعَتْ) لَوْ قَالَ: " كَالْمُكْرَهَةِ فِي رَمَضَانَ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ يَجِدْ الزَّوْجُ مَا يُحِجُّهَا بِهِ وَيُهْدِي عَنْهَا فَلْتَفْعَلْ هِيَ ذَلِكَ وَتَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ صَامَتْ لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْهَدْيِ بِشَيْءٍ إذْ الصَّوْمُ لَا عِوَضَ لَهُ، وَلَوْ أَطْعَمَتْ عَنْ فِدْيَةِ الْأَذَى لَرَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ النُّسُكِ أَوْ الْإِطْعَامِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَانْظُرْ لَوْ كَانَ النُّسُكُ بِالشَّاةِ أَرْفَقَ بِهَا حَتَّى نَسَكَتْ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ وَقَدْ غَلَا النُّسُكُ وَرَخُصَ الطَّعَامُ فَقَالَ: إنَّمَا أُغْرِمَ الطَّعَامَ إذْ هُوَ الْآنَ أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الَّذِي نَسَكَتْ بِهِ انْتَهَى. اُنْظُرْ نَحْوَ هَذَا فِي الصِّيَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَتْ إنْ لَمْ تَصُمْ
[ ٤ / ٢٤٦ ]
بِالْأَقَلِّ مِنْ الرَّقَبَةِ وَكَيْلِ الطَّعَامِ ". وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُكْرَهَةَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ أَوْ فِي رَمَضَانَ إنْ كَفَّرَتْ عَنْ نَفْسِهَا بِالصَّوْمِ لَمْ تَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَفَّرَتْ بِغَيْرِ الصَّوْمِ رَجَعَتْ بِالْأَقَلِّ (كَالْمُتَقَدِّمِ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ بِمَعْنًى كَالْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ بَلْ الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا: " وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِصَوْمٍ ".
(وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ مِنْ إحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ) فِيهَا: وَإِذَا حَجَّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فَجَامَعَهَا فَلْيَفْتَرِقَا إذَا أَحْرَمَا بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ وَلَا يَجْتَمِعَا حَتَّى يُحِلَّا (وَلَا يُرَاعَى زَمَنُ إحْرَامِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ أَحْرَمَ فِي زَمَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ.
(بِخِلَافِ مِيقَاتٍ إنْ شَرَعَ وَإِنْ تَعَدَّاهُ فَدَمٌ) فِيهَا: يُحْرِمُ لِلْقَضَاءِ مِنْ
[ ٤ / ٢٤٧ ]
حَيْثُ أَحْرَمَ فِي الْأُولَى إلَّا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ أَبْعَدَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ الثَّانِيَةَ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ أَحْرَمَ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
(وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إفْرَادٍ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ أَفْسَدَ مُفْرِدًا فَقَضَى مُتَمَتِّعًا أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْهَدْيَ لِإِتْيَانِهِ بِالْعُمْرَةِ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ فِي الْحَجِّ (وَعَكْسُهُ) مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَمَا وَقَعَ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي الْعَكْسِ فِي ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ أَفْسَدَ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ فَقَضَى مُفْرِدًا غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ أَجْزَأَهُ.
(لَا قِرَانٌ عَنْ إفْرَادٍ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَفْسَدَ وَهُوَ مُفْرِدٌ فَقَضَى قَارِنًا لَمْ يُجْزِهِ (أَوْ تَمَتُّعٍ وَعَكْسُهُمَا) مِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ: وَلَا يُجْزِئُ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ عَنْ الْقِرَانِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا طَافَ الْقَارِنُ أَوَّلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ وَسَعَى ثُمَّ جَامَعَ قَارِنًا قَالَ الْأَئِمَّةُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ مُفْرِدًا.
وَفِي ابْنِ شَاسٍ: فَلَوْ قَضَى عَنْ الْأَوَّلِ إفْرَادًا أَوْ تَمَتُّعًا لَمْ يَجُزْ.
(وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يَقْضِي قَضَاءَ التَّطَوُّعِ عَنْ الْوَاجِبِ.
(وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمِلِ وَلِذَلِكَ اُتُّخِذَتْ السَّلَالِيمُ) . ابْنُ شَاسٍ: يُكْرَهُ أَنْ يَحْمِلَ امْرَأَتَهُ عَلَى الْمَحْمِلِ وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتَّخِذُونَ سَلَالِيمَ.
(وَرُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا لَا شَعْرِهَا) . ابْنُ شَاسٍ: يُكْرَهُ أَنْ يَرَى ذِرَاعَيْ امْرَأَتِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَى شَعْرَهَا (وَالْفَتْوَى فِي أَمْرِهِنَّ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفْتِيَ الْمُفْتِي فِي أُمُورِ النِّسَاءِ.
(وَحَرُمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ السَّابِعُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إتْلَافُ الصَّيْدِ قَالَ: وَالصَّيْدُ يَحْرُمُ بِسَبَبَيْنِ بِالْإِحْرَامِ وَبِالْحَرَمِ (مِنْ
[ ٤ / ٢٤٨ ]
نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ لِلتَّنْعِيمِ وَمِنْ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ لِلْمَقْطَعِ وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ وَمِنْ جُدَّةَ عَشْرَةٌ لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ وَيَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ) ابْنُ شَاسٍ: حَدُّ الْحَرَمِ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ إلَى مُنْتَهَى التَّنْعِيمِ، وَمِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ إلَى مَكَان يُقَالُ لَهُ الْمَقْطَعُ، وَمِمَّا يَلِي عَرَفَةَ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ، وَمِمَّا يَلِي جُدَّةَ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ إلَى مُنْتَهَى الْحُدَيْبِيَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُدَيْبِيَةُ فِي الْحَرَمِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْحَرَمُ خَلْفُ الْمُزْدَلِفَةِ بِمِثْلِ مِيلَيْنِ وَمُزْدَلِفَةُ فِي الْحَرَمِ. وَسَمِعْت أَنَّ الْحَرَمَ يُعْرَفُ بِأَنْ لَا يَجِيءَ سَيْلٌ مِنْ الْحِلِّ فَيَدْخُلَ الْحَرَمَ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ السَّيْلُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ وَهُوَ يَجْرِي مِنْ الْحِلِّ فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْحَرَمِ وَقَفَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ (تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ) هَذَا فَاعِلُ حَرُمَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: فَلْيُخَصِّصْ التَّحْرِيمَ بِصَيْدِ الْبَرِّ. الْقَرَافِيُّ: وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِأَجْزَائِهِ وَبَيْضِهِ.
(وَإِنْ تَأَنَّسَ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ) ابْنُ شَاسٍ: فَيَحْرُمُ صَيْدُ الْبَرِّ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَأَنِّسًا لَهُ أَوْ وَحْشِيًّا، مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا (أَوْ طَيْرَ مَاءٍ) . التَّهْذِيبُ: إنْ أَصَابَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ
[ ٤ / ٢٤٩ ]
جَزَاؤُهُ (وَجُزْؤُهُ وَبَيْضُهُ) ابْنُ شَاسٍ: وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِأَجْزَائِهِ وَبَيْضِهِ.
(وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ) لَعَلَّهُ وَلْيُرْسِلْهُ إنْ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ بِيَدِهِ فَأَحْرَمَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي رُفْقَتِهِ وَهُوَ مِلْكُهُ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ (وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ (لَا بِبَيْتِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: إثْبَاتُ الْيَدِ سَبَبُ الضَّمَانِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَلَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ.
(وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ تَأْوِيلَانِ) الْكَافِي: وَلَا يَجُوزُ لِمُحْرِمٍ شِرَاءُ صَيْدٍ وَلَا
[ ٤ / ٢٥٠ ]
مِلْكُهُ. وَفِيهَا: وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ صَيْدٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُرْسِلُهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَسَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ مِيقَاتِهِ بِخِلَافِ مَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
(فَلَا يَسْتَجِدُّ مِلْكُهُ) فِيهَا: إنْ أَحْرَمَ وَالصَّيْدُ بِيَدِهِ فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْ الصَّيْدِ بِإِحْرَامِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَبَسَهُ مَعَهُ حَتَّى يَحِلَّ أَوْ بَعَثَهُ إلَى بَيْتِهِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ وَهُوَ بِيَدِهِ ثُمَّ حَلَّ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ. الْكَافِي: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ شِرَاءُ صَيْدٍ وَلَا مِلْكُهُ (وَلَا يَسْتَوْدِعُهُ وَرَدَّ إنْ وَجَدَ مُودِعَهُ وَإِلَّا بَقِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْبِسَهُ مَعَهُ أَوْ يَبْعَثَ بِهِ إلَى بَيْتِهِ. وَانْظُرْ لَوْ كَانَ هَذَا الْمُحْرِمُ قَدْ اسْتَوْهَبَهُ حَلَالٌ صَيْدًا.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ صَاحِبُهُ فِي رَحْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إطْلَاقُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُطْلِقُ مِلْكَهُ،
[ ٤ / ٢٥١ ]
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ إحْرَامِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، فَإِنْ قَبِلَهُ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إطْلَاقُهُ وَلَزِمَهُ قِيمَتُهُ. هَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.
(وَفِي صِحَّةِ اشْتِرَائِهِ قَوْلَانِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ ابْتَاعَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَيْضًا: يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ لَمْ يَفُتْ.
(إلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا) رَوَى مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ وَلَوْ لَمْ يُرِيدَاهُ وَصَغِيرِهَا. الْقَرَافِيُّ: وَمِثْلُ الْفَأْرَةِ ابْنُ عِرْسٍ.
وَفِي التَّلْقِينِ: يَجُوزُ قَتْلُ الزُّنْبُورِ. وَفِي التَّفْرِيعِ: يُطْعِمُ إنْ قَتَلَهُ.
(وَغُرَابًا وَحِدَأَةً وَفِي صَغِيرِهِمَا خِلَافٌ) فِيهَا: إنْ قَتَلَ سِبَاعَ الطَّيْرِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إلَّا الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ فَإِنَّهُ إنْ قَتَلَهُمَا وَلَمْ يَبْتَدِئَاهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِإِيذَائِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَا صَغِيرَيْنِ. وَفِي مَنَاسِكِهِ: وَيَقْتُلُ صِغَارَ الْغِرْبَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي ابْنِ شَاسٍ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْغُرَابَ وَالْحَدَأَةَ يُقْتَلَانِ وَإِنْ لَمْ يَبْتَدِئَا بِالْأَذَى. وَرَوَى أَشْهَبُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُؤْذِيَ فَيُقْتَلُ إلَّا أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَذًى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ قَتَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَدَاهَمَا. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَتْلِ صِغَارِهِمَا ابْتِدَاءً وَفِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِمَا.
(وَعَادِيَ سَبُعٍ كَذِئْبٍ إنْ كَبُرَ) فِيهَا: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ سِبَاعَ الْوَحْشِ الَّتِي تَعْدُو وَتَفْتَرِسُ وَإِنْ لَمْ تَبْتَدِئْهُ، وَلَا يَقْتُلُ صِغَارَ وَلَدِهَا الَّتِي لَا تَعْدُو وَلَا تَفْتَرِسُ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: فَلَهُ عِنْدَنَا قَتْلُ الذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الْعَقُورِ وَكُلِّ مَا يَعْدُو.
(وَكَطَيْرٍ خِيفَ إلَّا بِقَتْلِهِ) فِيهَا: إنْ عَدَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَخَافَهَا قَتَلَهَا وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ عَدَا عَلَيْهِ رَجُلٌ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَدَافَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
(وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ) رَوَى مُحَمَّدٌ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ وَزَغًا وَيَقْتُلُهَا الْحَلَالَ فِي الْحَرَمِ فَإِنْ قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ.
(كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ وَاجْتَهَدَ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا لَوْ عَمَّ الْجَرَادُ الْمَسَالِكَ سَقَطَ الْجَزَاءُ بِالِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَرْعَ ابْنُ عَرَفَةَ. وَفِيهَا: مَا وَقَعَ مِنْ الْجَرَادِ فِي الْحَرَمِ مَا يَصِيدُهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ قَالَ: وَلَا يُصَادُ الْجَرَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ. الْبَاجِيُّ: وَأَمَّا الْمُحْرِمُ يَطَأُ بِبَعِيرِهِ الْجَرَادَ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ مَالِكٌ قَبْلَ ذَلِكَ: إذَا وَطِئَ الذُّبَابَ أَطْعَمَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ (وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ) أَبُو عُمَرَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْجَرَادِ قَبْضَةٌ وَفِي الْجَرَادَاتِ أَيْضًا قَبْضَةٌ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَأَنَّ الْمُحْرِمَ يَفْدِيهِ. الْبَاجِيُّ: عِنْدِي أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الصِّيَامَ لَحَكَمَ عَلَيْهِ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَإِنَّمَا قَالُوا قَبْضَةٌ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ مِنْ صِيَامِ يَوْمٍ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ التَّخْيِيرِ. وَهَذَا حُكْمُ الذُّبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَشَرَاتِ (وَفِي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْجَرَادَاتِ قَبْضَةٌ وَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ. فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَفِي قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ حَفْنَةُ طَعَامٍ فِي مَنَاسِكِهِ مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ قَمَلَاتٍ أَوْ نَتَفَ شَعْرَةً أَوْ شَعَرَاتٍ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُطْعِمُ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: قَبْضَةٌ وَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ وَكَذَلِكَ الذَّرُّ وَالذُّبَابُ (وَإِنْ فِي نَوْمٍ، كَدُودٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ: وَكَذَا حُكْمُ الذُّبَابِ وَغَيْرِهِ.
(وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ وَإِنْ بِمَخْمَصَةٍ) الْكَافِي: مَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ أَكَلَهُ فِي مَخْمَصَةٍ ضَمِنَهُ (وَجَهْلٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْجَهْلُ وَالْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالضَّرُورَةُ فِي الْفِدْيَةِ سَوَاءٌ (وَنِسْيَانٍ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي الْجَزَاءِ إلَّا فِي الْإِثْمِ.
قَالَ مَالِكٌ: فِي مُوَطَّئِهِ فِي الْحَلَالِ يَرْمِي فِي الْحَرَمِ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا لَمْ يُرِدْهُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَالْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
(وَتَكَرُّرٍ) فِيهَا: مَنْ قَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ بِعَدَدِهِ كَفَّارَاتٍ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " بِخِلَافِ صَيْدٍ " (كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ) . الْبَاجِيُّ: مَنْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ إلَّا أَنَّ سَهْمَهُ يَمُرُّ عَلَى الْحَرَمِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَأْكُلُهُ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
(وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ رَمَى الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ مِنْ الْحِلِّ
[ ٤ / ٢٥٤ ]
فَمَرَّ السَّهْمُ عَلَى الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. اللَّخْمِيِّ: وَكَذَا إرْسَالُ كَلْبِهِ ابْنُ شَاسٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ) اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ ".
(أَوْ أَرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ) إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ فِي الْحِلِّ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ فَأَدْخَلَهُ الْكَلْبُ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَقَتَلَهُ
[ ٤ / ٢٥٥ ]
فِي الْحِلِّ لَمْ يُؤْكَلْ وَبِغَيْرِهِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ قُرْبُ الْحِلِّ وَبُعْدُهُ. اُنْظُرْ جَامِعَ الْفِدْيَةِ مِنْ الْمُنْتَقَى.
(وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ) فِيهَا: مَنْ طَرَدَ صَيْدًا فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا إنْ كَانَ الصَّيْدُ لَا يَنْجُو بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْقَتْلِ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ خَلِيلٍ.
(وَرَمْيٍ مِنْهُ أَوْ لَهُ) فِيهَا. وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحَرَمِ مِنْ الْحِلِّ أَوْ فِي الْحِلِّ مِنْ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
(وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ مُوجِبَاتِ الْجَزَاءِ
[ ٤ / ٢٥٦ ]
التَّسَبُّبُ كَنَصْبِ شَبَكَةٍ أَوْ إرْسَالِ كَلْبٍ أَوْ انْحِلَالِ رِبَاطِهِ بِنَوْعِ تَقْصِيرٍ فِي رَبْطِهِ وَتَنْفِيرِ صَيْدٍ حَتَّى بَعْدَ وَقَبْلَ سُكُونِ نِفَارِهِ. كُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا أَفْضَى إلَى التَّلَفِ (وَجَرْحِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ) الْكَافِي: لَوْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْ أَعْضَاءِ الصَّيْدِ وَسَلِمَتْ نَفْسُهُ وَلَحِقَ بِالصَّيْدِ فَقَوْلُ مَالِكٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَهُ، وَلَوْ ذَهَبَ فَلَمْ يَدْرِ مَا فَعَلَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَهُ مَخُوفًا عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ أَيْضًا جَزَاءً كَامِلًا (وَلَوْ بِنَقْصٍ) أَشَارَ بِ " لَوْ " لِنَقْلِ الْكَافِي وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَهُ.
(وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تُحَقِّقَ مَوْتُهُ) . ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ رَمَى صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَتَحَامَلَ الصَّيْدُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ فَإِنْ أَصَابَهُ بِمَا يَفُوتُ بِمِثْلِهِ فَلْيُؤَدِّهِ، فَإِنْ أَدَّاهُ ثُمَّ وَجَدَهُ لَمْ يَعْطَبْ ثُمَّ عَطِبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيُؤَدِّهِ ثَانِيَةً لِأَنَّ الْجَزَاءَ الْأَوَّلَ قَدْ كَانَ قَبْلَ وَجِيبَتِهِ. قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
(كَكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِكِينَ) وَإِذَا اجْتَمَعَ مُحْرِمُونَ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ أَوْ اجْتَمَعَ مُحِلُّونَ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ مُحِلٌّ وَحَرَامٌ قَتَلَا صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَزَاءُ كَامِلًا.
(وَبِإِرْسَالٍ لِسَبُعٍ) فِيهَا: إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى ذِئْبٍ فِي الْحَرَمِ فَأَخَذَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
(أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ) فِيهَا: إنْ نَصَبَ الْمُحْرِمُ شَرَكًا لِلذِّئْبِ أَوْ السِّبَاعِ خَوْفًا عَلَى غَنَمِهِ وَدَوَابِّهِ وَنَفْسِهِ فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ أَوْ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا لِسَارِقٍ فَوَقَعَ فِيهِ السَّارِقُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ.
(وَبِقَتْلِ غُلَامٍ أُمِرَ بِإِفْلَاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ وَهَلْ إنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لَا تَأْوِيلَانِ) فِيهَا: إذَا أَمَرَ الْمُحْرِمُ عَبْدَهُ أَنْ يُرْسِلَ صَيْدًا كَانَ مَعَهُ فَظَنَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ فَعَلَى السَّيِّدِ
[ ٤ / ٢٥٧ ]
الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُحْرِمًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ أَيْضًا وَلَا يَنْفَعُهُ خَطَؤُهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: حَمَلَ ابْنُ مُحْرِزٍ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ: لِأَنَّ فِعْلَهُ كَفِعْلِ سَيِّدِهِ بِآلَةٍ.
قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْكَاتِبِ لِأَنَّ سَيِّدَهُ سَبَّبَ لَهُ فِي أَخْذِهِ فَلَوْ صَادَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّيِّدِ شَيْءٌ خِلَافَ ظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ.
(وَبِتَسَبُّبٍ وَلَوْ اتَّفَقَ كَفَزَعِهِ فَمَاتَ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ كَخِلَافِهِ كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرِ الْمَاءِ) فِيهَا: إذَا رَأَى الصَّيْدُ مُحْرِمًا فَفَزِعَ مِنْهُ فَحُصِرَ فَمَاتَ فِي حَصْرِهِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّهُ نَفَرَ مِنْ رُؤْيَتِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ أَشْهَبُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهُوَ الصَّوَابُ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَصْوَبُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الصَّيْدِ بِنَفْسِهِ أَصْلُهُ إذَا تَعَلَّقَ بِأَطْنَابِ فُسْطَاطِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطًا فَتَعَلَّقَ بِأَطْنَابِهِ صَيْدٌ فَعَطِبَ أَوْ حَفَرَ بِئْرَ الْمَاءِ فَعَطِبَ فِيهِ صَيْدٌ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِعْلُ الصَّيْدِ فِي نَفْسِهِ.
(وَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ) التَّهْذِيبُ: إذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدٍ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا فَقَتَلَهُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ فَلْيَسْتَغْفِرْ الدَّالُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَمْيُهُ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ بِالْحَرَمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا عَلَى غُصْنٍ بِالْحِلِّ أَصْلُهُ
[ ٤ / ٢٥٨ ]
بِالْحَرَمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَعَهَا. لِابْنِ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِصَيْدِهِ وَنُوقِضَ بِقَوْلِهَا يَمْسَحُ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْمَسْحِ الشَّعْرُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ نَابِتًا لِرَأْسٍ، وَمُتَعَلِّقُ الصَّيْدِ الْحَيَوَانُ مِنْ حَيْثُ مَحَلُّهُ وَمَحَلُّهُ الْحِلُّ لِأَنَّهُ مَحَلُّ مَحَلِّهِ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْعَكْسِ يَقْطَعُ وَلَا يُصَادُ مَا عَلَيْهِ.
(أَوْ بِحِلٍّ وَتَحَامُلٍ فَمَاتَ فِيهِ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَكَذَا إنْ لَمْ يُنْفِذْ عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ رَمَى صَيْدًا مِنْ الْحِلِّ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ تَحَامَلَ فَمَاتَ فِي الْحَرَمِ، فَإِنْ كَانَ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فِي الْحِلِّ أَكَلَ، وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يُنْفِذْ مُقَاتِلَهُ فَقَالَ أَشْهَبُ: يُؤْكَلُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يُؤْكَلُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَبْيَنُ.
(أَوْ أَمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ
[ ٤ / ٢٥٩ ]
إنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ) التَّهْذِيبُ: إذَا أَمْسَكَ مُحْرِمٌ صَيْدًا لِغَيْرِ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ حَرَامٌ فَعَلَى الْقَاتِلِ جَزَاؤُهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَعَلَى الْمَاسِكِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ قَتْلَهُ مِنْ سَبَبِهِ (وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الْأَقَلَّ) . ابْنُ يُونُسَ: وَيَغْرَمُ الْحِلُّ لِلْمَاسِكِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ أَوْ الْجَزَاءِ.
(وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ) فِيهَا: لَوْ أَمْسَكَهُ الْمُحْرِمُ لِلْقَتْلِ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِمَا جَزَاءَانِ، وَإِنْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ.
(وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ) فِيهَا: مَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ بِيَدِهِ أَوْ صَادَهُ بِكَلْبِهِ فَأَدَّى جَزَاءَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَمَا ذُبِحَ مِنْ مُحْرِمٍ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَوَلِيَ ذَبْحَهُ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحْرِمٌ وَلَا حَلَالٌ.
(كَبَيْضِهِ) فِيهَا: وَإِذَا شَوَى الْمُحْرِمُ بَيْضَ النَّعَامِ لَمْ يَصْلُحْ أَكْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ (وَفِيهِ الْجَزَاءُ إنْ عَلِمَ وَأَكَلَ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ: إنْ أَكَلَ مِنْهُ مَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ وَهُوَ بِذَلِكَ عَالِمٌ وَدَاهُ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَإِنْ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ وَأَكَلَ مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَكِنْ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ.
(لَا فِي أَكْلِهَا) ابْنُ شَاسٍ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْمُحْرِمِ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَلَالٍ، وَمَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ فَكَالْمَيْتَةِ لَا يَأْكُلُهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ وَلَوْ، وَدَاهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِمَا أَكَلَ كَأَكْلِهِ الْمَيْتَةَ. وَفِيهَا: مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ فَأَدَّى جَزَاءَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ آخَرُ لِأَنَّهُ لَحْمُ مَيْتَةٍ وَمَا لَا يَحِلُّ.
(وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ وَإِنْ سَيُحْرِمُ) رَوَى أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدٍ ذُبِحَ لِلْمُحْرِمِينَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمُوا أَوْ صِيدَ مِنْ
[ ٤ / ٢٦٠ ]
أَجْلِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمُوا لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ. قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ لِلْمُحْرِمِ وَإِنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ.
(وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صَادَ بِحِلٍّ) فِيهَا: مَا دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ حَمَامِ الْإِنْسِيِّ أَوْ الْوَحْشِيِّ. ابْنُ يُونُسَ: مِمَّا قَدْ صِيدَ فِي الْحِلِّ فَجَائِزٌ لِلْحَلَالِ أَنْ يَذْبَحَهُ فِيهَا كَمَا يَجُوزُ لِلْحَلَالِ أَنْ يَذْبَحَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ إذَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ الْحِلِّ.
(وَلَيْسَ الْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ بِخِلَافِ الْحَمَامِ) فِيهَا: كَرِهَ مَالِكٌ
[ ٤ / ٢٦١ ]
ذَبْحَ الْمُحْرِمِ الْحَمَامَ وَلَوْ إنْسِيًّا لَا يَطِيرُ لِأَنَّ أَصْلَهُ يَطِيرُ إلَّا الْإِوَزَّ وَالدَّجَاجَ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا لَا يَطِيرُ. التُّونِسِيُّ: وَأَمَّا النَّعَمُ إنْ كَانَ لَا يَطِيرُ فَإِنَّهُ وَحْشٌ لَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ، وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَجَائِزٌ أَنْ يَذْبَحَ ذَلِكَ الْمُحْرِمُ وَيَأْكُلَهُ إلَّا بَقَرَ الْوَحْشِ فَإِنَّهُ صَيْدٌ.
(وَحَرُمَ بِهِ قَطْعُ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ إلَّا الْإِذْخِرَ وَالسَّنَا) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَلَا يَقْطَعُ أَحَدٌ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ شَيْئًا يَبِسَ أَوْ لَمْ يَيْبَسْ مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا جَزَاءَ وَفِيهَا، وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ مَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ فِي الْحَرَمِ مِنْ الشَّجَرِ مِثْلِ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ وَالْفَاكِهَةِ كُلِّهَا وَالْبَقْلِ كُلِّهِ وَالْكُرَّاثِ وَالْخَسِّ وَالسَّلْقِ وَشِبْهِهِ وَالْقِثَّاءِ وَالْإِذْخِرِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ مَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ إنْسِيًّا مِثْلَ أَنِيسِي الْحَيَوَانِ. ابْنُ شَاسٍ: يُسْتَثْنَى مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ الْإِذْخِرُ لِحَاجَةٍ وَكَذَا السَّنَا.
(كَمَا يَسْتَنْبِتُ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: وَأَصْلُهُ لِلْبَاجِيِّ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إذَا نَبَتَ فِي الْحَرَمِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَسْتَنْبِتَ أَوْ اسْتَنْبَتَ فِيهِ مَا عَادَتُهُ أَنْ يَنْبُتَ بِنَفْسِهِ فَالِاعْتِبَارُ بِالْجِنْسِ لَا بِالْحَالَةِ الظَّاهِرَةِ (وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ وَلَا جَزَاءَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ: فَإِنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ وَلَا جَزَاءَ (كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ) . اللَّخْمِيِّ: الِاصْطِيَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ فَإِنْ صَادَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَالْأَقْيَسُ أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ وَلَا يُؤْكَلُ (بَيْنَ الْحِرَارِ وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ
[ ٤ / ٢٦٢ ]
حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتِهَا يَعْنِي لَابَتَيْهَا» الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ حُرِّيَّتَهَا وَاللَّابَةُ الْحَرَّةُ وَهَاتَانِ الْحَرَّتَانِ إحْدَاهُمَا حَيْثُ يَنْزِلُ الْحَاجُّ وَالْأُخْرَى تُقَابِلُهَا شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَحَرَّتَانِ أُخْرَيَانِ أَيْضًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ وَالْجَوْفِ. قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: فَمَا بَيْنَ هَذِهِ الْحِرَارِ فِي الدُّورِ كُلِّهِ يَحْرُمُ أَنْ يُصَابَ فِيهِ صَيْدٌ وَحَرُمَ
[ ٤ / ٢٦٣ ]
قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْهَا عَلَى بَرِيدٍ مِنْ كُلِّ شِقٍّ حَوْلَهَا كُلِّهَا.
(وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ الْجَزَاءِ فِي الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ كَوْنُهُ بِحَكَمَيْنِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَجُوزُ كَوْنُهُمَا دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ. مَالِكٌ: الْحَكَمَانِ فِي الْجَزَاءِ يَكُونَانِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ. اللَّخْمِيِّ: فَقِيهَيْنِ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ (مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ) ابْنُ عَرَفَةَ: جَزَاءُ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِيهِ مِثْلُهُ وَنَصُّهَا نَظِيرُهُ مِنْ النَّعَمِ. أَبُو عُمَرَ: نَظِيرُهُ فِي الْمَنْظَرِ وَالْبَدَنِ. (أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ مِنْ النَّعَمِ وَأَحَبَّ أَنْ يُخْرِجَ الْإِطْعَامَ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ وَيُقَوَّمُ الطَّعَامُ مِنْ عَيْشِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ طَعَامًا أَجْزَأَهُ (يَوْمَ التَّلَفِ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: يُقَوَّمُ بِالطَّعَامِ عَلَى حَالِهِ حِينَ الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَرَاهَةٍ وَجَمَالٍ
[ ٤ / ٢٦٤ ]
وَتَعْلِيمٍ لَا صِغَرٍ وَلَا عَيْبٍ. قَالَ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّقْوِيمِ مَحَلُّ الْإِتْلَافِ وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ إلَيْهِ وَفِي مَكَانِهِ ثَلَاثَةٌ حَيْثُ يُقَوَّمُ اُنْظُرْهَا فِيهِ (بِمَحَلِّهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: أَخْرَجَ قِيمَتَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ (وَإِلَّا فَيُقَرِّبُهُ) اللَّخْمِيِّ: مَوْضِعُ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَخْتَلِفُ، فَمَوْضِعُ النَّظِيرِ مِنْ النَّعَمِ مَكَّةُ، وَمَوْضِعُ الْإِطْعَامِ حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدُ وَمَا يُقَارِبُهُ وَالصَّوْمُ بِحَيْثُ أَحَبَّ مِنْ الْبِلَادِ.
(وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ) . اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا أَخْرَجَ الطَّعَامَ بِغَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ فِيهِ فَمَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ: يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَيُطْعِمُ بِمِصْرَ.
(وَلَا زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ) . ابْنُ يُونُسَ: وَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ بِالْحِنْطَةِ فَإِنْ قُوِّمَ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا أَجْزَأَ إذَا كَانَ طَعَامَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ مِنْ ذَلِكَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ الْحِنْطَةِ، وَلَا يُطْعِمُ بِمُدِّ هِشَامٍ إلَّا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَحْدَهَا إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلَانِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ يُفَرِّقُهُ بِمَوْضِعِ إصَابَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَحَلٍّ بِهِ، وَفِي إجْزَاءِ إخْرَاجِهِ بِغَيْرِهِ رَابِعُهَا إنْ اتَّفَقَ سِعْرَاهُمَا وَخَامِسُهَا اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (أَوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: جَزَاءُ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِيهِ مِثْلُهُ أَوْ طَعَامٌ أَوْ صِيَامٌ ثُمَّ قَالَ: وَالصِّيَامُ
[ ٤ / ٢٦٥ ]
عَدْلُ الطَّعَامِ لِكُلِّ مُدٍّ أَوْ كَسْرِهِ يَوْمٌ.
(فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ) التَّلْقِينُ: فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ.
(وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَزَاءِ الْفِيلِ بِمُطْلَقِ بَدَنَةٍ أَوْ بِقَيْدِ عِظَمِهَا عَرَابِيَّةً ذَاتَ سَنَامَيْنِ خَامِسُهَا قِيمَةُ شِبَعِ لَحْمِهِ. قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: لَا رِوَايَةَ فِيهِ.
(وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ) . ابْنُ شَاسٍ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَكَذَلِكَ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَالْإِبِلِ.
(وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ) . الْجَلَّابُ: فِي الظَّبْيِ شَاةٌ. الْبَاجِيُّ: وَالضَّبُعُ كَالظَّبْيِ. ابْنُ شَاسٍ: فِي كَوْنِ جَزَاءِ الثَّعْلَبِ شَاةً أَوْ طَعَامًا قَوْلَانِ.
(كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ) . ابْنُ شَاسٍ: فِي حَمَامِ مَكَّةَ شَاةٌ وَلَا يُفْتَقَرُ فِي إخْرَاجِهَا إلَى حَكَمَيْنِ، وَيُلْحَقُ حَمَامُ الْحَرَمِ بِحَمَامِ مَكَّةَ عِنْدَ مَالِكٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ (وَيَمَامُهُ) فِيهَا: الْيَمَامُ كَالْحَمَامِ (بِلَا حَكَمٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: اُنْظُرْ إنْ لَمْ يَجِدْ شَاةً. رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ: يَصُومُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ لَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ وَلَا تَخْيِيرٌ. اللَّخْمِيِّ: وَعَلَيْهِ لَا يَفْتَقِرُ لِحَكَمَيْنِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ شَاءَ شَاةً أَوْ قَدْرَ شِبَعِهَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَوْمِ يَوْمٍ لِكُلِّ مُدٍّ.
(وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الْقِيمَةِ طَعَامًا) . ابْنُ شَاسٍ: حَمَامُ الْحِلِّ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ كَسَائِرِ الطَّيْرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الضَّبِّ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ شَاةٌ، وَابْنُ الْقَاسِمِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ صِيَامٌ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْأَرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الظَّبْيِ إلَّا إطْعَامٌ أَوْ صِيَامٌ.
(وَالصَّغِيرُ وَالْجَمِيلُ وَالْمَرِيضُ كَغَيْرِهِ) فِيهَا: يَحْكُمُ فِي صَغِيرِ كُلِّ صَيْدٍ كَكَبِيرِهِ كَمُسَاوَاةِ صَغِيرِ الْحُرِّ لِكَبِيرِهِ فِي الدِّيَةِ. الْبَاجِيُّ: وَالْمَعِيبُ كَسَلِيمٍ.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
ابْنُ عَرَفَةَ: وَاضِحٌ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ. الْقَرَافِيُّ: وَالْفَرَاهَةُ وَالْجَمَالُ لَا تُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ لِلْأَكْلِ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ اللَّحْمُ.
(وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا) فِيهَا: وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ بَازًا مُعَلَّمًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِرَبِّهِ مُعَلَّمًا فَلَعَلَّهُ وَالصَّغِيرُ وَالْجَمِيلُ وَالْمَرِيضُ كَغَيْرِهِ.
(وَاجْتَهَدَ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ) رَوَى مُحَمَّدٌ: فِي الْحَكَمَيْنِ لِيَحْكُمَا فِي كَبِيرِ الصَّيْدِ وَصَغِيرِهِ الْجَرَادُ لِمَا فَوْقَهُ فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَهَا أَعَادَ بِهِمَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَكْتَفِيَانِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَانِ فِيهِ عَلَى أَثَرِ مَنْ مَضَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجْتَزِئُ فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَحِمَارِ الْوَحْشِ وَالظَّبْيِ وَالنَّعَامَةِ بِحُكُومَةِ مَنْ مَضَى وَلَا بُدَّ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُكُومَةِ.
(وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ) فِيهَا: الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالطَّعَامِ، فَإِنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ فَحَكَمَا بِهِ فَأَصَابَا فَأَرَادَ بَعْدَ حُكْمِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ هُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا فَذَلِكَ لَهُ (إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ انْتِقَالِهِ عَمَّا حَكَمَا بِهِ بِإِذْنِهِ طُرُقٌ وَانْظُرْهُ فِيهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا ابْتَدَأَ)
[ ٤ / ٢٦٨ ]
فِيهَا: وَإِنْ حَكَمَا فَاخْتَلَفَا ابْتَدَأَ الْحُكْمَ فِيهِ غَيْرُهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ (وَالْأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ) مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيْنَا كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ (وَنُقِضَ إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ) فِيهَا: إنْ أَخْطَأَ خَطَأً بَيِّنًا فَحَكَمَا بِشَاةٍ فِيمَا فِيهِ بَدَنَةٌ انْتَقَضَ حُكْمُهُمَا وَيُؤْتَنَفُ الْحُكْمُ فِيهِ.
(وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ وَدِيَتُهَا إنْ اسْتَهَلَّ) هَكَذَا هِيَ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ أَنَّ جَزَاءَ الْجَنِينِ عُشْرُ جَزَاءِ أُمِّهِ. وَفِيهَا: عَلَى الْمُحْرِمِ فِي كَسْرِ الْبَيْضِ الْوَحْشِ أَوْ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ فَرْخٌ إلَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ بَعْدَ كَسْرِهِ فَكَكَبِيرِهِ.
[لَوَاحِق الْحَجّ]
[أَنْوَاع الدِّمَاء]
(وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ هَدْيٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: جَزَاءُ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: أَوْ فِدْيَةُ الْأَذَى عَلَى التَّخْيِيرِ. ابْنُ شَاسٍ: وَهُوَ مَا وَجَبَ فِي إلْقَاءِ التَّفَثِ وَطَلَبِ الرَّأْفَةِ. ابْنُ شَاسٍ: مِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ مَا خَرَجَ عَنْ
[ ٤ / ٢٦٩ ]
هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ وَهَذَا النَّوْعُ يَلْزَمُ إخْرَاجُهُ وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَدَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْفَوَاتِ وَالْفَسَادِ وَتَرْكِ الرَّمْيِ وَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا فَعَجَزَ عَنْهُ، وَهَذَا النَّوْعُ يَنْتَقِلُ الْعَاجِزُ عَنْهُ إلَى الصِّيَامِ وَلَا إطْعَامَ فِيهِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ شَاةُ هَدْيٍ. ابْنُ الْحَاجِبِ: دِمَاءُ الْحَجِّ هَدْيٌ وَنُسُكٌ. فَالْهَدْيُ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَمَا وَجَبَ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
(وَنُدِبَ إبِلٌ فَبَقَرٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِبِلُ أَفْضَلُ دَمٍ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ.
(ثُمَّ صِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِنْ إحْرَامِهِ وَصِيَامُ أَيَّامِ مِنًى بِنَقْصٍ لِحَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ وَسَبْعَةٌ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى) رَوَى مُحَمَّدٌ: مَنْ لَزِمَهُ هَدْيٌ فَلَمْ يَجِدْهُ وَلَا ثَمَنَهُ وَلَا مَنْ يُسَلِّفُهُ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى. مِنْ الذَّخِيرَةِ: إنَّمَا يَصُومُ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ وَمُتَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَمُفْسِدُ الْحَجِّ وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَأَمَّا مَنْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِ جَمْرَةٍ أَوْ النُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ فَيَصُومُ مَتَى شَاءَ لِأَنَّهُ يَقْضِي فِي غَيْرِ حَجٍّ فَيَصُومُ فِي غَيْرِ
[ ٤ / ٢٧٠ ]
حَجٍّ.
(وَلَمْ تُجْزِ إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ) . اللَّخْمِيِّ: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ عَجَّلَ صَوْمَ السَّبْعَةِ قَبْلَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ وَأَرَى أَنْ يُجْزِئَهُ (كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ الثَّلَاثَةَ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَلَهُ بِهِ مَالٌ فَلْيَبْعَثْ بِهَدْيٍ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصِّيَامَ لِيُهْدِيَ مِنْ بَلَدِهِ (أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ) فِيهَا: مَنْ وَجَدَ مُسَلِّفًا فَلَا يَصُومُ وَلْيَتَسَلَّفْ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِبَلَدِهِ.
(وَنُدِبَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ) . اللَّخْمِيِّ: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَنْ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ صِيَامَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْهَدْيِ.
(وَوُقُوفُهُ بِهِ الْمَوَاقِفَ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوقِفَ الْهَدْيُ الْمَوَاقِفَ التَّابِعَةَ لِعَرَفَاتٍ فَإِنْ أَرْسَلَهُ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَمْ يَكُنْ مَحَلُّهُ مِنًى لِعَدَمِ الْوُقُوفِ بِاللَّيْلِ وَإِذَا فَاتَ ذَلِكَ فَمَحَلُّهُ مَكَّةُ.
(وَالنَّحْرُ بِمِنًى إنْ كَانَ فِي حَجٍّ وَوَقَفَ بِهِ هُوَ) . اللَّخْمِيِّ: لَا يَنْحَرُ بِمِنًى عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا مَا وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَإِنْ وَقَفَ بِهِ ثُمَّ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ
[ ٤ / ٢٧١ ]
كَانَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ أَيَّامُ مِنًى أَجْزَاهُ.
(أَوْ نَائِبُهُ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: لَا يَجُوزُ إيقَافُ غَيْرِ رَبِّهِ كَالْبَالِغِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا عَبْدُك أَوْ ابْنُك فَيُجْزِي لِفِعْلِهِ - ﵇ -.
وَفِيهَا: مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ ضَلَّ فَأَصَابَهُ رَجُلٌ فَأَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ. ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ وَإِنْ أَوْقَفَهُ الْأَجْنَبِيُّ عَنْ نَفْسِهِ.
(كَهُوَ بِأَيَّامِهَا) اللَّخْمِيِّ: النَّحْرُ وَالذَّبْحُ بِمِنًى يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ.
فَإِنْ ذَهَبَتْ لَمْ يَكُنْ مَنْحَرًا وَلَا مَذْبَحًا إلَّا لِمِثْلِهِ مِنْ قَابِلٍ. (وَإِلَّا فَمَكَّةُ) . اللَّخْمِيِّ: أَمَّا
[ ٤ / ٢٧٣ ]
مَكَّةُ فَكُلُّ أَيَّامِ السَّنَةِ مَنْحَرٌ وَمَذْبَحٌ فَمَنْ فَاتَهُ نَحْرٌ بِمِنًى فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ.
(وَأَجْزَأَ إنْ أَخْرَجَ لِحِلٍّ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: مِنْ أَحْكَامِ الْهَدْيِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَإِذَا اشْتَرَى فِي الْحَرَمِ أَخْرَجَ إلَى الْحِلِّ أَوْ اشْتَرَى مِنْ الْحِلِّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ.
(كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا أَوْ نُحِرَ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ ثُمَّ ضَلَّ فَأَوْقَفَهُ مَنْ وَجَدَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ.
وَفِيهَا أَيْضًا: مَنْ أَوْقَفَ هَدْيَهُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ بِمِنًى لِأَنَّهُ رَآهُ هَدْيًا فَوَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ وَجَبَ هَدْيًا.
(وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ) فِيهَا: وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَسَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَطَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى فَلْيَنْحَرْ إذَا أَتَمَّ سَعْيَهُ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَيُحِلُّ وَلَا يُؤَخِّرُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا يُجْزِئُ نَحْرُ هَدْيٍ فِي عُمْرَةٍ إلَّا بِبُيُوتِ مَكَّةَ.
(وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ) فِيهَا: قَالَ مَالِكٌ فِي امْرَأَةٍ دَخَلَتْ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَمَعَهَا هَدْيٌ فَحَاضَتْ بَعْدَ دُخُولِهَا مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ: فَإِنَّهَا لَا تَنْحَرُ هَدْيًا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ وَتَسْعَى وَتَنْحَرَ
[ ٤ / ٢٧٤ ]
وَتُقَصِّرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرِيدُ الْحَجَّ وَخَافَتْ الْفَوَاتَ وَلَمْ تَسْتَطِعْ الطَّوَافَ لِحَيْضَتِهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وَسَاقَتْ هَدْيَهَا وَأَوْقَفَتْهُ بِعَرَفَةَ وَلَا تَنْحَرُهُ إلَّا بِمِنًى وَأَجْزَأَهُ لِقِرَانِهَا وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ مَنْ قَارَنَ.
(كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) فِيهَا: مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَسَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَإِنْ هُوَ لَمَّا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ أَخَّرَ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَنَحَرَهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ مُتْعَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ أَوَّلًا. ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَخَّرَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَنَحَرَهُ عَنْ مُتْعَتِهِ رَجَوْت لَهُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَهُ وَلَا يُؤَخِّرَهُ.
(وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِمَا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ وَالْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ) لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا ابْنُ يُونُسَ هَذَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ بُيُوتَ مَكَّةَ، وَعِبَارَةُ الْقَرَافِيُّ نَحَرَ فِي الْحَجِّ بِمِنًى وَفِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ مَا مَحَلُّهُ مِنْ الْهَدْيِ مَكَّةُ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَبْلُغَ
[ ٤ / ٢٧٥ ]
بِهِ بُيُوتَ مَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ إنَّمَا مَحَلُّهُ مَكَّةُ أَوْ مَا يَلِي بُيُوتَهَا.
(وَكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِهِ كَالْأُضْحِيَّةِ) وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ غَيْرُهُ أَوْ أُضْحِيَّتَهُ وَلْيَلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ نَحَرَهُ غَيْرُهُ أَجْزَأَهُ. (وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ رَمْيِهَا وَجَبَ الدَّمُ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِيهِ نَحْرُهُ وَهُوَ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ لَوْ مَاتَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِهِ لَمْ يَجِبْ دَمٌ وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ النَّوَادِرِ.
(وَسِنُّ الْجَمِيعِ وَعَيْبُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: الْحُكْمُ الرَّابِعُ فِي
[ ٤ / ٢٧٦ ]
صِفَاتِ دِمَاءِ الْحَجِّ مِنْ الْجِنْسِ وَالسِّنِّ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ وَحُكْمُهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ حُكْمُ الضَّحَايَا (وَالْمُعْتَبَرُ حِينَ وُجُوبِهِ وَتَقْلِيدِهِ) ابْنُ شَاسٍ: تُعْتَبَرُ السَّلَامَةُ وَقْتَ الْوُجُوبِ حِينَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ دُونَ وَقْتِ الذَّبْحِ.
(فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ بِعَيْبٍ وَلَوْ سَلِمَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ) فِيهَا: وَإِذَا قَلَّدَهُ
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وَأَشْعَرَهُ وَهُوَ لَا يُجْزِئُ لِعَيْبٍ بِهِ فَزَالَ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِمَحَلِّهِ لَمْ يُجْزِهِ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ إنْ كَانَ مَضْمُونًا، وَلَوْ حَدَثَ بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ أَجْزَأَهُ.
(إنْ تَطَوَّعَ بِهِ وَأَرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَانْظُرْ مَا نَقَصَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي رَابِعِ فَصْلٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مَا نَصُّهُ: وَمَنْ اشْتَرَى هَدْيًا تَطَوُّعًا فَلَمَّا قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ أَصَابَ بِهِ عَيْبًا يُجْزِئُ بِهِ الْهَدْيُ أَوْ لَا يُجْزِئُهُ فَلْيَمْضِ بِهِ هَدْيًا وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ فَيَجْعَلُهُ فِي هَدْيٍ آخَرَ إنْ بَلَغَ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ تَصَدَّقَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذْ لَا يُشْرَكُ فِيهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا وَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا لَا يُجْزِئُ بِهِ الْهَدْيُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَيَلْزَمُهُ شُرُطُ هَذَا الْمَعِيبِ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَعَبْدٍ عَتَقَ فِي وَاجِبٍ وَبِهِ عَيْبٌ وَلَا يُجْزِئُ بِهِ، وَمَا رَجَعَ بِهِ مِنْ قِيمَةِ عَيْبِ هَذَا الْهَدْيِ فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ فِي الْبَدَلِ إنْ شَاءَ (وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: إنْ لَمْ يَبْلُغْ تَصَدَّقَ بِهِ (وَفِي الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ: إنْ كَانَ وَاجِبًا فَمَا يَرْجِعُ بِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ فِي الْبَدَلِ إنْ شَاءَ. فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ
[ ٤ / ٢٧٩ ]
اخْتَصَرَ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ فَلَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ قَوْلِهِ: " إنْ تَطَوَّعَ " وَمَا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا نَقَصَ هُنَا.
(وَسُنَّ إشْعَارُ سَنَمِهَا مِنْ الْأَيْسَرِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: تَقْلِيدُ هَدْيِ الْبُدْنِ سُنَّةٌ. الْقَرَافِيُّ: وَكَذَا الْإِشْعَارُ وَتَقْلِيدُ الْبَقَرِ وَلَا تُشْعَرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَتُشْعَرُ.
وَقَالَ خَلِيلٌ: الْإِشْعَارُ بِدْعَةٌ. ابْنُ شَاسٍ: الْإِشْعَارُ أَنْ يَشُقَّ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ الْقَرَافِيُّ: مِنْ سَنَامِهَا عَرْضًا. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (لِلرَّقَبَةِ مُسَمِّيًا) . ابْنُ الْحَاجِبِ: الْإِشْعَارُ أَنْ يَشُقَّ مِنْ الْأَيْسَرِ. وَقِيلَ: مِنْ الْأَيْمَنِ مِنْ نَحْوِ الرَّقَبَةِ إلَى الْمُؤَخَّرِ مُسَمِّيًا.
وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ
[ ٤ / ٢٨٠ ]
(وَتَقْلِيدٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ.
(وَنُدِبَ نَعْلَانِ) . ابْنُ شَاسٍ: صِفَةُ التَّقْلِيدِ أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِ الْبَعِيرِ أَوْ الْبَقَرَةِ حَبْلٌ وَيُعَلِّقَ فِيهِ نَعْلَانِ. رَوَى مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَعْلٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَجَائِزٌ أَنْ يُقَلِّدَ بِمَا شَاءَ (بِنَبَاتِ الْأَرْضِ) رَوَى مُحَمَّدٌ: فِي التَّقْلِيدِ يَفْتِلُ فَتْلًا أُحِبُّهَا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَتَلَتْهَا مِنْ عِهْنٍ. وَمَنَعَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَوْتَارِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَكَذَا الشَّعْرُ.
(وَتَجْلِيلُهَا) . ابْنُ الْحَاجِبِ: ثُمَّ يُجَلِّلُهَا إنْ شَاءَ. الصِّحَاحُ: الْجَلُّ وَاحِدُ جِلَالِ الدَّوَابِّ. (وَشَقُّهَا إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ) فِي الْمُوَطَّأِ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجَلِّلُ بُدُنَهُ الْقَبَاطِيَّ وَالْأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ يَكْسُو بِهَا الْكَعْبَةَ، فَلَمَّا كُسِيَتْ هَذِهِ الْكِسْوَةُ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا. رَوَى مُحَمَّدٌ: وَالْبَيَاضُ أَحَبُّ إلَيَّ وَشَقُّ الْجِلَالِ أَحَبُّ إلَيَّ إنْ قَلَّ ثَمَنُهُ كَدِرْهَمَيْنِ لَا الْمُرْتَفِعَاتُ.
(وَقُلِّدَتْ الْبَقَرُ فَقَطْ إلَّا بِأَسْنِمَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْقَرَافِيُّ: تُقَلَّدُ الْبَقَرُ وَلَا تُشْعَرُ إلَّا إنْ كَانَ لَهَا أَسْنِمَةٌ.
(لَا الْغَنَمُ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: الْأَشْهَرُ أَنَّ الْغَنَمَ لَا تُقَلَّدُ. الْقَرَافِيُّ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُشْعَرُ.
(وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ) فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ وَاجِبِهِ
[ ٤ / ٢٨١ ]
وَتَطَوُّعِهِ إذَا بَلَغَ مَحَلَّهُ إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ. اللَّخْمِيِّ: كُلُّ هَدْيٍ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ عَنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ فَسَادٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَعَدِّي مِيقَاتٍ أَوْ تَرْكِ النُّزُولِ بِعَرَفَةَ نَهَارًا أَوْ تَرْكِ النُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ تَرْكِ رَمْيِ الْجِمَارِ أَوْ أَخَّرَ الْحِلَاقَ، يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ قَبْلَ بُلُوغِ مَحَلِّهِ وَبَعْدَ، وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى فَيُؤْكَلُ مِنْهُمَا قِيلَ وَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُمَا بَعْدُ، وَأَمَّا النَّذْرُ الْمَضْمُونُ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ لِلْمَسَاكِينِ يَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا وَلَمْ يُسَمِّهِ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ أَكَلَ مِنْهُ بَعْدُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَبْلُ، وَإِنْ نَذَرَ لِلْمَسَاكِينِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ أَوْ نَوَى ذَلِكَ حِينَ التَّقْلِيدِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: إنْ نَذَرَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (عَكْسُ الْجَمِيعِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ وَسَيَنُصُّ هُوَ بَعْدُ هَذَا عَلَى مَا اُسْتُثْنِيَ.
(فَلَهُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ) . اللَّخْمِيِّ: كُلُّ هَدْيٍ جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ جَازَ أَنْ يُطْعِمَهُمْ الْغَنِيَّ وَالْقَرِيبَ، وَكُلُّ هَدْيٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُطْعِمُهُ فَقِيرًا مُسْلِمًا لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَالْكَفَّارَةِ.
(وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: إطْعَامُ الذِّمِّيِّ مَكْرُوهٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(إلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ وَالْفِدْيَةُ وَالْجَزَاءُ بَعْدَ الْمَحِلِّ) مِنْ مَنَاسِكِهِ: فِيمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَلَا بَعْدَهُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ، أَمَّا مَنْعُ أَكْلِهِ مِنْ النَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ بَعْدَ مَحَلِّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّ النَّذْرَ الْمَضْمُونَ يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ
[ ٤ / ٢٨٢ ]
بَعْدُ إنْ سَمَّاهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلُ وَبَعْدُ، فَلَوْ قَالَ إلَّا نَذْرًا لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يُعَيَّنْ، وَأَمَّا مَنْعُ أَكْلِهِ مِنْ الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ بَعْدَ مَحَلِّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: أَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى فَيُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ بَعْدُ.
(وَهَدْيُ تَطَوُّعٍ إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَتُلْقَى قَلَائِدُهُ بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ) فِيهَا: مَنْ اعْتَمَرَ وَسَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ وَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَلَا عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُلْقِي قَلَائِدَهَا بِدَمِهَا وَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا وَلَا يَأْمُرُ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ.
(كَرَسُولِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ بَعَثَ بِهَا مَعَ رَجُلٍ فَعَطِبَتْ فَسَبِيلُ الرَّسُولِ سَبِيلُ صَاحِبِهَا هُوَ الَّذِي يَنْحَرُهَا أَوْ يَأْمُرُ بِنَحْرِهَا وَيَفْعَلُ فِيهَا كَفِعْلِ
[ ٤ / ٢٨٣ ]
رَبِّهَا لَوْ كَانَ مَعَهَا وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّسُولُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا لَمْ يَضْمَنْ.
(وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ بِأَخْذِ شَيْءٍ كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ بَدَلَهُ) فِيهَا: مَنْ هَلَكَ هَدْيُهُ التَّطَوُّعُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَإِنْ بَعَثَ بِهِ مَعَ رَسُولٍ فَهَلَكَ فَكَذَلِكَ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّسُولُ، فَإِنْ أَكَلَ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَا إنْ تَصَدَّقَ بِهَا الرَّسُولُ لَمْ يَضْمَنْ وَذَلِكَ كَمَنْ
[ ٤ / ٢٨٤ ]
عَطِبَ هَدْيُهُ التَّطَوُّعُ فَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَأُمِرَ أَجْنَبِيٌّ فَقَسَمَهَا بَيْنَ النَّاسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى رَبِّهَا. وَقَوْلُهُ: " بَدَلَهُ " مَفْعُولُ " ضَمِنَ ".
(وَهَلْ إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ فَقَدْرُ أَكْلِهِ؟ خِلَافٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: إنْ نَذَرَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.
وَفِيهَا: إنْ أَكَلَ مِمَّا نَذَرَهُ لِلْمَسَاكِينِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَدْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ وَأَرَى أَنْ يُطْعِمَ لِلْمَسَاكِينِ قَدْرَ مَا أَكَلَ لَحْمًا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ لِأَنَّ هَدْيَ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ مِنْهُ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ الْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ، وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا لَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ كُلُّهُ إنْ أَكَلَ مِنْهُ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُورُ، وَشَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا أَكَلَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَشَهَرَ فِي
[ ٤ / ٢٨٦ ]
الْكَافِي وُجُوبَ الْبَدَلِ.
(وَالْخِطَامُ وَالْجِلَالُ كَاللَّحْمِ) فِيهَا: وَسَبِيلُ الْجِلَالِ وَالْخِطَامِ سَبِيلُ اللَّحْمِ.
(وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ أَجْزَأَ لَا قَبْلَهُ) فِيهَا: كُلُّ هَدْيٍ وَاجِبٌ ضَلَّ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهُ فَلَا يُجْزِيهِ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَكُلُّ هَدْيٍ مَاتَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَلَّ فَلَا بَدَلَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ، وَمَنْ سُرِقَ هَدْيُهُ
[ ٤ / ٢٨٧ ]
الْوَاجِبُ بَعْدَمَا ذَبَحَهُ أَجْزَأَ.
(وَحَمْلُ الْوَلَدِ عَلَى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَهُ لِيَشْتَدَّ فَكَالتَّطَوُّعِ) فِيهَا: إذَا نَتَجَتْ النَّاقَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ أَوْ الشَّاةُ وَهِيَ هَدْيٌ فَلْيُحْمَلْ وَلَدُهَا مَعَهَا إلَى مَكَّةَ إنْ وَجَدَ مَحْمِلًا عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَمَلَهُ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أُمِّهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا تَكَلَّفَ حَمْلَهُ، ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ مِنْ مَالِهِ. وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَكَلَّفَ حَمَلَهُ عَلَى حَالِ نَحْرِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَصِيرُ كَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ إذَا كَانَ فِي فَلَاةٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَكِّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُرْتَجَى حَيَاتُهُ.
(وَلَا يَشْرَبُ مِنْ اللَّبَنِ وَإِنْ فَضَلَ) فِيهَا: وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ فِي شَيْءٍ وَلَا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَغَرِمَ إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ مُوجِبُ فِعْلِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَضَرَّ بِوَلَدِهَا فِي لَبَنِهَا فَمَاتَ أَبْدَلَهُ بِمَا يَجُوزُ هَدْيُهُ.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ لِوُجُوبِهَا بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ فَعَلَ إلَّا أَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا أَوْ بِفَصِيلِهَا فَيَغْرَمَ مَا أَوْجَبَهُ فِعْلُهُ.
(وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ فَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ) . فِيهَا: وَمَنْ احْتَاجَ إلَى ظَهْرِ هَدْيِهِ فَلْيَرْكَبْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ بَعْدَ رَاحَتِهِ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهَا.
(وَنَحْرِهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً) فِيهَا: لِمَالِكٍ الشَّأْنُ أَنْ تُنْحَرَ الْبُدُنُ قَائِمَةً قِيَامًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ امْتَنَعَتْ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُعْقَلَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ نَحْرِهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿صَوَافَّ﴾ أَنْ تُصَفَّ أَيْدِيهَا بِالْقُيُودِ عِنْدَ نَحْرِهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿صَوَافِنَ﴾ وَهِيَ الْمَعْقُولَةُ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ يَدٌ وَاحِدَةٌ فَتَقِفُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ.
(وَأَجْزَأَ إنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ عَنْهُ مُقَلَّدًا وَلَوْ نَوَى نَفْسَهُ إنْ غَلِطَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إذَا وَجَدَ بَدَنَةً ضَالَّةً فِي أَيَّامِ مِنًى لَمْ يَنْحَرْهَا إنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا إلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَعَلَّ رَبَّهَا أَنْ يَأْتِيَ، فَإِذَا خِيفَ خُرُوجُ أَيَّامِ مِنًى نَحَرَهَا عَنْ رَبِّهَا وَأَجْزَأَتْهُ لِأَنَّهَا بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَجَبَتْ. وَقِيلَ:
[ ٤ / ٢٨٩ ]
لَوْ نَحَرَهَا عَنْ نَفْسِهِ لَأَجْزَأَتْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ فَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ نِيَّةُ أَنَّهَا عَنْ نَفْسِهِ كَمَا إذَا وَقَعَ الْغَلَطُ فِي الْهَدَايَا. عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْ أَصْحَابِهَا ثُمَّ ذَكَرَ خِلَافَ أَشْهَبَ. وَاَلَّذِي لِلَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا نَحَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخْطَأَ أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا إنْ غَلِطَ. اُنْظُرْ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَانْظُرْ مَا يَظْهَرُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ) اللَّخْمِيِّ: لَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيِ الْوَاجِبِ وَاخْتُلِفَ فِي التَّطَوُّعِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَشْتَرِكُ فِيهِ كَانُوا أَجْنَبِيَّيْنِ أَوْ أَهْلَ بَيْتٍ.
(وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ إنْ قُلِّدَ) فِيهَا: لَوْ ضَلَّ مِنْهُ هَدْيٌ وَاجِبٌ أَوْ جَزَاءٌ فَنَحَرَ غَيْرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ نَحَرَهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَهُ فَلَا يَرُدُّهُ فِي مَالِهِ. انْتَهَى مَا لِابْنِ يُونُسَ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ أَبْدَلَ جَزَاءً ضَلَّ فَوَجَدَهُ نَحَرَ الْبَدَلَ مَعَهُ إنْ قَلَّدَهُ وَصَارَ تَطَوُّعًا.
(وَقِيلَ نَحَرَهُ نَحْرًا إنْ قُلِّدَ وَإِلَّا بِيعَ وَاحِدٌ) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ ضَلَّ هَدْيُهُ فَأَبْدَلَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ نَحْرِ الْبَدَلِ لَزِمَهُ نَحْرُهُ إنْ كَانَ مُقَلَّدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَلَّدًا فَلَهُ بَيْعُهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ نَحْرِ الْبَدَلِ نَحْرَهُمَا، وَإِنْ كَانَا مُقَلَّدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُقَلَّدٍ فَلَهُ بَيْعُهُ.
[بَاب مَوَانِع الْحَجّ مِنْ الْإِحْصَار وَغَيْره]
فَصْلٌ (وَإِنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حُبِسَ لَا بِحَقٍّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَهُ التَّحَلُّلُ) . اللَّخْمِيِّ: لَا خِلَافَ
[ ٤ / ٢٩٠ ]
فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يُحِلَّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ غَالِبٍ أَوْ فِتْنَةٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يَتَرَبَّصُ مَا رَجَا كَشْفَ ذَلِكَ، فَإِذَا يَئِسَ فَلْيُحْلِلْ بِمَوْضِعِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْبِلَادِ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَنْحَرَهُ هُنَاكَ وَيَحْلِقَ وَيُقَصِّرَ وَيَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَرُورَةً فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَخَّرَ حِلَاقَ رَأْسِهِ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ حَلَقَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
ابْنُ الْقَصَّارِ: مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ مِمَّنْ قَبْلَهُ أَتَى وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلَا نَصَّ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَمَنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ. ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ كَمَنْ صَدَّهُ عَدُوٌّ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْعَدُوُّ طَارِئًا بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ مُتَقَدِّمًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَوْ عَلِمَ وَكَانَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَصُدُّهُ فَصَدَّهُ جَازَ الْإِحْلَالُ وَإِنْ شَكَّ فَمَنَعَهُ لَمْ
[ ٤ / ٢٩٢ ]
يَحِلَّ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْإِحْلَالُ (وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: إذَا يَئِسَ فَلْيُحِلَّ بِمَوْضِعِهِ (وَلَا دَمَ
[ ٤ / ٢٩٣ ]
بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ وَلَا دَمَ إنْ أَخَّرَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا بِهَذَا كُلِّهِ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مُخِيفَةٌ) . اللَّخْمِيِّ: وَمَنْ
[ ٤ / ٢٩٤ ]
صُدَّ عَنْ طَرِيقٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْوُصُولِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ لَمْ يُحِلَّ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا مَخُوفًا أَوْ بِهِ مَشَقَّةٌ بَيِّنَةٌ.
(وَكُرِهَ إبْقَاءُ إحْرَامِهِ) .
الْبَاجِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا يَسْتَدِيمَ الْإِحْرَامَ، فَإِنْ اسْتَدَامَهُ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ تَحَلَّلَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً: بِئْسَ مَا صَنَعَ. وَقَالَ مَرَّةً: تَحَلُّلُهُ بَاطِلٌ. اُنْظُرْ الْبَاجِيَّ.
(إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا) . اللَّخْمِيِّ: لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ أَنْ يُحِلَّ بِعُمْرَةٍ فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يُحِلَّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ لَهُ فَيُحِلَّ أَوْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ أَوْ إلَى الْحَجِّ الثَّانِي.
(وَلَا يَتَحَلَّلُ إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ) .
الْبَاجِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ لَا يُحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ إنْ كَانُوا قَرِيبًا فَيُقِيمَ عِنْدَهُمْ حَرَامًا حَتَّى يَقْوَى عَلَى الْعُمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلْيَقُمْ بِمَوْضِعِهِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَسْتَدْبِرَ طَرِيقَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ حَوَائِجِهِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْأَسْفَارِ وَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى
[ ٤ / ٢٩٥ ]
الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَحُجَّ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ رُخْصَةٌ. فَإِنْ أَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ فَحَجَّ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُحِلَّ فَلَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ تَدْخُلْ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ.
(وَإِلَّا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) . الْبَاجِيُّ: إنْ اسْتَدَامَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إحْرَامَهُ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ تَحَلَّلَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: صَحَّ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ. وَقَالَ مَرَّةً: تَحَلُّلُهُ بِالْحِلِّ. فَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ تَحَلُّلِهِ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَقَالَ مَرَّةً لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. اُنْظُرْ الْبَاجِيَّ (وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَرُورَةً فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
(وَلَا يَفْسُدُ بِوَطْءٍ إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ) فِي الْمَبْسُوطِ: فِيمَنْ حَلَّ لَهُ الْإِحْلَالُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَصَابَ النِّسَاءَ فَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ يُحِلَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ كَانَ قَدْ
[ ٤ / ٢٩٦ ]
أَفْسَدَ حَجَّهُ إلَى قَابِلٍ ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ حَجَّتَهُ تِلْكَ.
(وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ فَحَجُّهُ تَمَّ وَلَا يُحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أُحْصِرَ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّهُ إنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَيُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُحِلُّهُ إلَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ مَا فَاتَهُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَبِمِنًى
[ ٤ / ٢٩٧ ]
هَدْيٌ وَاحِدٌ كَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ بِعَدُوٍّ لَمْ يَهْدِ.
(وَإِنْ حُصِرَ عَنْ الْإِفَاضَةِ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرِ مَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يُحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ) . الْبَاجِيُّ: الْمَنْعُ لِسَبَبٍ عَامٍّ فَلَهُ حُكْمُ الْحَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ خَاصٍّ كَالْمَسْجُونِ فِي دَيْنٍ وَالْمَرِيضِ
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وَمَنْ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ فَلَا يُحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ. ابْنُ الْحَاجِبِ: فَوَاتُ الْوُقُوفِ بِكَمَرَضٍ لَا يُحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ فَيَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَنْ إهْلَالِهِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْحَصْرِ وَيُعِيدُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إحْرَامٍ إلَّا إنْ كَانَ قَدْ أَنْشَأَ الْحَجَّ وَأَرْدَفَهُ فِي الْحَرَمِ.
(وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ) فِيهَا: مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ فَطَافَ وَسَعَى ثُمَّ أُحْصِرَ وَلَمْ يَحْضُرْ الْمَوْسِمَ مَعَ النَّاسِ لَمْ يُجْزِهِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ مَعَ إحْصَارِهِ وَلَا يُحِلُّ إلَّا بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ مُؤْتَنَفَيْنِ.
(وَحَبْسُ هَدْيِهِ مَعَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَوَاتٍ) فِيهَا: وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ هَدْيٌ حَبَسَهُ حَتَّى يَصِحَّ فَيَنْطَلِقَ بِهِ مَعَهُ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ
[ ٤ / ٣٠٠ ]
مَرَضٌ يَتَطَاوَلُ عَلَيْهِ وَيَخَافُ عَلَى الْهَدْيِ فَلْيَبْعَثْ بِهِ يَنْحَرْهُ بِمَكَّةَ وَيُقِيمُ عَلَى إحْرَامِهِ، فَإِذَا صَحَّ مَضَى وَلَا يُحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ، وَعَلَيْهِ إذَا حَلَّ وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ هَدْيٌ آخَرُ مَعَ حَجَّةِ الْقَضَاءِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ هَدْيُهُ الَّذِي بَعَثَ وَلَوْ لَمْ يَبْعَثْهُ مَا أَجْزَاهُ أَيْضًا.
(وَخَرَجَ لِلْحِلِّ إنْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ أَوْ أَرْدَفَ) فِيهَا: وَإِذَا أَحْرَمَ مَكِّيٌّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ رَجُلٌ دَخَلَ مُعْتَمِرًا فَفَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَأُحْصِرَ بِمَرَضٍ حَتَّى فَرَغَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَيَعْمَلَ عَلَى الْعُمْرَةِ وَيَحُجَّ قَابِلًا وَيُهْدِيَ. وَيُؤْمَرُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَدْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَيَعْمَلَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مَا يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ وَيُحِلُّ.
(وَأَخَّرَ دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَضَاءِ وَأَجْزَأَ إنْ قَدِمَ) . الْقَرَافِيُّ: تَحْرِيرُ هَذِهِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ عُذْرًا لِلتَّحَلُّلِ إذَا طَرَأَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الْعَدُوِّ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَحْصُورِ بِعَدُوٍّ: إنَّهُ لَا يَهْدِي وَلَا يَقْضِي وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهَا
[ ٤ / ٣٠١ ]
فِي الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ يَعْمَلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ وَيَحُجُّ قَابِلًا وَيُهْدِي. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُؤَخِّرُ دَمَ الْفَوَاتِ إلَى الْقَضَاءِ وَفِي إجْزَائِهِ قَبْلَهُ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَإِنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ.
(تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ دُونَهَا وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ) مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ مَنْ فَاتَهُ حَجُّهُ قَدْ أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ تَحَلُّلُهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ أَفْسَدَ أَوْ فَاتَ ثُمَّ أَفْسَدَ قَبْلَهُ تَحَلَّلَ الْعُمْرَةَ أَوْ فِيهِمَا فَقَضَاءٌ وَاحِدٌ وَهَدْيَانِ وَلَا بَدَلَ لِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ.
(لَا دَمُ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: يُسْقِطُ دَمُ الْفَوَاتِ دَمَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَفِيهِ خِلَافٌ. اللَّخْمِيِّ: إنْ اجْتَمَعَ فَوَاتٌ وَفَسَادٌ لِمُفْرَدٍ فَهَدْيَانِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ قِرَانٌ وَفَوَاتٌ وَفَسَادٌ عَلَيْهِ هَدْيُ الْفَوَاتِ وَالْقِرَانِ وَالْفَسَادِ بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ.
(وَلَا تُفِيدُ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ) أَمَّا نِيَّةُ التَّحَلُّلِ لِلْمَرَضِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُفِيدُ الْمَرِيضَ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ أَوَّلًا بِتَقْدِيرِ الْعَجْزِ، وَأَمَّا نِيَّةُ التَّحَلُّلِ لِغَيْرِهِ فَانْظُرْ هَلْ يَعْنِي بِهِ حَيْضًا أَوْ نَحْوَهُ؟ وَأَمَّا مَنْ تَوَقَّعَ مِنْهُ عَدُوٌّ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لِلْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ خَمْسُ حَالَاتٍ يَصِحُّ الْإِحْلَالُ فِي ثَلَاثٍ وَيُمْنَعُ فِي وَجْهٍ وَيَصِحُّ فِي وَجْهٍ إذَا شُرِطَ الْإِحْلَالُ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُحْمَلُ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ: إنْ شَكَّ هَلْ يَصُدُّهُ الْعَدُوُّ ثُمَّ أَحْرَمَ فَمَنَعَهُ لَمْ يُحِلَّ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْإِحْلَالُ.
(وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ لِحَاصِرٍ إنْ كَفَّرَ) قَالَ سَنَدٌ: إنْ طَلَبَ الْكَافِرُ مَالًا عَلَى الطَّرِيقِ كُرِهَ دَفْعُهُ نَفْيًا لِلْمَذَلَّةِ. ابْنُ شَاسٍ: لَا يُعْطَاهُ إنْ كَانَ كَافِرًا لِأَنَّهُ وَهَنٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ جَوَازُهُ وَوَهَنُ الرُّجُوعِ لِصَدِّهِ أَشَدُّ مِنْ إعْطَائِهِ. الْقَرَافِيُّ: وَظَاهِرُهُ عَنْ
[ ٤ / ٣٠٢ ]
سَنَدٍ: وَإِنْ كَانَ الصَّادُّ مُسْلِمًا فَإِنْ طَلَبَ الْيَسِيرَ مِنْ الْمَالِ دَفَعَهُ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ كَالْحِرَابَةِ وَلَا ذِلَّةَ فِيهِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
(وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: قِتَالُ الْحَاصِرِ الْبَادِي جِهَادٌ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا. سَنَدٌ: إنْ كَانَ الْعَدُوُّ الْمَانِعُ كَافِرًا وَلَمْ يَبْدَأْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَحَلَّلَ أَوْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ وَيُقَاتِلُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ
[ ٤ / ٣٠٣ ]
لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْحَاصِرِ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ بِهَا فَالْأَظْهَرُ نَقْلُ ابْنِ شَاسٍ عَنْ الْمَذْهَبِ لِحَدِيثِ «إنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» . وَأَمَّا قِتَالُ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْحَجَّاجَ فَلِأَنَّ الْحَجَّاجَ بَدَأَ بِهِ.
(وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ) الْقَرَافِيُّ: الْمَانِعُ الثَّامِنُ السَّفَهُ.
قَالَ سَنَدٌ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحُجُّ السَّفِيهُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ نَظَرًا أَذِنَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا حَلَّلَهُ الْوَلِيُّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
(كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ) عَدَّ الْقَرَافِيُّ مِنْ مَوَانِعِ الْحَجِّ الزَّوْجِيَّةَ. ابْنُ شَاسٍ: الْمُسْتَطِيعَةُ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ لَهَا إنْ قُلْنَا: إنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلَّا فَقَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِالْفَرِيضَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهَا. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إلَّا أَنْ تَكُونَ أَحْرَمَتْ إحْرَامَ عَدَاءٍ يَكُونُ عَلَى الزَّوْجِ ضَرَرٌ فِي إحْرَامِهَا لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهَا فَلَهُ أَنْ يُحِلَّهَا، أَمَّا لَوْ أَحْرَمَتْ بِالتَّطَوُّعِ فَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَتْ بِالتَّطَوُّعِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ لَكَانَ لَهُ مَنْعُهَا وَتَحْلِيلُهَا فَتَتَحَلَّلُ كَالْمُحْصَرِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلِلزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا دُونَهُ (وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ) أَمَّا السَّفِيهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ سَنَدٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ لِخَلِيلٍ أَوَّلَ الْبَابِ فِي إحْلَالِ الْمُمَيِّزِ لَا قَضَاءَ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَخْلُو إحْلَالُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَضْمُونٍ، فَأَمَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ
[ ٤ / ٣٠٦ ]
تَقْضِيَ غَيْرَهَا. وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَتَقْضِيهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَا تَقْضِي أَيْضًا النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَأَمَّا النَّذْرُ الْمَضْمُونُ فَتَقْضِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا. انْتَهَى مِنْ اللَّخْمِيِّ، اُنْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.
(كَالْعَبْدِ) . اللَّخْمِيِّ: إذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُحِلَّهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مَا لَمْ يُحْرِمْ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَحَلَّهُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَعْتَقَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: لَا قَضَاءَ وَهُوَ أَبْيَنُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلًا اُنْظُرْهُ فِيهِ (وَأَثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا كُلِّهِ.
(كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ) اللَّخْمِيِّ:
[ ٤ / ٣٠٧ ]
إنْ أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا فَإِنْ كَانَ إحْرَامُهَا بَعِيدًا مِنْ الْمِيقَاتِ وَعَلَى بُعْدٍ مِنْ وَقْتِ الْحَجِّ كَانَ لَهُ أَنْ يُحِلَّهَا إذَا كَانَتْ لَهُ إلَيْهَا حَاجَةٌ (وَإِلَّا فَلَا) . اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَقَدْ قَرُبَ الْحَجُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحِلَّهَا (إنْ دَخَلَ) قَالَ سَنَدٌ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ. وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ - ﵀ -: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَأَحْرَمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ الْمَنْعُ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ.
(وَلِلْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ رَدُّهُ لَا تَحْلِيلُهُ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْإِحْرَامِ فَأَحْرَمَ ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَهُ فَأَجَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي
[ ٤ / ٣٠٨ ]
الْمُدَوَّنَةِ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِمُشْتَرِيهِ قَالَ: وَلَيْسَ لِمُبْتَاعِهِ تَحْلِيلُهُ وَلَهُ رَدُّهُ بِهِ إنْ جَهِلَهُ مَا لَمْ يَقْرُبْ إحْلَالُهُ (وَإِنْ أَذِنَ فَأَفْسَدَ لَمْ يَلْزَمْهُ إذْنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ) . ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ. زَادَ الْقَرَافِيُّ: لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ثَانِيَةٌ. مُحَمَّدٌ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
(وَمَا لَزِمَهُ عَنْ خَطَأٍ أَوْ ضَرُورَةٍ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِخْرَاجِ وَإِلَّا صَامَ بِلَا مَنْعٍ وَإِنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ) فِي الْجَوَاهِرِ: مَا لَزِمَهُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ خَطَأً أَوْ فِدْيَةً لِإِمَاطَةِ أَذًى مِنْ ضَرُورَةٍ أَوْ فَوَاتِ حَجٍّ أَوْ بِغَيْرِ عَمْدٍ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا صَامَ وَلَا يَمْنَعُهُ الصِّيَامُ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ، وَمَا أَصَابَهُ عَمْدًا فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الصِّيَامِ وَالضَّارِّ بِهِ فِي عَمَلِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ إذْنِ السَّيِّدِ. انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
(بَابُ الذَّكَاةِ قَطْعُ مُمَيِّزٍ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَعَرَفَهُ، وَكَذَلِكَ ذَبِيحَةُ الْمَرْأَةِ تُؤْكَلُ وَإِنْ ذُبِحَتْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَغْلَفِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْأَخْرَسِ، وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّارِقِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ لَا عَيْنُ الذَّبْحِ. ابْنُ شَاسٍ: وَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ ذَكَاةِ مَنْ لَا يُصَلِّي. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ إذْ لَا يُصَدَّقُ وَيَأْكُلُهَا هُوَ وَحْدَهُ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ جَوَازِهِمْ أَكْلَ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَمَنْ لَا يُصَلِّي. وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَصَّابِ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ مَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ إذَا قَالَ هَذِهِ ذَكِيَّةٌ صُدِّقَ قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا: إنَّ الصَّبِيَّ وَالْأُنْثَى وَالْكَافِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالِاسْتِئْذَانِ.
(يُنَاكِحُ) فِيهَا لِمَالِكٍ: ذَكَاةُ رِجَالِ الْكِتَابَيْنِ ذِمِّيِّهِمْ وَحَرْبِيِّهِمْ جَائِزَةٌ فَسَوَّى بَيْنَهُمْ. ابْنُ الْقَاسِمِ: نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ مُطِيقِي الذَّبْحِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ النَّصْرَانِيِّ الْعَرَبِيِّ وَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ إذَا تَنَصَّرَ.
(تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَتَمَامُ الذَّبْحِ إفْرَاءُ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْمَرِيءُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْحُلْقُومِ فَهُوَ الْعِرَاقُ الْأَحْمَرُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ شَيْئًا. ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَطْعِ الْمَرِيءِ. الْكَافِي: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْغَلْصَمَةُ إلَى الرَّأْسِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلَا بَأْسَ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْفَتْوَى بِتُونِسَ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ بِجَوَازِ أَكْلِ الْمُغَلْصَمَةِ وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي أَشْيَاخُنَا أَيْضًا.
(مِنْ الْمُقَدَّمِ) سَمِعَ أَشْهَبُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ دِيَكَةٍ لَهُ أَنْ تُسَمَّنَ حَتَّى إذَا امْتَلَأْنَ شَحْمًا أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا فَذَبَحَهَا مِنْ أَقْفِيَتِهَا فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا تُؤْكَلُ. قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتَرَى مَا قَالَ سَعِيدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا تُؤْكَلُ وَأَرَى أَنْ تُطْرَحَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ مَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا قَدْ قَطَعَ النُّخَاعَ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ الذَّبْحِ فَيَكُونُ بِفِعْلِهِ قَدْ قَتَلَ الْبَهِيمَةَ بِقَطْعِهِ نُخَاعَهَا إذْ هُوَ مَقْتَلٌ مِنْ مَقَاتِلِهَا قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ ثُمَّ لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ فِي مَرِّهَا عَلَى الْوَدَجَيْنِ إذْ لَيْسَتْ بِحَادَّةٍ فَقَلَّبَهَا وَقَطَعَ الْأَوْدَاجَ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ فَلَا تُؤْكَلُ (بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنْ رَفَعَ يَدَهُ ثُمَّ أَعَادَهَا فَإِنْ كَانَ حِينَ رَفَعَ يَدَهُ لَوْ تُرِكَتْ الذَّبِيحَةُ لَعَاشَتْ وَعَادَ وَأَتَمَّ الذَّكَاةَ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ وَكَأَنَّهُ الْآنَ ابْتَدَأَ ذَكَاتَهَا، وَإِنْ كَانَ حِينَ رَفَعَ
[ ٤ / ٣١٠ ]
يَدَهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ تَعِشْ إذْ قَدْ أَنْفَدَ الْمَقَاتِلَ فَلَا تُؤْكَلُ وَتَصِيرُ مِثْلَ الْمُتَرَدِّيَةِ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: إنْ رَجَعَ فِي فَوْرِ الذَّبْحِ وَأَجْهَزَ صَحَّتْ الذَّكَاةُ كَمَنْ سَلَّمَ سَاهِيًا وَرَجَعَ بِالْقُرْبِ وَأَصْلَحَ.
ابْنُ أَبِي يَحْيَى: وَهَذَا مَعَ الِاخْتِيَارِ، أَمَّا إذَا وَقَعَتْ السِّكِّينُ مِنْ يَدِهِ أَوْ كَانَتْ لَا تَقْطَعُ فَأَتَى بِأُخْرَى بِالْقُرْبِ فَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إبْقَاءِ السِّكِّينِ عَلَى الْمَذْبَحِ إذَا لَمْ يُمِرَّهَا وَبَيْنَ رَفْعِهَا لِأَنَّ الْمُرَاعَى الذَّبْحُ لَا إبْقَاءُ السِّكِّينِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَلَاقٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَايَا رَجُلٌ فَوَضَعَ رَجُلُ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ فَذَبَحَهَا أَوْ رَفَعَ الْأَوَّلُ يَدَهُ لَا فَرْقَ. وَانْظُرْ هَلْ يَحْتَاجُ الثَّانِي إلَى التَّسْمِيَةِ وَالنِّيَّةِ أَمْ لَا؟ وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَلَزِمَ بِشَعْرِك طَالِقٌ ".
وَقَالَ التُّونِسِيُّ: اُنْظُرْ لَوْ غَلَبَتْهُ قَبْلَ تَمَامِ الذَّكَاةِ فَقَامَتْ ثُمَّ أَضْجَعَهَا وَأَتَمَّ الذَّكَاةَ وَكَانَ أَمْرًا قَرِيبًا. ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْعَطَّارِ: تُؤْكَلُ وَنَزَلَتْ أَيَّامَ قَضَاءِ ابْنِ قِدَاحٍ فِي ثَوْرٍ وَحَكَمَ بِأَكْلِهِ وَبَيَانُ بَائِعِهِ ذَلِكَ وَكَانَ مَسَافَةُ هُرُوبِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ بَاعٍ.
(وَفِي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ) اللَّبَّةُ هِيَ الْحُفْرَةُ الَّتِي فِي الصَّدْرِ فِي أَصْلِ الْعُنُقِ. اللَّخْمِيِّ: وَيُجْزِئُ مِنْ النَّحْرِ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومَ كَمَا قَالُوا فِي الذَّبْحِ. قِيلَ: لِأَنَّ مِنْ اللَّبَّةِ تَصِيرُ الْآلَةُ إلَى الْقَلْبِ. ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَلَا يَكْتَفِي بِالطَّعْنِ فِي الْحُلْقُومِ دُونَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا مِنْ الْأَوْدَاجِ وَيُجْزِئُ مِنْهُ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ: وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومَ كَمَا قَالُوا فِي الذَّبْحِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ اشْتِرَاطُ قَطْعِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّبْحِ.
[ ٤ / ٣١١ ]
(وَشُهِرَ أَيْضًا الِاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ) . الْبَاجِيُّ: الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ. رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا أَجْهَزَ عَنْ الْأَوْدَاجِ وَنِصْفِ الْحُلْقُومِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَالْوَدَجَيْنِ) . ابْنُ رُفَيْعٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ إذَا قَطَعَ نِصْفَ الْوَدَجِ أَنْهَرَ الدَّمَ. الْهَرَوِيَّ: فَرْيُ الْأَوْدَاجِ تَشْقِيقُهَا وَإِخْرَاجُ مَا فِيهَا مِنْ الدَّمِ. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَسْتَأْصِلْ الْقَطْعُ وَقُطِعَ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا قَطَعَ الْأَوْدَاجَ وَنِصْفَ الْحُلْقُومِ فَأَكْثَرَ أُكِلَتْ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ أَقَلَّ لَمْ تُؤْكَلْ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ: فِي الدَّجَاجَةِ وَالْعُصْفُورِ إذَا أُجْهِزَ عَلَى أَوْدَاجِهِ وَنِصْفِ حَلْقِهِ وَلَبَّتِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُحِلُّ حَتَّى يَحْتَزَّ الْحُلْقُومَ. انْتَهَى نَقْلُهُ. فَانْظُرْ جَعْلَ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ إذَا قُطِعَ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَمْ يَنُصَّ إلَّا عَلَى حُكْمِ الْحُلْقُومِ. عِيَاضٌ: فِي جَوَازِهَا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ مَعَ أَحَدِ الْوَدَجَيْنِ قَوْلَا مَالِكٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ بَقِيَ يَسِيرُ الْأَوْدَاجِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَالرِّسَالَةُ مَعَهَا. وَنَصُّ ابْنِ شَعْبَانَ: وَالشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ. لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَا تَحْرُمُ اُنْظُرْ كَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ بَقَاءُ وَدَجٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ قَطَعَ الْمَرِيءَ وَالْوَدَجَ الْآخَرَ وَالْحُلْقُومَ
[ ٤ / ٣١٦ ]
لَكَانَتْ ذَكِيَّةً عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قَوْلَةٍ لِمَالِكٍ حَكَاهَا عِيَاضٌ. اُنْظُرْ مِنْهَاجَ الْمُحَدِّثِينَ فِي الضَّحَايَا.
(وَإِنْ سَامِرِيًّا) مُحَمَّدٌ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّامِرِيِّ صِنْفٌ مِنْ الْيَهُودِ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ (أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " يُنَاكِحُ ". (وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ قِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّ الْيَهُودِيَّ يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ فَيُطْعِمُك مِنْ ذَبِيحَتِهِ فَإِذَا ذَبَحْت أَنْتَ لِنَفْسِك لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا وَيَقُولُ إنْ أَرَدْت أَنْ آكُلَ فَهَاتِ حَتَّى أَذْبَحَهُ أَنَا، أَفَتَرَى أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا أَرَى ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ مَا ذَبَحُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا أَنْ نُوَلِّيَهُمْ ذَبْحَ شَيْءٍ نَمْلِكُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ ذَبَائِحَنَا فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَفْعَلَهُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الشَّاةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ لَمْ يَنْبَغِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ ذَبْحِهَا. سَمِعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(مُسْتَحِلَّهُ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا ذَبَحَهُ الْيَهُودُ مِمَّا لَا يَسْتَحِلُّونَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَمِنْهُ كُلُّ ذِي ظُفْرٍ الْإِبِلُ وَحُمْرُ الْوَحْشِ وَالنَّعَمُ وَالْإِوَزُّ وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الظِّلْفِ وَلَا مُنْفَرِجِ الْقَائِمَةِ وَشُحُومُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الشَّحْمُ الْخَالِصُ كَالثَّرْبِ وَالْكِسَاءِ وَهُوَ شَحْمُ الْكِلَاءِ وَمَا لَصِقَ بِالْقُطْنَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الشَّحْمِ الْمَحْضِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا لَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ مِثْلَ الطَّرِيفَةِ فَمَكْرُوهٌ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَفِيهَا: مَا ذَبَحَهُ الْيَهُودُ مِنْ الْغَنَمِ فَأَصَابُوهُ فَاسِدًا عِنْدَهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَهُ لِأَجْلِ الدِّيَةِ وَشَبَهِهَا الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا فِي دِينِهِمْ، فَمَرَّةً كَانَ
[ ٤ / ٣١٧ ]
مَالِكٌ يُجِيزُ أَكْلَهَا ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَكْرَهُهُ وَيَقُولُ لَا يُؤْكَلُ. اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّرِيقَةِ بِالْإِجَازَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَثَبَتَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ إنْ لَمْ يَغِبْ) رَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ عَرَفَ أَكْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَيْتَةَ لَمْ يَأْكُلْ مَا غَابَ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَذَا نَقَلُوهُ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ أَكْلِهِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ نِيَّةِ الذَّكَاةِ.
(لَا صَبِيٌّ ارْتَدَّ) فِيهَا لِمَالِكٍ: إذَا ارْتَدَّ الْغُلَامُ إلَى أَيِّ دَيْنٍ كَانَ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ.
(وَذَبْحٌ لِصَنَمٍ) فِيهَا: كَرِهَ مَالِكٌ أَكْلُ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِكَنَائِسِهِمْ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ مَا سَمَّوْا عَلَيْهِ الْمَسِيحَ وَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَلَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَكْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِالْمُحَرَّمِ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ (أَوْ غَيْرُ حِلٍّ لَهُ إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا وَإِلَّا كُرِهَ) . اللَّخْمِيِّ: قَالَ أَشْهَبُ: كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا بِكِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلَى ﴿شُحُومَهُمَا﴾ الْآيَةُ. فَلَا يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ هَذَا وَلَا هَذَا ثُمَّ قَالَ: إنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بَاقٍ وَأَنَّ هَذِهِ الذَّكَاةَ لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهَا ذَكَاةٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِابْنِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " مُسْتَحِلَّهُ ".
(كَجِزَارَتِهِ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: الْحَرْبِيُّونَ وَمَنْ عِنْدَنَا مِنْ الذِّمِّيِّينَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَمَالِكٌ يَكْرَهُ ذَبَائِحَهُمْ كُلَّهُمْ وَالشِّرَاءَ مِنْ مَجَازِرِهِمْ وَلَا يَرَاهُ حَرَامًا، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ أَنْ لَا يَكُونُوا جَزَّارِينَ وَلَا صَيَارِفَةَ فِي الْأَسْوَاقِ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَدْ كَانَ مَنْ مَضَى يَخْتَارُونَ لِذَبَائِحِهِمْ أَهْلَ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ (وَبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ لِعَبْدِهِ) سَيَأْتِي
[ ٤ / ٣١٨ ]
الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِجَارَةٍ لِعَبْدٍ كَافِرٍ وَشِرَاءِ ذَبْحِهِ ". الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ أَكْلِ الطَّرِيقَةِ وَهِيَ فَاسِدَةُ ذَبِيحَةِ الْيَهُودِ. اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّرِيقَةِ بِالْإِجَازَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَثَبَتَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ بَيْعٍ بِهِ لَا أَخْذِهِ قَضَاءً) . فِيهَا لِمَالِكٍ: إذَا بَاعَ الذِّمِّيُّ خَمْرًا بِدِينَارٍ كَرِهْت لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَسَلَّفَهُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعَهُ بِهِ شَيْئًا أَوْ يَأْخُذَهُ هِبَةً أَوْ يُعْطِيَهُ فِيهِ دَرَاهِمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ ابْتَاعَهُ الذِّمِّيُّ بِذَلِكَ الدِّينَارِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامُ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَبِيعُ الْخَمْرَ لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ أَكْلَهُمْ وَتَصَرُّفَهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ذَلِكَ الدِّينَارَ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
(وَشَحْمِ يَهُودِيٍّ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: شُحُومُ الْيَهُودِ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، اللَّخْمِيِّ: الِاخْتِلَافُ فِي ذِي ظُفُرٍ كَالِاخْتِلَافِ فِي الشُّحُومِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الشَّحْمُ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ.
(وَذَبْحٍ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى) . الْبَاجِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوا لِلْكَنَائِسِ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِجِبْرِيلَ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ. زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالصَّلِيبُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. وَأَمَّا مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ فَمُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . ابْنُ حَبِيبٍ: فِي أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِكَنِيسَةٍ فَيُبَاعُ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ شِرَاؤُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَرَائِعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَمُسْلِمٌ يَشْتَرِي مُسْلِمَ سَوْءٍ.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ: لَا يَنْبَغِي الذَّبْحُ لِعَوَامِرِ الْجَانِّ لِنَهْيِهِ - ﷺ - عَنْ الذَّبْحِ لِلْجَانِّ. ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ قَصَدَ بِهِ اخْتِصَاصَهَا بِانْتِفَاعِهَا بِالْمَذْبُوحِ كُرِهَ، وَإِنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ بِهِ إلَيْهَا حَرُمَ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا كَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوهُ لِجِبْرِيلَ. وَمِنْ شَرْحِ سَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ - ﵀ - يَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا يَعْمَلُهُ الْمَحْمُومُ مِنْ طَعَامٍ وَيَضَعُهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَيُسَمِّيهِ ضِيَافَةَ الْجَانِّ.
وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُهْدِيَ لِلنَّصْرَانِيِّ فِي عِيدِهِ مُكَافَأَةً لَهُ وَنَحْوُهُ إعْطَاءُ الْيَهُودِيِّ وَرَقَ النَّخِيلِ لِعِيدِهِ.
(وَقَبُولُ مُتَصَدِّقٍ بِهِ كَذَلِكَ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الطَّعَامِ يَتَصَدَّقُ بِهِ النَّصْرَانِيُّ عَنْ مَوْتَاهُ: يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ قَبُولُهُ قَالَ: لِأَنَّهُ يُعْمَلُ تَعْظِيمًا لِشِرْكِهِمْ.
(وَذَكَاةِ خُنْثَى وَخَصِيٍّ وَفَاسِقٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: الَّتِي تُكْرَهُ ذَبَائِحُهُمْ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى وَالْخَصِيُّ وَالْأَغْلَفُ وَالْفَاسِقُ، وَإِنْ كَانَ السَّكْرَانُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ لَمْ يُمْنَعْ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ لِلشَّكِّ فِي نِيَّةِ الذَّكَاةِ وَلَا يُصَدِّقُ نَفْسَهُ وَيَنْوِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَذَبَحَهَا بِيَدِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ " (قَوْلَانِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُمَكِّنَ
[ ٤ / ٣١٩ ]
ذَبِيحَتَهُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَإِنْ كَانَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ فَعَلَ أُكِلَتْ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ ".
(وَجُرْحُ مُسْلِمٍ) فِيهَا لِمَالِكٍ: ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ تُؤْكَلُ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَعَرَفَهُ وَكَذَلِكَ صَيْدُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى صَيْدَهُمَا مِثْلَ ذَبَائِحِهِمَا، وَأَرَى أَنْ لَا يُؤْكَلَ صَيْدُهُمَا. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: مَعْنَاهُ ذَبَائِحُهُمْ. وَرَشَّحَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَ صَيْدِ الْكِتَابِيِّ بِأَنَّهَا ذَكَاةٌ كُلُّهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ تَذْكِيَتِهِمْ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ. اُنْظُرْ مَا عَقَرُوهُ مِنْ الْإِنْسِيِّ وَقَالُوا: إنَّهُ ذَكِيٌّ عِنْدَهُمْ، كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ إنَّا لَا نَسْتَبِيحُ الْوَحْشِيَّ بِعُقْرِهِمْ فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى الْإِنْسِيُّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِبَاحَةِ عَلَّلَهُ اللَّخْمِيِّ بِأَنَّهُ ذَكَاةٌ عِنْدَنَا، وَعَقْرُهُمْ الْإِنْسِيَّ لَيْسَ بِذَكَاةٍ عِنْدَنَا فَلَا نَسْتَبِيحُهُ بِذَلِكَ. فَمَا وَقَعَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ هَفْوَةٌ وَقَدْ اتَّبَعَ الْفُقَهَاءُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ.
(مُمَيِّزٌ) رَوَى مُحَمَّدٌ:
[ ٤ / ٣٢٠ ]
لَا يُؤْكَلُ صَيْدُ سَكْرَانَ وَلَا مَجْنُونٍ. فِيهَا: وَلَا صَبِيٌّ لَا يَعْقِلُ. ابْنُ حَبِيبٍ: أَكْرَهُ صَيْدَ الْجَاهِلِ بِحُدُودِ الصَّيْدِ غَيْرِ مُتَحَرٍّ صَوَابَهُ.
(وَحْشِيًّا) فِيهَا لِمَالِكٍ: مَا نَدَّ مِنْ الْأَنْعَامِ الْإِنْسِيَّةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةِ الْإِنْسِيَّةِ.
(وَإِنْ تَأَنَّسَ) فِيهَا لِمَالِكٍ: مَا دَجَنَ مِنْ الْوَحْشِ ثُمَّ نَدَّ وَاسْتَوْحَشَ فَإِنَّهُ يُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الصَّيْدُ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: حَمَامُ الْبُيُوتِ وَالْبِرَكِ وَالْإِوَزُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهَا وَحْشِيَّةٌ وَلَا أَرَى هَذَا فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ إذْ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوَحْشِيَّةِ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْقِرَ عَقْرًا لَا يَبْلُغُ مَقْتَلًا وَتُعَرْقَبُ ثُمَّ تُذَكَّى. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَهِيَ عِنْدِي لَهَا أَصْلٌ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَإِذَا اسْتَوْحَشَتْ حَلَّتْ عِنْدِي بِالصَّيْدِ.
(عَجَزَ عَنْهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَحْشِيُّ يَتَأَنَّسُ كَالنَّعَمِ. وَكَذَا لَوْ عَجَزَ أَوْ حَلَّ بَعْدَ الْإِرْسَالِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَفِيهَا لِمَالِكٍ: مَنْ رَأَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ أَسِيرًا كَالشَّاةِ لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَيَضْمَنُ الَّذِي رَمَاهُ فَقَتَلَهُ لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ يُرِيدُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا.
(إلَّا بِعُسْرٍ) . أَصْبَغُ إنْ كَانَ الْوَكْرُ فِي شَاهِقَةِ جَبَلٍ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ يَكُونُ فِيهَا فِرَاخُ الطَّيْرِ لَا يُوجَدُ سَبِيلٌ إلَى إنْزَالِهَا عَلَى حَالٍ أَوْ لَعَلَّهُ يُطَاقُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ فِي ذَلِكَ الْعَطَبَ وَالْعَنَتَ، فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهَا بَازَهُ وَيَأْكُلَهَا وَإِنْ قَتَلَهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ يُنَالُ بِالطُّلُوعِ إلَيْهَا وَالِاحْتِيَالِ إلَيْهَا فَتَقَعُ بِالْأَرْضِ فَتُؤْخَذُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ مَأْسُورَةٌ مَمْلُوكَةٌ لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ، فَإِنْ أَرْسَلَ بَازَهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا لَمْ
[ ٤ / ٣٢١ ]
يَأْكُلْهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا. (لَا نَعَمٍ شَرَدَ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: مَا نَدَّ مِنْ الْأَنْعَامِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ.
(أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: مَا اضْطَرَّهُ الْجَارِحُ لِحُفْرَةٍ لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا أَوْ انْكَسَرَ رِجْلُهُ فَكَنَعَمٍ. مُحَمَّدٌ: وَكَذَا مَا بِجَزِيرَةٍ صَغِيرَةٍ يَتَأَتَّى أَخْذُهُ مِنْهَا.
(بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ) التَّلْقِينُ: كُلُّ مَا جَرَحَ مِنْ السِّلَاحِ فَالِاصْطِيَادُ، بِهِ جَائِزٌ مِنْ سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَسِكِّينٍ وَسَهْمٍ وَمِعْرَاضٍ أَصَابَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ. عِيَاضٌ: الْمِعْرَاضُ عَصًا فِي طَرَفَيْهَا حَدِيدَةٌ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ إلَّا مَا خَرَقَ بِحَدِّهِ.
وَفِيهَا: مَا جَرَحَهُ حَدُّ مِعْرَاضٍ أَوْ عَصًا أَوْ عُودٌ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلًا فَمَاتَ أُكِلَ كَالسَّهْمِ. ابْنُ يُونُسَ: الْمِعْرَاضُ خَشَبَةٌ فِي رَأْسَهَا كَالزَّجِّ.
(وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ) التَّلْقِينُ: شَرْطُ الْجَارِحِ الْمَصِيدِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: مَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ
[ ٤ / ٣٢٢ ]
لَمْ يُؤْكَلْ مَا صَادَ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ فَيُذَكِّيهِ.
(بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَإِذَا أَثَارَ الرَّجُلُ صَيْدًا فَأَشْلَى عَلَيْهِ كَلْبَهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ فَانْشَلَى عَلَيْهِ وَصَادَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ مِنْ يَدِهِ فَلْيَأْكُلْ مَا صَادَهُ. ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُطْلِقَهُ مِنْ يَدِهِ مُرْسِلًا لَهُ مُشْلِيًا، وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: وَلَوْ ابْتَدَأَ الْكَلْبُ طَلَبَهُ أَوْ أَفْلَتَهُ مِنْ يَدِهِ مُرْسَلًا ثُمَّ أَشْلَاهُ رَبُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ قَبْلَ إنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ، لِأَنَّ الْكَلْبَ خَرِجَ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْإِرْسَالَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الذَّكَاةِ النِّيَّةَ فَإِرْسَالُ الْكَلْبِ كَنِيَّةِ الذَّابِحِ.
الْبَاجِيُّ: إذَا انْشَلَى الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ عَلَى الصَّيْدِ ثُمَّ أَعَانَهُ الصَّائِدُ بِالْإِشْلَاءِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤْكَلُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ. وَوَجَّهَهُ أَنَّهُ بِإِشْلَائِهِ تَمَادَى فَوَجَبَ أَنْ يَطْرَحَ مَا كَانَ مِنْ جَرْيِهِ قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَبِهَذَا كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ يُفْتِي وَيَنْقُلُ نَصَّ ابْنِ رُشْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَبْسُوطِ لِيَحْيَى قَالَ: وَكَيْفَ يُبْتَغَى الصَّيْدُ إلَّا هَكَذَا.
يُخْرِجُ كِلَابَهُ مَعَهُ فَإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَ الصَّيْدِ وَمَظَانَّهُ أَرْسَلَهَا فِيهِ لِلطَّلَبِ وَتَدْخُلُ الْغِيَاضَ وَالشَّجَرَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُشْلِيهَا وَيَحُضُّهَا أَوْ يَأْمُرُهَا، فَإِذَا أَثَارَتْ الصَّيْدَ أَشْلَاهَا عَلَيْهِ فَطَلَبَتْهُ. فَإِنْ قُلْتَ: طَابَ أَكْلُهُ وَحَلَّ وَهَذَا نَاحِيَةُ قَوْلِ مَالِكٍ عِنْدَنَا وَتَأْوِيلُهُ وَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ وَنَرَاهُ، وَهَذَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ عَلَى الْإِشْلَاءِ وَالطَّلَبِ فِي مَظَانِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَجَازَ أَصْبَغُ كُلَّ مَا يَبْتَدِئُ الْكَلْبُ طَلَبَهُ إذَا اتَّبَعَ رَبَّهُ بِالْإِشْلَاءِ وَالتَّحْرِيضِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَصَدَرَتْ مِنِّي فُتْيَا بِأَنْ قُلْت: الَّذِي أَتَحَمَّلُ عُهْدَتَهُ فِي الْكَلْبِ إذَا أَنْفَذَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ أَنْ أَقُولَ لِصَاحِبِهِ: هَلْ رَأَيْتَ كَلْبَكَ حِينَ رَأَى هَذَا الصَّيْدَ وَصَوَّبَ إلَيْهِ وَدَعْ كُنْتَ أَنْتَ غَائِبًا عَنْ الصَّيْدِ. فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ لَهُ: فَصِحْتَ أَنْتَ عَلَى الْكَلْبِ حِينَئِذٍ وَزِدْتَهُ إغْرَاءً وَسَمِعَكَ. فَإِنْ قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: فَسَمَّيْتَ اللَّهَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا أَنَّ الْكَلْبَ إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ وَسَمَّى اللَّهَ فَشَمَّ كَلْبًا آخَرَ أَوْ جِيفَةً فِي طَرِيقِهِ أَنَّ هَذَا الْإِرْسَالَ قَدْ بَطَلَ وَيَحْتَاجُ لِإِرْسَالٍ آخَرَ وَتَسْمِيَةٍ أُخْرَى. فَإِنْ قَالَ لِي نَعَمْ، فَأَقُول لَهُ: هَذَا الصَّيْدُ ذَكِيٌّ وَدَعْكَ لَمْ تُرْسِلْ الْكَلْبَ مِنْ يَدِكَ وَلَا رَأَيْتَ الصَّيْدَ، فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَالصَّيْدُ غَيْرُ ذَكِيٍّ إلَّا التَّسْمِيَةَ سَهْوًا فَالْأَمْرُ فِيهَا قَرِيبٌ.
(بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ) فِيهَا: وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فَطَلَبَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الطَّلَبِ ثُمَّ عَادَ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ
[ ٤ / ٣٢٣ ]
كَانَ كَالطَّالِبِ لَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا أَوْ عَطَفَ وَهُوَ عَلَى طَلَبِهِ فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ إرْسَالِهِ، وَإِنْ وَقَفَ لِأَكْلِ الْجِيفَةِ أَوْ شَمَّ كَلْبًا أَوْ سَقَطَ الْبَازِي عَجْزًا عَنْهُ ثُمَّ رَأَيَاهُ فَاصْطَادَهُ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُؤْتَنَفٍ.
(وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةِ صَيْدٍ وَلَمْ يُرِدْ وَاحِدًا مِنْهَا دُونَ الْآخَرِ فَأَخَذَهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا أَكَلَ مَا أَخَذَ مِنْهَا. اللَّخْمِيِّ: الْمُرْسَلُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ إنْ نَوَى مُعَيَّنًا فَغَيْرُهُ كَنَعَمْ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَالثَّانِي كَنَعَمْ، فَلَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُمَا فَكِلَاهُمَا كَنَعَمْ، وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بِسَهْمٍ أَكَلَهَا. ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَمَالِكٌ: وَكَذَا بِغَيْرِهِ.
(أَوْ أَكَلَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ عَدَمِ أَكْلِهِ طُرُقٌ، الْأَكْثَرُ لَغْوُهُ. ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّيْرِ اتِّفَاقًا وَالْكَلْبُ الْمَعْرُوفُ مِثْلُهُ.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ أَكْثَرَهُ فَلْيَأْكُلْ بَقِيَّتَهُ مَا لَمْ يَبِتْ وَهُوَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كُلِّ مَا أَخَذَ فَهُوَ مُعَلَّمٌ.
(أَوْ لَمْ يَرَ بِغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ: مَا بَغِيضَةٍ أَوْ غَارٍ أَوْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ إنْ كَانَ بِهَا صَيْدٌ يُحِلُّ بِقَتْلِهِ. الْبَاجِيُّ: مَا لَا يَخْتَلِطُ بِهِ غَيْرُهُ كَالْغَارِ الْمَشْهُورُ أَكْلُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ اضْطَرَبَ الْبَازِي عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ عَلَى شَيْءٍ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ صَاحِبُهُ فَأَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ يَنْوِي مَا صَادَهُ كَانَ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ لَا كُلُّ مَا صَادَهُ عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ الصَّيْدِ وَيَنْوِي إنْ كَانَ وَرَاءَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى لَمْ يَرَهَا فَيَأْخُذُ مِمَّا لَمْ يَرَ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ، وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ رَأَى كَلْبَهُ يُحِدُّ النَّظَرَ وَكَالْمُلْتَفِتِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَأَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ لَمْ يَرَهُ فَلْيَأْكُلْ مَا أَخَذَ، وَهُوَ كَإِرْسَالِهِ فِي الْغِيَاضِ وَالْغَيْرَانِ لَا
[ ٤ / ٣٢٤ ]
يَدْرِي مَا فِيهَا، عَرَفَ أَنَّ فِيهَا صَيْدًا أَوْ لَمْ يَعْرِفْ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَظْهَرُ. (أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنْ الْمُبَاحِ) . ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ رَآهُ أَوْ نَوَاهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ كَفَى. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
(أَوْ ظَهَرَ خِلَافُهُ) . ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ رَمَى إبِلًا فَوَجَدَ بَقَرَةَ وَحْشٍ فَفِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ الْجَوَازَ وَصَوَّبَهُ التُّونِسِيُّ قَالَ: وَانْظُرْ لَوْ أَرَادَ ذَبْحَ كَبْشٍ فَذَبَحَهُ فَإِذَا هُوَ نَعْجَةٌ وَالْأَصْوَبُ أَكْلُهُ.
(لَا إنْ ظَنَّهُ حَرَامًا) فِيهَا لِمَالِكٍ: مَنْ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ أَكَلَهُ إنْ نَوَى اصْطِيَادَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ اصْطِيَادَهُ لَمْ يُؤْكَلْ. وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى صَيْدًا وَهُوَ يَظُنُّهُ سَبُعًا أَوْ خِنْزِيرًا فَأَصَابَ ظَبْيًا لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ حِينَ رَمَاهُ لَمْ يُرِدْ صَيْدَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ رَمَى سَبُعًا لِذَكَاةِ جِلْدِهِ فَإِذَا هُوَ ظَبْيٌ فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ نَقْلٌ نَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ شُيُوخِهِ وَصَوَّبَ طَرْحَهُ.
(أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: إنْ نَوَى مُعَيَّنًا فَغَيْرُهُ كَنَعَمٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ نَوَى جَمَاعَتَيْنِ فَأَصَابَ مِنْ جَمَاعَةٍ أُخْرَى غَيْرَهَا فَلَا يَأْكُلُهُ إذَا كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ.
(أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ غَيْرِهِ كَمَاءٍ
[ ٤ / ٣٢٥ ]
فَسُبِعَ أَوْ ضُرِبَ بِمَسْمُومٍ أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ) أَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ الْمَاءِ. أَبُو زَيْدٍ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ مَقَاتِلَهُ وَأَدْرَكَهُ وَقَدْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَسَهْمُهُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَصَابَ مَقَاتِلَهُ فَلَا يَقْرُبُهُ إلَّا أَنْ يُذَكِّيَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا بَيِّنٌ إنْ كَانَ مَا أَصَابَهَا بَعْدَ إنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ فَلَا يَضُرُّهُ إذْ قَدْ فَرَغَ مِنْ ذَكَاتِهَا وَهُوَ مِثْلُ مَنْ ذَبَحَ ذَبِيحَةً فَسَقَطَتْ فِي مَاءٍ فَمَاتَتْ فِيهِ أَوْ تَرَدَّتْ مِنْ جَبَلٍ أَنَّهَا تُؤْكَلُ. قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ السَّهْمِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مَاتَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَلَمْ يُنْفَذْ مَقْتَلُهُ وَلَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ طُرِحَ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
قَالَ عُمَرُ فِي كَافِيهِ: فَإِنْ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْرِيَ السُّمُّ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ خَوْفًا مِنْ أَذَى السُّمِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا أَنْفَذَ السَّهْمُ بِالسُّمِّ مَقَاتِلَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بِالْمَعْنَى مِنْ مَسْأَلَةِ الذَّبْحِ فِي الْمَاءِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَصَلَ إلَى مَذْبَحِهَا فِي الْمَاءِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا خِلَافًا لِابْنِ نَافِعٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ فَلِمَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ لَعَلَّ السَّهْمَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَأَخَافُ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ وَهَذَا عِنْدِي إذَا لَمْ يَنْفُذْ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ فَإِنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَقَدْ ذَهَبَتْ عِلَّةُ خَوْفِهِ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِهِ السُّمُّ بَقِيَتْ عِلَّةُ الْخَوْفِ عَلَى آكِلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ السَّمُومِ الَّتِي يُؤْمَنُ عَلَى آكِلِهَا كَالْبَقْلَةِ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْعِلَّتَانِ وَجَازَ أَكْلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِ ابْنِ نَافِعٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقَاتِلَهُ وَأُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ. وَنَحْوُهُ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّهُ يُؤْكَلُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِّيَ وَحَيَاتُهُ فِيهِ مُجْتَمِعَةٌ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ مَقَاتِلَهُ انْتَهَى. ابْنُ رُشْدٍ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الذَّبْحِ فِي الْمَاءِ وَالرَّمْيِ بِالسَّهْمِ الْمَسْمُومِ فَيَنْفُذُ مَقَاتِلَهُ الْمُنْخَنِقَةُ بِذَبْحٍ فِي الْمَاءِ فِي حَالِ خِنَاقِهَا وَهِيَ تَنْفُسُ وَعَيْنُهَا تَطْرِفُ انْتَهَى.
اُنْظُرْ ذَبْحَ الدِّيَكَةِ عِنْدَ خِنَاقِهَا بِالْعَجِينِ، هَلْ هُوَ مِنْ هَذَا؟ وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ دِيكٍ أُطْعِمَ الْعَجِينَ لِيَسْمَنَ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ " وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ بِنَهْشِهِ " وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إذَا أَرْسَلَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ كَلْبَيْهِمَا عَلَى صَيْدٍ فَتَعَاوَنَا أَوْ لَمْ يَتَعَاوَنَا فَلَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا سَبَقَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ قَتَلَهُ وَلَمْ يُمْسِكْهُ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ أَكَلَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ إمْسَاكِهِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ أَكَلَ، وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ لَوْ ذَبَحَ أَحَدُهُمَا بِسِكِّينِ الْآخَرِ.
(أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ يَضْطَرِبُ وَقَدْ أَنْفَدَتْ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ فَأَحْسَنُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَفْرِيَ أَوْدَاجَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ أَكَلَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْكَلْبَ وَالْبَازَ عَلَى صَيْدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ التَّفْرِيطُ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ بِنَفْسِهِ فَلْيَأْكُلْهُ،
[ ٤ / ٣٢٦ ]
وَلَوْ كَانَ إنْ شَاءَ عَزَلَهُ عَنْهُ عَزَلَهُ وَذَكَّاهُ فَلَمْ يَعْزِلْهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْ الْكَلْبِ إلَّا أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يُذَكِّيَهُ تَحْتَهُ فَلْيُذَكِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ قَالَ: وَلَوْ قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْ الْكِلَابِ فَذَكَّاهُ وَهُوَ فِي أَفْوَاهِهَا تَنْهَشُهُ فَلَا يُؤْكَلُ إذْ لَعَلَّهُ مِنْ نَهْشِهَا مَاتَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ ذَكَّاهُ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ قَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ هِيَ مَقْتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ (أَوْ أَغْرَى فِي الْوَسَطِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ ".
(أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ تَوَارَى عَنْهُ كَلْبُهُ وَالصَّيْدُ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ عَادَ فَأَصَابَهُ مِنْ يَوْمِهِ لَمْ يُؤْكَلْ لِاحْتِمَالِ إدْرَاكِ ذَكَاتِهِ لَوْ تَبِعَهُ. اللَّخْمِيِّ: هَذَا إنْ وَجَدَهُ غَيْرَ مَنْفُوذٍ وَلَوْ وَجَدَهُ مَنْفُوذًا فَإِنْ كَانَ بِرَمْيٍ أُكِلَ، وَبِجَارِحٍ طُرِحَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَارِحَ يَقْتُلُهُ سَرِيعًا لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِ الصَّيْدِ. اللَّخْمِيِّ: وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَصَّارِ. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ فِي السَّهْمِ وَالْجَارِحِ لَوْ رَجَعَ مِنْ اتِّبَاعِهِ اخْتِيَارًا (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ فَإِنْ ذَكَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ مَقَاتِلَهُ أُكِلَ بِالذَّبْحِ لَا بِالصَّيْدِ وَإِلَّا فَلَا، إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَرَاخَى لَمْ يَعُدْ وَهَذَا يَظْهَرُ فِي السَّهْمِ.
(أَوْ حَمَلَ الْآلَةَ مَعَ غَيْرٍ أَوْ بِخُرْجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَدْرَكَهُ حَيًّا قَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ الْكِلَابُ مَقَاتِلَهُ فَاشْتَغَلَ بِإِخْرَاجِ سِكِّينٍ مِنْ خُرْجٍ أَوْ بِانْتِظَارِ مَنْ مَعَهُ مِنْ عَبْدٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى تَقْتُلَهُ الْجَوَارِحُ أَوْ يَمُوتَ وَقَدْ اعْتَزَلَتْ الْجَوَارِحُ عَنْهُ، لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَهُ حَيًّا، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُذَكِّيَهُ ذَكَّاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ السِّكِّينُ فِي حَقِّهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: أَوْ فِي حِزَامِهِ فَبَيْنَمَا يُخْرِجُهَا مِنْ الْحَقِّ وَمِنْ الْحِزَامِ مَاتَ الصَّيْدُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ حَمَلَهَا فِي مَوْضِعٍ تُحْمَلُ فِيهِ لَمْ يُفَرِّطْ وَاَلَّذِي حَمَلَهَا فِي الْخُرْجِ فَرَّطَ فَافْتَرَقَا.
(أَوْ بَاتَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَوَارَى عَنْهُ كَلْبُهُ وَالصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فِيهِ أَثَرُ كَلْبِهِ أَوْ بَازِهِ أَوْ سَهْمِهِ وَهُوَ فِيهِ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا آخِرَ النَّهَارِ مَا لَمْ يَبِتْ، فَإِنْ بَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ، وَإِنْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ الْجَوَارِحُ أَوْ سَهْمَهُ وَهُوَ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا السَّهْمُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَإِنْ بَاتَ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: قَالَ: وَقَدْ أَمِنَ عَلَيْهِ مِمَّا يَخَافُ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ السَّهْمِ قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ عَنْ مَالِكٍ ذِكْرًا فِي كُتُبِ السَّمَاعِ، وَلَا رَوَاهَا عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ نَشُكَّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَهَمَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَبِهِ أَقُولُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ الصَّوَابُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: وَقَالَهُ سَحْنُونَ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا. الْبَاجِيُّ: وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يَنْفُذْ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ، أَمَّا إنْ نَفَذَ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ بِمُشَاهَدَةِ الصَّائِدِ ثُمَّ تَحَامَلَ الصَّيْدُ وَغَابَ عَنْهُ فَقَدْ كَمَلَتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ مَغِيبُهُ وَلَا مَبِيتُهُ.
(أَوْ صَدَمَ أَوْ عَضَّ بِلَا جُرْحٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا طَلَبَ الْجَارِحُ صَيْدًا فَمَاتَ ابْنُهَا أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَمْ يُؤْكَلْ كَالْمَوْقُوذَةِ، وَلَوْ أَخَذَتْهُ الْكِلَابُ فَقَتَلَهُ بِالْعَضِّ وَالرَّضِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ تُنْبِيهِ أَوْ تُدْمِهِ لَمْ يُؤْكَلْ
[ ٤ / ٣٢٧ ]
كَالْمَوْقُوذَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ أَدْمَتْهُ وَلَوْ فِي أُذُنِهِ أُكِلَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الصَّيْدُ بِصَدْمِهَا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبْتَ الصَّيْدَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَقْطَعْ فِيهِ لَمْ يُؤْكَلْ كَالْعَصَا وَهَذَا كُلُّهُ مَوْقُوذًا (أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ لَمْ يَرَ بِغَارٍ " لَكِنْ قَالَ الْبَاجِيُّ: الْإِرْسَالُ عَلَى غَيْرِ تَعْيِينٍ، مِثْلُ أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى كُلِّ صَيْدٍ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
(أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلٍ وَقَتْلٍ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ ثُمَّ أَمَدَّهُ بِآخَرَ بَعْدَ أَنْ فَارَقَهُ الْأَوَّلُ فَقَتَلَاهُ أَوْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا فَأَكْلُهُ جَائِزٌ. اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ قَتَلَهُ الثَّانِي وَكَانَ إرْسَالُهُ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَهُ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ.
(أَوْ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلَمْ يَرَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرِبُ وَغَيْرُهُ فَتَأْوِيلَانِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْبَازِي يَضْطَرِبُ عَلَى شَيْءٍ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ صَاحِبُهُ فَيُرْسِلُهُ لَا أُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مَا صَادَ إلَّا أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: فَلَوْ نَوَى مَا صَادَ كَانَ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ لَا كُلَّ مَا صَادَ رَاجِعْ مَا قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَمْ يَرَ بِغَارٍ ".
(وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ رَمَى صَيْدًا لِيُنَفِّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ لَا لِصَيْدٍ فَكَنَعَمٍ وَنَحْوُهُ سَمْعُ ابْنِ وَهْبٍ.
(وَتَسْمِيَةٌ إنْ ذَكَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الرَّمْيِ وَعِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ وَعِنْدَ الذَّبْحِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَكَلَ وَسَمَّى اللَّهَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
[ ٤ / ٣٢٨ ]
وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ. التَّلْقِينُ: عَمْدُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ يُحَرِّمُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ.
(وَنَحْرُ إبِلٍ وَذَبْحُ غَيْرِهِ إنْ قَدَرَ وَجَازَ
[ ٤ / ٣٢٩ ]
لِلضَّرُورَةِ إلَّا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُذْبَحُ مَا يُنْحَرُ وَلَا يُنْحَرُ مَا يُذْبَحُ خَلَا الْبَقَرِ فَإِنَّ النَّحْرَ وَالذَّبْحَ فِيهَا جَائِزٌ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِيهَا الذَّبْحَ قَالَ مَالِكٌ: وَالْغَنَمُ تُذْبَحُ وَلَا تُنْحَرُ، وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ وَلَا تُذْبَحُ، فَإِنْ نُحِرَتْ الْغَنَمُ أَوْ ذُبِحَتْ الْإِبِلُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَمْ تُؤْكَلْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ تُؤْكَلُ. ابْنُ يُونُسَ: وَوَجَّهَهُ لِأَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الضَّرُورَةِ. الْبَاجِيُّ: وَالْخَيْلُ كَالْبَقَرِ. الْأَبْهَرِيُّ: إنْ نَحَرَ الْفِيلَ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ وَنَحْرُ الطَّيْرِ حَتَّى النَّعَامَةِ لَغْوٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهَا لَا لَبَّةَ لَهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي مُهْوَاةٍ جَازَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ مِنْ ذَبْحٍ وَنَحْرٍ فَإِنْ تَعَذَّرَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُحِلُّ بِطَعْنِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
(كَالْحَدِيدِ) عِيَاضٌ: وَلَا يُذَكَّى بِغَيْرِ حَدِيدٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَهُ اتِّفَاقًا فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَسَاءَ وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهَا.
(وَإِحْدَادُهُ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: السُّنَّةُ أَنْ تُحَدَّ الشَّفْرَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الذَّبْحِ. وَرَأَى عُمَرُ رَجُلًا يَحُدُّ شَفْرَتَهُ وَقَدْ أَخَذَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: تُعَذِّبُ الرُّوحَ أَلَا فَعَلْتَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا خَيْرَ فِي الذَّبْحِ بِمِنْجَلِ الْحَصْدِ الْمُضَرَّسِ لَا الْأَمْلَسِ، وَلَوْ قَطَعَ الْمُضَرَّسُ قَطْعَ الشَّفْرَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وَمَا أَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
(وَقِيَامُ الْإِبِلِ وَضَجْعُ ذَبْحٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُنْحَرُ الْبُدُنُ قَائِمَةً أَحَبُّ إلَيَّ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ تُضْجَعُ وَتُذْبَحُ.
(عَلَى أَيْسَرَ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: السُّنَّةُ أَخْذُ الشَّاةِ بِرِفْقٍ يُضْجِعُهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ لِلْقِبْلَةِ رَأْسُهَا مَشْرِقَ يَأْخُذُهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى جِلْدُ حَلْقِهَا مِنْ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ فَيَمُدُّهُ لِتَبِينَ الْبَشَرَةُ فَيَضَعُ السِّكِّينَ حَيْثُ تَكُونُ الْجَوْزَةُ فِي الرَّأْسِ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ وَيُمِرُّ السِّكِّينَ مَرًّا مُجْهِزًا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ، فَيَرْفَعُ يَدَهُ دُونَ نَخْعٍ وَقَدْ حُدَّتْ الشَّفْرَةُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَضْرِبُ بِهَا الْأَرْضَ وَلَا يَجْعَلُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا وَلَا يَجُرُّهَا بِرِجْلِهَا. وَكَرِهَ رَبِيعَةُ ذَبْحَهَا وَأُخْرَى تَنْظُرُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَبْحَهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنِ إلَّا الْأَعْسَرَ، وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ ذَبْحَ الْأَعْسَرِ.
(وَتَوَجُّهُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِنْ السُّنَّةِ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُكِلَتْ
[ ٤ / ٣٣١ ]
وَبِئْسَ مَا صَنَعَ. وَنَهَى مَالِكٌ الْجَزَّارِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْحُفْرَةِ يَذْبَحُونَ حَوْلَهَا وَأَمَرَهُمْ بِتَوْجِيهِهَا إلَى الْقِبْلَةِ. مُحَمَّدٌ: تَرْكُ تَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ سَهْوًا عَفْوٌ وَعَمْدًا لَا أُحِبُّ أَكْلَهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ عَمْدًا لَا جَهْلًا لَمْ تُؤْكَلْ.
(وَإِيضَاحُ الْمَحَلِّ) تَقَدَّمَ نَصُّ مُحَمَّدٍ لِتَبَيُّنِ الْبَشَرَةُ (وَفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَحْسَنُ أَنْ يَفْرِيَ أَوْدَاجَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكَلَهُ (وَفِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ أَوْ إنْ انْفَصِلَا أَوْ بِالْعَظْمِ أَوْ مَنْعِهِمَا خِلَافٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ احْتَاجَ أَنْ يَذْبَحَ بِمَرْوَةِ أَوْ عُودٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ذَبَحَ بِذَلِكَ وَمَعَهُ سِكِّينٌ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ إذَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ أَسَاءَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْمَرْوَةُ حِجَارَةٌ بِيضٌ صُلْبَةٌ حِدَادٌ وَالْعَظْمُ يَجُوزُ بِهِ الذَّبْحُ ذَكِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ، وَأَمَّا السِّنُّ وَالظُّفْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْ التَّذْكِيَةِ بِهِمَا فَهُمَا الْمُرَكَّبَانِ فِي فَمِ الْإِنْسَانِ وَفِي أُصْبُعِهِ، فَإِنْ كَانَا مَنْزُوعَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ بِهِمَا إذَا أَمْكَنَ. التَّلْقِينُ: وَفَلَقَةُ الْقَصَبَةِ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ عِيَاضٍ: إنَّ هَذَا كُلَّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ الضَّرُورَةِ. انْتَهَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ.
(وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ إلَّا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ) اللَّخْمِيِّ: الصَّيْدُ لِلْعَيْشِ اخْتِيَارًا مُبَاحٌ وَلِسَدِّ خَلَّتِهِ وَلِتَوْسِيعِ ضِيقِ عَيْشِهِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَلِإِحْيَاءِ
[ ٤ / ٣٣٢ ]
نَفْسٍ وَاجِبٌ وَلِلَّهْوِ مَكْرُوهٌ، وَأَبَاحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَدُونَ نِيَّةٍ أَوْ لِمُضَيِّعٍ وَاجِبًا حَرَامٌ (إلَّا بِكَخِنْزِيرٍ فَيَجُوزُ) اللَّخْمِيِّ: صَيْدُ الْخِنْزِيرِ لِأَكْلِهِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ حَرَامٌ. وَلِمُضْطَرٍّ قَالَ الْوَقَارُ: يُسْتَحَبُّ فِيهِ نِيَّةُ ذَكَاتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَيْتَةً لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَتَذْكِيَةُ الْمَيْتَةِ لَغْوٌ. اللَّخْمِيِّ: وَصَيْدُهُ لِقَتْلِهِ جَائِزٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ وَرِثَ مِنْ عَبْدِهِ النَّصْرَانِيِّ خِنْزِيرًا سَرَّحَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ»، فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بُيُوتَ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً وَأَنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فَيُسْتَحَبُّ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تُقْتَلَ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ بِخِلَافِ حَيَّاتِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا حَيَّاتُ الصَّحَارَى وَالْأَوْدِيَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» فَذَكَرَ فِيهِنَّ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، فَيُقْتَلُ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَتْلِهِ مِنْ الْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحَدَأَةِ وَالْوَزَغَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ رُشْدٍ. وَانْظُرْ حُكْمَ الْكَلْبِ غَيْرِ الْعَقُورِ فِي الْبُيُوعِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيُقْتَلُ كُلُّ مَا يُؤْذِي مِنْ الدَّوَابِّ كَالْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلَةِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالنَّارِ.
(كَذَكَاةِ مَا لَا يُؤْكَلُ إنْ أَيِسَ مِنْهُ) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الدَّابَّةِ الَّتِي يُؤْكَلُ لَحْمُهَا تَعْيَا فِي أَرْضٍ لَا عَلَفَ فِيهَا فَقَالَ: يَدَعُهَا وَلَا يَذْبَحُهَا قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّةٌ مَرِيضَةٌ يَئِسَ مِنْ النَّفْعِ بِهَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ فَذَبْحُهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَرْكِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا قَالَ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي تَعْيَا أَنَّهُ يَدَعُهَا، رَجَاءَ أَنْ يَجِدَهَا مَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تَصِحَّ، ثُمَّ إنْ وَجَدَهَا صَاحِبُهَا قَدْ صَحَّتْ عِنْدَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهَا فَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الَّذِي قَامَ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَاسْتَحَبَّ فِي الَّتِي يَئِسَ مِنْ الْمُنْتَفَعِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَذْبَحَهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَاحَتَهَا، وَهَذَا هُوَ الْآتِي عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّ الْقِطَطَ الصِّفَارَ يَجُوزُ قَتْلُهَا إذَا قَلَّ غِذَاءُ أُمَّهَاتِهَا وَأَمَّا الْكِبَارُ فَحَكَى الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ إذَايَتُهَا عَنْ عَادَةِ الْقِطَطِ وَتَكَرَّرَتْ قُتِلَتْ.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
(وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدُونِ حُفْرَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتَوْجِيهُهُ " (وَسَلْخٌ أَوْ قَطْعٌ قَبْلَ الْمَوْتِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْدَأَ الْجَزَّارُ بِسَلْخِ الشَّاةِ قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ نَفْسُهَا قَالَ: وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا وَلَا شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهَا فَإِنْ فَعَلَتْ أُكِلَتْ مَعَ مَا قُطِعَ مِنْهَا.
(كَقَوْلِ مُضَحٍّ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ) أَنْكَرَ مَالِكٌ قَوْلَ الْمُضَحِّي: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ وَقَالَ: هَذِهِ بِدْعَةٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ قَالَ هَذَا الذِّكْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ وَأُجِرَ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَأَوَّلَ قَوْلَ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَبْيَنُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - دُعَاءٌ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ.
(وَتَعَمُّدُ إبَانَةِ رَأْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ذَبَحَ فَتَرَامَتْ يَدُهُ إلَى أَنْ أَبَانَ الرَّأْسَ أُكِلَتْ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَبَدَأَ فِي قَطْعِهِ بِالْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ أُكِلَتْ لِأَنَّهَا كَذَبِيحَةٍ ذُكِّيَتْ ثُمَّ عَجَّلَ قَطْعَ رَأْسِهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ أَنْ تُؤْكَلَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ إنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا) لَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ إلَّا الرَّأْسَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَطَعَ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ عُضْوًا مِنْ الصَّيْدِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ فَخِذٍ أَوْ جَنَاحٍ أَوْ خَطْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَبَانَهُ فَلْيُذْكِهِ وَيَأْكُلْ بَقِيَّتَهُ دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ وَفَاتَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلْيَأْكُلْهُ دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبْتَ صَيْدًا فَأَبَنْتَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ أَبْقَيْتَهُ مُعَلَّقًا بِالْجِلْدِ بَقَاءً لَا يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ أَبَدًا فَإِنَّهُ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ دُونَ مَا تَعَلَّقَ مِنْهُ أَوْ بَانَ قَالَ: فَأَمَّا إنْ كَانَ مَا تَعَلَّقَ مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَلْتَحِمُ وَيَعُودُ لِهَيْئَتِهِ فَلْيُؤْكَلْ جَمِيعُهُ.
قَالَ: وَإِنْ ضَرَبْتَهُ فَأَبَنْتَ رَأْسَهُ أَوْ ضَرَبْتَ رَأْسَهُ فَجَزَلْتَهُ نِصْفَيْنِ فَلْيَأْكُلْ جَمِيعَهُ. ابْنُ يُونُسَ: الْعِلَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ضَرْبَةٍ بَلَغَتْ الْمَقَاتِلَ فَجَذَلَتْ ذُكِّيَ كُلُّهُ إذْ لَا حَيَاةَ لِصَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، وَكُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْمَقَاتِلَ وَأَمْكَنَ أَنْ يَحْيَا الصَّيْدُ بَعْدَهُ فَاَلَّذِي جُزِلَ مِنْهُ مَيْتَةٌ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ الْحَيِّ مِمَّا جَرَى فِيهِ الدَّمُ فَهُوَ مَيْتَةٌ إذْ لَا يُذَكِّي شَخْصٌ مَرَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْكَلْ مَا جُذِلَ مِنْهُ مِنْ يَدٍ أَوْ جَنَاحٍ.
(وَمَلَكَ الصَّيْدَ الْمُبَادِرُ وَإِنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ فَبَيْنَهُمْ) قِيلَ لِسَحْنُونٍ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا سَائِرِينَ فِي طَرِيقٍ فَوَجَدَ أَحَدُهُمْ عُشًّا فَقَالَ هَذَا الْعُشُّ لِي أَنَا رَأَيْتَهُ قَبْلَكُمْ فَلَا تَأْخُذُوهُ فَبَدَرَهُ إلَيْهِ رَجُلٌ فَأَخَذَهُ قَالَ: هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَلَيْسَ قَوْلُهُ
[ ٤ / ٣٣٤ ]
هُوَ لِي قَبْضًا مِنْهُ وَلَا حِيَازَةً لَهُ. قِيلَ: فَلَوْ وَجَدُوهُ كُلُّهُمْ فَبَدَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَأَخَذَهُ فَقَالَ: هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ. قِيلَ: فَلَوْ وَجَدُوهُ كُلُّهُمْ فَأَرَادَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ وَتَدَافَعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَصِلُ إلَيْهِ قَالَ: إذَنْ أَقْضِي بِهِ بَيْنَهُمْ خَوْفًا أَنْ يَقْتَتِلُوا عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا.
(وَإِنْ نَدَّ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي لَا إنْ تَأَنَّسَ وَلَمْ يَتَوَحَّشْ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيمَا نَدَّ مِنْ صَائِدِهِ وَصَادَهُ غَيْرُهُ طَرِيقَانِ. اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ: إنْ صِيدَ قَبْلَ تَوَحُّشِهِ وَبَعْدَ تَأَنُّسِهِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ صَادَهُ بَعْدَ تَوَحُّشِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ لِلثَّانِي. ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ مَلَكَهُ الْأَوَّلُ بِشِرَاءٍ فَهَلْ يَكُونُ كَالْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هُوَ كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنِ الْكَاتِبِ: هَذَا يَكُونُ لِلْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ يُحْيِيهَا الْإِنْسَانُ ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى حَالِهَا قَبْلَ الْإِحْيَاءِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهَا ثَانِيًا، وَإِنْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ تَرَكَهَا فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ عَنْ مِلْكِهِ.
(وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا وَلَوْلَاهَا لَمْ يَقَعْ بِحَسَبِ فِعْلِهِمَا) سَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ الرَّجُلَ يَنْصِبُ حِبَالَةً لِلصَّيْدِ أَوْ فَخًّا أَوْ يَعْمَلُ حُفْرَةً لِيَقَعَ فِيهَا الصَّيْدُ فَيَخْرُجُ قَوْمٌ فَيَطْرُدُونَ صَيْدًا إلَى ذَلِكَ الْمَنْصِبِ لِيَقَعَ فِيهِ، هَلْ تَرَى لِصَاحِبِ الْحُفْرَةِ أَوْ الْفَخِّ أَوْ الْحِبَالَةِ شَيْئًا مِنْ الصَّيْدِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ الصَّيْدِ بِقَدْرِ مَا يَرَى لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ قَاسِمٍ هَذَا عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا إشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ إذَا طَرَدُوهُ إلَى الْمَنْصِبِ وَقَصَدُوا إيقَاعَهُ فِيهِ وَهُمْ مُتَّبِعُونَ لَهُ عَلَى قُرْبٍ مِنْهُ أَوْ بُعْدٍ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ بِقَدْرِ مَا يَرَى لَهُ وَلَهُمْ.
وَكَذَلِكَ لَا إشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ إذَا كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ وَأَيِسَ مَا أَخَذَهُ فَمَشَى بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ قَدْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ أَنَّهُ
[ ٤ / ٣٣٥ ]
لِصَاحِبِهِ وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَا إشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ لَوْ طَرَدُوا صَيْدًا لِيَأْخُذُوهُ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ إيقَاعَهُ فِي الْمَنْصِبِ فَلَمَّا أَعْيَوْهُ أَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ، وَكَانَ كَالشَّيْءِ الَّذِي قَدْ مَلَكُوهُ وَحَازُوهُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَقَعَ فِي الْمَنْصِبِ دُونَ أَنْ يَقْصِدُوا إيقَاعَهُ فِيهِ أَنَّهُ لَهُمْ وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ فِيهِ.
وَانْظُرْ لَوْ كَانُوا إنَّمَا طَرَدُوهُ وَأَعْيَوْهُ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ إيقَاعَهُ فِي الْمَنْصِبِ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ قَصَدُوا إيقَاعَهُ فِي الْمَنْصِبِ لِيَخِفَّ عَنْهُمْ فِي أَخْذِهِ بَعْضُ النَّصَبِ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ وَيَكُونَ عَلَيْهِمْ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ قِيمَةُ انْتِفَاعِهِمْ بِمَنْصِبِهِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ لَوْ طَرَدُوا صَيْدًا إلَى دَارِ رَجُلٍ فَأَخَذُوهُ فِيهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي هَذَا (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: لَا إشْكَالَ إذَا كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ وَأَيِسَ مِنْ أَخْذِهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ (وَعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: لَوْ كَانَ كَالشَّيْءِ الَّذِي مَلَكُوهُ وَوَقَعَ فِي الْمَنْصِبِ دُونَ أَنْ يَقْصِدُوا إيقَاعَهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ فِيهِ (كَالدَّارِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: يَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ قِيمَةُ انْتِفَاعِهِمْ بِمَنْصِبِهِ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ لَوْ طَرَدُوا صَيْدًا إلَى دَارِ رَجُلٍ فَانْظُرْهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.
(إلَّا أَنْ لَا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ طَرَدَ صَيْدًا حَتَّى دَخَلَ دَارَ قَوْمٍ فَإِنْ اضْطَرَّهُ وَجَوَارِحَهُ إلَيْهَا فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَضْطَرَّهُ وَكَانَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ فَهُوَ لِرَبِّ الدَّارِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ الصَّيْدُ غَيْرَ مَقْهُورٍ وَلَا مَضْغُوطٍ بِالطَّلَبِ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى غَيْرِ طَرِيقِ الْمَنْصِبِ لِعُذْرٍ فَأَرَاهُ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ وَلَا شَيْءَ لِطَالِبِهِ.
قَالَ ابْنُ حَارِثٍ: وَلَوْ لَمْ يَضْطَرَّهُ طَارِدٌ لِلدَّارِ فَدَخَلَهَا الصَّيْدُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِرَبِّ الدَّارِ.
(وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ) . ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ مَرَّ بِالصَّيْدِ غَيْرُ صَاحِبِهِ فَرَآهُ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ فِي فَمِ الْكَلْبِ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَلْحَقْهُ صَاحِبُهُ حَتَّى فَاتَ بِنَفْسِهِ فَلَا يُؤْكَلُ، وَغَيْرُ صَاحِبِهِ فِي
[ ٤ / ٣٣٦ ]
هَذَا مِثْلُ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الْمَارَّ بِهِ ذَكَاتُهُ فَكَانَ كَرَبِّهِ وَفِي هَذَا بُعْدٌ، لِأَنَّ رَبَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ ذَكَاتِهِ حَتَّى مَاتَ بِنَفْسِهِ.
وَمَنْ رَآهُ فِي فَمِ الْكَلْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُذَكِّيَهُ بَلْ يُقَالُ لَهُ قَتَلْتَهُ فَعَلَيْكَ قِيمَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي ضَمَانِ الْمَارِّ طُرُقٌ. ابْنُ مُحْرِزٍ: فِيهِ نَظَرٌ. ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْمَارَّ بِهِ يَضْمَنُهُ لِصَاحِبِهِ. قَالَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاةِ يَجِدُهَا مَرِيضَةً فَلَا يَلْزَمُهُ ذَكَاتُهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ تَرَكَ بِاتِّفَاقٍ. (كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ بِيَدِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: أَجْرَى ابْنُ مُحْرِزٍ عَلَى هَذَا فُرُوعًا مِنْهَا: أَنْ يَرَى إنْسَانًا يَسْتَهْلِكُ نَفْسَ إنْسَانٍ أَوْ مَالَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلَاصِهِ فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَهْلَكَ (أَوْ شَهَادَتِهِ) .
ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ فَلَا يُؤَدِّيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى تَلَفِهِ أَوْ تَلَفِ مَالِهِ (أَوْ بِإِمْسَاكِ وَثِيقَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ فَلَا يُخْرِجُهَا حَتَّى يَقَعَ التَّلَفُ أَيْضًا (أَوْ تَقْطِيعُهَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: أَمَّا لَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ وَثِيقَةَ إنْسَانٍ حَتَّى ضَاعَ مَا فِيهَا فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي ضَمَانِهِ (وَفِي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ) . ابْنُ بَشِيرٍ: دُونَ هَذَا فِي الْمَرْتَبَةِ أَنْ يَقْتُلَ شَاهِدَيْهِ اللَّذَيْنِ يَشْهَدَانِ لَهُ بِحَقٍّ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَتَعَدَّ عَلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا تَعَدَّى عَلَى سَبَبِهَا، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا رَجَعَ الْمُزَكِّي أَوْ شَاهِدُ الْإِحْصَانِ (وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيْطٍ لِجَائِفَةٍ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ يَجْرَحَ إنْسَانٌ جُرْحَ جَائِفَةٍ أَوْ غَيْرَهَا فَيُمْسِكُ عَنْهُ آخَرُ مَا يَخِيطُ بِهِ حَتَّى يَهْلِكَ (وَفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ) .
ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ مُوَاسَاةُ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَهْلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا أَصْلٌ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ (وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعُ الْجِدَارُ) . ابْنُ مُحْرِزٍ: إنْ وَجَبَ ضَمَانُ الْمَارِّ وَجَبَ فِي التَّلَفِ بِتَرْكِ مُوَاسَاةٍ بِفَضْلِ سَقْيِ زَرْعٍ أَوْ مَاسِكِ حَائِطِ جَارٍ عَنْ سُقُوطِهِ أَوْ الْتِقَاطِ مَالٍ ذِي قَدْرٍ (لَهُ لِثَمَنٍ إنْ وُجِدَ) سَيَأْتِي النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَطَعَامُ غَيْرٍ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ ". وَخَرَّجَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةً سُئِلَ عَنْهَا وَهِيَ: صَاحِبُ حَبْسٍ حُوسِبَ فَشَطَّ دَخْلُهُ عَلَى خُرُوجِهِ فَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ بَاقِيًا عِنْدَ سُكَّانِ
[ ٤ / ٣٣٨ ]
رُبْعِ الْحَبْسِ وَاطَّلَعَ عَلَى هَذَا بَعْدَ وَفَاةِ صَاحِبِ الْحَبْسِ، هَلْ تَرَوْنَ يَمِينًا عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ الْوَرَثَةِ؟ فَأَجَابَ: السُّؤَالُ عَنْ تَوْجِيهِ الْيَمِينِ كَالدَّلِيلِ عَلَى وُضُوحِ عَدَمِ تَضْمِينِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ إنْ قَامَ دَلِيلٌ بِتَفْرِيطِهِ تَضْمِينُهُ، وَنَزَلْت أَيَّامَ الْقَاضِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَضَى بِتَضْمِينِهِ وَأَظُنُّ دَلِيلَهُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةَ التَّضْمِينِ بِالتَّرْكِ الْمَشْهُورِ. ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْوَصِيِّ إذَا بَوَّرَ أَرْضَ الْيَتِيمِ حَتَّى نَقَصَتْ أَنَّ عَلَيْهِ غُرْمَ مَا نَقَصَهُ. وَلِلَّخْمِيِّ مَا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا فِي دَلَالِيِّ الطَّعَامِ.
(وَأُكِلَ الْمُذَكَّى وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَرِيضَةِ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا إذَا وَجَدَ دَلِيلَ الْحَيَاةِ فِيهَا حِينَ الذَّكَاةِ (بِتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ) . ابْنُ رُشْدٍ: الْحَرَكَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ اسْتِفَاضَةِ نَفَسِهَا فِي حَلْقِهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَأَدْنَى الْحَرَكَةِ أَنْ تَطْرِفَ بِعَيْنِهَا أَوْ تُحَرِّكَ ذَنَبَهَا أَوْ تَرْكُضَ بِرِجْلِهَا أَوْ يُوجَدَ مِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْحَرَكَةِ وَهُوَ اسْتِفَاضَةُ نَفَسِهَا فِي حَلْقِهَا، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي جَوْفِهَا أَوْ مَنْخِرَيْهَا. ابْنُ بَشِيرٍ: وَحَرَكَةُ الِارْتِعَاشِ وَالِارْتِعَادِ وَمَدِّ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ قَبْضِهَا لَغْوٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي لَغْوِ الْقَبْضِ نَظَرٌ. اللَّخْمِيِّ: وَحَرَكَةُ الذَّنَبِ أَقْوَى مِنْ حَرَكَةِ الْعَيْنِ. فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ فِي حَالِ الذَّبْحِ خَاصَّةً فَلِابْنِ حَبِيبٍ تُؤْكَلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَاجِيُّ غَيْرَهُ، وَلِابْنِ نَافِعٍ أَيْضًا كَذَلِكَ مَا مُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْحَرَكَةِ حَالَ الذَّبْحِ لَا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا سَيَلَانُ الدَّمِ دُونَ الْحَرَكَةِ فَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ فِي الصَّحِيحَةِ خَاصَّةً (مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: الْحَرَكَةُ دَلِيلٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ (وَسَيْلُ دَمٍ إنْ صَحَّتْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: سَيَلَانُ الدَّمِ دُونَ حَرَكَةٍ دَلِيلٌ فِي الصَّحِيحَةِ خَاصَّةً (إلَّا الْمَوْقُوذَةَ وَمَا مَعَهَا الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُصَابَةُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا مَانِعَ عَيْشِهَا غَالِبًا كَصَحِيحَةٍ وَالْمُصَابَةُ بِمَا أَنْفَذَ مَقْتَلَهَا فِيهَا طُرُقٌ. الْبَاجِيُّ: ذَكَاتُهَا لَغْوٌ اتِّفَاقًا. ابْنَ رُشْدٍ: مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ أَجَازَ ذَكَاةَ الْمُنْخَنِقَةِ وَأَخَوَاتِهَا، وَإِنْ صَارَتْ الْبَهِيمَةُ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ إلَى حَالِ الْيَأْسِ مَا لَمْ يَنْفُذْ لَهَا ذَلِكَ مَقْتَلًا، وَذَلِكَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ أَشْهَبَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الرِّسَالَةَ فَظَاهِرُهَا أَنَّ
[ ٤ / ٣٣٩ ]
الْمَوْقُوذَةَ وَأَخَوَاتِهَا إنْ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ لَا تَنْفَعُ فِيهَا الذَّكَاةُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ.
(بِقَطْعِ نُخَاعٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْقِطَاعُ النُّخَاعِ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبِ. الْبَاجِيُّ: وَهُوَ الْمُخُّ الْأَبْيَضُ الَّذِي فِي وَسَطِ فَقَارِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ، فَإِنْ انْدَقَّ الْعُنُقُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِ نُخَاعِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَا كَسْرُ الصُّلْبِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ النُّخَاعُ (وَنَثْرِ دِمَاغٍ) . الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْتِثَارُ الدِّمَاغِ. عَبْدُ الْحَقِّ: وَشَدْخُ الرَّأْسِ دُونَ انْتِثَارِ الدِّمَاغِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ.
وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ لُبٍّ: مَعْنَى انْتِثَارِ الدِّمَاغِ أَنْ يَبْرُزَ شَيْءٌ مِنْ الْمُخِّ الَّذِي فِي الصِّفَاقِ وَيَنْفَصِلَ عَنْ مَقَرِّهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ ابْنُ الشَّيْخِ: إذَا انْفَصَلَ الْمُخُّ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَلَمْ يَنْقَطِعْ النُّخَاعُ فَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْأَكْلِ وَيُبَيِّنُ إذَا بَاعَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَتَخَرَّجُ عَلَى شَقِّ الْوَدَجِ شَقُّ النُّخَاعِ.
وَقَالَ ابْنُ لُبٍّ: الْخِلَافُ فِي شَقِّ الْوَدَجِ وَالْمَصِيرِ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ هَلْ يَلْتَئِمُ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْتَئِمُ بِخِلَافِ الْقَطْعِ. وَسُئِلَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - عَمَّنْ وَجَدَ بَعْدَ السَّلْخِ جُرْحًا فِي الْقَلْبِ، فَأَجَابَ: إنْ كَانَ يَسِيرًا يُمْكِنُ أَنْ لَا يُصِيبَهَا مِنْهُ مَوْتٌ فَلَا بَأْسَ (أَوْ حُشْوَةٍ) .
ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ انْتِثَارُ الْحُشْوَةِ. عَبْدُ الْحَقِّ: وَشَقُّ الْجَوْفِ دُونَ قَطْعِ مَصِيرٍ وَدُونَ انْتِثَارِ شَيْءٍ مِنْ الْحُشْوَةِ غَيْرَ مَقْتَلٍ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: إذَا انْشَقَّ الْجَوْفُ فَانْتَثَرَتْ مِنْهُ الْحُشْوَةُ وَلَمْ تَنْقَطِعْ فَلَيْسَ انْتِثَارُهَا حِينَئِذٍ بِمَقْتَلٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَرِدُ، وَأَمَّا قَرْضُ الْمُصْرَانِ وَانْبِتَاتُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَقْتَلٌ بِخِلَافِ شَقِّهِ.
وَفِي الصِّحَاحِ: الْحُشْوَةُ كُلُّ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ كَبِدٍ وَطِحَالٍ وَرِئَةٍ وَأَمْعَاءٍ وَكُلًى وَقَلْبٍ.
وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: انْتِثَارُ الْحُشْوَةِ انْقِطَاعُهَا، وَأَمَّا شَقُّ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ ثَقْبُهُ فَيَظْهَرُ أَنْ لَا
[ ٤ / ٣٤٠ ]
يَكُونَ مَقْتَلًا، وَرَأَيْتُ لِابْنِ الْجَمَاعَةِ: اخْتَلَفَ فِي شَقِّ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْمِرَّةِ وَالْكُلْوَةِ وَالْأُنْبُولَةِ وَالدَّوَّارَةِ وَالْمَبْعَرِ وَالْكَرِشِ وَالرِّئَةِ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الذَّكَاةَ، وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ ابْنُ غَلَّابٍ: تُكْرَهُ الذَّبِيحَةُ بِثَمَانٍ: شَقُّ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْكُلْوَةِ وَالْأُنْبُولَةِ وَالْمَنْحَرِ وَالدَّوَّارَةِ وَالْمِرَّةِ، فَمَا كَثُرَ شَقُّهُ كَرَاهَتَهُ تَحْرِيمٌ وَإِلَّا فَتَنْزِيهٌ، وَمِنْ كُتُبِ الطِّبِّ قَالَ بُقْرَاطُ: مَنْ انْخَرَقَتْ كَبِدُهُ مَاتَ (وَفَرْيِ وَدَجٍ) .
الْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَرْيُ الْأَوْدَاجِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ خَرْقُ الْأَوْدَاجِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ شَقُّ الْأَوْدَاجِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: انْشِقَاقُ الْأَوْدَاجِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لَيْسَ مَقْتَلًا.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ هُوَ مَقْتَلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ النُّخَاعُ (وَثَقْبِ مُصْرَانٍ) . الْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْفِتَاقُ الْمُصْرَانِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ خَرْقُ الْمُصِيرِ.
قَالَ ابْنُ لُبٍّ: الصَّحِيحُ أَنَّ شَقَّ الْمُصِيرِ الْأَعْلَى لَيْسَ بِمَقْتَلٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْتَئِمُ بِخِلَافِ الْقَطْعِ وَالِانْتِثَارِ جُمْلَةً فَإِنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ أَصْلًا، وَهَكَذَا ثَقْبُ شَيْءٍ مِنْ الْمُصْرَانِ فِي الْحُشْوَةِ، وَفِي غَيْرِهَا إنَّمَا الْمَقْتَلُ فِيهَا كُلُّهَا الْقَطْعُ وَالِانْتِثَارُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصِيرَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْمَرِيءُ أَنَّهُ مَقْتَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي خَرْقِ الْمُصِيرِ أَنَّهُ مَقْتَلٌ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا خُرِقَ أَعْلَاهُ فِي مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَصِيرَ إلَى حَالِ الرَّجِيعِ، وَأَمَّا إذَا خُرِقَ أَسْفَلُهُ حَيْثُ يَكُونُ الرَّجِيعُ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّا وَجَدْنَا كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَانِ وَمِنْ بَنِي آدَمَ يُجْرَحُ فَيَخْرُجُ مَصِيرُهُ فِي مَجْرَى الرَّجِيعِ فَيَخْرُجُ الرَّجِيعُ عَلَى ذَلِكَ الْجُرْحِ وَيَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ زَمَانًا وَهُوَ مُتَصَرِّفٌ يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ.
وَلَوْ خُرِقَ فِي مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَمَا عَاشَ إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ طُعِنَ فَسُقِيَ اللَّبَنَ فَخَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ؟ وَالصَّوَابُ فُتْيَا ابْنِ رِزْقٍ بِجَوَازِ أَكْلِ ثَوْرٍ ذُبِحَ فَوُجِدَ كَرِشُهُ مَثْقُوبًا وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ بَاعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا نَقْلُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِنْ كَاسِي الْبَقَرِ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَنَّهُمْ يَثْقُبُونَ كَرِشَ الثَّوْرِ لِبَعْضِ الْأَدْوَاءِ فَيَزُولُ عَنْهُ مَا بِهِ. وَسُئِلَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ثَوْرٍ رَقَدَ بِمَا أَكَلَ مِنْ الشَّعِيرِ فَذُبِحَ فَإِذَا مَصَارِينُهُ قَدْ تَقَطَّعَتْ فَقَالَ يُؤْكَلُ. الْبُرْزُلِيِّ: لَعَلَّهَا كَانَتْ السُّفْلَى الَّتِي تَلِي الْكَرِشَ، وَأَمَّا الْمَصَارِينُ الْعُلْيَا الَّتِي يَجْرِي مَعَهَا الطَّعَامُ فَإِنَّهَا مَقْتَلٌ.
قَالَ: وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ دِيكٍ أُطْعِمَ الْعَجِينَ لِيَسْمَنَ فَدَخَلَ فِي حَلْقِهِ فَخِيفَ فَذُبِحَ فَسَالَ الدَّمُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ فَأَجَابَ: إذَا ذَكَّاهُ وَهُوَ يَسْتَيْقِنُ حَيَاتَهُ مَا عِنْدِي غَيْرُ ذَلِكَ (وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفَرْيُ وَدَجٍ " وَكَذَا هِيَ قَوْلَانِ أَيْضًا فِي شَقِّ غَيْرِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَمْ يَنْخَعْهَا) اُنْظُرْ لِمَ أَتَى بِهَذَا وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ الْمُنْخَنِقَةَ وَأَخَوَاتِهَا وَإِنْ صَارَتْ إلَى حَالِ الْيَأْسِ إذَا لَمْ يُنْفَذْ مَقْتَلُهَا أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ أَشْهَبَ، فَلَوْ كَانَ الْفِقْهُ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ الْأُخْرَى مَا اُحْتِيجَ لِذِكْرِ الْمَقَاتِلِ فَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِنَقْلِ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظِهَا: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَرَدَّتْ الشَّاةُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَانْدَقَّ عُنُقُهَا وَأَصَابَهَا مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ نَخَعَهَا فَإِنَّهَا تُذَكَّى وَتُؤْكَلُ لِأَنَّ بَعْضَهَا مُجْتَمِعٌ إلَى بَعْضٍ، وَلَوْ انْقَطَعَ النُّخَاعُ
[ ٤ / ٣٤١ ]
لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنْ ذُكِّيَتْ وَفِيهَا الْحَيَاةُ.
[ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ]
(وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْجَنِينُ يَمُوتُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ بِبَطْنِهَا ذُكِّيَ إنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ضَحَّيْت بِنَعْجَةٍ حَامِلٍ فَلَمَّا ذَبَحْتُهَا رَكَضَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَأَمَرْتهمْ أَنْ يَتْرُكُوهَا حَتَّى يَمُوتَ فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ أَمَرْتهمْ فَشَقُّوا جَوْفَهَا فَأُخْرِجَ مَيِّتًا فَذَبَحْتُهُ فَسَالَ مِنْهُ دَمٌ فَأَمَرْتهمْ أَنْ يَشْوُوهُ لِي. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ خَرَجَ يَتَحَرَّكُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُذْبَحَ، فَإِنْ سَبَقَهُمْ بِنَفَسِهِ قَبْلَ أَنْ يُذْبَحَ أُكِلَ، وَسَوَاءٌ مَاتَ فِي بَطْنِهَا بِمَوْتِهَا أَوْ أَبْطَأَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ وَفِيهِ رُوحٌ، فَإِنْ أُخْرِجَ وَفِيهِ رُوحٌ وَهُوَ تُرْجَى حَيَاتُهُ أَوْ يُشَكُّ فِيهَا فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ رَمَقٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْبَابُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يُذَكَّى، وَأَمَّا إنْ بَقَرَ عَلَيْهِ فَأُخْرِجَ يَتَحَرَّكُ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالِ الْأَشْيَاخِ الْمُعْتَبَرُ نَبَاتُ شَعْرِ جَسَدِهِ لَا شَعْرُ عَيْنِهِ فَقَطْ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ فَلَا يُؤْكَلُ، ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي حِلِّ أَكْلِ مَشِيمَتِهِ ثَالِثُهَا إنَّ حِلَّ أَكْلِهِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ وَتَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: السِّلَاءُ وِعَاءُ الْوَلَدِ هُوَ كَلَحْمِ النَّاقَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَجَوَابُ الصَّائِغِ وَبَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، وَانْظُرْ أُنْثَى الْخَصِيِّ سُئِلَ عَنْهَا الصَّائِغُ فَقَالَ: تُؤْكَلُ لَوْلَا الْحَيَاةُ لَنَتُنَتْ وَنَحْوُهُ لِلْإِبْيَانِيِّ قَالَ: هِيَ كَالْمَعِدَةِ الْغِذَاءُ يَصِلُ إلَيْهَا وَلَمْ تَبْنِ مِنْ الْبَدَنِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ اسْتِثْقَالُ أَكْلِ عَشْرَةٍ دُونَ تَحْرِيمِ الْأُنْثَيَانِ وَالْعَسِيبِ وَالْغُدَّةِ وَالطِّحَالِ وَالْعُرُوقِ وَالْمَرَارَةِ وَالْكُلْيَتَانِ وَالْمَثَانَةِ وَأُذُنَا الْقَلْبِ (وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتَ) اُنْظُرْ هَذِهِ
[ ٤ / ٣٤٢ ]
الْعِبَارَةَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ: إنْ رُجِيَتْ حَيَاتُهُ أَوْ شَكَّ فِيهَا لَمْ تُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ.
(وَذُكِّيَ الْمُزْلَقُ إنْ حَيِيَ مِثْلُهُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَقَرَةٍ أَزْلَقَتْ وَلَدَهَا: فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ يَحْيَا وَيَعِيشُ لَمْ يَكُنْ بِأَكْلِهِ بَأْسٌ إذَا ذُكِّيَ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَعِيشُ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ ذُكِّيَ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي هَذَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُزْلَقِ وَبَيْنَ الْمَرِيضَةِ فِي جَوَازِ تَذْكِيَتِهَا وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ، أَنَّ الْمَرِيضَةَ عُلِمَتْ حَيَاتُهَا إلَى أَنْ ذُبِحَتْ، وَالْجَنِينُ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَيَاتُهُ لِأَنَّ حَيَاتَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا يُعْتَبَرُ بِهَا لَكِنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا بِدَلِيلِ كَوْنِ ذَكَاتِهِ فِي ذَكَاتِهَا.
(وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَرَأَيْتَ دَوَابَّ الْأَرْضِ كُلَّهَا خُشَاشَهَا وَعَقَارِبَهَا وَدُودَهَا وَحَيَّاتِهَا وَشَبَهَهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحَيَّاتِ إذَا ذُكِّيَتْ فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا إنْ احْتَاجَ إلَيْهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي هَوَامِّ الْأَرْضِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي خُشَاشِهَا: إنْ مَاتَ فِي مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَمْ يُفْسِدْهُ وَمَا لَا يُفْسِدُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ إذَا ذُكِّيَ كَالْجَرَادِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُؤْكَلُ مَيْتَةُ الْجَرَادِ وَلَا مَا مَاتَ مِنْهُ فِي الْغَرَائِرِ بَعْدَ أَخْذَهُ حَيًّا، وَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ إلَّا مَا قُطِفَ رَأْسُهُ أَوْ قُلِيَ أَوْ شُوِيَ حَيًّا، وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ رَأْسُهُ فَهُوَ حَلَالٌ. قِيلَ: أَفَتُطْرَحُ فِي النَّارِ وَهِيَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ ذَكَاتُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ قُطِعَتْ أَرْجُلُهُ أَوْ أَجْنِحَتُهُ فَمَاتَ لِذَلِكَ لَأُكِلَ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ مَا يَكُونُ عَنْهُ مَوْتُهُ مِنْ قَطْعِ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ ذَكَاتُهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْحَلَزُونُ كَالْجَرَادِ إنْ سُلِقَ أَوْ شُوِيَ أُكِلَ وَلَا تُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ. عِيَاضٌ: هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ. وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ أَسْمَعْ فِي الْهَوَامِّ شَيْئًا إلَّا قَوْلَهُ فِي الْخُشَاشِ. قِيلَ: الْخُشَاشُ مَا لَهُ قِشْرٌ يَابِسٌ وَالْهَوَامُّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. (وَلَوْ لَمْ
[ ٤ / ٣٤٣ ]
يُعَجِّلْ) رَوَى مُحَمَّدٌ: إلْقَاءُ الْجَرَادِ فِي مَاءٍ بَارِدٍ ذَكَاتُهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَاءٍ حَارٍّ. الْبَاجِيُّ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا تَمُوتُ بِهِ مُطْلَقًا أَوْ عَاجِلًا (كَقَطْعِ جَنَاحٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ قُطِعَتْ أَرْجُلُهُ أَوْ أَجْنِحَتُهُ فَمَاتَ لِذَلِكَ لَأُكِلَ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ التَّلْقِينِ: " حُكْمُ الْخُشَاشِ كَدَوَابِّ الْبَحْرِ لَا يَنْجُسُ وَلَا يَنْجُسُ مَا مَاتَ فِيهِ " لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْلِهِ دُونَ ذَكَاةٍ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ الْخُشَاشُ فِي الْمَاءِ لَمْ يُفْسِدْهُ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ إذَا ذُكِّيَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحَيَّاتِ إذَا ذُكِّيَتْ.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: ذَكَاةُ الْعَقْرَبِ قَطْعُ رَأْسِهَا. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَا تُؤْكَلُ حَيَّةٌ وَلَا عَقْرَبٌ. الْأَبْهَرِيُّ: لِلْخَوْفِ مِنْ سُمِّهَا وَلَمْ يَقُمْ عَلَى حُرْمَتِهَا دَلِيلٌ وَلَا بَأْسَ بِهَا تَدَاوِيًا وَلِذَا أُبِيحَ التِّرْيَاقُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ احْتَاجَ لِأَكْلِ شَيْءٍ مِنْ الْخُشَاشِ ذَكَّاهُ كَالْجَرَادِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْجُنْدُبِ وَالزُّنْبُورِ وَالْيَعْسُوبِ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ وَالسُّوسِ وَالْحَلَمِ وَالدُّودِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَدُودُ الطَّعَامِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَغَيْرِهِ، فَقَوْلُ أَبِي عُمَرَ رَخَّصَ قَوْمٌ فِي أَكْلِ دُودِ التِّينِ وَسُوسُ الْفُولِ وَالطَّعَامِ لَا يُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ، اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " الطَّاهِرُ مَيِّتٌ مَا لَا دَمَ لَهُ ".
[ ٤ / ٣٤٤ ]
ِ وَفِيهِ بَابَانِ الْأَوَّلُ فِي الِاخْتِيَارِ الثَّانِي فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ) ابْنُ شَاسٍ: مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ مِنْ جَمِيعِ الْأَطْعِمَةِ الْمُعْتَادَةِ فَأَكْلُهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا بِنَفْسِهِ أَوْ يُخَالِطْهُ نَجِسٌ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فِي الدَّوَاءِ وَكَذَلِكَ أَبْوَالُ الْأَنْعَامِ وَلَا خَيْرَ فِي أَبْوَالِ الْأُتُنِ وَأَبْوَالِ النَّاسِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ وَقَاسَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ سَائِرَ أَبْوَالِ، مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فِي الطَّهَارَةِ عَلَى أَبْوَالِ الْأَنْعَامِ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ ".
(وَالْبَحْرِيُّ وَإِنْ مَيِّتًا)
[ ٤ / ٣٤٥ ]
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّفَادِعِ وَإِنْ مَاتَتْ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْبَحْرِيُّ وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ ".
(وَطَيْرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ الطَّيْرِ كُلِّهِ. الرُّخَامِ وَالْعِقْبَانِ وَالنُّسُورِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالْغِرْبَانِ وَجَمِيعِ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَغَيْرِ سِبَاعِهَا، مَا أَكَلَ الْجِيَفَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَأْكُلْهَا. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْهُدْهُدِ وَالْخُطَّافِ وَرَوَى عَلِيٌّ كَرَاهَةَ أَكْلِ الْخُطَّافِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِقِلَّةِ لَحْمِهَا مَعَ تَحَرُّمِهَا بِمَنْ عَشَّشَتْ عِنْدَهُ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ» .
(وَلَوْ جَلَّالَةً) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الدَّجَاجِ الَّتِي تَأْكُلُ النَّتِنَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْجَلَّالَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ كَالطَّيْرِ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِيَفَ.
(وَذَا مِخْلَبٍ) ابْنُ بَشِيرٍ:
[ ٤ / ٣٤٦ ]
الْمَذْهَبُ أَنَّ الطَّيْرَ كُلَّهُ مُبَاحٌ ذُو الْمِخْلَبِ وَغَيْرُهُ. (وَنَعَمٌ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَنَحْرُ إبِلٍ " (وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ) ابْنُ عَرَفَةَ: غَيْرُ مُفْتَرِسِ الْوَحْشِ، أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَحَرَامٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْيَرْبُوعِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْخُلْدُ. مَالِكٌ: وَالْوَبْرُ وَالْأَرْنَبُ وَالْقُنْفُوذُ وَالْيَرْبُوعُ وَالضَّبُّ وَالضَّرَابِيبُ (كَيَرْبُوعٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: الْيَرْبُوعُ أَصْغَرُ مِنْ الْقِنْيَةِ فَقُدِّمَ قَوْلُ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ (وَخُلْدٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ فَأْرٌ أَعْمَى يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ وَالْأَجِنَّةُ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ (وَوَبْرٍ) هُوَ دُوَيْبَّةٌ صَغِيرَةٌ أَصْغَرُ مِنْ السِّنَّوْرِ وَفَوْقَ الْيَرْبُوعِ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ (وَأَرْنَبٍ) هُوَ دَابَّةٌ قَدْرَ الْهُدْهُدِ فِي أُذُنَيْهِ طُولٌ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ (وَقُنْفُذٍ وَضَرْبُوبٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُسَمَّى الضَّرْبُوبُ بِالْأَنْدَلُسِ الْمُلَوَّنَةَ. الصِّحَاحُ: وَهُوَ حَيَوَانٌ ذُو
[ ٤ / ٣٤٧ ]
شَوْكٍ كَالْقُنْفُذِ الْكَبِيرِ، تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يُؤْكَلُ الْقُنْفُذُ وَالضَّرَابِيبُ.
(وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا) الْبَاجِيُّ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحَيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي. إذَا أُمِنَ أَذَاهَا (وَخَشَاشِ أَرْضٍ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ
[ ٤ / ٣٤٨ ]
لَهَا ".
(وَعَصِيرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: عَصِيرُ الْعِنَبِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ حَلَالٌ مَا لَمْ يُسْكِرْ، وَلَا أَجِدُ فِي قِيَامِ الْأَنْبِذَةِ قَدْرًا مِنْ تَوْقِيتِ وَقْتٍ أَوْ غَلَيَانٍ، وَكُنْت أَسْمَعُ أَنَّ الْمَطْبُوخَ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ لَمْ يُكْرَهْ وَلَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ إنْ طُبِخَ حَتَّى لَا يُسْكِرَ كَثِيرُهُ حَلَّ. الْبَاجِيُّ: الْعَصِيرُ قَبْلَ أَنْ يَنِشَّ وَهُوَ حَارٌّ لَا خِلَافَ أَنَّهُ حَلَالٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ. أَبُو عُمَرَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ الْغَلَيَانُ وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَ يُسْكِرُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَشْرَبُ الْعَصِيرَ حَتَّى يَغْلِيَ وَيُقْذَفَ بِالزَّبَدِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ أَتَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَدْ حَرُمَ.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أَشْرَبُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَهَذَا كُلُّهُ بِمَعْنًى مُتَقَارِبٍ يَجْمَعُهُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرُهُ يُسْكِرُ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْعَصِيرِ وَإِنْ عُصِرَ لِخَمْرٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَالِجَ الْعَصِيرَ حَتَّى يُبْطِئَ هَدِيرَهُ وَغَلَيَانَهُ وَيَسْتَحِلَّهُ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إذْ لَيْسَ يَحْرُمُ الْعَصِيرُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا إذْ لَا تُحَرِّمُ النِّيَّةُ الْحَلَالَ وَلَا تُحِلُّ الْحَرَامَ وَإِنَّمَا كُرِهَ مُعَالَجَةُ الْعَصِيرِ حَتَّى يُبْطِئَ هَدِيرَهُ وَغَلَيَانَهُ مَخَافَةَ الذَّرِيعَةِ إلَى اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ هَدَرَ الشَّرَابُ غَلَا.
(وَفُقَّاعٌ) مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ شَرَابِ الْفُقَّاعِ وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ
[ ٤ / ٣٥٠ ]
وَسَحْنُونٌ وَهُوَ شَرَابُ يُعْمَلُ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ مِنْ الْقَمْحِ.
(وَسُوبْيَا) ابْنُ شَاسٍ: وَشُرْبُ السُّوبِيَةِ حَلَالٌ مَا لَمْ تَدْخُلْهَا الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَتَحْرُمُ.
(وَعَقِيدٌ) ابْنُ شَاسٍ: شُرْبُ الْعَصِيرِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الْعَقِيدُ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ قُوَّةُ الْإِسْكَارِ. مُحَمَّدٌ: لَا أُحِبُّ فِي طَبْخِهِ ثُلُثَيْنِ وَنَحْوُهُمَا وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى السُّكْرِ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ ذَهَبَتْ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ.
(أُمِنَ سُكْرُهُ) لَوْ قَالَ: " سُكْرُهَا " لَرَجَعَ إلَى الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ: الْعَصِيرُ قَبْلَ أَنْ يَنِشَّ حَلَالٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: فِي السُّوبْيَا مَا لَمْ تَدْخُلْهَا الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْعَقِيدِ: إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى السُّكْرِ وَأَنْظُرُ مُعَالَجَةَ الْعَصِيرِ حَتَّى يُبْطِئَ هَدِيرَهُ وَغَلَيَانَهُ يَسْتَحِلُّهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ سَمَاعٍ مِنْ جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ كَرِهَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ الذَّرِيعَةِ إلَى اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ. وَقَالَ فِي صَدْرِ مُقَدِّمَاتِهِ: الْمَكْرُوهُ ضِدُّ الْمُسْتَحَبِّ وَهُوَ مَا كَانَ فِي تَرْكِهِ ثَوَابٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ عِقَابٌ وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ.
[ ٤ / ٣٥١ ]
(وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ) اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَعْزُهُ أَبُو عُمَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَنَصُّ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْتُ فِي الرَّجُلِ يَضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا. أَبُو عُمَرَ: حُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَيْسَ مِمَّنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ فَإِذَا كَانَتْ حَلَالًا لَهُ أَكَلَ مِنْهَا مَا شَاءَ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ فِي الرِّسَالَةِ (غَيْرَ آدَمِيٍّ) الْبَاجِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ الْمَيِّتِ وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَخَمْرٍ إلَّا لِغُصَّةٍ) الْبَاجِيُّ: وَهَلْ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ أَنْ يَشْرَبَ لِجُوعِهِ أَوْ عَطَشِهِ الْخَمْرَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْرَبُهَا وَلَنْ تَزِيدَهُ إلَّا عَطَشًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الدَّمَ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَقْرَبُ ضَوَالَّ الْإِبِلِ وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ غَصَّ بِطَعَامٍ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَوِّزَهُ بِالْخَمْرِ وَقَالَهُ أَبُو الْفَرْجِ، وَأَمَّا التَّدَاوِي بِهَا فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لِلضَّرُورَةِ فَالْفَرْقُ أَنَّ التَّدَاوِيَ لَا يُتَيَقَّنُ الْبُرْءُ بِهَا مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَمَادٌ نَجَسٌ ".
(وَقَدَّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى خِنْزِيرٍ) الْبَاجِيُّ: إنْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَخِنْزِيرًا فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مَيْتَةٌ وَهُوَ لَا يُسْتَبَاحُ بِوَجْهٍ.
(وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) . الْبَاجِيُّ: مَنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَهُوَ
[ ٤ / ٣٥٣ ]
مُحْرِمٌ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَلَمْ يُذَكِّ الصَّيْدَ لِأَنَّ بِذَكَاتِهِ يَكُونُ مَيْتَةً (لَا لَحْمِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ خَاصٌّ.
(وَطَعَامِ غَيْرٍ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُوَطَّأِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمُضْطَرِّ إلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ تَمْرًا لِقَوْمٍ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ التَّمْرِ وَالزُّرُوعِ أَوْ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ. وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يَعُدُّوهُ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ.
الْبَاجِيُّ: نَحْوُ هَذَا. رَوَى مُحَمَّدٌ: وَزَادَ إنْ كَانَ مَالُ الْغَيْرِ لَا قَطْعَ فِيهِ فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ إنْ خَفِيَ لَهُ ذَلِكَ. الْبَاجِيُّ: فَشَرَطَ فِي التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ أَنْ يَخْفَى لَهُ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذَى وَيُضْرَبَ إنْ عُلِمَ بِهِ وَلَمْ يُصَدَّقْ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ، وَشَرَطَ فِي تَمْرِ الْجَرِينِ وَغَنَمِ الْمُرَاحِ أَنْ يُصَدِّقُوهُ مَخَافَةَ أَنْ يُقْطَعَ إنْ لَمْ يُصَدِّقُوهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَخْفَى لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ التَّسَتُّرِ هُوَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَهُ مُعْلَنًا إنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْمَيْتَةِ يَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ وَقَالَ فِي مَالِ غَيْرِهِ يَأْكُلُ مَا يَرُدُّ بِهِ جُوعَهُ وَلَا يَتَزَوَّدُ، لِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ وَلِحَقِّ مَالِكِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِذَا اُسْتُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ تَجَاوَزَتْ الرُّخْصَةُ فِيهَا مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تَتَجَاوَزُ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ، وَإِذَا بَلَغَتْ الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ فَقَدْ لَزِمَ صَاحِبُ التَّمْرِ وَالزَّرْعِ مُوَاسَاتُهُ بِثَمَنٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ مَا لَا يُؤْكَلُ كَالثِّيَابِ وَالْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَسَوَاءٌ وَجَدَ مَيْتَةً أَمْ لَا. وَقَدْ أَحْسَنَ ابْنُ حَبِيبٍ إيرَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: إنْ حَضَرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ، فَإِنْ مَنَعَهُ فَجَائِزٌ لِلَّذِي خَافَ الْمَوْتَ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى أَكْلِ مَا يَرُدُّ نَفْسَهُ.
الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَدْعُوهُ أَوَّلًا إلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَبَى اسْتَطْعَمَهُ، فَإِنْ أَبَى أَعْلَمَهُ أَنَّهُ يُقَاتِلُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ مَالَ غَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: يَضْمَنُ. أَبُو عَمْرٍو: قَالَ الْأَكْثَرُ: إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ التَّمْرَ سَاقِطًا لَا يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا إنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ طَيِّبُ النَّفْسِ بِذَلِكَ أَوْ يَكُونُ مُحْتَاجًا قَالَ: وَلَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ شَيْئًا.
(وَالْمُحَرَّمُ النَّجِسُ) تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: " الْمُبَاحُ طَعَامٌ
[ ٤ / ٣٥٤ ]
طَاهِرٌ (وَخِنْزِيرٌ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَوَحْشٌ " وَانْظُرْ خِنْزِيرَ الْمَاءِ. الْبَاجِيُّ: أَمَّا كَلْبُ الْبَحْرِ وَخِنْزِيرُهُ فَرَوَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ: - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيبُنَا فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ بِشَيْءٍ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَتَّقِيهِ وَلَوْ أَكَلَهُ رَجُلٌ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا.
(وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دُجِّنَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُؤْكَلُ الْبِغَالُ وَالْخَيْلُ وَالْحُمُرُ قَالَ: وَإِذَا
[ ٤ / ٣٥٥ ]
دُجِّنَ حِمَارُ وَحْشٍ وَصَارَ يَعْمَلُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْكَلْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَأَنَّسَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ فَقَدْ صَارَ كَالْأَهْلِيِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ صَيْدٌ مُبَاحٌ أَكْلُهُ فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ التَّأَنُّسُ كَسَائِرِ الصَّيْدِ انْتَهَى. اُنْظُرْ إذَا اسْتَوْحَشَ الْأَهْلِيُّ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: فِي كَرَاهَةِ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَحُرْمَتِهَا رِوَايَتَانِ، وَالْبِغَالُ مِثْلُهَا.
وَفِي التَّلْقِينِ: الْخَيْلُ مَكْرُوهَةٌ دُونَ كَرَاهِيَةِ السِّبَاعِ، وَمَا حَكَى الْمَازِرِيُّ خِلَافَ هَذَا، وَمَا عَزَا الْبَاجِيُّ لِمَالِكٍ فِي الْخَيْلِ إلَّا الْكَرَاهَةَ خَاصَّةً، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إبَاحَتُهَا.
(وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَكْلَ السَّبُعِ وَلَا الثَّعْلَبِ وَلَا الذِّئْبِ وَلَا الْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَلَا الْإِنْسِيِّ وَلَا شَيْئًا مِنْ السِّبَاعِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السِّبَاعَ أَكْلُهَا عَنْ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ وَلَا تَفْصِيلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَدَنِيُّونَ فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ: الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ وَالْكَلْبُ. فَأَمَّا غَيْرُ الْعَادِيَةِ كَالذِّئْبِ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ فَمَكْرُوهَةٌ دُونَ تَحْرِيمٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَنَحْوُ هَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. اللَّخْمِيِّ: فِي حُرْمَةِ كُلِّ ذِي نَابٍ كَالْكَلْبِ وَالذِّئْبِ وَكَرَاهَتُهُمَا قَوْلَانِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: إدْخَالُ مَالِكٍ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ يَدُلُّ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَأَصْلُ النَّهْيِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى مَا وَرَدَ مِنْهُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ وَارِدًا عَلَى مَا فِي مِلْكِكَ فَهِيَ نَهْيُ أَدَبٍ وَإِرْشَادٍ كَالْأَكْلِ مِنْ رَأْسِ الصَّحْفَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَمَا طَرَأَ عَلَى غَيْرِ مِلْكِك فَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَالشِّغَارِ وَعَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ وَاسْتِبَاحَةِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ. وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ. لِأَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهَا نَهْيُ أَشْيَاءَ مُحَرَّمَاتٍ وَبِإِجْمَاعٍ أَنَّ
[ ٤ / ٣٥٦ ]
النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ إنَّمَا كَانَ مِنْ الْمَدِينَةِ. وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: سَبُعٌ إنْ كَانَ عَنَى بِهِ الْأَسَدَ فَعَلَى مَا قَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَمُقْتَضَى مَا لِابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ حَرَامٌ.
(وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ) مُقْتَضَى مَا لِابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ لَا يَخْتَلِفُ. مَالِكٌ: إنَّ أَكْلَهُمَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْبَاجِيِّ.
(وَذِئْبٌ) حُكْمُ الذِّئْبِ وَاللَّيْثِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْكَلْبِ كَحُكْمِ الْأَسَدِ كَمَا تَقَدَّمَ فَانْظُرْهُ (وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا) تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الثَّعْلَبِ وَالدُّبِّ.
(وَفِيلٌ) ابْنُ عُمَرَ: كَرِهَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ أَكْلَ الْفِيلِ لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ، وَهُمْ لِلْأَسَدِ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ نُحِرَ اُنْتُفِعَ بِعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ (وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ) تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبَغْلٌ ".
[ ٤ / ٣٥٧ ]
(وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ) ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذَا تَعَبُّدٌ لَا لِعِلَّةٍ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَا عَلِمْتُ لَهَا وَجْهًا إلَى الْآنَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ الْإِسْكَارَ فَدَعْهُ يَخْلِطُهُ بِمَا شَاءَ وَيَشْرَبُهُ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الِاتِّبَاعُ حَتَّى إنِّي رَوَيْتُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ: الْأُولَى أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ وَهُوَ الَّذِي بَدَا الْإِرْطَابُ فِي ذَنَبِهِ وَصَدَقَ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَلِيطَيْنِ.
الثَّانِيَةُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ أَجْرَى النَّهْيَ فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى مَنَعَ مِنْهَا فِي شَرَابِ الطِّيبِ، وَهَذَا جُمُودٌ عَظِيمٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " الْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ " هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ كَالْبُسْرِ مَعَ التَّمْرِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَرَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ الْآثَارَ
[ ٤ / ٣٥٩ ]
بِرَأْيِهِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِشَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ. وَنَحْوُ هَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَإِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يُنْبَذَا ثُمَّ يُشْرَبَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَجُوزُ شَرَابُ الْخَلِيطَيْنِ يُنْبَذَانِ وَيُخْلَطَانِ عِنْدَ الشُّرْبِ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ إلَّا الْفُقَّاعَ فَقَالَ أَصْبَغُ: يُسْتَحَبُّ تَحْلِيَتُهُ بِالْعَسَلِ وَشُرْبُهُ بِاللَّبَنِ. الْبَاجِيُّ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَمْنُوعًا لِأَنَّ الْفُقَّاعَ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْبَذُ مُفْرَدًا وَالْعَسَلُ يُنْبَذُ مُفْرَدًا، فَالْقِيَاسُ مَنْعُ جَمْعِهِمَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعَسَلِ يُطْرَحُ فِيهِ قِطْعَةُ الْعَجِينِ أَوْ الْحَرِيرَةِ.
وَأَمَّا خَلْطُ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَشُرْبِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِهِ إنَّمَا هُوَ خَلْطُ مَشْرُوبَيْنِ كَشَرَابِ الْوَرْدِ وَشَرَابِ النَّيْلُوفَرِ. انْتَهَى مِنْ الْبَاجِيِّ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: عَلَى هَذَا يَجُوزُ خَلْطُ الرُّبِّ وَالْخَلِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَهِي إلَى الْإِسْكَارِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مَعْنَى خَلْطِ شَرَابِ الطِّيبِ وَحَكَى اللَّخْمِيِّ أَيْضًا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ خَلْطِ شَرَابِ الْوَرْدِ وَالسَّكَنْجَبِينِ.
وَعَنْ مَالِكٍ: لَا خَيْرَ فِي الْخَلِيطَيْنِ لِلْخَلِّ. وَعَنْهُ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَنْ نَبَذَ الْخَلِيطَيْنِ فَقَدْ أَسَاءَ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَيَجُوزُ شُرْبُهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ بِمَا طُبِخَ بِالْعَصِيرِ مِنْ سَفَرْجَلٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ يَوْمَ عُمِلَ بِهِ حَلَالًا يُرِيدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَّا الِانْتِبَاذَ بَلْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبْقَاءِ لِمَنْفَعَتِهِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِمَعْنَى الْخَلِيطَيْنِ لِلْخَلِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي خَلْطِهِمَا لِلْخَلِّ غَرَضٌ مَقْصُودٌ مُبَاحٌ كَمَا فِي المري.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَوَازِ خَلْطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ لِلْخَلِّ وَكَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ فِي النُّضُوخِ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ لِرَأْسِ الْمَرَّةِ رِوَايَتَانِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَبَذَ تَمْرٌ مَعَ زَبِيبٍ، وَلَا بُسْرٌ أَوْ زَهْوٌ مَعَ رُطَبٍ، وَلَا بُرٌّ مَعَ شَعِيرٍ أَوْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ تِينٍ أَوْ عَسَلٍ. الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَنَبِيذٌ بكدباء) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ لِئَلَّا يُعَجِّلَ مَا يُنْبَذُ فِيهِ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالتَّخْلِيلُ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْرَبَ النَّبِيذَ مَا لَمْ يُسْكِرْ كَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ مَنْ اجْتَرَأَ وَخَلَّلَهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي الْحَنْتَمِ أَنَّهُ مَا طُلِيَ مِنْ الْفَخَّارِ بِالْحَنْتَمِ وَهُوَ الزُّجَاجُ وَالدُّبَّاءُ الْقَرْعَةُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - وَالنَّقِيرُ الْمَنْقُورُ وَهُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ. ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ مَا كَانَ
[ ٤ / ٣٦٠ ]
مِنْ عُودٍ ثُمَّ يُنْبَذُ فِيهِ، وَالْمُقَيَّرُ مَا طُلِيَ بِالْقَارِ وَهُوَ الزِّفْتُ.
(وَفِي كُرْهِ الْقِرْدِ) ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَحِلُّ لَحْمُ الْقِرْدِ. أَبُو عُمَرَ: لَا خِلَافَ فِي هَذَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ.
(وَالطِّينِ وَمَنْعِهِمَا قَوْلَانِ) ابْنُ شَاسٍ: كَرِهَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَكْلُ الطِّينِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَكْلُهُ حَرَامٌ. اُنْظُرْ رَسْمَ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَفِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ الْمَازِرِيِّ.
[ ٤ / ٣٦١ ]
ابْنُ شَاسٍ: وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الذَّبِيحَةُ وَالْوَقْتُ وَالذَّابِحُ. وَأَحْكَامُ الضَّحَايَا قِسْمَانِ قَبْلَ الذَّبْحِ وَبَعْدَهُ (سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنًى ضَحِيَّةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا لِقَادِرٍ عَلَيْهَا مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الْحَاجَّ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِمْ أُضْحِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ سُكَّانِ مِنًى وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ
[ ٤ / ٣٦٢ ]
الْمَوْسِمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فَهُمْ فِي ضَحَايَاهُمْ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا لَمْ تَكُنْ عَلَى الْحَاجِّ لِأَنَّ مَا يُنْحَرُ بِمِنًى إنَّمَا هُوَ هَدْيٌ لِأَنَّهُ يُوقَفُ بِعَرَفَةَ، وَلِأَنَّ الْحُجَّاجَ لَمْ يُخَاطَبُوا بِصَلَاةِ الْعِيدِ لِأَجْلِ حَجِّهِمْ فَكَذَلِكَ فِي الْأُضْحِيَّةِ (لَا تُجْحِفُ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ.
(وَإِنْ يَتِيمًا) ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّغِيرُ أَوْ الْأُنْثَى أَوْ الْمُسَافِرُ كَقَسِيمِهِ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْيَتِيمِ يَكُونُ لَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا، أَيُضَحِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ بِالشَّاةِ بِالنِّصْفِ دِينَارٍ وَنَحْوِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرِزْقُهُ عَلَى اللَّهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ قَالَ: وَأَرَى التَّضْحِيَةَ بِنِصْفِ دِينَارٍ مِنْ ثَلَاثِينَ مِمَّا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيَصْدُقُ فِي ذَلِكَ كَمَا يَصْدُقُ فِي تَزْكِيَةِ مَالِهِ وَفِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ. وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً وَمَالُهُمْ فِي يَدِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ ضَحَّى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشَاةٍ شَاةٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُمْ مِنْ مَالِهِمْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانُوا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهُمْ فِي ضَحِيَّتِهِ إنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ قَرَابَتِهِ.
(بِجَذَعِ ضَأْنٍ وَثَنِيِّ مَعْزٍ وَبَقَرٍ وَإِبِلٍ ذِي سَنَةٍ وَثَلَاثٍ وَخَمْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُ مَا دُونَ الثَّنِيِّ مِنْ سَائِرِ الْأَنْعَامِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا إلَّا الضَّأْنُ وَحْدَهَا فَإِنَّ جَذَعَهَا يُجْزِئُ. ابْنُ حَبِيبٍ: الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ ابْنُ سَنَةٍ تَامَّةٍ.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ابْنُ ثَمَانِيَةٍ، وَقِيلَ: ابْنُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ لَهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالثَّنِيُّ مِنْ الْبَقَرِ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ. وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ مَا أَتَمَّ خَمْسَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ.
(بِلَا شِرْكٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ مَنْعُ الشَّرِكَةِ فِيهَا بِالْمِلْكِ (إلَّا فِي الْأَجْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ أُضْحِيَّةً بِمَالِ نَفْسِهِ وَذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَجَائِزٌ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرِكَةٍ فِي مِلْكِ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا هِيَ شَرِكَةٌ فِي الثَّوَابِ وَالْبَرَكَةِ.
(وَإِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ضَحَّى بِشَاةٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ أَنْفُسٍ.
(إنْ سَكَنَ مَعَهُ وَقَرُبَ لَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَبَرُّعًا) الْبَاجِيُّ: مَنْ الَّذِي يُشْرِكُهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي بِأَهْلِ بَيْتِهِ أَهْلَ نَفَقَتِهِ قَلِيلًا كَانُوا أَوْ كَثِيرًا. زَادَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: وَوَلَدَهُ وَوَالِدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَهُ أَنْ
[ ٤ / ٣٦٤ ]
يُدْخِلَ فِي أُضْحِيَّتِهِ مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَأَخَاهُ وَابْنُ أَخِيهِ وَقَرِيبِهِ إذَا كَانُوا فِي نَفَقَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَأَبَاحَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: الْقَرَابَةُ وَالْمُسَاكَنَةُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ. مُحَمَّدٌ: وَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ زَوْجَتَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ آكَدُ مِنْ الْقَرَابَةِ قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ زَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ.
(وَإِنْ جَمَّاءَ) . ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأُضْحِيَّةِ بِالْجَمَّاءِ وَهِيَ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا. انْتَهَى. اُنْظُرْ إنْ كَانَ عَنَى بِهَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ لَهَا خِلْقَةً فَإِنَّ مُسْتَأْصَلَةَ الْقَرْنَيْنِ دُونَ إدْمَاءٍ اخْتَلَفَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ فِي
[ ٤ / ٣٦٥ ]
جَوَازِ التَّضْحِيَةِ بِهَا مَنَعَ أَحَدُهُمَا وَأَجَازَ الْآخَرُ (وَمُقْعَدَةً لِشَحْمٍ) سَحْنُونَ: تُجْزِئُ الَّتِي أَقْعَدَهَا الشَّحْمُ.
(وَمَكْسُورَةَ قَرْنٍ لَا إنْ أَدْمَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُجْزِئُ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُدْمِي فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَرَضٌ.
(كَبَيِّنِ مَرَضٍ وَجَرَبٍ وَبَشَمٍ) . ابْنُ يُونُسَ: نَهَى - ﷺ - عَنْ الْمَرِيضَةِ الْبَيِّنِ مَرَضُهَا، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيَضُرُّ بِمَنْ يَأْكُلُهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُ الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَلَا الْحَمِرَةُ وَهِيَ الْبَشِمَةُ يُرِيدُ الَّذِي أَصَابَهَا التُّخَمَةُ مِنْ الْأَكْلِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ بِهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْجَرِبَةُ إنْ كَانَ ذَلِكَ مَرَضًا لَهَا وَلَا تُجْزِئُ ذَاتُ الدَّبَرَةِ الْكَبِيرَةِ.
(وَجُنُونٍ) أَبُو عُمَرَ: لَا بَأْسَ بِالتَّوْلَاءِ إذَا كَانَتْ سَمِينَةً. الْجَوْهَرِيُّ: التَّوْلُ جُنُونٌ يُصِيبُ الشَّاةَ فَلَا تَتْبَعُ الْغَنَمَ وَتَسْتَدْبِرُ فِي مَرْتَعِهَا. الْبَاجِيُّ: الْجُنُونُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَلَمْ أَجِدْ لِأَصْحَابِنَا نَصًّا فِيهِ.
(وَهُزَالٍ) أَبُو عُمَرَ: الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِغَايَةٍ فِي الْهُزَالِ تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا تُجْزِئُ الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي. ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ الَّتِي لَا شَحْمَ لَهَا. عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَلَا مُخَّ فِي عَظْمِهَا.
(وَعَرَجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَسِيرُ الْعَرَجِ غَيْرُ الْمَانِعِ لُحُوقَهَا بِالْغَنَمِ
[ ٤ / ٣٦٦ ]
خَفِيفٌ (وَعَوَرٍ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: أَمَّا الْعَوَرُ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي مَنْعِ الْأُضْحِيَّةِ بِهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالْهَدَايَا وَالضَّحَايَا بِالْبَيَاضِ أَوْ غَيْرِهِ فِي الْعَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّاظِرِ مِنْهُ شَيْءٌ.
(وَفَائِتِ جُزْءٍ غَيْرِ خُصْيَةٍ) الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ نَقْصُ الْخِلْقَةِ يُنْقِصُ مَنَافِعَهَا وَجِسْمَهَا وَلَا يَعُودُ بِمَنْفَعَةٍ فِي لَحْمِهَا فَهُوَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَعَدَمِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ. ابْنُ زَرْقُونٍ: إنَّمَا قَالَ لَا يَعُودُ بِمَنْفَعَةٍ تَحَرُّزًا مِنْ الْخُصَى الَّذِي يَعُودُ بِمَنْفَعَةٍ فِي لَحْمِهَا.
(وَصَمْعَاءَ جِدًّا) . الْبَاجِيُّ: وَأَمَّا الصَّكَّاءُ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ الْأُذُنِ وَهِيَ الصَّمْعَاءُ فَتُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنَيْنِ وَهِيَ السَّكَّاءُ فَلَا خَيْرَ فِيهَا، وَعِنْدِي أَنَّهَا إنْ كَانَتْ الْأُذُنُ مِنْ الصِّغَرِ بِحَيْثُ تَقْبُحُ بِهِ الْخِلْقَةُ وَيَقَعُ بِهَا التَّشْوِيهُ فَلَا تُجْزِئُ.
(وَذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ) . الْبَاجِيُّ: لَوْ ضَرَبَتْ فَحَوْلُ الْبَقَرِ الْإِنْسِيَّةِ إنَاثَ الْبَقَرِ الْوَحْشِيَّةِ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُضَحِّي بِهَا لِأَنَّ كُلَّ وَلَدٍ تَبَعٌ لِأُمِّهِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي بَنِي آدَمَ. وَاخْتَلَفُوا إذَا ضَرَبَتْ فَحَوْلُ الْوَحْشِيَّةِ إنَاثَ الْإِنْسِيَّةِ وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ إجَازَةُ ذَلِكَ.
(وَبَتْرَاءَ) . ابْنُ رُشْدٍ: لَا تُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ ذَنَبِهَا النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ وَهْبٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الثُّلُثُ يَسِيرٌ وَأَمَّا الرُّبْعُ فَيَسِيرٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: سِمَنُ الْغَنَمِ كُلِّهَا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فِي أَذْنَابِهَا وَلَذَّتُهَا فِي تِلْكَ الشُّحُومِ حَتَّى تَرَى الشَّاةَ لَا تَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ لِعِظَمِ ذَنَبِهَا، فَلِهَذَا الْمَعْنَى رَاعَى الْعُلَمَاءُ الذَّنَبَ وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا بِلَادُنَا فَلَوْ كَانَ عَدَمُ الذَّنَبِ كُلِّهِ مَا أَثَّرَ إلَّا فِي الْجَمَالِ خَاصَّةً.
(وَبَكْمَاءَ وَبَخْرَاءَ) اللَّخْمِيِّ: لَا تُجْزِئُ الْبَكْمَاءُ وَيُتَّقَى نَتِنُ الْفَمِ (وَيَابِسَةِ ضَرْعٍ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا خَيْرَ فِي
[ ٤ / ٣٦٧ ]
يَابِسَةِ الضَّرْعِ وَلَا بَأْسَ بِيَابِسَةِ بَعْضِهِ.
(مَشْقُوقَةِ أُذُنٍ) خَرَّجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَلَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ» . أَبُو عُمَرَ: يُرِيدُ بِالْمُقَابَلَةِ مَا قُطِعَ طَرَفُ أُذُنِهَا، وَالْمُدَابِرَةُ مَا قُطِعَ مِنْ جَانِبَيْ الْأُذُنِ. الْبَاجِيُّ: الْمُدَابِرَةُ الَّتِي يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَإِنَّمَا تَمْنَعُ الِاسْتِحْبَابَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَذْهَبُ الْجَلَّابِ وَابْنِ الْقَصَّارِ وَالْبَغْدَادِيِّينَ قَصْرُ مَنْعِ الْإِجْزَاءِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «أَرْبَعَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ فَذَكَرَ الْعَوْرَاءَ وَالْعَرْجَاءَ وَالْمَرِيضَةَ وَالْعَجْفَاءَ» . ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَشْهُورُ لُحُوقُ بَيِّنِ الْعَيْبِ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى مَفْهُومِ الْعَدَدِ وَعَكْسِهِ.
(وَمَكْسُورَةِ سِنٍّ لِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ) . مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِاَلَّتِي سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا مِنْ كِبَرٍ وَهَرَمٍ أَوْ حَفًا، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ عَيْبٌ فَلَا يُضَحِّي بِهَا. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ مِنْ ثَغَارٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُضَحِّيَ بِمَا سَقَطَتْ لَهَا سِنٌّ وَاحِدَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا مِنْ كِبَرٍ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: إنْ ذَهَبَ لَهَا سِنٌّ فَلَا يُضَحِّي بِهَا.
(وَذَاهِبَةِ ثُلُثِ ذَنَبٍ لَا أُذُنٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ وَابْنَ وَهْبٍ قَالَا: ثُلُثُ الذَّنَبِ كَثِيرٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: ثُلُثُ الذَّنَبِ يَسِيرٌ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ ذَهَابَ ثُلُثِ الْأُذُنِ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ، وَذَهَابُ ثُلُثِ الذَّنَبِ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ، لِأَنَّ الذَّنَبَ لَحْمٌ وَعَصَبٌ وَالْأُذُنَ طَرَفُ جِلْدٍ لَا يَكَادُ يَسْتَضِرُّ بِهِ لَكِنْ يُنْقِصُ الْجَمَالَ كَثِيرُهُ. وَعِنْدِي أَنَّ الشَّقَّ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ تَشْوِيهِ الْخِلْقَةِ، وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ قَصِيرَةِ الذَّنَبِ خِلْقَةً لَا يَعِيبُهَا
[ ٤ / ٣٦٨ ]
قَالَ: تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ. ابْنُ قِدَاحٍ: وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ.
(مِنْ ذَبْحِ الْإِمَامِ لِآخِرِ الثَّالِثِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْأَيَّامُ الَّتِي يُضَحَّى فِيهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا، وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَدْ انْقَضَى الذَّبْحُ وَفَاتَ، وَلَا يُضَحَّى بِلَيْلٍ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيَوْمُ النَّحْرِ هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَوَقْتُ الذَّبْحِ مِنْهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ بِيَدِهِ، وَلَا يُرَاعَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ذَبْحُ الْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَحَلَّتْ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الذَّبْحُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ. أَبُو عُمَرَ: نَصَّ مَالِكٌ أَنَّ الصُّبْحَ مِنْ النَّهَارِ، وَهُوَ الْحَقُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: هُوَ مِنْ اللَّيْلِ (وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ أَوْ إمَامُ الصَّلَاةِ قَوْلَانِ) . اللَّخْمِيِّ: الْمُعْتَبَرُ إمَامُ الطَّاعَةِ كَالْعَبَّاسِيِّ الْيَوْمَ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِبَلَدِهِ أَوْ عَمَلُهُ عَلَى بَلَدٍ
[ ٤ / ٣٦٩ ]
مِنْ بُلْدَانِهِ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَأَمَّا الْمُتَغَلِّبُونَ عَلَى الْبِلَادِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى فِعْلِهِمْ وَنَحْوِهِ لِلَّخْمِيِّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي هَذَا نَظَرٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ بِنُفُوذِ أَحْكَامِهِمْ وَأَحْكَامِ قُضَاتِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ: يَرِدُ بِعَدَمِ إمْكَانِ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِمْكَانِ الثَّانِي لِتَحَرِّي وَقْتِ الْإِمَامِ غَيْرِ الْمُتَغَلِّبِ كَمَا لَوْ كَانَ وَأَخَّرَ ذَبْحَهُ اخْتِيَارًا. ابْنُ رُشْدٍ: الْمُرَاعَى لِلْإِمَامِ الَّذِي يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ بِالنَّاسِ إذَا كَانَ مُسْتَخْلَفًا عَلَى ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: صَرِيحُ نَصِّهَا مَعَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ بِأَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ، وَكَوْنُ الْمُعْتَبَرِ إمَامَ بَلَدِ مَنْ ذَبَحَ عَنْ مُسَافِرٍ لَا إمَامَ بَلَدِ الْمُسَافِرِ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ إمَامَ الصَّلَاةِ لِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ إمَامِ الطَّاعَةِ. وَعَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ ذَبْحُ إمَامِ صَلَاتِنَا لِأَنَّ إخْرَاجَ السُّلْطَانِ أُضْحِيَّتَهُ لِلذَّبْحِ بِالْمُصَلَّى دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ نِيَابَتِهِ إيَّاهُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِذَبْحِهِ.
(وَلَا يُرَاعَى قَدْرُهُ فِي غَيْرِ الْأَوَّلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَا يُرَاعَى فِي
[ ٤ / ٣٧٠ ]
الثَّانِي وَالثَّالِثِ ذَبْحُ الْإِمَامِ وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ (وَأَعَادَ سَابِقُهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ (إلَّا الْمُتَحَرِّي أَقْرَبَ إمَامٍ كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا وَتَوَانَى بِلَا عُذْرٍ قَدْرَهُ وَبِهِ انْتَظَرَ لِلزَّوَالِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَجْهُ الشَّأْنِ أَنْ يُخْرِجَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى فَيَذْبَحَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ يَذْبَحَ النَّاسُ بَعْدَهُ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَلَى النَّاسِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُظْهِرَ أُضْحِيَّتَهُ لِيَصِلَ النَّاسُ إلَى الْعِلْمِ بِوَقْتِ ذَبْحِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ تَحَرَّوْا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ تَحَرَّوْا فَسَبَقُوهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ اجْتَهَدُوا كَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ مَعَ الْغَيْبَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى وَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُؤَخِّرُوا ذَبْحَ ضَحَايَاهُمْ إلَى قَدْرِ مَا يَبْلُغُ الْإِمَامُ فَيَذْبَحَ عِنْدَ وُصُولِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ انْتِظَارُهُ إنْ تَرَاخَى فِي الذَّبْحِ بَعْدَ وُصُولِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ أَخَّرَ الذَّبْحَ لِعُذْرٍ مِنْ اشْتِغَالٍ بِقِتَالِ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ انْتَظَرُوهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلْيَتَحَرَّ أَهْلُ الْبَوَادِي وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحُهُ فَيَذْبَحُونَ بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ تَحَرَّوْا فَذَبَحُوا قَبْلَهُ أَجْزَاهُمْ.
(وَالنَّهَارُ شَرْطٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُضَحَّى بِلَيْلٍ (وَنُدِبَ إبْرَازُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَجْهُ الشَّأْنِ أَنْ يُخْرِجَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ جَازَ وَكَانَ صَوَابًا وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ. الْبَاجِيُّ: لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرَبِ الْمَسْنُونَةِ الْعَامَّةِ فَالْأَفْضَلُ إظْهَارُهَا لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ سُنَّتِهَا وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
(وَجَيِّدٌ وَسَالِمٌ) . ابْنُ بَشِيرٍ: صِفَةُ الْكَمَالِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَعَلَا الْغَنَمِ سَالِمَةً مِنْ الْعُيُوبِ الْكَثِيرَةِ وَالْيَسِيرَةِ لِأَنَّهَا قُرْبَانٌ إلَى اللَّهِ وَقَدْ سُمِّيَتْ هَدَايَا. اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ اسْتِفْرَاهُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَدَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اسْتِحْبَابَهَا بِكَبْشٍ عَظِيمٍ سَمِينٍ فَحْلٍ أَقَرْنَ يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ وَيَسْمَعُ فِيهِ وَيَشْرَبُ فِيهِ. زَادَ ابْنُ يُونُسَ: أَمْلَحَ وَهُوَ مَا كَانَ بَيَاضُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَوَادِهِ.
(وَغَيْرُ خَرْقَاءَ وَشَرْقَاءَ وَمُقَابَلَةٌ وَمُدَابَرَةٌ) اُنْظُرْ النَّصَّ
[ ٤ / ٣٧١ ]
بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَشْقُوقَةِ أُذُنٍ " (وَسَمِينٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابُ سَمِينٍ. عِيَاضٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ تَسْمِينِهَا. (وَذَكَرٌ) . الْبَاجِيُّ: فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ ذُكُورَ كُلِّ جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهِ.
(وَأَقْرَنُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ بِاسْتِحْبَابِ أَقْرَنَ (وَفَحْلٌ) ابْنُ حَبِيبٍ: الْفَحْلُ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ الْخَصِيِّ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ) ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِينُ الْخَصِيِّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ هَزِيلِ الْفَحْلِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمِنْ أَغْرَبِ الْخِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْخَصِيَّ أَوْلَى مِنْ الْفَحْلِ لِأَنَّهُ أَسْمَنُ قُلْنَا لَيْسَ بِأَكْمَلَ.
(وَضَأْنٌ مُطْلَقًا ثُمَّ مَعْزٌ ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ إبِلٌ خِلَافٌ) قَالَ مَالِكٌ: فَحَوْلُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا، وَإِنَاثُهَا أَفْضَلُ مِنْ فُحُولِ الْمَعْزِ، وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا. ابْنُ شَعْبَانَ: إنَاثُهَا أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْإِبِلِ ثُمَّ ذُكُورُ الْبَقَرِ ثُمَّ إنَاثُهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْبَقَرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِبِلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَوَجَّهَ ابْنُ رُشْدٍ كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يُرَجِّحْ قَوْلًا.
(وَتَرْكُ حَلْقٍ وَقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ) الْبَاجِيُّ: عَنْ مَالِكٍ وَالْمَازِرِيِّ عَنْ رِوَايَةِ الْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ الْقَصَّارِ. يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ إذَا رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ أَنْ لَا يَقُصَّ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ وَلَا يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ حَتَّى يُضَحِّيَ قَالَا: وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ.
(وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الصَّدَقَةُ بِثَمَنِهَا أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ مِنْهَا أَمْ هِيَ أَحَبُّ إلَيْهِ قَالَ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا لِمَنْ قَدَرَ. ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ.
(وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَلِيَ ذَكَاةَ أُضْحِيَّتِهِ بِيَدِهِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ: لَا يَلِي ذَبْحَهَا غَيْرُ رَبِّهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ ضَعْفٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: أَوْ كِبَرٍ أَوْ رَعْشَةٍ فَإِنْ أَمَرَ مُسْلِمًا غَيْرَهُ دُونَ عُذْرٍ فَبِئْسَ
[ ٤ / ٣٧٢ ]
مَا صَنَعَ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ بِنَفْسِهِ صَاغِرًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ: لِتَلِ الْمَرْأَةُ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهَا بِيَدِهَا أَحَبُّ إلَيَّ. وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَأْمُرُ بَنَاتِهِ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَمَا رَأَيْت مَنْ نَقَلَ خِلَافَ هَذَا إلَّا ابْنَ رُشْدٍ فَإِنَّهُ ارْتَضَى أَنْ لَا تَذْبَحَ الْمَرْأَةُ أُضْحِيَّتَهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.
(وَلِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهَا بِيعَتْ لَهُ. وَسَمِعَ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ اُسْتُحِبَّ لِوَرَثَتِهِ ذَبْحُهَا عَنْهُ فَإِنْ شَحُّوا فَهِيَ مِنْ مَالِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ أَصْلَ مَالِكٍ وَكُلِّ أَصْحَابِهِ إنَّمَا تَجِبُ بِالذَّبْحِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ) . ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَيُطْعِمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ. قَالَهُ عُثْمَانُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يَأْكُلُ مِنْ كَبِدِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهَا.
(وَإِعْطَاءٌ بِلَا حَدٍّ) قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ لَيْسَ فِي الضَّحَايَا وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ قِسْمٌ مَوْصُوفٌ وَلَا حَدٌّ مَعْلُومٌ.
(وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَهَلْ جَمِيعُهُ أَوْ إلَى الزَّوَالِ قَوْلَانِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: أَفْضَلُ الذَّبْحِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ
[ ٤ / ٣٧٣ ]
الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا. ابْنُ يُونُسَ: وَأَنْكَرَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّهُ إذَا فَاتَهُ الذَّبْحُ أَوَّلَ يَوْمٍ إلَى الزَّوَالِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاخْتِيَارُهُ أَحْسَنُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ كُلَّهُ الذَّبْحُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي وَالثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الثَّالِثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِمَنْ لَمْ يُضَحِّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ أَنْ يُؤَخِّرَ الذَّبْحَ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ، وَحَكَى الْخِلَافَ فِيمَنْ فَاتَهُ الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الزَّوَالِ، هَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُضَحِّيَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ أَوْ يُؤَخِّرَ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي. (وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي تَرَدُّدٌ) هَذَا صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ مَا ذَكَرَ خِلَافًا فِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي. وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ حَكَى الْخِلَافَ وَقَالَ: إنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاخْتِيَارَهُ وَالْأَحْسَنُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِيَ كُلَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَيَبْقَى آخِرُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. فَمُقْتَضَى قَوْلِ خَلِيلٍ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي رَشَّحَ ابْنُ يُونُسَ وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يُرَجِّحْ مِنْهُمَا قَوْلًا فَقَوْلُ خَلِيلٍ بَيِّنٌ.
(وَذَبْحُ وَلَدٍ خَرَجَ قَبْلَ الذَّبْحِ) هَذِهِ إحْدَى أَرْبَعِ الْمَسَائِلِ الْمَمْحُوَّاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: إذَا وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَحَسَنٌ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ أَرَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاجِبًا لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَ أُمِّهِ إنْ هَلَكَتْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ عَرَضْتهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: اُمْحُ وَاتْرُكْ مِنْهَا إنْ ذَبَحَهُ فَحَسَنٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَبَعْدَهُ جُزْءٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَوْ وَجَدَ فِي بَطْنِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَمَا ذَبَحَهَا جَنِينًا حَيًّا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ ذُكِّيَتْ وَهُوَ
[ ٤ / ٣٧٤ ]
بِبَطْنِهَا فَهُوَ كَلَحْمِهَا إنْ حَلَّ فَهُوَ كَلَحْمِهَا.
(وَكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجَزُّ صُوفُ الْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ الذَّبْحِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إلَّا فِي الْوَقْتِ الْبَعِيدِ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهِ مِثْلُهُ قَبْلَ الذَّبْحِ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَهُ أَنْ يَجُزَّهُ بَعْدَ الذَّبْحِ قَالَ: فَإِنْ جَزَّهُ قَبْلَ الذَّبْحِ يُرِيدُ بِالْقُرْبِ ثُمَّ ذَبَحَهَا أَجْزَأَتْهُ وَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يَبِيعُهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَوْ بَاعَهُ لَمْ أَرَ بَأْسًا بِأَكْلِ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَجُزَّهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَا يَبِعْهُ (إنْ لَمْ يَنْبُتْ لِلذَّبْحِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا فِي الْوَقْتِ الْبَعِيدِ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهِ مِثْلُهُ.
(وَلَمْ يَنْوِهِ حِينَ أَخَذَهَا) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي قَبُولِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا وَقَعَ لِعَبْدِ الْحَمِيدِ مَنْ اشْتَرَى شَاةً وَنِيَّتُهُ جَزُّ صُوفِهَا لِيَنْتَفِعَ بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ لَهُ وَلَوْ جَزَّهُ بَعْدَ ذَبْحِهَا نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إنْ شَرَطَهُ قَبْلَ ذَبْحِهَا فَذَبَحَهَا بِبَيْتِهِ وَبَعْدَهُ مُنَاقِضٌ لِحُكْمِهَا فَيَبْطُلُ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي الشَّرْطِ الْمُنَافِي لِلْعَقْدِ (وَبَيْعُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ السَّمَاعِ لَا بَيْعُهُ وَتَفْرِقَةٌ لِسَحْنُونٍ بَيْنَ أَنْ يَجُزَّهُ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ.
(وَشُرْبُ لَبَنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي لَبَنِ الْأُضْحِيَّةِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ لَبَنَ الْهَدْيِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ: لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ مِنْهَا بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا. وَرَأَى إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأُضْحِيَّةِ وَلَدٌ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِهَا فَيَحْلِبَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَلَوْ أَكَلَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا، وَإِنَّمَا مَنَعْته أَنْ يَنْتَفِعَ بِلَبَنِهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا كَمَا مَنَعَهُ مَالِكٌ أَنْ
[ ٤ / ٣٧٥ ]
يَجُزَّ صُوفَهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا أَوْ يَنْتَفِعَ بِهِ.
(وَإِطْعَامُ كَافِرٍ وَهَلْ إنْ بَعَثَ لَهُ أَوْ وُلِدَ فِي عِيَالِهِ تَرَدُّدٌ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُطْعِمَ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ جَارَهُ النَّصْرَانِيَّ أَوْ الظِّئْرَ النَّصْرَانِيَّةَ عِنْدَهُ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ الظِّئْرَ لِلرَّجُلِ فَيُضَحِّي فَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ فَرْوَةَ أُضْحِيَّةِ ابْنِهَا فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَنْ تُوهَبَ لَهَا الْفَرْوَةُ وَتُطْعَمَ مِنْ اللَّحْمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ قَوْلَيْهِ إلَيَّ. ابْنُ رُشْدٍ: اخْتِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّمَا مَعْنَاهُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي عِيَالِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي عِيَالِهِ أَوْ غَشِيَتْهُمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ لَمْ يَكُنْ بَأْسٌ أَنْ تُطْعَمَ مِنْهُ دُونَ خِلَافٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مُخَالَفَةٌ لِابْنِ حَبِيبٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ كَذَلِكَ اُنْظُرْهُ فِيهِ. الطُّرْطُوشِيُّ: لَوْ أَقَامَ بِأُضْحِيَّتِهِ سُنَّةَ عُرْسِهِ أَجْزَأَتْهُ وَلَوْ عَقَّ بِهَا عَنْ وَلَدِهِ لَمْ تُجْزِهِ.
(وَالتَّغَالِي فِيهَا) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: أَكْرَهُ التَّغَالِيَ فِي الضَّحِيَّةِ يَجِدَ بِعَشْرَةٍ فَيَشْتَرِي بِمِائَةٍ.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمُبَاهَاةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ خِلَافُ هَذَا، اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَيِّدٌ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِفْرَازُهَا ". الْبَاجِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا ابْتَاعَ أُضْحِيَّةً يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِحَمْلِهَا فِي السُّوقِ فَيَقُولُ هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عُمَرَ. اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ اسْتِفْرَاهُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا» وَنَقَلَ الْجَوْزِيُّ بِسَنَدِهِ لِبَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُمَاكِسُ فِي ثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ. وَيَقُولُ: يُمَاكَسُ فِي شَيْءٍ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ.
(وَفِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُضَحَّى عَمَّنْ فِي الْبَطْنِ. ابْنُ الْمَوَّازِ:
[ ٤ / ٣٧٧ ]
وَقَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ الْعَمَلُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَقَدْ مَاتَا وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ (كَعَتِيرَةٍ) ابْنُ يُونُسَ: الْعَتِيرَةُ الطَّعَامُ الَّذِي يُبْعَثُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ أَنْ يُرْسِلَ لِمَنَاحَةٍ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ ".
[ ٤ / ٣٧٨ ]
(وَإِبْدَالُهَا بِدُونٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً وَأَرَادَ أَنْ يُبْدِلَهَا قَالَ مَالِكٌ: لَا يُبْدِلُهَا إلَّا بِخَيْرٍ مِنْهَا. فَإِنْ بَاعَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَجِدْ بِالثَّمَنِ شَاةً فَلْيَزِدْ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى يَشْتَرِيَ مِثْلَهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ بَاعَهَا وَاشْتَرَى بِدُونِ الثَّمَنِ مِثْلَهَا أَوْ خَيْرًا مِنْهَا أَوْ دُونَهَا فَلْيَتَصَدَّقْ بِمَا اسْتَفْضَلَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَلَهَا بِدُونِهَا فَلْيَتَصَدَّقْ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَإِنْ شَحَّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا صَنَعَ بِالْفَضْلِ مَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
(وَإِنْ لِاخْتِلَاطٍ قَبْلَ الذَّبْحِ) سُئِلَ سَحْنُونَ عَنْ رَفِيقَيْنِ
[ ٤ / ٣٧٩ ]
اشْتَرَكَا فِي شِرَاءِ شَاتَيْنِ لِلْأُضْحِيَّةِ فَيَقْتَسِمَانِهِمَا: فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السَّمَانَةِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا كَرِهْت ذَلِكَ لِآخِذِ الدَّنِيَّةِ إلَّا أَنَّهَا تُجْزِئُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمَا ابْتِدَاءً أَنْ لَا يَتَقَاوَمَا إلَّا لِسِمَنٍ وَيَبِيعَا الْأَدْنَى وَيَشْتَرِي الَّذِي خَرَجَ عَنْ الْأَسْمَنِ مِنْ الَّذِي ضَحَّى بِهِ رَفِيقُهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّمَنِ مِنْ مَالِهِ.
(وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ إنْ اخْتَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الْأَحْسَنِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: إذَا اخْتَلَطَتْ أُضْحِيَتَا رَجُلَيْنِ بَعْدَ ذَبْحِهِمَا فَإِنَّهُمَا يُجَزِّئَانِهِمَا وَلَا يَأْكُلَانِ لَحْمَهُمَا وَلِيَتَصَدَّقَا بِهِ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا أَجْزَأْنَاهُمَا لِأَنَّهُمَا بِالذَّبْحِ وَجَبَتَا أُضْحِيَّةً فَلَا يَقْدَحُ اخْتِلَاطُهُمَا فِي الْإِجْزَاءِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْكُلَا لَحْمَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ يَأْكُلُ لَحْمَ شَاةِ صَاحِبِهِ فَيَصِيرُ بَيْعًا لِلَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ بِلَحْمِ أُضْحِيَّةِ صَاحِبِهِ.
وَفَارَقَ ذَلِكَ اقْتِسَامَ الْوَرَثَةِ لِلَحْمِ أُضْحِيَّةٍ وَرِثُوهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَرِثَ مِنْهَا جُزْءًا مَعْلُومًا ثُلُثًا أَوْ رُبْعًا فَيَأْخُذُهُ مِنْهَا وَهُوَ تَمْيِيزُ حَقٍّ هَاهُنَا لَا بَيْعٌ انْتَهَى. فَيَظْهَرُ مِنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِالِاخْتِلَاطِ هَذَا وَإِنَّمَا عَنِيَ مَنْ تَلِفَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ عِنْدَ صَانِعٍ أَوْ غَاصِبٍ أَوْ مُتَعَدٍّ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ سُرِقَتْ رُءُوسُ أَضَاحِيِّهِ فِي الْفُرْنِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يُغَرِّمَهُ شَيْئًا وَكَأَنَّهُ رَآهُ بَيْعًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ وَيَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ ثَوْبَهُ فَغَصَبَهُ غَاصِبٌ أَنَّ لَهُ أَخْذَ قِيمَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اللَّحْمِ الْمُسْتَهْلَكِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ؟ انْتَهَى نَصُّ الْبَاجِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ اخْتَلَطَتْ أُضْحِيَّةٌ أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا بِغَيْرِهَا فَفِي إبَاحَةِ أَخْذِ الْعِوَضِ قَوْلَانِ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَ الْبَاجِيِّ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اللَّحْمِ الْمُسْتَهْلَكِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ.
وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ أَتْلَفَ لَك طَعَامًا لَا يُعْرَفُ كَيْلُهُ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إتْلَافِهِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا وَلَوْ غَابَ عَلَيْهِ اتَّهَمَ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ وَدَفَعَ فِيهِ طَعَامًا، وَسَوَاءٌ تَلِفَ بِانْتِفَاعِ الْمُتَعَدِّي أَوْ غَيْرِهِ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: عَلَى هَذَا إذَا تَبَدَّلَ لِلْإِنْسَانِ فِي الْفُرْنِ قِدْرٌ أَوْ خُبْزٌ لَا يَأْخُذُ عِوَضَهُ طَعَامًا وَلَا غُرْمَ قِيمَتِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ خُبْزَهُ قَدْ أُكِلَ. قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَرِينَةُ الْحَالِ تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ كَمِثْلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ يَوْمٍ وَالْمَخْبِزُ دَيْنٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فَإِنْ كَانَ خُبْزًا وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ خُبْزَ صَاحِبِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْقِيمَةِ فَعَلَى مَا لِلْبَاجِيِّ لَا يَأْخُذُ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ، إلَّا مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ خُبْزِهِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ:
[ ٤ / ٣٨٠ ]
غَاصِبُ الطَّعَامِ يَغْرَمُ مِثْلَهُ صِفَةً وَقَدْرًا، فَإِنْ كَانَ جُزَافًا جُهِلَ كَيْلُهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصَبَهُ، وَاخْتُلِفَ إنْ قَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَغْرَمُهُ مِنْ الْكَيْلِ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ وَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ أَحْسَنَ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ الْغَاصِبَ عَلَى مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقِدْرِ فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ وَإِنْ تَنَوَّعَ عَلَى مَا طُبِخَ بِهِ يَكُونُ جِنْسًا وَاحِدًا فَيَكُونُ كَالْخُبْزِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اللَّحْمِ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ لَحْمِ قِدْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْقِيمَةِ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ الْقِيمَةُ أَخَذَ بِهَا لَحْمَ هَذَا الْقِدْرِ وَيَزِيدُهُ صَاحِبُهَا مَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الطَّعَامُ الْمُسْتَهْلَكُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ قَالَ: فَإِذَا أُلْزِمَ الْقِيمَةَ بِحُكْمٍ أَوْ صُلْحٍ فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ كَيْلًا مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ
[ ٤ / ٣٨٢ ]
الْمُسْتَهْلَكِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا غَصَبَهُ صُبْرَةً لَا يَعْلَمُ كَيْلَهَا فَصَالَحَهُ عَلَى قِيمَةٍ اتَّفَقَا عَلَيْهَا أَوْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهَا فَجَائِزٌ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ صِنْفِ طَعَامِ الصُّبْرَةِ الَّتِي اغْتَصَبَهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا وَعَلَى مَا شَاءَ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، أَوْ عَلَى دَنَانِيرَ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَرَاهِمَ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ دَنَانِيرَ يُعَجِّلُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهُ شَيْئًا انْتَهَى. وَانْظُرْ نَقْلَ ابْنِ سَلْمُونَ: إذَا أَفْسَدَ الزَّرْعَ أَخْضَرَ قَالَ: لَا يَأْخُذُ فِي قِيمَتِهِ طَعَامًا، فَإِنْ أَخْلَفَ كَانَتْ الْخِلْفَةُ لِدَافِعِ الْقِيمَةِ. بِخِلَافِ خِلْفَةِ الْقَصِيلِ، وَانْظُرْ فِي الصُّلْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ ".
(وَصَحَّ إنَابَةٌ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَنُدِبَ ذَبْحُهَا بِيَدِهِ " (بِلَفْظٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: الِاسْتِنَابَةُ تَحْصُلُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِعَادَةٍ تَقُومُ مَقَامَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتَادُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
(إنْ أَسْلَمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَمَرَ أَنْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّته ذِمِّيًّا لَمْ تُجْزِهِ.
(وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُسْتَنَابُ تَارِكُ الصَّلَاةِ اللَّخْمِيِّ: فَإِنْ اسْتَنَابَهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيدَ.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
(أَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ نَوَاهَا الْمَأْمُورُ عَنْ نَفْسِهِ فَسَمِعَ الْقَرِينَانِ تُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ نِيَّةُ رَبِّهَا كَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا يُوَضِّئُهُ فَالنِّيَّةُ فِي ذَلِكَ نِيَّةُ الْآمِرِ الْمُوَضَّأِ لَا نِيَّةُ الْمَأْمُورِ الْمُوَضِّئِ. وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَوْ أَمَرَ رَبُّهَا رَجُلًا يَذْبَحُهَا لَهُ فَذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ لَأَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا، وَقَدْ اشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ شَاةً مِنْ رَاعٍ فَأَنْزَلَهَا مِنْ الْجَبَلِ وَأَمَرَهُ بِذَبْحِهَا فَذَبَحَهَا وَقَالَ الرَّاعِي: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَبُّك أَعْلَمُ مِمَّنْ أَنْزَلَهَا مِنْ الْجَبَلِ اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الذَّابِحِ نِيَّةُ الذَّكَاةِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ النِّيَّةِ فِي الْقُرْبَةِ إلَى رَبِّهَا.
(أَوْ بِعَادَةٍ كَقَرِيبٍ إلَّا فَتَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَك بِغَيْرِ أَمْرِك فَأَمَّا وَلَدُك أَوْ بَعْضُ عِيَالِك فَمَنْ فَعَلَهُ لِيَكْفِيَك مُؤْنَتَهَا فَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْك، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُك.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ ذَبَحَهَا صَدِيقُهُ إذَا وَثِقَ بِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهَا عَنْهُ. انْتَهَى جَمِيعُ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِصَدِيقِهِ الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِهِ وَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَهُ حَتَّى يُصَدِّقَهُ أَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ غَيْرَ الْمُفَوِّضِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَبَحَهَا عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الصَّدَقَةِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَوْ شَاءَ أَنْ يَضْمَنَهُ ضَمَّنَهُ انْتَهَى. وَلِلَّخْمِيِّ أَيْضًا تَفْصِيلٌ آخَرُ اُنْظُرْهُ فِيهِ، وَلَوْلَا لَفْظُ خَلِيلٍ لَاكْتَفَيْت بِنَقْلِ ابْنِ يُونُسَ.
(لَا إنْ غَلِطَ فَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ذَبَحْت أُضْحِيَّةً صَاحِبِك وَذَبَحَ هُوَ أُضْحِيَّتَك غَلَطًا لَمْ تُجْزِ وَاحِدًا مِنْكُمَا وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ
[ ٤ / ٣٨٤ ]
لِصَاحِبِهِ الْقِيمَةَ. ابْنُ رُشْدٍ: فَإِذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا مَذْبُوحَةً فَالْأَصَحُّ قَوْلُ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهَا تُجْزِئُ أُضْحِيَّةً لِذَابِحِهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ ظِهَارٍ عَلَيْهِ فَاسْتُحِقَّتْ فَأَجَازَ بِهَا الْبَيْعَ وَأَخْذَ الثَّمَنِ. وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْهُ انْتَهَى. فَيَظْهَرُ مِنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ بَنَى عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى.
وَفِي النُّكَتِ: لَوْ غَصَبَ شَاةً وَضَحَّى بِهَا وَأَخَذَ رَبُّهَا مِنْهُ الْقِيمَةَ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ أُضْحِيَّةً. ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْهُ إذَا غَرِمَ قِيمَتَهَا مِنْ كُتُبِ الْمَجَالِسِ الَّتِي لَمْ تُدَبَّرْ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُجْزِئَ أُضْحِيَّةً عَنْ ذَابِحِهَا إذَا اخْتَارَ رَبُّهَا أَخْذَ الْقِيمَةِ كَعَبْدٍ أَعْتَقَهُ عَنْ ظِهَارِهِ فَشَهِدَ الْمُعْتِقُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهَادَاتٍ وَطَلَّقَ وَنَكَحَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ فَأَجَازَ رَبُّهُ عِتْقَهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ مُعْتِقَهُ وَتَنْفُذُ شَهَادَتُهُ الَّتِي كَانَ شَهِدَ بِهَا وَجَمِيعُ أَحْكَامِهِ، وَإِنْ نَقَضَهُ سَقَطَتْ تِلْكَ الشَّهَادَاتُ وَأُمُورُهُ وَرَجَعَتْ إلَى أُمُورِ الْعَبِيدِ، وَانْظُرْ لِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّةِ أَنْ لَا يُغَرِّمَهُ الْقِيمَةَ وَيَأْخُذَهَا مَذْبُوحَةً، وَعَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَهُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ اللَّحْمَ وَلَا حُرْمَةَ لَهُ.
(وَمُنِعَ الْبَيْعُ وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ) ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَقَامَ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ فَلَهُ بَيْعُهَا عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ، وَلَوْ ضَحَّى بِهَا لَمْ تُبَعْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَجِلْدُ الْأُضْحِيَّةِ وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا، هَلْ يَشْتَرِي بِهِ مَتَاعًا لِلْبَيْتِ أَوْ يَبِيعُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْتَرِي بِهِ شَيْئًا وَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يُبَدِّلُ جِلْدَهَا بِمِثْلِهِ وَلَا بِخِلَافِهِ وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ عَلَى جَزْرِهِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالنُّسُكَ مِنْ لُحُومِهَا وَلَا جُلُودِهَا شَيْئًا وَكَذَلِكَ خَطْمُهَا وَجِلَالُهَا. الْبَاجِيُّ: وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ لَحْمِ الشَّاةِ الَّتِي ذَبَحَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ؟ ابْنُ زَرْقُونٍ: لَمْ يَذْكُرْ الْبَاجِيُّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَدِيثِ «هِيَ خَيْرُ نُسُكٍ» فَسَمَّاهَا نُسُكًا.
(أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَ
[ ٤ / ٣٨٥ ]
الذَّبْحِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَضْجَعَ أُضْحِيَّتَهُ لِلذَّبْحِ فَاضْطَرَبَتْ وَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا أَوْ أَصَابَتْ السِّكِّينُ عَيْنَهَا فَفَقَأَتْهَا لَمْ تُجْزِهِ وَلَكِنْ لَا يَبِيعُ لَحْمَهَا لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ النُّسُكَ (أَوْ قَبْلَهُ) اُنْظُرْ هَذَا لَيْسَ كَالتَّعْيِيبِ حَالَ الذَّبْحِ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالذَّبْحِ النُّسُكَ، وَمُقْتَضَى مَا يَتَقَرَّرُ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ إذَا تَعَيَّبَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَهِيَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا فَلَا تُجْزِئُ إنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً سَلِيمَةً فَعَجَفَتْ عِنْدَهُ أَوْ أَصَابَهَا عَوَرٌ لَمْ يُجْزِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ضَلَّتْ أُضْحِيَّتُهُ وَلَمْ يُبْدِلْهَا ثُمَّ وَجَدَهَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ فَلْيَصْنَعْ بِهَا مَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَحَبَسَهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَقَدْ أَتَمَّ حِينَ لَمْ يُضَحِّ. انْتَهَى مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَانْظُرْ قَوْلَ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي فِيمَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَقَالَ بِلِسَانِهِ قَدْ أَوْجَبْتهَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَدَلُهَا وَلَا يَضُرُّهَا عَيْبٌ دَخَلَهَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَهَا بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ قَالَ: وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ مَالِكٍ خِلَافُهُ.
(أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الضَّحِيَّةِ إذَا ذُبِحَتْ فَوُجِدَ جَوْفُهَا فَاسِدًا تُجْزِئُهُ قَالَ: إنَّ الْمَرِيضَةَ مِنْ الضَّحَايَا لَا تَجُوزُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْتَوِي الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ فِي الْجَهْلِ بِمَعْرِفَتِهِ، وَلَا يَبِيعُ مِنْ لَحْمِهَا شَيْئًا لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَبَحَهَا عَلَى أَنَّهَا نُسُكٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ.
(وَالْإِجَارَةُ) هُنَا مَسْأَلَتَانِ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى سَلْخِهَا بِشَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ وَهُوَ بَيْعٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنْ لَحْمِهَا. الْمَسْأَلَةُ الْأُخْرَى إجَارَةُ جِلْدِهَا قَالَ سَحْنُونَ: تَجُوزُ إجَارَةُ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ بَعْدَ دَبْغِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ الْبَاجِيُّ وَلَا الصَّقَلِّيُّ خِلَافَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ بَعْدَ أَنْ قَالَ: إنَّ الْمَذْهَبَ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ.
(وَالْبَدَلُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: لَا يُبْدِلُ جِلْدَهَا بِمِثْلِهِ (إلَّا لِمُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَا يُتَصَدَّقُ بِجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ لَحْمِهَا عَلَى مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ، وَمَنْ
[ ٤ / ٣٨٦ ]
تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يُبْدِلُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِلْدِ أُضْحِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قَالَهُ مَالِكٌ، وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ خِلَافَ هَذَا، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الرَّجُلُ يَهَبُ لِجَارِيَتِهِ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ لَا تَبِيعُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهَا أَمَتُهُ وَلَهُ انْتِزَاعُ مَالِهَا فَإِذَا بَاعَتْهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْبَائِعُ، وَلَوْ وَهَبَ الْجِلْدَ لِمِسْكِينٍ لَجَازَ لِلْمِسْكِينِ أَنْ يَبِيعَهُ لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» .
وَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ الْمَنْعُ لِلْكِتَابِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْجَوَازُ لِأَصْبَغَ قَالَ: وَهُوَ أَحْسَنُ وَرَجَّحَهُ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ قَائِلًا: لَوْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ بَعْدَ انْتِقَالِهَا إلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَمْ تَحِلَّ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -. .
(وَفُسِخَتْ) رَوَى سَحْنُونَ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا أَوْ صُوفِهَا فَإِنْ أَدْرَكَ فَسَخَ وَإِلَّا فَلْيَجْعَلْ ثَمَنَ الْجُلُودِ فِي مَاعُونِهِ أَوْ فِي طَعَامِهِ وَثَمَنُ اللَّحْمِ يَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا يَأْكُلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلْيَصْنَعْ بِثَمَنِهِ مَا شَاءَ. ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ بَاعَهُ جَهْلًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالثَّمَنِ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ عَبْدُهُ أَوْ بَعْضُ أَهْلِهِ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
(وَتَصَدَّقَ بِالْعِوَضِ فِي الْفَوْتِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ بِلَا إذْنٍ وَصُرِفَ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ) أَمَّا إنْ بَاعَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَفَاتَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ عَلَيْهِ صَدَقَةَ ثَمَنِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: يَجْعَلُ ثَمَنَ الْجِلْدِ فِي مَاعُونٍ وَثَمَنَ اللَّحْمِ فِي طَعَامٍ يَأْكُلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إنْ بَاعَ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَهُوَ الْبَائِعُ هَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ قَالَ: وَعَلَيْهِ إخْرَاجُ الثَّمَنِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا إشْكَالَ إذَا أَذِنَ لَهُمْ أَنَّ عَلَيْهِ إخْرَاجَ الثَّمَنِ مِنْ مَالِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ وَفَاتَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ اسْتَنْفَقُوا الثَّمَنَ. وَمَعْنَاهُ عِنْدِي إنْ اسْتَنْفَقُوهُ فِيمَا لَهُ عَنْهُ غِنًى، وَأَمَّا إنْ اسْتَنْفَقُوهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ عَنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مَالِهِ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَجِدَهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ أَنْفَقَهُ إذْ قَدْ وَفَّى بِهِ مَالُهُ انْتَهَى.
وَمَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ وَلَا نَقْلَ ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا هَذَا.
(كَأَرْشِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) سَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ:
[ ٤ / ٣٨٧ ]
الضَّحِيَّةُ يُوجَدُ بِهَا الْعَيْبُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ بَعْدَمَا ذُبِحَتْ فَيَأْخُذُ قِيمَتَهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ وَأُبْدِلَ مَكَانَهَا إنْ كَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَإِنْ فَاتَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُضَحِّ وَالْأَرْشُ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا تَجُوزُ بِهِ الضَّحِيَّةُ تَصَدَّقَ بِمَا يَأْخُذُ مِنْ قِيمَتِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصَّ خِلَافٍ.
(وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا " (وَالذَّبْحِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ إنَّمَا يَجِبُ بِالذَّبْحِ (فَلَا تُجْزِئُ إنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) هَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا أَوْ قَبْلَهُ وَقَدْ كَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّقْلُ هُنَا إلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَلْتَفِتُ لِقَوْلِهِ هُنَا فَانْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ هُنَاكَ أَوْ قَبْلَهُ (كَحَبْسِهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ إلَّا أَنَّ هَذَا آثِمٌ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: لَوْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَحَبَسَهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَهُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَقَدْ
[ ٤ / ٣٨٨ ]
أَثِمَ. (وَلِلْوَارِثِ الْقَسْمُ وَلَوْ ذُبِحَتْ) أَمَّا قَبْلَ الذَّبْحِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً وَمَاتَ قَبْلَ ذَبْحِهَا فَإِنَّهَا تُورَثُ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَذْبَحَهَا عَنْهُ الْوَرَثَةُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَنُدِبَ إنْفَاذُهَا ".
وَأَمَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا مَاتَ وَقَدْ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ كَانَتْ لِأَهْلِهِ يَأْكُلُونَهَا وَلَمْ تُبَعْ. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ وَيَأْكُلُونَهَا عَلَى نَحْوِ مَا كَانُوا يَأْكُلُونَهَا لَوْ لَمْ يَمُتْ. وَرَثَةً كَانُوا أَوْ غَيْرَ وَرَثَةٍ. وَهَذَا أَظْهَرُ مِمَّا يَأْتِي فِي هَذَا السَّمَاعِ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى إذْ لَا يَقْسِمُ الْوَرَثَةُ إلَّا مَا تَكُونُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ وَالدَّيْنُ لِلْوَارِثِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: إنْ مَاتَ فِي دَيْنِهِ لِأَنَّهُ نُسُكٌ وَكُلُّ نُسُكٍ سُمِّيَ لِلَّهِ فَلَا يُبَاعُ لِغَرِيمٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَا يَقْتَسِمُهُ الْوَرَثَةُ عَلَى الْمِيرَاثِ فَيَصِيرُ بَيْعًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوهَا لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَا كَانَ لَهُ ثُمَّ يُنْهُونَ عَنْ بَيْعِ أَنْصِبَائِهِمْ. وَكَذَا فَسَّرَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ " (لَا بَيْعٌ بَعْدَهُ فِي دَيْنٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنْ مَاتَ عَنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ لَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ.
[الْعَقِيقَة]
(وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَقِيقَةُ مَا تَقَرَّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جَذَعِ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ الْأَنْعَامِ سَلِيمَيْنِ مِنْ عَيْبٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ سَابِعِ وِلَادَةِ آدَمِيٍّ حَيٍّ. وَفِي حُكْمِهَا عِبَارَاتٌ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقَعُ فِي قَلْبِي أَنَّهَا شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ. وَلَمْ يَحْكِ الْمَازِرِيُّ غَيْرَ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ كَانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَهَا. قَالَ: وَلَيْسَتْ كَوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ. الْبَاجِيُّ: وَمُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّهَا مِنْ مَالِ الْأَبِ لَا مِنْ مَالِ الِابْنِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " يَعُقُّ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ " أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ قَرِيبًا غَيْرَ الْأَبِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَعُقُّ عَنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِشَاةٍ شَاةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَعُقُّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدَانِ فِي بَطْنٍ عَقَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ
[ ٤ / ٣٨٩ ]
بِشَاةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ الْبَقَرَ تُجْزِئُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى الضَّحَايَا.
(تُجْزِئُ ضَحِيَّةً) ابْنُ حَبِيبٍ: سِنُّهَا وَاجْتِنَابُ عُيُوبِهَا وَمَنْعُ بَيْعِ شَيْءٍ مِنْهَا مِثْلُ الْأُضْحِيَّةِ الْحُكْمُ وَاحِدٌ (فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ) ابْنُ بَشِيرٍ: سُنَّةُ ذَبْحِهَا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ الْوِلَادَةِ وَهَذَا إذَا وُلِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
(نَهَارًا) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجْهُ ذَبْحِ الْعَقَائِقِ ضَحْوَةً. ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ ذَبَحَهَا لَيْلًا لَمْ تُجْزِهِ، وَأَمَّا إنْ ذَبَحَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُجْزِئُهُ وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: لَا تُجْزِئُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا إنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إنْ وُلِدَ بَعْدَ الْفَجْرِ أُلْغِيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَحُسِبَ لَهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ وُلِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ حُسِبَ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ.
(وَالتَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ) فِي الْمُوَطَّأِ: وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً. أَبُو عُمَرَ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ مَا فَعَلَتْهُ فَاطِمَةُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْعَقِيقَةِ أَوْ دُونَهَا وَيَرَوْنَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَبْدَأ بِالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ. الْبَاجِيُّ: التَّصَدُّقُ بِوَزْنِ الشَّعْرِ حَسَنٌ وَعَمَلُ بِرٍّ، ثُمَّ تَأَوَّلَ
[ ٤ / ٣٩٠ ]
الْبَاجِيُّ قَوْلَ مَالِكٍ مَا ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْلِقَ يَوْمَ سَابِعِهِ. الْجَلَّابُ: وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ: «وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» «وَأَذَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وُلِدَ» . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: إنَّهُ صَحِيحُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً قَالَ: وَقَدْ فَعَلْت ذَلِكَ بِأَوْلَادِي وَاَللَّهُ يَهَبُ
[ ٤ / ٣٩١ ]
الْهَدْيَ.
(وَجَازَ كَسْرُ عَظْمِهَا) فِي الْمُوَطَّأِ: الْعَقِيقَةُ بِمَنْزِلَةِ الضَّحَايَا وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا. عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَيْسَ كَسْرُ عِظَامِهَا بِمَسْنُونٍ إنَّمَا هُوَ جَائِزٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: لَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ أَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى رُفِعَتْ عَنْهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» .
(وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُطْبَخُ الْعَقِيقَةُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَيُطْعِمُ الْجِيرَانَ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ إلَيْهَا فَإِنِّي أَكْرَهُ الْفَخُورَ. وَزَادَ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ: إنْ أَرَادُوا صَنِيعًا صَنَعُوا مِنْ
[ ٤ / ٣٩٣ ]
غَيْرِهَا وَدَعَوْا إلَيْهِ النَّاسَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْعُو إلَى الْوِلَادَةِ وَإِلَى خِتَانِ الذُّكُورِ.
(وَلَطْخُهُ بِدَمِهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُوَطَّأِ: لَا يَمَسُّ الصَّبِيَّ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا. ابْنُ يُونُسَ: كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ يَجْعَلُونَ فِي رَأْسِ الْمَوْلُودِ مِنْ دَمِ الْعَقِيقَةِ فَلِذَلِكَ نَهَى مَالِكٌ عَنْهُ.
(وَخِتَانُهُ يَوْمَهَا) كَرِهَ مَالِكٌ الْخِتَانَ يَوْمَ يُولَدُ الصَّبِيُّ وَفِي يَوْمِ سَابِعِهِ وَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ. وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَعَلَّهُ يَخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ قَالَ: وَحَدُّ الْخِتَانِ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ إلَى عَشْرَةٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْخِتَانِ وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاجِبٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ سُنَّةٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَؤُمَّ الْأَغْلَفُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ أَمَّ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَأْمُومِيهِ. وَإِذَا
[ ٤ / ٣٩٤ ]
أَسْلَمَ الْكَبِيرُ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْخِتَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَهُ تَرْكُهُ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُتْرَكُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقَالَ: تَمُرُّ الْمُوسَى عَلَيْهِ فَإِنْ بَقِيَ مَا يُقْطَعُ قُطِعَ قَالَ: وَقِيلَ: إنَّهُ قَدْ كَفَى الْمُؤْنَةَ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
ِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْيَمِينِ.
الثَّانِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالْكَفَّارَةِ. وَالثَّالِثُ فِيمَا يَقْتَضِي الْبِرَّ وَالْحِنْثَ (الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ
[ ٤ / ٣٩٦ ]
وَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ وَالْقَسَمُ عِبَارَاتٌ عَنْ الْعَقْدِ عَلَى النَّفْسِ بِحَقِّ مَنْ لَهُ حَقٌّ، وَلَمَّا كَانَ لَا حَقَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى مُنِعَ الْيَمِينُ بِغَيْرِهِ إذْ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ: مَمْنُوعَةٌ وَهِيَ الْأَيْمَانُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَقَوْلِهِ وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَالْآبَاءِ، فَمَنْ حَلَفَ بِهَذِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَجَائِزَةٌ وَهِيَ الْيَمِينُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالْعَزِيزِ وَالْقَدِيمِ، وَكُلُّ يَمِينٍ بِالذَّاتِ فَجَائِزَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْمَاءُ. وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ الْيَمِينُ بِصِفَةِ اللَّهِ بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ وَإِنَّ كَفَّارَتَهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى. اُنْظُرْ نَصُّوا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِأَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى وَالْمُسَمَّيَاتُ عِبَارَةٌ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ حَلَفَ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ وَحِنْثٍ فَعَلَيْهِ
[ ٤ / ٣٩٨ ]
بِكُلِّ صِفَةٍ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهَا لَا هِيَ هُوَ أَوْ لَا هِيَ غَيْرُهُ وَلَا هِيَ مُتَضَادَّةٌ وَلَا هِيَ مُتَمَاثِلَةٌ.
(كَبِاللَّهِ) التَّلْقِينُ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا تَجْرِيدُ الِاسْمِ الْمَحْلُوفِ بِهِ كَقَوْلِك: اللَّهُ لَا فَعَلْت. وَالْآخَرُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَزِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. فَالْمُتَّصِلَةُ هِيَ الْحُرُوفُ نَحْوَ وَاَللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَتَاللَّهِ وَأَيْمِ اللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ، وَالْمُنْفَصِلَةُ هِيَ الْكَلِمَاتُ نَحْوَ أَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَأُقْسِمُ. فَهَذِهِ إنْ قَرَنَهَا بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَاتِ ذَاتِهِ نُطْقًا أَوْ نِيَّةً كَانَتْ أَيْمَانًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ أَعْرَاهَا مِنْ نِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ أَيْمَانًا وَلَا يَلْزَمُ بِهَا حُكْمٌ وَلَفْظُ مَاضِيهَا كَمُسْتَقْبَلِهَا (وَهَاللَّهِ) . ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ:
[ ٤ / ٣٩٩ ]
لَاهَا اللَّهِ يَمِينٌ بِخِلَافِ رَاعٍ عَلَيَّ أَوْ كَفِيلٌ (وَحَقِّ اللَّهِ) أَبُو عُمَرَ: الْحَالِفُ بِحَقِّ اللَّهِ كَالْحَالِفِ بِعَهْدِ اللَّهِ.
(وَالْعَزِيزِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَفَالَتِهِ وَكَلَامِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْحَلِفُ بِجَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لَازِمٌ كَقَوْلِهِ وَالْعَزِيزِ وَالسَّمِيعِ وَالْخَبِيرِ وَاللَّطِيفِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ وَعِزَّةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَقُدْرَتِهِ وَذِمَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ فَهِيَ كُلُّهَا أَيْمَانٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَلِفُ بِمَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ جَائِزٌ وَفِيهِ بِصِفَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَلُطْفِهِ وَغَضَبِهِ وَرِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَيَاتِهِ وَوُجُودِهِ وَكَلَامِهِ وَعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ وَذِمَّتِهِ وَكَفَالَتِهِ وَعَهْدِهِ طَرِيقَانِ الْأَكْثَرُ كَذَلِكَ. اللَّخْمِيِّ: الْمَشْهُورُ جَوَازُهُ.
(وَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: يَمِينُهُ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَمِينٌ وَفِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَقَالَ سَحْنُونَ: وَمَنْ حَلَفَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ فَكَأَنَّهُ حَلَفَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِاتِّفَاقٍ.
(وَإِنْ قَالَ أَرَدْت وَثِقْت بِاَللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْت لَأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالرَّحْمَنِ ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. فَلَوْ قَالَ أَرَدْت بِاَللَّهِ وَثِقْت ثُمَّ ابْتَدَأْت لَأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ (لَا بِسَبْقِ لِسَانِهِ) اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا لَغْوَ " اللَّخْمِيِّ: إذَا خَرَجَتْ الْيَمِينُ عَلَى سَبْقِ اللِّسَانِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ إنَّهَا لَيْسَتْ بِلَغْوٍ قَالَ:
[ ٤ / ٤٠٠ ]
وَأَرَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا يَمِينٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
(وَكَعِزَّةِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَهْدِهِ وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ) ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَنَحْنُ نَكْرَهُ الْيَمِينَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ فَإِنْ حَلَفَ بِهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مِثْلَ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ حَلَفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَهِيَ يَمِينٌ، وَإِنْ حَلَفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ الَّتِي بَيْنَ الْعِبَادِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي عِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ ذَاتِهِ، وَأَمَّا الْعِزَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي خَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ تَكَلَّمَ سَحْنُونَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] إنَّهَا الْعِزَّةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ صِفَتِهِ الَّتِي خَلَقَهَا فِي خَلْقِهِ.
(وَكَأَحْلِفُ وَأُقْسِمُ وَأَشْهَدُ إنْ نَوَى بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ إنْ قَالَ بِاَللَّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا، فَإِنْ أَرَادَ بِاَللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ أَعْزِمُ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا يَمِينًا إلَّا أَنْ يَقُولَ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ يَمِينٌ. وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَعْزِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ إلَّا مَا فَعَلْت كَذَا فَيَأْبَى فَهُوَ كَقَوْلِهِ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَامْتَنَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَفِي أُعَاهِدُ اللَّهَ قَوْلَانِ) . اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ إنْ قَالَ أُعَاهِدُ اللَّهَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِالْعَهْدِ فَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ بِصِفَةٍ. وَقَوْلُهُ أُعَاهِدُ اللَّهَ فَالْعَهْدُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا أُعْطِيَ
[ ٤ / ٤٠١ ]
بِاَللَّهِ عَهْدًا، فَإِنْ عَقَدَ أَنْ يَفْعَلَ طَاعَةً لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهَا لِمَا عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ أَوْ أُعْطِيك عَهْدًا) . اللَّخْمِيِّ: إنْ قَالَ لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ أَعْطَيْتُك عَهْدَ اللَّهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (وَعَزَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ) اُنْظُرْ عَبَّرَ هُنَا بِالْفِعْلِ الْمَاضِي وَعَبَّرَ قَبْلَ هَذَا بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَفِي الْكَافِي: لَا فَرْقَ بَيْنَ عَزَمْت وَأَعْزِمُ أَوْ حَلَفْت وَأَحْلِفُ أَوْ شَهِدْت وَأَشْهَدُ إذَا قَالَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِاَللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ.
(وَحَاشَ اللَّهَ وَمَعَاذَ اللَّهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ مَعَاذَ اللَّهِ وَحَاشَ اللَّهَ يَمِينًا قَوْلَانِ (وَاَللَّهُ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِهَا
[ ٤ / ٤٠٢ ]
لِلَّهِ ". (وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: إنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِالنَّبِيِّ أَوْ بِالْكَعْبَةِ وَالْيَمِينِ
[ ٤ / ٤٠٣ ]
بِذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَكْرُوهَةٌ.
(وَكَالْخَلْقِ وَالْأَمَانَةِ) . ابْنُ يُونُسَ: صِفَاتُ أَفْعَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
(وَهُوَ يَهُودِيٌّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ أَيْمَانًا وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ مِمَّا قَالَ وَلَا يَكُونُ كَافِرًا.
(وَغَمُوسٍ بِأَنْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ وَحَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْغَمُوسُ الْحَلِفُ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ أَوْ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفِّرَهُ الْكَفَّارَةُ
[ ٤ / ٤٠٦ ]
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] وَلِقَوْلِهِ - ﷺ -: " مَنْ اقْتَطَعَ " الْحَدِيثُ. وَابْنُ حَبِيبٍ: وَلْيَتُبْ الْحَالِفُ بِهَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ صِيَامٍ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ حَلِفٍ مَعَ شَاهِدِهِ بِتَيَقُّنِهِ أَوْ بِظَنِّهِ قَوْلَا مُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ وَبِقَسَامَةِ وَلِيِّهِ الصَّغِيرِ إذَا كَبُرَ وَأَنَّ الْغَائِبَ يُحَلِّفُهُ لَقَدْ وَصَلَتْ النَّفَقَةُ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: " وَاعْتَمَدَ الْبَابَ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ ".
(بِلَا تَبَيُّنِ صِدْقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ وَاَللَّهِ مَا لَقِيت فُلَانًا أَمْسِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَلَقِيَهُ أَمْ لَا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ بَرَّ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ أَثِمَ كَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ. عِيَاضٌ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ بَرَّ وَافَقَ الْبِرَّ لَا نَفْيَ إثْمِ الْحَلِفِ عَلَى الشَّكِّ، وَلَا يَصِحُّ فَهْمُ بَعْضِهِمْ سُقُوطَ الْإِثْمِ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا إنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُهُ إذَا حَلَفَ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّوْزَةَ فِيهَا قَلْبَانِ فَوَجَدَهَا كَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ أَبُو عُمَرَ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ مَنْ حَلَفَ مُقْتَحِمًا عَلَى الشَّكِّ وَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاءَ الْأَمْرُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ (وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ بِهَذَا.
(وَإِنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ فَكُفْرٌ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَمَّا الْيَمِينُ بِنَحْوِ الْعُزَّى وَاللَّاتِ فَإِنْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَهَا فَكُفْرٌ وَإِلَّا فَحَرَامٌ.
(وَلَغْوٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ
[ ٤ / ٤٠٨ ]
نَفْيُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا لَغْوَ فِي طَلَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ إنَّمَا يَكُونُ اللَّغْوُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ قَالَ: وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ سِوَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَلَى شَيْءٍ يُوقِنُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَدْ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَثْنَى فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَحَنِثَ لَزِمَهُ مَا حَلَفَ بِهِ. الرِّسَالَةُ: يَمِينَانِ لَا يُكَفَّ الْأَيْمَانِ سِوَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَلَى شَيْءٍ يُوقِنُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَدْ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَثْنَى فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَحَنِثَ لَزِمَهُ مَا حَلَفَ بِهِ. الرِّسَالَةُ: يَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ: أَحَدُهُمَا لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ فِي يَقِينِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا إثْمَ، وَالْآخَرُ الْحَالِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ أَوْ شَاكًّا فَهَذَا يَأْثَمُ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ بِلَغْوٍ.
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ وَشَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ: إنَّهُ مِنْ حَيِّزِ اللَّغْوِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْبِرُّ وَلَا الْحِنْثُ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَيَظْهَرُ مِنْهُ وَمِنْ أَبِي عُمَرَ مَيْلٌ لِهَذَا أَقُولُ: وَقَدْ رَشَّحَهُ أَبُو عُمَرَ كَثِيرًا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ لِغَيْرِ نِيَّةٍ وَإِنَّمَا خَرَجَ عَلَى سَبْقِ اللِّسَانِ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: نَزَلَ لَغْوُ الْيَمِينِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ، وَبِهَذَا أَخَذَ إسْمَاعِيلُ لِأَنَّهَا يَمِينٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَأَرَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
(وَلَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ اللَّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا لَغْوَ فِي طَلَاقٍ وَلَا فِي مَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ اللَّغْوُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ نَذْرٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ وَلَا يَنْفَعُهُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَيُرِيدُ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ يَمِينَهُ بِفِعْلٍ فَيَنْفَعُهُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي فِي الْفِعْلِ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي يَمِينِهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
[بَاب فِي الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمِين وَالْكَفَّارَة]
(كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ إنْ قَصَدَ كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) نَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ مِثْلُ إنْ شَاءَ. وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَّا إنْ نَوَى بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ عَلَى شَيْءٍ يُوقِنُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَدْ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَثْنَى فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَحَنِثَ لَزِمَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا اسْتِثْنَاءَ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِنَذْرٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ إلَّا بِفِعْلٍ كَذَا أَوْ حَلَفَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ مِيثَاقِهِ أَوْ
[ ٤ / ٤٠٩ ]
بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَاتِهِ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ نَوَى بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ، وَإِنْ أَرَادَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] غَيْرَ مُرِيدٍ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ سَهْوًا.
ابْنُ يُونُسَ: الْأَصْلُ فِيمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلَ شَيْءٍ بِيَمِينٍ مِنْ الْأَيْمَانِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَفَعَلَهُ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِيهِ إذْ لَا عِلْمَ لَنَا بِمَشِيئَتِهِ فَخَرَجَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِهِ. ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلَا يَصِحُّ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ الِالْتِزَامَاتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُعَلَّقَةً بِفِعْلٍ، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَرُدَّ الِاسْتِثْنَاءَ إلَى الْفِعْلِ أَوْ إلَى الْيَمِينِ، فَإِنْ رَدَّهَا إلَى الْفِعْلِ فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ.
ابْنُ رُشْدٍ: الْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي النَّظَرِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْفَعُ، وَعَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ دَرْكٌ عَظِيمٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَنْفَعُ. انْتَهَى مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ. وَلَهُ فِي الْبَيَانِ مَا نَصُّهُ: لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَنَفَعَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ إذْ قَدْ نَصَّ عَلَى رَدِّ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْفِعْلِ بِذِكْرِهِ إيَّاهُ عَقِيبَهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ انْتَهَى.
فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْفَعُ إذَا رَدَّهُ لِلْفِعْلِ.
(أَوْ يُرِيدَ أَوْ يَقْضِيَ عَلَى الْأَظْهَرِ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَأَفْعَلُ كَذَا إلَّا أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أَوْ يُرِيدُ غَيْرَهُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ عِيسَى: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: حَمَلَهُ ابْنُ حَارِثٍ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ عِيسَى، وَظَاهِرُ النَّوَادِرِ حَمْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ خِلَافًا انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ هَذَا الْخِلَافَ قَالَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ هَلْ يُقَاسُ عَلَيْهَا إذَا عَقَلَ مَعْنَاهَا أَمْ لَا؟ كَمَا قِيلَ فِي قِيَاسِ النَّبْشِ عَلَى السَّرِقَةِ.
(وَأَفَادَ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ إنْ اتَّصَلَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الِاسْتِثْنَاءُ بِ " إلَّا " وَبِ " لَا إنْ " مُعْتَبَرٌ فِي كُلِّ يَمِينٍ وَشَرْطُهُ فِي الْكُلِّ عَدَمُ فَصْلِهِ اخْتِيَارًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا اسْتِثْنَاءَ إلَّا وَاصِلٌ بِيَمِينِهِ يَحْرُمُ بِهِ لِسَانُهُ، فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ أَوْ يَلْفِظُ بِهِ بَعْدَ ضَمَانِهِ فَلَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ تَمَامِ لَفْظِهِ بِالْيَمِينِ أَوْ بَعْدَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَصْمُتْ حَتَّى وَصَلَ بِهَا الِاسْتِثْنَاءَ أَجْزَاهُ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَحْلِفَ بِالْبَتَّةِ فَيَقُولُ: امْرَأَتِي طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَسَكَتَ عَنْ تَمَامِ الْيَمِينِ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِآخِرِ الْيَمِينِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ نَسَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلٍ أَوْ الْحُكْمَ لِآخِرِ الْكَلَامِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا نَسَّقَ الِاسْتِثْنَاءَ بِنِيَّةٍ حَدِيثَةٍ بَعْدَ تَمَامِ الْيَمِينِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ بِغَيْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ أَنْ يُفِيدَ الْعُمُومَ بِصِفَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إخْرَاجَ مَنْ لَيْسَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْمَعْنَى وَلَهُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي أَنْ لَا يَنْفَعَ إلَّا بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَاتِّصَالِهِ بِالْكَلَامِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا رَأَيْت الْيَوْمَ قُرَشِيًّا عَاقِلًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا رَأَيْت الْيَوْمَ قُرَشِيًّا إلَّا أَحْمَقَ فَإِنْ وَصَلَ عَاقِلًا بِيَمِينِهِ نَفَعَهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَصِلَ بِهَا إلَّا أَحْمَقَ، وَذَلِكَ مَنْصُوصٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ
[ ٤ / ٤١٠ ]
فِي الَّذِي يَسْأَلُ الرَّجُلَ عَنْ وَدِيعَةٍ قَدْ كَانَ اسْتَدْفَعَهُ إيَّاهَا فَيَحْلِفُ إنْ كَانَتْ فِي بَيْتِهِ فَيُلَقِّنُهُ رَجُلٌ فِي عِلْمِك فَيَقُولُ فِي عِلْمِي: إنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَنْفَعُهُ إنْ كَانَ الْكَلَامُ نَسَقًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا صُمَاتٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي عِلْمِي بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ فِي بَيْتِي إلَّا أَنْ أَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْمَعْنَى انْتَهَى.
اُنْظُرْ كَثِيرًا مَا يُتَّفَقُ هَذَا أَنْ يَقُولَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِلْحَالِفِ قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَقُولَهَا، فَعَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ قَبْلَ تَمَامِ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ. وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيِّ. لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ. ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ قَبْلَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَظَاهِرُ الشَّيْخِ وَالصَّقَلِّيِّ قَبْلَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْمُقْسَمِ بِهِ.
(إلَّا لِعَارِضٍ) التَّلْقِينُ: قَطْعُ الِاسْتِثْنَاءِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ سُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ لَا يَضُرُّ. الْبَاجِيُّ: وَكَذَا انْقِطَاعُ النَّفَسِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ (وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ) تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَا ثُنْيَا لَهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ سَهْوًا وَظَاهِرُهُ وَلَمْ يَنْوِهِ قَبْلَ تَمَامِ يَمِينِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ لَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ تَقْدِيمُهُ عَلَى آخِرِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْيَمِينِ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فِي النِّيَّةِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا تُؤَثِّرُ، وَلَوْ أَثَّرَ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فِي حِلِّ الْيَمِينِ لَاسْتَغْنَى عَنْ لَفْظِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ (وَقَصَدَ) اُنْظُرْ إنَّمَا شَرَطُوا هَذَا فِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: " كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إنْ قَصَدَ " فَانْظُرْ هَذَا.
(وَنَطَقَ بِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِ " إلَّا " مِنْ حَرَكَةِ اللِّسَانِ، وَكَذَلِكَ مَا هُوَ مِثْلُهُ مِنْ تَقْيِيدِ الْعُمُومِ بِصِفَةٍ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يَنْفَعُ إلَّا بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَاتِّصَالُهُ بِالْكَلَامِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ آثَرَ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ فِي حِلِّ الْيَمِينِ لَاسْتَغْنَى عَنْ لَفْظِ إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَإِنْ سِرًّا) . ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ حَرَّكَ بِالِاسْتِثْنَاءِ شَفَتَيْهِ أَجْزَاهُ وَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحْلَفًا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْجَهْرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْفَعُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ الْمَحْلُوفُ لَهُ (بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَلَا.
(إلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا) اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ إذَا لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ تَصِحُّ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْمُحَاشَاةَ هِيَ إخْرَاجُ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ إنْ كَانَ ذَلِكَ نِيَّتَهُ قَبْلَ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا مُحَاشَاةٌ. وَسَمِعَ عِيسَى: شَرْطُ الثُّنْيَا حَرَكَةُ لِسَانِهِ وَتَنْفَعُ النِّيَّةُ دُونَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الثُّنْيَا اسْتِدْرَاكٌ بَعْدَ صُدُورِ الْيَمِينِ دُونَ نِيَّةٍ وَالنِّيَّةُ قَصْرُ بَعْضِ الْيَمِينِ عَلَى بَعْضٍ مَدْلُولُهَا الظَّاهِرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النُّطْقُ اتِّفَاقًا.
وَلِشِهَابِ الدِّينِ يَكْفِي فِي الْمُحَاشَاةِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا تَخْصِيصٌ يَكْفِي فِيهِ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ كَمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَنَوَى إخْرَاجَ الْكَتَّانِ مِنْ يَمِينِهِ فَيَصِيرُ هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَلَا يَحْنَثُ إذَا لَبِسَ الْكَتَّانَ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ بِنِيَّتِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا نَوَى تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُكْرِمَنَّ رَجُلًا وَنَوَى فَقِيهًا فَلَا يَبَرُّ بِإِكْرَامِ غَيْرِهِ لِأَنَّ " رَجُلًا " مُطْلَقٌ وَقَدْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ فَقِيهًا كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلَالِ عَلَى حَرَامٍ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ: كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فَقَطْ أَنْ يُحَاشِيَهَا بِقَلْبِهِ. عَبْدُ الْحَقِّ: إنْ لَمْ يَنْوِ إخْرَاجَهَا
[ ٤ / ٤١١ ]
قَبْلَ تَمَامِ الْحَلَالِ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَإِخْرَاجُهَا اسْتِثْنَاءٌ شَرْطُهُ النُّطْقُ، وَلَوْ قَصَدَ أَوَّلًا إدْخَالَهَا مَعَ غَيْرِهَا لَمْ يَنْفَعْهُ اسْتِثْنَاؤُهُ إيَّاهَا بِحَالٍ. الْبَاجِيُّ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: الْحَلَالُ كُلُّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، فَإِذَا قَالَ: حَاشَيْت الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ إلَّا أَنْ يَسْتَحْلِفَ.
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ قَالَ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ فَلَمَّا حَلَفَ قَالَ: لَمْ أُرِدْ الطَّلَاقَ صُدِّقَ. الْبَاجِيُّ: وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ فَقَالَ: إنِّي حَاشَيْت الطَّلَاقَ أَوْ الْعِتْقَ أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِنِيَّتِي، فَأَمَّا مَا لَا يُطَالَبُ بِهِ مِنْ الصَّوْمِ وَالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَالْعِتْقُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا خِلَافَ فِي تَصْدِيقِهِ، وَأَمَّا مَا لِلْأَمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّتُهُ عَلَى مَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي الْحَالِفِ بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ، وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ لِلشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْيَمِينِ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ.
وَلِلْبَرْزَلِيِّ تَقَدَّمَ لِلسُّيُورِيِّ أَنَّهُ إذَا حَاشَا زَوْجَتَهُ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَوَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: احْلِفْ لِي بِالطَّلَاقِ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ فَقَالَ: احْلِفْ لِي بِالْحَلَالِ عَلَيْك حَرَامٌ فَحَلَفَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِأَنَّ الْحَلَالَ عَلَيْهِ حَرَامٌ يَدْخُلُهُ الطَّلَاقُ فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَتَى مُسْتَفْتِيًا جَرَى ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ النِّيَّةِ هَلْ يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ الْبَيِّنَةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَسْأَلَةً سُئِلْت عَنْهَا وَهِيَ: رَجُلٌ تَحَرَّجَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّازِمَةِ فَكَنَّى عَنْهَا فَقَالَ ذَلِكَ الْيَمِينُ يَلْزَمُنِي فَتَوَقَّفْت فِي طَلَاقِهِ وَأَفْتَاهُ غَيْرِي بِالطَّلَاقِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا: إشْكَالُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ يَا مُطَلَّقَةُ الطَّلَاقَ.
(وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَالْيَمِينِ لِلْكَفَّارَةِ وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِأَنْ فَعَلْت وَلَا فَعَلْت أَوْ حَنِثَ بِلَأَفْعَلَنَّ وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ إطْعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)
[ ٤ / ٤١٢ ]
التَّلْقِينُ: إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا هُوَ فَهَذَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ لَمْ أَشْرَبْ الْخَمْرَ أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الْمَعَاصِي فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، فَإِنْ اجْتَرَأَ وَفَعَلَ أَثِمَ وَسَقَطَ عَنْهُ النَّذْرُ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ إنْ فَعَلْت فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. الْبَاجِيُّ: فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَعْرِفُ أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ قَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: يَمِينُ الْبِرِّ مَا مُتَعَلِّقُهَا نَفْيٌ أَوْ وُجُودٌ مُؤَجَّلٌ وَيَمِينُ الْحِنْثِ خِلَافُهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّكِ فَلَيْسَ بِمُولٍ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِمَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا وَلَا يُجْبَرُ
[ ٤ / ٤١٣ ]
عَلَى الْكَفَّارَةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ هَذِهِ بِاللَّازِمَةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ مَا تَبْقَى لَهُ فِي مِلْكٍ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك قَالَ: فَأَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَهُ مَكَانَهُ طَلْقَةٌ إذْ لَا بِرَّ لَهُ إلَّا بِالطَّلَاقِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ تَرْفَعَهُ لِلسُّلْطَانِ. وَانْظُرْ إنْ قَالَ: الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا الرِّوَايَةُ إنْ قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ أَوْ غُلَامُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا سَمَّاهُ فَلَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى مَاتَ قَالَ: تَرِثُهُ امْرَأَتُهُ وَيُعْتَقُ الْغُلَامُ فِي ثُلُثِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلًا هُوَ عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفْعَلَ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ وَقَعَ عَلَيْهِ الْحِنْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ تَرِثَهُ الْمَرْأَةُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَصِحُّ، وَأَنْ يُعْتَقَ الْغُلَامُ فِي الثُّلُثِ عَلَى حُكْمِ الْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ احْتِيَاطًا لِلْعِتْقِ لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ بِالشَّكِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ وَبِالْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا يَقَعُ الْحِنْثُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ فِي فُسْحَةٍ مَنْ فَعَلَ مَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ مَا لَمْ يَمُتْ إلَّا أَنَّهُ عَلَى حِنْثٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ بِالطَّلَاقِ وَاحِدَةً فَيُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً كَمَا حَلَفَ لَيَرْتَجِعُ وَيَطَأُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ بَرَّ بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ الْمَوْتِ سَقَطَ عَنْهُ الْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَبَرَّ حَتَّى مَاتَ كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ حُكْمُ مَنْ وَطِئَ وَهُوَ عَلَى حِنْثٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِاسْتِبْرَاءٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ يَبَرُّ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ وَإِلَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ. وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا فَعَلْت لَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ فَيَحْنَثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ فُلَانًا فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى يَضْرِبَهُ.
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لَيَفْعَلَنَّهُ فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفْعَلَهُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَيَفْعَلُهُ أَمْ لَا. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَفْعَلُهُ فَهُوَ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَفْعَلَهُ. قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ
[ ٤ / ٤١٤ ]
الْأَيْمَانَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، فَالْبِرُّ بِالْمُوَافَقَةِ وَالْحِنْثُ بِالْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا فَعَلْت كَذَا فَهُوَ وَقْتُ حَلِفِهِ غَيْرُ فَاعِلٍ فَهُوَ عَلَى بِرٍّ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْحِنْثُ مُتَرَقَّبٌ فَإِذَا فَعَلَ حَنِثَ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ حِينَئِذٍ وُجِدَتْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ فَعَلْت، وَأَمَّا إنْ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ فَالْمُخَالَفَةُ مَوْجُودَةٌ وَقْتَ الْحَلِفِ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ: إنْ لَمْ أَضْرِبْ عَبْدِي فَهُوَ فِي الْحَالِ غَيْرُ ضَارِبٍ فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَلِفِهِ وَالْبِرُّ مُتَرَقَّبٌ فَإِذَا فَعَلَ بَرَّ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْبِرُّ لَا فَعَلْت وَإِنْ فَعَلْت وَالْحِنْثُ لَأَفْعَلَنَّ وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ. وَمَنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَعَلَى بِرٍّ إلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَنْ حَنِثَ كَانَ عَلَى بِرٍّ، وَمَنْ بَرَّ كَانَ عَلَى حِنْثٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بِاَللَّهِ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا أَوْ لَيَقْتُلَنَّهُ، فَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَهُوَ عَلَى بِرٍّ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ وَلْيُكَفِّرْ أَوْ يُطَلِّقْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ يُعْتِقُ إنْ رَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ بِالْقَضَاءِ، وَإِنْ اجْتَزَأَ فَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّظَرِ فِيهِ زَالَتْ عَنْهُ أَيْمَانُهُ.
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَيُطَلِّقَهَا طَلْقَةً ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَتَزُولُ عَنْهُ يَمِينُهُ، وَلَوْ ضَرَبَ أَجَلًا كَانَ عَلَى بِرٍّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. انْتَهَى مَا لَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَلْفَاظِ خَلِيلٍ. فَعَلَى فَرْضِ أَنَّ عِبَارَةَ خَلِيلٍ فِيهَا إجْمَالٌ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَدْ حَصَلَ النَّفْعُ بِتَنْبِيهِهِ عَلَى جُمْلَةِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
مَسْأَلَةٌ أُولَى: فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت أَوْ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ نَقَلْت مِنْ أَجْلِهَا نَصَّ التَّلْقِينِ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا.
مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ إنْ فَعَلْت نَقَلْت نَصَّ الْبَاجِيِّ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَيْضًا.
مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ: إنْ قَالَ: عَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لَمْ أَجِدْهَا إلَّا لِابْنِ شَاسٍ بِلَفْظِ إنْ قَالَ عَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَإِنَّهَا كَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ.
مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ: فِي تَبْيِينِ أَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ الْمَرْءُ فِيهَا عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَحْنَثَ، وَقِسْمٌ هُوَ فِيهَا عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَبَرَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْحَاجِبِ هَذَا هُنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ هُوَ وَابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
مَسْأَلَةٌ خَامِسَةٌ: مَا حُكْمُ مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا فَعَلْت. نَقَلْت مِنْ أَجْلِهَا نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّكِ لَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ سَادِسَةٌ: مَا حُكْمُ مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ فَعَلْت. نَقَلْت مِنْ أَجْلِهَا نَصَّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّ حُكْمَ " إنْ " وَ" لَا " وَاحِدٌ كِلَاهُمَا حَرْفُ نَفْيٍ.
مَسْأَلَةٌ سَابِعَةٌ: مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ وَلَمْ يُؤَجِّلْ فَهَبْهُ عَلَى حَنِثَ مَا حُكْمُهُ.
وَقَدْ نَقَلْت نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّكِ فَلَيْسَ بِمُولٍ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّازِمَةِ، وَيَبْقَى النَّظَرُ إذَا لَمْ يُطَلِّقْ حَتَّى وَطِئَ أَوْ مَاتَ هُوَ أَوْ هِيَ، وَقَدْ أَشَرْت إلَى الْفِقْهِ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ ثَامِنَةٌ: مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَفْعَلْ وَلَمْ يُؤَجِّلْ. وَقَدْ نَقَلْت نَصَّ ابْنِ الْحَاجِبِ: " إنْ لَمْ أَفْعَلْ " مِثْلَ " لَأَفْعَلَنَّ " وَكَذَا أَيْضًا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ فَرَضَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ. وَتَقَدَّمَ نَصُّهَا مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا وَلَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ وَلْيُطَلِّقْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ.
وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلْيُطَلِّقْهَا وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي يَمِينِهِ عَلَى ذَلِكَ بِاَللَّهِ وَبِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَنَحْوِهِ لَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ.
مَسْأَلَةٌ تَاسِعَةٌ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ
[ ٤ / ٤١٥ ]
لَأَفْعَلَنَّ وَضَرَبَ أَجَلًا. نَقَلْت مِنْ أَجْلِهَا نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ لَيَضْرِبَنَّ زَيْدًا وَضَرَبَ أَجَلًا فَهُوَ عَلَى بِرٍّ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ.
مَسْأَلَةٌ عَاشِرَةٌ: أَنْ يَحْلِفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ وَضَرَبَ أَجَلًا. نَقَلْت مِنْ أَجْلِهَا نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك وَضَرَبَ أَجَلًا كَانَ عَلَى بِرٍّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ يَمِينٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك وَضَرَبَ أَجَلًا وَمَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ.
مَسْأَلَةٌ حَادِيَةَ عَشَرَ: الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَالْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ شَاسٍ الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْكَفَّارَةِ: وَالنَّظَرُ فِي السَّبَبِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْمُلْتَزِمِ. أَمَّا السَّبَبُ فَهِيَ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ وَلَا فِي اللَّغْوِ، وَأَمَّا الْمُلْتَزِمُ فَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حَنِثَ، وَأَمَّا الْكَيْفِيَّةُ فَهِيَ إطْعَامٌ وَعِتْقٌ وَكِسْوَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: الْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] مَعْنَاهُ إذَا حَنِثْتُمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَيُسَمُّونَهُ لَحْنَ الْخِطَابِ، وَإِذَا حَنِثَ فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فَهِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَنَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
(لِكُلٍّ مُدٌّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْإِطْعَامُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدُّ
[ ٤ / ٤١٦ ]
قَمْحٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ. وَأَمَّا سَائِرُ الْبُلْدَانِ فَإِنَّ لَهُمْ عَيْشًا غَيْرَ عَيْشِنَا فَلْيَخْرُجْ وَسَطًا مِنْ عَيْشِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَيْثُ مَا أَخْرَجَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ - أَجْزَأَهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمَنْ زَادَ فَلَهُ ثَوَابُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ زِيَادَةُ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ) أَفْتَى ابْنُ وَهْبٍ بِمِصْرَ بِمُدٍّ وَنِصْفٍ وَأَشْهَبُ بِمُدٍّ وَثُلُثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ (أَوْ رِطْلَانِ خُبْزًا بِإِدَامٍ) فِي التَّلْقِينِ: الْإِطْعَامُ بِالْمَدِينَةِ مُدٌّ بِالْأَصْغَرِ وَبِالْأَمْصَارِ وَسَطٌ مِنْ الشِّبَعِ وَهُوَ رِطْلَانِ بِالْبَغْدَادِيِّ وَشَيْءٌ مِنْ الْإِدَامِ انْتَهَى هَذَا النَّصُّ.
وَانْظُرْ أَيْضًا نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ الْخُبْزُ وَحْدَهُ وَفِيهِ عَدْلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَبِّ أَجْزَأَهُ. قَالَ هَذَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ كَمَا لَا يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمُقْتَضَى مَا لِلْأَشْيَاخِ أَنَّ الدَّقِيقَ يُجْزِئُ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ وَفِي الْفِطْرَةِ إذَا رَاعَى الرَّيْعَ وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَةَ الطَّحْنِ، وَكَذَا أَيْضًا يُجْزِئُ الْخُبْزُ قِفَارًا إذَا رَاعَى الرَّيْعَ وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَةَ الْخَبْزِ وَالطَّحْنِ.
وَنَصُّ ابْنِ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ غَدَّى وَعَشَّى كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَجْزَأَهُ وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ دُونَ عَشَاءٍ وَلَا عَشَاءٌ دُونَ غَدَاءٍ.
قَالَ: وَيُطْعِمُ الْخُبْزَ مَأْدُومًا بِزَيْتٍ وَنَحْوِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُجْزِئُهُ الْخُبْزُ قِفَارًا وَلَكِنْ بِإِدَامٍ وَزَيْتٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ لَحْمٍ قَالَ: وَإِذَا أَعْطَى مِنْ الْخُبْزِ يُرِيدُ قِفَارًا قَدْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْ كَيْلِ الطَّعَامِ أَجْزَأَهُ فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الدَّقِيقِ يَعْنِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي الْكَفَّارَةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ الْخُبْزَ قِفَارًا أَنْ لَا يَسْتَوْفُوا مِقْدَارَ الْمُدِّ مِنْ الْخُبْزِ، أَمَّا إذَا أَطْعَمَهُمْ بِإِدَامٍ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُشْبِعَهُمْ لِلْعَشَاءِ وَالْغَدَاءِ، فَإِنْ اسْتَوْعَبُوا ذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ أَجْزَأَهُ مَا أَكَلُوا. التُّونِسِيُّ: وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ مَسَاكِينَ إذَا أَطْعَمَهُمْ يَقْرَبُ أَكْلُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْطِي الْمَرِيضَ وَالصَّبِيَّ إلَّا قَدْرَ مَا يَأْكُلُهُ الْكَبِيرُ وَإِنْ أَقَامَ فِي أَكْلِهِ أَيَّامًا انْتَهَى.
[ ٤ / ٤١٧ ]
الْبَاجِيُّ خِلَافًا فِي جَوَازِ إخْرَاجِ الدَّقِيقِ إذَا أَعْطَى مِنْهُ قَدْرَ رَيْعِ الْقَمْحِ، وَكَذَا ابْنُ بَشِيرٍ.
وَقَالَ فِي النُّكَتِ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَعْطَى فِي الظِّهَارِ دَقِيقًا بِرَيْعِهِ وَفِي زَكَاةِ الْفِطْرِ أَجْزَأَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَى خُبْزًا.
وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ. وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَلَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ، يُرِيدُ إذَا أَخْرَجَ الدَّقِيقَ بِغَيْرِ رَيْعِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ بِرَيْعِهِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَحْسَنَ وَقَدْ كَفَاهُمْ الْمُؤْنَةَ فِي طَحْنِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ مِنْ بَابٍ أَوْلَى الْخُبْزُ إذَا رَاعَى الرَّيْعَ يَكُونُ قَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَةَ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ.
وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الْإِدَامُ إذَا غَدَّى وَعَشَّى أَنْ لَا يَسْتَوْفُوا شِبَعَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ الْخُبْزُ وَحْدَهُ وَفِيهِ عَدْلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَبِّ أَجْزَأَهُ بِإِعْطَاءِ فَلْسَيْنِ عِوَضًا مِنْ الْخُبْزِ الرُّومِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لَا يَكُونُ قَدْرُ الْمُدِّ وَيَكُونُ قَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَةَ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ وَالْفُتْيَا بِفَلْسَيْنِ وَإِلَّا زَادَ فِي الْقَدْرِ عَلَى مَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ (كَتَبَعِهِمْ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنْ غَدَّى وَعَشَّى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَجْزَأَهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ هُنَا يُشْتَرَطُ الْإِدَامُ.
(أَوْ كِسْوَتُهُمْ الرَّجُلُ ثَوْبٌ وَالْمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ:
[ ٤ / ٤١٨ ]
إنْ كَسَا فِي الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا مَا تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ ثَوْبٌ لِلرَّجُلِ وَلَا تُجْزِئُ عِمَامَةٌ وَحْدَهَا وَتُكْسَى الْمَرْأَةُ دِرْعًا وَخِمَارًا (وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَكْسُوَهُمْ كَمَا يَكْسُو نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ إذْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُكْسَى الْأَهْلُ. وَرَأَى اللَّخْمِيِّ لُزُومَ ذَلِكَ.
وَلَوْ قِيلَ هَذَا مِنْ بَابِ رَدِّ الْمُطْلَقِ إلَى الْمُقَيَّدِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
(وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُعْطَى الرَّضِيعُ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يُعْطَى الْكَبِيرُ إنْ أَكَلَ الطَّعَامَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَسَا صِغَارَ الْإِنَاثِ فَلْيُعْطِ دِرْعًا وَخِمَارًا كَالْكَبِيرَةِ وَالْكَفَّارَةُ وَاحِدَةٌ لَا يُنْقَصُ مِنْهَا لِلصَّغِيرِ وَلَا يُزَادُ فِيهَا لِلْكَبِيرِ. قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُعْجِبُنِي كِسْوَةُ الْمَرَاضِعِ عَلَى حَالٍ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
(أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَأَمَّا الْعِتْقُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَامِلَةِ الْجِسْمِ وَالْمِلْكِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمَعِيبَةِ وَتَفْصِيلُ حُكْمِ السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ مُحَالٌ عَلَى كِتَابِ الظِّهَارِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُجْزِئُ فِي عِتْقِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مَا يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ.
(ثُمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ فَحَنِثَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَيْ يُتَابِعُهَا وَإِنْ فَرَّقَهَا أَجْزَأَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ إنْ كَانَ يَمْلِكُ دَارًا أَوْ خَادِمًا وَإِنْ قَلَّ ثَمَنُهَا كَالظِّهَارِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِ مَا يُطْعِمُ أَطْعَمَ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْجُوعَ وَهُوَ فِي بَلَدٍ لَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ فَلْيَصُمْ.
(وَلَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِإِطْعَامِ خَمْسَةِ مَسَاكِينَ وَكِسْوَةِ خَمْسَةٍ. ابْنُ الْمَوَّازِ
[ ٤ / ٤١٩ ]
وَيُضِيفُ إلَى أَيِّهِمْ شَاءَ مَا يُتِمُّهُ بِهِ لِجَوَازِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ إلَّا أَنْ يُكَمِّلَ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ أَعْطَى طَعَامَ عَشْرَةٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بَطَلَتْ وَلَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا دُونَ الْمُدَّيْنِ كَانَ قَائِمًا (وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ بِقِيَامِهِ قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ زَاعِمًا أَنَّهُ ظَاهِرُهَا، وَعِيَاضٌ مَعَ الْأَكْثَرِ رَادًّا قَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ بِظَاهِرِهَا ابْنُ عَرَفَةَ بَلْ بِنَصِّهَا.
(وَلَهُ نَزْعُهُ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ أَعْطَى طَعَامَ عَشَرَةٍ أَقَلَّ فَلَهُ أَخْذُ الزَّائِدِ مِنْ كُلِّ مِسْكِينٍ عَلَى مُدَّيْنِ كَانَ قَائِمًا. اُنْظُرْ فِي الظِّهَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَكَالْيَمِينِ ".
(وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إنْ أَخْرَجَ وَإِلَّا كُرِهَ)
[ ٤ / ٤٢٠ ]
اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ أَنْ يُطْعِمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإِنَّ أَطْعَمَ عَشْرَةً وَكَسَاهُمْ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَعْطَى عَشْرَةً مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ فَذَلِكَ يُجْزِئُهُ، وَإِنْ أَطْعَمَ عَشْرَةً ثُمَّ حَنِثَ فِي يَمِينٍ أُخْرَى جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْكَفَّارَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. انْتَهَى نَقْلُهُ. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ عَلَيْهِ يَمِينَانِ فَأَطْعَمَ عَنْ وَاحِدَةٍ مَسَاكِينَ فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِهِ الْأُخْرَى مَكَانَهُ أَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ فَلْيَطْلُبْ سِوَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ النِّيَّةُ فِي الْكَفَّارَتَيْنِ، أَمَّا لَوْ صَحَّتْ النِّيَّةُ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ وَخَلَصَتْ كُلُّ كَفَّارَةٍ مِنْ الْأُخْرَى لَجَازَ، وَصَوَّبَهُ أَبُو عِمْرَانَ وَأَجَازَ السُّيُورِيُّ أَنْ يُعْطِيَ مِائَةَ مُدٍّ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ عَنْ عَشْرَةِ أَيْمَانٍ، وَأَنْ يُعْطِيَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ أَلْفَ مُدٍّ عَنْ مِائَةِ كَفَّارَةٍ، مُدٌّ عَنْ كُلِّ يَمِينٍ، وَالْكُلُّ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَطْعَمَ مَسَاكِينَ عَنْ أَحَدِ كَفَّارَتَيْهِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعْطِيَهُمْ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ الْأُخْرَى. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا وَإِحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينٍ وَالْأُخْرَى عَنْ ظِهَارٍ وَغَيْرِهِ.
[بَاب فِيمَا يَقْتَضِي الْبَرّ وَالْحِنْث]
(وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ وَوَجَبَتْ بِهِ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ وَهَاهُنَا هُوَ مَوْضِعُ تَبْيِينِ يَمِينِ الْبِرِّ وَيَمِينِ الْحِنْثِ، وَهَاهُنَا ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ الْحِنْثُ وَفِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ طُرُقٌ. ثُمَّ قَالَ: فَالْأَقْوَالُ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ خَمْسَةٌ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ: إنْ فَعَلَ أَجْزَأَ وَقَالَ مَرَّةً لَا يُجْزِئُهُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ لَا بِطَلَاقٍ وَلَا بِمَشْيٍ وَلَا بِصَدَقَةٍ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ آلَى بِعِتْقٍ فَهَمَّ فَأَعْتَقَ قَبْلَ الْحِنْثِ إنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ. وَيَجْرِي عَلَى هَذَا الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ آخِرَ طَلْقَةٍ وَالصَّدَقَةُ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ فَأَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ فَأَمَّا فِي يَمِينِهِ لَا أَفْعَلُ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ بَعْدَ الْحِنْثِ، فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي يَمِينِهِ لَأَفْعَلَنَّ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ أَوْ لَأُكَلِّمَنَّهُ وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا، فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَ، وَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ انْتَهَى. فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ، إنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَالْأَوْلَى بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَ، وَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ فَلْيُطَلِّقْهَا وَاحِدَةً، وَيَرْتَجِعُهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا صَبَرَ إلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ حَلَفَ بِالظِّهَارِ عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا لَجَازَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْكَفَّارَةَ وَيَبَرَّ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَلَى حِنْثٍ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الطَّلَاقَ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا وَيَبَرُّ بِذَلِكَ فِي يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ عَلَى حِنْثٍ
[ ٤ / ٤٢١ ]
حَتَّى يَفْعَلَ عَلَى مَا فِي النُّذُورِ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَقْتُلَ فُلَانًا وَلَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا لَمْ يَبَرَّ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ.
وَفِي التَّفْرِيعِ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَحْدَهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا كَفَّارَةَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَفَّرَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ قَبْلَ الْحِنْثِ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ أَنْ لَا يَطَأَ فَأَعْتَقَ قَبْلَ الْوَطْءِ إرَادَةَ إسْقَاطِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَدْ قَالَ أَيْضًا: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ إلَّا فِي رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْأَحْكَامِ وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ بِهِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
(إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَقْعُدْ بَعْدَ أَنْ قَدَرَ أَنْ يَخْرُجَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى دَابَّتِهِ بِقُرْبِ الدَّارِ فَنَفَرَتْ بِشَيْءٍ فَاقْتَحَمَتْ بِهِ فَدَخَلَتْهَا، فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمْسِكَ رَأْسَهَا أَوْ يُثْنِيَ رِجْلَهُ فَيَنْزِلَ أَوْ يَتَرَامَى مِنْ غَيْرِ عَنَتٍ يُصِيبُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَكْرَهَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الدُّخُولِ فَلَا يَحْنَثُ بِإِكْرَاهِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَأَخَافُ إنَّ إكْرَاهَهُ لَهَا رِضًا بِالْحِنْثِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرَّغِيفَ فَأُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِينِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْيَمِينِ لَيْسَ يَمِينُهُ بِشَيْءٍ. ابْنُ بَشِيرٍ: الْإِكْرَاهُ يَرْفَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ وَيَرْفَعُ الْحِنْثَ إنْ انْعَقَدَتْ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ثُمَّ أُكْرِهَ عَلَى الْحِنْثِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَحْنَثُ بِالْإِكْرَاهِ فِي لَا أَفْعَلُ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي لَأَفْعَلَنَّ الْمَشْهُورُ حِنْثُهُ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يَحْنَثُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ حَلَفَ لَأَفْعَلَنَّ فَغُلِبَ حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ: لَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ.
قَالَ التُّونِسِيُّ: وَحَنَّثَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ إنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي غُلِبَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ مَعَ بَقَاءِ يَمِينِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَتْ الدَّوَابُّ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا: لَأَرْكَبَنَّ هَذِهِ الدَّوَابَّ غَدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَاَلَّذِي حَلَفَ عَلَى الْحَمَامِ لَيَذْبَحَنَّهَا فَبَادَرَ إلَيْهَا فَوَجَدَهَا مَاتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ طَارَتْ الْحَمَامُ لَجَاءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ.
وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَا خَرَجَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَأَخْرَجَهَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَرَبِّ الدَّارِ أَوْ سَيْلٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ خَوْفٍ، لَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَيَمِينُهُ حَيْثُ انْتَقَلَ بَاقِيَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا وَأَحَالَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ فِي لَا أَفْعَلُ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ بِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ إنْ
[ ٤ / ٤٢٢ ]
أَخْرَجَهَا قَاضٍ لِتَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحْنَثُ. وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ أُكْرِهُ وَلَوْ بِكَتَقْدِيمِ جُزْءِ الْعَبْدِ ".
(وَفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُهُ وَعِتْقُهُ وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ وَمَشْيٌ لِحَجٍّ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي أَشَدِّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ أَنْ أَخْرَجَ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَمِينَ أَعْظَمُ مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَلَا إثْمَ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ مَنْ اجْتَرَأَ عَلَى الْحِنْثِ فِيهَا فَلِذَلِكَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ لِنِسَائِهِ وَالْعِتْقُ لِرَقِيقِهِ وَالصَّدَقَةُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَيَمْشِي إلَى الْكَعْبَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ (وَكَفَّارَةٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
(وَزِيدَ فِي الْأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي مِنْ صَوْمِ سَنَةٍ إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ وَفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَرَدُّدٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ اضْطِرَابٌ. الْأَبْهَرِيُّ وَأَبُو عُمَرَ: لَا شَيْءَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارُ.
وَعَنْهُ أَيْضًا: كَفَّارَةُ يَمِينٍ. الطُّرْطُوشِيُّ: ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يَنْوِي فَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا صُدِّقَ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَفْتِيًا. الْبَاجِيُّ:
[ ٤ / ٤٢٣ ]
تَقْرِيرُ مَا تَحَقَّقَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ مِنْ أَقْوَالِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يُنَوَّى، فَإِنْ قَالَ لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ أَنْوِ إلَّا طَلْقَةً صُدِّقَ. وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي بَدْوِيٍّ حَلَفَ بِاللَّازِمَةِ: إنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ بِهَا فِي امْرَأَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا لَكِنْ يَلْزَمُهُ سَائِرُ مَا يَلْزَمُ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْبَاجِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلَّخْمِيِّ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إنَّمَا خُرِّجَتْ عَلَى سَبْقِ اللِّسَانِ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ لَازِمَةٌ لَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي الْقَصْرِ عَلَى أَحَدِهَا وَكَانَ مِمَّا يَنْوِي، لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَحْضُرْهُ، لَكِنْ اخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّلَاقِ، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: إنَّمَا يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ إنْ كَانَ لَهُ مَقْصِدٌ فِي التَّعْمِيمِ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَقْصِدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ الْأَيْمَانِ أَوْ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ أَوْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُ الطَّلَاقِ مِنْ الْأَيْمَانِ فَيَلْزَمُهُ عِتْقُ مَا يَمْلِكُ وَالْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ وَالصَّدَقَةُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ بِاَللَّهِ. وَمَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِصَوْمِ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِأَنَّ مِنْ الْأَيْمَانِ الظِّهَارَ وَفِي هَذِهِ نَظَرٌ. ابْنُ زَرْقُونٍ: صَوْمُ الشَّهْرَيْنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
(وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَغْوٌ) اُنْظُرْ أَنْتَ عَلَى مَا تَحْمِلُ قَوْلَهُ: " وَالْأَمَةُ ". ابْنُ عَرَفَةَ: تَحْرِيمُ غَيْرِ الزَّوْجَةِ سَاقِطٌ. ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأُمِّ وَلَدِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَوَاللَّهِ لَا أَمَسُّكِ» فَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يُكَفِّرْ لِتَحْرِيمِهِ.
قَالَ مَسْرُوقٌ: عَاتَبَهُ اللَّهُ فِي التَّحْرِيمِ وَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ: الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ إنْ فَعَلَ كَذَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ الْحَرَامُ يَمِينًا فِي شَيْءٍ لَا فِي أُمِّ وَلَدٍ إنْ حَرَّمَهَا وَلَا فِي عَبْدٍ وَلَا فِي خَادِمٍ وَلَا فِي طَعَامٍ وَلَا فِي شَرَابٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُحَرِّمَ امْرَأَتَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ.
(وَتَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ) .
[ ٤ / ٤٢٤ ]
ابْنُ عَرَفَةَ: حِنْثُ الْيَمِينِ يُسْقِطُهَا وَلِذَا لَا يَتَعَدَّدُ مَا يُوجِبُ الْحِنْثَ بِتَكَرُّرِ مُوجِبِهِ إلَّا بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ أَوْ عُرْفٍ. ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَلْبَتَّةَ إنْ خَرَجَتْ إلَى أَهْلِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ إنْ لَمْ يَضْرِبْهَا فَخَرَجَتْ مَرَّةً فَضَرَبَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ مِرَارًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ ضَرَبَهَا فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ الْيَمِينُ كَمَا لَوْ حَنِثَ مَرَّةً لَسَقَطَتْ عَنْهُ الْيَمِينُ وَلَيْسَ يَبَرُّ أَحَدٌ وَلَا يَحْنَثُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهِ فَوَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ، ثُمَّ إنْ خَرَجَتْ ثَانِيَةً لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهَا يَمِينٌ حَنِثَ فِيهَا فَلَا يَتَكَرَّرُ الْحِنْثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كُلَّمَا خَرَجَتْ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. الْكَافِي إذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَزِمَهُ طَلَاقُهَا، فَإِنْ عَادَ تَزَوَّجَهَا ثَانِيَةً لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ كُلَّمَا.
(كَعَدِمِ تَرْكِ الْوِتْرِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ حَلَفَ إنْ نَامَ حَتَّى يُوتِرَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ دِينَارٌ فَنَامَ لَيْلَةً قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ فَلَزِمَهُ صَدَقَةُ دِينَارٍ، ثُمَّ نَامَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: مَا رَأَيْت أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا يُرِيدُ بِذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً - وَمَا أَرَاهُ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا فَعَلَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمَا إنَّمَا عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَكَلَّمَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَمَاعُ أَشْهَبَ: مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ إنْ أَبَقَ، وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ بَاتَ عَنْهَا، وَسَمَاعُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ إنْ خَرَجَتْ. وَهَذَا الْخِلَافُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِصِفَةٍ هَلْ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا أَمْ لَا. ابْنُ عَرَفَةَ: يَرُدُّ هَذَا بِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْوِتْرِ قَدْ عَلَّلَهُ مَالِكٌ بِتَقَرُّرِ الْعُرْفِ تَكْرِيرَ الْجَزَاءِ بِتَكَرُّرِ شَرْطِهِ، وَمَحْمَلُ السَّمَاعَاتِ عَلَى عَدَمِ تَقْرِيرِهِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ مِنْ هَذَا بِوَجْهٍ.
(أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ لِنِسَائِهِ الْأَرْبَعِ: وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُكُنَّ فَجَامَعَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَنِثَ وَلَهُ أَنْ يَطَأَ الْبَوَاقِيَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهُنَّ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا وَطِئَ إحْدَاهُنَّ أَوْ كُلَّهُنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَا أَضْرِبُ فُلَانًا فَفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْأَشْيَاءِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ فُلَانًا فَعَلَيْهِ هُنَا لِكُلِّ صِنْفٍ فَعَلَهُ كَفَّارَةٌ، لِأَنَّ هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ بِاَللَّهِ عَلَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ. وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَكَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُك وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُك وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُك فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا ثُمَّ رَدَّدَ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَفِي مَجَالِسَ ثُمَّ حَنِثَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ عَنْ ذَلِكَ، نَوَى بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةَ غَيْرَ
[ ٤ / ٤٢٥ ]
الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ أَوْ بِالثَّالِثَةِ غَيْرِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ كَالنَّذْرِ فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ كَفَّارَاتٍ، سَوَاءٌ قَالَ فِي نِيَّتِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَمْ لَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَذَلِكَ كَأَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ ثَلَاثُ نُذُورٍ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا فَفَعَلَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالنَّذْرِ الْأَخِيرِ النَّذْرَ الْأَوَّلَ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا كَالْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ لَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: إنْ كَلَّمْته فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثُمَّ كَلَّمَهُ لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلْقَةَ الْأُولَى غَيْرُ الثَّانِيَةِ. وَكَذَلِكَ النَّذْرُ الْأَوَّلُ غَيْرُ الثَّانِي فَلِذَلِكَ لَزِمَاهُ جَمِيعًا، وَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ الْمَحْلُوفِ بِهَا أَوَّلًا هُوَ الْمَحْلُوفُ بِهَا آخِرًا فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا.
(أَوْ قَالَ لَا وَلَا) . ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ حَلَفَ لَا بَاعَ سِلْعَتَهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ فَقَالَ لَهُ آخَرُ: وَأَنَا فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ وَلَا أَنْتَ فَبَاعَهَا مِنْهُمَا جَمِيعًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ وَفِي الطَّلَاقِ طَلْقَتَانِ. وَلَوْ بَاعَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثُمَّ بَاعَهَا أَيْضًا مِنْ الثَّانِي فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ. وَمَنْ قَالَ: وَاَللَّهُ لَا بِعْتهَا مِنْ فُلَانٍ وَلَا مِنْ فُلَانٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِيهِ، بَاعَهَا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ رَدَّهُمَا عَلَيْهِ فَبَاعَهَا أَيْضًا مِنْ الْآخَرِ فَهُوَ سَوَاءٌ انْتَهَى. فَانْظُرْ عَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَوْ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ وَلَا وَأَمَّا لَا وَلَا فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
(أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْنَثَ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلُ كَذَا فَقِيلَ لَهُ: إنَّك سَتَحْنَثُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَحْنَثُ ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَتَانِ (أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ: ظَاهِرُ سَمَاعِ عِيسَى فِي الْحَالِفِ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ فَانْظُرْ أَنْتَ هَذَا (أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ) اُنْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى هَذَا.
(أَوْ بِكُلَّمَا أَوْ مَهْمَا) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ مُوجِبَاتِ الْحِنْثِ تَتَعَدَّدُ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ وَالْعُرْفِ قَالَ: فَاللَّفْظُ " كُلَّمَا وَ" مَهْمَا "، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَتَكَرَّرُ الْحِنْثُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ " كُلَّمَا "
[ ٤ / ٤٢٦ ]
وَ" مَهْمَا "، وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ الْحِنْثُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ إلَّا إذَا أَتَى بِصِيغَةٍ تَقْتَضِي التَّكْرَارَ كَقَوْلِهِ: " كُلَّمَا " أَوْ يَقْصِدُ التَّكْرَارَ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْوِتْرِ.
(لَا مَتَى مَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك أَبَدًا أَوْ " إذَا مَا " أَوْ " مَتَى مَا " حَنِثَ مَرَّةً فَقَطْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِمَتَى مَا كُلَّمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: " إنْ " وَ" إذَا " وَ" أَبَدًا " بَعِيدَةٌ فِي التَّكْرَارِ فَلَا يَثْبُتُ التَّكْرَارُ فِيهَا إلَّا بِنِيَّةٍ. " وَمَتَى مَا " قَرِيبَةٌ مِنْ " كُلَّمَا ". اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ طَالِقٌ أَبَدًا طَلْقَةً ".
(وَوَاللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ) مُحَمَّدٌ: لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ قَصَدَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ " مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ رَدَّدَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا ثُمَّ حَنِثَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ (وَالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ بِالْقُرْآنِ ".
(وَلَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا) . ابْنُ يُونُسَ: لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ، فَإِنْ كَلَّمَهُ غَدًا لَزِمَتْهُ كَفَّارَتَانِ، ثُمَّ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُكَلِّمْهُ غَدًا وَكَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا قَالَ لَهُ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا فَكَلَّمَهُ فِي غَدٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَرَّرَ الْيَمِينَ فِي كَلَامِهِ فِي غَدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَرَّرَهُ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَتَعَقَّبْ هَذَا ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ طُولٌ اُنْظُرْهُمَا أَنْتَ.
(وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ
[ ٤ / ٤٢٧ ]
الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ أَوْ سَاوَتْ فِي اللَّهِ وَغَيْرِهَا
[ ٤ / ٤٣٠ ]
كَطَلَاقٍ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا
[ ٤ / ٤٣١ ]
كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لَا آكُلُ سَمْنًا أَوْ لَا أُكَلِّمُهُ كَتَوْكِيلِهِ فِي لَا يَبِيعُهُ وَلَا
[ ٤ / ٤٣٢ ]
يَضْرِبُهُ إلَّا لِمُرَافَعَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَقَطْ وَاسْتَحْلَفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ لَا إرَادَةِ
[ ٤ / ٤٣٤ ]
مَيِّتَةٍ وَكَذِبٍ فِي طَالِقٍ وَحُرَّةٍ أَوْ حَرَامٍ وَإِنْ بِفَتْوَى) .
ابْنُ عَرَفَةَ: النِّيَّةُ إنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ خَالَفَتْهُ بِأَشَدَّ اُعْتُبِرَتْ اتِّفَاقًا وَإِلَّا فَطُرُقٌ. التَّلْقِينُ: يُعْتَبَرُ فِي الْيَمِينِ النِّيَّةُ وَيُعْمَلُ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ اللَّفْظُ بِهَا، كَانَتْ مُطَابِقَةً لَهُ أَوْ زَائِدَةً فِيهِ أَوْ نَاقِصَةً عَنْهُ بِتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ أَوْ تَخْصِيصِ عَامِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ تَوَافَقَ اللَّفْظُ وَالنِّيَّةُ اسْتَوَى حُكْمُ مَا يَقْضِي بِهِ وَمَا لَا يَقْضِي بِهِ وَإِنْ خَالَفَ اللَّفْظُ مُقْتَضَى النِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْضَى بِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ النِّيَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَاهُ وَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ احْتَمَلَهُ وَلَكِنْ عَلَى بُعْدٍ فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ تُقْبَلُ نِيَّتُهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ النِّيَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْهَا مَا لَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ شَرْطًا فِي أَصْلِ نِكَاحِهَا فَتَبِينُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ وَيَقُولُ: نَوَيْت مَا كَانَتْ تَحْتِي فَيُصَدَّقُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي يُعَاتِبُ زَوْجَتَهُ فِي دُخُولِ بَعْضِ قَرَابَتِهَا فَتَحْلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا دَخَلَ عَلَيَّ مِنْ أَهْلِي أَحَدٌ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: نَوَيْت مَا كَانَ حَيًّا، فَذَلِكَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْقَابِسِيِّ فِي الَّذِي يَعْجَبُ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ فَيَقُولُ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ. الْوَجْهُ الْآخَرُ مَا تُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ، وَذَلِكَ كُلُّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْبِيدًا ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت شَهْرًا أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ يَمِينًا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَادَّعَى مَا يَقْطَعُ التَّأْبِيدَ فَيُصَدَّقُ فِي الْفُتْيَا وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا وَقَالَ نَوَيْت سَمْنَ ضَأْنٍ، أَوْ حَلَفَ لِزَوْجَتِهِ فِي جَارِيَةٍ لَهُ إنْ كَانَ وَطِئَهَا وَهُوَ يُرِيدُ بِقَدَمِهِ فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي هَذَا، وَشِبْهُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ رَاجَعْتُك فَأَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَقَدْ
[ ٤ / ٤٣٥ ]
خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ وَقَالَ: إنَّمَا نَوَيْت مَا كَانَتْ فِي عَدَمِهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى يَمِينِهِ بَيِّنَةٌ لِمَ أُدِينُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى يَمِينِهِ بَيِّنَةٌ دَيَّنْته. وَقِيلَ: إنَّمَا مَعْنَى هَذَا إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا بِلَا مُخَاصَمَةٍ وَلَا مُرَافَعَةٍ، وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ الْمُرَافَعَةُ فَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى أَصْلِ يَمِينِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ فَإِقْرَارُهُ بِهَا كَالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْإِقْرَارِ مُدَّعٍ فِيمَا يَطْرَحُهُ فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: حِكْمَةُ طَالِقٌ وَلَهُ جَارِيَةٌ وَزَوْجَةٌ يُسَمَّيَانِ كَذَلِكَ وَقَالَ: نَوَيْت جَارِيَتِي فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الْفَتْوَى، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلَفَ بِهِ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ فَلَا تَنْفَعُهُ وَأَكْثَرُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
الْوَجْهُ الْآخَرُ مَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ نِيَّتُهُ فِي قَضَاءٍ وَلَا فُتْيَا وَهِيَ كُلُّ يَمِينٍ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ أَوْ شَرْطٍ أَوْ لِتَأْخِيرِ أَجَلٍ دُيِّنَ، فَمَا كَانَ يَقْضِي فِيهِ السُّلْطَانُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ نِيَّتُهُ، وَمَا كَانَ لَا يَقْضِي بِهِ كَيَمِينٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ بِمَشْيٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَيُدَيَّنُ فِي نِيَّتِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ. انْتَهَى بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ مِنْ ابْنِ يُونُسَ، رُمْتُ بِذَلِكَ مُسَايَرَةَ أَلْفَاظِ خَلِيلٍ لَكِنْ لَمْ يَتَّجِهْ مَا رُمْتُهُ فَانْظُرْهُ إلَّا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: اخْتِصَارُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ عَلَى تَوْثِقَةٍ أَوْ تَأْخِيرِ رَبِّهِ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ طَوْعًا فِي أَمْرٍ كُذِّبَ فِيهِ فَيَقُولُ: نَوَيْت امْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي الْمَيِّتَةَ، فَهَذَا لَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ فِي قَضَاءٍ وَلَا فُتْيَا.
وَاخْتُلِفَ هَلْ تَنْفَعُهُ الْمُحَاشَاةُ فِي يَمِينِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَلَالِ عَلَيَّ حَرَامٌ؟ وَالثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا وَقَالَ: نَوَيْت شَهْرًا أَوْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا فَيَقُولُ: نَوَيْت سَمْنَ ضَأْنٍ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَقَالَ: نَوَيْت شَيْئًا، فَهَذَا الَّذِي تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا فِي الْقَضَاءِ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا فَيُفَارِقُهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُ فَيَقُولُ: نَوَيْت مَا كَانَتْ تَحْتِي أَوْ يُعَاتِبُ زَوْجَتَهُ فِي دُخُولِ بَعْضِ قَرَابَتِهَا إلَيْهَا فَتَحْلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: نَوَيْت مَا كَانَ حَيًّا فَذَلِكَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّوْكِيلِ فِي لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ فَسَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ:
[ ٤ / ٤٣٦ ]
وَحَنِثَ بِفِعْلِهِ فِي لَا أَفْعَلُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ ".
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ عَبْدَهُ فَبَاعَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ حَانِثٌ وَلَمْ يَنْوِهِ فِي الْكِتَابِ بِخِلَافِ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضْرِبَ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِهِ، فَإِنْ قَالَ: نَوَيْت بِنَفْسِي صُدِّقَ انْتَهَى. فَانْظُرْ هَذَا مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ وَانْظُرْ هُنَا مَسَائِلَ:
مَسْأَلَةٌ أَوْلَى: اُسْتُحْلِفَ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهِ نِيَّةٌ.
مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ: اُسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ بِاَللَّهِ أَوْ بِمَشْيٍ وَنَحْوِهِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَدِينُ.
مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ: طَاعَ بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ عَلَى ذَلِكَ. تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ: مَنْ قَالَ: حِكْمَةُ طَالِقٌ إلَى آخِرِهِ أَنَّ لَهُ نِيَّتَهُ فِي الْفَتْوَى دُونَ الْقَضَاءِ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلَفَ بِهِ عَلَى وَثِيقَةٍ.
مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ: طَاعَ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، تَقَدَّمَ نَصُّ التَّلْقِينِ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ مُطْلَقًا.
مَسْأَلَةٌ خَامِسَةٌ: اُسْتُحْلِفَ فِي غَيْرِ حَقٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ. مَسْأَلَةٌ سَادِسَةٌ: اُسْتُحْلِفَ فِي غَيْرِ حَقٍّ بِاَللَّهِ أَوْ بِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ طَرِيقَيْنِ. ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ: فِيمَا يَقْطَعُ بِهِ حَقَّ غَيْرِهِ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ إجْمَاعًا مَعَ إثْمِهِ وَفِي غَيْرِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ فِي حَقٍّ عَلَى الْحَالِفِ وَأَحْلَفَهُ الطَّالِبُ وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ قَضَى بِظَاهِرِ يَمِينِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْ أَنَّهُ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ إذَا
[ ٤ / ٤٣٧ ]
لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، هَلْ ذَلِكَ إلَى نِيَّتِهِ أَوْ إلَى نِيَّةِ الطَّالِبِ؟ رَاجِعْهُ فِي بَابِ لَغْوِ الْيَمِينِ وَالْغَمُوسِ، وَانْظُرْ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ لَا يُصَدَّقُ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ مُخْلِصٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَجُلٍ اُبْتُلِيَ بِالْغَيْرَةِ فَحَلَفَ لِزَوْجَتِهِ فِي جَارِيَةٍ لَا يَطَؤُهَا وَهُوَ يَنْوِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَذَلِكَ يَسُوقُ إلَى غَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اللُّغْزُ اعْتِذَارًا أَوْ تَطْيِيبًا لِلنَّفْسِ لَا فِي حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَنَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَا حَقَّ لِامْرَأَتِهِ فِي تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ فِيهِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا السَّمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِلُغْزٍ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ لِلسُّلْطَانِ طَائِعًا فَيَقُولُ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَرَادَ امْرَأَةً كَانَتْ لَهُ مِنْ قَبْلُ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: امْرَأَتُك طَالِقٌ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا وَكَذَا قَالَ: نَعَمْ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ كُنْت فَعَلْت وَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ إلَّا كَذَا وَكَذَا الَّذِي اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْته يَرَى إنْ كَانَ تَكَلَّمَ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ
[ ٤ / ٤٣٨ ]
الْمَحْلُوفُ لَهُ وَهَذَا نَصٌّ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ لَا عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَمِثْلُهُ لِابْنِ وَهْبٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ فِي رَسْمِ يَشْتَرِي إذَا قَالَ: حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا ثُمَّ كَلَّمَهُ وَقَالَ: كُنْت كَاذِبًا فِي قَوْلِي حَلَفْت، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إذَا كَلَّمْت الْيَوْمَ فُلَانًا فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا كَلَّمَهُ وَأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فَإِنَّهُ يَدِينُ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزُّورِ.
(ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْبِسَاطُ سَبَبُ الْيَمِينِ. التَّلْقِينُ: إنْ عَدِمَ الْحَالِفُ تَحْصِيلَ النِّيَّةِ نُظِرَ إلَى السَّبَبِ الْمُثِيرِ لِلْيَمِينِ لِتُعْرَفَ مِنْهُ. وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّ ابْنَةَ ابْنِ تَشْفِينَ حَلَفَتْ بِصَوْمٍ وَبِغَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا الْأَمِيرُ إلَى دَارِ الْإِمَارَةِ أَبَدًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَمِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: تَرْجِعُ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهَا لِأَنَّ ظَاهِرَ أَمْرِهَا إنَّمَا كَرِهَتْ الرُّجُوعَ إلَيْهَا عَلَى غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَتَقَلَّدُهُ قَالَ: لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تُحْمَلُ عَلَى بِسَاطِهَا كَرِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي الَّذِي حَلَفَ لِلنَّقِيبِ أَنَّ زَوْجَتَهُ فِي الْبَيْتِ فَكَانَتْ حِينَئِذٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ كَانَتْ عَلَى حَاضِرَةٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي وَجَدَ الزِّحَامَ عَلَى الْمَجْزَرَةِ فَحَلَفَ لَا يَشْتَرِي اللَّيْلَةَ عَشَاءً فَوَجَدَ لَحْمًا دُونَ زِحَامٍ فَاشْتَرَاهُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ.
انْتَهَى مِنْ نَوَازِلِهِ. وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: يَنْبَغِي صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى مَعْنَى مَخَارِجِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْأُمُورُ، أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] هَذَا نَهْيٌ وَالْآخَرُ أَمْرٌ. وَانْظُرْ بَسْطَ هَذَا أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِي صَاحِبِ حَقٍّ ضَاعَ لَهُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ فِي مَوْضِعٍ وَمَا هُوَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ فِي بَيْتِهِ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَمْ يُحَنِّثْهُ سَحْنُونَ بِمُقْتَضَى لَفْظِهِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْبِسَاطِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
(ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ ثُمَّ مَقْصِدٌ لُغَوِيٌّ) ابْنُ رُشْدٍ: الْأَشْهَرُ إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ أَنْ
[ ٤ / ٤٣٩ ]
يُرَاعِيَ بِسَاطَ يَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِيَمِينِهِ بِسَاطٌ حُمِلَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَقَاصِدِ النَّاسِ بِأَيْمَانِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مَقْصِدٌ حُمِلَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُ لَفْظِهِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِوَجْهَيْنِ فَأَكْثَرَ فَعَلَى أَظْهَرْ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الِاحْتِمَالِ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمُجْتَهِدِ تَتَعَارَضُ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. قِيلَ: إنَّهُ يَأْخُذُ بِالْأَثْقَلِ. وَقِيلَ: إنَّهُ يَأْخُذُ بِالْأَخَفِّ. فَكَذَلِكَ هَذَا يَأْخُذُ بِالْبِرِّ عَلَى قَوْلٍ. وَوَجْهُهُ بِالطَّلَاقِ يَتَيَقَّنُ الْعِصْمَةَ وَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَيَأْخُذُ بِالْحِنْثِ عَلَى قَوْلٍ، وَوَجْهُهُ الِاحْتِيَاطُ وَيَأْخُذُ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلٍ. وَوَجْهٌ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ مَمْنُوعًا مِنْ التَّقْلِيدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ كَانَ اسْتِوَاءُ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ دَلِيلًا عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا يُخَيَّرُ الْمُكَفِّرُ فِي الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ، وَكَمَا يُخَيَّرُ وَاطِئُ الْأُخْتَيْنِ فِي تَحْرِيمِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَمَا أَشْبَهَ ذَاكَ كَثِيرًا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَالِفِ عَلَى يَقِينِهِ بِمَا لَا يُقْضَى بِهِ أَوْ بِمَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ إذَا أَتَى
[ ٤ / ٤٤٠ ]
مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِيَمِينِهِ.
(ثُمَّ شَرْعِيٌّ) لَمْ يَذْكُرْ هَذَا ابْنُ رُشْدٍ. وَاَلَّذِي لِابْنِ بَشِيرٍ: إنْ فَقَدَ الْبِسَاطَ وَالنِّيَّةَ فَهَلْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى مُقْتَضَاهُ لُغَةً أَوْ مُقْتَضَاهُ عُرْفًا أَوْ مُقْتَضَاهُ شَرْعًا إنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالِ سَيَأْتِي قَوْلُهُ: " وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي لَأُسَافِرَنَّ ". وَانْظُرْ مَسْأَلَةً وَقَعَتْ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مَنْ حَلَفَ لَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ إذَا رَجَعَ بَعْدَمَا أَفَادَ نِصَابًا مِنْ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ بَرَّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: دَلِيلُهُ حَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ فَتُرَدَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ» فَهُوَ مِمَّنْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ غَنِيٍّ انْتَهَى. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي عُمَرَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِمَنْ قَالَ مَالِكُ النِّصَابِ غَنِيٌّ. اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَالِكُ نِصَابٍ ".
(وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلْنَذْكُرْ الْفُرُوعَ تَأْنِيسًا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَالْبِسَاطِ. وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَبِيبِهِ: أُمُّك طَالِقٌ لَإِنْ جِئْتنِي إلَى بَيْتِي بِخُبْزٍ لَأَطْرَحَنَّهُ بِالْخَرِبَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْغُلَامُ وَمَعَهُ خُبْزٌ فَصَاحَتْ لَهُ أُمُّهُ فَخَرَجَ بِالْخُبْزِ فَقَالَ: إنْ كَانَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُبْزَ فَتَوَانَى فَأُرَاهُ حَانِثًا، وَإِنْ كَانَ فَاتَهُ هَرَبًا وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فَلَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ حَتَّى فَاتَ فَوَاتًا لَا يُمْكِنُهُ الْبِرُّ فِيهِ بِعَدَمِ الْإِمْكَانِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، كَمَسْأَلَةِ الْحَمَّامَاتِ مِنْ نُذُورِ الْمُدَوَّنَةِ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ ".
(وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ) لِمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْفِعْلُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْفِعْلُ لِمَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهَا لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَإِذَا هِيَ حَائِضٌ، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَحَنِثَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ فَعَلَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ مِنْهُ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِاتِّفَاقٍ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ثُمَّ وَجَدَهُ قَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ قَبْلَ يَمِينِهِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ.
قَالَ سَحْنُونَ: مَنْ بَاعَ مِلْكًا فَضَادَّهُ الْمُشْتَرِي فَحَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْهُ
[ ٤ / ٤٤١ ]
فَقَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْبَيْعِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْهُ بَعْدُ وَالْبَيْعُ قَدْ مَضَى.
قَالَ السَّيِّدُ مُفْتِي تُونُسَ الْبُرْزُلِيِّ: عَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ فُتْيَا ابْنِ الْبَرَاءِ لِمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِعِشْرِينَ ثُمَّ اسْتَوْضَعَهُ الْمُشْتَرِي فَحَلَفَ الْبَائِعُ بِالطَّلَاقِ لَا بَاعَهُ مِنْهُ فَأَجَابَ الثَّوْبُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا حِنْثَ عَلَى الْبَائِعِ. اُنْظُرْ آخِرَ تَرْجَمَةٍ مِنْ النُّذُورِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(أَوْ سَرِقَةٍ لَا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ لَيَرْكَبَنَّ دَابَّتَهُ غَدًا فَهَلَكَتْ قَبْلَ غَدٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى بِرٍّ بِالتَّأْجِيلِ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا أَوْ لَيَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ فِي غَدٍ فَسُرِقَ ذَلِكَ قَبْلَ غَدٍ حَنِثَ إذْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فِي غَدٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إلَّا أَنْ يُسْرَقَا أَوْ لَا أَجِدُهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دِينَارٍ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ حَمَامَةً لِيَتِيمِهِ وَهُوَ يَظُنُّهَا حَيَّةً ثُمَّ قَامَ مَكَانَهُ فَأَلْفَاهَا مَيِّتَةً فَلَمْ يَبْقَ عَالِمٌ بِالْمَدِينَةِ إلَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ وَأَنَّ وَجْهَ يَمِينِهِ إنْ أَدْرَكَهَا حَيَّةً.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ يُونُسَ. قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: إنَّمَا فَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالسَّرِقَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ الْأَجَلَ إذَا تَمَّ وَالْعَبْدُ وَالدَّابَّةُ مَيِّتَانِ اسْتَحَالَ أَنْ يَفْعَلَ
[ ٤ / ٤٤٢ ]
فِيهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَفِي السَّرِقَةِ لَوْ أَمْكَنَهُ السَّارِقُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَجَلِ أَمْكَنَهُ هُوَ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَكَوْنُهَا عِنْدَ السَّارِقِ أَمْرٌ لَا يُعْذَرُ بِهِ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَالِفَ لَيَفْعَلَنَّ لَا يُعْذَرُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْغَلَبَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَمَسْأَلَةُ الْحَمَامَاتِ إنَّمَا لَمْ يُحَنِّثْهُ فِيهَا لِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهَا مُسْتَحِيلٌ وَنَاقَضَ. سَحْنُونَ: مَسْأَلَةَ الْحَمَامَاتِ بِمَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لَيَبِيعَنَّ أَمَةً فَبَاعَهَا فَأُلْفِيَتْ حَامِلًا مِنْهُ وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا وَجَدَهَا حَامِلًا كَمَسْأَلَةِ الْحَمَامَاتِ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: لِافْتِرَاقِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمَةَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ وَطْؤُهَا لَوْلَا مَنْعُ الشَّرْعِ فَصَارَ مَنْعُ الشَّرْعِ لَهُ مِنْ الْبَيْعِ كَمَنْعِ آدَمِيٍّ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَالسَّرِقَةِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْإِكْرَاهِ أَوْ الْغَلَبَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَنَحْوُ هَذَا لِأَبِي عِمْرَانَ لِأَنَّ إخْفَاءَ السَّارِقِ لَهُ كَمَنْعِ غَاصِبٍ مِنْ رُكُوبِهَا أَوْ مُسْتَحِقٍّ اسْتَحَقَّهَا أَوْ رُبِطَ أَوْ سُجِنَ حَتَّى فَاتَ الْأَجَلُ.
وَهَذَا كَمَنْ حَلَفَ لَيَأْخُذَنَّ حَقَّهُ مِنْ غَرِيمِهِ الْيَوْمَ فَمَطَلَهُ أَوْ الدَّابَّةُ حَتَّى انْقَضَى الْيَوْمُ أَوْ مَرِضَ أَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ دَارَ نَفْسِهِ فَحُبِسَ عَنْ دُخُولِهَا. وَخَرَّجَ السَّيِّدُ مُفْتِي تُونُسَ الْبُرْزُلِيِّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَمَامَاتِ مَنْ حَلَفَتْ أَنْ لَا تَأْكُلَ لِزَوْجِهَا طَعَامًا حَتَّى يَقْدَمَ وَلَدُهَا الْغَائِبُ فَتُوُفِّيَ الْوَلَدُ قَبْلَ قُدُومِهِ قَالَ: وَسَوَاءٌ تَأَخَّرَ قُدُومُهُ عَلَى عَادَةٍ أَمْ لَا خِلَافًا لِابْنِ الْبَرَاءِ.
(وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) اُنْظُرْ الْمَدْرَكَ السَّادِسَ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَانْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا: " وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ ". وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَا كَفَّرَ حَتَّى عَزَمَ عَلَى الضِّدِّ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفِي النَّذْرِ
[ ٤ / ٤٤٥ ]
الْمُبْهَمِ ". نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَلْقَةً ثُمَّ يَرْتَجِعْهَا فَتَزُولُ يَمِينُهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ فِي يَمِينِهِ عَلَى حِنْثٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي ظِهَارِهَا خِلَافُ هَذَا انْتَهَى. وَانْظُرْ لَوْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَرَادَ إذَا حَلَفَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ فِي الطَّلَاقِ وَحْدَهُ فَيُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً كَمَا حَلَفَ لَيَرْتَجِعُ وَيَطَأُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ بَرَّ بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ الْمَوْتِ سَقَطَ عَنْهُ الْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَبَرَّ حَتَّى مَاتَ كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ لِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَرَثَتِهِ شَيْءٌ فِي الْمَشْيِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ فَيَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ فِي الْحَالِفِ: لَيَفْعَلَنَّ إنَّهُ عَلَى التَّعْجِيلِ وَيَحْنَثُ إنْ أَخَّرَ فِعْلَ هَذَا الَّذِي حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحَالِفِ لَيَنْتَقِلَنَّ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِلْ تِلْكَ السَّاعَةَ حَنِثَ انْتَهَى. وَانْظُرْ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فِي الشَّهْرِ الدَّاخِلِ فَلَهُ أَنْ يُصَالِحَهَا فِي الْحِينِ وَيَتْرُكَهَا الشَّهْرَ الدَّاخِلَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْتَجِعُهَا فَيَكُونُ الْحِنْثُ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ مُبْهَمَةً لَيْسَ فِيهَا أَجَلٌ فَصَالَحَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا لَرَجَعَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. وَانْظُرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ؟ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ لَمْ أَعْتِقْ رَقَبَةً أَوْ أَفْعَلْ كَذَا، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ فَبَرَّ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَبِالنِّسْيَانِ إنْ أَطْلَقَ) ابْنُ بَشِيرٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ النَّاسِيَ يَحْنَثُ بِنِسْيَانِهِ. وَرَأَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُحَقِّقِي الْأَشْيَاخِ نَفْيَ الْحِنْثِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَرَادُوا تَخَرُّجَهُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ أَنَّ النِّسْيَانَ كَالْعَمْدِ وَاخْتَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالسُّيُورِيُّ خِلَافَهُ انْتَهَى. وَانْظُرْ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا وَيَأْكُلَ نَاسِيًا وَبَيْنَ أَنْ يُصْبِحَ يَأْكُلُ نَاسِيًا. اُنْظُرْ رَسْمَ سَلَفٍ، وَانْظُرْ الْخَطَأَ
[ ٤ / ٤٤٦ ]
كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْحَالِفُ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: هُوَ حَانِثٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِيهِمْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ وَيُحَاشِيَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يَبَرُّ بِهَذَا السَّلَامِ مَنْ حَلَفَ عَلَى هَذَا الْمُسَلِّمِ أَنْ يَتْرُكَ هِجْرَانَ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَالسَّلَامُ يُخْرِجُ مِنْ الْهِجْرَانِ أَوْ يَكُونُ كَالْفَرْعِ بَعْدَ هَذَا.
(وَبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْحِنْثُ يَدْخُلُ بِأَقَلِّ الْوُجُوهِ وَالْبِرُّ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا بَعْدَ زَوْجٍ فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا دُونَ الدُّخُولِ، وَحَرُمَ مَا نَكَحَ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ مِنْ النِّسَاءِ فَحَرُمَتْ عَلَى الْأَبِ زَوْجَةُ الِابْنِ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ نِكَاحٍ وَهُوَ الْعَقْدُ دُونَ
[ ٤ / ٤٤٨ ]
الدُّخُولِ، وَعَلَى الِابْنِ زَوْجَةُ الْأَبِ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُبَاحُ بِهِ الشَّيْءُ أَقْوَى مِمَّا يُحْظَرُ بِهِ. فَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرَّغِيفَ يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ بِسَاطٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ اسْتِيعَابَ جَمِيعِهِ، وَمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِأَكْلِ جَمِيعِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ بِسَاطٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَكْلَ بَعْضِهِ وَعَلَى هَذَا فَقِسْ.
(وَبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي لَا آكُلُ لَا مَاءٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَلَفَ لَا آكُلُ فَشَرِبَ سَوِيقًا أَوْ لَبَنًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. وَهَذَا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ قَصْدَهُ التَّضْيِيقُ عَلَى نَفْسِهِ
[ ٤ / ٤٤٩ ]
بِتَرْكِ الْغِذَاءِ. وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَصَدَ الْأَكْلَ دُونَ الشَّرَابِ لَمْ يَحْنَثْ لَوْ شَرِبَ مَاءً وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي اللَّبَنِ نِيَّةٌ أَوْ فِي السَّوِيقِ لِمَا يَعْرِضُ مِنْ نَفْخِهِ.
(وَلَا تَسَحُّرٍ فِي لَا أَتَعَشَّى) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَعَشَّى فَتَسَحَّرَ لَمْ يَحْنَثْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ السُّحُورِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ قَصَدَ تَرْكَ الْغِذَاءِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
(وَذَوْقِ مِلْحٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامَ كَذَا وَلَا يَشْرَبُ شَرَابَ كَذَا فَذَاقَهُ فَإِنْ لَمْ يَصِل إلَى جَوْفِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
(وَبِوُجُودِ أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ لَا أَقَلَّ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَدَمَ حِنْثِ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لِمَنْ طَلَبَهُ فِي سَلَفِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَا يَمْلِكُ إلَّا عَشْرَةً فَوَجَدَ تِسْعَةً فَقَطْ. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا. وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِيمَنْ تَسَلَّفَ مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا فَوَجَدَهُ نَاقِصًا فَسَأَلَهُ أَوْزَنَ مِنْهُ فَحَلَفَ مَا مَعَهُ إلَّا أَنْقَصَ مِنْهُ فَوَجَدَ مَعَهُ مِثْلَ وَزْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا مَعَهُ أَوْزَنَ. ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الَّذِي عُوتِبَ عَلَى إدْخَالِ سِلْعَتِهِ السُّوقَ يَوْمَ الْأَحَدِ بَعْدَ فَوَاتِ السُّوقِ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَقَدْ أَدْخَلَهَا السُّوقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا أَدْخَلَهَا يَوْمَ السَّبْتِ فَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ تَتَأَخَّرْ سِلْعَتُهُ عَنْ سُوقِهَا وَهَذَا إنْ كَانَتْ سُوقُ تِلْكَ السِّلْعَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ سُوقُ تِلْكَ السِّلْعَةِ إنَّمَا هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَقَدْ حَنِثَ إذْ قَدْ تَأَخَّرَ بِهَا عَنْ سُوقِهَا وَعَنْ الْيَوْمِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ.
(وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وَلُبْسِهِ فِي لَا أَرْكَبُ وَلَا أَلْبَسُ) ابْنُ عَرَفَةَ: دَوَامُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَابْتِدَائِهِ إنْ أَمْكَنَ تَرْكُهُ كَاللُّبْسِ وَالسُّكْنَى وَالرُّكُوبِ لَا الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ وَالنَّوْمِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ أَوْ لَا يَرْكَبَ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهُوَ عَلَيْهَا. فَإِنْ نَزَلَ عَنْهَا أَوْ نَزَعَ الثَّوْبَ مَكَانَهُ وَإِلَّا حَنِثَ.
(لَا فِي كَدُخُولِ دَارٍ) مِنْ الْمَجْمُوعَةِ: إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ فِي الدَّارِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَمَادِيهَا وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنْ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِحَامِلٍ إذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَمْلِ وَلَكِنْ بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ.
(وَبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْكَبَ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ
[ ٤ / ٤٥١ ]
الْعَبْدَ لَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ لَعَتَقَ عَلَيْهِ.
(وَبِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ كَذَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةً سَوْطٍ فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا أَوْ أَخَذَ سَوْطًا لَهُ رَأْسَانِ أَوْ جَمَعَ سَوْطَيْنِ فَضَرَبَ بِهِمَا خَمْسِينَ جَلْدَةً لَمْ يَبَرَّ، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ جَلْدًا خَفِيفًا لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِضَرْبٍ مُؤْلِمٍ.
(وَبِلَحْمِ الْحُوتِ وَبَيْضِهِ وَعَسَلِ الرَّطْبِ فِي مُطْلَقِهَا) أَمَّا مَنْ أَطْلَقَ وَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ: إنْ أَكَلَ لَحْمَ الْحُوتِ. مُحَمَّدٌ: أَوْ لَحْمَ طَيْرٍ حَنِثَ لِأَنَّ الِاسْمَ يَجْمَعُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَلَهُ مَا نَوَى. وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُءُوسًا فَأَكَلَ رُءُوسَ السَّمَكِ حَنِثَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لِيَمِينِهِ بِسَاطٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ أَطْلَقَ وَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ بَيْضًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ سَائِرِ الطَّيْرِ وَبَيْضِ السَّمَكِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ الْحُوتِ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَقْيَسُ لِأَنَّا إذَا عَدِمْنَا النِّيَّةَ وَالْبِسَاطَ نَظَرْنَا إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَمَقَاصِدِهِمْ فِي أَيْمَانِهِمْ، فَالْمَعْهُودُ فِي الرُّءُوسِ عِنْدَ النَّاسِ رُءُوسُ الْأَنْعَامِ، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْضِ بَيْضُ الطَّيْرِ لَا رُءُوسُ السَّمَكِ وَبَيْضُهُ. وَقَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَحْوَطُ وَبِهِ أَقُولُ. وَأَرَى أَنَّ النِّيَّةَ تَنْفَعُهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، هَذَا إذَا قَالَ لَمْ أُرِدْ لَحْمَ السَّمَكِ وَلَا رُءُوسَهُ وَلَا بَيْضَهُ وَلَا رُءُوسَ الطَّيْرِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى يَمِينِهِ بِالطَّلَاقِ بَيِّنَةٌ لِلْمَعْهُودِ مِنْ مَقَاصِدِ النَّاسِ، وَأَمَّا مَنْ أَطْلَقَ وَحَلَفَ لَا آكُلُ عَسَلًا فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: مِمَّا يُلْتَفَتُ فِيهِ عَلَى النَّظَرِ إلَى الْعُرْفِ أَوْ أَصْلِ التَّسْمِيَةِ فِي اللُّغَةِ فَذَكَرَ فُرُوعًا ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ عَسَلًا، هَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَسَلِ الْقَصَبِ؟ وَالْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ الْحِنْثُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: عَسَلُ الْقَصَبِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: عَسَلُ الرُّطَبِ.
(وَبِكَعْكٍ وَخُشْكَنَانَ وَهَرِيسَةٍ وَإِطْرِيَةٍ فِي خُبْزٍ لَا عَكْسِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْنَثُ فِي الْخُبْزِ بِالْكَعْكِ لَا الْعَكْسُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْخُشْكَنَانِ كَالْخُبْزِ. ابْنُ بَشِيرٍ: هَلْ يَحْنَثُ
[ ٤ / ٤٥٢ ]
بِأَكْلِ الْإِطْرِيَةِ وَالْهَرِيسَةِ وَالْكَعْكِ وَالْكَعْكُ أَقْرَبُ إلَى الْحِنْثِ لِأَنَّهُ مُلْتَحِقٌ بِالْخُبْزِ قَطْعًا. ابْنُ عَرَفَةَ: الْحِنْثُ بِالْهَرِيسَةِ بَعِيدٌ.
(وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ وَدَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ وَدَجَاجٍ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ غَنَمًا حَنِثَ بِأَكْلِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَجْمَعُهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَحَدِهِمَا مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْآخَرِ لِلِاسْمِ الْأَخَصِّ بِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ دَجَاجًا فَأَكَلَ دَجَاجَةً أَوْ دِيكًا حَنِثَ لِلِاسْمِ الْجَامِعِ، وَإِنْ خَصَّ أَحَدَهُمَا فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ دِيكًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ دَجَاجَةٍ، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ دَجَاجَةً لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ دِيكٍ (لَا بِأَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ خَصَّ أَحَدَهُمَا ".
(وَبِسَمْنٍ اُسْتُهْلِكَ فِي سَوِيقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا فَأَكَلَ سَوِيقًا لُتَّ بِسَمْنٍ حَنِثَ وَجَدَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَمْ لَا. إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ خَالِصًا.
(وَبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ) سَحْنُونٌ: مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زَعْفَرَانًا فَأَكَلَ طَعَامًا فِيهِ زَعْفَرَانٌ حَنِثَ وَلَا يَنْوِي لِأَنَّ الزَّعْفَرَانَ لَا يُؤْكَلُ إلَّا هَكَذَا وَلَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ.
(لَا بِكَخَلٍّ طُبِخَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ خَلًّا فَأَكَلَ مَرَقًا طُبِخَ بِخَلٍّ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا دَخَلَهُ الْخَلُّ. ابْنُ الْمَوَّازِ:
[ ٤ / ٤٥٣ ]
وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
قَالَ إسْمَاعِيلُ: إنَّمَا فَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ السَّمْنِ وَالْخَلِّ لِأَنَّ السَّمْنَ الْمَلْتُوتَ بِهِ السَّوِيقُ هُوَ عَلَى حَالَتِهِ وَإِنَّمَا أَلُزِقَ بِالسَّوِيقِ إلْزَاقًا.
قَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ لِأَنَّهُ يَصْعَدُ فَوْقَهُ فَيُجْمَعُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْخَلِّ أَبَدًا.
(وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي لَا قَبَّلْتُك أَوْ قَبَّلْتِنِي) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَبَّلْتُك فَقَبَّلَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ اسْتِرْخَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ إنْ قَبَّلْتنِي حَنِثَ بِكُلِّ حَالٍ.
(وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي لَا فَارَقْتُك أَوْ فَارَقْتِنِي إلَّا بِحَقِّي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ لَا فَارَقَ غَرِيمَهُ إلَّا بِحَقِّهِ فَفَرَّ مِنْهُ أَوْ أَفْلَتَ أَوْ غَصَبَ الْحَالِفُ بِرَبْطٍ فَهُوَ حَانِثٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَا أُفَارِقُك كَالْقَائِلِ لَا أَتْرُكُهُ إلَّا أَنْ يَفِرَّ أَوْ أَغْلِبَ عَلَيْهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: مَنْ حَلَفَ لَا فَارَقَ غَرِيمَهُ إلَّا بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ الْغَرِيمُ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا فَارَقَتْنِي وِفَاقٌ وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ بَشِيرٍ (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: فَفَرَّ مِنْهُ أَوْ رُبِطَ الْحَالِفُ.
(وَإِنْ أَحَالَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ لِغَرِيمِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ
[ ٤ / ٤٥٤ ]
حَقَّهُ فَأَحَالَهُ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ لَمْ يَبَرَّ.
(وَبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا حَنِثَ لِأَنَّ الشَّحْمَ يَخْرُجُ مِنْ اللَّحْمِ مَعَ قُرْبِ اسْمِهِ وَمَنَافِعِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فِي اللَّحْمِ دُونَ الشَّحْمِ قَالَ: وَسَوَاءٌ كَانَ شَحْمَ ثَوْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَا الْعَكْسِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ اللَّحْمِ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّحْمِ.
(وَبِفَرْعٍ فِي لَا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ فَأَكَلَ بُسْرَهُ أَوْ رُطَبَهُ أَوْ تَمْرَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الطَّلْعَ بِعَيْنِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَأَكَلَ مِنْ زُبْدِهِ أَوْ جُبْنِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ. وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ بُسْرَ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ بُسْرًا فَأَكَلَ مِنْ بَلَحِهَا لَمْ يَحْنَثْ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْبُسْرِ. ابْنُ حَبِيبٍ: أَوَّلُ دَرَجَاتِ النَّخْلِ طَلْعٌ ثُمَّ إغْرِيضٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ زَهْوٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رُطَبٌ ثُمَّ تَمْرٌ انْتَهَى. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ أَوَائِلَ كَلِمِهَا فِي قَوْلِك طَابَ زَبَرَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَالِفُ لَا آكُلُ مِنْ شَيْءٍ مُشَارٍ إلَيْهِ وَلَا نِيَّةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: يَحْنَثُ بِمَا تَوَلَّدَ عَنْهُ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَا بِمَا تَوَلَّدَ هُوَ عَنْهُ.
(أَوْ هَذَا الطَّلْعَ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ. قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا فِي شَيْءٍ كَالْأَكْلِ مَثَلًا فَيَنْتَقِلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَوْ يُخَالِطُ غَيْرَهُ، فَإِنْ انْتَقَلَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَا هُوَ مُعَدٌّ إلَى الِانْتِقَالِ إلَيْهِ أَوْ لَا، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مَا هُوَ مُعَدٌّ إلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقُولَ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ أَوْ هَذَا الطَّلْعُ، فَإِنْ ذَكَرَ لَفْظَةَ مِنْ كَقَوْلِهِ: لَا أَكَلْت مِنْ هَذَا الطَّلْعِ أَوْ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، قَرُبَ تَغَيُّرُهُ أَوْ بَعُدَ. فَإِنْ أَكَلَ مِنْ بُسْرِ ذَلِكَ الطَّلْعِ أَوْ رُطَبِهِ أَوْ تَمْرِهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ مِنْ كَأَنْ يَقُولَ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الطَّلْعَ أَوْ هَذَا الْقَمْحَ وَأَشَارَ إلَى مُعَيَّنٍ، فَإِنْ بَعُدَتْ اسْتِحَالَتُهُ فَلَا شَكَّ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ. وَإِنْ قَرُبَتْ جِدًّا وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ صُنْعٌ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْنَثُ. وَهَذَا كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الْقَمْحَ فَأَكَلَ
[ ٤ / ٤٥٥ ]
خُبْزَهُ، أَوْ هَذَا الزَّبِيبُ فَشَرِبَ نَبِيذَهُ، وَهَلْ يُلْحَقُ بِهَذَا الْجُبْنِ مِنْ اللَّبَنِ وَالرُّطَبِ مِنْ الْبَلَحِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِذَلِكَ وَهَذَا لِبُعْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ (لَا الطَّلْعَ أَوْ طَلْعًا) ابْنُ بَشِيرٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَرِقَ الْحُكْمُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ مِنْ هَذَا الْكَذَا وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ مِنْ الْكَذَا فَيُسَمِّي شَيْئًا غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُشِرْ إلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ إذَا نَكَّرَ وَلَمْ يَقُلْ " مِنْ " وَالْمَذْهَبُ إذَا نَكَّرَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ " مِنْ " أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا كَالسَّمْنِ مِنْ الزُّبْدِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَنَفْيُ الْحِنْثِ هُوَ الْأَصْلُ.
(إلَّا بِنَبِيذِ زَبِيبٍ وَمَرَقَةِ لَحْمٍ أَوْ شَحْمِهِ وَخُبْزِ قَمْحٍ وَعَصِيرِ عِنَبٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْبُسْرِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا فِي خَمْسَةٍ: فِي الشَّحْمِ مِنْ اللَّحْمِ، وَالنَّبِيذِ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالْعَصِيرِ مِنْ الْعِنَبِ، وَالْمَرَقِ مِنْ اللَّحْمِ، وَالْخُبْزِ مِنْ دَقِيقِ الْقَمْحِ. فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ. هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ.
(وَبِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى الْمَنَّ لَا الرَّدَاءَةَ كَسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الدَّقِيقَ أَوْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ فَأَكَلَهُمَا بِحَالِهِمَا أَوْ أَكَلَ خُبْزَيْهِمَا أَوْ سَوِيقَ الْحِنْطَةِ حَنِثَ، لِأَنَّ هَذَا هَكَذَا يُؤْكَلُ وَلَا يُؤْكَلُ مَا اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا مِنْ طَعَامٍ وَلَا مَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى وَجْهَ الْمَنِّ، وَإِنْ كَانَ لِشَيْءٍ كَرِهَهُ فِي الْحِنْطَةِ مِنْ
[ ٤ / ٤٥٦ ]
رَدَاءَةٍ أَوْ سُوءِ صَنْعَةٍ فِي الطَّعَامِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ مَا ذَكَرْنَا.
(وَبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ لَمْ يَحْنَثْ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا حَلَفَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مَعَهُ تَحْتَ سَقْفٍ فَصَلَّى مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ تَحْتَ سَقْفِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْحَالِفِ عَلَى الدُّخُولِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَخَلَ مَعَهُ الْحَمَّامَ لَحَنِثَ: لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ قَدَرَ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ وَيَقُومُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْقَوْلَانِ.
(وَدَارِ جَارِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ الْحَالِفُ عِنْدَ جَارِهِ فَوَجَدَ الْمَحْلُوفَ عِنْدَهُ حَنِثَ، وَإِنْ دَخَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِفِ فَخَافَ مَالِكٌ عَلَيْهِ الْحِنْثَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يُجَامِعَهُ فِي بَيْتٍ فَيَحْنَثَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ وَتَرَاخَى حَنِثَ وَيَصِيرُ كَابْتِدَاءِ دُخُولِهِ هُوَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَالِفِ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِامْرَأَتِهِ فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَلِمَ بِهِ، فَجَعَلَ تَرْكَهُ لَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِخُرُوجِهَا كَابْتِدَاءِ إذْنٍ. ابْنُ يُونُسَ: صَوَابُ ذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ وَإِنْ اُحْتُمِلَ الْحَالِفُ فَدُخِلَ بِهِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَرْهًا قَالَ: لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَتَرَاخَ وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ وَكَانَ إذَا قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ خَرَجَ مَكَانَهُ، فَإِنْ أَقَامَ وَهُوَ لَوْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ لَخَرَجَ فَقَدْ حَنِثَ.
(أَوْ بَيْتِ شَعَرٍ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَ بَيْتًا فَسَكَنَ بَيْتَ شَعَرٍ وَهُوَ بَادٍ أَوْ حَضَرِيٌّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ حَنِثَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠] الْآيَةُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لِيَمِينِهِ مَعْنًى يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَ بِقَوْمٍ انْهَدَمَ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنُ فَحَلَفَ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ بِسُكْنَى بَيْتِ الشَّعَرِ.
(كَحَبْسٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ) أَصْبَغُ: يَحْنَثُ فِي لَا جَامَعَهُ تَحْتَ سَقْفٍ بِإِدْخَالِهِ
[ ٤ / ٤٥٧ ]
الْإِمَامُ السِّجْنَ كَارِهًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَائِعًا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ سَجَنَهُ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ وَلَوْ سَجَنَهُ ظُلْمًا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي لَا أَفْعَلُ وَلَا يَحْنَثُ فِيهِ مُكْرَهًا اتِّفَاقًا (لَا بِمَسْجِدٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَا دَخَلَ عَلَيَّ فُلَانٌ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ لَا يَحْنَثُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ تَحْتَ سَقْفٍ.
(وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا فِي بَيْتٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ حَلَفَ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَيِّتٌ حَنِثَ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحْنَثُ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ حَلَفَ لَا أَدْخُلُ بَيْتَ فُلَانٍ مَا عَاشَ أَوْ قَالَ: حَتَّى يَمُوتَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَهُوَ مَيِّتٌ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ حَنِثَ. ابْنُ يُونُسَ: وَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنْ لَا يَحْنَثَ وَهُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَقْوَى مِنْ الْأُولَى، لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ مَا عَاشَ أَوْ حَتَّى يَمُوتَ فَدَخَلَ بَعْدَ حُلُولِ الشَّرْطِ فَكَانَ لَا يَجِبُ الْحِنْثُ بِاتِّفَاقٍ وَقَوْلُ مَنْ يُحَنِّثُهُ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: يُحَنِّثُهُ فِي لَا دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتًا حَيَاتَهُ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحْنَثُ. ابْنُ رُشْدٍ: بِنَاءً عَلَى حَمْلِ حَيَاتِهِ عَلَى مَعْنَى الْأَبَدِ أَوْ الْحَقِيقَةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَلَا يَدْخُلُ حَانُوتَهُ وَلَا قَرْيَتَهُ وَلَا جِنَانَهُ وَلَا مَوْضِعًا لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَتَاعٌ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ إلَّا أَنْ يَكْرِهِ عَيْنَ الدَّارِ لِوَجْهٍ مَا فَلَا يَحْنَثُ فِيمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. ابْنُ يُونُسَ: لَا يَحْنَثُ عِنْدِي إذَا دَخَلَ حَانُوتَهُ أَوْ جِنَانَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لِأَنَّ دَارِهِ لَيْسَتْ هِيَ جَنَانَهُ.
(يَمْلِكُهُ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ بَيْتًا يَمْلِكُهَا فَإِنْ قَالَ: مَا دَامَتْ فِي
[ ٤ / ٤٥٨ ]
مِلْكِهِ فَدَخَلَهَا وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ: إنَّهُ يَحْنَثُ. فَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ وَقَالَ: قَدْ خَرَجَتْ بِالْمَوْتِ عَنْ مِلْكِهِ وَلَعَلَّهُ فِي الرِّوَايَةِ رَأْيُ إبْقَاءِ حَقِّهِ فِي تَجْهِيزِهِ لِلدَّفْنِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمِلْكِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا (لَا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُجَامَعَةَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ أَخَافُ عَلَيْهِ الْحِنْثَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يُجَامِعَهُ فِي بَيْتٍ.
(وَبِتَكْفِينِهِ فِي لَا يَنْفَعُهُ حَيَاتَهُ)
[ ٤ / ٤٥٩ ]
رَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَقَالَهُ: إنْ حَلَفَ لَا يَنْفَعُهُ مَا عَاشَ يَحْنَثُ بِتَكْفِينِهِ.
(وَبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا فِي لَا أَكَلْت طَعَامَهُ إنْ أَوْصَى أَوْ كَانَ مَدِينًا) ابْنُ سَحْنُونٍ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ مَالِ فُلَانٍ وَلَا يَنْتَفِعُ مِنْ مَالِهِ بِشَيْءٍ فَانْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَبْلَ جَمْعِ مَالِهِ أَوْ بَعْدَ قَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَ أَوْ بَعْدَ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يُدْفَنَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ حَانِثٌ، كَانَ دَيْنًا مُحِيطًا أَوْ غَيْرَ مُحِيطٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَدْ أَوْصَى بِوَصَايَا فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّ مَا تَرَكَ بِمَوْتِهِ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ وَلِأَهْلِ الْوَصَايَا. وَمَا جَرَى فِيهِ مِنْ حَادِثٍ فَمِنْهُمْ قَالَ: وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ سَاوَى بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَعَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُمَا سَاوَيَا بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ فَرَاجِعْهُ أَنْتَ. ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامَ فُلَانٍ فَسَافَرَ مَعَهُ فَاشْتَرَيَا طَعَامًا فَأَكَلَاهُ فَلْيَحْلِفْ مَا أَرَادَ إلَّا طَعَامَهُ خَالِصًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ اُنْظُرْ قَبْلُ تَرْجَمَةَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
(وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ أَوْ رَسُولٍ فِي لَا كَلَّمَهُ وَلَمْ يَنْوِ فِي الْكِتَابِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا أَوْ كَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُشَافَهَتَهُ، يُرِيدُ وَيَحْلِفُ وَالْكِتَابُ أَشَدُّ.
قَالَهُ مَالِكٌ. وَهَذَا فِي أَيْمَانِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَا يَنْوِي فِي الْكِتَابِ وَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ حَتَّى يَقْرَأَهُ وَلَوْ عِنْوَانَهُ.
وَقَالَ
[ ٤ / ٤٦١ ]
اللَّخْمِيِّ: يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ الْكِتَابِ.
(وَبِالْإِشَارَةِ لَهُ) ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ فَأَشَارَ إلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ وَقِيلَ يَحْنَثُ. وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وَسَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَا سَأَلَ فُلَانًا حَاجَةً فَاحْتَاجَ إلَيْهِ فَلَزِمَ الْجُلُوسَ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ إلَيْهِ لَا أُحِبُّهُ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ، وَلَوْ فَهِمَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ حَاجَتَهُ مِنْ طُولِ جُلُوسِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا هُوَ عَلَى أَصْلِهِ فِي لَغْوِ الْإِشَارَةِ.
(وَبِكَلَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ) ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ مَرَّ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ لَهُ: الصَّلَاةَ يَا نَائِمٌ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَعَرَفَهُ فَهُوَ حَانِثٌ، وَكَذَلِكَ يَحْنَثُ إنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَهُوَ مُسْتَثْقِلٌ نَوْمًا وَهُوَ كَالْأَصَمِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَلَّمَهُ وَهُوَ مَشْغُولٌ يُكَلِّمُ رَجُلًا وَلَمْ يَسْمَعْهُ. مُحَمَّدٌ: لَوْ قَالَ الْحَالِفُ لِمَنْ دَقَّ بَابَهُ: مَنْ أَنْتَ فَإِذَا هُوَ حَنِثَ لَا فِي الْعَكْسِ (لَا قِرَاءَتَهُ بِقَلْبِهِ) أَمَّا عَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا قَرَأَهُ بِقَلْبِهِ. وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ فَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ قَرَأَهُ بِقَلْبِهِ حَسْبَمَا يَأْتِي.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنَّ الْحَالِفَ لَوْ أَمَرَ مَنْ يَكْتُبُ عَنْهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَقْرَأَهُ الْحَالِفُ أَوْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ أَوْ يُمْلِيَهُ. ثُمَّ إذَا أَرْسَلَ الْكِتَابَ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ: إنَّ الْحَالِفَ يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ الْكِتَابِ.
وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَقْرَأَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَلَوْ عِنْوَانَهُ. وَعَلَى هَذَا فَفِي حِنْثِهِ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهِ أَوْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا لَفْظًا قَوْلَانِ: لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَنَصُّ أَشْهَبَ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَوْ قَالَ لِرَسُولِهِ: اُرْدُدْهُ أَوْ اقْطَعْهُ فَعَصَاهُ وَدَفَعَهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَقَرَأَهُ أَوْ رَمَاهُ فَأَخَذَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَقَرَأَهُ لَمْ يَحْنَثْ. اُنْظُرْ قَبْلُ تَرْجَمَةً فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَ رَجُلًا مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(أَوْ قَرَأَهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ بِلَا إذْنٍ) تَضَمَّنَ هَذَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا كَلَّمَ زَيْدًا مَثَلًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا حَنِثَ
[ ٤ / ٤٦٢ ]
إنْ وَصَلَ الْكِتَابُ لِزَيْدٍ لَا إنْ قَرَأَهُ زَيْدٌ بِقَلْبِهِ وَلَا إنْ قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِلَا إذْنٍ. فَانْظُرْ أَنْتَ هَذَا مَعَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ أَعْنِي إنْ قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِلَا إذْنٍ إنَّمَا هِيَ فِي كُتُبِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَذَكَرَهَا خَلِيلٌ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي كِتَابَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. وَسَأَذْكُرُ هَذَا النَّصَّ هُنَاكَ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(وَلَا بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ زَيْدًا فَأَمَّ قَوْمًا فِيهِمْ زَيْدٌ فَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ صَلَّى الْحَالِفُ خَلْفَ زَيْدٍ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَرَدَّ ﵇ حِينَ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا كَلَامًا انْتَهَى. وَانْظُرْ إذَا سَلَّمَ الْمَأْمُومُ الثَّالِثَةَ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَدَّهُ عَلَى الْمَحْلُوفِ
[ ٤ / ٤٦٣ ]
عَلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ كَرَدِّهِ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَسَبَهُ لِلْمُدَوِّنَةِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِيهَا.
(وَلَا كِتَابَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَهُ عَلَى الْأَصْوَبِ وَالْمُخْتَارِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ عَبْدَ اللَّهِ فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إلَى الْحَالِفِ كِتَابًا فَقَرَأَهُ الْحَالِفُ وَلَمْ يُجِبْهُ فِيهِ بِشَيْءٍ قَالَ: هُوَ حَانِثٌ. وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْرَأْهُ هُوَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ مَا فِيهِ بِأَمْرِهِ فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّسُولِ: اقْرَأْهُ عَلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَمَا ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَدْ قِيلَ: إنَّ الْحَالِفَ لَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا أَيْضًا لِلَّخْمِيِّ. قَالَ مَا نَصُّهُ: عَدَمُ الْحِنْثِ أَحْسَنُ لِأَنَّ الْكَلَامَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اجْتَمَعَ مَعَهُ وَكَلَّمَهُ وَلَمْ يُجَاوِبْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ وَلَمْ يَحْلِفْ لَا كَلَّمَنِي. وَرَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ عَدَمَ الْحِنْثِ بِأَنْ قَالَ: حَقِيقَةُ التَّكْلِيمِ إنَّمَا هُوَ أَنْ يُعَبِّرَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ بِلِسَانِهِ عِبَارَةً يَفْقَهُهَا عَنْهُ إذَا سَمِعَهَا، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا بِالْكِتَابِ إلَيْهِ إذَا قَرَأَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلِّمًا لَهُ بِذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ التَّفْهِيمُ وَهُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَالِفَ يَحْنَثُ إذَا قَرَأَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ.
(وَبِسَلَامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِالنِّسْيَانِ إنْ أَطْلَقَ " (وَبِفَتْحٍ عَلَيْهِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ تَعَايَا الْحَالِفُ فَلَقَّنَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَأَمَّا لَوْ تَعَايَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَلَقَّنَهُ الْحَالِفُ فَقَدْ حَنِثَ.
(وَبِلَا عِلْمِ إذْنٍ فِي لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي فَأَذِنَ لَهَا فِي سَفَرٍ أَوْ حَيْثُ لَا تَسْمَعُهُ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ فَخَرَجَتْ بَعْدَ إذْنِهِ وَقَبْلَ عِلْمِهَا بِالْإِذْنِ فَهُوَ
[ ٤ / ٤٦٤ ]
حَانِثٌ.
(وَبِعَدَمِ إعْلَامِهِ فِي لَأُعْلِمَنَّهُ وَإِنْ بِرَسُولٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَ لِرَجُلٍ إنْ عَلِمَ كَذَا لَيُعْلِمَنَّهُ أَوْ لَيُخْبِرَنَّهُ فَعَلِمَاهُ جَمِيعًا لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يُعْلِمَهُ أَوْ يُخْبِرَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا بَرَّ انْتَهَى. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحَالِفُ بِعِلْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا عَلَى مَنْ رَاعَى الْأَلْفَاظَ (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ) تَأْوِيلَانِ تَقَدَّمَ إطْلَاقُ ابْنِ يُونُسَ وَتَقْيِيدُهَا اللَّخْمِيِّ بِذَلِكَ (أَوْ عَلِمَ وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفِهِ الْأَوَّلِ فِي نَظَرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَ رَجُلٌ لِلْأَمِيرِ طَوْعًا إنْ رَأَى أَمْرَ كَذَا لَيَرْفَعَنَّهُ إلَيْهِ فَعُزِلَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ أَوْ مَاتَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ عَدْلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى مَنْ وَلِي بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمِيرِ يَحْلِفُ قَوْمًا أَنْ لَا يَخْرُجُوا إلَّا بِإِذْنِهِ فَعَزَلَ فَلَا يَخْرُجُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا مِنْ وَلِيَ بَعْدَهُ، يُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا.
قَالَ سَحْنُونَ: إنَّمَا يَلْزَمُ الرُّفُوعَ إلَيْهِ إذَا كَانَ الَّذِي اسْتَحْلَفَهُمْ عَلَيْهِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ أَيْمَانِهِمْ شَيْءٌ. أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَاضِيًا كَتَبَ إلَى قَاضٍ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ عُزِلَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ الَّذِي كَتَبَ إلَيْهِ لَمْ يَجِبْ الْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ مَا كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَخُصُّ الْمَعْزُولَ فِي نَفْسِهِ فَإِذَا رَآهُ بَعْدَ عَزْلِهِ فَلْيُعْلِمْهُ بِهِ وَإِلَّا حَنِثَ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَفْعُ ذَلِكَ إلَى وَارِثِهِ أَوْ إلَى وَصِيِّهِ وَلَا إلَى أَمِيرٍ بَعْدَهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ شَيْءٌ ".
(وَبِمَرْهُونٍ فِي لَا ثَوْبَ لِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اُسْتُعِيرَ ثَوْبًا فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَمْلِكُ إلَّا ثَوْبًا هُوَ عَلَيْهِ وَلَهُ ثَوْبَانِ مَرْهُونَانِ، فَإِنْ كَانَ كَفَافَ دَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ نِيَّتُهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَحْلِفُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمَا لِلْعَارِيَّةِ وَذَلِكَ نِيَّتُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حَنِثَ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ أَمْ لَا.
(وَبِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي لَا إعَارَةَ وَبِالْعَكْسِ وَنَوَى إلَّا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِمَّا يُلْتَفَتُ فِيهِ إلَى الْمَقَاصِدِ أَنْ يَحْلِفَ لَا أَعَارُ إنْسَانًا فَوَهَبَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَيُرِيدُ مَنْعَهُ الْعَارِيَّةَ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ أَوْ يَكُونَ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِهِ وَيُكْرَهُ لِبَاسُ غَيْرِهِ لَهُ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَهُ فَتَصَدَّقَ حَنِثَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَ فُلَانًا هِبَةً فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَكُلُّ هِبَةٍ لِغَيْرِ الثَّوَابِ فَهِيَ كَالصَّدَقَةِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا نَفَعَهُ مِنْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا
[ ٤ / ٤٦٥ ]
فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّ أَصْلَ يَمِينِهِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فِي الْعَارِيَّةِ.
(وَبِبَقَاءٍ وَلَوْ لَيْلًا فِي لَا سَكَنْت) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا خَرَجَ مَكَانَهُ وَإِنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَإِنْ أَخَّرَ إلَى الصَّبَاحِ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ فَلْيَجْتَهِدْ إذَا أَصْبَحَ فِي مَسْكَنٍ وَيَنْتَقِلُ، فَإِنْ تَغَالَى عَلَيْهِ فِي الْكِرَاءِ أَوْ وَجَدَ مَنْزِلًا لَا يُوَافِقُهُ فَلْيَنْتَقِلْ إلَيْهِ حَتَّى يَجِدَ سِوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَخْرُجُ سَاعَةَ حَلَفَ وَلَكِنْ لَا يَحْنَثُ فِي إقَامَةِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَكَانَ الْقَابِسِيُّ رُبَّمَا اسْتَحْسَنَ قَوْلَ أَشْهَبَ وَأَفْتَى بِهِ مَعَ إنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ وَسِعَ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ ذَلِكَ. اُنْظُرْ ثَانِيَ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ مِنْ الْبَيَانِ. قَالَ: إنَّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ يَأْتِي عَلَى اعْتِبَارِ اللَّفْظِ قَالَ: وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ رَاعَى مَقْصِدَ الْحَالِفِ دُونَ الِاعْتِبَارِ بِمُقْتَضَى لَفْظِهِ، لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَ رَجُلًا فَعَنَى بِيَمِينِهِ لِيَنْتَقِلَ عَنْهُ فِي أَعْجَلِ مَا يَقْدِرُ، فَإِذَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي ارْتِيَادِ مَنْزِلٍ وَالِانْتِقَالِ إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ.
(لَا فِي لَأَنْتَقِلَنَّ) . ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ حَمْلُ يَمِينِهِ لَأَفْعَلَنَّ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ. فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَمْكَنْتنِي مِنْ حَلْقِ رَأْسِك لَأَحْلِقَنَّهُ فَأَمْكَنَتْهُ فَلَمْ يَحْلِقْ ثُمَّ أَمْكَنَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى فَحَلَقَ لَبَرَّ فِي يَمِينِهِ. اُنْظُرْ رَسْمَ إنْ أَمْكَنْتنِي مِنْ حَلْقِ رَأْسِك مِنْ سَمَاعِ عِيسَى. وَمِنْ الْوَاضِحَةِ: مَنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ لَا يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ. زَادَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ:
[ ٤ / ٤٦٦ ]
وَالتَّعْجِيلُ أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنْ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَطْلُبُ مَنْزِلًا أَرْجُو أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنْ أَقَامَ شَهْرًا قَالَ: إنْ تَرَاخَى فِي الطَّلَبِ خِفْت حِنْثَهُ. وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ إنَّهُ يَحْنَثُ بِالْبَقَاءِ فِي " لَا سَكَنْت " لَا فِي " لَأَنْتَقِلَنَّ " كَذَلِكَ أَيْضًا بَيْنَهُمَا فَرْقٌ آخَرُ فِي وَجْهٍ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ حَلَفَ لَا سَكَنْت فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ فَسَكَنَ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ فَانْتَقَلَ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَلَفَ أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ سُكْنَى فَمَتَى وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ حَنِثَ، وَالْآخَرُ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً بَرَّ.
(وَلَا بِخَزْنٍ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا فَاخْتَزَنَ فِيهَا حَنِثَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَشْهَبَ. ابْنُ بَشِيرٍ: لَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُوَافِقُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْخَزْنَ إذَا انْفَرَدَ لَا يُعَدُّ سُكْنَى. وَإِنَّمَا يُعِدُّ ابْنُ الْقَاسِمِ بَقَاءَ الْمَتَاعِ سُكْنَى إذَا كَانَ تَابِعًا لِسُكْنَى الْأَهْلِ وَإِذَا انْفَرَدَ لَمْ يُعِدَّهُ سُكْنَى.
(وَانْتَقَلَ فِي لَا أُسَاكِنُهُ
[ ٤ / ٤٦٧ ]
عَمَّا كَانَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى الْمَقَاصِدِ وَإِلَى السَّبَبِ الْمُحَرِّكِ عَلَى الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَ إنْسَانًا فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْ مُسَاكَنَتِهِ حَتَّى تَنْتَقِلَ حَالَتُهُ عَنْ الْحَالَةِ الْأُولَى الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَوَّلًا فِي بَلَدٍ وَظَهَرَ أَنَّهُ قَصَدَ الِانْتِقَالَ عَنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي قَرْيَةٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِي حَارَةٍ انْتَقَلَ عَنْهَا (أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا وَلَوْ جَرِيدًا بِهَذِهِ الدَّارِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ كَانَ فِي دَارٍ وَجَبَ الِانْتِقَالُ عَنْهَا. وَهَلْ يَكْفِي فِي هَذَا أَنْ يَضْرِبَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا حَتَّى يَصِيرَا دَارَيْنِ؟ شَكَّ مَالِكٌ وَخَافَ الْحِنْثَ، وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ فِي دَارٍ سَمَّاهَا أَمْ لَا، فَقُسِمَتْ وَضَرَبَ بَيْنَ النَّصِيبَيْنِ بِحَائِطٍ وَجَعَلَ لِكُلٍّ نَصِيبَ مَدْخَلٍ عَلَى حِدَةٍ فَسَكَنَ هَذَا فِي نَصِيبٍ وَهَذَا فِي نَصِيبٍ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُهُ: " سَمَّاهَا أَمْ لَا " خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: " لَوْ عَيَّنَ الدَّارَ لَمْ يَبَرَّ بِالْجِدَارِ اتِّفَاقًا ". وَفَسَّرَ ابْنُ مُحْرِزٍ الْمُدَوَّنَةَ بِأَنَّ الْجِدَارَ مِنْ جَرِيدٍ كَالْبِنَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ
[ ٤ / ٤٦٨ ]
وَابْنُ حَبِيبٍ: الْجِدَارُ مِنْ جَرِيدٍ لَغْوٌ.
(وَبِالزِّيَارَةِ إنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ لَا لِدُخُولِ عِيَالٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ فَزَارَهُ. فَلَيْسَتْ الزِّيَارَةُ سُكْنَى وَيَنْظُرُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ يَمِينُهُ، فَإِنْ كَانَ بِمَا يَدْخُلُ بَيْنَ الْعِيَالِ أَوْ الصِّبْيَانِ فَهُوَ أَخَفُّ، وَإِنْ أَرَادَ التَّنَحِّيَ فَهُوَ أَشَدُّ. التُّونِسِيُّ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " أَشَدُّ " حِنْثَهُ بِزِيَارَتِهِ وَبِقَوْلِهِ: " أَخَفُّ " عَدَمَهُ (إنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا أَوْ بِبَيْتٍ بِلَا مَرَضٍ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: الزِّيَارَةُ تَخْتَلِفُ لَيْسَتْ زِيَارَةُ الْحَاضِرِ كَزِيَارَةِ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَتِهِ، وَهَذَا يُقِيمُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ.
قَالَ أَصْبَغُ: إذَا أَكْثَرَ الزِّيَارَةَ نَهَارًا فِي الْحَضَرِ أَوْ أَكْثَرَ الْمَبِيتَ وَالْمُقَامَ فِي شُخُوصِهِ إلَيْهِ يَعْنِي فِي غَيْرِ الْحَضَرِ فَهُوَ حَانِثٌ.
(وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي لَأُسَافِرَنَّ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ فَفِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يُسَافِرُ مِقْدَارَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَهَذَا نَظَرٌ إلَى حَمْلِ الْأَلْفَاظِ إلَى الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وَلَوْ نَظَرَ إلَى التَّسْمِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَكَفَى فِي هَذَا أَقَلُّ سَفَرٍ، أَوْ إلَى الْمَقَاصِدِ الْعُرْفِيَّةِ لَنَظَرَ إلَى مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْقُطْرِ سَفَرًا (وَمَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ وَنُدِبَ
[ ٤ / ٤٦٩ ]
كَمَالُهُ كَأَنْتَقِلَنَّ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ أَوْ لَيَنْتَقِلَنَّ فَسَافَرَ أَوْ انْتَقَلَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُ بِالْمَكَانِ الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ؛ قِيلَ: شَهْرٌ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إذَا خَرَجَ يُقِيمُ شَهْرًا وَلَوْ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَأَجْزَأَهُ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: مَنْ حَلَفَ لَا بَقِيَ لَهُ قُشَاشٌ فِي غُرْفَةٍ فَأَخْرَجَهُ فِي الْحَالِ فَهُوَ كَمَنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ وَيُقَالُ لِلْمُسْتَفْتِي انْتَقِلْ وَأَقِمْ شَهْرًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَسَلَّ وَلَا تَشْعُرُ بِالرُّجُوعِ. وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِاللَّازِمَةِ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ مَالَهَا: إنَّهُ إنْ انْتَزَعَهُ مِنْهَا بَرَّ فِي يَمِينِهِ، ثُمَّ إنْ رَدَّهُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الِانْتِزَاعِ لَمْ يَحْنَثْ. انْتَهَى النَّصُّ.
(وَلَوْ بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ لَا بِكَمِسْمَارٍ وَهَلْ إنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ لَهُ تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَ هَذِهِ الدَّارَ يَرْتَحِلُ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَمِيعِ مَتَاعِهِ وَإِنْ أَبْقَى مَتَاعَهُ حَنِثَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ تَرَكَ مِنْ السِّقْطِ مِثْلَ الْوَتَدِ وَالْمِسْمَارِ وَالْخَشَبَةِ مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: هَذَا إنْ تَرَكَ الْوَتَدَ وَنَحْوَهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ لَأَخَذَهُ لِخِفَّةِ أَمْرِهِ، وَأَمَّا إنْ تَرَكَهُ لِيَرْجِعَ
[ ٤ / ٤٧٠ ]
إلَى أَخْذِهِ حَنِثَ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ وَإِنَّمَا رَأَى ذَلِكَ لَا يُعَدُّ بِهِ سَاكِنًا لِخِفَّتِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ أَوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَقَضَاهُ إيَّاهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ دِرْهَمًا نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ نَاقِصًا بَيِّنَ النَّقْصِ أَوْ مَا لَا يَجُوزُ أَوْ اسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَقَامَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ حَانِثٌ. اللَّخْمِيِّ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ. وَهَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ قَصْدَهُ أَنْ لَا يَلِدَ فَلَمْ يَلِدْ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَرِيءَ
[ ٤ / ٤٧١ ]
فِي الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ ".
(وَبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ إنْ لَمْ تَفِ كَأَنْ لَمْ تَفُتْ عَلَى الْمُخْتَارِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَأَعْطَاهُ قَضَاءً مِنْهُ عَرْضًا يُسَاوِي مَا عَلَيْهِ لَوْ بِيعَ بَرَّ. ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إلَيَّ. اللَّخْمِيِّ: فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا فَاسِدًا وَالْأَجَلُ قَائِمٌ، فَإِنْ فَاتَ وَقِيمَتُهُ كَالدَّيْنِ بَرَّ مُطْلَقًا وَأَقَلُّ بَرَّ إنْ قَضَاهُ تَمَامَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَإِلَّا حَنِثَ. وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ وَهُوَ قَائِمٌ فَقَالَ سَحْنُونَ: يَحْنَثُ. وَأَشْهَبُ: لَا يَحْنَثُ. وَأَرَى بِرَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ، وَلَوْ عَلِمَ الْفَسَادَ إنْ قَصَدَ الْبَيْعَ وَإِنْ أَرَادَ لِيَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبَرَّ.
(وَبِهِبَتِهِ لَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ لَك غَرِيمُك لَيَقْضِيَنَّكَ حَقَّك رَأْسَ الشَّهْرِ فَوَهَبْت لَهُ حَقَّك أَوْ وَضَعْت مِنْهُ صَدَقَةً أَوْ صِلَةً لَمْ يَبَرَّ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَعَلَى مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ.
(أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ وَإِنْ مِنْ مَالِهِ) . ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ غَابَ الْحَالِفُ لِغَرِيمِهِ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَرَادَ بَعْضُ أَهْلِهِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ يُبْرِئُ الْحَالِفَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ الْحِنْثِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَيَرْضَى بِذَلِكَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالتَّقَاضِي يَبَرُّ بِقَضَائِهِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
(أَوْ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إلَّا بِدَفْعِهِ ثُمَّ أَخْذِهِ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَعَلَّقَ بِرَجُلٍ فِي حَقٍّ لَهُ فَقَالَ لَهُ: قَدْ قَضَيْتُك فَقَالَ صَاحِبُ الْحَقِّ: مَا قَضَيْتنِي فَقَالَ: الْمَطْلُوبُ إذَا أَنْكَرْت أَنَا آتِيك بِحَقِّك غَدًا وَحَلَفَ لَهُ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ نَظَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي كِتَابٍ تُقَاضِيهِ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَقَاضَاهُ مِنْهُ فَقَالَ: اذْهَبْ لَيْسَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ قَدْ وَجَدْت مَا ادَّعَيْت عَلَيْك بَاطِلًا: إنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ وَإِلَّا حَنِثَ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ. قُلْت: فَإِنْ قَامَتْ لِلْحَالِفِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَضَاهُ ذَلِكَ الْحَقَّ قَالَ: لَوْ شَهِدَ لَهُ
[ ٤ / ٤٧٣ ]
أَبُو شُرَيْحٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: رَعْيُ الْمَقْصِدِ يُوجِبُ بِرَّهُ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: حَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَلَمْ يُرَاعِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا الْمَعْنَى الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحَالِفَ قَصَدَ إلَيْهِ فِي يَمِينِهِ.
(لَا إنْ جُنَّ وَدَفَعَ الْحَاكِمُ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلَانِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْحِنْثِ بِتَعَذُّرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِجُنُونِ الْحَالِفِ خِلَافٌ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَوْ حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَجُنَّ الْحَالِفُ عِنْدَ الْأَجَلِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقْضِي عَنْهُ وَيَبَرُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ حِينَئِذٍ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ حَانِثٌ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي لَأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ هُوَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ: إنْ لَمْ يَقْضِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ حَنِثَ لِأَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ عَلَى الْخَمِيسِ حِينَ قَالَ: غَدًا فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى غَدٍ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَدًا فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: هَذَا ضَلَالٌ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ إذَا قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ. وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاحِدًا. ابْنُ رُشْدٍ: يَدُلُّ قَوْلُهُ: " وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ " إلَى آخِرِهِ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ لِمَالِكٍ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ: " هَذَا ضَلَالٌ " لِأَنَّهُ يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِهِ الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَكَثِيرًا مَا يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِهِمْ فِي مَسَائِلِهِ وَيُرَاعِي أَقْوَالَهُمْ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ. وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ ".
(لَا إنْ قَضَى قَبْلَهُ بِخِلَافِ لَآكُلَنَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ فَقَدْ بَرَّ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا فَأَكَلَهُ الْيَوْمَ حَنِثَ إذْ الطَّعَامُ قَدْ يَخُصُّ بِهِ الْيَوْمَ، وَالْغَرِيمُ إنَّمَا الْقَصْدُ فِيهِ الْقَضَاءُ. قَالَ أَشْهَبُ: إنْ سُئِلَ فِي أَكْلِهِ الْيَوْمَ فَقَالَ: دَعَوْنِي الْيَوْمَ فَأَنَا وَاَللَّهِ آكُلُهُ غَدًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا أَكَلَهُ الْيَوْمَ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْأَكْلُ لَا تَعْيِينُ الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَنِثَ.
(وَلَا إنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَنَانِيرَك وَلَمْ يَقُلْ حَقَّك فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَيَبَرُّ إنْ دَفَعَ إلَيْك عَرْضًا سِوَى دَنَانِيرِك إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَلَمْ تَكُنْ عَلَى أَعْيَانِ الدَّنَانِيرِ، وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى أَعْيَانِ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَبَرَّ إلَّا
[ ٤ / ٤٧٤ ]
بِدَفْعِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. اُنْظُرْ تَمَامَ هَذَا الْفَرْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِالْإِقَالَةِ ".
(وَبَرَّ إنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ أَوْ مُفَوَّضٍ) . ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ حَقَّهُ فَغَابَ الْغَرِيمُ بَرَّ بِقَضَاءِ وَكِيلِهِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ فَالْحَاكِمُ الْعَدْلُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ دَفَعَ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِ عَدْلٍ بَرِيءَ مِنْ الْحِنْثِ وَلَمْ يَبَرَّ مِنْ الدَّيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَضَاءُ وَكِيلِ رَبِّهِ نَصًّا أَوْ تَفْوِيضًا لِغَيْبَتِهِ كَقَضَائِهِ، فَلَوْ عَدِمَا وَخَافَ الْحِنْثَ فَالرِّوَايَاتُ يَبَرُّ بِقَضَاءِ السُّلْطَانِ. ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ: وَيَبْرَأُ.
(وَهَلْ ثُمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ أَوْ إنْ عَدِمَ الْحَاكِمُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ رَأْسَ الشَّهْرِ فَغَابَ فُلَانٌ، فَلْيَقْضِ وَكِيلُهُ أَوْ السُّلْطَانُ وَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ احْتَجَبَ عَنْهُ السُّلْطَانُ فَلَمْ يَجِدْهُ أَوْ كَانَ بِقَرْيَةٍ لَا سُلْطَانَ فِيهَا وَخَافَ إنْ خَرَجَ إلَى السُّلْطَانِ حَلَّ الْأَجَلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِالْحَقِّ عَلَى شَرْطِهِ إلَى عُدُولٍ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِهِ بِعِلْمِهِمْ فَلَمْ يَجِدْهُ لِتَغَيُّبٍ أَوْ سَفَرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ شَهِدُوا لَهُ بِذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَضَى وَكِيلًا فِي ضَيْعَتِهِ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ رَبُّ الْحَقِّ بِتَقَاضِي دَيْنِهِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إذَا لَمْ يَجِدْ وَكِيلًا عَلَى الْحَقِّ وَلَا سُلْطَانًا مَأْمُونًا وَدَفَعَ إلَى ثِقَةٍ مِنْ أَهْلِ الطَّالِبِ أَوْ وَكِيلِ ضَيْعَتِهِ أَوْ إلَى أَجْنَبِيٍّ بَرَّ وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى رَبِّهِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: " وَإِنْ قَضَى وَكِيلًا فِي ضَيْعَتِهِ أَجْزَأَهُ " ظَاهِرُهُ كَانَ بِالْبَلَدِ سُلْطَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَعَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَاخْتَصَرَهَا آخَرُونَ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ السُّلْطَانِ أَوْ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
(وَبَرِيءَ فِي الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ وَإِلَّا ضَرَّ) تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ إنْ دَفَعَ إلَى حَاكِمٍ عَدْلٍ مِنْ الْحِنْثِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ. ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ دَفَعَ إلَى الْإِمَامِ غَيْرِ عَدْلٍ مِمَّنْ يَأْكُلُهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَإِنَّمَا بَرَّ بِدَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ لَا يَقْبِضُ دِينًا لِغَائِبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَفْقُودًا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْحَالِفِ لِبِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ (كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ جَاءَ بِالْحَقِّ إلَى عُدُولٍ فَأَشْهَدَهُمْ
[ ٤ / ٤٧٥ ]
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ فَالْحَاكِمُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ رَأْسَ الشَّهْرِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ فَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَإِنْ قَالَ: إلَى اسْتِهْلَالِ الشَّهْرِ أَوْ إلَى رَمَضَانَ فَإِذَا انْسَلَخَ شَعْبَانُ وَاسْتَهَلَّ رَمَضَانُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ. ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَذَا كُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ " إلَى " فَهُوَ حَانِثٌ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ شَهْرٍ هُوَ فِيهِ كَقَوْلِهِ إلَى الْهِلَالِ أَوْ إلَى مَجِيئِهِ أَوْ إلَى رُؤْيَتِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إلَى رُؤْيَتِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ " إلَى " وَذَكَرَ " اللَّامَ " أَوْ " عِنْدَ " أَوْ " إذَا " فَلَهُ لَيْلَةَ يُهِلُّ الْهِلَالُ وَيَوْمُهَا كَقَوْلِهِ: لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِدُخُولِهِ لِاسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ إذَا دَخَلَ وَنَحْوُهُ (وَإِلَى رَمَضَانَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ شَعْبَانَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِ الشَّهْرِ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ رَمَضَانُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ. يَبْقَى النَّظَرُ إذَا قَالَ: لِاسْتِهْلَالِهِ؛ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ الْفَرْقُ بَيْنَ " اللَّازِمِ " وَ" إلَى "، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ بَرَّ.
(وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً فِي لَا أَلْبَسُهُ لَا إنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ وَلَا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ) مِنْ
[ ٤ / ٤٧٦ ]
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ فَقَطَعَهُ قَبَاءً أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ جُبَّةً فَلَبِسَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَرِهَ الْأَوَّلَ لِضِيقِهِ أَوْ لِسُوءِ عَمَلِهِ فَحَوَّلَهُ فَلَا يَحْنَثُ. وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ قَمِيصٌ أَوْ مِلْحَفَةٌ فَاِتَّزَرَ بِهِ أَوْ لَفَّ فِيهِ رَأْسَهُ أَوْ طَرَحَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَنِثَ، وَلَوْ أَصَابَهُ مِنْ اللَّيْلِ هِرَاقَةُ بَوْلٍ فَجَعَلَهُ عَلَى فَرْجِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ هَذَا لُبْسًا وَلَوْ أَدَارَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ لُبْسٌ وَيَحْنَثُ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
(وَبِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ فِي لَا أَدْخُلُهُ إنْ لَمْ يَكْرَهْ ضِيقِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَحُوِّلَ الْبَابُ عَنْ حَالِهِ وَأُغْلِقَ وَفُتِحَ غَيْرُهُ، فَإِنْ دَخَلَ مِنْهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ الْبَابُ دُونَ الدَّارِ، إمَّا لِضِيقِهِ أَوْ لِجِوَارِ أَحَدٍ فَلَا يَحْنَثُ.
(وَبِقِيَامٍ عَلَى ظَهْرِهِ وَبِمُكْتَرًى فِي لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَعَلَا عَلَى
[ ٤ / ٤٧٧ ]
ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْهَا حَنِثَ إنْ دَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُهَا وَفُلَانٌ بِكِرَاءٍ حَنِثَ وَهِيَ كَمِلْكِهِ.
(وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لِرَجُلٍ طَعَامًا فَدَخَلَ وَلَدُ الْحَالِفِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ خُبْزًا فَخَرَجَ بِهِ الصَّبِيُّ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُوهُ وَلَمْ يَعْلَمْ حَنِثَ.
قَالَ سَحْنُونَ: أَمَّا أَنَا فَتَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِابْنَ قَدْ مَلَكَ الطَّعَامَ. عَبْدُ الْحَقِّ: قَيَّدَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ الْمُدَوَّنَةَ بِكَوْنِ الْأَبِ قَادِرًا عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِابْنِهِ لِكَوْنِ الطَّعَامِ يَسِيرًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِأَكْلِهِ فِي الْوَقْتِ كَالْكِسْرَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ يَقُولُ: نَفَقَةُ ابْنِي عَلَيَّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَمِلَ عَنِّي مِنْهَا شَيْئًا. فَهَذَا إنْ أَكَلَ مِمَّا أَعْطَى الصَّبِيَّ حَنِثَ وَيُعَدُّ ذَلِكَ قَبُولًا مِنْهُ لِخُبْزِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْدِمًا حَتَّى لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ ابْنِهِ فَلَا يَحْنَثُ، وَابْنُهُ وَعَبْدُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَهُ رَدُّ هِبَةٍ لِعَبْدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا. التُّونِسِيُّ: وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى رَدِّهِ فَمَا أَكَلَهُ إلَّا فِي مِلْكِ ابْنِهِ.
(وَبِالْكَلَامِ أَبَدًا فِي لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ لَمْ يُكَلِّمْهُ الْأَبَدَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] فَلَوْ قَالَ: الشُّهُورُ فَفِي كَوْنِهِ سَنَةً لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] أَوْ الْأَبَدُ قَوْلَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرَ هَذَا.
(وَثَلَاثَةً فِي كَأَيَّامٍ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ شُهُورًا أَوْ أَيَّامًا أَوْ سِنِينَ فَثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسَمَّى. ابْنُ بَشِيرٍ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمَّةَ تَعْمُرُ بِإِلَّا وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَهَلْ كَذَلِكَ لَأَهْجُرَنَّهُ أَوْ شَهْرًا قَوْلَانِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا حَلَفَ لَيَهْجُرَنَّهُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَبَرُّ بِهِ، فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يَهْجُرُهُ شَهْرًا.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ: يُجْزِئُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» وَاسْتَحَبَّ
[ ٤ / ٤٧٨ ]
سَحْنُونَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْأَبَدُ. وَقِيلَ: بِمُضِيِّ مُدَّةُ عَادَتُهُمَا الِاجْتِمَاعُ فِيمَا دُونَهُ. وَقِيلَ: سَنَةٌ. وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَيْسَ فِي " لَيَهْجُرَنَّهُ " وَصْلُ الْهَجْرِ إنْ بِيَمِينِهِ بِخِلَافِ " لَا أُكَلِّمُهُ "، وَهَلْ يَبَرُّ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ مَعَ الْكَفِّ عَنْ كَلَامِهِ؟ قَوْلَانِ عَلَى رَعْيِ اللَّفْظِ وَالْمَقْصِدِ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَسَنَةٌ فِي حِينٍ وَزَمَنٍ وَعَصْرٍ وَدَهْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّك إلَى حِينٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ دَهْرٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةٌ. اللَّخْمِيِّ: وَعَصْرًا أَوْ زَمَانًا سَنَةٌ.
(وَبِمَا يُفْسَخُ أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ فِي لَأَتَزَوَّجَنَّ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ بَرَّ بِبِنَائِهِ بِحُرَّةٍ مِنْ مُنَاكَحَةٍ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ اتِّفَاقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ تَزَوُّجُهُ بِمُجَرَّدِ بِرِّهِ. ابْنُ رُشْدٍ: قِيلَ: لَا يَبَرُّ إذَا تَزَوَّجَهَا لَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ وَلَا يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا يَبَرُّ إنْ تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ وَالرِّوَايَاتُ لَا يَبَرُّ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ. ذَكَرَهُ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ: وَالْقِيَاسُ بِرُّهُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَزَوَّجَ مَنْ لَيْسَتْ مِنْ مُنَاكِحِهِ لَمْ يَبَرَّ. وَسَهَّلَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا قَالَ: هُوَ حَانِثٌ سَاعَةَ مَلَكَ عُقْدَتَهَا، مَسَّ أَوْ لَمْ يَمَسَّ. وَلَوْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَمِينِهِ حَتَّى يَمَسَّهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَقَلِّ الْوُجُوهِ وَالْبِرُّ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَلَا يَبَرُّ بِالدُّخُولِ أَيْضًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَزَوَّجَ مِمَّنْ يُشْبِهُ مُنَاكِحِهِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُحِلُّهَا هَذَا النِّكَاحُ لِزَوْجٍ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يُحِلُّهَا، كَانَتْ تُشْبِهُ مُنَاكِحَهُ أَوْ لَا تُشْبِهُ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ.
(وَبِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي لَا أَتَكَفَّلُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ أَبَدًا فَتَكَفَّلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ حَنِثَ، لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ وَجْهُهُ بِلَا مَالٍ فَلَا يَحْنَثُ.
(وَبِهِ لِوَكِيلٍ فِي لَا أَضْمَنُ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَهَلْ إنْ عَلِمَ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ لِفُلَانٍ بِكَفَالَةٍ فَتَكَفَّلَ لِوَكِيلٍ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَكِيلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتُهُ لَمْ يَحْنَثْ. ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ وُكَلَائِهِ أَوْ مِنْ سَبَبِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ حَنِثَ. عِيَاضٌ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ مِنْ سَبَبِهِ لَمْ يُرَاعَ عَلِمَ الْحَالِفُ بِهِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ خِلَافُهُ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وِفَاقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ " فَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وِفَاقٌ فَانْظُرْهُ.
(وَبِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ فِي لَيُسِرَّنَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَسَرَّ إلَيْهِ رَجُلٌ سِرًّا فَأَحْلَفَهُ لَيَكْتُمَنَّهُ ثُمَّ أَسَرَّهُ الْمُسِرُّ لِآخَرَ فَذَكَرَهُ الْآخَرُ لِلْحَالِفِ فَقَالَ لَهُ الْحَالِفُ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَسَرَّهُ لِغَيْرِي
[ ٤ / ٤٧٩ ]
حَنِثَ.
(وَبِاذْهَبِي الْآنَ إثْرَ لَا كَلَّمْتُكِ حَتَّى تَفْعَلِي وَلَيْسَ قَوْلُهُ لَا أُبَالِي بَدْءًا لِقَوْلٍ آخَرَ فِي لَا أُكَلِّمُك حَتَّى تَبْدَأَنِي) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتنِي حَتَّى تَقُولِي إنِّي أُحِبُّك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ نَعَمْ أَنَا أُحِبُّك فَقَالَ: هُوَ حَانِثٌ حِينَ قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَك قَبْلَ أَنْ تَقُولَ أَنَا أُحِبُّك.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَقَدْ اخْتَصَمْت أَنَا وَابْنُ كِنَانَةَ إلَى مَالِكٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي ذَلِكَ النَّسَقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَاذْهَبِي الْآنَ كَالْقَائِلِ إنْ شِئْت فَافْعَلِي وَإِنْ شِئْت فَدَعِي. فَقُلْت أَنَا: قَدْ حَنِثَ حِينَ قَالَ لَهَا: اذْهَبِي. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَمْ يَحْنَثْ. فَدَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ وَرَآهُ حَانِثًا، فَمَسْأَلَتُك أَبْيَنُ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَصْوَبُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَخَوَيْنِ حَلَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَلَّمْتُك أَبَدًا حَتَّى تَبْدَأَنِي ثُمَّ حَلَفَ الْآخَرُ إنْ كَلَّمْتُك أَبَدًا حَتَّى تَبْدَأَنِي: إنَّ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا حَلَفَا عَلَيْهِ مَنْ بَدَأَ مِنْهُمَا صَاحِبُهُ فَهُوَ حَانِثٌ، وَحَلْفَةُ الثَّانِي حِينَ حَلَفَ لَيْسَتْ بِتَبْدِئَةٍ تَسْقُطُ بِهَا الْأَيْمَانُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِصَاحِبِهِ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأنِي بِالْكَلَامِ فَقَالَ صَاحِبُهُ إذَنْ وَاَللَّهِ لَا أُبَالِي: لَيْسَتْ هَذِهِ تَبْدِئَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ الَّذِي صَوَّبَهُ أَصْبَغُ أَخَذَ بِهِ، وَمَا أَلْزَمَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ مِنْ الِاضْطِرَابِ لَازِمٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَقَعُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَا كَانَا فِيهِ فَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَإِنَّمَا وَقَّعْت عَلَى اسْتِئْنَافِ كَلَامٍ بَعْدَهُ. وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْحِنْثَ بِهَذَا مَنْ اعْتَبَرَ مُجَرَّدَ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَيْمَانِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَعَانِيهَا، وَتُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ لَيْسَتْ عَلَى أُصُولِهِ تَنْحُو إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
(وَبِالْإِقَالَةِ فِي لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إنْ لَمْ يَفِ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَا وَضَعَ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ شَيْئًا لَا يَقْبَلُ مِنْهُ رَبُّ إقَالَةٍ أَحْسَنَ مِنْ وَضَيْعَةٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: يُرِيدُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَبِيعِ يَوْمَئِذٍ أَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهِ. وَسَمِعَهُ مِنْهُ عِيسَى وَأَصْبَغُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ بَيِّنٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ لَيَقْضِيَنَّ رَجُلًا دَنَانِيرَ. أَوْ حَقَّهُ فَقَضَاهُ عَرْضًا أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّهِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَثْقَلَهُ. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِقَالَةِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ فِي الْإِقَالَةِ فِيهِ وَفَاءٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَمْحِ أَوْ السِّلْعَةِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ (لَا إنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ) لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَسْأَلَةَ مَنْ حَلَفَ لَا وَضَعَ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ شَيْئًا فَأَقَالَ مِنْهُ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قِيلَ: فَإِنْ أَخَّرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رُبَّ نَظْرَةٍ خَيْرٌ مِنْ وَضَيْعَةٍ، يَكُونُ لِلْعَشْرَةِ أَحَدَ عَشَرَ. قِيلَ: فَمَا حَدُّهُ؟ قَالَ: قَدْرُ تَقَاضِيهِ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ. وَالتُّونِسِيُّ قَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ بِتَأْخِيرِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَحْنَثُ. اللَّخْمِيِّ: عَدَمُ
[ ٤ / ٤٨٠ ]
الْحِنْثِ أَبْيَنُ. التُّونِسِيُّ: الْحِنْثُ أَصْوَبُ.
(وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أَخَذْتِيهِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَفَنَ دَرَاهِمَ لَهُ فِي بَيْتِهِ فَالْتَمَسَهَا بَيْنَ فُرُشِهِ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ الدَّرَاهِمُ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتهَا فَقَالَ لَهَا: هِيَ طَالِقٌ إنْ أَخَذَهَا أَحَدٌ غَيْرَهَا ثُمَّ وَجَدَ تَحْتَ مُصَلًّى كَانَ لَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَهَا ثُمَّ وَنَسِيَهَا قَالَ: أَرَى أَنَّهَا طَلُقَتْ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَنَّهُ أَرَادَ إنْ كَانَتْ أَخَذَتْ. وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فَسُئِلَ عَنْهَا عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْطِ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِضَاعَةِ. اُنْظُرْ رَسْمَ طَلَّقَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لَا خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي
[ ٤ / ٤٨١ ]
لَا إنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلَا عِلْمٍ)
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَدَارُ جَارِهِ فِي الْحَالِفِ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِامْرَأَتِهِ فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَلِمَ. جَعَلَ تَرْكَهُ لَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِخُرُوجِهَا كَابْتِدَاءِ إذْنٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَا خَرَجَتْ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا حِينَ لَا تَسْمَع وَأَشْهَد بِذَلِكَ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنه قَبْل عِلْمهَا بِهِ حَنِثَ. عِبَارَة اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ حَلَفَ لَا خَرَجَتْ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَسْمَعْ ثُمَّ خَرَجَتْ حَنِثَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَة أَيْضًا يَحْنَث مِنْ حَلَفَ لَا أَذِنَ لِزَوْجَتِهِ فِي خُرُوج بِسُكُوتِهِ عَنْهَا بَعْد عِلْمه بِخُرُوجِهَا. زَادَ ابْن حَبِيب عَنْ ابْن الْقَاسِم وَغَيْره: إلَّا أَنْ يَحْلِف عَلَى التَّأَثُّم وَالتَّحَرُّج عَنْ الْإِذْن لَهَا وَيَتْرُكهَا عَلَى السَّخْطَة وَغَيْر رِضَا فَلَا يَحْنَث. وَمِنْ الْمُدَوَّنَة قَالَ ابْن الْقَاسِم: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْذَن لِزَوْجَتِهِ إلَّا فِي عِيَادَة مَرِيض فَخَرَجَتْ فِي الْعِيَادَة بِإِذْنِهِ ثُمَّ مَضَتْ بَعْد ذَلِكَ إلَى حَاجَة أُخْرَى لَمْ يَحْنَث، لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنه وَهِيَ كُلَّمَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنه مِنْ حَمَّام أَوْ غَيْره لَا يَحْنَث إلَّا أَنْ يَتْرُكهَا بَعْد عِلْمه فَيَصِير ذَلِكَ كَابْتِدَاءِ إذْن، وَإِنْ هُوَ حِين عِلْم بِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكهَا فَلَا يَحْنَث، وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِذَلِكَ حَتَّى رَجَعَتْ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَانْظُرْ هَذِهِ الْفُرُوع مَعَ عِبَارَة خَلِيل.
(وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكٍ آخَرَ فِي لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ لَا دَارَ فُلَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ قَالَ دَارُ فُلَانٍ هَذِهِ فَبَاعَهَا فُلَانٌ فَسَكَنَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: دَارُ فُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ فَبَاعَهَا فُلَانٌ فَسَكَنَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا أَبَدًا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ سُكْنَى تِلْكَ الدَّارِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِ فُلَانٍ، وَإِذَا قَالَ: دَارُ فُلَانٍ فَبِالْبَيْعِ قَدْ صَارَتْ
[ ٤ / ٤٨٢ ]
غَيْرَ دَارِ فُلَانٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ عَيْنَ الدَّارِ.
(وَلَا إنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُدِمَتْ أَوْ خَرَجَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِهَا أَوْ كَرَاهِيَةِ فِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ، وَإِنْ كَانَتْ كَرَاهِيَتُهُ فِي الدَّارِ خَاصَّةً فَلَا يَمُرُّ بِهَا. قَالَ فِيهِ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِنْ دَخَلَهَا حَنِثَ وَإِنْ حُوِّلَتْ مَسْجِدًا لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِهِ (إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ) لَمْ أَجِدْ هَذَا
[ ٤ / ٤٨٣ ]
الْفَرْعَ.
(وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ أَنَا حَلَفْت فَقَالَ هُوَ لِي ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ لِفُلَانٍ شَيْئًا فَدَفَعَ فُلَانٌ ثَوْبًا لِرَجُلٍ فَأَعْطَاهُ الرَّجُلُ لِلْحَالِفِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ثَوْبُ فُلَانٍ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ مِثْلَ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَنَحْوِهِ حَنِثَ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ مِنْهُ فَبَاعَهُ مِمَّنْ اشْتَرَى لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ حَنِثَ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ: أَنَا حَلَفْت أَنْ لَا أَبِيعَ فُلَانًا فَقَالَ لَهُ: إنَّمَا ابْتَاعَ لِنَفْسِي ثُمَّ صَحَّ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ لِفُلَانٍ، لَزِمَ الْحَالِفُ الْبَيْعَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَحَنِثَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ نَاحِيَةِ فُلَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: إذَا كَانَ
[ ٤ / ٤٨٤ ]
الْمُشْتَرِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ رَسُولُهُ وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ الْبَائِعُ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ سَبَبِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا وِفَاقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ.
(وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي لَا فِي دُخُولِ دَارٍ وَتَأْخِيرِ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ وَلَا دَيْنَ وَتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إنْ أَحَاطَ وَأَبْرَأَ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ بِالنَّظَرِ.
[ ٤ / ٤٨٥ ]
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ يُبْرِئُهُ وَالْوَصِيُّ ظَالِمٌ. قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ تُؤَخِّرَنِي فَمَاتَ الطَّالِبُ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ تَأْخِيرُ وَرَثَتِهِ إنْ كَانُوا كِبَارًا أَوْ وَصِيِّهِ إنْ كَانَ أَوْلَادُهُ صِغَارًا وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ لِوَصِيٍّ وَلَا وَارِثٍ تَأْخِيرٌ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُجْزِئُهُ تَأْخِيرُ الْغُرَمَاءِ إنْ أَحَاطَ دَيْنُهُمْ بِمَالِهِ عَلَى أَنْ يُبْرِئُوا ذِمَّةَ الْمَيِّتِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ أَوْ لَا يُعْطِيَ فُلَانًا حَقَّهُ إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ فَمَاتَ فُلَانٌ لَمْ يُجْزِهِ إذْنُ وَرَثَتِهِ إذْ لَيْسَ بِحَقٍّ يُورَثُ، وَإِنْ دَخَلَ وَقَضَى حَنِثَ.
(وَفِي بِرِّهِ فِي لَأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا فِي لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلَانِ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى) فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ
[ ٤ / ٤٨٦ ]
يَطَأَ امْرَأَتَهُ فَوَطِئَهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ نَهَارًا فَلَا يَبَرُّ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ فَوَطِئَهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ فَقَدْ حَنِثَ. ابْنُ رُشْدٍ: تَفْرِقَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إنَّمَا يُفَرَّقُ فِي مَعْنَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ تَزُولُ يَمِينُهُ بِذَلِكَ الْوَطْءِ وَيَأْثَمُ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنْ يَبَرَّ بِهَذَا الْوَطْءِ كَمَا يَحْنَثُ بِهِ أَوْ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِهِ كَمَا لَا يَبَرُّ بِهِ
وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ فِي رَجُلٍ تَغَذَّى مَعَ أَهْلِهِ فَجَعَلَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَتِهِ بِضْعَةَ لَحْمٍ فَرَدَّتْهَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَأْكُلِيهَا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَذَهَبَتْ بِهَا فَأَكَلَتْهَا فَأَخَذَتْ الْمَرْأَةُ الْهِرَّةَ فَذَبَحَتْهَا فَأَخْرَجَتْ الْبِضْعَةَ فَأَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ: لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ يَمِينِهِ فِي شَيْءٍ يَحْنَثُ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ سَاعَةَ حَلَفَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ الْبِضْعَةَ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا دُونَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوَانَتْ قَدْرَ مَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَهَا وَتَحُوزَهَا دُونَهَا فَعَلَتْ فَهُوَ حَانِثٌ. ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُ هَذَا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ الْحَالِفِينَ بِهَا وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ مُقْتَضَى أَلْفَاظِهِمْ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ أَنْ تَأْكُلَهَا إلَّا وَهِيَ عَلَى حَالِهَا مُسْتَسَاغَةً لَا عَلَى أَنَّهَا مَأْكُولَةٌ تُعَافُ وَتُسْتَكْرَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إنْ اسْتَخْرَجَتْهَا مِنْ بَطْنِ الْهِرَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْحَلَّ فِي جَوْفِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَأَكَلَتْهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُرَاعَاةِ مَا يَقْتَضِيهِ مُجَرَّدُ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَيْمَانِ دُونَ اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ فِيهَا، وَهُوَ أَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَعْنَى وَبَيْنَ الَّذِي يَحْلِفُ لَيَأْكُلَنَّ الطَّعَامَ فَلَا يَأْكُلُهُ حَتَّى يَفْسُدَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ.
(وَفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا فِي لَا كِسْوَتُهُمَا وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ وَاسْتَشْكَلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ خُبْزًا وَزَيْتًا حَنِثَ بِأَكْلِ أَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُمَا فَلَا يَحْنَثُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ حَلَفَ لَا كَسَا امْرَأَتَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَنِيَّتُهُ لَا كَسَاهَا إيَّاهُمَا جَمِيعًا فَكَسَاهَا أَحَدُهُمَا حَنِثَ يَعْنِي إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَكْسُوَهُمَا إيَّاهَا مُجْتَمِعَتَيْنِ وَلَا مُفْتَرِقَيْنِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَزَادَ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَجْمَعَهُمَا لَهَا لَمْ يَحْنَثْ إنْ كَسَاهَا وَاحِدًا. ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الشَّيْخُ: فَارَقَ جَوَابَهُ فِي تَنْوِيَتِهِ فِي لَا آكُلُ خُبْزًا وَزَيْتًا لِأَنَّ الْعُرْفَ جَمَعَهُمَا بِخِلَافِ الثَّوْبَيْنِ لَيْسَ الْعُرْفُ جَمَعَهُمَا. ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى حِنْثِ مَنْ حَلَفَ لَأَفْعَلُ فِعْلَيْنِ بِأَحَدِهِمَا وَلَا فَعَلَ فِعْلًا بِبَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمَعَهُمَا فَلَا يَحْنَثُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إنْ
[ ٤ / ٤٨٧ ]
دَخَلْتُمَا الدَّارَ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ أَوْ يَقُولَ لَهُمَا: إنْ مَسَسْتُكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ. اُنْظُرْ رَسْمَ إنْ أَمْكَنْتنِي وَذَكَرَ فِيهِ كَاَلَّذِي يَقُولُ لِعَبْدَيْهِ: إنْ شِئْتُمَا الْحُرِّيَّةَ فَأَنْتُمَا حُرَّانِ، فَشَاءَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَشَأْ الْآخَرُ كَاَلَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ بِعَبْدٍ وَيَقُولُ: إنْ قَبِلْتُمَاهُ فَقَبِلَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ. وَانْظُرْ فِي ثَالِثِ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي الْقَائِلِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ وَدَارَ فُلَانٍ فَدَخَلْت إحْدَاهُمَا أَنَّهُ حَانِثٌ، ثُمَّ إنْ دَخَلْت الثَّانِيَةَ لَمْ تَطْلُقْ ثَانِيَةً. وَانْظُرْ فِي التَّرْجَمَةِ نَفْسَهَا إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَخَالَعَهَا فَدَخَلَتْهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ رَدَّهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. ابْنُ شَاسٍ.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
ُ وَالنَّظَرُ فِي أَرْكَانِ النُّذُورِ وَأَحْكَامِهِ أَمَّا أَرْكَانُهُ فَهِيَ: الْمُلْتَزِمُ وَالْمُلْتَزَمُ وَصِيغَةُ الِالْتِزَامِ. وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَالْمُلْتَزَمَاتُ أَنْوَاعٌ الصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَإِتْيَانُ الْمَسَاجِدِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (النَّذْرُ الْتِزَامُ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّذْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الِالْتِزَامِ وَالْإِيجَابِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ اللَّازِمُ هُوَ أَنْ يُوجِبَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلَ مَا فَعَلَهُ قُرْبَةً لِلَّهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاجِبَةَ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِيهِ لِوُجُوبِ تَرْكِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ دُونَ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرْكِ بِالنَّذْرِ التَّرْكُ الْمُسْتَحَبُّ، مِثْلُ أَنْ يَنْذِرَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَحَدًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[شُرُوطُ النَّذْرِ]
(مُسْلِمٍ كُلِّفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ النَّذْرِ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ. ابْنُ رُشْدٍ: أَدَاءُ مُلْتَزِمِهِ كَافِرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا نَدْبٌ.
(وَلَوْ غَضْبَانَ) ابْنُ رُشْدٍ: نَذْرُ الْغَضَبِ لَازِمٌ اتِّفَاقًا كَيَمِينِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْتِزَامَ كُلِّ الطَّاعَاتِ يَلْزَمُ عِنْدَنَا، كَانَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا أَوْ عَلَى سَبِيلِ اللَّجَاجِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ حَكَى الْأَشْيَاخُ أَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى قَوْلَةٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَّقْت أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل عَلَى سَبِيلِ اللَّجَاجِ وَالْحَرَجِ يَكْفِي فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. وَكَانَ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الشُّيُوخِ يَمِيلُ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ وَيَعُدُّونَهُ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا
[ ٤ / ٤٨٩ ]
يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ شَيْخِ الشُّيُوخِ ابْنِ لُبٍّ وَأَنَّ كَفَّارَةَ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَرَشَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَائِلًا: الْحَالِفُ بِالطَّاعَةِ عِنْدَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ عَنْ قَصْدِ الْعِبَادَةِ بِمَعْزِلٍ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْقَائِلِ لِنَاقَتِهِ أَنْتِ بَدَنَةٌ أَزَجْرَهَا قَصَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْك.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقُرْبَةَ. وَكَمَا قَالُوا فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا ضِرَارًا إنَّ نَفَقَتَهُ تَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قُرْبَةً.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَمِنْ هَذَا الصَّدَقَةُ عَلَى اللَّجَاجَةِ الَّتِي فِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ إنْ قُمْتُ بِجَائِحَةٍ فَعَلَيَّ لِلْمَرْضَى كَذَا، إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلِلْمَازِرِيِّ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ الْحَالِفَ بِالْمَشْيِ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ لَا يُنَاقِضُ الْمَشْهُورَ بَلْ يَبْقَى مَطْلُوبًا بِالْمَشْيِ إذَا وَجَدَ سَبِيلًا.
وَعِبَارَةُ اللَّخْمِيِّ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُكَفِّرَ حَتَّى يَجِدَ لِلْمَشْيِ سَبِيلًا كَانَ حَسَنًا. وَنَحْوُهُ لِلسُّيُورِيِّ وَلِلْمَازِرِيِّ أَيْضًا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كِلَاهُمَا إذَا حَنِثَ بِصَوْمِ الْعَامِ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ بِقَصْدِ النَّذْرِ فَتَمْضِي بِحُكْمِ الْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ.
انْتَهَى مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ. حَمَلَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا قَوْلَهُ - ﷺ -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ كَمَا يَقُولُ: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ فَيُكَلِّمُهُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: خَافَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ كَلَّفَ ابْنَهُ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ فَلَا يَفْعَلُ فَيَسْتَهِينُ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ الدِّينِ فَيَكُونُ ذَلِكَ طَرِيقًا إلَى غَيْرِهَا فَيَسْتَهِينُ أَيْضًا بِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَجُزْءٌ مِنْ
[ ٤ / ٤٩٠ ]
الْفَتْوَى عَظِيمٌ أَنْ يَرْكَبَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: عَلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ تَقْوَى مُرَاعَاتُهُ.
(وَإِنْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ
[ ٤ / ٤٩١ ]
إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ وَلَا يَنْفَعُهُ اسْتِثْنَاؤُهُ، يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُضَمِّنَ يَمِينَهُ بِفِعْلٍ فَيَنْفَعَهُ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي فِي الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْيَمِينِ بِالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ. اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ فَإِنَّهُ رَشَّحَ أَنَّ قَوْلَهُ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي كَقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ، وَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشَأْ هُوَ (بِخِلَافِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا ثُنْيَا فِي طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا مَشْيٍ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا أَوَّلَ
[ ٤ / ٤٩٢ ]
الْبَابِ (كَلِلَّهِ عَلَيَّ) إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ طَلَاقُ زَوْجَتِي وَعِتْقُ أَمَتِي فَفَعَلَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ فَرْقٌ. نَقَلَ هَذَا عَنْ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ وَيُؤْمَرُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ وَلَا يُجْبَرُ. نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ النَّوَادِرِ وَسَمَاعِ عِيسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ لِي نَحْوُ هَذَا. وَمِمَّا جَمَعْته أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ فَرْقٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فَعَلَيَّ عِتْقُ أَمَتِي أَوْ عِتْقُ أَمَةٍ فَرْقٌ نَظِيرُ أَمَةِ الْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ انْتَهَى.
[النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ]
ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُوجِبُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا وَكَذَا أَوْ نَذْرٌ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ نَذْرٌ أَنْ لَا أَفْعَلَ أَوْ لَا يَلْفِظُ بِذِكْرِ النَّذْرِ فَيَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا أَوْ أَفْعَلُ كَذَا شُكْرًا لِلَّهِ، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِكَذِبٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّذْرَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى النَّذْرِ الَّذِي لَهُ فَائِدَةٌ وَفِيهِ طَاعَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ (أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مِنْ الْمُلْتَزَمَاتِ أَنْوَاعٌ مِنْهَا الضَّحَايَا، فَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِبَدَنَةٍ لَمْ تَقُمْ مَقَامَهَا بَقَرَةٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَكَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ سَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْبَقَرَةِ وَمَذْهَبُ الْكِتَابِ الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُطْلَقُ (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ يَأْتِي لَزِمَهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ خَمِيسًا مُتَعَمِّدًا قَضَاهُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَنْذِرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِوَقْتِهِ (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ النَّذْرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُ وَأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَنْذِرَ لِمَعْنًى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، مِثْلُ
[ ٤ / ٤٩٣ ]
أَنْ يَقُولَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَّانِي اللَّهُ مِنْ أَمْرِ كَذَا فَإِنِّي أَصُومُ يَوْمَيْنِ أَوْ أُصَلِّي صَلَاةً أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهَذَا الْمَكْرُوهُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ لِلَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَأَنْ يَكُونَ نَذْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ دُونَ تَعَلُّقِ نَذْرِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَعَرَضِهَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُبَاحُ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ كَذَا إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ مَرَضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ الشَّرْطُ مِنْ فِعْلِهِ، فَإِنْ قَيَّدَ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ مِنْ فِعْلِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ بِنَذْرٍ وَإِنَّمَا هِيَ يَمِينٌ مَكْرُوهَةٌ لِحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» إلَّا أَنَّهَا لَازِمَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ النَّذْرُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَفِي الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ مُطَلِّقٌ عَلَى صِفَةٍ وَيُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ وَبِالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ بِخِلَافِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالْعِتْقِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ مِنْ تَقْيِيدِهِ مَخْرَجَ النَّذْرِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ
[ ٤ / ٤٩٤ ]
فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الطَّلَاقِ إذْ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ وَيَلْزَمُهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ دُونَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عِتْقًا بِعَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ وَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ لَا وَفَاءَ فِيهِ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَمَتَى قَضَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ تَصِحَّ لَهُ نِيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ. وَهَذَا إذَا سَمَّى النَّذْرَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَالْحَالِفِ بِاَللَّهِ، سَوَاءٌ فِي اللَّغْوِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَفِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ وَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلَ اللَّهُ فِي كَذَا وَكَذَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ابْنُ يُونُسَ: مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبِيدِي هَؤُلَاءِ يَأْمُرُ بِعِتْقِهِمْ وَلَمْ يُجْبَرْ وَلَمْ يُعْتَقُوا فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ. وَمُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِمَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى فِعْلِهِمَا.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا خِلَافُ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ فِي الْمَشْيِ أَبْيَنُ أَنْ لَا يُجْبَرَ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لَا لِآدَمِيٍّ كَقَوْلِهِ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ فِي قَوْلِ أَصْبَغَ فِي النَّوَادِرِ لَفْظُ الْجَبْرِ إنَّمَا فِيهِ لَفْظُ اللُّزُومِ وَاللُّزُومُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ.
(وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ وَصَامَ) لَوْ قَالَ: " وَصَامَ إنْ أَحَبَّ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً فَلْيَنْحَرْ بَعِيرًا لِأَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعِيرًا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْغَنَمَ لِضِيقٍ وَجَدَهُ فَلَا أَعْرِفُ فِي هَذَا صَوْمًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ الصَّوْمَ فَلْيَصُمْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَ.
(وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِمَوْضِعٍ يَتَقَرَّبُ بِإِتْيَانِهِ إلَى اللَّهِ كَعَسْقَلَانَ وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
[ ٤ / ٤٩٥ ]
مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ.
(وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ) الرِّسَالَةُ: مَنْ جَعَلَ مَالَهُ
[ ٤ / ٤٩٦ ]
صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ، وَاخْتُلِفَ مَا الْقَدْرُ اللَّازِمُ لَهُ مِنْهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الثُّلُثُ. وَإِذَا حَلَفَ وَمَالُهُ لَهُ مِقْدَارٌ فَزَادَ بَيْنَ الْحِنْثِ وَالْيَمِينِ أَخْرَجَ ثُلُثَ الْمِقْدَارِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَقَصَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ كَقَوْلِهِ: لَا فَعَلْت أَخْرَجَ ثُلُثَ مَا عِنْدَهُ يَوْمَ الْحِنْثِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ كَقَوْلِهِ: لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ فَقَوْلَانِ (وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خَفِيفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ إنَّمَا يُعْطَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ مِنْ السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ جُدَّةُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِيهَا الْخَوْفُ وَنُزُولُ الْعَدُوِّ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَرَهَا مِثْلَ السَّوَاحِلِ (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٤٩٨ ]
مِنْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: مَالِي هَدْيٌ قَالَ: يُهْدِي ثُلُثَهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَسَاكِينُ فَلْيُكْرِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وَقِيلَ: إنَّ النَّفَقَةَ مِنْ الثُّلُثِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى الزَّكَاةِ إذَا نُقِلَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْهَا. (إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ هُنَا هُوَ مَوْضِعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّذْرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ
[ ٤ / ٥٠٠ ]
هُنَا ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ. وَاَلَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ الْهِبَةُ لِمُعَيَّنٍ دُونَ يَمِينٍ وَلَا تَعْلِيقٍ يَقْضِي بِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا وَعَلَى مُعَيَّنٍ فِي يَمِينٍ أَوْ تَعْلِيقٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهَا. اُنْظُرْ آخِرَ الْهِبَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَانْظُرْهُ فِي الْهِبَاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ ".
(وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ بِصَدَقَةِ الْمَالِ فَإِنْ أَخْرَجَ مَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ عَنْ الْيَمِينِ الْأُولَى ثُمَّ حَلَفَ أَخْرَجَ عَنْ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ.
وَهَكَذَا كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ حَتَّى وَقَعَ يَمِينٌ ثَانٍ وَثَالِثٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ثُلُثٌ وَاحِدٌ أَوْ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَ ثُلُثَ الْيَمِينِ الْأُولَى؟ وَهَكَذَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فِيهِ قَوْلَانِ (وَمَا سَمَّى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ: نِصْفُ مَالِي أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ صَدَقَةٌ أَوْ أَكْثَرُ فَلْيُخْرِجْ جَمِيعَ مَا سَمَّى مَا لَمْ يَقُلْ مَالِي كُلُّهُ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ: وَلَوْ قَالَ مَالِي كُلُّهُ صَدَقَةٌ إلَّا دِرْهَمًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَكَذَلِكَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ (وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ سَمَّى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ
[ ٤ / ٥٠١ ]
فَقَالَ: دَارِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ ثَوْبِي صَدَقَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى فَحَنِثَ فَلْيُخْرِجْ كُلَّ مَا سَمَّى وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ الثُّلُثُ (وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ لِمَحَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ عَبْدَهُ صَدَقَةً أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَفِي الصَّدَقَةِ يَبِيعُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ، وَفِي السَّبِيلِ يَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى مَنْ يَغْزُو عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ فَرَسًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ أَوْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ فَيُجْعَلُ فِي مِثْلِ الْمَبِيعِ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبَقَرِ الْهَدْيِ تُبَاعُ إذَا لَمْ تَبْلُغْ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا إبِلًا لِأَنَّ تِلْكَ كُلُّهَا لِلْأَكْلِ وَهَذَا تَخْتَلِفُ مَنَافِعُهُ.
وَإِنْ جَعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَدَقَةً فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ أَوْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ بَاعَ ذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ هَدْيًا فَلْيَبِعْهُ وَيُهْدِي ثَمَنَهُ. (كَهَدْيٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَغَنَمِي أَوْ إبِلِي أَوْ بَقَرِي هَدْيٌ فَحَنِثَ فَلْيَبْعَثْ بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ كَانَتْ تَصِلُ. وَتُقَلَّدُ الْإِبِلُ وَتُشْعَرُ وَالْبَقَرُ لَا تَصِلُ مِنْ مِصْرَ.
فَإِذَا خَافَ عَلَى هَذِهِ الْهَدَايَا أَنْ لَا تَبْلُغَ لِبُعْدِ سَفَرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ بَاعَهَا وَابْتَاعَ بِثَمَنِ الْغَنَمِ غَنَمًا وَبِثَمَنِ الْإِبِلِ إبِلًا وَبِثَمَنِ الْبَقَرِ بَقَرًا، وَجَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ بِثَمَنِ الْبَقَرِ إبِلًا لِأَنَّهَا لَمَّا بِيعَتْ صَارَتْ كَالْعَيْنِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا غَنَمًا حَتَّى تَقْصُرَ عَنْ ثَمَنِ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ (وَلَوْ مَعِيبًا) أَشْهَبُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً
[ ٤ / ٥٠٢ ]
عَوْرَاءَ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا كَالْجَذَعِ مِنْ الْمَعْزِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَلْيُهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَلْيُهْدِ مَا يَجُوزُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ فَإِنَّهُ يُهْدِي مَكَانَهُ مَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الْمَعِيبُ الْمُعَيَّنُ يُهْدِي قِيمَتَهُ أَوْ بَعِيرًا سَالِمًا. التُّونِسِيُّ: وَالْأَشْبَهُ فِي الْمَعِيبِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ سُقُوطُهُ كَنَذْرِ صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ لَا تَحِلُّ. اللَّخْمِيِّ: الْمُعَيَّنُ وَالْمُبْهَمُ سَوَاءٌ لَيْسَ عَلَى الْجَاهِلِ إلَّا مَا نَذَرَ يَبِيعُ الْمُعَيَّنَ وَيُخْرِجُ قِيمَةَ الْمُبْهَمِ (عَلَى الْأَصَحِّ وَلَهُ فِيهِ إذَا بِيعَ الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةُ: جَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ بِثَمَنِ الْبَقَرِ إبِلًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا غَنَمًا.
(وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: دَارِي أَوْ عَبْدِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ مِمَّا لَا يُهْدَى هُوَ هَدْيٌ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحِنْثٌ فَلْيَبِعْهُ وَيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ وَمَا أُهْدِيَ مِنْ الْعَيْنِ فَيَبْتَاعُ بِهِ هَدْيًا. ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ وَبَعَثَ بِهِ بِعَيْنِهِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَيُبَاعُ هُنَالِكَ فَيَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ أَوْ فَضَلَ مِنْهُ مَا لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: يَبْعَثُهُ إلَى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ الْكَعْبَةُ تَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْسُو الْكَعْبَةَ بِأَجَلِهِ بَدَنَةً، فَلَمَّا كُسِيَتْ تَصَدَّقَ بِهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ فِي الْخَزَنَةِ أَحَدٌ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إذْ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ (وَهَلْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوْ لَا أَوْ لَا نَدْبًا أَوْ التَّقْوِيمُ إنْ كَانَ بِيَمِينٍ تَأْوِيلَاتٌ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ هَدْيًا وَهُوَ مِمَّا لَا يُهْدَى إنْ شَاءَ بَاعَهُ وَأَخْرَجَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُهُمْ فِي الصَّدَقَةِ لَا يَحْبِسُهُ وَيُخْرِجُ قِيمَتَهُ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِي هَدْيِ مَتَاعِهِ إلَّا إلَى عِوَضِهِ وَفِي صَدَقَةِ مَتَاعِهِ يُحْسِنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَرَضٍ تَطَوُّعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ
[ ٤ / ٥٠٣ ]
حَبْسُهُ وَإِخْرَاجُ قِيمَتِهِ، وَلَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحَنِثَ أَجْزَأَهُ إخْرَاجُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْحَالِفَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْقُرْبَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِيثِ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ، وَالْمُتَطَوِّعُ قَاصِدٌ لِلْقُرْبَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيثِ فَأَمْرُ ذَلِكَ مُفْتَرَقٌ.
ابْنُ يُونُسَ: هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ أَيْضًا إنَّمَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهُوَ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْقُرْبَةَ بِالصَّدَقَةِ إنْ فَعَلَ كَذَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعَلَى إخْرَاجِ الْقِيمَةِ لَا يُكْتَفَى بِتَقْوِيمِ الْعُدُولِ بَلْ يُنَادَى عَلَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ فِيمَا خُيِّرَ فِيهِ وَمِثْلُهُ طَلَبُ الْوَرَثَةِ إخْرَاجَ الثُّلُثِ دُونَ بَيْعٍ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْمَتْرُوكِ أَوْ خَوْفًا مِنْ الْوُلَاةِ عَلَيْهِ، فَرَأَيْت بَعْضَ الشُّيُوخِ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ (فَإِنْ عَجَزَ عُوِّضَ الْأَدْنَى ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهِ وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْهُ - ﷺ -) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ بَعَثَ
[ ٤ / ٥٠٤ ]
ذَلِكَ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ -.
(وَالْمَشْيِ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إنْ شَاءَ فِي حَجَّةِ أَوْ فِي عُمْرَةٍ، وَإِحْرَامُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ مِيقَاتِهِ لَا مِنْ مَوْضِعِهِ. (وَلَوْ لِصَلَاةٍ) لَمْ يَحْكِ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُورَ، وَانْظُرْهُ فِي الْإِكْمَالِ. وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفُتْيَا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ وَإِنْ شَاءَ فِي عُمْرَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ إيلِيَاءَ أَوْ إلَى مَسْجِدِهِ - ﷺ - يَأْتِيهِمَا رَاكِبًا لَا مَاشِيًا، لِأَنَّ الْمُبْتَغَى فِيهِمَا الصَّلَاةُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ إذْ لَا طَاعَةَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ
[ ٤ / ٥١١ ]
عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ دُونَ الْإِحْرَامِ لَكَانَ كَذَلِكَ وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَمْشِي مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ إسْمَاعِيلُ: لِأَنَّ الَّذِي قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَالْمَشْيُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَاعَةٌ. انْتَهَى مَا لِابْنِ يُونُسَ.
(وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) مُحَمَّدٌ: لَوْ حَلَفَ بِمَكَّةَ مَشَى مِنْ الْحِلِّ بِعُمْرَةٍ (لِمَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ) لَا غَيْرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُ الْمَشْيُ فِي قَوْلٍ إلَّا لِمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ لِبَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ الْحِجْرِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ الرُّكْنِ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ مِنًى أَوْ عَرَفَةَ أَوْ الْمُزْدَلِفَةَ أَوْ ذِي طُوًى أَوْ الْحَرَمِ أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِبَالِ الْحَرَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا لَزِمَ مَنْ قَالَ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَوِي عَلَى الْبَيْتِ وَالْبَيْتُ لَا يُؤْتَى إلَيْهِ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحِجْرِ وَإِلَى الْحَطِيمِ أَوْ زَمْزَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (إنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا) فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَكُونُ مَشْيٌ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
الْبَاجِيُّ: فَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى غَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ لَا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَا إلَى غَيْرِهَا إذْ لَيْسَ هُنَاكَ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ. وَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَكَّةَ فَإِنْ قَيَّدَ نِيَّتَهُ بِالنُّسُكِ أَوْ أَطْلَقَهَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ وَالنُّسُكُ لِأَنَّ ظَاهِرَ نَذْرِهِ الْقُرْبَةُ وَإِنَّمَا هِيَ فِي النُّسُكِ، وَأَمَّا إنْ قَيَّدَ نَذْرَهُ بِالْمَشْيِ خَاصَّةً فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا (مِنْ حَيْثُ نَوَى وَإِلَّا حَيْثُ حَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَمْشِي الْحَالِفُ مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا يَمْشِي مِنْهُ فَلَهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ
[ ٤ / ٥١٣ ]
يُحَرِّكْ بِذَلِكَ لِسَانَهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: فَلَوْ حَلَفَ بِمِصْرَ وَحَنِثَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَرْجِعْ إلَى مِصْرَ حَتَّى يَمْشِيَ مِنْهَا (أَوْ مِثْلِهِ إنْ حَنِثَ بِهِ) اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَسَافَةِ مَشَى مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى قَدْرِ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ وَكَثْرَةِ الْخُطَا وَلَا مَزِيَّةَ فِي هَذَا لِلْأَرَاضِيِ (وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اُعْتِيدَ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ يَمِينِهِ هُوَ مَوْضِعُ حِنْثِهِ مَشَى مِنْ حَيْثُ حَلَفَ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عُرْفٌ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ.
(وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ وَلِحَاجَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
فَإِنْ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ مَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنْ رَكِبَ بَعْدَ سَعْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي حَجَّةٍ مَشَى حَتَّى يَقْضِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، فَإِذَا قَضَاهُ فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ بِمِنًى، وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى فَلَا يَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ، كَمَا لَهُ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى الْمَنَاهِلِ مَاشِيًا أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ أَوْ تَذَكَّرَ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ سَائِرٌ حَاجَةً نَسِيَهَا فَلْيَرْجِعْ وَرَاءَهَا رَاكِبًا (كَطَرِيقِ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ) رَوَى مُحَمَّدٌ: لَهُ مَشْيُ أَقْصَرِ طَرِيقٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَبِلَهُ الشَّيْخُ وَقَيَّدَهُ. الْبَاجِيُّ: بِأَنْ كَانَ مُعْتَادًا. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ نَذْرُ التَّحْلِيقِ فِي الْمَشْيِ (وَبَحْرٍ اُضْطُرَّ لَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ الْمُعْتَادَ وَتَخْصِيصُهُ بِمَوْضِعِ الِاضْطِرَارِ قَوْلَانِ (لَا اُعْتِيدَ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ بِصِقِلِّيَةَ فَحَنِثَ هَلْ يَمْشِي مِنْ أَقْرَبِ بَرٍّ لَهَا أَوْ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة قَالَ: إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِمْ إذَا أَرَادُوا الْحَجَّ إنَّمَا يَنْزِلُونَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: بَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ بَرٍّ إلَيْهَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَبْيَنُ (لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا) لَوْ قَالَ: وَسَعْيِ الْعُمْرَةِ لَكَانَ أَبْيَنَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: آخِرُ مَشْيِ الْعُمْرَةِ السَّعْيُ وَآخِرُ مَشْيِ الْحَجِّ الْإِفَاضَةُ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ " (وَرَجَعَ وَأَهْدَى إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ أَوْ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ نَحْوَ الْمِصْرِيِّ قَابِلًا) أَمَّا إنْ رَكِبَ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ رَكِبَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ لِعَجْزٍ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ كَانَ لِلرُّكُوبِ مِقْدَارٌ وَإِلَّا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَسَاوَى رُكُوبُهُ وَمَشْيُهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَثِيرًا وَالْآخَرُ أَكْثَرَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ وَيَرْكَبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي مَشَى فِيهَا وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ بَعِيدًا جِدًّا، فَإِنْ عَجَزَ فِي الثَّانِي لَمْ يُكَلَّفْ الْعَوْدَةَ ثَالِثَةً.
وَأَمَّا إنْ رَكِبَ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ فَفِي
[ ٤ / ٥١٤ ]
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ مَشَى حَجَّهُ كُلَّهُ وَرَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ فَقَطْ لَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا مَرِضَ فِي طَرِيقِهِ يَرْكَبُ الْأَمْيَالَ أَوْ الْبَرِيدَ أَوْ الْيَوْمَ. ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: أَوْ الْيَوْمَيْنِ وَمَشَى الْبَقِيَّةَ لَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ مَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ رَاكِبًا رَجَعَ قَابِلًا رَاكِبًا فَرَكِبَ مَا مَشَى وَمَشَى مَا رَكِبَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَفِي الْإِفَاضَةِ، وَهَذَا كَثِيرٌ لِأَنَّ رُكُوبَهُ وَقَعَ فِي مَوَاضِعَ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَهَذَا أَشَدُّ مِمَّنْ رَكِبَ فِي الطَّرِيقِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ.
وَالصَّوَابُ أَنْ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِوُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ بَرَّ وَإِلَيْهَا كَانَتْ الْيَمِينُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: وَيُهْدِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ، مِثْلُ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ عَجْزًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدَةَ فِيهِ أَمْ لَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " نَحْوَ الْمِصْرِيِّ " فَاَلَّذِي فِي الرِّسَالَةِ: إنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ رَكِبَ ثُمَّ رَجَعَ ثَانِيَةً إنْ قَدَرَ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ وَأَهْدَى، وَنَحْوُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(فَيَمْشِي مَا رَكِبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ مَاشِيًا فَعَجَزَ فِي مَشْيِهِ فَلْيَرْكَبْ فِيمَا عَجَزَ.
فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ وَعَرَفَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ يَعُودُ ثَانِيَةً فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْشِيَ عِدَّةَ أَيَّامِ رُكُوبِهِ إذْ قَدْ يَرْكَبُ مَوَاضِعَ رُكُوبِهِ أَوَّلًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ ثَانِيَةً إنْ كَانَ قَوِيًّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ وَلَكِنْ يَمْشِي مَا رَكِبَ فَقَطْ وَيُهْرِقُ دَمًا لِتَفْرِيقِ مَشْيِهِ (فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ) مِنْ
[ ٤ / ٥١٥ ]
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ فَلَا يَجْعَلُ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ، وَإِنْ نَذَرَ الْأَوَّلَ فِي عُمْرَةٍ فَلَا يَجْعَلُ الثَّانِيَ فِي حَجَّةٍ (وَإِلَّا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لِمَنْ أَبْهَمَ مَشْيَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَعَجَزَ وَرَكِبَ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الثَّانِيَةَ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَشْيَهُ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ. الشَّيْخُ: يُرِيدُ إنْ كَانَ مَشْيُهُ فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ (إنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ عَلِمَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَامِ الْمَشْيِ قَعَدَ وَأَهْدَى، كَانَتْ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً. وَلَوْ عَلِمَ أَوَّلَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ كُلَّ الطَّرِيقِ، فِي تَرْدَادِهِ إلَى مَكَّةَ مَرَّتَيْنِ لِضَعْفِهِ أَوْ بُعْدِ بَلَدِهِ أَوْ كَانَ شَيْخًا زَمِنًا أَوْ امْرَأَةً ضَعِيفَةً أَوْ مَرِيضًا أَيِسَ مِنْ الْبُرْءِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ رَاكِبًا يَمْشِي وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ ثُمَّ يَرْكَبَ وَيُصَلِّي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ (كَأَنْ قَلَّ) . ابْنُ عَرَفَةَ: رُكُوبُ يَسِيرٍ لِعُذْرٍ لَا يَعُودُ لَهُ فِي نُسُكٍ آخَرَ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ: وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّكُوبِ مِقْدَارٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الْهَدْيِ مُطْلَقًا (وَلَوْ قَادِرًا) . ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (كَالْإِفَاضَةِ فَقَطْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ رَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ فَقَطْ لَمْ يَعُدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى.
(وَكَعَامٍ عُيِّنَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَمَرِضَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا مَرِضَ فِيهِ، وَإِذَا حَضَرَ خُرُوجُ الْحَاجِّ وَهُوَ مَرِيضٌ خَرَجَ عَلَى حَالِهِ رَاكِبًا فَإِنْ صَحَّ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَشَى، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَجْزَأَ عَنْهُ وَأَهْدَى، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا أُمْهِلَ لِعَامٍ آخَرَ (وَلْيَقْضِهِ) اُنْظُرْ مَا نَقَصَ هُنَا، وَاَلَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ إذَا لَمْ يَمْشِ عَلَى الْمُعْتَادِ فَطُولُ الْقِيَامِ فِي أَثْنَائِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَفَاتَهُ أَثِمَ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ مُقَابِلَ الْمَعْرُوفِ (أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الرِّسَالَةِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ وَأَهْدَى. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَدْيٌ وَاحِدٌ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَكَإِفْرِيقِيٍّ وَكَأَنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) .
ابْنُ عَرَفَةَ: اتِّصَالُ زَمَنِ مَشْيِهِ الْمُعْتَادِ مَطْلُوبٌ وَتَفْرِيقُهُ لِعُذْرٍ عَفْوٌ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ طُرُقٌ. اللَّخْمِيِّ: رَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ مَشَى مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَأَقَامَ بِمِصْرَ شَهْرًا ثُمَّ أَتَمَّ بِالْمَدِينَةِ شَهْرًا ثُمَّ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ أَجْزَأَهُ، يُرِيدُ وَكَذَا فِي نَذْرِ مَشْيَ الْحَجِّ مُعَيَّنًا
[ ٤ / ٥١٦ ]
وَمَضْمُونًا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بَعْدَ لُزُومِ تَتَابُعِ نَذْرِ صَوْمِ سَنَةٍ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ) .
ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ كَثُرَ رُكُوبُهُ فَكَانَ يَمْشِي عَقَبَةً وَيَرْكَبُ عَقَبَةً فَلْيَرْجِعْ وَيَمْشِ الطَّرِيقَ كُلَّهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. قَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى.
وَلَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ يُونُسَ وَلَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَا اللَّخْمِيِّ هَذَا بِشَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّ بُطْلَانَهُ يَعْنِي بُطْلَانَ الْمَشْيِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ ضَبْطِ مَحَلِّ رُكُوبِهِ فَلَا يَلْزَمُ فِيمَا يَضْبِطُهُ.
وَقَالَ بَهْرَامَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ: قَدْ يُقَالُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ بِخِلَافٍ ثُمَّ نَقَلَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، فَحَصَلَ أَنَّ أَحَدَ التَّأْوِيلَيْنِ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّيْخِ بَهْرَامُ (وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ: يُصَلِّي أَحَبُّ إلَيَّ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ مِثْلُ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ وَأَهْدَى " (وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهُ فِي عَوْدَتِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ مَشْيَهُ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ بَشِيرٍ: تَعَقَّبَ هَذَا الْأَشْيَاخُ وَقَالُوا: كَيْفَ يَسْقُطُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْهَدْيِ فِي ذِمَّتِهِ بِمَشْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ؟ وَمَثَّلُوهُ بِمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَسَهَا فِيهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودٌ فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَلَمْ يَسْجُدْ، أَنَّ السُّجُودَ يَتَقَرَّرُ فِي ذِمَّتِهِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ عَادَ سَاهِيًا قَوْلَانِ: هَلْ يَكُونُ سُجُودُهُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ؟ وَمَسْأَلَةُ مَنْ مَشَى كُلَّ الطَّرِيقِ الثَّانِي تُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَمَنْ رَأَى تَرْتِيبَ السُّجُودِ فِي ذِمَّتِهِ جَعَلَ سُجُودَهُ قَبْلُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا دَمٌ لِتَرَتُّبِهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَانْظُرْ اخْتِصَارَ خَلِيلٍ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ إنَّمَا تَرَدَّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَرْتَهِنْ فِيهَا.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ تَعَقَّبَ تَخْرِيجَ ابْنِ بَشِيرٍ (وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَشْيٌ فَمَشَى فِي حَجِّهِ فَأَفْسَدَهَا بِوَطْءٍ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ حَجَّهُ وَيَقْضِي وَيُعِيدُ الْمَشْيَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَرْكَبُ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْوَطْءُ يُجْزِئُهُ وَلَا يُعِيدُهُ
[ ٤ / ٥١٧ ]
وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِتَبْعِيضِ الْمَشْيِ (وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَمَشَى فِي حَجٍّ فَفَاتَهُ أَجْزَأَهُ مَا مَشَى وَجَعَلَهَا عُمْرَةً وَمَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْضِي الْحَجَّ قَابِلًا رَاكِبًا وَيُهْدِي لِفَوَاتِ الْحَجِّ.
(وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَهُ عَنْ النَّذْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ مَشْيًا فَحَجَّ مَاشِيًا وَهُوَ صَرُورَةً يَنْوِي فِي ذَلِكَ فَرْدِيَّتَهُ وَنَذْرَهُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ لِنَذْرِهِ وَلَا تُجْزِئُهُ لِفَرِيضَتِهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءٌ لِفَرِيضَتِهِ قَابِلًا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِنَذْرِهِ حِينَ نَذَرَ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِحَجَّةٍ فَحَنِثَ فَمَشَى فِي حَجٍّ نَوَى بِهِ فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ فَهَذَا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ابْنُ يُونُسَ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ لِنَذْرِهِ وَلِفَرْضِهِ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا الْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ (وَهَلْ إنْ لَمْ يَنْذِرْ حَجًّا تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: هَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ لِنَذْرِهِ حِينَ نَذَرَ حَجًّا
[ ٤ / ٥١٨ ]
وَحِكَايَةُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ فَحَلَّ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَحُجَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ، فَإِنْ حَنِثَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ نَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ يَوْمِ حَنِثَ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
(أَوْ أَحْرَمَ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا عَيَّنَ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ وَقْتًا لِإِحْرَامِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَقَبْلَ مِيقَاتِهِ لَكِنْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا إنْ عَيَّنَ مَكَانًا
[ ٤ / ٥١٩ ]
أَوْ زَمَانًا لَزِمَهُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ أَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ. (كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ لَهَا وَقْتَ حِنْثِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ صَحَابَةً وَيَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيُؤَخِّرْ حَتَّى يَجِدَ فَيُحْرِمَ حِينَئِذٍ (لَا الْحَجِّ
[ ٤ / ٥٢٠ ]
وَالْمَشْيِ فَلِأَشْهُرِهِ إنْ وَصَلَ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ عَلَى الْأَظْهَرِ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْعُمْرَةُ لَا وَقْتَ لَهَا فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ لَهَا وَقْتَ حِنْثِهِ، وَالْحَجُّ لَهُ زَمَانٌ وَهِيَ الْأَشْهُرُ فَمَتَى حَنِثَ قَبْلَهَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ حَتَّى تَدْخُلَ الْأَشْهُرُ. وَهَذَا إذَا كَانَ يَصِلُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَصِلُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى تَخْرُجَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ وَقْتٍ يَصِلُ فِيهِ إلَى مَكَّةَ وَيُدْرِكُ الْحَجَّ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: بَلْ يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَحْرَمَ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ أَوْلَى لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَيْ إذَا جَاءَ وَقْتُ خُرُوجِ النَّاسِ خَرَجْتُ أَنَا
[ ٤ / ٥٢١ ]
مُحْرِمًا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَهَذَا يُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِهِ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
(وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَفِيهَا مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ رِتَاجِهَا أَوْ حَطِيمِهَا لَغْوٌ. وَالْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إلَى الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ عَلَيْهِ يَنْحَطِمُ النَّاسُ (أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ) ابْنُ رُشْدٍ:
[ ٤ / ٥٢٣ ]
حَلِفُهُ بِصَدَقَةِ مَا يُفِيدُ أَوْ يُكْتَسَبُ أَبَدًا لَغْوٌ اتِّفَاقًا وَإِلَى مُدَّةٍ أَوْ فِي بَلَدٍ فِي لَغْوِهِ وَلُزُومِهِ قَوْلَانِ وَالصَّوَابُ اللُّزُومُ كَالْعِتْقِ.
(أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ بَدَنَةً أَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ فَلْيَنْحَرْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَبِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ أَوْ أَنْحَرَ جَزُورًا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ.
وَلَوْ نَوَى مَوْضِعًا فَلَا يُخْرِجُهَا إلَيْهِ وَيَنْحَرُهَا بِمَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَهَا لِمَسَاكِينِ الْبَصْرَةِ أَوْ مِصْرَ وَهُوَ بِغَيْرِهَا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ مَنْ عِنْدَهُ،
[ ٤ / ٥٢٦ ]
كَانَتْ الْجَزُورُ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ.
(أَوْ مَالُ غَيْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ عَبْدُ فُلَانٍ أَوْ دَارُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ هَدْيٌ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ (إنْ لَمْ يُرِدْ إنْ مَلَكَهُ) ابْنُ بَشِيرٍ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْتِزَامَ ذَلِكَ إنْ مَلَكَهُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْعِتْقِ قَبْلَ الْمِلْكِ وَالطَّلَاقِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ وَالْمَشْهُورُ لُزُومُهُ (أَوْ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ وَلَوْ قَرِيبًا إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ
[ ٤ / ٥٢٨ ]
أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا نَذَرَ مُعَيَّنًا هَدْيًا وَجَبَ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَالْمَنْصُوصُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إنْ مَلَكْته، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْلَكُ كَالْحُرِّ فَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ هَدْيٌ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْهَدْيَ وَالْتَزَمَ نَحْرَ حُرٍّ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَالْمَشْهُورُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا وَذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى وَنَحْوَهَا لَزِمَهُ هَدْيٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: نَذْرُ هَدْيِ الْحُرِّ فِي الْيَمِينِ هَدْيٌ قِيَاسًا عَلَى قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ - ﵇ -. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِهِ لِابْنِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ أُهْدِيهِ لِبَيْتِ اللَّهِ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا هَدْيٌ وَإِحْجَاجُهُ فَإِنْ أَبَى سَقَطَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ وَقَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ وَجْهَ الْهَدْيِ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ لِلَّهِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الَّذِي سَمِعْت مِنْهُ، وَاَلَّذِي سَمِعْت مِنْهُ إنْ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ
[ ٤ / ٥٢٩ ]
يَمِينٍ، وَإِنْ قَالَ: عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَلْيُهْدِ هَدْيًا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَلْزَمُهُ فِي نَحْرِ أَبَوَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ فِي نَحْرِ وَلَدِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: أَنَا أَنَحْرُك عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَلْيُهْدِ عَنْهُ هَدْيًا وَابْنُهُ وَأَجْنَبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (وَالْأَحَبُّ حِينَئِذٍ كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ) الرِّسَالَةُ: وَأَمَّا فِي الْهَدَايَا فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ.
(كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ
[ ٤ / ٥٣٠ ]
عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيًا رَاجِلًا فَلْيَنْتَعِلْ وَإِنْ أَهْدَى فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُهْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، «وَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَى رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ حَافِيًا إلَى الْكَعْبَةِ الْقَهْقَرَى قَالَ: مُرُوهُ أَنْ يَمْشِيَ بِوَجْهِهِ» .
(وَحَمْلِ فُلَانٍ إنْ نَوَى التَّعَبَ وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ بِلَا هَدْيٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا أَحْمِلُ فُلَانًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ فَإِنَّهُ يَنْوِي، فَإِنْ أَرَادَ التَّعَبَ بِحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ حَجَّ مَاشِيًا وَأَهْدَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِالرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ حَجَّ رَاكِبًا بِالرَّجُلِ مَعَهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّ الْحَالِفُ وَحْدَهُ رَاكِبًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ (وَأَلْغَى عَلَيَّ الْمَسِيرُ وَالذَّهَابُ وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَسِيرَ أَوْ أَذْهَبَ أَوْ أَنْطَلِقَ أَوْ آتِيَ أَوْ أَرْكَبَ إلَى مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَأْتِيَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَأْتِيَهَا رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا (وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ وَلَمْ يَقُلْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَإِنْ نَوَى مَكَّةَ مَشَى إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ أَوْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَأُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلْيُصَلِّ فِي مَوْضِعِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلَا يَأْتِيهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» فَذَكَرَ مَسْجِدَهُ وَمَسْجِدَ إيلِيَاءَ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: نَذْرُ عُكُوفٍ بِمَسْجِدٍ كَنَذْرِ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ فِي الْبُيُوتِ (إلَّا الْقَرِيبِ جِدًّا فَقَوْلَانِ) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ الْمَشْيِ إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ قُرْبَةً لِمَنْ قَرُبَ
[ ٤ / ٥٣١ ]
مِنْهُ. فَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَنَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدٍ هُوَ مَعَهُ بِالْبَلَدِ فَإِنَّهُ يَمْشِي إلَيْهِ وَيُصَلِّي فِيهِ. وَقَدْ أَوْجَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَمَنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ مِمَّا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ إعْمَالِ الْمَطِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ هُوَ مِنْهَا عَلَى سَفَرٍ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ لِحَدِيثِ: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وَالْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ لِمَنْ قَرُبَ لَيْسَ مِنْ إعْمَالِ الْمَطِيِّ. عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا يُمْنَعُ إعْمَالُ الْمَطِيِّ لِلنَّاذِرِ وَأَمَّا لِغَيْرِ النَّاذِرِ مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي فَضْلِ مَشَاهِدِ الصَّالِحِينَ فَلَا (تَحْتَمِلُهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيُصَلِّيَ فِي مَوْضِعِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ كَمَسْجِدِ جُمُعَتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
(وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ أَوْ إيلِيَاءَ إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّيهِمَا فَيَرْكَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْمَدِينَةِ أَوْ
[ ٤ / ٥٣٢ ]
بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا يَأْتِيهِمَا حَتَّى يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّيهِمَا فَيَقُولَ: إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ فِيهِمَا فَلْيَأْتِهِمَا رَاكِبًا وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا سَمَّاهُمَا قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِمَا (وَهَلْ وَإِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا أَوْ إلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلِ خِلَافٌ وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ) ابْنُ بَشِيرٍ: حَمَلَ اللَّخْمِيِّ الْمَذْهَبَ عَلَى أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَأْتِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا وَالْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَى الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُلْتَزَمُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ لَزِمَهُ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالْمَدِينَةُ عِنْدَ مَالِكٍ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ ثُمَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ لَا شَكَّ أَفْضَلُ. ابْنُ شَاسٍ.
[ ٤ / ٥٣٣ ]
ِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِهِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّتِهِ وَالنَّظَرِ فِي تَفْصِيلِ مَا يُعَامَلُ بِهِ الْكُفَّارُ مِنْ قَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ وَإِهْلَاكِ أَمْوَالِهِمْ وَاغْتِنَامِهَا. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ بِالْأَمَانِ. وَيَتْلُو هَذَا الْكِتَابَ كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْمُهَادَنَةِ، وَكِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ، وَكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ. وَمِنْ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَمَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ شُهُودِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ قَلَّتْ حَسَنَاتُهُ وَكَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ فَلْيَجْعَلْ الدُّرُوبَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ أَغْبَرَ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» .
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﵇ - لَمْ يَكُنْ يَتَلَثَّمُ مِنْ الْغُبَارِ» . وَكَرِهَ مَكْحُولٌ التَّلَثُّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «غُبْرَةٌ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَجَّةٍ مِنْ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِرَجُلٍ «لَوْ قُمْت اللَّيْلَ وَصُمْت النَّهَارَ مَا بَلَغْت نَوْمَ الْمُجَاهِدِ» .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَمْ تَبْلُغْ شِرَاكَ نِعَالِهِ» نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَقِفَ مَوْقِفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُوَاجِهًا لِلْعَدُوِّ وَلَا أَضْرِبُ بِسَيْفٍ وَلَا أَطْعَنُ بِرُمْحٍ وَلَا أَرْمِي بِسَهْمٍ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ سِتِّينَ سَنَةً لَا أَعْصِيهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لَحَرَسُ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ أَصُومُهَا وَأَقُومُ لَيْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﵇ -. وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ حِمْصَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ الرِّمَايَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالسِّبَاحَةَ وَالِاخْتِفَاءَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ وَقَالَ: اخْتَفُوا وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاسْتَقْبِلُوا حَرَّ الشَّمْسِ بِوُجُوهِكُمْ وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ وَانْزُوا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا. وَكَانَ هُوَ - ﵁ - يُمْسِكُ بِأُذُنِ فَرَسِهِ وَبِأُذُنِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَنْزُو عَلَيْهِ.
قَالَ النَّبِيُّ - ﵇ -: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَأْدِيبِهِ
[ ٤ / ٥٣٥ ]
فَرَسَهُ وَرَمْيِهِ عَنْ كَبِدِ قَوْسِهِ وَمُلَاعَبَتِهِ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُ حَقٌّ» وَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَدْ عَصَانِي» .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَهْوَانِ تَحْضُرُهُمَا الْمَلَائِكَةُ: الرَّمْيُ وَاسْتِبَاقُ الْخَيْلِ» . انْتَهَى مِنْ النَّوَادِرِ.
(الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِهَادُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ وَهُوَ التَّعَبُ، فَالْجِهَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي إتْعَابِ الْأَنْفُسِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جِهَادٌ بِالْقَلْبِ أَنْ يُجَاهِدَ الشَّيْطَانَ وَالنَّفْسَ عَنْ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَجِهَادٌ بِاللِّسَانِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ. وَجِهَادٌ بِالْيَدِ أَنْ يَزْجُرَ ذَوُو الْأَمْرِ أَهْلَ الْمَنَاكِرِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْأَدَبِ وَالضَّرْبِ عَلَى مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ إقَامَتُهُمْ الْحُدُودَ، وَجِهَادٌ بِالسَّيْفِ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الدِّينِ. فَكُلُّ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ فَقَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ إلَّا أَنَّ الْجِهَادَ إذَا أُطْلِقَ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى مُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَإِنَّمَا يُقَاتَلُ الْكُفَّارُ عَلَى الدِّينِ لِيَدْخُلُوا مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِسْلَامِ لَا عَلَى الْغَلَبَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يَعْقِدَ نِيَّتَهُ أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ، فَإِذَا عَقَدَ نِيَّتَهُ عَلَى
[ ٤ / ٥٣٦ ]
هَذَا فَلَا يَضُرُّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْخَطَرَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْقَلْبِ وَلَا تُمْلَكُ لِحَدِيثِ «مُعَاذٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ إلَّا مُقَاتِلٌ؛ مِنْهُمْ مَنْ الْقِتَالُ طَبِيعَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ احْتِسَابًا، فَأَيُّ هَؤُلَاءِ شَهِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: يَا مُعَاذُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَأَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيُخْفِيهِ فَيَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيُسِرُّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَهُ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» . انْتَهَى مِنْ ابْنِ رُشْدٍ.
التَّلْقِينُ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ لِهُدْنَةٍ. الدَّاوُدِيِّ: بَقِيَ الْجِهَادُ فَرْضًا بَعْدَ الْفَتْحِ عَلَى مَنْ يَلِي الْعَدُوَّ وَسَقَطَ عَمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ. الْمَازِرِيُّ: فَإِنْ عَصَى الْحَاضِرُ تَعَلَّقَ بِمَنْ يَلِيهِ.
وَفِي الْكَافِي: فَرَضَ عَلَى الْإِمَامِ إغْزَاءَ طَائِفَةٍ إلَى الْعَدُوِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُرَغِّبَهُمْ وَيَكُفَّ أَذَاهُمْ وَيُظْهِرَ دِينَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَفَرَضَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ الْخُرُوجَ الْمَذْكُورَ لَا خُرُوجَهُمْ كَافَّةً. وَالنَّافِلَةُ مِنْهُ إخْرَاجُ طَائِفَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَبَعْثُ السَّرَايَا وَقْتَ الْغُرَّةِ وَالْفُرْصَةِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا كَانَ يَكْفِي فِيهِ قِيَامُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْإِمَامُ أَحَدًا. (وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ الْوُلَاةِ.
وَرَجَعَ مَالِكٌ عَنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ وَمَا صَنَعَ الرُّومُ بِغَارَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالْجِهَادِ مَعَهُمْ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ ضَرَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ. ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ بِالْغَزْوِ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَضَعُوا الْخُمُسَ مَوْضِعَهُ وَلَمْ يُوفُوا بِعَهْدٍ وَإِنْ عَمِلُوا مَا عَمِلُوا. وَقَالَهُ الصَّحَابَةُ حِينَ أَدْرَكُوا مِنْ الظُّلْمِ فَكُلُّهُمْ قَالَ: اُغْزُ مَعَهُمْ عَلَى حَظِّك مِنْ الْآخِرَةِ وَلَا تَفْعَلْ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ فَسَادٍ وَخِيَانَةٍ.
ابْنُ بَشِيرٍ: اُخْتُلِفَ فِي مُعَاوَنَةِ وُلَاةِ الْجَوْرِ فِي الْجِهَادِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْأَحْكَامِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَتَنْظُرُ مَنْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ دَعَا إلَيْهِ هَلْ يُؤَدِّيهِ الدُّخُولُ فِيهِ إلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ مِمَّا يَدْعُو إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ، أَوْ يُؤَدِّيهِ تَرْكُهُ إلَى مَضَرَّةٍ تَطْرَأُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ.
أَصْلُ هَذَا تَرْكُهُ - ﷺ - الْأَعْرَابِيَّ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ خَوْفَ مَضَرَّةٍ أَشَدَّ. وَتَرْكُهُ - ﷺ - بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ خِيفَةً عَلَى اعْتِقَادِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْإِيمَانُ فِي صَدْرِهِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ " وَانْظُرْ اسْمَ الدَّاوُدِيُّ فِي الْمَدَارِكِ حِينَ عَتَبَ عَلَى عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ إقَامَتَهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِ بَنِي عُبَيْدٍ فَقَالُوا لَهُ: اُسْكُتْ لَا شَيْخَ لَك. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَدْمِ سُوَرِ عَسْقَلَانَ وَهَدْمِ سُوَرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهِ وَقْتَ اسْتِيلَاءِ الضَّعْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَعُودَ لِلْعَدُوِّ لِاجْتِمَاعِ الضَّرَرِ
وَلِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ
، وَقَدْ كَانَ عُمْرُهُمْ بِهَدْمِ الْمِصِّيصَةِ وَبِإِخْلَاءِ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَأَصْلُ هَذَا أَيْضًا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ فِي خَرْقِ الْخَضِرِ السَّفِينَةَ، وَقَدْ كُنْت أَفْتَيْت بِهَدْمِ جَبَلِ الْفَتْحِ قَبْلَ أَخْذِهِ الْعَدُوَّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ أَزَلْ أُفْتِي بِهَدْمِ سُورِ الْمُتِلَّيْنِ
[ ٤ / ٥٣٧ ]
وَهَدْمِ أَرِينَةَ وَالصَّخْرَةِ وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ لَا أَجِدُ إلَّا مُعَارِضًا ثُمَّ أَحُضُّ عَلَى الْبِنَاءِ فَلَا أَجِدُ مُسَاعِدًا وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
[شُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ]
(عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: لِوُجُوبِ الْجِهَادِ سِتُّ شَرَائِطَ لَا يَجِبُ إلَّا بِهَا مَتَى انْخَرَمَ وَاحِدٌ مِنْهَا سَقَطَ وُجُوبُهُ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالِاسْتِطَاعَةُ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ.
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [التوبة: ٩١] . وَقَالَ - ﷺ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وَالْعَبْدُ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) .
ابْنُ رُشْدٍ: طَلَبُ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ إلَّا مَا لَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ جَهْلُهُ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ وَزَكَاتِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْإِمَامَةِ وَالِاجْتِهَادِ فَطَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ أَوَاجِبٌ طَلَبُ الْعِلْمِ؟ فَقَالَ: أَمَّا عَلَى كُلِّ النَّاسِ فَلَا (وَالْفَتْوَى) نَقَلَ أَبُو عُمَرَ عَنْ الْحَسَنِ مَا نَصُّهُ: سِتٌّ إذَا أَدَّاهَا قَوْمٌ كَانَتْ مَوْضُوعَةً عَنْ الْعَامَّةِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْعَامَّةُ عَلَى تَرْكِهَا كَانُوا آثِمِينَ. الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - يَعْنِي سَدَّ الثُّغُورِ وَالضَّرْبَ فِي الْعَدُوِّ - وَالْفُتْيَا وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ وَحُضُورُ الْخُطْبَةِ (وَالدَّرْءُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ مَالِكٌ فِي النَّصِّ: إنْ قَطَعَ عَلَى غَيْرِك وَسَلِمْت مِنْهُ فَحُقَّ عَلَيْك الرُّجُوعُ وَالْمُعَاوَنَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النَّاسُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى مَرَاتِبَ. فَفَرْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَحَمْلُهُمْ عَلَى جَادَّةِ الْعِلْمِ، وَفَرْضُ الْوُلَاةِ تَغْيِيرُهُ بِقُوَّتِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ وَلَهُمْ هُمْ الْيَدُ الْعُلْيَا، وَفَرْضُ سَائِرِ النَّاسِ رَفْعُهُ إلَى الْحُكَّامِ وَالْوُلَاةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ قَوْلًا وَهَذَا فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي لَهُ دَوَامٌ، وَأَمَّا إنْ رَأَى أَحَدٌ نَازِلَةً بَدِيهِيَّةً مِنْ الْمُنْكَرِ كَالسَّلْبِ فَيُغَيِّرُهَا بِنَفْسِهِ بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْقُدْرَةِ (وَالْقَضَاءِ) اللَّخْمِيِّ: إقَامَةُ الْحُكْمِ لِلنَّاسِ وَاجِبَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْهَرَجِ وَالْمَظَالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ وَإِلَّا كَانَ عَلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالثِّقَةِ أَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُ وِلَايَتِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ (وَالشَّهَادَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّهَادَةُ بِاعْتِبَارِ تَحَمُّلِهَا الرِّوَايَاتِ وَاضِحَةً بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فِي نَوَازِلَ سَحْنُونٍ: سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عِنْدَك عِلْمٌ قَدْ أَشْهَدَك عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك عِلْمٌ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُشْهِدَك ابْتِدَاءً فَأَنْتَ فِي سَعَةٍ إنْ وُجِدَ فِي الْبَلَدِ غَيْرُك مِمَّنْ يَشْهَدُ فَقَرِّرْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: بِأَنْ تُحْمَلَ الشَّهَادَةُ فَرْضَ كِفَايَةٍ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَأَمَّا أَنْ يُدْعَى لِيَشْهَدَ بِمَا عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (وَالْإِمَامَةِ) قَالَ
[ ٤ / ٥٣٨ ]
إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يُسْتَدْرَكُ بِمُوجِبَاتِ الْعُقُولِ نَصْبُ إمَامٍ وَلَكِنْ يَثْبُتُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَدِلَّةِ السَّمْعِ وُجُوبُ نَصْبِ إمَامٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْمُلِمَّاتِ وَتُفَوَّضُ إلَيْهِ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ (وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَدْ جَرَى رَسْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِذِكْرِ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ بِمَجَالِ الْفِقْهِ أَجْدَرُ، فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْجُمْلَةِ إلَّا مَا اخْتَصَّ مُدْرِكُهُ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ الْقَوْلُ فِيهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بَلْ الْأَمْرُ فِيهِ مَوْكُولٌ إلَى أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
ثُمَّ لَيْسَ بِالْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفُرُوعِ مُصِيبٌ عِنْدَنَا، وَمَنْ قَالَ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ بِفِعْلِهِ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ، وَيَسُوغُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إلَى شَهْرِ السِّلَاحِ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ بِذَلِكَ إلَى ذَلِكَ رُبِطَ الْأَمْرُ بِالسُّلْطَانِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْثَ وَالتَّنْفِيرَ وَالتَّجَسُّسَ وَاقْتِحَامَ الدُّورِ بِالظُّنُونِ بَلْ إنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ جَهْدَهُ، فَهَذِهِ عُقُودُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. انْتَهَى مِنْ الْإِرْشَادِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَأْمُرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ عَصَوْا كَانُوا شُهُودًا عَلَى مَنْ عَصَى. قِيلَ لَهُ: أَيَأْمُرُ الرَّجُلُ الْوَالِيَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: إنْ رَجَا أَنْ يُطِيعَهُ فَلْيَفْعَلْ وَيَأْمُرُ وَالِدَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ انْتَهَى. مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَانْظُرْ فِي أَوَّلِ الْمَدَارِكِ حِينَ أَنْكَرَ ابْنُ هُرْمُزَ عَلَى بَعْضِ الْأَقْدَارِ وُقُوفَهُ مَعَ امْرَأَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِعَبِيدِهِ: طَئُوا بَطْنَهُ، فَوَطِئُوهُ حَتَّى حُمِلَ إلَى مَنْزِلِهِ فَعَادَهُ النَّاسُ. وَفِيهِمْ مَالِكٌ.
فَجَعَلَ يَشْكُو وَالنَّاسُ يَدْعُونَ لَهُ وَمَالِكٌ سَاكِتٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَك تَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَعَهُ حَشَمُهُ وَمَوَالِيهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: فَتَرَانِي أَنِّي أَخْطَأْت؟ قَالَ: أَيْ وَاَللَّهِ (وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ) الَّذِي لِعِزِّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ: فُرُوضُ الْكِفَايَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ وَالْغَزْلِ وَالنَّسْجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهَا فَاعِلُهَا إلَّا إنْ قَصَدَ بِهَا الْقُرْبَةَ، كَمَا لَا يُؤْجَرُ عَلَى تَرْكِ الْعِصْيَانِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ طَاعَةَ الدَّيَّانِ (وَرَدِّ السَّلَامِ) الرِّسَالَةُ: وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ (وَفَكِّ الْأَسِيرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ طُرُقٌ الْأَكْثَرُ وَاجِبٌ وَفِي الْمَبْدَأِ بِالْفِدَاءِ مِنْهُ طُرُقٌ وَسَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ ذِكْرِهِ.
(وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْ يَعْرِضُ لِلْفَرْضِ الْكِفَايَةِ مَا يُوجِبُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ. التَّلْقِينُ: قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَنْ يَفْجَؤُهُمْ الْعَدُوُّ. سَحْنُونَ: إنْ نَزَلَ أَمْرٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْجَمِيعِ كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا وَيَنْفِرُ مَنْ بِسَفَاقُسَ لِغَوْثِ سُوسَةٍ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى أَهْلِهِ لِرُؤْيَةِ سُفُنٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْهَا (وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ) مِنْ النَّوَادِرِ: يَخْرُجُ لِمُتَعَيَّنِهِ مُطِيقُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً. أَبُو عُمَرَ: يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إنْ حَلَّ الْعَدُوُّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مُحَارِبًا لَهُمْ فَيَخْرُج إلَيْهِ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ خِفَافًا وَثِقَالًا شُبَّانًا وَشُيُوخًا، وَلَا يَتَخَلَّفُ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مُقَاتِلٍ أَوْ مُكْتِرٍ، وَإِنْ عَجَزَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ عَنْ الْقِيَامِ بِعَدُوِّهِمْ كَانَ عَلَى مَنْ جَاوَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى حَسَبِ مَا لَزِمَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ أَيْضًا بِضَعْفِهِمْ وَأَمْكَنَهُ غِيَاثُهُمْ لَزِمَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ، فَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ (وَعَلَى قُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي وَالْمَازِرِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ ".
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا نَزَلَ قَوْمٌ مِنْ الْعَدُوِّ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتْ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى مُدَافَعَتِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْمُدَافَعَةُ، فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ نُصْرَتُهُمْ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ: إذَا عَصَى الْأَقْرَبُ وَجَبَ عَلَى الْأَبْعَدِ. (وَبِتَعَيُّنِ الْإِمَامِ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ عَلَى مَنْ رَسَمَ الْإِمَامُ خُرُوجَهُ لِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ.
(وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًا وَجُنُونٍ وَعَمًى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ " (وَرِقٍّ) رَوَى مُحَمَّدٌ: لَا يَخْرُجُ لِغَيْرِ مُتَعَيَّنِهِ ذُو رِقٍّ وَلَوْ مُكَاتَبًا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (وَدَيْنٍ حَلَّ) سَحْنُونَ: وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْ حَلَّ وَعِنْدَهُ بِهِ قَضَاءٌ فَلَا يَنْفِرُ وَلَا يُرَابِطُ وَلَا يَعْتَمِرُ وَلَا يُسَافِرُ حَتَّى
[ ٤ / ٥٤٠ ]
يَقْضِيَ دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ لَمْ يَحِلَّ أَوْ لَا وَفَاءَ لَهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ. (كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ أَوْ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ) لَعَلَّهُ كَبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: لِلْأَبَوَيْنِ الْمَنْعُ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ وَالْبَرَارِيِ الْمُخْطِرَةِ لِلتِّجَارَةِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَا أُحِبُّ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ أَنْ يَنْفِرَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِمَكَانِهِ مِنْ الْعَدُوِّ مَا لَا طَاقَةَ لِمَنْ حَضَرَ بِدَفْعِهِ فَلْيَنْفِرْ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، وَلَوْ نَزَلَ ذَلِكَ بِسَاحِلٍ بِغَيْرِ مَوْضِعِهِ وَلَا غَوْثَ عَنْهُمْ أَوْ كَانَ الْغَوْثُ بَعِيدًا مِنْهُمْ فَلْيَنْفِرْ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ.
[ ٤ / ٥٤١ ]
(لَا جَدٍّ) سَحْنُونَ: بِرُّ الْجَدَّةِ وَالْجَدِّ وَاجِبٌ وَلَيْسَا كَالْأَبَوَيْنِ أُحِبُّ أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمَا لِيَأْذَنَا لَهُ فِي الْجِهَادِ، فَإِنْ أَبَيَا فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ وَمَنْ لَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ وَعَمَّةٌ وَعَمَّاتٌ وَخَالٌ وَخَالَاتٌ إنْ كَانَ الْقَائِمَ بِهِمْ وَيَخَافُ ضَيْعَتَهُمْ بِخُرُوجِهِ، فَمُقَامُهُ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَخُرُوجُهُ (وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ: لَا أُحِبُّ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ أَنْ يَنْفِرَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا لِعَدُوِّ لَا طَاقَةَ لِمَنْ حَضَرَ بِدَفْعِهِ وَاحِدُ الْأَبَوَيْنِ كَالْأَبَوَيْنِ وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَنْعَهُمَا كَرَاهَةُ إعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَدُعُوا لِلْإِسْلَامِ ثُمَّ جِزْيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمِنُ وَإِلَّا قُوتِلُوا) عِبَارَةُ الرِّسَالَةِ: أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يُقَاتِلَ الْعَدُوّ حَتَّى يَدْعُوا إلَى دَيْنِ اللَّهِ، فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَاتِلُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَدْعُوا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَبِهَذَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لِأَنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ وَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ وَإِلَى كَثِيرٍ مِنَّا أَنَّ مَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْغَلَبَةِ فَلَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يَتَبَيَّنُوا. قِيلَ لِأَصْبَغَ: أَرَأَيْت مَنْ دُعِيَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ فَأَبَوْا فَقُوتِلُوا مِرَارًا، أَيَدْعُوا كُلَّمَا غَزَوْنَاهُمْ؟ قَالَ: أَمَّا الْجُيُوشُ الْغَالِبَةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا يُقَاتِلُوا قَوْمًا وَلَا حِصْنًا حَتَّى يَدْعُوهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا لِطَلَبِ غُرَّةٍ وَلَا لِانْتِهَازِ فُرْصَةٍ وَإِنَّمَا خَرَجُوا ظَاهِرِينَ قَاهِرِينَ، وَأَمَّا السَّرَايَا وَشَبَهُهَا الَّتِي تَطْلُبُ الْغُرَّةَ وَتَنْتَهِزُ الْفُرْصَةَ فَلَا دَعْوَةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ دَعْوَتَهُمْ إنْذَارٌ وَتَجْلِيبٌ عَلَيْهِمْ مَعَ مَا فِي الدَّعْوَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَقَدْ قَالَ جُلُّ النَّاسِ
[ ٤ / ٥٤٢ ]
الدَّعْوَةُ بَلَغَتْ جَمِيعَ الْأُمَمِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَبَتْ الدَّعْوَةُ فَإِنَّمَا يُدْعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ جُمْلَةٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يُسْأَلُوا عَنْهَا فَلْتُبَيَّنْ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ يُدْعَوْا إلَى الْجِزْيَةِ مُجْمَلًا بِلَا تَوْقِيفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ إلَّا أَنْ يُسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَيُبَيَّنُ لَهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَجُوزُ تَبْيِيتُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ يُعْطُونَهَا عَامًا بَعْدَ عَامٍ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا بِمَوْضِعٍ، فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَنَالُهُ سُلْطَانُ الْإِسْلَامِ وَحُكْمُهُ قُبِلَتْ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي بُعْدٍ مِنْ سُلْطَانِنَا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إلَّا أَنْ يَنْتَقِلُوا إلَى حَيْثُ سُلْطَانُنَا.
(وَقُتِلُوا إلَّا الْمَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا وَالصَّبِيَّ) لَوْ قَالَ: إلَّا الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ إلَّا فِي مُقَاتِلِهِمَا لَكَانَ أَبْيَنَ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُقْتَلُ كُلُّ مُقَاتِلٍ حَالَ قِتَالِهِ. ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُقْتَلُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ النِّسَاءُ وَلَا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَلَا الرُّهْبَانُ. اللَّخْمِيِّ: إلَّا أَنْ يُعْلَمَ مِنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ فَلْيُقْتَلْ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُقْتَلُ الزُّمَنَاءُ مِنْهُمْ الْمُقْعَدُ وَالْأَعْمَى وَالْأَشَلُّ وَالْأَعْرَجُ وَاَلَّذِي لَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا تَدْبِيرَ وَلَا نِكَايَةَ، وَمَحْمَلُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِمْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى رَأْيِهِمْ وَتَدْبِيرِهِمْ (وَالْمَعْتُوهَ) نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّ الْمَعْتُوهَ وَالْمَجْنُونَ مِنْ الزُّمَنَاءِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَالنَّصْرِ فِي الْأَسْرَى " (كَشَيْخٍ فَانٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْخِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ (وَزَمِنٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يُقْتَلُ الزَّمْنَى (وَأَعْمَى) تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَى مِنْ الزَّمْنَى (وَرَاهِبٍ
[ ٤ / ٥٤٣ ]
مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ) اللَّخْمِيِّ: الرُّهْبَانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ لَا يُعْرَضُ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ. التَّلْقِينُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ أَذًى أَوْ تَدْبِيرًا. ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رُهْبَانَ الْكَنَائِسِ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَسِبَاؤُهُمْ (وَتَرَكَ لَهُمْ الْكِفَايَةَ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُتْرَكُ لِلرُّهْبَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ وَلَا تُؤْخَذُ كُلُّهَا فَيَمُوتُونَ. سَحْنُونَ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِبِ فِيمَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْ الْعَيْشِ وَالْكِسْوَةِ.
(وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ) سَحْنُونَ: مَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ شَيْخٍ هَرَمٍ فَإِنْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَغْنَمِ (كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ) . سَحْنُونَ: إذَا قَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ قَوْمًا لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يَدْعُوهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ يُرِيدُ لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحَكَى هَذَا الْمَازِرِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ (وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ) تَقَدَّمَ قَوْلُ سَحْنُونٍ: مَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِمْ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ فَلْيَسْتَغْفِرْ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
(وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: لَا يُعْرَضُ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ.
اُنْظُرْ الشَّيْخَ الْهَرَمَ هَلْ هُوَ حُرٌّ؟ اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ " وَانْظُرْ إثْرَ قَوْلِهِ: " وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ " (بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُرْمَى حُصُونُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَيُقْطَعَ عَنْهُمْ الْمَيْرَ وَالْمَاءَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ أَوْ ذُرِّيَّةٌ وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِتَحْرِيقِ قُرَاهُمْ وَحُصُونِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا بِالْمَاءِ وَحِرَابَتِهَا وَقَطْعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ [التوبة: ١٢٠] . «وَقَدْ قَطَعَ - ﵇ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَأَحْرَقَهَا» .
سَحْنُونَ: وَأَوَّلُ نَهْيِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ فِيمَا رُجِيَ مَصِيرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ (وَبِنَارٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا انْفَرَدَ أَهْلُ الْحَرْبِ قُوتِلُوا بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ وَهَلْ يُحْرَقُونَ بِالنَّارِ؟ أَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا وَكُنَّا إنْ تَرَكْنَاهُمْ خِفْنَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّا نَحْرُقُهُمْ، وَإِنْ لَمْ نَخَفْ فَهَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُهُمْ إذَا انْفَرَدَ الْمُقَاتِلَةُ وَلَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُمْ إلَّا بِالنَّارِ؟ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ.
ابْنُ رُشْدٍ: الْحُصُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْمُقَاتِلَةُ أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ (وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ أَسْرَى مُسْلِمُونَ فَلَا يُرْمَوْا بِالنَّارِ وَلَا يُغَرَّقُوا. ابْنُ يُونُسَ: لَا خِلَافَ فِي هَذَا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتُلِفَ فِي قَطْعِ الْمَاءِ عَنْهُمْ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَجَانِيقِ، فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحُكْمُ الْمَنْعِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ (وَإِنْ بِسُفُنٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا السُّفُنُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَسْرَى مُسْلِمِينَ جَازَ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَسْرَى مُسْلِمِينَ فَقَالَ أَشْهَبُ: ذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ (وَبِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرِّيَّةٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ
[ ٤ / ٥٤٤ ]
النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالْمَجَانِيقِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَرَّقُوا وَلَا أَنْ يُحَرَّقُوا. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبِنَارٍ " (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا إلَّا لِخَوْفٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ اتَّقَى الْمُحَارِبُونَ بِالذُّرِّيَّةِ تَرَكْنَاهُمْ إلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْ تَرْكِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنُقَاتِلُهُمْ وَإِنْ اتَّقُوا بِالذُّرِّيَّةِ (وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسَ وَلَوْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا فَإِنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْخَوْفِ وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِالصَّفِّ، وَإِنْ تُرِكُوا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَخِيفَ اسْتِئْصَالُ قَاعِدَةِ الْإِسْلَامِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْقُوَّةِ مِنْهُمْ وَجَبَ الدَّفْعُ وَسَقَطَتْ حُرْمَةُ التُّرْسِ انْتَهَى.
(وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ بِالنَّبْلِ الْمَسْمُومِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعَادُ إلَيْنَا. وَكَرِهَ سَحْنُونَ جَعْلَ السُّمِّ فِي قِلَالِ خَمْرٍ لِيَشْرَبَهَا الْعَدُوُّ.
[حُكْمُ الِاسْتِعَانَة بِالْمُشْرِكِينَ]
(وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ لَا لِكَخِدْمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُسْتَعَانُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْقِتَالِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً وَخَدَمَةً. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَارَ مِنْهُمْ السِّلَاحُ انْتَهَى. اُنْظُرْ إنْ كَانَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ الْحَدِيثِ وَفِيهِ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ قَاتِلُوا مَعَنَا أَوْ أَعِيرُونَا سِلَاحَكُمْ» وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ: «لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إنَّمَا كَانَ النَّهْيُ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ. وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ بِمَنْ سَالَمَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَالِمْهُ. وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْمُشْرِكِينَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ. أَبُو عَمْرٍو: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَانَتُهُ - ﷺ - بِيَهُودٍ لِضَرُورَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْغَزْوِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعَهُمْ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ غَزْوُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، فَإِنْ غَزَوْا بِإِذْنِ الْإِمَامِ
[ ٤ / ٥٤٥ ]
أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُنْفَرِدِينَ تُرِكَتْ لَهُمْ غَنِيمَتُهُمْ وَلَمْ تُخَمَّسْ، وَإِنْ غَزَوَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَسْكَرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَكَافِئِينَ أَوْ يَكُونُوا هُمْ الْغَالِبِينَ فَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ تُخَمَّسَ ثُمَّ يُخَمَّسُ سَهْمُ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً.
(وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) . ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ أَنَّ الطَّاغِيَةَ كَتَبَ إلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ مُصْحَفًا يَتَدَبَّرُهُ إلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الدَّعْوَةِ وَهُمْ أَنْجَاسٌ وَأَهْلُ طَعْنَةٍ وَبُغْضٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِنْ طَلَبَك كَافِرٌ أَنْ تُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ فَلَا تَفْعَلْ لِأَنَّهُ جُنُبٌ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: أَجَازَ الْفُقَهَاءُ الْكَتْبَ لَهُمْ بِالْآيَةِ وَنَحْوِهَا فِي الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ بِهَا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَوْعِظَةِ (وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضِهِمْ) رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ خَوْفَ أَنْ يَنَالَهُمْ الْعَدُوُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا يُخْشَى مِنْ اسْتِهْزَائِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ مَا عَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ. سَحْنُونَ: وَلَا فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ خَوْفَ نِسْيَانِهِمْ فَيَنَالُهُ الْعَدُوُّ. اللَّخْمِيِّ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ.
(كَمَرْأَةٍ إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَخْرُجُ بِالنِّسَاءِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ لَا يَخَافُ مِنْ قِبَلِهِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ (وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) . اللَّخْمِيِّ: اعْتِبَارُ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَكُونَ
[ ٤ / ٥٤٦ ]
الْمُسْلِمُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْعَدُوِّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْأَكْثَرُ مِنْ الْقَوْلِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ فَلَا تَفِرُّ الْمِائَةُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ جَلَدًا وَأَكْثَرَ سِلَاحًا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَذَلِكَ فِي الْقُوَّةِ. ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَبَرُ الْعَدَدُ مَعَ تَقَارُبِ الْقُوَّةِ فِي السِّلَاحِ، أَمَّا لَوْ لَقِيَ مِائَةَ غَيْرٍ مُعَدَّةً ضِعْفُهَا مُعَدًّا فَلَا، لِأَنَّ الْوَاحِدَ مُعَدًّا يَعْدِلُ عَشْرَةً غَيْرَ مُعَدِّينَ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا مِنْهُ وَلَوْ فَرَّ إمَامُهُمْ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنَّمَا تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ بِثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ. اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا فَرُّوا لَا يَلْزَمُ مَنْ ثَبَتَ أَنْ يَقِفَ لِأَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِهِ (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) أَنْكَرَ سَحْنُونَ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَفِرُّ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ عَدُوٍّ وَلَوْ كَثُرَ، وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَ إنْكَارَ سَحْنُونٍ أَصْلًا (إلَّا تَحَرُّفًا أَوْ تَحَيُّزًا إنْ خِيفَ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَحِلُّ الْفِرَارُ مِنْ الضِّعْفِ إلَّا انْحِرَافًا لِقِتَالٍ أَوْ تَحَيُّزًا إلَى وَالِي جَيْشِهِ الَّذِي دَخَلَ مَعَهُ وَرُبَّمَا تَكُونُ سَرِيَّةً فَتَنْحَازُ الْمُقَدِّمَةُ إلَى مَنْ خَلْفَهَا مِمَّنْ يَلِيهَا.
وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ رَاوِيًا عَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ الِانْحِيَازُ إلَّا عَنْ خَوْفٍ بَيِّنٍ وَضَعْفٍ مِنْ السُّلْطَانِ، وَلَهُمْ السَّعَةُ أَنْ يَثْبُتُوا لِقِتَالٍ أَكْثَرَ مِنْ الضِّعْفَيْنِ
[ ٤ / ٥٤٧ ]
وَالثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا يَجِدُونَ مُنْصَرِفًا عَنْهُمْ.
(وَالْمُثْلَةُ) . ابْنُ حَبِيبٍ: قَتْلُ الْأَسِيرِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ لَا يُمَثَّلُ بِهِ وَلَا يَعْبَثُ عَلَيْهِ. قِيلَ لِمَالِكٍ: يُضْرَبُ وَسَطُهُ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] لَا خَيْرَ فِي الْعَبَثِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَتْلُ ذِمِّيٍّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ كَقَتْلِ الْأَسِيرِ. وَنَزَلَتْ فِي ذِمِّيٍّ ثَبَتَ بَيْعُهُ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ. الْبَاجِيُّ: لَا يُمَثَّلُ بِالْأَسِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مَثَّلُوا بِالْمُسْلِمِينَ. قِيلَ لِمَالِكٍ: أَيُعَذَّبُ الْأَسِيرُ إنْ رُجِيَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَةِ الْعَدُوِّ؟ وَقَالَ: مَا سَمِعْت بِذَلِكَ (وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ) . سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُ الرُّءُوسِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَلَا حَمْلُهَا إلَى الْوُلَاةِ، وَكَرِهَ أَبُو بَكْرٍ حَمْلَ رَأْسِ الْعُرْفُطِ إلَيْهِ مِنْ الشَّامِ وَقَالَ: هَذَا فِعْلُ الْأَعَاجِمِ.
(وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتَمَنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ) أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي الْأَسِيرِ: إذَا خَلَّوْهُ فِي بِلَادِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَمْلَكَةِ وَالْقُهْرَةِ فَهَرَبَ فَلَهُ أَخْذُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلْيَقْتُلْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَهْرُبُ إنْ اسْتَطَاعَ وَلْيَسْتَرِقَّ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ مَا اسْتَطَاعَ.
قَالَ فِي سَمَاعِ مُوسَى: وَمَا خَرَجَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ خُمُسٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ: وَإِذَا خَلَّوْهُ عَلَى وَجْهِ الِائْتِمَانِ أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يُحْدِثَ شَيْئًا فَلَا يَفْعَلُ وَلَا يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا يَخُنْهُ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا يَهْرُبُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُ إنْ قَدَرَ، وَإِنْ ائْتَمَنُوهُ وَوَثِقُوا بِهِ وَاسْتَخْلَفُوهُ فَهُوَ فِي فُسْحَةٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ أَصْلَ أَمْرِهِ الْإِكْرَاهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي النَّظَرِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُمْ إنْ ائْتَمَنُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَقْتُلَ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ
[ ٤ / ٥٤٨ ]
أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا لِأَنَّ الْمُقَامَ عَلَيْهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ حَرَامٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: " وَلَا خُمُسَ فِيمَا خَرَجَ بِهِ " هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُسَارَى يَغْنَمُونَ مِنْ أَسْرَاهُمْ.
[مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ]
(وَالْغُلُولُ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ (وَأَدَبُ) عَبْدَ الْوَهَّابِ: وَيُعَاقَبُ مَنْ غَلَّ وَلَا يَحْرُمُ سَهْمُهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّهُ بِحُصُولِ سَبَبِهِ مِنْ الْقِتَالِ وَالْحُضُورِ (وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ظَهَرَ عَلَى الْغَالِّ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ أُدِّبَ وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ رُدَّ فِي الْمَغْنَمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ جَاءَ تَائِبًا لَمْ يُؤَدَّبْ. سَحْنُونَ: كَالزِّنْدِيقِ وَالرَّاجِعِ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ فِعْلًا حَرَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِمَا يَأْخُذُونَ مِنْ جُلُودٍ يَعْمَلُونَهَا نِعَالًا وَخِفَاقًا أَوْ لِأَكُفِّهِمْ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ. وَمَنْ نَحَتَ سَرْجًا أَوْ بَرَى سَهْمًا أَوْ صَنَعَ تَخْتًا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ فَهُوَ لَهُ وَلَا يُخَمَّسُ. سَحْنُونَ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا.
قَالَ مَكْحُولٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَصْنُوعًا فَيَدْخُلَ فِي الْمَغَانِمِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. ابْنُ حَبِيبٍ: كُلُّ مَا صَنَعَهُ بِيَدِهِ مِنْ سَرْجٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ قَصْعَةٍ أَوْ قَدَحٍ
[ ٤ / ٥٤٩ ]
وَشَبَهِهِ فَلَهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِمَنْفَعَةٍ أَوْ بَيْعٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ وَإِنْ كَثُرَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ. أَبُو عُمَرَ: كُلُّ مَا كَانَ مُبَاحًا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَأَخْذُهُ جَائِزٌ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: جُلُودُ مَا ذَبَحَهُ الْغُزَاةُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ تُطْرَحُ فِي الْمَغَانِمِ إنْ كَانَ لَهَا ثَمَنٌ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذُوهَا. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهَا، فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفُوا فَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهَا لِشَدِّ قَتَبٍ وَنَحْوِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِمْ إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَمِثْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَإِبْرَةً) . ابْنُ رُشْدٍ: الْإِبْرَةُ إذَا أَخَذَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا مُغْتَالًا لَهَا فَلَيْسَتْ مِنْ الْغُلُولِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَنْ يَرُدَّهَا فِي الْمَغَانِمِ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا. وَحَدِيثُ: «أَدُّوا الْمَخِيطَ» كَلَامٌ خُرِّجَ عَلَى التَّحْذِيرِ عَلَى حَدِّ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» .
(وَطَعَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: سُنَّةُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَيُعْلَفُ مِنْهُ الدَّوَابُّ وَلَا يُسْتَأْمَرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَا غَيْرُهُ وَلَوْ نَهَاهُمْ سُلْطَانٌ عَنْ إصَابَةِ ذَلِكَ ثُمَّ اضْطَرُّوا إلَيْهِ لَكَانَ لَهُمْ أَكْلُهُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا يُخْرِجُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَعَلَ رَدَّهُ فِي الْمَغْنَمِ (وَإِنْ نَعَمًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ أَيْضًا لِمَنْ أَخَذَهَا مِثْلُ الطَّعَامِ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا. «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِنَفَرٍ مِنْ الْعَسْكَرِ أَصَابُوا غَنَمًا كَثِيرَةً: لَوْ أَطْعَمْتُمْ إخْوَانَكُمْ مِنْهَا. قَالَ: فَرَمَيْنَاهُمْ بِشَاةٍ شَاةٍ حَتَّى كَانَ الَّذِي مَعَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَنَا» .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ضَمَّ الْوَالِي مَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْمَغْنَمِ ثُمَّ احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (وَعَلَفًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِتَرُدَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغْنَمِ دَابَّةً يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْكَبُهَا إلَى بَلَدِهِ إنْ احْتَاجَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى الْغَنِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَدْ قُسِمَتْ بَاعَهَا وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجَ إلَى سِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ يَلْبَسُهَا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ حَازَ الْإِمَامُ هَذِهِ الثِّيَابَ أَوْ هَذِهِ الْجُلُودَ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَيْهَا فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا كَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا الْإِمَامُ (وَرَدَّ الْفَضْلَ إنْ كَثُرَ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ) قَالَ مَالِكٌ: إذَا خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ وَمَعَهُ فَضْلَةُ طَعَامٍ أَكَلَهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا وَيَتَصَدَّقُ بِالْكَثِيرِ. اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيُّ: إنَّمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِلَّا رَدَّهُ لِلْقِسْمِ وَنَحْوُ هَذَا لِأَبِي عُمَرَ.
(وَمَضَتْ الْمُبَادَلَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَخَذَ هَذَا عَسَلًا وَهَذَا لَحْمًا وَهَذَا طَعَامًا فَيُبْدِلُونَهُ وَيَمْنَعُ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ حَتَّى يُبَادِلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ الْعَلَفُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فِي هَذَا، وَخَفَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَفِيفٌ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ الْمُوَاسَاةَ فِيهِ بَيْنَهُمْ قَالَ: وَمَنْ جَهِلَ فَبَاعَ بِثَمَنٍ وَاشْتَرَى جِنْسًا آخَرَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ ثَمَنًا انْبَغَى أَنْ يَرْجِعَ مَغْنَمًا بِخِلَافِ الْمُبَادَلَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَخَذَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ
[ ٤ / ٥٥٠ ]
اسْتَغْنَى عَنْهُ فَلْيُعْطِهِ إلَى أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ بَيْعٍ وَلَا قَرْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَقْرَضَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَإِنْ جَهِلَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فَلْيَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَإِنْ جَهِلَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فَلْيَرْجِعْ بِمَا دَفَعَ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ أَفَاتَهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ عَوَّضَ عَنْ صَدَقَةٍ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي عِوَضِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَهُ لِي شَيْءٌ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ. وَصَوَّبَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدْ ذَكَرُوا لِهَذَا نَظَائِرَ.
(وَبِبَلَدِهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ مُسْلِمٌ مِنْ حَرْبِيٍّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ الْحَرْبِيُّ وَقَدْ دَخَلَ بِأَمَانٍ قُطِعَ. وَيُقِيمُ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْحُدُودَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْجَيْشِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَقْوَى عَلَى الْحَقِّ.
(وَتَخْرِيبٌ وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ إنْ أَنْكَى أَوْ لَمْ تُرْجَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ.
وَرُوِيَ إنَّهُمْ لَمَّا قَطَعُوا بَعْضًا وَتَرَكُوا بَعْضًا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: هَلْ لَهُمْ أَجْرٌ فِيمَا قَطَعُوا وَهَلْ عَلَيْهِمْ وِزْرٌ فِيمَا تَرَكُوا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: ٥] . فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى إبَاحَةِ الْقَطْعِ وَأَنْ لَا حَرَجَ فِي التَّرْكِ. وَتَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَطْعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْكِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إذْلَالِ الْعَدُوِّ وَإِصْغَارِهِمْ وَنِكَايَتِهِمْ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا﴾ [التوبة: ١٢٠] إلَّا أَنْ يَكُونَ بَلَدًا يُرْجَى أَنْ يَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ التَّوَقُّفُ عَنْ الْقَطْعِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ أَفْضَلَ بِدَلِيلِ نَهْيِ أَبِي بَكْرٍ أُمَرَاءَ جُيُوشِهِ إلَى الشَّامِ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتِحُونَهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «وَتُفْتَحُ الشَّامُ» إلَى قَوْلِهِ: «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، وَلِحَضِّهِ - ﷺ - عَلَى الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
(وَوَطْءُ أَسِيرٍ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً سَبْيًا) . ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمَأْسُورَتَيْنِ مَعَهُ إنْ أَمِنَ مِنْ وَطْئِهِمَا الْعَدُوَّ، وَإِنَّمَا أَكْرَهَهُ خَوْفُ بَقَاءِ ذُرِّيَّتِهِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ. وَلَوْ تَرَكَ وَطْءَ الْأَمَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ مَلَكَهَا مِلْكًا لَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا لَمْ تُنْزَعْ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَمْرُ فِي وَطْءِ الْحُرَّةِ عَلَى مَا قَالَ بِاتِّفَاقٍ.
(وَذَبْحُ حَيَوَانٍ وَعَرْقَبَتُهُ) قَالَ مَالِكٌ: مَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ النُّفُوذِ بِهِ مِنْ بِلَادِهِمْ مِنْ مَاشِيَةٍ وَدَوَابَّ وَمَتَاعٍ مِمَّا غَنِمُوا أَوْ كَانَ مَتَاعُهُمْ أَوْ قَامَ عَلَيْهِمْ مِنْ دَوَابِّهِمْ فَلْيُعَرْقِبُوا الدَّوَابَّ وَيَذْبَحُونَهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُتْرَكُ لِلْعَدُوِّ لِيَنْتَفِعَ بِهَا وَأَمَّا الْمَتَاعُ وَالسِّلَاحُ فَإِنَّهَا تُحَرَّقُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الدَّوَابِّ أَنَّهَا تُحْرَقُ بَعْدَمَا عُرْقِبَتْ. اللَّخْمِيِّ: إلَّا أَنْ يَخْشَى إدْرَاكَهَا الْعَدُوُّ قَبْلَ فَسَادِهَا. الْبَاجِيُّ إنْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ فَالصَّوَابُ حَرْقُهَا (وَأَجْهَزَ عَلَيْهِمْ) ابْنُ الْقَاسِمِ: تُعْقَرُ بَقَرُهُمْ وَغَنَمُهُمْ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهَا. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ أَنَّهَا تُعْقَرُ بِالْإِجْهَازِ عَلَيْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ تُحْرَقُ إنْ خَشَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا الْعَدُوُّ بَعْدَ عَقْرِهَا وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا يَتَقَوَّوْنَ بِهَا.
(وَفِي النَّحْلِ إنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايَتَانِ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: يُكْرَهُ
[ ٤ / ٥٥١ ]
تَحْرِيقُ النَّحْلِ وَتَغْرِيقُهَا لِنَهْيِهِ - ﷺ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى دِيَارِنَا كَحَمَامِ الْأَبْرِجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَكْثُرُ نَفْعُهُمْ بِهَا وَيُؤْذِيهِمْ تَلَفُهَا جَازَ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْخَيْلِ وَالْأَنْعَامِ. انْتَهَى نَقْلُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لِطَالِبِ عَسَلِهَا تَغْرِيقُهَا لِخَوْفِ لَدْغِهَا (وَحُرِقَ إنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ بِهَذَا (كَمَتَاعٍ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: مَا عَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ حَمْلِهِ مِنْ الْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ وَلَمْ يَجِدْ بِهِ ثَمَنًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِمَنْ شَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْخُذُهُ فَلْيُحْرِقْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُقْهُ ثُمَّ حَمَلَهُ أَحَدٌ فَلَا خُمُسَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا قَسْمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْطَاهُ لَهُ الْإِمَامُ. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ".
(وَجُعْلُ الدِّيوَانِ) اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ أَنْ لَا يَأْخُذَ عَلَيْهِ أَجْرًا، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتُبَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ وَالْعَطَاءِ لَمْ يُمْنَعْ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: أَوْقَفَ عُمَرُ - ﵁ - الْفَيْءَ وَخَرَاجَ الْأَرَضِينَ لِلْمُجَاهِدِينَ، فَفَرَضَ مِنْهُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَالْعِيَالِ وَالذُّرِّيَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ، فَمَنْ افْتَرَضَ فِيهِ وَنِيَّتُهُ الْجِهَادُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: أَصْحَابُ الْعَطَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ لِمَا يُرَوَّعُونَ.
قَالَ مَكْحُولٌ: رَوْعَاتُ الْبُعُوثِ تَقِي رَوْعَاتِ الْقِيَامَةِ (وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ إنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْجَعَالَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْجِهَادِ جَائِزَةٌ يَجْعَلُ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْعَبِيدِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أُرِيدُ الْغَزْوَ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي قُلْت: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيَّ قَالَ: إنَّ
[ ٤ / ٥٥٢ ]
غِنَاك لَك وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ» .
(وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالتَّكْبِيرِ فِي الرِّبَاطِ وَالْحَرَسِ عَلَى الْبَحْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنْكَرَ التَّطْرِيبَ.
(وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ) سَحْنُونَ: إنْ أُمِّنَ حَرْبِيٌّ بَانَ أَنَّهُ عَيْنٌ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ اسْتِرْقَاقُهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ عَلِمَ مِنْ ذِمِّيٍّ عِنْدَنَا أَنَّهُ عَيْنٌ لَهُمْ يُكَاتِبُهُمْ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا عَهْدَ لَهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُقْتَلُ نَكَالًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ (وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجَاسُوسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُؤْخَذُ وَقَدْ كَاتِب الرُّومَ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ وَأَرَى فِيهِ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَحْسَنُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ أَضَرُّ مِنْ الْمُحَارِبِ.
(وَقَبُولُ الْإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ) سَحْنُونَ: لَا بَأْسَ بِقَبُولِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَهْدَى إلَيْهِ أَمِيرُ الرُّومِ وَتَكُونُ لَهُ خَاصَّةً (وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَتِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ عَلِمَ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْإِمَامِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إنَّمَا هِيَ لِقَرَابَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ كُوفِئَ فَأَرَاهَا لَهُ خَاصَّةً (وَفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ أَنَّهُ إذَا أَتَتْ الْأَمِيرَ الْهَدِيَّةُ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ أَنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَمَّا إذَا أَتَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ وَهُوَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ أَوْ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا تَكُونُ لِلْجَيْشِ يُرِيدُ غَنِيمَةً لَهُمْ وَتَخْمِيسٌ. وَقِيلَ: إنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِزْيَةِ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ مِنْ الْجَيْشِ تَأْتِيهِ الْهَدِيَّةُ فَقَالَ: هِيَ لَهُ خَاصَّةً لَا شَكَّ فِيهِ. سَحْنُونَ: وَأَمِيرُ الطَّائِفَةِ فِي قَبُولِ
[ ٤ / ٥٥٣ ]
الْهَدِيَّةِ وَاخْتِصَاصِهِ بِهَا كَأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ الرُّومُ فِي مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ وَإِلَّا فَهِيَ رِشْوَةٌ لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا (وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَرَازِنَةِ: وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ لَا يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي التُّرْكِ مِثْلُ ذَلِكَ فَأَبَاحَا قِتَالَهُمْ إذَا دُعُوا فَأَبَوْا. وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ: لَا يُقَاتَلُ الْحَبَشَةُ إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَكَذَلِكَ التُّرْكُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَغْزُونَ الرُّومَ وَغَيْرَهُمْ وَتَرَكُوا الْحَبَشَةَ وَمَا أَرَاهُمْ تَرَكُوا قِتَالَهُمْ إلَّا لِأَمْرٍ (وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ) تَقَدَّمَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ (وَبَعْثُ كِتَابٍ فِيهِ كَالْآيَةِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ عِيَاضٍ هَذَا عَنْ الْفُقَهَاءِ (وَإِقْدَامُ رَجُلٍ عَلَى كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: حَمَلَ رَجُلٌ أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ عَلَى جَيْشِهِ خَوْفَ الْأَسْرِ خَفِيفٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْسِرَ اتِّفَاقًا وَحَمْلُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ مِنْ الْجَيْشِ الْكَثِيفِ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ لِلسُّمْعَةِ وَالشَّجَاعَةِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّوَابُ حُرْمَتُهُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَحَمْلُهُ مُحْتَسِبًا بِنَفْسِهِ لِيُقَوِّيَ نُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَيُلْقِيَ بِهِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَاسْتَحَبَّهُ لِمَنْ كَانَتْ بِهِ قُوَّةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَعَلَ ذَلِكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -.
وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ
[ ٤ / ٥٥٤ ]
وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو لِلْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. وَرَوَى عَلِيٌّ: إنْ لَقِيَتْ سَرِيَّةٌ أَضْعَافَهُمْ فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْكَوْا الْعَدُوَّ فَلَا يَلْقَوْهُ لِئَلَّا يَسْتَأْسِرَ بِقَتْلِهِمْ.
(وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَحْرَقَ الْعَدُوُّ سَفِينَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ مَوْتٍ إلَى مَوْتٍ. ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَفِعْلَهُ جَائِزٌ (وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي صُورَةٍ يَخَافُ فِيهَا مِنْ الْقَتْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا، فَإِنْ رَجَا السَّلَامَةَ فَالِانْتِقَالُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَا السَّلَامَةَ بِالْبَقَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَلِمَا نَقَلَ اللَّخْمِيِّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَوْتِ وَلَا يَفِرَّ لِلْأَسْرِ قَالَ: هَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ اُنْظُرْهُ فِيهِ (أَوْ طُولَهَا) اُنْظُرْ ابْنَ بَشِيرٍ.
(كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى بِقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) ابْنُ رُشْدٍ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْسِرَ وَيَسْتَعْبِدَ، وَإِمَّا أَنْ يُعْتِقَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ الْفِدَاءَ، وَإِمَّا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الذِّمَّةَ وَيَضْرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلَى الْحُكْمِ فِيهِمْ بِالْهَوَى وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى
[ ٤ / ٥٥٥ ]
جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ. فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالنِّكَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَحْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُ وَلَهُ قِيمَةٌ اسْتَرَقَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ قَبِلَ فِيهِ الْفِدَاءَ إنْ بُذِلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَا فِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَعْتَقَهُ كَالضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا قِتَالَ عِنْدَهُمْ وَلَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا تَدْبِيرَ. فَمِنْ الضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يُقْتَلُونَ الْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ وَالْيَابِسُ الشَّقَّ بِاتِّفَاقٍ. وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ عَلَى اخْتِلَافٍ. وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ السَّهْمُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَفِي جَوَازِ إعْطَائِهِمْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَفِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَقَدَ لَهُ الذِّمَّةَ وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ مُخَالَفَةَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَبْذُلَ الْفَارِسُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ فِي نَفْسِهِ الْمَالَ الْوَاسِعَ الْكَثِيرَ فَيَرَى الْإِمَامُ أَخْذَهُ أَوْلَى مِنْ قَتْلِهِ.
(وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَرُقَّ إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيٌّ أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ إلَيْنَا لَمْ تَزُلْ عِصْمَتُهُ عَنْ نِسَائِهِ وَهُوَ عَلَى نِكَاحِهِ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهِمْ وَافْتِرَاقُ الدَّارَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَمِنْ اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَرْبِيِّ: ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ: أَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ ثُمَّ غَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَأَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هَاهُنَا أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ إلَيْنَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالْقَوْلُ أَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ لَهُ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ وَطْءٍ كَانَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يُسْتَرَقَّ قَوْلًا وَاحِدًا. وَكَذَلِكَ لَوْ سُبِيَتْ زَوْجَتُهُ بِحَمْلٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَهُوَ إذَنْ وَلَدُهُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا زَوْجَتُهُ فَفَيْءٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْكُفْرُ وَالرِّقُّ وَالزَّوْجِيَّةُ إلَّا إنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ عَتَقَتْ فَإِنَّهَا تَبْقَى زَوْجَةً.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ حَامِلًا مِنْ مُسْلِمٍ لَكِنْ لَا يُرَقَّ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ سُبِيَتْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَالْحَمْلُ فَيْءٌ. وَانْظُرْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمَ أَمْوَالِ الْمُدْجِنِينَ. هَلْ هِيَ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ؟ وَانْظُرْ هُنَاكَ أَيْضًا الْحُرَّةَ يَأْسِرُهَا الْعَدُوُّ فَتَلِدُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادَهَا، وَانْظُرْ مَالَ مَنْ مَاتَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ وَغَاصِبُ مَتْرُوكِهِ مُدْجِنٌ بِأَرْضِ
[ ٤ / ٥٥٦ ]
الشِّرْكِ.
[بَابٌ مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ]
(وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ. ابْنُ سَحْنُونٍ: لَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ حِصْنٍ: مَنْ فَتَحَ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ. فَفَتَحَهُ عِشْرُونَ مَعًا فَهُمْ آمِنُونَ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حِصْنٍ حُوصِرَ غَيْرُ أَمِيرِهِ نَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلَى قَرَابَتِي أَوْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي أَوْ حِصْنِي دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْأَمَانِ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ. وَفِي أَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى كَذَا يَدْخُلُ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ لِأَنَّ " أَفْتَحُ " دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ النَّاسِ فَقَطْ.
" وَفِي " أَفْتَحُ لَكُمْ " عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ " مِنْ كَذَا لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَالُهُ فَيْءٌ (وَبِأَمَانِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَمَانَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى حُكْمِ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي دُونَ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
اللَّخْمِيِّ: فَمَا عَقَدَهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ الْأَمَانِ جَازَ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَ لَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ الْقَتْلِ خَاصَّةً وَيَسْتَرِقَّهُمْ أَوْ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَلَا يَسْتَرِقَّهُمْ وَعَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ خَاصَّةً وَلَا يَعْرِضَ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى عَقْدٍ، جَائِزٌ لَازِمٌ (كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ) ابْنُ شَاسٍ: يَجِبُ عَلَى الْمُبَارِزِ مَعَ قَرْنِهِ الْوَفَاءَ بِشَرْطِهِ.
الْبَاجِيُّ: فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَتْلُ فَأَجَازَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ الْمُشْرِكُ وَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ عَهْدٌ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي تَرْكُ الدَّفْعِ عَنْهُ لِأَنَّ الْعِلْجَ لَوْ أَسَرَهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَنْقِذَهُ إذَا قَدَرْنَا.
انْتَهَى مَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى دُونَ نَقْلِ الْخِلَافِ. وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَوَثِقَ بِنَفْسِهِ خَوْفَ إدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَى النَّاسِ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَارِزَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ إذْ قَدْ يَنْهَاهُ عَنْ غُرَّةٍ قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُ فَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، فَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أُمِرَ بِشَيْءٍ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لِلْإِمَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْغَزْوِ فَوَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِمَعْصِيَةٍ (وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ لِإِعَانَةِ الْكَافِرِ بِاسْتِنْجَادِهِ قَتَلْنَاهُ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ.
الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ: اسْتَنْجَدَنِي فَأَنْجَدْته أَيْ اسْتَعَانَ بِي فَأَعَنْته (وَلَمِنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إذَا فَرَغَ
[ ٤ / ٥٥٧ ]
مِنْ قِرْنِهِ الْإِعَانَةُ) سَحْنُونَ: لَوْ بَارَزَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِثْلَهُمْ جَازَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ فَرَغَ مِنْ مُبَارَزَةِ أَصْحَابِهِ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ يَوْمَ بَدْرٍ (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ) سَحْنُونَ: صَحَّ النَّهْيُ عَنْ إنْزَالِ الْعَدُوِّ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَأَنْزَلَهُمْ عَلَيْهِ رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ وَلْيُنْزِلْهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِهِ لَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ وَلَوْ طَلَبُوهُ بِأَنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ. وَلَوْ حَكَمَ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا عَدْلًا نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَرُدَّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا تَعَقَّبْ الْإِمَامُ حُكْمَهُ إنْ رَآهُ الْإِمَامُ حَسَنًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا حَكَمَ بِمَا يَرَاهُ نَظَرًا وَلَا يَرُدُّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ. وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ رُدُّوا أَيْضًا لِمَأْمَنِهِمْ.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
(كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْرَفَ عَلَى أَخْذِ حِصْنٍ وَتَيَقَّنَ أَخْذَهُ فَأَمَّنَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ (وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ يَمْضِي مِنْ مُؤَمِّنٍ مُمَيِّزٍ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ رِقًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ لَا ذِمِّيًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ تَأْوِيلَانِ) اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَاحِدًا مِنْ الْحِصْنِ. فَإِنْ فَعَلَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَمْضِي تَأْمِينُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، فَإِذَا أَعْطَى أَمَانًا فَهُوَ كَأَمَانِ الْإِمَامِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الْأَمَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ. ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ الْغَيْرِ خِلَافًا وَغَيْرَهُ وِفَاقًا.
وَعَزَا أَبُو عُمَرَ قَوْلَ الْغَيْرِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ قَالَ: وَهُوَ شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى.
قَالَ يَحْيَى: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ نَاسٍ مِنْ الْعَدُوِّ كَانُوا خَرَجُوا إلَى رَجُلٍ كَانَ فِي الثَّغْرِ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ لِلْإِمَامِ وَكَانَ يَلِي مَدِينَةً مِنْ الثَّغْرِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا فَأَعْطَاهُمْ عَهْدًا فَأَمِنُوا بِذَلِكَ
[ ٤ / ٥٥٩ ]
عِنْدَهُ، هَلْ يُسْتَحَلُّونَ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ وَقَبِلُوا عَهْدَهُ وَقَدْ عَلِمُوا خِلَافَهُ لِلْإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَلَا ذَرَارِيُّهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ لِأَحَدٍ، لِأَنَّ عَهْدَهُ عَهْدٌ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْقِدُ لَهُمْ أَمَانًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: إنَّ عَهْدَهُ لَا يُمْضِيهِ الْوَالِي فَارْجِعُوا إلَى مَأْمَنِكُمْ، فَإِذَا رُدُّوا إلَى أَرْضِهِمْ عَادُوا إلَى حَالِهِمْ الْأَوَّلِ فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا هُمْ.
قُلْت: فَإِنْ اخْتَارُوا الْإِقَامَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ قَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ رَدَّهُمْ إذَا رَضُوا بِالْجِزْيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " إنَّهُمْ يَحْرُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَهْدِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ الْمُخَالِفُ عَلَى الْإِمَامِ " صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» وَذَلِكَ مَا لَمْ يُغِيرُوا بَعْدَ مُعَاهَدَتِهِمْ إيَّاهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَمَانَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ بِأَمَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ. وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَطَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ الْعَدُوُّ: لِلْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ أَعْطِنَا الْأَمَانَ فَأَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ فَقَالَ: إذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ. وَقَوْلُ الْأَسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ.
مُحَمَّدٌ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَسَقَطَ الْقَتْلُ) اللَّخْمِيِّ: مُتَعَلَّقُ الْأَمَانِ فِي
[ ٤ / ٥٦٠ ]
الْأَسِيرِ عَدَمُ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ أَمَانًا لِمَنْ فِي حِصْنٍ كَانَ لَا يُبَاحُ بِقَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَبِينَ أَنَّهُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْمَالِ (وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التَّأْمِينُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفَتْحُ وَمَا دَامَ الَّذِي أَمِنَ مُتَمَنِّعًا.
وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَتْحُ وَصَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَمَّنَهُ الْأَمِيرُ صَحَّ تَأْمِينُهُ، وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ فَهَلْ يَصِحُّ تَأْمِينُهُ فَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْقَتْلِ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْأَسْرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ «- ﷺ - قَالَ لِأُمِّ هَانِئٍ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ» . وَكَانَتْ إجَارَتُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَعَزَا اللَّخْمِيِّ هَذَا لِابْنِ الْمَوَّازِ.
الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ صِيَانَةُ دَمِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ أَمَّنَهُ قَتْلُهُ وَالْإِمَامُ يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ إنْ رَأَى قَتْلَهُ أَصْلَحَ قَتَلَهُ وَهَذَا أَحْسَنُ، إذْ لَوْ كَانَتْ إجَارَةُ أُمِّ هَانِئٍ لَازِمَةً لَمْ يَقُلْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: إنَّمَا تَمَّ أَمَانُهَا بِإِجَارَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - (بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَصِحُّ التَّأْمِينُ بِكُلِّ مَا يُفْهَمُ بِهِ ذَلِكَ كَانَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِالْعَجَمِيِّ، نُطْقًا أَوْ إشَارَةً (إنْ لَمْ يَضُرَّ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمَضَرَّةِ.
(وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أَوْ جُهِلَ إسْلَامُهُ لَا إمْضَاؤُهُ أَمْضَى أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ يَظُنُّ الْأَمَانَ فَيَجِيءُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَرْكَبٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوا مَرْكَبَ عَدُوِّهِمْ يَوْمَهُمْ فَطَلَبَ الْعَدُوُّ الْأَمَانَ فَنَشَرَ الْمُسْلِمُونَ الْمُصْحَفَ وَحَلَفُوا بِمَا فِيهِ لَنَقْتُلَنَّكُمْ،
[ ٤ / ٥٦١ ]
فَظَنَّهُ الْعَدُوُّ أَمَانًا فَاسْتَسْلَمُوا ثُمَّ طَلَبُوا بَيْعَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَبُوا مَرْكَبًا لِلْعَدُوِّ فَصَاحُوا بِهِ: اُرْخُ قَلْعَك فَأَرْخَاهَا، هُوَ أَمَانٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِمْ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ أَمَّنَ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ نَهَى عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّنَ أَحَدًا غَيْرَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنْ أَمَّنَ أَحَدٌ أَحَدًا قَبْلَ نَهْيِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ، إمَّا أَمَّنَهُ أَوْ رَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: إذَا نُهِيتُمْ عَنْ الْأَمَانِ فَأَمَّنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَاسِيًا أَوْ عَاصِيًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ جَاهِلًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُقِيمَ فِيكُمْ فَيَكُونَ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْجِزْيَةِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَوْ جُهِلَ كُفْرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " لَا إمْضَاؤُهُ " فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا أَمَانَ لِذِمِّيٍّ، فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ لَهُ جِوَارًا بِمَكَانِ الذِّمَّةِ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ. اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ يُرَدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ (وَإِنْ أَخَذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ أَوْ بَيْنَهُمَا رُدَّ لِمَأْمَنِهِ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فَعَلَيْهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخَذَ الرُّومِيُّ بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَيْنَا فَيَقُولُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ فَقَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ وَأَرَى رَدَّهُ لِمَأْمَنِهِ.
قِيلَ: فَمَنْ أَخَذَ حَرْبِيًّا دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ دُونَ أَمَانٍ. أَيَكُونُ لَهُ أَمْ فَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وُجِدُوا بِسَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ تُجَّارٌ: لَا يُصَدَّقُونَ وَلَيْسُوا لِمَنْ وَجَدَهُمْ وَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ. قُلْت: إنْ نَزَلَ تَاجِرٌ دُونَ أَمَانٍ وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ؟ قَالَ: هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ أَوَّلًا. أَمَّا قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ رُدَّ لِمَأْمَنِهِ ".
ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مَوَاضِعَ بَيْنَ أَرْضِهِمْ أَوْ أَرْضِنَا فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلَانِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَانَ آمِنًا وَلَمْ يُسْتَرَقَّ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ رَقِيقًا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا عَلَى كَذِبِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ رَأَى مَرَّةً أَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا رَقِيقًا بِنَفْسِ الْأَخْذِ يَدَّعِي وَجْهًا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَرَأَى مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ صَدَقَ وَلَا يُسْتَرَقُّ بِشَكٍّ وَهُوَ أَحْسَنُ.
فَإِنْ قَالَ: جِئْتُ رَسُولًا وَمَعَهُ مُكَاتَبَةٌ أَوْ جِئْتُ لِفِدَاءٍ وَلَهُ مَنْ يَفْدِيهِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ (وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَلَ تُجَّارُهُمْ بِأَمَانٍ فَبَاعُوا وَانْصَرَفُوا فَأَيْنَمَا رَمَتْهُمْ الرِّيحُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَالْأَمَانُ لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تَجْرِهِمْ حَتَّى
[ ٤ / ٥٦٢ ]
يَرِدُوا بِلَادَهُمْ.
(وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ مَاتَ عِنْدَنَا وَقَدْ كَانَ اسْتَأْمَنَ عَلَى رُجُوعِهِ بِانْقِضَاءِ أَرَبِهِ فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَفِي رَدِّهِ لِوَارِثِهِ أَوْ لِحُكَّامِهِمْ قَوْلَانِ. وَلَعَلَّهُ خِلَافٌ فِي حَالِ إنْ انْتَقِلْ لَنَا حَقِيقَةُ تَوْرِيثِهِمْ دُفِعَ لِوَارِثِهِمْ وَإِلَّا فَلِحَاكِمِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ مَالُهُ لِوَارِثِهِ وَدِيَتُهُ لِحَاكِمِهِمْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ فَتُدْفَعُ دِيَتُهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَيُعْتِقُ قَاتِلُهُ رَقَبَةً. وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَدِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إذَا كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى الْمُقَامِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ فَإِنَّ مَا تَرَكَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَقَالَ فِيهِ: وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَمِيرَاثُهُ إنْ مَاتَ رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ إلَّا أَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا يُرَدُّ مِيرَاثُهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ وَلَا ذَكَرُوا رُجُوعًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
(وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ كَوَدِيعَتِهِ وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلَانِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا مَالًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَمَاتَ فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ فِي مُحَارَبَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا نَبْعَثُ بِمَالِهِ الَّذِي لَهُ عِنْدَنَا، وَأَمَّا لَوْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ صَارَ مَالُهُ فَيْئًا لِمَنْ أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا رَقَبَتَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ قُتِلَ بَعْدَ أَنْ أُسِرَ قَالَ: وَأَمَّا إنْ
[ ٤ / ٥٦٣ ]
قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَهِيَ فَيْءٌ لَا خُمُسَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْأَسِيرَ إذَا بِيعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْأَسْرِ يَكُونُ الْمَالُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ مُسْتَوْدَعًا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: مَعْنَاهُ يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ فَيُخَمَّسُ وَتَجْرِي فِيهِ السِّهَامُ فَهُوَ كَمَا أَصَابُوا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْجَيْشِ بِخِلَافِ مَا غُنِمَ مَعَهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يُؤْسَرْ فَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ إذَا مَاتَ بِأَرْضِهِ فَيُرَدُّ الْمَالُ الْمُسْتَوْدَعُ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُخَمَّسُ. وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ.
(وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ مَا أَحْرَزُوا مِنْ مَتَاعِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَأَتَوْا بِهِ لِيَبِيعُوهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَاسْتَحَبَّ غَيْرُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذَهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ. ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَتْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ صَارَتْ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ مَصِيرُهَا إلَيْهِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِمُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ صَاحِبُهُ حَتَّى بَاعَهُ مَنْ أَخَذَهُ فَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِمُعَاوَضَةٍ فَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِرَبِّهِ نَقْضُ الْبَيْعِ؟ قَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ النَّقْضُ فَلَهُ الثَّمَنُ وَإِنْ قَدِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فِي أَيْدِيهمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ أَرْبَابِهَا شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ. وَهَذَا عَلَى الْخِلَافِ، هَلْ يَكُونُ أَرْبَابُهَا أَحَقَّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَمْ لَا؟ فَعَلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهَا يُسْتَحَبُّ شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ لِيَتَوَصَّلَ أَرْبَابُهَا إنْ شَاءُوا، وَهَذَا قِيَاسُ مَا اشْتَرَى مِنْهُمْ بِأَرْضِهِمْ. فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِأَرْبَابِهَا أَخْذُهَا. قَوْلَانِ (وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مَالُ الْمُسْلِمِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِيهِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا أُحِبُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ
[ ٤ / ٥٦٤ ]
يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُ سَيِّدُهُ عَلَى حَالٍ. وَاَلَّذِي يُشْبِهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَفِي الْهِبَةِ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ هُوَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ.
(وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ) يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ سَرَقَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَمْوَالَنَا وَعَبِيدًا وَكَتَمُوا ذَلِكَ حَتَّى حَارَبُوا ثُمَّ صُولِحُوا عَلَى أَنْ رَجَعُوا إلَى حَالِهِمْ مِنْ غُرْمِ الْجِزْيَةِ لَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ شَيْءٌ. وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي النَّفْرِ مِنْ الْعَدُوِّ يَنْزِلُونَ بِأَمَانٍ فَإِذَا فَرَغُوا سَرَقُوا عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ الْأَحْرَارِ ثُمَّ رَجَعُوا وَهُمْ مَعَهُمْ فَنَزَلُوا عَلَى أَمَانٍ وَلَمْ يَعْرِفُوا فَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهُمْ قَالَ: لَا يُتْرَكُوا. وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا لَوْ نَزَلُوا بِأَمَانٍ فَدَايَنُوا الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ هَرَبُوا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا فَنَزَلُوا بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الدُّيُونِ. ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَأَرَى أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُمْ. وَلَا يُتْبِعُوا بِمَا دَايَنُوا عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْأَمَانَ شَدِيدٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُنْزِلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلَ أَنْفَذَ لَهُمْ الشَّرْطَ وَلَمْ يَنْتَزِعْ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَنَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ يَقْدُمُونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَيَشْتَرِطُونَ أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِمْ إلَّا مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَنَّ لَهُمْ شَرْطَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتِلَافُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَاخِلٌ فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَا يُتْرَكَ لَهُمْ لَا سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا حَارَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلَى غُرْمِ
[ ٤ / ٥٦٥ ]
الْجِزْيَةِ. اُنْظُرْ السَّمَّاعَيْنِ فَفِيهِمَا طُولٌ.
(لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مُسْلِمُونَ أَحْرَارٌ أَوْ عَبِيدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِمْ إنْ أَحَبَّ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُعْطَى فِي كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ فِي الْقِيمَةِ وَيُنْتَزَعُ مِنْهُ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمَةِ يُرِيدُ بِخِلَافِ الذَّكَرِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ. وَقَالَ: إذَا عَاقَدَ الْأَمَانَ عَلَى شَرْطِ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ يُوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ وَلَا يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ فِي النِّسَاءِ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ» وَلَمْ يَمْضِ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
وَفَرَّقَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا نَزَلَ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَأَسْلَمَ رَقِيقُهُمْ أَوْ قَدِمُوا بِهِمْ مُسْلِمِينَ فَلَا يُمْنَعُوا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ إذَا أَدَّوْا مَا رَضُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ كُنَّ إمَاءً لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ وَطْئِهِنَّ.
وَلَقَدْ أَنْكَرَ رَجُلٌ عَلَى مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ مَالِكٌ: أَلَمِ تَعْلَمْ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ فَهَرَبَ أَبُو جَنْدَلٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَطَلَبَهُ أَبُوهُ مِنْ مَكَّةَ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: إنَّا لَا نَخْفِرُ بِالْعَهْدِ» .
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ حُجَّةُ الْحَرْبِيِّ أَنْ يَقُولَ: عَهْدِي لَا يُنْقَضُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُفْعَلُ بِالذِّمِّيِّ ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ فَلْتُؤْخَذْ مِنْهُمْ وَيُعْطُوا قِيمَتَهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ رَقِيقٍ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَحْرَارِ ذِمَّتِنَا مِمَّنْ أَخَذُوهُ. وَأَسَرُوهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَلَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ.
وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ. وَانْفَرَدَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيمَا أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِهِمْ أَوْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ وَلَا يُعْجِبُنِي.
(وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ
[ ٤ / ٥٦٦ ]
لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شُبْهَةَ مِلْكٍ عَلَى مَا حَازَهُ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ اسْتَهْلَكَ فِي حَالِ شِرْكِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُسْلِمٌ عَلَى صَاحِبِهِ لَضَمِنَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ إنْ كَانَ مُتَمَوِّلًا فَلَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَابْنُ الْقَاسِمِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُنْزَعُ مِنْهُ مَجَّانًا. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا. ابْنُ بَشِيرٍ: عَلَى الْمَشْهُورِ (وَفُدِيَتْ أُمُّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَرْبَابِهِ مَا لَمْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَتُرَدُّ أُمُّ الْوَلَدِ إلَى سَيِّدِهَا وَيَتْبَعُهُ بِقِيمَتِهَا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَتَكُونُ لَهُ كِتَابَتُهُ وَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ رَقِيقًا لِهَذَا الْحَرْبِيِّ، وَإِنْ أَدَّى كَانَ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ وَالْمُدَبَّرُ يَخْتَدِمُهُ وَيُؤَاجِرُهُ مَا دَامَ سَيِّدُهُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ وَحَمَلَهُ ثُلُثُهُ كَانَ حُرًّا. سَحْنُونَ: وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَإِنْ رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَا رَقَّ مِنْهُ لِلْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ (وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ) . سَحْنُونَ: الْمَعْتُوقُ لِأَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ كَانَ لَهُ خِدْمَتُهُ إلَى الْأَجَلِ دُونَ سَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ بِتَمَامِ الْأَجَلِ لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَلَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَنْصُوصُ فِي أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ نَزْعُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ تُفْدَى وَالْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُ كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بَعْدُ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا قَوْلَ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ يُنْزَعُ مَجَّانًا، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الْمُدَبَّرِ لَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ.
(وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إذَا وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْمَغْنَمِ حُدَّ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَلِكَ
[ ٤ / ٥٦٧ ]
يُقْطَعُ إنْ سَرَقَ مِنْهُ. اُنْظُرْ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْغَنِيمَةِ " (وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) . ابْنُ شَاسٍ: أَرَاضِي الْكُفَّارِ الْمَأْخُوذَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا وَعَنْوَةً تَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْعُمَّالِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَلَا تُقْسَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَرَاضِيِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَكَذَلِكَ دُورُ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. اللَّخْمِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَكَّةَ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَنْ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَاخْتُلِفَ فِي كِرَاءِ دُورِهَا وَبَيْعِهَا فَمَنَعَهَا مَالِكٌ مَرَّةً ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُمَا فَإِنْ وَقَعَا لَمْ يُفْسَخَا. اللَّخْمِيِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنْ قُسِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ وَلَا يُنْقَضُ. (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ غَنِيمَةٌ وَمُخْتَصٌّ وَفَيْءٌ. فَالْغَنِيمَةُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ وَلَازَمَهُ تَخْمِيسُهُ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ: مَا أُخِذَ
[ ٤ / ٥٦٨ ]
مِنْ حَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ كَمَا بِقُرْبِ قُرَاهُمْ كَمَا قُوتِلَ عَلَيْهِ.
(فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ لِآلِهِ - ﷺ - ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْفَيْءُ مَا سِوَى الْغَنِيمَةِ وَالْمُخْتَصُّ فِيهَا خَرَاجُ الْأَرَضِينَ وَالْجِزْيَةُ وَمَا اُفْتُتِحَ مِنْ أَرْضٍ بِصُلْحٍ وَخُمُسِ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازٍ فَيْءٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ وَتُجَّارِ الذِّمِّيِّينَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْخُمُسُ وَالْفَيْءُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ. - ﷺ - مِنْهُ بِقَدْرِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا كَثُرَ الْمَالُ دَوَّنَ عُمَرَ لِلْعَطَاءِ دِيوَانًا فَاضَلَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ: ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ. اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ مِنْهُ بِسَدِّ مَخَاوِفِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ وَإِصْلَاحِ حُصُونِ سَوَاحِلِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَغُزَاةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَعَامِلِيهِ وَفُقَهَائِهِ وَقَاضِيهِ.
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أُعْطِي لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وُقِفَ عُدَّةً لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا بُدِئَ بِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِمَالِهِمْ الْأَخْذُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ الْآخَرُونَ بِمَا جُعِلَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأُولَئِكَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقْطَعُ مِنْهُ رِزْقُ الْعُمَّالِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَلِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ عَطَاءُ الْمُقَاتِلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ تَبْدِئَةُ الْعُمَّالِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَكْسُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ (وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمْ الْمَالُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ بِالْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ (وَنُقِلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ حَاجَةً أُعْطِيَ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِمْ الْمَالُ مِنْ ذَلِكَ وَنُقِلَ الْأَكْثَرُ إلَى الْبَلَدِ الْمُحْتَاجِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي أَعْوَامِ
[ ٤ / ٥٦٩ ]
الرَّمَادَةِ.
(وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] . فَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِمَنْ غَنِمَهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالنَّفَلُ كُلُّهُ مِنْ الْخُمُسِ سَلَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ عَلَى السَّهْمِ أَوْ هِبَةٌ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّهْمِ يَفْضُلُهُ الْإِمَامُ الرَّأْيُ يَرَاهُ مِمَّا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ
[ ٤ / ٥٧٠ ]
إلَيْهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَهَلْ يَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إلَّا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يَجْتَهِدُ فِيهِ. ابْنُ يُونُسَ: مِثْلُ أَنْ يَرَى ضَعْفًا مِنْ الْجَيْشِ فَيُرَغِّبَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ.
(وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ نَفْلٌ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ وَيَجُوزُ النَّفَلُ فِي أَوَّلِ الْمَغْنَمِ وَفِي آخِرِهِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ. اللَّخْمِيِّ: النَّفَلُ جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ. فَالْجَائِزُ مَا كَانَ بَعْدَ الْقِتَالِ، وَالْمَكْرُوهُ مَا كَانَ قَبْلُ.
وَيَقُولُ وَالِي الْجَيْشِ: مَنْ يَقْتُلْ فُلَانًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ دَنَانِيرُهُ أَوْ كِسْوَتُهُ أَوْ مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ مِنْ الْخَيْلِ فَلَهُ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ مَنْ صَعِدَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَوْ بَلَغَهُ أَوْ وَقَفَ بِهِ فَلَهُ كَذَا، مَمْنُوعٌ ابْتِدَاؤُهُ لِأَنَّهُ قِتَالٌ لِلدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّحَامُلِ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الرِّجَالِ إلَى الْحُصُونِ فَلَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ.
فَإِنْ فَاتَ الْقِتَالُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ الدُّنْيَا فَهِيَ كَالْمُبَالَغَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: النَّفَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: مِنْ الْخُمُسِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ وَيُرِيدَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَحَقُّهُ أَنْ يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتْ ثُمَّ يُعْطِيَ السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَا شَاءَ رُبْعًا أَوْ ثُلُثًا لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَيَقْسِمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةً وَالرَّاجِلِ وَاحِدًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحَرِّضَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى قِتَالِ قَبْلٍ اللِّقَاءَ وَيُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرُّبْعُ أَوْ الثُّلُثُ قَبْلَ الْقَسْمِ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: لِأَنَّ قِتَالَهُمْ حِينَئِذٍ عَلَى الدُّنْيَا. وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ «قَالَ - ﷺ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: هَلْ لَك أَنْ نَبْعَثَك فِي جَيْشٍ فَيُسَلِّمَك اللَّهُ وَيُغْنِمَك وَأَرْغَبُ لَك مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً»؟ قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ لَا يَنْبَغِي عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ إنْ نَزَلَ وَقَالَهُ إمَامٌ أَمْضَيْنَاهُ وَإِنْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ النِّيَّاتِ، وَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ لِمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا. أَصْبَغُ: وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا لِمَنْ أَخَذَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ اسْتَحَبَّ هَذَا بَعْضُهُمْ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، مِثْلُ أَنْ تُرْهِبَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ أَوْ نَحْوُهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ لَمَّا دَهَمَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: لَوْ نَفَّلَ فِي السَّرِيَّةِ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا النَّفَلُ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ فَإِنْ عَقَدَهُ وَخَرَجُوا عَلَيْهِ فَلْيُنْفِذْهُ كَقَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا قَاضٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمٌ لِلرَّاجِلِ وَسَهْمَانِ لِلْفَارِسِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ " (وَمَضَى) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ: أَمْضَيْنَاهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَقَعَ النَّفَلُ قَبْلَ الْقِتَالِ مَضَى
[ ٤ / ٥٧١ ]
لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْهَدَ مُنَفِّلُ السَّرِيَّةِ بَعْدَ أَنْ فَضَلَتْ أَنَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ نَظَرًا أَبْطَلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ غَنِمَتْ (وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ يَرِدَ الْقِتَالَ أَوْ قَبْلُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ مِنْ السَّلَبِ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْإِمَامُ وَيَنْفُذَهُ فَلَا يُتَعَقَّبُ بِرَدٍّ، لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَرَوْنَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لَهَا فَيَمْضِي.
(اُعْتِيدَ لَا سِوَارٌ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَحَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلِلْقَاتِلِ السَّلَبُ الْمُعْتَادُ.
وَهَلْ يَكُونُ لَهُ مَا يَلْبَسُهُ عُظَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأَسْوِرَةِ وَالتِّيجَانِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاتِلِ نَظَرًا إلَى حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ (وَصَلِيبٌ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ الصَّلِيبُ فِي عُنُقِهِ مِنْ النَّفْلِ. الْأَوْزَاعِيِّ: يَدْخُلُ الصَّلِيبُ فِي السَّلَبِ.
قَالَ الْوَلِيدُ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَعَيْنٌ) قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا نَفْلَ فِي عَيْنٍ وَلَا فِضَّةٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِي الْعُرُوضِ السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ وَالْمِنْطَقَةُ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا فِيهَا مِنْ نَفَقَةٍ. اللَّخْمِيِّ: لَا مَا فِيهَا مِنْ دَنَانِيرَ. وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَلَهُ مِنْهَا الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ أَمْضَيْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ وَلِمَنْ أَصَابَ ذَلِكَ نَفْلُهُ كَانَ مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكٍ.
(أَوْ دَابَّةٌ) اُنْظُرْ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ مِنْ السَّلَبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُمْسِكُهَا وَجْهُ فَتَالٍ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا تَجَنَّبَ أَوْ كَانَ مُنْفَلِتًا عَنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ
[ ٤ / ٥٧٢ ]
سَلَبُهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ السَّلَبُ لِمَنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ (أَوْ تَعَدَّدَ إنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا، هَلْ هُوَ يُرِيدُ قَوْلَ سَحْنُونٍ إذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَهُ سَلَبُهُمْ وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ اثْنَيْنِ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ بِنَحْرٍ فَكَرِهَهُ وَإِنْ نَزَلَ مَضَى وَكَانَ لَهُ سَلَبُ الْأَوَّلِ (وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ إنْ لَمْ تُقَاتِلْ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَإِنْ سَلَبَ كُلَّ مَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ سَلْبُ مَنْ قَتَلَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ زَمِنٍ أَوْ رَاهِبٍ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هَؤُلَاءِ فَلَهُ سَلَبُهُمْ لِإِجَازَةِ قَتْلِهِمْ.
(كَالْإِمَامِ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَمْضَيْنَاهُ ثُمَّ لَقِيَ هُوَ عِلْجًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّ لَهُ سَلَبَهُ. فَإِنْ قَالَ: " مِنْكُمْ " لَمْ يَكُنْ لَهُ هُوَ سَلَبُ مَنْ قُتِلَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: " مِنْكُمْ " (أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا خَصَّ نَفْسَهُ.
(وَلَهُ الْبَغْلَةُ إنْ قَاتَلَ عَلَى بَغْلٍ لَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ وَقَسْمُ الْأَرْبَعَةِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ سِتُّ صِفَاتٍ اسْتَحَقَّ الْغَنِيمَةَ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالصِّحَّةُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُضُورُ الْوَقِيعَةِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ ".
(كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: التَّاجِرُ وَالْأَجِيرُ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ يُسْهَمُ لَهُمَا وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنْ يُقَاتِلَا. عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّمَا لَمْ يُسْهَمْ لِلتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ الْمُتَشَاغِلِينَ بِاكْتِسَابِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّهْمُ وَهُوَ الْقِتَالُ وَالْمُعَاوَنَةُ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمْ إنَّمَا حَضَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلِخِدْمَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ.
وَأَمَّا إنْ قَاتَلَ فَإِنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِالْجِهَادِ وَقَاتَلَ فِيهِ وَالْقَتْلُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ إجَارَةُ نَفْسِهِ تَمْنَعُهُ السَّهْمَ إذَا قَاتَلَ كَاَلَّذِي يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ أَوْ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ صِحَّةُ الْحَجِّ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَجِيرَ وَالتَّاجِرَ إذَا قَاتَلَ يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ لِمَ يُقَاتِلْ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَيَصِيرُ كَالْأَجِيرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلْغَزْوِ غَيْرَ أَنَّ مَعَهُ تِجَارَةً فَهَذَا يُسْهَمُ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا قَاتَلَ الْأَجِيرُ فَلَهُ سَهْمُهُ وَيَبْطُلُ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ عَنْ الْخِدْمَةِ.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَيْسَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ السَّهْمَانِ الَّذِي صَارَ لَهُ عِوَضًا مِمَّا عَطَّلَ مِنْ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي خِدْمَةِ آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْقِتَالَ لَا يُشَابِهُ الْخِدْمَةَ (لَا ضِدِّهِمْ وَلَوْ قَاتَلُوا) ابْنُ حَارِثٍ: لَا يُسْهِمُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ اتِّفَاقًا. اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْهِمُ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ قَاتَلُوا وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ (إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُسْهِمُ لِلصِّبْيَانِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: إلَّا أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهِمَ لَهُ وَنَحْوُهُ نَقَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ (وَلَا يَرْضَخُ لَهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا قِتَالَ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْقِتَالِ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقِتَالِ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ فَلَهُ سَهْمُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيمَةً بَعْدَ غَنِيمَةٍ، فَمَا كَانَ مُتَتَابِعًا فَلَهُ سَهْمُهُ فِي الْجَمِيعِ، مِثْلُ أَنْ يَفْتَتِحَ حِصْنًا فَيَمُوتَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ آخَرَ عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
أَصْبَغُ: وَأَمَّا إنْ رَجَعُوا قَافِلِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ انْقِطَاعِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا اسْتَوْقَفَ بَعْدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا وَجْهٌ. اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَرَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى.
وَنَصُّ السُّؤَالِ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يُقْتَلُ فِي الْمَعْرَكَةِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ يَخْرُجُ فَيَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ أَوْ يَمْرَضُ فَيَمُوتُ بَعْدَ شُهُودِ الْقِتَالِ.
(وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ وَأَشَلَّ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْأَعْمَى وَلِلْأَعْرَجِ وَأَقْطَعْ الْيَدَيْنِ وَالْمُقْعَدِ وَالْمَجْذُومِ فَارِسًا. اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ فِي الْأَعْمَى أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَرَى النَّبْلَ دَخَلَ بِذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْخَدَمَةِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَكَذَلِكَ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى أَسْهَمَ لَهُ، وَيُسْهِمُ لِلْأَعْرَجِ إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْبُنُ عَنْ الْقِتَالِ لِأَجْلِ عَرَجِهِ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ فَارِسًا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقْعَدِ إنْ كَانَ رَاجِلًا، وَإِنْ كَانَ فَارِسًا يَقْدِرُ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ أَسْهَمَ لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ فَارِسًا مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ نَصُّ سَحْنُونٍ.
(وَمُتَخَلِّفٍ لِحَاجَةٍ إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالْجَيْشِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ قَوْمًا مِنْ الْجَيْشِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَلَدِ الْعَدُوُّ فِي أَمْرٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ مِنْ حَشْدٍ أَوْ إقَامَةِ سُوقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاشْتَغَلُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى غَنِمَ الْجَيْشُ فَلَهُمْ مَعَهُمْ سَهْمُهُمْ. وَقَدْ «قَسَمَ - ﷺ - لِعُثْمَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ خَلَّفَهُ عَلَى بِنْتِهِ، وَقَسَمَ لِطَلْحَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُمَا غَائِبَانِ بِالشَّامِ» .
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ. الْبَاجِيُّ: مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْخُرُوجُ فِي الْجَيْشِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ السَّهْمِ إلَّا الرُّجُوعُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ الرُّجُوعِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ مَرْكَبٍ بَعَثُوا بَعْدَ نُزُولِهِمْ جَزِيرَةَ الرُّومِ رَجُلًا لِنَاحِيَةٍ مِنْهَا لِيُخْبِرَ مَا فِيهَا مِنْ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ
[ ٤ / ٥٧٤ ]
فَأَبْطَأَ فَأَقْبَلُوا فَغَنِمُوا وَكَانَ الرَّجُلُ دَخَلَ بَعْضَ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ قَعَدَ مَعَهُمْ تَارِكًا لَهُمْ فَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَهُ حَظُّهُ مَعَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَبْيَنُ عَلَى مَا قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلُوهُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ فِيمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ أَمْرِ غَزْوِهِمْ عَلَى أَنْ يَلْحَقَهُمْ فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ (وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا وَإِنْ بِرِيحٍ) هَذَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّخْمِيِّ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ حَسْبَمَا يَأْتِي. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرَاكِبِ تَصِلُ إلَى أَرْضِ الرُّومِ ثُمَّ يَرُدُّ بَعْضَهَا الرِّيحُ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَهْلُهَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ: فَإِنَّ لَهُمْ سِهَامَهُمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَنِمُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى غَنِمُوا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ.
قَالَ عَنْهُ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَهُ سَهْمُهُ. (بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ) اللَّخْمِيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَغَنِمُوا بَعْدَهُ فَلَهُ سَهْمُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: تَخْصِيصُهُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَيَتَعَقَّبُ بِنَصِّهَا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ وَهُوَ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْقُلُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ الْإِسْلَامِ.
(وَمَرِيضٌ شَهِيدٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمَرَضِ طُرُقٌ. الْبَاجِيُّ: إنْ مُنِعَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِتَالِ حَالًا وَمَآلًا مُنِعَ الْإِسْهَامَ وَإِلَّا فَلَا. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ خَرَجَ مَرِيضًا وَأَرَى لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَأْيِهِ، رُبَّ رَأْيٍ أَنْفَعَ مِنْ قِتَالٍ. وَمَنْ مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أَسْهَمَ لَهُ. وَيَخْتَلِفُ إنْ مَرِضَ بَعْدَ الْإِدْرَابِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ عَنْ مَالِكٍ الرُّجُوعُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِسْهَامِ.
[ ٤ / ٥٧٥ ]
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ خَرَجَ غَازِيًا فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى شَهِدَ الْقِتَالَ وَحَازُوا الْغَنِيمَةَ فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِفَرَسٍ رَهِيصٍ فَلَهُ سَهْمُهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بِخِلَافِ الْحَطِيمِ وَالْكَسِيرِ. ابْنُ سَحْنُونٍ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ الْمَرِيضِ وَالرَّجُلِ الْمَرِيضِ قَالَ: وَمَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ يُقَاتِلُ وَلَا كُلُّ فَرَسٍ يُقَاتِلُ. وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ لَا يُسْهِمُ لَهُ وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ سَحْنُونَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْقِتَالُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَمَنْ قَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ أَسْهَمَ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ سَبَبَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ الْقِتَالُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَرْبِ. وَلَوْ قَاتَلَ كُلُّ الْجَيْشِ لَفَسَدَ التَّدْبِيرُ. وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ الْمَرِيضَ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ وَيَحْصُلُ مِنْهُ التَّكَثُّرُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] أَيْ كَثِّرُوا.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَبْلُغْ الْعَسْكَرَ حَتَّى مَرِضَ فَخَلَفُوهُ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُهُ (كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا.
(وَمَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) تَقَدَّمَ مَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ مِنْ النُّصُوصِ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَهِيَ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ مَا نَصُّهُ: إنْ فَصَّلْت قُلْت: أَمَّا إنْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفُوا عَلَى
[ ٤ / ٥٧٦ ]
الْغَنِيمَةِ أُسْهِمَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُشْرِفُوا فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلَانِ.
(وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَسَهْمٌ لِفَارِسِهِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مَنْ قَالَ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. لَكِنْ هُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَرَسَ إذَا اسْتَحَقَّ السَّهْمَيْنِ عِنْدَنَا فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُمَا جُعِلَا لِأَجْلِ الْفَارِسِ وَالْفَرَسُ تَبَعٌ لَهُ، أَوْ نُقَدِّرُ أَنَّ السَّهْمَيْنِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ لِأَجْلِ فَرِّهِ وَكَرِّهْ وَالْفَارِسُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مُسْتَعَارٍ وَفِي عَبْدٍ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ.
(وَإِنْ بِسَفِينَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُمْ الْخَيْلُ فِي السُّفُنِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ
[ ٤ / ٥٧٧ ]
وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَسْرَى أَهْلُ الْعَسْكَرِ رَجَّالَةً وَلِبَعْضِهِمْ خَيْلٌ فَغَنِمُوا وَهُمْ رَجَّالَةٌ فَإِنَّهُ يُعْطَى مَنْ لَهُ فَرَسٌ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَغَنِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَأَهْلِ السَّرِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ كَمَا يُسْهَمُ لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ كَذَلِكَ يُسْهَمُ لِفَرَسِ مَنْ شَهِدَ بِفَرَسِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ.
وَفِي الْكَافِي لِأَبِي عُمَرَ مَا نَصُّهُ: مَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ فَارِسًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلَا يُرَاعَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الدُّخُولُ إنَّمَا يُرَاعَى اللِّقَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ (أَوْ بِرْذَوْنًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَرَاذِينُ إنْ أَجَازَهَا الْوَالِي كَانَتْ كَالْخَيْلِ. ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ كَالْخَيْلِ الْعِظَامِ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةِ الْعَظِيمَةَ الْأَعْضَاءِ وَالْعِرَابُ أَضْمَرُ وَأَرَقُّ أَعْضَاءً
(أَوْ هَجِينًا أَوْ صَغِيرًا) مِنْ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى الْهَجِينَ إلَّا مِنْ الْخَيْلِ. ابْنُ حَبِيبٍ: الْهَجِينُ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ مِنْ الْبَرَاذِينِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَشْبَهَتْ الْخَيْلَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَالطَّلَبَ بِهَا أَسْهَمَ لَهَا. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ الْكَرُّ وَالْفَرُّ وَالطَّلَبُ بِهَا. وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ حَبِيبٍ إجَازَةَ الْوَالِي وَاشْتَرَطَهُ مَالِكٌ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَمْرَ الْخَيْلِ فَيُجِيزَ مِنْهَا مَا يُحِبُّ وَيَرُدَّ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَإِنَاثُ الْخَيْلِ كَذُكُورِهَا يُسْهَمُ لَهَا، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا
[ ٤ / ٥٧٨ ]
صِغَارُ الْخَيْلِ لَا مَرْكَبَ فِيهَا فَلَا يُسْهَمُ لَهَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ أُسْهِمَ لَهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُسْهَمُ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ وَصَاحِبُهُ رَاجِلٌ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَنْ غَزَا عَلَى حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ فَيَأْخُذُ فَرَسًا أُعْطِيَ فِي السَّبِيلِ قَالَ: الْحِمَارُ ضَعِيفٌ وَالْبَغْلُ أَقْوَى وَلَا يَأْخُذُ الْفَرَسُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَى الْأَسِنَّةِ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: الْبِرْذَوْنُ وَالْهَجِينُ وَالصَّغِيرُ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ. الْجَلَّابُ: وَذُكُورُ الْخَيْلِ وَإِنَاثُهَا سَوَاءٌ كَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ.
(وَمَرِيضٌ رُجِيَ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ خَلَّفُوا الْمَرِيضَ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ.
(وَمُحَبَّسٍ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الْمُحَبَّسِ لِلْغَزْوِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى فَرَسًا أَوْ اسْتَعَارَهُ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ.
(وَمَغْصُوبٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ) . اللَّخْمِيِّ: لَوْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ خَيْلًا فَغَصَبَ رَجُلٌ مِنْهَا فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ (أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ وَمِنْهُ لِرَبِّهِ) . اللَّخْمِيِّ: الْقَوْلَانِ وَلَوْ غَصَبَ فَرَسًا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ وَلِصَاحِبِهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: وَإِنْ تَغَيَّرَ خُيِّرَ رَبُّهُ إمَّا ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْفَرَسِ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ. وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ إذَا غَصَبَ فَرَسًا لِأَهْلِ الْجَيْشِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَعَزَا اللَّخْمِيِّ الْقَوْلَيْنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْخِلَافِ فِي الضَّالِّ انْتَهَى. فَحَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ الْمُحَبَّسَ وَالْمُكْتَرَى وَالْمُسْتَعَارَ وَالْمَغْصُوبَ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي فَرَسٍ انْفَلَتَ مِنْ رَبِّهِ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى غَنِمُوا إنَّ سُهْمَانَهُ لِلَّذِي انْفَلَتَ مِنْهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: سُهْمَانُهُ لِلَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ إجَارَةُ مِثْلِهِ، وَانْظُرْ الْعَبْدَ إذَا قَاتَلَ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ. الْمَازِرِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا.
(لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) . ابْنُ شَاسٍ:
[ ٤ / ٥٧٩ ]
لَا يُسْهَمُ لِلْأَعْجَفِ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَا لَا يُسْهَمُ لِلْكَبِيرِ (وَبَغْلٍ وَبَعِيرٍ) اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٍ رُجِيَ " (وَثَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَهُ أَفْرَاسٌ لَا يُزَادُ عَلَى سَهْمِ فَرَسٍ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ، مَالِكٍ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ الْعَدُوَّ عَلَى فَرَسَيْنِ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزِيَادَةُ عَدَدٍ كَزِيَادَةِ رِمَاحٍ أَوْ سُيُوفٍ (وَالْمُشْتَرَكُ لِلْمُقَاتِلِ وَدَفَعَ أَجْرَ شَرِيكِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ أَدْرَبَ رَجُلَانِ بِفَرَسٍ لَهُمَا فَسَهْمَاهُ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ نِصْفُ أُجْرَتِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَالْمُسْتَنَدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ وَإِلَّا فَلَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنَدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُفْرَدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ. ابْنُ عَلَاقٍ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَنَدِ إلَى الْجَيْشِ أَنْ يَخْرُجَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ فَيُقَاتِلُونَ دُونَ الْجَيْشِ وَيَغْنَمُونَ، فَمَا غَنِمَ هَؤُلَاءِ شَارَكَهُمْ فِيهِ الْجَيْشُ كَمَا أَنَّهُمْ لَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ فِي غَيْبَتِهِمْ لَشَارَكُوهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا فَصَلَ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ: بَيِّنٌ، وَأَمَّا إنْ خَرَجَتْ مِنْ بِلَادٍ ثُمَّ اتَّبَعَهَا بَقِيَّةُ الْجَيْشِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَتَقَدَّمَتْ لِيَتْبَعَهَا فَغَنِمَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَحِقَهَا بِمَوْضِعٍ غَنِمَتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لِمَنْ مَعَهُ فِيمَا غَنِمَتْ، فَلَوْ غَنِمَتْ بَعْدَمَا اتَّبَعَهَا بِبَقِيَّةِ عَسْكَرِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ غَنِمَتْ بَعْدَ فُصُولِ الْعَسْكَرِ فَكُلُّهُمْ شُرَكَاءُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا لِأَنَّهُمْ إذَا فَصَلُوا عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ صَارُوا رِدْءًا لِلسَّرِيَّةِ وَنَصِيرًا لَهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ فُصُولِهِمْ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَكُنْ السَّرِيَّةُ رِدْءًا.
قَالَ سَحْنُونَ: إنْ دَخَلَ الْجَيْشُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ فَافْتَرَقُوا طَائِفَتَيْنِ وَأَمَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَمِيرًا وَأَغَارَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَقَاتَلَتْ وَغَنِمَتْ فَكُلُّ مَا غَنِمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إلَّا أَنْ تَتَبَاعَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ عَنْ الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ لَا يُمْكِنَهَا الْمَعُونَةُ وَلَمْ يَجْتَمِعَا إلَّا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا إنْ اجْتَمَعَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلْيَرْجِعَا عَلَى أَمْرِهِمَا. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ سَحْنُونٍ. وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَمِيرِ سَرِيَّةٍ عَرَضَ لَهُ نَهْرٌ حِينَ دَنَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَجَازَهُ بِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ مُعْتَذِرِينَ عَنْ طَاعَتِهِ بِشِدَّةِ خَطَرِهِ فَرَجَعَ بِغَنِيمَةٍ وَوَجَدَ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ لَا قَسْمَ لَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي يَنْبَغِي عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي وُقُوفِ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ لِلْغَانِمَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ قُرْبَ بَلَدِ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْعَدُوُّ جَوَازَهُمْ أَجْمَعِينَ قُسِمَ لَهُمْ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَا.
سَحْنُونَ: وَلَوْ حَبَسَ الْإِمَامُ حِينَ خَرَجَ النَّاسُ مِنْ الْمَدِينَةِ طَائِفَةً لِحِفْظِهَا كَانَ لَهُمْ حَظُّهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ حَبَسَهُمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَسَمِعَ أَيْضًا عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي عَدُوٍّ حَصَرَ أَهْلَ حِصْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ فَأَظْفَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَأَصَابُوا خَيْلَهُ وَأَسْلَابَهُ يُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ خَرَجَ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَيُقْسَمُ لِخَيْلِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ وَلِخَيْلِ مَنْ خَرَجَ رَاجِلًا وَخَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْحِصْنِ إذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ رِبَاطٍ وَضَعُوا فِيهِ رُصْدَةً لِلْعَدُوِّ وَلِذَلِكَ سَكَنُوا، وَلَوْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْغَنِيمَةَ تُقْسَمُ
[ ٤ / ٥٨٠ ]
عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لِكَوْنِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ رِدْءًا لِمَنْ قَاتَلَ وَعَوْنًا لَهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ تَقْوَى بِوُقُوفِهِمْ وَتَزِيدُ فِي جُرْأَتِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ فِي الْحِصْنِ بِهِمْ قَوِيَتْ نُفُوسُ مَنْ خَرَجَ وَلَعَلَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا انْهَزَمَ بِسَبَبِهِمْ.
وَانْظُرْ فِي نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَتَدَاعَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ وَنَالُوا مِنْهُمْ مَغْنَمًا أَنَّهُ يُخَمِّسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ، لِأَنَّ مِنْهُمْ جَزِعُوا وَهَرَبُوا.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَا غُنِمَ بِغَيْرِ إيجَافٍ وَلَا قِتَالٍ وَهُوَ مِمَّا يَنْجَلِي عَنْهُ أَهْلُهُ وَيَتْرُكُونَهُ رَهْبَةً وَفَزَعًا وَهَذَا لَا يُخَمَّسُ، وَهُوَ فَيْءٌ.
لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: إذَا كَانَتْ قُرًى إنَّمَا فِيهَا أَهْلُهَا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ قُسِمَ مَا أَصَابُوا بَيْنَ كُلِّ مَنْ طَلَبَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ طَالِبًا بِالثَّبْتِ وَالْيَقِينِ. زَادَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: وَلَا شَيْءَ لِمَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَدِينَةُ ثَغْرًا وَمُحْرِسًا. وَمِنْهُ أَيْضًا: وَإِنْ غَار الْعَدُوُّ عَلَى جِهَتَيْنِ فَلِكُلِّ جِهَةٍ مَا غَنِمُوا.
وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمُتَخَلِّفٌ لِحَاجَةٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٌ شَهِدَ " وَقَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ.
وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلَهُ - ﷺ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» أَنَّهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمَغْنَمِ يُسْهِمُونَ مِنْهُ لِمَنْ شَغَلَهُ عَنْ حُضُورِ الْمُعْتَرَكِ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْغَانِمِينَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَقَلَ صَاحِبُ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ الْمَغْنَمِ قَالَ: وَمِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَشُكُّ فِي أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَلَالٌ؟ فَيَقُول: وَهَلْ هُوَ الزُّهْدُ إلَّا فِي الْحَلَالِ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ ثُلُثٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» وَنَقَلَ أَيْضًا هُوَ وَصَاحِبُ الْمُقَرِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - أَمَّرَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ عَلَى غَزْوِ إفْرِيقِيَّةَ وَكَانَ صَاحِبُ إفْرِيقِيَّةَ جِرْجِيرٌ سُلْطَانُهُ مِنْ طَرَابُلُسَ إلَى طَنْجَةَ فَهَالَهُ أَمْرُ الْعَرَبِ بِحَيْثُ إنْ زَيَّنَ بِنْتًا لَهُ كَانَتْ بَارِعَةَ الْجَمَالِ وَقَالَ لِحَشَمِهِ: أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ سَيِّدَتُنَا وَبِنْتُ سَيِّدِنَا لِمَالِكٍ. فَقَالَ: وَحَقِّ الْمَسِيحِ وَدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لَا قَتَلَ مِنْكُمْ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَمِيرَ الْعَرَبِ إلَّا زَوَّجْتهَا لَهُ وَسُقْت لَهَا جَمِيعَ مَا مَعَهَا مِنْ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالْجَوَارِي يُحَرِّضُ بِذَلِكَ الرُّومَ تَحْرِيضًا شَدِيدًا. وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ فَأَخْبَرَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَقَالَةِ جِرْجِيرٍ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَحَقِّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَدِينِ الْإِسْلَامِ لَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ جِرْجِيرًا إلَّا نَفَّلْته ابْنَتَهُ. فَانْتَدَبَ أُنَاسٌ وَفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَقُّوا الصُّفُوفَ وَظَهَرُوا بِجِرْجِيرٍ وَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَنَازَعُوا فِي قَتْلِ جِرْجِيرٍ فَقَالَتْ الِابْنَةُ: أَنَا أَعْرِفُ قَاتِلَ أَبِي فَأَمَرَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَمُرَّ الْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَنْظُرُ حَتَّى مَرَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَتْ: هَذَا وَالْمَسِيحِ قَاتِلُ أَبِي. فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: لِمَ كَتَمْتنَا؟ قَالَ: قَدْ عَلِمَ الَّذِي قَتَلْته لَهُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إذَنْ وَاَللَّهِ
[ ٤ / ٥٨١ ]
أُنَفِّلُك ابْنَتَهُ فَنَفَّلَهُ إيَّاهَا وَاِتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ.
وَنَقَلَ أَيْضًا فِي عُيُونِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَسْلَمَةَ حَاصَرَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْكُفَّارِ وَنَدَبَ النَّاسَ لِلدُّخُولِ مِنْ نَقْبٍ هُنَاكَ فَمَا دَخَلَهُ أَحَدٌ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ الْجَيْشِ فَدَخَلَهُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَنَادَى مَسْلَمَةُ: أَيْنَ صَاحِبُ النَّقْبِ؟ فَمَا جَاءَ أَحَدٌ فَنَادَى: إنِّي عَزَمْت عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ فَأَتَى رَجُلٌ وَقَالَ: صَاحِبُ النَّقْبِ يَأْخُذُ عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا أَنْ لَا تَجْعَلُوا اسْمَهُ فِي صَحِيفَةٍ إلَى الْخَلِيفَةِ. وَلَا تَأْمُرُوا لَهُ بِشَيْءٍ وَلَا تَسْأَلُوهُ مِمَّنْ هُوَ. فَقَالَ مَسْلَمَةُ: ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: أَنَا هُوَ. فَكَانَ مَسْلَمَةُ لَا يُصَلِّي صَلَاةً إلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ.
[الْجِهَادُ بِالرَّاتِبِ]
وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْجِهَادِ بِالرَّاتِبِ قَالَ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ إنْ كَانَتْ إنْ مُنِعَ الرَّاتِبُ لَمْ يَخْرُجْ وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِ الْمُرَتَّبِ فَهَذَا إنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ فِي الظَّاهِرِ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ شَهِيدٍ قَالَ: إلَّا إنْ حَضَرَتْ لَهُ نِيَّةٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَيَكُونُ شَهِيدًا عِنْدَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَأَمَّا غَدْوُهُ وَرَوَاحُهُ وَمَا نَالَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ غُبَارٍ وَخَوْفٍ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ.
وَنَقَلَ أَيْضًا - أَعْنِي صَاحِبَ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ - أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْجِهَادِ لَا تَنْحَصِرُ لِتَنَوُّعِ الْمَقَاصِدِ أَعْلَاهَا مَنْ يَقْصِدُ بِجِهَادِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْقَاقِهِ هَذِهِ الْعِبَادَةَ وَأَمْرِهِ بِهَا وَافْتَرَضَهَا عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ لِجَزَاءٍ عَلَيْهَا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ: وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الْجَوْزِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى مَيْسَرَةَ. قَالَ: غَزَوْنَا بَعْضَ الْغَزَوَاتِ فَإِذَا بَيْنَ الصُّفُوفِ شَابٌّ فَحَمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَلْبِ ثُمَّ قَالَ:
أَحْسِنْ بِمَوْلَاك سَعِيدٍ ظَنَّا هَذَا الَّذِي كُنْت لَهُ تَمَنَّى
تَنَحَّى يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا لَا فِيك قَاتَلْنَا وَلَا قُتِلْنَا
لَكِنْ إلَى سَيِّدِنَا اشْتَقْنَا قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
ثُمَّ حَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ كُنْت أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ أَنْ لَا يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالتَّعَبْ
يَا مَنْ مَلَا تِلْكَ الْقُصُورَ بِاللَّعِبِ لَوْلَاك مَا طَابَ وَمَا طَابَ الطَّرَبْ
ثُمَّ حَمَلَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ عَدَدًا كَثِيرًا ثُمَّ رَجَعَ فَحَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا لُعْبَةَ الْخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسْمَعِي لَا فِيك قَاتَلْنَا فَكَفَى وَارْجِعِي
ارْجِعِي إلَى الْجِنَانِ وَاتْرَعِي لَا تَطْمَعِي لَا تَطْمَعِي لَا تَطْمَعِي
ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
(كَمُتَلَصِّصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ بِهَذَا وَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ: أَصْحَابُنَا يَرَوْنَ فِي سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي قِلَّةٍ وَغَرَرٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَغَنِمُوا. فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ الْغَنِيمَةَ أَدَبًا لَهُمْ. فَقَالَ سَحْنُونَ: فَأَمَّا جَمَاعَةٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْرُمُهُمْ الْغَنِيمَةَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ، يُرِيدُ وَقَدْ أَخْطَئُوا. ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنِدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُنْفَرِدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ.
(فَيُخَمَّسُ الْمُسْلِمُ دُونَ الذِّمِّيِّ وَفِي الْعَبْدِ قَوْلَانِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: مَا مَلَكَ مِنْ أَمْوَالِ الْكَافِرِينَ غَنِيمَةٌ وَفَيْءٌ وَمُخْتَصٌّ. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَصُّ بِأَخْذِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ غَيْرِ مُؤَمَّنٍ دُونَ
[ ٤ / ٥٨٢ ]
عِلْمِهِ أَوْ كُرْهًا دُونَ صُلْحٍ وَلَا قِتَالٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَسِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ هَارِبًا مِنْهُمْ فَيَخْرُجُ بِأَمْوَالٍ أَصَابَهَا لَهُمْ: لَا خُمُسَ عَلَيْهِ فِيهَا إنَّمَا يُخَمَّسُ مَا يُوجَفُ عَلَيْهِ الْخَيْلُ وَالرِّكَابُ.
وَقَالَ فِي الْعَبْدِ يَخْرُجُ مُتَلَصِّصًا فِي بَعْضِ قُرَى الْعَدُوِّ فَيُصِيبُ غَنَائِمَ: إنَّهَا تُخَمَّسُ وَيَكُونُ فَضْلُ ذَلِكَ لَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِهِ الْأَسِيرُ وَبَيْنَ إصَابَةِ الْعَبْدِ الْمُتَلَصِّصِ أَنَّ الْخُمُسَ فِيمَا تَعَمَّدَ الْخُرُوجَ لِإِصَابَتِهِ وَالْأَسِيرُ لَيْسَ لِلْإِصَابَةِ خَرَجَ وَلَا لِلْقِتَالِ تَعَرَّضَ فَلِذَلِكَ لَمْ أَرَ فِيهِ خُمُسًا.
قِيلَ: فَإِنَّ خَرَجَ حُرٌّ وَعَبْدٌ مُتَلَصِّصَيْنِ فَغَنِمَا؟ قَالَ: يُخَمَّسُ مَا أَصَابَا ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا.
قُيَّل: فَإِنْ خَرَجَ ذِمِّيٌّ مُتَلَصِّصًا مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَغَنِمَا؟ قَالَ: يُخَمَّسُ حَظُّ الْمُسْلِمِ وَلَا خُمُسَ فِي حَظِّ الذِّمِّيِّ (وَخُمِّسَ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ الْقَاسِمِ: يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَهَذَا خِلَافٌ لِسَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ كَالْحُرِّ فِي أَنَّ لَهُ مَا غَنِمَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي أَنَّ عَلَيْهِ الْخُمُسَ لِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] . (لَا ذِمِّيٌّ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا خُمُسَ فِي حَظِّ الذِّمِّيِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا خَرَجَ غَازِيًا مَعَ الْأَحْرَارِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَيِّزِ التَّبَعِ كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ الرَّجُلَيْنِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ كَانَ لَهُ سَهْمُهُ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ " (وَمَنْ عَمِلَ سَرْجًا أَوْ سَهْمًا) تَقَدَّمَ نَصٌّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ ".
(وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالشَّأْنُ أَنْ تُقْسَمَ الْغَنَائِمُ وَتُبَاعَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَوْلَى بِرُخْصِهَا،
[ ٤ / ٥٨٣ ]
رَوَى الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَالْخُلَفَاءَ لَمْ يَقْسِمُوا غَنِيمَةً قَطُّ إلَّا فِي دَارِ الشِّرْكِ» (وَهَلْ يَبِيعُ لِيَقْسِمَ قَوْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ قَسْمَ الْغَنِيمَةِ هُوَ بَيْعُهَا وَقَسْمَ ثَمَنِهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْسِمَهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ بِالسَّوِيَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَ خَمْسَةَ وُصَفَاءَ فِي كُلِّ سَهْمٍ وَصَيْفٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ جِنْسٍ حَتَّى يَعْدِلَ ثُمَّ يُسْهِمَ بَيْنَهَا فَيُخْرِجَ أَحَدَهَا وَالْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ لِلْجَيْشِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ فَعَلَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّهُ يَبِيعُ وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي فَيَقْسِمَ الْعُرُوضَ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَالْأَظْهَرُ قِسْمَةُ ذَلِكَ دُونَ بَيْعٍ عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ كَانَ النَّاسُ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرَةِ شِيَاهٍ يَقْتَضِي تَكْرَارَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. انْتَهَى مِنْ الْأَنْوَارِ.
(وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إنْ أَمْكَنَ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: صِفَةُ الْقِسْمَةِ أَنْ يَقْسِمَ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، فَإِذَا اعْتَدَلُوا خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ وَاجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْقِيمَةِ وَالِاقْتِسَامِ كَتَبَ فِي رُقْعَةٍ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَقْرَعُ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُ الْخُمُسِ كَانَ لِلْإِمَامِ لَا رَجْعَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ يَبِيعُ الْإِمَامُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ وَيَقْسِمُهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَى بَيْعَ الْجَمِيعِ وَالْخُمُسَ فَعَلَ. انْتَهَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ. لَمْ يُرَجِّحْ ابْنُ يُونُسَ شَيْئًا وَإِنَّمَا رَجَّحَ هَذَا الْبَاجِيُّ فَانْظُرْهُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَجْعَلُ الْوُصَفَاءَ بِانْفِرَادِهِمْ وَالنِّسَاءَ كَذَلِكَ حَسَنٌ مَعَ الْكَثْرَةِ.
(وَأَخَذَ مُعَيَّنٌ وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عَرَفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا) رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِلَّذِي وَجَدَ بَعِيرَهُ فِي الْمَغْنَمِ: إنْ وَجَدْتَهُ لَمْ يُقْسَمْ فَخِذَهُ وَإِنْ قُسِمَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ أَرَدْته»، مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا أَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مِنْ عَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِمْ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ، فَإِنْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ أَنْ
[ ٤ / ٥٨٤ ]
يُقْسَمَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ غَابَ أَوْقَفَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ أَوْ عَرَفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ خُمِّسَ وَقُسِمَ. ثُمَّ إنْ جَاءَ رَبُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ مَا بَلَغَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَنْ يَأْبَى عَلَيْهِ.
(وَحَلَفَ أَنَّهُ مَلَكَهُ) . ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ فِيمَا وَجَدَ فِي الْمَغَانِمِ أَنَّهُ لَهُ إنْ أَثْبَتَ الْمِلْكَ سَلَّمَ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِهِ الْمِلْكَ وَهَذَا بَيِّنٌ مَعَ الْقَوْلِ إنَّ الْغَانِمِينَ مَلَكُوا بِالْغَنِيمَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقَسْمِ فَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ إنْ ادَّعَاهُ مَعَ يَمِينِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا وُجِدَ فِي أَيْدِي اللُّصُوصِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي أَخْذِهِ رَبُّهُ إنْ حَضَرَ بِمُوجِبِ الِاسْتِحْقَاقِ طُرُقٌ مُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَبْعَثُ لِرَبِّهِ الْغَائِبِ عَدَمَ يَمِينِهِ.
(وَحُمِلَ لَهُ إنْ كَانَ خَيْرًا وَإِلَّا بِيعَ لَهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَكَانَ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِرَبِّهِ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ كِرَاءَ حَمْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ إلَيْهِ أَوْفَقَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ الْإِمَامُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ لِرَبِّهِ غَيْرُ الثَّمَنِ (وَلَمْ يَمْضِ قَسْمُهُ) أَشْهَبُ: إنْ كَانَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إيصَالِهِ لِرَبِّهِ، مِثْلُ الْعَبْدِ وَالسَّيْفِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ فَبَاعُوهُ فِي الْغَنِيمَةِ لِأَنْفُسِهِمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْغَنَائِمِ مَالُ رَجُلٍ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ غَائِبٌ فَبِيعَ فَذَلِكَ خَطَأٌ وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ وَهِيَ قَضِيَّةٌ مِنْ حَاكِمٍ وَافَقَتْ اخْتِلَافًا بَيْنَ النَّاسِ قَدْ قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَلَمْ يَحْضُرْ أَنَّهُ يُقْسَمُ ثُمَّ لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ. انْتَهَى جَمِيعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ جَهِلَ الْوَالِي أَوْ تَأَوَّلَ قَسَمَ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ وَصَاحِبُهُ الْمُسْلِمُ حَاضِرٌ، فَهَلْ يَمْضِي فِعْلُهُ؟ قَوْلَانِ. وَهَذَا فِي التَّأْوِيلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَنَقْضُهُ هُوَ الْمُشْكِلُ هَاهُنَا إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَوَّلْ مُوَافَقَةَ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَهُ الْقَسْمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبٌ لِأَحَدٍ. وَأَمَّا إذَا جَهِلَ فَقَدْ اعْتَرَضَ الْأَشْيَاخُ الْقَوْلَ بِمُضِيِّهِ لِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِمُوَافَقَةٍ لِلْمَذَاهِبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الصَّوْمِ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ وَخَرَّجْنَا عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الْمُفْطِرَةِ وَالْمُفْطِرِ
[ ٤ / ٥٨٥ ]
تَقُولُ: الْيَوْمَ حَيْضَتِي أَوْ يَقُولُ: الْيَوْمَ نَوْبَةُ الْحُمَّى (لَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَهَلْ يُقْسَمُ أَوْ يُوقَفُ لِصَاحِبِهِ كَاللُّقَطَةِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُقْسَمُ بِنَاءً عَلَى تَغْلِيبِ مِلْكِ الْغَانِمِينَ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ صَاحِبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَلَا مُدَّعٍ هَاهُنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَخَذَ الْمُعَيَّنَ ".
(وَبِيعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَمُدَبَّرٍ) ابْنُ عَلَاقٍ: فِي عَطْفِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُدَبَّرَ عَلَى الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ نَظَرٌ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْسَمْ وَرُدَّ لِسَيِّدِهِ إنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ. سَحْنُونَ: وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَيِّدَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَقَاسِمِ إلَّا خِدْمَتُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ أَنَّهُ يُؤَاجَرُ بِمِقْدَارِ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ فَيَجْعَلُ تِلْكَ الْقِيمَةَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ يُتَصَدَّقُ بِذَلِكَ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ خِدْمَتَهُ كَانَ بَاقِي خَرَاجِهِ مَوْقُوفًا كَاللُّقَطَةِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ إذَا سَبَى ثُمَّ غَنِمْنَاهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وُقِفَ لَهُ وَإِلَّا جُعِلَتْ خِدْمَتُهُ فِي الْمَغْنَمِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ سَيِّدُهُ خُيِّرَ فِي فِدَاءِ خِدْمَتِهِ أَوْ اسْتِلَامِهَا لِمُشْتَرِيهَا كَالْمُدَبَّرِ.
(وَكِتَابَةٌ) الْمُدَوَّنَةُ: إنْ سَبَى الْعَدُوُّ مُكَاتَبًا لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ أَوْ أَبَقَ هَذَا الْمُكَاتَبُ إلَيْهِمْ فَغَنِمْنَاهُ رُدَّ إلَى رَبِّهِ غَابَ أَوْ حَضَرَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَعُلِمَ إنْ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ وَبِيعَتْ كِتَابَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ مَغْنَمًا وَيُؤَدَّى إلَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ، وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
(لَا أُمِّ وَلَدٍ) ابْنُ عَلَاقٍ: إنْ ثَبَتَ فِي أَمَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ وَلَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْسَمُ وَلَا يُبَاعُ لَهَا خِدْمَةٌ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ.
قَالَ سَحْنُونَ: إذَا عُرِفَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْمَقَاسِمِ. ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ عُلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ لَمْ تُقْسَمْ.
(وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَخْذُ مُعَيَّنٍ مَا عَرَفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا " أَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَبْلَ الْقَسْمِ رُدَّ مَجَّانًا، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَسْمِ فَلِمَالِكِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِثَمَنِهِ إنْ عُلِمَ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ، فَإِنْ بِيعَ مِرَارًا فَقَوْلَانِ نَصُّهَا قُسِمَ، ثُمَّ إنْ جَاءَ رَبُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَحَلَفَ " (وَبِالْأَوَّلِ إنْ تَعَدَّدَ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ تَعَدَّدَ بِيعَ مَارٌّ بِهِ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ فَطُرُقٌ. ابْنُ مُحْرِزٍ وَالشَّيْخُ: فِي أَخْذِهِ بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ أَوْ بِالْأَوَّلِ قَوْلَانِ. ابْنُ يُونُسَ: رَجَعَ سَحْنُونَ وَقَالَ: لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِمَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالشُّفْعَةِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فِي الشُّفْعَةِ لَمْ يَمْنَعْ أَخْذَهُ بِالثَّانِي وَلَوْ سَلَّمَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فِيمَا غَنِمَ مَنَعَهُ وَهَذَا رَابِعُ الْأَقْوَالِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْعَبْدِ يَسْبِيهِ الْعَدُوُّ ثُمَّ يَقَعُ فِي سَهْمَانِ رَجُلٍ يَبِيعُهُ ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ رِجَالٌ ثُمَّ يَأْتِي سَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَقُومُ بِهِ فَيَبِيعُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ إلَّا مَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيْعَ فَوْتٌ لِشُبْهَةِ مِلْكِ الْعَدُوِّ إيَّاهُ إذْ قَدْ قِيلَ: لَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهِ إلَيْهِ فَلَهُ مَا اسْتَفْضَلَ فِيهِ الْمُبْتَاعُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا نَزَلَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ عَبِيدٌ لِأَهْلِ
[ ٤ / ٥٨٦ ]
الْإِسْلَامِ فَبَاعَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ بِالثَّمَنِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِمْ مِنْ بَائِعِهِمْ فِي عَهْدِهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُمْ فِي بَلَدِهِ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ وَهَبَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ قَدِمَ بِهِمْ لَأَخَذَهُمْ رَبُّهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُمْ لَهُ مُعَاهَدٌ.
(وَأُجْبِرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ وَاتُّبِعَ بِهِ إنْ أَعْدَمَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ وُجِدَتْ فِي الْمَغَانِمِ أُمُّ وَلَدٍ مُسْلِمٍ لَمْ تُقْسَمْ وَإِنْ قُسِمَتْ بَعْدُ لِمَعْرِفَةٍ أَخَذَهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ. ابْنُ عَلَاقٍ: إنْ قُسِمَتْ جَهْلًا بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ثَبَتَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى رَبِّهَا قِيلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهَذَا يُحْكَى عَنْ سُفْيَانَ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَهَلْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا يَفْدِيهَا سَيِّدُهَا وَهَلْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَيُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا إنْ كَانَ عَدِيمًا؟ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَرْبِيٍّ بِبَلَدِ الْحَرْبِ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ مَا أَدَّى، شَاءَ السَّيِّدُ أَوْ أَبَى، وَإِنْ جَاوَزَ قِيمَتَهَا وَلَا خِيَارَ لَهُ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا اُتُّبِعَ بِذَلِكَ وَأَخَذَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ (إلَّا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا) سَحْنُونَ: لَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ بِشَيْءٍ وَلَا فِي تَرِكَةِ سَيِّدِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ بِيَدِ مَنْ صَارَتْ بِيَدِهِ لَمْ يُتْبَعْ سَيِّدُهَا بِشَيْءِ.
(وَلَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ إلَى أَجَلٍ وَمُدَبَّرٌ بِحَالِهِمَا وَتَرْكُهُمَا مُسْلِمًا لِخِدْمَتِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ جَهِلُوا أَنَّهُ مُدَبَّرٌ حَتَّى اقْتَسَمُوا ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعَ مُدَبَّرًا ثُمَّ لَا يُتْبِعُهُ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا وَرَثَتُهُ إنْ أُعْتِقَ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ خَدَمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي حُسِبَ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْفَى وَسَيِّدُهُ الْأَوَّلُ حَيٌّ رَجَعَ إلَيْهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ هَلَكَ السَّيِّدُ وَقَدْ تَرَكَهُ بِيَدِ مَنْ صَارَ فِي سَهْمِهِ يَخْتَدِمُهُ فِي ثَمَنِهِ فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ وَفَاءِ ذَلِكَ خَرَجَ حُرًّا مِنْ ثُلُثِهِ وَاتُّبِعَ بِبَاقِي الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مَا وَسِعَ الثُّلُثَ وَاتُّبِعَ مَا عَتَقَ مِنْهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ كَالْجِنَايَةِ فِي هَذَا.
وَلَا بُدَّ أَنْ تُضَمَّ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ عَبْدًا إلَى مَالِ سَيِّدِهِ لِيَعْلَمَ مَا يَحْمِلُ الثُّلُثُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ شَيْئًا غَيْرَهُ عَتَقَ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّ سَيِّدَهُ أَسْلَمَهُ وَلَا قَوْلَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بِمَا رَقَّ مِنْهُ أَوْ يَفْدُوهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسَلِّمُونَهُ رِقًّا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِيهِ مِنْ الْمَغَانِمِ إنَّمَا اشْتَرَى رَقَبَتَهُ فَلَمَّا أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ فَقَدْ أَسْلَمَ لَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِمَا يُرَقَّ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي الْجِنَايَةِ إنَّمَا أَسْلَمَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خِدْمَتَهُ، وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ مَحْمَلَهُ وَصَارَ كَمُعْتَقِ بَعْضِهِ حَيًّا فَيُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ فِيمَا رَقَّ مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا. ابْنُ يُونُسَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ اخْتِلَافُ قَوْلٍ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ أُوقِفَ لَهُ وَإِلَّا وَقَعَتْ خِدْمَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ سَيِّدُهُ خُيِّرَ فِي فِدَاءِ خِدْمَتِهِ وَإِسْلَامِهَا لِمُشْتَرِيهَا كَالْمُدَبَّرِ، وَلَوْ جَهِلَ أَنَّهُ مُعْتَقٌ إلَى أَجَلٍ فَبِيعَ فِي الْمَغَانِمِ فَإِنْ فَدَاهُ سَيِّدُهُ بِالثَّمَنِ عَادَ إلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَفِ عَتَقَ وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَحُرٌّ
[ ٤ / ٥٨٧ ]
إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَاتُّبِعَ بِمَا بَقِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ هَلَكَ السَّيِّدُ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ وَاتُّبِعَ بِبَاقِي الثَّمَنِ كَمُسْلِمٍ.
(أَوْ ذِمِّيٍّ قُسِمَا وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِمَا بِأَمْرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُبَاعَانِ فِي الْغَنِيمَةِ خَطَأً لِصَمْتِهِمَا فِيهِمَا طُرُقٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ إذَا عُذِرَا لِلْجَهْلِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا لَمْ يُعْذَرَا بِجَهْلٍ وَسَكَتَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ لَا يَلْزَمُهُمَا فَأَوْجَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ عِيسَى غُرْمَ أَثْمَانِهِمَا لِلْمُشْتَرِي إنْ فَاتَ الْقَسْمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ سَحْنُونُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَنَحْوَ رِوَايَةِ عِيسَى هُوَ رِوَايَتُهُ أَيْضًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُقِرَّانِ بِالْمَمْلَكَةِ فَيُبَاعَانِ فَتُوطَأُ الْمَرْأَةُ فَتَلِدُ وَقَدْ مَاتَ بَائِعُهُمَا أَوْ فَلِسَ أَنَّ أَثْمَانَهُمَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي دَيْنًا عَلَيْهِمَا. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ جَارٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْغُرُورِ بِالْقَوْلِ: هَلْ يَلْزَمُ بِهِ غُرْمٌ أَمْ لَا. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْتَزَمَ الْمُوَثَّقُونَ أَنْ يَكْتُبُوا فِي عَقْدِ الرَّقِيقِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ قَدْ بَلَغَا إقْرَارُهُمَا بِالرِّقِّ لِبَائِعِهِمَا لِيَكُونَ لِلْمُشْتَرِي اتِّبَاعُهُمَا بِأَثْمَانِهِمَا إنْ اسْتَحَقَّا بِحُرِّيَّةٍ وَثَبَتَ الْعِلْمُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَالْبَائِعُ مَيِّتٌ أَوْ عَدِيمٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَالْإِقْرَارِ يَجِبُ بِهِ الرُّجُوعُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا فَائِدَةَ فِي كِتَابِهِ إذْ لَا يُوجِبُ شَيْئًا. ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ شَرْطُ الْفَائِدَةِ كَوْنَهَا فِي مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ حُصُولُهَا بِقَوْلٍ مَشْهُورٍ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَإِنْ حَمَلَ بَعْضُهُ رُقَّ بَاقِيهِ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ شَيْئًا غَيْرَهُ عَتَقَ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَمَا بَقِيَ لِمُشْتَرِيهِ وَلَا قَوْلَ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ. اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا.
(وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى حَالِهِ وَإِلَّا فَقِنٌّ أَسْلَمَ أَوْ فُدِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ غَنِمَ الْمُكَاتَبُ وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ وَبِيعَتْ كِتَابَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ وَيُؤَدِّي إلَى مَا صَارَ إلَيْهِ وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ جَاءَ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ كِتَابَتُهُ فَفَدَاهَا عَادَ إلَيْهِ مُكَاتَبًا وَإِنْ أَسْلَمَهَا وَعَجَزَ رُقَّ لِمُبْتَاعِهِ.
(وَعَلَى الْآخِذِ إنْ عَلِمَ بِمِلْكٍ مُعَيَّنٍ تَرْكُ تَصَرُّفٍ لِيُخَيِّرَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: إنْ صَارَتْ جَارِيَةٌ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَعَلِمَ أَنَّهَا لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَيَطَؤُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَسَمِعْته قَالَ: مَنْ أَصَابَ
[ ٤ / ٥٨٨ ]
جَارِيَةً أَوْ غُلَامًا فِي مَغْنَمٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ عَلِمَ رَبُّهُ رَدَّهُ لَهُ يُرِيدُ يُخَيِّرُهُ فِيهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا.
ابْنُ بَشِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فِيهِ شَفِيعٌ فَلَا يُحْدِثُ فِيهِ حَدَثًا إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِرَأْيِ الشَّفِيعِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا (وَإِنْ تَصَرَّفَ مَضَى كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِيٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ أَمَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ابْتَاعَهَا مِنْ حَرْبِيٍّ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ عَرْضًا فَلْيَعْرِضْهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا وَجَدَهُ السَّيِّدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَلَا إلَى رِقِّهِ.
أَخَذَهُمْ مِمَّنْ كَانُوا بِيَدِهِ مِنْ مَغْنَمٍ أَوْ اشْتَرَاهُمْ مِنْ حَرْبِيٍّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَبَقُوا إلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَإِنْ فَاتُوا بِبَيْعٍ مَضَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْصُهُ وَلَكِنْ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ مَا وَقَعَ بِهِ فِي الْمَقَاسِمِ وَيَتَقَاضَاهُ (بِاسْتِيلَادٍ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَفِي
[ ٤ / ٥٨٩ ]
الْمُؤَجَّلِ تَرَدُّدٌ) اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُعَجَّلَ وَأَقْحَمَ " إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ " بَيْنَ " بِاسْتِيلَادٍ " وَبَيْنَ " وَفِي الْمُؤَجَّلِ " فَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَنَقْصًا.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا تَصَرَّفَ فِي الرَّقِيقِ بِالْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ وَالِاسْتِيلَادِ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ فَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَا وَجَدَهُ السَّيِّدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَيَخْتَلِفُ عَلَى هَذَا إذَا أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَمْضِي ذَلِكَ كُلُّهُ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُفِيدُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ إنْجَازِ الْعِتْقِ فَيَقْوَى هَاهُنَا الرَّدُّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَانْظُرْ لَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمُ وُقُوفِهِمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالتَّدْبِيرَ كَالْعِتْقِ انْتَهَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ " فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَلْقَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيَّ وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ عَبْدًا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَقَالَ: أَنَا أُعْطِيهِ لِصَاحِبِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. هَلْ يَمْضِي عِتْقُهُ؟ فَقُلْت: يَمْضِي عِتْقُهُ لِأَنَّ السَّيِّدَ كَانَ لَهُ بِالْخِيَارِ وَضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَكَانَ عِتْقُهُ جَائِزًا فِيهِ.
وَخَالَفَنِي أَبُو الْقَاسِمِ وَقَالَ: يُرَدُّ عِتْقُهُ لَأَنْ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِصَاحِبِهِ. وَاسْتَحْسَنَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ جَوَابِي. وَقَالَ: لَا يَضُرُّهُ فِي عِتْقِهِ مَا أَرَادَ مِنْ دَفْعِهِ لِسَيِّدِهِ لِمَا بَدَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِالْعِتْقِ فِيهِ.
(وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ مَجَّانًا وَبِعِوَضٍ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ دَخَلْت إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَابْتَعْت عَبْدَ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ أَسَرَهُ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ لَك الْحَرْبِيُّ فَكَافَأْته عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْك مَا أَدَّيْت فِيهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ وَإِنْ لَمْ تُثَبْ وَاهِبُك أَخَذَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ (إنْ لَمْ يَبِعْ فَيَمْضِي وَلِمَالِكِهِ أَخْذُ الثَّمَنِ أَوْ الزَّائِدِ.) ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ بَاعَهُ الَّذِي وُهِبَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ مَضَى الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَوْهُوبِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ ثُمَّ بَاعَهُ فَلِرَبِّهِ أَخْذُ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مُشْتَرِيهِ مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ مَا أَدَّى فِيهِ. قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيُقَاصُّهُ بِهِ فِي ذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِفَضْلٍ إنْ بَقِيَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَالْأَحْسَنُ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَخْذُهُ بِالْفِدَاءِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: فِي رُجُوعِ مَنْ فَدَى مِنْ يَدِ لِصٍّ لِفِدَائِهِ عَلَى رَبِّهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَثِيرُ عُرُوضِ هَذِهِ النَّازِلَةِ بِإِقْلِيمِنَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِدَاءَهُ بِحَيْثُ يُرْجَى لِرَبِّهِ خَلَاصُهُ مِنْ اللِّصِّ بِأَمْرٍ
[ ٤ / ٥٩٠ ]
مَا حِرْمَانُ فَادِيهِ. وَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَخْذَهُ بِالْفِدَاءِ وَسَيَأْتِي نَصٌّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ ".
(وَإِنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْوُهُ اُسْتُوْفِيَتْ خِدْمَتُهُ ثُمَّ هَلْ يُتَّبَعُ إنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِمَا بَقِيَ قَوْلَانِ) قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْمُدَبَّرِ يَشْتَرِي مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ إنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْدِيَهُ خُدِمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي دُفِعَ فِيهِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَحَمَلَهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ وَيُتْبِعُهُ مُشْتَرِيهِ بِمَا بَقِيَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُحَاسِبَهُ بِمَا اخْتَدَمَهُ بِهِ وَمَا اسْتَغَلَّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هَذَا يُتَّبَعُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: صَوَابٌ وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا اخْتَدَمَهُ وَيُتْبِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ سَحْنُونَ. ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: إذَا سَبَى فَفَدَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ بِمَالٍ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ فَدَاهُ بِذَلِكَ وَلَا يُحَاسِبُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ صَارَتْ جَمِيعُ خِدْمَتِهِ لِلَّذِي فَدَاهُ إلَى الْأَجَلِ، فَإِذَا أُعْتِقَ اتَّبَعَهُ بِجَمِيعِ مَا فَدَاهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُحَاسِبُهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِبُلُوغِ الْأَجَلِ شَيْءٌ اتَّبَعَهُ بِهِ.
(وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ حُرٌّ إنْ فَرَّ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَنِمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عَبِيدِ الْحَرْبِيِّينَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا أَوْ نَدْخُلَ نَحْنُ بِلَادَهُمْ فَلْنَغْنَمْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَسَيِّدُهُ مُشْرِكٌ فَيَكُونُ حُرًّا وَلَا يُرَدُّ لِسَيِّدِهِ إنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
(لَا إنْ خَرَجَ بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَتَرَكَ سَيِّدَهُ مُسْلِمًا فَهُوَ لَهُ رُقَّ إنْ أَتَى.
(وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إلَّا إذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَأَسْلَمَتْ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فَانْظُرْ أَنْتَ لَفْظَ خَلِيلٍ مَعَ هَذَا، وَانْظُرْ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقُرِّرَ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ ".
قَالَ ابْنُ عَلَاقٍ: قَوْلُهُ: " السَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ " يَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: أَنْ تُسْبَى الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا وَيَبْقَى الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَأَنْ يُسْبَى الزَّوْجُ أَوَّلًا ثُمَّ تُسْبَى هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُسْبَيَا مَعًا. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِمَا إذَا سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلُ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ بِأَمَانٍ، وَأَمَّا إنْ أَتَى أَحَدُهُمَا أَوَّلًا بِأَمَانٍ ثُمَّ سُبِيَ الثَّانِي فَلَا يَنْهَدِمُ النِّكَاحُ وَيُخَيَّرُ هُوَ إنْ كَانَ الَّذِي سُبِيَ بَعْدَ أَنْ
[ ٤ / ٥٩١ ]
قَدِمَتْ هِيَ بِأَمَانٍ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ بِهَا أَوْ قَدِمَ إلَيْنَا مُسْلِمًا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ ثُمَّ سَبَى الْمُسْلِمُونَ زَوْجَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ الْإِسْلَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا وَجَمِيعُ مَا لِلزَّوْجِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ لِذَلِكَ الْجَيْشِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فَالنِّكَاحُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَا إنْ عَتَقَتْ. (وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ ".
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا خِلَافًا لِنَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ. وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ بِبَلَدِهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ فَيْءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ وَأَشْهَبُ: إنَّ وَلَدَهُ أَحْرَارٌ تَبَعٌ لَهُ، وَمَالُهُ وَامْرَأَتُهُ فَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ هَاجَرَ وَحْدَهُ وَتَرَكَ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ وَمُقْتَضَى مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَمَالُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ لَوْ بَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَفِي كَوْنِهِ كَمَا لَوْ خَرَجَ قَوْلَا الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ: وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَالُ الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: يَتَرَجَّحُ أَنْ يُحْكَمَ فِي مَالِ الْمُدْجِنِينَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ. وَلِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُدْجِنِينَ. اُنْظُرْ قَبْلَ سَمَاعِ سَحْنُونٍ بِمَسْأَلَةٍ، فَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ بِبَلَدِهِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهَذَا خِلَافُ نَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ.
(لَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ أَوْ مُسْلِمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا سَبَى الْعَدُوُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَلَدُهَا الصِّغَارُ بِمَنْزِلَتِهَا لَا يَكُونُونَ فَيْئًا، وَأَمَّا الْكِبَارُ إذَا بَلَغُوا وَقَاتَلُوا فَهُمْ فَيْءٌ (وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ أَوْ إنْ قَاتَلُوا تَأْوِيلَانِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا بَلَغَ وَلَدُهَا وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا حَتَّى يُقَاتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: إذَا بَلَغُوا فَهُمْ فَيْءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا (وَوَلَدُ الْأَمَةِ لِمَالِكِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً كَانَ كَبِيرُ وَلَدِهَا وَصَغِيرُهُمْ لِسَيِّدِهَا.
[ ٤ / ٥٩٢ ]
ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ. فَأَمَّا عَقْدُ الذِّمَّةِ فَيُنْظَرُ فِي أَرْكَانِهِ وَأَحْكَامِهِ. فَأَمَّا أَرْكَانُهُ فَخَمْسَةٌ: نَفْسُ الْعَقْدِ وَالْعَاقِدِ وَفِيمَنْ يَعْقِدُهُ لَهُ وَفِي الْبِقَاعِ وَفِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ (عَقْدُ الْجِزْيَةِ إذْنُ الْإِمَامِ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ الْعَاقِدُ وَهُوَ الْإِمَامُ فَلَوْ عَقَدَهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ يَمْنَعُ الِاغْتِيَالَ.
اُنْظُرْ تَعَقُّبَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَيْهِ (لِكَافِرٍ صَحَّ سِبَاؤُهُ مُكَلَّفٍ حُرٍّ قَادِرٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تُعْقَدُ لَهُ وَهُوَ كُلُّ كَافِرٍ ذَكَرٍ بَالِغٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ
[ ٤ / ٥٩٣ ]
لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَلَا بِمُتَرَهِّبٍ مُنْقَطِعٍ فِي دَيْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَمِنْ الْعَجَمِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بِاتِّفَاقٍ. أَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» وَأَمَّا قُرَيْشٌ فَقِيلَ لِمَكَانِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ دَانَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ ذَهَبَ أَيْضًا مَالِكٌ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عُمَرُ قَالَ مَالِكٌ: تُؤْخَذُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ ضَعُفَ عَنْهَا. ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطُهَا وَقِيلَ: إلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ ضَعُفَ عَنْهَا أَحَدٌ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدٌ: يُخَفَّفُ عَمَّنْ لَا يَقْدِرُ. وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَاطْرَحُوهَا عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِفُوهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (مُخَالِطٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: تُؤْخَذُ مِنْ الْعُقَلَاءِ الْمُخَالِطِينَ لِلْكُفَّارِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجَانِينِ وَلَا مِنْ الرُّهْبَانِ (لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ كَانَ الْعِتْقُ أَضَرَّ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ الْجِزْيَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إذَا تَجَرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرُ (بِسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يُقَرُّ كَافِرٌ وَلَوْ بِجِزْيَةٍ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِإِجْلَاءِ
[ ٤ / ٥٩٤ ]
عُمَرَ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي مُسَمًّى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ مَالِكٌ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَأَرْضُ الْعَرَبِ.
قَالَ عِيسَى: وَيُخْرَجُ الْعَبِيدُ كَمَا يُخْرَجُ الْأَحْرَارُ. وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يُخْرَجُ الْعَبِيدُ (وَلَهُمْ الِاجْتِيَازُ) الْبَاجِيُّ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا مُسَافِرِينَ لِدُخُولِهِمْ إيَّاهَا بِجَلْبِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُمْ عُمَرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَسْتَوْفُونَ وَيُسِرُّونَ فِي حَوَائِجِهِمْ (بِمَالٍ لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ عَلَى بِلَادِهِمْ الْمُقَرِّينَ فِيهَا لِعِمَارَتِهَا فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا فَرَضَهَا عُمَرُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ.
[حَدُّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ]
(وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ فَقِيلَ: إنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ حِينَ تُعْقَدُ لَهُمْ الذِّمَّةُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ حَوْلٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: إنَّهَا لَا
[ ٤ / ٥٩٥ ]
تَجِبُ إلَّا بِآخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ نَصٌّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهَا تَجِبُ بِآخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ سَنَةً بِسَنَةٍ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ كَمَا ذَكَرْنَا (وَنُقِّصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ) هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ يُونُسَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " قَادِرٍ " (وَلَا تُزَادُ) تَقَدَّمَ نَصُّ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ (وَلِلصُّلْحِيِّ مَا شَرَطَ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا حَدَّ لِلْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ إذْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُمْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَيْهَا فَإِنَّمَا هِيَ عَلَى مَا يُرَاضِيهِمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ عَلَى أَنْ يُقَرُّوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ وَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْحَرْبِ الرِّضَا بِهِ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ لِأَمْرِهِمْ وَأَنَّ لِأَقَلِّهَا حَدًّا إذَا بَذَلُوهُ لَزِمَ الْإِمَامَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ. وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّ أَقَلَّهَا مَا فَرَضَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْعَنْوَةِ فَإِذَا بَذَلَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوهُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ لَزِمَ الْإِمَامَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ فِي الصُّلْحِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ (وَإِنْ أُطْلِقَ فَكَالْأَوَّلِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى الْجِزْيَةِ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَا تَحْدِيدٍ وَجَبَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ وَحُمِلُوا فِي الْجِزْيَةِ مَحْمَلَ أَهْلِ الْعَنْوَةِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهَا (وَالظَّاهِرُ إنْ بَذَلَ الْأَوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الْإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: عِنْدِي إذَا بَذَلَ مَا فَرَضَ عُمَرُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ حَرُمَ قِتَالُهُمْ.
(وَسَقَطَتَا بِالْإِسْلَامِ) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ. وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الذِّمِّيِّ الْجِزْيَةُ سَنَةً حَتَّى أَسْلَمَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَهْلِ حِصْنٍ هُودِنُوا ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مَعْلُومًا فَأَعْطَوْهُمْ سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَسْلَمُوا: إنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُمْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَالُ الَّذِي هُودِنُوا عَلَيْهِ مِثْلُ
[ ٤ / ٥٩٦ ]
الْجِزْيَةِ (كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ فَقَطْ) مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: أَرَى إسْقَاطَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ لَهُمْ. الْبَاجِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ مَعَ الْوَفَاءِ. سَحْنُونَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ شَيْءٌ إلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ إلَّا الضِّيَافَةُ الَّتِي وَضَعَهَا عُمَرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ إلْزَامُهُمْ الضِّيَافَةَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَانَ عُمَرُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحِنْطَةِ مُدَّانِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي الشَّهْرِ مَعَ ثَلَاثَةِ أَقْسَاطٍ مِنْ الزَّيْتِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَإِرْدَبٌّ مِنْ حِنْطَةٍ كُلَّ شَهْرٍ وَلَا أَدْرِي كَمْ مِنْ الْوَدَكِ وَالْعَسَلِ وَكِسْوَةٍ كَانَ عُمَرُ يَكْسُوهَا لِلنَّاسِ وَعَلَى أَنْ يُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا كُلَّ شَهْرٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ وَكِسْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ لَا أَعْرِفُ قَدْرَهَا كَانَ يَكْسُوهَا عُمَرُ لِلنَّاسِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا تَعَدَّى عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا فَرَضَ عُمَرُ سَقَطَتْ عَنْهُمْ الضِّيَافَةُ وَلَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَضِيفَهُمْ وَلَا يَأْكُلَ لَهُمْ شَيْئًا. وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُر مَا يَلْزَمُهُمْ إذَا تَجَرُوا مِنْ أُفْقٍ إلَى أُفْقٍ لَا شَكَّ أَنَّهُ سَهَا عَنْهُ.
(وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) مِنْ سَمَاعِ عِيسَى سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً، مِثْلُ أَهْلِ مِصْرَ، هَلْ يَحِلُّ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى شُعُورِهِنَّ؟ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ هُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَاءِ؟ قَالَ: لَا بَلْ هُنَّ أَحْرَارٌ لِأَنَّ دِيَةَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُنَّ خَمْسُمِائَةٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ كَانَ حُرًّا فَهُنَّ أَحْرَارٌ يَحْرُمُ مِنْهُنَّ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَحْرَارِ.
ابْنُ رُشْدٍ: حَكَمَ لِأَهْلِ الْعَنْوَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِحُكْمِ الْأَحْرَارِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ إقْرَارَهُمْ فِي الْأَرْضِ لِعِمَارَتِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَنِّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا﴾ [محمد: ٤] وَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: كَيْفَ يُعْرَفُ إنْ كَانَ تَرَكَ وَارِثًا أَوْ لَا وَفَرَائِضُهُمْ مُخَالِفَةٌ
[ ٤ / ٥٩٧ ]
لِفَرَائِضِنَا؟ فَقَالَ: يُرَدُّ ذَلِكَ إلَى أَسَاقِفَتِهِمْ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ يَرِثُهُ فِي دِينِنَا أَخِذَ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ قَالُوا تَرِثُهُ عَمَّتُهُ أَوْ خَالَتُهُ أَوْ ذَاتُ رَحِمٍ مِنْهُ فَذَلِكَ إلَيْهِمْ بِدَيْنُونَةٍ.
الْبَاجِيُّ: هَذَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ كَإِخْبَارِهِمْ فِيمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ الْأَدْوَاءِ كَتَرْجَمَتِهِمْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ الَّتِي لَا نَعْرِفُهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يُنْظَرُ إلَى شُعُورِ نِسَائِهِمْ.
وَيَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ هِبَةِ أَمْوَالِهِمْ وَالصَّدَقَةِ بِهَا وَأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ الْوَصَايَا بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَارِثٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ وَكَانَ مِيرَاثُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ الْعَنْوَةِ أَخَذَ مِنْهُمْ دَرَاهِمَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ وَكُلَّ مَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَأْذُونٌ لَهُمْ فِي التَّجْرِ وَمَا أُحِبُّ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِمْ وَإِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَسْلَمُوا كَانَ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَمْ تُنْتَزَعْ مِنْهُمْ وَهُوَ الْآتِي عَلَى سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ. وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَيْنَ مَا اسْتَفَادُوهُ بَعْدَ الْفَتْحِ لَيْسَ جَارِيَةً عَلَى قِيَاسٍ.
اُنْظُرْ الْأَسْمِعَةَ الثَّلَاثَةَ فَفِيهَا طُولٌ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ فَالْأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ) مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ لَهُ وَلَا مَالُهُ وَلَا دَارُهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ. ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ مَالَهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَهُ قَالَهُ مَالِكٌ. انْتَهَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ.
(وَفِي الصُّلْحِ إنْ أُجْمِلَتْ فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ وَوَرِثُوهَا) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً عَلَيْهِمْ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ أَرْضَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِمْ يَبِيعُونَهَا وَيَرِثُونَهَا وَيَقْتَسِمُونَهَا وَتَكُونُ لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِأَهْلِ مُؤَدَّاهُ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْوَصَايَا وَإِنْ أَحَاطَتْ بِأَمْوَالِهِمْ إذْ لَا يُنْقِصُونَ شَيْئًا مِنْ الْجِزْيَةِ لِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى
[ ٤ / ٥٩٨ ]
الْجَمَاجِمِ وَمَنْ مَاتَ سَقَطَتْ عَنْهُ، فَهَذَا إنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فَهِيَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ وَوَصِيَّتُهُمْ فِي الثُّلُثِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً عَلَى رِقَابِهِمْ دُونَ الْأَرْضِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَمَالَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَرِثُونَ وَتَكُونُ لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا.
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِعِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ وَالْأَرْضِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْجَمَاجِمِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ بَيْعَ الْأَرْضِ جَائِزٌ وَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُبْتَاعِ
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ. الْبَاجِيُّ: وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا هُوَ سَبَبُ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَوْ اسْتَعْذَرَتْ أَوْ تَلِفَتْ لَسَقَطَ الْخَرَاجُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْخَرَاجُ مَعَهَا، وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَنْدَلُسِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ بِالْأَخْذِ بِقَوْلِ أَشْهَبَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَهْلِكُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ فَيُرِيدُ ابْتِيَاعَ الْأَرْضِ بِمَا عَلَيْهَا، وَقَدْ أَلْحَقَ أَهْلُ بَلَدِنَا بِذَلِكَ مَا لَزِمَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ مِنْ وَظَائِفِ الظُّلْمِ لِلسَّلَاطِينِ فَأَجْرَوْهَا مَجْرَاهَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْوَظَائِفَ مَظْلِمَةٌ لَيْسَتْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ بِفِرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ.
وَخَرَاجُ أَهْلِ الصُّلْحِ لَا يَحِلُّ لَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسٍ وَإِنَّمَا مِثْلُ الْمَظَالِمِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَى الْأَرْضِ، مِثْلُ ابْتِيَاعِ الثِّيَابِ فِي بَلَدٍ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ الْمَكْسُ فِي كُلِّ مَا يَبْتَاعُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ التَّبَايُعِ. كَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً فِي طَرِيقٍ يُؤْخَذُ فِيهَا عَنْ كُلِّ دَابَّةٍ مَكْسٌ وَرُبَّمَا خَفِيَ أَمْرُهُ فَسَلَّمَ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكِرَاءِ.
(وَلِلْعَنَوِيِّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ إنْ شَرَطَ وَإِلَّا فَلَا) اُنْظُرْ كِتَابَ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ فِي الْأَخِيرِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ. اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِي بَلْدَةٍ بَنَاهَا الْمُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكْنَا رَقَبَةَ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَهْرًا وَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَعْطَوْا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَرْضِ الصُّلْحِ
[ ٤ / ٥٩٩ ]
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مُسْلِمُونَ.
وَعَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَفِي جَوَازِ إحْدَاثِ ذَوِي الذِّمَّةِ الْكَنَائِسَ بِبَلَدِ الْعَنْوَةِ الْمُقَرِّ بِهَا أَهْلُهَا وَفِيمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ فَسَكَنُوهُ مَعَهُمْ وَتَرَكَهَا إنْ كَانَتْ ثَالِثَهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: تُتْرَكُ وَلَا تُحْدَثُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَعْطَوْا ذَلِكَ (كَرْمَ الْمُنْهَدِمِ وَلِلصُّلْحِيِّ الْإِحْدَاثُ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجُوزُ لَهُمْ الْإِحْدَاثُ بِأَرْضِ الصُّلْحِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَعَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِلَّا فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ: الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ قَائِلًا: وَيُمْنَعُونَ مِنْ رَمِّ قَدِيمِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَيُوَفَّى وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ لِلصُّلْحِيِّ الْإِحْدَاثَ كَرْمَ الْمُنْهَدِمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدَّمَ الْمَخْرَجَ وَأَخَّرَ (وَبَيْعُ عَرْصَتِهَا أَوْ حَائِطِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ بَاعَ الْأُسْقُفُ عَرْصَةً مِنْ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا جَازَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَلَدُ صُلْحًا وَلَمْ يَجُزْ إنْ كَانَ الْبَلَدُ عَنْوَةً.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا أَرْضُ الْعَنْوَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّ جَمِيعَهَا فَيْءٌ لِلَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْكَنَائِسُ وَغَيْرُهَا. وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَرْضِ الْكَنِيسَةِ تَكُونُ عَرْصَةَ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا فَيَبِيعُ ذَلِكَ أُسْقُفُ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَهُوَ النَّاظِرُ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الشِّرَاءَ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَنَعَهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ.
وَالْوَجْهُ إنْ أَرَادَ مِنْ حَبْسِهَا إبْقَاءَهَا وَأَرَادَ الْأُسْقُفُ بَيْعَهَا لَزِمَ الْكَنِيسَةَ أَوْ لِخَرَاجِهِمْ وَرَضِيَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. اُنْظُرْهُ فِيهِ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ (لَا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: لَمَّا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْلِ النَّصَارَى الْمُعَاهَدِينَ مِنْ الْأَنْدَلُسِ لِلْعُدْوَةِ الْأُخْرَى خَوْفًا مِنْ دَاخَلْتِهِمْ.
اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَاجِبُ
[ ٤ / ٦٠٠ ]
أَنْ يُبَاحَ لَهُمْ بُنْيَانُ بِيعَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِقَامَةِ شَرْعِهِمْ وَيُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِيهَا. قَالَ: وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْحُكْمِ.
(وَمُنِعَ رُكُوبُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ) ابْنُ عَرَفَةَ: السِّيرَةُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْوَفَاءُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. ابْنُ شَاسٍ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ رُكُوبَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ النَّفِيسَةِ لَا الْحَمِيرُ وَلَا يَرْكَبُونَ السُّرُوجَ بَلْ عَلَى الْأَكُفِّ عَرْضًا. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقِيتُمُوهُمْ بِطَرِيقٍ فَالْجِئُوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا.
قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ (وَأُلْزِمَ بِلُبْسٍ يُمَيَّزُ بِهِ وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ) سَحْنُونَ: تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَلَا يَتَشَبَّهُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ وَيُؤَدَّبُونَ عَلَى تَرْكِ الزَّنَانِيرِ.
(وَإِظْهَارِ السُّكْرِ وَمُعْتَقِدِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُمْنَعُ الذِّمِّيُّونَ السَّاكِنُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إظْهَارَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتُكْسَرُ إنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا وَيُؤَدَّبُ السَّكْرَانُ مِنْهُمْ. وَإِنْ أَظْهَرُوا صُلْبَهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَاسْتِسْقَائِهِمْ كُسِرَتْ وَأُدِّبُوا وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ (وَبَسْطِ لِسَانِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَفُّ اللِّسَانِ فَإِنْ أَظْهَرُوا مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مُسْلِمٍ عَزَّرْنَاهُمْ وَلَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ (وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ: تُكْسَرُ إنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا.
(وَكُسِرَ النَّاقُوسُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّلِيبَ هُوَ الَّذِي يُكْسَرُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَ نَوَاقِيسِهِمْ وَلَا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَيُنْتَقَضُ بِقِتَالٍ وَمَنْعِ جِزْيَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى اتِّبَاعِ قَوْلِهِ فِي أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَمَنَعُوا الْجِزْيَةَ وَخَرَجُوا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ حَرْبًا وَعْدًا فَيُسْبَوْنَ وَيُقْتَلُونَ إلَّا عَلَى شُرُوطِ أَشْهَبَ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ وَذَلِكَ كَالصُّلْحِ يَنْعَقِدُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى شُرُوطٍ، فَإِذَا لَمْ يُوفُوا بِهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَكَمَنْ اكْتَرَى دَارًا مُشَاهَرَةً فَإِذَا مُنِعَ مِنْ الْكِرَاءِ أُخْرِجَ مِنْ الدَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَرَبُوا لَيْلًا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَدْرَكَتْهُمْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ فَادَّعَوْا أَنَّ هُرُوبَهُمْ خَوْفًا مِنْ التَّظَلُّمِ وَكَانُوا مُجَاوِرِينَ لِقَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ أَهْلِ ظُلْمٍ لِمَنْ جَاوَزَهُمْ: أَرَى أَنْ يُصَدَّقُوا وَيَرُدُّوا إلَى جِزْيَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهِمْ ظُلْمَ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْهُمْ أَوْ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُمْ يَسِيرُونَ حَيْثُ أَحَبُّوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُمْ
[ ٤ / ٦٠١ ]
فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَلَا يُسْتَحَلُّوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا أَشَرًا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تَحْتِ إمَامٍ عَدْلٍ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ أَصْبَغَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ) ابْنُ شَاسٍ: يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ.
(وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) قَتَلَ عُمَرُ نَصْرَانِيًّا اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً. ابْنُ حَبِيبٍ: وَصَدَاقُهَا فِي مَالِهِ وَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ لَا أَبِ لَهُ وَلَوْ أَسْلَمَ غَاصِبُهَا لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّ قَتْلَهُ لِلنَّقْضِ لَا لِلزِّنَا. وَقَالَهُ أَصْبَغُ: اللَّخْمِيِّ: وَوَطْؤُهُ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ بِمِلْكٍ أَوْ زِنًا غَيْرُ نَقْضٍ إنْ طَاوَعَتْهُ وَإِلَّا فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذْ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَغُرُورِهَا) اللَّخْمِيِّ: وَطْؤُهُ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ إنْ كَانَ زِنًا طَوْعًا مِنْهَا فَفِي كَوْنِهِ نَقْضًا قَوْلَا رَبِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ بِنِكَاحٍ فَغَيْرُ نَقْضٍ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: إنْ غَرَّهَا فَنَقْضٌ وَيُضْرَبُ عُنُقُهُ (وَتَطَلُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) سَحْنُونَ: إنْ وَجَدْنَا بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ ذِمِّيًّا كَاتَبَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ لِيَكُونَ نَكَالًا لِغَيْرِهِ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أَمِنَ ".
(وَسَبِّ نَبِيٍّ بِمَا لَمْ يُكَفَّرُوا بِهِ قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ تَقَوَّلَهُ أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا أَوْ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ تَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - بِالسَّبِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ. وَمِنْ آخِرِ كِتَابِ الشِّفَاءِ لِعِيَاضٍ مَا نَصُّهُ: الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ سَابِّهِ - ﷺ - وَثَانِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ فُصُولًا إلَى أَنْ قَالَ فِي رَابِعِ فَصْلٍ مِنْهَا: هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا صَرَّحَ بِسَبِّهِ أَوْ عَرَّضَ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا - ﷺ - أَوْ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ: قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذِمِّيٍّ قَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إلَيْنَا وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ سَبَّ فَقَالَ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَقَوَّلَهُ وَنَحْوُ هَذَا فَيُقْتَلُ.
وَقَالَ أَبُو الْمُصْعَبِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا قَالَ: يُقْتَلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ إذَا كَانَتْ الْكِلَابُ تَأْكُلُ سَاقَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ (وَقُتِلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ فِي نَصِّ مَنْ غَصَبَ مُسْلِمَةً إنْ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ. عِيَاضٌ: وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: إنْ تَعَرَّضَ بِالسَّبِّ قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ وَأُخِذَ اُسْتُرِقَّ إنْ لَمْ يَظْلِمْ وَإِلَّا فَلَا) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ "
[ ٤ / ٦٠٢ ]
(كَمُحَارَبَتِهِ) فِيهَا: حِرَابَةٌ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَحِرَابَةِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهَا نَقْضُ عَهْدٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: حُكْمُ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْحِرَابَةِ مَا وَصَفْنَا فِي الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ مَنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ قُوتِلُوا وَسُبُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي حِصْنِ مُسْلِمِينَ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَيُقَاتَلُونَ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا نَسْبِي ذَرَارِيّهِمْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا سَوَاءٌ لَا تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ وَيُقَرُّونَ عَلَى جِزْيَتِهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ أَيْ لَا تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ الَّذِي قَاتَلَهُمْ لِأَنَّ حُكْمَ أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ ذَرَارِيّهِمْ لَا يُسْبَوْنَ " حُكْمُ مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ يَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ عَلَى حُكْمِ النَّاقِضِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ الْعَرَبِ سَارَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ سِيرَةَ النَّاقِضِينَ فَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَجَرَتْ الْمَقَاسِمُ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بَعْدَهُ نَقَضَ ذَلِكَ وَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الْمُرْتَدِّينَ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ الرِّقِّ وَرَدَّهُمْ إلَى عَشَائِرِهِمْ وَإِلَى الْجِزْيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالُوا: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَرُدُّ مَا قَضَى بِهِ غَيْرُهُ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ أَشْهَبَ: " إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَأَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ " خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدِّينَ أَحْرَارٌ مِنْ أُصُولِهِمْ وَالْمُعَاهَدِينَ لَمْ تَتِمَّ حُرِّيَّتُهُمْ بِالْمُعَاهَدَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ عِصْمَةً لَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ فَإِذَا نَقَضُوهَا رَجَعُوا إلَى الْأَصْلِ فَحَلَّ دَمُهُمْ وَسَبَاؤُهُمْ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمُتَنَصِّرِ يُصِيبُ دِمَاءَ النَّاسِ وَأَمْوَالَهُمْ ثُمَّ يُؤْسَرُ فَيَتَشَهَّدُ فَقَالَ: يَصْدُرُ عَنْهُ مَا أَصَابَ فِي ارْتِدَادِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَنَصُّرُهُ مُجُونًا وَفِسْقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: تَلْقِينُ الشَّيْخِ وَابْنِ رُشْدٍ: مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عُمَرَ بِالْقَبُولِ وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِيَةُ الْعَدْلُ أَبُو الرَّبِيعِ فِي اكْتِفَائِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
[عَقْدِ الْمُهَادَنَة وَشُرُوطهَا]
(وَلِلْإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُهَادَنَةُ وَهِيَ الصُّلْحُ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ. فَخَرَجَ الْأَمَانُ وَالِاسْتِئْمَانُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْإِمَامُ لَا غَيْرُهُ سَحْنُونَ: تُكْرَهُ مِنْ السَّرَايَا وَالْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْهِينِ الْجِهَادِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنْ نَزَلَ بِغَيْرِهَا مَضَى (إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمُهَادَنَةِ الْخُلُوُّ مِنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ كَشَرْطِ تَرْكِ مُسْلِمٍ فِي أَيْدِيهِمْ. الْمَازِرِيُّ: وَلَوْ تَضَمَّنَتْ الْمُهَادَنَةُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَفِي لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ لِرَدِّهِ - ﷺ - أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ، وَلَا يُوَفِّي بِذَلِكَ بِرَدِّ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ابْنُ شَاسٍ: لَا يَحِلُّ شَرْطُ ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَحُسْنِ الْعَافِيَةِ. وَانْظُرْ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِقَضِيَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: " وَإِنْ رَسُولًا " وَانْظُرْ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ " (وَإِنْ بِمَالٍ إلَّا
[ ٤ / ٦٠٣ ]
لِخَوْفٍ) اُنْظُرْ هَذَا الْعِبَارَةَ. الْمَازِرِيُّ: لَا يُهَادَنُ الْعَدُوُّ بِإِعْطَائِهِ مَالًا لِأَنَّهُ عَكْسُ مَصْلَحَةِ شَرْعِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ خَوْفَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا مَا شَاوَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي إعْطَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَضِيَّةِ الْأَحْزَابِ لَمَّا أَحَاطُوا بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ مَرْوَانَ (وَلَا حَدَّ) الْمَازِرِيُّ: مُدَّةُ الْمُهَادَنَةِ عَلَى حَسَبِ نَظَرِ الْإِمَامِ (وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ابْنُ شَاسٍ: اسْتَحَبَّ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ (وَإِنْ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ وَوَجَبَ الْوَفَاءُ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ لِلْمُهَادَنَةِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشُّرُوطِ إلَى آخِرِ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَسْتَشْعِرَ خِيَانَةً مِنْهُمْ فَلَهُ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ وَيُنْذِرَهُمْ.
(وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ وَلَوْ أَسْلَمُوا) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاءَ أَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ آبَائِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ، وَإِذَا جَازَ اشْتِرَاؤُهُمْ مِنْهُمْ جَازَ ارْتِهَانُهُمْ مِنْهُمْ وَبَيْعُهُمْ فِيمَا رُهِنُوا فِيهِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ.
ابْنُ شَاسٍ: وَهَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَهَائِنِهِمْ؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَيْهِمْ. أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُ مَالِكٍ يَأْبَى ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. اُنْظُرْ الْأَسِيرَ الْكَافِرَ يَأْبِقُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ ثُمَّ يَأْتِي تَاجِرًا. اُنْظُرْ النَّوَادِرَ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعِلْجِ يَرْهَنُ ابْنَهُ أَوْ بِنْتَهُ فِي فِدَائِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيُقِيمَ بِبَلَدِهِ: فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا اُسْتُرِقَّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أُطْلِقَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْأَبِ عُذْرًا وَلَمْ يَنْكُثْ حِينَ مَضَى لَزِمَ السَّيِّدَ إطْلَاقُ الْوَلَدِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسِيرِ وَالْحَرْبِيِّ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ حَاكِمٌ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي بَلَدِهِ فَجَازَ بَيْعُ الْوَلَدِ فِيمَا رُهِنَ فِيهِ، وَالْأَسِيرُ لَا حُكْمَ فِيهِ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِأَهْلِهِ مُسْتَأْمَنًا فَلَنَا شِرَاءُ بَنِيهِ وَرَقِيقِهِمْ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ زَوْجَتُهُ وَابْنُهُ الْكَبِيرُ وَابْنَتُهُ الَّتِي وَلِيَتْ نَفْسَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ هَادَنَ الْمُسْلِمُونَ لِأَخْذٍ وَلَنَا شِرَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَرْضِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِأَرْضِهِمْ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ (كَمَنْ أَسْلَمَ) ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ: لَا يُوَفِّي لَهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرَّهْنِ وَالرُّسُلِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُرَدُّونَ (وَإِنْ رَسُولًا) ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ سَحْنُونَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَسْلَمَ رَسُولُ أَهْلِ الْحَرْبِ رُدَّ إلَيْهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ وَلَوْ شَرَطُوهُ، وَثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَبِي جَنْدَلٍ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إنَّمَا رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ بِالشَّرْطِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْحُجَّةَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ «أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَقْبَلْت بِكِتَابٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمَّا رَأَيْته أُلْقِيَ فِي قَلْبِي حُبُّ الْإِسْلَامِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَا أَرْجِعُ إلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنِّي لَا أَخْفِرُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرْدَ وَلَكِنْ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِك بَعْدَ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الَّذِي فِي قَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ. قَالَ: فَرَجَعْت إلَيْهِمْ ثُمَّ أَقْبَلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» انْتَهَى.
[ ٤ / ٦٠٤ ]
وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَا لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي عُمَرَ، وَانْظُرْ مَنْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلَ مَالِكٍ كَأَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الْكُفْرِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِالْأَصَالَةِ وَأُسِرُوا وَقَدِمَ بِهِمْ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُمْ الرُّجُوعَ بِهِمْ إنْ أَحَبُّوا. وَانْظُرْ قَضِيَّةَ نُعَيْمٍ سَمَحَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي إخْفَاءِ إسْلَامِهِ عَنْ قَوْمِهِ أَنْ يُخَذِّلَ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِلرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ إسْلَامُهُ تَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا انْبَسَطْتُ فِي تَرْسِيخِ هَذَا لِكَثْرَةِ مَنْ غَرَّنَا فَانْخَدَعْنَا لَهُ بِالْأُسْوَةِ بِمَالِكٍ وَبِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَإِنْ بَقِيَ فِي قَلْبِك مَا بِقَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ أَوْ كَمَا قَالَ:
فَسَلِي ثِيَابَك مِنْ ثِيَابِي تَنْسَلِ لَا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَكُونُ تَكَلُّفَا
(إنْ كَانَ ذَكَرًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ " وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ ".
(وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ طُرُقٌ وَالْأَكْثَرُ وَاجِبٌ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: اسْتِنْقَاذُهُمْ بِالْقِتَالِ وَاجِبٌ فَكَيْفَ بِالْمَالِ؟ زَادَ اللَّخْمِيِّ فِي رِوَايَتِهِ مَعَ رِوَايَةِ أَشْهَبَ: وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَمْ يَخْشَ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ بِذَلِكَ وَفِي الْمَبْدَأِ بِالْفِدَاءِ مِنْهُ طُرُقٌ. ابْنُ بَشِيرٍ: بَيْتُ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، فَإِنْ ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ مَالِهِ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: مَنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فَمَاتَ فَفَدَاهُ مُسْلِمٌ يَرْجِعُ بِفِدَائِهِ فِي قَدْرِ إرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ عَلَى التَّرِكَةِ قَالَ: لَوْ فَدَاهُ الْإِمَامُ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُرِيدُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ فَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ وَلَا أَحَدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْوَاجِبُ كَوْنُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ أَبِيهِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَعَلَى الِابْنِ وَيُتْبَعُ بِهِ فِي عَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. سَحْنُونَ: إنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فِي تِجَارَتِهِ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ وَيُؤَدَّبُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى الْإِمَامِ فِدَاؤُهُ. ابْنُ يُونُسَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُفْدَى مَنْ هَرَبَ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْتَكَّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ فَمَا قَصُرَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ تَعَيَّنَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَقَادِيرِهَا وَيَكُونُ هُوَ كَأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مِنْ فَكِّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَإِذَا ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ الْأَسْرَى أَنْ يَفُكَّ نَفْسَهُ مِنْ مَالِهِ. اُنْظُرْ طَرِيقَةَ سَحْنُونٍ وَطَرِيقَةَ اللَّخْمِيِّ فِي ابْنِ عَرَفَةَ.
(وَرَجَعَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ اشْتَرَيْتَ حُرًّا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلْتَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَيْتَهُ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ لِأَنَّهُ فِدَاءٌ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: يُؤْخَذُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَثُرَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاَلَّذِي فَدَاهُ وَاشْتَرَاهُ مِنْ
[ ٤ / ٦٠٥ ]
الْعَدُوِّ وَأَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ إلَى مَا يَبْلُغُ مَا أَدَّى فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِدَاءٌ لَهُ وَلِمَالِهِ كَمَا لَوْ فَدَيْت مَالَهُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ فَدَيْت دَابَّتَهُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا أَوْ مَتَاعًا لَهُ أَوْ اكْتَرَيْت عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ وَلَا لِغُرَمَائِهِ حَتَّى يَأْخُذَ هَذَا مَا أَدَّى فِيهِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا حُبِسَ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ " وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ الْقَضَاءِ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَوْ ظَالِمٍ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا كَانَ الَّذِي فَدَاهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَفْدِيهِ وَهُوَ كَارِهٌ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ وَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ طَوْعِهِ، فَلِهَذَا صَارَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ بِطَوْعِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ مُشْتَرِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ مَا يَكُونُ أَحَقَّ إلَّا فِي مَالِهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْعَدُوُّ مَعَ رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ وَهَبَهُ الْعَدُوُّ هَذَا الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يُكَافِئَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا كَافَأَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالْحُرُّ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ (بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا الرُّجُوعَ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا فَدَاهُ بِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ. (وَعَلَى الْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ فِدَاءَ أَسِيرٍ لَا مَالَ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعِيدٌ. اللَّخْمِيِّ: إنْ اشْتَرَى مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ حُرًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالثَّمَنِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّ فِدَاءَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ.
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَهُوَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ كَانَ لِمَنْ أَتَى بِهِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ الْفِدَاءِ عَلَى مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُفْتَدَى.
(إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) . ابْنُ بَشِيرٍ: مَنْ افْتَدَى مُسْلِمًا وَلَا مَالَ لَهُ إنْ قَصَدَ الْفَادِي الصَّدَقَةَ أَوْ كَانَ الْفِدَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَافْتَدَاهُ مَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ لَهُ الرُّجُوعُ. اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ لَا مَالَ، مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَجَعَ (وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَقَدْ نَزَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الرُّجُوعَ وَنَفْيَهُ عَلَى أَحْوَالٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ لَا يُرْجَى خَلَاصُهُ إلَّا بِمَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْفِدَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمَبْذُولُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِالْهُرُوبِ أَوْ بِالتَّرْكِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِدُونِ مَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُرْجَى بِهِ الْخَلَاصُ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ (إلَّا مُحْرِمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إذَا كَانَ الْفَادِي أَجْنَبِيًّا الْبَاجِيُّ: وَالْقَرِيبُ غَيْرُ ذِي مَحْرَمٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي اتِّبَاعِهِ بِفِدَائِهِ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ فَدَى مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ يُرِيدُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ يَفْدِيهِ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ فَلْيَتْبَعْهُ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَمَلَائِهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ. وَسَبِيلُ فِدَاءِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٦٠٦ ]
أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ الزَّوْجِيَّةِ إذَا فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: فَصَارَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ (أَوْ يَلْتَزِمُهُ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ أَشْهَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَفْتَدِي صَاحِبَهُ إنَّ ذَلِكَ لَيَرْجِعُ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ مَنْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ يَفْدِيهِ لِيَرْجِعَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الِافْتِدَاءَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْهِبَةَ لَمَّا شَرَطَ الرُّجُوعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ فَقِيرًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَهُ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الِافْتِدَاءِ آكَدُ (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فَدَاهُ وَمَالَهُ فَالْفَادِي أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ (وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنْ كَانَ لِلْمَفْدِيِّ مَالٌ لَمْ يَفْدِ مَعَهُ فَفِي اخْتِصَاصِ الْفَادِي بِهِ نَقَلَا اللَّخْمِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ مَعَ ظَاهِرِ الصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ. اُنْظُرْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى. عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ " فَهُوَ مُوَافِقٌ لِخَلِيلٍ.
(عَلَى الْعَدَد إنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) . ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: مَنْ فَدَى خَمْسِينَ أَسِيرًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَفِيهِمْ ذُو الْقَدْرِ غَيْرُهُ وَالْمَلِيءُ وَالْمُعْدِمُ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ وَقَدْ عَرَفَ ذَا الْقَدْرِ مِنْهُمْ وَشَحُّوا عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ الْفِدَاءُ عَلَى تَقَارُبِ أَقْدَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ جَهِلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبِيدٌ فَهُمْ سَوَاءٌ، وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُمْ أَوْ يَفْدِيَهُمْ.
(وَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ فَدَى أَسِيرًا مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ وَقَدِمَ بِهِ فَقَالَ الْأَسِيرُ: مَا فَدَانِي بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ: بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَقَالَ الْآخَرُ: بِكَثِيرٍ، فَالْأَسِيرُ مُصَدَّقٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا قَالَ الْأَسِيرُ أَوْ لَا يُشْبِهُ، يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ قَالَ: لَمْ يَفْدِنِي أَصْلًا لَصُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ هُوَ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ. انْتَهَى.
نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ أَشْبَهَ قَوْلَهُ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ لَيْسَ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى أُصُولِهِمْ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَبْلَغِ الْفِدْيَةِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَفْدِيِّ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْفَادِي إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ أَيْضًا حَلَفَا جَمِيعًا وَكَانَ لِلْفَادِي مَا يَفْدِي بِهِ مِثْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ نَكَلَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْآخَرُ كَانَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْ دَعْوَاهُ بِنُكُولِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْفَادِي إذَا كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِهِ.
(وَجَازَ بِالْأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونٍ وَالْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ: يُفْدَى الْأَسْرَى بِأَسْرَى الْكُفَّارِ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ لِمَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِهِ. اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: مَا لَمْ يَخْشَ بِفِدَائِهِ ظُهُورَهُمْ
[ ٤ / ٦٠٧ ]
عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْدَى بِصِغَارِ أَطْفَالِهِمْ إذَا لَمْ يُسْلِمُوا بِالذِّمِّيِّ إذَا رَضِيَ الذِّمِّيُّ وَكَانُوا لَا يَسْتَرِقُّونَهُ.
(وَبِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ سَحْنُونَ أَنْ يُفْدَى مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ قَالَ: وَيَأْمُرُ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَيُحَاسِبُهُمْ بِقِيمَتِهِ فِي الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ لَهُمْ. قَالَ: وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَعَلَيْهِمْ الضَّرَرُ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَيْلِ. اُنْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ خِلَافَ أَشْهَبَ فِي هَذَا.
(وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ فَدَى مُسْلِمًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَمْلِكُونَهَا.
قَالَهُ سَحْنُونَ. وَمَعْنَاهُ إنْ فَدَاهُ بِذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ لِيَفْدِيَهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ (وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْمُفَادَاةُ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُفْدَى بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْدَى بِالْخَمْرِ إذْ لَا يَدْخُلُ فِي نَافِلَةٍ بِمَعْصِيَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا التَّفْرِيقُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إذَا ائْتَمَنَ الْعَدُوُّ وَالْأَسِيرَ طَائِعًا عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَخُونَهُمْ مُخْتَارُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَهْرُبُ وَلَا يَخُونُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا إنْ ائْتَمَنُوهُ مُكْرَهًا أَوْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَلِيُوَفِّ بِالْعَهْدِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْعَهْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، يَرَى الْعَدُوُّ أَنَّ الْأُسَارَى لَا يُوَفُّونَ بِعَهْدٍ. وَإِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْهُرُوبُ لِأَنَّ الْعَدُوَّ يَرَاهُ آثَرَ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُقَامِ وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ خَفَرَ بِعَهْدٍ، ثُمَّ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَيْضًا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَلَاقٍ: وَالْفَرْعُ الثَّالِثُ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ حَلَفَهَا لَهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَيْمَانُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ فَأَمَّا مِثْلُ الْعَهْدِ وَالْمَوْعِدِ فَذَلِكَ لَهُ لَازِمٌ، وَأَمَّا أَيْمَانٌ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ فَلَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَهَذَا مُكْرَهٌ. وَانْظُرْ فِي الْعِتْقِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ دَفْعُ مَكْسٍ ".
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ أَنْ يَسْرِقَ مَا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَقَالَ: وَلَا يُعَامِلُهُمْ بِالرِّبَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ دَفَعُوا لَهُ ثَوْبًا يَخِيطُهُ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْرِقَ مِنْهُ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ: وَلَوْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ لَا يُجَاهِدَهُمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ تَنْزِلُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِفِدَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِدَاءً فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَلَاقٍ فِي هَذَا خِلَافًا وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ وَطْؤُهُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ.
وَانْظُرْ هَلْ لِلْأُسَارَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَ الْعَدُوِّ وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ
[ ٤ / ٦٠٨ ]
الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ فِي الْأَسِيرِ الْمُوثَقِ يُمْنَعُ الصَّلَاةَ قَالَ: يُصَلِّي إيمَاءً وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَتَجْرِي هُنَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَدَاءُ أَشْبَهُهَا.
وَانْظُرْ لَوْ طَلَبَ الْعَدُوُّ فِدَاءَ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ عِلْجًا لَهُمْ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ فَأَبَى مَالِكُ الْعِلْجِ أَنْ يَبِيعَهُ، اُنْظُرْهَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ وَبَيْنَهُمَا خِلَافٌ.