باب في أركان البيع
[كِتَابُ الْبُيُوعِ] [الْقَسْم الْأَوَّل فِي صِحَّة الْبَيْع وَفَسَاده] [بَاب فِي أَرْكَان الْبَيْع]
ِ ابْنُ شَاسٍ: النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الْبَيْعِ يَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ.
الثَّانِي فِي لُزُومِهِ وَجَوَازِهِ.
الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ.
الرَّابِعُ فِيمَا يَقْتَضِيه مُطْلَقُ أَلْفَاظِهِ فِي الثِّمَارِ وَالْأَشْجَارِ وَاسْتِتْبَاعِ الْأُصُولِ لِلْفُرُوعِ.
الْخَامِسُ فِي مُدَايَنَةِ الْعَبِيدِ وَالتَّحَالُفِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي صِحَّتِهِ
[ ٦ / ٣ ]
وَفَسَادِهِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَالْعَاقِدُ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ) . الْبَاجِيُّ: الْبَيْعُ مَعْرُوفٌ وَيَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ
[ ٦ / ١٢ ]
وَقَبُولٍ، وَكُلُّ لَفْظٍ وَإِشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ. ابْنُ شَاسٍ: وَتَكْفِي الْمُعَاطَاةُ (وَبِبِعْنِي فَيَقُولُ بِعْتُك وَبِابْتَعْتُ أَوْ بِعْتُك وَيَرْضَى الْآخَرُ فِيهِمَا وَحَلَفَ وَإِلَّا لَزِمَ إنْ قَالَ
[ ٦ / ١٤ ]
أَبِيعُكهَا بِكَذَا وَأَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ) لَوْ قَالَ وَبِابْتَعْتُ أَوْ بِعْتُك وَيَرْضَى الْآخَرُ فِيهِمَا. وَحَلَفَ وَإِلَّا لَزِمَ إنْ قَالَ بِعْنِي فَيَقُولُ بِعْتُك أَوْ أَبِيعُكهَا بِكَذَا وَأَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: إذَا قَالَ بَائِعُ السِّلْعَةِ بِعْتُكهَا بِكَذَا أَوْ قَدْ أَعْطَيْتُكهَا بِكَذَا فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَبَى الْبَائِعُ وَقَالَ لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ، لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي قَدْ ابْتَعْت مِنْك سِلْعَتَك بِكَذَا أَوْ قَدْ أَخَذْتهَا مِنْك بِكَذَا وَرَضِيَ الْبَائِعُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قُلْت لِرَجُلٍ بِعْنِي سِلْعَتَك هَذِهِ
[ ٦ / ١٧ ]
بِعَشْرَةٍ فَقَالَ قَدْ فَعَلْت فَقُلْت لَا أَرْضَى فَلْتَحْلِفْ أَنَّك مَا سَاوَمْته عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ وَلَكِنْ لَمَّا تَذَكَّرَهُ وَتَبَرُّ وَتَبْرَأُ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَزِمَك الْبَيْعُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ أَنَا أَبِيعُكهَا بِكَذَا فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ فَذَلِكَ لَهُ وَيَحْلِفُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك بِكَذَا فَرَضِيَ الْبَائِعُ ثُمَّ رَجَعَ الْمُشْتَرِي كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَيَحْلِفُ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَرِيقَةُ فُتْيَاهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا أَفْعَلُ عِدَّةٌ وَعَدَهُ إيَّاهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَقَوْلُهُ قَدْ فَعَلْته إيجَابٌ أَوْجَبَهُ
[ ٦ / ١٩ ]
عَلَى نَفْسِهِ فَافْتَرَقَا
(أَوْ تَسَوَّقَ بِهَا فَقَالَ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِمِائَةٍ فَقَالَ: أَخَذْتهَا) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْقَفَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَقُلْت بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِمِائَةٍ فَقُلْت: قَدْ رَضِيت. فَقَالَ: لَا يَرْضَى، أَنَّهُ يَحْلِفُ مَا سَاوَمَك عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ وَلَكِنْ لَمَّا يَذْكُرُ وَيَبْرَأُ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَهَذَا هُوَ رَابِعُ الْأَقْوَالِ أَعْنِي الْفَرْقَ
[ ٦ / ٢٠ ]
بَيْنَ أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ وَقَفَهَا صَاحِبُهَا لِلْبَيْعِ أَوْ لَا.
(وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ
[ ٦ / ٣١ ]
وَلُزُومُهُ تَكْلِيفٌ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي الْعَارِضَةِ وَفِي ابْنِ شَاسٍ مَا هُوَ مِنْ مَعْنَاهَا فَانْظُرْهُ. وَمُقْتَضَى مَا يَتَقَرَّرُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بَيْعُهُ مَوْقُوفٌ، وَكَذَا بَيْعُ الْمَجْنُونِ وَبَيْعُ مَنْ لَيْسَ فِي عَقْلِهِ، وَكَذَا بَيْعُ السَّكْرَانِ إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ بَيْعُهُ مَوْقُوفٌ حَسْبَمَا يَتَقَرَّرُ
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَاقِدُ الْجَائِزُ الْأَمْرِ الطَّائِعُ لَازِمٌ عَقْدُهُ، وَعَقْدُ الْمَجْنُونِ حِينَ جُنُونِهِ يَنْظُرُ لَهُ السُّلْطَانُ فِي الْأَصْلَحِ فِي إتْمَامِهِ أَوْ فَسْخِهِ إنْ كَانَ
[ ٦ / ٣٥ ]
مَعَ مَنْ يَلْزَمُهُ عَقْدُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بَاعَ مَرِيضٌ لَيْسَ فِي عَقْلِهِ فَلَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ إلْزَامُهُ الْمُبْتَاعَ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا فَاسِدًا، وَكَذَا السَّكْرَانُ بِغَيْرِ خَمْرٍ بَيْعُهُ أَيْضًا مَوْقُوفٌ، فَإِنْ سَكِرَ حَرَامًا فَرَوَى سَحْنُونَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ بَيْعُهُ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَلَمْ يَحْكِ أَبُو عُمَرَ غَيْرَهُ، وَزَادَ: وَيَحْلِفُ مَا كَانَ فِي بَيْعِهِ عَاقِلًا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ بَاعَ الْأَمَةَ رَجُلٌ أَوْ بَاعَتْ هِيَ نَفْسَهَا فَأَجَازَ ذَلِكَ السَّيِّدُ جَازَ وَلَا كَلَامَ لِلْمُبْتَاعِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: فَرْقٌ بَيْن مَسْأَلَتَيْنِ قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ مِلْكِ الْغَيْرِ وَيُوقَفُ عَلَى إجَازَةِ رَبِّهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ وَفِي كَلَامِ الْمَوْضِعَيْنِ غَرَرٌ، ثُمَّ وَجَّهَ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: مَنْ قَالَ اشْتَرِ مِنِّي عَبْدَ فُلَانٍ بِسِتِّينَ دِينَارًا فَإِنِّي أَعْطَيْته فِيهِ عَطَاءً أَرْجُو أَنْ يُمْضِيَهُ لِي فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قَدْ اشْتَرَيْته مِنْك بِالسِّتِّينَ ثُمَّ رَجَعَ الْبَائِعُ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِخَمْسِينَ فَقَالَ: أَكْرَهُ هَذَا وَإِنْ وَقَعَ أَمْضَيْته
ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ هَذَا إذَا وَقَعَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَخَذْته مِنْك بِسِتِّينَ إنْ أَمْضَاهُ لَك صَاحِبُهُ وَلَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ نَاجِزًا عَلَى أَنْ يَتَحَصَّلَهُ مِنْ بَائِعِهِ بِمَا قَدَّرَ لَكَانَ بَيْعًا فَاسِدًا. اُنْظُرْ تَمَامَ الْكَلَامِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ. الْبَاجِيُّ: الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ. وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرِضًا لِذَلِكَ، فَإِنْ عَقَلَ وَكَانَ مَعْرِضًا لِذَلِكَ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ وَتُدْفَعُ لَهُمَا إجَارَتُهُمَا وَيَبْرَأُ بِذَلِكَ الدَّافِعُ مَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ لَهُ بَالٌ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَمَرَ الْوَلِيُّ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ جَازَ. وَمِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ يَبِيعُ لِلصِّبْيَانِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُمْ أَمْ لَا، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ تَنْزِيهًا اهـ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ بَيْعٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ
[ ٦ / ٣٦ ]
وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْآنَ، وَاسْتُحِبَّ لَهُ إمْضَاؤُهُ وَمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا الْمُتْعَةُ فَفِعْلُهُ فِيهِ جَائِزٌ، فَيَجُوزُ طَلَاقُهُ زَوْجَتَهُ وَعِتْقُهُ أُمَّ وَلَدِهِ
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمَحْجُورِ طَرِيقَانِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: مَا بَاعَهُ مِنْ عَقَارِهِ دُونَ إذْنِ وَصِيِّهِ تَعَقَّبَهُ إنْ رَآهُ سَدَادًا وَالثَّمَنُ بَاقٍ أَوْ بَعْضُهُ وَبَاقِيه أَنْفَقَهُ فِي مَصَالِحِهِ أَمْضَاهُ وَإِلَّا فَسَخَهُ.
قَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: فَإِنْ كَانَ الْمَحْجُورُ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ بِحَالِهِ وَعَرَفَهُ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَمْ تُفَارِقْهُ مِنْ حِينِ قَبْضِهِ وَأَنَّ الَّذِي وُجِدَ بِيَدِهِ هُوَ مَا قَبَضَهُ وَإِلَّا فَلَا. فَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَهُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ وَإِلَّا خَسِرَهُ الْمُبْتَاعُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ فِي مَالِهِ، وَأَلَّا يَلْتَفِتَ إلَّا إقْرَارِ
[ ٦ / ٣٧ ]
الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي كَوْنِ النَّظَرِ فِي حَالِ بَيْعِهِ يَوْمَ عَقْدِهِ أَوْ يَوْمَ النَّظَرِ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ " لَا مِنْ صَغِيرَةٍ وَسَفِيهَةٍ ".
(لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا) ابْنُ عَرَفَةَ: بَيْعُ
[ ٦ / ٤١ ]
الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ ظُلْمًا لَا يَلْزَمُهُ. ابْنُ سَحْنُونٍ: إجْمَاعًا (وَرُدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ) . سَحْنُونَ: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى إعْطَاءِ مَالٍ ظُلْمًا فَبَيْعُهُ لِذَلِكَ بَيْعُ مُكْرَهٍ وَلِرَبِّ الْمَبِيعِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِضَغْطِهِ وَإِلَّا فَبِالثَّمَنِ. وَرَوَى مُطَرِّفٌ: يَتْبَعُ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ الظَّالِمَ دَفَعَهُ هُوَ لَهُ أَوْ الْبَائِعُ، وَلَوْ قَبَضَهُ وَكِيلُ الظَّالِمِ تَبِعَ أَيَّهُمَا شَاءَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ مَا فَعَلْته إلَّا خَوْفًا مِنْ الظَّالِمِ لَمْ يُعْذَرْ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَكَذَا كُلُّ مَا أَقَرَّ بِفِعْلِهِ ظُلْمًا مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ جَلْدٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ وَهُوَ يَخَافُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ نَزَلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَهُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ وَالْغُرْمُ
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ مِمَّا يُبَيِّنُ لَك حَالَ بَعْضِ الْقُضَاةِ فِي تَقْوِيمِهِمْ مَنْ يَعْرِفُونَ جُرْحَتَهُ شَرْعًا لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ يَعْتَذِرُونَ بِالْخَوْفِ مِنْ مُوَلِّيهِمْ الْقَضَاءَ مَعَ أَنَّهُمْ فِيمَا رَأَيْت لَا يَخَافُونَ مِنْهُ إلَّا
[ ٦ / ٤٢ ]
عُزْلَتَهُ عَنْ الْقَضَاءِ
ابْنُ عَرَفَةَ: وَبَيْعُ قَرِيبِ الْمَضْغُوطِ لِفِكَاكِهِ مِنْ عَذَابٍ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَقَرِيبِهِ لَازِمٌ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إذَا وَقَعَ مُغْرِمٌ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ وَأَسْلَمَ لَهُمْ الدَّرَاهِمَ عَلَى الزَّيْتُونِ وَغَيْرِهِ. وَثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ مَضْغُوطُونَ، فَمَنْ سَلَّمَ إلَيْهِمْ فَلَا دَرَاهِمَ لَهُ وَلَا زَيْتُونَ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ أَخَذَهَا السُّلْطَانُ بِأَعْيَانِهَا اهـ. اُنْظُرْ ظَاهِرَهُ وَلَوْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ أَرْبَابُ الزَّيْتُونِ خِلَافُ مَا لِسَحْنُونٍ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، وَاَلَّذِي صَدَرَ بِهِ الْحُكْمُ فِي زَمَانِنَا أَنَّ الْمَضْغُوطَ إذَا تَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا حَتَّى يَرُدَّ الثَّمَنَ، وَهَذَا هُوَ الْبَيِّنُ. اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: مَنْ أَضْغَطَ فِي مَالٍ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ كِنَانَةَ، وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَسُئِلَ اللَّخْمِيِّ عَنْ يَتِيمٍ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ وَاضْطَرَّهُ لِبَيْعِ رُبُعِهِ فَتَوَقَّفَ وَلِيُّهُ فَأَجَابَ اللَّخْمِيِّ: الْبَيْعُ نَافِذٌ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ لِأَنَّهُ أَنْقَذَهُ مِنْ الْعَذَابِ. وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ السُّيُورِيِّ. وَانْظُرْ إذَا أُسِرَ الْمَحْجُورُ
وَفِي النَّوَادِرِ
[ ٦ / ٤٣ ]
عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ الْمَضْغُوطَ يَلْزَمُهُ رَدُّ السَّلَفِ الَّذِي يُسْلِفُهُ فِي حَالِ ضَغْطِهِ.
وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَكَذَا الْكَفَالَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِنْ بَابِ أَوْلَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ.
(وَمَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ) مُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: الْعَامِلُ يَعْزِلُهُ الْوَالِي عَلَى سَخْطَةٍ أَوْ يَتَقَبَّلُ الْكُورَةَ بِمَالٍ يَلْتَزِمُهُ وَيَأْخُذُ أَهْلَهَا بِمَا شَاءَ مِنْ الظُّلْمِ فَيَعْجَزُ عَمَّا عَلَيْهِ فَيُغَرِّمُهُ الْوَالِي مَالًا بِعَذَابٍ حَتَّى يُلْجِئَهُ لِبَيْعِ مَالِهِ فَبَيْعُهُ مَاضٍ عَلَيْهِ كَمَضْغُوطٍ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَخَذَ الْوَالِي مَالَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ رَدَّهُ عَلَى أَرْبَابِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ وَالْمَضْغُوطُ فِي الْبَيْعِ لِحَقٍّ عَلَيْهِ أَوْ دَيْنٍ لَازِمٍ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَنْوَةِ فِيمَا عَلَيْهِمْ مِنْ جِزْيَةٍ اهـ. اُنْظُرْ أَيْضًا قَدْ نَصُّوا أَنَّهُ كَمَا يُجْبَرُ الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِحَقٍّ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ يُجْبَرُ ذُو رَبْعٍ عَلَى بَيْعِهِ لِتَوْسِيعِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ. أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ سَحْنُونَ: يُجْبَرُ ذُو أَرْضٍ تُلَاصِقُ طَرِيقًا هَدَّهَا نَهْرٌ لَا مَمَرَّ لِلنَّاسِ إلَّا فِيهَا عَلَى بَيْعِ طَرِيقٍ مِنْهَا لَهُمْ بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ رَبَّ الْعَلْجِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِفِدَاءِ مُسْلِمٍ.
قَالَ: مَنْ هُوَ فِي
[ ٦ / ٤٧ ]
يَدِهِ لَا أَفْدِيهِ إلَّا بِهِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْمَاءُ لِمَنْ بِهِ عَطَشٌ وَمَنْ انْهَارَتْ بِئْرُهُ وَالْمُحْتَكَرُ وَسَاقِيَةُ الْبَلَدِ وَالْفَدَّانُ فِي قَرْنِ الْجَبَلِ لِتَخَلُّصِ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ وَعْرِهِ، وَالْفَرَسُ يَطْلُبُهُ السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يُدْفَعْ لَهُ جَبَرَ النَّاسَ.
(وَمُنِعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ وَمُصْحَفٍ وَصَغِيرٍ لِكَافِرٍ وَأُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً أَوْ اشْتَرَى مُصْحَفًا، جُبِرَ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ مِنْ
[ ٦ / ٤٩ ]
مُسْلِمٍ وَلَمْ يُنْقَضْ شِرَاؤُهُ. وَإِذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ فِي شِرَاءِ مَنْ سُبِيَ مِنْهُمْ فَلَا يُمَكَّنُوا مِنْ شِرَاءِ الذُّكُورِ بِثَمَنٍ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا وَلَهُمْ شِرَاءُ النِّسَاءِ مَا لَمْ تَكُنْ صَغِيرَةً، وَيَشْتَرِي الزُّمَنَاءَ وَأَهْلَ الْبَلَاءِ إلَّا مَنْ يَخَافُ كَيْدَهُ وَشِدَّةَ رَأْيِهِ فَلَا يُفْدَى إلَّا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ اهـ. وَانْظُرْ قَوْلَهُ " وَصَغِيرٍ " إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ مِمَّنْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُبَاعُ عَلَى مُشْتَرِيه النَّصْرَانِيِّ، وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَهَلْ مُنِعَ الصَّغِيرُ " وَانْظُرْ مُبَايَعَةَ الْكَافِرِ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَفِيهِ اسْمُ اللَّهِ أَعْظَمَ مَالِكٌ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إجَازَتُهُ، وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِقَيْصَرَ بِالْبَسْمَلَةِ
الْمَازِرِيُّ: رَأَى بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنْ لَا يَكْتُبَ الْبَسْمَلَةَ فِي عُقُودِ الْيَهُودِ. وَانْظُرْ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ مِنْ الْحَرْبِيِّ سِلَاحٌ وَلَا سُرُوجٌ وَلَا نُحَاسٌ.
قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَمَنْ بَاعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِيعَ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ عَلَى قِيَاسِ النَّصْرَانِيِّ يَشْتَرِي الْمُسْلِمَ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَوَاءٌ كَانُوا فِي هُدْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ فِي الْهُدْنَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلَا.
قَالَ الْحَسَنُ: وَمَنْ حَمَلَ إلَيْهِمْ الطَّعَامَ فَهُوَ فَاسِقٌ، وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ السِّلَاحَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُكْرَهُ بَيْعُ الْكَرْمِ بِجُدْرَتِهِ مِنْ الْيَهُودِ وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ بِالْمَنْعِ لِمَنْعِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُعْطُوا الْكَرْمَ مُسَاقَاةً، وَكَانَ - ﵀ - يَسْتَخِفُّ بَيْعَ الْعِنَبِ مِنْهُمْ بِالدِّرْهَمِ وَالْقِيرَاطِ إذْ الْعَادَةُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْأَكْلِ وَكَذَا بَيْعُ الزَّبِيبِ (وَإِنْ بِعِتْقٍ) ابْنُ شَاسٍ: لِلْكَافِرِ يَشْتَرِي الْمُسْلِمَ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ مِنْ مُسْلِمٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَبِلُوا هَذَا وَلَا أَعْرِفُهُ قَطُّ وَفِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَسْخِ نَظَرٌ (أَوْ هِبَةٍ) .
[ ٦ / ٥٠ ]
(وَلِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ يُونُسَ: إذَا أَسْلَمَ عَبِيدُ زَوْجَةِ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَلَ مِلْكُهَا عَنْهُمْ بِبَيْعِهِمْ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ بِصَدَقَتِهِمْ عَلَى وَلَدِهَا الصِّغَارِ مِنْهُ، وَاخْتَلَفَ شُيُوخُ إفْرِيقِيَّةَ إذَا وَهَبَتْهُمْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ؛ فَقِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ بِخُرُوجٍ مِنْ مِلْكِهَا إذْ لَهَا الِاعْتِصَارُ، وَقِيلَ إنَّ الِاعْتِصَارَ حَادِثٌ وَمِلْكُهَا الْآنَ قَدْ انْتَقَلَ حَقِيقَةً. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَجْوَدُ (لَا بِكِتَابَةٍ) الْفِقْهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ
[ ٦ / ٥٢ ]
عَلَيْهِمْ دِرْهَمٌ.
(وَرَهْنٍ وَأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ إنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَإِلَّا عُجِّلَ) اُنْظُرْ هَلْ يَتَنَزَّلُ هَذَا عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ؟ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ فَرَهَنَهُ بِعْته وَعَجَّلْت الْحَقَّ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ النَّصْرَانِيُّ بِرَهْنِ ثِقَةٍ مَكَانَ الْعَبْدِ فَيَأْخُذَ الثَّمَنَ.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: إنَّمَا هَذَا إذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا لَوْ رَهَنَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ لِبَيْعٍ عَلَيْهِ وَعَجَّلَ الْحَقَّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ آخَرَ مَكَانَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْعَقَدَ بَيْعُهُ عَلَى هَذَا الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ عَمَدَ فَرَهَنَهُ لِيَسْتَدِيمَ مِلْكُهُ فَمَنَعْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَبِعْنَاهُ عَلَيْهِ وَعَجَّلْنَا لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ إذَا شُرِطَ لَهُ تَعْيِينُ هَذَا الرَّهْنِ وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ (كَعِتْقِهِ)
ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ بَيْعُ عَبْدِ الْكَافِرِ يُسْلِمُ عَلَيْهِ قَالُوا: وَلَهُ الْعِتْقُ وَهُوَ وَاضِحٌ دَلِيلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْفَرْعُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا عِتْقُ الرَّهْنِ فَلَيْسَ هَاهُنَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ هُوَ بِقَوْلِهِ " وَمَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَعَجَّلَ ". وَكَمَا نَصُّوا عَلَى جَبْرِهِ عَلَى بَيْعِهِ مُسْلِمًا اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ نَصُّوا
[ ٦ / ٥٣ ]
عَلَى بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ تَحْتَ يَدِهِ فَلَعَلَّهُ نَقَصَ هَاهُنَا شَيْءٌ.
(وَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: الْمُسْلِمُ يَشْتَرِي عَبْدًا مَجُوسِيًّا مِنْ ذِمِّيٍّ فَيُسْلِمُ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَرُدُّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَفِي خِيَارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لِانْقِضَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ بَاعَ نَصْرَانِيٌّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا مِنْ مُسْلِمٍ بِخِيَارٍ لِلْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى إسْلَامَهُ فَوْتًا، وَلِلْمُسْلِمِ الْخِيَارُ إنْ رَدَّهُ بِيعَ عَلَى بَائِعِهِ. الْمَازِرِيُّ: وَاللَّخْمِيُّ: ظَاهِرُهُ لَا يُعَجَّلُ خِيَارُهُ عَلَى مُدَّتِهِ.
(وَيُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ بَاعَ نَصْرَانِيٌّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ بِخِيَارٍ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ لَمْ يُفْسَخْ الْبَيْعُ وَقِيلَ: لِمَالِكِ الْخِيَارِ اخْتَرْ أَوْ رُدَّ ثُمَّ بِيعَ عَلَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ.
(كَبَيْعِهِ إنْ أَسْلَمَ وَبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ وَسَيِّدُهُ غَائِبٌ فَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ بِيعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْتَظَرْ، وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ نَظَرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَكَتَبَ فِيهِ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ أَوْ يُسْلِمُ الْآنَ، وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ الْغَائِبُ تُسْلِمُ زَوْجَتُهُ.
[ ٦ / ٥٤ ]
وَانْظُرْ فَرْقُ مَا بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ تُسْلِمُ أَمَتُهُ يُمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ وَطْئِهَا وَرَدِّهَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ.
قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ. اُنْظُرْ فِي الْجِهَادِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِ ".
(وَفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنْ الْإِمْضَاءِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا لِابْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: لَوْ بَاعَ مُسْلِمٌ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَالْخِيَارُ لَهُ أَعْنِي لِلْبَائِعِ الْمُسْلِمِ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَوَاضِحٌ كَوْنُ الْمُسْلِمِ عَلَى خِيَارِهِ. وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي اُحْتُمِلَ إبْقَاءُ الْخِيَارِ لِمُدَّتِهِ إذْ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ وَتَعْجِيلُهُ إذْ لَا حُرْمَةَ لِعَقْدِ الْكَافِرِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ كَافِرَيْنِ يُعَجَّلُ الْخِيَارُ إذْ قَدْ يَصِيرُ لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا اهـ. كَذَا يَنْبَغِي اهـ لَفْظُ ابْنِ يُونُسَ (وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ) ابْنُ شَاسٍ: ثُمَّ حَيْثُ أَمَرْنَاهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ يَبْقَى النَّظَرُ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَهُ أَيَّامًا أَمْ لَا؟ قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ.
(وَهَلْ مَنْعُ الصَّغِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيه أَوْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ مِنْ شِرَاءِ صِغَارِ الْكِتَابِيِّينَ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ كِبَارِ الْكِتَابِيِّينَ. عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَا آبَاءَ مَعَهُمْ فَإِذَا اشْتَرَاهُمْ مُسْلِمٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ مِنْ كَافِرٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ. عَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْمَسْأَلَةَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَيْعِ الْيَهُودِ مِنْ النَّصَارَى وَهَذَا بَعِيدٌ
[ ٦ / ٥٥ ]
مِنْ مَذْهَبِ الْكِتَابِ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ (وَجَبْرُهُ تَهْدِيدٌ وَضَرْبٌ) نَقَصَ هُنَا شَيْءٌ وَعِبَارَةُ الْمَازِرِيِّ: بَيْعُ صِغَارِ النَّصَارَى مِنْ النَّصَارَى مَبْنِيٌّ عَلَى جَبْرِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَإِذَا قِيلَ بِهَذَا فَهَذَا الْجَبْرُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّهْدِيدِ وَالضَّرْبِ لَا بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ ثُمَّ ارْتَدَّ. اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ كَانَ جَبْرُهُ بِالْقَتْلِ مَا جَازَ بَيْعُهُ لِكَوْنِ الْمُشْتَرِي قَدْ دَخَلَ عَلَى مَا لَا يَدْرِي هَلْ يَحْيَا أَوْ يُقْتَلُ.
(وَلَهُ شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ إنْ أَقَامَ بِهِ) اللَّخْمِيِّ: لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ إذَا كَانَ بَالِغًا مِنْ نَصْرَانِيٍّ. ابْنُ شَاسٍ: بِشَرْطِ أَنْ يَسْكُنَ بِهِ بَلَدَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُبَاعُ مِمَّنْ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُخْشَى مِنْ اطِّلَاعِهِ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ هَذَا هُوَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَبِي الْفَرَجِ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِي الْجِهَادِ " كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى بِمَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ " فَقَدْ نَصَّ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْأَسِيرِ الْفِدَاءَ يَبْقَى النَّظَرُ فِي غَيْرِ الْإِمَامِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا قَدِمَ النَّصْرَانِيُّ بِأَمَانٍ فِي شِرَاءِ مَنْ سُبِيَ مِنْهُمْ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ شِرَاءِ الذُّكُورِ بِثَمَنٍ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا، وَلَهُمْ شِرَاءُ النِّسَاءِ مَا لَمْ تَكُنْ صَغِيرَةً، وَيَشْتَرُوا الزُّمَنَاءَ وَأَهْلَ الْبَلَاءِ إلَّا مَنْ يُخَافُ كَيْدُهُ وَشِدَّةُ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْدَى إلَّا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ (لَا غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ فِي بَيْعِ النَّصْرَانِيِّ الْبَالِغِ مِنْ الْيَهُودِ فَأَجَازَهُ مُحَمَّدٌ، وَمَنَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ
[ ٦ / ٥٦ ]
وَسَحْنُونٌ لِلْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَهُوَ أَحْسَنُ
(وَالصَّغِيرِ عَلَى الْأَرْجَحِ وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ) ابْنُ شَاسٍ.
: الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ طَاهِرًا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَحْرُمُ بَيْعُ النَّجِسِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ (لَا كَزِبْلٍ) ابْنُ يُونُسَ: كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ الْعَذِرَةِ وَهِيَ رَجِيعُ النَّاسِ لِيُزَبَّلَ بِهَا الزَّرْعُ أَوْ غَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا زُبِّلَ بِهَا. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ عِنْدَهُ نَجِسٌ فَكَذَلِكَ الزِّبْلُ عِنْدَهُ، وَلَا أَرَى أَنَا بِبَيْعِهِ بَأْسًا. اللَّخْمِيِّ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَذِرَةِ. ابْنُ بَشِيرٍ: هَذَا اسْتِقْرَاءٌ ضَعِيفٌ. وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَ بَيْعِ الْعَذِرَةِ. أَشْهَبُ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ خَثَاءِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ بَيْعِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجَازَ بَيْعَهُ وَإِنْ
[ ٦ / ٥٧ ]
قَبْلَ دَبْغِهِ ابْنُ وَهْبٍ: ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ بَاعَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ غَنَمًا فَنَمَتْ ثُمَّ تَابَ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ لَا بِالْغَنَمِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ صَدَقَتُهُ بِفَضْلِ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا (وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ " قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ.
[ ٦ / ٥٨ ]
(وَانْتِفَاعٌ) ابْنُ شَاسٍ: يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي صُوَرٍ عَلَى قَدْرِ الشِّبْرِ يُجْعَلُ لَهَا وُجُوهٌ لَا خَيْرَ فِيهَا وَلَيْسَ التَّجْرُ فِيهَا مِنْ تَجْرِ النَّاسِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ " لَا خَيْرَ فِيهَا " يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ دُونَ التَّحْرِيمِ وَلِذَلِكَ أَجَازَهَا أَصْبَغُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُصَوَّرَةً بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ إنَّمَا فِيهَا شَبَهُ الْوُجُوهِ بِالتَّزْوِيقِ فَصَارَتْ كَالرَّقْمِ وَلِذَلِكَ أَجَازَهَا أَصْبَغُ، وَكُلَّمَا قَلَّ الشَّبَهُ قَوِيَ الْجَوَازُ، وَكُلَّمَا جَازَ اللَّعِبُ بِهِ جَازَ بَيْعُهُ. الْبُرْزُلِيِّ: وَعَلَى هَذَا الْآلَاتُ الَّتِي يَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ.
قَالَ شَيْخُنَا الْغُبْرِينِيُّ: يَشْتَرِي لِلْأَيْتَامِ الدوليات والزرابط وَنَحْوُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لِمَحْجُورِهِ. بَعْضَ مَا يَلْهُو بِهِ. ابْنُ كِنَانَةَ: وَيُنْفِقُ فِي عُرْسِهِ بِقَدْرِ حَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ بَيْعُ الْبُوقِ وَالْعُودِ وَالْكَبَرِ وَيُؤَدَّبُ أَهْلُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: يُفْسَخُ فِي الْأَوَّلَيْنِ اتِّفَاقًا. وَقَوْلُهُ فِي الْكَبَرِ خِلَافُ قَوْلِهِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَقَطْعُ سَارِقِهِ فِي قِيمَتِهِ قَائِمًا (لَا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ وَنَصُّ ابْنِ مُحْرِزٍ مَنْعُ بَيْعِ مَنْ فِي السِّيَاقِ وَلَوْ كَانَ
[ ٦ / ٦٤ ]
مَأْكُولَ اللَّحْمِ لِلْغَرَرِ فِي حُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ حَيَاتِهِ أَوْ صَيْرُورَتِهِ لَحْمًا وَفِي حُصُولِ ذَكَاتِهِ لِاحْتِمَالِ حَرَكَتِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ، وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ
الْبَاجِيُّ: قَدْ يَكُونُ الْغَرَرُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ حَالِهِ كَالْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ يَمْرَضُ مَرَضًا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ. ابْنُ زَرْقُونٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ هَذَا الْمَرَضِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا بَلَغَ مَبْلَغًا لَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ إلَّا فِي ثُلُثِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الْحَامِلُ لَا تُبَاعُ. إذَا جَاوَزَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَوَلَدُهَا مَعَهَا
[ ٦ / ٦٨ ]
فِي الْبَيْعِ وَرَدَّهُ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى شِرَاءِ الْمَرِيضَةِ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ لَمْ يَجُزْ. اُنْظُرْ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ حَلَفَ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ.
(وَعَدَمُ نَهْيٍ) ابْنُ شَاسٍ: فِي مَعْنَى مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مَا كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إلَّا أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِالشَّرْعِ إذْ الْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا انْتَهَى. اُنْظُرْ بَيْعَ الطِّفْلِ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَأَكْلُهُ حَرَامٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَكْلُهُ مَكْرُوهٌ. وَسَمِعَ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَرْكُ التَّجْرِ فِي الْخُصْيَانِ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ
ابْنُ رُشْدٍ: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَصِيٌّ وَكَذَا لِمَالِكٍ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ نَحْوَ هَذَا فِي الشِّرَاءِ مِنْ الْعِبَارَةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ إذْ الْمَبِيعُ لَيْسَ بِمَغْصُوبٍ، وَإِنَّمَا تَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْ أَجْلِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْخُصْيَانِ، وَكَمَا نَصَّ الْمَازِرِيُّ إذَا فَرَّ النَّاسُ مِنْ الزَّحْفِ لَا يَلْزَمُ الْمَرْءَ وَحْدَهُ أَنْ يَقِفَ (لَا كَكَلْبِ صَيْدٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْكَلْبُ الْمَنْهِيُّ عَنْ اتِّخَاذِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا، وَفِي غَيْرِهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ بَيْعِهِ وَأَجَازَ بَيْعَهُ سَحْنُونَ قَالَ: نَعَمْ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ مِثْلَ قَوْلِ سَحْنُونَ.
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ كِنَانَةَ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ. وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ كَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ كَلْبًا مِنْ كِلَابِ الدُّورِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكِلَابِ لِلزَّرْعِ وَالْأَجِنَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ الزَّرْعِ. أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ: وَكَذَا عِنْدِي يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهَا لِلْمَنَافِعِ كُلِّهَا وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فِي غَيْرِ الْبَادِيَةِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفِ فِيهَا السَّرِقَةُ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ مِنْ الْكِلَابِ الْمُؤْذِي مِنْهَا وَمَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ لَا يَنْبَغِي.
وَقَالَ
[ ٦ / ٧٠ ]
ابْنُ لُبَابَةَ: إنْ كَانَ الْكَلْبُ مُتَّخَذًا بِمَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ بِهِ فَصَاحِبُهُ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ الرِّدَاء يُقَوَّمُ صَحِيحًا وَيُقَوَّمُ بِاَلَّذِي أَصَابَهُ، فَمَا كَانَ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ضَمِنَهُ وَيُوفِيهِ صَاحِبُ الْكَلْبِ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: لَمْ يُوجِبْ ابْنُ الْقَاسِمِ ضَمَانَ مَا أَصَابَ الْعَقُورَ إلَّا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ وَالْآخَرُ اتِّخَاذُهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ فِيهِ. اُنْظُرْ آخِرَ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ.
(وَجَازَ هِرٌّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ (وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا بَيْعُ السِّبَاعِ أَحْيَاءً وَالْفُهُودِ وَالنُّمُورِ وَالذِّئَابِ وَشَبَهِهَا فَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا تُشْتَرَى وَتُذَكَّى لِجِلْدِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا ذُكِّيَتْ السِّبَاعُ جَازَ لِبَاسُ جُلُودِهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجَازَ بَيْعُهَا (وَحَامِلٌ مُقْرِبٌ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَامِلَ إذَا تَجَاوَزَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرِيضِ الْمَخُوفِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ وَلَا أَنْ تَبِيعَ، وَهَذَا الْفَرْعُ مُقْحَمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَوْ قَالَ " لَا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ وَحَامِلٍ مُقْرِبٍ " لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ هُنَاكَ. وَإِنْ عَنَى بِالْحَامِلِ الْمُقْرِبِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعَاقِدَةُ فَكَانَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِ الرُّكْنَ الْأَوَّلَ. وَعِبَارَةُ الْمُتَيْطِيِّ: بَيْعُ الْمَرِيضِ كَالصَّحِيحِ سَوَاءً إلَّا أَنْ تَكُونَ فِيهِ مُحَابَاةٌ فَتِلْكَ الْمُحَابَاةُ فِي ثُلُثِهِ.
(وَقُدْرَةٌ عَلَيْهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يُطْلَبُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكًا لِبَائِعِهِ أَوْ لِمَنْ نَابَ عَنْهُ وَلَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ وَلَا غَرَرَ (لَا كَآبِقٍ) فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: بَيْعُ الْآبِقِ وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ مَمْنُوعٌ، وَكَذَا الشَّارِدُ وَمَا نَدَّ وَضَلَّ (وَإِبِلٍ أُهْمِلَتْ) سَمْعُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا أُحِبُّ شِرَاءَ الرَّجُلِ بَعِيرًا رَآهُ مُهْمَلًا فِي الرَّعْيِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُوجَدُ كَإِبِلِ الْأَعْرَابِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْمَهَامِهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا الْمَهَارَةُ وَالْفِلَاءُ بِالْبَرَارِيِ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا بِعَيْبٍ يَدْخُلُهَا (وَمَغْصُوبٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: بَيْعُ الْمَغْصُوبِ رَبَّهُ وَهُوَ بِيَدِ الْغَاصِبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ وَالْغَاصِبُ لَا يَأْخُذُهُ حُكْمٌ فَاسِدٌ إجْمَاعًا، وَكَذَا إنْ كَانَ يَأْخُذُهُ الْحُكْمُ وَكَانَ حَاضِرًا مُنْكِرًا لِلْغَصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا فِيهِ حَظْوَةٌ، فَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ حَاضِرًا يَأْخُذُهُ الْحُكْمُ جَازَ الْبَيْعُ (إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَك دَنَانِيرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَصْرِفَهَا مِنْهُ بِدَرَاهِمَ وَتَقْبِضَهَا،
[ ٦ / ٧١ ]
ذَكَرَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا لِأَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ. وَانْظُرْ فَرْقَ بَيْنَ الدَّنَانِيرِ فِي هَذَا بَيْن الْحُلِيِّ. وَلَوْ غَصَبَك جَارِيَةً جَازَ أَنْ تَبِيعَهَا مِنْهُ وَهِيَ بِبَلَدٍ آخَرَ غَائِبَةٌ، وَيَنْقُدُك الثَّمَنَ إذَا وَصَفَهَا لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ وَالدَّنَانِيرُ فِي ذَلِكَ أَبْيَنُ
ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجَارِيَةِ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ إنْ مُلِكَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ جَازَ النَّقْدُ فِيهَا إذْ لَا يَبْقَى فِيهَا رَدُّ الثَّمَنِ لَهَا كُلِّهَا قَبْلَ الْعَقْدِ كَمَا اتَّقَى فِي النَّقْدِ فِي الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ هَلَكَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ فَيَكُونُ النَّقْدُ حِينَئِذٍ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا وَهَذَا لَا يُخْشَى رَدُّهُ لِأَنَّ هَلَاكَهُ مِنْهُ (وَهَلْ إنْ رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةٌ؟ تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: تَحْصِيلُ شِرَاءِ الْغَاصِبِ مَا غَصَبَهُ وَهُوَ بِيَدِهِ. إنْ عُلِمَ مَنْعُهُ رَبَّهُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَبِعْهُ فَسَدَ، وَإِنْ عُلِمَ رَدُّهُ لَهُ جَازَ اتِّفَاقًا فِيهَا وَإِلَّا فَظَاهِرُ صَرْفِهَا وَغَصْبِهَا الْجَوَازُ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَدَمَ الْجَوَازِ وَبِهِ حَكَمَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي رَحَى الْمَدْبَحِ لِلسُّلْطَانِ شِرَاؤُهَا حَتَّى صَحَّتْ
[ ٦ / ٧٢ ]
لِصَاحِبِهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ
(وَلِلْغَاصِبِ نَقْضُ مَا بَاعَهُ إنْ وَرِثَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَعَدَّى عَلَى مَتَاعٍ عِنْدَهُ وَدِيعَةٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ مَاتَ رَبُّهُ فَكَانَ الْمُتَعَدِّي نَقَضَ الْبَيْعَ إذَا ثَبَتَ التَّعَدِّي. ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ حَلَّ هَذَا مَحَلَّ رَبِّهِ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ أَوْ نَقْضِهِ. وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ: وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ ثُمَّ وَرِثَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَبْدِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ يُوجِبُ لَهُ بِالْإِرْثِ مَا كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ (لَا اشْتَرَاهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ بَاعَ مَا غَصَبَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ رَبِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ صَنِيعُهُ وَكَأَنَّ الْقِيمَةَ لَزِمَتْهُ فَغَرِمَهَا. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا الْوَدِيعَةُ الَّتِي بَاعَهَا لَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ وَرِثَهَا لِأَنَّ
[ ٦ / ٧٣ ]
الْمِيرَاثَ لَمْ يَجُرَّهُ إلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الشِّرَاءُ فَهُوَ مِنْ سَبَبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى نَقْضِ عَقْدِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا رُجُوعُ الْهِبَةِ وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ وَتَكْمِيلِ الْعِتْقِ أَيْ وَالشُّفْعَةِ فِيمَا بَاعَ (وَوُقِفَ مَرْهُونٌ عَلَى رِضَا مُرْتَهِنِهِ) سَيَأْتِي فِي الرَّهْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ فِي بَيْعٍ وَسَلَمٍ ".
(وَمِلْكُ غَيْرِهِ عَلَى رِضَاهُ) الْمُتَيْطِيُّ: الْبَائِعُ عَلَى غَيْرِهِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ: سِمْسَارٌ وَقَاضٍ وَوَصِيٌّ وَوَكِيلٌ عَلَى مُعَيَّنٍ وَوَكِيلٌ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ وَشَرِيكٌ فِي مُعَيَّنٍ وَشَرِيكٌ مُفَاوِضٌ وَمُبْضِعٌ مَعَهُ وَمُفْتَاتٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ بَاعَ رَجُلٌ أَمَةَ آخَرَ جَازَ إنْ أَجَازَ ذَلِكَ السَّيِّدُ انْتَهَى. لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ إذَا أَجَازَ الْمُفْتَاتُ عَلَيْهِ الْبَيْعَ فَأَبَى الْمُشْتَرِي وَيُحْتَجُّ بِانْتِقَالِ الْعُهْدَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ يَبِيعُ بِاسْمِ نَفْسِهِ. اُنْظُرْ رَسْمَ بَاعَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ، وَرَسْمَ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَانْظُرْ إنْ سَكَتَ هَذَا الَّذِي أُفْتِيت عَلَيْهِ وَبِيعَ مَالُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَمْ يَقُمْ حَتَّى بِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ أَرَادَ الدَّعْوَى فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ غَيْرِ مَقْهُورٍ بِالطَّاقَةِ.
قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: وَإِنَّمَا يُقْضَى لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ خَاصَّةً. رَاجِعْ الْمُفِيدَ أَوْ ابْنَ سَلْمُونَ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ.
(وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي) مِنْ الْمُفِيدِ: إنْ قَالَ أَبِيعُك دَارَ فُلَانٍ وَفُلَانٌ غَائِبٌ فَتَمَّ الْبَيْعُ فِيهَا ثُمَّ عَلِمَ الْغَائِبُ بِذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ أَوْ قَدِمَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ مَالَهُ اهـ. وَانْظُرْ بَيْعَ
[ ٦ / ٧٤ ]
الْمَغْصُوبِ وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ غَصْبَهُ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ لِعِلْمِ الْعَاقِدَيْنِ فَسَادَهُ بِخِلَافِ عِلْمِ أَحَدِهِمَا. وَجَعَلَ ابْنُ يُونُسَ مِنْ هَذَا أَيْضًا سَلَفَ أَحَدِ الْمُصْطَرِفَيْنِ بَيْنَ عِلْمِهِمَا بِذَلِكَ وَلَا فَرْقَ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ قَالَ الْبَائِعُ أَنَا أَعْرِفُ كَيْلَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ فَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ رَضِيت أَخْذَهَا جُزَافًا بِكَذَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّهُمَا قَصَدَا بِهَذَا الْعَقْدِ الْغَرَرَ وَالْخَطَرَ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ صَارَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَإِذَا رَضِيَ بِأَنْ لَا يَعْلَمَهُ فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِالتَّغْرِيرِ وَأَنْ يُعَاوِضَ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى عِلْمِهِ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، يَشْهَدُ لِهَذَا مَا قَالَهُ سَحْنُونَ: وَلَوْ بَاعَ أَمَةً فَخَرَجَتْ مُغَنِّيَةً لَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَإِنْ شَرَطَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ سِلْعَةً لَا يَمْلِكُهَا تَعَدِّيًا وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ، وَلَوْ أَعْلَمَ أَنَّهُ غَاصِبٌ فَدَخَلَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهِ عَلَى صِفَةٍ لَوْ شَرَطَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ اهـ. اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْمَرْأَةُ تَهَبُ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا وَلَمْ تَحُزْهَا لَهُ حَتَّى مَاتَتْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ شَرَطَتْ هَذَا أَوْ لَا فَرْقٌ. اُنْظُرْ نَوَازِلَ أَصْبَغَ مِنْ الْهِبَاتِ بَاعَهُ سَاعَةً بِدِينَارٍ إلَّا ثُلُثًا فَجَاءَهُ الْمُشْتَرِي بِدِينَارٍ عِنْدَ الْأَجَلِ أَعْطَاهُ لَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بَقِيَّةَ صَرْفِهِ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا شُرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ لَا فَرْقَ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ بِشَرْطِ أَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ شَاةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ لَمْ يَجُزْ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِجَنِينِهَا ثَمَنًا.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إلَّا أَنْ يَقُولَ هِيَ حَامِلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ خِلَافًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ: فَإِنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ بِهَذَا الشَّرْطِ. اُنْظُرْ
[ ٦ / ٧٥ ]
آخِرَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَاللَّخْمِيِّ: وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ فَتْحُونَ إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَظْهَرْ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ كَالْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَهُوَ لِلْمُشْتَرِي بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي اشْتِرَاطُهُ لِئَلَّا تَقَعَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ لَا يَثْبُتُ فَيَكُونُ مِنْ الْغَرَرِ. وَمِنْ هَذَا أَيْضًا مَا نَقَلَ ابْنُ عَاتٍ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْغَزْلِ فِي النَّسْجِ عِنْدَ الْقَطْعِ إنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِالْحَضْرَةِ وَأَنَّ الْحَائِكَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْحَائِكِ وَكَأَنَّهُ مِنْ الْأَجْرِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَائِكِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ لَا يَقْبِضُهُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ نَسْجِ الثَّوْبِ. وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " وَعَصَافِيرُ حَيَّةٌ بِقَفَصٍ ". وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَنْحَى شَرْطَ الْخُلْطَةِ فِي الْقِرَاضِ، وَمِنْهُ أَيْضًا مَنْ شَرَطَ فِي حَبْسِهِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ لَهُمْ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ وَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحُكْمَ. اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْحَبْسِ، وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ تَأَخَّرَ مِنْ الصَّرْفِ مَنْ اشْتَرَى بِنِصْفِ دِينَارٍ لِشَهْرٍ فَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ بِصَرْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ هَذَا فِي الْعَقْدِ إلَّا
[ ٦ / ٧٦ ]
ابْنَ رُشْدٍ قَالَ: إنَّمَا هَذَا أَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَقَدْ يَكُونُ لِلْبَائِعِ قِبَلَ الْمُشْتَرِي نِصْفٌ آخَرُ فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِدِينَارٍ فَيَكُونُ الشَّرْطُ عَلَى هَذَا مُخَالِفًا لِمَا يَقْتَضِيهِ الْحُكْمُ.
(وَالْعَبْدُ الْجَانِي عَلَى رِضَا مُسْتَحِقِّهَا وَحُلِّفَ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ السَّيِّدُ أَوْ الْمُبْتَاعُ الْأَرْشَ وَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِهِ وَرَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ إنْ تَعَمَّدَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ عَبْدَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ جَنَى حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ حَمْلَ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ إنْ دَفَعَ الْأَرْشَ لِأَهْلِ الْجِنَايَةِ وَإِلَّا كَانَ لَهُمْ إجَازَةُ الْبَيْعِ وَقَبْضُ الثَّمَنِ وَلَهُمْ فَسْخُهُ وَأَخْذُ الْبَيْعِ.
قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُبْتَاعُ دَفْعَ الْأَرْشِ إلَيْهِمْ فَذَلِكَ لَهُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْأَقَلِّ مِمَّا افْتَكَّهُ بِهِ أَوْ الثَّمَنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ افْتَكَّهُ الْبَائِعُ فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ بِهَذَا الْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ بَيَّنَهُ لَهُ فَيَلْزَمُهُ الْمَبِيعُ. قَالَ غَيْرُهُ: هَذَا فِي الْعَمْدِ،
[ ٦ / ٧٩ ]
فَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَلَا وَهُوَ كَعَيْبٍ قَدْ ذَهَبَ.
(وَرُدَّ الْبَيْعُ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ وَرُدَّ لِمِلْكِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ أَمَةً حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهَا لَيَضْرِبَنَّهَا ضَرْبًا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُ بَيْعِهِ. فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهَا حَتَّى مَاتَ عَتَقَتْ فِي ثُلُثِهِ.
وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: تَعْتِقُ حِينَ نُقِضَ بَيْعُهَا وَلَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ إذْ لَا تُنْقَضُ صَفْقَةُ مُسْلِمٍ
[ ٦ / ٨٠ ]
إلَّا لِعِتْقٍ نَاجِزٍ.
(وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ إنْ انْتَفَتْ الْإِضَاعَةُ وَأُمِنَ كَسْرُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَيَجُوزُ أَنْ أَشْتَرِيَ عَمُودًا عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ وَأَنْقُضَ الْعَمُودَ إنْ أَحْبَبْت؟ قَالَ: نَعَمْ. اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ إنْ قَدَرَ عَلَى تَعْلِيقِ مَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يَسِيرًا أَوْ أَضْعَفَ لَهُ فِي الثَّمَنِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ فَسَادٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَعَزْوُ
[ ٦ / ٨١ ]
ابْنِ رُشْدٍ شَرْطَ كَوْنِ بَيْعِهِ لَيْسَ إضَاعَةَ مَالٍ، وَأَمْنُ قَلْعِهِ لِلْمَازِرِيِّ يُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِهِ (وَنَقَضَهُ الْبَائِعُ) ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَقَلْعُ الْعَمُودِ عَلَى الْبَائِعِ قَالَ الْقَابِسِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَى الْعَمُودِ لِيَصِلَ الْمُبْتَاعُ إلَى قَبْضِهِ، وَمَا أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَوَالِهِ فِي كَسْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ وَانْظُرْ إذَا اشْتَرَى صُوفًا عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ فَأُصِيبَ مِنْهَا كَبْشٌ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ: أَرَاهَا مِنْ الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْجُذَاذَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكَمَنْ اشْتَرَى زَيْتُونَةً عَلَى الْقَطْعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ. اُنْظُرْ رَسْمَ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَانْظُرْ رَسْمَ الثَّمَرَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى إنْ تَوَانَى فِي قَطْعِ الزَّيْتُونَةِ حَتَّى أَثْمَرَتْ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الشِّرَاءِ قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِنْدَ الشِّرَاءِ الثَّمَرُ وَفِيهَا ثَمَرٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِبَارِ فَفِي هَذَا
[ ٦ / ٨٢ ]
السَّمَاعِ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ اشْتَرَطَ الْأَغْصَانَ، فَإِنْ اشْتَرَى عَمُودَ الزَّيْتُونَةِ رَجُلٌ وَاشْتَرَى الْأَغْصَانَ آخَرُ وَاسْتُؤْنِيَ بِقَطْعِهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْعَمُودِ وَعَلَى صَاحِبِ الْعَمُودِ كِرَاءُ الْأَرْضِ، وَهَذَا إذَا كَانَا غَائِبَيْنِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ حَاضِرَيْنِ عَلَى اخْتِلَافٍ.
(وَهَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ إنْ وُصِفَ الْبِنَاءُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ بَيْعُ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا مِنْ هَوَاءِ بَيْتٍ، إنْ وَصَفَا مَا يُبْنَى فَوْقَ جِدَارِهِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ إذَا شَرَطَا بِنَاءً يَبْنِيهِ وَيَصِفُهُ لِيَبْنِيَ الْمُبْتَاعُ فَوْقَهُ
الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ هَوَاؤُهُ لَا فَرْشَ عَلَيْهِ جَازَ شَرْطُهُ عَلَى بَائِعِهِ أَوْ مُبْتَاعِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمُبْتَاعِ بَيْعُ هَوَاءٍ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ.
(وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شِرَاءُ طَرِيقٍ فِي دَارِ رَجُلٍ وَمَوْضِعِ جُذُوعٍ مِنْ حَائِطٍ يَحْمِلُهَا عَلَيْهِ إذَا وَصَفَهَا. أَشْهَبُ: شَرْطُ بَيْعِ الطَّرِيقِ كَوْنُهُ يَصِلُ مِنْهُ لِمِلْكٍ. التُّونِسِيُّ: لِأَنَّهُ دُونَهُ بَيْعُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ فَإِنْ اسْتَحَقَّ مِلْكَهُ انْفَسَخَ بَيْعُ الطَّرِيقِ (وَهُوَ مَضْمُونٌ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّةَ فَإِجَارَةٌ تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِهِ) ابْنُ يُونُسَ: إنْ اشْتَرَى مَوْضِعَ الْجُذُوعِ شِرَاءً مُؤَبَّدًا فَانْهَدَمَ الْجِدَارُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَعَلَى رَبِّهِ أَنْ يَبْنِيَهُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ فَمَحَلُّ هَذَا عَلَيْهِ جُذُوعُهُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ حَمْلَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَانْهَدَمَ الْجِدَارُ
[ ٦ / ٨٤ ]
لَا يَلْزَمُ رَبَّهُ بِنَاؤُهُ وَيَفْسَخُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ وَيَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ كِرَاءٌ وَالْمُكْرِي لَا يَلْزَمُهُ إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ أَنْ يَبْنِيَهَا وَيَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ وَاَلَّذِي اشْتَرَى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا قَدْ مَلَكَ مَوْضِعَ الْحَمْلِ، فَإِذَا انْهَدَمَ لَزِمَ رَبَّهُ بِنَاؤُهُ كَانْهِدَامِ السُّفْلِ أَنَّ عَلَى رَبِّهِ بِنَاءَهُ لِيَبْنِيَ صَاحِبُ الْعُلْوِ فَوْقَهُ.
(وَعَدَمُ حُرْمَةٍ وَلَوْ لِبَعْضِهِ) الْبَاجِيُّ: مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا بَطَلَ جَمِيعُهَا وَجُعِلَ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ التَّنَاجُزِ فِي بَعْضِ الصَّرْفِ قَالَ: لَمْ يَتَنَاجَزَا فِي الصَّرْفِ فَهُوَ مَفْسُوخٌ.
قَالَ: وَتَأْخِيرُ الْيَسِيرِ كَتَأْخِيرِ جَمِيعِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى أَرْضًا بِدَرَاهِمَ وَخَمْرٍ فَسَدَ جَمِيعُهَا وَلَمْ يَجُزْ حِصَّةُ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ رَضِيَ الْمُكْتَرِي بِتَرْكِ الْخَمْرِ لَمْ يَجُزْ وَلَيْسَ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَفِ الَّذِي إنْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ السَّلَفِ جَازَ.
(وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنٍ وَلَوْ تَفْصِيلًا كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْجَهْلُ بِالْمَثْمُونِ مُبْطِلٌ كَزِنَةِ حَجَرٍ مَجْهُولٍ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ: مِنْ الْغَرَرِ بَيْعُ الْقَمْحِ بِالْعِنَبِ مُوَازَنَةً
ابْنُ عَرَفَةَ: جَهْلُ أَحَدِ
[ ٦ / ٨٥ ]
الْعِوَضَيْنِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا يُفْسِدُ بَيْعَهُ. فِيهَا مَنْعُ بَيْعِ تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَيْعَ تُرَابِ الْمَعَادِنِ وَبَيْعَ الْحَبِّ فِي أَنْدَرِهِ وَزَيْتِ زَيْتُونٍ قَبْلَ عَصْرِهِ ثُمَّ قَالَ: وَجَهْلُ الثَّمَنِ مُطْلَقًا مَانِعٌ وَفِي جَهْلِهِ مِنْ وَجْهٍ خِلَافٌ، وَالرِّوَايَاتُ مَعَ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ بَيْعِ سِلْعَةٍ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهَا مِنْ ثَمَنِهَا مِنْ غَيْرِهَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ بِعْتُكهَا بِمَا شِئْت ثُمَّ سَخِطَ مَا أَعْطَاهُ إنْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَزِمَهُ. الْبَاجِيُّ: حَمَلَهُ عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَهِبَةِ الثَّوَابِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي جَمْعِ الرَّجُلَيْنِ سِلْعَتَهُمَا فِي الْبَيْعِ.
رَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلَانِ سِلْعَتَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ فَيَبِيعَانِهَا بِثَمَنٍ يُسَمِّيَانِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَدْرِي بِمَا بَاعَ وَلَا بِمَا يُطَالِبُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا بَعْدَ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَيَا هَذَا عَبْدَهُ وَهَذَا دَارِهِ صَفْقَةً هَكَذَا.
وَيَنْبَغِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي وَظَنَّ أَنَّهُمَا شُرَكَاءُ فِي السِّلْعَتَيْنِ جَمِيعًا أَنْ لَا يُفْسَخَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا مِنْ جِهَتِهِمَا اهـ.
اُنْظُرْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ " لَا يَدْرِي بِمَا بَاعَ وَلَا بِمَا يُطَالِبُ إلَّا بَعْدَ الْقِيمَةِ فَمُقْتَضَاهُ إنْ قَوَّمَا قَبْلَ الْبَيْعِ جَازَ وَهُوَ رَابِعُ الْأَقْوَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ لَفْظُ
[ ٦ / ٨٨ ]
ابْنِ مُحْرِزٍ مَعَ ظَاهِرِ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ رَاجِعْهُ فِيهِ.
وَانْظُرْ جَمْعَ السِّلْعَتَيْنِ فِي الشِّرَاءِ كَرَجُلَيْنِ اشْتَرَيَا عَبْدًا وَثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الْعَبْدَ وَلِلْآخَرِ الثَّوْبَ كَمَا لَوْ ابْتَاعَا أَرْضًا بَيْنَ حَائِطَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْقِسْمَةِ مَا يَلِيهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً جَازَ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ وَانْظُرْهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ كُلُّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يُوزَنَ بِظُرُوفِهِ وَيُطْرَحَ وَزْنُهَا بَعْدَ تَفْرِيغِهَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يَتَحَرَّى وَزْنَ الظَّرْفِ؟ كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَحْكِي عَنْ ابْنِ عَلَاقٍ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ إذْ اسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُ الْمَعْلُومَ مَجْهُولًا.
وَكَانَ هُوَ - ﵀ - يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ وَإِنَّهُ إذَا تَحَرَّى زِنَةَ الظَّرْفِ صَارَ مَا كَانَ فِيهِ مُتَحَرًّى وَبَيْعُهُ بِالتَّحَرِّي جَائِزٌ، وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي مُشْتَرِي الْفَحْمِ بِسَوْقِهِ يَذْهَبُ بِالْحَمَّالِ مَعَهُ إلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ يَصْعُبُ الرُّجُوعُ مِنْهُ لِزِنَةِ الْوِعَاءِ، ثُمَّ وَجَدْت الْمَسْأَلَةَ مَنْصُوصَةً لِعِزِّ الدِّينِ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَسَأَلْتُ عَنْهَا ابْنَ عَرَفَةَ وَانْظُرْ أَيْضًا هَلْ لَهُ أَنْ يُصَدِّقَ الْبَائِعَ فِي الْقَدْرِ أَوْ زِنَةِ الظَّرْفِ؟ اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي " وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَخْرَجَ مِنْ طَعَامِهِ يَعْنِي الْمَكِيلَ إرْدَبًّا أَوْ إرْدَبَّيْنِ ثُمَّ نَسِيَ أَوْ أَخْرَجَ قَدْرَ ذَلِكَ جُزَافًا فَلَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ مَا بَقِيَ جُزَافًا حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ.
ابْنُ رُشْدٍ: إذَا أَخْرَجَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مِنْ طَعَامِهِ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْلَهُ جُزَافًا يَسِيرًا أَوْ كَيْلًا يَسِيرًا أَوْ نَسِيَ حَقِيقَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبَاقِيَ جُزَافًا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِمَا
[ ٦ / ٨٩ ]
عَلِمَ مِنْ كَيْلِهِ وَبِالْقَدْرِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْهُ جُزَافًا أَوْ كَيْلًا حَتَّى يَسْتَوِيَا جَمِيعًا فِي الْمَعْرِفَةِ بِقَدْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ كَيْلِهِ فَهُوَ عَالِمٌ بِقَدْرِهِ. انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ حَتَّى يَسْتَوِيَا جَمِيعًا فِي الْمَعْرِفَةِ، وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ إنَّمَا جَاءَتْ مِنْ خَبَرِهِ فَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى يَسُوغُ فِي بَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ كَمَا جَازَ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي قَدْرِ مَا أَخْرَجَ كَذَلِكَ يُقَلِّدُهُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ لَا سِيَّمَا الْعَقَاقِيرُ الْهِنْدِيَّةُ وَأَشْبَاهُهَا مِمَّا لَا يَعْرِفُ ثَمَنَهَا وَلَا عَيْنَهَا إلَّا أَرْبَابُهَا، وَسَأَزِيدُ هَذَا بَيَانًا فِي بَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةً تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنْ يَذْكُرَ مَا دَفَعَ وَأَيَّ وَقْتٍ اشْتَرَى وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ، فَرُبَّمَا يُقَيِّدُ التَّاجِرُ رَأْسَ الْمَالِ فِي الثَّوْبِ وَلَا يَسْتَحْضِرُ فِي ذِهْنِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ إلَّا مَا قَيَّدَ، فَهَلْ يَكُونُ مِثْلَ الطَّعَامِ إذَا نَسِيَ مَا أَخْرَجَ مِنْهُ فَيَقُولُ لِلْمُشْتَرِي هَذَا هُوَ الثَّمَنُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَسْت بِذَاكِرٍ لِلتَّفْصِيلِ ثُمَّ يَطْلُبُ الرِّبْحَ عَلَى ذَلِكَ؟ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ: لَا تَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ عِلْمُ الْمُشْتَرِي مَعَ عِلْمِ الْبَائِعِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا وَمَا جَرَى عِنْدَهُ مِنْ أَمْرِهَا. وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا مَا وَقَعَ لِمَالِكٍ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ السَّمْنِ فِي الزِّقَاقِ أَرْطَالًا مُسَمَّاةً كَذَا وَكَذَا رِطْلًا بِدِينَارٍ وَزِقَاقُهَا فِي الْوَزْنِ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. قَدْ يُرِيدُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَحْمِلَهَا إلَى بَلَدٍ فَيَشْتَرِيَهَا وَيَحْمِلَهَا كَمَا هِيَ قُلْت: فَالْقِلَالُ؟ قَالَ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي التَّقَارُبِ مِثْلَ الزِّقَاقِ مَا رَأَيْت بِهَا بَأْسًا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي قِلَالِ الْخَلِّ: أَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا بِخَلِّهَا مُطَيَّنَةً وَلَا يُدْرَى مَا فِيهَا؟ فَقَالَ لِي: إنْ كَانَ قَدْ مَضَى عَمَلُ النَّاسِ أَفَأُحَرِّمُهُ كَأَنَّهُ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ أَصْبَغُ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ حَزْرَهُ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَزِنْهُ وَلَمْ يَعْرِفْ جَيِّدَهُ مِنْ رَدِيئِهِ، وَفَتْحُهُ كُلُّهُ لِلْبَيْعِ فَسَادٌ. ثُمَّ رَشَّحَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا قَالَ: كَمَا جَازَ شِرَاءُ الثَّوْبِ الرَّفِيعِ الَّذِي يُفْسِدُهُ الْفَتْحُ وَالنَّشْرُ عَلَى الصِّفَةِ دُونَ أَنْ يُفْتَحَ وَيَنْشُرَهُ وَيُقَلِّبَهُ كَمَا جَازَ بَيْعُ الْأَحْمَالِ عَلَى صِفَةِ الْبَرْنَامَجِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِي بَيْعِ السَّاجِ عَلَى الصِّفَةِ، فَمَنَعَهُ مَرَّةً وَأَجَازَهُ أُخْرَى.
(وَرَطْلٍ مِنْ شَاةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ لَحْمِ شَاتِهِ الْحَيَّةِ رَطْلًا وَلَا رَطْلَيْنِ وَلَيْسَ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَائِعِ ذَلِكَ مِنْهَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا شِرَاءُ ذَلِكَ مِنْ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَحْمُ مَغِيبٍ.
(وَتُرَابِ صَائِغٍ وَرَدَّهُ مُشْتَرِيه وَلَوْ خَلَّصَهُ وَلَهُ الْأَجْرُ) مُنِعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْعُ
[ ٦ / ٩٠ ]
تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ. الْمَازِرِيُّ: هُوَ الشُّهْرَةُ إنْ كَانَ الْمُصَفَّى ذَهَبًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِضَّةً ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ عَامٌّ فِيهِمَا وَفِي تُرَابِ حَوَانِيتِهِمْ كَتُرَابِ حَوَانِيتِ الْعَطَّارِينَ. فَلَوْ قَالَ مُبْتَاعُهُ ضَاعَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَلَفَ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ، وَلَوْ فَاتَ بِتَخْلِيصِهِ فَرَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الْمَازِرِيِّ: الْمَشْهُورُ لُزُومُ الْبَائِعِ أَخْذَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَدَفْعَ مِثْلِ أَجْرِ خَلَاصِهِ لَا مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ غيران الْمَعَادِنِ لِأَنَّ مَنْ أُقْطِعَتْ لَهُ إذَا مَاتَ أُقْطِعَتْ لِغَيْرِهِ وَلَمْ تُورَثْ، وَيَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَتُرَابِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْمَعْدِنِ ضَرِيبَةُ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ خَطَرٌ.
(وَشَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا) ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ لَمْ تُسْلَخْ عَلَى حَالِهَا، وَلَوْ ابْتَاعَهَا ثُمَّ تُسْلَخُ وَتُوزَنُ لَمْ يَجُزْ ابْنُ رُشْدٍ: لَيْسَ بَيْعُهَا بَيْعَ لَحْمِ مَغِيبٍ كَمَا أَنَّ الْكَسِيرَ وَمَا لَا يُسْتَحْيَا لَيْسَ بِبَيْعِ لَحْمِ مَغِيبٍ، وَأَمَّا بَيْعُ أَرْطَالٍ مِنْهَا قَبْلَ السَّلَمِ فَإِنَّهُ بَيْعُ لَحْمِ مَغِيبٍ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ مَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ لَيْسَ بَيْعَ لَحْمِ مَغِيبٍ وَمَا لَا يَضْمَنُهُ حَتَّى يُوَفَّى فَهُوَ بَيْعُ لَحْمِ مَغِيبٍ.
(وَحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وَتِبْنٍ إنْ بِكَيْلٍ) مِنْ
[ ٦ / ٩١ ]
الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ زَرْعٍ اسْتَحْصَدَ كُلُّ قَفِيزٍ بِكَذَا بِثَمَنٍ نَقْدٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ وَلَوْ تَأَخَّرَ دَرْسُهُ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْكَيْلِ وَيَصِلُ لِمَعْرِفَةِ الْقَمْحِ بِفَرْكِ سُنْبُلِهِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الْمُعَيَّنِ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلضَّرُورَةِ. وَانْظُرْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ وَفِي سُنْبُلِهِ أَوْ تِبْنِهِ فَرْقٌ. اُنْظُرْ رَسْمَ ص ل ى مِنْ السَّلَمِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ دَابَّةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمَيْنِ أَوْ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ جَازَ لَا فِيمَا بَعْدُ إذْ لَا يَدْرِي الْمُبْتَاعُ كَيْفَ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ فِيمَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَمِنْ الْبَائِعِ فِيمَا لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَازَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ. اُنْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ، وَمِنْ رَسْمِ الْقِسْمَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى فِيمَنْ اشْتَرَى الْمَتَاعَ فِي الْمَرْكَبِ فَسَقَطَ مِنْ يَدِ النُّوتِيِّ فِي الْبَحْرِ ضَمَانُهُ مِنْ مُشْتَرِيه، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ إلَى الْبَرِّ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ، وَعَلَى أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ بَائِعِهِ فَصَارَ مُبْتَاعًا لِلضَّمَانِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَصَارَ فِي ضَمَانِهِ إلَّا أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ حِمْلَانَهُ لَا بَأْسَ بِهَذَا. اُنْظُرْ الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْفَصْلَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَبَعْدَهُ مَسَائِلُ اسْتِحْسَانٍ إنَّمَا فِيهَا التَّسْلِيمُ وَالِاتِّبَاعُ لِلْعُلَمَاءِ. وَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحِنْطَةِ عَلَى كَيْلٍ وَهِيَ فِي تِبْنِهَا
(وَقَتٍّ جُزَافًا لَا مَنْفُوشًا) الْقَتُّ الْفَصْفَصَةُ. الْجَلَّابُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الزَّرْعِ إذَا يَبِسَ وَاشْتَدَّ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ بَعْدَ جُذَاذِهِ إذَا كَانَ حُزَمًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا دُرِسَ وَاخْتَلَطَ بِتِبْنِهِ.
وَقَالَ
[ ٦ / ٩٢ ]
عِيَاضٌ: الْحَبُّ إذَا اخْتَلَطَ فِي أَنْدَرِهِ وَكُرِّسَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
(وَزَيْتِ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ إنْ لَمْ يَخْتَلِف إلَّا أَنْ يُخَيَّرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قُلْت لِرَجُلٍ اعْصِرْ زَيْتُونَك هَذَا فَقَدْ أَخَذْت مِنْك زِنَةَ كُلِّ رِطْلٍ بِكَذَا، فَإِنْ كَانَ خُرُوجُ الزَّيْتِ عِنْدَ النَّاسِ مَعْرُوفًا لَا يَخْتَلِطُ إذَا عُصِرَ وَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبًا كَالزَّرْعِ جَازَ وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهِ وَلَا يَنْقُدُهُ وَيَكُونُ عَصْرُهُ قَرِيبًا إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ (وَدَقِيقِ حِنْطَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ زَيْتُونٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ عَصَرَهُ أَوْ زَرْعًا قَائِمًا عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ حَصَادَهُ وَدِرَاسَهُ وَكَأَنَّهُ ابْتَاعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَأَمَّا قَمْحًا عَلَى أَنْ يَطْحَنَهُ فَاسْتَخَفَّهُ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ كَرِهَهُ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مَعْرُوفٌ، وَأَمَّا ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ لَك أَوْ نَعْلَيْنِ عَلَى أَنْ يَحْذُوَهُمَا لَك فَلَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ الْغَزْلِ عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ لَك.
(وَصَاعٍ أَوْ كُلِّ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَإِنْ جُهِلَتْ) ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّوَايَاتُ مَعَهَا جَوَازُ بَيْعِ عَدَدِ آصُعٍ أَوْ أَقْفِزَةٍ مِنْ صُبْرَةٍ أَوْ كُلِّهَا عَلَى الْكَيْلِ كُلُّ صَاعٍ أَوْ قَفِيزٍ بِكَذَا. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْأَرْضِ عَلَى الصِّفَةِ كُلُّ ذِرَاعٍ بِكَذَا وَكَذَا دُونَ أَنْ يَرَاهَا، وَكَذَلِكَ الصُّبْرَةُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِكَذَا دُونَ أَنْ يَرَاهَا (لَا مِنْهَا وَأُزِيدَ الْبَعْضُ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ كِرَاءَ الدَّارِ سَنَةً عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَتَى شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ خَرَجَ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ قَدْ بِعْتُك مِنْ صُبْرَتِي هَذِهِ مَا شِئْت كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ.
الْقَبَّابُ: لَعَلَّ مَسْأَلَةَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَبِيعَ جَمِيعُ الصُّبْرَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي فِي الْبَعْضِ. وَاَلَّذِي مَنَعَ ابْنُ جَمَاعَةَ هِيَ أَنْ تَقُولَ بِعْ لِي مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِحِسَابِ قَفِيزٍ بِدِينَارٍ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ عَدَدَ مَا يَشْتَرِي. رَاجِعْهُ وَابْنَ عَرَفَةَ.
(وَشَاةٍ وَاسْتِثْنَاءُ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ) رَابِعُ الْأَقْوَالِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ شَاةً وَاسْتَثْنَى مِنْ لَحْمِهَا أَرْطَالًا يَسِيرَةً ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً جَازَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُجْبَرُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الرِّبْحِ هَاهُنَا وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ مَالِكٌ
[ ٦ / ٩٣ ]
الثُّلُثَ.
ابْنُ عَلَاقٍ: وَالْمُرَادُ بِالرَّطْلِ هُنَا الرَّجُلُ الصَّغِيرُ الْفُلْفُلِيُّ. هَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَانْظُرْ هَلْ حُكْمُ الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ حُكْمُ الشَّاةِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ فَقَطْ؟ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارَ صِغَرِ الْبَهِيمَةِ وَكِبَرِهَا (وَلَا يَأْخُذُ لَحْمَ
[ ٦ / ٩٤ ]
غَيْرِهَا) .
أَشْهَبُ: لَيْسَ لِمُبْتَاعِهَا اسْتِحْيَاؤُهَا وَيُعْطَى الْبَائِعُ قَدْرَ لَحْمِهِ لِأَنَّهُ بَيْعُ لَحْمٍ بِحَيٍّ (وَصُبْرَةٍ وَثَمَرَةٍ وَاسْتِثْنَاءُ قَدْرِ ثُلُثٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ: اتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الصُّبْرَةِ وَالثَّمَرَةِ كَيْلًا قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ، فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ وَزْنًا مِنْ لَحْمِ شَاةٍ بَاعَهَا فَأَشْهَبُ يُجِيزُ قَدْرَ الثُّلُثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَبْلُغْ بِهِ مَالِكٌ الثُّلُثَ. الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ لَحْمَ الشَّاةِ مَغِيبٌ وَطَعَامَ الصُّبْرَةِ مَرْئِيٌّ اهـ. اُنْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةً وَهِيَ قَدْ يَبِيعُ الْكَرْمَ مَثَلًا عَصِيرًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ ثُمَّ تَذَكَّرَ وَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ وَزْنًا قَدْرَ مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ ابْتِدَاءً وَيُقَاصِّهِ بِثَمَنِهِ، إنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَهَذَا جَائِزٌ وَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ يَوْمَ الصَّفْقَةِ.
اُنْظُرْ تَرْجَمَةَ مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ مِنْ الْمُتَيْطِيِّ وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ زِيَادَةٌ فَانْظُرْهُ
وَمِنْهُ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ بَائِعُ الثَّمَرَةِ
[ ٦ / ٩٥ ]
شَيْئًا فَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَدْرَ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ مُقَاصَّةً، وَلَا يَشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِنَقْدٍ إنْ كَانَ بَاعَ بِتَأْخِيرٍ وَلَا بِتَأْخِيرٍ إنْ كَانَ بَاعَ بِنَقْدٍ.
وَانْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ. قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَالِكٍ إنَّ مَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ رُطَبًا بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
إذَا صَارَ تَمْرًا بِبَعْضِ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا يَأْخُذُهُ كَذَلِكَ فِي التَّفْلِيسِ، لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ حِينِ الْمَبِيعِ فَلَيْسَ بِبَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ. اُنْظُرْ الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ، وَانْظُرْ سَمَاعَ أَصْبَغَ مِنْ السَّلَمِ أَيْضًا إذَا اشْتَرَى حَدِيدًا جُزَافًا ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى وَيَكُونُ الثَّمَنُ مُقَاصَّةً.
وَانْظُرْ إذَا بَاعَ الْكَرْمَ وَاسْتَثْنَى أَسْلَالًا أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَنَفَذَ عِنَبُ الْكَرْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْبَائِعُ سِلَلَهُ، هَلْ بَيْنَ أَنْ يَنْفُذَ بِبَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ فَرْقٌ؟ اُنْظُرْ رَسْمَ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَانْظُرْ أَيْضًا رَسْمَ مَرِضَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ مَنَعَ مَالِكٌ بَيْعَ مُسْتَثْنَى كَيْلٍ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ
[ ٦ / ٩٦ ]
ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُبْقِي عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ.
(وَجِلْدٍ وَسَاقِطٍ بِسَفَرٍ فَقَطْ) سَادِسُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ شَاةً وَاسْتَثْنَى فَخْذَهَا أَوْ بَطْنَهَا أَوْ كَبِدَهَا لَمْ يَجُزْ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ الْمَغِيبِ قَالَ: وَأَمَّا إنْ اسْتَثْنَى الصُّوفَ وَالشَّعْرَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اسْتَثْنَى الْجِلْدَ أَوْ الرَّأْسَ فَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ إذْ لَا ثَمَنَ لَهُ هُنَاكَ، وَكَرِهَهُ لِلْحَاضِرِ إذْ كَأَنَّهُ ابْتَاعَ اللَّحْمَ.
(وَجُزْءٍ مُطْلَقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً وَاسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ رُبْعًا أَوْ نِصْفًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَكَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ.
قَالَ عِيسَى: وَسَوَاءٌ اشْتَرَاهَا عَلَى الذَّبْحِ أَوْ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْمُبْتَاعِ بِقَدْرِ مَا اسْتَثْنَى بَعْضُ
[ ٦ / ٩٧ ]
الْقَرَوِيِّينَ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ آبِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَاهُ عَلَى الذَّبْحِ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَفِي النَّوَادِرِ فِي ثَلَاثَةٍ اشْتَرَوْا شَاةً بَيْنَهُمْ إنْ كَانَتْ يَتَوَزَّعُونَ لَحْمَهَا جُبِرَ عَلَى الذَّبْحِ آبِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ بِيعَتْ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا بِالْمُقَاوَاةِ (وَتَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي) ابْنُ مُحْرِزٍ: الصَّوَابُ أَنْ تَكُونَ أُجْرَةُ الذَّبْحِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْبُورٍ عَلَى الذَّبْحِ إذْ لَوْ شَاءَ أَعْطَى جِلْدًا مِنْ عِنْدَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَرْطَالِ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الذَّبْحِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِسْطٌ مِنْ أُجْرَةِ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ (وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْجَبْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَبَى الْمُبْتَاعُ فِي السَّفَرِ ذَبْحَهَا وَالْبَائِعُ قَدْ اسْتَثْنَى رَأْسَهَا وَجِلْدَهَا.
قَالَ: عَلَيْهِ شِرَاءُ ذَلِكَ أَوْ قِيمَتُهُ يَعْنِي بِشِرَاءِ مِثْلِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ شَرِيكًا بِالْجِلْدِ إذْ عَلَى الْمَوْتِ بَاعَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ (بِخِلَافِ الْأَرْطَالِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَثْنَى أَرْطَالًا يَسِيرَةً جَازَ وَيُجْبِرُهُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الذَّبْحِ هَاهُنَا (وَخُيِّرَ فِي دَفْعِ رَأْسٍ أَوْ قِيمَتِهَا وَهِيَ أَعْدَلُ)
[ ٦ / ٩٨ ]
تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ " بِخِلَافِ الْأَرْطَالِ "
(وَهَلْ التَّخْيِيرُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؟ قَوْلَانِ) ثَالِثُ الْأَقْوَالِ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ وَصَوَّبَهُ مُحَمَّدٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يَعْزُ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
(وَلَوْ مَاتَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مُعَيَّنٌ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي جِلْدًا وَسَاقِطًا لَا لَحْمًا) رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ شَاةً وَاسْتَثْنَى جِلْدَهَا حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ فَتَمُوتُ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَرَوَى عَنْهُ أَصْبَغُ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْجِلْدِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: لَوْ كَانَ إنَّمَا اسْتَثْنَى أَرْطَالًا يَسِيرَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُبْتَاعِ شَيْءٌ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ الْبَائِعُ مِنْ اللَّحْمِ.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ. اُنْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فُرُوعًا ذَكَرَهَا. مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ لَحْمَ شَاةٍ وَلِآخَرَ جِلْدَهَا فَوَلَدَتْ، وَكَيْفَ لَوْ نَفَذَ الْكَرْمُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمُسْتَثْنَى وَاسْتِثْنَاءِ مُبْتَاعِ عَبْدٍ مَالَهُ أَوْ نِصْفَ مَالِهِ، وَكَيْفَ لَوْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ فِيهِ بَعِيرٌ شَارِدٌ كَاسْتِثْنَائِهِ نِصْفَ حِلْيَةِ السَّيْفِ أَوْ نِصْفَ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ كَبَيْعِ أَرْضٍ ذَاتِ زَرْعٍ أَخْضَرَ لِبَائِعِهَا جُزْءٌ مِنْهُ مَعَ حِصَّةٍ مِنْهُ.
(وَجُزَافٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: بَيْعُ الْجُزَافِ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ
[ ٦ / ٩٩ ]
عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَ أَنْ يُعْلَمَ وَالْأَصْلُ مَنْعُهُ وَخُفِّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ أَوْ قَلَّ جَهْلُهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ جُزَافًا إلَّا مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَقَدْ يَكُونُ شَيْءٌ مِمَّا يُبَاعُ عَدَدًا يُبَاعُ جُزَافًا كَالْجَوْزِ وَالتِّينِ وَالْبَيْضِ وَذَلِكَ فِيمَا كَثُرَ وَشَقَّ عَدَدُهُ (إنْ رُئِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مِنْ شَرْطِ بَيْعِ الْجُزَافِ وَإِنْ كَانَ عَلَى كَيْلٍ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا.
وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ: لَا تُبَاعُ الدَّارُ الْغَائِبَةُ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا مُذَارَعَةً. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: حَوَائِطُ الشَّجَرِ الْغَائِبَةِ يُبَاعُ ثَمَرُهَا كَيْلًا أَوْ جُزَافًا وَهِيَ عَلَى مَسِيرَةِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا بِشَرْطٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُهُمْ هَذَا مَعَ اشْتِرَاطِهِمْ كَوْنَ الْجُزَافِ مَرْئِيًّا مُتَنَافٍ اهـ.
وَانْظُرْ أَيْضًا شِرَاءَ الْأَبْزَارِ يَجْعَلُهُ الْعَطَّارُ فِي كَاغِدٍ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِهِ وَلَا وَزْنٍ.
قَالَ الْقَبَّابُ: هَذَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ مَضَى الْأَشْيَاخُ، وَالْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَسَادُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ إذَا سَمَّى الْمَبِيعَ بِغَيْرِ اسْمِهِ كَأَنْ يَقُولَ أَبِيعُك هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ فَيَجِدُهَا الْمُشْتَرِي غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ غَيْرُ لَازِمٍ اهـ.
فَانْظُرْ عَدَمَ لُزُومِ هَذَا الْبَيْعِ مَعَ كَوْنِ الْمُشْتَرِي قَدْ رَأَى الْمَثْمُونَ، وَانْظُرْ تَصْدِيقَ
[ ٦ / ١٠٠ ]
الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فِي بَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَجَهِلَ بِمَثْمُونٍ تَصْدِيقَ الْبَائِعِ فِي الْحَزْرِ " كُلُّ ذَلِكَ فُرُوعُ جَوَازِ تَصْدِيقِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ وَالْقَدْرِ، وَهُوَ يُرَشِّحُ مَا قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ، قَالَ الْقَبَّابُ: وَعَلَيْهِ مَضَى الْأَشْيَاخُ.
وَإِنَّمَا انْبَسَطْت فِي هَذَا مِنْ أَجْلِ مَا نَجِدُ عَلَيْهِ بَعْضَ بَاعَةِ بَلَدِنَا مَا عِنْدَهُمْ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُنَا يَشْتَرِي مِنْهُ شَيْئًا لَا يَدْرِي أَرَدِيءٌ هُوَ أَمْ طَيِّبٌ، بَلْ بَعْضُ الْعَقَاقِيرِ وَالْأَشْرِبَةِ مَا يَكُونُ أَحَدُنَا رَآهَا فَضْلًا أَنْ يَكُونَ عَرَفَ قِيمَتَهَا وَيَظُنُّ هَذَا الْبَائِعُ أَنَّهُ بِالْإِرَاءَةِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مَعَ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ اُسْتُؤْمِنَ عَلَى الثَّمَنِ وَعَلَى الْمَثْمُونِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاقِبَ اللَّهَ فِي ذَلِكَ وَيَبِيعَ بِمَا يُبَاعُ بِهِ ذَلِكَ وَيَدَعَ لَا يُرِيهِ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُعَرِّفُهُ بِشَيْءٍ فَدَفَعَ غَيْرُهُ فَأَخَذَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ إذْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ ثُمَّ تَفَطَّنَ الْبَائِعُ فَبَادَرَ فِي الْوَقْتِ وَاسْتَرَدَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي اسْتَرَدَّ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ الْمُشْتَرِي لَقَتَلَهُ.
(وَلَمْ يَكْثُرْ جِدًّا وَجَهِلَاهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ شَرْطُ بَيْعِ الْجُزَافِ جَهْلُ الْعَاقِدَيْنِ قَدْرَ كُلِّ الْمَبِيعِ أَوْ وَزْنَهُ أَوْ عَدَدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ مَتَى عَلِمَ أَحَدُهُمَا وَجَهِلَ الْآخَرُ كَانَ الَّذِي عَلِمَ قَدْ قَصَدَ إلَى خَدِيعَةِ الَّذِي جَهِلَ، وَكَذَلِكَ الْجُعْلُ عَلَى طَلَبِ الْآبِقِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ لَا يَجُوزُ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ خَبِرَ الْأَرْضَ أَوْ عَرَفَ مَوْضِعَ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا أَيْضًا نَظَائِرُ أَعْنِي لَا يَجُوزُ إلَّا بِعِلْمِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ بِجَهْلِهِمَا، مِنْهَا مَسْأَلَةُ كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمُدَّعِي حَقًّا فِي دَارٍ فَيُصَالِحُ عَلَيْهِ وَلَا يُسَمِّيهِ (وَحَزَرَا) .
[ ٦ / ١٠٢ ]
اللَّخْمِيِّ: شَرْطُ بَيْعِ الْجُزَافِ كَوْنُهُ مِمَّنْ اعْتَادَ الْحَزْرَ لِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ إلَّا يَسِيرًا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُعْتَادٍ لَهُ لَمْ يَجُزْ. (وَاسْتَوَتْ أَرْضُهُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ اشْتَرَى صُبْرَةً تَحْتَهَا دَكَّةٌ تَمْنَعُ تَخْمِينَ الْقَدْرِ إنْ تَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِلْغَرَرِ، وَإِنْ اشْتَرَى فَظَهَرَتْ فَلَهُ الْخِيَارُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْحُفْرَةُ كَذَلِكَ وَالْخِيَارُ هُنَا لِلْبَائِعِ (وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ وَذَلِكَ فِيمَا شَقَّ عَدَدُهُ وَلَمْ يُقْصَدْ أَفْرَادُهُ. الْبَاجِيُّ: مَا يُعَدُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ تَخْتَلِفُ صِفَاتُهُ كَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ، فَهَذَا لَا تَكَادُ جُمْلَةٌ مِنْهَا تَتَّفِقُ آحَادُهَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا لِأَنَّ آحَادَهُ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَالْمَعْرِفَةِ بِصِفَتِهَا وَقِيمَتِهَا.
وَقِسْمٌ لَا تَخْتَلِفُ صِفَاتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَمَا إذَا وُجِدَتْ جُمْلَةٌ مِنْهَا فَأَكْثَرُهَا تَتَّفِقُ صِفَاتُ آحَادِهَا فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَدَدًا مِنْ جُمْلَةِ الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ تَعْيِينُهَا دُونَ خِيَارٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَرْطٍ بِخِلَافِ الثِّيَابِ وَالرَّقِيقِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا عَدَدًا مِنْ الْجُمْلَةِ إلَّا مُعَيَّنًا أَوْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَجُوزُ الْجُزَافُ فِي الْمَعْدُودِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ مِمَّا الْغَرَضُ مَبْلَغُهُ دُونَ أَعْيَانِهِ (إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ قَلَّتْ أَثْمَانُ الْمَعْدُودَاتِ جَازَ بَيْعُهَا جُزَافًا وَإِنْ كَثُرَتْ
[ ٦ / ١٠٣ ]
أَثْمَانُهَا وَاخْتَلَفَتْ آحَادُهَا اخْتِلَافًا بَيِّنًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا جُزَافًا لِأَنَّ الْغَرَرَ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: مَعْرِفَةُ الْآحَادِ، وَمَعْرِفَةُ الْمَبْلَغِ.
وَإِذَا كَثُرَ الْغَرَرُ مُنِعَ الْبَيْعُ، وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ الْجُمْلَةَ دُونَ الْآحَادِ فَالْغَرَرُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَإِذَا قَلَّ الْغَرَرُ لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ. الْقَبَّابُ: قَيَّدُوا الْجَوَازَ فِي الْمَعْدُودَاتِ بِمَا تَسَاوَتْ أَفْرَادُهُ أَوْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مَبْلَغَهُ لَا آحَادَهُ. كَالْبِطِّيخِ (لَا غَيْرِ مَرْئِيٍّ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذَا.
(وَإِنْ مِلْءَ ظَرْفٍ وَلَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: بَيْعُ مِلْءِ غِرَارَةٍ قَبْلَ مَلْئِهَا لَا يَجُوزُ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ إنْ نَزَلَ مُحَمَّدٌ: وَشِرَاؤُهَا مَمْلُوءَةً جَائِزٌ فَلَوْ قَالَ فَرِّغْهَا وَامْلَأْهَا لَمْ يَجُزْ. وَانْظُرْ مَنْ أَتْلَفَ فِي الْغِرَارَةِ وَكَانَتْ مَمْلُوءَةً هَلْ يَغْرَمُ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا كَمَنْ نَكَحَ بِقِلَالِ خَلٍّ فَوُجِدَتْ خَمْرًا هَلْ يَغْرَمُ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا؟ اُنْظُرْ تَرْجَمَةً مِنْ
[ ٦ / ١٠٤ ]
النِّكَاحِ الثَّانِي (إلَّا فِي كَسَلَّةِ تِينٍ) سَمِعَ أَبُو زَيْدِ: لَوْ وَجَدَ عِنْدَهُ سَلَّةً مَمْلُوءَةً تِينًا فَقَالَ أَنَا آخُذُهَا مِنْك بِكَذَا وَأَمْلَؤُهَا ثَانِيَةً بِدِرْهَمٍ فَهُوَ خَفِيفٌ بِخِلَافِ غِرَارَةِ الْقَمْحِ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا عِنْدِي هَذِهِ الْقَارُورَةُ الْمَمْلُوءَةُ بِدِرْهَمٍ وَيَمْلَؤُهَا لَهُ ثَانِيَةً بِدِرْهَمٍ فَهُوَ خَفِيفٌ لِأَنَّهُ كَالْمَرْئِيِّ الْمُقَدَّرِ، وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ فِي الْغِرَارَةِ
[ ٦ / ١٠٥ ]
مَا بَعُدَ وَلَكِنَّهُ فِي الْقَارُورَةِ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ مِلْؤُهَا فَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ خَطَرٍ، وَالْغَرَرُ الْيَسِيرُ إذَا انْضَافَ إلَى أَصْلٍ جَائِزٍ جَازَ بِخِلَافِهِ إذَا انْفَرَدَ (وَعَصَافِيرَ حَيَّةٍ بِقَفَصٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: أَمَّا الطَّيْرُ حَيًّا فِي الْأَقْفَاصِ فَلَا يُبَاعُ جُزَافًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَتَّى يُعَدَّ. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَمُوجُ وَيَلُوذُ وَيَدْخُلُ بَعْضُهُ تَحْتَ بَعْضٍ فَيَعْمَى أَمْرُهُ، وَأَمَّا الطَّيْرُ الْمَذْبُوحُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا فِيمَا كَثُرَ وَيَجُوزُ فِيمَا قَلَّ (وَحَمَامٍ بِبُرْجٍ) هَذَا الْفَرْعُ مُقْحَمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ مَا فِي الْبُرْجِ مِنْ حَمَامٍ أَوْ بَيْعِهِ بِحَمَامِهِ جُزَافًا. وَسَمِعَهُ أَصْبَغُ وَقَالَ إذَا عَايَنَهُ وَأَحَاطَ بِهِ نَظَرًا أَوْ مَعْرِفَةً اهـ. اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمَامِ جُزَافًا مَعَ الْبُرْجِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ مَعَ صُبْرَةِ قَمْحٍ جُزَافًا لَا عَلَى كَيْلٍ.
[ ٦ / ١٠٦ ]
وَانْظُرْ رَبْطَهُ الْخُضْرَةَ، مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ الْجُزَافُ مَا أَمْكَنَ عِلْمُ وَزْنِهِ أَوْ عَدُّهُ أَوْ كَيْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ كَالثَّوْبِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْقَتِّ جُزَافًا
(وَثِيَابٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ الثِّيَابَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا.
(وَنَقْدٍ إنْ سُكَّ وَالتَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ وَإِلَّا جَازَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: بَيْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ جُزَافًا قِمَارٌ وَمُخَاطَرَةٌ. الْأَبْهَرِيُّ: لِأَنَّ الْغَرَرَ يَدْخُلُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ خِفَّةِ الدَّرَاهِمِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَبْلَغِ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ حِينَئِذٍ آحَادُهُ وَمَبْلَغُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ كَانَ التَّعَامُلُ فِي الْمَسْكُوكِ بِالْوَزْنِ فَجُلُّ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ حِينَئِذٍ مَبْلَغُهُ لَا آحَادُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ مَكْسُورًا أَوْ مَصُوغًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ سِوَارٍ ذَهَبٍ لَا يُعْلَمُ وَزْنُهُ بِفِضَّةٍ لَا يُعْلَمُ وَزْنُهَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ جُزَافًا بِخِلَافِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ نُقَارَ فِضَّةٍ أَوْ تِبْرًا مَكْسُورًا جُزَافًا لَا يَعْلَمُ وَزْنَهُ فِي سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ جَازَ، لِأَنَّ التِّبْرَ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ سِلْعَةٍ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحُلِيِّ الْمَحْشُوِّ جُزَافًا. الْأَبْهَرِيُّ: لِأَنَّ الْغَرَرَ يَدْخُلُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَبْلَغِ خَاصَّةً وَذَلِكَ يُدْرَكُ بِالْحَزْرِ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: وَإِذَا أَخْرَجَ مَا فِي الْحُلِيِّ مِنْ رَمْلٍ وَوَزَنَ وَحَزَرَ مَا فِيهِ مِنْ زُجَاجٍ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِم فِي سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ جُزَافًا عَرَفَ عَدَدَهَا أَمْ لَا إذَا لَمْ يَعْرِفَا وَزْنَهَا وَذَلِكَ قِمَارٌ وَخَطَرٌ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إلَّا فِي بَلَدٍ تَجُوزُ فِيهِ عَدَدًا فَلَيْسَ فِي بَيْعِهَا مُخَاطَرَةٌ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ عَرَفُوهُ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْمٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ دَوَابُّ فَبَاعُوهَا بِدَرَاهِمَ مُخَالِفَةٍ الْوَزْنَ مِنْهَا النَّاقِصُ وَالْوَازِنُ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهَا عَدَدًا بِغَيْرِ وَزْنٍ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهَذَا بَأْسٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إذَا كَانَ النَّاقِصُ يَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنِ فَاقْتَسَمَا مَعًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ النَّاقِصُ مِنْهَا لَا يَجُوزُ بِجَوَازٍ دُونَ أَنْ يُعْرَفَ النَّاقِصُ مِنْهَا مِنْ الْوَازِنِ فَغَرَرٌ لَا يَجُوزُ. وَانْظُرْ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ إذَا كَانَ النَّاقِصُ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ. نَهَى مَالِكٌ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلسُّلْطَانِ فِي تَغْيِيرِهِ خَوْفَ أَنْ يَقَعَ كَسَادٌ لِأَنَّهُ قَالَ: وَتَأْتِي الْمَرْأَةُ بِغَزْلِهَا. وَفِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَتَبِيعُنِي ثَوْبَك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَلَا تَزِنُهَا قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ: إلَّا إنْ كَانَتْ النَّاقِصَةُ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ (فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا بِعِلْمِ الْآخَرِ بِقَدْرِهِ خُيِّرَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ اطِّلَاعَ
[ ٦ / ١٠٧ ]
الْمُبْتَاعِ عَلَى عِلْمِ الْبَائِعِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ يُوجِبُ خِيَارَهُ.
(وَإِنْ أَعْلَمُهُ أَوَّلًا فَسَدَ كَالْمُغَنِّيَةِ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي " وَانْظُرْ هَاهُنَا فُرُوعًا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ عِنْدَنَا كَيْلًا وَإِنْ كَانَ مِعْيَارُهَا بِالشَّرْعِ الْكَيْلَ قَالَ: لِأَنَّ عُرْفَنَا فِيهِ الْوَزْنُ. وَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيِّ فِيمَا الْعُرْفُ فِيهِ الْجُزَافُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَزْنًا كَالْحَطَبِ. وَكَذَا ذَكَرَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - فِي الدُّورِ قَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى الْقَيْسِ.
(وَجُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ أَوْ أَرْضٍ) ابْنُ رُشْدٍ: حُكْمُ الْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ حُكْمُ الْمَكِيلِ. رَوَى أَصْبَغُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُبَاعُ مَعَ الْجُزَافِ شَيْءٌ لَا كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا عَرْضٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ. وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يُجِيزُهُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يُجِيزُونَ أَنْ يُضَافَ إلَى بَيْعِ الْجُزَافِ الْجَائِزِ كُلُّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجُزَافُ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا كَالْحُبُوبِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ وَلَا مَعَ الْمَكِيلِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا كَالْأَرَضِينَ وَالثِّيَابِ بِاتِّفَاقٍ اهـ. اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ بِاتِّفَاقٍ وَمَعَ إطْلَاقِ أَبِي عُمَرَ الْخِلَافَ قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - كُلُّ الشُّيُوخِ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَلَمْ يُفَصِّلُوا تَفْصِيلَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْهُمْ عِيَاضٌ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ اهـ. اُنْظُرْ مَسْأَلَةً تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى وَهِيَ أَنَّ الْمَرْءَ يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ وَزْنًا مَعْلُومًا مِنْ شَيْءٍ وَيَفْضُلُ لَهُ دِرْهَمٌ فَيَقُولُ لَهُ أَعْطِنِي بِهِ أَبْزَارًا وَالْأَبْزَارُ بِالدِّرْهَمِ يَكُونُ جُزَافًا. فَهَذَا جَائِزٌ إذَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ صُبْرَةٍ وَقَفِيزٍ مِنْ أُخْرَى بِدِرْهَمٍ. هَذَا إنْ اشْتَرَاهَا فَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْأُخْرَى، فَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَجَازَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ إحْدَى الصُّبْرَتَيْنِ بِالْأُخْرَى فَيَكُونُ ابْتِيَاعُهُ إحْدَاهُمَا لِأَجْلِ أَنَّهُ يَبِيعُهُ مِنْ الْأُخْرَى. اهـ نَصُّهُ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ " فَشَرَطَ عَلَيْهِ " يَخْرُجُ مِنْ هَذَا بَيْعُ الِاسْتِئْمَانِ. اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ يُضَاهِي نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ إذَا دَفَعَ مُبْتَاعُ سِلْعَةٍ بِثُلُثَيْ دِينَارٍ لِبَائِعِهَا دِينَارًا وَقَالَ لَهُ اسْتَوْفِ مِنْهُ ثُلُثَيْك وَدَعْ ثُلُثَهُ عِنْدَك انْتَفِعْ بِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَقْدُ الْبَيْعِ إضْمَارًا وَلَا عَادَةً
وَفِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ
[ ٦ / ١٠٨ ]
لَهُ أَنْ يَتْرُكَ بَقِيَّةَ الدِّينَارِ أَوْ الدِّرْهَمِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَدِيعَةً أَوْ شَرِكَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ الْمُفَاصَلَةَ أَحْضَرَا الدِّينَارَ أَوْ الدِّرْهَمَ وَتَعَامَلَا فِيهِ بِمَا يَجُوزُ. وَهَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُرَاطِلَ صَاحِبَهُ فِي حَظِّهِ؟ قَالَ اللَّخْمِيِّ: لَوْ كَانَ رَجُلَانِ شَرِيكَيْنِ فِي حُلِيٍّ أَوْ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ نُقْرَةٍ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَرِيكِهِ بِمِثْلِ وَزْنِهِ جَازَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالْحُلِيِّ وَهِيَ كَالْمُرَاطَلَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي النُّقْرَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْجَوَازَ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ الْمَنْعَ
(وَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: الْجُزَافُ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا وَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْلًا كَالْأَرَضِينَ وَالثِّيَابِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْكَيْلِ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ اهـ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَحْكِي فِيهِ الْخِلَافَ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يُرِدْ بِالْمَكِيلِ الْجُزَافِ الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ. قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: رَأَيْت فُتْيَا لِلْأَصِيلِيِّ اعْتَرَضَ فِيهَا عَلَى الْأَنْدَلُسِيِّينَ مَنْعَهُمْ بَيْعَ أَرْضٍ عَلَى التَّكْسِيرِ وَبِهَا زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ قَالَ: لِأَنَّ الْجُزَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ. اُنْظُرْ ثَانِيَ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ الْقُطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ السَّلَمِ.
(لَا مَعَ حَبٍّ) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا مَعَ الْكَيْلِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا، فَقِيلَ إنَّهُ جَائِزٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ زَرْبٍ وَأَقَامَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِهَا: يَجُوزُ السَّلَمُ فِي ثِيَابٍ وَطَعَامٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ: ابْنُ عَرَفَةَ: لِابْنِ مُحْرِزٍ مِثْلَ ابْنِ زَرْبٍ.
[ ٦ / ١٠٩ ]
(وَيَجُوزُ جُزَافَانِ وَمَكِيلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَكِيلَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْجُزَافَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا عَلَى كُلِّ حَالٍ (وَجُزَافٌ مَعَ عَرْضٍ) الصِّحَاحُ: الْعَرْضُ، الْمَتَاعُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُرُوض الْأَمْتِعَةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا يَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْأَشْيَاءُ عُرُوضٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا كَيْلًا وَلَا وَزْنًا كَالْعَبِيدِ وَالْحَيَوَانِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْجُزَافِ مَعَ الْعُرُوضِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَوْلُهُ بَعِيدٌ. اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَحَمَامٍ بِبُرْجٍ ".
[ ٦ / ١١٠ ]
(وَجُزَافَانِ عَلَى كَيْلٍ إنْ اتَّحَدَ الْكَيْلُ وَالصِّفَةُ) ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا بَيْعُ الْجُزَافَيْنِ عَلَى الْكَيْلِ فَإِنْ كَانَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِكَيْلٍ وَاحِدٍ جَازَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْكَيْلُ وَالصِّفَةُ جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ اتَّفَقَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَ الْآخَرُ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ صُبْرَتَيْنِ مِنْ قَمْحٍ صِفَةً وَاحِدَةً فَيَشْتَرِيَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً هَذِهِ الثَّلَاثَ الْأَرَادِبَ بِدِينَارٍ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةَ بِدِينَارٍ، أَوْ صُبْرَةً مِنْ قَمْحٍ وَصُبْرَةً مِنْ شَعِيرٍ فَيَشْتَرِيَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً ثَلَاثَةَ أَرَادِبَ بِدِرْهَمٍ، جَازَ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَبِيعَ
[ ٦ / ١١٢ ]
الرَّجُلُ قَرْيَتَهُ تَكْسِيرًا كُلُّ قَفِيزٍ بِكَذَا إلَّا أَنْ تَسْتَوِيَ أَرْضُهَا فِي الطَّيِّبِ وَالْكَرْمِ وَلَا يَكُونُ فِيهَا ثَمَرَةٌ.
(وَلَا يُضَافُ لِجُزَافِ كُلِّ كَيْلٍ غَيْرُهُ مُطْلَقًا) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا بَيْعُ الْجُزَافِ عَلَى الْكَيْلِ فَلَا يَنْضَافُ إلَيْهِ فِي الْبَيْعِ شَيْءٌ بِحَالٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ (الْعَرْضُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا مَبْلَغُ كَيْلِهَا) .
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ مَا يَأْخُذُ مِنْ الْكَيْلِ وَلَا يَصِحُّ عَدَدٌ وَجُزَافٌ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَأَنَا أَقُولُهُ خَوْفَ الذَّرِيعَةِ لِلْمُزَابَنَةِ اسْتِحْسَانًا وَاتِّبَاعًا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ، وَلَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَهُ قَبْلَهُ وَقَدْ أَجَازَهُ أَشْهَبُ.
اُنْظُرْ آخِرَ بَابٍ مِنْ السَّلَمِ وَلِابْنِ يُونُسَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجُعْلِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ وَجُعْلٍ فِي عَقْدٍ لِأَنَّ الْجُعْلَ رُخْصَةٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ مَعَهُ شَيْءٌ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: لَا يُجْمَعُ كَالنِّكَاحِ وَالصَّرْفِ وَالْمُسَاقَاةِ مَعَ الْبَيْعِ وَكَذَلِكَ الْجُزَافُ مَعَ الْمَكِيلِ، وَسَحْنُونٌ فِي الْمُغَارَسَةِ أَنَّهُ أَجَازَ جَمْعَهَا مَعَ الْإِجَارَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَ الْجُعْلُ مُنْفَرِدًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ يَجُوزُ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ إضَافَتِهِ مَعَ الْبَيْعِ الَّذِي لَا غَرَرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ لِعِلَّةٍ
[ ٦ / ١١٣ ]
أُخْرَى وَهِيَ الْأَطْمَاعُ فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْجُعْلَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ مَتَى شَاءَ وَالْجَاعِلُ بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْعَمَلِ فَأَشْبَهَ أَنْ لَوْ عَقَدَ مَعَهُ الْكِرَاءَ إلَى مَكَّةَ بِعَشَرَةٍ وَشَرَطَ فِي رَجْعَتِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ أَكْرَى بِعَشَرَةٍ عَلَى مِثْلِ الْحُمُولَةِ الْأُولَى، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكْرِ، فَهَذَا عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَطْمَعَهُ فِي الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ أَنْ يُكْرِيَ مِنْهُ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ لَهُ فِي الْأَوَّلِ لِأَمْرٍ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ وَابْنُ الْقَاسِمِ قَدْ أَجَازَ هَذَا، وَأَجَازَ شِرَاءَ سِلْعَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالْإِيجَابِ وَأُخْرَى بِالْخِيَارِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ عِلَّةَ الْأَطْمَاعِ لِضَعْفِ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْجُعْلُ وَالْبَيْعُ يَتَقَوَّى عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(وَجَازَ بِرُؤْيَةِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ) ابْنُ عَرَفَةَ: رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ كَكُلِّهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُ الْمِثْلِيِّ عَلَى الصِّفَةِ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ السَّلَمِ: إنْ اشْتَرَى طَعَامَ غَائِبٍ فَلَمْ يَشْتَرِ إلَّا وَوَكِيلُ الْبَائِعِ قَدْ قَدِمَ بِهِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ فِي قَبُولِهِ هُنَا أَوْ رَدِّهِ لِمَوْضِعِهِ أَوْ أَخَذَهُ هُنَاكَ. وَلِابْنِ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامِ غَائِبٍ جُزَافًا إلَّا عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى الْكَيْلِ فَيَجُوزُ عَلَى الصِّفَةِ وَإِنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ لِلْبَائِعِ فِيهِ رُؤْيَةٌ. اُنْظُرْ رَسْمَ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ
[ ٦ / ١١٤ ]
الْبَضَائِعِ.
(وَالصَّوَّانِ) ابْنُ رُشْدٍ: «أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْعَ الْحَبِّ فِي أَكْمَامِهِ حِينَ يَبْيَضُّ» وَهُوَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ عَلَى صِفَةِ مَا أُفْرِكَ مِنْهُ، فَفِيهِ حُجَّةٌ فِي بَيْعِ الْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَغِيبٌ تَحْتَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يَقْلَعُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى بَقِيَّتِهِ، وَيَسْتَدِلُّ أَيْضًا عَلَيْهِ بِفُرُوعِهِ وَمِنْ هَذَا بَيْعُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَّا فِي قِشْرِهِ الْأَعْلَى فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
(وَعَلَى الْبَرْنَامَجِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا زَالَ النَّاسُ يُجِيزُونَ بَيْعَ الْبَرْنَامَجِ. الْأَبْهَرِيُّ: مِمَّا يَلْحَقُ النَّاسَ مِنْ نَشْرِهِ وَطَيِّهِ وَإِذْ قَدْ يُرِيدُ الْمُبْتَاعُ الْإِضْرَارَ بِهَا فَيَأْمُرُهُ بِنَشْرِهَا ثُمَّ يَدَعُ الْبَيْعَ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةُ وَالْخُسْرَانُ، فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جُوِّزَ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ، فَإِنْ وَافَقَتْ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، وَإِنْ خَالَفَتْ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَهِيَ بَيْعُ الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ لَا يُنْشَرُ وَلَا يُعْلَمُ مَا فِيهِ؟ قِيلَ: الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ لَا كُلْفَةَ فِيهِ وَلَا كَبِيرَ مَشَقَّةٍ فِي نَشْرِهِ كَمَا ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْأَعْدَالِ، وَقَدْ يَجُوزُ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ اهـ
وَخَرَّجَ اللَّخْمِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَوَازَ بَيْعِ السَّاجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَجَهِلَ بِمَثْمُونٍ جَوَازًا ". ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
وَفِي الْمُوَطَّأِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْبَرْنَامَجِ بِخِلَافِ السَّاجِ الْمُدْرَجِ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا عَمَلُ الْمَاضِينَ
عِيَاضٌ: السَّاجُ الْمُدْرَجُ الطَّيْلَسَانُ الْمَطْوِيُّ وَالْجِرَابُ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ.
(وَمِنْ الْأَعْمَى) ابْنُ عَرَفَةَ: أَجَازَ الْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ الْأَعْمَى وَأَنْ يَبْتَاعَ وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ الْمَذْهَبَ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يُمْنَعُ إنْ كَانَ خُلِقَ أَعْمَى.
(وَبِرُؤْيَةِ مَا لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً غَائِبَةً عَلَى رُؤْيَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ مُنْذُ وَقْتٍ لَا يَتَغَيَّرُ مِثْلُهَا فِيهِ
[ ٦ / ١١٥ ]
جَازَ الْبَيْعُ.
(وَحَلَفَ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بَرْنَامَجٍ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ وَعَدَمَ دَفْعِ رَدِيءٍ أَوْ نَاقِصٍ) مِنْ
[ ٦ / ١١٦ ]
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ عِدْلًا بِبَرْنَامَجِهِ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَيَغِيبَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَتْحِهِ، فَإِنْ أَلْفَاهُ عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَهُ، وَإِنْ قَالَ وَجَدْته بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَإِنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ أَوْ غَابَ عَلَيْهِ مَعَ بَيِّنَةٍ لَمْ تُفَارِقْهُ أَوْ تَغَارَرَا بِذَلِكَ فَلَهُ الرِّضَا بِهِ أَوْ رَدُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْجِنْسِ الْمُشْتَرَطِ أَوْ قَالَ بِعْتُكَهُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ صَدَّقَهُ إذَا قَبَضَ عَلَى صِفَتِهِ
وَكَذَلِكَ مَنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ فَغَابَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَدَّ مِنْهَا رَدِيئًا فَأَنْكَرَهُ الصَّرَّافُ فَمَا عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَمَا يَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَضَ طَعَامًا عَلَى تَصْدِيقِ الْكَيْلِ ثُمَّ ادَّعَى نَقْصًا أَوْ اقْتَضَى دَيْنًا فَأَخَذَ صُرَّةً صَدَّقَ الدَّافِعُ أَنَّ فِيهَا كَذَا ثُمَّ وَجَدَهَا تَنْقُصُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ اهـ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ إذَا رَدَّ رَدِيئًا مِنْ دَرَاهِمِ الصَّرْفِ بَعْدَ أَنْ غَابَ عَلَى الدَّرَاهِمِ أَنَّهُ يُحَلَّفُ الصَّرَّافُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ السَّلَمِ أَنَّ مَنْ تَسَلَّفَ دَرَاهِمَ مِنْ إنْسَانٍ وَخَلَطَهَا مَعَ دَرَاهِمَ غَيْرِهِ ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا زَائِفًا أَنَّهُ إنَّمَا يَخْلُفُهَا إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إنْ غَابَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِلُحُوقِ يَمِينِ التُّهْمَةِ.
(وَبَقَاءِ الصِّفَةِ إنْ شَكَّ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً غَائِبَةً عَلَى رُؤْيَةٍ تَقَدَّمَتْ فَلَمَّا رَآهَا قَالَ تَغَيَّرَتْ، فَإِنْ قَرُبَ مَا بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ بَعُدَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى عَلَى حَالِهِ قُبِلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
[ ٦ / ١١٧ ]
الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ اهـ. اُنْظُرْ هَلْ نَقَصَ مِنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ شَيْءٌ؟ .
(وَغَائِبٍ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَجُوزُ بَيْعٌ بِغَيْرِ صِفَةٍ وَلَا رُؤْيَةٍ وَلَا مَعَ شَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ. وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا اُشْتُرِطَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ. ابْنُ يُونُسَ:
[ ٦ / ١١٨ ]
لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِمْ جَوَازَهُ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ (أَوْ عَلَى يَوْمٍ أَوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ فِيمَا قَرُبَ مَكَانُهُ أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ. مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ وَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مُنِعَ بَيْعُ حَاضِرٍ عَلَى الصِّفَةِ حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَوْمٍ فَأَكْثَرَ وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ جَوَازُ بَيْعِ حَاضِرِ الْبَلَدِ عَلَى الصِّفَةِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ دَابَّةً عِنْدَهُ فِي الدَّارِ حَاضِرَةً عَلَى الصِّفَةِ وَيَنْتَقِدَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى نَظَرِهَا. ابْنُ يُونُسَ: إلَّا أَنْ يَزِيدَ صَوَابٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَدْ أَجَازَ فِيهَا أَنْ يُكْرِيَ دَارًا بِثَوْبٍ فِي بَيْتِهِ.
وَوَصَفَهُ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ، وَلَا يَبْتَدِئُ هَذَا فِي السُّكْنَى حَتَّى يَنْظُرَ الثَّوْبَ فَيَتَّفِقَ الْقَوْلَانِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا كَانَ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْعَقَارِ الْغَائِبَةِ قَرِيبًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ بَعِيدًا فَجَائِزٌ شِرَاؤُهَا وَالنَّقْدُ فِيهَا لَا مِنْهَا، وَأَمَّا الرَّقِيقُ وَالْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ وَالطَّعَامُ فَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ ذَلِكَ كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَازَ شِرَاؤُهُ وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ، وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ جَازَ شِرَاؤُهُ وَلَمْ يَجُزْ النَّقْدُ فِيهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ قِيلَ إنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِصِفَةِ الْبَائِعِ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِصِفَةِ الْبَائِعِ رَبْعًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي الرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ، وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَتْ عَلَى يَوْمَيْنِ.
قَالَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ
[ ٦ / ١١٩ ]
يُوَفَّاهَا هُنَا أَوْ بِمَوْضِعٍ آخَرَ (إنْ لَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَدْ يَشْتَرِي بِالْمَدِينَةِ دُورًا بِالْعِرَاقِ وَتُنْقَدُ أَثْمَانُهَا وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَنْقُدُهُ دُورًا أَوْ حَيَوَانًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ مَا لَمْ تَتَفَاحَشْ غَيْبَتُهُ جِدًّا. ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْلُ الْمَازِرِيِّ هَذَا كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَحُدَّهُ بِتَعْيِينٍ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ خُرَاسَانَ (وَلَمْ يُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ:
[ ٦ / ١٢٠ ]
الْمَعْرُوفُ مَنْعُ بَيْعِ حَاضِرِ الْعَاقِدَيْنِ بِصِفَتِهِ وَدَلِيلُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ابْتَاعَ ثِيَابًا مَطْوِيَّةً لَمْ يَنْشُرْهَا وَلَا وُصِفَتْ لَهُ لَمْ يَجُزْ جَوَازُهُ اهـ.
وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ يُونُسَ لَا يَبْتَدِئُ فِي السُّكْنَى حَتَّى يَنْظُرَ الثَّوْبَ، فَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ بَيْعِ الْحَاضِرِ بِصِفَةٍ لَكِنْ لَا يَنْقُدُ حَتَّى يَرَاهُ فَانْظُرْهُ (وَالنَّقْدُ فِيهِ وَمَعَ الشَّرْطِ فِي الْعَقَارِ
[ ٦ / ١٢٢ ]
وَضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ بَعُدَتْ غَيْبَةُ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ جَازَ شِرَاؤُهُ وَلَمْ يَجُزْ النَّقْدُ فِيهِ لِغَلَبَةِ الْغَرَرِ فِيهِ مِنْ تَغْيِيرٍ أَوْ هَلَاكٍ فَيَصِيرُ النَّقْدُ فِيهِ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا،
[ ٦ / ١٢٣ ]
وَكَذَلِكَ النَّقْدُ فِيهَا بَيْعٌ عَلَى خِيَارٍ أَوْ مُوَاضَعَةٍ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ فَالنَّقْدُ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيَجُوزُ وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ وَالْعَقَارُ الْغَائِبَةُ قَرِيبًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ بَعِيدًا فَجَائِزٌ شِرَاؤُهَا وَالنَّقْدُ فِيهَا لَا مِنْهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّبْعِ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْعَقَارِ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ وَإِنْ بَعُدَتْ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا بِيعَ الْحَائِطُ الْغَائِبُ وَفِيهِ الْحَيَوَانُ وَالْعَبِيدُ فَالنَّقْدُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ وَالضَّمَانُ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَعٌ لِلْحَائِطِ كَمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ مَعَ الْحَائِطِ (وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ كَالْيَوْمَيْنِ وَضَمِنَهُ بَائِعٌ إلَّا لِشَرْطٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الرَّقِيقُ وَالْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ وَالطَّعَامُ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ ذَلِكَ كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَازَ شِرَاؤُهُ وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّقْدُ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِالْعَيْنِ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ فَإِنْ وَضَعَهُ بِيَدِ أَمِينٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. اُنْظُرْ رَسْمَ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ.
وَمِنْ رَسْمِ نَذَرَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ إذَا اشْتَرَى الْمَأْمُونُ الْغَائِبُ بِصِفَةِ بَائِعِهِ جَازَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَجُزْ النَّقْدُ بِشَرْطٍ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِصِفَةِ غَيْرِ بَائِعِهِ جَازَ الْبَيْعُ وَالنَّقْدُ بِشَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَأْمُونٍ كَالْحَيَوَانِ وَشِبْهِهِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ النَّقْدُ إذَا بَعُدَ بِشَرْطٍ، فَإِنْ قَرُبَ جَازَ فِيهِ النَّقْدُ بِشَرْطٍ إذَا وَصَفَهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَجُزْ إذَا وَصَفَهُ صَاحِبُهُ.
وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبِهَذَا أَقُولُ وَالنَّقْصُ وَالنَّمَاءُ كَالْهَلَاكِ، وَهَذَا فِي كُلِّ سِلْعَةٍ غَائِبَةٍ بَعِيدَةِ الْغَيْبَةِ أَوْ قَرِيبَةٍ خَلَا الرِّبَاعِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ وَإِنْ بَعُدَتْ.
(أَوْ مُنَازَعَةٍ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ. وَهُنَا فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ
[ ٦ / ١٢٤ ]
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ضَمَانَ الْغَائِبِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَتَنَازَعَا فَقَوْلَانِ لِتَعَارُضِ أَصْلِ السَّلَامَةِ وَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ اهـ
الْفَرْعُ الثَّانِي قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ أَنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ إنْ أَدْرَكَتْهَا الصَّفْقَةُ فَوَجَدَهَا الْمُشْتَرِي قَدْ مَاتَتْ فَقَالَ الْبَائِعُ مَاتَتْ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَقَالَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ الصَّفْقَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ اهـ
(وَقَبْضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي) . اللَّخْمِيِّ: الْإِتْيَانُ بِالْغَائِبِ عَلَى مُبْتَاعِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَضْرِبَ لِقَبْضِ السِّلْعَةِ الْغَائِبَةِ أَجَلًا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الضَّمَانِ لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَتَوَجَّهَ فِي قَبْضِهَا، قَرُبَ ذَلِكَ أَوْ بَعُدَ، تَعَجَّلَ ذَلِكَ أَوْ تَأَخَّرَ، لَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً غَائِبَةً عَلَى أَنْ يُوَافِيَهُ بِهَا الْبَائِعُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهُوَ مِنْ وَجْهِ الضَّمَانِ لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا: أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تُوَافِيَنِي بِهَا هَاهُنَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا إذَا كَانَ ضَمَانُ السِّلْعَةِ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضْمَنُ إلَّا حُمُولَتَهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
[بَابُ الرِّبَا]
فَصْلٌ.
ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ الثَّانِي يَعْنِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الْفَسَادِ بِجِهَةِ الرِّبَا (وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسْءٍ) اُنْظُرْ مَحْصُولَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَحْرُمُ فَضْلُ الْقَدْرِ وَالنَّسَأِ بَيْنَ عَرْضَيْنِ
[ ٦ / ١٢٥ ]
مُتَّحِدَيْ جِنْسِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ رِبَوِيِّ الطَّعَامِ (كَدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ أَوْ غَيْرِهِ بِمِثْلِهِمَا) ابْنُ عَرَفَةَ: تَحْقِيقُ الْمُسَاوَاةِ الْمُمْكِنُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِهَا شَرْطٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَعَلَيْهِ مَنَعَ مَالِكٌ فِي سَلَمِهَا مِائَةَ دِينَارٍ كَيْلًا بِمِثْلِهَا مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ كَيْلًا وَيُنَاقَضُ بِمَا فِي الشَّرِكَةِ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَعِبَارَةَ الْبَاجِيِّ مَنَعَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بَيْعَ دِينَارٍ وَثَوْبٍ بِدِينَارَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ، لِأَنَّ السِّلْعَةَ تَتَقَسَّطُ مَعَ دِينَارِهَا عَلَى الدِّينَارِ فَيُصِيبُ كُلَّ دِينَارٍ نِصْفُ دِينَارٍ وَنِصْفُ السِّلْعَةِ، وَلِهَذَا مَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالذَّرَائِعِ.
اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْخِلَافَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا أَشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ شِيَاهٍ فَاشْتَرَى مَعَ رَجُلَيْنِ ثَلَاثِينَ بِالسَّوِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ صَارَ لَهُ فِي الْقَسْمِ خَمْسَةَ عَشَر لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْقَسْمَ هُنَا بَيْعٌ كَأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ الثُّلُثَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ حَظُّهُ، وَثُلُثَاهَا وَهُوَ عَشْرَةٌ اشْتَرَاهَا مِنْ صَاحِبِهِ بِحَظِّهِ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي بِيَدِ صَاحِبِهِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمُدِّ عَجْوَةٍ لِأَنَّهَا تُفْرَضُ فِيمَنْ بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: مَنْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي قِرْطَاسٍ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَيَحْتَسِبُ بِالْقِرْطَاسِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ. وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ دِينَارًا وَدِرْهَمًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ.
أَبُو عُمَرَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّخَعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدِينَارًا بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَجَعَلُوا عَشْرَةً مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ بِإِزَاءِ الْعَشَرَةِ، وَالدِّرْهَمَيْنِ بِإِزَاءِ الدِّينَارِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ بِقِيمَةِ مَا بِإِزَائِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ
[ ٦ / ١٢٦ ]
قَالَ السَّيِّدُ: يَأْخُذُ بِفَضْلِهِ ذَهَبًا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ذَلِكَ قَبِيحٌ وَذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا اهـ. اُنْظُرْ الرَّدَّ عَلَى الدِّرْهَمِ هُوَ بِعَيْنِهِ مُدُّ عَجْوَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ: كُنَّا نَمْنَعُهُ وَيُخَالِفُنَا أَهْلُ الْعِرَاقِ ثُمَّ أَجَزْنَاهُ لِضَرُورَةِ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِهِ صَرْفًا، فَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: رَجَعَ مَالِكٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الدِّرْهَمِ لِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَجْلِ الضَّرُورَةِ، فَتِلْكَ الشُّرُوطُ الَّتِي شَرَطَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ شَرَطَهَا الْإِمَامُ وَلَا الْمُخَالِفُ قَدْ يَقَعُ فِي بَعْضِهَا نَظَرٌ، مِنْ ذَلِكَ: اتِّحَادُ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ. قَالَ أَوَّلُ مَنْ اشْتَرَطَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ شَرْطُ الْوَزْنِ إذَا كَانَ الْعُرْفُ شَرَطَهُ كَانَ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الْجَوَازَ، وَمَنْ اشْتَرَطَ الْوَزْنَ لَزِمَهُ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ بالقرسطون لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ لِمَعْرِفَةِ النَّقْصِ وَلَا يُتَوَصَّلُ بِهِ لِمَعْرِفَةِ الزِّيَادَةِ. وَانْظُرْ أَيْضًا جَوَازَ الرَّدِّ عَلَى الدِّرْهَمِ إنَّمَا هُوَ فَرْعُ جَوَازِ التَّقْسِيطِ وَالْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: يُمْنَعُ ثَوْبٌ بِثَوْبَيْنِ مُؤَجَّلَيْنِ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَقَدْ رَاعَى ابْنُ الْقَاسِمِ التَّقْسِيطَ فَأَجَازَ سَلَمَ فُسْطَاطَيْهِ فِي فُسْطَاطَيْنِ مِثْلِهِمَا، إحْدَاهُمَا مُعَجَّلَةٌ وَالْأُخْرَى مُؤَجَّلَةٌ، جَعَلَ الْمُعَجَّلَةَ فِي مُقَابَلَةِ
[ ٦ / ١٢٧ ]
الْمُعَجَّلَةِ، وَالْمُؤَجَّلَةُ هِبَةٌ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْبُيُوعُ الْمَكْرُوهَةُ الَّتِي اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إجَازَتِهَا إنْ فَاتَتْ لَمْ تُرَدَّ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. وَاخْتَارَ اللَّخْمِيِّ أَنْ لَا تُرَدَّ مُطْلَقًا.
(وَمُؤَخَّرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ إلَّا الْمُنَاجَزَةُ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظْرَةٌ إلَّا يَدًا بِيَدٍ (وَلَوْ قَرِيبًا) عِيَاضٌ: اُخْتُلِفَ فِي يَسِيرِ التَّأْخِيرِ فِي الصَّرْفِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيهَا كَرِهَ مَالِكٌ لِلصَّيْرَفِيِّ أَنْ يُدْخِلَ الدِّينَارَ تَابُوتَه أَوْ يَخْلِطَهُ ثُمَّ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ وَلَكِنْ يَدَعُهُ حَتَّى يَزِنَ الدَّرَاهِمَ فَيَأْخُذَ وَيُعْطِيَ، وَكَرِهَ أَنْ يُصَارِفَهُ فِي مَجْلِسٍ وَيُنَاقِدَهُ فِي آخَرَ وَيَجْلِسَا سَاعَةً ثُمَّ يَتَنَاقَدَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ طَالَ
[ ٦ / ١٢٨ ]
الْمَجْلِسُ بَطَلَ الصَّرْفُ. (أَوْ غَلَبَةً) ابْنُ رُشْدٍ: إذَا انْعَقَدَ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُنَاجَزَةِ فَتَأَخَّرَ شَيْءٌ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الصَّرْفُ غَلَبَةً بِنِسْيَانٍ أَوْ غَلَطٍ أَوْ سَرِقَةٍ مِنْ الصَّرَّافِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبَانِ عَلَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهَذَا يَمْضِي الصَّرْفُ فِيهَا، وَمُنِعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ وَلَا يَنْتَقِضُ بِاتِّفَاقٍ. وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا حَصَلَ فِيهِ التَّأْخِيرُ يَنْتَقِضُ، وَلَوْ قَالَ أَنَا أَتَجَاوَزُ النُّقْصَانَ لَا يَنْتَقِضُ شَيْءٌ مِنْ الصَّرْفِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَعَدَمُ حُرْمَةٍ لِبَعْضِهِ " أَنَّ تَأْخِيرَ الْيَسِيرِ كَتَأْخِيرِ الْجَمِيعِ إذَا كَانَ اخْتِيَارًا فَفَرْقٌ بَيْنَ الْغَلَبَةِ
[ ٦ / ١٣٤ ]
وَالِاخْتِيَارِ وَهُوَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ مُجْمَلٌ.
(أَوْ عَقَدَ وَوَكَّلَ فِي الْقَبْضِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَصْرِفُ لَك دِينَارًا فَلَمَّا صَرَفَهُ أَتَيْته قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ بِأَمْرِك بِالْقَبْضِ وَقَامَ يَذْهَبُ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَصْرِفَ ثُمَّ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ وَلَكِنْ يُوَكِّلُ مَنْ يَصْرِفُ لَهُ وَيَقْبِضُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اشْتَرَى سَيْفًا كَثِيرَ الْفِضَّةِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَبَضَهُ وَبَاعَهُ مَكَانَهُ ثُمَّ نَقَدَ الدَّنَانِيرَ فَبِئْسَ مَا فَعَلَ، وَلَا يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ إلَّا إنْ انْصَرَفَ مُشْتَرِي السَّيْفِ قَبْلَ نَقْدِ بَائِعِهِ الْعَشَرَةَ
[ ٦ / ١٣٥ ]
الدَّنَانِيرَ فَلَا يُعْطِيه الْعَشَرَةَ الدَّنَانِيرَ لِأَنَّ بَيْعَهُ فَاسِدٌ وَقَدْ فَاتَ بِالْبَيْعِ. اُنْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الصَّرْفِ.
(أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا أَوْ طَالَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ وَأَنْتُمَا فِي مَجْلِسٍ وَكَانَ الدَّرَاهِمُ مَعَهُ وَاسْتَقْرَضْت أَنْتَ الدِّينَارَ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا كَحَلِّ الصُّرَّةِ وَلَا يَقُومُ لِذَلِكَ وَلَا يَبْعَثُ وَرَاءَهُ جَازَ.
قَالَ الْقَابِسِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَ صَاحِبِ الدِّينَارِ، فَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا دِينَارَ عِنْدَهُ فَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الصَّرْفِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. (أَوْ نَقْدَاهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اسْتَقْرَضْت أَنْتَ دِينَارًا مِنْ رَجُلٍ إلَى جَانِبِك وَاسْتَقْرَضَ هُوَ الدَّرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ إلَى جَانِبِهِ فَدَفَعْت إلَيْهِ الدِّينَارَ وَقَبَضْت الدَّرَاهِمَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
(أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ) قَالَ
[ ٦ / ١٣٨ ]
ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ مُوَاعَدَةٌ وَلَا كَفَالَةٌ وَلَا خِيَارٌ وَلَا حَوَالَةٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَمَّا الْخِيَارُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّرْفَ بِهِ فَاسِدٌ لِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الْمُوَاعَدَةُ فَتُكْرَهُ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَتَمَّ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُوَاعَدَةِ لَمْ يُفْسَخْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: يُفْسَخُ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَرِهَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمُوَاعَدَةَ فِي الصَّرْفِ، وَمَنَعَهَا أَصْبَغُ، وَجَوَّزَهَا ابْنُ نَافِعٍ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَالْجَوَازُ أَحْسَنُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ اشْتَرَى سِوَارَيْنِ ذَهَبًا بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُرِيَهُمَا لِأَهْلِهِ فَإِنْ أَعْجَبَاهُمْ رَجَعَ إلَيْهِ فَاسْتَوْجَبَهُمَا وَإِلَّا رَدَّهُمَا، فَقَدْ خَفَّفَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ أَيْضًا اهـ. اُنْظُرْ بَيْعَ الْحُلِيِّ مُزَايَدَةً مَنَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ: عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الصَّرْفِ بِخِيَارٍ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ تَرْجَمَةِ الْمُنَاجَزَةِ فِي الصَّرْفِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ بَيْعَ الْحُلِيِّ مُزَايَدَةً جَائِزٌ رَاجِعْهُ فِيهِ. وَبِهَذَا كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يُفْتِي وَهُوَ مُقْتَضَى مَا لِابْنِ جَمَاعَةَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَصُوغًا فَمِنْ تَمَامِ الْبَيْعِ قَبْضُ الْبَائِعِ الدَّلَالَةَ وَالْفَائِدَةَ. الْقَبَّابُ: يَعْنِي وَكَانَ الْبَيْعُ بِنَقْدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ صَرْفًا يَجِبُ فِيهِ الْمُنَاجَزَةُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ وَشُرِطَ قَبْضُ الْبَائِعِ لَهَا وَذَلِكَ مَقْصُودٌ وَهُوَ مِنْ الدَّقَائِقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إحَالَةٌ. رَاجِعْهُ أَنْتَ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا الْحَوَالَةُ إذَا صَرَفَ وَأَحَالَ عَلَى الصَّرَّافِ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: مِنْ هَذَا مَا يَتَّفِقُ فِي الْأَسْوَاقِ يَشْتَرِي لَحْمًا بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ دِرْهَمًا كَبِيرًا وَيَقُولُ الْجَازِرُ لِلْخَضَّارِ قُبَالَتَهُ أَعْطِهِ خُضْرَةً بِقِيرَاطٍ حَتَّى أَتَحَاسَبَ مَعَك، فَهَذَا مِنْ الْحَوَالَةِ فِي الصَّرْفِ، لَكِنْ إنْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْخُضْرَةَ وَأَعْطَاهُمَا الدِّرْهَمَ الْكَبِيرَ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا جَازَ، وَيَكُونُ عِنْدَ مَنْ رَضِيَ مِنْهُمَا إمَّا عِنْدَ الْجَزَّارِ وَإِمَّا عِنْدَ الْخَضَّارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا خَيْرَ إنْ تَوَكَّلَ عَلَى الصَّرْفِ وَتَقْبِضُ أَنْتَ. لَكِنْ لَمَّا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ صَرَفَ وَأَحَالَ عَلَى الصَّرَّافِ قَالَ: فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُحَالُ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ إذَا صَرَفَ ثُمَّ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ الدَّرَاهِمِ فَقَبَضَهَا الْوَكِيلُ بِحَضْرَتِهِمَا قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ الَّذِي وَكَّلَهُ جَازَ. رَاجِعْ
[ ٦ / ١٣٩ ]
الْمُقَدِّمَاتِ.
(أَوْ بِدَيْنٍ إنْ تَأَجَّلَ) . ابْنُ بَشِيرٍ: غَلِطَ كَثِيرٌ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ وَالصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ. وَحَقِيقَةُ الصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ هِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ اسْتِقْرَاضِ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا مَا يُنْقَدُ قَالَ: وَأَمَّا صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَك فِي ذِمَّتِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَتَصْرِفُهُ مِنْهُ بِعَيْنٍ نَاجِزٍ، فَإِنْ كَانَ مَا فِي الذِّمَّةِ حَالًّا فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ. وَوَجْهُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَحُلُولِ مَا فِيهَا وَكَأَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَاضِرٌ وَقَدْ حَصَلَ التَّنَاجُزُ صُورَةً وَمَعْنًى. فَإِنْ كَانَ مَا فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ حَالٍّ فَالْمَشْهُورُ مَنْعُهُ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُطَالِبُ هَاهُنَا كَالْمُسَلِّفِ عَلَى ذِمَّتِهِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَبَضَ مَا أَسْلَفَهُ عَنْهَا أَوْ يُقَدَّرُ أَنَّهُ نَقَدَ هَاهُنَا لِيَأْخُذَ مِنْ ذِمَّتِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَصِيرُ صَرْفًا فِيهِ تَأْخِيرٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دِينَارَانِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دِينَارًا وَصَرَفَ الدِّينَارَ الْآخَرَ دَرَاهِمَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ وَاحِدٌ فَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ عَيْنًا وَنِصْفَهُ شَيْئًا آخَرَ.
وَفِي الْكَافِي: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دِينَارٌ سَلَفًا أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ ذَهَبًا وَنِصْفَهُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ عِنْدَهُ ذَهَبٌ وَدَرَاهِمُ بِذَهَبٍ وَقَدْ أَجَازَهُ أَشْهَبُ (وَإِنْ مِنْ أَحَدِهِمَا) . الْبَاجِيُّ: لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ حَالَّةٌ جَازَ أَنْ يَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَوَازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَمَنْعَهُ. ثَالِثُهَا
[ ٦ / ١٤٠ ]
تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ إنْ حَلَّا مَعًا وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الْمَشْهُورُ.
(أَوْ غَابَ رَهْنٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَلَوْ سُكَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ أَوْدَعْته دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ رَهَنْته ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ لِأَنَّهُ ذَهَبٌ بِفِضَّةِ وَلَيْسَ يَدًا بِيَدٍ إلَّا أَنْ
[ ٦ / ١٤١ ]
يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ حَاضِرًا وَتَقْبِضُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ: وَمَنْ أَوْدَعْته مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ثُمَّ لَقِيته وَالدَّرَاهِمُ فِي بَيْتِهِ فَهَضَمْت عَنْهُ مِائَةً عَلَى أَنْ أَعْطَاك مِائَةً مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهَا بِعَيْنِهَا مِائَةً وَتَدَعَ لَهُ مِائَةً (كَمُسْتَأْجِرٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْمُسْتَأْجِرُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ (وَعَارِيَّةٍ) ابْنُ شَاسٍ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ
[ ٦ / ١٤٢ ]
الْعَارِيَّةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّهْنِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَمَغْصُوبٍ إنْ صِيَغ) ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَغْصُوبُ إنْ كَانَ مَصُوغًا، فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُ الصَّرْفِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ صَرْفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِنْ عُلِمَ بَقَاؤُهُ وَسَلَامَتُهُ مِنْ عَيْبٍ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْقِيمَةِ بِذِمَّةِ الْغَاصِبِ فَيَجْرِي جَوَازُ صَرْفِهِ عَلَى صَرْفِ الْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ حِينَئِذٍ الْقِيمَةُ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ مَا يُصَارِفُهُ بِهِ فَقَدْ يُؤْخَذُ عَنْهُ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ (إلَّا أَنْ يَذْهَبَ فَيَضْمَنَ قِيمَتَهُ فَكَالدَّيْنِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْغَائِبُ إنْ كَانَ مَصُوغًا فَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ، فَإِنْ ذَهَبَ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي صَرْفِ الدَّيْنِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ لِرَجُلٍ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَاسْتَهْلَكَهُمَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا مَصُوغًا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَسَرَ لِرَجُلٍ سِوَارَيْنِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَفْسَدَ لَهُ صُنْعَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ إذَا كَسَرَهُمَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُمَا وَكَانَا لَهُ. اُنْظُرْ مَفْهُومَ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ " إنْ صِيَغ ".
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَك دَنَانِيرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَصْرِفَهَا مِنْهُ بِدَرَاهِمَ وَتَقْبِضَهَا، ذَكَرَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ عِنْدَهُ حَاضِرَةٌ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا لِأَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ. ابْنُ بَشِيرٍ: فِي مَعْنَى الْمَسْكُوكِ كُلُّ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ الْمَكْسُورِ
[ ٦ / ١٤٣ ]
وَالتِّبْرِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ.
(وَبِتَصْدِيقٍ فِيهِ كَمُبَادَلَةِ رِبَوِيَّيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ الصَّرْفِ عَلَى تَصْدِيقِ دَافِعِهِ تَعَدِّيًا فِي وَزْنِهِ أَوْ جَوْدَتِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. ابْنُ رُشْدٍ: رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ التَّصْدِيقِ فِي مُبَادَلَةِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ، فَإِنْ وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ لَهُ الصَّرَّافُ فِي الدَّرَاهِمِ هِيَ جِيَادٌ فَأَخَذَهَا بِقَوْلِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَجِيَادٌ هِيَ أَوْ لَا فَنَهَى عَنْهُ قِيلَ: فَأَنَا لَا أُبْصِرُهَا وَأَنْتَ تَكْرَهُ أَنْ أُفَارِقَهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وَلَا يَجُوزُ التَّصْدِيقُ فِي الصَّرْفِ وَلَا فِي تَبَادُلِ الطَّعَامَيْنِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَارِفَهُ سِوَارَيْنِ عَلَى أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي وَزْنِهِمَا، وَإِنْ افْتَرَقَا وَوَجَدَهُمَا كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّرْفِ، وَلَوْ وَزَنَهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَوَجَدَ بِهِمَا نَقْصًا فَرَضِيَهُ أَوْ زِيَادَةً فَتَرَكَهَا الْآخَرُ فَذَلِكَ جَائِزٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ إذَا افْتَرَقَا عَلَى الْفِرَاقِ لَا عَلَى أَنْ يَزِنَ وَلَا عَلَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَلَمْ يَطْلُبْهُ بِبَدَلٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَا لَوْ جَاءَ لِيُبَدِّلَ إلَيْهِ فَأَرْضَاهُ حَتَّى لَا يُبَدِّلَ لَجَازَ ذَلِكَ. وَمِنْ الْوَاضِحَةِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامٍ كَيْلًا وَجُزَافًا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى التَّصْدِيقِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ غَيْرِ نَاجِزٍ لِأَنَّهُ يُخْتَبَرُ بِكَيْلِهِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَسَحْنُونٌ: لَا يَجُوزُ التَّصْدِيقُ فِي تَبَادُلِ الطَّعَامَيْنِ وَالذَّهَبَيْنِ أَوْ الْفِضَّتَيْنِ وَلَا فِي الصَّرْفِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحَةِ اهـ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَمُقْرَضٍ وَمَبِيعٍ لِأَجَلٍ وَرَأْسِ مَالٍ سَلَمٍ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو الْحَسَنِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُسْلِمَ دِينَارًا فِي طَعَامٍ أَوْ يُصَدِّقَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي وَزْنِهِ بِخِلَافِ التَّصْدِيقِ عَلَى الْوَزْنِ فِي الصَّرْفِ وَالتَّصْدِيقِ فِي كَيْلِ الطَّعَامِ إذَا بِيعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ كَانَ قَرْضًا. ابْنُ يُونُسَ: وَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَمَنَعَ جَوَازَ التَّصْدِيقِ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ نَقْصًا فَيَغْتَفِرُهُ لِمَا يَرْجُو مِنْ
[ ٦ / ١٤٤ ]
التَّأْخِيرِ بِالسَّلَمِ (وَمُعَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ فِي الَّذِي أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ الطَّعَامَ عَلَى التَّصْدِيقِ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ تَصْدِيقُهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِمَا يَدْخُلُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا صَدَّقَهُ مِنْ أَجْلِ تَعْجِيلِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ فَيَدْخُلُهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَهُوَ مَعْنَى " ضَعْ وَتَعَجَّلْ ".
(وَبَيْعٌ وَصَرْفٌ) قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ مَعَ الْبَيْعِ جُعْلٌ وَلَا صَرْفٌ أَوْ مُسَاقَاةٌ أَوْ شَرِكَةٌ أَوْ نِكَاحٌ أَوْ قِرَاضٌ. وَيُعَبِّرُ الشُّيُوخُ عَنْ هَذِهِ الْعُقُودِ بِلَفْظِ " جِصّ مُشْنِق ". ابْنُ عَرَفَةَ: ثَالِثُ الْأَقْوَالِ فِي الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ يَجُوزُ بِقَيْدِ التَّبَعِيَّةِ فِي الدِّينَارِ الْوَاحِدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ دِينَارًا) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ كَانَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ
[ ٦ / ١٤٥ ]
فَمَذْهَبُ الْكِتَابِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِنِصْفِ الدِّينَارِ.
(وَالصَّرْفُ بِنِصْفِهِ أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ ابْتَاعَ عَرْضًا وَدَرَاهِمَ بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ جَازَ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا مُوَافِقٌ لِلْمُدَوِّنَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَبَعًا وَأَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. اللَّخْمِيِّ: وَأَجَازَ مَالِكٌ حِنْطَةً بِتَمْرٍ وَثَوْبٍ نَقْدًا وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي بَيْعٍ وَصَرْفٍ لِأَنَّ حُكْمَ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ حُكْمُ الصَّرْفِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ نَقْدًا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: الْقِيَاسُ إذَا تَنَاجَزَا فِي الطَّعَامَيْنِ أَنْ يَجُوزَ تَأَخُّرُ الثَّوْبِ.
وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيْعَ وَالصَّرْفَ جَائِزٌ اجْتِمَاعُهُمَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَمَا هُوَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ بِالْحَرَامِ أَبْيَنُ، وَقَدْ أَجَازَهُ
[ ٦ / ١٤٧ ]
أَشْهَبُ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ كَرِهَهُ قَالَ: وَإِنَّمَا الَّذِي كُرِهَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مَعَهُمَا سِلْعَةً وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مَعَهُمَا سِلْعَةً. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَظْهَرُ.
(وَسِلْعَةٌ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ إنْ تَأَجَّلَ الْجَمِيعُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِسِلْعَةٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا كُلُّ ذَلِكَ نَقْدًا. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَأْجِيلُ الْجَمِيعِ مُمْتَنِعٌ. ابْنُ شَاسٍ: لِأَنَّهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالدِّرْهَمَانِ فِي هَذَا كَالدِّرْهَمِ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
[ ٦ / ١٤٨ ]
(أَوْ السِّلْعَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ " قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَنَاقَدَا الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ وَتَأَخَّرَتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَصْلُحْ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ الثَّوْبُ لِمِثْلِ خِيَاطَةٍ أَوْ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أَخْذِهِ وَهُوَ ثَوْبٌ بِعَيْنِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ (أَوْ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ) ابْنُ يُونُسَ: اخْتِصَارُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ أَحَدُ الْعَيْنَيْنِ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ بِإِجْمَاعٍ لِأَنَّهُ لِلذَّهَبِ بِالْوَرِقِ إلَى أَجَلٍ (بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَأَخَّرَ
[ ٦ / ١٤٩ ]
الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَعُجِّلَتْ السِّلْعَةُ فَجَائِزٌ. ابْنُ الْكَاتِبِ: فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَدْفَعَ الدِّرْهَمَ وَيَأْخُذَ الدِّينَارَ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى صَرْفِ الدِّينَارِ دَرَاهِمَ فَيَحُطُّ مِنْهُ دِرْهَمًا ثُمَّ يَدْفَعُ إلَى الْبَائِعِ بَاقِيَهُ. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الدِّرْهَمَ وَيَأْخُذَ الدِّينَارَ (أَوْ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا بِدِينَارٍ إلَّا ثَلَاثَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ أَكْثَرَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ تَقَدَّمَ وَلَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ.
(كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ وَلَمْ يَفْضُلْ) قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ ابْتَاعَ خَمْسَةَ عَشَرَ جِلْدًا كُلُّ جِلْدٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمٍ لِأَجَلٍ لَا خَيْرَ فِيهِ إلَّا إنْ قَطَعُوا صَرْفَ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ الْعَقْدِ.
[ ٦ / ١٥١ ]
مُحَمَّدٌ: مِثْلَ أَنْ يَقُولُوا إنْ وَقَعَ بَيْنَنَا بَيْعٌ بِدَرَاهِمَ فَنَبِيعُهَا كَذَا وَكَذَا بِدِينَارٍ فَهَذَا الْجَائِزُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ نَقْدًا وَلَا لِأَجَلٍ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَبَيْعٌ، فَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَتَقَاصَّا مِنْ الدَّنَانِيرِ فِيمَا اجْتَمَعَ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمُسْتَثْنَاةِ بِسَوْمٍ سَمَّيَاهُ فَاتَّفَقَا فِيمَا تَبَايَعَا بِهِ أَنْ يَفْضُلَ مِنْ الدَّرَاهِمِ شَيْءٌ بَعْدَ الْمُقَاصَّةِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَاعَ مِنْهُ سِتَّةَ عَشَرَ جِلْدًا كُلُّ جِلْدٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَحْسِبَ الدَّرَاهِمَ بَيْنَهُمَا سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ جَازَ، كَانَ الْبَيْعُ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا (وَفِي الدِّرْهَمَيْنِ كَذَلِكَ) قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ فَضَلَ بَعْدَ الْمُقَاصَّةِ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ السِّلْعَةَ وَيَتَأَخَّرَ الدِّينَارُ، وَالدِّرْهَمُ أَوْ الدِّرْهَمَانِ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ (وَفِي أَكْثَرَ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ) قَالَ: وَأَمَّا إنْ فَضَلَ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الدَّرَاهِمُ الْكَثِيرَةُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ إنْ كَانَ نَقْدًا، وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ لِأَجَلٍ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِ الْمُحَاسَبَةِ فَيَجُوزُ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ فِي الصَّفْقَةِ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَيَجُوزُ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ كَثِيرَةً دُونَ صَرْفِ دِينَارٍ إنْ كَانَ الْبَيْعُ نَقْدًا، وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ. وَانْظُرْ إنْ وُجِدَ عَيْبٌ بَيْنَ أَنْ يَحُدَّهُ بِالدِّينَارِ أَوْ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَرْقٌ.
(وَصَائِغٌ يُعْطَى الزِّنَةَ وَالْأُجْرَةَ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَتَى إلَى صَائِغٍ بِوَرِقِهِ لِيَعْمَلَ لَهُ خَلْخَالًا فَوَجَدَ عِنْدَهُ خَلْخَالًا مَعَهُ فَرَاطَلَهُ فِيهِ بِوَرِقِهِ وَأَعْطَاهُ أُجْرَةَ عَمَلِ يَدِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ (كَزَيْتُونٍ وَأُجْرَتُهُ لِمُعْصِرِهِ) ابْنُ شَاسٍ: يَنْخَرِطُ فِي هَذَا السِّلْكِ مَسْأَلَةُ دَارٍ لَا الْإِشْقَالَةِ وَهِيَ الْمَعَاصِرُ يَأْتِيهَا مَنْ مَعَهُ زَيْتُونٌ فَيُقَدِّرُ قَدْرَ مَا يَخْرُجُ فَيَأْخُذُهُ زَيْتًا وَيُعْطِيهِمْ الْأُجْرَةَ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ سَبَبُهُمَا الْقِيَاسُ عَلَى الرُّخْصِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ ابْنِ بَشِيرٍ وَلَمْ أَرَهَا لِأَقْدَمَ مِنْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّائِغِ (بِخِلَافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ الْمُسَافِرُ وَأُجْرَتَهُ دَارَ الضَّرْبِ لِيَأْخُذَ زِنَتَهُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ يَأْتِي بِفِضَّةٍ إلَى أَهْلِ
[ ٦ / ١٥٢ ]
بَيْتِ الضَّرْبِ فَيُرَاطِلُهُمْ بِهَا دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً وَيُعْطِيهِمْ أُجْرَتَهُمْ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَقَدْ عُمِلَ بِهِ فِيمَا مَضَى بِدِمَشْقَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَنْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ سَكَّاكٌ أَوْ صَائِغٌ إلَّا فِضَّتَك وَذَهَبَك وَحْدَهُ، وَأَمَّا عَمَلُ أَهْلِ السِّكَّةِ فِي جَمْعِهِمْ ذُهُوبَ النَّاسِ فَإِذَا فَرَغَتْ أَعْطَوْا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَزْنِ ذَهَبِهِ وَقَدْ عَرَفُوا مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ هَذَا أَيْضًا. قَالَهُ مَنْ لَقِيته مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ جَمْعُ الذُّهُوبِ لِأَهْلِ السِّكَّةِ لِأَجْلِ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ لِذَلِكَ كَمَا أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يُدْفَعَ إلَى السَّكَّاكِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَيُعْطِيهِ السَّكَّاكُ دَنَانِيرَ مِثْلَ وَزْنِ ذَهَبِهِ لِضَرُورَةِ الصَّبْرِ، وَهَذَا أَشْنَعُ وَأَشَدُّ مِنْ جَمْعِ الذُّهُوبِ وَلَكِنْ أَجَازَهُ لِلضَّرُورَةِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الزَّيْتُونِ يَأْتِي هَذَا بِإِرْدَبٍّ وَهَذَا بِأَكْثَرَ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْإِشْقَالَةُ فَيُعْصَرَ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَهُ أَكْثَرُ خَرَاجًا مِنْ بَعْضٍ، فَأَمَّا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ مَصَالِحِهِمْ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَكَذَا فِي عَصْرِ الْجُلْجُلَانِ وَالْفُجْلِ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: لِهَذَا كَانَ الْخَطِيبُ الْحَفَّارُ يَمْنَعُ خَلَطَ اللَّبَنِ وَقِسْمَةَ جُبْنِهِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ لُبٍّ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُهُ وَقَدْ كُنْت أَمْنَعُهُ قَالَ: ثُمَّ أَجَزْته بَعْدَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ أَنْ يُكَالَ كُلَّ يَوْمٍ، وَأَمَّا كَيْلُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ (وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: ضَعَّفَهُ مَالِكٌ فِي دَارِ الضَّرْبِ لِمَا ذُكِرَ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ الْمُبِيحِ أَكْلَ الْمَيِّتَةِ (وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ أَوْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا دِرْهَمٌ بِنِصْفٍ فَمَا دُونَهُ وَفُلُوسٍ أَوْ طَعَامٍ فَجَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ. الْقَبَّابُ: الْأَصْلُ فِي الرَّدِّ عَلَى الدِّرْهَمِ الْمَنْعُ لِكَوْنِهِ بَيْعَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ مَعَ إحْدَاهُمَا سِلْعَةً، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ الرَّدِّ عَلَى الدِّرْهَمِ عَلَى الْأَصْلِ ثُمَّ خَفَّفَهُ لِضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهِ وَبِمَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ النِّصْفَ فَدُونَ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اشْتَرَيْتَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ الْآخَرِ فِضَّةً أَوْ بِثُلُثَيْهِ طَعَامًا وَأَخَذْتَ بَاقِيَهُ فِضَّةً فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَخَذْت بِثُلُثِهِ طَعَامًا وَأَخَذْت بَاقِيَهُ فِضَّةً فَمَكْرُوهٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ أَكْثَرَ وَجَوَّزَهُ إذَا كَانَتْ أَقَلَّ، لِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا كَانَ هُوَ الْأَكْثَرُ عُلِمَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي الشِّرَاءِ وَالْفِضَّةُ التَّبَعُ فَأَجَازَهُ لِلرِّفْقِ بِالنَّاسِ وَلِلضَّرُورَةِ الَّتِي تَلْحَقُهُمْ إذْ لَا يَجُوزُ كَسْرُ الدِّرْهَمِ (فِي بَيْعٍ) .
الْقَبَّابُ: مِنْ شُرُوطِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ فِي بَيْعٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ وَلَا يَجُوزُ فِي صَدَقَةٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا قَرْضٍ. وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُرَدَّ ثُلُثُ دِرْهَمٍ عَلَى مَنْ ابْتَاعَ بِثُلُثَيْ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَنْقُدْ، فَلَمَّا طُولِبَ بِالنَّقْدِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا صَحِيحًا وَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ ثُلُثَ دِرْهَمٍ فِضَّةً كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي أَصْلِ الشِّرَاءِ وَمُنِعَ إذَا أَسْلَفَهُ ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِدِرْهَمٍ صَحِيحٍ فَيُعْطِيَهُ فِيهِ فِضَّةً. وَمَا قُلْنَا مِنْ جَوَازِهِ فِي الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ مَعْنَاهُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا طَلَبَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ بِأُجْرَتِهِ يَدْفَعُ إلَيْهِ الصَّانِعُ صَغِيرًا أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ كَبِيرًا إذَا لَمْ يَكُونَا دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ
(وَسُكَّا وَاتَّحَدَتْ) عِيَاضٌ: مِنْ شُرُوطِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمَانِ مَعًا مَسْكُوكَيْنِ وَأَنْ
[ ٦ / ١٥٣ ]
يَكُونَ سَكْتُهُمَا وَاحِدَةً. الْقَبَّابُ: اُنْظُرْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ مَعَ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ لَمَّا عَلَّلَ الْجَوَازَ بِالضَّرُورَةِ قَالَ: وَهَذَا فِي بَلَدٍ فِيهِ الدَّرَاهِمُ الْكِبَارُ خَاصَّةً أَوْ الدَّرَاهِمُ الْكِبَارُ وَالصِّغَارُ وَلَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي إلَّا دِرْهَمٌ كَبِيرٌ وَفِي كَسْرِهِ ضَرَرٌ، فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِنِصْفِهِ طَعَامًا وَبِبَاقِيهِ فِضَّةً، أَوْ مِنْ هَذِهِ الْخَرَارِيبِ الصِّغَارِ لِلضَّرُورَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي بَلَدٍ الْغَالِبُ فِيهِ الْخَرَارِيبُ الصِّغَارُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُشْتَرِي دِرْهَمًا كَبِيرًا وَيَأْخُذَ بِنِصْفِهِ طَعَامًا وَبَاقِيهِ مِنْ الْخَرَارِيبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ السَّمَاعِ أَخْذُ ثُلُثِهِ فِضَّةً وَعُلِمَ تَقْيِيدُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ غَيْرَ مَسْكُوكٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ يُونُسَ اهـ. وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ " أَمَّا فِي بَلَدٍ فِيهِ الْخَرَارِيبُ الصِّغَارُ "، وَقَوْلُهُ " وَلَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي إلَّا دِرْهَمٌ كَبِيرَةٌ " ظَاهِرٌ إنْ كَانَ عِنْدَهُ دِرْهَمٌ صَغِيرٌ فَإِنَّ الرَّدَّ لَا يَجُوزُ.
وَحَكَى لَنَا سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - أَنَّ ابْنَ عَلَاقٍ كَانَ يَقُولُ: لَا يُشْتَرَطُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي دِرْهَمٌ صَغِيرٌ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ ضُبِطَ بِالْمَظِنَّةِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى النَّادِرِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ (وَعُرِفَ الْوَزْنُ) . الْقَبَّابُ: مِنْ شُرُوطِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَا مَعْرُوفَيْ الْوَزْنِ وَإِلَّا كَانَ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ جُزَافًا وَلَا خَفَاءَ يَمْنَعُهُ اهـ.
وَكَانَ الْأُسْتَاذُ الْمُدَوِّرُ يُصَرِّحُ بِمَنْعِ الرَّدِّ بالقرسطون (وَانْتُقِدَ الْجَمِيعُ كَدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَإِلَّا فَلَا) لَعَلَّهُ وَانْتُقِدَ الْجَمِيعُ وَإِلَّا فَلَا كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ. الْقَبَّابُ: مِنْ شُرُوطِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ نَقَدَ الدِّرْهَمَ الْكَبِيرَ وَعَوَّضَهُ بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَى بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. ابْنُ جَمَاعَةَ: لَا يَجُوزُ رَدُّ الصَّرْفِ عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي دِرْهَمٍ وَاحِدٍ. الْقَبَّابُ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ كَبِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ وَيَسْتَرِدَّ فِيهِمَا دِرْهَمًا صَغِيرًا. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَفْظُهُ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ اهـ. وَانْظُرْ الْمَرْدُودَ. وَأَجَازَ اللَّخْمِيِّ أَنْ يَدْفَعَ دِرْهَمًا وَيَأْخُذَ بِبَقِيَّتِهِ دَرَاهِمَ صِغَارًا قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ النِّصْفُ. ابْنُ عَرَفَةَ: ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ عُدُولِ بَلَدِنَا الْمُدَرِّسِينَ فَتْوَاهُ
[ ٦ / ١٥٤ ]
بِجَوَازِ الرَّدِّ فِي الدِّينَارِ فَبَعَثَ إلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَمَّا نُقِلَ عَنْهُ لِيُؤَنِّبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَ فَتْوَاهُ بِذَلِكَ.
(وَرُدَّتْ زِيَادَةٌ بَعْدَهُ لِعَيْبِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ صَرَفْتَ مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا ثُمَّ لَقِيته بَعْدَ أَيَّامٍ فَقُلْت لَهُ قَدْ اسْتَرْخَصْت الدِّينَارَ فَزِدْنِي فَزَادَك دِرْهَمًا نَقْدًا أَوْ لِأَجَلٍ فَجَائِزٌ وَلَا يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ، فَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ انْتَقَضَ الصَّرْفُ وَأَخَذَ مِنْك الَّذِي زَادَك مَعَ دَرَاهِمِهِ لِأَنَّهُ لِلصَّرْفِ فَيُرَدُّ بِرَدِّهِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمَبِيعِ إنْ رَدَّ السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ أَخَذَهَا (لَا لِعَيْبِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. لَيْسَ لَك رَدُّ الزِّيَادَةِ بِعَيْبٍ تَجِدُهُ فِيهَا لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا الصَّرْفُ.
ابْنُ يُونُسَ: إذْ
[ ٦ / ١٥٧ ]
لَوْ شَاءَ لَمْ يَزِدْك وَهِيَ هِبَةٌ تَطَوَّعَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: إنْ زَادَهُ خَوْفَ نَقْضِ الصَّرْفِ بَطَلَ الصَّرْفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَبِتَصْدِيقٍ فِيهِ " أَنَّهُ إذَا وُجِدَ مَعِيبٌ فِي الصَّرْفِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُرْضِيَهُ وَلَا يَفْسَخُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يُرِدْ الْفَسْخَ وَصَالَحَ عَلَى الزَّائِدِ بِعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ فَأَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ، وَمَنَعَهُ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ: إلَّا أَنْ يَتَفَاسَخَا ثُمَّ يَعْمَلَانِ عَلَى مَا يَجُوزُ، وَاسْتَشْهَدَ بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الصُّلْحِ فِي الطُّرُقِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُرْضِيَهُ عَلَى شَيْءٍ وَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ نَقْدًا وَلَا يَرُدَّهُ.
اُنْظُرْ ثَانِيَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الصَّرْفِ مِنْ اللَّخْمِيِّ (وَهَلْ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لَك رَدُّ الزِّيَادَةِ بِعَيْبٍ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إذْ لَوْ شَاءَ لَمْ يَزِدْك (أَوْ إلَّا أَنْ يُوجِبَهَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ قَالَ لَهُ اسْتَرْخَصْت فَزِدْنِي فَزَادَهُ دِرْهَمًا ثُمَّ وَجَدَهُ زَائِفًا، فَإِنْ كَانَ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعِبْهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ (أَوْ إنْ عُيِّنَتْ تَأْوِيلَاتٌ
[ ٦ / ١٥٨ ]
وَإِنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَةِ بِنَقْضِ وَزْنٍ أَوْ بِكَرَصَاصٍ بِالْحَضْرَةِ أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ أَوْ بِمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحَّ) ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْصُ الْقَدْرِ يُعْلَمُ بِالْقُرْبِ إنْ رَضِيَ بِهِ أَوْ أَتَمَّ تَمَّ، فَإِنَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مَا نَقَصَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْتَقِضُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمِيعَ يَنْتَقِضُ إلَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَلَبَةٍ أَوْ غَلَطٍ فَيَمْضِي مَا وَقَعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ وَجَدَ نَقْصًا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَلَهُ أَنْ يَرْضَى أَوْ يَأْخُذَ بِهِ مَا شَاءَ. رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَ كَرَصَاصٍ فَالْمِقْدَارُ اهـ.
وَانْظُرْ إذَا كَانَ هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، فَأَمَّا النَّقْصُ فَإِنْ كَانَ فِي الْعَدَدِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: النَّقْصُ فِي الصَّرْفِ عَلَى وَجْهَيْنِ: فِي الْعَدَدِ وَفِي الْوَزْنِ، وَهُوَ فِي الْوَزْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَنْ تَكُونَ الدَّنَانِيرُ مَجْمُوعَةً، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ عَدَدًا كَالْقَائِمَةِ وَالْفُرَادَى ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ انْعَقَدَ الصَّرْفُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَدَدًا.
فَوَجَدَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَثَالِثُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّرْفَ يَنْتَقِضُ، قَامَ بِحَقِّهِ فِي ذَلِكَ النَّقْدِ أَوْ لَمْ يَقُمْ. ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ عَلَى قَائِمَةٍ أَوْ فُرَادَى أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا الصَّرْفُ فِيهِ عَلَى الْعَدَدِ فَوَجَدَ بَعْضَهَا نَقَصَ عَنْ
[ ٦ / ١٥٩ ]
الْوَزْنِ الْمُعْتَادِ كَانَ كَالزَّائِفِ إنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَلَمْ يَقُمْ صَحَّ الصَّرْفُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ صَرَفَ مِنْهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَوَجَدَ مِنْ الدَّرَاهِمِ دِرْهَمًا نَاقِصًا فَيَقُولُ أَنَا أَتَجَاوَزُ.
فَلَا يَنْتَقِضُ مِنْ الصَّرْفِ شَيْءٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَنْتَقِضُ مِنْ الصَّرْفِ صَرْفُ دِينَارٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ تَجَاوَزَ النَّاقِصُ جَازَ كَالزَّائِفِ إذَا رَضِيَ بِهِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا وَجَدَ الصَّرَّافَ قَدْ سَرَقَ مِنْ الْوَزْنِ أَوْ غَلِطَ فَيَرْجِعُ، قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ مَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تَخْتَلِفَ فِيهِ الْمَوَازِينُ فَجَائِزٌ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ، وَلَا يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّرْفِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِالزَّائِفِ وَلَوْ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فَإِنَّ الصَّرْفَ يَصِحُّ. وَتَعَقَّبَ هَذِهِ الْمَازِرِيُّ وَقَالَ: إنَّ الْعَقْدَ كَانَ عَلَى طَيِّبٍ فَالرِّضَا بِالزَّائِفِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ تَأْخِيرٌ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ هَذَا اُنْظُرْهُ فِيهِ
(وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ) ابْنُ الْحَاجِبِ نَقْصُ الْمِقْدَارِ يُعْلَمُ بِالْحَضْرَةِ إنْ رَضِيَ بِهِ أَوْ بِإِتْمَامِهِ نَاجِزًا صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَكَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ وَفِي الْمُعَيَّنِ قَوْلَانِ. ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فِي
[ ٦ / ١٦٠ ]
الصَّرْفِ إنْ عُيِّنَتْ تَعَيَّنَتْ، وَإِنْ لَمْ تُعَيَّنْ فَهَلْ تُعَيَّنُ بِالْقَبْضِ أَوْ بِالْمُفَارَقَةِ؟ فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ سَاعَةَ صَارَفَهُ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بَقِيَّةَ صَرْفِهِ مِمَّا بَقِيَ فِي يَدِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَيَكُونُ صَرْفًا مُسْتَقِلًّا اهـ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ هَذَا الثَّانِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَإِنْ طَالَ نُقِضَ إنْ قَامَ بِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الْمَغْشُوشُ إنْ رَضِيَ وَاجِدُهُ بِهِ صَحَّ الصَّرْفُ وَإِنْ قَامَ بِهِ انْتَقَضَ الصَّرْفُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالنَّقْضِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ؟ وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْبَدَلُ بِلَا خِلَافٍ أَوْ يَجْرِي فِي الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ رَأْيُ اللَّخْمِيِّ وَأَصْلُهُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالثَّانِي رَأْيُ جُلِّ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَصْلُهُ لِأَبِي الْقَاسِمِ وَابْنِ الْكَاتِبِ اهـ. وَرَشَّحَ اللَّخْمِيُّ مَا ذُكِرَ عَنْهُ بِمَا نَصُّهُ: لَمَّا كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَلْزَمْ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِهِ فَانْتَقَضَ الصَّرْفُ، وَإِذَا انْتَقَضَ الصَّرْفُ كَانَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ الْآنَ صَرْفًا مُبْتَدَأً.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالدَّرَاهِمِ وَكَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَجُزْ الْبَدَلُ عِنْدَ مَالِكٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَهَذَا أَقْيَسُ إذَا كَانَا قَدْ اخْتَبَرَا مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَدْ اخْتَبَرَا مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ وَقَلَبَاهُ، فَمَا وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْغَلَبَةِ فِي الصَّرْفِ.
وَقَدْ أَجَازَ الْبَدَلَ فِي الصَّرْفِ ابْنُ شِهَابٍ وَاللَّيْثُ وَابْنُ عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ سِيرِينَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ قِيَاسًا عَلَى الْعَيْبِ يُوجَدُ فِي السَّلَمِ اهـ. وَانْظُرْ إذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْقَيَا عَلَى صَرْفِهِمَا وَيُرَاضِيهِ صَاحِبُ الزَّائِفِ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ لَهُ وَيَسْتَغْنِيَانِ عَنْ الْبَدَلِ وَعَنْ الْفَسْخِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَسْأَلَةِ الطَّوْقِ الْوَاقِعَةِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا كَانَ الزَّائِفُ
[ ٦ / ١٦١ ]
مِمَّا يُشْكِلُ عِنْدَ بَعْضٍ وَيَجُوزُ عِنْدَ بَعْضٍ نَصَّ ابْنُ جَمَاعَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبَدَلُ. اُنْظُرْ بُيُوعَ الْقَبَّابُ، وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةً نَصَّ عَلَيْهَا اللَّخْمِيِّ وَهِيَ إذَا وَجَدَ دَرَاهِمَ الصَّرْفِ بِزِيَادَةٍ قَالَ: يَرُدُّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لِلصَّرَّافِ وَصَرْفُهُ صَحِيحٌ (كَنَقْصِ الْعَدَدِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ " بِنَقْصِ وَزْنٍ وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ " فَهُوَ يَحْتَاجُ لِتَأَمُّلٍ
[ ٦ / ١٦٢ ]
وَاسْتِظْهَارٍ (وَهَلْ مُعَيَّنُ مَا غُشَّ كَذَلِكَ أَوْ يَجُوزُ فِيهِ الْبَدَلُ تَرَدُّدٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: وَإِذَا قُلْنَا
[ ٦ / ١٦٣ ]
بِالنَّقْصِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْعَيْنِ.
(وَحَيْثُ نُقِضَ فَأَصْغَرُ دِينَارٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّاهُ فَأَكْبَرُ مِنْهُ لَا الْجَمِيعُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ صَرَفَ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ وَجَدْتُ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ وَجَدْت أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ وَإِنْ قَلَّ انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارَيْنِ، وَهَكَذَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ سِكَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ تَنْقُصُ مَجْمُوعَةً فِي الْوَزْنِ فَإِنَّمَا يَنْتَقِضُ صَرْفُ أَنْقَصِ الدَّنَانِيرِ. التُّونِسِيُّ: مَهْمَا قَدَرْت عَلَى نَقْصِ قَلِيلٍ فَلَا تَنْقُصُ أَكْثَرَ مِنْهُ، ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا لَمْ يَنْتَقِضْ صَرْفُ الْجَمِيعِ لِأَنَّ كُلَّ دِينَارٍ كَأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ إذْ لَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ مِنْ قِيمَةِ صَاحِبِهِ (وَهَلْ وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ؟ تَرَدُّدٌ) الْجَلَّابُ: وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ إذَا رَتَّبَا لِكُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا مَعْلُومًا حِينَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إنْ صَارَفَا جُمْلَةَ دَنَانِيرَ بِجُمْلَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يَنْتَقِضْ الصَّرْفُ كُلُّهُ. ابْنُ يُونُسَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا إذَا كَانَتْ سِكَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يَقَعُ لِكُلِّ دِينَارٍ حِصَّتُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى الْعَدَدِ، إنْ كَانَتْ خَمْسَةً وَقَعَ لِكُلِّ
[ ٦ / ١٦٤ ]
دِينَارٍ خُمْسُ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَتْ سِتَّةً فَسُدُسُ الدَّرَاهِمِ، فَالْحُكْمُ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَإِنْ لَمْ يُرَتِّبَاهُ، وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ حُكْمٌ لَهُ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ فِي الْبُيُوعِ إذَا رَتَّبَ لِكُلِّ سِلْعَةٍ ثَمَنًا وَبِيعَتْ فِي صَفْقَةٍ أَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي طَرَيَان الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ
(وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي السِّكَكِ أَعْلَاهَا أَوْ الْجَمِيعُ؟ قَوْلَانِ) ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ إنْ كَانَتْ سِكَّةُ الدَّنَانِيرِ كُلُّهَا وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ السِّكَّةُ مُخْتَلِفَةً فَقَالَ أَصْبَغُ: يَنْتَقِضُ صَرْفُ أَجْوَدِ الدَّنَانِيرِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ كُلُّهُ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ سَحْنُونٍ أَقْيَسُ. اُنْظُرْ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ، حُكْمُ الْحُلِيِّ الْكَثِيرِ يُوجَدُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُ مِسْمَارُ نُحَاسٍ، فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ مُسْتَوِيًا لَا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهِ كَأَنْ يَكُونَ كُلُّهُ خَلَاخِلَ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ مِنْهُ خَلْخَالَانِ خَاصَّةً وَلَا يَنْتَقِضُ الْجَمِيعُ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ أَيْضًا إنْ وَجَدَ فِي الثَّمَنِ زَائِفًا. قَالَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ.
(وَشُرِطَ لِلْبَدَلِ جِنْسِيَّةٌ وَتَعْجِيلٌ) اُنْظُرْ هَذَا فَهُوَ فَرْعُ جَوَازِ الْبَدَلِ فِي الصَّرْفِ وَقَدْ مَنَعَ هُوَ الْبَدَلَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فَيَبْقَى إذَا كَانَ هَذَا بِالْحَضْرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَاجِيِّ: إنْ وَجَدَ نَقْصًا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ. وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ فِي الْبَدَلِ فَرَّعَ عَلَى الْجَوَازِ وَقَالَ: شَرْطُ الْبَدَلِ الْجِنْسِيَّةُ وَالتَّعْجِيلُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ بِعَرْضٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ شَرْطُ عَدَمِ يَسَارَةِ الْعَرْضِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ.
(وَإِنْ اُسْتُحِقَّ مُعَيَّنٌ سُكَّ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ أَوْ طُولٍ، أَوْ مَصُوغٌ مُطْلَقًا نُقِضَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا صَرَفْتَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ وَقَبَضْتهَا فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ انْتَقَضَ الصَّرْفُ.
ابْنُ يُونُسَ: حُجَّةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا قَبَضَهَا صَارَتْ كَالْمُعَيَّنَةِ، وَسَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا يَقْتَضِي لِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْحَضْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا يَنْتَقِضُ صَرْفُ مَسْكُوكٍ بِاسْتِحْقَاقِهِ حِينَ عَقْدِهِ إلَّا أَنْ يُعَيَّنَ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ. وَمِنْ
[ ٦ / ١٦٦ ]
الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ شِقْصًا بِحِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ فُسِخَ الْبَيْعُ وَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ ابْتَاعَ الْحِنْطَةَ بِثَمَنٍ فَاسْتُحِقَّتْ بَطَلَ الْبَيْعُ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ مَضَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَرْجِعُ بَائِعُ الشِّقْصِ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِقِيمَةِ النَّقْصِ، وَقَالَهُ سَحْنُونَ. وَالْقَوْلُ إنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِ الْحِنْطَةِ غَلَطٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَوْ غَصَبَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَابْتَاعَ بِهَا شِقْصًا فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ مَكَانَهُ وَعَلَى الْغَاصِبِ مِثْلُهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِعَيْنِهَا بِيَدِ الْبَائِعِ وَأَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً أَخَذَهَا وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِمِثْلِهَا وَالْبَيْعُ تَامٌّ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَصُوغِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ اُسْتُحِقَّ الْمَصُوغُ انْتَقَضَ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اشْتَرَى خَلْخَالَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِدَنَانِيرَ فَنَقَدَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ قَبْلَ تَفَرُّقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَاخْتَارَ أَخْذَ الثَّمَنِ فَلَا بَأْسَ إنْ حَضَرَ الْخَلْخَلَانِ وَأَخَذَ الثَّمَنَ مَكَانَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ بَعَثَ بِهِمَا إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا نَظَرَ إلَى افْتِرَاقِهِمَا، وَلَكِنْ إذَا حَضَرَ الْخَلْخَالَانِ وَأَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ الْمُبْتَاعِ مَكَانَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ غَابَ الْخَلْخَالَانِ لَمْ يَجُزْ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ لِأَنَّ رَبَّ الْخَلْخَالَيْنِ قَدْ مَلَكَ فَسْخَ الْبَيْعِ فَيَرْضَاهُ بِتَمَامِهِ بِبَيْعٍ مُبْتَدَأٍ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَحْضُرَ الْخَلْخَالَانِ (وَإِلَّا صَحَّ وَهَلْ إنْ تَرَاضَيَا؟ تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَنَّهُ سَاعَةَ اُسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ بِالصَّرْفِ فِي الْحَضْرَةِ وَقَدْ قَبَضَهَا قَالَ لَهُ خُذْ مِثْلَهَا مَكَانَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ.
ابْنُ يُونُسَ: إذَا تَرَاضَيَا. قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: فَإِنْ طَالَ أَوْ تَفَرَّقَا لَمْ يَجُزْ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَإِنْ تَرَاضَيَا إلَّا بَعْدَ فَسْخِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَانِ صَرْفًا جَدِيدًا إنْ أَحَبَّا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا مَعْنَى لِلتَّرَاضِي قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي لَجَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاعَةَ صَارَفَهُ
[ ٦ / ١٦٧ ]
(وَلِلْمُسْتَحِقِّ إجَازَتُهُ إنْ لَمْ يُخْبَرْ الْمُصْطَرِفُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ اُسْتُحِقَّ الْمَصُوغُ انْتَقَضَ مُطْلَقًا، ثُمَّ إنْ كَانَ لَمْ يُخْبَرْ الْمُصْطَرِفُ فَلِلْمُسْتَحِقِّ إجَازَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ الْحُكْمِيَّ لَيْسَ كَالشَّرْطِيِّ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ فَهُوَ كَشَرْطِ الْخِيَارِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَجَازَ مُحَلًّى وَإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ عَيْنٌ إنْ سُكَّ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إنْ أُبِيحَتْ وَسُمِّرَتْ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَوْ قَالَ " وَجَازَ مُحَلًّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إنْ
[ ٦ / ١٧٢ ]
أُبِيحَتْ وَسُمِّرَتْ بِغَيْرِ صِنْفِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا وَبِصِنْفِهِ إنْ كَانَ الثُّلُثُ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: الْمُحَلَّى الْمُبَاحُ الِاتِّخَاذِ إنْ بِيعَ بِجِنْسِ مَا هُوَ مُحَلًّى بِهِ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ الصَّرْفِ فِي تَحْصِيلِ الْمُمَاثَلَةِ وَمَا تَصِحُّ بِهِ، فَالْمُحَاذَرَةُ فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ. وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا هُوَ مُحَلًّى بِهِ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: أَعْنِي فِي بَيْعِ الْمُحَلَّى بِغَيْرِ جِنْسِ مَا هُوَ مُحَلًّى بِهِ لِجَوَازِ اتِّخَاذِ الْمُحَلَّى وَامْتِزَاجِ الْعُرُوضِ بِهِ وَكَوْنِهِ لَا يُنْزَعُ إلَّا بِمَضَرَّةٍ إنْ لَمْ يُحَاذَرْ فِيهِ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ. الْبَاجِيُّ: الْقَلَائِدُ الَّتِي لَا يَفْسُدُ غَيْرُ نَظْمِهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْإِبَاحَةِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: وَيَلْحَقُ بِالْمُحَلَّى الثِّيَابُ الْمُعْلَمَةُ إذَا كَانَتْ أَعْلَامُهَا إذَا أُحْرِقَتْ خَرَجَ مِنْهَا ذَهَبٌ فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ السَّيْفِ الْمُحَلَّى، فَإِنْ كَانَ أَعْلَامُهَا لَوْ أُحْرِقَتْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَدْ تَرَدَّدَ اللَّخْمِيِّ
[ ٦ / ١٧٣ ]
هَلْ يُعْتَبَرُ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَهْلَكِ (وَعُجِّلَ بِغَيْرِ صِنْفِهِ مُطْلَقًا) أَبُو عُمَرَ: إنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِجِنْسِهَا وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا هُوَ مُحَلًّى بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ بَيْعَ السَّيْفِ الَّذِي فِضَّتُهُ تَبَعٌ بِفِضَّةٍ أَوْ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ فُسِخَ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَ أَمْضَيْته لِأَنَّ رَبِيعَةَ كَانَ يُجِيزُ إذَا كَانَ مَا فِي السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ مِنْ الْفِضَّةِ تَبَعًا لَهُ أَنْ يُبَاعَ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ (وَبِصِنْفِهِ إنْ كَانَتْ الثُّلُثَ وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ خِلَافٌ) الْبَاجِيُّ: مِنْ شُرُوطِ بَيْعِ الْمُحَلَّى بِجِنْسِ مَا هُوَ مُحَلًّى بِهِ أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ تَبَعًا لِقِيمَةِ الْحُلِيِّ.
وَظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِقِيمَةِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُلِيِّ وَلَعَلَّهُ تَجَوَّزَ فِي عِبَارَتِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِوَزْنِ الْحُلِيِّ لَا بِقِيمَتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَكَالزَّكَاةِ إنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْوَزْنُ
[ ٦ / ١٧٤ ]
فَكَذَلِكَ هَذَا، فَإِذَا كَانَ وَزْنُ الْحُلِيِّ مِائَةً وَقِيمَةُ النَّصْلِ مِائَتَيْنِ فَهِيَ تَبَعٌ.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ خِلَافُ هَذَا (وَإِنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ) اللَّخْمِيِّ: لَمْ يُخْتَلَفْ فِي الْحُلِيِّ يَكُونُ فِيهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَلُؤْلُؤٌ وَجَوْهَرٌ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ وَاللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ الثُّلُثَانِ فَأَكْثَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
ابْنُ بَشِيرٍ: هَلْ يُبَاعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ كَائِنًا مَا كَانَ أَوْ يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مِنْ الْعَيْنِ فَيُبَاعُ بِهِ؟ قَوْلَانِ. وَاَلَّذِي فِي الْكَافِي: إذَا اجْتَمَعَ فِي الْحُلِيِّ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْجَوْهَرُ وَكَانَ الَّذِي فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ فَأَدْنَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ بِالذَّهَبِ مُعَجَّلًا، وَإِذَا كَانَ الَّذِي فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ الثُّلُثَ فَأَدْنَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ اهـ.
اُنْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ خَلِيلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَلِيلٌ حُكْمَ الْحُلِيِّ يَكُونُ ذَهَبًا وَفِضَّةً أَحَدُهُمَا الثُّلُثَانِ وَالْآخَرُ الثُّلُثُ هَلْ يُبَاعُ بِأَقَلَّ ذَلِكَ؟ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَالْجَوَازُ أَقْيَسُ وَقَالَهُ أَشْهَبُ إذْ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْحُلِيِّ وَالسَّيْفِ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا فُعِلَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، فَإِذَا رَأَى أَنَّ الْبَيْعَ مِنْ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ كَاللَّغْوِ كَانَ فِي الْحُلِيِّ مِثْلُهُ.
وَانْظُرْ قَبْلَ آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّرْفِ اهـ. وَانْظُرْ سِكَّةَ التَّعَامُلِ حَكَى ابْنُ شَاسٍ أَنَّهَا بِخِلَافِ الْحُلِيِّ، لِأَنَّ الْحُلِيَّ يُقْصَدُ ذَهَبُهُ وَفِضَّتُهُ جَمِيعًا وَالْمَسْكُوكُ إنَّمَا يُقْصَدُ ذَهَبُهُ لَا غَيْرُ قَالَ: وَهَذِهِ مُشَاهَدَةٌ لِأَنَّ هُنَاكَ يُقْصَدُ ذَهَبُهُ وَفِضَّتُهُ.
ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مَنْعُ الرِّبَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أَرَى لِمُسْلِمٍ بِبَلَدِ الْحَرْبِ أَنْ يَعْمَلَ بِالرِّبَا مَعَ حَرْبِيٍّ.
(وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزُنَ مِنْهَا) ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمِثْقَالَ وَيَأْخُذَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا مَعْدُودَةً مُرَاطَلَةً، لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا وُزِنَ مُجْتَمِعًا ثُمَّ فُرِّقَ زَادَ أَوْ نَقَصَ. وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانًا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الدِّينَارِ الْوَاحِدِ كَمَا أَجَازُوا مُبَادَلَةَ الدِّينَارِ الْوَازِنِ بِالنَّاقِصِ عَلَى وَجْهِ
[ ٦ / ١٧٥ ]
الْمَعْرُوفِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَمَّا بَدَلُ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ بِأَوْزُنَ مِنْهُ فَجَائِزٌ وَذَلِكَ فِيمَا قَلَّ بِخِلَافِ الْمُرَاطَلَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُرَاطَلَةِ تَتَكَايَسُ وَفِي الْمُبَادَلَةِ مَعْرُوفٌ. ابْنُ رُشْدٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا قَلَّ مِثْلَ الدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثِ إلَى السِّتَّةِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ كَانَ سَحْنُونَ قَدْ أَصْلَحَ السِّتَّةَ وَرَدَّهَا ثَلَاثَةً اهـ
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَبْضَعَ مَعَهُ دِينَارٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ عَيْنًا وَوَزْنًا. قِيلَ: أَتَرَى أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَهُ إذَا أَبْدَلَهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: اسْتَخَفَّهُ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّ صَاحِبَ الدِّينَارِ يَرْضَى بِذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ ابْتِدَاءً إلَّا بِرِضَاهُ وَأَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لَهُ إنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مَعْرُوفِهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَرْضَاهُ فَيَدْخُلُهُ عَدَمُ الْمُنَاجَزَةِ لِلْخِيَارِ الْوَاجِبِ لَهُ
[ ٦ / ١٧٦ ]
وَتَخْفِيفُهُ جَارٍ عَلَى الْخِيَارِ الْحُكْمِيِّ اهـ. اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا أَبْضَعَ الرَّجُلُ بِدَنَانِيرَ مَعَ رَجُلٍ وَأَبْضَعَ آخَرُ مَعَهُ بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي لَهُمَا حَاجَتَهُمَا، لَا بَأْسَ أَنْ يَصْرِفَ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ بِصَرْفِ النَّاسِ. وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِمَنْ وُكِّلَ عَلَى الصَّرْفِ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ نَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: وَلَا بَأْسَ بِهَذَا إذْ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ فَلَا تُشَدِّدُوا عَلَى النَّاسِ هَكَذَا جَرَى فَلَيْسَ كَمَا تُشَدِّدُونَ، وَالْخِلَافُ فِي هَذَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ خِيَارٌ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ الصَّرْفُ وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْحُكْمُ. اُنْظُرْ الْقَبَّابَ (بِسُدُسٍ سُدُسٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَبْلَغُ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ النَّقْصِ سُدُسُ دِينَارٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ تَحْدِيدًا بَلْ فَرْضًا وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَبْدَلَ لَك ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ تَنْقُصُ سُدُسًا سُدُسًا بِوَازِنَةٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ جَازَ. وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ التَّحْدِيدَ بِالسُّدُسِ لِلَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَدَلُ الطَّعَامِ الْمَعْفُونِ بِالصَّحِيحِ السَّالِمِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَشْهَبُ كَالدَّنَانِيرِ إذَا نَقَصَتْ كَثِيرًا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَظَاهِرُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ النَّقْصِ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا وَهُوَ اخْتِيَارُ مَنْ لَقِينَاهُ.
[ ٦ / ١٧٧ ]
(وَالْأَجْوَدُ أَنْقَصُ أَوْ أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ) أَمَّا إذَا كَانَ الْأَجْوَدُ أَنْقَصَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ النَّاقِصُ أَفْضَلَ فِي عَيْنِهِ مِنْ الْوَازِنِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
اللَّخْمِيِّ: وَكَذَا إنْ كَانَتْ سِكَّتُهُ أَفْضَلَ مُنِعَ. فَلَوْ قَالَ وَالْأَنْقَصُ أَجْوَدُ أَوْ أَفْضَلُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ لِتَنْزِلَ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَاللَّخْمِيِّ (وَإِلَّا جَازَ) يَدْخُلُ بِهِ أَنَّ الْأَزْيَدَ إذَا كَانَ أَجْوَدَ سِكَّةً فَهُوَ جَائِزٌ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَمَنَعَهُ قَالُوا: لِأَنَّ اجْتِمَاعَ النَّقْصِ مَعَ الرَّدَاءَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا نَقَصَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ سُدُسِهِ.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ نَصِّ اللَّخْمِيِّ يَجُوزُ بَدَلُ دِينَارٍ طَيِّبٍ بِدَيْنِهِ مَغْشُوشٍ بِنُحَاسٍ أَوْ فِضَّةٍ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ وَاحِدَةً لِأَنَّ ذَلِكَ مُكَارَمَةٌ مِنْ صَاحِبِ الدِّينَارِ الطَّيِّبِ، وَكَذَلِكَ دِينَارٌ مِنْ هَذِهِ الدَّنَانِيرِ الطَّيِّبَةِ مِنْ هَذِهِ الرُّبَاعِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مَحْمُولَةً بِالْفِضَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُكَارَمَةٌ مِنْ صَاحِبِ الدِّينَارِ الطَّيِّبِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ مَغْشُوشٍ بِدِرْهَمٍ طَيِّبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنَّمَا يُشْبِهُ هَذَا الْبَدَلُ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: إنْ دَخَلَ أَحَدُ الدِّرْهَمَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يُحِيطَ الْعِلْمُ أَنَّ الدَّاخِلَ فِيهِمَا سَوَاءٌ نَحْوَ السِّكَّةِ الْوَاحِدَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنَعَ شَيْخُنَا
[ ٦ / ١٧٨ ]
ابْنُ رِزْقٍ مُرَاطَلَةَ الذَّهَبِ الْعَبَّادِيَّةِ بِالذَّهَبِ الْعَبَّادِيَّةِ لِأَنَّهَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٌ وَنُحَاسٌ بِذَهَبٍ وَنُحَاسٍ، وَذَلِكَ إغْرَاقٌ وَلَا أَقُولُ بِهِ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْفِضَّةَ الَّتِي مَعَ هَذِهِ كَالْفِضَّةِ الَّتِي مَعَ هَذِهِ، وَالنُّحَاسَ الَّذِي مَعَ هَذِهِ كَالنُّحَاسِ الَّذِي مَعَ هَذِهِ، وَلَا يُتَّقَى فِي هَذَا مَا يُتَّقَى فِي ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُنْفَصِلَيْنِ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُنْفَصِلَيْنِ اهـ.
اُنْظُرْ هَذَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فَرْعُ جَوَازِ التَّعَامُلِ بِالْمَغْشُوشِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّضَا بِالزَّائِفِ فَرْعُ جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِهِ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ الْبَاجِيِّ فِي الْقِرَاضِ أَنَّ الْقِرَاضَ بِهَذِهِ السِّكَكِ الْمَخْلُوطَةِ أَجْوَزُ مِنْهُ بِالْفُلُوسِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مُرَاطَلَةُ الذَّهَبِ الْخَالِصَةِ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ كَالْمُرَاطَلَةِ بِالْعَبَّادِيَّةِ، فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ أَجَازَهُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي إجَازَةِ مُبَادَلَةِ الدِّرْهَمِ السَّتُّوقِ بِالدِّرْهَمِ الْجِيَادِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ وَيَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْيَسِيرُ مِنْ الدَّرَاهِمِ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجَازُوا مِنْ بَدَلِ النِّقَاصِ بِالْوَازِنِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ.
(وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُرَاطَلَةُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِهِ وَزْنًا أَوْ فِضَّةٍ كَذَلِكَ. فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " بَيْعُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ وَزْنًا " يُرَدُّ بِقُصُورٍ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ أَصْلِهَا (بِصَنْجَةٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَلَا بَأْسَ بِالْمُرَاطَلَةِ بِالصَّنْجَةِ فِي كِفَّةٍ وَاحِدَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ هِيَ أَصَحُّ لِتَيَقُّنِ الْمُمَاثَلَةِ إذْ قَدْ يَكُونُ عَيْبٌ فِي الْمِيزَانِ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا بَأْسَ بِالْمُرَاطَلَةِ بِالشَّاهِينِ. ابْنُ عَرَفَةَ: أَظُنُّهُ القرسطون وَهُوَ لَا يَحْصُلُ تَحْقِيقًا لِأَنَّ الْوَازِنَيْنِ فِيهِ قَدْ يَخْتَلِفَانِ (أَوْ كِفَّتَيْنِ) فِيهِمَا: وَجْهُ الْمُرَاطَلَةِ اعْتِدَالُ الْكِفَّتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ رُجْحَانَ شَيْءٍ. رَاطَلَ أَبُو بَكْرٍ أَبَا رَافِعٍ خَلْخَالَيْنِ بِدَرَاهِمَ فَرَجَحَتْ دَرَاهِمُ أَبِي رَافِعٍ فَقَالَ هُوَ لَك حَلَالٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنْ أَحْلَلْته أَنْتَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِلُّهُ.
(وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا عَلَى الْأَرْجَحِ) مَنَعَ الْقَابِسِيُّ أَنْ يُرَاطِلَ سَكِّيًّا بِحُلِيٍّ قَبْلَ مَعْرِفَةِ وَزْنِ السِّكِّيِّ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّكِّيِّ جُزَافًا، وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَنَّهُ مُتَّفِقُ الْوَزْنِ. وَقِيلَ عَنْ الْقَابِسِيِّ: إنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَرَاطَلَا دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَزْنَ دَرَاهِمِهِ أَوْ ذَهَبِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ إذْ لَا غَرَرَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ مِثْلَ دَرَاهِمِهِ أَوْ مِثْلَ وَزْنِ ذَهَبِهِ. وَفِي الْمُوَطَّأِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ إذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُ أَجْوَدَ لَا أَدْنَى وَأَجْوَدُ) لَوْ قَالَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَعْضُهُ أَجْوَدَ وَبَعْضُهُ أَدْنَى امْتَنَعَ وَإِلَّا جَازَ لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ. ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ اسْتَوَى الذَّهَبَانِ فِي الْعَيْنِ فَلَا شَكَّ فِي الْجِوَارِ وَإِنْ اخْتَلَفَا
[ ٦ / ١٧٩ ]
وَلَمْ يَخْتَلِطَا فَكَذَلِكَ. وَإِنْ اخْتَلَطَا حَتَّى كَانَ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ أَرْدَأَ وَمَعَهُ ذَهَبٌ أَجْوَدُ فَهَاهُنَا يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْمُفْرَدُ أَرْدَأَ أَوْ أَجْوَدَ مِنْ جَمِيعِ الْمُخْتَلَطِ الَّذِي يُقَابِلُهُ فَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُنْفَرِدَةُ تُسَاوِي أَحَدَ الْمُخْتَلِطَيْنِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْفَضْلَ فِي أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ
ابْنُ يُونُسَ: تَحْصِيلُ ذَلِكَ أَنْ تُنْظَرَ، فَإِنْ كَانَتْ الْمُنْفَرِدَةُ مُتَوَسِّطَةً تَكُونُ أَجْوَدَ مِنْ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ وَأَرْدَأَ مِنْ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَجَائِزٌ. اُنْظُرْ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ مَنَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُدَّ قَمْحٍ وَمُدَّ شَعِيرٍ بِمِثْلِهِمَا، وَكَذَلِكَ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَمُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ.
(وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَأْوِيلِ السِّكَّةِ وَالصِّيَاغَةِ كَالْجَوْدَةِ) اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ السِّكَّةَ وَالصِّيَاغَةَ وَالْعَدَدَ مُلْغَاةٌ فِي الْمُرَاطَلَةِ. ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَدُورُ فَضْلٌ بِسِكَّةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ زَائِدَةٍ عَلَى الْعَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَامَةٌ يُمَيَّزُ بِهَا. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ النُّصُوصِ أَنْ لَا تُرَاعَى سِكَّةٌ وَلَا صِيَاغَةٌ اهـ. اُنْظُرْ مُرَاطَلَةَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ فِي حُلِيٍّ بَيْنَهُمَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهَا. اللَّخْمِيِّ: وَالدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ مِثْلُ الْحُلِيِّ، وَأَمَّا النُّقْرَةُ فَأَجَازَهَا فِيهِمَا ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهَا أَشْهَبُ بِخِلَافِ لَوْ بَاعَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ مِنْ الْحُلِيِّ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بِوَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا بِنَقْدِ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَانْظُرْ رَسْمَ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّرْفِ.
(وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ وَبِخَالِصٍ وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ) تَقَدَّمَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " وَمُرَاطَلَةُ "
[ ٦ / ١٨٠ ]
(وَلِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لَا يَغُشُّ بِهِ وَكُرِهَ مِمَّنْ لَا يُؤْمَنُ) ابْنُ رُشْدٍ: يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْمَغْشُوشَةُ بِالنُّحَاسِ مِمَّنْ يَكْسِرُهَا أَوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغُشُّ بِهَا، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغِشَّ بِهَا مِثْلَ الصَّيَارِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ، وَيَخْتَلِفُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهَا؟ فَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ جَاءَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَيُّمَا رَجُلٍ زَافَتْ عَلَيْهِ وَرِقُهُ فَلَا يَخْرُجُ يُحَالِفُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهَا طُيُوبٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَنْ يَبِيعُنِي بِهَذِهِ الزُّيُوفِ؟
وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ (وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغُشُّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ
[ ٦ / ١٨١ ]
بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لَا يَغُشُّ؟ أَقْوَالٌ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ بَاعَهُ مِمَّنْ يَغُشُّ بِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إنْ قَدَرَ، فَإِنْ عَجَزَ فَفِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بِكُلِّ ثَمَنِهِ أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ بَيْعِهِ مِمَّنْ لَا يَغُشُّ، ثَالِثُهَا لَا يَجِبُ صَدَقَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَّا اسْتِحْبَابًا.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ الْعِنَبُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا لَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مِنْ يَهُودِيٍّ. ابْنُ رُشْدٍ: يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يُفْسَخُ إذْ لَيْسَ فِيهِ فَسَادٌ فِي ثَمَنٍ وَلَا مَثْمُونٍ وَتَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ لِأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى إثْمٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا زَادَ فِي ثَمَنِهِ بِبَيْعِهِ لِلْخَمْرِ. وَهَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا يَلْزَمُهُ بِعَيْنِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا فَاتَ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ. وَحُكْمُ بَيْعِ
[ ٦ / ١٨٢ ]
السِّلَاحِ مِمَّنْ يُقَاتِلُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ كَحُكْمِ بَيْعِ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا.
(وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً) . ابْنُ عَرَفَةَ: الِاقْتِضَاءُ عُرْفًا قَبْضُ مَا فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْقَابِضِ وَهُوَ فِي الْقَرْضِ بِالْمُمَاثِلِ وَالْأَجْوَدُ صِفَةً جَائِزٌ. الشَّيْخُ - ﵀ -: وَلَوْ قَبْلَ الْأَجَلِ. (وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ قَضَى فِي الْقَرْضِ أَنْقَصَ جَازَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِيهِمَا. وَهَذَا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ " ضَعْ وَتَعَجَّلْ " (لَا أَزْيَدَ عَدَدًا) مِنْ رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ إذَا بَاعَ بِنِصْفِ دِينَارٍ مَنْ صَرَفَ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَيْسَ لَهُ إلَّا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَإِنْ غَلَا الدِّينَارُ، وَإِذَا بَاعَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَنْ صَرَفَ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفَ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفَ دِينَارٍ وَإِنْ رَخُصَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ نَقْدًا مِنْ سَلَفٍ أَسْلَفَهُ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي السَّلَفِ دَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ، وَدَنَانِيرَ عَنْ دَرَاهِمَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ مِمَّنْ خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ دَنَانِيرُ عَلَى سَبِيلِ الْبَيْعِ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا دَرَاهِمَ. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ فَدَفَعَ فِيهَا طَعَامًا أَوْ ذَهَبًا ثُمَّ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ بِمَا دَفَعَ.
وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ بِمَا عَقَدَا. اللَّخْمِيِّ: الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ جَوَازُ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي الْقَرْضِ أَكْثَرَ عَدَدًا. وَأَجَازَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: وَمَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ أَكْثَرَ عَدَدًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا
[ ٦ / ١٨٣ ]
رَأْيٌ وَلَا عَادَةٌ، فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُجِزْهُ.
(أَوْ وَزْنًا إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ قَضَاهُ فِي الْقَرْضِ أَزْيَدَ فِي الْمِقْدَارِ وَكَانَ التَّعَامُلُ وَزْنًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا قَضَاهُ أَزْيَدَ عَدَدًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ بِالْمِيزَانِ جَازَ الرُّجْحَانُ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَيُكْرَهُ مَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ. هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ رَشَّحَ الْجَوَازَ. وَلَمْ يَذْكُرْ خَلِيلٌ حُكْمَ الزِّيَادَةِ فِي الْوَزْنِ إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَسْلَفْت رَجُلًا مِائَةَ دِرْهَمٍ عَدَدًا وَزْنُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَقَضَاك مِائَةَ دِرْهَمٍ وَازِنَةً عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا بِبَلَدٍ تَجُوزُ الدَّرَاهِمُ عَدَدًا، وَأَمَّا فِي بَلَدٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ إلَّا وَزْنًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا قَرْضُهَا إلَّا وَزْنًا، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْضِيَكَ مِنْ مِائَةٍ أَنْصَافًا وَزْنُهَا خَمْسُونَ دِرْهَمًا عَدَدًا مِثْلَ وَزْنِهَا انْتَهَى.
وَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ مَنْ تَسَلَّفَ عَشَرَةَ قَرَارِيطَ فَرَدَّ فِيهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ صِغَارًا وَتَسَلَّفَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ صِغَارًا فَرَدَّ فِيهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كِبَارًا قَطُّ مَا هِيَ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ قَطُّ مَا هُوَ الصَّغِيرُ يَجُوزُ بِجَوَازِ الْكَبِيرِ اُنْظُرْ تَسَلَّفَ الْجِيرَانُ الْخُبْزَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: قَدْ صَارَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْخَبْزَةِ كَالزِّيَادَةِ فِي الصِّفَةِ، فَقَدْ لَا يَجْمُلُ بَيْنَ الْجِيرَانِ أَنْ يَرُدَّ فِي خَبْزَةِ السَّلَفِ خَبْزَةً وَكِسْرَةً عَلَيْهَا أَوْ خَبْزَةً وَيَأْخُذَ مِنْهَا حَاشِيَةً مِنْ أَجْلِ التَّحَرِّي. وَإِذَا جَعَلْنَاهَا بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ سَهُلَ الْأَمْرُ لَا سِيَّمَا وَذَلِكَ أَيْضًا جَائِزٌ عَلَى مَا اخْتَارَ اللَّخْمِيِّ وَقَوْلِ أَشْهَبَ.
(أَوْ دَارَ فَضْلٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ قَضَى فِي الْقَرْضِ أَفْضَلَ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ
[ ٦ / ١٨٤ ]
الْأَفْضَلُ دَائِرًا فِي الذِّمَّةِ وَفِي الْمُقْتَضَى فَلَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ وَسَيَأْتِي مَا الَّذِي يَدُورُ بِهِ الْفَضْلُ (وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ وَجَازَ بِأَكْثَرَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الِاقْتِضَاءُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ كَالْقَرْضِ وَيَجُوزُ الْأَفْضَلُ مُطْلَقًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: قَوْلُ مَالِكٍ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعْطِيَهُ فَضْلَ عَدَدٍ فِي عَيْنٍ وَلَا فِي طَعَامٍ، مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ قَرْضٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَيَجُوزُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ سَلَّفَ إلَى رَجُلٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ شَكَا إلَيْهِ الْغَلَاءَ فَزَادَهُ مِائَةً أُخْرَى إلَى الْأَجَلِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ اتَّقَى فِي الْقَرْضِ أَنْ يَكُونَ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعُ.
(وَدَارَ فَضْلٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وَجَوْدَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَدُورُ الْفَضْلُ فِي الذِّمَّةِ وَفِي الْمُقْتَضَى بِالسِّكَّةِ وَالصِّيَاغَةِ وَالْجَوْدَةِ وَالْعَدَدِ وَكَثْرَةِ الْوَزْنِ انْتَهَى
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي مَسْكُوكًا عَنْ مَصُوغٍ وَلَا عَكْسَ.
وَنَقَلَ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَكَحَ بِدَنَانِيرَ ثُمَّ أَعْطَى فِيهَا سَوَارِيَ ذَهَبٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَإِنْ أَعْطَاهَا فِي الدَّنَانِيرِ قِلَادَةً فِيهَا ذَهَبٌ يَسِيرٌ مِمَّا يُبَاعُ مِثْلُهَا بِذَهَبٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: لَا تَقْتَضِي مِنْ دَنَانِيرَ تَجُوزُ عَدَدًا حُلِّيَ ذَهَبٍ بِوَزْنِ دَنَانِيرَ.
قَالَ: وَيَجُوزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ الْمُرَابِطِيَّةِ مِنْ الْعَبَّادِيَّةِ لِأَنَّ الْعَبَّادِيَّةِ أَدْنَى فِي الْمِعْيَارِ وَأَقَلُّ فِي الْوَزْنِ فَصَارَ الْفَضْلُ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَوْ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ذَهَبٌ مَصُوغٌ أَوْ مَسْكُوكٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَّخَذَ تِبْرًا أَفْضَلُ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَتَرَكَهَا عِوَضًا عَنْ جَوْدَةِ التِّبْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُرَاطَلَةُ، لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: صُوَرُ الِاقْتِضَاءِ فِي الدَّنَانِيرِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْقَائِمَةِ وَالْفُرَادَى سِتٌّ مَجْمُوعَةٌ مِنْهَا وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهَا وَعَكْسُهُ وَإِحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى عَكْسُهُ بِالْمَجْمُوعَةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: هِيَ الْمَقْطُوعَةُ
[ ٦ / ١٨٥ ]
النَّاقِصَةُ تُجْمَعُ فِي الْكَيْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ الْمُعْتَبَرَ وَزْنُهَا مِنْ حَيْثُ جَمْعُهَا لَا مِنْ حَيْثُ آحَادُهَا. وَالْقَائِمَةُ هِيَ الْمِائَةُ الْجِيَادُ إذَا جُمِعَتْ مِائَةً زَادَتْ فِي الْوَزْنِ مِثْلَ الدِّينَارِ. وَالْفُرَادَى إذَا جُمِعَتْ فِي الْوَزْنِ نَقَصَتْ فِي الْمِائَةِ مِثْلَ الدِّينَارِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الْقَائِمُ يَزِيدُ حَبَّةً، وَالْمَجْمُوعُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَالْفُرَادَى وَالْقَائِمُ مَعْلُومَا الْوَزْنِ بِخِلَافِ الْمَجْمُوعِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: لِلْقَائِمَةِ فَضْلُ الْوَزْنِ وَالْعَيْنِ، وَلِلْمَجْمُوعَةِ فَضْلُ الْعَدَدِ وَنَقْصُ الصِّفَةِ، وَلِلْفُرَادَى نَقْصُ الْوَزْنِ وَقَدْ تَكُونُ خَالِصَةً أَوْ دُونَ ذَلِكَ انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ الْقَائِمَةِ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: هَذَا الَّذِي يَتَرَتَّبُ لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أُوقِيَّةً مِنْ دَرَاهِمَ وَيَقُولُ الثَّمَانُونَ دِرْهَمًا هِيَ أُوقِيَّةٌ قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ اقْتِضَاءِ الْمَجْمُوعِ مِنْ الْقَائِمِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُ تَرْكُ فَضْلِ عَيْنٍ وَوَزْنٍ لِكَثْرَةِ عَدَدٍ.
وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا جَوَازُ الْعَكْسِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَضِيَ قَائِمَةً عَنْ مَجْمُوعَةٍ، وَتُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّ دَوَرَانَ الْفَضْلِ أَيْضًا بَاقٍ. اُنْظُرْ الْجَوَابَ فِي ابْنِ عَرَفَةَ، وَانْظُرْ قَوْلَ سَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ - ﵀ - أَنَّ دَنَانِيرَ قَائِمَةٌ، وَأَمَّا الْفُرَادَى فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا أَنْ لَا تَقْتَضِيَ مِنْهُمَا الْمَجْمُوعَةُ وَلَا أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ تَقْتَضِيَ هِيَ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ لِدَوَرَانِ فَضْلِ عُيُونِ الْفُرَادَى وَفَضْلِ وَزْنِ الْمَجْمُوعَةِ، وَأَمَّا اقْتِضَاءُ الْفُرَادَى مِنْ الْقَائِمَةِ وَعَكْسُهُ فَجَائِزٌ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْقَرَارِيطَ وَالْأَثْمَانَ هَلْ تَقْتَضِي مِنْ الْقَائِمَةِ وَالْفُرَادَى؟ وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: مَا دُونَ الدِّينَارِ كَالْمَجْمُوعِ ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ لَك عَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ فَلَا تَأْخُذْ بِهِ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ وَلَا نِصْفَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَك عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَيَجُوزُ هَذَا فِي الْمُرَاطَلَةِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَأْخُذُ عَنْ دِرْهَمَيْنِ فُرَادَى عَرَفَ وَزْنَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَمْ يُجْمَعَا فِي الْوَزْنِ وَزْنَهُمَا تِبْرَ فِضَّةٍ مِثْلَ جَوْدَتِهَا أَوْ أَقَلُّ، لِأَنَّ وَزْنَ الْفُرَادَى يَزِيدُ عَلَى الْمَجْمُوعَةِ الْحَبَّةَ أَوْ الْحَبَّتَيْنِ أَوْ يَنْقُصُ.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: مَعْنَاهَا أَنَّهُ عَرَفَ وَزْنَهُمَا تَحَرِّيًا، وَلَوْ كَانَ تَحْقِيقًا لَجَازَ لِاتِّفَاقِ وَزْنِ الْمَجْمُوعِ وَالْفُرُوقِ.
وَإِنَّمَا يُتَّقَى اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا كَثُرَ وَنَحْوِهِ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ إنْ عَرَفَ وَزْنَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ جَازَ قَضَاؤُهُمَا تِبْرًا مُفْرَدَيْنِ وَمَجْمُوعَيْنِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: يَجُوزُ قَضَاءُ وَزْنِ كُلِّ دِرْهَمٍ مُفْرَدًا فِضَّةً.
وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا بَأْسَ عَلَى مَنْ ابْتَاعَ بِدَانِقٍ ثُمَّ بَدَا حَتَّى كَثُرَتْ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهَا دَرَاهِمَ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ. ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا خَفَّفَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِجَوَازٍ لِأَنَّ الدَّوَانِقَ لَوْ جُمِعَتْ بَعْدَ وَزْنِهَا فُرَادَى مَقْطُوعَةً لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ وَزْنِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي قَضَاهُ أَوْ تَزِيدَ، وَقَدْ اتَّقَى هَذَا فِي مَسْأَلَةٍ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ اسْتَهْلَكَ لَك دِرْهَمَيْنِ فُرَادَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَك وَزْنَ الدِّرْهَمَيْنِ فِضَّةً إلَّا أَنْ يُعْطِيَك مِنْ الْفِضَّةِ وَزْنَ كُلِّ دِرْهَمٍ عَلَى حِدَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ وَزْنُ الْمَجْمُوعَةِ عَلَى الْفُرَادَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ
[ ٦ / ١٨٦ ]
هَذَا النَّصُّ وَقَوْلُ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ فِيهِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: أَظُنُّ هَذَا الْقَرَوِيَّ ابْنَ مُحْرِزٍ: وَفَسَّرَ ابْنُ رُشْدٍ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ لَا خَيْرَ فِي قَضَاءِ نِصْفَيْنِ وَازِنَيْنِ عَنْ دِينَارٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدِّينَارُ عِنْدَهُ لَهُ وَزْنٌ مَعْلُومٌ، فَيَجُوزُ عَنْهُ نِصْفَانِ وَازِنَانِ كَوَزْنِهِ أَوْ أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْفَضْلَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ كَانَ الدِّينَارُ أَفْضَلَ لَمْ يَجُزْ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ: إنْ كَانَ الدِّينَارُ مَجْمُوعًا وَقَدْ حَلَّ فَاقْتَضَى نِصْفَهُ ذَهَبًا وَأَخَذَ نِصْفَهُ وَرِقًا أَوْ عَرْضًا فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ الدِّينَارَ الْمَجْمُوعَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ لَهُ أَنْ يَقْتَضِيَ بَعْضَهَا وَيَأْخُذَ بَعْضَهَا دَرَاهِمَ أَوْ سِلْعَةً بِخِلَافِ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ الْقَائِمِ فَلَا يَقْتَضِي بَعْضَهُ ذَهَبًا وَبَعْضَهُ عَرْضًا أَوْ وَرِقًا.
وَعِبَارَةُ الْكَافِي: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دِينَارٌ سَلَفًا أَوْ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ ذَهَبًا وَنِصْفَهُ دَرَاهِمَ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ عِنْدَهُ ذَهَبٌ وَدَرَاهِمُ بِذَهَبٍ وَقَدْ أَجَازَهُ أَشْهَبُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دِينَارٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَطِّعَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ فَأَخَذَ مِنْهَا عِنْدَ كُلِّ نَجْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الدِّينَارِ عِنْدَ كُلِّ نَجْمٍ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا بِصَرْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْبِضُهُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ " مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ الْقَائِمَةِ "، وَانْظُرْ ثَالِثَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِيمَنْ اشْتَرَى بِدِينَارٍ وَرُبْعٍ أَنَّهُ يُعْطِي فِي الرُّبْعِ دَرَاهِمَ أَوْ تِبْرًا ذَهَبًا مِثْلَ تِبْرِ الرُّبْعِ أَوْ أَدْنَى وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ عَرْضًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْوَاجِبُ لَهُ بِالْحُكْمِ صَرْفُ الرُّبْعِ دَرَاهِمَ وَالثَّالِثُ فِي ذِمَّتِهِ ذَهَبٌ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَا يُعْطِي عَنْ الذَّهَبِ وَعَنْ الدَّرَاهِمِ نَقْدًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي إلَى السَّقَّاطِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بِرُبْعِ دِينَارٍ زَبِيبًا وَبِرُبْعٍ تَمْرًا وَبِرُبْعٍ سَوِيقًا وَيَخْلُفُ عِنْدَهُ دِينَارًا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا مَعَهُ: إنَّ هَذَا جَائِزٌ هُوَ عَلَى مُرَاعَاةِ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى مُرَاعَاةِ مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا فِي الَّذِي عَلَيْهِ أَثْلَاثُ دِينَارٍ مُنَجَّمَةٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثُلُثُ دِينَارٍ: لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ قَبْلَ الْأَجَلِ دِينَارًا.
هَذَا أَيْضًا عَلَى مُرَاعَاةِ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ. وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ بَعْدَ هَذَا فِي الَّذِي بَاعَ ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ وَقَالَ لَهُ مَا عِنْدِي إلَّا دِينَارٌ فَأَقَرَّهُ عِنْدَهُ سَلَفًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَاهُ قَضَاءً وَسَلَفًا إذَا لَمْ يَكُنْ شُرِطَ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ هَذَا، رَاعَى مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي إجَازَتِهِ تَعْجِيلَ دِينَارٍ وَعَلَى أَثْلَاثِ دِينَارٍ مُؤَجَّلَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا أَجَزْنَا لِمَنْ لَهُ دِينَارٌ أَنْ يَأْخُذَ بِبَعْضِهِ وَرِقًا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي بَقِيَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ذَهَبًا؟ الْمَشْهُورُ مَنْعُهُ، وَنَقْدُ الْمُعَامَلَتَيْنِ كَالْوَاقِعَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ رَسْمَ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَقَاضَى مِنْ الدِّينَارِ الْقِيرَاطَ وَالْقِيرَاطَيْنِ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينَارِ. ابْنُ رُشْدٍ: ثُمَّ لَا يَأْخُذُ فِي بَقِيَّةِ دِينَارِهِ إلَّا دَرَاهِمَ أَوْ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا.
وَهَذَا فِي الدِّينَارِ الْقَائِمِ، وَأَمَّا فِي
[ ٦ / ١٨٧ ]
الدِّينَارِ الْمَجْمُوعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بِبَعْضِهِ ذَهَبًا وَبِبَقِيَّتِهِ وَرِقًا. اُنْظُرْ نِسْبَةَ أَبِي عُمَرَ لِأَشْهَبَ جَوَازَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ دِينَارٍ قَائِمٍ فِي ذِمَّتِهِ نِصْفَهُ دَرَاهِمَ وَنِصْفَهُ ذَهَبًا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ دِينَارٍ أَقْرَضْتَهُ بِجُزْءٍ مِنْهُ وَرِقًا أَوْ عَرْضًا ثُمَّ لَا تَأْخُذُ فِي بَقِيَّتِهِ ذَهَبًا، وَإِنْ أَقْرَضْته دِينَارَيْنِ قَائِمَيْنِ فَلَكَ أَنْ تَأْخُذَ صَرْفَ أَحَدِهِمَا أَوْ عَرْضًا انْتَهَى. اُنْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةً إذَا تَسَلَّفَ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ عِنْدَ الِاقْتِضَاءِ دَفَعَ دِينَارًا وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمُسَلِّفُ بَقِيَّةَ صَرْفِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ. اُنْظُرْ آخِرَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ تَسَلَّفَ دِرْهَمًا صَغِيرًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ دِرْهَمًا كَبِيرًا أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا صَغِيرًا. اُنْظُرْ رَسْمَ إنْ أَمْكَنْتنِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى. وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ نِصْفُ دِينَارٍ فَأَتَاهُ بِدِينَارٍ فَقَضَاهُ نِصْفَهُ وَجَعَلَ نِصْفَهُ فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ النِّصْفُ الْأَوَّلُ دَرَاهِمَ أَسْلَفَهُ إيَّاهَا وَلَا نِصْفُ دِينَارٍ مَضْرُوبٍ فَأَمَّا ثَمَنُ سِلْعَةٍ فَلَا بَأْسَ.
وَقَالَ، ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَّ الْأَجَلُ، فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فَلَا خَيْرَ وَكَانَ سَلَفًا وَبَيْعًا " وَضَعْ وَتَعَجَّلْ ". اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ النِّصْفُ دَرَاهِمَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ لِأَنَّ دَافِعَ الدِّينَارِ الْآنَ اشْتَرَى بِهِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ وَسِلْعَةً مُؤَجَّلَةً بِدِينَارٍ.
(وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَك عَلَيْهِ فُلُوسٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَأُسْقِطَتْ لَمْ تَتْبَعْهُ إلَّا بِهَا وَلَوْ كَانَتْ حِينَ الْعَقْدِ مِائَةً بِدِرْهَمٍ ثُمَّ صَارَتْ أَلْفًا بِهِ (وَإِنْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ.
اللَّخْمِيِّ: لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ وَلَمْ تُؤَجَّلْ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ وَانْقَطَعَتْ قَبْلَ الْأَجَلِ كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ لِأَنَّهُ لَمْ
[ ٦ / ١٨٨ ]
يَكُنْ تَوَجَّهَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ طَلَبٌ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ ثَانِيًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَقَعَ التَّأْخِيرُ.
(وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ) لَوْ قَالَ " لَا إنْ كَثُرَ " لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ. سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُحْرَقُ الزَّعْفَرَانُ الْمَغْشُوشُ وَلَا يُرَاقُ اللَّبَنُ الْمَغْشُوشُ وَيُتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَشَّهُ وَكَذَلِكَ الْمِسْكُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِيمَا قَلَّ.
قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُعَاقَبُ مَنْ غَشَّ بِسَجْنٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ السُّوقِ إنْ كَانَ مُعْتَادًا لِلْغِشِّ وَالْفُجُورِ، وَلَا يُرَاقُ عَلَيْهِ مَتَاعُهُ إلَّا مَا خَفَّ مِنْ اللَّبَنِ يَغُشُّهُ بِالْمَاءِ أَوْ يَسِيرِ الْخُبْزِ النَّاقِصِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ أَدَبًا لَهُ مَعَ تَأْدِيبِهِ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْكَثِيرُ مِنْ لَبَنٍ
[ ٦ / ١٩٢ ]
أَوْ خُبْزٍ فَلَا، وَلَا مَا غُشَّ مِنْ مِسْكٍ وَزَعْفَرَان. ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ
[ ٦ / ١٩٤ ]
مُحَمَّدٍ: وَأَرَى أَنْ يُخْرَجَ مِنْ السُّوقِ مَنْ فَجَرَ فِيهِ فَذَلِكَ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرْبِ. (إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى كَذَلِكَ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَغُشَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ أَوْ وَرِثَهُ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يُبَاعَ مِمَّنْ لَا يُدَلِّسُ بِهِ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ: يُعَاقَبُ مَنْ خَلَطَ طَعَامًا بِطَعَامٍ دُونَهُ أَوْ قَمْحًا بِشَعِيرٍ وَيُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ، وَإِنْ بَاعَ وَبَيَّنَ مَضَى وَلَا رَدَّ لِلْمُبْتَاعِ وَقَدْ أَسَاءَ (إلَّا الْعَالِمَ بِعَيْبِهِ كَبَلِّ الْخَمْرِ بِالنَّشَاءِ) نَقَصَ هُنَا شَيْءٌ وَلَعَلَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْغِشُّ التَّدْلِيسُ وَهُوَ إبْدَاءُ الْبَائِعِ مَا يُوهِمُ كَمَالًا فِي مَبِيعِهِ كَاذِبًا أَوْ كَتْمُ عَيْبٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا كَبِيرَةٌ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ. قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
وَلَا يَجِبُ فَسْخُهُ فَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا خَيْرَ فِي خَمْرٍ تُعْمَلُ مِنْ الْغُزِّ وَتُرَشُّ بِخُبْزٍ مَبْلُولٍ لِتَشْتَدَّ وَتَصْفُقَ وَهُوَ غِشٌّ.
ابْنُ رُشْدٍ: لِظَنِّ مُشْتَرِيهَا أَنَّ شِدَّتَهَا مِنْ صَفَاقَتِهَا، فَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيهَا عَلِمَ أَنَّ شِدَّتَهَا مِنْ ذَلِكَ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا فَلَهُ رَدُّهَا.
(وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ) قَالَ مَالِكٌ: مِنْ الْغِشِّ أَنْ تَخْلِطَ الذَّهَبَ الْجَيِّدَةَ بِدُونِهَا فَتَسْبِكَهَا. وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّا يُصَاغُ مِنْ الْحُلِيِّ مِنْهُ ذَهَبٌ خَالِصٌ وَمِنْهُ غَيْرُ خَالِصٍ وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الذَّهَبُ فِي عِيَارَاتِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ زَائِدُ الْيَسِيرِ وَلَا نُقْصَانُهُ، وَأَغْرَاضُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي اقْتِنَاءِ الْحُلِيِّ، مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ الطَّيِّبَ ذَخِيرَةً لِزَمَانِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ غَيْرَهُ عَلَى قَدْرِ يُسْرِ النَّاسِ وَعُسْرِهِمْ. فَأَجَابَ: صِيَاغَةُ الْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصَةِ وَغَيْرِ الْخَالِصَةِ الْمَشُوبَةِ بِالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ إذَا كَانَ يَمْتَازُ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتَ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْعُرُوضِ وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ مُرَاطَلَتُهُ إلَّا إنْ كَانَ خَالِصًا وَلَا يُمْنَعُ الْغَاشُّ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْهُ مَغْشُوشًا أَعْلَاهُ ذَهَبٌ وَدَاخِلَهُ صُفْرٌ أَوْ نُحَاسٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُكْسَرَ وَيُمْنَعَ النَّاسُ مِنْ
[ ٦ / ١٩٥ ]
عَمَلِهِ.
(وَنَفْخِ اللَّحْمِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: أَكْرَهُ نَفْخَ الْجَزَّارِينَ اللَّحْمَ. رَوَى أَشْهَبُ: وَيُؤَدَّبُونَ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ غِشٌّ.
قَالَ فِي الرِّوَايَةِ: وَهُوَ يُغَيِّرُ طَعْمَ اللَّحْمِ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْجَزَّارِ يَخْلِطُ السَّمِينَ بِالْمَهْزُولِ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الْغِشِّ خَلْطُ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ.
ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ يَسِيرًا جِدًّا تَبَعًا لِلْآخَرِ جَازَ بَيْعُهُ دُونَ بَيَانٍ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرَاهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَدُمَ وَاسْتَمَرَّ حَالُ بَائِعِي سِلَلِ التِّينِ وَحُمُولَاتِ الْعِنَبِ عَلَى جَعْلِ أَطْيَبِهَا أَعْلَاهَا ثُمَّ مَا يَلِيهِ أَدْنَى مِنْهُ وَأَطْيَبَ مِمَّا تَحْتَهُ وَعَلِمَ الْمُتَبَايِعُونَ ذَلِكَ وَهُوَ خَفِيفٌ، وَلَا مَقَالَ لِمُبْتَاعِهِ، إلَّا أَنْ يَكْثُرَ خِلَافُ الْأَسْفَلِ لِمَا فَوْقَهُ اهـ.
اُنْظُرْ الَّذِي يَشْتَرِي الْأَعْدَالَ مِنْ الْبَزِّ أَوْ الْكَتَّانِ فَيَنْظُرُ إلَى ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ رِطْلٍ مِنْ الْكَتَّانِ أَوْ رِطْلَيْنِ ثُمَّ يُوجَدُ الَّذِي بَعْدَهُ لَا يُشْبِهُهُ فَقَالَ مَالِكٌ: الْأَعْدَالُ يَكُونُ أَوَّلُهَا أَفْضَلَ مِنْ آخِرِهَا فَإِذَا كَانَ صِنْفَهُ وَقَرِيبًا مِنْهُ جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَشْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ قَمْحٌ فَيَكُونُ أَوَّلُهُ خَيْرًا مِنْ دَاخِلِهِ، فَإِذَا جَاءَ فِي ذَلِكَ تَغَيُّرٌ قَرِيبٌ رَأَيْت ذَلِكَ جَائِزًا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ فَلَا قِيَامَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعُرْفِ. اُنْظُرْ مَسْأَلَةَ الشَّمْعِ هَذَا شَأْنُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ جَائِزًا. وَانْظُرْ أَيْضًا خَلْطَ السُّكَّرِ فَإِنَّهُ يَسْتَظْهِرُ فِي الْفَانِيدِ، فَهَلْ يُسَوَّغُ لِذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ الْغِشِّ خَلْطُ لَبَنِ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الْغَنَمِ لِإِخْرَاجِ زُبْدِهِمَا بِضَرْبِهِمَا مَعًا، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَبِعْ لَبَنَهُمَا وَلَا زُبْدَهُمَا إلَّا بِبَيَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَحِلُّ خَلْطُ جَيِّدِ الزَّبِيبِ بِرَدِيئِهِ، وَكَذَلِكَ السَّمْنُ وَالْقَمْحُ وَلَوْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ إذَا بَاعَ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَا تَصْنَعُهُ حَاكَّةُ الدِّيبَاجِ مِنْ تَصْمِيغِهِ غِشٌّ لِأَنَّهُ وَإِنْ عَلِمَهُ الْمُشْتَرِي فَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ قَدْرُ مَا أَخَذَتْ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ وَالتَّصْفِيقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ فِيهِ الْخَلَلُ فَيُكَمِّدُهُ حَتَّى يَصْفُقَ وَيَشْتَدَّ كُلُّ خَلَلِهِ لَا خَيْرَ فِي الْغِشِّ. ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ اشْتَرَى قَلَنْسُوَةً حَشْوُهَا قُطْنٌ فَإِنَّ لَهُ رَدَّهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الَّتِي يَعْرِفُ أَنَّهَا لَا تُحْشَى إلَّا بِالْبَالِي كَسَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ اشْتَرَى قَلَنْسُوَةً سَوْدَاءَ فَوَجَدَهَا مِنْ ثَوْبٍ لَبِيسٍ لَا رَدَّ لَهُ، يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا صُنِعَتْ مِنْهُ مَنْهُوكًا جِدًّا أَوْ مَعْفُونًا.
[ ٦ / ١٩٦ ]
[حُكْمِ الرِّبَا فِي الْمَطْعُومَاتِ]
فَصْلٌ.
ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الثَّانِي فِي بَيَانِ حُكْمِ الرِّبَا فِي الْمَطْعُومَاتِ (عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَحْرُمُ النَّسَأُ فِي بَيْعِ طَعَامٍ بِآخَرَ مُطْلَقًا، وَالطَّعَامُ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِأَكْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ لِشُرْبِهِ. فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالْفِلْفِلُ لَا الزَّعْفَرَانُ وَالْمَاءُ.
ابْنُ أَبِي يَحْيَى: وَلَا مَاءُ الْوَرْدِ وَالْمَصْطَكَى. الشَّيْخُ - ﵀ -: وَالصَّبْرُ. الرِّسَالَةُ: وَلَا الزَّرَارِيعُ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا الْحُرْفُ وَهُوَ حَبُّ الرَّشَادِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا ذِكَارُ التِّينِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا النَّارِنْجُ بِخِلَافِ اللِّيمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُكْمُ رِبَا الْفَضْلِ أَصْلٌ فِي الْأَرْبَعَةِ: الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَفِي عِلَّتِهِ اضْطِرَابٌ.
ثُمَّ قَالَ: فَالْأَقْوَالُ فِي هَذَا تِسْعَةٌ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: التَّحْرِيمُ عِنْدَنَا مُتَعَلِّقٌ بِمَعَانِي هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ دُونَ أَعْيَانهَا، وَالْعِلَّةُ أَنَّهَا مَأْكُولَةٌ مُدَّخَرَةٌ لِلْعَيْشِ غَالِبًا. فَنَصَّ عَلَى الْبُرِّ لِيُفِيدَ كُلَّ مُقْتَاتٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَتَقُومُ الْأَبْدَانُ بِهِ، وَنَصَّ عَلَى الشَّعِيرِ لِيُبَيِّنَ مُشَارَكَتَهُ لِلْبُرِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ قُوتًا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الدُّخْنِ وَغَيْرِهَا، وَنَصَّ عَلَى التَّمْرِ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى كُلِّ حَلَاوَةٍ وَمُدَّخَرَةٍ غَالِبًا كَالسُّكَّرِ وَالْعَسَلِ وَالزَّبِيبِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَنَصَّ عَلَى الْمِلْحِ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى مَا أَصْلَحَ الْمُقْتَاتَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ كَالْأَبَازِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا (وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟ تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ عَبْدِ الْوَهَّابِ: الْعِلَّةُ أَنَّهَا
[ ٦ / ١٩٧ ]
مُدَّخَرَةٌ لِلْعَيْشِ غَالِبًا.
ابْنُ رُشْدٍ: اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ مُقْتَاتًا مُدَّخَرًا وَلَمْ يَزِدْ أَصْلًا لِلْمَعَاشِ غَالِبًا وَهُوَ نَصُّ الْمُوَطَّأِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي.
وَقَالَ ابْنُ رِزْقٍ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِبَيِّنٍ. (كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ وَهِيَ جِنْسٌ؟) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ نَوْعٌ وَاحِدٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فَلَا يَجُوزُ
[ ٦ / ١٩٩ ]
فِيهَا جُزَافٌ بِجُزَافٍ وَلَا جُزَافٌ بِكَيْلٍ (وَعَلَسٍ وَذُرَةٍ وَدُخْنٍ وَأَرُزٍّ وَهِيَ أَجْنَاسٌ) هَكَذَا هِيَ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَلَسَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْقَمْحِ.
أَبُو عُمَرَ: اتَّفَقَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الدُّخْنَ وَالذُّرَةَ وَالْأَرُزَّ أَصْنَافٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهَا (وَقُطْنِيَّةٍ) مَثَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِهَا أَيْضًا الرِّبَوِيَّ (وَمِنْهَا كِرْسِنَّةٌ) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى: لَا زَكَاةَ فِي الْكِرْسِنَّةِ. ابْنُ رُشْدٍ: فَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهَا عَلَفٌ وَلَيْسَتْ بِطَعَامٍ، وَرَأَى اللَّخْمِيِّ الْكِرْسِنَّةَ مِنْ الْقَطَانِيّ (وَهِيَ أَجْنَاسٌ) ابْنُ رُشْدٍ: اخْتَلَفَ قَوْلُ
[ ٦ / ٢٠٠ ]
مَالِكٍ فِي الْقَطَّانِيِّ فِي الْبَيْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ أَنَّهَا أَصْنَافٌ
[ ٦ / ٢٠١ ]
مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ الْقَطَّانِيُّ وَأَنَّهَا الْفُولُ وَالْحِمَّصُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبْيَا وَالتُّرْمُسُ وَالْبَسِيلَةُ وَهِيَ الْبِرْسِيمُ وَالْعَدَسُ وَالْكِرْسِنَّةُ وَهِيَ الْجُلْبَانُ الصَّغِيرُ الْحَبِّ اهـ. (وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ) مَثَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا بِهِمَا الرِّبَوِيَّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِنْفٌ عَلَى حِدَتِهِ.
(وَلَحْمِ طَيْرٍ وَهُوَ جِنْسٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الطَّيْرُ كُلُّهَا صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا وَحْشِيُّهَا وَإِنْسِيُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي لُحُومِهَا وَلَا حَيٍّ مِنْهَا بِمَذْبُوحٍ (وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْمَطْبُوخُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ طَبْخِهِ كَقَلَيْتُهُ بِعَسَلٍ وَأُخْرَى بِلَبَنٍ أَوْ خَلٍّ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ.
(كَدَوَابِّ الْمَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَحْمُ الْحُوتِ كُلُّهُ صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ.
(وَذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَإِنْ وَحْشِيًّا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ الْأَنْعَامُ وَالْوَحْشُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي لُحُومِهَا وَشُحُومِهَا وَلَا يَجُوزُ حَيٌّ مِنْهَا بِمَذْبُوحٍ (وَالْجَرَادِ وَفِي رِبَوِيَّتِهِ خِلَافٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِالْجَرَادِ بِالطَّيْرِ وَلَيْسَ هُوَ لَحْمًا وَيَجُوزُ وَاحِدٌ مِنْ الْجَرَادِ بِاثْنَيْنِ مِنْ الْحُوتِ يَدًا بِيَدٍ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ التَّفَاضُلَ فِيهِ
[ ٦ / ٢٠٢ ]
وَجَعَلَهُ كَحُكْمِ الْخُضَرِ لَا كَحُكْمِ الْمُدَّخَرَاتِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ اهـ. مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَرَادَ غَيْرُ رِبَوِيٍّ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ وَجَعَلَهُ الْجَلَّابُ الْمَذْهَبَ.
(وَفِي جِنْسِيَّةِ الْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسَيْنِ قَوْلَانِ) إذَا طُبِخَ الْجِنْسَانِ مِنْ اللَّحْمِ هَلْ تُرَاعَى اللَّحْمَانِ؟ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تُرَاعَى لِأَنَّهُ صَارَ مَطْبُوخًا كُلَّهُ لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهِ فَهُوَ كَصِنْفٍ وَاحِدٍ. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ خِلَافُ هَذَا لَا سِيَّمَا فِي قَوْلِ مَنْ يَتَحَرَّى اللَّحْمَيْنِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَطْبُوخِ بِالْمَطْبُوخِ يَتَحَرَّى اللَّحْمَيْنِ وَمَا مَعَهُمَا مِنْ الْمَرَقِ لِأَنَّ الْمَرَقَ مِنْ اللَّحْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا يَتَحَرَّى اللَّحْمَ خَاصَّةً حَيْثُ كَانَ نِيئًا وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا إلَى مَا مَعَهُ مِنْ الْمَرَقِ كَمَا
[ ٦ / ٢٠٤ ]
يَتَحَرَّى فِي الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ.
(وَالْمَرَقُ وَالْعَظْمُ وَالْجِلْدُ كَهُوَ) أَمَّا الْمَرَقُ فَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مُعَارَضَتَهَا وَلَمْ يُشْهِرْ مِنْهَا قَوْلًا. وَأَمَّا الْعَظْمُ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْعَظْمُ مِنْ اللَّحْمِ وَكَذَا الْأَكَارِعُ وَغَيْرُهَا مَا لَمْ يَكُنْ الْعَظْمُ مُضَافًا إلَيْهِ كَنَوَى التَّمْرِ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّمْرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَيْهِ. وَأَمَّا الْجِلْدُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا خَيْرَ فِي شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ تَحَرِّيًا إنْ قَدَرَ عَلَى تَحَرِّيهِمَا فِي جُلُودِهِمَا قَبْلَ السَّلْخِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: يَنْبَغِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ لَا يَجُوزَ حَتَّى يَسْتَثْنِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِلْدَ شَاتِه وَإِلَّا فَهُوَ لَحْمٌ وَسِلْعَةٌ بِلَحْمٍ وَسِلْعَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ رِوَايَةُ يَحْيَى وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْجِلْدَ لَحْمٌ يُؤْكَلُ مَسْمُوطًا مُعْتَادًا. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا أُضِيفَ إلَى اللَّحْمِ مِنْ شَحْمٍ وَكُرَاعٍ وَكَبِدٍ وَكَرِشٍ وَقَلْبٍ وَرِئَةٍ وَطِحَالٍ وَكُلًى وَحُلْقُومٍ وَخُصًى وَرَأْسٍ وَشِبْهِهِ، فَلَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ فَلَا يَجُوز بِاللَّحْمِ وَلَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلً ابِمِثْلٍ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الطِّحَالِ، وَلَا يَجُوزُ رَأْسٌ بِرَأْسَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَأْسٌ يُسَاوِيهِ فِي التَّحَرِّي وَالْوَزْنِ
[ ٦ / ٢٠٥ ]
صَغِيرًا فَيَجُوزُ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ مُوَازَنَةً وَإِنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ رَأْسٌ بِرَأْسَيْنِ. وَبَعْضٌ مِنْ الْعَامَّةِ مَنْ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ رَأْسِ كَبْشٍ فَيُبَدِّلُهُ مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ وَهَذَا رِبًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَهُوَ بَيْعٌ، وَسَيَأْتِي فِي الْقِسْمَةِ أَنَّ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَفْضُلَ أَصْحَابَهُ زِيَادَةً مَا لَمْ يَكُنْ اللَّحْمُ الَّذِي أَخَذَ شَرِيكُهُ أَحْسَنَ.
(وَيُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ النَّعَامِ) الْمَازِرِيُّ: إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْضُ بِالْبَيْضِ بِشَرْطِ تَحَرِّي الْمُسَاوَاةِ وَاتِّحَادِ قَدْرِهِ وَإِنْ اقْتَضَى التَّحَرِّي مُسَاوَاةَ بَيْضَةٍ لِبَيْضَتَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ بَيْضُ النَّعَامِ بِبَيْضِ الدَّجَاجِ تَحَرِّيًا بَعْدَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ صَاحِبُ بَيْضِ النَّعَامِ قِشْرَهُ، لِأَنَّ لَهُ قَدْرًا مِنْ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ الْبَيْضُ بِالْبَيْضِ بَيْنَهُمَا فَضْلًا. الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا غَيْرُهُ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ثَمَنَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ فَأَشْبَهَ النَّوَى فِي التَّمْرِ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ ادِّخَارِهِ.
(وَذِي زَيْتٍ كَفُجْلٍ) ابْنُ رُشْدٍ: مَا كَانَ مِنْ الزَّرَارِيعِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الزَّيْتُ كَزَرِيعَةِ الْفُجْلِ فَإِنَّهَا مِنْ الطَّعَامِ لَا تُبَاعُ حَتَّى
[ ٦ / ٢٠٦ ]
تُسْتَوْفَى وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ. كَذَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تُتَّخَذُ فِيهِ لِذَلِكَ اهـ. اُنْظُرْ زَرِيعَةَ الْكَتَّانِ. أَجَازَ اللَّخْمِيِّ التَّفَاضُلَ فِيهَا وَبَيْعَهَا بِزَيْتِ زَيْتُونٍ إلَى أَجَلٍ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا إذْ لَيْسَتْ بِعَيْشٍ. الْقَرَافِيُّ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: زَرِيعَةُ الْكَتَّانِ طَعَامٌ وَقَالَ فِيهَا مِثْلَ مَا قَالَ فِي زَرِيعَةِ الْفُجْلِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: فِي الْقُرْطُمِ: إنَّهُ رِبَوِيٌّ. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ فِي زَيْتِ اللَّوْزِ وَالْجَوْزِ: ظَاهِرُ النَّوَادِرِ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ. وَأَجَازَ اللَّخْمِيِّ التَّفَاضُلَ فِيهِ. قَالَ: وَكَذَا زَيْتُ الْخَيْرِيِّ.
(وَالزُّيُوتُ أَصْنَافٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: زَيْتُ الزَّيْتُونِ وَزَيْتُ الْفُجْلِ وَزَيْتُ الْجُلْجُلَانِ أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا (كَالْعُسُولِ) اللَّخْمِيِّ: عَسَلُ النَّحْلِ وَالْقَصَبُ وَالْعَصِيرُ أَصْنَافٌ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا. ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُبَاعُ الْقَصَبُ بِعَسَلِهِ وَلَا بِرُبِّهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ الْأَبْزَارُ. وَأَجَازَ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ بَيْعَ قَصَبِ السُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ لِأَنَّ ذَلِكَ صُنْعُهُ وَيَطُولُ أَمْرُهُ وَلَا يُبَاعُ عَسَلُ الْقَصَبِ بِرُبِّهِ وَهُوَ كَالطَّرِيِّ بِالْيَابِسِ، لِأَنَّ عَسَلَ الْقَصَبِ إذَا عُمِلَ رُبًّا نَقَصَ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: قَوْلُ الْقَرَافِيُّ " يَجُوزُ السُّكَّرُ بِالْفَانِيدِ " مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَانِيدُ مَحْشُوًّا كَمَا أَجَازُوا الْخُبْزَ بِالْكَعْكِ الْمَحْشُوِّ.
(لَا الْخُلُولِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْخُلُولُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ كَخَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ التَّمْرِ. لِاتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ، وَأَمَّا التَّمْرُ بِخَلِّهِ وَالْعِنَبُ بِخَلِّهِ فَجَائِزٌ لِطُولِ أَمْرِهِ.
(وَالْأَنْبِذَةِ) قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ نَبِيذُ تَمْرٍ بِنَبِيذِ زَبِيبٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا وَاحِدَةٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: الْأَشْرِبَةُ الْحَلَالُ مَا كَانَ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالتِّينِ صِنْفٌ.
(وَالْأَخْبَازِ وَلَوْ بَعْضُهَا قُطْنِيَّةً) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْأَخْبَازَ لَا تُرَاعَى أُصُولُهَا لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهَا وَاحِدَةٌ، فَلَا
[ ٦ / ٢٠٧ ]
يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْخُبْزِ وَإِنْ افْتَرَقَتْ أُصُولُهُ. (إلَّا الْكَعْكَ بِأَبْزَارٍ) اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ: لَا يَجُوزُ الْخُبْزُ بِالْكَعْكِ مُتَفَاضِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْكَعْكِ أَبْزَارٌ، وَيَجُوزُ الْفَضْلُ بَيْنَ الْإِسْفَنْجِ وَالْخُبْزِ لِأَنَّ الزَّيْتَ يَنْقُلُ الطَّعَامَ كَمَا يَنْقُلُ الْأَبْزَارَ.
(وَبَيْضٍ) قَوْلُهُ قَبْلَ هَذَا وَيُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ النَّعَامِ فَرْعُ رِبَوِيَّةِ الْبَيْضِ فَهُنَاكَ كَانَ مَوْضِعُ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الْبَيْضَ رِبَوِيٌّ، وَأَمَّا هُنَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ هَلْ الْبَيْضُ كَالْأَبْزَارِ أَوْ لَا. وَقَدْ تَوَقَّفَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي عَسَلِ الْقَصَبِ إذَا ضُرِبَ بِالْبَيْضِ فَانْظُرْ أَنْتَ فِي هَذَا (وَسُكَّرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ سُكَّرٌ بِسُكَّرٍ مُتَفَاضِلًا (وَعَسَلٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُسُولَ صِنْفٌ وَذَلِكَ فَرْعُ رِبَوِيَّتِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يُرِيدُ أَنَّ الْعَسَلَ وَالسُّكَّرَ جِنْسَانِ بِخِلَافِ عُسُولِهِمَا.
(وَمُطْلَقِ لَبَنٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: إنَّ مُطْلَقَ اللَّبَنِ رِبَوِيٌّ، وَمِنْ
[ ٦ / ٢٠٩ ]
الْمُدَوَّنَةِ: لَبَنُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَيَجُوزُ لَبَنُ الْغَنَمِ الْحَلِيبُ وَفِيهِ زُبْدُهُ بِلَبَنٍ مَضْرُوبٍ قَدْ أُخْرِجَ زُبْدُهُ أَوْ بِلَبَنِ اللِّقَاحِ وَلَا زُبْدَ فِيهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ كَمَا جَازَ دَقِيقٌ بِقَمْحٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلِلْقَمْحِ رِيعٌ بَعْدَ طَحْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَحُلْبَةٍ وَهَلْ وَإِنْ اخْضَرَّتْ؟ تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْحُلْبَةِ: لَيْسَتْ بِطَعَامٍ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، فَتُبَاعُ قَبْلَ أَنْ تُسْتَوْفَى، وَيُبَاعُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ، وَتُبَاعُ بِالْقَمْحِ إلَى أَجَلٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ طَعَامٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ هَلْ هِيَ رِبَوِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لِلْخَضْرَاءِ حُكْمُ الْأَطْعِمَةِ، وَلِلْيَابِسَةِ حُكْمُ الْأَدْوِيَةِ، وَمَا ذَكَرَ اللَّخْمِيِّ إلَّا قَوْلَ أَصْبَغَ خَاصَّةً غَيْرَ مُعْزٍ وَكَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ (وَمُصْلِحُهُ كَمِلْحٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَوَرَدَ النَّصُّ عَلَى الْمِلْحِ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا أَصْلَحَ الْمُقْتَاتَاتِ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ كَالْأَبَازِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
(وَبَصَلٍ وَثُومٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: الثُّومُ وَالْبَصَلُ بِخِلَافِ الْبُقُولِ وَالْغَالِبُ فِيهَا أَنَّ ذَلِكَ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ فَلَا يَصْلُحُ التَّفَاضُلُ فِي رَطْبِهِ وَلَا يَابِسِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ (وَتَابِلٍ كَفُلْفُلٍ وَكُزْبَرَةٍ وَكَرَوْيَا) اللَّخْمِيِّ: رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّوَابِلَ طَعَامٌ وَهِيَ الْكُزْبَرَةُ وَالْقَرْنَبَا ذُو الْفِلْفِلِ. ابْنُ عَرَفَةَ:
[ ٦ / ٢١٠ ]
وَالزَّنْجَبِيلُ. عِيَاضٌ: الْكَرَوْيَا هِيَ الْقَرْنَبَاذُ (وَأَنِيسُونَ وَشَمَارٍ) الشَّمَارُ زَرِيعَةُ الْبِسْبَاسِ وَالْأَنِيسُونَ حَبَّةُ الْحَلْوَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ (وَكَمُّونَيْنِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: الْكَمُّونَانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَحَدُهُمَا الْأَسْوَدُ وَهُوَ الشُّونِيزُ، وَالْآخَرُ الْمَعْرُوفُ (وَهِيَ أَجْنَاسٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقُرْطُمُ وَالْخَرْدَلُ وَالتَّابِلُ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ صِنْفٍ مِنْهُ بِصِنْفِهِ أَوْ بِخِلَافٍ إلَى أَجَلٍ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ يَدًا بِيَدٍ حَتَّى تَخْتَلِفَ الْأَصْنَافُ اهـ. اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ الْقِرْفَةَ وَالسُّنْبُلَ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى مَالِكٍ الْفِلْفِلُ وَالْقِرْفَةُ وَالسُّنْبُلُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ
(لَا خَرْدَلٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ
[ ٦ / ٢١١ ]
رِبَوِيٌّ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إنَّ حَبَّ الرَّشَادِ لَيْسَ بِطَعَامٍ (وَزَعْفَرَانٍ) ابْنُ يُونُسَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّعْفَرَانَ لَيْسَ بِطَعَامٍ (وَخُضَرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَيْسَ فِيهِ عِلَّةُ رِبًا غَيْرُ رِبَوِيٍّ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَالْخُضَرِ وَالْبُقُولِ. ابْنُ شَاسٍ: كَالْخَسِّ وَالْهُنْدُبَا وَالْقَضْبِ.
(وَدَوَاءٍ) فِي الرِّسَالَةِ: وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالزَّرَارِيعِ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ فَلَا يَدْخُلُ فِيمَا يَحْرُمُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ اهـ. وَعَنَى بِهَذَا الزَّرَارِيعِ زَرِيعَةَ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَالْبِطِّيخِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إلَّا لِلتَّدَاوِي فَهِيَ كَالْحُرْفِ. قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَعُيُونُ الْبَقَرَةِ والزفيزف يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يُرَادَانِ بَعْدَ الْيُبْسِ لِلْعِلَاجِ (وَتِينٍ) أَمَّا زَكَاةُ التِّينِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَالِكًا تَرَجَّحَ قَوْلُهُ فِي زَكَاتِهَا، وَأَمَّا فِي هَذَا الْبَابِ فَالْمَنْصُوصُ لِمَالِكٍ أَنَّهَا رِبَوِيَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَيْبَسُ قَالَ: وَيُحْكَمُ فِيهِ بِالْأَغْلَبِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنَّ ظَاهِرَ اللَّخْمِيِّ وَالْقَاضِي الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْجَوْزَ وَاللَّوْزَ رِبَوِيَّانِ (وَمَوْزِ فَاكِهَةٍ وَلَوْ اُدُّخِرَتْ بِقُطْرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْفَوَاكِهُ الَّتِي لَا تُقْتَاتُ وَلَا تُدَّخَرُ غَيْرُ رِبَوِيَّةٍ اتِّفَاقًا. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ يُدَّخَرُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِصِنْفِهِ وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا مَا لَا يَدْخُلُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ رَطْبِ الْفَوَاكِهِ كَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالْمَوْزِ وَالْخَوْخِ وَإِنْ اُدُّخِرَ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْخُضَرِ وَالْبُقُولِ فَلَا بَأْسَ بِصِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِصِنْفِهِ أَوْ بِخِلَافِهِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا. ابْنُ الْمَوَّازِ: الزفيزف وَعُيُونُ الْبَقَرِ وَالتُّفَّاحُ مِنْ رَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَإِنْ يَبِسَ بَعْضُهُ فَلَيْسَ بِالْغَالِبِ وَلَا يَيْبَسُ لِأَصْلِ مَعَاشٍ بَلْ لِيُتَدَاوَى بِهِ، فَلَهُ حُكْمُ رَطْبِ الْفَوَاكِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ فِي رَطْبٍ بِرَطْبِهِ وَيَابِسٍ بِيَابِسِهِ وَكَذَلِكَ الْمَوْزُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: أَجَازَ مَالِكٌ التَّفَاضُلَ فِي الرُّمَّانِ، وَأَرَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِيهَا التَّفَاضُلُ لِأَنَّهَا تُدَّخَرُ الشُّهُورَ وَهِيَ مُتَفَكِّهَةٌ قَبْلَ الِادِّخَارِ وَبَعْدَهُ (كَبُنْدُقٍ) نَصَّ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ اللَّوْزَ وَالْجَوْزَ وَالصَّنَوْبَرَ كُلٌّ مِنْهَا صِنْفٌ عَلَى حِدَةٍ لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَقَوْلُ خَلِيلٍ مُشْكِلٌ.
(وَبَلَحٍ إنْ صَغَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي صَغِيرِ الْبَلَحِ بِكَبِيرِهِ أَوْ بِبُسْرٍ أَوْ بِرُطَبٍ أَوْ بِتَمْرٍ يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّ صَغِيرَ الْبَلَحِ عَلَفٌ لَا طَعَامٌ
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا اشْتَرَطَ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَ فِي شَجَرِهِ إذْ لَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى الْجَدِّ وَلَوْ كَانَ مَجْدُودًا جَازَ أَنْ يُسْلِمَ فِي تَمْرٍ أَوْ رُطَبٍ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَيَجُوزُ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يَجِدَّهُ مَكَانَهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الْبَلَحُ الْكَبِيرُ رِبَوِيٌّ (وَمَاءٍ) وَيَجُوزُ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ طَعَامٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَاءِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَمُتَفَاضِلًا وَبِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ.
(وَالطَّحْنُ وَالْعَجْنُ وَالصَّلْقُ إلَّا التُّرْمُسَ وَالنَّبِيذَ لَا يُنْقَلُ) أَمَّا الدَّقِيقُ بِالْقَمْحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ أَنَّ الطَّحْنَ وَالْعَجْنَ لَغْوٌ. وَانْظُرْ بِمَاذَا تَكُونُ الْمُمَاثَلَةُ؟ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي ذَلِكَ تَكُونُ بِالْكَيْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهَا فِي اللَّبَنِ إذَا أَخْرَجَ زُبْدَهُ بِلَبَنٍ فِيهِ زُبْدٌ أَنَّهُ جَائِزٌ كَمَا جَازَ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ وَإِنْ كَانَ لِلدَّقِيقِ رِيعٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وُزِنَا جَمِيعًا. وَنَصَّ سَحْنُونَ عَلَى أَنَّ الْمِعْيَارَ الشَّرْعِيَّ فِي الدَّقِيقِ الْكَيْلُ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يُرَشِّحُ
[ ٦ / ٢١٢ ]
طَرِيقَةَ ابْنِ الْقَصَّارِ وَيَقُولُ: أَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالْوَزْنِ كَالتَّمْرِ.
وَانْظُرْ فِي التَّمْهِيدِ فِي رَسْمِ حُمَيْدٍ لَوْ وُزِنَ الْمَكِيلُ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا السَّلْقُ فَيُقَالُ سَلَقْت الْفُولَ إذَا أَغَلَيْته بِغَلْيَةٍ خَفِيفَةٍ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَجُوزُ الْحِمَّصُ الْمَبْلُولُ بِالْيَابِسِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَطُولُ وَلَا يَتَكَلَّفُ فِيهِ كَبِيرَ مُؤْنَةٍ، وَلَا مُتَمَاثِلًا لِأَنَّهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ، وَكَذَلِكَ يَابِسُ الْفُولِ بِمَصْلُوقِهِ، وَقَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي التُّرْمُسِ لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ أَمْرُهُ وَيَتَكَلَّفُ فِيهِ مُؤْنَةً.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا خَيْرَ فِي بَيْضٍ مَسْلُوقٍ بِنِيءٍ مِنْهُ لَيْسَ الصَّلْقُ صَنْعَةً. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ طَبْخُ اللَّحْمِ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ لَغْوٌ، وَأَمَّا الْعَجْنُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْعَجْنُ لَيْسَ بِصَنْعَةٍ فَلَا يَجُوزُ بِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ بِالْكَيْلِ وَلَا بِالْوَزْنِ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ بِالتَّحَرِّي؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِثْلَ الْخَمِيرَةِ يَتَسَلَّفُهَا الْجِيرَانُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَيَرُدُّونَ فِيهَا دَقِيقًا أَوْ يَتَبَادَلُونَ فِيهَا الدَّقِيقَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصِّ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَقَوْلِ أَشْهَبَ.
وَأَمَّا النَّبِيذُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الْعِنَبِ جِنْسٌ وَاحِدٌ. الْبَاجِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِانْتِبَاذَ صَنْعَةٌ. ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ لَمْ يَطُلْ زَمَنُ الصَّنْعَةِ فَالْمَشْهُورُ لَا يُنْقَلُ كَالتَّمْرِ بِنَبِيذِهِ (بِخِلَافِ خَلِّهِ) الْبَاجِيُّ: نَصَّ مَالِكٌ عَلَى جَوَازِ التَّمْرِ بِخَلِّهِ، فَقَاسَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِنَبَ بِخَلِّهِ فَجَوَّزَهُ اهـ.
وَانْظُرْ النَّبِيذَ بِالْخَلِّ. ابْنُ رُشْدٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ النَّبِيذُ لَا يَصْلُحُ بِالتَّمْرِ لِقُرْبِ مَا بَيْنَهُمَا وَلَا بِالْخَلِّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، لِأَنَّ الْخَلَّ وَالتَّمْرَ طَرَفَانِ يَبْعُدُ مَا بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا وَالنَّبِيذُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا يَقْرُبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ بِالتَّمْرِ عَلَى حَالٍ وَلَا بِالْخَلِّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ وَهَذَا أَظْهَرُ.
وَلَا يَكُونُ سَمَاعُ يَحْيَى مُخَالِفًا لِلْمُدَوِّنَةِ وَطَبْخِ لَحْمٍ بِأَبْزَارِ وَشَيِّهِ وَتَجْفِيفِهِ بِهَا. ابْنُ بَشِيرٍ: الصِّنَاعَةُ الْمُضَافَةُ إلَى الْمَصْنُوعِ إنْ كَانَتْ بِأَبْزَارٍ وَنَقَصَتْ وَلَا مُضَافَ لَهَا فَهَذِهِ لَيْسَتْ بِنَاقِلَةٍ إلَى جِنْسٍ آخَرَ، وَمِثَالُهُ شَيُّ اللَّحْمِ وَتَجْفِيفُهُ وَطَبْخُهُ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ مَرَقَةٍ إلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا تَجْفِيفُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، فَإِنْ كَانَ بِإِضَافَةِ شَيْءٍ إلَيْهِ فَإِنَّهَا صَنْعَةٌ نَاقِلَةٌ وَهَذَا كَتَجْفِيفِ اللَّحْمِ بِالْأَبَازِيرِ وَالطَّبْخِ بِالْمَرَقَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ أَنَّ طَبْخَ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ فَقَطْ لَغْوٌ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَقْلِيِّ مَعَ خَلٍّ وَزَيْتٍ وَتَابِلٍ وَرُبَّمَا كَانَتْ لَهُ مَرَقَةٌ فَلَهُ حُكْمُ الْمَطْبُوخِ فَلَا يُبَاعُ بِمَطْبُوخٍ. يُرِيدُ مُتَفَاضِلًا. وَلَا بَأْسَ بِهِ مُتَسَاوِيًا وَتَحَرِّيًا وَلَا بَأْسَ بِهِ بِالنِّيءِ (عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْخَبْزِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. لَا بَأْسَ بِالْخَبْزِ بِالْعَجِينِ أَوْ بِالدَّقِيقِ،
[ ٦ / ٢١٣ ]
أَوْ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّ الْخُبْزَ قَدْ غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجُوزُ النَّشَا بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّ الصَّنْعَةَ أَخْرَجَتْهُ عَنْ مَنْفَعَةِ الْأَكْلِ إلَى غَيْرِهِ. التُّونِسِيُّ: لَا رِوَايَةَ فِي الْخَبْزِ بِالسَّوِيقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ التَّفَاضُلُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ مَنْفَعَتِهِ.
(وَقَلْيِ قَمْحٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ مَقْلُوُّ الْحِنْطَةِ بِيَابِسِهَا وَمَبْلُولِهَا وَدَقِيقِهَا مُتَفَاضِلًا، وَقَدْ غَمَزَهُ مَالِكٌ حَتَّى يُطْحَنَ الْمَقْلُوُّ، وَيَجُوزُ مَقْلُوُّ الْأُرْزِ بِيَابِسِهِ وَمَبْلُولِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَمُتَفَاضِلًا (وَسَوِيقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِالسَّوِيقِ وَالدَّقِيقِ أَوْ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلًا لِصَنْعَةٍ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَوِيقُ السُّلْتِ وَالشَّعِيرِ لَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلًا.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا تَصْلُحُ الْحَرِيرَةُ بِالسَّوِيقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. الْأَبْهَرِيُّ: الْحَرِيرَةُ جَلِيلُ السَّوِيقِ. وَفِي اللُّغَةِ الْحَرِيرَةُ الدَّشِيشُ. اللَّخْمِيِّ: يَخْتَلِفُ فِي بَيْع الدَّقِيقِ بِالسَّعِيدِ فَمَنْ أَجَازَ الْقَمْحَ بِالدَّقِيقِ أَجَازَهُ.
(وَسَمْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِسَمْنٍ بِلَبَنٍ أُخْرِجَ زُبْدُهُ، وَأَمَّا بِلَبَنٍ فِيهِ زُبْدُهُ فَلَا يَجُوزُ إذْ لَا يَجُوزُ زُبْدٌ بِسَمْنٍ، لَا مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ وَهُوَ كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، لِأَنَّ الزُّبْدَ يَنْقُصُ إذَا ذُوِّبَ كَمَا يَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ كَانَ كَالْقَمْحِ بِالدَّقِيقِ يَجُوزُ مِثْلًا بِمِثْلٍ؟ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقَمْحِ بِالدَّقِيقِ رُطَبٌ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ وَإِنَّمَا لِلْقَمْحِ رِيعٌ إذَا طُحِنَ كَمَا أَنَّ رِيعَهُ أَكْثَرُ مِنْ رِيعِ الشَّعِيرِ إذَا طُحِنَ، وَقَدْ أَجَازَ الصَّحَابَةُ الْقَمْحَ بِالشَّعِيرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْلًا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَالدَّقِيقُ بِالْقَمْحِ مِثْلُهُ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَأَمَّا الْجُبْنُ بِالْمَضْرُوبِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ. فَمَنْ أَجَازَهُ فَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَضْرُوبِ جُبْنٌ بِحَالٍ، وَمَنْ كَرِهَهُ أَمْكَنَ عِنْدَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْأَقِطُ وَالْجُبْنُ بِالْأَقِطِ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ انْتَهَى. وَقَدْ تَحَصَّلَ أَنَّ السَّمْنَ نَاقِلٌ بِنِسْبَةٍ فَانْظُرْهُ فِي لَفْظِ خَلِيلٍ.
(وَجَازَ تَمْرٌ وَلَوْ قَدُمَ بِتَمْرٍ) ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الطَّعَامَ يَجُوزُ
[ ٦ / ٢١٤ ]
مُبَادَلَةُ الْمَأْكُولِ وَالْمَعْفُونِ مِنْهُ بِالصَّحِيحِ السَّالِمِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَكَذَا فِي سَمَاعِ عِيسَى. وَمَنَعَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ الطَّعَامُ الْمَعْفُونُ بِالطَّعَامِ الْمَعْفُونِ إلَّا أَنْ يُشْبِهَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَا يَتَفَاوَتُ. وَأَجَازَهُ سَحْنُونَ قَالَ: وَلَوْ كُرِهَ الْمَعْفُونُ بِالصَّحِيحِ لَكُرِهَ الْقَمْحُ بِالشَّعِيرِ وَالْجَيِّدُ بِالرَّدِيءِ.
(وَحَلِيبٌ وَرُطَبٌ وَمَشْوِيٌّ وَقَدِيدٌ وَعَفِنٌ وَزُبْدٌ وَسَمْنٌ وَجُبْنٌ وَأَقِطٌ بِمِثْلِهَا) أَمَّا الْحَلِيبُ بِمِثْلِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمُطْلَقُ لَبَنٍ "، وَأَمَّا الرُّطَبُ بِمِثْلِهِ فَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: يَجُوزُ
[ ٦ / ٢١٥ ]
الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّمْرُ بِالرُّطَبِ.
قَالَ الْقَبَّابُ: الرُّطَبُ التَّمْرُ الَّذِي دَخَلَهُ إنْضَاجٌ وَلَمْ يَيْبَسْ، وَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّ رُطُوبَتَهُ جُزْءٌ مِنْهُ فَلَيْسَ كَالْمَبْلُولِ.
[ ٦ / ٢١٦ ]
وَفَرَّقَ اللَّخْمِيِّ بَيْنَ رُطَبِ نَوْعَيْنِ لِأَنَّهُمَا إذَا يَبِسَا اخْتَلَفَا. تَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ تَأْخُذُ مِنْ بَعْضِهِ أَكْثَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُضْبَطَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ أَوْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَالْحُكْمُ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْمَشْوِيُّ بِالْمَشْوِيِّ وَالْقَدِيدُ بِالْقَدِيدِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا خَيْرَ فِي الْقَدِيدِ بِالْمَشْوِيِّ وَإِنْ بِتَحَرٍّ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا خَيْرَ فِي قَدِيدٍ بِقَدِيدٍ لِاخْتِلَافِ يُبْسِهِ، وَلَا فِي الشِّوَاءِ بِالشِّوَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَدِلُ. وَلِابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ الْمَشْوِيُّ بِالْمَشْوِيِّ وَلَا الْقَدِيدُ بِالْقَدِيدِ مِنْ اللَّحْمِ إلَّا بِتَحَرِّي أُصُولِهِمَا لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا فِي الرُّطُوبَةِ وَالْيُبْسِ؟ وَأَمَّا الْعَفِنُ بِالْعَفِنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَتَمْرٌ وَلَوْ قَدُمَ ". وَأَمَّا السَّمْنُ وَالْجُبْنُ وَالْأَقِطُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمِثْلِهِ فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: السَّمْنُ بِالسَّمْنِ، وَالزُّبْدُ بِالزُّبْدِ، وَالْجُبْنُ بِالْجُبْنِ، وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ اللَّبَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِنْفِهِ جَائِزٌ. وَأَمَّا الْجُبْنُ بِالْحَلِيبِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ وَاحِدٍ بِغَيْرِ صِنْفِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ،
[ ٦ / ٢١٨ ]
وَالتَّمَاثُلُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَآلِ مَعْدُومٌ. اللَّخْمِيِّ: الْأَقِطُ بِالْأَقِطِ مُتَفَاضِلًا مَمْنُوعٌ، وَيَجُوزُ الْجُبْنُ بِالْجُبْنِ مُتَمَاثِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْيَابِسَ وَالطَّرِيَّ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَلِيبِ بِالزُّبْدِ وَلَا بِالسَّمْنِ وَلَا بِالْجُبْنِ وَلَا بِالْأَقِطِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ بِالْآخَرِ لِأَنَّ الِادِّخَارَ مَوْجُودٌ وَالتَّفَاضُلَ مَمْنُوعٌ وَالْمُمَاثَلَةَ مَعْدُومَةٌ.
(كَزَيْتُونٍ) اللَّخْمِيِّ: يَجُوزُ الزَّيْتُونُ بِالزَّيْتُونِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَإِنْ كَانَ زَيْتُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ كَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ يَجُوزُ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ الرِّيعُ مُخْتَلِفًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ زَيْتُونٍ بِزَيْتٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ كَانَ هَذَا الزَّيْتُونُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ زَيْتٌ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: بَيْعُ الزَّيْتُونِ الْغَضِّ الطَّرِيِّ بِالزَّيْتُونِ الَّذِي قَدْ ذَبَلَ وَضَمُرَ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ كَيْلًا بِكَيْلٍ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ كَمَا لَا يَجُوزُ التَّمْرُ بِالرُّطَبِ.
(وَلَحْمٍ) اللَّخْمِيِّ: شَرْطُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ كَوْنُ الذَّبْحِ فِيهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَقَارِبٍ وَإِنْ بَعُدَ وَجَفَّتْ الْأَوْلَى لَمْ يَجُزْ وَزْنًا وَاخْتُلِفَ فِيهِ بِالتَّحَرِّي.
(لَا رَطْبِهَا بِيَابِسِهَا) ابْنُ بَشِيرٍ: نَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْمَآلِ يُعْتَبَرُ لِقَوْلِهِ «أَوْ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ» . ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الرَّطْبُ بِالْيَابِسِ مِنْ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا الرَّطْبُ بِالْيَابِسِ مِنْ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالتُّفَّاحِ وَالْخَوْخِ وَعُيُونِ الْبَقَرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
(وَمَبْلُولٍ بِمِثْلِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ الْحِنْطَةُ الْمَبْلُولَةُ بِالْحِنْطَةِ الْيَابِسَةِ أَوْ الْمَبْلُولَةِ وَلَا بِالشَّعِيرِ وَلَا بِالسَّلْتِ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا (وَلَبَنٍ بِزُبْدٍ إلَّا أَنْ يُخْرَجَ زُبْدُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا يَجُوزُ السَّمْنُ بِلَبَنٍ أُخْرِجَ
[ ٦ / ٢١٩ ]
زُبْدُهُ.
(وَاعْتُبِرَ الدَّقِيقُ فِي خُبْزٍ بِمِثْلِهِ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: كُلُّ خُبْزٍ أَصْلُهُ مُخْتَلِفٌ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّفَاضُلُ. فَانْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَخُبْزِ قَمْحٍ وَخُبْزِ أُرْزٍ فَإِنَّمَا يُرَاعَى وَزْنُ الْخُبْزَيْنِ لَا تَمَاثُلُ الدَّقِيقَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَخُبْزِ قَمْحٍ وَخُبْزِ شَعِيرٍ فَإِنَّمَا يُرَاعَى تَمَاثُلُ الدَّقِيقَيْنِ. وَكَذَلِكَ خُبْزُ الْقُطْنِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي جَعَلَهَا أَصْنَافًا يُرَاعَى تَمَاثُلُ الْخُبْزَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي جَعَلَهَا صِنْفًا يُرَاعَى تَمَاثُلُ الدَّقِيقَيْنِ قَالَهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا وَهُوَ حَسَنٌ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خُبْزِ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَخَفَّفَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْبُيُوتِ يَسْتَقْرِضُونَ الْخُبْزَ بِالْوَزْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ بَابٌ مَعْرُوفٌ وَتَقَعُ فِيهِ الضَّرُورَةُ وَتَحَرِّي الدَّقِيقِ يَصْعُبُ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَتْ أُصُولُ الْأَخْبَازِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَ أُصُولُ الْأَخْبَازِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَأَخْبَازِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسَّلْتِ فَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُمَاثَلَةُ بِاعْتِبَارِ أُصُولِهَا. وَذَهَبَ ابْنُ دَحُونَ إلَى أَنَّ الْخُبْزَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ وَزْنًا بِوَزْنٍ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ صِنْفًا عَلَى حِدَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُرَاعَى أُصُولُهُ، وَلَعَمْرِي إنَّ لِقَوْلِهِ وَجْهًا وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْأَنْبِذَةُ إنَّمَا تَجُوزُ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا يُرَاعَى مَا دَخَلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ أَوْ الْعِنَبِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ تَحَرِّيًا أَنْ يَتَحَرَّى الْوَزْنَ لَا الدَّقِيقَ، وَلَوْ كَثُرَ الْقَوْلُ بِهَذَا فِي الْمَذْهَبِ عِنْدِي لَكَانَ أَصَحَّ (كَعَجِينٍ بِحِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ) قَالَ اللَّخْمِيِّ:
[ ٦ / ٢٢٠ ]
فِي جَوَازِ الْعَجِينِ بِالدَّقِيقِ رِوَايَتَانِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالْعَجْنُ " (وَجَازَ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ وَهَلْ إنْ وُزِنَا؟ تَرَدُّدٌ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالطَّحْنُ ".
(وَاعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ) الْبَاجِيُّ: بِمَاذَا يَكُونُ التَّمَاثُلُ؟ أَمَّا فِي الْحُبُوبِ فَبِالْكَيْلِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِعْيَارُهَا فِي الشَّرْعِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَكَرَ الْأَوْسَاقَ فِي زَكَاةِ التَّمْرِ، وَحُكْمُ الْحُبُوبِ حُكْمُهَا فِي اعْتِبَارِ نَصْبِ الزَّكَاةِ وَفِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا شَيْءٌ مِنْ الْحُبُوبِ بِجِنْسِهِ بِغَيْرِ الْكَيْلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ فِي الزَّيْتُونِ أَنَّ مِعْيَارَهَا الْكَيْلُ. وَقَوْلُ سَحْنُونَ أَنَّ الدَّقِيقَ كَذَلِكَ. وَانْظُرْ الْمَذْهَبَ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ تَقْدِيرُ النِّصَابِ مِنْهَا بِمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ بِالْوَزْنِ (وَإِلَّا فَبِالْعَادَةِ) الْبَاجِيُّ: أَمَّا مَا لَا مِقْدَارَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مِقْدَارٌ مُعْتَادٌ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ كَاللَّحْمِ وَالْجُبْنِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ فَلَا يَجُوزُ التَّسَاوِي فِيهِ بِمِقْدَارِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُعْتَبَرُ بِالْكَيْلِ فِي كُلِّ بَلَدٍ. وَانْظُرْ مَا يَخْتَلِفُ تَقْدِيرُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ الْبِلَادِ كَالسَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ، عَادَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ فِيهِ الْوَزْنُ وَبَعْضِهَا الْكَيْلُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْبِلَادُ قُدِّرَ بِعَادَةِ بَلَدِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ نِسْبَةُ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنْ الْجَارِي فِي الْعَوَائِدِ، وَفِي الرُّجُوعِ إلَى التَّحَرِّي فِي الْبَيْضِ قَوْلَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي مُقَابَلَةِ التَّحَرِّي عِنْدَ وَزْنِهِ وَالْوَقْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِلْبَاجِيِّ نَظَرٌ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْوَزْنُ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَلْ يَكُونُ عَلَى هَذَا قِشْرُ الْبَيْضِ وَقِشْرُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِمَنْزِلَةِ نَوَى التَّمْرِ؟ اُنْظُرْ قَبْلُ قَوْلَهُ " وَذُو زَيْتٍ ".
(فَإِنْ عَسُرَ الْوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي لَا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحَرِّيهِ لِكَثْرَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ صُبْرَةُ قَمْحٍ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ إلَّا كَيْلًا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا يَجُوزُ تَحَرِّيًا، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي إذْ لَا يُفْقَدُ الْكَيْلُ وَلَوْ بِالْحَفْنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَأَمَّا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي مِثْلُ اللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَالْبَيْضِ يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ تَحَرِّيًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا بَلَغَهُ التَّحَرِّي وَلَمْ يَكْثُرْ حَتَّى لَا يُسْتَطَاعَ تَحَرِّيهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَذَلِكَ. إذَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا مِيزَانٌ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا يُكَالُ إذْ لَا يُفْقَدُ الْكَيْلُ وَلَوْ بِالْحَفْنَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ التَّحَرِّي فِي الْمَوْزُونِ وَلَوْ لَمْ تَدْعُ لَهُ ضَرُورَةٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِصِنْفِهِ فَلَا بَأْسَ بِقِسْمَتِهِ عَلَى التَّحَرِّي كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَمْ لَا. ابْنُ عَبْدُوسٍ:
[ ٦ / ٢٢١ ]
أَخْطَأَ مَنْ قَالَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ قَسْمُ الْبَقْلِ تَحَرِّيًا بَعْدَ الْحَزْرِ وَهُوَ يُجِيزُ التَّحَرِّيَ فِي الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ فَكَيْفَ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ؟ اهـ. وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُدَوِّنَةِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَا يُكَالَ أَوْ يُعَدُّ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُقْسَمُ تَحَرِّيًا بِخِلَافِ مَا يُوزَنُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ وَيُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِالتَّحَرِّي اهـ. فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي فِي الْمَكِيلِ وَالْمَعْدُودِ أَنْ تَقَعَ فِيهِ قِسْمَةٌ أَوْ مُبَادَلَةٌ بِتَحَرٍّ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدِّ أَوْ الْكَيْلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ رِبَوِيًّا أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا يُوزَنُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَسْمُهُ وَمُبَادَلَتُهُ بِالتَّحَرِّي وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي نَقْلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَهُوَ أَيْضًا نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ عَنْهُ. وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مُقْتَضَى مَا لِابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ التَّحَرِّيَ يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ إذَا كَانَ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي الْمُزَابَنَةِ مَا يُرَشِّحُ هَذَا اهـ.
[بَاب فِي فَسَادِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ نَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهُ]
(وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ الثَّالِثُ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ نَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهُ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ عَنْ الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ.
هَكَذَا حَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الْمَذْهَبِ (كَحَيَوَانٍ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ) ابْنُ الْمُسَيِّبِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» . أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مُرْسَلُ سَعِيدٍ هَذَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَحْمَلُ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ لِمَوْضِعِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَالْمُزَابَنَةِ (إنْ لَمْ يُطْبَخْ) كَرِهَ أَشْهَبُ الْكَبْشَ بِلَحْمٍ مَطْبُوخٍ لِأَجَلٍ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا.
التُّونِسِيُّ: إنَّمَا أَرَادَ أَشْهَبُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ فَكَرِهَهُ كَكَتَّانٍ فِي ثَوْبِ كَتَّانٍ وَإِلَّا فَهُمَا صِنْفَانِ لِأَنَّ الطَّبْخَ
[ ٦ / ٢٢٢ ]
أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا بِحَيَوَانٍ فَيَجُوزُ نَقْدًا اتِّفَاقًا كَلَحْمٍ بِمَطْبُوخٍ نَقْدًا (أَوْ بِمَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ) الْبَاجِيُّ: إذَا كَانَ الْحَيُّ لَا يُقْتَنَى فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّحْمِ مِثْلَ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يُدْجَنُ وَلَا يُتَّخَذُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِدَجَاجٍ.
هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ (أَوْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَمَّا الْمَدْقُوقَةُ
[ ٦ / ٢٢٣ ]
الْعُنُقِ أَوْ الصُّلْبِ أَوْ الشَّارِفِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا يَصِيرُ إلَى الذَّبْحِ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمَ فَلَا أُحِبُّ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنْ عَاشَ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، وَلَا بِلَحْمٍ مِنْ صِنْفِهِ يَدًا بِيَدٍ.
ابْنُ يُونُسَ: أَعْرِفُ أَنَّهُ جَعَلَهَا لَحْمًا مَعَ الطَّعَامِ وَحَيًّا مَعَ اللَّحْمِ احْتِيَاطًا (أَوْ قَلَّتْ) أَشْهَبُ: لَيْسَ الْكَبْشُ الْخَصِيُّ كَاللَّحْمِ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلسِّمَنِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا خَيْرَ فِي طَعَامٍ بِشَاةِ لَحْمٍ لِأَجَلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةُ لَبَنٍ وَلَا صُوفٍ وَإِنْ اُسْتُحْيِيَتْ لِلسِّمَنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الِاتِّخَاذَ لِتَزَيُّدِ اللَّحْمِ وَالسِّمَنِ مُعْتَبَرٌ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخُصْيَانُ الدَّجَاجِ الْمَعْلُوفَةِ كَطَيْرِ الْمَاءِ وَاَلَّتِي لَمْ تُعْلَفْ كَالْمُقْتَنَى لِتَزَيُّدِ لَحْمِهِ (فَلَا يَجُوزُ إنْ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ) أَمَّا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمَ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَدْقُوقَةِ الْعُنُقِ: لَا أُحِبُّهَا بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ، وَأَمَّا مَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا كَانَ مِنْ الطَّيْرِ وَالْأَنْعَامِ وَالْوَحْشِ لَا يَحْيَا وَشَأْنُهُ الذَّبْحُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ بِالْحُوتِ، وَلَا بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ.
وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ اللَّحْمِ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَجَائِزٌ فِيهِ الْحَيُّ بِالْمَذْبُوحِ (كَخَصِيِّ ضَأْنٍ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَبْشِ الْخَصِيِّ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبْشًا يُقْتَنَى لِصُوفِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا التَّيْسُ الْخَصِيُّ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَنَى لِصُوفِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلذَّبْحِ اهـ. مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَكَذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ مَا اسْتَدْرَكَ عَلَى هَذَا شَيْئًا. اُنْظُرْ رَسْمَ حَبْل مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ السَّلَمِ فَانْظُرْ التَّيْسَ الْخَصِيَّ إذَا كَانَ يُتَّخَذُ لِلسِّمَنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَخُصْيَانِ الدَّجَاجِ غَيْرِ الْمَعْلُوفَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَمُقْتَنَى. فَانْظُرْ هَذَا كُلَّهُ بَعْضَهُ مَعَ بَعْضٍ وَمَعَ خَلِيلٍ.
(وَكَبَيْعِ الْغَرَرِ) مُسْلِمٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» . الْمَازِرِيُّ: وَهُوَ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ السَّلَامَةِ وَالْعَطْبِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ مَا شَكَّ فِي حُصُولِ أَحَدِ عِوَضَيْهِ أَوْ مَقْصُودٌ مِنْهُ غَالِبًا فَيَدْخُلُ بَيْعُ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ (كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ حُكْمِ غَيْرِهِ أَوْ رِضَاهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ حُكْمِ الْبَائِعِ أَوْ رِضَاهُ أَوْ رِضَا الْبَائِعِ أَوْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِمَا أَوْ رِضَاهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ (وَتَوْلِيَتِك سِلْعَةً لَمْ تَذْكُرْهَا أَوْ ثَمَنَهَا بِإِلْزَامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ:
[ ٦ / ٢٢٤ ]
إنْ اشْتَرَيْت سِلْعَةً ثُمَّ وَلَّيْتهَا الرَّجُلَ وَلَمْ تُسَمِّهَا لَهُ وَلَا ثَمَنَهَا أَوْ سَمَّيْت لَهُ أَحَدَهُمَا فَإِنْ كُنْت أَلْزَمْته إيَّاهَا إلْزَامًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ وَقِمَارٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ جَازَ وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهَا وَعَلِمَ الثَّمَنَ. وَهَذَا سَنٌّ نَاحِيَةَ الْمَعْرُوفِ يَلْزَمُ الْمُولِيَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُولَى حَتَّى يَرْضَى بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَعِلْمِ الثَّمَنِ، كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ صِفَةِ الْعَرْضِ بِعَيْنِهِ أَوْ الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَالْمِثْلُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَكَذَا إنْ بِعْته عَبْدًا فِي بَيْتِك لَمْ تَصِفْهُ وَلَا رَآهُ إنْ جَعَلْت لَهُ الْخِيَارَ إذَا نَظَرَهُ جَازَ
(وَكَمُلَامَسَةِ الثَّوْبِ أَوْ مُنَابَذَتِهِ فَيَلْزَمُ) مُسْلِمٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» .
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى ثِيَابًا مَطْوِيَّةً لَمْ يَنْشُرْهَا وَلَا وُصِفَتْ لَهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَالْمُلَامَسَةُ شِرَاؤُك الثَّوْبَ لَا تَنْشُرُهُ. وَلَا تَعْلَمُ مَا فِيهِ أَوْ تَبْتَاعُهُ لَيْلًا وَلَا تَتَأَمَّلُهُ. وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ تَبِيعَهُ ثَوْبَك وَتَنْبِذَهُ إلَيْهِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَهُ إلَيْك مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْكُمَا فَذَلِكَ غَرَرٌ.
(وَكَبَيْعِ الْحَصَاةِ وَهَلْ هُوَ بَيْعُ مُنْتَهَاهَا أَوْ يَلْزَمُ بِوُقُوعِهَا أَوْ عَلَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ أَوْ بِعَدَدِ مَا تَقَعُ تَفْسِيرَاتٌ) مُسْلِمٌ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ» . الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ أَرْضِهِ قَدْرَ رَمْيِ الْحَصَاةِ وَلَا شَكَّ فِي جَهْلِهِ لِاخْتِلَافِ قُوَّةِ الرَّمْيِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسُومُ الثَّوْبَ وَبِيَدِهِ حَصَاةٌ وَيَقُولُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ يَدِي وَجَبَ الْبَيْعُ. وَهَذَا إنْ كَانَ مَعْنَاهُ إذَا سَقَطَتْ بِاخْتِيَارِهِ فَهُوَ بَيْعُ خِيَارٍ إذَا وَقَعَ مُؤَجَّلًا فَلَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ مَجْهُولًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ حَصَاةٌ هُوَ الْمَبِيعُ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ارْمِ بِالْحَصَاةِ فَمَا خَرَجَ كَانَ لِي بِعَدَدِهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ وَهَذَا مَجْهُولٌ.
(وَكَبَيْعِ مَا فِي بُطُونِ الْإِبِلِ أَوْ ظَهْرِهَا أَوْ إلَى أَنْ يُنْتَجَ النِّتَاجُ وَهِيَ الْمَضَامِينُ وَالْمَلَاقِيحُ
[ ٦ / ٢٢٥ ]
وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ) فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحُ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ. فَالْمَضَامِينُ مَا فِي بُطُونِ إنَاثِ الْإِبِلِ، وَالْمَلَاقِيحِ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَهُ الصَّقَلِّيُّ عَنْ مَالِكٍ مُطْلَقًا لَا بِقَيْدِ كَوْنِهَا فِي الْإِبِلِ. ابْنُ يُونُسَ: وَبَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ هُوَ الْبَيْعُ إلَى نِتَاجِ مَا تُنْتِجُ النَّاقَةُ كَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ. رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ نِتَاجُ مَا تُنْتِجُ النَّاقَةُ.
(وَكَبَيْعِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْبَائِعِ حَيَاتَهُ لَمْ يَجُزْ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ أَجَلَ حَيَاتِهِ مَجْهُولٌ فَهُوَ غَرَرٌ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ نَزَلَ وَقَبَضَهَا الْمُبْتَاعُ وَاسْتَغَلَّهَا كَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ بِضَمَانِهِ وَتُرَدُّ الدَّارُ إلَى الْبَائِعِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ تَفُوتَ الدَّارُ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ فَيَغْرَمُ الْمُبْتَاعُ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ فَيَتَقَاصَّانِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ أَخَذَهُ، وَانْظُرْ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي تُشْبِهُ مِثْلَ أَنْ يُسْرِفَ فِي النَّفَقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ إلَّا بِالْقَدْرِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي تَعَاقُدِهِمَا أَنْ يُنْفِقَهُ لِأَنَّ الزَّائِدَ مَعْرُوفٌ طَاعَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَسْكَنَهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ فَهُوَ كِرَاءٌ فَاسِدٌ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ وَعَلَيْهِ كِرَاءَ مَا سَكَنَ وَيَتَقَاصَّانِ ذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ إذَا كَانَ لَا يُحْصِي النَّفَقَةَ أَوْ كَانَ فِي جُمْلَةِ عِيَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ مَكِيلَةً إلَيْهِ مَعْلُومَةً مِنْ الطَّعَامِ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَرَفًا هَلْ يَرْجِعُ بِالسَّرَفِ؟ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى النَّفَقَةِ الْوَسَطُ كَهِبَةِ الْبَيْعِ، فَإِذَا انْتَقَضَ الْأَجَلُ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَرْجِعُ إلَّا بِنَفَقَةٍ وَسَطٍ كَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى يَتِيمٍ وَلَهُ مَالٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْوَسَطِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ انْتَهَى. وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ فِي الرُّجُوعِ بِالسَّرَفِ أَنَّهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَ أَوْ لَا فَرْقَ فَلِهَذَا نَظَائِرُ. تَسَلَّفَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَخْرَجَ عُشْرَ مَا سَقَاهُ بِالسَّانِيَةِ وَلَا يَحْسِبُهُ مِنْ عُشْرِ زَرْعٍ آخَرَ أَعْطَى زَكَاتَهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا عِوَضًا مِنْ صَدَقَتِهِ.
وَانْظُرْ مَنْ صَالَحَ مِنْ دَمِ خَطَأٍ، أَوْ مَنْ دَفَعَ مَالًا بِشَهَادَةِ أَبٍ لِابْنِهِ بِغَيْرِ حُكْمٍ ثُمَّ عَلِمَ قَالُوا: لَوْ شَاءَ أَثْبَتَ كَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ صَدَّقَهَا أَنَّهَا حَامِلٌ فَلَمْ تَكُنْ، أَوْ اكْتَرَى دَابَّةً الْعَدَدَ فَبَعْدَ وُصُولِهِ أَلْفَاهُ أَقَلَّ. (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ إنْ نَزَلَ رَجَعَ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ (أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ عُلِمَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَكِيلَةً أَوْ دَرَاهِمَ
[ ٦ / ٢٢٦ ]
لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ (وَلَوْ سَرَفًا عَلَى الْأَرْجَحِ) اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّ هُنَا مَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى إذَا بَاعَهُ دَارًا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ.
لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ يُونُسَ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ إلَّا إنْ كَانَ قَائِمًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا أَسْكَنَهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: فَهَذَا كِرَاءٌ فَاسِدٌ. وَلَمْ يَذْكُرْ خَلِيلٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ الْخِلَافَ فِي الرُّجُوعِ بِالسَّرَفِ وَرَجَّحَ الرُّجُوعَ قَالَ: لِأَنَّهُ كَهِبَةٍ مِنْ أَجْلِ الْبَيْعِ، فَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ أَجْلِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَجْلِ الْكِرَاءِ.
وَانْظُرْ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ نَقَلْت كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ بِنَصِّهِ فَانْظُرْهُ فِي نَفْسِهِ وَمَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ (وَرُدَّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الدَّارُ بِهَدْمٍ فَيَغْرَمُ الْمُبْتَاعُ قِيمَتَهَا.
(وَكَعَسِيبِ الْفَحْلِ يُسْتَأْجَرُ عَلَى عُقُوقِ الْأُنْثَى وَجَازَ زَمَانٌ أَوْ مَرَّاتٌ) أَعْقَتْ الْفَرَسُ أَيْ حَمَلَتْ فَهِيَ عَقُوقٌ وَلَا يُقَالُ مُعْقٍ الْبُخَارِيُّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ عَسِيبِ الْفَحْلِ» . الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْكِرَاءُ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ. يُقَالُ عَسَبَ فَحْلَهُ أَيْ أَكْرَاهُ، وَعَسِيبُ الْفَحْلِ أَيْضًا ضِرَابُهُ، وَيُقَالُ مَاؤُهُ الْمَازِرِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا النَّهْيُ عَنْ بَيْعِهِ وَأَمَّا إجَارَتُهُ فَتَجُوزُ كَمَا أُجِيزَ إجَارَةُ الظِّئْرِ لِلرَّضَاعِ وَمُنِعَ بَيْعُ لَبَنِهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا أَجَازَهُ مَالِكٌ مَعَ حَدِيثِ النَّهْيِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ فَيَجُوزُ عَلَى أَكْوَامٍ مَعْرُوفَةٍ وَأَشْهَرَ وَأَمَّا حَتَّى يَعُقَّ فَفَاسِدٌ (فَإِنْ أَعَقْت انْفَسَخَتْ) سَحْنُونَ: مَنْ اسْتَأْجَرَ نَزًّا وَفَحْلًا مَرَّتَيْنِ فَعَقَّتْ الدَّابَّةُ بِأَحَدِهِمَا رَجَعَ بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ كَصَبِيٍّ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رَضَاعِهِ مُدَّةً فَمَاتَ فِي نِصْفِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا مَوْتُ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَالدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى رِيَاضَتِهَا.
[ ٦ / ٢٢٧ ]
(وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ يَبِيعُهَا بِالْإِلْزَامِ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَجَلٍ أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ بَيْعٌ لِأَحَدِ مَثْمُونَيْنِ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهِمَا أَوْ بِأَحَدِ ثَمَنَيْنِ كَذَلِكَ لُزُومًا لِأَحَدِ عَاقِدَيْهِ فَإِنْ كَانَ دُونَ لُزُومٍ جَازَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِدِينَارٍ أَوْ بِشَاةٍ أَوْ يَشْتَرِيَهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ لِخَمْسَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ قَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ إلْزَامًا. الْبَاجِيُّ: سَوَاءٌ كَانَ الْإِلْزَامُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ إلْزَامٍ جَازَ.
(إلَّا لِجَوْدَةٍ وَرَدَاءَةٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهَا) فِيهَا لِمَالِكٍ: لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ يَخْتَارُهُ بِثَمَنِ كَذَا أَوْ خَمْسِينَ مِنْ مِائَةِ ثَوْبٍ فِي عَدْلٍ يَخْتَارُهَا إنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا وَوَصَفَ رِقَاعَهَا وَجِنْسَهَا وَطُولَهَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْقِيَمُ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا مَرَوِيَّةٌ أَوْ هَرَوِيَّةٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَجْنَاسُ لَمْ يَجُزْ، يُرِيدُ عَلَى الْإِلْزَامِ، وَلَوْ كَانَ كُلُّهُ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ لَجَازَ. وَكَذَلِكَ إنْ اجْتَمَعَ حَرِيرٌ وَصُوفٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَلَى مَا ذُكِرَ. وَمِنْ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ عَشْرَ شِيَاهٍ يَخْتَارُهَا مِنْ غَنَمٍ، وَأَمَّا شِرَاءُ عَشَرَةٍ مِنْ شِرَارِهَا فَلَا. يَجُوزُ. فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَبِيعَ عَشَرَةً أُخْرَى يَخْتَارُهَا قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْعَشَرَةَ الْأُولَى فَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ مِنْ هَذَا الْمُشْتَرِي فَرْقٌ. اُنْظُرْ رَسْمَ اسْتَأْذَنَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
(لَا طَعَامَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الطَّعَامُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْ صُبَرٍ صُبْرَةً أَوْ مِنْ نَخِيلٍ أَوْ مِنْ شَجَرٍ مُثْمِرَةٍ عَدَدًا يُسَمِّيهِ، اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ، أَوْ كَذَا وَكَذَا عِرْقًا مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَخْتَارُهُ وَيَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ فِي بَيْعِهِ الطَّعَامَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ إنْ كَانَ عَلَى الْكَيْلِ لِأَنَّهُ يَدَعُ هَذِهِ وَقَدْ مَلَكَ اخْتِيَارَهَا وَيَأْخُذُ هَذِهِ وَبَيْنَهُمَا فَضْلٌ فِي الْكَيْلِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. وَكَذَا إنْ اشْتَرَى مِنْهُ عَشَرَةَ آصُعَ مَحْمُولَةٍ بِدِينَارٍ أَوْ تِسْعَةً سَمْرَاءَ عَلَى الْإِلْزَامِ لَمْ يَجُزْ، وَيَدْخُلهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَبَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. التُّونِسِيُّ: أَمَّا إذَا بَاعَ مِنْهُ تَمْرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا فَهَذَا بَيَّنَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ يَأْخُذُ نَخْلَةً ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهَا إلَى ثَمَرِ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرُ، وَكَذَلِكَ صُبَرُ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ الْخِيَارُ فِيهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُدَّانِ مِنْ حِنْطَةٍ يَأْخُذُ أَحَدَهُمَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا فَضْلَ فِي صِفَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَكَانَ هَذَا خَفِيفًا إذَا لَمْ
[ ٦ / ٢٢٨ ]
يَتَرَاخَ فِيهِ. عِيَاضٌ: مُنِعَ هَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَبِي الْفَرَجِ وَضَعَّفُوا التَّعْلِيلَ بِبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ فَضْلٌ: إنَّمَا عِلَّتُهُ أَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ غَيْرِ مُتَنَاجِزٍ إذْ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا ثُمَّ يَتْرُكُهُ وَيَأْخُذُ الْآخَرَ فَجَاءَ بَدَلُ الطَّعَامَيْنِ غَيْرَ نَاجِزٍ.
(وَإِنْ مَعَ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَذِهِ الْغَنَمَ عَشَرَةً بِدِينَارٍ أَوْ هَذِهِ الثَّمَرَةَ عَشَرَةً إلْزَامًا وَيُدْخِلُهُ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ اهـ. اُنْظُرْ كَانَ خَلِيلٌ فِي غِنًى عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَذَا لَكِنْ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِهِ اسْتِيفَاءُ النُّصُوصِ (كَنَخْلَةٍ مُثْمِرَةٍ مِنْ نَخَلَاتٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ بَاعَ مِنْهُ ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطٍ عَلَى أَنْ يَخْتَارَهَا الْمُبْتَاعُ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ ابْتَاعَهَا بِأُصُولِهَا بِغَيْرِ ثَمَرٍ جَازَ كَالْعُرُوضِ وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَلَا (إلَّا الْبَائِعَ يَسْتَثْنِي خَمْسًا مِنْ جِنَانِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ الْمُبْتَاعُ كَالْبَائِعِ يَسْتَثْنِي خِيَارَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسٍ. هَذَا قَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ فِيهِ قَدْرَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَجَعَلَهُ كَمَنْ بَاعَ غَنَمَهُ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهَا الْبَائِعُ أَرْبَعَةَ كِبَاشٍ أَوْ خَمْسَةً.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَا رَأَيْت مَنْ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَإِنْ وَقَعَ أَجَزْته لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْكِبَاشِ لِجَوَازِ التَّفَاضُلِ فِيهَا بِخِلَافِ الثَّمَرِ.
(وَكَبَيْعِ حَامِلٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ) قَالَ أَشْهَبُ: مَنْ ابْتَاعَ بَقَرَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ جَارِيَةً يَزِيدُ فِيهَا الْحَمْلُ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا حَمْلًا لَهُ رَدُّهَا. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرُوِيَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَمْلُهَا ظَاهِرًا وَبَيْعُهُ مَفْسُوخٌ، وَأَجَازَهُ سَحْنُونَ إنْ كَانَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ سَحْنُونٍ. ابْنُ زَرْقُونٍ: إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ رَفِيعَةً يُنْقِصُهَا الْحَمْلُ فَبَاعَهَا عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى
[ ٦ / ٢٢٩ ]
مَعْنَى التَّبَرِّي. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ قَالَ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا كَانَتْ غَيْرَ رَائِعَةٍ.
(وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ) الْبَاجِيُّ: يَسِيرُ الْغَرَرِ عَفْوٌ إذْ لَا يَكَادُ عَقْدٌ يَخْلُو مِنْهُ اُنْظُرْ رَسْمَ بَاعَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ قَوْل مَالِكٌ فِي بَائِعِ ثَمَرِ حَائِطِهِ يَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَرْبَعَةَ أَحْمِرَةٍ يُرْسِلُهَا لَهُ فِي الْحَائِطِ تَأْكُلُ مَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَرِ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَطَ عَلَفَهَا إلَى الْجُدَادِ (لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ) ابْنُ عَرَفَةَ: زَادَ الْمَازِرِيُّ كَوْنَ مُتَعَلِّقِ الْيَسِيرِ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَضَرُورَةَ ارْتِكَابِهِ وَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مُنِعَ بَيْعُ الْأَجِنَّةِ وَجَوَازُ بَيْعِ الْجُبَّةِ الْمَجْهُولِ قَدْرُ حَشْوِهَا الْمَمْنُوعُ بَيْعُهُ وَحْدَهُ، وَجَوَازُ الْكِرَاءِ لِشَهْرٍ مَعَ احْتِمَالِ نَقْصِهِ وَتَمَامِهِ، وَجَوَازُ دُخُولِ الْحَمَّامِ مَعَ اخْتِلَافِ قَدْرِ مَاءِ النَّاسِ وَلُبْثِهِمْ فِيهِ وَالشُّرْبِ مِنْ السَّاقِي إجْمَاعًا فِي الْجَمِيعِ دَلِيلٌ عَلَى إلْغَاءِ مَا هُوَ يَسِيرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِلَغْوِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي زِيَادَةِ الْمَازِرِيِّ إشْكَالٌ وَرَدَّ هَذَا ابْنُ عَرَفَةَ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا فِي كَسَلَّةِ تِينٍ ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ أَمَةً وَلَهُ رَضِيعٌ حُرٌّ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ رَضَاعَهُ وَنَفَقَتَهُ سَنَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَرْضَعُوا لَهُ الْآخَرَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الظِّئْرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ إنْ مَاتَ الطِّفْلُ أَنْ يُؤْتَى بِغَيْرِهِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَمَةِ الْغَرَرُ فِيهَا تَبَعٌ لِأَنَّهُ انْضَافَ إلَى أَصْلٍ جَائِزٍ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ جُزَافًا شَهْرًا إنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَجَازَ كِرَاءَ نَاقَةٍ شَهْرًا وَاشْتَرَطَ حِلَابَهَا.
أَصْلُهُ جَوَازُ اشْتِرَاطِ الْمُبْتَاعِ ثَمَرًا لَمْ يُؤَبَّرْ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَخِلْفَةُ الْقَصِيلِ ".
وَقَالَ أَشْهَبُ: الْآتِي عَلَى قَوْلِهِ يُعْطِي الْمَوْجُودَ حُكْمَ الْمَعْدُومِ كَالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فِي الْعُقُودِ وَإِذَا قَلَّ وَتَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُمَا نَحْوَ أَسَاسِ الدَّارِ وَقُطْنِ الْجُبَّةِ وَرَدَاءَةِ بَاطِنِ الْفَوَاكِهِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَجَاسَةِ ثَوْبِ الْمُرْضِعِ اهـ.
وَانْظُرْ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّبَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ لَا لِتَبَعِيَّةٍ وَلَا لِغَيْرِ تَبَعِيَّةٍ. اُنْظُرْ تَرْجَمَةً فِي بَيْعِ الْحُلِيِّ مِنْ ابْنِ يُونُسَ، وَانْظُرْ مِنْ مَعْنَى اشْتِرَاطِ رَضَاعِ الطِّفْلِ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى الصَّغِيرُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَهَائِمِ يَشْتَرِيه عَلَى أَنْ يَكُونَ رَضَاعُهُ عَلَى أُمِّهِ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ فَمَا نَابَ مِنْهُ مَا بَقِيَ لِأَحَدٍ فَكَأُمِّهِ.
(وَكَمُزَابَنَةِ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ) مُسْلِمٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الْمُزَابَنَةِ» وَهِيَ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا. الْمَازِرِيُّ: الْمُزَابَنَةُ عِنْدَنَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ. أَوْ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِيهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: تَبْطُلُ. عَكْسُهُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَسْبَمَا يَأْتِي وَيَكُونُ فِي الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ. اُنْظُرْ سَمَاعَ عِيسَى مِنْ السَّلَمِ فِي عُيُونِ الْبَقَرِ وَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ، أَخْضَرُ كُلُّهُ أَوْ يَابِسٌ كُلُّهُ، وَلَا خَيْرَ فِي رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخَاطَرَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا الْعُمُومُ لَفْظُ النَّهْيِ عَنْ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ هَذَا جَائِزٌ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا: إنَّهُ جَائِزٌ إنْ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا قَدْ سَلِمَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْفَضْلُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ شَيْءٍ يَجُوزُ وَاحِدٌ
[ ٦ / ٢٣٠ ]
بِاثْنَيْنِ مِنْ صِنْفِهِ إذَا كَايَلَهُ أَوْ رَاطَلَهُ أَوْ عَادَهُ فَلَا يَجُوزُ الْجُزَافُ فِيهِ بَيْنَهُمَا، لَا مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَيْلًا وَلَا وَزْنًا وَلَا عَدَدًا وَلَا جُزَافًا لِأَنَّهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ لِأَنَّهُ يُعْطِي أَحَدَهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي يَأْخُذُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ تَقَارَبَ مَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ تُرَابًا لِأَنَّهُ مُزَابَنَةٌ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُهُ " لَا يَجُوزُ الْجُزَافُ مِنْهُمَا " يُرِيدُ إلَّا فِيمَا قَلَّ مِمَّا يُوزَنُ وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا مِيزَانٌ فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ تَحَرِّيًا لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جُزَافًا فَلَا فَرْقَ اهـ. (وَجَازَ إنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا إلَّا أَنْ يُعْطِيَ أَحَدَهُمَا أَكْثَرَ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وَهَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ مِنْ صِنْفِهِ.
(وَنُحَاسٌ بِتَوْرٍ لَا فُلُوسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا خَيْرَ فِي فُلُوسٍ مِنْ نُحَاسٍ بِنُحَاسٍ يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّهُ مُزَابَنَةٌ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مَا بَيْنَهُمَا وَتَكُونَ الْفُلُوسُ عَدَدًا، وَلَا بَأْسَ بِتَوْرِ نُحَاسٍ بِنُحَاسٍ نَقْدًا.
ابْنُ بَشِيرٍ: قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ: الْقِيَاسُ اعْتِبَارُ صَنْعَةِ الْفُلُوسِ كَالتَّوْرِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِيَسَارَةِ صَنْعَةِ الْفُلُوسِ. ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ بِنُحَاسٍ بِتَوْرِ نُحَاسٍ يَدًا بِيَدٍ. ابْنُ الْمَوَّازِ: عَلَى الْوَزْنِ وَإِنْ تَفَاضَلَ وَلَا يَصْلُحُ جُزَافًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَضْلُ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ اهـ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا تَدْخُلُ الْمُزَابَنَةُ فِي الصِّنْفَيْنِ إلَّا لِأَجَلٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ أَصْلَ الْمُؤَخَّرِ كَصُوفٍ فِي ثَوْبِهِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا لِأَجَلٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا خَيْرَ فِي عُصْفُرٍ فِي ثَوْبٍ مُعَصْفَرٍ لِأَجَلٍ وَعَكْسُهُ جَائِزٌ. ابْنُ الْحَاجِّ: لَا يَجُوزُ سَلَمُ زَيْتٍ فِي صَابُونٍ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الزَّيْتِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا خَيْرَ فِي شَعِيرٍ نَقْدًا فِي قَصِيلٍ لِأَجَلٍ إلَّا لِأَجَلٍ لَا يَصِيرُ الشَّعِيرُ فِيهِ قَصِيلًا وَيَكُونُ مَضْمُونًا بِصِفَتِهِ.
وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ السَّلَمِ الثَّالِثِ: يَجُوزُ بَيْعُ النَّخْلِ الَّذِي لَا ثَمَرَ فِيهَا بِالثَّمَرِ إلَى أَجَلٍ يَكُونُ النَّخْلُ تَمَرَ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجَةُ غَيْرُ الْبَيَّاضَةِ بِبَيْضٍ إلَى أَجَلٍ يَكُونُ لِلدَّجَاجَةِ قَبْلَهُ بَيْضٌ، وَالشَّاةُ غَيْرُ اللَّبُونِ بِاللَّبَنِ إلَى أَجَلٍ يَكُونُ لِلشَّاةِ قَبْلَهُ لَبَنٌ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيهِ الْمُزَابَنَةُ فِي الْمَبِيعِ نَفْسِهِ كَمَا يَقَعُ فِي الْكَتَّانِ بِثَوْبِ كَتَّانِ إلَى أَجَلٍ يُعْمَلُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْكَتَّانِ ثَوْبٌ، وَفِي الشَّعِيرِ فِي الْقَصِيلِ إلَى أَجَلٍ مُمْكِنٍ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قَصِيلٌ. ابْنُ يُونُسَ: كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ الْجِنَانَ الْمُعَجَّلَ وَالدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ لَيْسَ هِيَ نَفْسُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُهَا، وَالْكَتَّانُ وَالشَّعِيرُ هُوَ نَفْسُ مَا خَرَجَ مِنْهَا لِذَهَابِ عَيْنَيْهِمَا فِيهِمَا. أَلَا تَرَى لَوْ عَجَّلَ الثَّوْبَ لَجَازَ إذْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَتَّانٌ وَلَيْسَ هُوَ بَعْضَ ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَكَذَلِكَ الْقَصِيلُ الْمُعَجَّلُ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الشَّعِيرِ الَّذِي يُعْطِيهِ اهـ. رَاجِعْ التَّرْجَمَةَ الْمَذْكُورَةَ وَتَرْجَمَةَ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَانْظُرْ بَيْعَ وَرَقِ التُّوتِ بِحَدِيدٍ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ، وَانْظُرْ بَيْعَ الْكَبْشِ لَا صُوفَ عَلَيْهِ بِصُوفٍ لِأَجَلٍ هَلْ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ
[ ٦ / ٢٣١ ]
الْمُدَوَّنَةِ؟ وَقَدْ سَاوَاهُ مَالِكٌ بِالنَّخْلِ يُثْمِرُ فِي الْمَنْعِ. اُنْظُرْ رَسْمَ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ السَّلَمِ، وَانْظُرْ لِقَضَاءِ بَيْعِ الْأَرْضِ بِطَعَامٍ نَقْدًا وَإِلَى أَجَلٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ قَالَ: بِخِلَافِ الْكِرَاءِ. اُنْظُرْ رَسْمَ الْقُطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ السَّلَمِ وَالْآجَالِ.
(وَكَكَالِئٍ بِمِثْلِهِ) فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» ابْنُ عَرَفَةَ: تَلَقِّي الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْقَبُولِ يُغْنِي عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ فِيهِ كَمَا قَالُوا فِي " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا يَجُوزُ وَحَقِيقَتُهُ بَيْعُ شَيْءٍ فِي ذِمَّةٍ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى غَيْرُ سَابِقٍ تَقَرُّرُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَمَا تَقَدَّمَ فِيهِ تَقَرُّرُ الدَّيْنِ يُسَمَّى فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
(فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَقْرَضْته حِنْطَةً إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ بِعْته تِلْكَ الْحِنْطَةَ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: فَلَا يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ فِي ذِمَّتِهِ فَتَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ لَا تَتَعَجَّلُهُ (وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَغَائِبٍ أَوْ مُوَاضَعَةٍ أَوْ مَنَافِعِ عَيْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَك عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلَا تَكْتَرِي مِنْهُ دَارِهِ سَنَّ أَوْ أَرْضَهُ الَّتِي رُوِيَتْ أَوْ عَبْدَهُ شَهْرًا أَوْ تَسْتَعْمِلْهُ هُوَ بِهِ عَمَلًا يَتَأَخَّرُ، وَلَا تَبْتَعْ بِهِ ثَمَرَةً حَاضِرَةً فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَدْ أَزْهَتْ أَوْ أَرْطَبَتْ أَوْ زَرْعًا قَدْ أُفْرِكَ لِاسْتِئْخَارِهِمَا، وَلَوْ اُسْتُجِدَّتْ الثَّمَرَةُ أَوْ اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ وَلَا تَأْخِيرَ لَهُمَا جَازَ، وَلَا تَبْتَعْ بِهِ مِنْهُ سِلْعَةً بِخِيَارٍ أَوْ أَمَةً تَتَوَاضَعُ أَوْ سِلْعَةً غَائِبَةً عَلَى صِفَةٍ أَوْ دَارًا غَائِبَةً عَلَى صِفَةٍ.
ابْنُ يُونُسَ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ عَلَى صِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهَا حِينَئِذٍ لِغَيْبَتِهَا، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ اهـ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ ذَلِكَ بِدَيْنٍ بِاتِّفَاقٍ وَهُوَ أَقْيَسُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ رَفَعْت دَيْنَك مِنْ غَيْرِ غَرِيمِك بِمَا ذَكَرْنَا جَازَ وَلَيْسَ كَغَرِيمِك. اُنْظُرْ تَرْجَمَةً فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْسَخَ مَا حَلَّ مِنْ دَيْنِهِ أَوْ لَمْ يَحِلَّ فِي مَنَافِعِ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ مَضْمُونًا، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الدَّابَّةُ أَوْ الدَّارُ مُعَيَّنًا، فَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ: لَا خَيْرَ فِي اسْتِعْمَالِ رَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ قَبْلَ حُلُولِهِ لِخَوْفِ مَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ فَيَتَأَخَّرُ لِأَجَلٍ آخَرَ فَيَصِيرُ دَيْنًا فِي دَيْنٍ. ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيِّ: أَمَّا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَالْمَنْعُ أَصْوَبُ لِأَنَّ مَا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ يُؤْخَذُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مَا يُقْبَضُ جَمِيعُهُ بِالْحَضْرَةِ فَيَدْخُلُهُ " تَقْضِي أَوْ تُرْبِي ".
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ وَكَانَ انْقِضَاءُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ يَنْقَضِي عِنْدَ أَجَلِ الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يَدْخُلُهُ دَيْنٌ فِي دَيْنٍ لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ وَلَا تَقْضِي أَوْ تُرْبِي، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَحَقَّ الْقَضَاءُ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيَجُوزُ هَاهُنَا، وَإِنْ كَثُرَ الْأَجَلُ وَكَانَ لَا يُجَاوِزُ الْأَجَلَ الْأَوَّلَ وَلَا يَدْخُلُهُ
[ ٦ / ٢٣٢ ]
مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ مَرَضِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ هَاهُنَا إذَا مَرِضَ انْفَسَخَ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الْأَمَدِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى خِيَاطَةِ الْأَثْوَابِ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فَلَا يَسْتَأْجِرُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا فِيمَا قَلَّ، لِأَنَّ الْخِيَاطَةَ فِي الْمُقَاطَعَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ وَيَدْخُلُهُ مَا خَشِيَ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ إنْ مَرِضَ قَضَى فِي وَقْتٍ آخَرَ انْتَهَى.
وَسَلَّمَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كُلَّهُ وَلِابْنِ يُونُسَ. قِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِذَا لَمْ يَجُزْ لِي أَنْ أُكْرِيَ مِنْهُ دَارِهِ بِدَيْنٍ لِي عَلَيْهِ أَوْ أُكْرِيَ مِنْهُ عَبْدَهُ، فَهَلْ أَسْتَعْمِلُهُ هُوَ بِهِ عَمَلًا؟ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْعَمَلُ الْيَسِيرُ وَالدَّيْنُ لَمْ يَحِلَّ فَجَائِزٌ، وَإِنْ حَلَّ فَلَا يَجُوزُ فِي يَسِيرٍ وَلَا كَثِيرٍ.
قَالَ: وَلَا تَبْتَعْ مِنْهُ بِدَيْنِك سِلْعَةً غَائِبَةً أَوْ سِلْعَةً بِخِيَارٍ. انْتَهَى مِنْ رَابِعِ تَرْجَمَةٍ مِنْ كِتَابِ الْآجَالِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ أَوْ عَبْدَهُ فِي الْخِيَاطَةِ شَهْرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ فِي قِصَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ يَوْمًا وَنَحْوَهُ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: فَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ أَجَلًا. قَالَ: فَيَجُوزُ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي خِدْمَةِ مُعَيَّنٍ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ، وَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ، وَقَدْ رَشَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ: فَإِذَا كَانَ لِإِنْسَانٍ قِبَلَ آخَرَ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ: اُحْرُثْ مَعِي غَدًا وَاقْتَطِعْ لَك مِنْ دَيْنِك أَوْ اخْدِمْ مَعِي غَدًا فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ.
وَقَدْ رَشَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَهُوَ أَيْضًا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَجَلٍ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ لَمْ يَحِلَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ اللَّخْمِيِّ وَسَلَّمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. انْتَهَى مَأْخَذُ سَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ - ﵀ -. وَكَانَ أَيْضًا يَقُولُ: إذَا خَدَمَ مَعَك مَنْ لَك عَلَيْهِ دَيْنٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَك أَنْ تُقَاصَّهُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ.
قَالَ: وَبِهَذَا أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ إذْ مَا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَخْفَى عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ أَجَازَ مَالِكٌ
[ ٦ / ٢٣٣ ]
فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ تَبِيعَ دَيْنَك مِنْ غَيْرِ غَرِيمِك بِمَنَافِعِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ بِمَا ذُكِرَ مَعَ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا فَمَاتَتْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَهَا لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِفَلَاةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا كَانَ قَدْ نَقَدَ الْكِرَاءَ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ السَّعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْتَخْدِمَهُ بِدَيْنٍ لَك عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا كَالدِّرْهَمِ وَنَحْوِهِ، وَتَعَقَّبَ هَذَا الْقَبَّابُ إلَّا أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ قَدْ يُرَشِّحُهُ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَنْ تُعْطِيَ غَرِيمَك ثَوْبًا يَخِيطُهُ لَك مِنْ دَيْنِك عَلَيْهِ وَشِبْهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَثُرَ الْعَمَلُ لَمْ يَجُزْ انْتَهَى نَصُّهُ.
(وَبَيْعُهُ بِدَيْنٍ) اُنْظُرْ إنْ كَانَ عَنَى بِهَذَا بَيْعَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ الْغَرِيمِ. فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إذَا بِعْت الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَك أَنْ تُؤَخِّرَ بِالثَّمَنِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ فَقَطْ وَلَا تُؤَخِّرُ الْغَرِيمَ إذَا بِعْته مِنْهُ إلَّا مِثْلَ ذَهَابِهِ إلَى الْبَيْتِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِيَوْمٍ آخَرَ لِيَأْتِيَ بِالدَّوَابِّ انْتَهَى. فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا أَنَّ فَسْخَ الدَّيْنِ أَضْيَقُ مِنْ بَيْعِهِ.
(وَتَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ) اُنْظُرْ إنْ كَانَ يَعْنِي بِهَذَا ابْتِدَاءَ الدَّيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَيْضًا أَخَفُّ فَأَتَى بِالثَّلَاثَةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا الَّذِي ذَكَرَهُ حَيْثُ قَالَ: وَالْأَضْيَقُ صَرْفُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي دَيْنٍ ثُمَّ بِبَيْعِ الدَّيْنِ ثُمَّ ابْتِدَاؤُهُ، وَسَيَأْتِي فِي السَّلَمِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ لَهُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي طَعَامٍ وَنَقَدْته مِنْهَا خَمْسِينَ وَأُخْرَى بِخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ وَفُسِخَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَلَا تَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ حِصَّةُ النَّقْدِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ كُلُّهَا.
(وَمُنِعَ بَيْعُ دَيْنِ مَيِّتٍ وَغَائِبٍ) قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدِّينُ وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَإِنْ عُلِمَ الَّذِي تَرَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يَدْرِي أَيُتِمُّ أَمْ لَا يُتِمُّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِعْنِي دَيْنَك الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ وَأَنَا أَعْلَمُ وُجُوبَهُ لَك عَلَيْهِ فَبَاعَهُ مَعَهُ لَجَازَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ بَعْدُ كَانَتْ مُصِيبَةً دَخَلَتْ عَلَيْهِ (وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَحَاضِرٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا جَوَازُ بَيْعِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ الْمِدْيَانِ إنْ كَانَ حَاضِرًا مُقِرًّا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا قَرِيبَ الْغِيبَةِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ مِلْؤُهُ مِنْ عَدَمِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
(وَكَبَيْعِ
[ ٦ / ٢٣٤ ]
الْعُرْبَانِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إنْ كَرِهَ الْبَيْعَ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) خَرَّجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ مَا فِي إسْنَادِهِ مِنْ الْكَلَامِ هُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مُنْقَطِعٌ وَفَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِإِعْطَاءِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا عَلَى إنْ أَخَذَ الْمَبِيعَ فَهُوَ مِنْ الثَّمَنِ وَإِلَّا بَقِيَ لِلْبَائِعِ. أَبُو عُمَرَ: مَا فَسَّرَهُ بِهِ مَالِكٌ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَأَعْطَى عُرْبُونًا عَلَى أَنَّهُ إنْ رَضِيَهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَخِطَهُ رَدَّهُ وَأَخَذَ عُرْبُونَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَخْتِمُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
(وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا) التِّرْمِذِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
[ ٦ / ٢٣٦ ]
«مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْأَشْرَافِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْخَبَرِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ طِفْلًا لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ سِنِينَ. ابْنُ يُونُسَ: وَالْأَصْوَبُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلَدِ، فَلَوْ رَضِيَتْ الْأُمُّ بِالتَّفْرِقَةِ لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً أَمْ كَافِرَةً.
قَالَ مَالِكٌ: وَحَدُّ ذَلِكَ الْإِثْغَارُ مَا لَمْ يُعَجَّلْ بِهِ جِوَارِي كُنَّ أَوْ غِلْمَانًا بِخِلَافِ حَضَانَةِ الْحُرَّةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ لِأُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ فِي الْبَيْعِ مَتَى شَاءَ سَيِّدُهُ وَإِنَّمَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي
[ ٦ / ٢٣٧ ]
الْأُمِّ خَاصَّةً. (وَإِنْ بِقِسْمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَخَوَيْنِ وَرِثَا أَمَةً وَوَلَدُهَا صَغِيرٌ فَأَرَادَا أَنْ يَتَقَاوَمَا الْأُمَّ وَوَلَدَهَا، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا الْأُمَّ وَالْآخَرُ الْوَلَدَ وَشَرَطَا أَنْ لَا يُفَرِّقَا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا قَالَ: فَقَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْأَخَوَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَتَقَاوَمَا الْأُمَّ وَالْوَلَدَ فَيَأْخُذَهَا
[ ٦ / ٢٣٨ ]
أَحَدُهُمَا بِوَلَدِهَا أَوْ يَبِيعَاهُمَا جَمِيعًا.
(أَوْ بِيعَ أَحَدُهُمَا لِعَبْدِ سَيِّدِ الْآخَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَنْبَغِي بَيْعُ الْأُمِّ مِنْ رَجُلٍ وَالْوَلَدِ مِنْ عَبْدٍ مَأْذُونٍ لِذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَنَّ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ مِلْكُهُ لَهُ حَتَّى يُنْتَزَعَ مِنْهُ (مَا لَمْ يُثْغِرْ مُعْتَادًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (وَصَدَقَتْ الْمَسْبِيَّةُ وَلَمْ تُورَثْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ هَذَا ابْنِي لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتَوَارَثَانِ بِذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ بِالشَّكِّ
[ ٦ / ٢٣٩ ]
(مَا لَمْ تَرْضَ) اللَّخْمِيِّ: فِي جَوَازِ التَّفْرِقَةِ بِرِضَا الْأُمِّ رِوَايَتَانِ، وَتَقَدَّمَ تَصْوِيبُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلَدِ (وَفُسِخَ مَا لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْوَلَدُ لِرَجُلٍ وَالْأُمُّ لِآخَرَ جُبِرَا أَنْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ أَوْ يَبِيعَاهُمَا مَعًا، وَمَنْ بَاعَ وَلَدًا دُونَ أُمِّهِ فُسِخَ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ (وَهَلْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَذَلِكَ أَوْ يُكْتَفَى بِحَوْزٍ كَالْعِتْقِ؟ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: هِبَةُ الْوَلَدِ لِلثَّوَابِ كَبَيْعِهِ فِي التَّفْرِقَةِ، وَلَوْ وُهِبَ الْوَلَدُ وَهُوَ صَغِيرٌ يَعْنِي لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَازَ ذَلِكَ وَيُتْرَكُ مَعَ أُمِّهِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُجْبَرُ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ أَيْ يَكُونُ الْوَلَدُ مَعَ أُمِّهِ إمَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الْوَلَدِ أَنْ يَرُدَّ الْوَلَدَ إلَى الْأُمِّ أَوْ يَضُمَّ سَيِّدُ الْأَمَةِ الْأَمَةَ إلَى وَلَدِهَا وَإِلَّا فَلِيَبِيعَاهُمَا، رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَوْزِ أَحَدِهِمَا لَا فِي مِلْكِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا مَرَّةً. ابْنُ يُونُسَ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ بَابٌ مَعْرُوفٌ كَالْعِتْقِ فَاكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: يَجْمَعَانِهِمَا فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا وَإِلَى مَنْ لَقِيَنَا، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ فِي الْوَارِثَيْنِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُهُ أَنَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ كَالْبَيْعِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْتَقَ ابْنَ أَمَتِهِ الصَّغِيرَ فَلَهُ بَيْعُ أَمَتِهِ وَيُشْتَرَطُ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ
(وَجَازَ بَيْعُ نِصْفِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: بَيْعُ نِصْفِهِمَا مَعًا غَيْرُ تَفْرِقَةٍ (وَبَيْعُ أَحَدِهِمَا لِلْعِتْقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ أَحَدِهِمَا لِلْعِتْقِ وَلَيْسَ الْعِتْقُ بِتَفْرِقَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: عَلَى لُزُومِ فَسْخِ بَيْعِ التَّفْرِقَةِ نَظَرٌ لِتَأَخُّرِ الْعِتْقِ عَنْهُ (وَالْوَلَدُ فِي كِتَابَةِ أُمِّهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: كِتَابَةُ أَحَدِهِمَا غَيْرُ تَفْرِقَةٍ وَكَذَا التَّدْبِيرُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الْأُمُّ لَمْ يَجُزْ لَهُ
[ ٦ / ٢٤٠ ]
بَيْعُ وَلَدِهَا إذْ هِيَ فِي مِلْكِهِ بَعْدُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ كِتَابَتَهَا مَعَ رَقَبَةِ الِابْنِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا (وَلِمُعَاهَدٍ التَّفْرِقَةُ وَكُرِهَ الِاشْتِرَاءُ مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَلَ الرُّومُ بِبَلَدِنَا تُجَّارًا فَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا لَمْ أَمْنَعْهُمْ، وَكَرِهْت لِلْمُسْلِمِينَ شِرَاءَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ. وَإِنْ ابْتَاعَ مُسْلِمٌ أُمًّا وَابْنَهَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا إنْ بَاعَ، وَكَذَلِكَ إنْ ابْتَاعَ أَمَةً قَدْ كَانَ وَلَدُهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ كَانَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ.
(وَكَبَيْعٍ وَشَرْطٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ إلَّا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَقِّ. ابْنُ رُشْدٍ: رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْوَارِثِ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: قَدِمْت مَكَّةَ فَوَجَدْت فِيهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ فَقُلْت لِأَبِي حَنِيفَةَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ شَيْئًا؟ فَقَالَ الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْته فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ شُبْرُمَةُ فَسَأَلْته فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ. فَقُلْت: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ. فَأَتَيْت أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» . ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْته فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا «قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأُعْتِقَهَا وَإِنْ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا «قَالَ جَابِرٌ: بَعَثَ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - نَاقَةً فَشَرَطَ لِي حِلَابَهَا وَظَهْرَهَا إلَى الْمَدِينَةِ» الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ. فَعَرَفَ مَالِكٌ - ﵀ - الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَتَأَوَّلَهَا عَلَى وُجُوهِهَا وَلَمْ يُمْعِنْ غَيْرُهُ النَّظَرَ وَلَا أَحْسَنَ تَأْوِيلَ الْأَثَرِ (يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَأَنْ لَا يَبِيعَ) ابْنُ شَاسٍ: مَحْمَلُ النَّهْيِ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ كَأَنْ لَا يَبِيعَ أَوْ يَعُودَ بِغَرَرٍ فِي الثَّمَنِ كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: بُيُوعُ الشُّرُوعِ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعُلُومِ بُيُوعَ الثُّنْيَا مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ
[ ٦ / ٢٤١ ]
الرَّجُلُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْبَلَدِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَعْزِلَ عَنْهَا، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُجِيزَهَا الْبَحْرَ، أَوْ عَلَى إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ لَا يَجُوزُ إلَيْهِ الْخِيَارُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّحْجِيرَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَى بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْبُيُوعِ، اُخْتُلِفَ فِيهِ إذَا وَقَعَ فَقِيلَ إنَّهُ يُفْسَخُ مَا دَامَ الْبَائِعُ مُتَمَسِّكًا بِشَرْطِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الشَّرْطَ صَحَّ الْبَيْعُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ شِرَاءُ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ فِيهَا الْبَيْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا يَمْضِي إنْ رَضِيَ مُشْتَرِطُ الْخِيَارِ بِتَرْكِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ رِضَاهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِتَرْكٍ مِنْهُ لِلشَّرْطِ وَإِنَّمَا هُوَ مُخْتَارٌ لِلْبَيْعِ عَلَى الْخِيَارِ الْفَاسِدِ الَّذِي اشْتَرَطَ.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا لِلْبَائِعِ إمْضَاءُ الْبَيْعِ عَلَى تَرْكِ الشَّرْطِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِمَا حُكْمَ الْفَاسِدِ يُفْسَخُ فِي الْقِيَامِ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ فِيهِ فِي الْفَوَاتِ مَا بَلَغَتْ.
إحْدَاهُمَا أَنْ تَبِيعَهُ الْأَمَةُ عَلَى إنْ وَطِئَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا فَهَذَا يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
الثَّانِيَةُ: شِرَاءُ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ لِأَجَلٍ بَعِيدٍ.
اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ إذَا بَاعَهُ أَوْ أَقَالَهُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى بَاعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ. وَانْظُرْ أَيْضًا الْمَسْأَلَةَ بَعْدَهَا إذَا بَاعَ عَلَى شَرْطٍ مَتَى جَاءَ بِالثَّمَنِ أَخَذَ مَبِيعَهُ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هِيَ مِنْ بُيُوعِ الثُّنْيَا انْتَهَى. وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا بَاعَهُ مِنْ مَرِيضٍ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ بَيْنَ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ فَرْقٌ، فَإِنْ
[ ٦ / ٢٤٢ ]
لَمْ يَسَعْ الثُّلُثَ عَتَقَ مَا وَسِعَ وَرَقَّ بَاقِيهِ لِلْوَرَثَةِ وَغَرِمُوا قِيمَتَهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْبَيْعُ عَلَى شَرْطِ التَّدْبِيرِ أَوْ الْكِتَابَةِ أَوْ الْعِتْقِ لِأَجَلٍ. اُنْظُرْ رَسْمَ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَانْظُرْ أَيْضًا الْإِقَالَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَإِنْ أَقَالَهُ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَرْقٌ كَالزَّوْجَةِ تَضَعُ مَهْرَهَا عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ وَضَعَتْ مَهْرَهَا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ أَقَالَتْهُ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فَطَلَّقَ وَبَاعَ بِالْفَوْرِ فَبَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ فَرْقٌ. اُنْظُرْ سَمَاعَ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. وَانْظُرْ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ تَقُولَ عَلَى أَنْ لَا تُطَلِّقَ أَبَدًا أَوْ لَا تَعْزِلَ أَبَدًا بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَضَعِي لِي صَدَاقِي فَوَضَعَتْهُ أَوْ قَالَتْ هِيَ لَهُ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ عَلَيَّ فَقَدْ وَضَعْت عَنْك صَدَاقِي.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا: قَدْ بَيَّنْت الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ. وَانْظُرْ أَيْضًا إنْ أَتَى الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ لِيَسْتَقِيلَهُ فَيَقُولُ لَهُ إذَا جِئْتنِي بِالثَّمَنِ أَقَلْتُكَ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً أَوْ لَا فَرْقَ
[ ٦ / ٢٤٣ ]
وَبَيْنَ أَنْ يُفَوِّتَهُ الْمُشْتَرِي بِقُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ فَرْقٌ. اُنْظُرْ آخِرَ نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
(إلَّا بِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ وَلَمْ يُجْبَرْ إنْ أَبْهَمَ كَالْمُخَيَّرِ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاءِ عَلَى إيجَابِ الْعِتْقِ كَأَنَّهَا حُرَّةٌ بِالشِّرَاءِ) اللَّخْمِيِّ: شَرْطُ الْبَائِعِ الْعِتْقَ عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي صِفَةِ وُقُوعِ الْعِتْقِ وَفِي شَرْطِ النَّقْدِ، فَأَمَّا إنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَأَبْهَمَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِإِيجَابٍ وَلَا خِيَارٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ أَنْ لَا يُعْتِقَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: يَلْزَمُ الْعِتْقُ. اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا أَحْسَنُ. وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْعِتْقِ وَفِي رَدِّهِ لِبَائِعِهِ فَهَذَا إنْ كَانَ بِغَيْرِ نَقْدٍ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ لَمْ يَجُزْ لِلْغَرَرِ لِأَنَّهُ تَارَةً بَيْعٌ وَتَارَةً سَلَفٌ. وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ فَهَذَا يُجْبَرُ أَنْ يُعْتِقَهُ، فَإِنْ أَبَى أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ فَهَذَا يَكُونُ حُرًّا بِنَفْسِ
[ ٦ / ٢٤٥ ]
الْعَقْدِ (أَوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " يُنَاقِض الْمَقْصُود ".
(وَصَحَّ إنْ حُذِفَ أَوْ حُذِفَ شَرْطُ التَّدْبِيرِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ إنْ تَرَكَ الشَّرْطَ صَحَّ الْبَيْعُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ ابْتَاعَهَا عَلَى أَنْ يُدَبِّرَهَا أَوْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ أَوْ يُعْتِقَهَا إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ لِلْغَرَرِ بِمَوْتِ الْأَمَةِ أَوْ السَّيِّدِ قَبْلَ ذَلِكَ وَبِحُدُوثِ دَيْنٍ يَرُدُّ الْمُدَبَّرَ. الْمَازِرِيُّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَسْقَطَ الْبَائِعُ شَرْطَهُ مَضَى الْبَيْعُ.
(كَشَرْطِ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ أَوْ أَجَلٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا شَرْطٌ لَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ بَلْ هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ كَشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ وَالْأَجَلِ الْمَعْلُومِ وَالْخِيَارِ الصَّحِيحِ فَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحْمَلِ النَّهْيِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَ اشْتِرَاطِهِ (وَلَوْ غَابَ وَتُؤُوِّلَتْ بِخِلَافِهِ) الْفَرْعُ الَّذِي يَتْلُو هَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْغَيْبَةَ عَلَى السَّلَفِ وَهُمْ قَدْ نَصُّوا هُنَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْغَيْبَةَ فِي الرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطِ رَهْنٍ غَائِبٍ جَائِزٌ قَالَ: كَمَا لَوْ بِعْتهَا بِهِ وَتُوقَفُ السِّلْعَةُ الْحَاضِرَةُ حَتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ الْغَائِبَ، وَأَمَّا الْبَيْعُ عَلَى شَرْطٍ وَحَمِيلٍ غَائِبٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ
[ ٦ / ٢٤٦ ]
هُوَ أَيْضًا جَائِزٌ إنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ وَلَمْ يَنْتَقِدْ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ شَيْئًا. ابْنُ يُونُسَ: يُفَرَّقُ: بَيْنَ بُعْدِ غَيْبَةِ الرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِشَرْطِ السَّلَفِ إذَا قَبَضَهُ مُشْتَرِطُهُ وَغَابَ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَدْ تَمَّ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً رُدَّتْ، وَإِنْ فَاتَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَفِيهَا الْقِيمَةُ مَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ. .
(وَفِيهِ إنْ فَاتَ أَكْثَرُ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ إنْ
[ ٦ / ٢٤٧ ]
أَسْلَفَ الْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَالْعَكْسُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَسَادِ الْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ حَتَّى فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِتَغَيُّرِ بَدَنٍ أَوْ سُوقٍ وَكَانَ السَّلَفُ مِنْ الْبَائِعِ، فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَيُرَدُّ السَّلَفُ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمَا مَا بَلَغَ (وَكَالنَّجْشِ يَزِيدُ لِيَغُرَّ) فِي الْمُوَطَّأِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ النَّجْشِ» .
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ فِي السِّلْعَةِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيَغْتَرَّ بِهِ (وَإِنْ عَلِمَ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ) ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ فَعَلَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِنْ فَاتَتْ أَدَّى الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ. وَهَذَا إذَا دَسَّهُ الْبَائِعُ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَالْإِثْمُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. (فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنْ فَاتَتْ أَدَّى الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ فَانْظُرْ تَرْكَ خَلِيلٍ إنْ شَاءَ.
(وَجَازَ سُؤَالُ الْبَعْضِ لِيَكُفَّ عَنْ الزِّيَادَةِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: أَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ فِيمَنْ حَضَرَ جَارِيَةً بِالسُّوقِ وَيَقُولُ لِرَجُلٍ كُفَّ عَنِّي فِيهَا لِي بِهَا حَاجَةٌ وَلَا أُحِبُّ الْأَمْرَ الْعَامَّ، وَلَوْ تَوَاطَأَ النَّاسُ بِهَذَا فَسَدَتْ الْبُيُوعُ. ابْنُ رُشْدٍ: فَلَوْ قَالَ لِوَاحِدٍ: كُفَّ عَنِّي وَلَك دِينَارٌ جَازَ وَلَزِمَهُ الدِّينَارُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: وَتَكُونُ شَرِيكِي فِيهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَلَك نِصْفُهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى مَا لَا يَمْلِكُ.
(لَا الْجَمِيعِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ فِي الْبَيْعِ يَقُولُونَ لَا تَزِيدُوا عَلَى كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا هَذَا بِحَسَنٍ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا لِأَنَّ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إفْسَادٌ عَلَى الْبَائِعِ وَإِضْرَارٌ بِهِ.
(وَكَبَيْعِ حَاضِرٍ لِعَمُودِيٍّ) الْبُخَارِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» الْبَاجِيُّ الْبَوَادِي عَلَى قِسْمَيْنِ: أَهْلُ عَمُودٍ وَأَهْلُ مَنَازِلَ وَاسْتِيطَانٍ. فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَهْلَ الْعَمُودِ مُرَادُونَ
[ ٦ / ٢٥٠ ]
بِالْحَدِيثِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ لَهُمْ وَلَا يُشَارُ عَلَيْهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ إنَّمَا هُوَ لِإِرَادَةِ نَفْعِ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ لِيُصِيبُوا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يُرِدْ بِالنَّهْيِ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَثْمَانَ وَالْأَسْوَاقَ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يُشْبِهُونَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ وَلَا يُشَارُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا أَيَّامَ الرَّبِيعِ فِي الْقُرَى وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى الْمِيلَيْنِ فِي الْقَرْيَةِ وَهُمْ عَالِمُونَ بِالسِّعْرِ، فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ بِجَعْلِهِمْ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: الْبَدْوِيُّ لَا يُبَاعُ لَهُ عَرَفَ السِّعْرَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالْقَرَوِيُّ إنْ عَرَفَ الْأَسْعَارَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ يُبَعْ لَهُ (وَلَوْ بِإِرْسَالِهِ لَهُ) الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا يَبْعَثُ الْبَدْوِيُّ إلَى الْحَضَرِيِّ بِمَتَاعٍ يَبِيعُهُ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ أَبُو عُمَرَ وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ (وَهَلْ لِقَرَوِيٍّ؟ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ " الْقَرَوِيُّ إنْ عَرَفَ الْأَسْعَارَ بِيعَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا " وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: قَوْلُ مَالِكٍ الثَّانِي إنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ الْقُرَى الصِّغَارَ دُونَ الْأَمْصَارِ. ابْنُ رُشْدٍ: قِيلَ لَا يَجُوزُ لِحَاضِرٍ أَنْ يَبِيعَ لِجَالِبٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمُدُنِ وَالْحَوَاضِرِ (وَفُسِخَ) الْبَاجِيُّ: رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ وَقَعَ بَيْعُ الْحَاضِرِ فُسِخَ. ابْنُ رُشْدٍ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَأُدِّبَ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي وُجُوبِ تَأْدِيبِ فَاعِلِهِ إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ مُطْلَقًا وَإِنْ اعْتَادَهُ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي لِابْنِ وَهْبٍ قَائِلًا يُزْجَرُ.
(وَجَازَ الشِّرَاءُ لَهُ) الْبَاجِيُّ: أَمَّا الشِّرَاءُ لِلْبَدْوِيِّ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُشْتَرَى لَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
(وَكَتَلَقِّي السِّلَعِ) الْبُخَارِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ» .
وَفِي مُسْلِمٍ: «لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ» أَبُو عُمَرَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا رِفْقٌ بِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:
[ ٦ / ٢٥١ ]
إنَّمَا هَذَا رِفْقٌ بِصَاحِبِ السِّلْعَةِ وَقَدْ وَرَدَ بِهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد، «نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إذَا وَرَدَتْ السُّوقَ» (أَوْ صَاحِبِهَا) الْبَاجِيُّ: لَوْ وَصَلَتْ السِّلَعُ السُّوقَ وَلَمْ يَصِلْ بَائِعُهَا فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ وَاشْتَرَاهَا مِنْهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَهُوَ عِنْدِي مِنْ التَّلَقِّي الْمَمْنُوعِ (كَأَخْذِهَا فِي الْبَلَدِ بِصِفَةٍ) رَوَى مُحَمَّدٌ: مَا أَرْسَى بِالسَّاحِلِ مِنْ السُّفُنِ بِالتِّجَارَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ فَيَبِيعُهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الضَّرَرَ فَلَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِكَارِ.
الْبَاجِيُّ: لِأَنَّهُ مُنْتَهَى سَفَرِ الْوَارِدِ، وَأَمَّا إنْ وَرَدَ خَبَرُهَا قَبْلَ أَنْ تَرِدَ فَيَشْتَرِيهَا رَجُلٌ عَلَى الصِّفَةِ قَبْلَ وُصُولِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَهُوَ مِنْ التَّلَقِّي (وَلَا يُفْسَخُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي شِرَاءِ التَّلَقِّي فَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يُنْهَى، فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ.
الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. الْبَاجِيُّ: وَاخْتَارَهُ أَشْهَبُ. عِيَاضٌ: الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُوقٌ فَأَهْلِ الْمِصْرِ فَيَشْتَرِكُ فِيهَا مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يَطِيبُ لَهُ رِبْحُ التَّلَقِّي.
قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَيَتَصَدَّقُ بِهِ؟ قَالَ: لَوْ فَعَلَهُ احْتِيَاطًا فَلَا بَأْسَ بِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ ضَحَّى بِمَا اشْتَرَى وَفِي التَّلَقِّي فَرَوَى عِيسَى: عَلَيْهِ الْبَدَلُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَا يَبِيعُ لَحْمَ الْأُولَى.
وَهَذَا عِنْدِي عَلَى الِاسْتِحْسَانِ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا ضَحَّى بِمَا قَدْ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالِابْتِيَاعِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي لَا يُفْسَخُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُفْسَخُ لِأَنَّهُ بِالذَّبْحِ يَمْضِي بِالثَّمَنِ أَوْ تَلْزَمُهُ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ فَإِنَّمَا ضَحَّى بِمَا قَدْ مَلَكَهُ قَبْلَ الذَّبْحِ مِلْكًا صَحِيحًا أَوْ بِشُبْهَةٍ ارْتَفَعَتْ بِالذَّبْحِ (وَجَازَ لِمَنْ عَلَى كَسِتَّةِ أَمْيَالٍ أَخْذُ مُحْتَاجٍ
[ ٦ / ٢٥٢ ]
إلَيْهِ) رُبَّمَا يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَالْبَاجِيِّ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يُفْتِي بِهِ وَيَعْزُوهُ لِلْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ هُوَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا نَقَلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ غَيْرُهُ وَنَصُّهُ: مَا كَانَ مِنْ سِلْعَةٍ لَهَا سُوقٌ فَلَا يَبْتَاعُهَا وَإِنْ مَرَّتْ عَلَى بَابِ دَارِهِ فِي الْحَضْرَةِ لِقُوتِهِ وَلَا لِتِجَارَتِهِ حَتَّى يَهْبِطَ بِهَا السُّوقَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سُوقٌ فَلَهُ ذَلِكَ فِيهَا إذَا دَخَلَتْ بُيُوتَ الْحَاضِرَةِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْأَسْوَاقَ وَمِنْ مَنْزِلِهِ خَارِجَ الْحَضْرَةِ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَلِيَشْتَرِ مِمَّا مَرَّ بِهِ لِقُوتِهِ وَلَا يَشْتَرِ لِلتِّجَارَةِ إلَّا فِي سُوقِ تِلْكَ السِّلْعَةِ.
وَاذَا وَقَعَتْ السِّلْعَةُ مَوْقِعَهَا فِي السُّوقِ ثُمَّ رَدَّهَا صَاحِبُهَا خَرَجَتْ عَنْ التَّلَقِّي وَحَلَّ لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ شِرَاؤُهَا أَوْ مِنْ دَارِ الْبَائِعِ انْتَهَى.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ خَرَجَ قَوْمٌ لِغَزْوٍ أَوْ تَجْرٍ فَلَقُوا سِلَعًا جَازَ شِرَاؤُهُمْ مِنْهَا لِأَكْلِهِمْ لَا لِتَجْرٍ، وَكَذَلِكَ الْقُرَى يَمُرُّونَ بِهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَإِذَا اخْتَزَنَ الطَّعَامَ فِي الطَّرِيقِ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ سُوقٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِيهِ جَازَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَفِي هَذَا تَفْصِيلٌ. أَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَأْكُلُوهُ أَوْ لِيَبِيعُوهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِاخْتِزَانِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَأَنَّهُ قَدْ أُصِيبَ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِمَّنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ لِشِرَائِهِ فَيَجْرِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَهْلِ الْحَاضِرَةِ وَالتُّجَّارُ يَخْرُجُونَ إلَى الْأَجِنَّةِ يَشْتَرُونَ مِنْ ثِمَارِهَا، أَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفُتْيَا.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: جُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ كَانَ التَّلَقِّي عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الْبُلْدَانِ فِي الْأَمْتِعَةِ وَالسِّلَعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا التَّلَقِّي مَنْ خَرَجَ بِسِلْعَةٍ يُرِيدُ بِهَا السُّوقَ، فَأَمَّا مَنْ قَصَدْته فِي مَوْضِعِهِ فَلَمْ تُتَلَقَّ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَ أَبِي عُمَرَ " فَأَمَّا مَنْ قَصَدْته " إلَخْ وَقَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ فِي الطَّعَامِ الْمُخْتَزَنِ كُلُّ ذَلِكَ يُرَشِّحُ جَوَازَ أَنْ يَذْهَبَ الْإِنْسَانُ إلَى دَارِ آخَرَ يَكْتَرِي مِنْهُ دَابَّتَهُ أَوْ يَكْتَرِيهِ يَخْدُمُ مَعَهُ، وَكُنْت لَمَّا وُلِّيتُ الْخَطَابَةَ بِالْبَيَازِينَ وَجَدْت مَنْ كَانَ قَبْلِي قَدْ مَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمْ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً وَلَا خَدَّامًا إلَّا بِالْمَوْقِفِ.
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ - ﵀ - فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ مَا ذَكَرَ لِي مُدْرِكُ الْعِلْمِ. وَانْظُرْ مَا أَخَذَ أَبُو عُمَرَ مَسْأَلَةُ السِّتَّةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوُهُ لِعِيَاضٍ. وَبَقِيَ هُنَا فُرُوعٌ مِنْهَا الْقَضَاءُ لِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ فِي الشَّرِكَةِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بَعْضُهُمْ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الشَّرِكَةِ.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
وَبَقِيَ أَيْضًا مِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَهَلْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ أَوْ يُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ؟ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَذْهَبُ قَصْرُ هَذَا النَّهْيِ عَلَى بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ لَا الْمُزَايَدَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ زَادَ الْمُنَادِي عَلَى بَيْعِ ثَوْبٍ مِنْ مِيرَاثٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَإِذَا زَادَ فِي السِّلْعَةِ جَمَاعَةٌ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ. فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْبَائِعُ مُخَيَّرٌ فِي إمْضَائِهَا لِمَنْ شَاءَ مِمَّنْ أَعْطَى فِيهَا ثَمَنًا وَإِنْ كَانَ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَرِدَّ سِلْعَتَهُ.
وَمِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْبَيْعُ عِنْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، ذَكَرَهُ خَلِيلٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَبَقِيَ أَيْضًا مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ التَّسْعِيرُ. نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا سُئِلَ فِيهِ فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ هُوَ الْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ وَالْمُغَلِّي وَالْمُرَخِّصُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ ظَلَمْتُهُ إيَّاهَا فِي عِرْضٍ وَمَالٍ» .
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجَالِبُ لَا يُسَعَّرُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ التَّسْعِيرُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ إلَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَرَآهُ مَصْلَحَةً بَعْدَ جَمْعِ وُجُوهِ أَهْلِ سُوقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ لِلطَّعَامِ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ فِي دَارِهِ بِسِعْرِ السُّوقِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ غَلَائِهِ فَإِنْ كَانَ جَالِبًا بَاعَ فِي دَارِهِ إنْ شَاءَ عَلَى يَدِهِ. وَانْظُرْ حُكْمَ الِاحْتِكَارِ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَلَا غَيْرِهِ فِي وَقْتٍ يَضُرُّ احْتِكَارُهُ فِيهِ بِالنَّاسِ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كَتَّانٍ وَحِنَّاءٍ وَعُصْفُرٍ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ احْتِكَارُهُ فَرَابِعُ الْأَقْوَالِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ الِاحْتِكَارِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُهُمَا بِحَالٍ. اُنْظُرْ رَسْمَ الْبُيُوعِ الْأَوَّلَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
[مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ قَبْضٍ أَوْ فَوَاتٍ]
(وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ) قَالَ ابْنُ شَاسٍ: خَاتِمَةٌ لِهَذَا الْبَابِ يَعْنِي لِبَابِ فَسَادِ
[ ٦ / ٢٥٤ ]
الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ نَهْيِ الشَّرْعِ قَالَ: وَيَذْكُرُ فِي هَذِهِ الْخَاتِمَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ قَبْضٍ أَوْ فَوَاتٍ، وَالْمَقْصُودُ النَّظَرُ فِي نَقْلِ الضَّمَانِ وَفِي نَقْلِ الْمِلْكِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ضَمَانُ مَا فَسَدَ بَيْعُهُ مِنْ آبِقٍ أَوْ جَنِينٍ أَوْ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُبْتَاعُ، مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الثَّمَرَةُ تُبَاعُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مُصِيبَتُهَا مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَجُذَّهَا الْمُبْتَاعُ.
قَالَ
[ ٦ / ٢٥٥ ]
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اشْتَرَى الزَّرْعَ مَا طَابَ وَيَبِسَ بِثَمَنٍ فَاسِدٍ فَتُصِيبُهُ عَاهَةٌ فَيَتْلَفُ ضَمَانُهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ مِنْ رَابِعِ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ.
(وَرُدَّ وَلَا غَلَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ تَرُدُّ الْجَمِيعُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْك فِي غَلَّةٍ (فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُرَدُّ الْحَرَامُ الْبَيِّنُ فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ. ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ يُرَدُّ بَيْعُهُ فَإِنْ كَانَ قَائِمًا رَدَّ عَيْنَ الْمَبِيعِ، وَإِنْ فَاتَ رَدَّ قِيمَتَهُ وَرَجَعَ بِثَمَنِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا كَانَ مِمَّا كَرِهَهُ النَّاسُ رُدَّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَيُتْرَكَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْبُيُوعُ الْمَكْرُوهَةُ هِيَ الَّتِي اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إجَازَتِهَا، وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنْ تُفْسَخَ مَا كَانَتْ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُرَدَّ مُرَاعَاةً لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: أَرَى إذَا تَرَجَّحَتْ الدَّلَائِلُ عِنْدَ الْمُفْتِي فِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْبَيْعِ وَفَسَادِهِ.
أَنْ يَتْرُكَهُمَا عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَرِضُهُمَا بِنَقْضٍ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَمَذْهَبِهِ وَإِنَّمَا يُغَيِّرُ مِنْهُ مَا اُجْتُمِعَ عَلَى إنْكَارِهِ.
وَرَشَّحَ مُحَيِّي الدِّينِ النَّوَوِيُّ كَلَامَ عِيَاضٍ وَنَصُّهُ: أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إنْكَارَ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ النَّصَّ أَوْ الْإِجْمَاعَ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ وَعِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَنْ أَتَى شَيْئًا مُخْتَلَفًا فِيهِ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أُنْكِرَ عَلَيْهِ لِانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ وَإِنْ اعْتَقَدَ تَحْلِيلَهُ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَدْرَكَ الْمُحَلَّلِ ضَعِيفًا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ لِبُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ (وَإِلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ بَيْعٍ انْعَقَدَ فَاسِدًا فَضَمَانُ السِّلْعَةِ فِيهِ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي،
[ ٦ / ٢٥٦ ]
وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ حَرَامٍ بَيِّنٍ فَفُسِخَ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ رَدُّ السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ بِيَدِهِ رَدَّ الْقِيمَةَ فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ وَالْمِثْلَ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ مَوْزُونٍ أَوْ مَكِيلٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عُرُوضٍ وَجُزَافُ الطَّعَامِ كَالْعُرُوضِ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَالْقِيمَةُ فِيمَا ذَكَرْنَا يَوْمَ قَبْضِهَا لَا يَوْمَ الْبَيْعِ وَيُرَدُّ الْمِثْلُ بِمَوْضِعِ قَبْضِهِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَأَوَانِي الْفَخَّارِ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ. (بِتَغَيُّرِ سُوقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْفَوْتُ يَخْتَلِفُ. ثُمَّ قَالَ: وَفَوْتُ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعُرُوضِ وَالنَّقْصُ فِي سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ وَالْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ (غَيْرُ مِثْلِيٍّ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ لَا تُفِيتُهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ، وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنْ يُفِيتَ ذَلِكَ كُلَّهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ كَالْعُرُوضِ. قَالَ: وَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى يَعْنِي فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ يَشْتَرِيهِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَيَقْدُمُ بِهِ الْفُسْطَاطَ فَيَجِدُ الْبَيْعَ حَرَامًا أَنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ لَا تُفِيتُهُ مِنْ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
(وَعَقَارٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ
[ ٦ / ٢٥٨ ]
ابْنُ الْقَاسِم: لَا يُفِيتُ الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ أَوْ طُولُ زَمَانٍ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِي الرَّبْعِ إنَّمَا يُشْتَرَى لِلْقُنْيَةِ لَا لِلتِّجَارَةِ وَلَا سُوقَ لَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ الْأَغْلَبُ فِيهَا أَنْ يُشْتَرَى لِطَلَبِ النَّمَاءِ فَكَانَ التَّأْثِيرُ فِي إنْمَائِهَا مُفِيتًا لَهَا
(وَبِطُولِ زَمَنِ حَيَوَانٍ وَفِيهَا شَهْرٌ وَشَهْرَانِ وَاخْتَارَ أَنَّهُ خِلَافٌ وَقَالَ بَلْ فِي شَهَادَةٍ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي الطُّولِ فِي الْحَيَوَانِ فَقَالَ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا فَكَاتَبَهُ ثُمَّ عَجَزَ بَعْدَ شَهْرٍ أَنَّهُ طُولٌ وَقَدْ فَاتَ. وَقَالَ فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ فِي الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ: لَيْسَ بِفَوْتٍ فِي الْعَبْدِ وَالدَّوَابِّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَهُوَ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ صَغِيرًا فَإِنَّ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا وَيَنْتَقِلُ. الْمَازِرِيُّ: اعْتَقَدَ بَعْضُ أَشْيَاخِي أَنَّهُ اخْتِلَافُ قَوْلٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ بِعَادَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا تَعَسُّفٌ وَاضِحٌ عَنْ اللَّخْمِيِّ إذْ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ هُوَ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَأَنْصَفَ.
(وَبِنَقْلِ عَرْضٍ وَمِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ) أَمَّا نَقْلُ الْعَرْضِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الدَّوَابُّ الَّتِي لَا يُكْرَى عَلَيْهَا وَإِنَّمَا تُرْكَبُ أَوْ تُكْرَى فَلَا خِلَافَ أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا يُفَوِّتُهَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا لَمْ تَخْتَلِفْ أَسْوَاقُ الْبَلَدَيْنِ، وَكَذَلِكَ الرَّقِيقُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكِرَاءِ لَا يَفُوتُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِحَمْلِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، يَقُومُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ فِي الْغَصْبِ. اهـ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. ابْنُ بَشِيرٍ: قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: نَقْلُ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ فَوْتٌ لِأَجْلِ تَخَوُّفِ الطُّرُقِ وَالْمَكْسِ الْمَأْخُوذِ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْمَبِيعُ عُرُوضًا مِمَّا لَهَا حَمْلٌ وَأُجْرَةٌ لَكَانَ فَوْتًا وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْوَاقُ اهـ. وَأَمَّا نَقْلُ الْمِثْلِيِّ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: نَقْلُ الْمِثْلِيِّ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ بِتَكَلُّفٍ فَوْتٌ اهـ. اُنْظُرْ إنْ كَانَ بِعَيْنِيٍّ فَيَغْرَمُ مِثْلَهُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ذَهَابُ عَيْنِ الْمِثْلِيِّ مَعَ بَقَاءِ سُوقِهِ لَغْوٌ لِقِيَامِ مِثْلِهِ مَقَامَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَغَيُّرَ السُّوقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِثْلِيِّ لَغْوٌ. وَانْظُرْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْرَمَ الْمِثْلَ بِمَوْضِعِ قَبْضِهِ بَعْدَ
[ ٦ / ٢٥٩ ]
نَقْلِهِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ.
(وَبِالْوَطْءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الرَّقِيقُ يُفِيتُهُ الْعِتْقُ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالْوِلَادَةُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَالْوَطْءُ فَقَطْ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا كَانَ الْوَطْءُ لِلْأَمَةِ فَوْتًا إذْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمُوَاضَعَةِ لِاسْتِبْرَائِهَا فَيَطُولُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ (وَبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ " يُفِيتُ الْحَيَوَانَ وَالثِّيَابَ وَنَحْوَهَا مِنْ الْعُرُوضِ النَّمَاءُ وَالنَّقْصُ فِي سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ " اهـ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ " غَيْرُ مِثْلِيٍّ " فَقَدْ قَالَ نَقْلُهُ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ فَوْتٌ (وَخُرُوجٍ عَنْ يَدٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ " الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ تُفِيتُ الْحَيَوَانَ وَالثِّيَابَ وَنَحْوَهَا مِنْ الْعُرُوضِ ". قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَا بَيْعُ النِّصْفِ.
(وَتَعَلُّقِ حَقٍّ كَرَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ) مِنْ
[ ٦ / ٢٦٠ ]
الْمُدَوَّنَةِ: رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى فَاسِدًا فَوْتٌ وَكَذَا إجَارَتُهُ هِيَ أَيْضًا فَوْتٌ (وَأَرْضٍ بِبِئْرٍ وَعَيْنٍ وَغَرْسٍ وَبِنَاءٍ) اللَّخْمِيِّ: أَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ فَيُفِيتُهَا الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَشَقُّ الْعُيُونِ وَحَفْرُ الْآبَارِ وَخُرُوجُهَا عَنْ الْيَدِ وَالتَّحْبِيسُ اهـ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيِّ هُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَا ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ غَيْرَهُ. فَمَا نَقَلَ خَلِيلٌ بَعْدَ هَذَا فَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا وَكَالتَّفْرِيعِ وَغَيْرِهِ فَيَسْتَفِيدُ الْإِنْسَانُ مَزِيدَ عِلْمٍ وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ لَفْظُ خَلِيلٍ فَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الِاسْتِشْكَالُ عِلْمٌ، وَلْنَنْقُلْ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِلَفْظِهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ أَنْقُلُ لَفْظَ خَلِيلٍ.
قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا بَيْعًا فَاسِدًا فَغَرَسَ حَوْلَهَا شَجَرًا أَحَاطَتْ بِهَا وَعَظُمَتْ فِيهَا لِمُؤْنَةٍ وَأَكْثَرُهَا بَيَاضٌ، لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ شَيْءٌ مَا فَهُوَ فَوْتٌ وَيَجِبُ فِيهَا الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا غَرَسَ نَاحِيَةً مِنْهَا وَبَقِيَ جُلُّهَا رَدَّ مِنْهَا مَا بَقِيَ وَعَلَيْهِ فِيمَا غَرَسَ الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا غَرَسَ يَسِيرًا لَا بَالَ لَهُ بِرَدِّ جَمِيعِهَا وَكَانَ لِلْغَارِسِ عَلَى الْبَائِعِ قِيمَةُ غَرْسِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ وَتَفْصِيلُهُ فِيهَا صَوَابٌ لِأَنَّ الْغَرْسَ إذَا أَحَاطَ بِالْأَرْضِ وَعَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فَوْتًا لِجَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَ جُلُّهَا بَيَاضًا، وَإِذَا كَانَ الْغَرْسُ بِنَاحِيَةٍ مِنْهَا وَجُلُّهَا لَا غَرْسَ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَفُوتَ مِنْهَا مَا غُرِسَ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي سَائِرِهَا إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَغْرُوسُ مِنْ الْأَرْضِ يَسِيرًا مِمَّا لَوْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ.
وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي فَوَّتَهَا بِالْغَرْسِ مَا هِيَ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَتْ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ فُسِخَ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ، فَسَقَطَ عَنْ الْمُبْتَاعِ إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ وَرَدَّ إلَيْهِ إنْ كَانَ دَفَعَهُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ فِي النَّاحِيَةِ الْفَائِتَةِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، فَمَنْ كَانَ مِنْهَا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلٌ فِي ذَلِكَ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ إذْ قَدْ تَكُونُ قِيمَةُ
[ ٦ / ٢٦١ ]
تِلْكَ النَّاحِيَةَ أَقَلَّ مِمَّا نَابَهَا مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ خِلَافًا لِمَا فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ " وَإِنْ كَانَ إنَّمَا غَرَسَ يَسِيرًا " إلَخْ هُوَ نَحْوُ مَا مَضَى مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الْبُنْيَانِ الْيَسِيرِ فِي الْحَائِطِ الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ مَا أَنْفَقَ الْمُبْتَاعُ فِي الْبُنْيَانِ، وَقَالَ هَاهُنَا: إنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي قِيمَةُ غَرْسِهِ عَلَى الْبَائِعِ وَمَعْنَاهُ قِيمَةُ الْغَرْسِ مَقْلُوعًا يَوْمَ جَاءَ بِهِ وَغَرَسَهُ وَمَا أَنْفَقَ فِي غَرْسِهِ أَوْ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إذَا رَدَّ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ الْمُبْتَاعُ فِي بُنْيَانِ جِدَارٍ أَوْ حَفْرٍ بِبِئْرٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقِيلَ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ قَوْلٍ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ بِالسَّدَادِ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ السَّدَادِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأُجَرَاءَ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ بِهِ مِثْلُهُمْ لِغَيْرِ جَرْيٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ بِمَعْرُوفٍ صَنَعَهُ إلَيْهِمْ رَجَعَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ عَلَى السَّدَادِ (عَظِيمَيْ الْمُؤْنَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ أَصْبَغَ إذَا عَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ فَهُوَ فَوْتٌ (وَفَاتَتْ بِهِمَا جِهَةٌ هِيَ الرُّبُعُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ إنْ كَانَتْ النَّاحِيَةُ الَّتِي فَوَّتَهَا بِالْغَرْسِ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ فُسِخَ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي (فَقَطْ لَا أَقَلَّ) تَقَدَّمَ نَصُّ أَصْبَغَ إنْ كَانَ إنَّمَا غَرَسَ يَسِيرًا رُدَّتْ جَمِيعُهَا وَكَانَ لِلْغَارِسِ عَلَى الْبَائِعِ قِيمَةُ غَرْسِهِ (وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا عَلَى الْمَقُولِ وَالْمُصَحَّحِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ مَقْلُوعًا، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ التُّونِسِيِّ أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِشُبْهَةٍ عَلَى الْبَقَاءِ فَأَشْبَهَ مَنْ بَنَى فِي بُقْعَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ. انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ ازْدِرَاعَ الْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُفِيتُ الْأَرْضَ الزَّرْعُ فِيهَا فَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ فِي إبَّانِ الزَّرِيعَةِ لَمْ يُقْلَعْ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ، وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَ الْإِبَّانِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ أُصُولًا فَأَثْمَرَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَفُسِخَ الْبَيْعُ وَقَدْ طَابَتْ الثَّمَرَةُ فَهِيَ لِلْمُبْتَاعِ، جُذَّتْ أَوْ لَمْ تُجَذَّ، وَإِنْ لَمْ تَطِبْ فَهِيَ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ لِلْمُبْتَاعِ مَا أَنْفَقَ (وَفِي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي فَوْتِهِ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَوْلَا ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالشَّيْخِ، وَأَخَذَ ابْنُ مُحْرِزٍ الْأَوَّلَ مِنْ قَوْلِهَا
[ ٦ / ٢٦٢ ]
الصَّدَقَةُ قَبْلَ قَبْضِهَا فَوْتٌ قَالَ: وَالْبَيْعُ أَقْوَى مِنْ الصَّدَقَةِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِافْتِقَارِهَا لِلْحَوْزِ دُونَ الْبَيْعِ، وَتَعَقَّبَ هَذَا الْمَازِرِيُّ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(لَا إنْ قَصَدَ بِالْبَيْعِ الْإِفَاتَةَ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ دَارًا بَيْعًا حَرَامًا فَقَامَ بِفَسَادِ الْبَيْعِ عَلَى الْمُشْتَرِي يُرِيدُ فَسْخَ الْبَيْعِ وَلَمْ يُفَوِّتْ ذَلِكَ فَيُفَوِّت الْمُشْتَرِي ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ بِالدَّارِ أَوْ يَبِيعُهَا أَوْ يَبِيعُ الْعَبْدَ أَوْ يُعْتِقُهُ بَعْدَ قِيَامِ الْبَائِعِ، لَمْ تَجُزْ صَدَقَتُهُ وَلَا بَيْعُهُ بَعْدَ قِيَامٍ عَلَيْهِ بِفَسْخِهِ وَيَمْضِي الْعِتْقُ لِحُرْمَتِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيمَا فَعَلَ بَعْدَ الْقِيَامِ عَلَيْهِ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِيَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ حِينَ مَلَكَ الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَإِذَا بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ بَعْدَ أَنْ قَامَ عَلَيْهِ فَلَهُ إجَازَةُ ذَلِكَ وَيُضَمِّنُهُ الْقِيمَةَ فِي ذَلِكَ يَوْمَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْتِزَامِ الْقِيمَةِ وَلَهُ رَدُّ ذَلِكَ وَأَخْذُ مَبِيعِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ إذْ لَيْسَ بِتَعَدٍّ صِرْفٍ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا قَدْ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعِتْقِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِ عَبْدِهِ وَإِمْضَاءِ عِتْقِهِ وَيَضْمَنُ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ إلَّا أَنَّهُ أَمْضَاهُ
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وَرَآهُ فَوْتًا لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ، وَهَذَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْقِيَاسِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ يَتَرَجَّحُ بِهِ مَا ضَعُفَ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ " فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ " مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ وَنَصِّ السَّمَاعِ.
(وَارْتَفَعَ الْمُفِيتُ إنْ عَادَ إلَّا بِتَغَيُّرِ السُّوقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا تَغَيَّرَ سُوقُ السِّلْعَةِ ثُمَّ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَقَدْ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ كَاتَبَهَا ثُمَّ عَجَزَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ فَلَهُ الرَّدُّ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ سُوقُهَا قَبْلَ رُجُوعِهَا إلَيْهِ فَذَلِكَ فَوْتٌ، وَإِنْ عَادَ لِهَيْئَتِهِ أَوْ يَمْضِي لِلْأَمَةِ نَحْوُ الشَّهْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي بَدَنِهَا أَوْ سُوقِهَا.
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا فَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ فِي رُجُوعِهَا إلَيْهِ، لِأَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَلَا تُهْمَةَ تَلْحَقُهُ فِيهِ وَالْبَيْعُ مِنْ سَبَبِهِ وَفِعْلِهِ فَيُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ الْبَيْعَ لِيُفِيتَهَا بِهِ فَيَتِمُّ لَهُ الْبَيْعُ الْحَرَامُ وَهِيَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ كَقَوْلِهِ فِيمَنْ حَلَفَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ إنْ كَلَّمَ فُلَانًا فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ ضَعَّفَ قَوْلَهُ أَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَّهَمَ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ الْفَاسِدِ مِنْ جِهَةِ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إلَى الْمُتَعَاوِضَيْنِ]
فَصْلٌ.
ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْفَاسِدِ مِنْ جِهَةِ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إلَى الْمُتَعَاوِضَيْنِ فَإِنَّهُمَا قَصَدَا
[ ٦ / ٢٦٧ ]
إظْهَارَ فِعْلِ مَا يَجُوزُ لِيُتَوَصَّلَا بِهِ إلَى مَا لَا يَجُوزُ وَتَدَرَّعَا بِشَيْءٍ جَائِزٍ فِي الظَّاهِرِ إلَى بَاطِنٍ مَمْنُوعٍ فِي الشَّرِيعَةِ حَسْمًا لِلذَّرِيعَةِ (وَمُنِعَ لِلتُّهْمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ) أَبُو عُمَرَ: أَبَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَفْسَخُوا صَفْقَةً ظَاهِرُهَا حَلَالٌ بِظَنٍّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَقَالُوا: الْأَحْكَامُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ لَا عَلَى الظُّنُونِ انْتَهَى. اُنْظُرْ أَغْرَبَ مِنْ هَذَا فِي مِنْهَاجِ الْمُحَدِّثِينَ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ: يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ " قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا " أَنَّهُ يَجُوزُ قَسْمُ اللَّحْمِ وَنَحْوِهِ كَالْعَنَتِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. فَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا فَطَرِيقُهُمَا أَنْ يَجْعَلَا اللَّحْمَ قِسْمَيْنِ ثُمَّ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا ثُمَّ يَبِيعَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ مِنْ الْقِسْمِ الْآخَرِ لِصَاحِبِهِ بِذَلِكَ الدِّرْهَمِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَيَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ قِسْمٌ بِكَمَالِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَبَاحَ الذَّرَائِعَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَقُولُ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْبَيْعِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَنْعَ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ اشْتِرَاطِ السَّلَفِ نَصًّا وَبِيَاعَاتِ الْأَجَلِ لَا نَصَّ فِيهَا بِاشْتِرَاطِ أَنَّ الْبَائِعَ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ الَّتِي بَاعَ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ وَيُسْتَنَدُ فِي تِلْكَ التُّهْمَةِ إلَى الْعَادَةِ
ثُمَّ قَالَ وَهْبٌ: إنَّ تِلْكَ الْعِدَّةَ وُجِدَتْ فِي قَوْمٍ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِالْحِجَازِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهَا وُجِدَتْ بِالْعِرَاقِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْمِائَةِ السَّابِعَةِ؟ ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا أَتَوَقَّفُ فِي الْفُتْيَا فِي هَذَا الْبَابِ وَفِيمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْعَادَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْكُتُبِ مِنْ الْمَسَائِلِ لَهَا مِئُونَ مِنْ السِّنِينَ، وَتِلْكَ الْعَوَائِدُ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ لَا يُعْلَمُ حُصُولُهَا الْآنَ، وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ شَكٌّ فِي الْمَشْرُوطِ.
وَمِنْ الذَّخِيرَةِ: قَاعِدَةٌ: كُلُّ حُكْمٍ مُرَتَّبٍ عَلَى عُرْفٍ أَوْ عَادَةٍ يَبْطُلُ عِنْدَ زَوَالِ تِلْكَ الْعَادَةِ، فَإِذَا تَغَيَّرَ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ فَسْخِ بُيُوعِ
[ ٦ / ٢٦٨ ]
الْآجَالِ وَإِنْ صَحَّ حِمَايَةً أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَبَايِعَانِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمَا.
وَلَمَّا نَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ مَا فَعَلَهُ بِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ لَا إثْمَ فِيهِ قَالَ: هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَحْرِيمِ بُيُوعِ الْآجَالِ وَإِنَّمَا تُفْسَخُ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الْقَصْدِ إلَى الْفَسَادِ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَقْرَضَ رَجُلًا طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ لَهُ غَرِيمُهُ: بِعْنِي طَعَامًا أَقْضِيك قَالَ: إنْ ابْتَاعَ مِنْهُ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ وَلَمْ يَجُزْ إنْ كَانَ لِأَجَلٍ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ أَخَذَ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْقَرْضِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ نَقْدًا جَازَ وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ فَسَخَ الطَّعَامَ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ بَاعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ أَنْ يَقْضِيَهُ إيَّاهُ فَلَمَّا تَمَّ شِرَاؤُهُ قَضَاهُ إيَّاهُ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا، وَفُسِخَ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ بِالذَّرَائِعِ لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ حَرَامٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ إنْ صَحَّ عَمَلُهُ فِيهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا رَجَاءٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَقْضِيَهُ إيَّاهُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي أَسْلَمَ إلَيْهِ فِيهِ نَقْدًا لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ. وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ: إنْ أَعْطَى حَامِلُ الطَّعَامِ رَبَّهُ عَنْ نَقْصِ طَعَامِهِ ذَهَبًا لَمْ يَجُزْ إنْ كَانَ انْتَقَدَ كِرَاءَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: لِتُهْمَتِهِمَا عَلَى أَنَّ مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بَعْضُهُ ثَمَنٌ لِحَمْلِ الطَّعَامِ أَوْ بَعْضُهُ سَلَفٌ فَيَدْخُلُهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا فِيمَنْ دَفَعَ دِينَارًا أَجْرَ سَنَةٍ فَعَمِلَ بَعْضَهَا ثُمَّ تَقَايَلَا وَتَحَاسَبَا فَيَرُدُّ بَقِيَّةَ مَا عَلَيْهِ دَرَاهِمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إذَا لَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ بِنِصْفِ دِينَارٍ فَلَمَّا وَجَبَ الْبَيْعُ أَعْطَاهُ دِينَارًا وَرَدَّ عَلَيْهِ بَقِيَّتَهُ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ. اللَّخْمِيِّ: لِتُهْمَتِهِمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ.
(كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً ثُمَّ ابْتَاعَهَا فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ الْأُولَى إلَى أَجَلٍ نَظَرْت إلَى مَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ بَعْدَ الْبَيْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا فَأَبْطَلَتْهُ مِنْ زِيَادَةٍ فِي سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ
[ ٦ / ٢٧١ ]
أَوْ تَعْجِيلٍ بِوَضِيعَةٍ أَوْ حَطِّ ضَمَانٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ ذَهَبٍ وَعَرْضٍ بِذَهَبٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ.
وَمَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ جَازَ (لَا مَا قَلَّ كَضَمَانٍ بِجُعْلٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ بَعُدَتْ التُّهْمَةُ بَعْضَ الْبُعْدِ وَأَمْكَنَ الْقَصْدُ إلَيْهَا فَهَاهُنَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ. وَمِثَالُ هَذَا أَنْ يَظْهَرَ شَيْءٌ تَخْتَلِفُ الْعَوَائِدُ فِي الْقَصْدِ إلَيْهِ كَدَفْعِ الْأَكْثَرِ مِمَّا فِيهِ الضَّمَانُ وَأَخْذِ أَقَلَّ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ أَصْحَابُنَا
[ ٦ / ٢٧٢ ]
بِالضَّمَانِ بِالْجُعْلِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَالْقَوْلَانِ مَعًا لِمَالِكٍ.
(أَوْ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُك) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ بَاعَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الطَّعَامَ وَيَغِيبُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَبْتَاعُ مِنْهُ مِثْلَ طَعَامِهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ إلَى شَهْرَيْنِ فَيَدْخُلُهُ " أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُك " فَخَفَّفَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَلَوْ لَمْ يَغِبْ عَلَى الطَّعَامِ لَكَانَ جَائِزًا.
(فَمَنْ بَاعَ لِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرْضٍ فَإِمَّا نَقْدًا أَوْ لِلْأَجَلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهِيَ مَا عُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ) ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ بَشِيرٍ.
إذَا بَاعَ الْإِنْسَانُ سِلْعَةً تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُمَا عَيْنٌ وَاتَّفَقَا فِي الصِّفَةِ فَيُتَصَوَّرُ فِي ذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ صُورَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ الثَّانِي لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِمِقْدَارِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ الثَّانِي نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ
[ ٦ / ٢٧٣ ]
أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ أَوْ إلَى أَجَلٍ مُسَاوٍ لَهُ أَوْ لِأَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْهُ، لَكِنَّ ثَلَاثَ صُوَرٍ مِنْهَا تَدْخُلُ فِي مِثْلِهَا لِتَسَاوِي الْأَحْكَامِ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ إلَى أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ النَّقْدِ، فَالصُّوَرُ إذَنْ تِسْعٌ، سَبْعٌ مِنْهَا تَجُوزُ، وَصُورَتَانِ تُمْنَعَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ وَبِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ.
وَالْمُحَاذَرَةُ فِي هَذَا مِنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً بِتَقْدِيرِ السِّلْعَةِ لَغْوًا، وَهَذَا الْحُكْمُ إنْ كَانَ الثَّمَنَانِ طَعَامًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ عُرُوضًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تُتَصَوَّرُ الصُّوَرُ التِّسْعُ وَيُمْنَعُ مِنْهَا اثْنَتَانِ بِاتِّفَاقٍ إلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ هَذَا فِي اثْنَتَيْنِ يَمْنَعُهُمَا مَنْ يُتَّهَمُ عَلَى ضَمَانٍ بِجُعْلٍ.
(وَكَذَا لَوْ أُجِّلَ بَعْضُهُ مُمْتَنِعٌ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ أَوْ بَعْضُهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ. فَإِنْ كَانَ الثَّانِي
[ ٦ / ٢٧٧ ]
بَعْضُهُ نَقْدٌ وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلٌ وَهِيَ تِسْعٌ فَإِنْ تَعَجَّلَ الْأَقَلَّ أَوْ بَعْضَهُ امْتَنَعَ.
(كَتَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ إنْ شَرَطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَلِذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لِأَبْعَدَ إذَا اشْتَرَطَاهَا) ابْنُ بَشِيرٍ: مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْعَيْنِ عَدَمَ الْمُقَاصَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مُطْلَقًا إذَا كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إخْرَاجَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الذَّهَبِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ التَّبَادُلِ بِذَهَبَيْنِ بِتَأْخِيرٍ، وَلَوْ اشْتَرَطَ أَيْضًا فِي كَوْنِ الْبَيْعَةِ الثَّانِيَةِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ الْمُقَاصَّةَ لَوَجَبَ الْجَوَازُ مُطْلَقًا إذْ لَا يُخْرِجُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا فَيَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْهُ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُقَاصَّةَ فَجَائِزٌ إذَا كَانَ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ.
قَالَ رَبِيعَةُ: بِالثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ يُونُسَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ ابْنُ بَشِيرٍ بِحُكْمِ الْمُقَاصَّةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطَاهَا، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِشَرْطِهَا أَوْ شَرْطِ عَدَمِهَا. وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ قَدْ وَفَّتْ بِمَا زَادَ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى ابْنِ يُونُسَ وَبِمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ
[ ٦ / ٢٧٨ ]
ابْنُ بَشِيرٍ.
(وَالرَّدَاءَةُ مِنْ الْجَوْدَةِ كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوْ بَاعَهُ بِيَزِيدِيَّةٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ ابْتَاعَهُ بِمُحَمَّدِيَّةٍ يَعْنِي مِثْلَ عَدَدِهَا وَوَزْنِهَا نَقْدًا جَازَ لِأَنَّهَا أَجْوَدُ فَهُوَ كَمَنْ ابْتَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ نَقْدًا، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا بَاعَهُ بِمُحَمَّدِيَّةٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ ابْتَاعَهُ بِيَزِيدِيَّةٍ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ وَكَأَنَّهُ ابْتَاعَهُ بِأَقَلَّ، لِأَنَّ الْمُحَمَّدِيَّةَ أَفْضَلُ.
(وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ اخْتَلَفَ نَوْعُ الثَّمَنِ وَكَانَ الْمَدْفُوعُ أَوَّلًا مُسَاوِيًا
[ ٦ / ٢٧٩ ]
لِقِيمَةِ الثَّانِي كَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِأَجَلٍ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ بَائِعِهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا وَالصَّرْفُ دِينَارٌ بِخَمْسِينَ فَمَذْهَبُ الْكِتَابِ الْمَنْعُ (إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ أَوَّلًا فَوْقَ مِقْدَارِ الثَّانِي وَقِيمَتِهِ بِالشَّيْءِ الظَّاهِرِ فَهَاهُنَا قَوْلَانِ، الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَفِيهَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَامْتَنَعَ لِغَيْرِ صِنْفٍ ثَمَنُهُ ".
(وَبِسِكَّتَيْنِ إلَى أَجَلٍ كَشِرَائِهِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ بِعْت ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ إلَى شَهْرٍ فَلَا تَبْتَعْهُ بِعَشَرَةٍ
[ ٦ / ٢٨٠ ]
يَزِيدِيَّةٍ إلَى ذَلِكَ الشَّهْرِ. اللَّخْمِيِّ: لِتَضَمُّنِهِ الْمُبَادَلَةَ بِتَأْخِيرٍ. (وَإِنْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ جَازَتْ ثَلَاثُ النَّقْدِ فَقَطْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَ الثَّمَنَانِ عَرْضًا وَاحِدًا فَكَالطَّعَامِ، فَإِنْ كَانَا نَوْعَيْنِ جَازَتْ الصُّوَرُ كُلُّهَا إذْ لَا رِبَا فِي الْعُرُوضِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّمَا يَجُوزُ صَرْفُ النَّقْدِ خَاصَّةً. بَهْرَامَ: إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي النَّقْدِ صُورَتَانِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِدَرَاهِمَ لِأَجَلٍ لَا يَشْتَرِيهَا بِعَرْضٍ مُؤَجَّلٍ لِأَنَّهُ دَيْنٌ، بِدَيْنٍ اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ صُورَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَبِيعَ ثَوْبًا مِنْ حَرِيرٍ مَوْصُوفٍ لِأَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِمَكِيلَةِ قَمْحٍ مَثَلًا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَمْحُ مُؤَجَّلًا لِأَقْرَبَ مِنْ أَجَلِ الْحَرِيرِ وَلَا لِأَبْعَدَ وَلَا لِأَجَلِهِ، وَيَجُوزُ مُعَجَّلًا. وَلَا يُتَصَوَّرُ هُنَا أَنْ يُقَالَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوٍ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِي عَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ اهـ فَانْظُرْ إنْ كَانَ عَنَى خَلِيلٌ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ " ثَلَاثُ النَّقْدِ "؟ وَنَحْوُهُ نَصُّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. وَانْظُرْ أَيْضًا نَصَّ ابْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا وَتَبِعَهُ
[ ٦ / ٢٨١ ]
ابْنُ الْحَاجِبِ، وَانْظُرْ أَيْضًا قَوْلَ خَلِيلٍ ثَمَنَهُ إنْ كَانُوا يَعْنُونَ بِهَذَا كُلِّهِ غَيْرَ مَا فَهِمْته أَنَا فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَمِقْدَارًا كَمِثْلِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا ثُمَّ اُسْتُرِدَّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ صِفَةً أَوْ مِقْدَارًا يَكُونُ جَائِزًا بِشَرْطِ مُرَاعَاةِ الثَّمَنِ (فَيُمْنَعُ بِأَقَلَّ إلَى أَجَلِهِ أَوْ أَبْعَدَ إنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ) أَمَّا بَيْعُهُ بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ إنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ بَاعَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ ابْتَاعَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ غَابَ عَلَى الطَّعَامِ عَشَرَةَ أَرَادِبَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُقَاصَّهُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْعَشَرَةِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَمْرَهُمَا آلَ إلَى أَنْ أَسْلَفَهُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ فَانْتَفَعَ بِهَا ثُمَّ رَدَّ إلَيْهِ مِثْلَهَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُسْلِفُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَمَّا بَيْعُهُ بِأَقَلَّ لِأَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ إنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ فَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ مِثْلَ طَعَامِهِ بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ بِمِثْلِ
[ ٦ / ٢٨٢ ]
الثَّمَنِ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ خَفَّفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَتَّهِمْهُ عَلَى " أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُك " (وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لَا؟ تَرَدُّدٌ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوْ بِعْت مِنْهُ مَحْمُولَةً ثُمَّ اشْتَرَيْت مِنْهُ سَمْرَاءَ أَوْ شَعِيرًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تُهْمَةٌ وَإِنَّمَا يُرَاعَى الصِّنْفُ بِعَيْنِهِ. ابْنُ يُونُسَ: فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ.
(وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا بِمِثْلِهِ كَغَيْرِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بِعْت مِنْهُ ثَوْبًا رَقِيقًا بِدِينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ ثَوْبًا فِي صِفَتِهِ وَجِنْسِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، لِأَنَّ الثِّيَابَ تُعْرَفُ بِأَعْيَانِهَا وَالطَّعَامَ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَمِثْلُهُ كَعَيْنِهِ وَإِنَّمَا عَلَى مُسْتَهْلِكِ الثَّوْبِ قِيمَتُهُ بِخِلَافِ مَا يُوزَنُ وَيُكَالُ.
(كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَنْ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ أَوْ الْبَعِيرِ يَبْتَاعُهُمَا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يُسَافِرُ عَلَيْهِمَا الْمُبْتَاعُ إلَى مِثْلِ الْحَجِّ وَبَعِيدِ السَّفَرِ فَيَأْتِي وَقَدْ أَنْقَصَهَا ثُمَّ يَبْتَاعُهَا مِنْهُ الْبَائِعُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ نَقْدًا فَلَا يُتَّهَمُ فِي هَذَا أَحَدٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ لِأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ أَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ) أَمَّا شِرَاءُ أَحَدِهِمَا لِأَبْعَدَ مُطْلَقًا فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى سَنَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِينَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سِتِّينَ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَشَرَةَ وَهِيَ فَضْلُ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِمَكَانِ مَا يُسْلِفُهُ الْمُشْتَرِي وَهِيَ
[ ٦ / ٢٨٣ ]
الْخَمْسُونَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ جَازَ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ وَيَدْخُلُهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ انْتَهَى. فَانْظُرْ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ مُطْلَقًا. وَأَمَّا شِرَاءُ أَحَدِهِمَا بِأَقَلَّ نَقْدًا فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ بَاعَ ثَوْبَيْنِ بِعَشَرَةٍ إلَى سَنَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى إحْدَاهُمَا نَقْدًا بِتِسْعَةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ جَازَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ بِعْت عَبْدَيْنِ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ فَلَا تَبْتَعْ أَحَدَهُمَا بِتِسْعَةٍ نَقْدًا وَلَا بِدِينَارٍ نَقْدًا لِأَنَّ بَيْعَ الرَّاجِعِ إلَيْك يُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّك بِعْت الثَّانِي وَتِسْعَةَ دَنَانِيرَ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ فَذَلِكَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ (لَا بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ جَازَ "
(وَامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ) اُنْظُرْ مَا صُورَةُ هَذَا فِي الْخَارِجِ إنْ كَانَ يَعْنِي غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِغَيْرِ صِنْفِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَقَالُوا: يُمْنَعُ مُطْلَقًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّمَا قَالَ: قَالُوا: لِتَعَقُّبِ إطْلَاقِهِمْ الْمَنْعَ بَلْ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُعَجَّلُ مِنْ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ جِدًّا حَسْبَمَا مَرَّ فِي التُّهْمَةِ عَلَى صَرْفٍ مُسْتَأْخِرٍ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بِعْت ثَوْبًا بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا إلَى شَهْرٍ فَلَا تَبْتَعْهُ بِدِينَارٍ
[ ٦ / ٢٨٤ ]
نَقْدًا فَيَصِيرُ صَرْفًا مُسْتَأْخِرًا، وَلَوْ ابْتَعْته بِعِشْرِينَ دِينَارًا نَقْدًا جَازَ لِبُعْدِكُمَا مِنْ التُّهْمَةِ، وَإِنْ بِعْته بِأَرْبَعِينَ إلَى شَهْرٍ جَازَ أَنْ تَبْتَاعَهُ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا لِبَيَانِ فَضْلِهَا فَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا.
(وَلَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا أَوْ لِأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ أَوْ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ امْتَنَعَ) أَمَّا إذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَثَوْبًا مِنْهُ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ أَوْ أَقَلَّ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَجُوزُ، قَالَ: وَيَدْخُلُهُ فِي أَكْثَرَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَبِعَشَرَةٍ فَأَقَلَّ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ لِأَنَّ ثَوْبَهُ رَجَعَ إلَيْهِ فَكَانَ لَغْوًا. وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَثَوْبًا مَعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَجُوزُ.
قَالَ: وَيَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ. قَالَ: وَالسَّلَفُ هَاهُنَا مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَثَوْبًا مَعَهُ بِعَشَرَةٍ فَأَقَلَّ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَوْ بَاعَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِخَمْسَةٍ وَثَوْبٍ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يُخْرِجُ الْآنَ خَمْسَةً وَثَوْبًا عِوَضًا عَنْ عَشَرَةٍ يَأْخُذُهَا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِخَمْسَةٍ مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ
[ ٦ / ٢٨٥ ]
الَّتِي يَأْخُذُهَا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَضَاءً عَنْ الْخَمْسَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الثَّوْبِ، وَالثَّوْبُ الَّذِي مَعَ الْخَمْسَةِ مَبِيعٌ بِالْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الْعَشَرَةِ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بِعْت ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ فَاشْتَرَيْته قَبْلَ الْأَجَلِ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَبِثَوْبٍ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ ثَوْبَك رَجَعَ إلَيْك وَصَحَّ إنَّك بِعْت الثَّانِيَ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَذَلِكَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ. (لَا بِعَشَرَةٍ وَسِلْعَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ بَاعَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ جَازَ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْفَرْعَ لِابْنِ عَرَفَةَ وَلَا لِابْنِ شَاسٍ (وَبِمِثْلٍ وَأَقَلَّ لِأَبْعَدَ) تَقَدَّمَ نَقْلُ اللَّخْمِيِّ إذَا بَاعَهُ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَثَوْبًا مَعَهُ بِعَشَرَةٍ فَأَقَلَّ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ انْتَهَى. اُنْظُرْ ابْنَ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا.
(وَلَوْ اشْتَرَى بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ ثُمَّ رَضِيَ بِالتَّعْجِيلِ فَقَوْلَانِ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِمَّا يَجْرِي عَلَى مُرَاعَاةِ التُّهَمِ الْبَعِيدَةِ أَنْ يَقَعَ الشِّرَاءُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ ثُمَّ يَقَعَ التَّرَاضِي بِتَعْجِيلِهِ، فَهَاهُنَا اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي جَوَازِ التَّعْجِيلِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِحِمَايَةِ الْحِمَايَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ التُّهْمَةَ هَاهُنَا عَلَى أَنْ يَعْقِدَا عَلَى إظْهَارِ الشِّرَاءِ إلَى الْأَجَلِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ وَيُبْطِنَا تَعْجِيلَ النَّقْدِ (كَتَمْكِينِ بَائِعِ مُتْلَفٍ مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الْأَجَلِ) مِثَالُ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ يَغِيبُ عَلَيْهِ الْبَائِعُ أَوْ يَفُوتُهُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوَاتِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مَثَلًا ثَمَانِيَةً وَغَرِمَهَا فَهَلْ يُمَكَّنُ عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا يُمَكَّنُ إلَّا مِنْ ثَمَانِيَةٍ خَاصَّةً؟ فَمُقْتَضَى سَمَاعِ يَحْيَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى مَا دَفَعَ. ابْنُ رُشْدٍ: أَتَّهِمُهُمَا عَلَى الْقَصْدِ إلَى دَفْعِ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ. وَاَلَّذِي
[ ٦ / ٢٨٦ ]
لِابْنِ يُونُسَ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ. لَوْ تَعَدَّى عَلَى السِّلْعَةِ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهَا فَبَاعَهَا أَوْ أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَأْخُذُهَا بِمَا بِيعَتْ بِهِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَدَّى الثَّمَنَ الَّذِي أَغْرَمَهُ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ الثَّمَنَ الَّذِي كَانَ ابْتَاعَهَا بِهِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ رَدَّ الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ وَلَا يُتَّهَمَا وَلِأَنَّهُمَا لَمْ
[ ٦ / ٢٨٧ ]
يَتَعَامَلَا عَلَى هَذَا.
(وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ مُنِعَ مُطْلَقًا) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مُنِعَتْ الصُّوَرُ كُلُّهَا يَعْنِي: سَوَاءٌ إذَا اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ عِنْدَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ (كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ) لَوْ قَالَ كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ أَوْ سِلْعَةً أُخْرَى لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَسْلَمْت إلَيْهِ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ إلَى أَجَلٍ فَأَعْطَاك خَمْسَةً مِنْهَا قَبْلَ الْأَجَلِ مَعَ الْفَرَسِ أَوْ مَعَ سِلْعَةٍ سِوَاهُ عَلَى أَنْ أَبْرَأْتَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الثِّيَابِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَوَضِيعَةٌ عَلَى تَعْجِيلِ حَقٍّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَوَجْهُ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَجَّلَ لَك الْخَمْسَةَ الْأَثْوَابَ سَلَفًا مِنْهُ يَقْبِضُهَا مِنْ نَفْسِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَالْفَرَسُ أَوْ السِّلْعَةُ بِيعَ بِالْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ، وَأَمَّا " ضَعْ وَتَعَجَّلْ " فَأَنْ تَكُونَ الْفَرَسُ أَوْ السِّلْعَةُ الْمُعَجَّلَةُ لَا تُسَاوِي الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ فَيَجُزْ لِلْوَضِيعَةِ وَيَدْخُلُهُ تَعَجَّلْ حَقَّك وَأَزِيدُك دُخُولًا ضَعِيفًا، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ الْمُعَجَّلَةِ أَضْعَافَ قِيمَةِ الثِّيَابِ الْمُؤَخَّرَةِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا إذْ لَوْ أَسْلَمَ ثَوْبًا وَسِلْعَةً أَكْثَرَ مِنْهُ ثَمَنًا فِي ثَوْبَيْنِ مِنْ صِنْفِهِ لَمْ يَجُزْ، قَالَ رَبِيعَةُ: مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ فَلَا تَأْخُذُهُ قَضَاءً مِنْهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ أَعْطَاهُ الْفَرَسَ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا وَأَبْقَى الْخَمْسَةَ إلَى أَجَلِهَا لَجَازَ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ الْفَرَسَ أَوْ سِلْعَةً سَوَاءً فِي جُمْلَةِ الثِّيَابِ لَجَازَ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ لَهَا (إلَّا أَنْ يُبْقِيَ الْخَمْسَةَ لِأَجَلِهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ " لَوْ أَبْقَى الْخَمْسَةَ لِأَجَلِهَا لَجَازَ " (لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ الْمُؤَخِّرَ مُسَلِّفٌ) وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مُسَلِّفٌ ثُمَّ يَقْتَضِيهِ مِنْ ذِمَّتِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ
[ ٦ / ٢٨٨ ]
لِأَنَّهُ أَدَّاهُ وَبَرِئَ. وَصَوَّبَ الْمُتَأَخِّرُونَ الشَّاذَّ.
(وَإِنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةٍ لِأَجَلٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ لِلْأَجَلِ) أَمَّا إذَا اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا نَقْدًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ رَبِيعَةُ:
[ ٦ / ٢٨٩ ]
وَإِنْ بِعْت حِمَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فِي شَهْرٍ ثُمَّ أَقَلْته عَلَى أَنْ عَجَّلَ لَك دِينَارًا أَوْ بِعْته بِنَقْدٍ فَأَقَلْته عَلَى إنْ زَادَك دِينَارًا أَخَّرْته عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَبَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَجَلِ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَك عَلَيْهِ عَشَرَةٌ إلَى أَجَلٍ فَدَفَعَ إلَيْك الْحِمَارَ فِي تِسْعٍ مِنْهَا وَأَسْلَفَك دِينَارًا يَقْبِضُهُ مِنْ نَفْسِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ فِي بَيْعِهِ النَّقْدَ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَك عَلَيْهِ عَشَرَةٌ نَقْدًا فَإِذَا أَقَالَك كَمَا ذَكَرْنَا فَقَدْ دَفَعَ إلَيْك فِيهَا حِمَارًا نَقْدًا وَدِينَارًا مُؤَخَّرًا، فَالْحِمَارُ ثَمَنُ تِسْعَةٍ مِنْهَا، وَالدِّينَارُ الْبَاقِي أَسْلَفْته إلَى شَهْرٍ فَصَارَ السَّلَفُ فِي الْأُولَى مِنْهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْك، وَسَوَاءٌ نَقَدَك الْعَشَرَةَ أَمْ لَا. وَهَذَا فِي زِيَادَةِ الْمُبْتَاعِ، وَأَمَّا لَوْ زَادَك ذَلِكَ الْبَائِعُ لَجَازَ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا مُؤَجَّلًا إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا إذَا زَادَهُ الْمُبْتَاعُ فِي بَيْعَةِ النَّسِيئَةِ دِينَارًا مِنْ سِكَّةِ الثَّمَنِ فِي الْعَيْنِ وَالْوَزْنِ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ جَازَ، لِأَنَّ الْبَائِعَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ الْحِمَارَ بِتِسْعَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ الْمُؤَجَّلَةِ وَأَبْقَى عَلَيْهِ الدِّينَارَ الْعَاشِرَ إلَى أَجَلِهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ فَسَادٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ أَقَالَ مِنْهُ عَلَى أَنْ زَادَهُ الْمُبْتَاعُ عَيْنًا نَقْدًا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ فَتَصِيرُ مُقَاصَّةً، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ (وَإِنْ زِيدَ
[ ٦ / ٢٩٠ ]
غَيْرُ عَيْنٍ وَبِيعَ بِنَقْدٍ وَلَمْ يُقْبَضْ جَازَ إنْ عُجِّلَ الْمَزِيدُ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ " غَيْرُ عَيْنٍ " وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: وَلَوْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْمُبْتَاعِ فِي بَيْعَةِ النَّقْدِ الَّتِي لَمْ يَنْقُدْهُ مُعَجَّلَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ زَادَهُ دَرَاهِمَ فَيَزِيدُهُ مِنْهَا مَا يَكُونُ صَرْفًا، وَلَوْ زَادَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ، وَيَدْخُلُهُ فِي الطَّعَامِ وَالْعُرُوضِ وَالدَّرَاهِمِ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ مَعَ صَرْفٍ مُسْتَأْخِرٍ فِي أَخْذِهِ الدَّرَاهِمَ.
وَأَمَّا زِيَادَةُ الْبَائِعِ فَهِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ جَائِزَةٌ، وَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْحِمَارَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَبِزِيَادَةٍ زَادَهُ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ فَسَادٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ صِنْفِ الْحِمَارِ فَيَجُوزُ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حِمَارٌ بِحِمَارٍ إلَى أَجَلٍ وَزِيَادَةٍ.
(وَصَحَّ أَوَّلُ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ فَقَطْ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا وَقَعَتْ بِيَاعَاتُ الْآجَالِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي خَاصَّةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي بُيُوعَاتِ الْآجَالِ لِلذَّرِيعَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُحَرَّمٌ لِنَفْسِهِ
[ ٦ / ٢٩١ ]
قَوِيَ فَسْخُ الْبَيْعَتَيْنِ (إلَّا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ) ابْنُ بَشِيرٍ: فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ فَقِيلَ يَمْضِي بِالْفَوَاتِ مُرَاعَاةً لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ إنَّهُ يُفْسَخُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ؟ خِلَافٌ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً صَحَّتْ الْبَيْعَةُ الْأُولَى وَفُسِخَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنْ فَاتَتْ فَاَلَّذِي تَأَوَّلَ التُّونِسِيُّ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَتَيْنِ تُفْسَخَانِ جَمِيعًا فَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ. وَذَهَبَ عَبْدُ الْحَقِّ تَأَوُّلًا عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ فُسِخَتْ الْبَيْعَتَانِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فُسِخَتْ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ خَاصَّةً وَقَضَى عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ الثَّمَنَ. وَقَالَهُ سَحْنُونَ نَصًّا.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
[فَصْلٌ فِي الْعِينَةِ]
ابْنُ شَاسٍ: الْفَرْعُ الثَّامِنُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ بِيَاعَاتٍ قَدْ عُرِفَتْ بِأَهْلِ الْعِينَةِ (جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَبِيعَهَا مِنْهُ بِمَالٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَالْعِينَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمَحْظُورَةٌ فَالْجَائِزَةُ أَنْ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ فَيَقُولَ لَهُ: هَلْ عِنْدَك سِلْعَةُ كَذَا أَبْتَاعُهَا مِنْك فَيَقُولَ لَهُ: لَا. فَيَنْقَلِبَ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ مُرَاوَضَةٍ وَلَا مُوَاعَدَةٍ فَيَشْتَرِيَ تِلْكَ السِّلْعَةَ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا، ثُمَّ يَلْقَاهُ فَيُخْبِرَهُ أَنَّهُ
[ ٦ / ٢٩٣ ]
قَدْ اشْتَرَى السِّلْعَةَ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا فَيَبِيعَهَا بِمَا شَاءَ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً (وَلَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ وَكُرِهَ خُذْ بِمِائَةٍ مَا بِثَمَانِينَ) عِيَاضٌ: كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ لَا يَحِلُّ أَنْ أُعْطِيَك ثَمَانِينَ فِي مِائَةٍ وَلَكِنَّ هَذِهِ سِلْعَةٌ قِيمَتُهَا ثَمَانُونَ خُذْهَا بِمِائَةٍ لِأَجَلٍ (أَوْ اشْتَرِهَا وَيُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ وَلَمْ يُفْسَخْ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَكْرُوهُ مِنْ أَوْجُهِ الْعِينَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا فَأَنَا أُرْبِحُك فِيهَا وَأَشْتَرِيهَا مِنْك مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاوِضَهُ عَلَى
[ ٦ / ٢٩٤ ]
الرِّبْحِ
عِيَاضٌ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَلَا أَبْلُغُ بِهِ الْفَسْخَ. وَسَمِعَ يَحْيَى إنْ قَالَ: اشْتَرَى مِنِّي عَبْدَ فُلَانٍ بِسِتِّينَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَبِيعَهُ مِنِّي بِخَمْسِينَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يُفْسَخُ. ابْنُ رُشْدٍ: نَقْدًا إنْ كَانَتْ الْبَيْعَتَانِ مَعًا بِالنَّقْدِ (بِخِلَافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ قَالَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ، فَإِنْ وَقَعَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ الْآمِرَ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ ضَامِنًا لَهَا لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ الْآمِرُ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا بَعْدَ شِرَاءِ الْمَأْمُورِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً وَتُرَدُّ إلَى الْمَأْمُورِ، فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَى قِيمَتِهَا مُعَجَّلَةً يَوْمَ قَبَضَهَا
[ ٦ / ٢٩٥ ]
الْآمِرُ كَمَا يُصْنَعُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى مُوَاطَأَةٍ بِبَيْعِهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا لِلْمَأْمُورِ فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك (وَلَزِمَتْ الْآمِرَ إنْ قَالَ لِي) ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ فَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ رَجُلٌ زَادَ فِي سَلَفِهِ فَإِنْ وَقَعَ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ لِلْآمِرِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ لَهُ وَيَكُونُ لِلْمَأْمُورِ جُعْلُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ فِي قَوْلٍ وَالْأَقَلَّ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ وَالدِّينَارَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْبَى لَهُ بِهِمَا فِي قَوْلٍ (وَفِي الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَقُلْ لِي إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إمْضَاؤُهَا وَلُزُومُهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي فَإِنْ فَاتَتْ
[ ٦ / ٢٩٦ ]
رُدَّتْ إلَى قِيمَتِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْآمِرَ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِاثْنَيْ عَشَرَ.
(وَبِخِلَافِ اشْتَرِهَا لِي بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا إنْ نَقَدَ الْمَأْمُورُ بِشَرْطٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ قَالَ اشْتَرِ لِي سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا فَالْمَأْمُورُ أَجِيرٌ عَلَى شِرَاءِ السِّلْعَةِ لِلْآمِرِ بِدِينَارَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لَهُ. وَقَوْلُهُ " وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك " لَغْوٌ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ لَهُ وَبِأَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَ النَّقْدُ مِنْ عِنْدِ الْآمِرِ أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُورِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ النَّقْدُ مِنْ عِنْدِ
[ ٦ / ٢٩٧ ]
الْمَأْمُورِ بِشَرْطٍ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ الدِّينَارَيْنِ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ السِّلْعَةَ وَيَنْقُدَ مِنْ عِنْدِهِ الثَّمَنَ عَنْهُ فَهِيَ إجَارَةٌ وَسَلَفٌ يَكُونُ لِلْمَأْمُورِ إجَارَةُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ إجَارَةُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارَيْنِ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إذَا كَانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ الْبَائِعِ وَفَاتَتْ السِّلْعَةُ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنَ وَإِنْ قَبَضَ السَّلَفَ (وَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ جُعْلِهِ وَالدِّرْهَمَيْنِ فِيهِمَا) أَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ يَكُونُ لِلْمَأْمُورِ إجَارَةُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ إلَخْ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ قَبْلَهَا فَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا جُعْلُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لَهُ الْأَقَلُّ. اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَفِي الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَقُلْ " (وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ لَا جُعْلَ لَهُ) لَعَلَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ " وَالْأَصَحُّ " أَقْحَمَهَا النَّاسِخُ وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ الْأَصَحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أُجْرَةٌ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَا لَهُ الْأُجْرَةَ كَانَتْ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ فَكَانَ تَتْمِيمًا لِلرِّبَا حِينَ عَقَدَا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ (وَجَازَ بِغَيْرِهِ كَنَقْدِ الْآمِرِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ إنْ
[ ٦ / ٢٩٨ ]
كَانَ النَّقْدُ عِنْدَ الْمَأْمُورِ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَوْ مِنْ الْآمِرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَفِي الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ قَالَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا، فَمَرَّةً أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ إذَا كَانَتْ الْبَيْعَتَانِ جَمِيعًا بِالنَّقْدِ وَانْتَقَدَ، وَمَرَّةً كَرِهَهُ لِلْمُرَاوَضَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا فِي السِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ فِي مِلْكِ الْمَأْمُورِ.
(وَبِخِلَافِ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ وَأَشْتَرِيهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا فَيَلْزَمُ الْمُسَمَّى وَلَا يُعَجِّلُ الْعَشَرَةَ وَإِنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ وَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ قَالَ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك بِعَشَرَةٍ نَقْدًا فَذَلِكَ أَيْضًا حَرَامٌ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْمَأْمُورَ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ السِّلْعَةَ بِسَلَفِ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدْفَعُهَا لَهُ يَنْتَفِعُ بِهَا إلَى الْأَجَلِ ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَيْهِ، فَتَلْزَمُ الْآمِرَ السِّلْعَةُ بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ وَلَا يَتَعَجَّلُ الْمَأْمُورُ مِنْهُ الْعَشَرَةَ النَّقْدَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهَا إلَيْهِ صَرَفَهَا عَلَيْهِ وَلَمْ تُتْرَكْ عِنْدَهُ إلَى الْأَجَلِ وَكَانَ لَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِاتِّفَاقٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي
[ ٦ / ٢٩٩ ]
فَهَلْ يُرَدُّ الْبَيْعُ إلَّا إذَا فَاتَ وَلَيْسَ عَلَى الْآمِرِ إلَّا الْعَشَرَةُ؟ أَوْ يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ الْأَوْجُهِ الْمَحْظُورَةِ فِي بَيْعِ الْعِينَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ اشْتَرِهَا لِنَفْسِك أَوْ اشْتَرِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِعَشَرَةٍ نَقْدًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ الْبَيْعَ لَا يُرَدُّ إذَا فَاتَ وَلَا يَكُونُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا الْعَشَرَةُ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ يُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا يُصْنَعُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ لِلْمُوَاطَأَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْبَيْعِ قَبْلَ وُجُوبِهَا لِلْمَأْمُورِ، فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا الثَّانِي.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
فصل في الخيار
خيار التروي
[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ وَجَوَازِهِ] [فَصْلٌ فِي الْخِيَار] [خِيَارُ التَّرَوِّي]
ابْنُ شَاسٍ: الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ وَجَوَازِهِ. وَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ وَالْخِيَارُ عَارِضٌ، ثُمَّ هُوَ مُتَنَوِّعٌ إلَى خِيَارِ التَّرَوِّي وَإِلَى خِيَارِ النَّقِيضَةِ
النَّوْعُ الْأَوَّلُ خِيَارُ التَّرَوِّي وَهُوَ مَا لَا يَقِفُ عَلَى فَوَاتِ وَصْفِهِ وَسَبَبُهُ الشَّرْطُ دُونَ الْمَجْلِسِ بَلْ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَلَا بِالشَّرْطِ (إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ فَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ إلَّا أَنْ
[ ٦ / ٣٠١ ]
يَشْتَرِطَاهُ. (كَشَهْرٍ فِي دَارٍ) ابْنُ يُونُسَ: لَمَّا كَانَ الْخِيَارُ رِفْقًا بِالْمُتَبَايِعِينَ لِلنَّظَرِ وَالرَّأْيِ وَالِاخْتِبَارِ كَانَ أَمَدُ الْخِيَارِ مُخْتَلِفًا فِيمَا تَبَايَعَاهُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجَانِ إلَى ذَلِكَ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْخِيَارُ فِي الدَّارِ يُرِيدُ وَسَائِرِ الرَّبْعِ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ. عَبْدُ الْحَقِّ: الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ سَوَاءٌ لَا وَجْهَ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (وَلَا تُسْكَنُ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْخِيَارِ سُكْنَى الدَّارِ مُدَّةَ أَيَّامِ
[ ٦ / ٣٠٣ ]
الْخِيَارِ، وَانْظُرْ إنْ شُرِطَ ذَلِكَ.
(وَكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْخِيَارُ فِي الْجَارِيَةِ مِثْلُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ إلَى الْجُمُعَةِ وَشِبْهُ ذَلِكَ لِاخْتِبَارِ حَالِهَا وَعَمَلِهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ فِي الْعَبْدِ.
(وَاسْتَخْدَمَهُ) الَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ لِلْمُبْتَاعِ اشْتِرَاطُ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ أَمَدَ الْخِيَارِ إلَّا قَدْرَ مَا يَقَعُ بِهِ الِاخْتِبَارُ كَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا ثَمَنَ لَهُ (وَكَثَلَاثٍ فِي دَابَّةٍ وَكَيَوْمٍ فِي رُكُوبِهَا وَلَا بَأْسَ بِشَرْطِ الْبَرِيدِ أَشْهَبُ وَالْبَرِيدَيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالدَّابَّةُ تُرْكَبُ الْيَوْمَ وَشِبْهَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَسِيرَ عَلَيْهَا الْبَرِيدُ وَنَحْوُهُ مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَالْبَرِيدِيُّ يُخْتَبَرُ فِيهِمَا سَيْرُهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ الْخِيَارُ فِي الدَّابَّةِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ كَالثَّوْبِ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا شَرَطَ مَالِكٌ الْيَوْمَ
[ ٦ / ٣٠٤ ]
فِي شَرْطِ رُكُوبِهَا فَأَمَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الثَّوْبِ (وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تَرَدُّدٌ وَكَثَلَاثٍ فِي ثَوْبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الثَّوْبُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْخِيَارُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَشِبْهَ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَرْجِعُ الثَّوْبُ إلَيْهِ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا " لَا يُشْتَرَطُ لُبْسُ الثَّوْبِ ".
(وَصَحَّ بَعْدَ بَتٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً ثُمَّ جَعَلَ لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارَ
[ ٦ / ٣٠٥ ]
بَعْدَ إتْمَامِ الْبَيْعِ أَوْ جَعَلَ الْمُبْتَاعُ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ لَزِمَ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخِيَارُ وَهُوَ بَيْعٌ مُؤْتَنِفٌ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ، وَمَا أَصَابَ السِّلْعَةَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ صَارَ بَائِعًا
(وَهَلْ إنْ نَقَدَ؟ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَهَذَا إذَا انْتَقَدَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ الثَّمَنَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْتَقِدْ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الثَّمَنَ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فَدَفَعَ فِيهِ سِلْعَةً فِيهَا خِيَارٌ. اللَّخْمِيِّ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ عَلَى خِيَارٍ جَازَ، وَسَوَاءٌ انْتَقَدَ الْأَوَّلُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْأَوَّلِ أَنْ يَنْتَقِدَ ثَمَنَهُ الْآنَ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْخِيَارِ إلَّا أَنْ يَقُولَ آخُذُهَا مِنْ الدَّيْنِ أَوْ أُقِيلُك
[ ٦ / ٣٠٦ ]
فِيهَا فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ نَقْدٌ فِي خِيَارٍ (وَضَمِنَهُ حِينَئِذٍ الْمُشْتَرِي) تَقَدَّمَ نَصُّهَا " وَمَا أَصَابَ السِّلْعَةَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ صَارَ بَائِعًا " وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي، جَعَلَ هُوَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ أَوْ جَعَلَهُ الْبَائِعُ لَهُ، وَكَأَنَّ الْبَائِعَ قَالَ لِلْمُشْتَرِي إنْ شِئْت بِعْهَا مِنِّي وَلَك الْخِيَارُ فَالْمُشْتَرِي هُوَ الْبَائِعُ جَعَلَ هُوَ الْخِيَارَ أَوْ جُعِلَ لَهُ.
(وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى مَشُورَةِ فُلَانٍ أَوْ رِضَاهُ إذَا كَانَ قَرِيبًا، وَإِنْ اسْتَثْنَى مَشُورَةَ رَجُلٍ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُبْتَاعُ مَشُورَةَ فُلَانٍ الْغَائِبِ مُجِيزًا لِلْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا (أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ) مِنْ
[ ٦ / ٣٠٧ ]
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا بَعُدَ مِنْ أَجْلِ الْخِيَارِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
(أَوْ مَجْهُولَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْخِيَارِ أَجَّلَا وَاشْتَرَطَاهُ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَيَضْرِبُ لَهُمَا مِنْ الْأَجَلِ بِقَدْرِ مَا تُخْتَبَرُ إلَيْهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، فَإِذَا أَخَلَّا بِذِكْرِهِ فَإِنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ (أَوْ غَيْبَةٍ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ عَلَى أَنَّهُ فِيهِ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يُشَاوِرُونَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُمْ وَيَحْتَاجُونَ فِيهَا إلَى رَأْيِهِمْ فَلَهُمْ الْخِيَارُ بِمِقْدَارِ حَاجَةِ النَّاسِ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ تَغْيِيرٌ وَلَا فَسَادٌ، وَالْأَجَلُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَقْرَبُ مِنْهُ فِيمَا لَا يُسْرِعُ فِيهِ الْفَسَادُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَغِيبَ الْمُبْتَاعُ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَيَصِيرُ تَارَةً سَلَفًا وَتَارَةً بَيْعًا، لِأَنَّك لَوْ بِعْت ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ فَغَابَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَلْته مِنْ
[ ٦ / ٣٠٩ ]
بَعْضِهِ وَأَخَذْت ثَمَنَ مَا بَقِيَ كَانَ بَيْعًا وَسَلَفًا بِخِلَافِ إقَالَتِك مِنْ أَحَدِ عَبْدَيْنِ أَوْ ثَوْبَيْنِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ. وَلَوْ بِعْت عَبْدَيْنِ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْك أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْأَجَلِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُرِيدُ بِعَيْنِهِ عَلَى مَا هُوَ يَوْمئِذٍ مِنْ نَمَاءٍ أَوْ نَقْصٍ لَجَازَ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ وَاسْتَأْجَرَ الْآخَرَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبْقَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِهِ يَجُوزُ إجَارَتُهُ، وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا كُلُّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِإِتْلَافِهِ إمَّا بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً يَرُدُّ عَلَيْك مِثْلَ مَا اسْتَأْجَرَ مِنْك فَهُوَ سَلَفٌ وَمَا تَأْخُذُ مِنْ أُجْرَتِهِ فَهُوَ النَّفْعُ.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ مَسْأَلَةُ الْعَبْدَيْنِ إذَا سَمَّى مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْمَرْدُودُ أَوْ دَخَلَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا قَدْ عَرَفُوهُ وَإِلَّا فَهُوَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا وَلَمْ يُعْلِمْهُ مَا يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ فَذَلِكَ فَاسِدٌ. (أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ) أَشْهَبُ: لَا يُشْتَرَطُ لُبْسُ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ لَا يُخْتَبَرُ بِاللُّبْسِ كَمَا تُخْتَبَرُ الدَّابَّةُ بِالرُّكُوبِ وَالْعَبْدُ بِالِاسْتِخْدَامِ (وَرَدَّ أُجْرَتَهُ) ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا فَسَدَ الْبَيْعُ فِي اشْتِرَاطِ لُبْسِ
[ ٦ / ٣١١ ]
الثَّوْبِ وَنَقَصَ كَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَةُ لُبْسِهِ.
(وَيَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ وَرُدَّ فِي كَالْغَدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَمْ يَخْتَرْ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا مِنْ يَدِهِ وَلَا أَخْذُهَا مِنْ يَدِ الْبَائِعِ، وَتَلْزَمُ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُبْتَاعٍ لَا خِيَارَ لِلْآخَرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ أَوْ كَالْغَدِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لِمُشْتَرِطِ الْخِيَارِ الصَّحِيحِ أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْأَجَلِ إنْ كَانَ بِقُرْبِهِ، اُنْظُرْ قِيَاسَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى هَذَا مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ قَالَ: إنَّهَا مِثْلُهَا إذَا وَقَفَتْ السِّلْعَةُ عَلَى مَنْ زَادَ فِيهَا وَتَغَيَّبَ الْبَائِعُ فَيَقُولُ مَنْ زَادَ قَدْ مَضَتْ أَيَّامُ الصِّيَاحِ
[ ٦ / ٣١٣ ]
لَا حَاجَةَ لِي بِهَا. اُنْظُرْ سَمَاعَ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
(وَبِشَرْطِ نَقْدٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ النَّقْدِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ مُفْسِدٌ (كَالْغَائِبِ) تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالنَّقْدُ فِيهِ " (وَعُهْدَةِ ثَلَاثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِشَرْطٍ.
(وَمُوَاضَعَةٍ وَأَرْضٍ لَمْ يُؤْمَنْ رِيُّهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
[ ٦ / ٣١٤ ]
لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضِ الْمَطَرِ عَشْرَ سِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ أَكْرَاهَا سِنِينَ وَقَدْ أَمْكَنَتْ لِلْحَرْثِ جَازَ نَقْدُ حِصَّةِ عَامِهِ هَذَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَاهَا سَنَةَ قَرُبَ الْحَرْثُ وَحِينَ تَوَقَّعَ الْغَيْثَ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ حَتَّى تُرْوَى وَتُمَكَّنَ مِنْ الْحَرْثِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيَجُوزُ النَّقْدُ فِي أَرْضِ النِّيلِ قَبْلَ رِيِّهَا لِأَمْنِهَا. قِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ الْمَطَرِ فِيمَا اُخْتُبِرَ مِنْهَا لَا تَخْتَلِفُ، أَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا؟ قَالَ: النِّيلُ أَبْيَنُ شَأْنًا وَأَرْجُو جَوَازَ النَّقْدِ فِيهَا إنْ كَانَتْ هَكَذَا بِخِلَافِ الَّذِي تَخَلَّفَ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ أَوْ ذَاتِ بِئْرٍ قَلَّ مَاؤُهَا وَيُخَافُ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا، فَالنَّقْدُ فِي هَذَا خَطَرٌ لِغَلَبَةِ الْغَرَرِ فَيَصِيرُ النَّقْدُ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا كَالنَّقْدِ فِي الْمُوَاضَعَةِ وَبَيْعِ الْخِيَارِ وَبَيْعِ الْعُهْدَةِ.
(وَجُعْلٍ) إتْيَانُهُ بِهَذَا الْفَرْعِ مَعَ هَذِهِ الْفُرُوعِ يَقْتَضِي أَنَّ النَّقْدَ فِي الْجُعْلِ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَائِزٌ، اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ آجَرْته عَلَى بَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ شَهْرًا عَلَى أَنَّهُ مَتَى شَاءَ تَرَكَ جَازَ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ عَلَى خِيَارٍ وَيَجُوزُ فِيهَا النَّقْدُ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَلَا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ عُدَّ تَمَادِيهِ فِي الْعَمَلِ أَخْذًا لِمَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَقَدْ فُسِخَ دَيْنُهُ فِيمَا لَا يَتَعَجَّلُهُ كَمَا لَوْ أَجَّرَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطَوَّعَ لَهُ بِنَقْدِ الْإِجَارَةِ فَيَصِيرُ إذَا رَضِيَ بَعْدَ الثَّلَاثِ بِالتَّمَادِي عَلَى الْإِجَارَةِ فَسَخَ مَا فِي ذِمَّتِهِ فِيهَا وَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ بِالنَّقْدِ فِي الْخِيَارِ فِي السَّلَمِ، وَهَذَا أَبْيَنُ، وَكَذَا أَيْضًا الْفَرْعُ قَبْلَ هَذَا. بَهْرَامَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالنَّقْدِ فِي أَرْضٍ لَمْ يُؤْمَنْ رِيُّهَا جَائِزٌ، وَنَصَّ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى مَنْعِهِ.
(وَإِجَارَةٍ بِجُزْءِ زَرْعٍ) ابْنُ الْهِنْدِيِّ: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَحْرُسُ لَهُ زَرْعًا لَا يَجُوزُ نَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيهِ عَلَى الشَّرْطِ، وَيَجُوزُ عَلَى الطَّوْعِ لِأَنَّ الزَّرْعَ رُبَّمَا تَلِفَ فَتَنْفَسِخُ فِيهِ الْإِجَارَةُ إذْ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْخَلَفُ فَهُوَ إنْ سَلَّمَ كَانَتْ إجَارَةً وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ كَانَتْ سَلَفًا. نَقْلُ الشَّعْبِيِّ هَذَا عَيْنَهُ قَالَ: وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى مَا رَوَاهُ أَصْبَغُ فِي حَمَّالِ شَيْءٍ فَصُدِمَ فَانْكَسَرَ مَا عَلَيْهِ فَلَهُ أُجْرَتُهُ بِقَدْرِ مَا حَمَلَ مِنْ الطَّرِيقِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ.
(وَأَجِيرٍ تَأَخَّرَ شَهْرًا) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ عَامِلًا مِنْ الْعُمَّالِ إمَّا نَسَّاجًا وَإِمَّا خَيَّاطًا وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدَيْهِ أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدَيْهِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُ أُجْرَةً وَهُوَ يَقُولُ: لَا أَعْمَلُ فِي عَمَلِهِ إلَى شَهْرٍ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ إنَّمَا يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فِيمَا يَعْرِفُ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَدِّمَ إلَيْهِ أَجْرَهُ حَتَّى يَبْدَأَ فِي عَمَلِهِ فَلْيُقَدِّمْ إلَيْهِ أَجْرَهُ إنْ شَاءَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ عَمَلِهِ أَخَذَ مِنْهُ بَقِيَّةَ رَأْسِ مَالِهِ عَلَى حِسَابِ مَا عَمِلَ وَمَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي مَالِ الْعَامِلِ تَمَامُ ذَلِكَ الْعَمَلِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ أَيَّامًا مُسَمَّاةً أَوْ قَاطَعَهُ مُقَاطَعَةً.
ابْنُ رُشْدٍ: الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَنَسْجِ الْغَزْلِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لِأَنَّهُ مَتَى تَأَخَّرَا جَمِيعًا كَانَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَوْ تَعَجُّلِهِمَا جَمِيعًا. الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مُتَعَيِّنًا فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ، فَيَجُوزُ بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ وَتَأْخِيرِهِ عَلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْعَمَلِ
[ ٦ / ٣١٥ ]
إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ.
وَقَوْلُهُ " إنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ فِي عَمَلِهِ إلَى شَهْرٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ إلَيْهِ إجَارَتَهُ " يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ إذَا لَمْ يُقَدِّمْ الْإِجَارَةَ وَهُوَ نَحْوُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ أَجَازَ كِرَاءَ الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا إلَى شَهْرٍ إذَا لَمْ يَنْقُدْ، فَيُحْتَمَلُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْأَيَّامُ الْقَلَائِلُ مِثْلُ الْجُمُعَةِ وَمَا لَا يَطُولُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَعَ النَّقْدِ فَيَتَّفِقُ الْقَوْلَانِ. اُنْظُرْهُ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْإِجَارَةِ. وَذَكَرَ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِهَلَاكِ الْمَصْنُوعِ مُطْلَقًا، وَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الصَّانِعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَجْرُ حَتَّى يُتِمَّ الْعَمَلَ بِخِلَافِ الْكِرَاءِ، وَانْظُرْ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِعَمَلِ الْعَامِلِ، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَضْمُونِ؟ اُنْظُرْ فِيهِ.
وَفِي رَسْمِ طَلَّقَ: مِنْ تَضَمُّنِ الصُّنَّاعِ إذَا قَبَضَ الْقَصَّارُ أُجْرَتَهُ وَدَفَعَ الثَّوْبَ لِقَصَّارٍ آخَرَ وَفَرَّ هُوَ، فَإِنْ كَانَتْ إجَارَةً مَضْمُونَةً أَخَذَ ثَوْبَهُ بِلَا شَيْءٍ وَإِلَّا غَرِمَ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ فِي اسْتِئْجَارِهِ إيَّاهُ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَهُ بِيَدِهِ. اُنْظُرْ الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ الْعَامِلُ لِمِثْلِهِ أَعِنِّي خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَأَعْيُنُك خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي حَصَادِ زَرْعِك وَدَرْسِهِ وَعَمَلِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَكَانَ ذَلِكَ ضَرُورَةً تُبِيحُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا قَلَّ وَقَرُبَ مِنْ الْأَيَّامِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَعْمَالُ.
قَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ عَبْدَ الْآخَرِ النَّجَّارَ وَيَعْمَلُ لَهُ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْآخَرُ عَبْدَهُ الْخَيَّاطَ يَخِيطُ لَهُ غَدًا، وَإِنْ قَالَ: اُحْرُثْ لِي فِي الصَّيْفِ وَأَحْرُثُ لَك فِي الشِّتَاءِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ دَوْلَةِ النِّسَاءِ الْوَاقِعَةُ فِي عَصْرِنَا فِي اجْتِمَاعِهِنَّ فِي الْغَزْلِ لِبَعْضِهِنَّ حَتَّى يَسْتَوْفِينَ، فَإِنْ قَرُبَ مُدَّةُ اسْتِيفَائِهِنَّ مِنْ الْغَزْلِ بِجَمِيعِهِنَّ كَالْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ وَنَحْوِهَا وَعَيَّنْت الْمُبْتَدَأَ لَهَا وَمَنْ يَلِيهَا إلَى آخِرِهِنَّ وَصِفَةَ الْغَزْلِ جَازَ وَإِلَّا فَسَدَتْ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: إنَّمَا مُنِعَ فِي الرِّوَايَةِ اُحْرُثْ مَعِي فِي الصَّيْفِ وَأَحْرُثُ لَك فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يُضَيِّقَ فِي الْمُدَّةِ هَذَا التَّضْيِيقَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: خُذْ حِمَارِي اعْمَلْ عَلَيْهِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَتَعْمَلُ لِي عَلَيْهِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: فَلَوْ قَالَ اعْمَلْ عَلَيْهِ شَهْرًا لِنَفْسِك وَشَهْرًا لِي لَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إنْ بَدَأَ بِالشَّهْرِ الَّذِي لِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا يَجُوزَ إنْ بَدَأَ بِالشَّهْرِ الَّذِي لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَقَدَ كِرَاءَ دَابَّةٍ يَرْكَبُهَا إلَى شَهْرٍ. هَكَذَا قَالَ اُنْظُرْ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فِي الْأَكْرِيَةِ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ اكْتَرَى سَفِينَةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا وَقْتَ صَلَاحِ الرُّكُوبِ جَازَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ إلَّا إنْ كَانَ وَقْتُ صَلَاحِ الرُّكُوبِ قَرِيبًا مِثْلَ نِصْفِ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ جَازَ النَّقْدُ، وَإِنْ بَعُدَ كَالشَّهْرَيْنِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ.
(وَمُنِعَ وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وَغَائِبٍ وَكِرَاءٍ ضُمِّنَ وَسَلَمٍ بِخِيَارٍ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا النَّقْدُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَجَائِزٌ إلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّنَاجُزُ فِيهِ بَعْدَ أَمَدِ الْخِيَارِ كَالسَّلَمِ وَالْعَبْدِ الْغَائِبِ وَالْجَارِيَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ لِأَنَّهُ إنْ تَمَّ الْبَيْعُ دَخَلَهُ فَسْخُ الدَّيْنِ. اللَّخْمِيِّ: وَكَذَلِكَ مَضْمُونُ الْكِرَاءِ فَإِنْ نَزَلَ لَمْ يُفْسَخْ اهـ. اُنْظُرْ إنْ
[ ٦ / ٣١٦ ]
كَانَ هَذَا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ أَشْهَبَ.
(وَاسْتَبَدَّ بَائِعٌ أَوْ مُشْتَرٍ عَلَى مَشُورَةِ غَيْرِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ مَشُورَةَ غَيْرِهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِمُشْتَرِطِهَا تَرْكَهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ ابْتَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَسْتَشِيرَ فُلَانًا جَازَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ إلَى رَدٍّ أَوْ إجَازَةٍ وَلَا يَمْنَعُهُ الْبَائِعُ (لَا خِيَارِهِ وَرِضَاهُ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى نَفْيِهِ فِي مُشْتَرٍ وَعَلَى نَفْيِهِ فِي الْخِيَارِ فَقَطْ وَعَلَى أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِيهِمَا) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَشْهُورُ صِحَّةُ اشْتِرَاطِ خِيَارِ ثَالِثٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَفِي اسْتِبْدَادِهِ بِالْأَخْذِ وَالرَّدِّ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ سِلْعَةً عَلَى رِضَا فُلَانٍ أَوْ خِيَارِهِ، ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ رَدٌّ أَوْ إجَازَةٌ دُونَ خِيَارِ مَنْ اشْتَرَطَ. ابْنُ يُونُسَ: لَمْ يُبَيِّنْ هَاهُنَا هَلْ لِلْبَائِعِ خِلَافُ مَنْ اشْتَرَطَ خِيَارَهُ أَوْ رِضَاهُ وَبَيَّنَهُ فِي الْمُشْتَرِي. وَحَمَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي عَلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِ قَوْلِ مَالِكٍ. وَذَكَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَرَّةً لِلْبَائِعِ أَنْ يُخَالِفَ خِيَارَ مَنْ اشْتَرَطَ خِيَارَهُ أَوْ رِضَاهُ إلَى رَدٍّ أَوْ إجَازَةٍ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُخَالِفَ الْأَجْنَبِيَّ. وَقَالَ مَرَّةً: إنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي سَوَاءٌ وَلَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ. رَاجِعْ ابْنَ يُونُسَ وَالتَّنْبِيهَاتِ.
(وَرَضِيَ مُشْتَرٍ كَاتَبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ أَوْ رَهَنَ أَوْ آجَرَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ عَتَقَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ وَطِئَ فَذَلِكَ كُلُّهُ رِضًا بِالْبَيْعِ وَمِنْ الْبَائِعِ (رُدَّ لَهُ) ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ إنْ حَلَقَ رَأْسَ الْوَصِيفِ أَوْ حَجَّمَهُ فَهُوَ رِضًا (وَزَوَّجَ وَلَوْ عَبْدًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ زَوَّجَ الْمُشْتَرِي الْأَمَةَ أَوْ زَوَّجَ الْعَبْدَ أَوْ ضَرَبَهُ أَوْ جَعَلَهُ فِي صِنَاعَةٍ أَوْ فِي الْكِتَابِ أَوْ سَاوَمَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلْبَيْعِ أَوْ أَكْرَى الرِّبَاعَ
[ ٦ / ٣١٧ ]
وَالدَّوَابَّ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَذَلِكَ رِضًا وَقَطْعٌ لِخِيَارِهِ (أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْجَارِيَةِ فَجَرَّدَهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَنَظَرَ إلَيْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ رِضًا وَقَدْ تُجَرَّدُ لِلتَّقْلِيبِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَلَذُّذًا فَذَلِكَ رِضًا. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ
[ ٦ / ٣١٨ ]
تُجَرَّدَ لِلتَّقْلِيبِ إذْ قَدْ يَكُونُ فِي جِسْمِهَا عَيْبٌ (أَوْ رَهَنَ أَوْ آجَرَ أَوْ أَسْلَمَ لِلصَّنْعَةِ أَوْ تَسَوَّقَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا كُلِّهِ (أَوْ جَنَى إنْ تَعَمَّدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ جَنَى الْمُشْتَرِي فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ عَلَى الْعَبْدِ عَمْدًا قَطَعَ يَدَهُ أَوْ فَقَعَ عَيْنَهُ فَذَلِكَ رِضًا وَلَهُ رَدُّهُ فِي الْخَطَأِ وَمَا نَقَصَهُ، وَفِي الدَّابَّةِ مِثْلُهُ إنْ جَنَى عَلَيْهَا عَمْدًا فَذَلِكَ رِضًا وَيَغْرَمُ الثَّمَنَ كُلَّهُ، وَلَهُ رَدُّهَا فِي الْخَطَأِ وَمَا نَقَصَهَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا ضَمِنَ الثَّمَنَ كُلَّهُ
(أَوْ نَظَرَ الْفَرْجَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَنَظَرُ الْمُبْتَاعِ فَرْجَ الْأَمَةِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ رِضًا لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يُجَرَّدُ فِي الشِّرَاءِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ وَمَنْ يَحِلُّ إلَيْهِ الْفَرْجُ. ابْنُ يُونُسَ: دَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى فَرْجِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْفِقْهِ (أَوْ عَرَّبَ دَابَّةً أَوْ وَدَّجَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ فِي الدَّابَّةِ فَوَدَّجَهَا أَوْ عَرَّبَهَا أَوْ هَلَبَهَا أَوْ سَافَرَ عَلَيْهَا فَهُوَ رِضًا وَتَلْزَمُهُ الدَّابَّةُ. هَلَبْت الْفَرَسَ إذَا نَتَفْت هُلْبَهُ وَالْهُلْبَةُ مَا غَلُظَ مِنْ شَعْرِ الذَّنَبِ وَغَيْرِهِ. وَيُقَالُ دِجْ دَابَّتَك أَيْ اقْطَعْ وَدَجَهَا وَهُوَ كَالْفَصْدِ لِلْإِنْسَانِ (لَا إنْ جَرَّدَ جَارِيَةً) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا قَبَّلَ أَوْ رَهَنَ.
(وَهُوَ رَدٌّ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا الْإِجَارَةَ) سَحْنُونَ: إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَكُلُّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ الْمُشْتَرِي كَانَ رِضًا فَهُوَ إذَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ رُدَّ لِلْبَيْعِ. اللَّخْمِيِّ: لَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ أَجَّرَ الْبَائِعُ الْعَبْدَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَكَانَ مِنْ عَبِيدِ الْإِجَارَةِ أَوْ بَعَثَهُ فِي صِنَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَدًّا لِأَنَّ غَلَّتَهُ وَمَنَافِعَهُ لَهُ حَتَّى يَمْضِيَ الْبَيْعُ.
(وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ " وَمَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا اخْتَارَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ رَدًّا أَوْ إجَازَةً وَصَاحِبُهُ غَائِبٌ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ عَلَى الْغَائِبِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا كَانَ الثَّوْبُ بِيَدِ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ أَمَدِ الْخِيَارِ إلَى الْإِشْهَادِ إنْ أَرَادَ الْفَسْخَ، وَإِنْ أَرَادَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ فَلْيُشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ، وَإِنْ أَرَادَ فَسْخَهُ فَلْيُشْهِدْ وَهَذَا بَيِّنٌ.
(وَلَا يَبِعْ مُشْتَرٍ فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ اخْتَارَ بِيَمِينٍ أَوْ لِرَبِّهَا
[ ٦ / ٣١٩ ]
نَقْضُهُ؟ قَوْلَانِ) لَوْ قَالَ " فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ يُصَدَّقُ إنْ اخْتَارَ بِيَمِينٍ أَوْ لِرَبِّهَا رِبْحُهُ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ إذْ سَحْنُونَ قَدْ طَرَحَ نَقْضَ الْبَيْعِ وَصَوَّبَ ذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ إذَا كَانَ فِيهَا خِيَارٌ لَهُ حَتَّى يَسْتَوْجِبَهَا لِنَفْسِهِ وَيُشْهِدَ ثُمَّ يَبِيعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ بَاعَهَا فَرُوِيَ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَرَبُّ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ. وَطَرَحَ سَحْنُونَ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْبَائِعَ مُخَيَّرٌ وَقَالَ: إنَّمَا فِي رِوَايَةٍ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي ضَمَانِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ فَيَقُولُ لَهُ الْبَائِعُ: بِعْت سِلْعَتِي وَمَا فِي ضَمَانِي فَالرِّبْحُ لِي، وَأَمَّا نَقْضُ الْبَيْعِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُبْتَاعِ لَا يُسْقِطُ خِيَارَهُ فَلَوْ نُقِضَ الْبَيْعُ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَخْذَ السِّلْعَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَقْضِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا بِالْخِيَارِ لَهُ فَبَاعَهُ بِرِبْحٍ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَهُ بِاخْتِيَارِهِ. فَإِنْ قَالَ: بِعْته بَعْدَ أَنْ اخْتَرْت صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ وَلَهُ الرِّبْحُ وَإِلَّا فَالرِّبْحُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ. قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
(وَانْتَقَلَ لِسَيِّدِ مُكَاتَبٍ عَجَزَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا ابْتَاعَ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَعَجَزَ فِي الثَّلَاثِ فَلِسَيِّدِهِ مِنْ الْخِيَارِ
[ ٦ / ٣٢٠ ]
مَا كَانَ لَهُ.
(وَلِغَرِيمٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ) الْمُدَوَّنَةُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِ الْمَيِّتِ فَاخْتَارَ غُرَمَاؤُهُ رَدًّا وَأَخْذًا وَذَلِكَ أَوْفَرُ لِتَرِكَتِهِ وَازْدِيَادٌ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ فَذَلِكَ لَهُمْ دُونَ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ رَدُّوا لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ الْأَخْذُ إلَّا أَنْ يَدْفَعُوا الثَّمَنَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ دُونَ مَالِ الْمَيِّتِ (وَلِوَارِثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْخِيَارُ يُورَثُ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (وَالْقِيَاسُ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ وَالِاسْتِحْسَانُ أَخْذُ الْمُجِيزِ الْجَمِيعَ) أَشْهَبُ: يُورَثُ الْخِيَارُ عَنْ الْبَائِعِ أَوْ عَنْ الْمُبْتَاعِ، ثُمَّ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى رَدٍّ أَوْ إجَازَةٍ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّانِ وَإِنْ اخْتَلَفَ وَارِثُو الْخِيَارِ وَهُمْ رُشَدَاءُ فَشَاءَ بَعْضُهُمْ إمْضَاءَ الْبَيْعِ وَشَاءَ بَعْضُهُمْ رَدَّهُ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يُجِيزُوا كُلُّهُمْ أَوْ يَرُدُّوا كُلُّهُمْ، وَهَذَا هُوَ النَّظَرُ لِأَنَّ مَيِّتَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إجَازَةُ بَعْضِ الصَّفْقَةِ وَرَدُّ بَعْضِهَا فَكَذَلِكَ هُمْ، وَاسْتُحْسِنَ لِمَنْ أَجَازَ مِنْ وَرَثَةِ الْمُبْتَاعِ أَنْ يَأْخُذَ نِصَابَ مَنْ لَمْ يُجِزْ إنْ شَاءَ، فَإِنْ أَبَى رَدَدْنَا الْجَمِيعَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ لَهُ
[ ٦ / ٣٢١ ]
الْبَائِعُ أَخْذَ جِهَتِهِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا ذَلِكَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَكَذَا رَدُّهُمْ بِعَيْبٍ فِيهَا بِغَيْرِ خِيَارٍ أَوْ مُشْتَرِيَانِ أَصَابَا عَيْبًا فَرَضِيَهُ وَاحِدٌ وَرَدَّ بِهِ الْآخَرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَرُدَّا جَمِيعًا أَوْ يَحْبِسَا أَوْ يَأْخُذَ الْمُتَمَاسِكُ جَمِيعَ السِّلْعَةِ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْكِتَابِ: وَفِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ أَنَّ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُشْتَرِينَ أَنْ يَأْخُذَ أَوْ يَرُدَّ بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ قَالَ: وَلَا قَوْلَ لِلْبَائِعِ إذْ لَا يَتْبَعُ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا بِحِصَّتِهِ، وَأَمَّا الْوَرَثَةُ فَإِنَّمَا وَرِثُوا ذَلِكَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَهُمْ كَإِيَّاهُ (وَهَلْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ كَذَلِكَ؟ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ يُونُسَ: مَا تَقَدَّمَ هُوَ فِي اخْتِلَافِ وَرَثَةِ الْمُبْتَاعِ، وَأَمَّا فِي اخْتِلَافِ وَرَثَةِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ الَّذِي يُرِيدُ فَسْخَ الْبَيْعِ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُرِيدُ إمْضَاءَ الْبَيْعِ مِنْ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي وَيَجْرِي الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ الرَّادِّ مِنْ وَرَثَةِ الْبَائِعِ كَالْآخِذِ مِنْ وَرَثَةِ الْمُبْتَاعِ أَوْ لَا أَخْذَ لَهُ بِحَالٍ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِبَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ، وَالثَّانِي مَا حَكَى الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ شِهَابُ الدِّينِ فِي الْفُرُوقِ: وَحَدِيثُ مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَالْبَيْعُ عَلَى الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ جَائِزٌ وَيُورِثُ الْوَاحِدَ مَنْ لَا يُورِثُ الْآخَرَ. نَظِيرُ اللِّعَانِ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَخْتَرْ الْقَضَاءَ لِمُطَالَبَةِ الْوَكَالَةِ، نَظِيرَ الْآخَرِ الشُّفْعَةُ خِيَارُ التَّعْيِينِ الْوَصِيَّةُ الْهِبَةُ الْإِقَالَةُ.
(وَإِنْ جُنَّ نَظَرَ السُّلْطَانُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ جُنَّ فَأُطْبِقَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَالسُّلْطَانُ يَنْظُرُ لَهُ فِي الرَّدِّ أَوْ الْأَخْذِ أَوْ يُوَكِّلُ بِذَلِكَ مَنْ وَلِيَ مِنْ وَرَثَتِهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ وَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ كَمَا يَنْظُرُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَلَوَّمُ السُّلْطَانُ لِلْمَجْنُونِ وَيُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي التَّلَوُّمِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّ تَلَوُّمَهُ لَهُ سَنَةٌ " فَإِنْ بَرِيءَ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَجْذَمُ الْبَيِّنُ جُذَامُهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأَمَّا الْأَبْرَصُ فَلَا.
(وَانْتَظَرَ الْمُغْمَى وَإِنْ طَالَ فُسِخَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ
[ ٦ / ٣٢٢ ]
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ اُنْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى خِيَارِهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ إغْمَاؤُهُ أَيَّامًا فَيَنْظُرَ السُّلْطَانُ، فَإِنْ رَأَى ضَرَرًا فَسَخَ الْبَيْعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالصِّبَا وَإِنَّمَا الْإِغْمَاءُ مَرَضٌ.
(وَالْمِلْكُ لِلْبَائِعِ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَبِيعَ مُدَّةَ الْخِيَارِ مِلْكٌ لِبَائِعِهِ فَالْإِمْضَاءُ نَقْلٌ. اُنْظُرْ عَلَى هَذَا يَأْتِي مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى الْعُتْبِيِّ أَنَّ عُهْدَةَ الثَّلَاثَةِ تَبْدَأُ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اشْتَرَى شِقْصًا بِخِيَارٍ فَاخْتَارَ بَعْدَ أَنْ بِيعَ الشِّقْصُ الْآخَرُ بَيْعَ بَتٍّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ فِي الشِّقْصِ الْمَبِيعِ بَيْعَ بَتٍّ. ابْنُ رُشْدٍ: فَيَأْتِي عَلَى هَذَا أَنَّ الْعُهْدَةَ تَكُونُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ.
(وَمَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ جَنَى عَلَى الْأَمَةِ أَجْنَبِيٌّ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ فَقَطَعَ يَدَهَا وَأَصَابَهَا ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ يَأْخُذُهَا مَعِيبَةً بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَالْأَرْشُ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ طَلَبُ الْجَانِي، وَمَا وَهَبَ لَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَلِلْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي فُرُوقِهِ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوَلَدَ إذَا حَدَثَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي إنْ اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ، وَإِنْ وَهَبَ لَهَا مَالًا أَوْ جُرِحَتْ فَأَخَذَ عِوَضًا لِذَلِكَ الْجُرْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ وَالْجَمِيعُ مَا وُجِدَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ ثُمَّ بَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهَا (إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَالَهُ) ابْنُ الْكَاتِبِ: فِيمَا وُهِبَ لِلْجَارِيَةِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُبْتَاعُ مَالَهَا، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَهُ لَكَانَ مَا وُهِبَ لَهَا بِمَنْزِلَةِ مَالِهَا الْمُشْتَرَطِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَوَهَبَ لِلْمُكَاتَبِ مَالًا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ أَنَّهُ إنْ مَضَتْ الْكِتَابَةُ فَالْمَالُ يَكُونُ تَبَعًا لِلْعَبْدِ كَمَالِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ.
(وَالْغَلَّةُ) ابْنُ عَرَفَةَ: غَلَّةُ الْمَبِيعِ مُدَّةَ الْخِيَارِ لِبَائِعِهِ. الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَاللَّبَنُ وَالثَّمَرُ غَلَّةٌ وَالصُّوفُ جُزْءٌ مِنْ الْجَمِيعِ (وَأَرْشُ مَا جَنَى أَجْنَبِيٌّ لَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ جَنَى عَلَى الْمَبِيعِ أَجْنَبِيٌّ فَالْأَرْشُ لِلْبَائِعِ (بِخِلَافِ الْوَلَدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ كَانَ وَلَدُهَا مَعَهَا فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّهِ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ بِالثَّمَنِ الْمُشْتَرَطِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ الْوِلَادَةِ إنْ رَدَّهَا. ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْحَامِلَ إذَا جَاوَزَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَانَ حَالُهَا حَالَ الْمَرِيضَةِ وَبَيْعُ الْمَرِيضِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ بَاعَ الْأَمَةَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا حَامِلٌ. وَقِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: مَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا؟ قَالَ: إذَا أَثْقَلَتْ وَصَارَتْ فِي الْحَدِّ الَّذِي إذَا صَارَتْ إلَيْهِ الْحُرَّةُ مُنِعَتْ مِنْ ثُلُثِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا جَاوَزَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فَيَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا مَا يَمْنَعُ الْمَرِيضَ الْمُوقَفَ.
(وَالضَّمَانُ مِنْهُ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ أَنَّ الضَّمَانَ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ مِمَّا يَحْدُثُ بِالسِّلْعَةِ مِنْ الْبَائِعِ إذْ هُوَ أَقْدَمُ مِلْكًا فَلَا يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ عَنْهُ إلَّا بِتَمَامِ انْتِقَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا، وَالضَّمَانُ مِنْهُ فِيمَا قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٣٢٣ ]
وَفِيمَا يَثْبُتُ هَلَاكُهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَلَاكَهُ ظَاهِرٌ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي قَبْضِهِ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَثْبُتْ هَلَاكُهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَالْمُبْتَاعُ يَضْمَنُهُ لِأَنَّ قَبْضَهُ خَارِجٌ مِنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ وَإِنَّمَا قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَعَلَى وَجْهِ الْمُبَايَعَةِ دُونَ الْأَمَانَةِ، وَكَقَبْضِ الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا - ﷺ - مَضْمُونَةً فِي السِّلَاحِ فَكَانَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِثْلَهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدٍ وَالْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا وَتَقَابَضَا، فَمُصِيبَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِنْ بَائِعِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ وَلَا يَتِمُّ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَقَعَ الْخِيَارُ.
(وَحَلَفَ مُشْتَرٍ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى رَقِيقًا أَوْ حَيَوَانًا بِالْخِيَارِ فَقَبَضَهَا ثُمَّ ادَّعَى إبَاقَ الرَّقِيقِ وَانْفِلَاتَ الدَّوَابِّ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ سُرِقَ مِنْهُ وَهُوَ بِمَوْضِعٍ لَا يُجْهَلُ، لَمْ يُكَلَّفْ بِبَيِّنَةٍ وَصُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ ادَّعَى مَوْتًا وَهُوَ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْفَى، سَأَلَ عَنْهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَا يُقْبَلُ إلَّا الْعُدُولُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ فِي مَسْأَلَتِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بِالْمَوْضِعِ أَحَدٌ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَالْمُتَّهَمُ فِي هَذَا وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ سَوَاءٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ. وَكَذَلِكَ فِي عَارِيَّةِ الْحَيَوَانِ وَإِجَارَتِهَا يَدَّعِي ضَيَاعَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا لِمَنْفَعَتِهِ، فَالْمُتَّهَمُ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْوَدَائِعِ الَّتِي لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا فَلَا يَحْلِفُ فِيهَا إلَّا الْمُتَّهَمُ. قَالَهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا.
(أَوْ يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ادَّعَى هَلَاكَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ هَلَكَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ أَوْ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ مِنْ أَخْذِ لُصُوصٍ أَوْ غَرْقِ مَرْكَبٍ كَانُوا فِيهِ أَوْ احْتِرَاقِ مَنْزِلٍ أَوْ قِدْرٍ أَوْ الثَّوْبِ فِي النَّارِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ فِي هَذَا كَانَ مِنْ الْبَائِعِ وَكَذَلِكَ إنْ ثَبَتَ هَذَا فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَالضَّيَاعُ كَانَ مِنْ رَبِّهِ وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ.
(وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي إنْ خُيِّرَ الْبَائِعُ الْأَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ فَالثَّمَنُ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى خِيَارٍ وَبَانَ بِهِ ثُمَّ ادَّعَى ضَيَاعَهُ لَمْ يُصَدَّقْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَغْرَمُ الثَّمَنَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ يَمِينٍ وَدَعْ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ مَا يَغْرَمُ إلَّا الثَّمَنَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَقِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ حَلَفَ لَقَدْ ضَاعَ وَغَرِمَ الثَّمَنَ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْقِيمَةَ (كَخِيَارِهِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ اللَّخْمِيِّ إنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي الضَّيَاعَ وَالْخِيَارُ لَهُ غَرِمَ الثَّمَنَ خَاصَّةً وَدَعْ الْقِيمَةَ تَكُونُ أَقَلَّ (وَكَغَيْبَةِ بَائِعٍ وَالْخِيَارُ لِغَيْرِهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ بَقِيَ الثَّوْبُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ. وَيَحْلِفُ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا قَبِلْته، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْبَائِعُ لَقَدْ ضَاعَ وَيَبْرَأُ.
(وَإِنْ جَنَى بَائِعٌ وَالْخِيَارُ لَهُ عَمْدًا بِرَدٍّ وَخَطَأٍ فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ وَإِنْ تَلِفَتْ انْفَسَخَ فِيهِمَا) اللَّخْمِيِّ: لَا تَخْلُو الْجِنَايَةُ فِي
[ ٦ / ٣٢٤ ]
الْعَبْدِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُ وَكَانَتْ عَمْدًا فَقِيلَ: إنَّ جِنَايَتَهُ رَدٌّ لِلْبَيْعِ وَهُوَ أَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَعَلَى هَذَا إنْ كَانَتْ مِثْلَهُ فِي الرَّقِيقِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرِضًا وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي الْقَبُولِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ أَوْ الرَّدِّ (وَإِنْ خُيِّرَ غَيْرُهُ وَتَعَمَّدَ فَلِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ أَوْ أَخْذُ الْجِنَايَةِ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَجَنَى الْبَائِعُ عَمْدًا، فَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ الْمَبِيعُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُغَرِّمَ الْبَائِعَ قِيمَةَ الْجِنَايَةِ وَيَأْخُذَهُ مَعِيبًا وَيَدْفَعَ الثَّمَنَ أَوْ يَرُدَّهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: جِنَايَةُ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ بِقَتْلٍ عَمْدٍ يَلْزَمُهُ فَضْلُ قِيمَتِهِ عَلَى ثَمَنِهِ وَيَنْقُصُ لِلْمُبْتَاعِ أَخْذُهُ مَعَ الْأَرْشِ (وَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْأَكْثَرَ) تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ: " يَلْزَمُ فَضْلُ قِيمَتِهِ عَلَى ثَمَنِهِ ". وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: وَإِنْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي الْأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةَ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِحُكْمِ التَّعَدِّي (وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَخْذُهُ نَاقِصًا أَوْ رَدُّهُ وَإِنْ تَلِفَتْ انْفَسَخَ) ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْبَائِعِ خَطَأً وَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَتْ دُونَ النَّفْسِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ رَدِّهِ، وَإِنْ أَتَتْ عَلَى النَّفْسِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ (وَإِنْ جَنَى مُشْتَرٍ وَالْخِيَارُ لَهُ أَوْ لَمْ يُتْلِفْهَا عَمْدًا فَهُوَ رِضًا، وَخَطَأً فَلَهُ رَدُّهُ وَمَا نَقَصَ وَإِنْ أَتْلَفَهَا ضَمِنَ الثَّمَنَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ جَنَى الْمُشْتَرِي عَمْدًا فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَذَلِكَ رِضًا وَلَهُ رَدُّهُ فِي الْخَطَأِ وَمَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا ضَمِنَ الثَّمَنَ كُلَّهُ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ جَنَى إنْ تَعَمَّدَ " (وَإِنْ خُيِّرَ غَيْرُهُ وَجَنَى عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ أَخْذُ الْجِنَايَةِ أَوْ الثَّمَنِ فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْأَكْثَرَ) ابْنُ شَاسٍ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَسَوَاءٌ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً الْبَائِعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِحُكْمِ الْغَرَامَةِ وَإِمْضَاءِ الْبَيْعِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ التُّونِسِيُّ: جِنَايَةُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ خَطَأٌ كَأَجْنَبِيِّ، فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْبَائِعِ أَخْذُ الْجِنَايَةِ أَوْ الثَّمَنِ لَا أَعْرِفُهُ.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
(وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَ فَادَّعَى ضَيَاعَهُمَا ضَمِنَ وَاحِدًا بِالثَّمَنِ فَقَطْ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ إنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ هَلْ يُرِيدُ بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى الْإِيجَابِ؟ وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ: مَنْ أَخَذَ ثَوْبَيْنِ لِيَخْتَارَ أَحَدَهُمَا أَوْ يَرُدَّهُمَا فَادَّعَى تَلَفَهُمَا، رَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَضْمَنُ أَحَدَهُمَا بِالثَّمَنِ. وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ كَانَ الْمُبْتَاعُ إنَّمَا أَخَذَ الثَّوْبَيْنِ لِيَخْتَارَ أَحَدَهُمَا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَضَاعَا لَمْ يَضْمَنْ إلَّا ثَمَنَ أَحَدِهِمَا وَهُوَ فِي الْآخَرِ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ نِصْفَ ثَمَنِ التَّالِفِ، ثُمَّ لَهُ أَخْذُ الثَّوْبِ الْبَاقِي أَوْ رَدُّهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْأَلُ رَجُلًا دِينَارًا فَيُعْطِيهِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ لِيَخْتَارَ أَحَدَهَا فَيَزْعُمُ أَنَّهُ تَلِفَ مِنْهَا دِينَارَانِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا، وَإِنْ كَانَ تَلَفُ الدِّينَارَيْنِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِقَوْلِهِ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ: إنَّ الصَّوَابَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يُعْلَمَ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ
وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي أَخْذِهِ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: إذَا اشْتَرَى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى الْإِيجَابِ فَضَاعَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ، فَمَا تَلِفَ فَبَيْنَهُمَا وَمَا بَقِيَ فَبَيْنَهُمَا وَسَوَاءٌ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ أَمْ لَمْ تَقُمْ وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ فِي أَخْذِ الثَّوْبِ الْبَاقِي كُلِّهِ. رَاجِعْ ابْنَ يُونُسَ (وَلَوْ سَأَلَ فِي إقْبَاضِهِمَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَاحِدًا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ الْبَائِعِ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهَا وَاحِدًا فَضَاعَتْ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ تَطَوَّعَ لَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ سَأَلَ الْبَائِعَ ذَلِكَ ضَمِنَهَا كُلَّهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا وَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا يَضْمَنُ إلَّا وَاحِدًا لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهَا إلَّا عَنْ رِضًا إذْ سَأَلَهُ (أَوْ ضَيَاعَ وَاحِدٍ ضَمِنَ نِصْفَهُ وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي كَسَائِلِ دِينَارٍ فَيُعْطَى ثَلَاثَةً لِيَخْتَارَ فَزَعَمَ تَلَفَ اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا وَقَالَ التُّونِسِيُّ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا مَعَهُ فَمَا ضَاعَ فَبَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ إجْزَائِهِمَا
[ ٦ / ٣٢٦ ]
يَعْنِي الدِّينَارَيْنِ اللَّذَيْنِ ضَاعَا قَالَ: وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَلَفِ الدِّينَارَيْنِ إلَّا بِقَوْلِهِ وَأَوْجَبَ لَهُ التَّخْيِيرَ بِخِيَارِهِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ إذَا وَزَنْتهَا خُذْ مِنْهَا دِينَارًا فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا.
(وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَارَهُمَا فَكِلَاهُمَا مَبِيعٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي صَفْقَةٍ فَضَاعَا فِي يَدَيْهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَزِمَاهُ بِالثَّمَنِ، كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ كَانَ الْهَالِكُ مِنْهُمَا وَجْهَ الصَّفْقَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَاهُ جَمِيعًا كَضَيَاعِ الْجَمِيعِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ
[ ٦ / ٣٢٨ ]
غَيْبَةٌ (وَلَزِمَاهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَهُمَا بِيَدِهِ) نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ: إذَا اشْتَرَى الثَّوْبَيْنِ جَمِيعًا بِالْخِيَارِ فَمَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ وَهُمَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَزِمَهُ أَخْذُ الثَّوْبَيْنِ. (وَفِي اللُّزُومِ لِأَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلٍّ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى الْإِيجَابِ وَذَهَبَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ وَالثَّوْبَانِ بِيَدِ الْبَائِعِ وَبِيَدِ الْمُبْتَاعِ، لَزِمَهُ نِصْفُ كُلِّ ثَوْبٍ وَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّ ثَوْبًا قَدْ لَزِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ أَيُّهُمَا هُوَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِيهِمَا شَرِيكَيْنِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا مِنْ ثَوْبَيْنِ وَقَدْ لَزِمَهُ، فَإِنْ كَانَ
[ ٦ / ٣٢٩ ]
الثَّمَنُ وَاحِدًا وَالثَّوْبَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَجَائِزٌ، فَإِنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فِي الْخِيَارِ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ فَالْهَالِكُ وَالْمَعِيبُ بَيْنَهُمَا وَالسَّالِمُ بَيْنَهُمَا وَعَلَى الْمُبْتَاعِ نِصْفُ ثَمَنِ كُلِّ ثَوْبٍ (وَفِي الِاخْتِيَارِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَهَذَا بِخِلَافِ أَنْ لَوْ أَخَذَهُ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ. هَذَا إذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَا بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُبْتَاعِ، وَبِمُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ يَنْقَطِعُ اخْتِيَارُهُ وَلَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ عَلَى ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ وَلَا عَلَى الْإِيجَابِ لِأَحَدِهِمَا فَيَكُونُ شَرِيكًا، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى الثَّوْبَيْنِ جَمِيعًا بِالْخِيَارِ فَمَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ وَهُمَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَزِمَهُ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ: فَصَارَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي شِرَائِهِ لِلثَّوْبَيْنِ يَلْزَمَانِهِ جَمِيعًا، وَفِي أَخْذِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِيجَابِ يَلْزَمُهُ نِصْفُ كُلِّ ثَوْبٍ، وَفِي أَخْذِهِ عَلَى غَيْرِ الْإِيجَابِ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُمَا شَيْءٌ. ابْنُ شَاسٍ:.
[خِيَارُ النَّقِيصَةِ]
النَّوْعُ الثَّانِي خِيَارُ النَّقِيصَةِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: مَا ثَبَتَ بِفَوَاتِ أَمْرٍ مَظْنُونٍ نَشَأَ الظَّنُّ فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ شَرْطٍ أَوْ
[ ٦ / ٣٣٠ ]
قَضَاءٍ عُرْفِيٍّ أَوْ تَغْرِيرٍ، فَعَلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مَا ثَبَتَ عَنْ غَبْنٍ (وَرُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَضٌ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ شَرَطَ مَا فِيهِ غَرَضٌ وَلَا مَالِيَّةَ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِي إلْزَامِ الْوَفَاءِ بِهِ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ فَوَجَدَهَا مُسْلِمَةً فَكَرِهَهَا وَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أُزَوِّجَهَا عَبْدِي النَّصْرَانِيَّ، فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ وَشِبْهِهِ فَلَهُ رَدُّهَا لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لِذَلِكَ وَجْهٌ فَلَا رَدَّ لَهُ. قَالَ أَصْبَغُ: أَوْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ مُسْلِمَةً وَقَدْ اشْتَرَطَ فَلَهُ شَرْطُهُ (كَثَيِّبٍ لِيَمِينٍ فَيَجِدُهَا بِكْرًا) ابْنُ سَهْلٍ: كَتَبَ إلَيَّ مِنْ فَاسَ رَجُلٌ ابْتَاعَ أَمَةً شَرَطَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَأَلْفَاهَا بِكْرًا، فَأَتَيْت إنْ كَانَ شَرْطُهُ لِوَجْهٍ
[ ٦ / ٣٣١ ]
يَذْكُرُهُ مِنْ يَمِينٍ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْلِكَ بِكْرًا فَلَهُ رَدُّهَا (وَإِنْ بِمُنَادَاةٍ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ: تُبَاعُ فِي الْمِيرَاثِ فَيَقُولُ الصَّائِحُ عَلَيْهَا: إنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا بِكْرٌ وَلَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ فَتُوجَدُ غَيْرَ بِكْرٍ فَلَهُ الرَّدُّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا طَبَّاخَةٌ ثُمَّ لَمْ تُوجَدْ كَذَلِكَ فَلْتُرَدَّ. وَسَمِعَ أَشْهَبُ: إنْ بَاعَهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَغَابَ عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي بُكْرَةً ثُمَّ رَدَّهَا عَشِيَّةً وَقَالَ: لَمْ أَجِدْهَا بِكْرًا، فَلْيَنْظُرْ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ رَأَيْنَ أَثَرًا قَرِيبًا حَلَفَ الْبَائِعُ وَلَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ، وَإِنْ قُلْنَ مَا نَرَى أَثَرًا جَدِيدًا أَوْ إنَّهُ فِيمَا نَرَى لَقَدِيمٌ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ وَرَدَّهَا، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَلَزِمَتْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَحَالُفَ فِي هَذَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَبِقَوْلِ مَالِكٍ أَقُولُ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ النِّسَاءِ إذْ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ كَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَلَيْسَ
[ ٦ / ٣٣٢ ]
مِثْلَ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُنَّ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ وَالْحَيْضِ
(إلَّا إنْ انْتَفَيَا) ابْنُ شَاسٍ: إنْ شَرَطَ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا مَالِيَّةَ لَغَى الشَّرْطُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ. اُنْظُرْ إذَا وَجَدَ الْجَارِيَةَ مُغَنِّيَةً وَثَمَنُهَا يَزِيدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ رَدَّهَا إلَّا إنْ تَابَتْ مِنْ رَسْمِ سَلَفَ.
(وَبِمَا الْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ كَعَوَرٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: خِيَارُ النَّقِيصَةِ هُوَ نَقْصٌ يُخَالِفُ مَا الْتَزَمَهُ شَرْطًا أَوْ عُرْفًا ثُمَّ قَالَ: وَالْعُرْفِيُّ مَا تَقْضِي الْعَادَةُ بِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الثَّمَنِ أَوْ التَّصَرُّفِ أَوْ خَوْفًا فِي الْعَاقِبَةِ كَالْعَمَى
[ ٦ / ٣٣٤ ]
وَالْعَوَرِ (وَقَطْعٍ وَخِصَاءٍ) الْبَاجِيُّ: عَيْبُ الرَّدِّ مَا نَقَّصَ مِنْ الثَّمَنِ كَالْعَوَرِ وَبَيَاضِ الْعَيْنِ. وَفِيهَا: وَالْقَطْعُ وَلَوْ فِي أُصْبُعِ الْجَلَّابِ وَالْخِصَاءِ وَالْجَبُّ (وَاسْتِحَاضَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ اشْتَرَى جَارِيَةً مُسْتَحَاضَةً وَلَمْ يَعْلَمْ فَذَلِكَ عَيْبٌ يَرُدُّ مِنْهُ. رَوَى مُحَمَّدٌ: وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَارِهَةُ وَالْوَخْشُ (وَرَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً وَهِيَ حَدِيثَةُ السِّنِّ مِمَّنْ تَحِيضُ فَارْتَفَعَتْ
[ ٦ / ٣٣٥ ]
حَيْضَتُهَا عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَذَلِكَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ. (وَعَسَرٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: الْعَسَرُ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ وَهُوَ أَنْ يَبْطِشَ بِيُسْرَاهُ دُونَ يُمْنَاهُ، وَأَمَّا إنْ وُجِدَ أَعْسَرَ يَسْرٍ وَهُوَ الْأَضْبَطُ الَّذِي يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَلَيْسَ بِعَيْبٍ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ فِي قُوَّتِهَا وَالْبَطْشُ بِهَا بِحَالِ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِالْيُسْرَى، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ ذَلِكَ لِعَمَلِهِ بِالْيُسْرَى فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ.
(وَزِنًى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَلْفَاهَا قَدْ زَنَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ يُحِدَّهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فَيَرُدُّ بِهِ فِي الْوَخْشِ وَالْعَلِيَّةِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ عَيْبٌ فِي الْعَبْدِ أَيْضًا (وَشُرْبِ خَمْرٍ) رَوَى مُحَمَّدٌ: شُرْبُ الْمُسْكِرِ وَأَخْذُ الْأَمَةِ أَوْ الْعَبْدِ فِي شُرْبِهِ وَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ بِهِمَا رَائِحَةٌ عَيْبٌ (وَبَخَرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: الْبَخَرُ فِي الْفَمِ عَيْبٌ يَرُدُّ مِنْهُ.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ كَانَا وَضِيعَيْنِ أَوْ رَفِيعَيْنِ.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
الْمُتَيْطِيُّ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَخَرُ فِي الْفَمِ أَوْ فِي الْفَرْجِ (وَزَعَرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ وَجَدَهَا زَعْرَاءَ الْعَانَةِ لَا تُنْبِتُ فَهِيَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ. سَحْنُونَ: لِأَنَّ الشَّعْرَ يَسُدُّ الْفَرْجَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَعْرٌ اسْتَرْخَى.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ الزَّعَرُ فِي غَيْرِ الْعَانَةِ عَيْبٌ: مُحَمَّدٌ: يُرِيدُ إذَا لَمْ يَنْبُتْ فِي سَاقَيْهَا وَسَائِرِ جَسَدِهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُوَ مِمَّا يُتَّقَى عَاقِبَتُهُ مِنْ الدَّاءِ السُّوء (وَزِيَادَةِ سِنٍّ) فِي الْوَاضِحَةِ: زِيَادَةُ السِّنِّ الْوَاحِدَةِ عَيْبٌ فِي الْعَلِيِّ وَالْوَخْشِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (وَظُفُرٍ) الْبَاجِيُّ: الْعُيُوبُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ بِالْخِيَارِ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يُنْقِصُ فِي عَيْنِهِ كَالْعَمَى وَالْعَوَرِ وَقَطْعِ يَدٍ أَوْ أُصْبُعٍ وَالظَّفَرَةِ فِي الْعَيْنِ ابْنُ عَرَفَةَ: الظُّفْرَةُ لَحْمٌ نَابِتٌ فِي شَعْرِ الْعَيْنِ. (وَبُجَرٍ وَعُجَرٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: مِنْ الْعُيُوبِ الْعُجْرَةُ وَهِيَ الْعُقْدَةُ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْجَسَدِ، وَالْبُجْرَةُ وَهِيَ نَفْخٌ كَالْعُجْرَةِ إلَّا أَنَّ الْبُجْرَةَ لَيِّنَةٌ مِنْ نَفْخٍ لَيْسَ بِزَائِدٍ. الصِّحَاحُ: الْعُجْرَةُ بِالضَّمِّ الْعُقْدَةُ فِي الْخَشَبِ أَوْ فِي عُرُوقِ الْجَسَدِ، وَالْبُجْرَةُ بِالتَّحْرِيكِ خُرُوجُ السُّرَّةِ وَنُتُوءُهَا وَغِلَظُ أَصْلِهَا، وَقَوْلُهُمْ أَفْضَيْت إلَيْك بِعُجَرِي وَبُجَرِي أَيْ بِعُيُوبِي وَبِأَمْرِي كُلِّهِ.
(وَوَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ لَا جَدَّةٍ وَلَا أَخٍ) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعِ عِيسَى وَرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْوَلَدُ مُطْلَقًا عَيْبٌ. الْبَاجِيُّ: الزَّوْجَةُ فِي الْعَبْدِ عَيْبٌ وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْأَبُ وَالْأُمُّ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَصْرِفُ إلَيْهِمْ فَضْلَ كَسْبِهِ وَبَعْضَ قُوتِهِ، وَأَمَّا الْأَخُ وَالْأُخْتُ وَسَائِرُ الْقَرَابَةِ فَلَا لِأَنَّ الضَّرَرَ بِهِمْ أَقَلُّ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْجَدَّةُ عَيْبٌ لِأَنَّهُ يَأْوِي إلَيْهَا (وَجُذَامِ أَبٍ) الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ فِي آبَاءِ الرَّقِيقِ مَجْذُومٌ أَوْ مَجْذُومَةٌ فَهُوَ عَيْبٌ رُدَّ وَخْشًا كَانَ أَوْ رَائِعًا.
رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي سِرَايَتَهُ. قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: وَرُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ
[ ٦ / ٣٣٧ ]
لِحَدِيثِ «لَا عَدْوَى» . قَالَ: وَلَا وَجْهَ لِلتَّعْلِيقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إذْ مَعْنَاهُ إبْطَالُ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ يُعْدِي الصَّحِيحَ وَلَمْ يَنْفِ وُجُودَ مَرَضِ الصَّحِيحِ عِنْدَ حُلُولِ الْمَرِيضِ عَلَيْهِ غَالِبًا بِقَدَرِ اللَّهِ. قَالَ: وَقَدْ اتَّفَقُوا فِي قَمِيصِ الْمَجْذُومِ إذَا بِيعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَاخْتَلَفُوا فِي حِمَارِهِ. وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: تُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الْجُذَامِ وَلَوْ قَلَّ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: لِأَنَّهُ يُخْشَى حُدُوثُهُ بِالْآخَرِ.
وَقَالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حَدِيثَ «لَا عَدْوَى» وَحَدِيثَ «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. نُفِيَ بِحَدِيثِ «لَا عَدْوَى» زَعْمُ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعَاهَةَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا لَا بِفِعْلِ اللَّهِ، وَأَرْشَدَ لِحَدِيثِ «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» إلَّا الِاحْتِرَازَ مِمَّا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الضَّرَرُ بِفِعْلِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: وَمَنْ اكْتَوَى أَوْ رُقِيَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا أَجْرَى اللَّهُ عَادَتَهُ وَسُنَّتَهُ عِنْدَهَا فَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى خَالِقِهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ أَنْ يَرَى الْبُرْءَ مِنْ قِبَلِ الِاكْتِوَاءِ وَالرُّقَى خَاصَّةً.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَنْ شَهِدَ فِي الْجَمَادَاتِ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِنَفْسِهَا فَهِيَ شَهَادَةُ زُورٍ إذْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ بِحَوَاسِّهِ وَلَا حَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ ابْتِدَاءً فِي نَفْسِهِ، وَاَلَّذِي شَاهَدَ بِحَوَاسِّهِ وَرَأَى بِعَيْنِهِ أَنَّ شَيْئًا إذَا جَاوَرَ النَّارَ احْتَرَقَ فَإِذَا شَهِدَ بِأَنَّ الْهَشِيمَ إذَا اتَّصَلَ بِالنَّارِ احْتَرَقَ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ صِدْقًا وَالشَّهَادَةُ حَقًّا، وَإِذَا قَالَ: النَّارُ أَحْرَقَتْهُ كَانَ كَذِبًا بَحْتًا لِأَنَّ النَّارَ لَيْسَتْ بِفَاعِلَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ جَمَادٌ وَالْجَمَادُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلٌ.
فَإِنْ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا قُوَّةً تَحْرُقُ بِهَا، قِيلَ لَهُ: هَذِهِ شَهَادَةٌ بِمَا لَمْ تَرَ وَلَا سَمِعْت لِأَنَّ الْقُوَّةَ لَا تُرَى وَلَا تُسْمَعُ وَلَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا وَلَا رَسُولُهُ فَقِفْ يَا وَقَّافُ وَقُلْ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ. الْبَاجِيُّ: أَجْرَى اللَّهُ عَادَتَهُ فِي الْعَائِنِ إذَا لَمْ يَبْرُكْ أَنَّهُ يُصِيبُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ بِفِعْلِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، وَكَذَا قَالُوا فِي السِّحْرِ. وَانْظُرْ إذَا أُخْبِرَ أَنَّ أَحَدَ جُدُودِ الْأَمَةِ كَانَ أَسْوَدَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرُدُّهَا بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ أَيْضًا: إنَّهَا تُرَدُّ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ مِنْ الْعَلِيَّةِ لِمَا يُخْشَى أَنْ يَنْزِعَ عِرْقَهُ.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَهُ - ﷺ - فِي الطَّاعُونِ «لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» مِنْ الْمُنْتَقَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ
[ ٦ / ٣٣٨ ]
مُسْلِمٍ» وَقَالَ - ﷺ -: «كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ يَجْعَلُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ» وَقَالَ أَيْضًا - ﷺ -: «إنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ ظَهَرَ بِبَلَدِهِ وَأَقَامَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَأُصِيبَ بِهِ» وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا» إنَّهُ يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْ حَاجَةٍ تَنْزِلُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ اسْتَوْخَمَ أَرْضًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ تُوَافِقُ جِسْمَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَأَى مَالِكٌ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ لَيْسَ بِنَهْيِ تَحْرِيمٍ. وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إذَا قَالَ: النَّارُ أَحْرَقَتْهُ كَانَ كَذِبًا بَحْتًا مَعَ قَوْلِهِمْ مَنْ أَرْسَلَ فِي أَرْضِهِ نَارًا ضَمِنَ مَا أَحْرَقَتْهُ لِأَنَّ هَذَا الِانْفِعَالَ وَإِنْ كَانَ خَلْقًا لَهَا فَنَحْنُ قَدْ أَدْرَكْنَاهُ بِالْحِسِّ فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهُ كَمَا يَأْثَمُ مَنْ شَرِبَ سُمًّا أَوْ أَكَلَ حَتَّى مَاتَ بُخْلًا لَا إنْ تَرَكَهُ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إنَّ ذَلِكَ بِالْحِسِّ بَلْ بِالْحِسِّ يَبْقَى النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلِانْفِعَالِ عِنْدَ الْعَيْنِ وَالطِّيَرَةِ وَالْوَبَاءِ فَنَقِفُ مَعَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ مَعَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ النَّارَ وَالْمَاءَ وَالسُّمَّ حَتَّى الْعَيْنَ وَالْوَبَاءَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَدْوَى سَوَاءٌ عِنْدَهَا لَا بِهَا (أَوْ بِجُنُونِهِ بِطَبْعٍ لَا بِمَسِّ جِنٍّ) اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ: جُنُونُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ فَسَادِ الطَّبْعِ كَجُذَامِهِ وَمِنْ مَسِّ الْجَانِّ لَغْوٌ اهـ.
اُنْظُرْ إذَا كَانَ أَحَدُ الْجَدَّيْنِ أَسْوَدَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ سَوَادُ أَحَدِ الْجَدَّيْنِ عَيْبٌ (وَسُقُوطِ سِنَّيْنِ وَفِي الرَّائِعَةِ الْوَاحِدَةُ) الْبَاجِيُّ: نَقْصُ الضِّرْسِ الْوَاحِدَةِ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ حَيْثُ كَانَ وَلَيْسَ عَيْبًا فِي غَيْرِ الرَّائِعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ أَوْ يَنْقُصُ ضِرْسَانِ حَيْثُ كَانَا فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَإِنَّهُ عَيْبٌ ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَعَانِي يَعْنِي الْعَوَرَ وَقَطْعَ الْأُصْبُعِ وَالْبَخَرَ وَنَقْصَ الضِّرْسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ تُعْتَبَرُ بِنَقْصِ الثَّمَنِ، فَمَا نَقَصَهُ فَهُوَ عَيْبٌ وَمَا لَمْ يُنْقِصْهُ فَلَا حُكْمَ فِيهِ لِلرَّدِّ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَظُفُرٍ ".
(وَشَيْبٍ بِهَا فَقَطْ وَإِنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَتُرَدُّ الرَّائِعَةُ بِالشَّيْبِ: ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تُرَدُّ بِهِ غَيْرُ الرَّائِعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَيْبًا يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا فِي الشَّابَّةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُرَدُّ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا (وَجُعُودَتِهِ وَصُهُوبَتِهِ) مِنْ
[ ٦ / ٣٣٩ ]
الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَ شَعْرَهَا قَدْ جَعُدَ أَوْ سَوِدَ فَإِنَّهُ عَيْبٌ يَرُدُّ لَهُ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قُلْت: فَاَلَّذِي يُوجَدُ شَعْرُهَا أَصْهَبَ أَوْ جَعْدًا أَوْ أَسْوَدَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ. الصُّهُوبَةُ الشُّقْرَةُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ، وَالْأَصْهَبُ مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضَهُ حُمْرَةٌ.
(وَكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًى وَلَوْ وَخْشًا) ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: إذَا وَجَدَ الْغُلَامَ أَوْ الْجَارِيَةَ أَوْلَادَ زِنًى فَهُوَ عَيْبٌ فِي الْعَلِيِّ وَلَا يُرَدُّ بِذَلِكَ فِي الْوَخْشِ إلَّا أَنْ يَكْتُمَهُ الْبَائِعُ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَيُرَدُّ بِذَلِكَ فِي الْوَخْشِ أَيْضًا. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: هُوَ عَيْبٌ فِي الْوَخْشِ وَالرَّائِعَةِ (وَبَوْلٍ فِي فُرُشٍ فِي وَقْتٍ يُنْكَرُ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَإِلَّا حَلَفَ إنْ أُقِرَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: بَوْلُ الْجَارِيَةِ فِي الْفِرَاشِ عَيْبٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَا الْغُلَامُ إنْ فَارَقَا حَدَّ الصِّغَرِ جِدًّا. اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ كَانَ وَخْشًا وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ قَالَ: وَلَا يُرَدُّ بِالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ عِنْدَ الْبَائِعِ. ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى عِلْمِهِ وَلَا يَحْلِفُ بِدَعْوَى الْمُبْتَاعِ وَلَا تُوضَعُ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَيْسَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَلَوْ جَاءَ الْمُشْتَرِي بِقَوْمٍ يَنْظُرُونَ مَرْقَدَهَا بِالْغَدَاةِ مَبْلُولًا فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ لِأَنَّ هَذَا بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ ثُمَّ حِينَئِذٍ يَحْلِفُ الْبَائِعُ.
(وَتَخَنُّثِ عَبْدٍ وَفُحُولَةِ أَمَةٍ إنْ اشْتَهَرَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَهُ مُخَنَّثًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الْمُذَكَّرَةُ إذَا اشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ (وَهَلْ هُوَ الْفِعْلُ أَوْ التَّشَبُّهُ؟ تَأْوِيلَانِ) فِي الْوَاضِحَةِ: وَإِذَا وُجِدَ الْعَبْدُ مُؤَنَّثًا يُؤْتَى أَوْ وُجِدَتْ الْأَمَةُ مُذَكَّرَةً فَحْلَةً لِشِرَارِ النِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَرَا بِذَلِكَ فَهُوَ عَيْبٌ. وَأَمَّا تَوْضِيعُ كَلَامِ الْعَبْدِ وَتَذْكِيرُ كَلَامِ الْأَمَةِ فِي طَبْعِهِمَا فَلَا يُرَدَّانِ بِذَلِكَ. أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: لَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَغَلَفِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مُوَلَّدٍ
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وَطَوِيلِ الْإِقَامَةِ) مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيَّةِ: إذَا وَجَدَ الْجَارِيَةَ الْمُسْلِمَةَ غَيْرَ مَخْفُوضَةٍ أَوْ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ أَغْلَفَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ رَقِيقِ الْعَرَبِ، وَمَعْنَى رَقِيقِ الْعَرَبِ مَا طَالَ مُكْثُهُ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَوُلِدَ عِنْدَهُمْ فَأَمَّا فِي الْوَخْشِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ، وَأَمَّا فِي الْعَلِيِّ فَيُرَدُّ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ عَيْبٌ فِي الْوَضِيعِ وَالرَّفِيعِ إلَّا الصَّغِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَفُتْ ذَلِكَ مِنْهُمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ عَدَمِ خِفَاضِ الْجَارِيَةِ وَخِتَانِ الْغُلَامِ الْمُسْلِمَيْنِ وَقَدْ وُلِدَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ طَالَ مِلْكُهُمْ لَهُمَا وَفَاتَ وَقْتُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَيْبًا مُطْلَقًا، أَوْ فِي الرَّفِيعَيْنِ ثَالِثُهَا فِي الْغُلَامِ مُطْلَقًا.
وَفِي الْجَارِيَةِ الرَّفِيعَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعِ عِيسَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيَاسِ ابْنِ رُشْدٍ مُصَرِّحًا بِكَوْنِهِ قَوْلًا ثَالِثًا (وَخَتْنِ مَجْلُوبِهِمَا) قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ: إنْ اشْتَرَى عَبْدًا نَصْرَانِيًّا فَوَجَدَهُ مَخْتُونًا فَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيَّةُ يَجِدُهَا مَخْفُوضَةً قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَا مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ رَقِيقِ الْعَجَمِ الَّذِينَ عِنْدَنَا، وَأَمَّا الْمَجْلُوبُونَ فَهُوَ عَيْبٌ لِمَا يُخَافُ أَنْ يَكُونُوا أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِمْ مِنْ رَقِيقِنَا (كَبَيْعٍ بِعُهْدَةِ مَا اشْتَرَاهُ بِبَرَاءَةٍ) سَمِعَ أَشْهَبُ: مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا بِالْبَرَاءَةِ أَوْ بَيْعِ مِيرَاثٍ فَلَا يَبِعْهُ بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهُ ابْتَاعَ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَوْ أَخَذَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ يُرِيدُ فَسْخَ الْبَيْعِ لَمْ يُفْسَخْ إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ثُمَّ لِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ إنْ شَاءَ.
وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ وَذَلِكَ كَعَيْبٍ كَتَمَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت أَنَّك ابْتَعْته بِالْبَرَاءَةِ لَمْ أَشْتَرِهِ مِنْك إذْ قَدْ أُصِيبَ بِهِ عَيْبًا وَتُفْلِسُ أَنْتَ أَوْ تَكُونُ عَدِيمًا فَلَا يَكُونُ لِي رُجُوعٌ عَلَى بَائِعِك.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَوْ بَاعَ عَبْدًا قَدْ وُهِبَ لَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ وُهِبَ لَهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي مُتَكَلِّمٌ فِي ذَلِكَ إذْ لَوْ ظَهَرَ لَهُ عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَكَلِّمٌ مَعَ الْوَاهِبِ. وَانْظُرْ عَكْسَ هَذَا إذَا بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ وَقَدْ اشْتَرَى بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ يُفْسَخُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ. اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُيُوبِ.
(وَكَرَهَصٍ) الْبَاجِيُّ: مَا كَانَ مِنْ عُيُوبِ الدَّوَابِّ حَادِثًا كَالرَّهْصِ وَالدَّبْرِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِهِ (وَعَثْرٍ وَحَرَنٍ) الْبَاجِيُّ: مَا يُنْقِصُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ وَلَا يُنْقِصُ جَسَدَهُ كَالْإِبَاقِ فِي الرَّقِيقِ، وَالزِّنَا فِي الْأَمَةِ، وَالْحَرْنُ فِي الْفَرَسِ، وَالنِّفَارِ الْمُفْرِطِ فِي الدَّوَابِّ، وَقِلَّةِ الْأَكْلِ الْمُفْرَطِ فِيهَا فَذَلِكَ عَيْبُ رَدٍّ. وَأَمَّا عِثَارُ الدَّابَّةِ فَعَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: إنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ بَائِعهَا رُدَّتْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَكَانَ عِثَارُهَا قَرِيبًا مِنْ بَيْعِهَا حَلَفَ الْبَائِعُ مَا عَلِمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَانٍ يَحْدُثُ الْعِثَارُ فِي مِثْلِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْعُيُوبُ كُلُّهَا إنَّمَا يُرَدُّ بِهَا إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَدَعَا إلَى يَمِينِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الْإِبَاقِ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ أَنْ يُحَلِّفَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ (وَعَدَمِ حَمْلٍ مُعْتَادٍ) الْبَاجِيُّ: مَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ وَعَادَةٌ مِثْلَ أَنْ
[ ٦ / ٣٤١ ]
يَشْتَرِيَ نَاقَةً يُحْمَلُ عَلَى مِثْلِهَا، فَلَمَّا جَاءَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا لَمْ تَنْهَضْ فَلِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَهُ الرَّدُّ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ عَجَفٍ أَوْ مَرَضٍ (لَا ضَبْطَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ انْتَفَعَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَلَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إلَّا أَنْ تَنْقُصَ يُمْنَاهُ عَنْ يُمْنَى مَنْ لَا يَعْمَلُ بِيُسْرَاهُ فَيَكُونُ عَيْبًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَوْلُهُ صَحِيحٌ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ الْأَضْبَطُ الَّذِي يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَيْسَ هَذَا مُطْلَقًا بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ. اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَعَسَرٍ " (وَثُيُوبَةٍ إلَّا فِيمَنْ لَا يُفْتَضُّ مِثْلُهَا) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا مُفْتَرِعَةً، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا وَهِيَ ذَاتُ ثَمَنٍ رَدَّهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ لَمْ تُرَدَّ وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُخْبِرَ هَلْ هِيَ بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ.
اُنْظُرْ رَسْمَ صَلَّى مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا وُطِئَتْ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَبَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهَا بِكْرٌ وَلَا فَرْقٌ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَبَيْنَ وَخْشِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ فَرْقٌ (وَعَدَمِ فُحْشِ ضِيقِ قُبُلٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّغِيرَةِ الْقُبُلِ لَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ فَيَصِيرَ كَالنَّقْصِ.
(وَكَوْنِهَا زَلَّاءَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا رَسْمَاءَ وَهِيَ الزَّلَّاءُ الَّتِي لَا عَجِيزَةَ لَهَا فَلَيْسَ بِعَيْبٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ عَيْبٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُبْتَاعِ. ابْنُ يُونُسَ: يَدُلُّ قَوْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَخْفَى عَلَى الْمُبْتَاعِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ لَمْ يُوجِبْ فِي الْعَيْبِ الظَّاهِرِ إلَّا الْيَمِينَ.
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَلَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فَاشْتَرَاهَا عَلَى صِفَةٍ فَوَجَدَهَا زَلَّاءَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
(وَكَيٍّ لَمْ يُنْقِصْ) قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ يَكُونُ الْعَيْبُ الْخَفِيفُ بِالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ مِثْلَ الْكَيِّ
[ ٦ / ٣٤٢ ]
الْخَفِيفِ مِمَّا لَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ وَلَيْسَ بِفَاحِشٍ وَلَا يُرَدُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ النَّخَّاسِينَ عَيْبًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: إلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكَيُّ لَوْنَ الْجَسَدِ فَيُرَدُّ بِهِ أَوْ يَكُونَ مُتَفَاحِشًا فِي مَنْظَرِهِ أَوْ يَكُونُ كَثِيرًا مُتَفَرِّقًا وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ اللَّوْنَ فَلْيُرَدَّ بِهِ، أَوْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يُسْتَقْبَحُ مِثْلُ الْفَرْجِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ فِي الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِهِ (وَتُهْمَةٍ بِسَرِقَةٍ حُبِسَ فِيهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا اُتُّهِمَ عَبْدٌ بِسَرِقَةٍ فَحَبَسَهُ السُّلْطَانُ ثُمَّ أَلْفَى بَرِيئًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا إذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ بَائِعُهُ وَقَدْ يَنْزِلُ ذَلِكَ بِالْحُرِّ فَلَا يُجَرِّحُهُ. ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَى قَوْلِهِ " أَلْفَى بَرِيئًا " مِثْلَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ غَيْرَهُ سَرَقَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي اُتُّهِمَ هُوَ بِهِ فَبِذَلِكَ تَصِحُّ بَرَاءَتُهُ اهـ. اُنْظُرْ إذَا اشْتَرَى أَمَةً فَوَجَدَهَا حَامِلًا فَقَالَ الْبَاجِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ. التُّونِسِيُّ: وَهُوَ فِي ذَاتِ زَوْجٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ أَوْ ظَاهِرَةِ الزِّنَا لَغْوٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي حَمْلِ الْوَخْشِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْمُبْتَاعُ دَلَّسَ بِهِ وَمَاتَتْ مِنْهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ.
قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَانْظُرْ رَسْمَ صَلَّى إذَا وَجَدَ الْأَمَةَ حَامِلًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا مَعَ حَمْلِهِ أَمْ لَا فَرْقٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْحَمْلَ عَيْبٌ فِي الْوَخْشِ.
(وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَغَيُّرٍ كَسُوسِ الْخَشَبِ وَالْجَوْزِ وَمُرِّ قِثَّاءٍ وَلَا قِيمَةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا بِيعَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَفِي بَاطِنِهِ عَيْبٌ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ يَجْهَلُهُ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَا يَعْلَمُ بِعَيْبِهِ إلَّا بَعْدَ الشَّقِّ أَوْ الْكَسْرِ مِثْلَ الْخَشَبِ وَشِبْهِهَا يُشَقُّ فَيَجِدُ الْمُبْتَاعُ فِي دَاخِلِهَا عَيْبًا بَاطِنًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ رَدٍّ وَلَا قِيمَةِ عَيْبٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ
[ ٦ / ٣٤٣ ]
مَالِكٌ فِي الرَّانِجِ وَهُوَ الْجَوْزُ الْهِنْدِيُّ وَالْجَوْزُ يُوجَدُ دَاخِلُهُ فَاسِدًا وَالْقِثَّاءُ يُوجَدُ مُرًّا، فَلَا يُرَدُّ وَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَسَمِعَ أَشْهَبُ: الشَّاةُ يَجِدُهَا عَجْفَاءَ وَجَوْفُهَا أَخْضَرُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا.
اُنْظُرْ اضْطِرَابَ الشُّيُوخِ فِيمَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَوَجَدَهَا عَجْفَاءَ لَا تُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ فِي بَابِ الْعُيُوبِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ فِيمَنْ اشْتَرَتْ رَمَادًا وَقَالَ لَهَا الْبَائِعُ هُوَ جَيِّدٌ فَقَالَتْ بَيَّضْت بِهِ الْغَزْلَ فَلَمْ يَخْرُجْ جَيِّدًا، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ غُزِلَ، فَإِنْ خَرَجَ جَيِّدًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. الْبُرْزُلِيِّ: هَذَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّرِيعَةِ إذَا زَعَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا لَا تُنْبِتُ يُؤْخَذُ بَعْضُهَا وَيُخْتَبَرُ. وَانْظُرْ إذَا شَقَّ الْجُبْنَ الْيَابِسَ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، أَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ بِأَنَّهُ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ مِمَّا عَمِلَتْهُ الْأَيْدِي وَلَيْسَ كَالْخَشَبَةِ وَالْفَصِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَكَذَا أَيْضًا فِي الْحَدِيدِ إذَا اشْتَرَاهُ وَلَا يَعْلَمُ إنْ كَانَ لَيِّنًا أَوْ أَحْرَشَ فَيَدْخُلُ الْعَمَلُ فَيَخْرُجُ أَحْرَشَ مُنْقَطِعًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ وَهُوَ عَيْبٌ. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا وَجَدَ جَوْفَ الشَّاةِ أَخْضَرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا أَوْ لَا فَرْقٌ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ هِيَ سَمِينَةٌ فَلَمْ يَجِدْهَا كَذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ الْبَائِعُ أَوْ غَيْرُهُ فَرْقٌ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا قَالَ أَشْتَرِي مِنْك أُضْحِيَّةً فَوَجَدَهَا لَا تُنَقَّى بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ لَهُ الشَّاةَ أَوْ لَا فَرْقٌ.
اُنْظُرْ رَسْمَ الْبُيُوعِ الْأَوَّلَ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُيُوبِ، وَانْظُرْ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْعُسْرَةِ وَالْجُبْنَةِ وَالْجُدَرِيِّ فِي الْجِلْدِ يَتَبَيَّنُ بَعْدَ الدَّبْغِ وَفَرْقٌ فِي الْقِثَّاءِ يُوجَدُ دَاخِلُهُ مُرًّا بَيْنَ الْأَحْمَالِ مِنْهُ الْقِثَّاءُ وَالْقِثَّاءَتَانِ (وَرُدَّ بَيْضٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْبَيْضُ فَيُرَدُّ لِفَسَادِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ وَيَظْهَرُ فَسَادُهُ قَبْلَ كَسْرِهِ وَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ إذَا كُسِرَ إنْ كَانَ مُدَلِّسًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَلِّسٍ لَمْ يُرَدَّ وَرَجَعَ بِمَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ. اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ إنْ كَانَ عُرُوقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ فَهُوَ مَيْتَةٌ يُرَدُّ جَمِيعُ الثَّمَنِ دَلَّسَ أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ.
(وَعَيْبٍ قَلَّ بِدَارٍ) اُنْظُرْ جَعْلَ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ الدَّارَ وَعِبَارَةُ الْمُتَيْطِيِّ الدُّورُ وَنَحْوُهَا.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ الْعَقَارُ، وَعِبَارَةُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لِأُصُولِ الْعُيُوبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنْ لَا يَحُطَّ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا لِيَسَارَتِهِ وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ.
الثَّانِي أَنْ يَحُطَّ مِنْ الثَّمَنِ يَسِيرًا فَهَذَا إنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ
[ ٦ / ٣٤٤ ]
الْعَيْبِ وَذَلِكَ كَالصَّدْعِ فِي الْحَائِطِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الْعُرُوضِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الرَّدَّ يَجِبُ بِهِ كَالْكَثِيرِ سَوَاءً. وَقِيلَ: إنَّهُ كَالْأُصُولِ لَا يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ الرُّجُوعُ بِقِيمَتِهِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ ابْنُ رِزْقٍ يَحْمِلُ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ حَيْثُمَا وَقَعَتْ وَيَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْعُرُوضِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا فَإِذَا فِيهِ خَرْقٌ يَسِيرٌ يَخْرُجُ فِي الْقَطْعِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْعُيُوبِ لَمْ يُرَدَّ بِهِ وَوَضَعَ عَنْهُ قَدْرَ الْعَيْبِ. وَفِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ نَحْوُ هَذَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَذْهَبُ فِي الثِّيَابِ إلَى نَحْوِ مَا قِيلَ فِي الدُّورِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ فِي جَمِيعِ السِّلَعِ لَكَانَ صَوَابًا انْتَهَى. اُنْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ فِي الدُّورِ لَا يَلْزَمُ الرَّدُّ بِهِ وَيُحْكَمُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْقِيمَةِ انْفَتَحَ بِسَبَبِ هَذَا بَابٌ لِلرُّخَصِ فِي الدِّينِ تَجِدُهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ يُفَتِّشُ عُيُوبًا لِيَنْحَطَّ لَهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ مَعَ اعْتِبَاطِهِ بِالْمَبِيعِ وَقَدْ يُعْطِي فِيهِ رِبْحًا، فَاَلَّذِي أَتَحَمَّلُ عُهْدَتَهُ فِي هَذَا فُتْيَا ابْنِ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ قَالَ مَا نَصُّهُ: إذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي الْعَقَارِ يَسِيرًا فَلَا يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ
[ ٦ / ٣٤٥ ]
وَلِلْمُبْتَاعِ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ اصْرِفْ عَلَى مَا بِعْت مِنْك وَخُذْ الثَّمَنَ فَمِنْ حَقِّهِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الْمَبِيعُ فَيَكُونُ فِيهِ قِيمَةُ الْعَيْبِ (وَفِي قَدْرِهِ تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا أَعْرِفُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا حَدًّا فِي الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ فِي الدُّورِ أَوْ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَرَأَيْت لِابْنِ عَتَّابٍ الْعَيْبُ الَّذِي يَحُطُّ مِنْ الدَّارِ رُبْعَ الثَّمَنِ كَثِيرٌ يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَيْبِ مِثْقَالَيْنِ فَهُوَ يَسِيرٌ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ بِهِمَا عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يُرَدُّ الْمَبِيعُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَهُوَ كَثِيرٌ يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ فَقَالَ: إنْ كَانَ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ كَثِيرًا وَلَمْ يُبَيِّنْ مِنْ أَيِّ ثَمَنٍ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ مِنْ مِائَةٍ كَثِيرٌ يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حَدِّ الْكَثِيرِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ (وَرَجَعَ بِقِيمَةٍ كَصَدْعِ جِدَارٍ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى دَارًا فَوَجَدَ بِهَا صَدْعًا يَخَافُ عَلَى الدَّارِ الْهَدْمَ مِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ وَإِنْ كَانَ صَدْعًا لَا يَخَافُ عَلَى الدَّارِ الْهَدْمَ مِنْهُ فَلَا يَرُدُّ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا لَمْ يَخَفْ
[ ٦ / ٣٤٦ ]
عَلَى الدَّارِ مِنْ ذَلِكَ غَرِمَ الْبَائِعُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ عَيْبٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَجْهَهَا) عِيَاضٌ: لَوْ كَانَ الْحَائِطُ الَّذِي يَلِي الْمَحَجَّةَ وَلَا يُمْكِنُ سُكْنَى الدَّارِ حَتَّى يُبْنَى أَوْ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ بِنَاءُ الدَّارِ لَوَجَبَ بِهِ الرَّدُّ دُونَ إشْكَالٍ (أَوْ يَقْطَعُ مَنْفَعَةً أَوْ مِلْحُ بِئْرِهَا بِمَحِلِّ الْحَلَاوَةِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ عَيْبًا شَامِلًا رُدَّ بِهِ وَإِنْ قَلَّ مَا يَنُوبُهُ مِثْلُ أَنْ تُسْتَحَقَّ سَاحَةُ الدَّارِ أَوْ مِطْمَرُهَا.
زَادَ عِيَاضٌ: وَكَغَوْرِ مَاءِ بِئْرِهَا
[ ٦ / ٣٤٧ ]
وَفَسَادِ مِطْمَرِ مِرْحَاضِهَا أَوْ زُعَاقِ مَاءِ بِئْرِهَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي مَاءُ آبَارِهَا حُلْوٌ.
(وَإِنْ قَالَتْ أَنَا مُسْتَوْلَدَةٌ لَمْ تَحْرُمْ لَكِنَّهُ عَيْبٌ إنْ رَضِيَ بِهِ بَيَّنَ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ دَعْوَى الْأَمَةِ إيلَادَهَا سَيِّدَهَا أَوْ الْحُرِّيَّةَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ رِوَايَتَانِ: الْأُولَى هِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَبِهَا أَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ رَوَاهَا الْمَدَنِيُّونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: إنْ قَامَ
[ ٦ / ٣٤٨ ]
شَاهِدٌ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ وَكَانَ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ. وَانْظُرْ السَّمَاعَ الْمَذْكُورَ أَنَّ بَيْنَ دَعْوَاهَا ذَلِكَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ أَوْ بَعْدَهَا فَرْقٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُخَيِّرَهُ بِذَلِكَ مُخَيِّرٌ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَرْقٌ. وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ أَوْ أَقَرَّ بِهَا بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ، وَبَيْنَ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهِ فَرْقٌ.
(وَتَصْرِيَةُ الْحَيَوَانِ كَالشَّرْطِ كَتَلْطِيخِ ثَوْبِ عَبْدٍ بِمِدَادٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَسْبَابِ الْخِيَارِ التَّغْرِيرُ الْفِعْلِيُّ وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ فِي الْمَبِيعِ فِعْلًا يَظُنُّ بِهِ الْمُشْتَرِي كَمَالًا فَلَا يُوجَدُ كَذَلِكَ. وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ هَذَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ» الْحَدِيثَ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: التَّغْرِيرُ الْفِعْلِيُّ كَالشَّرْطِيِّ وَهُوَ فِعْلٌ يُظَنُّ بِهِ كَمَالٌ كَتَلْطِيخِ الثَّوْبِ بِالْمِدَادِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ فَعَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ لِاحْتِمَالِ فِعْلِهِ لِلْعَبْدِ دُونَ عِلْمِ سَيِّدِهِ لِكَرَاهَةِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ. وَتَصْوِيرُ الْمَازِرِيِّ أَبْيَنُ قَالَ: كَمَا لَوْ بَاعَ غُلَامًا فِي ثَوْبِهِ أَثَرُ الْمِدَادِ وَبِيَدِهِ الدَّوَاةُ وَالْقَلَمُ فَإِذَا بِهِ أُمِّيٌّ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ ثِيَابًا فَرَقَّمَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَهَا بِهِ وَبَاعَهَا بِرَقْمِهَا وَلَمْ يَقُلْ قَامَتْ عَلَيَّ بِكَذَا، شَدَّدَ مَالِكٌ كَرَاهَةَ فِعْلِهِ وَاتَّقَى فِيهِ وَجْهَ الْخِلَابَةِ. ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: إنْ وَقَعَ خُيِّرَ فِيهِ مُبْتَاعُهُ، وَإِنْ فَاتَ رُدَّ لِقِيمَتِهِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ (فَيَرُدُّهُ بِصَاعٍ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ) قَالَ مَالِكٌ: حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ مُتَّبَعٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ رَأْيٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا نَأْخُذُ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ وَهُوَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ. وَنَحْوُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَالَ: لَهُ اللَّبَنُ بِمَا يَخْلُفُ. ابْنُ يُونُسَ: وَحَدِيثُ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ عَامٌّ وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ مُخَصِّصٌ لِبَعْضِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، وَالْخُصُوصُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ كَمَا أَنَّ الْمُفَسَّرَ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُجْمَلِ، وَالتَّصْرِيَةُ حَبْسُ اللَّبَنِ فِي الضُّرُوعِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الْمُصَرَّاةُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْعَامِ سَوَاءٌ وَهِيَ الَّتِي يَدَعُونَ حَلْبَهَا لِيَعْظُمَ ضَرْعُهَا وَيَحْسُنَ حِلَابُهَا ثُمَّ تُبَاعُ، فَإِذَا حَلَبَهَا الْمُشْتَرِي مَرَّةً لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ، فَإِذَا حَلَبَ ثَانِيَةً عَلِمَ بِذَلِكَ نَقْصَ حِلَابَهَا، فَإِمَّا رَضِيَهَا وَإِمَّا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِبَلَدٍ
[ ٦ / ٣٤٩ ]
لَيْسَ عَيْشُهُمْ التَّمْرَ أَعْطَى الصَّاعَ مِنْ عَيْشِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَعَيْشُ أَهْلِ مِصْرَ الْحِنْطَةُ فَلْيُعْطُوا مِنْهَا.
(وَحَرُمَ رَدُّ اللَّبَنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا رَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ اللَّبَنَ مَعَهَا إنْ كَانَ قَائِمًا بِغَيْرِ صَاعٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ رَدُّهُ كَانَ عَلَيْهِ فِي فَوَاتِهِ مِثْلُهُ، وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا مَعَ اللَّبَنِ بِغَيْرِ صَاعٍ لَمْ يُعْجِبْنِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ صَاعُ طَعَامٍ فَبَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَبَنٍ إلَّا أَنْ يَقْبَلَهَا الْبَائِعُ بِغَيْرِ لَبَنِهَا فَيَجُوزُ (لَا إنْ عَلِمَهَا مُصَرَّاةً) اللَّخْمِيِّ: إنْ اشْتَرَاهَا وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ إلَّا أَنْ يَجِدَهَا قَلِيلَةَ الدَّرِّ دُونَ الْمُعْتَادِ مِنْ مِثْلِهَا (أَوْ لَمْ تُصَرَّ وَظَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ شَاةً حَلُوبًا غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فِي إبَّانِ الْحِلَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا تَحْلُبُ، فَإِنْ كَانَتْ الرَّغْبَةُ فِيهَا إنَّمَا هِيَ اللَّبَنُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
[ ٦ / ٣٥٠ ]
عَلِمَ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَلَا رَدَّ لِلْمُبْتَاعِ (إلَّا إنْ قُصِدَ وَاشْتُرِيَتْ فِي وَقْتِ الْحِلَابِ وَكَتَمَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ شَاةً حَلُوبًا غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فِي إبَّانِ الْحِلَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا تَحْلُبُ، فَإِنْ كَانَتْ الرَّغْبَةُ فِيهَا إنَّمَا هِيَ اللَّبَنُ وَالْبَائِعُ يَعْلَمُ مَا تَحْلُبُ فَكَتَمَهُ فَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرْضَاهَا أَوْ يَرُدَّهَا كَصُبْرَةٍ يَعْلَمُ الْبَائِعُ كَيْلَهَا دُونَ الْمُبْتَاعِ (وَلَا بِغَيْرِ عَيْبِ التَّصْرِيَةِ عَلَى الْأَحْسَنِ) يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: اللَّبَنُ فِي غَيْرِ الْمُصَرَّاةِ لِلْمُبْتَاعِ بِالضَّمَانِ فَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا إنْ رَدَّهَا.
أَبُو الْفَرَجِ: يَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا كَالْمُصَرَّاةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَحْكِ ابْنُ مُحْرِزٍ غَيْرَ الْأَوَّلِ وَالصَّقَلِّيَّ غَيْرَ الثَّانِي كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: لَمْ يَأْخُذْ أَشْهَبُ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ قَالَ: وَهُوَ لَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ وَقَدْ أَكَلَ لَبَنَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلَّبَنِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ عَنْ أَشْهَبَ: إنَّهُ إذَا رَضِيَ بِتَصْرِيَتِهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهَا بِهِ فَلْيَرُدَّ الصَّاعَ إذَا رَضِيَ بِتَصْرِيَتِهَا فَكَأَنَّهَا غَيْرُ مُصَرَّاةٍ، فَإِذَا اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا كَانَ لَهُ رَدُّهَا بِغَيْرِ صَاعٍ لِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ. انْتَهَى نَصُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ: لَوْ رَضِيَ بِعَيْبِ تَصْرِيَتِهَا وَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا آخَرَ فَرَدَّهَا بِهِ لَوَجَبَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَةُ اللَّبَنِ الَّذِي صَرَّاهُ الْبَائِعُ فِي الضَّرْعِ بَعْدَ أَنْ يَتَحَرَّى قَدْرَهُ.
وَقَالَ التُّونِسِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي اللَّبَنِ إذَا رَدَّهَا بِغَيْرِ عَيْبِ التَّصْرِيَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَأَمَّلْهُ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ (وَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهَا عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْأَرْجَحِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ جَمَاعَةَ غَنَمٍ هَلْ يَغْرَمُ صَاعًا وَاحِدًا أَوْ لِكُلِّ شَاةٍ صَاعًا وَهَذَا أَصْوَبُ، وَعَزَاهُ ابْنُ يُونُسَ لِابْنِ الْكَاتِبِ وَصَوَّبَهُ (وَإِنْ حُلِبَتْ ثَالِثَةً فَإِنْ حَصَلَ الِاخْتِبَارُ بِالثَّانِيَةِ فَهُوَ رِضًا وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: فَإِنْ حَلَبَهَا ثَالِثَةً؟ قَالَ: إنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَلَبَهَا بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ حِلَابِهَا مَا فِيهِ خِبْرَةٌ فَلَا رَدَّ لَهُ وَبَعْدَ حِلَابِهِ بَعْدَ الِاخْتِبَارِ رِضًا بِهَا، وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ إذْ بِهِ يُخْتَبَرُ أَمْرُهَا وَإِنَّمَا يَخْتَبِرُ النَّاسُ ذَلِكَ بِالْحِلَابِ الثَّانِي وَلَا يُعْرَفُ بِالْأَوَّلِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَهُ رَدُّهَا. اللَّخْمِيِّ: وَهُوَ أَحْسَنُ.
وَقَالَ عِيسَى: إنْ نَقَصَ لَبَنُهَا فِي الثَّانِيَةِ فَظَنَّ نَقْصَهُ مِنْ سَوَاءِ الْمَرْعَى وَنَحْوِهِ ثُمَّ حَلَبَهَا الثَّالِثَةَ فَبَانَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ، فَلَهُ رَدُّهَا بَعْدَ حَلِفِهِ مَا رَضِيَهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: حَمَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْخِلَافَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَالْمَازِرِيِّ وَاللَّخْمِيِّ: وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْقَوْلَانِ رَاجِعَانِ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[مُبْطِلَاتُ الْخِيَارِ وَمَوَانِعُهُ]
ابْنُ شَاسٍ. النَّظَرُ الثَّانِي فِي مُبْطِلَاتِ الْخِيَارِ وَمَوَانِعِهِ وَهِيَ صِنْفَانِ:
الْأَوَّلُ مَا يُبْطِلُ الرَّدَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ، وَفَوَاتُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حِسًّا أَوْ حُكْمًا، وَمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ، وَزَوَالُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقِيَامِ بِهِ. الصِّنْفُ الثَّانِي مَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ (وَمَنَعَ بَيْعُ حَاكِمٍ وَوَارِثٍ
[ ٦ / ٣٥١ ]
رَقِيقًا فَقَطْ بَيَّنَ أَنَّهُ وَارِثٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَنْفَعُ الْبَرَاءَةُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ الْبَائِعُ فِي مِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَحْدَهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ الَّذِي بِهِ آخُذُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ السُّلْطَانِ عَلَى الْمُفْلِسِ وَالْمَغَانِمِ وَغَيْرِهَا. وَإِذَا أَنْفَذَ السُّلْطَانُ بَيْعَ عَبْدِ الْمُفْلِسِ وَقَسَمَ الثَّمَنَ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثُمَّ وَجَدَ الْمُبْتَاعُ عَيْبًا قَدِيمًا لَمْ يَرُدَّهُ لِأَنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمِدْيَانَ عَلِمَ بِهِ فَكَتَمَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَيْعُ السُّلْطَانِ فِي الدَّيْنِ وَفِي الْمَغْنَمِ وَغَيْرِهِ وَبَيْعُ الْوَرَثَةِ إذَا ذَكَرُوا أَنَّهُ مِيرَاثٌ ذَلِكَ كُلُّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا الْبَرَاءَةَ (وَخُيِّرَ مُشْتَرٍ ظَنَّهُ غَيْرَهُمَا) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: بَيْعُ الْمِيرَاثِ وَبَيْعُ السُّلْطَانِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَيْعُ مِيرَاثٍ أَوْ سُلْطَانٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَحْبِسَ بِلَا عُهْدَةٍ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُتَوَلِّيهِ أَنَّهُ بَيْعُ مِيرَاثٍ أَوْ مُفْلِسٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَيْعُ سُلْطَانٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ رَدٌّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ وَلَا فِي ذَلِكَ عُهْدَةُ ثَلَاثٍ وَلَا سَنَةٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ، وَلَا يَنْفَعُ فِي غَيْرِ الرَّقِيقِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ دَوَابّ أَوْ عُرُوضٍ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ بَاعَهُ وَارِثُهُ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ سُلْطَانٌ، وَلِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامُ بِمَا وَجَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ عَيْبٍ.
(وَتَبَرُّؤُ غَيْرِهِمَا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَنْفَعُ الْبَرَاءَةُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ بِهِ الْبَائِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَحْدَهَا، فَمَنْ بَاعَ وَلِيدَةً أَوْ عَبْدًا وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا لَا يَعْلَمُ إلَّا مِنْ الْحَمْلِ فِي الرَّائِعَةِ لِأَنَّهَا تَتَوَاضَعُ وَلَا يَبْرَأُ مِمَّا عَلِمَ (إنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ) قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ وَقَعَ بَيْعُ الْبَرَاءَةِ بَرِئَ مِنْ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ. ابْنُ رُشْدٍ: مُرَاعَاةً لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. الْمُتَيْطِيُّ: وَجْهُ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا اخْتَبَرَهُ الْبَائِعُ وَطَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَخْتَبِرْهُ وَلَا طَالَ مُكْثُهُ عِنْدَهُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَنْعَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتَبْطُلُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ إذَا وَقَعَ (وَإِنْ عَلِمَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ بِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ:
[ ٦ / ٣٥٢ ]
لَا تَنْفَعُ الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ عَلِمَ بِهِ وَإِنْ سَمَّاهُ بِعَيْنِهِ مَا لَمْ يَقُلْ إنَّهُ بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَأَرَى أَنْ يَبْرَأَ بِذِكْرِهِ إذَا أَفْرَدَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ بِهِ.
(وَوَصَفَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ بَعِيرًا فَتَبَرَّأَ مِنْ دَبْرَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ دَبْرَةً مُثْقَلَةً مُفْسِدَةً لَمْ يَبْرَأْ، أَوْ إنْ أَرَاهُ إيَّاهَا حَتَّى يَذْكُرَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقَلٍ وَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ تَبَرَّأَ فِي عَبْدٍ مِنْ إبَاقٍ وَالْمُبْتَاعُ يَظُنُّ أَنَّهُ إبَاقُ لَيْلَةٍ أَوْ مِثْلُ الْعَوَالِي فَيُوجَدُ أَنَّهُ قَدْ أَبَقَ إلَى مِصْرَ وَالشَّامِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: أَوْ أَبَقَ مِرَارًا ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ تَبَرَّأَ مِنْ سَرِقَةِ الْعَبْدِ فَظَنَّ أَنَّهُ إنَّمَا سَرَقَ فِي الْبَيْتِ الرَّغِيفَ فَإِذَا بِهِ عَادٍ يَنْقُبُ بُيُوتَ النَّاسِ فَلَا يَبْرَأُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ (أَوْ أَرَاهُ لَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَبْرَأْ وَإِنْ أَرَاهُ إيَّاهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَرَاءَةُ مِنْ عَيْبٍ مُعَيَّنٍ إنْ لَمْ يَقْبَلْ التَّفَاوُتَ بَرِئَ بِذِكْرِهِ. الْبَاجِيُّ: كَالْعَوَرِ وَإِلَّا لَمْ يَبِعْ حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَهُ كَالْكَيِّ مِنْهُ الْمُتَفَاحِشُ غَيْرُهُ وَلَا يُبْرِئُهُ إلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ بِشَنِيعِ الْكَيِّ أَوْ يُرِيَهُ إيَّاهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ تَبَرَّأَ الْبَائِعُ مِنْ كَيٍّ بِالْأَمَةِ فَوَجَدَ الْكَيَّ بِالظَّهْرِ أَوْ بِالْفَخْذَيْنِ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ ظَنَنْتُهُ بِبَطْنِهَا، فَلَا رَدَّ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَفَاحِشًا فَيَرُدُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّبْرِ وَالْإِبَاقِ.
(وَلَمْ يُجْمِلْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَكَثُرَ فِي بَرَاءَتِهِ أَسْمَاءُ الْعُيُوبِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا مِنْ عَيْبٍ يُرِيهِ إيَّاهُ وَيُوقِفُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَهُ الرَّدُّ إنْ شَاءَ. وَمَنَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَذْكُرَ فِي الْبَرَاءَةِ عُيُوبًا لَيْسَتْ فِي الْمَبِيعِ إرَادَةَ التَّقْلِيبِ. النَّخَعِيُّ. لَوْ
[ ٦ / ٣٥٣ ]
قَالَ أَبِيعُكَ لَحْمًا عَلَى بَارِيَةٍ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يُسَمِّيَ الْعَيْبَ. قَالَ شُرَيْحٌ: حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ.
(وَزَوَالُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ زَوَالُ الْعَيْبِ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ الْبَائِعُ أَنَا أُؤَدِّي عَنْهُ دَيْنَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَدَاؤُهُ فِي فَسَادٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَمَةٌ فَبَاعَهَا فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَرُدَّهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا رَدَّ لَهُ، لِأَنَّ الْعَيْبَ قَدْ ذَهَبَ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ فَأَرَادَ رَدَّهَا فَذَهَبَ الْبَيَاضُ قَبْلَ رَدِّهَا قَالَ مَالِكٌ: إذَا ذَهَبَ الْعَيْبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَ الْوَلَدُ فَلَا رَدَّ لَهُ.
(وَإِلَّا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ) أَشْهَبُ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حُمْقٍ أَوْ بَيَاضِ عَيْنٍ أَوْ نُزُولِ مَاءٍ مِنْهَا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ بُرْئِهِ، فَإِنْ كَانَ بُرْؤُهُ قَدْ اسْتَمَرَّ فَلَا شَكَّ فِيهِ وَلَا تُخَافُ عَوْدَتُهُ لَهَا إلَّا بِإِحْدَاثٍ ثَانٍ مِنْ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَإِنْ خِيفَ عَوْدَتُهُ فَلَا يُعَجِّلُ بِرَدِّهِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي شِرَاؤُهُ أَيْضًا حَتَّى يَنْتَظِرَ. وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: يَرُدُّهُ فِي الْجُنُونِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَعُودَ، وَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ وَأَمْرٌ يَعْتَرِيهِ وَلَا أَمْرُ ذَهَابِهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جُنَّ عِنْدَهُ سِنِينَ ثُمَّ بَرَأَ ثُمَّ بَاعَهُ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصَابَهُ عِنْدَهُ جُنُونٌ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ، وَأَمَّا الْبَرَصُ وَالْجُذَامُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ عَيْبٌ يَخَافُهُ كَالْجُنُونِ.
(وَفِي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وَطَلَاقِهَا وَهُوَ الْمُتَأَوَّلُ وَالْأَحْسَنُ أَوْ
[ ٦ / ٣٥٤ ]
بِالْمَوْتِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ لَا أَقْوَالٌ) ابْنُ يُونُسَ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ يَذْهَبُ قَبْلَ الْقِيَامِ فَلَا رَدَّ لَهُ إلَّا الزَّوْجَ لِلْأَمَةِ وَالزَّوْجَةَ لِلْعَبْدِ تَنْحَلُّ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا فَلَهُ الرَّدُّ بَعْدَ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقِيلَ: يَذْهَبُ الْعَيْبُ بِارْتِفَاعِ الْعِصْمَةِ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ. وَتَأَوَّلَهُ فَضْلٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ اشْتَرَى الْأَمَةَ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ فَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى انْقَضَتْ فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ التُّونِسِيُّ قَالَ: لِأَنَّ الْعِصْمَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ لَمْ يَبْقَ إلَّا اعْتِيَادُهَا بِالْوَطْءِ وَهُوَ لَوْ وَهَبَهَا لِعَبْدِهِ يَطَؤُهَا ثُمَّ انْتَزَعَهَا مِنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَ اعْتِيَادِهَا الْوَطْءَ بِالنِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي فَرْقًا، وَلَعَمْرِي إنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا لِلزَّوْجَةِ حَقٌّ بِخِلَافِ الْأَمَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ذَهَابُ الْعَيْبِ بِزَوَالِ الْعِصْمَةِ بِالْمَوْتِ دُونَ الطَّلَاقِ. قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَشْهَبُ وَهُوَ أَعْدَلُهَا.
(وَمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) . ابْن شَاسٍ: ظُهُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ سُكُوتٍ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَاضِرِ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ رُكُوبَ احْتِبَاسٍ لَهَا بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ: فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ وَذَلِكَ رِضًا، وَإِنْ رَكِبَهَا لِيَرُدَّهَا وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ: وَلَوْ تَسَوَّقَ أَوْ سَاوَمَ بِالثَّوْبِ أَوْ لَبِسَهُ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ فَذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِالْعَيْبِ (إلَّا مَا لَا يُنْقِصُ كَسُكْنَى الدَّارِ) ابْنُ عَرَفَةَ: تَصَرُّفُ الْمُخْتَارِ مُعْتَبَرٌ، أَمَّا سُكْنَى الدَّارِ وَنَحْوِهَا بَعْدَ عِلْمِ عَيْبِهَا وَقَبْلَ الْقِيَامِ بِهِ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ مُجَرَّدِ السُّكْنَى. وَأَمَّا بَعْدَ الْقِيَامِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ: لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِغَلَّةِ الدَّارِ وَالْحَائِطِ حِينَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْغَلَّةُ لَهُ حَتَّى يَحْكُمَ بِالْفَسْخِ فَيَجْنِي الثِّمَارَ وَيَأْخُذُ غَلَّةَ الدَّارِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الْمُكْرَى ثُمَّ يُخَاصِمَ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لِلسُّكْنَى وَيُمْنَعُ لُبْسَ الثَّوْبِ وَالتَّلَذُّذَ بِالْجَارِيَةِ، فَإِنْ لَبِسَ أَوْ وَطِئَ كَانَ رِضًا وَسَقَطَ قِيَامُهُ. الْمَازِرِيُّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ اسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ. اُنْظُرْ رَسْمَ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ.
(وَحَلَفَ إنْ سَكَتَ بِلَا عُذْرٍ فِي كَالْيَوْمِ) ابْنُ سَلْمُونَ: إنْ ذَهَبَ الْبَائِعُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ إلَى إحْلَافِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ وَلَا اسْتَخْدَمَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (لَا كَمُسَافِرٍ اُضْطُرَّ لَهَا) ابْنُ يُونُسَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ يُسَافِرُ بِهَا ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا فِي سَفَرِهِ، فَرَوَى أَشْهَبُ: إنْ حَمَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهَا لَزِمَتْهُ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ رَدَّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رُكُوبِهَا بَعْدَ عِلْمِهِ، وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُكْرِيَ غَيْرَهَا وَيَسُوقَهَا وَلْيَرْكَبْهَا، فَإِنْ وَصَلَتْ بِحَالِهَا رَدَّهَا، وَإِنْ عَجَفَتْ رَدَّهَا وَمَا نَقَصَهَا أَوْ يَحْبِسُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ الْعَيْبِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. ابْنُ يُونُسَ: وَبِهِ أَقُولُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ فِي حُكْمِ الْمُكْرَهِ وَلَوْ تَعْرِفُ مُكْرَهًا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ فَكَذَلِكَ مَعَ الِاضْطِرَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ مَالِ غَيْرِهِ مَعَ الِاضْطِرَارِ فَفِي هَذَا أَحْرَى
[ ٦ / ٣٥٥ ]
(أَوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ) ابْنُ شَاسٍ: عَلَى الْمَشْهُورِ يَنْزِلُ عَنْ الدَّابَّةِ إنْ كَانَ رَاكِبًا إلَّا إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقَوْدُ فَيُعْذَرُ فِي الرُّكُوبِ إلَى مُصَادَفَةِ الْخَصْمِ أَوْ الْقَاضِي عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ. اُنْظُرْ رَسْمَ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ.
(فَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ فَإِنْ عَجَزَ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ فَتَلَوَّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: غَيْبَةُ بَائِعِ الْمَعِيبِ لَا تُسْقِطُ حَقَّ مُبْتَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَقَامَ بِيَدِهِ عَبْدٌ اشْتَرَاهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لِغَيْبَةِ بَائِعِهِ وَلَمْ يَرْفَعْ لِلسُّلْطَانِ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ، لَهُ الرُّجُوعُ بِعَيْنِهِ وَيُعْذَرُ لِغَيْبَةِ الْبَائِعِ لِثِقَلِ الْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَيَرْجُو إنْ قَدِمَ الْبَائِعُ مُوَافَقَتَهُ، فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: " إنْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا اسْتَشْهَدَ شَهِيدَيْنِ " يَقْتَضِي أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي رَدِّهِ أَوْ فِي سُقُوطِ الْيَمِينِ عَنْهُ إنْ قَدِمَ رَبُّهُ وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَهُ أَيْضًا الْقِيَامُ فِي غَيْبَتِهِ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَرَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَالْبَائِعُ غَائِبٌ، فَعَلَى الْمُبْتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا لَمْ يُعَجِّلْ الْإِمَامُ عَلَى الْقَرِيبِ الْغَيْبَةِ، وَأَمَّا الْبَعِيدُ الْغَيْبَةِ فَيَتَلَوَّمُ لَهُ إنْ طَمِعَ بِقُدُومِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ قَضَى عَلَيْهِ بِرَدِّ الْعَيْبِ ثُمَّ يَبِيعُهُ عَلَيْهِ وَيُعْطِي الْمُبْتَاعُ ثَمَنَهُ الَّذِي نَقَدَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ تَقُولَ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ نَقَدَ الثَّمَنَ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، فَمَا فَضَلَ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لِلْغَائِبِ عِنْدَ أَمِينٍ وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا أَتْبَعَهُ بِهِ الْمُبْتَاعُ (كَأَنْ لَمْ يَعْلَمْ قُدُومَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِيهَا أَيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ وَفِي
[ ٦ / ٣٥٦ ]
حَمْلِهِ عَلَى الْخِلَافِ تَأْوِيلَانِ) الْمُتَيْطِيُّ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ يَتَلَوَّمُ لَهُ الْأَيَّامَ إنْ طَمِعَ بِقُدُومِهِ وَإِلَّا بَاعَهُ. وَفِي التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْهَا: إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ قَضَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَلَوُّمًا، وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي قِسْمَتِهَا. فَحَمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى الْخِلَافِ.
وَلِمَالِكٍ أَيْضًا فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ إنْ خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ أَوْ النَّقْصَ بَاعَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَصُّ عُيُوبِهَا. الْمُتَيْطِيُّ: الْقَوْلَانِ وِفَاقٌ وَمَعْنَاهُ يَتَلَوَّمُ لَهُ إنْ طَمِعَ بِقُدُومِهِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَانْظُرْ إذَا كَانَ قَدْ غَابَ مُنْذُ شَهْرٍ لَا يَدْرِي الشُّهُودُ إلَى أَيْنَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ أَبُو مَرْوَانَ إنَّ الْمَجْهُولَ الْمَكَانَ فِي مَغِيبِهِ كَالْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ أَوْ أَشَدَّ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْمُدَوَّنَةُ وَسِوَاهَا فِي مَسَائِلِ الْمَفْقُودِ وَفِي غَيْرِهَا (ثُمَّ قَضَى إنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً) تَقَدَّمَ نَصُّهَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " كَأَنْ لَمْ يَعْلَمْ قُدُومَهُ مُؤَرَّخًا ".
ابْنُ لُبَابَةَ: وَتُؤَرِّخُ الْبَيِّنَةُ الشِّرَاءَ لِقِدَمِ الْبَيْعِ (وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فَسَّرَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَالْمَازِرِيُّ الْمُدَوَّنَةَ بِأَنَّهُ يُكَلَّفُ ثُبُوتَ صِحَّةِ الْعَقْدِ قَالَا: خَوْفَ دَعْوَى الْغَائِبِ فَسَادَهُ (إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهَا) ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّمَا لَزِمَ الْمُبْتَاعَ
[ ٦ / ٣٥٧ ]
الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي دَعْوَاهُ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَأَمَّا نَقْدُ الثَّمَنِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ يُرِيدُ فَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ نَقْدَ الثَّمَنِ حَلَفَ أَنَّهُ نَقَدَهُ وَهُوَ كَذَا، وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ غَيْرَ النَّقْدِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَقْدِهِ وَعَدَدِهِ. (وَفَوْتُهُ حِسًّا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ " فَوْتُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حِسًّا بِالتَّلَفِ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ ".
(كَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ " وَفَوْتُهُ حُكْمًا بِالْعِتْقِ " وَنَحْوُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ مَانِعٌ، مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً بَيْعًا صَحِيحًا وَبِهَا عَيْبٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَتْ أَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ كَاتَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَهَبَهَا لِغَيْرِ ثَوَابٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ فَوْتٌ يُوجِبُ الْآنَ قِيمَةَ الْعَيْبِ. وَانْظُرْ إذَا وَهَبَ نِصْفَهَا، هَلْ هُوَ فَوْتٌ مُوجِبٌ لِقِيمَةِ الْعَيْبِ بَيْنَ النِّصْفِ الْوَاحِدِ وَالْآخَرِ فَرْقٌ وَبَيْنَ بَيْعِ النِّصْفِ أَوْ هِبَتِهِ فَرْقٌ؟ اُنْظُرْ رَسْمَ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْعُيُوبِ
[ ٦ / ٣٥٩ ]
(فَيُقَوَّمُ سَالِمًا وَمَعِيبًا وَيَأْخُذُ مِنْ الثَّمَنِ النِّسْبَةَ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَفْسِيرُ الرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الْجَارِيَةِ صَحِيحَةً يَوْمَ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنْ لَا عَيْبَ بِهَا، فَيُقَالُ مِائَةُ دِينَارٍ وَقِيمَتُهَا حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ بِهَا الْعَيْبَ، فَيُقَالُ ثَمَانُونَ دِينَارًا فَقَدْ نَقَصَهَا الْعَيْبُ الْخُمُسَ، فَيُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَهُوَ خُمُسُ الثَّمَنِ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَدْنَى. فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ
[ ٦ / ٣٦٠ ]
خَمْسِينَ حُطَّ عَنْهُ عَشَرَةٌ لِأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ أَرْبَعَةً وَبَقِيَ عِنْدَهُ جُزْءٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ فَيَصِحَّ لَهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَجْزَاءِ أَرْبَعُونَ.
(وَوُقِفَ فِي رَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ لِخَلَاصِهِ وَرُدَّ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بَعْدَمَا رَهَنَ أَوْ أَجَّرَ فَلَا أُرَاهُ فَوْتًا، وَمَتَى رَجَعَتْ إلَيْهِ بِافْتِكَاكٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِجَارَةِ فَلَهُ رَدُّهَا إنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، وَإِنْ دَخَلَهَا عَيْبٌ مُفْسِدٌ رَدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا عِنْدَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُهُ أَنَّ الرَّهْنَ وَالْإِجَارَةَ لَيْسَا بِخُرُوجٍ مِنْ الْمِلْكِ فَأَشْبَهَ أَنْ لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً عِنْدَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَصِلُ فِيهِ الْآنَ إلَيْهَا، فَمَتَى رَجَعَتْ إلَى يَدِهِ كَانَ عَلَى أَوَّلِ أَمْرِهِ (كَرَدِّهِ لَهُ بِعَيْبٍ أَوْ بِمِلْكٍ مُسْتَأْنَفٍ كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ ادَّعَى بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ أَنَّ عَيْبًا كَانَ بِهِ عِنْدَ بَائِعِهِ مِنْهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ خُصُومَتُهُ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ السِّلْعَةُ بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ
[ ٦ / ٣٦١ ]
صَدَقَةٍ أَوْ بِعَيْبٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ لَهُ رَدُّهَا عَلَى بَائِعِهَا الْأَوَّلِ إذَا كَانَ بَيْعُ هَذَا الْمُشْتَرِي حِينَ بَاعَهَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَيْبِهَا.
(فَإِنْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا أَوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ إنْ دَلَّسَ فَلَا رُجُوعَ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً أَوْ عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَ مِلْكُهُ عَنْهَا وَصَارَتْ لِآخَرَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ اتَّخَذَ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ خُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ ثُمَّ بَاعَ أَوْ وَهَبَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إذَا وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ فِي بَيْعِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ بَاعَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فَقَدْ عَادَ إلَيْهِ ثَمَنُهُ، وَإِنْ بَاعَ بِأَقَلَّ فَإِنَّ النَّقْصَ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْعَيْبِ. اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا إذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْعَيْبِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ فَرَضِيَهُ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا بَاعَهُ لِبَائِعِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا بَاعَهُ لِبَائِعِهِ بِأَكْثَرَ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مَنْ
[ ٦ / ٣٦٢ ]
اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَنْ بَاعَهُ بِشَيْءٍ. وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: " إنْ دَلَّسَ " إنْ كَانَ عَنَى بِهِ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْعَيْبِ.
(وَإِلَّا رَدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ) اللَّخْمِيِّ: وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَضْلَ (وَلَهُ بِأَقَلَّ كَمَّلَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ بِدُونِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ اسْتَتَمَّ.
(وَتَغَيُّرُ الْمَبِيعِ إنْ تَوَسَّطَ فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ وَرَدُّهُ وَدَفْعُ الْحَادِثِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ " الصِّنْفُ الثَّانِي مَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ".
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْعُيُوبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَيْبٌ خَفِيفٌ يَرُدُّ وَلَا يَرُدُّ مَا نَقَصَهُ لِيَسَارَتِهِ، وَعَيْبٌ مُفْسِدٌ لَا يَرُدُّ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَغَيْرُ هَذَيْنِ الْعَيْبَيْنِ يُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ فِي أَرْشِهِ أَوْ يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ الْحَادِثِ.
[ ٦ / ٣٦٣ ]
(وَقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي) نَحْوُ هَذَا عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْمَازِرِيُّ: يُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ وَقْتَ ضَمَانِ ذَاتِ الْمُوَاضَعَةِ وَالْغَائِبِ وَالْفَاسِدِ اتِّفَاقًا وَاخْتِلَافًا. وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " فَيُقَوَّمُ سَالِمًا " قَالَ: إنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا فَيُقَوَّمُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا لِيَعْلَمَ ثَمَنَ مَا قَبَضَ الْمُبْتَاعُ لِيَغْرَمَ قِيمَةَ الْعَيْبِ مِنْهُ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الْعَيْبِ مِنْ أَمَةٍ صَحِيحَةٍ وَلَكِنْ مِنْ أَمَةٍ مَعِيبَةٍ كَمَا قَبَضَ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَتُهَا يَوْمَ وَقَعَ الشِّرَاءُ صَحِيحَةً بِلَا عَيْبٍ؟ فَيُقَالُ: مِائَةٌ. وَمَا قِيمَتُهَا حِينَئِذٍ وَبِهَا الْعَيْبُ الْقَدِيمُ؟ فَيُقَالُ: ثَمَانُونَ. فَيُطْرَحُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ خُمُسُهُ وَتَبْقَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ فَذَلِكَ ثَمَنُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ الثَّالِثَةَ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ وَقَعَ الشِّرَاءُ بِالْعَيْبَيْنِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ.
فَإِنْ قِيلَ سِتُّونَ فَقَدْ نَقَصَهَا الْعَيْبُ الْحَادِثُ رُبُعَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهَا بَعْدَ أَنْ أَسْقَطَ عَنْهُ خُمُسَ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ كُلُّهُ خَمْسِينَ فَإِنْ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ رَجَعَ بِخُمُسِ الثَّمَنِ عَشَرَةٌ، وَإِنْ رَدَّهَا وَمَا نَقَصَهَا غَرِمَ رُبُعَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ عَشَرَةٌ فَيُقَاصُّهُ بِهَا مِنْ ثَمَنِهِ وَيَأْخُذُ
[ ٦ / ٣٦٤ ]
مَا بَقِيَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ أَبْيَنُ مَا فِي ذَلِكَ. (وَلَهُ إنْ زَادَ بِكَصَبْغٍ أَنْ يَرُدَّ وَيَشْتَرِكَ بِمَا زَادَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ فَعَلَ فِي الثَّوْبِ مَا زَادَتْ بِهِ قِيمَتُهُ مِنْ صِبْغٍ أَوْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَهُ حَبْسُهُ وَأَخْذُ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ رَدُّهُ، وَيَكُونُ بِمَا زَادَتْ الصَّنْعَةُ شَرِيكًا لَا بِقِيمَةِ الصَّنْعَةِ وَلَا بِمَا أَدَّى يُقَوَّمُ الثَّوْبُ أَبْيَضَ مَعِيبًا فَتَكُونُ هَذِهِ الْقِيمَةُ رَأْسَ مَالِ الْبَائِعِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ مَصْبُوغًا فَمَا زَادَ فَهُوَ بِهِ شَرِيكٌ، وَسَوَاءٌ دَلَّسَ لَهُ فِي هَذَا أَمْ لَا (يَوْمَ الْبَيْعِ عَلَى الْأَظْهَرِ) قَالَ الْقَابِسِيُّ: الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ يَوْمَ الْحُكْمِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ إذَا نَقَصَ فَأَرَادَ الرَّدَّ وَرَدَّ مَا نَقَصَ أَنَّ الْقِيمَةَ فِي هَذَا يَوْمَ الْبَيْعِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَطَعَهُ ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا فَإِنَّهُ يُقَالُ مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ بِغَيْرِ عَيْبٍ؟ فَيُقَالُ: مِائَةٌ. ثُمَّ يُقَالُ: وَكَمْ قِيمَتُهُ يَوْمئِذٍ مَعِيبًا لِيَعْلَمَ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ؟ فَيُقَالُ: ثَمَانُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: وَكَمْ قِيمَتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَعِيبًا مَخِيطًا؟ فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ فَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ حَبَسَهُ وَأَخَذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ وَهُوَ خُمُسُ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَصَتْهُ الصَّنْعَةُ، فَإِنْ دَلَّسَ الْبَائِعُ رَدَّ الْمُشْتَرِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ لَمْ يَرُدَّهُ الْمُشْتَرِي إلَّا بِمَا نَقَصَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (وَجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ) ابْنُ يُونُسَ: آخِرُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَجُعِلَ هَاهُنَا مَا أَحْدَثَهُ مِنْ الْخِيَاطَةِ يُجْبَرُ بِهَا مَا أَحْدَثَ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تَرَدَّدَ التُّونِسِيُّ فِي جَبْرِ الْقَطْعِ بِالْخِيَاطَةِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ الْأَمَةِ ابْتَاعَهَا بِعَيْبٍ وَقَدْ زَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ فَيُجْبَرُ نَقْصُ النِّكَاحِ بِالْوَلَدِ
[ ٦ / ٣٦٦ ]
كَمَا يُجْبَرُ بِزِيَادَةِ قِيمَتِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَلَدُ وَالسِّمَنُ سَمَاوِيَّانِ وَالصِّبْغُ وَالْخِيَاطَةُ كَسْبِيَّانِ فَالْجَبْرُ بِهِمَا أَحْرَوِيٌّ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ: اُنْظُرْ عَلَى هَذَا لَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ غَيْرُ الْقَطْعِ وَقَدْ أَحْدَثَ فِيهِ خِيَاطَةً أَوْ صِبْغًا، هَلْ يُجْبَرُ أَيْضًا مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ بِالْخِيَاطَةِ وَالصِّبْغِ؟ اُنْظُرْهُ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ اشْتَرَى ثِيَابًا أَوْ غَيْرَهَا فَقَطَعَهَا.
(وَفَرْقٌ بَيْنَ مُدَلِّسٍ وَغَيْرِهِ كَهَلَاكِهِ بِالتَّدْلِيسِ وَأَخْذِهِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ وَتَبَرٍّ
[ ٦ / ٣٦٨ ]
مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ وَرَدِّ سِمْسَارٍ جُعْلًا وَمَبِيعٌ لِمَحِلِّهِ إنْ رُدَّ بِعَيْبٍ وَإِلَّا رُدَّ إنْ قَرُبَ) تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذِهِ
[ ٦ / ٣٧١ ]
الْفُرُوعِ وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا لِأَنَّ مَقَاصِدَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالنَّظَائِرِ. فَأَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " إنْ نَقَصَ " فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالثَّوْبِ عَيْبًا بَعْدَ الْقَطْعِ وَقَبْلَ الْخِيَاطَةِ وَالْبَائِعُ مُدَلِّسٌ رَدَّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْقَطْعِ أَوْ أَمْسَكَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْعَيْبِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَلِّسٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِالْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ وَيَرُدَّ عَيْبَ الْقَطْعِ، وَأَمَّا إنْ خَاطَهُ اُنْظُرْهُ فِي بَابِ الْعُيُوبِ فِي الْعُرُوضِ مِنْ اللَّخْمِيِّ. وَأَمَّا الْفَرْعُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: " كَهَلَاكِهِ بِالتَّدْلِيسِ " فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَبِهِ عَيْبٌ فَهَلَكَ مِنْهُ أَوْ تَنَاهَى إلَى أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ الْبَائِعُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إنْ هَلَكَ، وَإِنْ تَنَاهَى إلَى أَكْثَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ وَيَرُدَّ قِيمَةَ مَا تَنَاهَى، وَإِنْ دَلَّسَ بِالْعَيْبِ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ مَاتَ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إنْ تَنَاهَى وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ دَلَّسَ بِمَرَضٍ فَاتَ مِنْهُ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ دَلَّسَ بِالسَّرِقَةِ فَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ رَدَّهُ أَقْطَعَ وَرَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَأَمَّا الْفَرْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَأَخَذَهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ " فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: " وَبِأَكْثَرَ إنْ دَلَّسَ ". وَأَمَّا الْفَرْعُ الرَّابِعُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَتَبَرَّأَ مِمَّا لَمْ
[ ٦ / ٣٧٤ ]
يَعْلَمْ " فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: " وَتَبَرَّأَ غَيْرُهُمَا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ ".
. وَأَمَّا الْفَرْعُ الْخَامِسُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَرَدِّ سِمْسَارٍ جُعْلًا " فَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِعَيْبٍ رَدَّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يُدَلِّسْ، وَأَمَّا إنْ دَلَّسَ فَالْجُعْلُ لِلْأَجِيرِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا بَاعَهُ الطَّوَّافُونَ فِي الْمُزَايَدَةِ وَمِثْلُ النَّخَّاسِينَ وَمَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَبِيعُ لِلنَّاسِ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمْ فِي بَيْعٍ وَلَا اسْتِحْقَاقَ وَإِنَّمَا التَّبَاعَةُ عَلَى رَبِّهِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا اُتُّبِعَ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ السَّادِسُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَمَبِيعٌ لِمَحَلِّهِ إنْ رُدَّ بِعَيْبٍ وَإِلَّا رُدَّ إنْ قَرُبَ " فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَحَمَلَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ فِيهَا فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَوْضِعٍ اشْتَرَاهَا فِيهِ لِتَدْلِيسِهِ عَلَيْهِ وَقِيلَ: ذَلِكَ عَلَيْهِ. اللَّخْمِيِّ: وَالْأَحْسَنُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ كِرَاءَ رَدِّهَا عَلَى بَائِعِهَا لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَإِلَّا فَاتَ كَعَجْفِ دَابَّةٍ وَسِمَنِهَا) قَوْلُهُ: " وَإِلَّا فَاتَ " أَيْ بِنِسْبَتِهِ، وَمَعْنَاهُ لَا يَتَحَتَّمُ الرَّدُّ بَلْ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ فِي الْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا إنْ لَمْ يَقْرُبْ
[ ٦ / ٣٧٥ ]
الْأَمْرُ فِي رَدِّ السِّلْعَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: لَوْ كَانَتْ سِلْعَةٌ فَأَدَّى فِي حَمْلِهَا ثَمَنًا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا يَعْنِي وَلَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ دَلَّسَ لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَتَمَاسَكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَيَصِيرَ كَعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَهُ. وَأَمَّا الدَّابَّةُ يَشْتَرِيهَا سَمِينَةً فَتَعْجَفُ عِنْدَهُ ثُمَّ يَجِدُ فِيهَا عَيْبًا فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: إنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَمَا نَقَصَهَا أَوْ حَبَسَهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ. وَأَمَّا الدَّابَّةُ يَشْتَرِيهَا مَهْزُولَةً فَتَسْمَنُ عِنْدَهُ ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ سِمَنًا بَيِّنًا فَإِنَّهُ أَيْضًا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا كَمَا هِيَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَلَاحُ الْبَدَنِ بِغَيْرِ بَيْنِ السِّمَنِ لَغْوٌ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ الْمَهْزُولَةِ تَسْمَنُ رِوَايَتَانِ: نَفْيُ الْخِيَارِ وَإِثْبَاتُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا تَقَدَّمَ اهـ. وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفُرُوعَ الثَّلَاثَةَ الْخِيَارُ فِيهَا ثَابِتٌ لِلْمُشْتَرِي لَكِنْ فِي النَّقْلِ وَالسِّمَنِ إنْ رُدَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ بِخِلَافِ الْعَجْفِ، فَلَوْ قَالَ: " وَإِلَّا فَاتَ كَسِمَنِ دَابَّةٍ وَعَجْفِهَا " لِيَعْطِفَ عَلَى عَجْفِهَا مَا بَعْدَهُ لِاسْتِوَاءِ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ لَكَانَ أَبْيَنَ، وَإِلَّا فَانْظُرْ أَنْتَ فِي ذَلِكَ، وَانْظُرْ إذَا خُصِيَ الْعَبْدُ فَزَادَ ثَمَنُهُ، وَانْظُرْ هُزَالَ الرَّقِيقِ وَسِمَنَهُمْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَوْتٍ. اُنْظُرْ رَسْمَ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْعُيُوبِ.
(وَعَمًى وَشَلَلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ عَيْبٌ مُفْسِدٌ كَالْقَطْعِ وَالشَّلَلِ وَالْعَوَرِ وَالْعَمَى فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ ذَلِكَ الْعَيْبُ أَوْ يَتَمَاسَكَ وَيَرْجِعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ أَنَا أَقْبَلُهُ بِالْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَهُ عِنْدَك وَأَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَهُ عَيْبٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرُدَّهُ بِلَا غُرْمٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ عَيْبِهِ دَلَّسَ لَهُ الْبَائِع أَمْ لَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَحْبِسَهُ مَعِيبًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُهُ وَأَرْجِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِقَدْرِ مَا أَصَابَهُ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ. وَكُلُّ مَا حَدَثَ بِالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ مِنْ عَيْبٍ مُفْسِدٍ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ عَيْبٍ التَّدْلِيسِ فَلَا يَرُدُّهُ إنْ وَجَدَ عَيْبًا إلَّا بِمَا نَقَصَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، دَلَّسَ لَهُ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ أَمْ لَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الدُّورُ بِخِلَافِ الثِّيَابِ تُقْطَعُ وَتُقَصَّرُ إذْ لِهَذَا تُشْتَرَى فَيَفْتَرِقُ فِيهَا التَّدْلِيسُ مِنْ
[ ٦ / ٣٧٦ ]
غَيْرِهِ، وَيَصِيرُ الْمُدَلِّسُ كَالْآذِنِ فِي ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الرَّدِّ مِمَّا نَقَصَهَا إلَّا أَنْ يَفْعَلَ فِي الثِّيَابِ مَا لَا يُفْعَلُ فِي مِثْلِهَا أَوْ يَحْدُثُ فِيهَا عَيْبٌ مُفْسِدٌ مِنْ غَيْرِ التَّقْطِيعِ فَلَا يَرُدَّهَا، إلَّا بِمَا نَقَصَهَا.
قَالَ: وَإِنْ قَطَّعَ الثِّيَابَ قُمُصًا أَوْ سَرَاوِيلَاتٍ أَوْ أَقْبِيَةً ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ فَالْمُبْتَاعُ مُخَيَّرٌ فِي حَبْسِهِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ رَدِّهِ وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ، فَإِنْ دَلَّسَ لَهُ الْبَائِعُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِمَا نَقَصَ الْقَطْعُ إنْ رَدَّهُ.
(وَتَزْوِيجِ أَمَةٍ وَجُبِرَ بِالْوَلَدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَزَوَّجَهَا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مِنْ
[ ٦ / ٣٧٧ ]
رَجُلٍ حُرٍّ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهَا، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ فَسْخُ النِّكَاحِ وَعَلَى الْمُبْتَاعِ مَا نَقَصَهَا النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا رَدَّهَا وَمَعَهَا وَلَدٌ فَيَكُونُ أَكْثَرَ لِثَمَنِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ يَدُلُّ أَنَّهُ إنْ نَقَصَهَا النِّكَاحُ وَقَدْ وَلَدَتْ وَفِي الْوَلَدِ مَا يُجْبَرُ بِهِ نَقْصُ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ آخَرَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ بِالْوَلَدِ.
(إلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ أَوْ يَقِلَّ فَكَالْعَدَمِ) أَمَّا إذَا قَالَ الْبَائِعُ أَقْبَلُ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَهُ عِنْدَك وَأَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَهُ عَيْبٌ، وَأَمَّا إنْ قَلَّ الْعَيْبُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ الْعَيْبَ الْخَفِيفَ الْحَادِثَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ يَرُدُّ الْمَبِيعَ وَلَا يَرُدُّ مَا نَقَصَهُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَرَضُ الْخَفِيفُ لَا يُثْبِتُ خِيَارًا (كَوَعْكٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الْوَعْكُ يَسِيرٌ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمْ أَجِدْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَرَمَدٍ وَصُدَاعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْعَيْبُ الْخَفِيفُ كَالرَّمَدِ وَالْكَيِّ وَالدَّمَامِيلِ وَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ وَكُلِّ عَيْبٍ لَيْسَ بِمَخُوفٍ وَإِنْ نَقَصَهُ ذَلِكَ فَلَهُ رَدُّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا. ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي هِيَ تُتْلِفُ الْعَبْدَ وَلَا تُنْقِصُهُ نَقْصًا كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ لَا يُفِيتُ الرَّدَّ حَوَالَةُ سُوقٍ
[ ٦ / ٣٧٨ ]
وَلَا نَمَاءٍ. (وَذَهَابِ ظُفْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ ذَهَبَ ظُفْرٌ فَلَهُ رَدُّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا أَرَاهُ عَيْبًا (وَخَفِيفِ حُمَّى) الْبَاجِيُّ: عِنْدِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَرَادَ بِالْحُمَّى الْخَفِيفَةَ دُونَ مَا أَضْعَفَ وَمَنْعُ التَّصَرُّفِ مِمَّا يَنْدُرُ فَلَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ النَّقْصِ.
(وَوَطْءِ ثَيِّبٍ) الْبَاجِيُّ: مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ لَا يَكُونُ فَوْتًا فِي ثَيِّبٍ وَلَا بِكْرٍ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُدَلِّسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُدَلِّسٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَالْبَائِعُ غَيْرُ مُدَلِّسٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِالْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ وَيَرُدَّ مَا نَقَصَ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ مُدَلِّسًا.
(وَقَطْعٍ مُعْتَادٍ) ابْنُ رُشْدٍ: النُّقْصَانُ بِمَا أَحْدَثَهُ الْمُبْتَاعُ فِي الْمَبِيعِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّوْبَ فَيَقْطَعَهُ فَيُنْقِصَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنَّ هَذَا فَوْتٌ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَمْسِكَهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ وَيَرُدَّ مَا نَقَصَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَلِّسًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِلنُّقْصَانِ شَيْءٌ يَرُدُّهُ مِنْ أَجْلِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ قَوْلِهِ وَتَزْوِيجِ أَمَةٍ، وَانْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ (وَالْمُخْرِجُ عَنْ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ بِالْأَرْشِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَثِيرًا يُبْطِلُ ذَلِكَ الْغَرَضَ الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ.
(كَكِبَرِ صَغِيرٍ وَهَرَمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ صَغِيرًا فَكَبِرَ عِنْدَهُ أَوْ كَبِيرًا فَهَرِمَ عِنْدَهُ فَذَلِكَ
[ ٦ / ٣٧٩ ]
فَوْتٌ يُوجِبُ لَهُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا (وَافْتِضَاضِ بِكْرٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيُّ وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ فَانْظُرْهُ (وَقَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ) وَانْظُرْ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَطْعٍ مُعْتَادٍ " (إلَّا أَنْ يَهْلَكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا دَلَّسَ فِيهِ بِعَيْبٍ فَهَلَكَ الْعَبْدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ أَوْ نَقَصَ، فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ كَالتَّدْلِيسِ بِالْمَرَضِ فَيَمُوتُ مِنْهُ أَوْ بِالسَّرِقَةِ فَيَسْرِقُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَحْيَا، أَوْ بِالْإِبَاقِ فَيَأْبَقُ فَهَلَكَ أَوْ ذَهَبَ فَلَمْ يَرْجِعْ. ابْنُ شِهَابٍ: أَوْ بِالْجُنُونِ فَخُنِقَ فَمَاتَ، فَهَذَا كُلُّهُ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ (أَوْ بِسَمَاوِيٍّ زَمَنَهُ) اللَّخْمِيِّ: إنْ ذَهَبَ يَسْرِقُ فَسَقَطَ مِنْ مَوْضِعٍ فَهَلَكَ فِي ذَهَابِهِ أَوْ فِي رُجُوعِهِ كَانَ مِنْ بَائِعِهِ (كَمَوْتِهِ فِي إبَاقِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فَيَأْبَقُ فَهَلَكَ (وَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي وَهَلَكَ بِعَيْبِهِ رَجَعَ عَلَى الْمُدَلِّسِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بَائِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَإِنْ زَادَ فَلِلثَّانِي) التُّونِسِيُّ: إذَا كَانَ الْأَوَّلُ دَلَّسَ بِالْإِبَاقِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي وَلَا
[ ٦ / ٣٨٠ ]
يَعْلَمُ بِإِبَاقِهِ فَأَبَقَ عِنْدَ الْآخَرِ فَذَهَبَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُؤْخَذُ الثَّمَنُ كُلُّهُ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَدْفَعُ الْآخَرُ مِنْهُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ فَضَلَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ (وَإِنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ الثَّانِي؟ قَوْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَقْوَالُ فِي هَذَا سِتَّةٌ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
(وَلَمْ يُحَلِّفْ مُشْتَرٍ اُدُّعِيَتْ رُؤْيَتُهُ إلَّا بِدَعْوَى الْإِرَاءَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ احْلِفْ أَنَّك لَمْ تَرَ الْعَيْبَ حِينَ اشْتَرَيْت لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ فَيُلْزَمُ الْعَيْبَ أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَرَاهُ إيَّاهُ فَلْيَحْلِفْ لَهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْبًا ظَاهِرًا لَا
[ ٦ / ٣٨١ ]
يَشُكُّ أَنَّهُ يَرَاهُ كَالْعَوَرِ فَلْيُحَلِّفْهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا الرِّضَا بِهِ إلَّا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا دَلَّسَهُ الْبَائِعُ فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: احْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَرْضَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتَهُ وَلَا تَسَوَّقْتَ بِهِ، فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مُخْبِرًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَسَوَّقَ بِهِ بَعْدَ
[ ٦ / ٣٨٢ ]
مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْبِ أَوْ رَضِيَهُ. ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَوَّلًا لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ. زَادَ غَيْرُهُ مُخْبِرُ صِدْقٍ.
(وَلَا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأْبَقْ لِإِبَاقِهِ بِالْقُرْبِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَأَبَقَ عِنْدَهُ بِقُرْبِ الْبَيْعِ فَقَالَ الْبَائِعُ أَخْشَى أَنَّهُ لَمْ يَأْبَقْ بِقُرْبِ الْبَيْعِ إلَّا وَقَدْ كَانَ عِنْدَكَ آبِقًا فَاحْلِفْ لِي فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا جُهِلَ أَمْرُهُ فَهُوَ عَلَى السَّلَامَةِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ، وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَبْدَ لِغَيْرِهِ أَوْ لَا فَرْقٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَبَيْنَ الْعُيُوبِ الَّتِي فِي الْأَبْدَانِ وَاَلَّتِي فِي الْأَخْلَاقِ وَعَرَفَ وَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى الْعِلْمِ؟ اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ الْعُيُوبِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَكْثَرِ الْعَيْبِ يَرْجِعُ بِالزَّائِدِ وَأَقَلِّهِ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ مُطْلَقًا أَوْ بَيْنَ هَلَاكِهِ فِيمَا بَيْنَهُ أَوْ لَا؟ أَقْوَالٌ) أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَكْثَرِ الْعَيْبِ يَرْجِعُ بِالزَّائِدِ وَأَقَلِّهِ بِالْجَمِيعِ فَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَصُّهُ: قَالَ غَيْرُهُ: إنْ بَيَّنَ لَهُ أَكْثَرَ الْعَيْبِ الَّذِي هَلَكَ بِسَبَبِهِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي هَاهُنَا بِمِقْدَارِ مَا كَتَمَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ أَكْثَرَ الْعَيْبِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِالزَّائِدِ مُطْلَقًا فَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا
[ ٦ / ٣٨٣ ]
وَنَصُّهُ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا قَالَ أَبَقَ مَرَّةً وَقَدْ كَانَ أَبَقَ مَرَّتَيْنِ فَأَبَقَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهَلَكَ بِسَبَبِ الْإِبَاقِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقَدْرِ مَا كَتَمَهُ بِخِلَافِ إنْ دَلَّسَ بِجَمِيعِ الْإِبَاقِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إنْ هَلَكَ فِيمَا بَيَّنَهُ لَهُ وَإِلَّا رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَهُوَ لِابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَبِيعُ عَبْدًا وَيَقُولُ لِلْمُشْتَرِي أَبَقَ شَهْرًا وَهُوَ قَدْ أَبَقَ سَنَةً وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّذِي يَكْتُمُ بَعْضَهَا، هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ كَتَمَ جَمِيعَ الْعُيُوبِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ هَلَكَ الْعَبْدُ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي بَيَّنَ لَهُ فَأَقَلَّ فَلَا يَكُونُ كَالْمُدَلِّسِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ هَلَكَ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي دَلَّسَ عَلَيْهِ بِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَبَقَ شَهْرًا وَقَدْ أَبَقَ سَنَةً، فَإِنْ أَبَقَ فَهَلَكَ فِي الشَّهْرِ فَأَقَلَّ فَلَا يَكُونُ كَالْمُدَلِّسِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ.
وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِهَلَاكِهِ فِيمَا دَلَّسَ بِهِ انْتَهَى. فَانْظُرْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي ابْنِ يُونُسَ لَيْسَتْ خِلَافًا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ خَلِيلٍ أَنَّ فِي كُلّ صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَانْظُرْ أَنْتَ فِي ذَلِكَ.
(وَرُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ فِيمَنْ ابْتَاعَ أَشْيَاءَ فِي صَفْقَةٍ فَأَلْفَى بِبَعْضِهَا عَيْبًا بَعْدَ أَنْ قَبَضَهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّ الْمَعِيبِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ وَفِيهِ رَجَاءُ الْفَضْلِ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الرِّضَا بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدُّ جَمِيعَ الصَّفْقَةِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً فَوَجَدَ بِصِنْفٍ مِنْهَا عَيْبًا، فَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلْيَرُدَّ الْجَمِيعَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا وَقَعَ الْعَيْبُ نِصْفَ الثَّمَنِ فَأَقَلَّ فَلَيْسَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ وَلَمْ يَرُدَّ إلَّا الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ وَقَعَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ فَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ بِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ لَهُ رَدُّ مَا وُجِدَ مَعِيبًا بِحِصَّتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْآخَرِ.
(وَرَجَعَ بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا بِثَوْبَيْنِ فَوَجَدَ عَيْبًا بِأَدْنَى الثَّوْبَيْنِ وَقَدْ فَاتَ أَرْفَعُهُمَا وَالْعَبْدُ قَائِمٌ لَمْ يَفُتْ رَدَّ الْمَعِيبَ وَحْدَهُ وَرَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لَا فِي عَيْنِهِ، يُرِيدُ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ فِيهِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا إنْ وَقَعَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ فَهُوَ
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وَجْهُ الصَّفْقَةِ فَيَرُدُّ الْجَمِيعَ.
(أَوْ أَحَدَ مُزْدَوِجَيْنِ أَوْ أُمًّا وَوَلَدَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ابْتَاعَ خُفَّيْنِ أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ وَكُلَّ مَا هُوَ زَوْجٌ فَأَصَابَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِمَّا رَدَّهُمَا جَمِيعًا أَوْ حَبَسَهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِأَخٍ لِصَاحِبِهِ أَوْ كَانَتْ نِعَالًا فُرَادَى فَلَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، وَحُكْمُ الْأُمِّ تُبَاعُ مَعَ وَلَدِهَا فَيُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ حُكْمُ مَا لَا يَفْتَرِقُ. (وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ) صَوَابُهُ عِيبَ أَكْثَرُهُ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ: وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى ثِيَابًا كَثِيرَةً فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَإِنْ كَانَ وَجْهَ
[ ٦ / ٣٨٧ ]
الصَّفْقَةِ انْتَقَضَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَرَدَّ مَا بَقِيَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ إذْ لَا يَعْرِفُ حَتَّى يُقَوَّمَ. ابْنُ يُونُسَ: وَأَنَا أَسْتَحْسِنُ إذَا اسْتَحَقَّ الْكَثِيرَ وَرَضِيَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا بَعْدَ التَّقْوِيمِ وَمَعْرِفَةِ حِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ فَيَأْخُذَ بِذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ فَيَسْلَمَ مِمَّا كَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ.
(فَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ فَلَهُ رَدُّ قِيمَةِ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ وَرَدُّ الدِّرْهَمَيْنِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَلَوْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَرُدُّ الدِّرْهَمَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا أَدْرِي مُوجِبَ ذِكْرِهِ إيَّاهَا هُنَا وَنَفْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا أَعْرِفُهَا لِغَيْرِهِ اهـ. وَلِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ: إنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِعَبْدٍ فَفَاتَ الْعَبْدُ بِيَدِ مُشْتَرِيهِ وَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الدِّرْهَمَيْنِ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ عَبْدِهِ.
(وَرَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلَانِ عَبْدًا فِي صَفْقَةٍ فَوَجَدَا بِهِ عَيْبًا فَلِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَحْبِسَ دُونَ الْآخَرِ شَاءَ ذَلِكَ الْبَائِعُ أَوْ أَبَى. ابْنُ الْقَاسِمِ: وُجُوبُ الرَّدِّ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بَيِّنٌ إذْ لَوْ فَلَّسَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَتْبَعْ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ اجْتَمَعَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَاقِدَانِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ رَدُّ الْمَبِيعِ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا بِرَدِّهِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، أَصْلُهُ إذَا كَانَ الْبَائِعَانِ رَجُلَيْنِ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا لِأَنَّهُ مُبْتَاعٌ وَجَدَ بِمَا ابْتَاعَهُ عَيْبًا فَلَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَمْ يَفُتْ عِنْدَهُ فَكَانَ لَهُ رَدُّهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِغَيْرِ أَصْلِهِ إذَا انْفَرَدَ بِهِ
(وَعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ) الْمَازِرِيُّ: لِمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا أَنْ يَرُدَّ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ دُونَ الْآخَرِ وَتُعَدُّ صَفْقَتُهُمَا صَفْقَتَيْنِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ لِدُخُولِهِمْ عَلَى اتِّحَادِ الصَّفْقَةِ كَمَا لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي اتِّحَادِ الْبَائِعِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مَرْدُودٌ وَيُؤَيِّدُ نَقْلُ الْمَازِرِيِّ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي اُنْظُرْهُ فِيهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا
[ ٦ / ٣٨٨ ]
مِنْ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ فَلْيَنْتَظِرْ لَعَلَّ لَهُ حُجَّةً، وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ يُرِيدُ وَأَنَّهُ نَقَدَ الثَّمَنَ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا. اُنْظُرْ فِي الْعَيْبِ فَإِنْ كَانَ قَدِيمًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّ الْبَيْعَ عَلَى الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَإِلَّا حَلَفَ الشَّرِيكُ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَهُ وَبُرِّئَ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ كَانَ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا لِأَنَّ غَيْرَهُ تَوَلَّى الْبَيْعَ كَالْوَارِثِ، وَلَوْ حَضَرَ الْبَائِعُ مِنْهُ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ فِي الظَّاهِرِ وَفِيمَا يَخْفَى عَلَى الْعِلْمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: " بِلَا يَمِينٍ ". قَالَ ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَطَعَنَ فِيهَا بِعَيْبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بِهَا عَيْبًا إلَّا بِقَوْلِهِ فَقَالَ لِلْبَائِعِ احْلِفْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا يَوْمَ بِعْتَهَا مِنِّي عَيْبٌ، فَلَا يَجِبُ بِذَلِكَ يَمِينٌ عَلَى الْبَائِعِ لَا عَلَى الْبَتِّ وَلَا عَلَى الْعِلْمِ (أَوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَهُوَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ وَيَرَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْعِلْمِ وَعَلَى الْمُبْتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ قَدِيمًا عِنْدَ الْبَائِعِ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ قَامَ بِعَيْبٍ ظَاهِرٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَجَبَ بِهِ الرَّدُّ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَصْلًا وَلَا مَقَالَ لِلْبَائِعِ، لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا.
الْبَاجِيُّ: إنْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ مِمَّا حَدَثَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَتَيَقَّنُوا ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُبْتَاعِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَكُّوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ الْبَائِعُ فِي الْعَيْبِ الظَّاهِرِ عَلَى الْبَتِّ وَفِي الْخَفِيِّ عَلَى الْعِلْمِ (وَحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ) اُنْظُرْ ثَالِثَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْعُيُوبِ (وَقُبِلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ أَوْ مُشْرِكَيْنِ) الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ: لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ أَوْ عُيُوبِهَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ كَالْأَمْرَاضِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ أَسْرَارَهَا إلَّا الْأَطِبَّاءُ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَهُوَ أَتَمُّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ أَهْلُ عَدْلٍ قُبِلَ فِيهِمْ قَوْلُ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مِمَّا يَنْفَرِدُونَ بِعِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْعُيُوبِ فِي جَسَدِ الْمَرْأَةِ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا تَحْتَ الثِّيَابِ
[ ٦ / ٣٨٩ ]
مِنْ الْعُيُوبِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي يَشْهَدُ النِّسَاءُ بِهِ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ النِّسَاءُ قُبِلَ فِيهِ امْرَأَتَانِ مِنْ عُدُولِ النِّسَاءِ دُونَ يَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ بِصِفَتِهِ وَسُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ. الْمُتَيْطِيُّ: الْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ يَكْفِي، إذْ طَرِيقُ ذَلِكَ الْعِلْمُ لَا الشَّهَادَةُ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَعْمُولُ بِهِ (وَيَمِينُهُ بِعْتُهُ وَفِي ذِي التَّوْفِيَةِ وَأَقْبَضْته وَمَا هُوَ بِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَمِينُهُ بِعْته وَأَقْبَضْته وَمَا بِهِ عَيْبٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُهُ: " وَأَقْبَضْته " مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ فِي أَنَّ الضَّمَانَ فِيهَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ بِالْعَقْدِ لَا بِالْقَبْضِ. وَكَذَا اقْتِصَارُهُ عَلَى قَوْلِهِ: " وَمَا بِهِ عَيْبٌ " إنَّمَا الْوَاجِبُ نَفْيُ الْعَيْبِ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ نَفَاهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ كَفَاهُ حَسْبَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ: يَحْلِفُ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا بِهِ عَيْبٌ أَوْ مَا بِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا مُقْتَضَى الْأُصُولِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ نَقِيضُ نَفْسِ الدَّعْوَى (بَتًّا فِي الظَّاهِرِ وَعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ قِدَمِهِ ".
(وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا مَا لَا يُنْقِصُ كَسُكْنَى الدَّارِ " (وَلَمْ تُرَدَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ دَارًا أَوْ عَبِيدًا فَاغْتَلَّهُمْ ثُمَّ رَدَّهُمْ بِعَيْبٍ كَانَ مَا اغْتَلَّ مِنْهُمْ لَهُ بِضَمَانِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا
(بِخِلَافِ وَلَدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى إبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَا يَرُدُّهَا إلَّا مَعَ وَلَدِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوِلَادَةِ إلَّا أَنْ يُنْقِصَهَا ذَلِكَ فَيَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَكَانَ فِي الْوَلَدِ مَا يُجْبَرُ بِهِ النَّقْصُ جَبَرَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الشِّرَاءِ مَأْبُورَةً فَاشْتَرَطْتَهَا فَإِنَّك إنْ رَدَدْت النَّخْلَ بِعَيْبٍ وَقَدْ جَدَدْتهَا رَدَدْت الثَّمَرَةَ مَعَهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك، فَإِنْ رَدَدْتهَا مَعَهَا كَانَ لَك أَجْرُ سَقْيِك وَعِلَاجِك فِيهَا يُرِيدُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمَّا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ صَحَّ أَنَّ لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ أُلْزِمْهَا لَك إلَّا بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَإِنْ رَدَّهَا وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أَزْهَتْ فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فَهِيَ لِلْبَائِعِ وَيَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا فَرَدَّهَا بَعْدَ
[ ٦ / ٣٩٠ ]
زُهُوِّ الثَّمَرَةِ فَهِيَ لَهُ.
(وَصُوفٍ تَمَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ صُوفُ الْغَنَمِ يَوْمَ الصَّفْقَةِ تَامًّا يَجُزُّهُ ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ فَلْيَرُدَّ ذَلِكَ مَعَهَا أَوْ مِثْلَهُ إنْ فَاتَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَزْنَهُ رَدَّ الْغَنَمَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ كَمُشْتَرِي ثَوْبَيْنِ يَفُوتُ عِنْدَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ يَجِدُ بِالْبَاقِي عَيْبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصُّوفُ يَوْمَ الصَّفْقَةِ تَامًّا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا فِيمَا حَلَبَ مِنْ لَبَنٍ. وَلَوْ كَانَ فِي ضَرْعِهَا يَوْمَ الْبَيْعِ أَوْ انْتَفَعَ بِهِ مِنْ زُبْدٍ أَوْ سَمْنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ غَلَّةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ قَدْ فَاتَ، وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ
[ ٦ / ٣٩١ ]
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُرَدُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الْغَلَّةِ إلَّا أَنْ يَفُوتَ، وَالْوَلَدُ فِيهِ فَوْتٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْقَبْضِ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " فَالْوَلَدُ فَوْتٌ " فَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَيْبِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
(كَشُفْعَةٍ وَاسْتِحْقَاقٍ وَتَفْلِيسٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ طَرَأَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِلنَّخْلِ مُسْتَحِقٌّ أَوْ شَفِيعٌ أَوْ فَلَسٌ، فَإِنْ جَدَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ غَلَّةً لَهُ إنْ كَانَ ابْتَاعَ النَّخْلَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا ثَمَرَةٌ، وَإِنْ كَانَ ابْتِيَاعُهُ لَهَا وَفِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ غَلَّةً وَحَاسَبَهُ بِهَا الشَّفِيعُ فَأَخَذَ النَّخْلَ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ وَحَاسَبَهُ بِهَا الْبَائِعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا يَنُوبُ الْأُصُولَ وَحَاسَبَهُ بِهَا الْغَرِيمُ (وَفَسَادٍ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ
[ ٦ / ٣٩٣ ]
حُكْمَ الْمَرْدُودِ بِالْعَيْبِ إنْ كَانَ لَهُ غَلَّةٌ وَقَسَّمَ ذَلِكَ تَقْسِيمًا كَثِيرًا قَالَ: فَهَذَا حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَالرَّدُّ بِفَسَادِ الْبَيْعِ مِثْلُهُ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الشُّفْعَةُ وَالتَّفْلِيسُ وَالِاسْتِحْقَاقُ فَتَتَّفِقُ أَحْكَامُهَا فِي بَعْضٍ وَتَخْتَلِفُ فِي بَعْضٍ. اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ، وَانْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ قَالَ: جَرَى عِنْدَنَا حُكْمُ الْحُكَّامِ بِغَيْرِ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْمُبْتَاعِ إلَى يَوْمِ يَثْبُتُ الْحَقُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ وَقَوْلِ الْغَيْرِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ رَسْمِ يُوصِي مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ عَلَى عَلَفِ الدَّابَّةِ الْمُوقَفَةِ وَمِمَّنْ ضَمَانُهَا إنْ مَاتَتْ (وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ إنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ) أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَرْدُودَ بِالْعَيْبِ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ
[ ٦ / ٣٩٤ ]
الْبَائِعِ إنْ رَضِيَ بِقَبْضِهِ أَوْ إنْ ثَبَتَ الْعَيْبُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِرَدِّهِ. اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْعُيُوبِ.
(وَلَمْ يُرَدَّ بِغَلَطٍ إنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ وَلَا بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ) ابْنُ شَاسٍ: الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ خِيَارِ النَّقِيصَةِ مَا ثَبَتَ بِمُغَابَنَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْغَبْنُ فِي الْبَيْعِ إنْ كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ فَفِيهِ طُرُقٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يُعْذَرُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِيهِ إنْ كَانَ فِي بَيْعِ مُكَايَسَةٍ هَذَا ظَاهِرُ
[ ٦ / ٣٩٥ ]
الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: الْغَبْنُ فِي بَيْعِ الْمُسْتَسْلِمِ الْمُسْتَنْصِحِ يُوجِبُ لِلْمَغْبُونِ الْخِيَارَ فِيهِ وَبَيْعُ غَيْرِهِ الْمَالِكِ مِنْ نَفْسِهِ لَا أَعْلَمُ فِي لُزُومِهِ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَ بِأَضْعَافِ الْقِيمَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ السِّلْعَةَ وَأَحَدُهُمَا يَعْرِفُ سُوقَهَا دُونَ الْآخَرِ، هَلْ لِمَنْ جَهِلَ السُّوقَ مِنْهُمَا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ مَقَالٌ؟ اهـ وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: تَنَازَعَ الْبَغْدَادِيُّونَ فِي هَذَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَلَى قِيمَةِ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ بِنُقْصَانِ الثُّلُثِ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى مُدَّعِي الْجَهْلِ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ اجْتَهَدَ لَهُ الْحَاكِمُ اهـ.
اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فُتْيَا الْإِمَامِ الْمَازِرِيِّ قَالَ: حَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ لِلْمَغْبُونِ الرَّدُّ إذَا كَانَ فَاحِشًا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَغْبُونُ جَاهِلًا بِالْقِيَمِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَالصُّلْحُ فِي هَذَا أَمْثَلُ وَقَسْمُ الْغَبْنِ رَاجِعٌ لِتَعَارُضِ الظَّوَاهِرِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَنَزَلَ مِثْلُ هَذَا بِزَوْجَةِ شَيْخِنَا الْبَطْرُونِيِّ فَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ بِنَقْضِ بَيْعِهَا لِأَوْصَافٍ ذَكَرَهَا وَعَذَرَهَا مِنْ أَجْلِهَا.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَهَذَا ظَاهِرٌ اهـ. وَبِنَحْوِ هَذَا أَفْتَى ابْنُ لُبٍّ وَضَمَّنَهُ ابْنُ عَاصِمٍ فَقَالَ:
وَمَنْ بِغَبْنٍ فِي مَبِيعٍ قَامَا فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْعَامَا
وَأَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِمَا صَنَعَ وَالْغَبْنُ بِالثُّلْثِ فَمَا زَادَ وَقَعَ
اهـ.
وَدَعْوَى جَهْلِ الْمَبِيعِ رَاجِعٌ لِدَعْوَى الْفَسَادِ. وَجَعَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ دَعْوَى الْغَبْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ مُصَلًّى ثُمَّ قَالَ مُشْتَرِيهِ هُوَ خَزٌّ فَقَالَ الْبَائِعُ مَا عَلِمْت أَنَّهُ خَزٌّ لَوْ عَلِمْته مَا بِعْته بِهَذَا الثَّمَنِ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي لَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ لَوْ شَاءَ تَثَبَّتَ قَبْلَ بَيْعِهِ. وَكَذَا مَنْ بَاعَ حَجَرًا بِثَمَنٍ يَسِيرٍ ثُمَّ هُوَ يَاقُوتَةٌ تَبْلُغُ مَالًا كَثِيرًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُرَدُّ هَذَا الْبَيْعُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا سَمَّى الشَّيْءَ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا إذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ أَبِيعُك هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ فَتُوجَدُ غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَقُولَ أَبِيعُك هَذِهِ الزُّجَاجَةَ ثُمَّ يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهَا
[ ٦ / ٣٩٩ ]
يَاقُوتَةٌ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ. اُنْظُرْ آخِرَ بُيُوعِ الْقَبَّابِ وَرَسْمَ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ
(وَهَلْ إلَّا أَنْ يَسْتَسْلِمَ وَيُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ أَوْ يَسْتَأْمِنَهُ؟ تَرَدُّدٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ أَبِي عُمَرَ فِي بَيْعِ الْمُسْتَسْلِمِ الْمُسْتَنْصِحِ يُوجِبُ لِلْمَغْبُونِ الْخِيَارَ فِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي هَذِهِ. قَالَ: وَالْقِيَامُ بِالْغَبْنِ وَالشِّرَاءِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْسَالِ وَالِاسْتِمَانَةِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجُزَافٍ إنْ رُئِيَ وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ ".
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَاتَّفَقُوا أَنَّ النَّائِبَ عَنْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ انْتَهَى. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ نَصُّوا أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ أَوْلَى مَا يُحْتَاطُ لَهُ فَالْبَيْعُ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ عَلَى الْمَحْجُورِ.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ الَّذِي يَبِيعُهُ صَاحِبُ الْمَوَارِيثِ قَدْ انْقَطَعَ أَرْبَابُهُ وَبَادَ مَالِكُوهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ وَارِثٌ فَتَقْعُدَ فِيهِ أَشْهَدَ النَّاظِرُ فِي الْمَوَارِيثِ إلَى أَنْ قَالَ: فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ وَالْهَتْفِ عَلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَاسْتَبْلَغَ فِي إشْهَارِهَا وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ بِهَا فِي أَمَاكِنِهَا فَبَلَغَتْ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَلَمْ يَلُفَّ عَلَيْهِ فِيهِ زَائِدٌ قَالَ: وَكَذَا تَقُولُ فِي بَيْعِ أَمْلَاكِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ مَوَاتًا لَا يُنْسَبُ لِأَحَدٍ وَلَا عُلِمَ فِيمَا سَلَفَ لَهُ مَالِكٌ وَبَاعَهُ صَاحِبُ الْمَوَارِيثِ فَتُكْتَبُ فِيهِ كَذَلِكَ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ: مَا أَقَطَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بِإِقْطَاعِهِ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ الْمُقْطَعِ وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ بِنَفْسِ الْإِقْطَاعِ يُورَثُ عَنْهُ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السَّوَادِ وَالْأَنْهَارِ انْتَهَى نَصُّهُ. اُنْظُرْ سَمَاعَ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِيمَا بَاعَهُ بَنُو عَبَّادٍ وَقَالَ: مَا بَاعَهُ مَنْ ذَكَرْتُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ فِيهِ السَّدَادُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِيهِ لَا يَصِحُّ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ مَرَّتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ وَسِيقَ فِي بَعْضِهِ سِيَاقَاتٌ وَانْعَقَدَتْ عَلَيْهِ أَنْكِحَةٌ وَفَاتَ بِبُيُوعَاتٍ وَأَنْوَاعٍ مِنْ الْفَوَاتَاتِ.
وَنَقَلَ السَّيِّدُ مُفْتِي تُونُسَ الْبُرْزُلِيِّ فِي نَوَازِلِهِ
[ ٦ / ٤٠٠ ]
هَذِهِ الْفَتْوَى ثُمَّ قَالَ مَا نَصُّهُ: قُلْت: لَعَلَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ الصَّيْرَفِيِّ حِينَ عَرَّفَا بِابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُمْ أَفْتَوْا أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ بِأَشْيَاءَ يَقْتَضِيهَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَخَالَفَهُمْ ابْنُ حَمْدِينَ. وَقَالَ: هَذَا الْبَحْثُ يُؤَدِّي إلَى تَضْيِيعِ كَثِيرٍ مِنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ وَالتَّعَرُّضِ إلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يَلِيقُ فِي كُلِّ بَيْعٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ بَاعَهُ الْعُمَّالُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ مَا وُلُّوا عَلَيْهِ، فَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُعْتَرَضَ وَلَا يُنْظَرَ فِيهِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَتْحُ بَابِ مَفْسَدَةٍ فِي الْبَحْثِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ لِكَثْرَةِ هَذَا الْوَاقِعِ.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْوَلِيُّ الزَّاهِدُ الرَّاوِيَةُ شَيْخُنَا الْبَطْرُونِيُّ - ﵀ - حِينَ أَرَادَ بَعْضُ أَوْلَادِ ابْنِ الْحَكِيمِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ فِي الْحَمَّامِ الْمَنْسُوبِ إلَى أَبِيهِمْ وَهُوَ مِنْ تَحْبِيسِ الشَّيْخِ ابْنِ تفراحين عَلَى مَدْرَسَتِهِ فَقَالَ: إذَا قِيَم بِنَقْضِ هَذَا وَالْبَحْثِ فِيهِ لَمْ تَبْقَ مُعَامَلَةٌ لِلْمُلُوكِ إلَّا وَيُتَعَرَّضُ لَهَا، فَزَجَرَ الْقَائِمَ الْمَذْكُورَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو الْعَبَّاسِ - ﵀ - وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ فَانْقَطَعَ حِينَئِذٍ طَلَبُهُمْ. وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ ابْنُ حَمْدِينَ هُوَ الصَّوَابُ الْأَسَدُّ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ تَعَقُّبَ أَفْعَالِ قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ وَذَلِكَ لِإِسْقَاطِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ لِأَكْبَرِهِمَا.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: إنَّمَا يُوَكَّلُ الْوَكِيلُ لِيُنْتَفَعَ بِهِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: لَا يَتَصَرَّفُ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةَ الْخِلَافَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الْوَصِيَّةِ إلَّا بِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] فَكُلُّ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةً فَهُوَ مَعْزُولٌ عَنْ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوحَةِ. وَانْظُرْ إنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَعْوَامٍ.
سُئِلَ ابْنُ لُبٍّ عَنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ قَوْمٍ مِنْهُمْ مَالِكُ أَمْرِ نَفْسِهِ وَمِنْهُمْ
[ ٦ / ٤٠١ ]
مَحْجُورٌ بَاعُوهَا مِنْ الْغَيْرِ ثُمَّ قَامُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أَعْوَامٍ بِالْغَبْنِ، فَصَالَحَ بَعْضُ الْمَالِكِينَ أَمْرَ أَنْفُسِهِمْ وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ وَالْمَحْجُور؟
فَأَجَابَ: إنَّ مَالِكَ أَمْرِ نَفْسِهِ مُرُورُ عَامٍ قَاطِعٌ بِحُكْمِ قِيَامِهِ، وَأَمَّا الْمَحْجُورُ فَيُنْظَرُ لَهُ لَكِنَّ تَرْكَ الْوَصِيِّ النَّظَرَ لِمَحْجُورِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَعْلُومٌ كَأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِتَفْرِيطِهِ لِحَقِّ الْمَحْجُورِ بِطُولِ الْمُدَّةِ وَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي وَعِمَارَتِهِ فِي ذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْمُشْتَرِي وَأَنْ تَكُونَ التَّبَعَةُ لِلْمَحْجُورِ بِمَا نَقَصَهُ عَلَى النَّاظِرِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا بَاعَ الْأَبُ مَالَ ابْنِهِ لِنَفْسِهِ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ، وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ إجَازَتُهُ وَإِيجَابُ الثَّمَنِ لِلِابْنِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَدْ سَلَّطَ الِاعْتِصَارَ فِيمَا كَانَ بَاعَهُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ بَيْعُهُ بِاعْتِصَارٍ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاعْتِصَارِ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ. وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَسَمَ عَنْ صَغِيرٍ أَبٌ أَنَّ الْأَبَ يَضْمَنُ إنْ حَابَى ". وَانْظُرْ قَدْرَ هَذَا الْغَبْنِ مَا هُوَ؟ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: لَمْ يُحِدَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَكَانَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَحِدُّ فِي الْغَبْنِ الَّذِي يُرَدُّ الْبَيْعُ بِهِ الثُّلُثَ وَيَذْكُرُهُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ حَسَنٌ فِي ذَلِكَ
[ ٦ / ٤٠٢ ]
إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: إنَّمَا يُرَدُّ الْمَبِيعُ عَلَى الْمَحْجُورِ بِالْغَبْنِ إنْ لَمْ يَفُتْ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُفِيتُهُ الْبَيْعَ فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ فِي بَيْعِ الْغَبْنِ. قَالَ: وَيَرْجِعُ الْمَحْجُورُ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ الْوَصِيِّ. وَنَحْوُ هَذَا فِي الطِّرَازِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ أَمَةً فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ فَوَاتٌ وَيَرْجِعُ الْمَحْجُورُ عَلَى الْوَصِيِّ انْتَهَى. رَاجِعْ الْمُطَوَّلَاتِ، وَانْظُرْ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَا بَاعَهُ بَنُو عَبَّادٍ فَتَدَاوَلَتْهُ الْأَمْلَاكُ أَنَّهُ لَا يَسَعُ رَدُّهُ مِنْ أَجْلِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ مِنْ الْهِبَاتِ وَالْمُعَاوَضَاتِ.
[ ٦ / ٤٠٣ ]
(وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ) الْبَاجِيُّ: مَعْنَى الْعُهْدَةِ تَعَلُّقُ الْمَبِيعِ بِضَمَانِ الْبَائِعِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: خَاتِمَةٌ لِلنَّظَرِ فِي خِيَارِ النَّقِيصَةِ تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ الْعُهْدَتَيْنِ وَهُمَا صُغْرَى فِي الزَّمَانِ كُبْرَى فِي الضَّمَانِ، وَكُبْرَى فِي الزَّمَانِ صُغْرَى فِي الضَّمَانِ. فَالْأُولَى هِيَ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ مِنْ جَمِيعِ الْأَدَاءِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَى الرَّقِيقِ مِنْ نَقْصٍ فِي بَدَنٍ أَوْ فَوَاتِ عَيْنٍ فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مُضَافَةٌ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْغَلَّةَ لَيْسَتْ لَهُ (إلَّا أَنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا بِيعَ مِنْ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ بَرَاءَةٍ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثِ أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ عَيْبٌ أَوْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ دَاءٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ أَوْ غَرَق أَوْ سَقَطَ مِنْ حَائِطٍ أَوْ خَنَقَ نَفْسَهُ أَوْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ دَاءٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثِ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ.
[ ٦ / ٤٠٦ ]
(وَدَخَلَتْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُؤْتَنَفُ عُهْدَةُ السَّنَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَبَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَمَّا عُهْدَةُ الثَّلَاثِ فَدَاخِلَةٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُهُ أَنَّ الثَّلَاثَ وَالِاسْتِبْرَاءَ فِي الْبَيْعِ التَّامِّ الضَّمَانُ فِيهِ مِنْ الْبَائِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ التَّقَيُّدُ فِيهَا بِشَرْطٍ، فَلَمَّا اشْتَبَهَ دَخَلَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ. وَعُهْدَةُ السَّنَةِ الضَّمَانُ فِيهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِنْ الثَّلَاثَةِ أَدْوَاءٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ فِي ذَاتِ الِاسْتِبْرَاءِ عُهْدَةُ ثَلَاثٍ إلَّا أَنْ تَحِيضَ مِنْ يَوْمِهَا حَيْضَةً بَيِّنَةً فَيُحْسَبُ فِيهَا بَقِيَّةُ الثَّلَاثِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نَحْوَهُ (وَالنَّفَقَةُ وَالْأَرْشُ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ) لَوْ قَالَ:
[ ٦ / ٤٠٧ ]
عَلَيْهِ وَلَهُ " لَكَانَ أَبْيَنَ. رَوَى مُحَمَّدٌ النَّفَقَةُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ عَلَى الْبَائِعِ. الْمُتَيْطِيُّ: وَكَذَا فِي الْمُوَاضَعَةِ وَبَيْعِ الرَّقِيقِ بِخِيَارٍ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي ضَمَانِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ فِي الثَّلَاثِ فَمِنْ الْبَائِعِ وَالْأَرْشُ لَهُ، وَمَا وُهِبَ لِلْعَبْدِ فِي الثَّلَاثِ مِنْ مَالٍ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ (إلَّا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ) ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا نَمَا مَالُ الْعَبْدِ فِي الثَّلَاثِ بِرِبْحٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ اشْتَرَطَ مَالَهُ فَذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَالَهُ فَذَلِكَ لِلْبَائِعِ. ابْنُ يُونُسَ: وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَفِي
[ ٦ / ٤٠٨ ]
عُهْدَةِ السُّنَّةِ بِجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: عُهْدَةُ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ فَمَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنْ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ فَمِنْ الْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ مِنْ الْبَهَقِ وَالْحُمْرَةِ (لَا بِكَضَرْبَةٍ) الْبَاجِيُّ: جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْجُنُونَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ هُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ لَا ذَهَابُهُ بِضَرْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ (إنْ اُشْتُرِطَا أَوْ اُعْتِيدَا) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَالسَّنَةِ فِي الرَّقِيقِ إنَّمَا ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ وَأَعْرَاضِهَا الَّذِينَ جَرَوْا عَلَيْهَا، فَبَيْعُهُمْ عَلَى الْعُهْدَةِ أَبَدًا حَتَّى تُشْتَرَطَ الْبَرَاءَةُ، وَلَا تَلْزَمُ غَيْرُهَا مِنْ الْبُلْدَانِ إلَّا أَنْ تُشْتَرَطَ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: أَرَى أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ وَلَا يُحْمَلُوا عَلَى الْعُهْدَةِ بِخِلَافِ الْجَوَارِي لَا أَرَى أَنْ يُبَعْنَ كَذَلِكَ وَأَرَى فِيهِنَّ الْمُوَاضَعَةَ. ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الْمُوَاضَعَةُ فَوَاجِبَةٌ فِي الْأَمَةِ الَّتِي وَطِئَهَا سَيِّدُهَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا رَفِيعَةً كَانَتْ أَوْ وَضَيْعَةً. وَفِي الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا أَوْ وَطِئَهَا وَاسْتَبْرَأَهَا إذَا كَانَتْ رَفِيعَةً إلَّا إنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ زَانِيَةً (وَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهَا)
[ ٦ / ٤٠٩ ]
ابْنُ شَاسٍ: وَلِلْمُبْتَاعِ إسْقَاطُ الْعُهْدَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَالْمُحْتَمِلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ طَرَأَ عَلَى الْمَبِيعِ أَمْرٌ أَشْكَلَ وَقْتَ حُدُوثِهِ وَلَمْ يُدْرَ أَفِي الْعُهْدَةِ أَمْ بَعْدَهَا، هَلْ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ أَوْ مِنْ الْبَائِعِ؟ مَذْهَبَانِ لِتَقَابُلِ أَصْلَيْ السَّلَامَةِ وَالضَّمَانِ. اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ سَالِمًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ.
(لَا فِي مُنْكَحٍ بِهِ) الْبَاجِيُّ: إنَّمَا تَثْبُتُ الْعُهْدَةُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَمَا كَانَ مُبَيَّنًا عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ. الْمُتَيْطِيُّ: الْقَضَاءُ بِأَنْ لَا عُهْدَةَ فِي الْمَمْلُوكِ أَوْ الْمَمْلُوكَةِ الَّتِي يُنْكَحُ بِهَا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ قَالَ: وَهِيَ مِنْ الْإِحْدَى وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً الَّتِي لَا عُهْدَةَ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَبَاقِيهَا الرَّأْسُ الْمُخَالَعُ لَهُ، وَالْمُصَالَحُ بِهِ فِي دَمٍ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ وَالْمُسْلَمُ فِي غَيْرِهِ، وَالْمُقْرَضُ وَالْغَائِبُ يَشْتَرِي عَلَى الصِّفَةِ، وَالْمُقَاطَعُ بِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَاَلَّذِي يَبِيعُهُ السُّلْطَانُ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُشْتَرِي لِلْعِتْقِ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ دَيْنٍ، وَالْمُقَالُ مِنْهُ، وَالْمَرْدُودُ بِالْعَيْبِ، وَرَقِيقُ الْمِيرَاثِ، وَالْعَبْدُ الْمَوْهُوبُ، وَالْأَمَةُ يَشْتَرِيهَا زَوْجُهَا، وَالْعَبْدُ الْمُوصَى بِاشْتِرَائِهِ لِلْعِتْقِ، وَالْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ بِهِ، وَالْعَبْدُ الْمُوصَى بِبَيْعِهِ مِمَّنْ أَحَبَّ، وَالْعَبْدُ الَّذِي يُبَاعُ بَيْعًا فَاسِدًا (أَوْ مُخَالَعٍ أَوْ مُصَالَحٍ فِي دَمٍ عَمْدًا أَوْ مُسْلَمٍ فِيهِ أَوْ بِهِ أَوْ قَرْضٍ أَوْ عَلَى صِفَةٍ أَوْ مُقَاطَعٍ بِهِ مُكَاتَبٌ أَوْ مَبِيعٍ عَلَى كَمُفَلِّسٍ أَوْ مُشْتَرًى لِلْعِتْقِ أَوْ مَأْخُوذٍ مِنْ دَيْنٍ أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ وُرِثَ أَوْ وُهِبَ أَوْ اشْتَرَاهَا زَوْجُهَا أَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ مِنْ زَيْدٍ أَوْ مِمَّنْ أَحَبَّ أَوْ بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ أَوْ مُكَاتَبٍ بِهِ أَوْ الْمَبِيعِ فَاسِدًا) تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ لِلْمُتَيْطِيِّ وَمَا تَرَكَ خَلِيلٌ إلَّا الْمُقَالَ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي سُقُوطِهَا فِي الْمُسْتَقَالِ مِنْهُ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ أَصْبَغَ. وَهَذَا إذَا انْتَقَدَ وَإِلَّا سَقَطَتْ اتِّفَاقًا
[ ٦ / ٤١٠ ]
لِأَنَّهُ كَالْمَأْخُوذِ مِنْ دَيْنٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا عُهْدَةَ فِي الْعَبْدِ الْمَأْخُوذِ مِنْ دَمِ عَمْدٍ وَلَا فِي الْعَبْدِ الْمُصَالَحِ بِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ الْمُصَالَحُ بِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ بِخِلَافِ الْمُصَالَحِ بِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ. مِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ. وَانْظُرْ سَمَاعَ أَشْهَبَ إذَا رَدَّ الرَّائِعَةَ بِعَيْبٍ بَعْدَ وَطْئِهَا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ضَمَانَهَا إنْ مَاتَتْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَدَّ عِتْقَهُ وَبِيعَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَقَدْ أَفَادَ مَالًا: إنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضَ بَيْعٍ.
(وَسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا) اللَّخْمِيِّ: إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ أَوْلَدَ الْأَمَةَ فِي السَّنَةِ ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رِضًا بِإِسْقَاطِ الْعُهْدَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا: يَرْجِعُ. وَاخْتَلَفَ إذَا أَعْتَقَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ قَطْعٌ لِلْعُهْدَةِ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ مِمَّا كَانَ يُرَدُّ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
(وَضَمِنَ بَائِعٌ مَكِيلًا لِقَبْضِهِ بِكَيْلٍ كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْكِتَابِ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْقَبْضِ وَصُورَتِهِ وَوُجُوبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ضَمَانُ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ قَبِلَهَا مِنْ بَائِعِهِ وَيُتِمُّ بَعْدَمَا عَدَّ عَلَى مُبْتَاعِهِ وَاسْتِقْرَارُهَا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فِي وِعَاءِ مُبْتَاعِهِ (وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الصَّوَابُ وَاَلَّذِي يَقَعُ فِي قَلْبِي أَنَّ أَجْرَ الْكَيَّالِينَ عَلَى الْبَائِعِ وَقَدْ قَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] . ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَازِمٌ لَنَا. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ (بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ عَلَى الْأَرْجَحِ فَكَالْقَرْضِ) ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ: هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الشَّرِيكِ
[ ٦ / ٤١١ ]
أَجْرُ الْكَيْلِ، وَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ إذْ هُمَا مَعْرُوفَانِ كَالشَّرِكَةِ، وَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْقَرْضِ وَالْهِبَةِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَشَرِكَةٍ ".
(وَاسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ وَلَوْ تَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ زَيْتًا فَأَمَرَ أَجِيرَهُ بِكَيْلِهِ فَكَالَ مَطَرًا مِنْهُ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ كَالَ آخَرَ فَوَقَعَ عَلَى وِعَاءِ الْمُشْتَرِي فَانْكَسَرَا مَعًا، فَالثَّانِي مِنْ بَائِعِهِ وَيَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ مِنْ سَبَبِهِ وَلَا يَضْمَنُ الثَّانِي لِأَنَّ لَيْسَ مِنْ سَبَبِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْمَطَرُ خَفِيفٌ هُوَ مِعْيَارٌ يُكَالُ بِهِ. وَالْمَسْأَلَةُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، وَكَوْنُ الثَّانِي مِنْ بَائِعِهِ لِأَنَّ يَدَ أَجِيرِهِ كَيَدِهِ وَلَا يَضْمَنُ الْأَجِيرُ مَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ. وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ هُوَ الَّذِي يَكْتَالُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَجِيرُهُ بَعْدَ أَنْ امْتَلَأَ وَقَبْلَ أَنْ يَصُبَّهُ فِي وِعَائِهِ فَانْكَسَرَ وَذَهَبَ مَا فِيهِ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مُصِيبَتَهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمِكْيَالُ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ بِهِ الْمُبْتَاعُ إلَى مَنْزِلِهِ لَيْسَ لَهُ إنَاءٌ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ ضَمَانُ مَا فِيهِ مِنْهُ إذَا امْتَلَأَ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْبَائِعِ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ الْمُبْتَاعُ. قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَسَمِعَ عِيسَى: الَّذِي يَبْتَاعُ حِمْلَ مَاءٍ وَجَّهَهُ مَعَ السَّقَّاءِ فَانْكَسَرَتْ قِلَالُهُ ضَمَانُ الْمَاءِ مِنْ السَّقَّاءِ.
[ ٦ / ٤١٢ ]
ابْنُ رُشْدٍ: حُمِلَ هَذَا عَلَى عَادَةِ النَّاسِ لَوْ كَانَ زَيْتًا لَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ أَصْبَغُ: ضَمَانُ الْمَاءِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَهُوَ الْقِيَاسُ.
(وَقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ وَغَيْرِهِ بِالْعُرْفِ) اُنْظُرْ هَذَا وَهُمْ قَدْ نَصُّوا أَنَّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي شِرَاءِ الدَّارِ الْغَائِبَةِ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ وَإِنْ بَعُدَتْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الَّذِي يَبِيعُ الدَّارَ وَيَسْتَثْنِي سُكْنَاهَا سَنَةً فَانْهَدَمَتْ الدَّارُ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ السَّنَةُ أَنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَكَذَا إذَا نَفَقَتْ الدَّابَّةُ بِيَدِ الْبَائِعِ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي اسْتَثْنَى رُكُوبَهَا أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: حُكْمُ الْقَبْضِ انْتِقَالُ الضَّمَانِ إلَى الْمُشْتَرِي وَصُورَتُهُ تُحَكَّمُ فِيهِ الْعَادَةُ، فَأَمَّا فِي الْعَقَارِ فَتَكْفِي التَّخْلِيَةُ، وَكَذَلِكَ فِيمَا بِيعَ عَلَى الْجُزَافِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ فِيهِ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَلْ لِهَذَا فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ مَظْهَرٌ فِي الْخَارِجِ، أَوْ هُوَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْإِنْزَالِ؟ قَالَ: مَضَى بِالْإِنْزَالِ عَمَلُ الْأَنْدَلُسِ وَلَا مَعْنَى لَهُ إذْ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ وَلَا غَيْرُهُ انْتَهَى.
وَكَذَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْعَقَارِ لَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ أَنْ يُخَلِّيَ الْبَائِعُ مَتَاعَهُ مِنْهَا لَكَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي. وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ عَلَيْهِ ثَوْبًا بِدِينَارٍ وَقَالَ لِلْمُشْتَرِيَّ أَبْلُغُ الْبَيْتَ بِهِ آخُذُ عَلَى نَفْسِي ثَوْبًا ثُمَّ آتِيك بِذَلِكَ فَاخْتُلِسَ مِنْهُ الثَّوْبَ فَإِنَّ مُصِيبَتَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ سُؤَالَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَذْهَبَ بِالثَّوْبِ إلَى بَيْتِهِ اسْتِعَارَةٌ مِنْهُ لَهُ، وَمَنْ اسْتَعَارَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ، فَالْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُعِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْعَيْبِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ وَأَقْبَضْته وَمَا بِهِ عَيْبٌ وَقَالَ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ فِي أَنَّ الضَّمَانَ بِالْعَقْدِ لَا بِالْقَبْضِ إلَّا فِيمَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ
[ ٦ / ٤١٣ ]
مِنْ مَبِيعٍ لَمْ يُحْبَسْ فِي ثَمَنِهِ مِنْ مُبْتَاعِهِ بِعَقْدٍ بَتًّا.
(إلَّا الْمَحْبُوسَةَ لِلثَّمَنِ أَوْ الْإِشْهَادِ فَكَالرَّهْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْمُبْتَاعُ الْأَمَةَ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ حَتَّى مَاتَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ حَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ وَقَدْ قَبَضَ ثَمَنَهَا أَمْ لَا، فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ احْتَبَسَهَا بِالثَّمَنِ كَالرَّهْنِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ الْمَحْبُوسَةَ بِالثَّمَنِ رَهْنٌ بِهِ تَكُونُ مُصِيبَتُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهَا، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يُصَدَّقْ الْبَائِعُ فِي ذَلِكَ وَلَزِمَهُ غُرْمُ قِيمَتِهَا. ابْنُ بَشِيرٍ: وَفِي مَعْنَى احْتِبَاسِهِ بِالثَّمَنِ احْتِبَاسُهُ حَتَّى يَشْهَدَ قَالَ: وَمَا بِيعَ نَسِيئَةً فَلَيْسَ لِبَائِعِهِ احْتِبَاسُهُ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِهِ دُونَ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا لَكِنْ يَحْبِسُهُ لِلْإِشْهَادِ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَمِنْ سَمَاعِ عَلِيٍّ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ السِّلَعِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنَّك لَا تَبِيعُ وَلَا تَهَبُ وَلَا تَعْتِقُ حَتَّى تُعْطِيَ الثَّمَنَ. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ إعْطَاءُ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ السَّلَمِ (وَإِلَّا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ) تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي.
" (وَإِلَّا الْمُوَاضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ) لَوْ قَالَ: " فَبِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ. ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَى الْمُوَاضَعَةِ أَنْ تُوضَعَ الْجَارِيَةُ عَلَى يَدَيْ امْرَأَةٍ عَدْلَةٍ حَتَّى تَحِيضَ، فَإِنْ حَاضَتْ تَمَّ الْبَيْعُ فِيهَا وَضَمَانُهَا مُدَّةَ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْبَائِعِ وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَمَا لَحِقَهَا مِنْ مَوْتٍ أَوْ نُقْصَانِ جِسْمٍ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ، وَلِلْمُبْتَاعِ فِي الْمَوْتِ إمْسَاكُ جَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ لَمْ يُخْرِجْهُ وَارْتِجَاعُهُ إنْ كَانَ أَخْرَجَهُ، وَلَهُ فِيمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فِي جَسَدِهَا خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْإِمْسَاكِ.
[ ٦ / ٤١٤ ]
قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابٍ مَالِكٍ: وَكَذَا مَا كَانَ فِي غَيْرِ جَسَدِهَا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ لَوْ كَانَ أَقْدَمَ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ لَرُدَّتْ بِهِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ. الْبَاجِيُّ: وَبِأَوَّلِ الدَّمِ تَخْرُجُ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهَا مِلْكُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَإِلَّا الثِّمَارَ لِلْجَائِحَةِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى نِصْفَ ثَمَرَةٍ بَعْدَمَا بَدَا صَلَاحُهَا فَلَا أَرَى بِبَيْعِهَا بَأْسًا قَبْلَ أَنْ يَجِدَّهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مُقْتَضَى الْقِيَاسِ لِأَنَّ حَظَّهُ مِنْ الثَّمَرَةِ دَاخِلٌ فِي ضَمَانِهِ بِالْعَقْدِ كَمَا يَدْخُلُ جَمِيعُهَا فِي ضَمَانِهِ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِهَا إلَّا فِي ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْجَائِحَةِ عَنْ سَنَتِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (وَبُدِّئَ الْمُشْتَرِي لِلتَّنَازُعِ) سَمِعَ أَشْهَبُ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ لَا يَدْفَعَ مَا بَاعَ مِنْهُ وَلَا يَزِنَهُ لَهُ وَلَا يَكِيلَهُ لَهُ إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ. هَذَا مُتَّفَقٌ
[ ٦ / ٤١٥ ]
عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَيُخْتَلَفُ فِي غَيْرِ هَذَا. قِيلَ: يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى دَفْعِ السِّلْعَةِ. وَقِيلَ: يُجْبَرُ الْمُبْتَاعُ أَوَّلًا عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ. وَقِيلَ: يَقُولُ الْحَاكِمُ لَهُمَا مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمَا أَنْ أَقْضِيَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَلْيَدْفَعْ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: إذَا اخْتَلَفَ الْعَاقِدَانِ فِي التَّبْدِئَةِ بِالدَّفْعِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا جَلِيًّا لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: الَّذِي يَقْوَى فِي نَفْسِي جَبْرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَدْءِ أَوْ يُقَالُ لَهُمَا أَنْتُمَا أَعْلَمُ، إمَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ أَحَدُكُمَا بِالْبَدْءِ أَوْ كُونَا عَلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ وَأَنْ يُجْبَرَ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
(وَالتَّلَفُ وَقْتَ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِيٍّ يَفْسَخُ وَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي إنْ عُيِّبَ) لَوْ قَالَ: " إنْ تَعَيَّبَ " لَكَانَ أَبْيَنَ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا " وَالْبَائِعُ وَالْأَجْنَبِيُّ يُوجِبُ الْغُرْمَ " وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: حَيْثُ قُلْنَا: إنْ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ فَتَلِفَ الْمَبِيعُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ لَهُ، وَإِتْلَافُ الْبَائِعِ وَالْأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ وَيُوجِبُ الْقِيمَةَ، وَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارُ.
(أَوْ غُيِّبَ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا؟ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ عَرْضًا يُغَابُ عَلَيْهِ فِي حِنْطَةٍ إلَى أَجَلٍ فَلَمْ تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتَّى
[ ٦ / ٤١٦ ]
أَحْرَقَهُ رَجُلٌ بِيَدِك وَلَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ كَانَ مِنْك وَانْتَقَضَ السَّلَمُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَحْلِفُ فَإِنْ نَكَلْتَ عَنْ الْيَمِينِ خُيِّرَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ بَيْنَ أَنْ يُغْرِمَك قِيمَتَهُ وَيُثْبِتَ السَّلَمَ أَوْ لَا يُغْرِمَك وَيَفْسَخَ السَّلَمَ اهـ. (أَوْ اُسْتُحِقَّ شَائِعٌ وَإِنْ قَلَّ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ عِيسَى: قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا اُسْتُحِقَّ عَبْدٌ مِنْ الرَّقِيقِ، أَوْ عَبْدَانِ أَوْ شَيْءٌ يَكُونُ مِنْ الرَّقِيقِ يَسِيرًا فِي عِدَّتِهِمْ، أَيَلْزَمُ الْمَبِيعُ إذَا كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ
[ ٦ / ٤١٧ ]
عَبِيدٍ بِأَعْيَانِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ الْيَسِيرُ سَهْمًا اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ فِي جَمِيعِ الرَّقِيقِ بَعْدَ مَنْعِ الْوَطْءِ إنْ كَانَ فِيهَا جَارِيَةٌ؟ قَالَ: سَوَاءٌ اسْتَحَقَّ فِي جَمِيعِهَا سَهْمًا أَوْ عَبِيدًا بِأَعْيَانِهِمْ إنْ كَانَ كَثِيرًا لَزِمَهُ الْبَيْعُ. وَقِيلَ لَهُ قَاسِمْ شَرِيكَك. اُنْظُرْ أَبَدًا كُلَّ شَيْءٍ يُسْتَحَقُّ وَهُوَ يُقْسَمُ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهُ يَسِيرًا لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَإِذَا كَانَ مَا لَا يَنْقَسِمُ فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ رَدَّهُ إنْ شَاءَ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. قِيلَ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ مِثْلَ الشَّجَرَةِ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ أَوْ الثَّوْبِ أَهُوَ كَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِيمَا يَنْقَسِمُ كَاسْتِحْقَاقِ الْيَسِيرِ مِنْ الْعَدَدِ لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ مَا اُسْتُحِقَّ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ هَلْ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْجَمِيعِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فَهُوَ تَفْسِيرُ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ. وَالْيَسِيرُ النِّصْفُ فَأَقَلُّ وَالْكَثِيرُ الْجُلُّ وَمَا زَادَ عَنْ النِّصْفِ. وَهَذَا فِي الْعُرُوضِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَإِنَّهُ يَرَى فِيهِ اسْتِحْقَاقَ الثُّلُثِ مِمَّا زَادَ كَثِيرًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَالدَّارُ إنْ اُسْتُحِقَّ عُشْرُهَا أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ وَكَانَتْ لَا تَنْقَسِمُ أَعْشَارًا فَلَهُ رَدُّ جَمِيعِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَنْقَسِمُ.
(وَتَلَفُ بَعْضِهِ وَاسْتِحْقَاقُهُ كَعَيْبٍ بِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: هَلَاكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ ضَمَانِهِ مُبْتَاعَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ بَائِعُهُ كَاسْتِحْقَاقِهِ يَنْقُضُ بَيْعَهُ، وَتَغَيُّرُهُ حِينَئِذٍ يُوجِبُ تَخْيِيرَ مُبْتَاعِهِ وَتَلَفُ بَعْضِهِ أَوْ اسْتِحْقَاقُهُ كَرَدِّهِ بِعَيْبٍ إنْ قَلَّ لَزِمَهُ الْبَاقِي بِمَنَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ " وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ: الْمَوْضِعُ الَّذِي لِلْبَائِعِ فِي الْعُيُوبِ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَرُدَّ فِيهِ لِلْمُبْتَاعِ حُجَّةٌ فِي
[ ٦ / ٤١٨ ]
الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ أَوْ يَمْسِكَ السَّالِمَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَيْسَ لِلْبَائِعِ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لِقِلَّتِهِ لَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي اسْتِحْقَاقِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ حُجَّةٌ لِقِلَّتِهِ وَيَلْزَمُهُ أَخْذُ السَّالِمِ بِحِصَّتِهِ، هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالْأَقَلِّ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اُسْتُحِقَّ " أَكْثَرُهُ مُخْتَارًا ابْنُ يُونُسَ.
(إلَّا الْمِثْلِيَّ) ابْنُ رُشْدٍ: الْخِلَافُ الْمَوْجُودُ فِي الطَّعَامِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ الْعُرُوضِ إذَا وُجِدَ فِي أَسْفَلِهِ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِأَوَّلِهِ يَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الطَّعَامُ كَالْكَائِنِ فِي قِيعَانِ الْأَهْرَاءِ وَالْبُيُوتِ، فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي
الثَّانِي مَا يَنْفَكُّ مِنْهُ الطَّعَامُ إلَّا أَنَّهُ يَسِيرٌ لَا خَطْبَ لَهُ، فَهَذَا إنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَمْسِكَ الْمَعِيبَ وَيُلْزِمُ الْمُشْتَرِي السَّالِمَ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَلَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَلْتَزِمَ السَّالِمَ وَيَرُدَّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا بَاعَ عَلَى أَنْ حَمَلَ بَعْضُهُ بَعْضًا
الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْخُمُسِ وَالرُّبُعِ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَمْسِكَ الْمَعِيبَ وَيُلْزِمَ الْمُشْتَرِي السَّالِمَ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَلَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ رُبُعِ الطَّعَامِ لَا يُوجِبُ لِلْمُبْتَاعِ رَدَّ الْبَاقِي، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَلْزَمَ السَّالِمَ وَيَرُدَّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ اتِّفَاقًا اهـ. وَمَضْمَنُهُ أَنَّ الْفَتْوَى فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَالَ:
الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَمْسِكَ الْمَعِيبَ وَيُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ السَّالِمَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَذْهَبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَأْخُذَ السَّالِمَ وَيَرُدَّ الْمَعِيبَ، اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَتَلِفَ بَعْضُهُ ". ابْنُ رُشْدٍ: الْقِسْمُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَمْسِكَ الْمَعِيبَ وَيُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَأْخُذَ السَّالِمَ وَيَرُدَّ الْمَعِيبَ أَيْضًا بِاتِّفَاقٍ اهـ. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْفَتْوَى فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَاحِدَةٌ (وَلَا كَلَامَ لِوَاحِدٍ فِي قَلِيلٍ لَا يَنْفَكُّ كَقَاعٍ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ كَمَا قَالَ
[ ٦ / ٤١٩ ]
(وَإِنْ انْفَكَّ فَلِلْبَائِعِ إلْزَامُ الرُّبُعِ بِحِصَّتِهِ) اُنْظُرْ مِنْ بَابِ أَوْلَى مَا دُونَ الرُّبُعِ وَهَذَا هُوَ الْقَاسِمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ (لَا أَكْثَرَ) يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَحُكْمُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ وَاحِدٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَشْهُورِ (وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا) أَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ فَصَحَّ قَوْلُهُ " مُطْلَقًا ".
(وَرَجَعَ لِلْقِيمَةِ لَا إلَى التَّسْمِيَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي صَفْقَةٍ وَسَمَّوْا لِكُلِّ ثَوْبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَأَصَابَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا، لَمْ يُنْظَرْ إلَى مَا سَمَّوْا لِكُلِّ ثَوْبٍ وَلَكِنْ يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيَمِ الثِّيَابِ، فَيُنْظَرُ هَلْ الْمَعِيبُ وَجْهُ الصَّفْقَةِ أَمْ لَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِنْ وَقَعَ لِلْمَعِيبِ نِصْفُ الثَّمَنِ فَأَقَلُّ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ وَقَعَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ فَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ.
(وَصَحَّ وَلَوْ سَكَتَا لَا إنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مِنْ ابْتَاعَ سِلَعًا كَثِيرَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً فَإِنَّمَا يَقَعُ لِكُلِّ سِلْعَةٍ مِنْهَا حِصَّتُهَا مِنْ يَوْمِ رُفِعَتْ الصَّفْقَةُ، وَمِنْ ابْتَاعَ صُبْرَةَ قَمْحٍ وَصُبْرَةَ شَعِيرٍ جُزَافًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ صُبْرَةٍ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ عَبِيدًا أَوْ ثِيَابًا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ وَثَوْبٍ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا وَكَذَا فَاسْتَحَقَّ أَحَدُ الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ أَحَدُ الْعَبِيدِ أَوْ الثِّيَابِ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقَسَّمُ عَلَى جَمِيعِ الصَّفْقَةِ، فَمَا أَصَابَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ الثَّمَنِ وُضِعَ عَنْ الْمُبْتَاعِ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا سَمَّيَا مِنْ الثَّمَنِ. وَقِيلَ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ إذَا أُطْلِقَ هَكَذَا لِأَنَّهُ كَالْمُشْتَرِطِ أَنْ لَا يَضُرَّ الثَّمَنُ وَمَا سَمَّيَا هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ اهـ مَا لِابْنِ يُونُسَ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفَرَضَهَا الْمُتَيْطِيُّ فِي الْعَبِيدِ ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمَمْلُوكُ الْفُلَانِيُّ بِكَذَا وَالْآخَرُ بِكَذَا وَحَقَّقَا ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ وَرَضِيَا فَتَنْفُذُ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ.
(وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ) ابْنُ شَاسٍ: حَيْثُ قُلْنَا: إنْ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ فَتَلِفَ الْمَبِيعُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ مِنْهُ. اللَّخْمِيِّ: مَنْ أَتْلَفَ طَعَامًا ابْتَاعَهُ عَلَى الْكَيْلِ قَبْلَ كَيْلِهِ وَعُرِفَ كَيْلُهُ فَهُوَ قَبْضٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَيْلُهُ فَالْقَدْرُ الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ كَانَ فِيهَا إنْ قِيلَ قَفِيزٌ غَرِمَ ثَمَنَهُ.
(وَإِتْلَافُ الْبَائِعِ وَالْأَجْنَبِيِّ يُوجِبُ الْغُرْمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اشْتَرَيْتَ صُبْرَةَ طَعَامٍ جُزَافًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهَا قَبْلَ
[ ٦ / ٤٢٠ ]
قَبْضِهَا وَهِيَ كَسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا ضَمَانُهَا بِالْعَقْدِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ هَلَكَتْ بِالْعَقْدِ فَهِيَ مِنْك، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَعَدِّي أَحَدٍ ابْتَعْتهَا بِقِيمَتِهَا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ كَانَ بَائِعَك أَوْ غَيْرَهُ.
(وَإِنْ أَهْلَكَ بَائِعٌ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ فَالْمِثْلُ تَحَرِّيًا لِيُوفِيَهُ وَلَا خِيَارَ لَك أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ إنْ جُهِلَتْ الْمَكِيلَةُ ثُمَّ اشْتَرَى لِلْبَائِعِ مَا يُوفِي فَإِنْ فَضَلَ فَلِلْبَائِعِ وَإِنْ نَقَصَ فَكَالِاسْتِحْقَاقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ ابْتَعْت صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ كُلَّ قَفِيزٍ بِكَذَا فَهَلَكَتْ قَبْلَ الْكَيْلِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ، كَانَتْ مِنْ الْبَائِعِ وَانْتَقَضَ الْبَيْعُ، وَإِنْ هَلَكَتْ بِتَعَدِّي الْبَائِعِ أَوْ أَفَاتَهَا بِبَيْعٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا تَحَرِّيًا يُوفِيكهَا عَلَى الْكَيْلِ، وَلَا خِيَارَ لَك فِي أَخْذِ ثَمَنِك أَوْ الطَّعَامِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهَا أَجْنَبِيٌّ غَرِمَ مَكِيلَتَهَا إنْ عَرَفَ وَقَبَضْتَهُ عَلَى مَا اشْتَرَيْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْلَهَا أَغْرَمْنَا لِلْبَائِعِ قِيمَتَهَا عَيْنًا ثُمَّ ابْتَعْنَا بِالْقِيمَةِ طَعَامًا مِثْلَهُ فَأَوْفَيْنَاك عَلَى الْكَيْلِ، وَلَيْسَ بِبَيْعٍ مِنْك لِطَعَامٍ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ التَّعَدِّي عَلَى الْبَائِعِ وَقَعَ، وَأَمَّا التَّعَدِّي بَعْدَ الْكَيْلِ فَمِنْك. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَإِذَا غَرِمَ الْأَجْنَبِيُّ قِيمَةَ تِلْكَ الصُّبْرَةِ فَاشْتَرَى مِثْلَهَا وَفَضَلَتْ مِنْ الْقِيمَةِ فَضْلَةٌ لِرُخْصٍ حَدَثَ، فَإِنَّ الْفَضْلَةَ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ أُغْرِمَتْ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَعَدِّي لَوْ أُعْدِمَ أَوْ ذَهَبَ فَلَمْ يُوجَدْ كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْبَائِعِ، فَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ التَّوَى كَانَ لَهُ النَّمَاءُ وَالْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَ نِصْفَ صُبْرَتِهِ الَّتِي اشْتَرَى لَمْ يُظْلَمْ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِالْقِيمَةِ إلَّا أَقَلُّ مِنْ الصُّبْرَةِ الْأُولَى كَانَ مَا نَقَصَ كَالِاسْتِحْقَاقِ فَيُرَاعَى إنْ كَانَ كَثِيرًا، فَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا سَقَطَ عَنْهُ مَا يَخُصُّ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْكِتَابِ أَنَّ الْبَائِعَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ لَهُ
[ ٦ / ٤٢١ ]
أَغْرَمْت.
(وَجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ) الْبَاجِيُّ: مَا اشْتَرَيْت مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَلَا تَبِعْهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَإِنَّهُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ جُزَافًا. وَمِنْ الْمُوَطَّأِ: مَنْ أَسْلَفَ فِي غَيْرِ طَعَامٍ فَلَهُ بَيْعُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ بِمَا شَاءَ، لَا تُرَاعِ رَأْسَ الْمَالِ إذْ لَا يُرَاعَى فِي الْبَيْعِ مِنْ زَيْدٍ مَا اُبْتِيعَ مِنْ عَمْرٍو، وَلِذَلِكَ بَيْعُهُ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ بِعَرَضٍ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَرَضُ مِمَّا يُسْلَمُ عَلَيْهِ رَأْسُ الْمَالِ وَيَكُونُ الدَّيْنُ قَدْ حَلَّ أَوْ بَقِيَ لِحُلُولِهِ مِثْلُ أَجَلِ السَّلَمِ عَدَا ابْنَ زَرْقُونٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا ابْتَعْتَهُ أَوْ أَسْلَمْتَ فِيهِ عَدَا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مِنْ سَائِرِ الْعُرُوضِ عَلَى عَدٍّ أَوْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَجَائِزٌ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَبْلَ أَجَلِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِك بِمِثْلِ رَأْسِ مَالِكِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ بِمَا شِئْت مِنْ الْأَثْمَانِ إلَّا أَنْ تَبِيعَهُ بِمِثْلِ صِنْفِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، يُرِيدُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَأَمَّا مِثْلُ عَدَدِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ كَيْلِهِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: إنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُبْتَاعِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْبَائِعِ جَازَ وَهُوَ قَرْضٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَجَائِزٌ بَيْعُ ذَلِكَ السَّلَمِ مِنْ بَائِعِك بِمِثْلِ الثَّمَنِ فَأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ، حَلَّ الْأَجَلُ أَمْ لَا، لِأَنَّ سَلَمَك صَارَ لَغْوًا فَهَذَا سَلَفٌ جَرّ نَفْعًا (إلَّا مُطْلَقَ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ طَعَامٍ ابْتَعْتَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ لَا يُدَّخَرُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَهُ مِنْ بَائِعِك أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ إلَّا أَنْ تَقِيلَ مِنْهُ أَوْ تُشْرِكَ فِيهِ أَوْ تُوَلِّيَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ عَدَا الْمَاءَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَا أَكْرَيْتَ بِهِ أَوْ صَالَحْت مِنْ دَمٍ عَمْدًا وَخَالَعْتَ بِهِ مِنْ طَعَامٍ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونٍ عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ كَالرِّبَوِيِّ (وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ) مِنْ الْوَاضِحَةِ: كُلُّ مَا ارْتَزَقَهُ الْقُضَاةُ وَالْكُتَّابُ وَالْمُؤَذِّنُونَ وَصَاحِبُ السُّوقِ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يُبَاعُ حَتَّى يُسْتَوْفَى، فَأَمَّا مَا كَانَ صِلَةً أَوْ عَطِيَّةً يُرِيدُ أَوْ هِبَةً أَوْ مِيرَاثًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: أَوْ مِثْلَ مَا فَرَضَ عُمَرُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ الْأَرْزَاقِ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ هَذَا كُلِّهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (أَوْ أُخِذَ بِكَيْلِ) ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا النَّهْيُ فِيمَا يُسْتَوْفَى بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ دُونَ الْجُزَافِ إذْ الْجُزَافُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ دَاخِلٌ فِي ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ اهـ.
اُنْظُرْ مَنْ اسْتَهْلَكَ لِإِنْسَانٍ مَكِيلَةَ طَعَامٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يُغَرِّمَهُ ثَمَنَهُ؟ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَأَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ. وَانْظُرْ أَيْضًا مَا
[ ٦ / ٤٢٢ ]
وَجَبَ مِنْ الطَّعَامِ لِلْمَرْأَةِ فِي نَفَقَتِهَا، الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ فِيهِ ثَمَنًا وَذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى أَوْلَادِهَا، اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَيَجُوزُ إعْطَاءُ الثَّمَنِ عَمَّا لَزِمَهُ ".
(وَكَلَبَنِ شَاةٍ) لَوْ قَالَ: " شِيَاهٍ " لَكَانَ أَصْوَبَ. التُّونِسِيُّ: اُخْتُلِفَ فِيمَا بِيعَ مِنْ الطَّعَامِ جُزَافًا مِمَّا لَا يَضْمَنُهُ مُشْتَرِيهِ بِالْعَقْدِ كَلَبَنِ الْغَنَمِ إذَا اُشْتُرِيَ شَهْرًا أَوْ بِيَعِ ثِمَارٍ غَائِبَةٍ عَلَى الصِّفَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ لِمُشْتَرِيهِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِ بَائِعِهِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الْمَكِيلَ اهـ. اُنْظُرْ مَنْ اسْتَثْنَى كَيْلًا مِنْ ثَمَرِ جِنَانِهِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى إجَازَتِهِ (وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا كَوَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ) ابْنُ شَاسٍ: حَيْثُ شَرَطْنَا الْقَبْضَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ إلَّا مَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَالْأَبِ فِي وَلَدَيْهِ وَالْوَصِيِّ فِي يَتِيمِهِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَدِيعَةً وَشِبْهَهَا فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَالِكِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ عَنْ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَبْضَ السَّابِقَ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا تَامًّا، لِأَنَّ رَبَّ الطَّعَامِ لَوْ أَرَادَ إزَالَتَهُ مِنْ يَدِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَبْضُ قَوِيًّا كَالْوَلَدِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ طَعَامَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ كَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْضًا ثَانِيًا حِسِّيًّا، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ فِي يَتِيمِهِ وَالْأَبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَقْرَبُ مَنْعُ هَذَا. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ ظَاهِرُ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ (وَجَازَ بِالْعَقْدِ جُزَافًا) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ أَخَذَ بِكَيْلٍ " (وَصَدَقَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْوَاضِحَةِ: مَا كَانَ صِلَةً أَوْ عَطِيَّةً أَنَّهُ يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَانْظُرْ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا عِنْدَ الْمُتَصَدِّقِ أَمْ لَا فَرْقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا عِنْدَهُ فَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ لَا فَرْقٌ. اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ السَّلَمِ. وَمِثْلُ الصَّدَقَةِ الْإِرْثُ وَالسَّلَفُ يَتَنَزَّلُ الْوَارِثُ مَنْزِلَةَ الْمَوْرُوثِ.
(وَبَيْعٌ عَلَى مُكَاتَبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَاتَبْت عَبْدَك بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ إلَى أَجَلٍ جَازَ أَنْ تَبِيعَهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ خَاصَّةً قَبْلَ الْأَجَلِ بِعَرْضٍ أَوْ بِعَيْنٍ وَإِنْ لَمْ تَتَعَجَّلْهُ، وَلَا تَبِعْ ذَلِكَ الطَّعَامَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ حَتَّى تَقْبِضَهُ (وَهَلْ إنْ عَجَّلَ الْعِتْقَ؟ تَأْوِيلَانِ) سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَ مِنْ الْمُكَاتَبِ نَجْمًا مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَهُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ حَقَّهُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَانْظُرْ هُنَا أَيْضًا مَنْعَ الذِّمِّيِّ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مُسْلِمٌ. وَهَلْ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُعَلَّلٌ أَوْ تَعَبُّدٌ؟ وَهَلْ تَجُوزُ فِيهِ الْمُوَاعَدَةُ وَالتَّعْرِيضُ وَهَلْ تَضُرُّ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ؟ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَك عَلَيْهِ طَعَامُ سَلَمٍ لَا تَقُلْ لَهُ بِعْهُ وَجِئْنِي بِالثَّمَنِ. وَانْظُرْ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَقَالَ لَهُ: اشْتَرِ بِهِ مِثْلَ مَا لَك عَلَيَّ مِنْ الطَّعَامِ.
(وَإِقْرَاضُهُ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَجُوزُ قَرْضُ مَا بِيعَ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَعِبَارَةُ اللَّخْمِيِّ: يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ سَلَمٌ أَنْ يُقْرِضَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا قَبَضَ الْمُقْرَضُ هَذَا الطَّعَامَ لَمْ يَجُزْ لِلَّذِي أَقْرَضَهُ لَهُ
[ ٦ / ٤٢٣ ]
أَنْ يَبِيعَهُ لَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَا لِغَيْرٍ. حَتَّى يَقْبِضَهُ اهـ. وَنَصَّ عَلَى هَذَا فِي رَسْمِ بَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى قَالَ: بِخِلَافِ إذَا قَبَضَهُ وَكِيلُهُ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ مَا قَبَضَهُ الْمُسْتَسْلِفُ فَلَمْ يَدْخُلْهُ بَعْدُ فِي ضَمَانِ الْمُسْلِفِ، فَإِنْ بَاعَهُ فَهُوَ بَيْعُ طَعَامِ سَلَمٍ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَوَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: جَازَ لَهُ إقْرَاضُهُ أَوْ وَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ، وَأَمَّا عَكْسُ هَذَا فَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُحِيلَ بِطَعَامٍ عَلَيْك مِنْ بَيْعٍ عَلَى طَعَامٍ لَك مِنْ قَرْضٍ قَالَ: وَلَكِنْ لَا يَبِيعُهُ هُوَ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ.
(وَبَيْعُهُ لِمُقْتَرِضٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مَنْ اقْتَرَضَ طَعَامًا جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا الْبَيْعَ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُقْرِضِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْ الْمُقْرِضِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الثَّمَنُ الَّذِي يُعْطِي الْمُقْرِضُ إنَّمَا هُوَ ثَمَنٌ عَلَى مَا يَقْبِضُ مِنْ الْمُقْتَرِضِ فَيُرَاعَى أَجَلُ السَّلَمِ، وَالطَّعَامُ بِالطَّعَامِ.
(وَإِقَالَةٌ مِنْ الْجَمِيعِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِقَالَةُ تَرْكُ الْمَبِيعِ لِبَائِعِهِ بِثَمَنِهِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَهِيَ رُخْصَةٌ وَعَزِيمَةٌ. الْأَوْلَى فِيمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا تَجُوزُ
[ ٦ / ٤٢٤ ]
الْإِقَالَةُ مِنْ الْبَعْضِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَأَقَالَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ أَوْ قَبْلَهُ مِنْ بَعْضٍ وَأَخَذَ بَعْضًا، لَمْ يَجُزْ، وَدَخَلَهُ فِضَّةٌ نَقْدًا بِفِضَّةٍ وَعَرْضٌ إلَى أَجَلٍ وَبَيْعٌ وَسَلَفٌ مَعَ مَا فِي الطَّعَامِ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَسْلَمْت إلَى أَجَلٍ ثِيَابًا فِي طَعَامٍ فَأَقَلْته مِنْ نَفْسِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْك نِصْفَ ثِيَابِك الَّتِي دَفَعْتَ إلَيْهِ بِعَيْنِهَا وَقَدْ حَالَ سُوقُهَا أَمْ لَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
(وَإِنْ تَغَيَّرَ سُوقُ شَيْئِك لَا بَدَنُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَجَازَ مَالِكٌ لِمَنْ أَسْلَمَ دَابَّةً فِي طَعَامٍ أَنْ يُقِيلَ مِنْهُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَيَأْخُذَهَا وَالدَّوَابُّ تَحُولُ أَسْوَاقُهَا فِي شَهْرَيْنِ، فَلَا يُفِيتُ الْإِقَالَةُ حَوَالَةَ سُوقِ رَأْسِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَحُولَ رَأْسُ الْمَالِ فِي عَيْنِهِ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ بَيْنَ عَوَرٍ أَوْ عَيْبٍ، فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ الطَّعَامِ كُلِّهِ وَلَا مِنْ بَعْضِهِ. وَالنَّمَاءُ بِمَنْزِلَةِ الصَّغِيرِ يَكْبَرُ وَذَهَابِ بَيَاضِ الْعَيْنِ وَزَوَالِ صَمَمٍ بِهِ فَهَذِهِ تُفِيتُهُ الْإِقَالَةُ (كَسِمَنِ دَابَّةِ وَهُزَالِهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ جَارِيَةً فَتَغَيَّرَتْ فِي
[ ٦ / ٤٢٥ ]
بَدَنِهَا بِهُزَالٍ أَوْ سِمَنٍ لَمْ تَفُتْ الْإِقَالَةُ، وَلَوْ كَانَتْ دَابَّةً كَانَ السِّمَنُ وَالْهُزَالُ مُفِيتًا لِلْإِقَالَةِ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تُشْتَرَى لِشَحْمِهَا وَالرَّقِيقُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
وَقَالَ يَحْيَى: ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ وَالدَّابَّةِ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
(وَمِثْلُ مِثْلِيِّك إلَّا الْعَيْنَ فَلَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرْضًا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ أَوْ طَعَامًا أَسْلَمَهُ فِي عَرْضٍ فَأَقَالَك لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُبَاعُ لِعَيْنِهِ وَالدَّرَاهِمُ لَا تُبَاعُ لِعَيْنِهَا، فَإِنْ أَسْلَمْت إلَيْهِ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ أَقَالَك بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَدَرَاهِمُك بِيَدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَك غَيْرَهَا مِثْلَهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَ، شَرَطْتَ اسْتِرْجَاعَهَا بِعَيْنِهَا أَمْ لَا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ لَمَّا قَبَضَهَا صَارَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا أَعْطَاك مِثْلَهَا لَمْ يَظْلِمْك، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ النَّاجِزِ. ابْنُ يُونُسَ: وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَجَعَ عَنْ هَذَا وَهُوَ أَحْسَنُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكُلُّ مَا ابْتَعْته مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ فَقَبَضْتَهُ فَأَتْلَفْته فَجَائِزٌ أَنْ تُقِيلَ مِنْهُ وَتَرُدَّ مِثْلَهُ بَعْدَ عِلْمِ الْبَائِعِ بِهَلَاكِهِ وَبَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ حَاضِرًا عِنْدَك وَتَدْفَعَهُ إلَيْهِ بِمَوْضِعٍ قَبَضْتَهُ وَإِنْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَصَبْتَهُ فَأَتْلَفْتَهُ فَإِنَّمَا عَلَيْك مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ وَإِنْ حَالَ سُوقُهُ، وَتَدْفَعُهُ إلَيْهِ بِمَوْضِعٍ غَصَبْته مِنْهُ. ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَقَلَهُ إلَيْهِ قَرِيبًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بَعِيدًا صَارَتْ إقَالَةً عَلَى تَأْخِيرٍ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
(وَالْإِقَالَةُ بَيْعٌ إلَّا فِي الطَّعَامِ وَالشُّفْعَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْإِقَالَةُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ حَادِثٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الشُّفْعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ صَارَفْتَ رَجُلًا ثُمَّ لَقِيتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقَلْته وَدَفَعْتَ إلَيْهِ دَنَانِيرَهُ وَفَارَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَ دَرَاهِمَك لَمْ يَجُزْ، وَالْإِقَالَةُ هَاهُنَا بَيْعٌ حَادِثٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْإِقَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ فِي الطَّعَامِ مُسْتَخْرَجَةٌ بِرُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا أَخْرَجَ بَيْعَ الْعَرِيَّةِ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَالْحَوْلَةُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
(وَالْمُرَابَحَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِقَالَةُ فِي الْمُرَابَحَةِ بَيْعٌ وَإِنَّمَا وَجَبَ
[ ٦ / ٤٢٦ ]
التَّبْيِينُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ يَكْرَهُ ذَلِكَ (وَتَوْلِيَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: التَّوْلِيَةُ تَصْيِيرُ مُشْتَرٍ مَا اشْتَرَاهُ لِغَيْرِ بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ، وَهِيَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ جُزَافٍ قَبْلَ كَيْلِهِ رُخْصَةٌ لِلْحَدِيثِ وَشَرْطُهَا كَوْنُ الثَّمَنِ عَيْنًا. ابْنُ حَبِيبٍ: فَمَا ثَمَنُهُ إجَارَةٌ أَوْ كِرَاءٌ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ. اُنْظُرْ إذَا اشْتَرَى مَكِيلَ طَعَامٍ بِدِينَارٍ فَوَلَّى بَعْضَهُ. اُنْظُرْ رَسْمَ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى (وَشَرِكَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّرِكَةُ هُنَا جَعْلُ مُشْتَرٍ قَدْرَ الْغَيْرِ بَائِعَهُ بِاخْتِيَارِهِ مِمَّا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِمَنَابِهِ مِنْ ثَمَنِهِ، هُوَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ جُزَافٍ قَبْلَ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ رُخْصَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إذَا انْتَقَدَ الثَّمَنَ مِمَّنْ يُشْرِكُهُ أَوْ يُقِيلُهُ أَوْ يُوَلِّيهِ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَأُجْرَةُ الْكَيْلِ فِي طَعَامٍ أَشْرَكَ فِيهِ أَوْ وَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ اكْتَالَهُ لَهُ الْبَائِعُ مِنْهُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَهُ أَوْ وَلَّاهُ كَالْبَيْعِ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْعُهْدَةَ بِخِلَافِ طَعَامٍ اسْتَقْرَضَهُ هَذَا كَيْلُهُ عَلَى مُسْتَقْرِضِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ: قَوْلُهُ: " إذَا هَلَكَ الطَّعَامُ الْمُشْتَرَكُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ أَنَّ مُصِيبَتَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَهُ أَنْ يَكِيلَهُ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ ضَامِنًا لَهُ حَتَّى يَكِيلَهُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ
[ ٦ / ٤٢٧ ]
مَعْرُوفٌ فَأَشْبَهَ الْقَرْضَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ وَالْقَرْضَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكْتَلْ ذَلِكَ مُشْتَرِيهِ وَلَا يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَعْرُوفٌ.
(إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عِنْدَك) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ جَمِيعِ الطَّعَامِ وَالْعُرُوضِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تُشْرِكَ فِيهِ رَجُلًا قَبْلَ
[ ٦ / ٤٢٨ ]
قَبْضِك لَهُ أَوْ بَعْدُ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عَنْك لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ مِنْهُ لَكَ (وَاسْتَوَى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ نَقْدًا فَنَقَدَ ثَمَنَهُ وَلَمْ يَكْتَلْهُ حَتَّى أَقَالَ مِنْهُ أَوْ أَشْرَكَ فِيهِ أَوْ وَلَّاهُ رَجُلًا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصْلُحْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا مُؤْتَنَفًا، وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِي ذَلِكَ إذَا انْتَقَدَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِثْلَ مَا نَقَدَ فَيَحِلُّوا فِي الطَّعَامِ مَحِلَّهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أُحِيلَ عَنْ مَوْضِعِ رُخْصَتِهِ لَمْ يَصْلُحْ. قَالَ: وَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا كَيْلًا بِثَمَنِهِ إلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَكْتَلْهُ حَتَّى وَلَّاهُ رَجُلًا أَوْ أَشْرَكَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَقِدُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ تَعَجَّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَشْرَكَهُ أَوْ وَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ اكْتَالَهُ وَقَبَضَهُ وَشَرَطَ تَعْجِيلَ الثَّمَنِ جَازَ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنَقْدٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى أَشْرَكَ فِيهَا رَجُلًا أَوْ وَلَّاهُ إيَّاهَا وَقَدْ نَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَهَلَاكُهَا مِنْهُمَا. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا وَاكْتَالَهُ فِي سَفِينَةٍ ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهَا رَجُلًا ثُمَّ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ وَذَهَبَ الطَّعَامُ قَبْلَ أَنْ يُقَاسِمَهُ: فَهَلَاكُهُ مِنْهُمَا وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَشْرَكْتَهُ فَضَمَانُهُ مِنْكُمَا وَإِنْ لَمْ يَكْتَلْهُ. قَالَ سَحْنُونَ: يُرِيدُ، وَقَدْ اكْتَلْتَهُ أَنْتَ قَبْلَ شَرِكَتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِلَّا كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ مِنْكَ (وَإِلَّا فَبَيْعٌ كَغَيْرِهِ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ لَمْ يَسْتَوِ عَقْدُ الْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ فِي الْمِقْدَارِ وَالْأَجَلِ وَغَيْرِهِمَا فَبَيْعٌ كَغَيْرِهِ، وَهَذِهِ هِيَ عِبَارَةُ الْمُوَطَّأِ فِي تَرْجَمَةِ مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي الْمُعَيَّنَ. اُنْظُرْ ذِكْرَ هَذَا الْفَرْعِ هُنَا وَمَا مَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَبِيعَ الْمُعَيَّنَ إنْ كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، ضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، ضَمَانُهُ مِنْ مُبْتَاعِهِ بِعَقْدِهِ.
(وَطَعَامًا كِلْتَهُ وَصَدَّقَك) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي مُدَّيْ حِنْطَةٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قُلْت لَهُ كِلْهُ لِي فِي غَرَائِرِك أَوْ فِي نَاحِيَةِ بَيْتِك أَوْ فِي غَرَائِرَ دَفَعَهَا لَهُ، فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ كِلْتُهُ وَضَاعَ عِنْدَك قَالَ مَالِكٌ: مَا يُعْجِبُنِي هَذَا، يُرِيدُ مَالِكٌ وَلَا يَبِيعُهُ بِذَلِكَ الْقَبْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَاهُ ضَامِنًا لِلطَّعَامِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى كَيْلِهِ أَوْ تُصَدِّقَهُ أَنْتَ فِي الْكَيْلِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الضَّيَاعِ لِأَنَّهُ لَمَّا اكْتَالَهُ صِرْت أَنْتَ قَابِضًا لَهُ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى كَيْلِهِ جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ بِذَلِكَ الْقَبْضِ، وَأَمَّا إنْ صَدَّقَهُ عَلَى كَيْلِهِ فَلَا يَبِعْهُ بِذَلِكَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِيهِ فَيَحْتَاطُ فِي بَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ الضَّمَانُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ. خَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى مَسْأَلَةِ الْغَرَائِرِ الْأَجِيرَ يَقُولُ لِمُؤَجِّرِهِ اشْتَرِ لِي بِمَالِي قِبَلَك ثَوْبًا، كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فَإِنْ وَقَعَ فَهَلْ يُصَدَّقُ وَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَتَلِفَ؟ قَالَ:
[ ٦ / ٤٢٩ ]
يَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْغَرَائِرِ. اُنْظُرْ رَسْمَ سَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ السَّلَمِ.
(وَإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إنْ أُطْلِقَ عَلَى النِّصْفِ وَإِنْ سَأَلَ ثَالِثٌ شَرِكَتَهُمَا فَلَهُ الثُّلُثُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا ابْتَاعَ رَجُلَانِ عَبْدًا فَسَأَلَهُمَا رَجُلٌ أَنْ يُشْرِكَاهُ فِيهِ فَفَعَلَا فَالْعَبْدُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. اللَّخْمِيِّ: لِأَنَّهُمَا أَرَادَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَأَحَدِهِمَا فَجَعَلَا لَهُ الثُّلُثَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَصْدُ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي وَاحِدًا كَانَ لَهُ النِّصْفُ عَلَى قَوْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ كَانَ أَنْصِبَاءُ الْأَوَّلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَكَانَ لِلْمُشْرَكِ نِصْفُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ وَلَّيْتَ مَا اشْتَرَيْتَ بِمَا اشْتَرَيْتَ جَازَ إنْ لَمْ تُلْزِمْهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ وَإِنْ رَضِيَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فَكَرِهَ فَذَلِكَ لَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اشْتَرَيْتَ سِلْعَةً ثُمَّ وَلَّيْتهَا الرَّجُلَ وَلَمْ تُسَمِّهَا لَهُ وَلَا ثَمَنَهَا أَوْ سَمَّيْت لَهُ أَحَدَهُمَا، فَإِنْ كُنْت قَدْ أَلْزَمْتَهَا إيَّاهُ إلْزَامًا؛ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ وَقِمَارٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ، جَازَ وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهَا وَعَلِمَ الثَّمَنَ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدٌ وَرَضِيَ ثُمَّ سَمَّيْتَ لَهُ الثَّمَنَ فَلَمْ يَرْضَ، فَذَلِكَ لَهُ، وَهَذَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَعْرُوفِ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى حَتَّى يَرْضَى بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَعِلْمِ الثَّمَنِ، كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا وَعَلَيْهِ مِثْلُ صِفَةِ الْعَرْضِ بِعَيْنِهِ أَوْ الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَالْمِثْلُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا إنْ بِعْت مِنْهُ عَبْدًا فِي بَيْتِك بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَمْ تَصِفْهُ وَلَا رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ تَجْعَلْهُ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَ إلَيْهِ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَلَا يَكُونُ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْمُكَايَسَةِ، وَلَوْ كُنْتَ جَعَلْته فِيهِ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَهُ جَازَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَايَسَةِ.
(وَالْأَضْيَقُ صَرْفٌ ثُمَّ إقَالَةُ طَعَامٍ ثُمَّ تَوْلِيَةٌ وَشَرِكَةٌ فِيهِ ثُمَّ إقَالَةُ عُرُوضٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدِّينِ ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ ثُمَّ ابْتِدَاؤُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: أَضْيَقُ مَا تَجِبُ فِيهِ
[ ٦ / ٤٣٠ ]
الْمُنَاجَزَةُ الصَّرْفُ، ثُمَّ الْإِقَالَةُ مِنْ الطَّعَامِ وَالتَّوْلِيَةُ فِيهِ، ثُمَّ الْإِقَالَةُ مِنْ الْعُرُوضِ، وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدِّينِ ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ شَيْئًا مُعَيَّنًا عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا فَأَقَالَهُ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَهُ إلَّا إلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ. وَيَخْتَلِفُ فِي الْعُرُوضِ فَيُمْنَعُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَدْخُلُ عِنْدَهُ فِيهِ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَهُوَ أَحْسَنُ. وَاخْتُلِفَ فِي التَّأْخِيرِ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ، فَمَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَجَازَ مُحَمَّدٌ تَأْخِيرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَهُوَ أَصْوَبُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِ الدَّيْنِ وَعَقْدِ الدَّيْنِ وَهُوَ السَّلَمُ وَفِي الصُّلْحِ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَهُ إذَا أَخَذَ طَعَامًا عَلَى دَنَانِيرَ أَنْ يَتَأَخَّرَ كَيْلُهُ إلَى غَدٍ.
[فَصْلٌ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ]
(وَجَازَ مُرَابَحَةً) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ جَوَازُ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ. وَمَالَ الْمَازِرِيُّ لِمَنْعِهِ إنْ افْتَرَقَتْ جُمْلَةُ أَجْزَاءِ الرِّبْحِ لِفِكْرَةٍ حِسَابِيَّةٍ (وَالْأَحَبُّ خِلَافُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الْبَيْعُ عَلَى الْمُكَايَسَةِ وَالْمُمَاكَسَةِ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَحْسَنُ عِنْدَهُمْ اهـ. وَانْظُرْ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَهَلْ إلَّا أَنْ يَسْتَسْلِمَ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجُزَافٍ إنْ رُئِيَ " كَانَ بَيْعُ مَا لَمْ يُسَعَّرْ عَلَيْهِمْ كَالتُّجَّارِ بِنَحْوِ الْقَيْسَارِيَّةِ وَالسَّقَّاطِينَ مُكَايَسَةً مُخَادَعَةً
فَتَحَ بَعْضُ طُلَّابِ الْعِلْمِ حَانُوتًا بِالسَّقَّاطِينَ وَطَلَبَ ثَلَاثِينَ مِثْقَالًا فِي حَاجَةٍ وَرُئِيَ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَقُومَ بِشُرُوطِ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، ثُمَّ أَبْرَمَ الْبَيْعَ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِثْقَالًا وَكَانَتْ تِلْكَ الْحَاجَةُ بِيعَتْ مُزَايَدَةً بِنَحْوِ اثْنَيْ عَشَرَ مِثْقَالًا فَشَعَرَ بِذَلِكَ الْأَمِينُ فَرَفَعَهُ إلَيَّ فَقُلْت: هَذَا مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ. وَالْحَقُّ أَنْ يُبَيِّنَ التَّاجِرُ الْقَدْرَ الَّذِي يُذْكَرُ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ " أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَكِيلًا فَأَخَذَ مِنْهُ قَدْرًا جَهِلَهُ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ الْبَاقِي جُزَافًا حَتَّى يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي كَانَ كَيْلُهُ كَذَا وَأَخَذْتُ مِنْهُ نَحْوَ كَذَا وَنَسِيتُ. وَعِبَارَةُ ابْنِ سَهْلٍ: وَأَخَذَ نَوَالَهُ الْمُرَادُ فِي الْمُرَابَحَةِ اسْتِوَاءً عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
(وَلَوْ عَلَى مُقَدَّمٍ وَهَلْ
[ ٦ / ٤٣٢ ]
مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ ابْتَاعَ بِمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَلَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْمُرَابَحَةِ، وَيَضْرِبُ الرِّبْحَ عَلَى مَا أَحَبَّ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَدَ إذَا وَصَفَ ذَلِكَ، يُرِيدُ إذَا كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي عَقَدَ بِهِ الْبَيْعَ جُزَافًا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَكِيلًا بِنَقْدِ غَيْرِهِ دَخَلَهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ نَقَدَ فِي الْعَيْنِ ثِيَابًا جَازَ أَنْ يَرْبَحَ عَلَيْهَا إذَا وَصَفَهَا لَا عَلَى قِيمَتِهَا كَمَا أَجَزْنَا لِمَنْ ابْتَاعَ بِطَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً عَلَيْهَا إذَا وَصَفَهَا. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا الْبَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَلَا إرَادَةَ أَنْ لَا تَرَى أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا فِي الشِّقْصِ الْمَبِيعِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَإِلَّا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ كَبَيْعٍ ثَانٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك إذَا لَمْ يَقْصِدْ إلَيْهِ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَابَحَةِ وَقَالَهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمِثْلُ قَائِمٌ عِنْدَهُ.
(وَحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَصَبْغٍ) ابْنُ رُشْدٍ: بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْوَاحِدُ أَنْ يُبَايِعَهُ عَلَى أَنْ يُرْبِحَهُ لِلدِّرْهَمِ دِرْهَمًا وَلِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَا وَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، فَهَذَا مَا كَانَ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ مِمَّا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالصَّبْغِ وَالْكَمْدِ وَالْفَتْلِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ يُحْسَبُ وَيُحْسَبُ لَهُ الرِّبْحُ.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُبْتَاعِ فَلَا يُحْسَبُ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ كَنَفَقَةِ وَكِرَاءِ رُكُوبِهِ وَكِرَاءِ بَيْتِهِ، وَإِنْ خَزَّنَ الْمَتَاعَ فِيهِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ أَنْ يُخَزِّنَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ فِي بَيْتِ سُكْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْمُبْتَاعِ وَهُوَ مِمَّا يَتَوَلَّاهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ غَالِبًا كَشِرَاءِ الْمَتَاعِ وَشَدِّهِ وَطَيِّهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَاسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ يَقُولُ لَهُ لَا يَلْزَمُنِي ذَلِكَ لِأَنَّك إنَّمَا اسْتَأْجَرْت مَنْ يَنُوبُ عَنْك فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِك فَلَا يَجِبُ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمُبْتَاعِ مِمَّا لَا يَتَوَلَّاهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ كُلَّ الْمَتَاعِ وَنَفَقَةَ الرَّقِيقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَى مِنْ الْمَتَاعِ لَا مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَسِمْسَارٍ تَجْرِي الْعَادَةُ بِذَلِكَ، أَوْ اكْتَرَى مَنْزِلًا لِيُخَزِّنَ فِيهِ الْمَتَاعَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ أَنْ
[ ٦ / ٤٣٣ ]
يُحْسَبَ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ. وَهَذَا إذَا بَيَّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا فَقَالَ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ السِّلْعَةَ كُلَّهَا بِكَذَا وَصَبَغْتُهَا بِكَذَا وَأُكْرِيَتْ عَلَيْهَا بِكَذَا وَأَعْطَيْت عَلَيْهَا لِلسِّمْسَارِ كَذَا فَأَبِيعُكهَا بِرِبْحٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا وَيَنْظُرُ إلَى مَا سَمَّى مِمَّا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فَيُحْسَبُ وَيُحْسَبُ لَهُ الرِّبْحُ وَمَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمَتَاعِ، وَلَا يَتَوَلَّاهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ إنْ كَانَ يَتَوَلَّاهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ أَوْ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَتَاعِ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ رَأْسًا، وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ أَنْ يُرْبِحَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ أَنْ يُسَمِّيَهُ وَيُبَيِّنَهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ قَالَ: قَامَتْ عَلَيَّ هَذِهِ السِّلْعَةُ بِكَذَا وَكَذَا وَأَبِيعُكهَا بِرِبْحٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، فَالْعَقْدُ عَلَى هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدْرِي كَمْ رَأْسُ الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ لَهُ الرِّبْحُ وَكَمْ أُضِيفَ إلَيْهِ مِمَّا يُحْسَبُ وَلَا يَحْسُبُهُ لَهُ رِبْحٌ وَمِمَّا لَا يُحْسَبُ رَأْسًا وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ، وَهَذَا جَهْلٌ بَيِّنٌ فِي الثَّمَنِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِمَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ الْمُرَابَحَةِ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ بِرِبْحٍ مُسَمًّى عَلَى جُمْلَةِ الثَّمَنِ، فَإِنْ سَمَّى أَيْضًا مَا اشْتَرَاهَا بِهِ وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِيمَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ وَفِيمَا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ مِمَّا يُحْسَبُ أَوْ لَا يُحْسَبُ، جَازَ الْبَيْعُ وَطُرِحَ عَنْ الْمُبْتَاعِ مَا لَا يُحْسَبُ رَأْسًا كَنَفَقَتِهِ وَكِرَاءِ بَيْتِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَحْسِبَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ قَامَتْ عَلَيَّ هَذِهِ السِّلْعَةُ بِكَذَا وَكَذَا عَلَى مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ جَهِلَ بِالثَّمَنِ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ. وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا فِيمَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالصَّبْغِ وَالْكَمْدِ وَالْفَتْلِ أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولَ اشْتَرَيْت بِكَذَا وَصَبَغْت بِكَذَا وَكَذَا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بَاعَ بِرِبْحٍ مُسَمًّى عَلَى جُمْلَةِ الثَّمَنِ أَنَّ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ شِرَاءُ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِعَشَرَةٍ وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ. وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونِسِيُّ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ كَسِلْعَتَيْنِ بَاعَهُمَا مُرَابَحَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهُمَا فِي صَفْقَتَيْنِ (وَطَرْزٍ وَقَصْرٍ وَخِيَاطَةٍ وَكَمْدٍ وَفَتْلٍ وَتَطْرِيَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْكَمْدَ وَالْفَتْلَ كَالصَّبْغِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ: ثَمَنُ مَا زِيدَ فِي الثَّمَنِ وَلَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ مِثْلُ الثَّمَنِ فِيهَا كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ، وَفِي الْوَاضِحَةِ وَالطَّرْزِ. الْمَازِرِيُّ وَالتَّطْرِيَةِ.
(وَأَصْلُ مَا زَادَ فِي الثَّمَنِ كَحُمُولَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: مَا كَانَ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ وَكَانَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْمَتَاعِ وَمِمَّا يَسْتَنِيبُ التَّاجِرُ عَلَيْهِ غَالِبًا وَلَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ كَحَمْلِ الْمَتَاعِ وَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ، فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فِيهَا يُحْسَبُ كِرَاءُ الْحُمُولَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ، وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يَرْبَحَهُ عَلَيْهِ.
(وَشَدٍّ وَطَيٍّ اُعْتِيدَ أُجْرَتُهُمَا
[ ٦ / ٤٣٤ ]
وَكِرَاءِ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ كَسِمْسَارٍ لَمْ يُعْتَدْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الشَّدَّ وَالطَّيَّ لَا يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ يَقُولُ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِك فَلَا يَجِبُ عَلَيَّ شَيْءٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَى مَا لَا يُشْتَرَى إلَّا بِسِمْسَارٍ أَوْ اكْتَرَى مَنْزِلًا لَوْلَا الْمَتَاعُ لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ الْمَنْزِلِ أَنْ يُحْسَبَ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ.
اُنْظُرْهُ مَبْسُوطًا قَبْلَ هَذَا، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ فِي السِّمْسَارِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ عَادَةً أَنَّ أُجْرَتَهُ تُحْسَبُ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ رِبْحٌ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَاَلَّذِي لِابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهَا كَالصَّبْغِ يُحْسَبُ أَجْرُهُ وَيُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: السِّمْسَارُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ وَيُسَمَّى الْجُلَّاسَ يَأْخُذُ عِوَضًا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ لِلْبَائِعِ فَإِنَّ أُجْرَتَهُ عَلَى الْبَائِعِ وَهُوَ مِنْ الثَّمَنِ لَا شَكَّ فِيهِ اهـ.
وَانْظُرْ اللَّازِمَ الْمَخْزَنِيَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ - ﵀ - فِي تَرْجَمَةٍ قَالَ (إنْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وَجْهَيْ الْمُرَابَحَةِ أَنْ يُبَيِّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا.
وَقَالَ عِيَاضٌ: مِنْ وُجُوهِ الْمُرَابَحَةِ أَنْ يُبَيِّنَ جَمِيعَ مَا لَزِمَهَا مِمَّا يُحْسَبُ وَمَا لَا يُحْسَبُ مُفَصَّلًا أَوْ مُجْمَلًا. وَيُشْتَرَطُ ضَرْبُ الرِّبْحِ عَلَى الْجَمِيعِ، فَهَذَا صَحِيحٌ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي فِيمَا يُحْسَبُ وَمَا لَا يُحْسَبُ لِأَنَّ عَلَى هَذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ: " إلَّا أَنْ يُرْبِحَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ". وَذَكَرَ عِيَاضٌ وَجْهًا آخَرَ قَسِيمًا لِهَذَا وَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ جَمِيعَ مَا لَزِمَ السِّلْعَةَ مِمَّا يُحْسَبُ وَمَا لَا يُحْسَبُ، وَيُفَسِّرَ مَا يُحْسَبُ وَيَرْبَحُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَرْبَحُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُحْسَبُ جُمْلَةً، ثُمَّ يَضْرِبُ الرِّبْحَ عَلَى مَا يَجِبُ ضَرْبُهُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، فَهَذَا صَحِيحٌ جَائِزٌ أَيْضًا عَلَى مَا عَقَدَاهُ.
(أَوْ فَسَّرَ الْمُؤْنَةَ فَقَالَ: هِيَ بِمِائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وَحَمْلُهَا كَذَا أَوْ عَلَى الْمُرَابَحَةِ وَبَيَّنَ كَرِبْحٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَمْ يُفَصِّلَا مَا لَهُ الرِّبْحُ) اُنْظُرْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَمُقْتَضَى مَا يَتَقَرَّرُ أَنَّهَا وَجْهٌ وَاحِدٌ.
قَالَ عِيَاضٌ: مِنْ وُجُوهِ الْمُرَابَحَةِ أَنْ يُفَسِّرَ الْمُؤْنَةَ فَيَقُولَ هِيَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ، رَأْسُ مَالِهَا كَذَا، وَلَازَمَهَا فِي الْحَمْلِ كَذَا، وَفِي الصَّبْغِ وَالْقِصَارَةِ كَذَا، وَفِي الشَّدِّ وَالطَّيِّ كَذَا، وَبَاعَهَا عَلَى الْمُرَابَحَةِ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشْرَةَ وَلَمْ يُفَصِّلَا وَلَا شَرَطَا مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الرِّبْحُ مِمَّا لَا يُوضَعُ وَلَا مَا يُحْسَبُ مِمَّا لَا يُحْسَبُ، فَمَذْهَبُهُمْ جَوَازُ هَذَا، وَقَصْرُ الرِّبْحِ عَلَى مَا يَجِبُ وَإِسْقَاطُ مَا لَا يُحْسَبُ فِي الثَّمَنِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ الْبَائِعَ وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ لِلْمُشْتَرِي فَقَدْ يَجْهَلَانِ الْحُكْمَ وَمَا يَجِبُ حِسَابُهُ وَمَا لَا يَجِبُ، وَمَا يَجِبُ لَهُ الرِّبْحُ وَمَا لَا يُجِيبُ، فَتَقَعُ الْجَهَالَةُ فِي الثَّمَنِ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَلَعَلَّ قَوْلَهُمْ بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُمَا ظَنَّا أَنَّ هَذَا الْحُكْمُ وَلَمْ يَقْصِدَا فَسَادًا (وَزِيدَ عُشْرُ الْأَصْلِ) وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِرِبْحِ الْعَشَرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ فَيُزَادُ خُمْسُ الْأَصْلِ (وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ. ابْنُ يُونُسَ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ قَالَ: تَرْبَحُ لِكُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الثَّمَنِ دِرْهَمًا قَالَ:
[ ٦ / ٤٣٥ ]
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِوَضِيعَةٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا فَيَحُطُّ عَنْهُ جُزْءًا مِنْهَا وَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا ابْتَعْته بِأَحَدَ عَشَرَ تَأْخُذُهُ بِعُشْرِهِ. وَأَصْلُ مَعْرِفَةِ هَذَا أَنْ تَنْظُرَ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ مِنْ قِيمَةِ الْوَضِيعَةِ فَتَنْسِبُهُ مِنْ الْوَضِيعَةِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ فَفِي هَذَا الْمِثَالِ زَادَتْ الْأَحَدَ عَشَرَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدًا فَتَنْسُبُهُ مِنْ الْأَحَدَ عَشَرَ فَتَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ.
(لَا أَبْهَمَ كَقَامَتْ بِكَذَا أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وَطَيِّهَا بِكَذَا أَوْ لَمْ يُفَصِّلْ) عِيَاضٌ: مِنْ أَوْجُهِ الْمُرَابَحَةِ أَنْ يُبْهِمَ فِيهِ النَّفَقَةَ بَعْدَ تَسْمِيَتِهَا فَيَقُولَ: قَامَتْ عَلَيَّ بِشَدِّهَا وَطَيِّهَا وَحَمْلِهَا وَصَبْغِهَا وَيُفَسِّرَهَا فَيَقُولَ مِنْهَا عَشَرَةٌ فِي مُؤْنَةٍ وَلَا يُفَسِّرُ الْمُؤْنَةَ فَهَذِهِ أَيْضًا فَاسِدَةٌ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: وَيَفْسَخُ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: جَوَازُ مِثْلِ هَذَا اهـ. اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: وَطَرْزٍ
(وَهَلْ هُوَ كَذِبٌ أَوْ غِشٌّ؟ تَأْوِيلَانِ) عِيَاضٌ: ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذَا بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ رِبْحٌ وَفَاتَ الْمَبِيعُ، هَلْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ؟ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكْذِبْ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ثَمَنِهِ وَلَكِنَّهُ أَبْهَمَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا يَجِبُ إسْقَاطُهُ وَرَأْسُ الْمَالِ مَا بَقِيَ فَاتَتْ أَوْ لَمْ تَفُتْ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْقِيمَةِ كَمَا لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ تَأْوِيلُ أَبِي عِمْرَانَ عَلَى الْكِتَابِ وَإِلَيْهِ نَحَا التُّونِسِيُّ وَالْبَاجِيُّ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَقَالَ: بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ لِزِيَادَتِهِ فِي الثَّمَنِ مَا لَا يُحْسَبُ فِيهِ، وَحَمْلِهِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِلْبَائِعِ تُسْقِطُ مَا يَجِبُ إسْقَاطُهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَرِبْحٍ، فَإِنْ أَسْقَطَهُ لَزِمَ الْمُشْتَرِي وَرِبْحُهُ، وَإِنْ أَبَى فَسَخَ إلَّا أَنْ يُحِبَّ الْمُشْتَرِي التَّمَاسُكَ، فَإِنْ فَاتَتْ فَهِيَ كَالْكَذِبِ إنْ لَمْ يَضَعْ الْبَائِعُ مَا ذَكَرْنَاهُ لَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ بِالْقِيمَةِ مَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ كُلِّهِ بِغَيْرِ طَرْحِ شَيْءٍ فَلَا يُزَادُ وَيَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الصَّحِيحِ بَعْدَ طَرْحِ كُلِّ مَا يَجِبُ طَرْحُهُ فَلَا يُنْقَضُ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَبِهِ فَسَّرَ بَعْضُهُمْ مَذْهَبَ الْكِتَابِ، وَإِلَى هَذَا مَالَ أَبُو عِمْرَانَ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ لُبَابَةَ.
(وَوَجَبَ تَبْيِينُ
[ ٦ / ٤٣٦ ]
مَا يُكْرَهُ) . ابْنُ يُونُسَ: «نَهَى - ﵊ - عَنْ الْغِشِّ وَالْخِلَابَةِ فِي الْبَيْعِ»، فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَجْرِي فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مِمَّا يَكْتُمُهُ الْبَائِعُ مِنْ أَمْرِ سِلْعَتِهِ مِمَّا لَوْ ذَكَرَهُ كَانَ أَوْكَسَ لِلثَّمَنِ وَأَكْرَهَ لِلْمُبْتَاعِ (كَمَا نَقَدَهُ وَعَقَدَهُ مُطْلَقًا) اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " مُطْلَقًا " هُوَ عَلَى غَيْرِ قَوْلِ مَالِكٍ. ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ اشْتَرَى بِدَنَانِيرَ فَنَقَدَ دَرَاهِمَ أَوْ الْعَكْسُ فَلَا بَيْعَ عَلَى مَا عَقَدَ بِلَا خِلَافٍ. اللَّخْمِيِّ: حَتَّى يُبَيِّنَ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَبِيعُ عَلَى مَا نَقَدَ؟ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَقَدَ دَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ فَلْيَبِعْ عَلَى مَا نَقَدَ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ إذَا لَمْ يُحَابِ بِهِ فِي الصَّرْفِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مِثْلُهُ إذَا نَقَدَهُ طَعَامًا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَالسِّلَعِ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَوْ عَقَدَ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ نَقَدَ عَرْضًا لَمْ يَبِعْ عَلَى مَا نَقَدَ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَبِيعُ عَلَى مَا عَقَدَ؟ مَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَجَازَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَإِنْ نَقَدَ طَعَامًا فَلْيَبِعْ عَلَى مَا عَقَدَ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الطَّعَامُ فِي هَذَا كَالسِّلَعِ وَإِنْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ فَنَقَدَ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي
[ ٦ / ٤٣٧ ]
الْمُدَوَّنَةِ أَنْ لَا يَبِيعَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَتَّى يُبَيِّنَ، وَالصَّوَابُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْتَفْتِيًا أَنْ يُوَكِّلَ إلَى أَمَانَتِهِ، فَمَا عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ الثَّمَنِ رَغْبَةً فِيهِ وَقَدْ مَكَّنَهُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَى مَا عَقَدَ وَلَا يُبَيِّنُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِرَغْبَةٍ مِنْ الْبَائِعِ وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدًا مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْهَضِيمَةِ لَمْ يَبِعْ حَتَّى يُبَيِّنَ.
(وَالْأَجَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَلْيُبَيِّنْ ذَلِكَ فِي الْمُرَابَحَةِ. فَإِنْ بَاعَهَا بِالنَّقْدِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُهَا إنْ لَمْ تَفُتْ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: إنَّمَا يَرُدُّ إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ. رَاجِعْ ابْنَ يُونُسَ.
(وَإِنْ بِيعَ عَلَى النَّقْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِدَرَاهِمَ نَقْدًا ثُمَّ أَخَّرَ بِالثَّمَنِ فَلَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ كَمَنْ نَقَدَ غَيْرَ مَا عَقَدَ بِهِ الْبَيْعَ.
(وَطُولِ زَمَانِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا فَحَالَتْ أَسْوَاقُهَا عِنْدَهُ فَلَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ وَإِنْ كَانَتْ الْأَسْوَاقُ قَدْ زَادَتْ، لِأَنَّ النَّاسَ فِي الطَّرِيِّ أَرْغَبُ مِنْ الَّذِي تَقَادَمَ فِي أَيْدِيهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا تَقَادَمَ مُكْثُ السِّلْعَةِ فَلَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ فِي أَيِّ زَمَانٍ اشْتَرَاهَا.
(وَتَجَاوُزِ الزَّائِفِ وَهِبَةٍ إنْ اُعْتِيدَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ ابْتَاعَ
[ ٦ / ٤٣٨ ]
بِنَقْدٍ فَنَقَدَ وَحَطَّ عَنْهُ مَا يُشْبِهُ حَطِيطَةَ الْبَيْعِ أَوْ تَجَاوَزَ عَنْهُ دِرْهَمًا زَائِفًا فَلَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ أَشْرَكْت رَجُلًا فِي سِلْعَةٍ أَوْ وَلَّيْتهَا لَهُ ثُمَّ حَطَّك بَائِعُك مِنْ الثَّمَنِ مَا يُشْبِهُ اسْتِصْلَاحَ الْبَيْعِ لَزِمَك أَنْ تَضَعَ عَمَّنْ أَشْرَكْته نِصْفَ مَا حَطَّ عَنْك وَلَا يَلْزَمُك ذَلِكَ فِيمَنْ وَلَّيْته. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ حَطَّك بَائِعُك جَمِيعَ الثَّمَنِ أَوْ نِصْفَهُ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لِغَيْرِ الْبَيْعِ لَمْ يَلْزَمْك أَنْ تَحُطَّ شَيْئًا، لَا فِي بَيْعٍ وَلَا شِرْكٍ، لَا تَوْلِيَةَ وَلَا خِيَارَ لَهُمْ.
(وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً أَوْ مِنْ التَّرِكَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ تَبْيِينُ مَا يُكْرَهُ. يَبْقَى النَّصُّ عَلَى هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ إنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَيْهِمَا فِي التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ فَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَذْكُرَهُمَا هُنَاكَ.
قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ فَوَجَدَهُ فَصِيحًا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَجْلُوبٌ فَوَجَدَهُ مُوَلَّدًا، فَلَهُ الرَّدُّ زِيَادَةً كَانَتْ أَوْ وَضَيْعَةً لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَجْلُوبِ أَرْغَبُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّقِيقِ يُجْلَبُ مِنْ طَرَابُلُسَ فَيَدْخُلُ الْمِصْرِيُّ رَأْسًا بَيْنَهُمَا فَبَاعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: أَرَى لِلْمُبْتَاعِ رَدَّهُ، وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ وَالْحَمِيرُ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ خَلَطَ سِلْعَةً بِتَرِكَةِ مَيِّتٍ فَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدَّ اهـ. وَانْظُرْ قَوْلَ بَهْرَامُ إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ مِنْ التَّرِكَةِ وَأَرَادَ بَيْعَهَا مُرَابَحَةً فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ كَوْنِهَا مِنْ سِلَعِ الْمِيرَاثِ لِأَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ الشِّرَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اهـ. وَلَمْ يُعْزَ هَذَا لِأَحَدٍ وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ أَنَّ نَاقِلَ الْفَرْعِ الْغَرِيبِ يَجِبُ عَلَيْهِ عَزْوُهُ. وَانْظُرْ عَلَى تَفْسِيرِ بَهْرَامُ يَكُونُ قَوْلُ خَلِيلٍ: " أَوْ مِنْ تَرِكَةٍ " مَعْطُوفًا عَلَى خَبَرِ " إنَّ " لَا عَلَى خَبَرِ " لَيْسَ ".
(وَوِلَادَتِهَا وَإِنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ تَوَالَدَتْ الْغَنَمُ لَمْ يَبِعْ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، إنْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ عِنْدَهُ لَمْ يَبِعْ الْأُمَّ مُرَابَحَةً وَيَحْبِسُ الْوَلَدَ إلَّا
[ ٦ / ٤٣٩ ]
أَنْ يُبَيِّنَ وَيَكُونُ الْوَلَدُ فِي حَدِّ التَّفْرِقَةِ (وَجُدَّتْ ثَمَرَةٌ أُبِّرَتْ) ابْنُ بَشِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إذَا اشْتَرَى شَجَرًا وَفِيهَا ثَمَرٌ فَاسْتُحِقَّتْ وَقَدْ جَدَّ الثَّمَرَةَ، هَلْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ غَلَّةً؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وُجُوبِ الْبَيَانِ فِي الْمُرَابَحَةِ لِضِيقِ بَابِ الْمُرَابَحَةِ (وَصُوفٍ تَمَّ) لَعَلَّ النَّاسِخَ أَسْقَطَ " أَمْ لَا ". وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ابْتَاعَ حَوَانِيتَ أَوْ دُورًا أَوْ حَوَائِطَ أَوْ رَقِيقًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَنَمًا فَاغْتَلَّهَا أَوْ حَلَبَ الْغَنَمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فِي الْمُرَابَحَةِ لِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ أَوْ تَحُولَ الْأَسْوَاقُ فَلْيُبَيِّنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ جَزَّ صُوفَ الْغَنَمِ فَلْيُبَيِّنْهُ كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ الشِّرَاءِ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَوْمئِذٍ تَامًّا فَقَدْ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَهَذَا نُقْصَانٌ مِنْ الْغَنَمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَامًّا فَلَمْ يَنْبُتْ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْأَسْوَاقُ.
(وَإِقَالَةِ مُشْتَرِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِعِشْرِينَ دِينَارًا ثُمَّ بَاعَهَا بِثَلَاثِينَ ثُمَّ أَقَالَ مِنْهَا لَمْ يَبِعْ مُرَابَحَةً إلَّا عَلَى عِشْرِينَ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ بَيْنَهُمَا حِينَ اسْتَقَالَهُ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ الْإِقَالَةَ هَاهُنَا بَيْعًا حَادِثًا لِأَنَّهُ إقَالَةٌ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ، وَلَوْ تَنَاقَدَا وَافْتَرَقَا وَتَبَاعَدَ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَايَلَا فَهَذَا بَيْعٌ مُبْتَدَأٌ وَإِنْ سَمَّوْهُ إقَالَةً، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الثَّمَنِ الْآخَرِ.
(إلَّا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مُرَابَحَةً ثُمَّ ابْتَاعَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ أَوْ أَكْثَرَ فَلْيَبِعْ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ الْآخَرِ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ. ابْنُ مُحْرِزٍ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّنْ ابْتَاعَهَا وَحَمَلَهَا فَضْلًا عَلَى أَنَّهُ فِي شِرَائِهَا مِنْ غَيْرٍ. (وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا فِي سَفَرٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْمُرَابَحَةِ (وَالتَّوْظِيفِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الثَّوْبَيْنِ جَمِيعًا بِثَمَنٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا بَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيَّنَ عَلَى مَا قَالَ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَيَكُونُ
[ ٦ / ٤٤٠ ]
الْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى: فَإِنْ كَانَ مَا ابْتَعْتَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَبِعْتَ بَعْضَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ مَا بَقِيَ أَوْ بَعْضَ مَا بَقِيَ مُرَابَحَةً وَلَا تُبَيِّنْ أَنَّك بِعْتَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْك أَنْ تُبَيِّنَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. الْمَازِرِيُّ: قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تَمْيِيزُ حَقٍّ وَأَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهِ لِأَجْلِ الْجُمْلَةِ.
(وَلَوْ مُتَّفِقًا إلَّا مِنْ سَلَمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ ابْتَعْتَ ثَوْبَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَلَا تَبِعْ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً وَتُوَلِّيهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ، وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ مِنْ سَلَمٍ جَازَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِمَا أَوْ بَعْدَ إذَا اتَّفَقَتْ الصِّفَةُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْهُ فِيهِمَا إذْ لَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ رَجَعَ بِمِثْلِهِ، وَالْمَعِيبُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ بِعْتَ جُزْءًا شَائِعًا مُرَابَحَةً مِنْ عُرُوضٍ ابْتَعْتهَا مُعَيَّنَةً جَازَ كَنِصْفِ الْجَمِيعِ أَوْ ثُلُثِهِ (لَا غَلَّةِ رَبْعٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ اغْتَلَّ الْحَوَانِيتَ وَالدُّورَ وَالْحَوَائِطَ وَالرَّقِيقَ وَالْحَيَوَانَ وَالْغَنَمَ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ لِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ إلَّا أَنْ يَطُولَ (كَتَكْمِيلِ شِرَائِهِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لِمَنْ أَخَذَ سِلْعَةً فِي الْمُقَاوَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً بِتِلْكَ الْمُقَاوَاةِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ إذَا صَحَّ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: يُرِيدُ وَيَحْمِلُ عَلَى الثَّمَنِ نِصْفَ الزِّيَادَةِ فَقَطْ وَهُوَ مَا أَخَذَ الشَّرِيكُ اهـ. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَلَمْ يَنْقُلْ قَوْلَ الْقَابِسِيِّ.
(لَا إنْ وَرِثَ بَعْضَهُ وَهَلْ إنْ تَقَدَّمَ الْإِرْثُ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَرِثَ نِصْفَ
[ ٦ / ٤٤١ ]
سِلْعَةٍ ثُمَّ ابْتَاعَ نِصْفَهَا فَلَا يَبِعْ نِصْفَهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا ابْتَاعَ وَمَا وَرِثَ، وَإِذَا بَيَّنَ فَإِنَّمَا يَقَعُ الْبَيْعُ عَلَى مَا ابْتَاعَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَكَذَا إذَا اشْتَرَى نِصْفَ السِّلْعَةِ ثُمَّ وَرِثَ نِصْفَهَا الْحُكْمُ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ فِيهَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا ابْتَاعَ وَمَا وَرِثَ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ إذَا وَرِثَ النِّصْفَ ثُمَّ ابْتَاعَ النِّصْفَ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ لِتَصِيرَ لَهُ جُمْلَةُ السِّلْعَةِ وَذَلِكَ إذَا سَبَقَ الشِّرَاءُ ثُمَّ وَرِثَ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْقَابِسِيِّ إذَا اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِي أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِأَنَّهُ زَادَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْ يُفَرِّقُ الْقَابِسِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِتَكْمِيلِ مَا وَرِثَ أَكْثَرُ قَصْدٍ إلَيْهَا مِنْ الْقَصْدِ لِيُكْمِلَ مَا اشْتَرَى.
(وَإِذَا غَلِطَ بِنَقْصٍ وَصُدِّقَ أَوْ أَثْبَتَ رَدَّ أَوْ دَفْعَ مَا تَبَيَّنَ رِبْحَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مُرَابَحَةً وَقَالَ قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَةٍ فَأَرْبَحُ الْعَشَرَةَ ثُمَّ أَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَوْ يَأْتِي مِنْ رَقْمِ الثَّوْبِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْغَلَطِ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ وَيُصَدَّقُ، فَإِنْ لَمْ تَفُتْ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ رَدِّهَا أَوْ يَضْرِبُ لَهُ الرِّبْحَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ (فَإِنْ فَاتَتْ خُيِّرَ مُشْتَرِيهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ وَقِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ مَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْ الْغَلَطِ وَرِبْحِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ فَاتَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نَقْصٍ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ لَزِمَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّبَايُعِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ وَمِائَةٍ فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ أَوْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَرِبْحِهَا فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: جَعْلُ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ شِبْهَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا هُوَ غَلَطٌ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ.
(وَإِنْ كَذَبَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ إنْ حَطَّهُ وَرِبْحَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مُرَابَحَةً فَزَادَ فِي الثَّمَنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: زَادَ ذَلِكَ بِغَلَطٍ أَوْ تَعَمَّدَ فِيهِ.
قَالَ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ تَفُتْ خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ بَيْنَ أَخْذِهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَحُطَّ الْبَائِعُ الْكَذِبَ وَرِبْحَهُ فَتَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ قَالَ:
[ ٦ / ٤٤٢ ]
وَإِنْ فَاتَ، وَيُفِيتُهَا مَا يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ بِالْكَذِبِ وَرِبْحِهِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ أَوْ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الصَّحِيحِ وَبِمَا قَابَلَهُ مِنْ الرِّبْحِ فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ صَلَّى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فِي الَّذِي قَالَ لَك زِيَادَةُ دِينَارٍ عَلَى مَا أَعْطَيْت فَقَالَ: أَعْطَيْت مِائَةَ دِينَارٍ فَأَعْطَاهُ الْمِائَةَ وَدِينَارًا ثُمَّ سَأَلَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ فَقَالَ: مَا أَعْطَيْتُهُ إلَّا تِسْعِينَ فَقَالَ مَالِكٌ: الْبَيْعُ لَازِمٌ لَوْ شَاءَ اسْتَثْبَتَ لِنَفْسِهِ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ إلَّا إنْ كَانَ ثَمَّ شُهُودٌ حُضُورٌ يَشْهَدُونَ بِخِلَافِ مَا قَالَ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، فَإِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ فَيَكُونُ فِيهِ الْأَكْثَرُ عَلَى حُكْمِ الْكَذِبِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ.
(بِخِلَافِ الْغِشِّ وَإِنْ فَاتَتْ فَفِي الْغِشِّ أَقَلُّ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ بَاعَ مُرَابَحَةً وَغَشَّ الْمُبْتَاعَ فَإِنْ كَتَمَهُ مِنْ أَمْرِ سِلْعَتِهِ مَا يَكْرَهُهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ فَحُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَمْسِكَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ وَيُلْزِمُهَا إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَتْ فَاتَتْ كَانَ فِيهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ. (وَفِي الْكَذِبِ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ أَوْ قِيمَتِهَا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْكَذِبِ وَرِبْحِهِ) اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " بِخِلَافِ الْغِشِّ ".
(وَمُدَلِّسُ الْمُرَابَحَةِ كَغَيْرِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ دَلَّسَ بِعَيْبٍ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ بَاعَ غَيْرَ مُرَابَحَةٍ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ وَفَوَاتِهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَمْسِكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ بِعَيْبٍ مُفْسِدٍ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَرُدَّ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الرِّبْحِ.
فَصْلٌ (تَنَاوَلَ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ الْأَرْضَ وَتَنَاوَلَتْهُمَا لَا الزَّرْعَ وَالْبَذْرَ) صَوَابُهُ وَتَنَاوَلَتْهُمَا وَالْبَذْرَ لَا الزَّرْعَ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: الْأَرْضُ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا الْبِنَاءُ كَمَا تَنْدَرِجُ هِيَ أَيْضًا تَحْتَ الْبِنَاءِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ارْتَهَنَ
[ ٦ / ٤٤٣ ]
أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ لَمْ يُسَمِّهَا أَوْ رَهَنَ النَّخْلَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْضَ فَذَلِكَ مُوجِبٌ لِكَوْنِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْبَيْعِ انْتَهَى. وَانْظُرْ إذَا كَانَ بِالشَّجَرِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ هَلْ بِالْوَجْهِ الَّذِي تَدْخُلُ الشَّجَرَةُ فِي الْبَيْعِ يَدْخُلُ ثَمَرُهَا؟ اُنْظُرْ أَوَّلَ الْبُيُوعِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ. الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ بَذْرٌ مُسْتَكِنٌّ لَمْ يَبْرُزْ مِنْهَا أَوْ فِي الشَّجَرِ ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فَإِنَّهُ كُلَّهُ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. وَانْظُرْ بَصَلَ الزَّعْفَرَانِ، نَصُّ الْمُشَاوِرِ أَنَّهَا مِنْ الْبَذْرِ الْمُسْتَكِنِّ فَإِنْ نَوَّرَ فَالنَّوْرُ لِلْبَائِعِ وَالْبَصَلُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ كَالْأُصُولِ وَانْظُرْ أَيْضًا وَرَقَ التِّينِ لِمَنْ اشْتَرَى التِّينَ عَصِيرًا هِيَ لِلْبَائِعِ إلَّا مَا يَصْلُحُ بِهِ السِّلَالُ مِنْ الْوَرَقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمِلْكُ غَيْرِهِ عَلَى رِضَاهُ فَقَطْ ". ابْنُ فَتْحُونَ: فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا. وَأَمَّا الزَّرْعُ الظَّاهِرُ فَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: إنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ ظَاهِرٌ حِينَ الْبَيْعِ أَوْ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثَمَرٌ مَأْبُورٌ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا بِالشَّرْطِ. وَانْظُرْ إذَا اشْتَرَى حَائِطًا وَلَمْ يَذْكُرْ شِرْبَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى سَقْيِ الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ سَاقِيَةِ الْبَائِعِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ السَّقْيِ فَإِنَّ الشِّرْبَ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا. اُنْظُرْ ثَانِيَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَانْظُرْ حُكْمَ الطَّرِيقِ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَهَلْ كَذَلِكَ الْهِبَةُ؟ وَانْظُرْ قَدْ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ هِبَةِ ثَمَرِ الْحَائِطِ قَبْلَ الْإِبَارِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْوَاهِبِ بَيْعُ الْأَصْلِ حِينَئِذٍ؟ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَانْظُرْ هُنَاكَ بَيْعَ الْحَائِطِ الْمُسَاقِي بَعْدَ الْإِبَارِ، وَانْظُرْ أَوَّلَ الْبُيُوعِ مِنْ طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ لِمَنْ يَكُونُ الْقَلِيبُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْمَبِيعَةُ مَقْلُوبَةً أَوْ فِيهَا بَصَلُ زَعْفَرَانٍ أَوْ كَانَ بِالدَّارِ زِبْلٌ وَنَحْوُهُ.
(وَمَدْفُونًا) الْمُتَيْطِيُّ: لَوْ كَانَ بِالدَّارِ الْمَبِيعَةِ صَخْرٌ أَوْ رُخَامٌ أَوْ عُمَدٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُتَبَايِعَانِ ثُمَّ عَلِمَاهُ، فَمَعْلُومُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لِلْبَائِعِ إنْ ادَّعَاهُ وَأَشْبَهَ أَنَّهُ لَوْ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَلَوْ جُهِلَ) اُنْظُرْ ثَالِثَ فَصْلٍ مِنْ أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ ابْنِ سَلْمُونَ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ إنْ لَمْ يَدَّعِهِ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ أَنَّهُ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا هُوَ لُقَطَةٌ. وَانْظُرْ مَنْ اشْتَرَى حُوتًا فَوَجَدَ فِي جَوْفِهِ جَوْهَرَةً إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ فَهِيَ
[ ٦ / ٤٤٤ ]
لِلصَّائِدِ لَا لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً فَهِيَ لُقَطَةٌ.
(وَلَا الشَّجَرُ الْمُؤَبَّرُ) فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . عِيَاضٌ: التَّأْبِيرُ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى لِئَلَّا تَسْقُطَ ثَمَرَتُهَا وَهُوَ اللِّقَاحُ. الْبَاجِيُّ: وَالتَّأْبِيرُ فِي التِّينِ وَمَا لَا زَهْوَ لَهُ أَنْ تَبْرُزَ جَمِيعُ الثَّمَرَةِ عَنْ مَوْضِعِهَا وَتَتَمَيَّزَ عَنْ أَصْلِهَا، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْبِيرِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَبَيَّنَ حَالُهُ وَقِلَّتُهُ وَكَثْرَتُهُ. وَأَمَّا الزَّرْعُ فَإِبَارُهُ أَنْ يُفْرَكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ إبَارَهُ ظُهُورُهُ فِي الْأَرْضِ.
ابْنُ رُشْدٍ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: إبَارُ الزَّرْعِ نَبَاتُهُ. الْمُتَيْطِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. (أَوْ أَكْثَرَهُ) . الْبَاجِيُّ: إنْ أَبَّرَ بَعْضَ الشَّجَرِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَكْثَرَ فَقَالَ مَالِكٌ: الْقَلِيلُ تَبَعٌ لِلْكَثِيرِ.
وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَسَاوِي.
وَقَالَ الْجَلَّابُ: مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا عُقَدًا فَهُوَ لِلْبَائِعِ وَمَا كَانَ وَرْدًا فَهُوَ لِلْمُبْتَاعِ.
ابْنُ رُشْدٍ: تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَقَلَّ تَبَعٌ لِلْأَكْثَرِ (إلَّا بِشَرْطٍ) . الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ إذَا اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ الثَّمَرَةَ الْمَأْبُورَةَ أَنَّهَا لَهُ بِالشَّرْطِ إنْ ابْتَاعَهَا بِغَيْرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَإِنْ ابْتَاعَهَا بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أُبِّرَتْ أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ إلَّا أَنْ يَجِدَهَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُبَاعُ بِطَعَامٍ إذَا كَانَ فِيهَا زَرْعٌ صَغِيرٌ.
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. اُنْظُرْ مِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا كَانَ بِهَا زَرْعٌ مُسْتَكِنٌّ لَمْ يَبْرُزْ وَهُوَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْمَبْذُورَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْرُزَ مِنْ الْأَرْضِ بِحِنْطَةٍ وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: خَالَفَ هُنَا ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ فِي مَنْعِ بَيْعِ النَّخْلِ بِطَعَامٍ إذَا كَانَ بِهَا ثَمَرٌ وَإِنْ لَمْ يُؤَبَّرْ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّمَرِ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ وَالزَّرْعِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ. اُنْظُرْ السَّلَمَ الثَّالِثَ مِنْ التُّونِسِيِّ، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ بَيْعَ الْخَلَايَا وَالشَّاةِ اللَّبُونِ بِالطَّعَامِ نَقْدًا جَائِزٌ، وَأَمَّا إلَى أَجَلٍ فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. اُنْظُرْهُ فِيهِ، اُنْظُرْ نَقْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَكَمُزَابَنَةٍ ". وَإِنْ اشْتَرَطَ بَعْضَ الْمَأْبُورِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرَةِ وَلَا فِي مَالِ الْعَبْدِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ يَبِسَ وَاسْتُحْصِدَ جَازَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى. وَانْظُرْ إذَا بَاعَ الْفَدَّانَ رَبُّهُ بَعْدَ أَنْ زَرَعَهُ الشَّرِيكُ وَلَمْ يُؤَبِّرْ الزَّرْعَ، وَأَمَّا إذَا أَبَّرَ فَلِلْمُشْتَرِي اسْتِثْنَاءُ حِصَّةِ الْبَائِعِ (كَالْمُنْعَقِدِ) ابْنُ شَاسٍ: فِي مَعْنَى الْمَأْبُورَةِ كُلُّ ثَمَرَةٍ انْعَقَدَتْ وَظَهَرَتْ لِلنَّاظِرِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْجَلَّابِ مَا كَانَ عُقَدًا. وَنَصُّ الْبَاجِيِّ: التَّأْبِيرُ فِي التِّينِ أَنْ يَبْرُزَ وَيَتَمَيَّزَ. اُنْظُرْ الْفَرْقَ التَّاسِعَ وَالتِّسْعِينَ وَمِائَةً فَرْقٌ بَيْنَ الزَّرْعِ الظَّاهِرِ وَالزَّرْعِ الْكَامِنِ يَنْدَرِجُ الْوَاحِدُ فِي
[ ٦ / ٤٤٥ ]
الْأَرْضِ وَلَا يَنْدَرِجُ الْآخَرُ كَالْكَنْزِ وَالْمَعْدِنِ يَنْدَرِجُ الْوَاحِدُ وَلَا يَنْدَرِجُ الْآخَرُ، وَكَذَلِكَ الْحَجَرُ الْمَدْفُونُ دُونَ الْحَجَرِ الْمَخْلُوقِ فِيهَا، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَوَائِدِ إلَّا مَسْأَلَةَ الْإِبَارِ فَمَدْرَكُهَا النَّصُّ وَمَا عَدَاهَا مَدْرَكُهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ، فَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ أَوْ بَطَلَتْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْفَتَاوَى وَحَرُمَتْ الْفُتْيَا بِهَا انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ لِقُرَى الْجَبَلِ تَجِدُ بِهَا زَيْتُونَةً لِإِنْسَانٍ وَزَيْتُونَةً لِآخَرَ وَلَا شَجَرَةَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ يَكُونُ بِهَا بَعْضُ شَجَرٍ، فَإِذَا بَاعَ الْفَدَّانَ صَعُبَ أَنْ يُقَالَ لِلْمُشْتَرِي فَتِّشْ الْأَشْجَارَ فَمَا هُوَ لِلْغَيْرِ فَهُوَ لَهُ وَمَا لَا فَهُوَ لَك، وَالْبَيِّنُ فِي هَذَا النَّظَرُ إلَى الْعُرْفِ.
(وَمَالِ الْعَبْدِ) فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ. أَبُو عُمَرَ: رُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا. الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ مَالِ الْعَبْدِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ ثُمَّ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَزِيدَ الْبَائِعُ شَيْئًا يُلْحِقُ الْمَالَ بِالْبَيْعِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْجَوَازِ.
(وَخِلْفَةِ الْقَصِيلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ لِمَنْ اشْتَرَى أَوَّلَ جَذَّةٍ مِنْ الْقَصِيلِ اشْتِرَاءُ خِلْفَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْخِلْفَةِ بَعْدَ الرَّأْسِ إذَا كَانَ مُشْتَرِي الرَّأْسِ لَمْ يَجُذَّهُ حَتَّى اشْتَرَى الْخِلْفَةَ، وَأَمَّا إنْ جَذَّ الرَّأْسَ ثُمَّ أَرَادَ شِرَاءَ الْخِلْفَةِ فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَرَرٌ مُنْفَرِدٌ، وَالْأَوَّلُ قَدْ أَضَافَهُ إلَى أَصْلٍ فَاسْتَخَفَّ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ النَّبْعِ. وَانْظُرْ خِلْفَةَ الْقَصِيلِ إذَا لَمْ تُشْتَرَطْ كَالزَّرْعِ الَّذِي أَفْسَدَتْهُ الْبَهَائِمُ وَأَخْلَفَ بَعْدَ الْغُرْمِ. اُنْظُرْ فَصْلَ الضَّرَرِ مِنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا تَحَبَّبَ الْقَصِيلُ مُرْتَضَى ابْنِ يُونُسَ: أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ إنْ أَخَّرَهُ لِاسْتِغْلَاءٍ قَالَ: كَتَأْخِيرِ الْحَوْزِ لِخِصَامٍ. وَيُرَشِّحُ هَذَا مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى إذَا اشْتَرَى طَعَامًا لِأَجَلٍ فَاسْتَغْلَاهُ فَتَغَيَّبَ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ السَّلَمِ (وَإِنْ أُبِّرَ النِّصْفُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) ابْنُ زَرْقُونٍ: لَمْ يُحْسِنْ الْبَاجِيُّ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَحْصِيلُهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا أُبِّرَ مُسَاوِيًا لِمَا لَمْ يُؤَبَّرْ أَنْ يُنْظَرَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُتَمَيِّزًا مَا أُبِّرَ فِي نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ فِي نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا فَلَا يَخْتَلِفُ هُنَا أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُبْتَاعِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مَا أُبِّرَ شَائِعًا فِي كُلِّ نَخْلَةٍ وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ كَذَلِكَ شَائِعًا فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ إمَّا سَلَّمَ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخَ الْبَيْعَ.
وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ. وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُبْتَاعِ.
(وَلِكِلَيْهِمَا السَّقْيُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ) الْمُتَيْطِيُّ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْبَائِعِ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إجْبَارُهُ عَلَى جَدِّهِ قَبْلَ أَوَانِ الْجِدَادِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ: وَسَقْيُ الْأُصُولِ مُدَّةَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: عَلَى الْمُبْتَاعِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلِكِلَيْهِمَا السَّقْيُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الْمَأْبُورِ وَالْمُنْعَقِدِ إذَا بَقِيَا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعَيْنِ السَّقْيُ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْمُشْتَرِي (وَالدَّارُ الثَّابِتَ كَبَابٍ وَرَفٍّ)
[ ٦ / ٤٤٦ ]
ابْنُ شَاسٍ: لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الدَّارِ الْمَنْقُولَاتُ وَتَنْدَرِجُ الثَّوَابِتُ كَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفُ وَالسَّلَالِيمُ الْمُثَبَّتَةُ بِالْمَسَامِيرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: كُلُّ مَا فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ حِينَ الْبَيْعِ مِمَّا يُنْقَلُ مِنْ دَلْوٍ وَبَكَرَةٍ وَبَابٍ وَحَجَرٍ وَتُرَابٍ كَانَ مُعَدًّا لِإِصْلَاحِ الدَّارِ أَوْ مِمَّا انْهَدَمَ مِنْهَا فَهُوَ لِبَائِعِهَا لَا لِمُبْتَاعِهَا إلَّا بِشَرْطٍ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ وَغَيْرُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَحْوُهُ: قَوْلُهَا مَا كَانَ مُلْقًى فِي الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ بَابٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ سَارِيَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فِيهِ. وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ دَارٍ بِيعَتْ وَفِيهَا نَقْضٌ لِرَجُلٍ هُوَ فِيهَا بِكِرَاءٍ أَوْ أَبْوَابٌ فِي بُيُوتِ الدَّارِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي وَجَبَ لِي كُلُّ مَا فِي الدَّارِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى الْأَبْوَابَ وَالنَّقْضَ لِلْمُكْتَرِي. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَوْ ادَّعَى النَّقْضَ الْمَبْنِيَّ فِي الدَّارِ وَالْأَبْوَابَ الْمُرَكَّبَةَ فِيهَا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ النَّقْضُ مَطْرُوحًا بِالْأَرْضِ وَالْأَبْوَابُ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ لَمَا دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ وَلَكَانَتْ لِلْمُكْتَرِي، بِيعَتْ الدَّارُ أَوْ لَمْ تُبَعْ، مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الدَّارِ.
(وَرَحًا مَبْنِيَّةٍ بِفَوْقَانِيَّتِهَا وَسُلَّمٍ سُمِّرَ وَفِي غَيْرِهِ قَوْلَانِ) سُئِلَ ابْنُ عَتَّابٍ عَمَّنْ بَاعَ دَارًا فِيهَا مَطَاحِنَ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْبَيْعِ وَقَالَ: إنْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَهِيَ لِلْمُبْتَاعِ وَكَذَلِكَ الدُّرْجُ الْمَبْنِيُّ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ فَهِيَ لِلْبَائِعِ وَكَذَلِكَ السُّلَّمُ الَّذِي يُنْقَلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان. وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: الْحَجَرُ الْأَعْلَى لِلْبَائِعِ وَالْأَسْفَلُ لِلْمُبْتَاعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ فَهُوَ كَسَائِرِ الدَّارِ. وَقَالَ فِي السُّلَّمِ: إنَّهُ لِلْمُبْتَاعِ بِخِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ.
قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: وَهَذَا مَذْهَبِي أَنَّ السُّلَّمَ دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: يُؤَيِّدُ مَا قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَابْنُ زَرْبٍ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى. ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ: السُّلَّمُ الْمَبْنِيُّ لِلْمُبْتَاعِ وَالْمَنْقُولُ لِلْبَائِعِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ إنَّ السُّلَّمَ لِلْمُبْتَاعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَطَاحِنِ قِيَاسٌ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا شُفْعَةَ فِي الرَّحَا إنَّمَا يُرِيدُ الْحَجَرَ الْفَوْقِيَّ لَا الْحَجَرَ السُّفْلِيَّ. ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّوَابُ فِي الْمَطَاحِنِ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهَا مَبْنِيَّةً فِي الدَّارِ إذْ لَيْسَتْ مِنْ شِرَاءِ الدَّارِ
[ ٦ / ٤٤٧ ]
وَلَا مِنْ أَنْقَاضِهِ وَإِنَّمَا هِيَ عُرُوضٌ لِلْبَائِعِ مِنْ رَسْمِ مُوصًى مِنْ كِتَابِ الدُّورِ.
(وَتَنَاوَلَ الْعَبْدُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بِيعَتْ الْجَارِيَةُ وَعَلَيْهَا حُلِيٌّ وَثِيَابٌ لَمْ يَشْتَرِطْهَا بَائِعٌ وَلَا مُبْتَاعٌ فَهِيَ لِلْبَائِعِ إلَّا مَا لَا تَتَزَيَّنُ بِهِ فَهُوَ لَهَا. ابْنُ رُشْدٍ: إذَا كَانَ الْحُلِيُّ وَالثِّيَابُ لِلْبَائِعِ لَزِمَهُ أَنْ يَكْسُوَهَا كِسْوَةَ مِثْلِهَا الْبِذْلَةَ وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ (وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ لَا كَمُشْتَرِطِ زَكَاةِ مَا لَمْ
[ ٦ / ٤٤٨ ]
يَطِبْ وَأَنْ لَا عُهْدَةَ وَلَا مُوَاضَعَةَ وَلَا جَائِحَةَ أَوْ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ لِكَذَا فَلَا بَيْعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ اشْتَرَطَ بَيْعَ الْجَارِيَةِ عُرْيَانَةً أَوْ شَرَطَ فِي الْعَبْدِ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِمَا يُوَارِيهَا مِنْ الثِّيَابِ.
الْمُتَيْطِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ السِّتِّ مَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ. وَهِيَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةُ مَنْ بَاعَ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ عَلَى أَنْ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ عَلَى أَنْ لَا مُوَاضَعَةَ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ عَلَى أَنْ لَا جَائِحَةَ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَاعَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ لَهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ نَزَلَ هَذَا جَازَ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ قَالَ: وَأَمَّا بَائِعُ السِّلْعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ فَهِيَ لَهُ فَفَاسِدٌ لَا يَجُوزُ.
اُنْظُرْ آخِرَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ. لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا مِثْلُ الْأَجَلِ الْقَصِيرِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَطَأْهَا.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ زِيَادٍ: إذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَهْنٍ إذَا كَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى اهـ.
مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ أَخْذَ الْجَارِيَةِ عُرْيَانَةً فَسَمِعَ أَشْهَبُ يَبْطُلُ شَرْطُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهَا مَا يُوَارِيهَا، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ غَيْرَ هَذَا. ابْنُ مُغِيثٍ: وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ عِيسَى: وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَرْطُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْقِيَاسُ وَبِهِ الْفَتْوَى. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ أَرْضَهُ بِزَرْعِهَا الْأَخْضَرِ وَقَدْ طَابَ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ حِينَ الْبَيْعِ أَخْضَرَ فَاشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ فَقَالَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ. فَإِنْ اشْتَرَطَ زَكَاتَهُ عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يُجْزِهِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ. الْقَرَافِيُّ: إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِحُدُوثِ سَبَبِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ شَرَطَ إسْقَاطَ الْعُهْدَةِ حَيْثُ الْعَادَةُ بِثُبُوتِهَا فَفِي سُقُوطِهَا وَلُزُومِهَا ثَالِثَهَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ. رَاجِعْهُ فِيهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي صِحَّةِ إسْقَاطِ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ وَبُطْلَانِهِ ثَالِثُهَا يَبْطُلَانِ مُطْلَقًا، وَرَابِعُهَا إنْ شَرَطَ نَقْدَ الثَّمَنِ، وَخَامِسُهَا إنْ تَمَسَّكَ بِالشَّرْطِ،
[ ٦ / ٤٥٠ ]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ بَاعَهَا بِشَرْطِ تَرْكِ الْمُوَاضَعَةِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَيُحْكَمُ بَيْنَهُمَا بِالْمُوَاضَعَةِ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَرْطُ إسْقَاطِ الْجَائِحَةِ لَغْوٌ وَهِيَ لَازِمَةٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَكَذَا فِي الْعَقْدِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فَسَادًا لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْجَائِحَةَ أَمْرٌ نَادِرٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَمِنْ الشُّرُوطِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْبَيْعِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ وَيَفْسَخُ الشَّرْطَ، وَذَلِكَ مَا كَانَ الشَّرْطُ فِيهِ غَيْرَ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّهُ خَفِيفٌ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ وَيَشْتَرِطَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوِهَا فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا (أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا مَالِيَّةَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا إنْ انْتَفَى " إنْ شَرَطَ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا مَالِيَّةَ يُلْغَى (وَصُحِّحَ؟ تَرَدُّدٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُتَيْطِيَّ قَالَ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ شَرَطَ أَخْذَ الْعَبْدِ عُرْيَانًا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ بَاطِلٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ فَتُّوحٍ لَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ قَالَ ابْنُ مُغِيثٍ: وَبِهِ الْفَتْوَى.
(وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ بَدَا صَلَاحُهُ) فِي الْمُوَطَّأِ نَهَى - ﵊ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (وَلَمْ يَسْتَثْنِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: بَيْعُ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَصِحُّ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ نَحْوَ الْبِزْرِ مِنْ الْكَتَّانِ. الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِالشِّرَاءِ دُونَ السُّنْبُلِ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَ قِشْرِهِ عَلَى الْجُزَافِ مَا دَامَ فِيهِ، وَأَمَّا شِرَاءُ السُّنْبُلِ إذَا يَبِسَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ الْمَاءُ فَجَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَّا.
وَفِي رَسْمِ الصُّبْرَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْفُولِ وَالْحِمَّصِ أَخْضَرَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَيْبَسَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا لَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَدْ أَجَازُوا شِرَاءَ الْعِنَبِ وَالتِّينِ إذَا طَابَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ مُشْتَرِيهِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَحَكَى الْفَضْلُ أَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ. (وَقَبْلَهُ مَعَ أَصْلِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ الثَّمَرَةَ الْمَأْبُورَةَ أَنَّهَا لَهُ بِالشَّرْطِ (أَوْ أُلْحِقَ بِهِ) الْبَاجِيُّ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ أَرَادَ
[ ٦ / ٤٥١ ]
أَنْ يُلْحِقَهُ بِالْعَقْدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَثَمَرَةِ النَّخْلِ.
ابْنُ زَرْقُونٍ: وَسَوَاءٌ اسْتَلْحَقَ ذَلِكَ بِحِدْثَانِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ. اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ (أَوْ عَلَى قَطْعِهِ) فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: جَوَازُ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى جَدِّهِ (إنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يَتَمَالَأْ عَلَيْهِ) اللَّخْمِيِّ: شَرْطُ ذَلِكَ بُلُوغُ الثَّمَرِ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ وَاحْتِيجَ لِبَيْعِهِ وَلَمْ يَتَمَالَأْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ مَوْضِعِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ فَسَادٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: شِرَاءُ الْحِصْرِمِ وَسَائِرِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ عَلَى أَنْ يُقْطَعَ جَائِزٌ إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ فِي الرِّوَايَةِ ذَلِكَ فِيمَا عَدَا الْأَمْصَارِ الْقَلِيلَةِ الثِّمَارِ رِفْقًا بِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْفَتَايَا مِنْ الْبَقَرِ الْقَوِيَّةِ الْحَرْثِ لِلذَّبْحِ نَظَرًا لِلْعَامَّةِ وَصَلَاحًا لَهُمْ، وَكَمَا كُرِهَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي التِّينِ أَثَرٌ كَالْجُرْحِ لِيُسْرِعَ لَهَا التَّرْطِيبُ قَبْلَ أَوَانِهِ نَظَرًا لِلْعَامَّةِ إذْ فِيهِ فَسَادٌ لِلثَّمَرَةِ مِنْ رَسْمِ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (لَا عَلَى التَّبْقِيَةِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى بَقَائِهِ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ فَسَادُهُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: هَذَا إنْ شَرَطَا مُصِيبَتَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ الْبَائِعِ وَالْبَيْعُ بِالنَّقْدِ لِأَنَّهُ تَارَةً بَيْعٌ وَتَارَةً سَلَفٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْبَيْعُ بِغَيْرِ نَقْدٍ جَازَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلسُّيُورِيِّ نَحْوُ هَذَا، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَقُولُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ قَوْلَ السُّيُورِيِّ هُوَ الْفِقْهُ. اُنْظُرْ إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى التَّبْقِيَةِ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا عَلَى الْجَدِّ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُبْقِيَهَا. وَانْظُرْ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأَصْلَ أَوْ يَرِثَهُ فَرْقٌ، وَانْظُرْ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَصِيرَ لَهُ بِالْإِرْثِ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ فَرْقٌ، وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْإِبَارِ عَلَى الْبَقَاءِ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ فَلَمْ يَفْطِنْ لِذَلِكَ حَتَّى أَزْهَتْ فَإِنَّ الْبَيْعَ مَاضٍ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الثَّمَرَةِ. وَانْظُرْهُ أَيْضًا إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْإِبَارِ عَلَى الْبَقَاءِ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شِرَاؤُهُ الْأَصْلَ قَبْلَ الْإِبَارِ فَتُفْسَخُ الصِّفَتَانِ أَوْ بَعْدَهُ فَتُفْسَخُ الثَّمَرَةُ وَحْدَهَا فَرْقٌ.
اُنْظُرْ رَسْمَ الثَّمَرَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ (وَالْإِطْلَاقِ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَلَى الْجِدَادِ وَعَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ مُطْلَقًا لَا شَرْطَ فِيهِ، فَأَمَّا عَلَى الْجَدِّ فَيَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا عَلَى التَّبْقِيَةِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا.
(وَبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ إنْ لَمْ يُبَكَّرْ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إذَا أَزْهَى فِي الْحَائِطِ نَخْلَةٌ أَوْ دَالِيَةٌ بِيعَ جَمِيعُهُ بِذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ بَاكُورَةً.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا عُجِّلَ زَهْوُ الْحَائِطِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِذَا أَزْهَتْ الْحَوَائِطُ حَوْلَهُ وَلَمْ يُزْهِ هُوَ جَازَ بَيْعُهُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ حَتَّى يُزْهِيَ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْأَوَّلُ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ لَوْ
[ ٦ / ٤٥٢ ]
مَلَكَ مَا حَوَالَيْهِ جَازَ بَيْعُهَا بِإِزْهَاءِ بَعْضِهَا إلَى أَنْ يَتَفَاحَشَ تَبَاعُدُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ. ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْحَائِطَ فِيهِ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنْ الثَّمَرِ يَبْدُو صَلَاحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ كُلَّ الْحَائِطِ إنْ كَانَ طَيِّبُهُ مُتَتَابِعًا. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ بِالصِّنْفِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ نَخْلٌ كُلُّهُ أَوْ تِينٌ كُلُّهُ أَوْ رُمَّانٌ كُلُّهُ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُ ذَلِكَ إذَا تَتَابَعَ طَيِّبُ جَمِيعِهِ قَرِيبًا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.
قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ إنْ كَانَ لَا يَفْرُغُ آخِرُ الْأَوَّلِ حَتَّى يَطِيبَ أَوَّلُ الْآخِرِ وَيُقَوَّمَ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي رَسْمِ ط ل ق. ابْنُ رُشْدٍ: وَمَا اُسْتُعْجِلَ زَهْوُهُ بِسَبَبِ مَرَضٍ فِي الثَّمَرَةِ وَشَبَهِهِ لَمْ يُبَعْ بِهِ الْحَائِطُ اتِّفَاقًا.
(لَا بَطْنٌ ثَانٍ بِأَوَّلَ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الشَّجَرَةُ تُطْعِمُ بَطْنَيْنِ فِي السَّنَةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لَا يُبَاعُ الْبَطْنُ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ بَلْ كُلُّ بَطْنٍ وَحْدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: " لَا يَجُوزُ " وَإِنْ كَانَ لَا يَنْقَطِعُ الْأَوَّلُ حَتَّى يَبْدُوَ طِيبُ الثَّانِي وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْبَطْنِ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ لَا يَنْقَطِعُ الْأَوَّلُ حَتَّى يُدْرِكَهُ الثَّانِي.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ حِينَ بِيعَ الْأَوَّلُ وَلَا مَرْئِيٌّ بِخِلَافِ الصِّنْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَرْئِيَّانِ حِينَ يَبِيعُ أَوَّلَهُمَا طَيِّبًا، وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ فِيمَا يُطْعِمُ بُطُونًا مُتَوَالِيَةً إلَّا جَوَازَ بَيْعِهِ بِطِيبِ أَوَّلِ بَطْنٍ مِنْهُ، وَلَمْ يَنْقُلْ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَ إنْ قِيلَ: إنَّ الثَّمَرَةَ إنَّمَا تَزِيدُ حَلَاوَةً وَهَذَا بَطْنٌ بَعْدَ بَطْنٍ قِيلَ ذَلِكَ كَاتِّصَالِ خُرُوجِ لَبَنِ الظِّئْرِ يَخْرُجُ كُلَّ حِينٍ، وَقَدْ أَجَازَ اللَّهُ الْإِجَارَةَ عَلَى ذَلِكَ وَالْإِجَارَةُ بَيْعٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَبَيْعِ لَبَنِ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ جُزَافًا شَهْرًا، وَأَمَّا بَيْعُ التِّينِ عِنْدَنَا بِصِقِلِّيَةَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَطْنِ الثَّانِي مِنْهُ بِطِيبِ الْأَوَّلِ لِانْقِطَاعِهِ مِنْهُ وَتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بِخِلَافِ الْمُتَّصِلِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَخِلْفَةِ الْقَصِيلِ ". ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الْحَائِطُ أَصْنَافًا مِثْلَ عِنَبٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ فَلَا يُبَاعُ مَا لَمْ يَطِبْ مِنْ صِنْفٍ بِمَا طَابَ مِنْ آخَرَ اتِّفَاقًا وَلَوْ قَرُبَ وَتَتَابَعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَطِبْ تَبَعًا لِمَا طَابَ عَلَى اخْتِلَافٍ نَذْكُرُهُ. سَمِعَ أَشْهَبُ: لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ شَجَرِ تِينٍ شَتْوِيٍّ لَمْ يَطِبْ الْآنَ وَلَا إلَى شَهْرٍ مَعَ أَشْجَارِ تِينٍ طَابَتْ الْآنَ. ابْنُ رُشْدٍ: إذَا كَانَ الشَّتْوِيُّ لَا يَطِيبُ حَتَّى يَنْقَضِيَ ثَمَرُ الَّذِي لَيْسَ بِشَتْوِيٍّ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّتْوِيِّ بِطَيِّبِ الَّذِي لَيْسَ بِشَتْوِيٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي فِي حَيِّزِ الْبَيْعِ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ. فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَقَالَ التُّونِسِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي بَقَاءِ مَا لَمْ يَطِبْ لِلْبَائِعِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ الْحَائِطِ لِسَقْيِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُبْتَاعُ أَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعِيَالِهِ فِي الْحَائِطِ وَشَرَطَ السَّقْيَ عَلَى نَفْسِهِ لَجَازَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الشَّجَرَةِ فِي الدَّارِ، فَسَمَاعُ أَشْهَبَ مُخَالِفٌ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ التُّونِسِيُّ انْتَهَى. اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجَوَائِحِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنَّهُ أَتَى بِقَوْلِ التُّونِسِيِّ فِقْهًا مُسَلَّمًا غَيْرَ مَعْزُوٍّ. الْمُتَيْطِيُّ: سَقْيُ الثَّمَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى الْبَائِعِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ -: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ يَكُونَ بِهِ عُرْفٌ كَمَا بِبَلَدِنَا غَرْنَاطَةَ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ وَالْمَقَاثِئِ. وَمِنْ
[ ٦ / ٤٥٣ ]
الِاسْتِغْنَاءِ مَا نَصُّهُ: الْقَضَاءُ فِي قُبَالَةِ الْجِنَانِ وَالشَّجَرِ وَإِذَا كَانَتْ الشَّجَرُ فِي الْجِنَانِ قَلِيلَةً تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ ثُلُثِ الْقُبَالَةِ جَازَ قُبَالَتُهَا وَاشْتِرَاطُ الشَّجَرِ، وَإِنَّمَا تُقْسَمُ الْقِيمَةُ عَلَيْهَا بِقُبَالَةِ الْأَرْضِ بِلَا شَجَرٍ وَعَلَى الْعَامِلِ الشَّجَرُ وَمَا يُسَاوِي ذَلِكَ وَمُؤْنَتُهُ ثُمَّ يَفُضُّ الْجَمِيعَ، فَإِذَا وَقَعَ ثَمَرُ الشَّجَرِ فِي الثُّلُثِ جَازَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ
حَمْدِيسٌ: فَإِنْ اسْتَثْنَى الْمُتَقَبِّلُ بَعْضَ الشَّجَرِ إذَا كَانَتْ تَبَعًا لَمْ يَجُزْ وَإِنَّمَا يَسْتَثْنِي الْجَمِيعَ أَوْ يَتْرُكُ.
قَالَ الْجَزِيرِيُّ: وَيَعْقِدُ فِي ذَلِكَ اكْتَرَى فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ جَمِيعَ الْجَنَّةِ الَّتِي بِغَرْبِيِّ مَدِينَةِ كَذَا بِقَاعَتِهَا وَبَيْتِ الْجِنَانِ مِنْهَا وَبِئْرِ سَقْيِهَا وَصِهْرِيجِهَا وَسَوَادِهَا كُلِّهَا إذْ هُوَ تَبَعٌ لِبَيَاضِهَا، وَعَلِمَ أَنَّ ثَمَرَةَ سَوَادِ الْجَنَّةِ تَطِيبُ كُلَّ عَامٍ قَبْلَ انْقِضَائِهِ قَالَ: وَجَرَتْ عَادَةُ بَعْضِهِمْ بِأَنْ يُفْتَتَحَ الْعَقْدُ بِاسْمِ الْقُبَالَةِ فَيَقُولَ تَقَبُّلُ فُلَانٍ الْأَوَّلِ أَحْسَنُ. .
(وَهُوَ الزَّهْوُ) . الْبَاجِيُّ: الْإِزْهَاءُ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ تَبْدُوَ فِيهَا الْحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ وَهُوَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الثُّرَيَّا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ مايه الْأَعْجَمِيِّ.
(وَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ وَالتَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ) الْبَاجِيُّ: وَبُدُوُّ صَلَاحِ التِّينِ أَنْ يَطِيبَ وَتُوجَدَ فِيهِ الْحَلَاوَةُ وَيَظْهَرَ السَّوَادُ فِي أَسْوَدِهِ وَالْبَيَاضُ فِي أَبْيَضِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ الْأَسْوَدُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ أَنْ يَنْحُوَ إلَى السَّوَادِ وَأَنْ يَنْحُوَ أَبْيَضُهُ إلَى الْبَيَاضِ مَعَ النُّضْجِ، وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ أَنْ يَنْحُوَ إلَى السَّوَادِ (وَفِي ذِي النَّوْرِ بِانْفِتَاحِهِ وَالْبُقُولِ بِإِطْعَامِهَا) الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقَاثِئِ وَالْمَبَاطِخِ إذَا بَدَا صَلَاحُ أَوَّلِهَا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَا بَعْدَهُ، وَكُلُّهُ لِلْمُشْتَرِي إلَى تَمَامِ إطْعَامِهِ، وَالْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ إذَا آنَ قِطَافُ أَوَّلِهِ وَكُلِّهِ لِلْمُشْتَرِي إلَى آخِرِ إبَّانِهِ. الْبَاجِيُّ: وَأَمَّا الْجَزَرُ وَاللِّفْتُ وَالْفُجْلُ وَالثُّومُ وَالْبَصَلُ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ إذَا اسْتَقَلَّ وَرَقُهُ وَانْتُفِعَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ فَسَادٌ، وَقَصَبُ السُّكَّرِ إذَا طَابَ وَلَمْ يَكُنْ كَسْرُهُ فَسَادًا، وَالْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَسَائِرُ الْأَنْوَارِ أَنْ يَنْفَتِحَ كِمَامُهُ وَيَظْهَرَ نَوْرُهُ، وَالْقَصَبُ وَالْقَصِيلُ وَالْقُرْطُ إذَا بَلَغَ أَنْ يُرْعَى دُونَ فَسَادٍ (وَهَلْ هُوَ فِي الْبِطِّيخِ الِاصْفِرَارُ أَوْ التَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ؟ قَوْلَانِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقِثَّاءِ وَالْفَقُّوسِ، إذَا بَلَّحَ وَذَلِكَ حِينَ يُؤْكَلُ فَيُوجَدُ لَهُ طَعْمٌ عِنْدَ أَوَّلِ ظُهُورِهِ، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ إذَا نَحَى نَاحِيَةَ الْبِطِّيخِ بِالِاصْفِرَارِ، وَاللَّبَنُ وَالطِّيَابُ وَالْجَزَرُ وَالْمَوْزُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ بَقِيَّةِ بُطُونِهِ، وَانْظُرْ رَسْمَ الْبُيُوعِ الْأَوَّلَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ أَنَّ شِرَاءَ لَبَنِ الْغَنَمِ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ جَائِزٌ بِخِلَافِ شِرَاءِ ثَمَرَةِ الْمَقْثَأَةِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ ثَمَرَةِ الْمَقْثَأَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ بِخِلَافِ ثَمَرَةِ الْمَقْثَأَةِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشْهَبَ: بُدُوُّ صَلَاحِ الْبِطِّيخِ أَنْ يُؤْكَلَ فَقُّوسًا قَدْ تَهَيَّأَ لِلنُّضْجِ وَأَمَّا الصِّفَارُ فَلَا يُرَاعَى. ابْنُ حَبِيبٍ: الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ (وَلِلْمُشْتَرِي بُطُونٌ كَيَاسَمِينِ وَمَقْثَأَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُتَيْطِيِّ: " كُلُّهُ لِلْمُشْتَرِي إلَى آخِرِ إبَّانِهِ " وَقَوْلُهُ فِي الْمَقَاثِئِ: " إلَى تَمَامِ إطْعَامِهِ.
" (وَلَا يَجُوزُ بِكَشَهْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا تُطْعِمُ
[ ٦ / ٤٥٤ ]
الْمَقْثَأَةُ شَهْرًا لِاخْتِلَافِ الْحَمْلِ فِي كَثْرَةِ الْحَمْلِ وَقِلَّتِهِ (وَوَجَبَ ضَرْبُ الْأَجَلِ إنْ اسْتَمَرَّ كَالْمَوْزِ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ كَالْمَقَاثِئِ، وَأَمَّا الْمَوْزُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَرْبِ الْأَجَلِ أَوْ يُسْتَثْنَى بُطُونًا مَعْلُومَةً.
(وَمَضَى بَيْعُ حَبٍّ أَفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ) سَمِعَ يَحْيَى: سَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الزَّرْعَ وَقَدْ أَفْرَكَ، وَالْفُولَ وَقَدْ امْتَلَأَ حَبُّهُ وَهُوَ أَخْضَرُ، وَالْحِمَّصَ وَالْعَدَسَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَتْرُكُهُ مُشْتَرِيهِ حَتَّى يَيْبَسَ وَيُحْصَدَ، أَيَجُوزُ بَيْعُهُ؟ فَقَالَ: إنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَيْبَسَ مَضَى الْبَيْعُ وَلَمْ يُفْسَخْ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ مَنْ يَشْتَرِي الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ لِأَنَّ النَّهْيَ جَاءَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ بَيْعِ الزَّرْعِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أَفْرَكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَتَّى يَيْبَسَ، فَأَنَا أُجِيزُ الْبَيْعَ إذَا فَاتَ بِالْيُبْسِ لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَأَرُدُّهُ إذَا عُلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَيْبَسَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ إلَّا أَنَّهُ إذَا بِيعَ عِنْدَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَفْرَكَ وَقَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ لَا يَحْكُمُونَ لَهُ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. ابْنُ شِهَابٍ: وَظَاهِرُ مَا فِي السَّلَمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَإِنْ قَبَضَ مَا لَمْ يَفُتْ بَعْدَ الْقَبْضِ. وَقَوْلُهُ فِي الْفُولِ وَالْحِمَّصِ: " إنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ أَخْضَرَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَيْبَسَ " هُوَ مِثْلُ مَا لَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ أَجَازُوا شِرَاءَ الْعِنَبِ وَالثَّمَرِ إذَا طَابَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَيْبَسَ. وَحَكَى الْفَضْلُ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ) مَالِكٌ: الْعَرِيَّةُ هِبَةُ الثَّمَرِ مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ. فِي الْمُوَطَّأِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» (وَقَائِمٍ مَقَامَهُ وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا بَاعَ الْمُعْرِي أَصْلَ حَائِطِهِ دُونَ ثَمَرَتِهِ أَوْ ثَمَرَتَهُ دُونَ أَصْلِهِ أَوْ الثَّمَرَةَ مِنْ رَجُلٍ وَالْأَصْلَ مِنْ آخَرَ، وَجَازَ لِمَالِكِ الثَّمَرَةِ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ الْأُولَى بِخَرْصِهَا تَمْرًا إلَى الْجُذَاذِ. قَالَ: وَلَوْ بَاعَ الْمُعْرِي عَرِيَّتَهُ بَعْدَ الزَّهْوِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ وَهَبَهَا جَازَ لِمُعْرِيهَا شِرَاؤُهَا بِالْخَرْصِ مِمَّنْ صَارَتْ لَهُ كَمَنْ أَسْكَنْته دَارًا حَيَاتَهُ فَوَهَبَ هُوَ سُكْنَاهَا لِغَيْرِهِ، كَانَ لَك شِرَاءُ السُّكْنَى مِنْ الْمَوْهُوبِ كَمَا كَانَ لَك شِرَاؤُهَا مِنْ الَّذِي
[ ٦ / ٤٥٥ ]
وَهَبْته. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَسْكَنْته حَيَاتَهُ أَنْ يَبِيعَ سُكْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَلَهُ أَنْ يَهَبَهُ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَإِذَا بَاعَ الْمُعْرِي أَصْلَ حَائِطِهِ وَثَمَرَتَهُ جَازَ لَهُ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ يُجِيزُ شِرَاءَهَا لِوَجْهَيْنِ لِلرِّفْقِ وَلِدَفْعِ الضَّرَرِ فَهُوَ رِفْقٌ بِالْمُعْرِي.
(اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ كَلَوْزٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَعْرَاهُ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِثْلَ التَّمْرِ وَالتِّينِ وَالْعِنَبِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَشِبْهِهِ، جَازَ لِمُعْرِيهَا أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّمَرَةَ إذَا أَزْهَتْ وَحَلَّ بَيْعُهَا لَا قَبْلَ ذَلِكَ بِخَرْصِهَا يَابِسَةً إلَى الْجُذَاذِ إنْ كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ عَلَى التَّأْجِيلِ ثُمَّ يُرِيدُ التَّعْجِيلَ وَيَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ فَالْمَنْصُوصُ جَوَازُهُ، وَإِذَا جَازَ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِالْخَرْصِ فَهُوَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ أَجْوَزُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَلَا كَمَوْزٍ إنْ لَفَظَ بِالْعَرِيَّةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ وَهَبَ ثَمَرَ حَائِطِهِ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ أَوْ ثَمَرَ نَخْلٍ مُعَيَّنَةٍ سِنِينَ قَبْلَ الزَّهْوِ لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاءُ ثَمَرَةِ ذَلِكَ أَوْ بَعْضِهِ بِالْخَرْصِ وَلَكِنْ بِعَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ، وَالسَّقْيُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَوْهُوبِ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ إنْ بَلَغَ حِصَّةَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَرِيَّةِ وَالْهِبَةِ فِي السَّقْيِ وَالزَّكَاةِ وَانْظُرْ الصَّدَقَةَ.
(وَبَدَا صَلَاحُهَا وَكَانَ خَرْصُهَا وَنَوْعُهَا يُوفِي عِنْدَ الْجُذَاذِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِثَمَرٍ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا إلَى الْجُذَاذِ وَلَا بِرُطَبٍ أَوْ بُسْرٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا مِنْ صِنْفِهَا إلَى الْجُذَاذِ بِعَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا قَبْلَ زَهْوِهَا بِعَيْنٍ وَلَا بِعَرَضٍ إلَّا عَلَى أَنْ يَجُذَّهَا مَكَانَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا لِتَخَرُّصِهَا تَمْرًا جَذَّهَا أَوْ لَمْ يَجُذَّهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تُبَاعُ بِخَرْصِهَا مِنْ بَرْنِيِّ وَهِيَ عَجْوَةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَجُوزُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَنْ يُعْطِيَهُ تَمْرًا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا كَالطَّعَامِ الْقَرْضِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بَعْدَ الْأَجَلِ خِلَافَ صِنْفِهِ مِثْلَ الْكَيْلِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ مِنْ بَيْعٍ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْعَرَايَا طَرِيقُهَا الْمَعْرُوفُ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَجُوزَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ
[ ٦ / ٤٥٦ ]
كَالْقَرْضِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ تَطَوَّعَ لَهُ بِتَعْجِيلِ خَرْصِهَا قَبْلَ الْجُذَاذِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ. الْبَاجِيُّ: مَا يُتَمَّرُ وَلَا يُزَبَّبُ مِنْ الْعِنَبِ فَعَلَى شَرْطِ التَّيْبِيسِ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ تَمْرًا فَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ صِنْفٍ غَيْرِهِ (فِي الذِّمَّةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِعَجْوَةٍ مِنْ صِنْفِهَا مِنْ حَائِطٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ وَلَكِنْ بِتَمْرٍ مَضْمُونٍ عَلَيْهَا مِنْ صِنْفِهَا (وَخَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا إنْ كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ.
(وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ يُونُسَ: إذَا أَعْرَاهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَاشْتَرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالْخَرْصِ وَالزَّائِدَ عَلَيْهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ بَلَدِنَا: إنَّهُ جَائِزٌ. وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّهَا كَمُسَاقَاةٍ وَبَيْعٍ وَقِرَاضٍ وَبَيْعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الرُّخْصَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ هَذَا (إلَّا لِمَنْ أَعْرَى عَرَايَا فِي حَوَائِطَ فَمِنْ كُلٍّ خَمْسَةٌ إنْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ لَا بِلَفْظٍ عَلَى الْأَرْجَحِ) حُكِيَ عَنْ الْقَابِسِيِّ فِي الرَّجُلِ يُعْرِي حَوَائِطَ لَهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ أَعْرَى الْحَوَائِطَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ لِرَجُلَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إنْ أَعْرَى تِلْكَ الْحَوَائِطَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَا يَشْتَرِي مِنْ جَمِيعِ الْحَوَائِطِ بِالْخَرْصِ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. قَالَ حَاكِي الْقَوْلَيْنِ وَيَظْهَرُ لِي إنْ كَانَ أَعْرَى ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَعَقْدٍ وَاحِدٍ فَهِيَ عَرِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَشْتَرِي مِنْ الْحَوَائِطِ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَقَطْ، وَإِنْ أَعْرَاهُ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَيَحْسُنُ هَاهُنَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِخَرْصِهَا لِأَنَّهَا عَرِيَّةٌ بَعْدَ عَرِيَّةٍ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ اشْتَرَى حَوَائِطَ فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ شِرَاؤُهُ لِذَلِكَ فِي صَفَقَاتٍ فَجَائِحَةُ كُلِّ حَائِطٍ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي صَفْقَةٍ رُوعِيَ ثُلُثُ الْجَمِيعِ. اهـ.
نَصُّ ابْنِ يُونُسَ: (لِدَفْعِ الضِّرَارِ أَوْ لِلْمَعْرُوفِ) تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَجَازَ شِرَاءَهَا لِلْوَجْهَيْنِ: لِلرِّفْقِ وَلِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ عَرِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ وَثَمَرَتَهُ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ
[ ٦ / ٤٥٧ ]
لِهَذَا الْمُشْتَرِي شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ الْأُولَى بِخَرْصِهَا إلَى الْجُذَاذِ (فَيَشْتَرِي بَعْضَهَا) قَالَ مَالِكٌ: لِلْمُعْرِي خَمْسَةَ أَوْسُقٍ شِرَاءُ بَعْضِهَا بِالْخَرْصِ، وَإِنْ أَعْرَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَهُ شِرَاءُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَقَدْ يَجُوزُ لِمَنْ أَسْكَنَ رَجُلًا حَيَاتَهُ شِرَاءُ بَعْضِ السُّكْنَى، وَمَنْ مَاتَ مِنْ مُعْرٍ أَوْ مُعْرًى جَازَ لِوَرَثَتِهِ مَا جَازَ لَهُ (كَكُلِّ الْحَائِطِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ أَعْرَى جَمِيعَ حَائِطِهِ وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ أَدْنَى جَازَ لَهُ شِرَاءُ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِالْخَرْصِ (وَبَيْعِهِ الْأَصْلَ) نَقَصَ هُنَا كَلَامٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ إذَا بَاعَ الْمُعْرِي أَصْلَ حَائِطِهِ وَثَمَرَتَهُ جَازَ لَهُ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ لِأَنَّهُ رِفْقٌ بِالْمُعْرِي، وَمَا كَانَ خَلِيلٌ لِيَتْرُكَ هَذَا الْفَرْعَ لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَ مَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ هُنَا وَمَا رَجَّحَهُ فَقَوْلُهُ: " وَبَيْعِهِ الْأَصْلَ " لَا شَكَّ أَنَّهُ يُرِيدُ هَذَا الْفَرْعَ.
(وَجَازَ لَك شِرَاءُ أَصْلِ حَائِطِك بِخَرْصِهِ إنْ قَصَدْت الْمَعْرُوفَ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَلَكَ رَجُلٌ نَخْلَةً فِي حَائِطِك فَلَكَ شِرَاءُ ثَمَرَتِهَا مِنْهُ بِالْخَرْصِ أَوْ مِمَّنْ صَارَتْ لَهُ كَالْعَرِيَّةِ إنْ أَرَدْت بِذَلِكَ رِفْقَهُ بِكِفَايَتِك إيَّاهُ مُؤْنَتَهَا، وَإِنْ كَانَ لِدَفْعِ ضَرَرِ دُخُولِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي بِخِلَافِ الْعَرِيَّةِ يَجُوزُ شِرَاؤُهَا بِخَرْصِهَا لِمُعْرِيهَا لِوَجْهَيْنِ: إمَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ أَوْ لِلرِّفْقِ فِي الْكِفَايَةِ (وَبَطَلَتْ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْزِ وَهَلْ هُوَ حَوْزُ الْأُصُولِ أَوْ أَنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ حَبِيبٍ: حِيَازَةُ الْعَرِيَّةِ بِوَجْهَيْنِ: قَبْضُ الْأُصُولِ وَأَنْ يَطْلُعَ فِيهَا ثَمَرٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْرِي، فَإِنْ قَبَضَهَا وَلَمْ يَطْلُعْ فِيهَا ثَمَرٌ حَتَّى مَاتَ الْمُعْرِي بَطَلَتْ، قَالَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِبَارِ فَهُوَ حَوْزٌ لِأَنَّ الْمُعْطِي يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَلَا يُمْنَعُ، وَكَمَنْ وَهَبَ أَرْضًا بِصَحْرَاءَ فَحَوْزُهَا أَنْ تُسَلَّمَ إلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا قَبْلَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَلَا
[ ٦ / ٤٥٨ ]
شَيْءَ لِلْمُعْرِي إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَرِيَّةُ مِمَّا تَسْلَمُ لِلْمُعْرِي فَتُحَازُ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَحُزْ حَتَّى مَاتَ رَبُّهَا جَازَ وَإِنْ لَمْ تُؤَبَّرْ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَخَيْرٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: إذَا وَهَبَهُ مَا تَلِدُ أَمَتُهُ أَوْ ثَمَرَ نَخْلِ عِشْرِينَ سَنَةً جَازَ ذَلِكَ إذَا حَوَّزَهُ الْأَصْلِيَّ أَوْ الْأَمَةَ أَوْ حَازَ لَهُ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِأَنَّ ثَمَرَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.
(وَزَكَاتُهَا وَسَقْيُهَا عَلَى الْمُعْرِي وَكَمُلَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: زَكَاةُ الْعَرِيَّةِ وَسَقْيُهَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ إلَّا مَعَ بَقِيَّةِ حَائِطِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ: أَعْرَاهُ جُزْءًا شَائِعًا أَوْ نَخْلَةً مُعَيَّنَةً أَوْ جَمِيعَ الْحَائِطِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُعْطِيهِ ثَمَرَ جَمِيعِ الْحَائِطِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ غَيْرُهُ (بِخِلَافِ الْوَاهِبِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ لَفَظَ بِالْعَرِيَّةِ ".
(وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَقْضِي بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ وَلَا يَنْفَعُ الْبَائِعَ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْجَائِحَةِ (كَالْمَوْزِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا جَازَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فَالْجَائِحَةُ فِيهِ إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ إلَّا الْمَوْزَ فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ فِيهِ وَتُوضَعُ فِيهِ
[ ٦ / ٤٥٩ ]
الْجَائِحَةُ إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ فَكَانَتْ فِيهَا الْجَائِحَةُ كَالثِّمَارِ، وَلَمْ يَجُزْ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَجُزْ ثُمَّ تُخْلَفُ كَالْبُقُولِ (وَالْمَقَاثِئِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا بِيعَ مِمَّا يُطْعِمُ بُطُونًا كَالْمَقَاثِئِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَشِبْهِهِ مِنْ الثِّمَارِ، أَوْ مِمَّا لَا يُخْرَصُ وَلَا يُدَّخَرُ مِمَّا يُطْعِمُ فِي كَرَّةٍ إلَّا أَنَّ طَيِّبَهُ يَتَفَاوَتُ وَلَا يُحْبَسُ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ كَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالْخَوْخِ وَالتِّينِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْهُ وَمِثْلُ الْأُتْرُجِّ والقراسيا وَالرُّمَّانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ أُجِيحَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نُظِرَ؛ فَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فِي النَّبَاتِ فَأَكْثَرَ فِي أَوَّلِ مَجْنَاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ حُطَّ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرُ قِيمَتِهِ فِي زَمَنِهِ مِنْ قِيمَةِ بَاقِيهِ، كَانَ فِي الْقِيمَةِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرَ. وَإِنْ كَانَ الْمُجَاحُ مِنْ الْجَمِيعِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ لَا فِي الْقِيمَةِ، فَلَا تُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ نَافَتْ قِيمَتُهُ عَنْ الثُّلُثِ أَوْ نَقَصَتْ، مِثْلَ أَنْ يَبْتَاعَ مَقْثَأَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأُجِيحَ بَطْنٌ مِنْهَا ثُمَّ جَنَى بَطْنَيْنِ فَانْقَطَعَتْ، فَإِنْ كَانَ الْمُجَاحُ مِمَّا لَمْ يُجَحْ قَدْرَ ثُلُثِ النَّبَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ نَاحِيَةَ النَّبَاتِ وُضِعَ قَدْرُهُ.
وَقِيلَ: مَا قِيمَةُ الْمُجَاحِ فِي زَمَنِهِ؟ فَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَالْبَطْنُ الثَّانِي عِشْرُونَ، وَالثَّالِثُ عَشَرَةٌ فِي زَمَانَيْهِمَا لَغَا، وَلَهُ إنْ قَلَّ رَخْصٌ آخَرُ وَإِنْ كَثُرَ فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُجَاحُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْقِيمَةِ لَرَجَعَ بِمِثْلِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فِي النَّبَاتِ لَمْ يُوضَعْ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الصَّفْقَةِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا يَتَفَاوَتُ طَيِّبُهُ مِمَّا لَيْسَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ. ابْنُ يُونُسَ: وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَكُونُ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَهُوَ الثَّمَرَةُ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَا جَائِحَةَ فِيهِ وَرَاعَى أَشْهَبُ الْقِيمَةَ.
(وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ فُولًا أَخْضَرَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْقُطْنِيَّةِ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهَا خَضْرَاءَ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ وُضِعَ عَنْهُ ثُلُثُ الثَّمَنِ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَأْخِيرِهِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اشْتَرَى بَلَحَ الثِّمَارِ كُلِّهَا التِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَجِدَّهُ قَبْلَ طِيبِهِ فَأُجِيحَ قَبْلَ الْجَذِّ، فَهُوَ كَالثِّمَارِ تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِدُّهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَأَشْبَهَ جَنْيَ الثَّمَرَةِ فَكَانَتْ فِيهِ الْجَائِحَةُ.
(وَمِنْ عَرِيَّتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْرَى حَائِطَهُ رَجُلًا ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ يَخْرُصُهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلْيُوضَعْ ذَلِكَ عَنْهُ مِثْلَ مَا يُوضَعُ عَنْهُ فِي الشِّرَاءِ سَوَاءً. ابْنُ يُونُسَ: صَوَابٌ (لَا مَهْرَ) ابْنُ يُونُسَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ نَكَحَ بِثَمَرَةِ حَائِطِهِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا وَالْمُصِيبَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ الْمُكَارَمَةُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِيهَا الْجَائِحَةُ.
[ ٦ / ٤٦٠ ]
ابْنُ يُونُسَ: صَوَابٌ.
(إنْ بَلَغَتْ نِصْفَ الْمَكِيلَةِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا بِيعَ مِنْ الثِّمَارِ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَيُتْرَكُ حَتَّى يَجُذَّهُ جَمِيعَهُ مِمَّا يُخْرَصُ أَمْ لَا كَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْجِلَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَأَصَابَتْ مِنْهُ قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فَأَكْثَرَ فِي كَيْلٍ أَوْ مِقْدَارٍ فِي الْقِيمَةِ، وُضِعَ عَنْ الْمُبْتَاعِ قَدْرُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ إنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ رَجَعَ بِثُلُثِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ بِلَا تَقْوِيمٍ، وَإِنْ أُجِيحَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ فِي الْمِقْدَارِ لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ شَيْءٌ (وَلَوْ مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ التَّمْرِ بَرْنِيُّ وَعَجْوَةٌ وشقم وَغَيْرِهَا فَأُجِيحَ أَحَدُهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فِي الْكَيْلِ مِنْ الْأَصْنَافِ وُضِعَ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرُ ثُلُثَيْهِ مِنْ جَمِيعِهَا، نَافَ عَلَى ثُلُثِ الثَّمَنِ أَوْ نَقَصَ (وَبُقِّيَتْ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا) ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا لَا يُبَاعُ إلَّا بَعْدَ يُبْسِهِ مِنْ
[ ٦ / ٤٦١ ]
الْحُبُوبِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ حَبِّ فُجْلِ الزَّيْتِ فَلَا جَائِحَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا بَاعَهُ فِي الْأَنَادِرِ. وَمَا بِيعَ مِنْ ثَمَرِ نَخْلٍ وَعِنَبٍ وَغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ فَصَارَ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ، وَلَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ حِينَ الزَّهْوِ ثُمَّ أُجِيحَ بَعْدَ إمْكَانِ جُذَاذِهِ وَتَيْبِيسِهِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ وَكَأَنَّك ابْتَعْتهَا بَعْدَ إمْكَانِ الْجُذَاذِ.
قَالَ سَحْنُونَ: إذَا تَنَاهَى الْعِنَبُ الْمُشْتَرَى وَآنَ قِطَافُهُ حَتَّى لَا يَتْرُكَهُ تَارِكُهُ إلَّا لِسُوقٍ يَرْجُوهُ أَوْ لِشُغْلٍ يَعْرِضُ لَهُ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ وَلَا سَقْيَ عَلَى بَائِعِهِ بِخِلَافِ النَّخْلِ. السَّقْيُ عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يَيْبَسَ الثَّمَرُ وَالْجَائِحَةُ فَإِذَا يَبِسَ سَقَطَتْ الْجَائِحَةُ وَالسَّقْيُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونُ إذَا بَلَغَ مِنْ الطِّيَابِ الْمِقْدَارَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ جَمْعُهُ كُلِّهِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ.
(وَأُفْرِدَتْ) ابْنُ يُونُسَ: إذَا اشْتَرَى الْأَصْلَ وَالثَّمَرَ مَعًا وَهُوَ مُزْهٍ أَوْ غَيْرُ مُزْهٍ، تَبَعٌ أَوْ غَيْرُ تَبَعٍ، فَلَا جَائِحَةَ فِي الثَّمَرَةِ (أَوْ أُلْحِقَ الْأَصْلُ) ابْنُ يُونُسَ: إنْ اشْتَرَى ثَمَرًا بَعْدَ زَهْوِهِ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ فَفِيهَا الْجَائِحَةُ (لَا عَكْسُهُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ اشْتَرَى الْأَصْلَ ثُمَّ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ بَعْدُ فَلَا جَائِحَةَ أَصْلًا، وَكَذَا فِي الْأَسَدِيَّةَ وَرَوَاهُ يَحْيَى وَسَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فِيهِ الْجَائِحَةَ. ابْنُ يُونُسَ: كَأَنَّهُ يَقُولُ السَّقْيُ بَاقٍ عَلَى الْبَائِعِ فَعَلَيْهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ (أَوْ مَعَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ إنْ اشْتَرَى الْأَصْلَ وَالثَّمَرَ مَعًا فَلَا جَائِحَةَ.
(وَنُظِرَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْبُطُونِ إلَى مَا بَقِيَ فِي زَمَنِهِ لَا يَوْمَ الْبَيْعِ) اُنْظُرْ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمَقَاثِئُ " (وَلَا يُعَجِّلُ عَلَى الْأَصَحِّ) مِنْ النُّكَتِ: إذَا أُجِيحَ أَوَّلُ بُطُونِ الْمَقْثَأَةِ هَلْ يَسْتَعْجِلُ التَّقْوِيمَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْبُطُونِ الْآنَ عَلَى مَا جَرَى مِنْ عُرْفِ عَادَتِهَا، أَوْ يَسْتَأْنِي حَتَّى تُجْنَى جَمِيعُ الْبُطُونِ؟ وَأَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي الِاسْتِينَاءُ حَتَّى يَجْنِيَ جَمِيعَ الْبُطُونِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي أَمْرٍ يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً شَاهَدَهُ عِيَانًا. وَتَأَوَّلَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّ التَّقْوِيمَ يَوْمَ الْبَيْعِ.
(وَفِي الْمُزْهِيَةِ التَّابِعَةِ لِلدَّارِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا فِيهَا نَخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ فَاشْتَرَطَهَا الْمُكْتَرِي فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ أُجِيحَ ثَمَرُهَا فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا، أُبِّرَتْ فِي حِينِ الْكِرَاءِ أَوْ لَمْ تُؤَبِّرْ، طَابَتْ أَوْ لَمْ تَطِبْ، لِأَنَّهَا لَا حِصَّةَ لَهَا إذَا كَانَتْ تَبَعًا كَمَالِ الْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَبَعًا فَاشْتَرَطَهَا الْمُكْتَرِي فَإِنْ لَمْ تُزْهِ فَسَدَتْ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا، وَإِنْ أَزْهَتْ جَازَتْ وَفِيهَا الْجَائِحَةُ. اللَّخْمِيِّ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الثَّمَرَةِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ
[ ٦ / ٤٦٢ ]
وَأُصِيبَ جَمِيعُهَا أَوْ ثُلُثُهَا فَأَكْثَرُ فَقِيلَ: لَا جَائِحَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا تَبَعٌ، وَقِيلَ: فِيهَا الْجَائِحَةُ وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهَا مُشْتَرَاةٌ وَلَيْسَتْ بِمُلْغَاةٍ.
(وَهَلْ هِيَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ أَوْ وَسَارِقٍ خِلَافٌ) مِنْ، الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنْ الْجَرَادِ وَالرِّيحِ وَالنَّارِ وَالْغَرَقِ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ وَالطَّيْرِ الْغَالِبِ وَالدُّودِ وَعَفَنِ الثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرِ وَالسُّمُومِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِحَةٌ تُوضَعُ عَنْ الْمُبْتَاعِ إنْ أَصَابَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وَالْجَيْشُ يَمُرُّ بِالنَّخْلِ فَيَأْخُذُ ثَمَرَتَهُ فَذَلِكَ جَائِحَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ سَرَقَهَا سَارِقٌ كَانَتْ جَائِحَةً أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: لَيْسَ السَّارِقُ جَائِحَةً. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْوَبُ لِأَنَّهُ فِعْلُ
[ ٦ / ٤٦٣ ]
مَخْلُوقٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ كَالْجَرَادِ (وَتَعْيِيبُهَا كَذَلِكَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ عَابَهَا السُّمُومُ وَلَمْ يُسْقِطْ مِنْهَا شَيْئًا فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ أَوْ يَتَمَسَّكُ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ إسْقَاطِهِ ثُلُثَهَا رَجَعَ بِمَنَابِ السَّاقِطِ وَلَهُ فِي الْبَاقِي حُكْمُ الْعَيْبِ، إمَّا أَنْ يَتَمَاسَكَ بِهِ بِجَمِيعِ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدُّ بِالْعَيْبِ. وَكَذَلِكَ الْغُبَارُ إنْ أَعَابَهَا وَلَمْ يُسْقِطْ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ أَوْ يَتَمَسَّكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ فِي هَذَا إلَّا مَا نَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّمَرَةِ يُصِيبُهَا غُبَارٌ أَوْ تُرَابٌ حَتَّى تَبْيَضَّ وَتَصِيرَ بَلَحًا وَتَتَفَتَّتَ: إنَّهُ جَائِحَةٌ، وَفِي الزَّاهِي إنْ أُسْقِطَتْ الثَّمَرَةُ بِرِيحٍ وَأَمْكَنَ لَقْطُهَا فَهِيَ جَائِحَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ بِجَائِحَةٍ وَلَوْ أُصِيبَتْ سَائِرُهَا سَقَطَ ثُلُثُ ثَمَنِهَا وَالْمَكِيلَةُ قَائِمَةٌ، فَفِي كَوْنِهَا جَائِحَةً قَوْلَانِ، الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِحَةٍ انْتَهَى. رَاجِعْ هَذَا وَتَأَمَّلْهُ.
(وَتُوضَعُ مِنْ الْعَطَشِ وَإِنْ قَلَّتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا إنْ هَلَكَتْ الثَّمَرَةُ مِنْ انْقِطَاعِ مَاءِ السَّمَاءِ أَوْ انْقَطَعَ عَنْهَا عَيْنٌ يَسْقِيهَا فَهَذَا يُوضَعُ قَلِيلُ مَا هَلَكَ بِسَبَبِهِ وَكَثِيرُهُ بِخِلَافِ الْجَوَائِحِ، وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ شِرْبِ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ لِسَقْيِ أَرْضِهِ دُونَ شِرَاءِ أَصْلِ الْعَيْنِ. فَإِنْ غَارَ الْمَاءُ فَنَقَصَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ نَقَصَ قَدْرُ ثُلُثِ الشِّرْبِ الَّذِي ابْتَاعَ وُضِعَ عَنْهُ كَجَوَائِحِ الثِّمَارِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَا أَرَى أَنَّهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ.
التُّونِسِيُّ: اُنْظُرْ لَوْ مَاتَ دُودُ الْحَرِيرِ الَّذِي لَا يُرَادُ وَرَقُ التُّوتِ إلَّا لِأَكْلِهِ، هَلْ مُشْتَرِيهِ كَمُشْتَرٍ حَمَّامًا أَوْ فُنْدُقًا خَلَا بَلَدُهُ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَعْمُرُهُ فَيَكُونُ لَهُ مُتَكَلَّمٌ، أَوْ لَا يُشْبِهُهُ لِأَنَّ مَنَافِعَ الرَّبْعِ فِي ضَمَانِ مُكْرِيهِ وَوَرَقَ التُّوتِ سِلْعَةٌ تُضْمَنُ بِالْعَقْدِ كَمَنْ اشْتَرَى عَلَفًا لِقَافِلَةٍ تَأْتِيهِ فَعَدَلَتْ عَنْ مَحَلِّهِ، أَوْ لَيْسَ مِثْلَهُ لِإِمْكَانِ نَقْلِ الطَّعَامِ حَيْثُ يُبَاعُ
[ ٦ / ٤٦٤ ]
وَوَرَقُ التُّوتِ لَا يُنْقَلُ؟ الصَّقَلِّيُّ: وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى قَوْمٌ ثِمَارَ بَلْدَةٍ وَانْجَلَى أَهْلُهَا عَنْهَا لِفِتْنَةٍ أَوْ لِأَجْلِ حَرْبٍ كَانَ ذَلِكَ جَائِحَةً. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَنَصُّ ابْنِ يُونُسَ: وَرَقُ التُّوتِ الَّذِي يُبَاعُ فَيُجْمَعُ أَخْضَرَ لِعَلَفِ دُودِ الْحَرِيرِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ كَالْبَقْلِ يُوضَعُ فِيهِ مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ. وَانْظُرْ لَوْ مَاتَ دُودُ الْحَرِيرِ أَوْ أَكْثَرُهُ وَهَذَا الْوَرَقُ لَا يُرَادُ إلَّا لَهُ، هَلْ مَوْتُ دُودِ الْحَرِيرِ جَائِحَةٌ فَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَالْجَائِحَةِ كَمَنْ اكْتَرَى حَمَّامًا أَوْ فُنْدُقًا فَخَلَا الْبَلَدُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْكُنُهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا عِنْدِي لَوْ اشْتَرَى قَوْمٌ ثِمَارَ بَلَدٍ فَانْجَلَى أَهْلُهُ لِفِتْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَنَّ جَائِحَةَ ذَلِكَ مِنْ بَائِعِهِ لِأَنَّ مُشْتَرِيهِ إنَّمَا اشْتَرَاهُ لِمَنْ يَبِيعُهُ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ هَلَكَتْ الثَّمَرَةُ فَذَلِكَ كَهَلَاكِهَا بِأَمْرٍ غَالِبٍ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ لِمَنْ يَبِيعُهُ مِنْهُ كَذَا هُوَ " يَعْنِي أَيْضًا فِي الْوَرَقِ قَالَ: إنَّمَا اشْتَرَى الْوَرَقَ يَقْبِضُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَبِيعُهُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، فَجَعَلَهُ كَالْحَمَّامِ وَالْفُنْدُقِ وَقَالَ: إنَّمَا اشْتَرَى مَنَافِعَ يَقْبِضُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَبِيعُهَا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ.
وَنَقَلَ أَيْضًا أَنَّهُ كَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى رَحًى سَنَةً فَأَصَابَ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِتْنَةٌ جَلَوْا بِهَا مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَجَلَا مَعَهُمْ الْمُكْتَرِي أَوْ أَقَامَ آمِنًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ طَعَامٌ لِجَلَاءِ النَّاسِ، فَهُوَ كَبُطْلَانِ الرَّحَا مِنْ نُقْصَانِ الْمَاءِ أَوْ كَثْرَتِهِ، وَيُوضَعُ عَنْهُ قَدْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَوْا فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْفَنَادِقُ الَّتِي تُكْرَى لِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ إذَا أَخْطَأَهَا ذَلِكَ لِفِتْنَةٍ نَزَلَتْ أَوْ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الدَّارِ تُكْتَرَى ثُمَّ يُجْلَى أَهْلُ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِفِتْنَةٍ وَأَقَامَ الْمُكْتَرِي آمِنًا أَوْ رَحَلَ لِلْوَحْشَةِ وَهُوَ آمِنٌ، فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ، وَلَوْ انْجَلَى لِلْخَوْفِ سَقَطَ عَنْهُ مُدَّةَ الْجَلَاءِ انْتَهَى.
وَخَرَّجَ الْمَازِرِيُّ عَلَى خُلُوِّ الْبَلَدِ مَسْأَلَةً سُئِلَ عَنْهَا وَهِيَ رَجُلٌ اكْتَرَى مَوْضِعًا لِغَسْلِ الْغَزْلِ بِكِرَاءٍ غَالٍ ثُمَّ أَحْدَثَ رَجُلٌ بِقُرْبِهِ مَوْضِعًا آخَرَ فَنَقَصَ مِنْ كِرَاءِ الْأَوَّلِ كَثِيرٌ فَأَجَابَ: أَنَّهُ إنْ عَقَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ فَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَظُنَّ فَلَهُ مَقَالٌ كَمَا يَكُونُ لَهُ إذَا خَلَا الْبَلَدُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ الْإِحْدَاثُ فَلَا مَقَالَ لَهُ إذْ نُقْصَانُ الْغَلَّةِ لِإِحْدَاثِ فُرْنٍ عَلَى فُرْنٍ لَيْسَ بِعَيْبٍ. وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ: إنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَضَعَ شَيْئًا لِلِاسْتِئْلَافِ لِمُكْتَرِي الْحَبْسِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَالْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ يَحُطُّ بَعْضَ الثَّمَنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَانْظُرْ أَيْضًا الْوَكِيلُ يَبِيعُ بِالْخِيَارِ فَيُزَادُ قَالَ فِي رَسْمِ طلق مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ: رُبَّ رَجُلٍ لَوْ زَادَهُ لَمْ يَبِعْهُ يُكْرَهُ مُخَالَطَتُهُ وَخُصُومَتُهُ وَيَأْمَنُ مِنْ نَاحِيَةِ الَّذِي زِيدَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ عَطِيَّةً.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ إذَا أُجِيحَتْ دُودُ الْحَرِيرِ فَلَمْ يَجِدْ مُشْتَرِي الْوَرَقِ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِحَةٌ، فَإِنْ وَجَدَ مُشْتَرِيًا مِنْهُ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ فَلَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ وَجَدَ مُشْتَرِيًا بِمَا لَا بَالَ لَهُ (كَالْبُقُولِ) قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ بُقُولِ السِّلْقِ وَالْبَصَلِ وَالْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَالْكُرَّاثِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُوضَعُ قَلِيلُ مَا أُجِيحَ مِنْهُ وَكَثِيرُهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: اللِّفْتُ وَالْأُصُولُ الْمُغَيَّبَةُ فِي الْأَرْضِ مِمَّا لَا يُدَّخَرُ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبُقُولِ (وَالزَّعْفَرَانِ وَالرَّيْحَانِ وَالْقُرْطِ) سَحْنُونَ: أَمَّا الزَّعْفَرَانُ وَالرَّيْحَانُ وَالْبَقْلُ وَالْقُرْطُ
[ ٦ / ٤٦٥ ]
وَالْقَصْبُ فَإِنَّ الْجَوَائِحَ تُوضَعُ فِي قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ (وَوَرَقِ التُّوتِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهُ كَالْبَقْلِ (وَمُغَيَّبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ الْأُصُولُ الْمُغَيَّبَةُ فِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْبُقُولِ (وَلَزِمَ الْمُشْتَرِي بَاقِيهَا وَإِنْ قَلَّ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ لُزُومُ مَا سَلِمَ مِنْ الثَّمَنِ وَلَوْ قَلَّ، وَعَدَمُ الرُّجُوعِ بِمَا أُجِيحَ إنْ قَلَّ بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِمَا لِدُخُولِ الْمُشْتَرِي عَلَى عَدَمِ الْكَمَالِ لِغَلَبَةٍ.
(وَإِنْ اشْتَرَى أَجْنَاسًا فَأُجِيحَ بَعْضُهَا وُضِعَتْ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْجَمِيعِ وَأُجِيحَ مِنْهُ ثُلُثُ مَكِيلَتِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ نَخْلٌ وَكَرْمٌ وَرُمَّانٌ فَأُجِيحَ بَعْضُ نَوْعٍ مِنْهَا نُظِرَ؛ فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ الصِّنْفِ لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ لَوْ لَمْ يُجَحْ ثُلُثُ قِيمَةِ الْجَمِيعِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ، أُجِيحَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ. وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ يَبْلُغُ ثُلُثَ قِيمَةِ الْجَمِيعِ اُنْظُرْ مَا أُجِيحَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ ثُلُثِ ثَمَرَتِهِ وُضِعَ قَدْرُ ثُلُثِ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ بَاقِيهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ ثَمَرَتِهِ لَمْ يُوضَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اكْتَرَى دَارًا وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ فَاشْتَرَطَهَا الْمُكْتَرِي وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، فَإِنْ أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ أَذْهَبَتْ ثُلُثَهَا وُضِعَ مَا يَقَعُ عَلَى الْمُجَاحِ مِنْ حِصَّةِ الثَّمَرَةِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَإِنْ أُصِيبَ مِنْهَا أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ أَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا (وَإِنْ تَنَاهَتْ الثَّمَرَةُ فَلَا جَائِحَةَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَقِيَتْ بِتَنَاهِي طِيبِهَا " (كَالْقَصَبِ الْحُلْوِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تُوضَعُ فِي قَصَبِ الْحُلْوِ جَائِحَةٌ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَطِيبَ وَيُمْكِنَ قَطْعُهُ وَلَيْسَ بِبُطُونٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُوضَعُ جَائِحَةُ قَصَبِ الْحُلْوِ وَهُوَ أَحْسَنُ. ابْنُ يُونُسَ: وَالْقَوْلُ: إنَّ فِي الْبُقُولِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ الْجَائِحَةُ إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ هُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ وَهُوَ يُجْمَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالثِّمَارِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَجَائِحَةُ قَصَبِ غَيْرِ الْحُلْوِ تُوضَعُ إذَا بَلَغَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ (وَيَابِسِ الْحَبِّ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَقِيَتْ لِيَتَنَاهَى طِيبُهَا ".
(وَخُيِّرَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ بَيْنَ سَقْيِ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكِهِ إنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ أُجِيحَتْ ثَمَرَةُ الْمُسَاقَاةِ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي النَّمَاءِ وَالنَّقْصِ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَخْرُجَ. رَوَاهُ أَشْهَبُ مِنْ مَالِكٍ. وَرَوَى غَيْرُهُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ الْحَائِطَ كُلَّهُ أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ خَرَجَ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ عِلَاجِهِ وَلَا نَفَقَتِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَتْ الْجَائِحَةُ شَائِعَةً فِي الثَّمَرَةِ كُلِّهَا، فَأَمَّا إنْ أُجِيحَتْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وَأُخْرَى سَالِمَةٌ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ مُسَاقَاةُ السَّالِمَةِ إذَا كَانَتْ الْمُجَاحَةُ يَسِيرَةَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ. قَالَهُ مُحَمَّدٌ اهـ. نَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ بِنَصِّهِ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ نَخْلًا مُسَاقَاةً فَلَمَّا عَمِلَ أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ فَأَسْقَطَتْهَا فَذَلِكَ جَائِحَةٌ وَتُوضَعُ عَنْهُ. وَحَفِظَ سَعْدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ أُجِيحَ دُونَ الثُّلُثِ لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ سَقْيُ شَيْءٍ مِنْ
[ ٦ / ٤٦٦ ]
الْحَائِطِ وَلَزِمَهُ عَمَلُ الْحَائِطِ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ خُيِّرَ؛ فَإِنْ شَاءَ سَقَى جَمِيعَ الْحَائِطِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ جَمِيعَهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا إنْ كَانَتْ الْجَائِحَةُ شَائِعَةً فِي الْحَائِطِ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ فَأُجِيحَتْ فَلَا سَقْيَ عَلَيْهِ فِيهَا وَيَسْقِي السَّالِمَ وَحْدَهُ مَا لَمْ يَكُنْ السَّالِمُ يَسِيرًا جِدًّا الثُّلُثَ فَدُونَ. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْجَائِحَةُ شَائِعَةً فَاخْتَارَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ سَقْيُ الْحَائِطِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَاجِهِ وَقِيَامِهِ وَنَفَقَتِهِ.
(وَمُسْتَثْنَى كَيْلٍ مِنْ الثَّمَرَةِ تُجَاحُ بِمَا يُوضَعُ يَضَعُ عَنْ مُشْتَرِيهِ بِقَدْرِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: مَنْ بَاعَ ثَمَرَةً وَاسْتَثْنَى مِنْهَا أَوْسُقًا قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ جَازَ، فَإِنْ أُجِيحَ مِنْهَا قَدْرُ الثُّلُثِ فَأَكْثَرُ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي بِقَدْرِهِ مِمَّا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ: وَإِنْ أُجِيحَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ أَخَذَ الْبَائِعُ مِمَّا سَلِمَ جَمِيعَ مَا اسْتَثْنَاهُ.
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ]
(إنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ حَلَفَا وَفُسِخَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: اخْتِلَافُهُمَا فِي
[ ٦ / ٤٦٧ ]
نَوْعِ الثَّمَنِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي جِنْسِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ اخْتَلَفَا فِي النَّوْعِ فَقَالَ هَذَا: سَلَّفْتُكَ فِي حِنْطَةٍ وَقَالَ هَذَا: فِي شَعِيرٍ، أَوْ قَالَ هَذَا: فِي فَرَسٍ وَقَالَ هَذَا: فِي حِمَارٍ، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَإِنْ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ وَيُرَدُّ إلَى الْمُبْتَاعِ رَأْسُ مَالِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَشَأْنُ اخْتِلَافِهِمَا فِي السَّلَمِ فِي الْجِنْسَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهَا بِحِنْطَةٍ وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بِشَعِيرٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ إنْ لَمْ تَفُتْ (وَرَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَاتَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ أَدَّى قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبَضَهَا لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا أَوْ اعْوَرَّتْ أَوْ نَقَصَتْ ضَمِنَهَا فَلَهُ نَمَاؤُهَا وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُهُ: " يَوْمَ قَبَضَهَا " يَعْنِي يَوْمَ بَاعَهَا لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ صَوَابٌ.
(وَفِي قَدْرِهِ كَمَثْمُونِهِ أَوْ قَدْرِ أَجَلٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ حَلَفَا وَفُسِخَ) أَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ
[ ٦ / ٤٦٨ ]
الثَّمَنِ فَفِي الْمُنْتَقَى: إنْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ السِّلْعَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعَشَرَةٍ وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بِخَمْسَةٍ بُدِئَ الْبَائِعُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ أَبَيْتَ مَا قَالَ الْمُبْتَاعُ فَاحْلِفْ أَنَّكَ بِعْتهَا مِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُبْتَاعِ إنْ أَبَيْتَ مَا قَالَ الْبَائِعُ فَاحْلِفْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَهَا مِنْهُ بِخَمْسَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْ أَحَدَهُمَا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْآخَرُ وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ قَبْضِ السِّلْعَةِ وَقَبْلَ فَوْتِهَا فَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: سَوَاءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ، وَأَمَّا إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ حَوَالَةِ سُوقٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْمَثْمُونِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي السَّلَمِ إنْ قَالَ هَذَا فِي فَرَسٍ وَهَذَا فِي حِمَارٍ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ الْأَجَلِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا اخْتَلَفَا فِي أَجَلِ الثَّمَنِ وَاتَّفَقَا عَلَى عَدَدِهِ فَفِي ذَلِكَ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ، الْمَشْهُورُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَإِنْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ السِّلْعَةَ مَا لَمْ تَفُتْ فَإِنْ فَاتَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِأَجَلٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ إذَا تَقَارَرَا عَلَى الْأَجَلِ وَاخْتَلَفَا فِيهِ، اُنْظُرْ تَضْمِينَ الصُّنَّاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كُلُّ مَا يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ فَهُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِيهِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ صَحِيحٌ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (إنْ حُكِمَ بِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا حَلَفَا افْتَقَرَا إلَى الْفَسْخِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، وَثَمَرَتُهُ أَنْ يَرْضَى أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا طَرِيقَانِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا تَحَالَفَا ثُمَّ شَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُشْتَرِي بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: بِتَمَامِ التَّحَالُفِ يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ كَاللِّعَانِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ حَتَّى يَفْسَخَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رَسْمِ الصُّبْرَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَنْفَسِخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عَلَى الْأَصَحِّ.
الْمَازِرِيُّ: ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الْبَائِعُ مَظْلُومًا لِأَنَّهُ وَهُوَ ظَالِمٌ غَاصِبٌ لِلْمَبِيعِ وَفَائِدَةُ حِلِّيَّةٌ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ بِالْوَطْءِ وَغَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ
[ ٦ / ٤٦٩ ]
حِفْظٌ لَا تَصَرُّفَ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ سَنَدٌ: إذَا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا الْفَسْخُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا كَمَا لَوْ تَقَايَلَا، وَظَاهِرًا فَقَطْ فِي حَقِّ الْمَظْلُومِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ التُّونِسِيِّ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا أَحَلَّ حَرَامًا " (كَتَنَاكُلِهِمَا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَا تَرَادَّا وَإِنْ نَكَلَا تَرَادَّا لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ حَلَفَا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ مِنْ الْآخَرِ (وَصُدِّقَ مَنْ ادَّعَى الْأَشْبَهَ وَحَلَفَ إنْ فَاتَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا يُرَاعَى مِلْكُ مَنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فِي فَوْتِ السِّلْعَةِ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فِي سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ، وَأَمَّا مَعَ بَقَاءِ السِّلْعَةِ وَفِي وَقْتٍ يُحْكَم فِيهِ بِالتَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ فَعِنْدِي لَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ أَشْبَهَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَأْنُ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْكَيْلِ إذَا تَصَادَقَا فِي النَّوْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً فَفَاتَتْ عِنْدَهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا قَالَ مَالِكٌ: الْمُبْتَاعُ يُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِلْجَارِيَةِ يَوْمَ ابْتَاعَهَا، فَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ حَلَفَ الْبَائِعُ إنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ كَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا.
(وَمِنْهُ تَجَاهُلُ الثَّمَنِ وَإِنْ مِنْ وَارِثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ مَاتَ الْمُتَبَايِعَانِ فَوَرَثْتَهُمَا فِي الْفَوْتِ وَغَيْرِهِ مَكَانَهُمَا إنْ ادَّعَوْا مَعْرِفَةَ الثَّمَنِ، فَإِنْ تَجَاهَلَ وَرَثَتَاهُمَا الثَّمَنَ وَتَصَادَقَا فِي الْبَيْعِ حَلَفَ وَرَثَةُ الْمُبْتَاعِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَا ابْتَاعَهَا بِهِ أَبُوهُمْ، ثُمَّ يَحْلِفُ وَرَثَةُ الْبَائِعِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَا بَاعَهَا بِهِ أَبُوهُمْ، ثُمَّ تُرَدُّ، فَإِنْ فَاتَتْ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ فَأَعْلَى لَزِمَتْ وَرَثَةَ الْمُبْتَاعِ بِقِيمَتِهَا فِي مَالِهِ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا بُدِئَ وَرَثَةُ الْمُبْتَاعِ بِالْيَمِينِ إذَا تَجَاهَلَ الْجَمِيعُ الثَّمَنَ لِأَنَّ مَجْهَلَةَ الثَّمَنِ عِنْدَهُمْ كَالْفَوْتِ فَأَشْبَهَ أَنْ لَوْ فَاتَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فَلِذَلِكَ بَدَءُوا بِالْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَجَاهَلَ الْمُتَبَايِعَانِ أَنْفُسُهُمَا الثَّمَنَ لَبَدَأَ الْمُبْتَاعُ بِالْيَمِينِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْفُسِهِمَا وَلَا بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي تَبْدِئَتِهِمْ أَنَّ مَجْهَلَةَ الثَّمَنِ كَالْفَوْتِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَبَدَأَ الْبَائِعُ وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ)
[ ٦ / ٤٧٠ ]
اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إثْبَاتِ دَعْوَاهُ أَوْ عَلَى تَكْذِيبِ دَعْوَى صَاحِبِهِ مَعَ الْإِثْبَاتِ؟ الْمَازِرِيُّ: لَا أَعْرِفُ نَصَّ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِنْصَافُ أَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَيْهِ ابْنُ فَتْحُونَ وَالْمُتَيْطِيُّ قَالَا: يَتَحَالَفَانِ، يَحْلِفُ الْبَائِعُ أَوَّلًا ثُمَّ يُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ فِي أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، أَوْ يَحْلِفُ عَلَى مَا قَالَ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فَقَوْلُهُمَا غَيْرُ الْمُبْتَاعِ فِي أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْجُزْأَيْنِ، وَكَذَا قَوْلُهُمَا فِي الْمُبْتَاعِ يَحْلِفُ عَلَى مَا قَالَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي انْتِهَاءِ الْأَجَلِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ فَادَّعَى حُلُولَهُ وَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ يَحِلَّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِيمَا يُشْبِهُ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُشْبِهُ صُدِّقَ الْمُبْتَاعُ فِيمَا يُشْبِهُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً وَفَاتَتْ عِنْدَهُ وَادَّعَى أَنَّ الثَّمَنَ إلَى أَجَلِ كَذَا وَقَالَ الْبَائِعُ إلَى أَجَلٍ دُونَهُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ وَالْبَائِعُ مُقِرٌّ بِأَجَلٍ مُدَّعٍ حُلُولَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ وَإِلَّا صُدِّقَ الْبَائِعُ وَلَوْ لَمْ تَفُتْ حَلَفَا وَرُدَّتْ (وَفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ السِّلْعَةِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا إلَّا لِعُرْفٍ كَبَقْلٍ أَوْ لَحْمٍ بَانَ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَا فِي دَفْعِ الثَّمَنِ فِي الرَّبْعِ وَالْحَيَوَانِ وَالرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ وَقَدْ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ وَبَانَ بِهِ، فَالْبَائِعُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ إلَّا فِي مِثْلِ مَا يُبَاعُ عَلَى النَّقْدِ كَالصَّرْفِ، وَمَا بِيعَ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ وَالْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ انْقَلَبَ بِهِ الْمُبْتَاعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ مَعَ يَمِينِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إنْ لَمْ يُفَارِقْهُ.
وَسَمِعَ أَصْبَغُ: ابْنَ الْقَاسِمِ وَإِذَا طَلَبَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَقْبِضْ السِّلْعَةَ وَقَالَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضْتَهَا، فَإِنْ أَشْهَدَ لَهُ بِالثَّمَنِ فَقَدْ قَبَضَ السِّلْعَةَ وَعَلَيْهِ غُرْمُ الثَّمَنِ وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَيَحْلِفُ لَهُ الْبَائِعُ إنْ كَانَ بِحَرَارَةِ الْبَيْعِ وَالْإِشْهَادِ، وَأَمَّا إنْ سَكَتَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَشِبْهُهُ فَلَا قَوْلَ لَهُ وَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَفْهُومُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهُوَ نَقْلُ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ. ابْنُ رُشْدٍ: قِيلَ: إنْ حَلَّ الْأَجَلُ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ فِي
[ ٦ / ٤٧١ ]
دَفْعِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ وَلَوْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالثَّمَنِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهَا بِالنَّقْدِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ بِدَفْعِ الثَّمَنِ ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُ مِنْهُ السِّلْعَةَ بِالْقُرْبِ الَّذِي يَتَأَخَّرُ فِيهِ الْقَبْضُ كَالْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ بَعُدَ كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ هَذِهِ (وَلَوْ كَثُرَ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِيمَا يُبَاعُ عَلَى النَّقْدِ مِثْلُ الَّذِي تَقَدَّمَ قَالَ: وَسَوَاءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
وَأَنْكَرَ هَذَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فِيمَا كَثُرَ وَقَالَ: ذَلِكَ مِثْلُ السِّلَعِ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْبَائِعِ. ابْنُ يُونُسَ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُرْفِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ فَيَقْضِي بِهِ. لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِيمَنْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ قَالَ: فَإِنْ افْتَرَقَا فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَتَبَايَعُهُ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ فَالنَّقْدُ شِبْهُ الصَّرْفِ كَيَسِيرِ الْحِنْطَةِ وَمِثْلُ السَّوْطِ وَالشِّرَاكِ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْبَزِّ وَالدُّورِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى مَا يَجُوزُ التَّبَايُعُ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْمُدَّةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي هَذَا إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِالنَّقْدِ. رَاجِعْ سَمَاعَ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
(وَإِلَّا فَلَا إنْ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: مَنْ ابْتَاعَ رُطَبًا فَكَالَهُ وَحَازَهُ فَطَلَبَهُ بَائِعُهُ بِثَمَنِهِ فَقَالَ دَفَعْتُهُ لَكَ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ وَلَمْ يُفَارِقْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا إنْ قَالَ الْمُبْتَاعُ دَفَعْتُ إلَيْهِ الثَّمَنَ بَعْدَ أَنْ قَبَضْتُ الرُّطَبَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ بَائِعِ الرُّطَبِ (وَإِلَّا فَهَلْ يُقْبَلُ الدَّفْعُ أَوْ فِيمَا هُوَ الشَّأْنُ أَوْ لَا؟ أَقْوَالٌ) ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا إنْ قَالَ الْمُبْتَاعُ دَفَعْتُ إلَيْهِ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ الرُّطَبَ، فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُبْتَاعَ مُقِرٌّ بِقَبْضِ الْمَثْمُونِ مُدَّعٍ لِدَفْعِ الثَّمَنِ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ الدَّفْعِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْبَائِعُ.
[ ٦ / ٤٧٢ ]
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا بَاعَ مِنْهُ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَثْمُونِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِي فِي تِلْكَ بِقَبْضِ الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَثْمُونِ دَلِيلٌ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُبْتَاعِ (وَإِشْهَادُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ مُثْمَنِهِ وَحَلَفَ بَائِعُهُ إنْ بَادَرَ كَإِشْهَادِ الْبَائِعِ بِقَبْضِهِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ السِّلْعَةِ ".
(وَفِي الْبَتِّ مُدَّعِيهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ وَالْآخَرُ الْبَتَّ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَتِّ لِأَنَّ الْآخَرَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ مُدَّعٍ لِمَا يَرْفَعُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ (كَمُدَّعِي الصِّحَّةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَضْرِبَا لِلسَّلَمِ أَجَلًا أَوْ أَنَّ رَأْسَ السَّلَمِ تَأَخَّرَ شَهْرًا بِشَرْطٍ وَأَكْذَبَهُ الْآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحُلُولِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ ادَّعَى بَيْعَ النَّاسِ الْجَائِزَ بَيْنَهُمْ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَانْظُرْ قَوْلَ سَحْنُونٍ إنْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكَ بِحُمْرٍ وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَلْ بِدَرَاهِمَ، أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ بِخِلَافِ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا حَلَالًا وَالْآخَرُ حَرَامًا (إنْ لَمْ يَغْلِبْ الْفَسَادُ) ابْنُ بَشِيرٍ: قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْفَسَادَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِيهِ. وَاسْتَقْرَأَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ مِنْ قَوْلِهَا إنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ دُخُولَ اهْتِدَاءٍ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ هُمَا صَائِمَانِ، أَنَّ الْقَوْلَ
[ ٦ / ٤٧٣ ]
قَوْلُهَا إنَّهُ أَصَابَهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ صَبْرِهِ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِهَا الثَّمَنُ فَكَقَدْرِهِ؟ تَرَدُّدٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَغْلِبْ الْفَسَادُ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: أَمَّا لَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ يَعُودُ بِالِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ فَهَاهُنَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ (وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ أَوْ السِّلْعَةِ كَالْمُشْتَرِي بِالْعَيْنِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ ادَّعَى مُشْبِهًا) ابْنُ بَشِيرٍ: أَمَّا السَّلَمُ فَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَيْضًا لَكِنَّ السَّلَمَ هُوَ وِزَانُ الْمُشْتَرِي فِي بِيَاعَاتِ النَّقْدِ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ هُوَ وِزَانُ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ هُوَ يَقْبِضُ الثَّمَنَ، وَيَنْظُرُ فِي أَيِّ شَيْءٍ اخْتِلَافُهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ مَضْمُونٍ إلَى أَجَلٍ فَاخْتَلَفَا عِنْدَ الْأَجَلِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَاتَّفَقَا فِي النَّوْعِ، فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكَ ثَلَاثَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَلْ أَرْبَعَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيمَا يُشْبِهُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بِقُرْبِ مُبَايَعَتِهِمَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا. ابْنُ يُونُسَ: جُعِلَ اخْتِلَافَهُمَا بِقُرْبِ الْبَيْعِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي بَيْعِ النَّقْدِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ وَبَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ كَفَوْتِ السِّلْعَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ السَّلَمَ كَانَ فِيهِ مِنْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ عَرْضٍ فَاخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ وَاتَّفَقَا فِي التَّسْمِيَةِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ وَيَحْلِفُ وَالْمُبْتَاعُ مُدَّعٍ (وَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وَسَطٌ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ حُمِلَا عَلَى سَلَمِ النَّاسِ يَوْمَ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ.
(وَفِي مَوْضِعِهِ صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ عَقْدِهِ وَإِلَّا فَالْبَائِعُ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ تَحَالَفَا وَفُسِخَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ادَّعَى الَّذِي لَهُ السَّلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ الْوَفَاءَ بِالْفُسْطَاطِ وَقَالَ الْآخَرُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى مَوْضِعَ التَّبَايُعِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِيَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْمَوَاضِعَ كَالْآجَالِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ الْمَوَاضِعُ حَتَّى لَا يُشْبِهَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا (كَفَسْخِ مَا يُقْبَضُ بِمِصْرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ بِمِصْرَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُسَمِّيَ أَيَّ مَوْضِعٍ بِمِصْرَ لِأَنَّ مِصْرَ مَا بَيْنَ الْبَحْرِ إلَى أُسْوَانَ. ابْنُ يُونُسَ: بِخِلَافِ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مِصْرَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيُنْزِلُهُ بِالْفُسْطَاطِ، لِأَنَّهُ الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ وَلَا عُرْفَ لَهُمْ فِي الْقَضَاءِ (وَجَازَ بِالْفُسْطَاطِ وَقُضِيَ بِسُوقِهَا وَإِلَّا فَفِي أَيِّ مَكَان) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَقْضِيَهُ بِالْفُسْطَاطِ جَازَ، فَإِنْ تَشَاحَّا فِي مَوْضِعٍ يَقْضِيهِ الطَّعَامُ مِنْ الْفُسْطَاطِ قَالَ مَالِكٌ: فَلْيَقْضِهِ ذَلِكَ فِي سُوقِ الطَّعَامِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ السِّلَعِ إذَا كَانَ لَهَا سُوقٌ
[ ٦ / ٤٧٤ ]
مَعْرُوفٌ فَاخْتَلَفَا فَلْيُوفِهِ ذَلِكَ فِي سُوقِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سُوقٌ فَحَيْثُ مَا أَعْطَاهُ بِالْفُسْطَاطِ لَزِمَ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ سَحْنُونَ: يُوفِيهِ ذَلِكَ بِدَارِهِ كَانَ لَهَا سُوقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْكُومُ بِهِ الْيَوْمَ لِأَنَّ النَّاسَ اعْتَادُوا ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَفْسُدُ السَّلَمُ إذَا لَمْ يَذْكُرَا مَوْضِعَ الْقَضَاءِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ بِمَوْضِعِ التَّبَايُعِ فِي سُوقِ تِلْكَ السِّلْعَةِ.
[ ٦ / ٤٧٥ ]