[بَاب أَرْكَان الضَّمَان وَحُكْمه وَحَمَالَة الْجَمَاعَة]
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: (كِتَابُ الضَّمَانِ) .
وَهُوَ الْحَمَالَةُ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ وَهُوَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالْمَضْمُونُ لَهُ وَالضَّامِنُ وَالصِّيغَةُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِهِ.
الثَّالِثُ فِي حَمَالَةِ الْجَمَاعَةِ (الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ) هَذِهِ
[ ٧ / ٣٠ ]
عِبَارَةُ التَّلْقِينِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ ضَمَانَ الْوَجْهِ. عِيَاضٌ: وَهُوَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ (وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ) ابْنُ شَاسٍ: يُشْتَرَطُ فِي الضَّامِنِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ. الْبَاجِيُّ: وَالْحَمِيلُ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ. (كَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ إنْ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ وَلَا مُكَاتَبٍ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ عِتْقٌ وَلَا كَفَالَةٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَجُزْ إنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ عَتَقُوا، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى عَتَقُوا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ عَلِمَ بِهِ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِمْ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تَجُوزُ كَفَالَةُ الْمَأْذُونِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ بِثُلُثٍ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ بِكَفَالَةٍ ".
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَعْرُوفٌ
[ ٧ / ٣١ ]
الْمَرِيضُ فِي ثُلُثِهِ وَالْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ فَذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْعَطِيَّةِ لَا كَالْبَيْعِ (وَاتُّبِعَ ذُو الرِّقِّ إنْ عَتَقَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ السَّيِّدُ لَزِمَهُمْ وَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ (وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَجُوزُ كَفَالَةُ الْعَبْدِ وَمَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ وَلَا يُجْبِرُهُ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُمْ إنْ جَبَرَهُ (وَعَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَيَجُوزُ الضَّمَانُ عَنْ
[ ٧ / ٣٢ ]
الْمَيِّتِ خَلَّفَ وَفَاءً أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ.
(وَالضَّامِنُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ وَأَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ حَمِيلًا وَرَهْنًا عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ إلَى الْأَجَلِ أَوْ إلَى دُيُونِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ تَوَثُّقٍ (إنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ) ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا يَجُوزُ إلَى دُونِ الْأَجَلِ إنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَهُ تَعْجِيلُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ: حُطَّ الضَّمَانَ عَنِّي وَأَزِيدُكَ تَوَثُّقًا (وَعَكْسُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ حَلَّ الْأَجَلُ فَأَقَرَّهُ عَلَى أَنْ أَخَذَ مِنْهُ حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ قَبْضَ دَيْنِهِ مَكَانَهُ، فَتَأْخِيرُهُ بِهِ كَابْتِدَاءِ سَلَفٍ عَلَى حَمِيلٍ أَوْ رَهْنٍ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَأَخَّرَهُ بِهِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِحَمِيلٍ أَوْ رَهْنٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِنَفْعٍ.
(إنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الْأَجَلِ وَبِالْمُوسِرِ أَوْ الْمُعْسِرِ لَا بِالْجَمِيعِ) لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ حَلَّ الدَّيْنُ فَأَعْطَاهُ حَمِيلًا عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا بِجَمِيعِ الْحَقِّ كَانَ التَّأْخِيرُ وَالْحَمَالَةُ جَائِزَةً، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَأَخَّرَهُ لِوَقْتٍ يَرَى أَنَّهُ يُيْسِرُ إلَيْهِ وَلَا يُيْسِرُ دُونَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِ الْحَقِّ فَأَعْطَاهُ حَمِيلًا بِالْقَدْرِ الَّذِي
[ ٧ / ٣٣ ]
هُوَ بِهِ مُوسِرٌ لِيُؤَخِّرَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِمَا هُوَ بِهِ مُعْسِرٌ وَيَقْبِضُ الْآنَ مَا هُوَ بِهِ مُوسِرٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِيُؤَخِّرَهُ بِالْجَمِيعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَثِّقْهُ بِمَا هُوَ بِهِ مُعْسِرٌ إلَّا لِمَكَانِ تَأْخِيرِ مَا هُوَ بِهِ مُوسِرٌ وَذَلِكَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً.
(بِدِينٍ لَازِمٍ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ أَنَّ كُلَّ مَا يَلْزَمُ الذِّمَّةَ فَالْكَفَالَةُ بِهِ جَائِزَةٌ، وَأَمَّا الْحُدُودُ وَالْأَدَبُ وَالتَّعَازِيرُ فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِيهِ وَقَالَهُ مَالِكٌ. قَالَ: بُكَيْر: وَلَا تَجُوزُ فِي دَمٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ فَائِدَةَ الْحَمَالَةِ أَنْ يَحِلَّ الضَّامِنُ مَحَلَّ الْمَضْمُونِ فِي تَعَذُّرِ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَعَذَّرُ فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهَا مِنْ الضَّامِنِ لَا يَجُوزُ. وَانْظُرْ قَدْ وَقَعَ لِأَصْبَغَ فِي الْفَاسِقِ الْمُتَعَسِّفِ عَلَى النَّاسِ يُؤْخَذُ فَيَتَحَمَّلُ رَجُلٌ عَنْهُ بِكُلِّ مَا يَجْتَرِمُ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ إلَّا فِي الْقَتْلِ خَاصَّةً. قَالَ فَضْلٌ: اُنْظُرْ هَلْ يُرِيدُ فَيَغْرَمُ الدِّيَةَ.
[الْحَمَالَةُ بِالْكِتَابَةِ]
(أَوْ آيِلٍ لَا كِتَابَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ الْمَضْمُونِ أَنْ يَكُونَ حَقًّا ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا أَوْ مَآلُهُ إلَى ذَلِكَ، فَلَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ بِالْكِتَابَةِ إذْ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ مُسْتَقَرٍّ وَلَا تَئُولُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنْ عَجَزَ رُقَّ وَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ.
(بَلْ كَجُعْلٍ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِمَا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ لِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ مَا هُوَ مُحْتَمِلُ الثُّبُوتِ اسْتِقْبَالًا. قِيلَ: ثَمَانِيَةٌ لَا
[ ٧ / ٣٤ ]
يَجُوزُ التَّحَمُّلُ بِهَا: الْكِتَابَةُ وَالصَّرْفُ وَالْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ وَالتَّعْزِيرُ وَمَبِيعٌ بِعَيْنِهِ وَعَمَلُ أَجِيرٍ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ وَحُمُولَةُ دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا. وَإِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً يَجُوزُ الْحَمْلُ فِيهَا: الْحَمَالَةُ وَالْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَالصُّلْحُ وَالْخُلْعُ وَالصَّدَاقُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُغَارَسَةُ وَالصَّدَقَةُ.
(وَدَايِنْ فُلَانًا وَلَزِمَ فِيمَا ثَبَتَ
[ ٧ / ٣٥ ]
وَهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: بَايِعْ فُلَانًا أَوْ دَايِنْهُ فَمَا بَايَعْتَهُ بِهِ مِنْ شَيْءٍ أَوْ دَايَنْتَهُ بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَبْلَغُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يُدَايِنَ بِمِثْلِهِ الْمَحْمُولُ عَنْهُ وَيُبَايِعُ بِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ
[ ٧ / ٣٦ ]
بِخِلَافٍ.
(وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ بِخِلَافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ لَمْ يُدَايِنْهُ حَتَّى أَتَاهُ الْحَمِيلُ فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ فَقَدْ بَدَا لِي فَذَلِكَ لَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْيَمِينِ، هَذَا لَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ (إنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ بُكَيْر وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهَا مِنْ الضَّامِنِ غَيْرُ جَائِزٍ.
(وَإِنْ جَهِلَ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الْمَجْهُولِ جَازَتْ الْحَمَالَةُ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ.
(أَوْ مَنْ لَهُ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّانِي الْمَضْمُونُ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بَلْ لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ لَا يَدْرِي كَمْ هِيَ وَتَرَكَ مَالًا لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ فَتَحَمَّلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ بِدَيْنِهِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ لِلْمَيِّتِ وَلِوَرَثَتِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ لَهُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَغَيْرُ وَجْهٍ مِنْ الْفَسَادِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ وَارِثًا وَاحِدًا كَانَ جَائِزًا، فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ غَرِيمٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: " لَمْ أَعْلَمْ بِهِ وَأَنَا تَحَمَّلْت بِمَا عَلِمْت ".
(وَبِغَيْرِ إذْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَشْهَدَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِمَا قُضِيَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَوْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ لِفُلَانٍ بِمَا لَهُ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا حَاضِرَانِ أَوْ غَائِبَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ، لَزِمَهُ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ
[ ٧ / ٣٧ ]
مَعْرُوفٌ، وَالْمَعْرُوفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ.
(كَأَدَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَدَّى عَنْ رَجُلٍ حَقًّا لَزِمَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ صَبِيٍّ بِحَقٍّ قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ فَأَدَّاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِ وَلِيِّهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَدَّى عَنْهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ مَتَاعٍ كَسَّرَهُ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ اخْتَلَسَهُ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَ الصَّبِيُّ مِنْ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ الْجَانِي ابْنَ سَنَةٍ فَصَاعِدًا. مُحَمَّدٌ: وَأَمَّا الصَّغِيرُ جِدًّا مِثْلُ ابْنِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَنْزَجِرُ إذَا زُجِرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(رِفْقًا لَا عَنَتًا فَيُرَدُّ كَشِرَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَدَّى عَنْ رَجُلٍ دَيْنًا عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ دَفَعَ عَنْهُ مَهْرَ زَوْجَتِهِ جَازَ ذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ رِفْقًا بِالْمَطْلُوبِ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الضَّرَرَ بِطَلَبِهِ وَإِعْنَاتِهِ وَأَرَادَ سِجْنَهُ لِعَدَمِهِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَيْتُمْ دَيْنًا عَلَيْهِ تَعْنِيتًا لَهُ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ وَرُدَّ إنْ عَلِمَ بِهَذَا (وَهَلْ إنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ يُونُسَ: اخْتَلَفَ شُيُوخُنَا إنْ كَانَ مُشْتَرِي الدَّيْنِ قَاصِدًا بِشِرَائِهِ الْإِضْرَارَ وَالْبَائِعُ غَيْرُ عَالِمٍ بِقَصْدِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ مِثْلُ تَوَاطُئِهِمَا جَمِيعًا، وَشَبَهُهُ كَالْمُسَلِّفِ يَقْصِدُ بِسَلَفِهِ النَّفْعَ وَالْقَابِضُ الْمُتَسَلِّفُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَكَبَيْعِ مَنْ
[ ٧ / ٣٩ ]
تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي لِلضَّرَرِ لَمْ تُفْسَخْ عَلَيْهِ صَفْقَتُهُ وَيُبَاعُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَرْتَفِعُ الضَّرَرُ عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا الْقَوْلُ بَيِّنٌ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ.
(لَا إنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ ثُمَّ ضَمِنَ فَأَنْكَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا بِهَا كَفِيلٌ فَأَتَى فُلَانٌ فَأَنْكَرَهَا لَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ.
(أَوْ قَالَ لِمُدَّعٍ عَلَى مُنْكِرٍ إنْ لَمْ آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ إنْ لَمْ يُثْبِتْ حَقُّهُ بِبَيِّنَةٍ وَهَلْ بِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا كَفِيلٌ بِهِ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ آتِكَ بِهِ غَدًا فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ الَّذِي عَلَيْكَ وَسَمَّى عَدَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَدًا فَلَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ شَيْءٌ حَتَّى يُثْبِتَ الْحَقَّ بِبَيِّنَةٍ فَيَكُونُ حَمِيلًا بِذَلِكَ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْآنَ بِهَذَا الْمَالِ أَوْ أَنْكَرَ إذَا كَانَ الْيَوْمَ مُعْدِمًا.
وَقَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ إنْ أَقَرَّ الْمُنْكِرُ بَعْدُ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ شَيْءٌ إلَّا بِثَبَاتِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ نَصٌّ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَقِيلَ: بَلْ إقْرَارُهُ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ دَلِيلُ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا وَمِثْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ (لِقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَافِكَ غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِلطَّالِبِ: أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ آتِكَ غَدًا فَدَعْوَاكَ
[ ٧ / ٤٠ ]
حَقٌّ فَغَابَ فِي الْغَدِ وَلَمْ يَأْتِ، فَهَذِهِ مُخَاطَرَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةً.
(وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى وَلَوْ مُقَوَّمًا) مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ تَحَمَّلَ بِعَبْدٍ أَوْ بِحَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ فَأَدَّاهُ الْحَمِيلُ مِنْ عِنْدِهِ رَجَعَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
(إنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ) نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الضَّامِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا إذَا أَدَّى مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ
[ ٧ / ٤١ ]
الْمَضْمُونِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَبِالْجُمْلَةِ كُلَّمَا ثَبَتَ الْوَفَاءُ ثَبَتَ الرُّجُوعُ.
(وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا صَالَحَ الْكَفِيلُ عَنْ الْغَرِيمِ رَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ قِيمَةِ مَا صَالَحَ بِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَكَفَّلَ بِمِائَةِ دِينَارٍ هَاشِمِيَّةٍ فَأَدَّاهَا دِمَشْقِيَّةً وَهِيَ دُونَهَا بِرِضَا الطَّالِبِ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا أَدَّى، وَلَوْ دَفَعَ فِيهَا عَرَضًا أَوْ طَعَامًا فَالْغَرِيمُ مُخَيَّرٌ فِي دَفْعِ مِثْلِ الطَّعَامِ وَقِيمَةِ الْعَرَضِ أَوْ مَا لَزِمَهُ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: إنَّ الْمَأْمُورَ وَالْكَفِيلَ إذَا دَفَعَا ذَهَبًا عَنْ وَرِقٍ أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا فَإِنَّ الْغَرِيمَ أَوْ الْآمِرَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ دَفَعَ مَا عَلَيْهِ أَوْ مَا دَفَعَ هَذَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فِيمَا دَفَعَ، وَهَذَا أَصْلٌ التَّنَازُعُ فِيهِ كَثِيرٌ. وَكَانَ ابْنُ يُونُسَ قَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا: فَلَمْ يُجِزْهُ تَارَةً؛ لِأَنَّ الْحَمِيلَ أَخْرَجَ شَيْئًا لَا يَدْرِي مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فَصَارَ ذَلِكَ غَرَرًا. قَالَ: أَجَازَهُ تَارَةً؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ كَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِمَّا دَفَعَ أَوْ عَلَى الْمَدْفُوعِ عَنْهُ. وَانْظُرْ فِي صُلْحِ تَرْجَمَةِ الْكَفِيلِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ، ذَكَرَ أَنَّ مُصَالَحَةَ الْكَفِيلِ أَوْ الْغَرِيمِ وَاحِدَةٌ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَالِحَ الْكَفِيلَ أَوْ الْغَرِيمَ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ عَلَى بَعْضِ الطَّعَامِ وَتَتْرَكُ بَاقِيَهُ؛ لِأَنَّهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: صُلْحُ الْكَفِيلِ عَنْ الْغَرِيمِ يُرَاعَى فِيهِ صِحَّةُ أَخْذِ مَا يَدْفَعُهُ عَنْ الدَّيْنِ وَعَنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ كَانَ سَلَمًا، فَلَوْ
[ ٧ / ٤٢ ]
كَانَ عَنْ عَيْنٍ بِمَا يُقَوَّمُ جَازَ وَيَغْرَمُ الْغَرِيمُ الْأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ.
[سُقُوطُ الْحَمَالَةِ بِإِسْقَاطِ الْمُتَحَمَّلِ بِهِ]
(وَإِنْ بَرِئَ الْأَصْلُ بَرِئَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَعْرُوفُ سُقُوطُ الْحَمَالَةِ بِإِسْقَاطِ الْمُتَحَمَّلِ بِهِ. وَرَوَى أَشْهَبُ: إنْ مَاتَ الْغَرِيمُ فَسَأَلَ الْوَرَثَةَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يُحَلِّلَهُ فَفَعَلَ فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ طَلَبُ الْحَمِيلِ إنْ حَلَفَ مَا وَضَعَ إلَّا لِلْمَيِّتِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حَابِلَةٌ إذْ لَا يَصِحُّ سُقُوطُ الدَّيْنِ عَنْ الْغَرِيمِ وَيَبْقَى عَلَى الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي عَنْهُ وَيَتْبَعُهُ بِهِ.
(لَا عَكْسُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَخَّرَ الطَّالِبُ الْحَمِيلَ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ فَذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْغَرِيمِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي تَأْخِيرًا لِلْغَرِيمِ فَيَكُونُ لَهُ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْحَمَالَةَ كَانَ لَهُ طَلَبُ الْغَرِيمِ إنْ قَالَ: وَضَعْت الْحَمَالَةَ دُونَ الْحَقِّ.
[مَاتَ الضَّامِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ]
(وَعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَاتَ الضَّامِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلِلطَّالِبِ تَعْجِيلُ حَقِّهِ مِنْ تَرِكَتِهِ ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْغَرِيمِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَلَهُ مُحَاصَّةُ غُرَمَائِهِ أَيْضًا.
(أَوْ الْغَرِيمُ إنْ تَرَكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ مَاتَ الْغَرِيمُ تَعَجَّلَ الطَّالِبُ دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ إنْ تَرَكَ مَالًا فَإِنْ لَمْ يَدَعْ مَالًا لَمْ يَتْبَعْ الْكَفِيلَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ.
(وَلَا يُطَالِبُ إنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَحَمَّلَ بِرَجُلٍ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا مَلِيًّا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْكَفِيلِ شَيْئًا إلَّا مَا عَجَزَ عَنْهُ الْغَرِيمُ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لِأَنَّ الْحَمِيلَ إنَّمَا أَخَذَ تَوْثِقَةً فَأَشْبَهَ الرَّهْنَ، فَلَمَّا كَانَ لَا سَبِيلَ إلَى الرَّهْنِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَطْلُوبِ فَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَطْلُوبِ.
قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: وَهَذَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ لَوْ قَالَ: أَنْكِحْهُ وَأَنَا ضَامِنٌ لَزِمَهُ الْغُرْمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَفِي الْبَيْعِ لَا يَلْزَمُهُ غُرْمٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ غَائِبًا أَوْ عَدِيمًا.
(أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ) . مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْغَرِيمُ غَائِبًا مَلِيئًا فِي غَيْبَتِهِ أَوْ مِدْيَانًا حَاضِرًا يَخَافُ الطَّالِبُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ الْمُحَاصَّةَ فَلَهُ اتِّبَاعُ الْحَمِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ يُعَدَّى فِيهِ فَلَا يَتْبَعُ الْحَمِيلَ قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ وَالنَّظَرِ فِيهِ بَعْدُ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَمِيلِ.
[ ٧ / ٤٣ ]
وَقَالَهُ سَحْنُونَ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرٌ ابْنِ يُونُسَ إنَّ قَوْلَ الْغَيْرِ وِفَاقٌ وَصَرَّحَ ابْنُ حَارِثٍ بِأَنَّهُ خِلَافٌ.
(وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مَلَائِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَمِيلَ لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَلَاءِ الْغَرِيمِ وَإِلَّا غَرِمَ، وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُتَحَمِّلِ لَهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ عَدِيمٌ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ أَظْهَرُ.
(وَأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَأَخَذَا بِهِمَا كَفِيلًا وَكَتَبَ أَيَّهُمَا شَاءَ أَخَذَ بِحَقِّهِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي ذَلِكَ عَامِلٌ فَيَسْتَوِي الْكَفِيلُ وَالْغَرِيمُ فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ عَلَى كُلِّ مَنْ طَلَبَ مِنْهُمَا وَإِعْمَالُ هَذَا الشَّرْطِ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَتَقْدِيمُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ شَرَطَ الْمُتَحَمَّلُ لَهُ عَلَى الْحَمِيلِ أَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ الْغَرِيمُ، فَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّرْطَ جَائِزٌ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْحَمِيلُ أَوْ يُفْلِسَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتَأَوَّلَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُمَا أَبْرَآ الْغَرِيمَ جَمِيعًا مِنْ الدَّيْنِ فَيَكُونُ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ.
(أَوْ إنْ مَاتَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لَهُ إنْ لَمْ يُوَفِّكَ حَقَّكَ حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَيَّ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ.
[ ٧ / ٤٤ ]
ابْنُ الْحَارِثِ: إنْ شَرَطَ الْحَمِيلُ بِدَيْنٍ تَقَرَّرَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّ الدَّيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَمِيلِ جَازَ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَانَ فِي عَقْدِهِ بَيْعٌ فَفِيهِ خِلَافٌ. اُنْظُرْ ثَانِيَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ.
[الْحَمِيلُ بِالْوَجْهِ]
(كَشَرْطِ ذِي دَيْنِ الْوَجْهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: الْحَمِيلُ بِالْوَجْهِ يَلْزَمُهُ غُرْمُ الْمَالِ إذَا لَمْ يُحْضِرْ الْعَيْنَ فَإِنْ أَحْضَرَهُ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ فَيَنْفَعُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ الْعَيْنَ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَيُفَرِّطُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُهُ أَوْ يُغَيِّبُهُ حَتَّى يَذْهَبَ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَالِ بِإِهْلَاكِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ.
(أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ التَّصْدِيقَ فِي الْإِحْضَارِ) لَوْ قَالَ: " كَشَرْطِ الْوَجْهِ خَاصَّةً أَوْ التَّصْدِيقَ فِي الْإِحْضَارِ " لَكَانَ أَبْيَنَ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ لَمْ أُوَافِكَ بِغَرِيمِكَ غَدًا فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ فَمَضَى الْغَدُ وَادَّعَى الْحَمِيلُ أَنَّهُ وَافَاهُ بِهِ، فَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا غَرِمَ. الْمُتَيْطِيُّ: إذَا اشْتَرَطَ ضَامِنُ الْوَجْهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي إحْضَارِ وَجْهِهِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ كَانَ لَهُ شَرْطٌ.
(وَلَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلضَّامِنِ الْمُطَالَبَةُ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ الطَّلَبِ. ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَحْكَامِ الضَّمَانِ لِلْكَفِيلِ إجْبَارُ الْأَصِيلِ عَلَى تَخْلِيصِهِ إذَا طُولِبَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَ وَلَا يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْمَالِ إلَيْهِ لِيُؤَدِّيَهُ إذْ لَوْ هَلَكَ لَكَانَ مِنْ الْأَصِيلِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. لَيْسَ
[ ٧ / ٤٥ ]
لِلْكَفِيلِ أَخْذُ الْغَرِيمِ بِالْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ بِهِ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَعْدَمَ أَوْ فَلَّسَ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يُتْبِعَ الْغَرِيمَ.
(وَضَمِنَهُ إنْ اقْتَضَاهُ لَا أَرْسَلَ بِهِ) . مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا دَفَعَ الْغَرِيمُ الْحَقَّ إلَى الْكَفِيلِ فَضَاعَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ ضَمِنَهُ الْكَفِيلُ قَامَتْ عَلَى هَلَاكِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَقُمْ، عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الرِّسَالَةِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَهُوَ مِنْ الْغَرِيمِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الطَّالِبِ.
[ ٧ / ٤٦ ]
(وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ الْمُعْسِرِ أَوْ الْمُوسِرِ إنْ سَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا وَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ وَلَزِمَهُ) . مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَخَّرَ الطَّالِبُ الْغَرِيمَ كَانَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلْكَفِيلِ ثُمَّ لِلْكَفِيلِ أَنْ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ خَوْفًا مِنْ إعْدَامِ الْغَرِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ خُيِّرَ الطَّالِبُ فَإِمَّا أَبْرَأَ
[ ٧ / ٤٩ ]
الْحَمِيلَ مِنْ حَمَالَتِهِ وَيَصِحُّ التَّأْخِيرُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الْحَمِيلِ، وَإِنْ سَكَتَ الْحَمِيلُ وَقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْحَمَالَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَلَّ أَجَلُ التَّأْخِيرِ حَلَفَ الطَّالِبُ مَا أَخَّرَهُ لِيَبْرَأَ الْحَمِيلُ وَثَبَتَتْ الْحَمَالَةُ.
قَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيئًا فَأَخَّرَهُ تَأْخِيرًا بَيِّنًا سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ وَإِنْ أَخَّرَهُ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَلَا حُجَّةَ لِلْكَفِيلِ وَلَهُ طَلَبُ الْكَفِيلِ أَوْ تَرْكُهُ.
ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ الْغَيْرِ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيئًا فَأَخَّرَهُ تَأْخِيرًا بَيِّنًا سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ هُوَ خِلَافٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ: الْمَطْلُوبُ إذَا أَخَّرَهُ الطَّالِبُ إنْ كَانَ مُعْدِمًا فَلَا كَلَامَ لِلْكَفِيلِ، وَإِنْ كَانَ مَلِيئًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ فَيُنْكِرَ أَوْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ فَيَسْكُتَ، أَوْ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ فَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ وَيُقَالُ لِلطَّالِبِ: إنْ أَحْبَبْت أَنْ تُمْضِيَ التَّأْخِيرَ عَلَى أَنْ لَا كَفَالَةَ لَكَ عَلَى الْكَفِيلِ وَإِلَّا فَاحْلِفْ أَنَّكَ إنَّمَا أَخَّرْته عَلَى أَنْ يَبْقَى الْكَفِيلُ عَلَى كَفَالَتِهِ، فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّأْخِيرُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ
[ ٧ / ٥٠ ]
التَّأْخِيرُ وَالْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
اُنْظُرْهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ (وَتَأَخَّرَ غَرِيمُهُ بِتَأْخِيرِهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَخَّرَ الطَّالِبُ الْحَمِيلَ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ فَذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْغَرِيمِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي تَأْخِيرًا لِلْغَرِيمِ فَيَكُونَ لَهُ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْحَمَالَةَ كَانَ لَهُ طَلَبُ الْغَرِيمِ إنْ قَالَ: وَضَعْت الْحَمَالَةَ دُونَ الْحَقِّ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ تَأْخِيرُهُ.
[ ٧ / ٥١ ]
(وَبَطَلَ إنْ فَسَدَ مُتَحَمَّلٌ بِهِ) الَّذِي لِلَّخْمِيِّ: مَنْ أَعْطَى دِينَارًا فِي دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ وَأَخَذَ بِهَا حَمِيلًا الْحَمَالَةُ سَاقِطَةٌ. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: لَوْ قَالَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ: أَسْلِفْنِي مِائَةً أُخْرَى وَخُذْ رَهْنًا بِالْمِائَتَيْنِ إلَى شَهْرٍ بَعْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ وَيَرُدُّ الْمِائَةَ السَّلَفَ وَيَأْخُذُ رَهْنَهُ وَيَرُدُّ الدَّيْنَ إلَى أَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَزِدْهُ فِي الْأَجَلِ شَيْئًا وَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. وَلَوْ كَانَتْ الْمِائَةُ الْأُخْرَى بِحَمَالَةٍ لَسَقَطَتْ الْحَمَالَةُ عَنْ الْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ حَمَالَةٌ فِي مُعَامَلَةٍ فَاسِدَةٍ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا سَلَفٌ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي الرُّهُونِ أَنَّ لَهُ حَبْسُ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْبِضَ حَقَّهُ فَيَبْقَى النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَمَالَةِ، فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَلْزَمُ وَإِنْ كَانَتْ بِجُعْلٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي.
(أَوْ
[ ٧ / ٥٢ ]
فَسَدَتْ) ابْنُ يُونُسَ: كُلُّ حَمَالَةٍ وَقَعَتْ عَلَى حَرَامٍ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَنَّهَا تَلْزَمُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمَا أَوْ بَعْدُ، فَالْحَمَالَةُ سَاقِطَةٌ عَنْ الْحَمِيلِ عَلِمَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَوْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَوْ الْحَمِيلُ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ أَوْ جَهِلُوا ذَلِكَ مَفْسُوخٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَكُلُّ حَمَالَةٍ وَقَعَتْ فِي حَرَامٍ بَيْنَ الْحَمِيلِ وَبَيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْحَقِّ فَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ لِلْحَمِيلِ. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا سَقَطَ الدَّيْنُ عَنْ الْغَرِيمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْغَرِيمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: سُقُوطُ الْحَمَالَةِ بِإِسْقَاطِ الْمُتَحَمِّلِ بِهِ.
(بِكَجُعْلٍ) الْأَبْهَرِيُّ: لَا يَجُوزُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَعْرُوفٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عِوَضٌ عَنْ مَعْرُوفٍ وَفِعْلِ خَيْرٍ كَمَا لَا يَجُوزُ عَلَى صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهَا لَيْسَ لِكَسْبِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي الْحَمَالَةِ بِجُعْلٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ نَزَلَ وَكَانَ يَعْلَمُ صَاحِبَ الْحَقِّ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ وَرُدَّ الْجُعْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ لِلْحَمِيلِ وَيَرُدُّ الْجُعْلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْبَائِعِ جَعَلَ لِرَجُلٍ دِينَارًا لِيَتَحَمَّلَ لَهُ بِمَا يَبِيعُ بِهِ سِلْعَتَهُ مِنْ فُلَانٍ كَانَتْ الْحَمَالَةُ سَاقِطَةً؛ لِأَنَّ مَحْمَلَهَا مَعَهُ مَحْمَلُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا حَمَالَةٌ بِعِوَضٍ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لِلْحَمِيلِ الْعِوَضُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْحَمَالَةُ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ مَعَ الْجَهْلِ.
(كَمَدِينِهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْمُشْتَرِي قَالَ لَهُ: تَحَمَّلْ عَنِّي بِمَا أَشْتَرِي بِهِ هَذِهِ السِّلْعَةَ وَلَكَ دِينَارٌ وَالْبَائِعُ غَيْرُ عَالَمٍ بِمَا فَعَلَاهُ، كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَالْحَمَالَةُ لَازِمَةً؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ سِلْعَتَهُ. وَيَخْتَلِفُ إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ ذَلِكَ بِعِلْمِ صَاحِبِ الْحَقِّ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ يُرِيدُ وَيَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي سِلْعَتِهِ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِيهَا بِغَيْرِ حَمِيلٍ أَوْ يَرُدَّهَا.
(وَإِنْ ضَمَانَ مَضْمُونِهِ) اُنْظُرْ هَلْ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْفَهْمِ وَأَنَّ ضَمَانَ ضَامِنِهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يَجُوزُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ
[ ٧ / ٥٣ ]
وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَضْمَنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ لِيَضْمَنَهُ الْآخَرُ، أَمَّا لَوْ اشْتَرَيَا سِلْعَةً بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ لَجَازَ لِلْعَمَلِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بَاعَا سِلْعَتَيْهِمَا فِي صَفْقَةٍ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ حَمِيلٌ لَمْ يَجُزْ وَكَأَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ الْمَلِيءِ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ لَهُ بِالْمُعْدِمِ. ابْنُ الْكَاتِبِ اتِّفَاقًا مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
(إلَّا فِي اشْتِرَاءِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا) ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ ثَلَاثَةٍ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمِيلٌ بِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ فِي غَيْرِهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ وَمَا عَلِمْت مَنْ أَنْكَرَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: تَحَمَّلْ عَنِّي فِي شَيْءٍ عَلَى أَنْ أَتَحَمَّلَ عَنْكَ فِي شَيْءٍ آخَرَ.
(أَوْ بَيْعِهِ) ابْنُ يُونُسَ: لَوْ كَانَتْ سِلْعَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَبَاعَاهَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا حَمِيلٌ بِالْآخَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا إذَا اسْتَوَتْ شَرِكَتُهُمَا. وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ السَّلَمَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَمِيلٌ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ جَمْعِ السِّلْعَتَيْنِ إذْ قَدْ يَسْتَحِقُّ بَيْعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
(كَقَرْضِهِمَا) ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَابْنُ الْفَخَّارِ: إنْ كَانَ السَّلَفُ عَلَى جَمَاعَةٍ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، أَسْلَفَ وَاحِدًا عَلَى أَنْ يَضْمَنَ بِهِ مَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنُ الْعَطَّارِ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إذَا كَانَ مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِمْ فِي الْعَدَدِ أَوْ الْجِنْسِ لَمْ تَجُزْ الْحَمَالَةُ. زَادَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا (عَلَى الْأَصَحِّ) يَعْنِي بِهَذَا ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ إذْ الْمُتَيْطِيُّ لَمْ يُرَجِّحْ قَوْلًا وَلَا أَيْضًا ابْنُ عَرَفَةَ.
(وَإِنْ تَعَدَّدَ حُمَلَاءُ أُتْبِعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَكَفَّلَ ثَلَاثَةُ
[ ٧ / ٥٤ ]
رِجَالٍ بِمَالٍ عَلَى رَجُلٍ حَمَالَةً مُبْهَمَةً فَأَعْدَمَ الْغَرِيمُ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ عَلَى مَنْ لَقِيَ مِنْ الْحُمَلَاءِ إلَّا ثُلُثُ الْحَقِّ.
قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي أَصْلِ الْكَفَالَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمِيلٌ عَنْ بَعْضٍ فَحِينَئِذٍ إنْ غَابَ أَحَدُهُمْ أَوْ أَعْدَمَ أُخِذَ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَلِيئًا بِجَمِيعِ الْحَقِّ، وَإِنْ لَقِيَهُمْ أَمْلِيَاءَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا ثُلُثَ الْحَقَّ إذْ لَا يُتْبَعُ الْكَفِيلُ فِي حُضُورِ الْمَكْفُولِ بِهِ وَمَلَائِهِ. وَلَوْ شَرَطَ أَيُّكُمْ شِئْت أَخَذْت بِحَقِّي وَلَمْ يَقُلْ بَعْضُكُمْ كَفِيلٌ بِبَعْضٍ فَلْيَأْخُذْ أَحَدَهُمْ بِجَمِيعِ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانُوا حُضُورًا أَمْلِيَاءَ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِلْغَارِمِ عَلَى أَصْحَابِهِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ بِالْحَمَالَةِ عَنْهُمْ وَلَكِنْ عَلَى الْغَرِيمِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. .
[أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ كَفِيلًا بَعْدَ كَفِيلٍ]
(كَتَرَتُّبِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ كَفِيلًا بَعْدَ كَفِيلٍ فَلَهُ فِي عَدَمِ الْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ أَيَّ الْكَفِيلَيْنِ شَاءَ، بِخِلَافِ كَفِيلَيْنِ فِي صَفْقَةٍ لَا يُشْتَرَطُ حَمَالَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
(وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَا عَلَى الْمُلْقِي ثُمَّ سَاوَاهُ) لِمَا ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا تَكَفَّلَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ بِمَالٍ عَلَى رَجُلٍ وَشَرَطَ فِي أَصْلِ الْكَفَالَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمِيلٌ عَنْ بَعْضٍ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدِهِمْ فِي هَذَا جَمِيعَ الْمَالِ رَجَعَ الْغَارِمُ عَلَى صَاحِبَيْهِ إذَا لَقِيَهُمَا بِالثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ. ابْنُ عَرَفَةَ ضَابِطُ تَرَاجُعِهِمْ فِي ثَمَنِ مَا ابْتَاعُوهُ مُتَحَامِلِينَ رُجُوعُ كُلِّ غَارِمٍ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ بِمَا غَرِمَ عَنْهُ وَبِمَا يُوجِبُ مُسَاوَاتَهُ إيَّاهُ فِيمَا غَرِمَهُ بِالْحَمَالَةِ مِنْ غَيْرِهِ. ابْنُ شَاسٍ: ضَابِطُهُ مَنْ غَرِمَ ثُمَّ لَقِيَ غَيْرَهُ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ شَطْرَ مَا بَقِيَ إذْ هُوَ شَرِيكُهُ فِي الْحَمَالَةِ عَنْهُ عَلَى مَا بَقِيَ إذْ هُوَ شَرِيكُهُ فِي الْحَمَالَةِ عَنْهُ.
(فَإِنْ اشْتَرَى سِتَّةً بِسِتِّمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ) ابْنُ رُشْدٍ: مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ فِي تَرَاجُعِ السِّتَّةِ الْكُفَلَاءِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهِيَ رَجُلٌ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ سِتَّةِ رِجَالٍ بِسِتِّمِائَةٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ بِجَمِيعِهَا وَشَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْبَائِعُ أَحَدَهُمْ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ السِّتَّمِائَةِ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الْحَقِّ، وَالْخَمْسَمِائَةِ يَأْخُذُهَا مِنْهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْ أَصْحَابِهِ
[ ٧ / ٥٥ ]
الْبَاقِينَ (ثُمَّ إنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ) ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ أَخَذَ الْبَائِعُ الْجَمِيعَ مِنْ أَحَدِهِمْ فَلَقِيَ هَذَا الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَحَدَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَلَاثِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: أَدَّيْت أَنَا سِتَّمِائَةٍ: مِائَةٌ مِنْهَا وَاجِبَةٌ عَلَيَّ لَا أَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَالْخَمْسُمِائَةِ الْبَاقِيَةُ أَدَّيْتهَا عَنْكَ وَعَنْ أَصْحَابِكَ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ مِائَةً مِائَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، فَادْفَعْ إلَيَّ الْمِائَةَ الَّتِي أَدَّيْت عَنْكَ وَنِصْفَ مَا أَدَّيْت عَنْ أَصْحَابِكَ بِالْحَمَالَةِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ؛ لِأَنَّكَ حَمِيلٌ مَعِي بِهِمْ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَيَسْتَوِيَانِ فِيمَا غَرِمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا وَبِالْحَمَالَةِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا (فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةِ وَسَبْعِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: أَدَّيْت أَنَا الثَّلَاثَمِائَةِ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا عَنْ نَفْسِي لَا أَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَالْمِائَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ عَنْكَ وَعَنْ أَصْحَابِك الثَّلَاثَةِ الْغُيَّبِ الْبَاقِينَ، خَمْسِينَ خَمْسِينَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، فَادْفَعْ إلَيَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَدَّيْت عَنْكَ فِي خَاصَّتِكَ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ نِصْفَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ الَّتِي أَدَّيْت عَنْ أَصْحَابِكَ بِالْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّهُ حَمِيلٌ مَعِي بِهِمْ (فَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَبِمِثْلِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ الثَّالِثَ مِنْ الْغَارِمِينَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ إنْ لَقِيَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: أَدَّيْت أَنَا مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ خَمْسُونَ مِنْهَا عَنْ نَفْسِي مِنْ الْمِائَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيَّ مِنْ أَصْلِ الْحَقِّ لَا أَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ بِالْحَمَالَةِ عَنْكَ وَعَنْ صَاحِبَيْك الْغَائِبَيْنِ، خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، فَادْفَعْ إلَيَّ الْخَمْسَةَ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي أَدَّيْت عَنْكَ فِي خَاصَّتِك وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ نِصْفَ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَدَّيْت عَنْ صَاحِبَيْكَ بِالْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّك حَمِيلٌ مَعِي بِهِمْ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْخَمْسِينَ (ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ) اللَّخْمِيِّ: وَإِذَا لَقِيَ الرَّابِعُ خَامِسًا أَخَذَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَهِيَ الَّتِي تَنُوبُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَتَبْقَى اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ عَلَى السَّادِسِ فَيَأْخُذُ مِنْهَا نِصْفَهَا سِتَّةً وَرُبُعًا، فَإِنْ لَقِيَ الْخَامِسُ السَّادِسَ أَخَذَهُ بِسِتَّةٍ وَرُبُعٍ الَّتِي أَدَّى عَنْهُ.
(وَهَلْ لَا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لَا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ تَحَمَّلَ بِالْمَالِ حُمَلَاءُ فِي صَفْقَةٍ وَشَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ أَيُّهُمْ شَاءَ، فَإِنْ أَخَذَ أَحَدُهُمْ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْمَالِ فَاخْتُلِفَ هَلْ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ
[ ٧ / ٥٦ ]
أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُسَاوِيَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ التُّونِسِيُّ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْآتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعُ أَبِي زَيْدٍ وَعَزَا عِيَاضٌ الْأَوَّلَ لِلتُّونِسِيِّ وَابْنِ لُبَابَةَ، وَالثَّانِي لِمَنْ ذُكِرَ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ.
(وَصَحَّ بِالْوَجْهِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَطْلُوبًا بِمَالٍ أَوْ مَطْلُوبًا
[ ٧ / ٥٧ ]
بِشَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ.
(وَلِلزَّوْجِ رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ الْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ عَلَى أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهَا لِحُجَّتِهِ بِحَبْسِهَا فَيُمْنَعُ مِنْهَا وَتَخْرُجُ لِلْخُصُومَةِ.
(وَبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَكَفَّلَ بِرَجُلٍ أَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَجْهِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ إلَى أَجَلٍ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَالًا، فَإِنَّهُ إذَا أَتَى بِالرَّجُلِ عِنْدَ الْأَجَلِ مَلِيًّا أَوْ مُعْدِمًا بَرِئَ. الْمُتَيْطِيُّ: وَإِذَا أَخَذَ بِالْحَمِيلِ حَمِيلًا فَغَابَ الْغَرِيمُ وَالْحَمِيلُ الْأَوَّلُ كُلِّفَ الْحَمِيلُ الْآخَرُ أَنْ يُحْضِرَ
[ ٧ / ٥٨ ]
أَحَدُهُمَا الْغَرِيمَ أَوْ الْحَمِيلَ، فَأَيَّهُمَا أَحْضَرَ بَرِئَ إنْ كَانَ الَّذِي أَحْضَرَ مُوسِرًا وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ.
(وَإِنْ بِسِجْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا حُبِسَ الْمَحْمُولُ بِعَيْنِهِ فَدَفَعَهُ الْحَمِيلُ إلَى الطَّالِبِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ بَرِئَ الْحَمِيلُ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ فِي السِّجْنِ وَيُحْبَسُ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ مَا سُجِنَ فِيهِ.
(أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ إنْ أَمَرَهُ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ الْغَرِيمَ أَمْكَنَ الطَّالِبَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَشْهَدَ أَنِّي دَفَعْت نَفْسِي إلَيْكَ بَرَاءَةً لِلْحَمِيلِ لَمْ يَبْرَأْ بِذَلِكَ الْحَمِيلُ حَتَّى يَدْفَعَهُ الْحَمِيلُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ إلَى الطَّالِبِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ الطَّالِبُ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ بِذَلِكَ بَرَاءَةٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ أَمَرَهُ الْحَمِيلُ أَنْ يُمَكِّنَ نَفْسَهُ مِنْ الطَّالِبِ لَبَرِئَ بِذَلِكَ الْحَمِيلُ، فَإِنْ أَنْكَرَ الطَّالِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَمِيلُ أَمَرَهُ بِدَفْعِ نَفْسِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ أَحَدٌ بَرِئَ الْحَمِيلُ، ابْنُ عَرَفَةَ: جَعَلَ الْمَازِرِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ خِلَافَ الْمَشْهُورِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ وِفَاقٌ.
(إنْ حَلَّ الْحَقُّ) الْمَازِرِيُّ: لَوْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً فَأَتَى الْكَفِيلُ بِالْغَرِيمِ قَبْلَ الْأَجَلِ، لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَالَةُ عَنْهُ لِكَوْنِ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الطَّالِبُ فَلَا يُفِيدُهُ إحْضَارُ الْغَرِيمِ وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ طَالِبَهُ (وَبِغَيْرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ) فِي الْكَافِي: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطْ فِي ذَلِكَ ضَمَانَهُ.
(وَبِغَيْرِ بَلَدِهِ إنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِمَوْضِعٍ
[ ٧ / ٥٩ ]
فِيهِ حُكْمٌ وَسُلْطَانٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ، أَوْ إنْ دَفَعَهُ بِمَوْضِعٍ لَا سُلْطَانَ بِهِ أَوْ فِي حَالِ فِتْنَةٍ أَوْ فِي مَفَازَةٍ أَوْ بِمَكَانٍ يَقْدِرُ الْغَرِيمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ لَمْ يَبْرَأْ الْحَمِيلُ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ بِمَوْضِعٍ يَصِلُ إلَيْهِ وَبِهِ سُلْطَانٌ فَيَبْرَأُ (وَلَوْ عَدِيمًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ مَلِيًّا أَوْ مُعْدِمًا بَرِئَ.
(وَإِلَّا أَغْرَمَهُ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَأْتِ حَمِيلُ الْوَجْهِ بِالْغَرِيمِ عِنْدَ الْأَجَلِ وَالْغَرِيمُ حَاضِرٌ تَلَوَّمَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا قَرِيبَ الْغَيْبَةِ مِثْلَ الْيَوْمِ وَشِبْهِهِ تَلَوَّمَ لَهُ كَمَا يَتَلَوَّمُ لِلْحَاضِرِ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: بِقَدْرِ مَا لَا يَضُرُّ فِيهِ بِالطَّلَبِ وَمَا يَجْتَهِدُ بِهِ لِلْحَمِيلِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا غَرِمَ. الْمُتَيْطِيُّ: يَلْزَمُ بِضَمَانِ الْوَجْهِ غُرْمُ الْمَالِ الَّذِي ثَبَتَ قِبَلَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ إذَا لَمْ يَحْضُرْ الْوَجْهُ وَلَا كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ.
(وَلَا يَسْقُطُ بِإِحْضَارِهِ إنْ حَكَمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَحَمَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ فَرُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ حَتَّى أَحْضَرَهُ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ وَمِنْ عَيْنِ الرَّجُلِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ لَزِمَهُ الْمَالُ وَمَضَى الْحُكْمُ يُرِيدُ وَيَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
(لَا إنْ أَثْبَتَ عُدْمَهُ أَوْ مَوْتَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ) أَمَّا إنْ ثَبَتَ عُدْمُ الْغَرِيمِ الْغَائِبِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إذَا كَانَتْ الْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ عَجِلَ الْحَمِيلُ عَنْ إحْضَارِ الْمُتَحَمَّلِ بِهِ غَرِمَ الْمَالَ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فَقْرُهُ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ فَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ مِنْ الْقَوْلِ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ يَغْرَمُ وَلَوْ أَثْبَتَ عُدْمَهُ ". وَأَمَّا مَوْتُ الْغَرِيمِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ فَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا مَاتَ الْغَرِيمُ بَرِئَ حَمِيلُ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ الْمَكْفُولَةَ قَدْ ذَهَبَتْ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ الْغَرِيمُ بِالْبَلَدِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَمِيلِ، وَإِنْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ لَزِمَ الْغُرْمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْغَرِيمِ قَبْلَ الْأَجَلِ بِأَيَّامٍ لَوْ كُلِّفَ الْحَمِيلُ الْمَجِيءَ بِهِ لَرَجَعَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ عَنْهُ الْحَمَالَةُ.
[ ٧ / ٦٠ ]
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا أُبَالِي إذْ هُوَ مَاتَ فَالْحَمَالَةُ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ فِي غَيْبَتِهِ أَوْ بِالْبَلَدِ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ أَشْهَبَ هُوَ نَحْوُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَ كَشَفَ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ.
(وَرَجَعَ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ غَابَ الْغَرِيمُ فَقَضَى عَلَى حَمِيلِ الْوَجْهِ بِالْمَالِ فَأَدَّاهُ ثُمَّ أَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ الْغَرِيمَ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، رَجَعَ بِمَا أَدَّى عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ حِينَ أَخَذَ بِهِ الْحَمِيلُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ مَا كَانَ حَيًّا.
(وَبِالطَّلَبِ) يَعْنِي وَصَحَّ بِالْوَجْهِ وَبِالطَّلَبِ. قَالَ مَالِكٌ: لَوْ شَرَطَ حَمِيلُ الْوَجْهِ أَنِّي أَطْلُبُهُ فَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ بَرِئْتَ مِنْ الْمَالِ وَلَكِنْ عَلَيَّ طَلَبُهُ حَتَّى آتِي بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا شَرَطَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: أَوْ يَقُولُ: لَا أَضْمَنُ إلَّا وَجْهَهُ فَهَذَا لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالْوَجْهِ، غَابَ أَوْ حَضَرَ أَوْ مَاتَ أَوْ فَلَّسَ، وَلَا يُحْبَسُ إنْ لَمْ يُحْضِرْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِمَكَانِهِ فَلْيُحْبَسْ بِقَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ مِمَّا يَرْجُو بِهِ إحْضَارَهُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ جَاءَ بِالرَّجُلِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ إحْضَارُهُ فَفَرَّطَ فِيهِ حَتَّى أَعْوَزَهُ فَهَذَا قَدْ غَرَّهُ.
(وَإِنْ فِي قِصَاصٍ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِجُرْحٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ بِمَا يَجِبُ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَا أَنْ يَتَكَفَّلَ بِوَجْهِهِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَازَ الْكَفَالَةُ بِطَلَبِهِ خَاصَّةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ لِحَقِّ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتْرَكَ بِحَمِيلٍ وَالْحُكْمُ أَنْ يُسْجَنَ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(كَأَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَطْلُبَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى ذَلِكَ.
(أَوْ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْحَمِيلُ بِالْوَجْهِ يَلْزَمُهُ غُرْمُ الْمَالِ إذَا لَمْ يُحْضِرْ الْعَيْنَ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ فَيَنْفَعُهُ الشَّرْطُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَيُفَرِّطُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُهُ أَوْ يُغَيِّبُهُ حَتَّى يَذْهَبَ فَيَكُونَ ضَامِنًا لِلْمَالِ بِإِهْلَاكِهِ إيَّاهُ، وَمَا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ خَاصَّةً عَلَى مَا اُشْتُرِطَ وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّلَبِ اخْتِلَافٌ (أَوْ قَالَ لَا أَضْمَنُ إلَّا وَجْهَهُ) تَقَدَّمَ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِالطَّلَبِ " وَلِابْنِ رُشْدٍ بَحْثٌ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ اُنْظُرْهُ فِي الْمُقَدَّمَاتِ.
(وَطَلَبَهُ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ وَحَلَفَ مَا قَصَّرَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ الطَّالِبُ: هُوَ بِمَوْضِعِ كَذَا فَاخْرُجْ إلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْحَمِيلِ يَقْوَى عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ أُمِرَ بِذَلِكَ، وَإِنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ. الْمُتَيْطِيُّ: فَإِنْ خَرَجَ لِطَلَبِهِ ثُمَّ قَدِمَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ تَشَدَّدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ تَقْصِيرٌ وَعَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ بَرِئَ
[ ٧ / ٦١ ]
وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَأَشَدُّ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ فِي طَلَبِهِ وَلَا دَلَّسَ وَلَا يَعْرِفُ لَهُ مُسْتَقَرًّا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْأَجِيرِ عَلَى تَبْلِيغِ الْكِتَابِ قَالَ: وَأَمَّا إذَا اشْتَرَطَ ضَامِنُ الْوَجْهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي إحْضَارِ وَجْهِهِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ.
(وَغَرِمَ إنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ أَوْ يُغَيِّبَهُ. وَعِبَارَةُ الْمَازِرِيِّ: وَلَوْ غَيَّبَ الْكَفِيلُ بِالطَّلَبِ الْغَرِيمَ أَوْ لَقِيَهُ فَتَرَكَهُ حَتَّى عُدَّ مُفَرِّطًا فِيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَاصِدِ بِذَلِكَ إتْلَافَ مَالِ غَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ الْتَزَمَ صِيَانَتَهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقَالَ لِلْأَبِ أَحْضِرْ ابْنَكَ وَلَا لِلزَّوْجِ أَحْضِرْ زَوْجَتَكَ.
(وَعُوقِبَ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ لَهُ الطَّالِبُ. هُوَ بِمَوْضِعِ كَذَا فَاخْرُجْ إلَيْهِ فَخَرَجَ فَأَثْبَتَ الطَّالِبُ أَنَّهُ خَرَجَ وَأَقَامَ بِقَرْيَتِهِ وَلَمْ يَتَمَادَ فَلْيُعَاقِبْهُ السُّلْطَانُ بِالسِّجْنِ بِقَدْرِ مَا يَرَى، وَأَمَّا أَنْ يُضَمِّنَهُ الْمَالَ فَلَا إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ غَيَّبَهُ أَوْ لَقِيَهُ فَتَرَكَهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ مُقْتَضَى هَذَا النَّقْلِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ هِيَ حَيْثُ لَا غُرْمَ إذْ لَا يَكُونُ عِقَابٌ مَعَ غُرْمٍ.
(وَحُمِلَ فِي مُطْلَقِ أَنَا حَمِيلٌ أَوْ زَعِيمٌ وَأَذِينٌ وَقَبِيلٌ وَعِنْدِي وَإِلَيَّ وَشِبْهِهِ عَلَى الْمَالِ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ يُونُسَ: اخْتَلَفَ فُقَهَاؤُنَا إذَا قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ لَكَ أَوْ زَعِيمٌ أَوْ كَفِيلٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حَمِيلٌ بِالْمَالِ أَوْ بِالْوَجْهِ إذَا عَرَا الْكَلَامُ عَنْ دَلِيلٍ؟ وَالصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَالِ (وَالْأَظْهَرُ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ لَكَ أَوْ زَعِيمٌ أَوْ كَفِيلٌ أَوْ ضَامِنٌ أَوْ هُوَ لَك عِنْدِي أَوْ عَلَيَّ أَوْ إلَيَّ أَوْ قِبَلِي، فَذَلِكَ كُلُّهُ حَمَالَةٌ لَازِمَةٌ إنْ أَرَادَ الْوَجْهَ أَوْ الْمَالَ لَزِمَهُ مَا اشْتَرَطَ. عِيَاضٌ: وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ " قَبِيلٌ " وَ" أَذِينٌ ". ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي حَمْلِ لَفْظِهَا الْمُبْهَمِ الْعَارِي عَنْ بَيَانِ لَفْظٍ أَوْ قَرِينَةٍ عَلَى الْمَالِ أَوْ الْوَجْهِ نَقْلًا عِيَاضٌ عَنْ الشُّيُوخِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «الْحَمِيلُ غَرِيمٌ» .
(لَا إنْ اخْتَلَفَا) ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا إنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الطَّالِبُ: شَرَطْت عَلَيْكَ الْحَمَالَةَ بِالْمَالِ وَقَالَ الْكَفِيلُ: بِالْوَجْهِ، فَيَنْبَغِي
[ ٧ / ٦٢ ]
أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَدَّعِي اشْتِغَالَ ذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. ابْنُ يُونُسَ: وَلِأَنَّ الْحَمَالَةَ مَعْرُوفٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَعْرُوفِ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مُعْطِيهِ (وَلَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ وَلَا كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ بِالدَّعْوَى إلَّا بِشَاهِدٍ وَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بِكَالسُّوقِ وَقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إرْسَالُهُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي لَمْ يَلْزَمْ الْمَطْلُوبَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَإِنْ سَأَلَهُ كَفِيلًا بِالْحَقِّ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا فَلَهُ أَخْذُ كَفِيلٍ وَإِلَّا فَلَا، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً يُحْضِرُهَا مِنْ السُّوقِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ فَلْيُوقِفْ الْقَاضِي الْمَطْلُوبَ عِنْدَهُ لِمَجِيءِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةٌ فِي مُعَامَلَةٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ. ابْنُ شَاسٍ.
[ ٧ / ٦٣ ]