أصل الصوم في اللغة: الإمساك، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢) الآية، أي إمساكًا عن الكلام. قال الشاعر:
خيل صِيام وخيل غير صائمة (٣)
أي ممسكة (٤) عن الصهيل والحركة، وقال بعضهم في هذا البيت: معناه خيل لم تعط علفا (٥)، فهو من معنى الصيام المعهود.
وقال:
وقد صام النهار وهجَّرا (٦)
[ز ٥٢] أي وقفت أفياؤه عن النقصان والزيادة، وأمسكت شمسه لرأي العين عن الحركة.
_________________
(١) في حاشية ز: "من هنا ابتدأ الجزء الثاني الذي ليس بخط المؤلف، وظهر لي أنه بخط ابنه محمَّد بن عياض بن موسى ﵀".
(٢) مريم: ٢٦.
(٣) في ق تتمة البيت وهو: تحت العجاج وخيل تعلك اللجما. والبيت للنابغة الذبياني.
(٤) في خ: أي غير ممسكة، ثم ضرب على: غير.
(٥) هذا ما في "المحكم" كما في اللسان: صوم.
(٦) البيت لامرئ القيس هكذا: فدع ذا وسل الهم عنك بحسرة [في اللسان: مادة: صوم: فدعها بجسرة؟] ذمول إذا صام وفي م أيضًا: إذا صام وفي اللسان: يقال: هجر النهار وهجر الراكب: سار في الهاجرة، وهي الظهيرة.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وهو في عرف الشرع: إمساك مخصوص عن أفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة.
والسَحور والفَطور، بفتح السين والفاء، اسم ما يتسحر به ويفطر عليه. وكذلك السعوط والوَجور (١)، كالوَقود لما يوقد (٢) به النار. وبِضم ذلك: الفعلُ (٣). قال ابن الأنباري: وأجاز بعضهم الفتح في الوجهين، والأول هو المعروف الذي عليه أهل اللغة (٤).
وقوله (٥) في الذي تسحر (٦) في أول يوم من أيام النذر المتتابعة، قال: "عليه عشرة أيام يدخل ذلك اليوم في هذه العشرة الأيام أحدها قضاء ذلك اليوم"، كذا لابن وضاح. ولغيره: آخرها، بالخاء والراء. ورواية ابن وضاح أصوب، فإن قضاء ذلك اليوم غير معين منها، بل لو قيل: أولها قضاؤه لكان أصوب من قوله: آخرها، لأن أول يوم هو الذي فسد، فهو يستأنف الصيام فيأتي أول (٧) عن أول يوم. أو يقال: عليه عشرة ابتدأها، فسد عليه ما ابتدأ منها، فعليه صيامها دون تعرض للقضاء، لكن إنما ذكر القضاء هنا احترازًا من أن يقال له: يلزمه قضاء ذلك اليوم غير العشرة. وقوله في أول الكلام: "يدخل ذلك اليوم في هذه العشرة" بنيته (٨)، وهو أحسن من قوله: "أحدها قضاء ذلك اليوم"، وإنما يصلح ذكر القضاء لو كان الفطر داخل
_________________
(١) سيأتي للمؤلف ضبط وشرح الوجور والسعوط في كتاب الرضاع.
(٢) في ق: توقد.
(٣) صحح ناسخ ز على هذه الكلمة وكتب في الطرة: "سقط عليه "في" ولا بد منه"، يعني: في الفعل. ولا داعي لاقحام هذا الحرف.
(٤) سبق للمؤلف في "الوضوء" هذا التفريق وإيراد كلام ابن الأنباري، وانظر أيضًا المشارق: ٢/ ٢٨٩.
(٥) المدونة: ١/ ١٩٢/ ٥.
(٦) يعني بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، وكان نذر عشرة أيام.
(٧) زاد ناسخ ز هنا: "يوم" وكتب في الحاشية: "سقط "يوم" الأول". والكلمة ثابتة في ق وثبوتها أوضح للكلام.
(٨) كذا في النسخ، فهل هو "يبينه"؟ وكذا هو مضبوط في ع والسياق يرجحه.
[ ١ / ٣٠٠ ]
العشرة بسبب وجوب الاتصال.
قال أبو عمران: وقوله في المسألة: "فإن كان نواها متتابعات" (١)، من قول ابن القاسم إلى قوله (٢): "فإن أفطر ذلك اليوم"، فمن هنا رجع الكلام إلى مالك.
وقد اختلف في نسيانه صلة القضاء: هل يجب الاستئناف أم لا؟
وقوله (٣) في المسألة: إن شاء أفطر واستأنف، ولا أحب له أن يفطره. وكذلك قال في الأكل ناسيا في قضاء رمضان. ليس في هذا تناقض بين الكراهية والإباحة، وإنما أراد أن يفرق بين هاتين المسألتين وبين مسألة التطوع؛ لأن التطوع يؤمر بتمامه والوفاء به ويؤثم في الفطر فيه، لأنه قد أبطل عملا يصح له ولا يلزمه قضاؤه. وهاتان المسألتان لا تصحا (٤) له عما صامه لهما، ويلزمه قضاؤهما فلا يؤثم في فطرهما إن أفطرهما، لكن يكره له ذلك؛ لأنه قطع عبادة يصح له أجرها تطوعا إن أكملها وإن لم تصح له عما صامها له ولم يلزم تمامها؛ إذ لم يدخل فيها بتلك (٥) النية، بخلاف ناوي التطوع.
وقوله (٦): مِنْ ذي قَبْلُ، بفتح القاف وكسره، والفتح عندهم أشهر (٧).
وزياد بن عِلاقة (٨)، بكسر العين.
_________________
(١) المدونة: ١/ ١٩١/ ٣.
(٢) المدونة: ١/ ١٩٢/ ٢.
(٣) المدونة: ١/ ١٩٢/ ٤.
(٤) كذا في ز وخ وح، وأعاد ناسخ ز كتابتها في الطرة وفوقها: كذا، وأصلحها: تصحان، وكذا فعل ناسخ ق، وهو ما في ل والتقييد: ٢/ ٤. وهو الصواب.
(٥) في خ: تلك.
(٦) المدونة: ١/ ١٩٢/ ٥.
(٧) كذا في اللسان: قبل.
(٨) المدونة: ١/ ١٩٣/ ٦. وهو تغلبي كوفي توفي ١٣٥ (انظر التهذيب: ٣/ ٣٢٧).
[ ١ / ٣٠١ ]
وبِشر بن قيس (١)، بكسر الباء وبشين معجمة.
وقوله (٢) في حديث عمر حين أفطر وقد أمسى "قد طلعت الشمس"، معناه: ظهرت وبرزت؛ لأنه ليس وقت طلوعها. وكذلك قوله في كتاب الظهار فيمن ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم طلعت الشمس: إنه لا كفارة عليه. وأظن (٣) هنا بمعنى اليقين. ولو كان على شك لكفر هنا على [خ ٨١] ما ذكره ابن عبيد (٤) في "مختصره" (٥) ولم يكفر على ما ذكره البغداديون (٦)، كما لو أكل في الفجر شاكًا، فلا كفارة عليه باتفاق.
_________________
(١) المدونة: ١/ ١٩٣/ ٦. وانظر ترجمته في التهذيب: ١/ ٣٩٩.
(٢) المدونة: ١/ ١٩٣/ ٧.
(٣) كذا في ز وعليها: كذا. وفي خ ول وع والتقييد ٢/ ٦: والظن، وهو الأنسب. وفي ق وس: وظن.
(٤) هو علي بن عيسى بن عبيد التجيبي الطليطلي أبو الحسن، روى بقرطبة عن عبيد الله بن يحيى وأحمد بن خالد وبطليطلة عن وسيم بن سمدون. كان فقيهًا عالمًا ثقةً زاهدًا ورعًا مجاب الدعوة. عاش في القرن الرابع ولا يعرف تاريخ وفاته (انظر ابن الفرضي: ٢/ ٥٣١ والمدارك: ٦/ ١٧١).
(٥) عزاها ابن يونس في الجامع: ١/ ٢١٨ لبعض الأندلسيين وأفصح عبد الحق في التهذيب: ١/ ٩٢ أعن اسمه وسمى معه ابن عيشون. ونص كلام ابن عبيد: "ومن افطر على شك عند غروب الشمس؛ فمرة يقول: قد غابت الشمس، ومرة يقول: لم تغب، فأكل على مثل هذا الشك فعليه في هذا القضاء والكفارة" المختصر: ١٥٥. وهو بحث إجازة مرقون بكلية اللغة بمراكش من انجاز: إبراهيم أيت علا، وأحمد صابر بإشراف الأستاذ الحسين أطبيب في الموسم الجامعي ١٤١٥/ ١٤١٦ - ١٩٩٤/ ١٩٩٥. وهذا الكتاب مشهور متداول منتفع به، وكان ابن الفخار يقول: يا أهل طليطلة! كتابان اجتازا قنطرتكم وتلقاهما الناس، تفسير يحيى بن مزين ومختصر ابن عبيد. وقال بعض الفقهاء: من حفظه فهو فقيه قرية، فقال ابن مغيث: ولو كانت مثل مصر لمن أتقن حفظه، يريد والتفقه في أصوله. وكتاب الجنائز منه من زيادة أبي عبد الله بن عتاب. انظر عن الكتاب: ابن الفرضي: ٢/ ٥٣١، ٣٤٩ والصلة: ٢/ ٤٨٩ - ٤٩٠، ٦٥٠، ٦٩٣ والمدارك: ٦/ ١٧١، ١٧٢ وفهرسة ابن خير: ١/ ٣٠٥ - ٣٠٧ وبرنامج التجيبي: ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٦) مثل عبد الوهاب كما له في المعونة: ١/ ٤٧٢ والأشراف: ١/ ٤٣٠ وابن القصار كما في تهذيب الطالب: ١/ ٩٢ أوالجامع: ١/ ٢١٨ والمقدمات: ١/ ٢٥٠.
[ ١ / ٣٠٢ ]
واختلف المشايخ في ترجيح القولين؛ فمنهم (١) من رجح مذهب البغداديين، وقد يستظهر هؤلاء بظاهر لفظه هذا في "المدونة" وإن كانت درجة الظن أرفع من الشك، ويأتي بمعنى اليقين، لكن تأوله بعضهم (٢) بمعنى الشك. ومنهم (٣) من رجح قول ابن عبيد والتفريق بين الوقتين، لأنه أولًا الأكل له مباح، فلا يحرم عليه إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن تحريمه عليه، وآخر النهار هو في حكم الصوم، والفطر عليه حرام إلا بيقين (٤) انقضاء النهار، فهو منتهك ما لم يتيقن انقضاء النهار.
[ز ٥٣] وقد أراد بعض شيوخنا (٥) أن يجمع بين القولين وقال: لعل البغداديين أرادوا بالشك هنا غلبة الظن فيستوي الفطر في الوقتين. وهذا يبعد؛ لأن الشك شيء وغلبة الظن شيء آخر غيره، وأحكامهما مختلفة كأسمائهما وحدودهما.
وحديث (٦) ابن مهدي عن سفيان الثوري في باب الذي يرى هلال رمضان وحده. في رواية إبراهيم بن محمَّد: ابن وهب، مكان ابن مهدي.
وقول سحنون: وأخبرني ابن وهب وابن القاسم عن مالك فيمن رأى هلال شوال نهارًا، كذا عند شيخنا أبي محمَّد بن عتاب. وعند شيخنا القاضي أبي عبد الله بن عيسى: "قال ابن وهب: وقال لي مالك"، وذكر المسألة. وقائل ذلك ابن وهب، لأنه تقدم قبل في الآثار ذكره. ثم قال آخر المسألة (٧): "وقال ابن القاسم عن مالك مثله"، فاتفقت الروايتان باختلاف المساق.
_________________
(١) كأبي عمران كما في تهذيب الطالب: ١/ ٩٢ أوابن يونس في الجامع: ١/ ٢١٨.
(٢) أشار ابن رشد إلى هذا المتأول في المقدمات: ١/ ٢٤٩.
(٣) يبدو هذا من قول ابن رشد في المقدمات ١/ ٢٤٩: "انفرد ابن عبيد بإتقان هذه المسألة"، وانظر حاشية الرهوني: ٢/ ٣٦٤.
(٤) كذا في ز وفي غيرها: بتيقن. وكلاهما صالح.
(٥) هو ابن رشد في المقدمات: ١/ ٢٥٠.
(٦) المدونة: ١/ ١٩٤/ ٣.
(٧) المدونة: ١/ ١٩٥/ ٨.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقول سحنون: "وروى أشهب وابن نافع" (١) إلى آخر ما ذكر في المسألة، ثابت عند شيوخنا وقرأه ابن وضاح. وفي حاشية كتاب ابن سهل: ألحقه سحنون بالمدونة ولم يكن فيها أولًا.
وكذلك حديث (٢) ابن وهب عن يونس بن يزيد (٣). وحديثه بعده (٤) عن رجال من أهل العلم. ومسألة ابن القاسم وابن وهب بعده التي ذكرناها، ساقط ليحيى ولأحمد (٥). وقرأه الدباغ.
والحقنة (٦): هو ما يستعمله الإنسان من دواء من أسفله.
والسُبور (٧)، بضم السين المهملة والباء بواحدة: الفتيلة، وسألت شيخنا أبا الحسين عن هذا الحرف هل يقال بالفتح؟ فقال لي: الواحد بالفتح والجميع بالضم (٨).
وتجيب - القبيلة - (٩)، بضم التاء (١٠) وفتحها، وبعض أهل اللغة لا يجيز فيها إلا فتحها (١١).
وفي حديث (١٢) القبلة للصائم: "سمع عبد الله بن عمر يقول: "كنا عند
_________________
(١) المدونة: ١/ ١٩٥/ ٩.
(٢) المدونة: ١/ ١٩٥/ ١.
(٣) ابن أبي النجاء الأيلي، روى عن الزهري، وعنه ابن وهب، توفي ١٥٩ (انظر التهذيب: ١١/ ٣٩٥).
(٤) المدونة: ١/ ١٩٥/ ٤.
(٥) يعني يحيى بن عمر وأحمد بن خالد.
(٦) المدونة: ١/ ١٩٧/ ٨.
(٧) المدونة: ١/ ١٩٨/ ١٠.
(٨) في العين: سبر: السبار فتيلة تجعل في الجرح.
(٩) المدونة: ١/ ١٩٦/ ٨.
(١٠) في خ وح: الجيم. وهو سهو.
(١١) راجع تفصيل هذا للمؤلف في المشارق: ١/ ١٢٧، وانظر معجم القبائل العربية: ١/ ١١٦.
(١٢) المدونة: ١/ ١٩٦/ ٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
النبي - ﵇ - فجاء (١) شاب" (٢)، وذكر الحديث، كذا عند ابن عتاب. وعند ابن عيسى: عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذا في سائر الأمهات (٣). ومثل هذا التفريق الذي جاء في الحديث بين الشيخ والشاب في القبلة في آثار الكتاب (٤) - وقال به من ذكر هناك من (٥) قال به هناك من الصحابة (٦) - ذكر الخطابي (٧) عن مالك ويحيى (٨) بن حبيب مثله، وحكي عن مالك ترخيصه فيها (٩) في التطوع دون الفريضة. وظاهر الكتاب منعه
_________________
(١) في ق: فجاءه، والهاء غير واضحة في ز وخ.
(٢) الحديث عن أشهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن قيصر - مولى تجيب - أنه أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: كنا عند رسول الله - ﷺ - فجاءه شاب فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: "لا". ثم جاءه شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ فقال: "نعم". فنظر بعضهم إلى بعض. قال رسول الله - ﷺ -: "قد علمت لِم نظر بعضكم إلى بعض؛ إن الشيخ يملك نفسه". رواه أحمد في المسند: ٢/ ١٨٥، ٢٢٠ وفيه ابن لهيعة، وله شاهد عند الطبراني في الكبير: ١١/ ٥٩ عن ابن عباس، قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٦٦: رجاله رجال الصحيح.
(٣) وهو ما في الطبعتين، طبعة الفكر: ١/ ١٧٦/ ٧. وهو الذي في سند الإِمام أحمد في المسند.
(٤) في خ: في الآثار في الكتاب.
(٥) كذا في أصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ: هناك ممن قال، وفي خ: هناك عن مالك من قال، وفي ق وس: وقال به من ذكر هناك من الصحابة، وهذا وما أصلحها به ناسخ ز موافق للسياق.
(٦) ذكر منهم أبا هريرة وأبا أيوب الأنصاري وابن عباس.
(٧) هو حَمْد بن محمَّد بن إبراهيم البستي أبو سليمان، الإِمام العلامة الحافظ اللغوي، شارح البخاري وأبي داود ومؤلف غريب الحديث المتوفى ٣٨٨ (انظر السير: ١٧/ ٢٣). وقد ذكر هذا النقل عن مالك في "معالم السنن": ٢/ ٩٨ المطبوع طبعة أولى بعناية عبد السلام عبد الشافي بدار الكتب العلمية عام ١٤١١/ ١٩٩١. وذكر عنه المؤلف هذا أيضًا في الإكمال: ١/ ١٧٤.
(٨) كذا في ز وفي ق: ونحى. وسقطت الجملة من خ. والراجح: ونحى، وأنه تصحف إلى: يحيى، ولا يعرف يحيى بن حبيب في رواة فقه مالك، ويدل على هذا أيضًا أن عبد الملك بن حبيب روى هذا عن مالك واستحبه كما في الجامع: ١/ ٢٢٢ وهو أيضًا في النوادر: ٢/ ٤٨ والمنتقى: ٢/ ٤٧. هذا وقد عزاه المؤلف أيضًا لابن حبيب رواية عن مالك في الإكمال: ١/ ١٧٤.
(٩) في ق: فيهما، والصحيح: فيها، يعني القبلة.
[ ١ / ٣٠٥ ]
فيهما. وهو نص له في غير (١) الكتاب.
وقوله (٢) في الذي باشر: وإن كان لم يزل ذلك منه ميتا. وفي رواية ابن عتاب (٣): "لم يُنزل ذلك منه منيًا"، وعلى الروايتين فقد بين (٤) أنه متى أنعظ - وإن لم يمذ - فعليه القضاء. ومثله لمالك في "العتبية" (٥) والحمديسية (٦) في المباشرة والقبلة. وعبد الملك ومطرف (٧) لا يريان في الإنعاظ شيئًا من مباشرة أو قبلة، ووافقهم (٨) ابن القاسم من رأيه (٩) في "العتبية" (١٠) في القبلة/ [خ ٨٢].
وظاهر رواية ابن وهب وأشهب في الكتاب: لا قضاء فيهما لقوله (١١): وإن لم يمذ فلا أرى عليه شيئًا. وكذا نقلها الباجي من رواية ابن وهب عن مالك نصًا (١٢). وقيل: إنما الخلاف إذا أنعظ عن مباشرة أو قبلة، وأما عن نظر ولمس (١٣) فلا قضاء عليه إلا أن يمذي.
_________________
(١) كالمجموعة والمختصر كما في النوادر: ٢/ ٤٧ والمنتقى: ٢/ ٤٧، ورواه عنه ابن القاسم كما في الجامع: ١/ ٢٢٢.
(٢) المدونة: ١/ ١٩٧/ ٣.
(٣) المدونة: ١/ ١٧٦/ ٥ - طبعة الفكر.
(٤) المدونة: ١/ ١٩٧/ ٢.
(٥) البيان: ٢/ ٣١٣، ٣١٤.
(٦) كذا في النسخ، وضرب في خ على (الحمد)، والمقصود كتاب حمديس، ولعله مختصره للمدونة. وكانوا ينسبون بعض الكتب إلى أسماء مؤلفيها كالسليمانية والدمياطية والحديرية والعوفية. وفي المنتقى ٢/ ٤٧ والتوضيح ١/ ١٩٩: الحمديسية. قال المؤلف في المدارك: ٤/ ٣٨٤ له في الفقه كتاب مشهور في اختصار مسائل المدونة رواه عنه مؤمل بن يحيى والناس، ورواه عن مؤمل هذا غير واحد، انظر: تاريخ ابن الفرضي: ١/ ١١٠ - ١١١، ٢/ ٨١٤. وعزا الباجي في المنتقى: ٢/ ٤٧ هذه المسألة للحمديسية.
(٧) رأيهما في النوادر: ٢/ ٤٨ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٢ ب.
(٨) في خ وح وع: ووافقهما، وهو الأنسب.
(٩) في ق ول وس وح وع: رواية.
(١٠) البيان: ٢/ ٣١٣.
(١١) المدونة: ١/ ١٩٧/ ٣.
(١٢) ذكرها في المنتقى: ٢/ ٤٧.
(١٣) في ق: أو لمس.
[ ١ / ٣٠٦ ]
واختلف في المذي؛ هل القضاء منه واجب على قول أكثر الشيوخ أو مستحب على قول بعضهم (١)، أو التفريق بين أن يكون عن لمس أو قبلة ومباشرة (٢) فيجب أو عن النظر فلا يلزم على ما عند ابن حبيب (٣) إلا أن يتعمده؟. والمغيرة (٤) لا يرى منه القضاء وإن كان عن قبلة.
وقوله (٥) في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا" فالكفارة عليه، وعلى المرأة/ [ز ٥٤] القضاء على كل حال"، ظاهره يكفر عن نفسه فقط، كما قال ابن القابسي (٦) وابن شبلون (٧) فيها، وتأولها أبو محمَّد أن يكفر عنها (٨)، وقاله حمديس (٩). وفي بعض نسخ "المدونة" هنا: فالكفارة عليه عنه وعنها. وليس في روايتنا ولا في أصول شيوخنا لكنها مخالفة كتب بعضهم. وفي بعض الأصول القديمة (١٠).
_________________
(١) في المنتقى: ٢/ ٤٨ أن القاضي عبد الوهاب البغدادي حكاه عن بعض الأصحاب، ونقله ابن رشد في البيان: ٢/ ٣١٤ عن بعض المتأخرين من البغداديين، وذكر منهم عبدُ الحق في التهذيب: ١/ ٩٢ ب الأبهري، ومنهم الجلاب أيضًا؛ قال في التفريع ١/ ٣٠٧: "وهو (أي القضاء) عندي مستحب غير مستحق".
(٢) كذا في ز مصححًا على الكلمة، وفي خ: أو.
(٣) وهو عنه في النوادر: ٢/ ٤٨ والتبصرة: ٢/ ٩ ب والجامع: ١/ ٢٢٣.
(٤) هو المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي أبو هاشم، سمع هشام بن عروة وأبا الزناد ومالكًا، روى عنه يحيى بن بكير وابن مهدي وأبو مصعب الزهري. قال ابن بكير: كان يفتي في حياة مالك. له كتب فقه قليلة في أيدي الناس، توفي ١٨٨ (انظر المدارك: ٣/ ٢ والتهذيب: ١٠/ ٢٣٦).
(٥) المدونة: ١/ ١٩٦/ ٣.
(٦) قوله في التوضيح: ١/ ٢٠٤.
(٧) ذكر له هذا في تهذيب الطالب: ١/ ٩٣ أوالجامع: ١/ ٢٢٢.
(٨) في المختصر ١/ ٤٢ ب: "وإن الزمها كفر عنها كالحج".
(٩) كما في التوضيح: ١/ ٢٠٤ والمواق: ٢/ ٤٣٧.
(١٠) تحتمل هذه العبارة أن يكون معطوفًا عليها ما بعدها، وقد تحتمل العطف على ما قبلها على غموض في ذلك، وكأن الشيخ الرهوني لمس هذا فحذفها إذ نقل هذا النص بألفاظه في حاشيته: ٢/ ٣٦١.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وما له في مسألة المكره يصب الماء في حلقه (١): "عليه القضاء ولا كفارة عليه"، يعضد مذهب ابن شبلون. وما له في باب الكفارة في المكرهة بالوطء يعضد مذهب أبي محمَّد، وهو نص لقوله (٢): يكفر عنها.
والتفريق بين الإكراه بالوطء والإكراه بالقبلة بأنه لا انتهاك في مسألة القبلة، لأنه لم يكن الإنزال من فعله، والإيلاج من فعله، غير بين (٣)؛ لأن الانتهاك من الرجل فيهما حتى أنزلا في هذه أو لم ينزلا في الأخرى واحد؛ إذ لا فرق بين الانتهاك بالإنزال وبالإيلاج (٤) منه في حق المرأة، إذ هو مسببه وفاعل موجبه، والمكرهة غير منتهكة لحرمة الشهر في المسألتين، وإنما المنتهك الرجل في نفسه بالفعلين (٥) وفيها أيضًا. فإما أن يوجب عليه عنها فيهما أو لا يوجب عليه عنها كما قال ابن نافع (٦) وابن عبد الحكم (٧) وسحنون (٨)، وهو قول مالك في "المدنية" (٩).
وقد قال مالك في التي جومعت نائمة (١٠): "لا كفارة عليها"، وفي الذي صب الماء في حلقه (١١): "لا كفارة عليه". ولم يجعل في الباب كله كفارة عنه على الفاعل؛ إذ لا فرق بين هتكه في المكره بالجماع أو صب
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٠٩/ ٣.
(٢) المدونة: ١/ ٢١٨/ ٧.
(٣) ممن فرق بينهما بهذا الفرق أبو عمران وابن شبلون كما في تهذيب الطالب: ١/ ٩٣ أ.
(٤) في س وع وح: أو بالإيلاج.
(٥) في ق: بنفسه في الفعلين. ولعله أقرب.
(٦) ذكره له في التوضيح: ١/ ٢٠٤ رواية عن مالك.
(٧) قوله في النوادر: ٢/ ٣٩.
(٨) في النوادر: ٢/ ٣٩.
(٩) في ق وع وح وس: وهو مذهب مالك في المدونة، وكذا في الرهوني: ٢/ ٣٦٢، والصواب "المدنية"، وهو كتاب عبد الرحمن بن دينار - أخي عيسى بن دينار - المتوفى: ٢٠١، اختصر هذه الكتب سليمان بن بيطر الكلبي (انظر أخبار الفقهاء والمحدثين: ٢٣٩ وابن الفرضي: ١/ ٤٣٨ والمدارك: ٤/ ١٠٦، ١٠٥، ٨/ ١٥).
(١٠) المدونة: ١/ ٢١٠/ ٧.
(١١) المدونة: ١/ ٢١٠/ ٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الماء في حلقه، وقد قال سحنون فيها (١): هي خير من مسألة التي أكرهها زوجها، ولا فرق بينهما في باب الإكراه. وقد سوى بينهما في كتاب ابن حبيب (٢) وجعل على المكره فيهما الكفارة عن من أُكرِه.
وقد ذهب بعضهم (٣) إلى أن إلزامه الكفارة في مسألة المكره قولة له في الكفارة في الجماع بأي وجه كان، ناسيًا أو غيره، كما قال عبد الملك ورواه هو وابن نافع عن مالك (٤).
وفي "مسائل" القاضي إسماعيل (٥) عن مالك ألا غسل على المكرهة إلا أن تلتذ ولا النائمة (٦)، فيبين (٧) من هذا أنها لا تكون مفطرة، يريد لا قضاء عليهما (٨). وكذلك قال الشافعي في النائمة. والمعروف عندنا أن عليهما القضاء.
واختلف في الرجل المكرِه على الوطء لغيره؛ فقيل عليه الكفارة، وهو قول عبد الملك. وأكثر أقوال أصحابنا أنه لا كفارة عليه. ولا خلاف أن عليه القضاء. والخلاف في حده، والأكثر إيجاب الحد عليه/ [خ ٨٣]. والمرأة المكرهة بخلافه.
_________________
(١) يبدو من نقل لابن عرفة أن قولة سحنون هذه في المدونة كما ذكر الحطاب في المواهب: ٢/ ٤٢٧.
(٢) ذكره في النوادر: ٢/ ٣٩.
(٣) نقل اللخمي في التبصرة: ٢/ ١٧ أهذا التأويل عن بعض أهل العلم ونقضه.
(٤) روايتهما في النوادر: ٢/ ٤٩.
(٥) عزاه للمسائل في التوضيح ١/ ٢٠٤.
(٦) في ق والتقييد ٢/ ١٠: ولا النائمة إلا أن تلتذ.
(٧) في غير ز وخ إضافة: "قال ابن القصار: فيبين"، ونقل الشيخ خليل هذا النص عن "مسائل القاضي إسماعيل" وفيه اسم ابن القصار، كما نقله أبو الحسن الصغير في التقييد: ٢/ ١٠ والرهوني في الحاشية: ٢/ ٣٦٢ عن التنبيهات وفيه ابن القصار.
(٨) الراجح أنه هكذا في ز مصححًا عليه، وهو ما في الرهوني: ٢/ ٣٦٢ وفي غير ز: عليها، وهو ما في التوضيح: ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقوله (١): "أو غمزها" يعني قرصها أو قبض يده (٢) عليها، ومنه قولهم: غمزتَ القناة إذا شددت يدك عليها لتقوّم عوجها (٣). ومن (٤) قول عائشة: فيغمزني فأضم رجلي (٥)، وقد قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
وعبد الله بن عامر بن ربيعة (٦) عن أبيه. كذا رويناه. وفي بعض النسخ: عبيد الله، وهو وهم. وسقط "عن أبيه" في رواية أيضًا، وقال عوضه: عن ربيعة. قال أحمد بن خالد: هو خطأ، ورواية ابن وضاح الصواب، عن أبيه، وليس في الصحابة ربيعة.
قال القاضي - ﵁ - (٧): الصواب ما في الأصل. وقد خرج الترمذي حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه هذا بسنده (٨). وعامر بن ربيعة هذا عنزي حليف بني عدي، قاله البخاري (٩) وغيره، بدري، من مهاجرة الحبشة.
_________________
(١) في المدونة ١/ ١٩٦/ ١١ -: "عن مالك في رجل قبل امرأته أو غمزها".
(٢) كذا في ز وخ، وهو ما في أصل المؤلف كما نبه إليه ناسخ ز وأصلحها: بيده، وأصلحت كذلك في ق، وهو أيضًا ما في ح وس وع. وهو الظاهر.
(٣) ذلك ما في اللسان: غمز.
(٤) كذا في ز، وفي غيرها: ومنه، وهو ظاهر الصواب.
(٥) رواه البخاري في الصلاة باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد.
(٦) المدونة: ١/ ٢٠١/ ٥. وهو عنزي مدني روى عن أبيه (انظر تهذيب الكمال: ١٥/ ١٤٠). هذا وفي طرة ز هنا لفظة "إصلاحي" وفوقها: كذا في الطرة.
(٧) في هذا الجزء المكتوب بخط ولد المؤلف ترد هذه الصيغة بالترضي عن المؤلف في خ أما في ز فبقي الناسخ على أصله في كتابة: قال المؤلف ﵀، ويكتب في الحاشية: القاضي ﵁.
(٨) قال: ثنا محمَّد بن بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: رأيت النبي - ﷺ - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم، وقال: حديث حسن (انظر السنن كتاب الصوم باب ما جاء في السواك للصائم). وأخرجه عنه أيضًا ابن وهب في الموطإ: ٣٥ ب.
(٩) في الكبير: ٢/ ٤٤٥.
[ ١ / ٣١٠ ]
وأما قول أحمد: ليس في الصحابة ربيعة، ففيهم عدة كثيرة، عرفنا منهم - بحمد الله - نحو ثلاثين/ [ز ٥٥] رجلًا ممن عد في صحابة النبي - ﵇ - (١) كلهم يسمى ربيعة، منهم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٢)، وربيعة بن كعب الأسلمي (٣)، وربيعة بن عباد الدؤلي (٤)، وربيعة الدوسي (٥)، وربيعة بن شخبرة (٦)، في آخرين لولا التطويل لسردتهم.
وقوله (٧) في الحقنة بالفتائل: لا شيء عليه، وفرق بين ذلك وبين غيرها، فدل (٨) أن كلامه في الفطر إنما هي (٩) في الحقنة المائعة (وهي الذي (١٠) فيها الخلاف كما قال اللخمي (١١) وإن كان القاضي أبو محمَّد (١٢) ذكر الخلاف في الحقنة مجملًا، وأما غير المائعات) (١٣) فلا خلاف فيها.
_________________
(١) هذا ما في أصل المؤلف كما في حاشية ز وأبدل بها الناسخ: - ﷺ -.
(٢) انظر عنه الإصابة: ٢/ ٤٦١.
(٣) انظر الإصابة: ٢/ ٤٧٤.
(٤) ربيعة بن عِباد - بكسر المهملة وتخفيف الموحدة - (انظر الإصابة: ٢/ ٤٦٩).
(٥) هكذا سماه ابن عبد البر في الاستيعاب: ٢/ ٤٩٥ وقال: مشهور بكنيته: أبو أروى. وذكره ابن حجر في قسم الكنى في الإصابة: ٧/ ١٠ وقال: لا يعرف اسمه ولا نسبه.
(٦) كذا في خ وأصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ: سخبرة، وهو ما في ق وع وس، وهو الصواب؛ ففي الإصابة ٢/ ٤٦٠: ربيعة بن أكتم بن سخبرة، بالسين المهملة.
(٧) المدونة: ١/ ١٩٧/ ٩.
(٨) كذا في ز وفي غيرها: يدل. وهو مرجوح.
(٩) كذا في ع وأصل المؤلف، إذ في حاشية ز كتبها الناسخ وفوقها: كذا، وكتب في المتن: هو. وفي خ أيضًا: هي، وضبب عليها الناسخ وكتب في الحاشية: هو، وفي ق وس والتقييد ٢/ ١٢: هو. وهو الراجح.
(١٠) كذا في ز كما في حاشيتها، وصححها الناسخ: التي. وهو ما في ع وس وح. وهو الظاهر.
(١١) في التبصرة: ٢/ ١٠ ب.
(١٢) في المعونة: ١/ ٤٦٧، وصحح عدم الإفطار، وانظر "الأشراف" ١/ ٤٣٨.
(١٣) ما بين القوسين ساقط من خ.
[ ١ / ٣١١ ]
وقد اعترض أبو إسحاق فيها (١) بكل حال على أصله في الرضاع أنه لا يحرم إلا أن يكون له غذاء.
قال القاضي - ﵁ -: وهذا لا يلزم؛ لأن الباب مفترق؛ المراعاة في الرضاع ما ينبت اللحم وينشئ (٢) العظم، ولا يشترط هذا في إفطار الصوم (٣)، بل ما يصل إلى موضع الطعام والشراب فقط مما يشغل المعدة ويسكن كلب الجوع.
وقوله (٤): استقاء ممدود، أي استدعى القيء، مثل استقام. وذرعه القيء - بذال معجمة - أي غلبه، والقيء مهموز.
وحَيْوَة بن شريح (٥)، بفتح الحاء وياء أخت الواو ساكنة بعدها. وأبوه بشين معجمة، وآخره حاء مهملة.
والحارث بن نبهان (٦)، تقدم. عن يزيد بن أبي خالد، كذا في كثير من الأمهات (٧) في حديث الكحل للصائم (٨). وبشَر لفظة "ابن" من كتاب ابن
_________________
(١) في ق: الفطر فيها.
(٢) في ع وح وس: وينشر، وفي ل: وينشز، وفي التقييد ٢/ ١٢: ويشد. ولكل منها توجيه.
(٣) في ق: الصائم.
(٤) المدونة: ١/ ٢٠٠/ ٢.
(٥) المدونة: ١/ ٢٠٠/ ٢.
(٦) المدونة: ١/ ١٩٨/ ٧.
(٧) وكذا في الطبعتين؛ طبعة الفكر: ١/ ١٧٧/ ٩.
(٨) وهو في المدونة عن ابن وهب: أخبرني الحارث بن نبهان عن يزيد بن أبي خالد عن أبي أيوب عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - لم يكره الكحل للصائم وكره له السعوط أو شيئًا يصبه في أذنه. وكذا ورد الحديث في موطإ ابن وهب: ٣٧ أوفيه: يزيد بن أبي خالد عن أبي أيوب. ورواه الترمذي في كتاب الصوم باب ما جاء في الكحل للصائم عن أنس مرفوعًا، ولم يذكر السعوط وقال: ليس إسناده بالقوي، ولا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء. والحديث أيضًا عند أبي داود موقوفًا على أنس في كتاب الصوم باب في الكحل عند النوم للصائم. وحديث المدونة وموطإ ابن وهب ضعيف لضعف الحارث بن نبهان وجهالة يزيد - أبي خالد - على ما صححه =
[ ١ / ٣١٢ ]
عتاب، وأوقفه ابن المرابط. والصواب - إن شاء الله - سقوط "ابن".
ويزيد أبو خالد هذا هو (١) وابن عجلان (٢) بفتح العين حيث وقع. عن أبي نضرة (٣) عن أبي سعيد. كذا عندي وفي أكثر النسخ. وفي بعضها: عن نضرة، كلها (٤) بالنون والضاد المعجمة. وفي بعضها: عن أبي بصرة، بالباء والصاد المهملة. وكله خطأ إلا أبا نضرة كما عندي. وهو المنذر بن مالك، مشهور يروي عن أبي سعيد كثيرًا في الصحيحين وغيره (٥).
وأبو مُراوح (٦)، بضم الميم وكسر الواو.
والمَعافري (٧)، بفتح الميم وبالفاء، منسوب إلى قبيل من اليمن يقال
_________________
(١) = المؤلف. ويوجد من يتسمى بهذا من الرواة لكن لم أجد في ترجمة أي منهم أنه روى عن أبي أيوب أو روى عنه الحارث بن نبهان.
(٢) كذا في خ وز ول، وفي ق: ويزيد بن خالد هذا وابن عجلان، وكتب ناسخ ز فوق الاسم: كذا، ثم كتب في الحاشية: "ويزيد هذا هو أبو خالد، كذا صوابه، قاله ابن رشيد". واقتراح ابن رشيد - ﵀ - وارد كي يستقيم إعراب الكلام لا في تصويبه، إذ لا فرق بين اقتراحه وما في النسخ. والذي يبدو أن المؤلف بصدد الترجمة له ثم لعله ترك بياضًا للبحث فلم يعد إليه. والراجح أن قوله: "وابن عجلان" استئناف كلام لضبط هذا الاسم الذي ورد بعد المسألة السابقة. ثم إن يزيد أبا خالد لم تقع له رواية عن أبي نضرة في المدونة على الراجح.
(٣) المدونة: ١/ ٢٠٠/ ٤. وهو عطاء بن عجلان، ويقال: عطاء العطار البصري، ويقال: أبو محمَّد الحنفي، روى عن أنس وأبي نضرة كما في "الجرح والتعديل": ٦/ ٣٣٥ وروى عنه الحارث بن نبهان كما في "تهذيب الكمال": ٢٠/ ٩٥.
(٤) هو المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، روى عن أبي سعيد الخدري، وتوفي ١٠٨ (انظر التهذيب: ١٠/ ٢٦٨).
(٥) في ق: كله، وهذا المقطع مختلط في النسخة.
(٦) كذا في أصل المؤلف كما في حاشية ز، وكذا في خ ول، وأصلحها في ز: وغيرهما، وهو ما في ق. وهو الظاهر.
(٧) المدونة: ١/ ٢٠٣/ ٨ - . وهو ليثي مدني، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وذكره بعضهم في الصحابة (انظر الاستيعاب: ٤/ ١٧٥٤ والإصابة: ٧/ ٣٦٩، ٣٩٤ والتهذيب: ١٢/ ٢٤٨). وكلهم نسبه غفاريًا.
(٨) المدونة: ١/ ٢٠٠/ ٣.
[ ١ / ٣١٣ ]
لهم مَعافر. قال لي ابن سراج: ويقال فيه مُعافر (١) أيضًا.
وفي متن هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا ذرعه القيء" (٢)، كذا عندي/ [خ ٨٤] للقاضي (٣) أبي عبد الله. وعند ابن عتاب: كان إذا ذرعه القيء، وكتب عليه "قال". وكذا رده ابن وضاح.
وقوله (٤) في الحديث: "لا تَقَدموا الشهر" (٥)، كذا ضبطناه في "الأم" عن الشيخ أبي محمَّد بن عتاب؛ بفتح التاء والدال. وضبطناه عن القاضي أبي عبد الله: لا تُقدَّموا، بضم التاء وكسر الدال. ومعناهما صحيح؛ الأول [لا] (٦) تتقدموا الشهر بصوم تعدونه منه، والثاني: لا تقدموا صومًا قبله ليكون منه أو احتياطًا له.
وقوله (٧): "فإن غُم عليكم فاقدروا له"، معنى غُمَّ: ستر عنكم، من قولك: غممت الشيء إذا سترته (٨)، ويكون من تغطية الغمام إياه، وليس
_________________
(١) يريد: بضم الميم، وبهذا صرح في المشارق: ١/ ٣٨٥، ٢/ ٩٧ عن شيخه هذا، وذكر هناك إنكار ثعلب وابن السكيت للضم، وانظر أيضًا: ١/ ٤٠٤. وانظر عن قبيلة معافر: معجم القبائل العربية: ٣/ ١١١٥ واللسان: عفر.
(٢) الحديث عن ابن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو المعافري عمن يثق به أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا ذرعه القيء لم يفطر، وإذا استقاء طائعًا أفطر". والحديث مرسل وورد معناه عند الحاكم في المستدرك: ١/ ٥٨٩ عن ابن سيرين عن أبي هريرة، وعند الترمذي في الصوم باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا، وعند أبي داود في الصوم باب الصائم يستقي عامدا. وانظر كلاما موعبًا للحافظ ابن حجر على الحديث في الفتح: ٤/ ١٧٥ و"التلخيص الحبير": ٢/ ١٨٩.
(٣) كذا في ز، وفي غيرها: كذا عند القاضي. وكلاهما ممكن.
(٤) المدونة: ١/ ٢٠٤/ ١٠.
(٥) الحديث عن أشهب عن الدراوردي عن محمَّد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين " ومعنى الحديث في البخاري في الصوم باب قول النبي - ﷺ -: "إذا رأيتم الهلال فصوموا " ومسلم في الصوم باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٦) ليست في ز ول وع وص وح. ولا يختلف المعنى بسقوطها.
(٧) المدونة: ١/ ٢٠٤/ ٦.
(٨) اللسان: غمم.
[ ١ / ٣١٤ ]
من الغيم. وقد رويناه في غير "المدونة" بألفاظ مختلفة مشتقة من الغيم وغيره لها تفاسير بحسبها (١).
وأبان بن أبي عياش (٢)، آخره شين معجمة.
وقوله (٣): لا يصام آخر يوم من شعبان الذي يشك أنه من رمضان، هذا تنبيه على أن معناه صيامه تحريًا لرمضان. وعليه يدل لفظ الحديث، كما أنه يكره تحري فطره لمن عادته الصوم لئلا يصل صومه برمضان. نص على ذلك ابن مسلمة (٤). ثم اختلف في قصد صومه تطوعا بالجواز والكراهة (٥).
وقوله (٦): "وقد ذكرنا (٧) عن ربيعة ما يشبه/ [ز ٥٦] هذا"؛ هو قوله في آخر باب صيام آخر يوم من شعبان (٨) فيمن صام قبل أن يرى الهلال على الاحتياط، المسألةَ بتمامها (٩).
وقوله (١٠): "وهذا من ذلك الباب"، يدل أن صومه تطوعا وصومه على الاحتياط لا يجزئ وعليه القضاء، وإنما تكلم مالك في الكتاب على من صامه تطوعا أنه لا يجزئه وعليه قضاؤه. ولم يأت صيامه احتياطًا أنه لا يجزئه ويقضيه في الكتاب إلا من قول ربيعة وإن كان أبو محمَّد وأكثر
_________________
(١) عدد من هذه الألفاظ في الصحيحين مثل: فعدوا، فصوموا، فأكملوا
(٢) المدونة: ١/ ٢٠٣/ ٩. وهو أبو إسماعيل البصري المتوفى ١٣٨ (انظر التهذيب: ١/ ٨٥).
(٣) المدونة: ١/ ٢٠٤/ ٦.
(٤) قوله هذا في المنتقى: ٢/ ٣٦ وفي التبصرة: ٢/ ١٤ ب من قوله أيضًا: من شاء صامه ومن شاء أفطره.
(٥) انظر تفصيل الخلاف في المنتقى: ٢/ ٧٢، ٣٥.
(٦) المدونة: ١/ ٢٠٦/ ٧.
(٧) في الطبعتين: وقد ذكر لنا؛ طبعة الفكر: ١/ ١٨٤/ ٢، والصحيح: ذكرنا، ويرجحه سياق المدونة.
(٨) المدونة: ١/ ٢٠٤/ ٥.
(٩) تمامها: "قال ربيعة: لا يعتد بذلك اليوم وليقضه؛ لأنه صام على الشك".
(١٠) المدونة: ١/ ٢٠٦/ ٨.
[ ١ / ٣١٥ ]
المختصرين اختصروه: ومن صامه حيطة أو تطوعًا (١). لكن لمالك في "الموطأ" (٢) كقول ربيعة فيه، وكذلك في "المختصر" (٣).
وقول أشهب في الكتاب (٤): "لأنه لم ينو به رمضان وإنما نوى به التطوع"، قال ابن لبابة (٥): كأنه يقول: إن نوى به رمضان وان كان على شك أنه يجزئه. وهذا مثل قوله في الذي التبست عليه الشهور (٦) فيصوم على اجتهاده إنه إن صادف رمضان أو كان صام بعده أنه يجزئه. وقياس قول مالك وابن القاسم في متحري لو لم يشك (٧) لا يجزئ، أن لا يجزئ الأسيرَ ومن التبست عليه الشهور صيامه، صادفه أو صام بعده. قال ابن القاسم في "العتبية" (٨): لا يجزئه وإن صادف تحريه شهر رمضان. وهو بمنزلة قول مالك في الذي يصوم يوم الشك على أنه إن كان من رمضان أنه لا يجزئه (٩). قال ابن لبابة: وسحنون يقول (١٠): يجزئه. والقياس أن يجزيه. فهما مذهبان مختلفان، والله أعلم.
_________________
(١) هذا في مختصر أبي محمَّد: ١/ ٣٩ ب.
(٢) في باب صيام اليوم الذي يشك فيه.
(٣) نقله عنه في النوادر: ٢/ ٦.
(٤) المدونة: ١/ ٢٠٦/ ٩.
(٥) نقله في التقييد: ٢/ ٢٣.
(٦) المدونة: ١/ ٢٠٦/ ٢.
(٧) كذا في ز وخ، ومرض عليها في ز وكتب بالحاشية: كذا. وفي خ: لو لم يشكن. وكتب فوق "متحري": كذا. ولا معنى له. وفي ق وس وع وح: متحري يوم الشك، وهو واضح.
(٨) البيان ٢/ ٣٣١.
(٩) هذا التخريج من المؤلف - ﵀ - رده ابن عرفة كما نقل عنه ابن غازي في "التكميل"، ذكر ذلك الرهوني في حاشيته: ٢/ ٣٥٧ ثم عقب: " هذا مردود بالبديهة؛ لأن صوم يوم الشك ورد النهي عنه في الحديث المتفق على صحته، وحمل غير واحد من أئمة المذهب المدونة على أنه حرام ورجحت كفة كراهته. وصوم نحو الأسير شهرًا باجتهاده إما واجب إن ظنه رمضان، وإما مباح إن شك فيه. وكيف يصح قياس واجب أو مباح على محرم أو مكروه - وقد تقرر في الأصول أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وفي القواعد المذهبية أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا - ففي صدور نحو هذا من أبي الفضل ما لا يخفى ".
(١٠) قوله في البيان: ٢/ ٣٣١.
[ ١ / ٣١٦ ]
وقول عائشة (١) في حفصة: "وبدرتني بالكلام، وكانت بنت أبيها" (٢)، تريد جريئة على الكلام جزلة. ومعنى بدرتني: سبقتني.
وقوله (٣) في التي استيقظت بعد الفجر (فشكت أن تكون طهرت قبل الفجر) (٤): تصوم وعليها القضاء، "لأنه يخاف ألا تكون طهرت إلا بعد الفجر"، بهذا علل المسألة ابن القاسم ولم يعلل بعدم النية. وهذه - على أصله - لو تحققت طهرها قبل الفجر لم يجزها، لأنها لم تنوه ولا بيتته. خرج بعض الأشياخ (٥) منه - إذ لم يعلل بذلك - أنها قولة له في جواز صيام الحائض/ [خ ٨٥] إذا طهرت في رمضان أول يوم من طهرها وإن لم تبيته، بخلاف المسافر إذا أفطر في سفره فلا بد من التبييت؛ لأنه هو (٦) في الصوم أو الفطر بخلاف الحائض.
والمعروف أنها والمريض سواء لا بد لهم (٧) من التبييت إذا صاموا (٨).
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٠٥/ ٥.
(٢) رواه عن ابن وهب عن مالك وعبد الله بن عمر ويونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: بلغني أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين وأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه، فدخل عليهما رسول الله - ﷺ - قالت عائشة: فقالت حفصة - وبدرتني بالكلام وكانت بنت أبيها -: إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "اقضيا مكانه يومًا آخر". والحديث هكذا هو في موطإ ابن وهب: ٣٦ أ - ب، وهو منقطع. وهو في مسند أحمد: ٦/ ٢٦٣ موصولا من طريق الزهري، وكذا في مسند إسحاق بن راهويه: ٢/ ١٦٠. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٦٦: لا يصح مسندًا، وقد أطال أبو عمر في الكلام عليه.
(٣) المدونة: ١/ ٢٠٧/ ٥.
(٤) سقط من خ.
(٥) هذا التخريج ورد في تهذيب الطالب: ١/ ٩١ ب ولا أدري إن كان لعبد الحق أو إنما حكاه، وقد انخرم ما قبله. وحكاه الباجي في المنتقى: ٢/ ٤٠ وابن رشد في المقدمات: ١/ ٢٤٦ والبيان: ٢/ ٣٣٣.
(٦) كذا في خ وأصل المؤلف كما في حاشية ز وصححها الناسخ: مخير. أو قريب من ذلك، وهو الظاهر وهو ما في ق ول والتقييد: ٢/ ٢٦ وليست واضحة في بقية النسخ.
(٧) كذا في ز، وفي خ ول وع وح وس والتقييد: لهما، وكأن علم على الألف في خ. والسياق يرجح تثنية الضمير.
(٨) في ق والتقييد: صاما.
[ ١ / ٣١٧ ]
وخرج بعضهم الخلاف في الباب كله فيما فيه تخيير أولًا. وهذا إنما يصح لو تقدم لها صوم أول الشهر، فهي المسألة التي فيها الخلاف لنيتها (١) أول ليلة صيام الشهر واسترسالها على بقيته على ما نص عليه أبو القاسم بن الجلاب (٢) وغيره. وأما من دخل عليها رمضان وهي حائض فلا يجزئها في أول يوم من طهرها دون تبييت إلا على رأي عبد الملك وروايته عن مالك (٣) وأحد قولي سحنون، وكقول المخالف في إجزاء أول يوم من رمضان لمن لم يبيته إذا ثبت (٤) داخل النهار لاستحقاق صيامه عليه كما قيل فيها ذلك.
وقد قيل: إنه لا يؤخذ من قوله شيء من هذا في الكتاب، وإنما احتج بما لا تنازع فيه من الشك في تأخير الطهر دون ما فيه النزاع من النية.
وقد قيل: هذه قولة أخرى في الكتاب لمالك في جواز الصوم بغير نية كما قال عبد الملك عنه (٥).
وقد قيل (٦): لعلها إنما شكت في الفجر بعد أن رأت الطهر ونوت الصوم، فنامت ثم استيقظت بعد الصباح (٧) ولم يكن تبين لها الفجر.
_________________
(١) كذا في خ وأصل ز وح وس وع، ورجح ناسخ ز: لتبْيتها، بإسكان الباء الموحدة وبياء واحدة!
(٢) هو عبيد الله بن الحسن - ويقال: ابن الحسين -، وقال الشيرازي: عبد الرحمن بن عبيد الله، تفقه بالأبهري، وأخذ عنه القاضي عبد الوهاب. وكان من أحفظ أصحاب الأبهري وأنبلهم. من كتبه: مسائل الخلاف والتفريع. توفي ٣٩٨ (انظر المدارك: ٧/ ٧٦ وطبقات الشيرازي: ١٦٨). وقوله هذا في التفريع: ١/ ٣٠٣.
(٣) رأي عبد الملك وروايته في المبسوط كما في المنتقى: ٢/ ٤٠.
(٤) في التقييد ٢/ ٢٦: بيت.
(٥) قاله في الواضحة كما في المقدمات: ١/ ٢٤٦ والبيان: ٢/ ٣٣٣، وهو في المنتقى: ٢/ ٤٠.
(٦) هذا الاحتمال للباجي في المنتقى: ٢/ ٤٠.
(٧) في ق: الصبح. وفي المنتقى - أصل النص -: الفجر. وفي التقييد ٢/ ٢٦: الصيام. ولعله تصحيف.
[ ١ / ٣١٨ ]
وقيل (١): قد يحتمل أن معنى قوله: تصوم أي تمسك عن الأكل كمن طرأ عليه أن اليوم من رمضان أنها تلزم (٢) الصوم في بقيته وتمسك عن الأكل (٣).
قال القاضي - ﵁ -: وهذا كله إنما يجب (٤) أن يلزمه ابن القاسم لا مالك؛ لأن التعليل إنما هو له لا لمالك وكلام مالك يدل على أصله، لا علة فيه.
وقوله (٥) في المغمى عليه: "وقد بلغني ذلك عن بعض أهل العلم"، كذا عند ابن عتاب وجل/ [ز ٥٧] النسخ. وعند ابن عيسى: "وقد بلغني عن مالك عن بعض من أرضى" (٦). ولم يختصره على هذا أحد من المختصرين. ومذهبه في الكتاب في المغمى عليه بعد الفجر أن يراعي في القضاء دوام الإغماء عليه جل النهار. وأما إن أغمي عليه نصف النهار فلا قضاء عليه. كذا فسر مذهب ابن القاسم فضلُ بن سلمة. وهو مفهوم الكتاب خلاف ما نقل ابن حبيب (٧) عن ابن القاسم من مراعاته نصف النهار، ورد عليه فضل.
واختلف على مذهب الكتاب في صفة المفرط في قضاء رمضان الذي تلزمه الفدية من هو؟ فمذهب (٨) أكثر الشارحين (٩) أنه إنما تلزمه الفدية إذا أمكنه ذلك في شعبان قبل دخول رمضان الثاني فلم يفعله، فمتى سافر ذلك
_________________
(١) هذا تأويل الباجي كذلك في المنتقى: ٢/ ٤٠.
(٢) في ق والتقييد: أنه يلزمه. وهو محتمل.
(٣) في حاشية ز هنا طرة بخط الناسخ لم يتبين متعلقها وهي: "هذا هو الصواب لا ما عند ابن وهب أنه يلزمه الصوم في بقيته ويمسك عن الأكل".
(٤) في ق: ينبغي.
(٥) المدونة: ١/ ٢٠٨/ ٢.
(٦) عبارة طبعة صادر: "وقد بلغني ذلك عمن مضى من أهل العلم"، وعبارة طبعة الفكر ١/ ١٨٥/ ٣: "وقد بلغني عن بعض من مضى من أهل العلم".
(٧) نقله أبو محمَّد عنه في النوادر: ٢/ ٧٢ وعقب: إن هذا خلاف ما روى عنه سحنون في المدونة، وهو في التبصرة ٢/ ١٢ أ.
(٨) كذا في ز ول، وفي خ: فذهب.
(٩) كابن يونس في الجامع: ١/ ٢٣٤ والباجي في المنتقى: ٢/ ٧٢.
[ ١ / ٣١٩ ]
الشعبان أو مرضه أو بعضه فلا تلزمه فدية فيما سافر فيه منه أو مرضه، ولو كان فيما قبل من الشهور صحيحًا مقيمًا. وإلى هذا ذهب البغداديون (١) وأكثر القرويين (٢) في تأويل ما في "المدونة"، وهو معنى ما لمالك في "المبسوطة" وفي "المدنية" من رواية ابن نافع وما لأشهب في "المجموعة" (٣).
وذهب بعضهم إلى مراعاة ذلك في شهر شوال بعد الرمضان الذي أفطره، فمتى مضت عليه (٤) أيام في سنته عدد ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصمها حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية ولو كان في بقية العام لا يقدر على الصوم.
وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب لقوله [في المسألة] (٥): / [خ ٨٦] إذا مات وقد صح شهرًا لو (٦) أقام في أهله شهرًا وأوصى أن يطعم عنه: إن ذلك في ثلثه مُبدأ، ولا تُبدأ إلا الواجبات. وبدأه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب فجعله أوجب منه. فلو أنه لا يجب إلا بخروج شعبان لكان قد أوصى بما لم يجب عليه وكان كسائر الوصايا التي لا تبدأ. وهذا بين في الكتب "المدنية" (٧) و"المبسوطة". قال ابن القاسم: "من كان صحيحًا ففرط في قضاء رمضان حتى مرض أو حتى مات فذلك الذي عليه الإطعام واجبًا (٨) أن (٩) يوصي به، فأما من مرض في رمضان فلم يزل مريضًا حتى
_________________
(١) كعبد الوهاب في المعونة: ١/ ٤٨٢ وانظر المنتقى: ٢/ ٧٢.
(٢) كعبد الحق في النكت واللخمي في التبصرة: ٢/ ١٥ ب.
(٣) وهو في النوادر: ٢/ ٥٥.
(٤) في خ ول والتقييد ٢/ ٣٦: عنه.
(٥) ليست في ز، وثبتت في خ ول والتقييد وق وفوقها في ق حرف الزاي.
(٦) كذا في ز، وفي غيرها: أو، وهو ما في الطبعتين؛ طبعة الفكر: ١/ ١٨٧/ ١٣ -، ويبدو هو الراجح.
(٧) نقله الباجي في المنتقى: ٢/ ٧٢ عن المدنية من رواية عيسى.
(٨) في ق وس وع وح ول: واجب، وصحح ناسخ ق في الحاشية: واجبا. وقارن بعبارة المنتقى: ٢/ ٧٢.
(٩) في ق ول وع وح وس: إلى أن.
[ ١ / ٣٢٠ ]
مات فذلك الذي يستحب له وليس بواجب". وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن الجلاب (١) وأبو الحسن اللخمي (٢). وقد قال في موضع آخر من الكتاب (٣): "إلا أن يكون مريضًا حتى دخل عليه رمضان آخر فلا إطعام عليه"، وكذلك قال (٤): "إن كان مسافرًا حتى دخل عليه رمضان آخر"، قال: "لأنه لم يفرط"، فإنما جعله غير مفرط باتصال المرض والسفر. وقال في موضع آخر من الكتاب (٥): فإن كان إنما يصح أيامًا، قال: فبعدد الأيام التي صح يجب عليه الطعام (٦).
وقد حكى أبو عمران عن أشهب: من عليه قضاء رمضان فمرض حتى دخل عليه رمضان (٧) فإنه لا يخرجه من الإطعام اتصال المرض. فانظر إن كان هذا المرض بعد صحة تقدمت فهو على ما ذكرناه، وإن كان لم يزل مريضا من رمضان الأول فهو خلاف. وعلى ما ذهب إليه الأكثر إنما يجب عليه الطعام (٨) إذا كانت هذه الصحة بعدد أيامه من آخر شعبان.
وقوله: "إذا أوصى بها أخرجت من الثلث مبدأة"، ذلك عندي على ما تقدم لتفريطه في الصيام مدة صحته، وأنه يرجو سقوطها عنه إذا صح قبل رمضان؛ إذ لا يجب على المفرط إلا بحلول رمضان، ولو كان موته بأثر تمام شعبان لكان على مذهبه في الزكاة التي لم يفرط فيها أن تخرج من رأس ماله، ويدخل فيها الخلاف في لزوم إخراجها إذا لم يوص بها. وعلى
_________________
(١) في التفريع: ١/ ٣١٠.
(٢) في التبصرة: ٢/ ١٥ ب.
(٣) المدونة: ١/ ٢١٩/ ٥.
(٤) المدونة: ١/ ٢١٩/ ٤.
(٥) المدونة: ١/ ٢١٩/ ٣.
(٦) كذا في خ وأصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ: الاطعام، وهو ما في ق وح وس وع ول، وعبارة المدونة: يطعم.
(٧) في ق ول: رمضان آخر.
(٨) كذا في خ وق وأصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ فيها: الاطعام، وهو ما في ل.
[ ١ / ٣٢١ ]
ما قاله محمَّد فيمن وجبت عليه كفارة العمد في رمضان فمات ولم يفرط أنها تخرج من ماله، ولا فرق بين/ [ز ٥٧] الكفارتين. وفي "كتاب أبي الفرج" لمالك إطعام رمضان في ثلثه وإن لم يوص به (١). وأما إن صام بعد خروج رمضان الثاني ولم يكفر أو لم يصم متصلًا فهذا مفرط، وصيته بها من الثلث. وقد اعترض القابسي على جواب ابن القاسم وقال: كيف يكون إذا مات مفرطًا وقد أذن له في التأخير، وهل هو إلا كمن مات آخر وقت الظهر؟ وقال ابن محرز: إنما رأى ابن القاسم عليه الإطعام استحبابًا لما ذهب إليه غير واحد من السلف فيمن لا يطيق الصوم لكبر أنه يطعم، وحمل ذلك على ما قدمناه من أحد التأويلين وأنه مفرط بترك المبادرة.
وقوله (٢) في صيام المرضع: "إن كانت تقدر على أن تستأجر له، أو له مال يستأجر له به فلتصم"، معنى المسألة فيمن لا أب له أو له أب معسر ولا مال للصبي، وإن كان بعض الشيوخ (٣) تردد فيمن له أب ولا وجه لتردده.
يستدل من قوله هذا على أن عليها أن تسترضع له في الحولين إذا لم يكن لها لبن. وهو قول مالك في غير "المدونة" وقول إسماعيل القاضي وغيره، قال إسماعيل: وذلك من باب الإعانة (٤). قال أبو عمران: وهو قولهم/ [خ ٨٧] كلهم. وقال القاضي أبو محمَّد بن نصر: لا يلزمها رضاعه؛ هو من فقراء المسلمين إلا ألا يقبل غيرها (٥). وإلى هذا نحا التونسي، كالنفقة إذا كان فقيرًا لم يلزم ذلك. قالوا: ولا فرق بين الرضاع والنفقة، وذلك على جماعة المسلمين كغيره من الفقراء. قال أبو إسحاق التونسي:
_________________
(١) حكاه عنه ابن أبي زيد في النوادر: ٢/ ٥٤ ثم قال: هذا غير ما عندنا من أصل مالك.
(٢) المدونة: ١/ ٢١٠/ ٨.
(٣) هو التونسي كما بدا للرهوني في حاشيته: ٢/ ٣٧٥ وانظر التوضيح: ١/ ٢٠٧.
(٤) كذا في ز وق ول وع وس، وفي التقييد ٢/ ٣٣: إعانة، وفي الجامع ٣/ ٩٤: الإغاثة. واللفظان متقاربان.
(٥) نقله في الجامع: ٣/ ٩٤، وانظر ما له في الإشراف: ٢/ ٨٠٨ - ٨٠٩.
[ ١ / ٣٢٢ ]
بعين (١) اللبن خاصة، فإذا لم يوجد فلا تبر في ذلك (٢) ذمتها. وأما في مسألتنا فالأشبه عنده (٣) أن يستأجر له، لأن لبنها حاضر وهي ممسكة له لما خشيته من الضرر.
وقال أبو عمران في رواية ابن وهب في الحامل (٤): "تطعم": لا يوجد هذا لمالك، وإنما نقلها سحنون من "موطأ ابن وهب" بالتأويل (٥).
وفي مسألة من نذر ذا الحجة (٦)، وقع في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله بعد قول ابن القاسم وروايته عن مالك: وقال أشهب: يستحب قضاؤها (٧)، يعني (٨) اليومين بعد يوم النحر، وليس ذلك عليه بواجب. وقال أيضًا: لا قضاء عليه، لأنه نذر معصية. كذا كان عنده، وحَوَّق عليه ولم يروه (٩). وقول أشهب الآخر صحيح في "مدونته" (١٠) إنه لا يصومها وإن
_________________
(١) على هذا الشكل كتبت في ز وخ وق وع وح والتقييد، وعلى الكلمة خط قصير في ز وخ، وفي حاشية ز كتب الناسخ ما لعله: "كذا، وعلم عليه". وفي حاشية خ أن في نسخة أخرى: يعني، والمعنى متقارب.
(٢) كذا في خ وأصل المؤلف كما بين ناسخ ز وأصلحها في المتن: يترك في ذمتها. وفوقها: كذا، ثم كتب ما لعله: "كذا، وعلم عليه"، ومرض ناسخ خ على: تبر، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: تبرأ. وفي ق ول وح وس: فلا تبرأ في ذلك ذمتها. وهو أوضح.
(٣) كذا في خ وأصل المؤلف كما ذكر ناسخ ز، وأصلحها: عندي، وهو ما في ق ول وح وس وع والتقييد.
(٤) المدونة: ١/ ٢١٢/ ١.
(٥) قال الباجي في المنتقى ٢/ ٧٠: عن مالك فيها روايتان، وانظر التفريع: ١/ ٣١٠ والنوادر: ٢/ ٥٢.
(٦) المدونة: ١/ ٢١٧/ ٤.
(٧) كذا في أصل المؤلف على ما بحاشية ز، وأصلحها الناسخ: قضاؤهما، وهو الذي في خ وق ول وح وع وس. وهو ظاهر.
(٨) كُتب في خ: بعد. وليس كذلك.
(٩) وليس في الطبعتين.
(١٠) عزاه لها في التبصرة: ٢/ ١٨ أ، وخلاف هذا عنه في المنتقى: ٢/ ٥٩. وديوان أشهب =
[ ١ / ٣٢٣ ]
نذرها (١) ولم يستثن منها يومًا. وقال ابن كنانة (٢) في "المبسوطة" (٣): يصوم أيام التشريق من نذر صيام سنة معينة. وفي كتاب أبي الفرج مثله (٤). وهي رواية ابن أبي أويس عن مالك. وعند أبي المصعب (٥): "لا يصومها سوى المتمتع، إلا من عليه صيام ظهار أو قتل". ونحوه لمالك في "المدنية" (٦) و"المبسوطة" فيمن صام واجب الشهرين عليه في ذي الحجة غافلًا (٧). وفي "المختصر" نحوه (٨). وللمخزومي نحوه (٩).
(وفي "الاستيعاب": روى علي (١٠) عن مالك: يجزئ المتظاهر (١١) ابتداء صيام ذي الحجة، ويقضي يوم النحر وحده) (١٢). ومثله في
_________________
(١) = كتاب جليل كبير كثير العلم كما قال المؤلف، انظر عنه: المدارك: ٣/ ٢٦٥، ٢٦٣، ٢٥٣ وعلماء إفريقية: ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) كذا كتب الضميران في ز بالمفرد، وفوق الضميرين ضميرًا المثنى (هما) وفوق الضميرين: كذا. وفي خ كتبا بصيغة المفرد. وهو ما في ل وع وس وح. وفي ق: يصومهما وإن نذرها. ولصيغة الجمع وجه.
(٣) وقوله في التبصرة: ٢/ ١٨ أ.
(٤) في ع وس: المبسوط.
(٥) حكاه عنه في التبصرة: ٢/ ١٩ أوالمنتقى: ٢/ ٥٩.
(٦) مختصر أبي مصعب: ٧٦.
(٧) عزاه لها الباجي في المنتقى: ٢/ ٥٩.
(٨) مرض الناسخ في خ على "واجب الشهرين عنه غافلًا"، ومرض في ز على "غافلا"، وفي الحاشية: "كذا بالأصل"، وكتب: انظر. والعبارة تبدو سليمة بموازنتها مع ما في المنتقى: ٢/ ٥٩ - وهو أيضًا منقول عن المدنية -، قال: "قال في المختصر عن مالك في مبتدئ صوم الظهار - زاد في المدنية أو قتل نفس - من ذي القعدة نسي أو غفل فأفطر يوم النحر " وسيكرر المؤلف الإشارة إلى هذا.
(٩) نقله في التبصرة: ٢/ ١٩ أوالمنتقى: ٢/ ٥٩، وذكر أن القتل إنما هو في المدنية، وانظر النوادر: ٢/ ٧٤.
(١٠) قوله في "السليمانية" كما في التبصرة: ٢/ ١٩ أ.
(١١) يعني ابن زياد.
(١٢) كذا في ق ول وأصل المؤلف كما ذكر ناسخ ز، وأصلحها: المظاهر.
(١٣) سقط من خ.
[ ١ / ٣٢٤ ]
"المدونة" (١) لسعيد بن المسيب في امرأة نذرت أن تصوم سنة، قال: تصوم ثلاثة عشر شهرًا ويومين في السنة؛ الفطر والأضحى، فهذا يدل على أنها تصوم ما عدا يوم النحر والفطر من أيام التشريق، وإن كان القابسي قد تأول فيها تأويلًا يبعد. وقال ابن أبي زمنين: قوله: في الفطر والأضحى، على خلاف ما أعلمتك من قول مالك. وفي كتاب ابن حبيب عن سعيد في هذه المسألة: تقضي أيام الفطر وأيام الأضحى وما أفطرته لمرض أو حيض، فهذا وفاق لما في الكتاب. ومذهب ابن القاسم ألا يصم (٢) ابتداء فيها صوم تتابع، ولا يعذر فيها أحد بجهل (٣)، ويبتدئ الصيام من/ [ز ٥٨] فعل ذلك إلا أن يكون ابتدأه في شوال فقطع به مرض حبسه حتى فجأته (٤)، فيعذر هذا ويصل بصومه قضاء أيام النحر الثلاث (٥). وفي كتاب الظهار عذره مالك بالجهل، فانظر ما هذا الجهل أجهل الحكم في ذلك فما هو مما يعذر به، أم جهل العدد والغفلة عن (٦) أن هذا الشهر فيه ما لا يجوز صومه؟ فهذا مما ربما عذر فيه. وقد ذكر اللخمي الخلاف في هذا كله (٧).
والأولى عندي حمل الجهل هنا بالغفلة (٨) كما قال في "المدنية" و"المبسوطة"، وأنه جهل ذكر أن فيه أيامًا (٩) لا يحل صومها أو جهل ذلك وظن أنه يجوز له صومهما فصامهما (١٠). وإلى هذا ذهب ابن شبلون. وأما
_________________
(١) ١/ ٢١٨/ ٦.
(٢) كذا في س وخ وفوقها في خ علامة تشبه: صح. وكذلك كانت في أصل المؤلف كما في هامشها، وأصلحها الناسخ: يصام. وفي ق ول وع وح: تصوم. وهما محتملان.
(٣) قول ابن القاسم هذا في المدنية، نقله في المنتقى: ٢/ ٥٩.
(٤) تشبه في س: يجيئه، وفي ع: فجته.
(٥) كذا في ز وخ وع، وفي ق وح وس: الثلاثة. وهو الصواب.
(٦) في ق وس وخ وع: على. وهو مرجوح.
(٧) تحدث اللخمي عن هذه المسألة في التبصرة: ٢/ ١٩ أولم يجر ذكرًا لهذا هناك.
(٨) كذا، وصحح في ز على الباء من "بالغفلة".
(٩) في ق: جهل ذكر أيام.
(١٠) في ق: صومها فصامها، ويبدو أنه الصواب.
[ ١ / ٣٢٥ ]
جهل حكم الظهار وظنه أنه يجوز فيه التفرقة فقلما يجد أحد العذر (١) بمثل هذا في أصولنا.
ومذهب الكتاب (٢) وكتاب ابن حبيب (٣) صيام يوم الرابع منها لمن نذره أو نذر صوم ذي الحجة أو سنة بعينها أو الدهر، وأجاز ذلك إذا فعله في كفارة اليمين (٤). وأما المتمتع فلا خلاف في جواز صيامه لجميعها إلا/ [خ ٨٨] يوم النحر. وهل يدخل هذا الخلاف في قضاء رمضان من السنة المعينة؟ فيه بين الشيوخ اختلاف، والأشبه عندي - على ظاهر "المدونة" - ألا يقضي، لأنه حصل فيه صوم، ولأنه إنما علل في الكتاب (٥) في الأيام المذكورة بأنه لا يصلح الصوم فيها.
وقوله (٦) في مثله (٧) من نذر صيام شهر بعينه: "لا يقضي ما مرض منه"، إلى آخر المسألة، ثم قال: "وروى ابن وهب أن عليه قضاءه (٨) في شهر آخر. وقال المخزومي: لا يقضي إذا كان الله هو الذي غلبه بمرض، وإن تركه ناسيًا فعليه القضاء. وقال مالك: إن ترك اليوم الذي نذر ناسيًا فعليه القضاء. وقال أشهب: إذا كان الله الذي غلبه بمرض فلا قضاء عليه". هذه الروايات كلها ثابتة في الأصول (٩). وهي عند ابن عتاب من رواية ابن
_________________
(١) كذا في ز وخ ومرض عليها في خ، وأشار إلى أن في نسخة أخرى: يجد أحدًا يعذر، وهو ما في ق. والمثبت أعلاه أولى وأبين.
(٢) انظر: ٢١٥/ ٨، ٢١٧/ ٢.
(٣) الذي ذكر له في النوادر: ٢/ ٧٤ صيامه لمن نذره أو نذر ذا الحجة.
(٤) المدونة: ٢/ ١٢٢/ ١٠.
(٥) ٢١٥/ ٤.
(٦) المدونة: ١/ ٢١٤/ ٩.
(٧) كذا في خ مصححًا عليه، وفي الحاشية أن الصواب: مسألة، وكذلك في أصل المؤلف كما بحاشية ز، وأصلحها الناسخ: مسألة، وهو ما في ق وع وح. وهو الظاهر. وسقطت من ل وس.
(٨) كذا في ز وق، وفي خ: قضاؤه، مصححًا عليه، وهو ما في ل. وهو مرجوح.
(٩) لا توجد في الطبعتين، طبعة الفكر: ١/ ١٨٩/ ١١.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وضاح. وكلها موافقة لرواية ابن القاسم إلا رواية ابن وهب. وقد تكررت رواية ابن وهب بعدها أيضًا لابن وضاح. وهي صحيحة في "المبسوط" (١) لمالك. وعبد الملك يرى إن كان نذره لرجاء فضل بركة ذلك اليوم فلا قضاء عليه (٢).
وقوله (٣) فيمن نذر سنة غير معينة: يصوم اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر ولا أيام الذبح (٤)، ولم يذكر اليوم الرابع وهو مما لا يصومه من لم يعينه. وقد استدل بعضهم على جواز وقوع صومه ممن صامه لما لزمه كما قال في كفارة اليمين. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: في "المدونة" ما يدل على أنه يصوم (٥) في هذه المسألة اليوم الرابع، وأراه أراد هذا الموضع.
ووقع في "المختصر" مكان هذا اللفظ: "ولا أيام منى" (٦)، وهو بين على الأصل، ولا يشعر هذا بخلاف لما في الكتاب، لكنه لما كان اليوم الرابع متصلًا بأيام الذبح وله حكمه في الرمي والتكبير وكراهة الصوم وغير حكم انطلق عليه اسمها، كما سمي جميعها أيام التشريق من صلاة العيد حين شروق الشمس أول يوم منها، على من جعل يوم النحر منها، وليس فيها هي تشريق. ويعضد تأويلنا هذا أن ابن حبيب ذكر المسألة فقال: ولا يحسب فيها رمضان ولا ما أفطر فيها (٧) لمرض ولا
_________________
(١) حكاه عن المبسوط في التوضيح: ١/ ٢٠١.
(٢) نقله في النوادر: ٢/ ٦٢.
(٣) المدونة: ١/ ٢١٤/ ٩.
(٤) في ق هنا زيادة مخرج إليها وهي: "وذكر هنا أيام الذبح"، وثبتت أيضًا في ل والرهوني: ٢/ ٣٧٨ في نقل له عن التنبيهات. ويترجح ثبوتها.
(٥) الذي في المنتقى: ٢/ ٥٩ يدل أنه لا يصومه، لكن نقل عنه في التوضيح: ١/ ٢٠٣ مثل ما في التنبيهات، فلعل ما في المنتقى خطأ مطبعي.
(٦) عزاه للمختصر في النوادر: ٢/ ٦٦ والجامع: ١/ ٢٣٧ وقال: هو أبين، وانظر المنتقى: ٢/ ٥٩.
(٧) في ق: فيه. وهو أولى.
[ ١ / ٣٢٧ ]
يوم الفطر ولا أيام الأضحى الأربعة (١). فانظر كيف أطلق عليها كلها ذلك وعين فيها اليوم الرابع وليس من أيام الأضحى عندنا، ليس إلا على ما تأولناه. أو يكون هذا التفاتًا إلى من عد اليوم الرابع من أيام الأضحى وأجاز ذلك فيه من العلماء. فيرجع ما في الكتاب وفي "المختصر" و"الواضحة" إلى معنى واحد إن شاء الله (٢).
وقوله (٣) في المسألة: "ويجعل الشهر الذي يفطر فيه ثلاثين يومًا"، قال أبو سعيد بن أخي هشام: / [ز ٥٩].
لعل جوابه هنا فيمن ابتدأ السنة (٤) على غير الهلال. وقال أبو محمَّد (٥): "في قوله هذا في الكتاب نظر، ولو كان الفطر في أول الشهر كان بينًا". وفي كتاب ابن حبيب (٦) فيمن بدأ شهرًا بغير (٧) الهلال فلا بد من إتمام ثلاثين يومًا، قال: وكذلك إذا قطعه إذا لم ينوه (٨) متتابعًا، وقاله عبد الملك (٩). ولسحنون (١٠) وابن عبد الحكم (١١): ما أفطر فيه ما صامه (١٢)
_________________
(١) قارن هذا بما حكى ابن حبيب عن ابن الماجشون في النوادر: ٢/ ٦٧.
(٢) تأويل المؤلف للمسألة وإدخاله اليوم الرابع - وإن لم ينص عليه في المدونة - استبعده الرهوني في حاشيته: ٢/ ٣٧٨ استئناسًا بمسلك ابن ناجي، ولأن العبارة نفسها في المدونة في ناذر سنة بعينها.
(٣) المدونة: ٢١٤/ ١٢.
(٤) في ق ول وس: الشهر.
(٥) في المختصر: ١/ ٤٣ ب.
(٦) حكاه عنه في النوادر: ٢/ ٦٥ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٧ أ.
(٧) في خ ول: لغير.
(٨) في ق: قطعه ولم ينوه، وفي ل: إذا صام، وفي ح وس: إذا أفطره.
(٩) ذكره له في النوادر: ٢/ ٦٥ والتبصرة: ١/ ١٧ ب والجامع: ١/ ٢٣٦.
(١٠) رواه عنه ابنه كما في الجامع: ١/ ٢٣٧.
(١١) عزاه ابن يونس في الجامع: ١/ ٢٣٧ لمختصره رواية عن مالك، وذكره عنه في تهذيب الطالب: ١/ ٩٦ أمن قوله.
(١٢) بعد أن كتب ناسخ ق العبارة حاول تعديلها وإقامتها - على عادته في التصرف - فكتب ما لعله هكذا: فيما أفطر من أوله مما صامه
[ ١ / ٣٢٨ ]
على الأهلة فإنما يقضي منه عدد ما أفطر. وكذلك يأتي على قول محمَّد بن عبد الحكم فيمن أفطر من أوله.
وقوله في التي نذرت صيام يوم حيضتها: "قال: لا تقضيها" (١)، وهذا على/ [خ ٨٩] أصله، لأنها نذرت معصية. ويتخرج من هذا إذا نذرت صيام يوم الفطر والنحر أنه لا قضاء عليها فيها (٢)؛ لأنها نذرت معصية. ووقع له في "المبسوط": إذا نذرها وهو يعلم بها عليه القضاء، وإن لم يعلم بها فلا قضاء عليه واستدل على قوله بمسألة ناذر ذي الحجة أن عليه قضاء أيام الذبح، "إلا أن ينوي ألا قضاء لها" (٣).
وقوله (٤) في مسألة الكافر يسلم نهارًا في رمضان: "أحب إلي أن يقضيه، ولست أرى قضاءه واجبًا"، ونحوه في "الموطأ" (٥). وروى ابن نافع عن مالك في "المدنية" استحباب إمساك بقية النهار (٦)، وقاله ابن حبيب وعبد الملك (٧)، وحكى أبو عمران عن ابن القاسم مثله (٨)، وقاله أشهب (٩)،
_________________
(١) كذا في خ وح وع وأصل المؤلف كما ذكر ناسخ ز، وأصلحها: تقضيه. وهو الذي في س. وسياق المؤلف يرجح هذا، لكن سياق النص في المدونة يرجح: تقضيها؛ ففي ١/ ٢١٧/ ٥ -: "قلت: فإن قالت: لله علي أن أصوم أيام حيضتي أتقضيها أم لا؟ قال: لا تقضيها".
(٢) كذا في خ، وفي ز لا تظهر ميم التثنية لكن كسرة الهاء قد تدل عليها، ولم تتضح الكلمة في ق. والسياق يدل على التثنية.
(٣) كذا في ز وخ والمدونة، وهو واضح. وفي ق وس: عليه لها، وفي ع: عليها.
(٤) المدونة: ١/ ٢١٣/ ٣.
(٥) كتاب الصوم باب ما جاء في قضاء رمضان والكفارات.
(٦) الذي نقل الباجي عن المدنية في المنتقى: ٢/ ٦٧ وجوب الإمساك.
(٧) وهو عنه في النوادر: ٢/ ٣٠.
(٨) وحكاه عنه الباجي أيضًا في المنتقى: ٢/ ٦٧.
(٩) ما حكاه عنه في التبصرة: ٢/ ١٣ ب عن المجموعة: "لا يمسك بقية ذلك اليوم". لكن نقل عنه المواق في التاج والإكليل ٢/ ٤١٣: "من أسلم قبل الفجر فليصم ذلك اليوم، وإن أسلم بعد الفجر فله أن يأكل في ذلك اليوم ويشرب".
[ ١ / ٣٢٩ ]
وهو قول ابن خويز منداد (١) من العراقيين. وخرج الباجي (٢) القولين على الاختلاف في مخاطبة الكفار بفروع الشرائع.
قال القاضي - ﵁ -: وهذا تخريج بعيد، لو كان هذا لما اختص اليوم الذي أسلم فيه مما قبله، ولا فرق بينه وبين ما سبقه؛ إذ قد فات صومه شرعًا، كما فات ما قبله وجودًا وحسًا. ولو كان على ما قال لكان القضاء والإمساك واجبًا على أحد القولين بخطابهم، ولم يقل بوجوب ذلك أحد من شيوخنا. وإنما استَحب له عندي هنا الإمساك من استحبه منهم ليظهر عليه صفات المسلمين في ذلك اليوم، ويبتدئ إسلامه بالتزام ما التزموه من الصوم تأسيًا بهم واهتداء بهديهم وقمعًا لشهوته (٣) ومخالفة (٤) لعادته لأول وهلة. وكذلك استحب له القضاء لما أدرك بعضه ولم يكمل له صومه من غير إيجاب.
وأما تخريج أبي الحسن اللخمي (٥) ترك القضاء على القول بترك الإمساك، واستحبابه على القول باستحباب الإمساك فلا يطرد؛ إذ الحائض ممنوعة من الإمساك والقضاءُ واجب عليها (٦). والناسي في المرض (٧) مأمور
_________________
(١) وهو محمَّد بن أحمد بن عبد الله أبو بكر، قال المؤلف: كذا سماه الشيرازي - يعني في الطبقات ١٦٨ - ورأيت كتبه تكنيته بأبي عبد الله، وفي نسبته محمَّد بن أحمد بن إسحاق. تفقه بالأبهري وسمع الحديث على ابن داسه. له كتاب كبير في الخلاف وكتاب في أصول الفقه وفي أحكام القرآن. وعنده شواذ عن مذهب مالك، وله اختيارات وتأويلات خالف فيها المذهب في الفقه والأصول، وذكر منها هذه المسألة وهي عدم دخول الكفار في خطاب الشارع ثم قال: ولم يكن بالجيد النظر ولا بالقوي الفقه، وتكلم فيه الباجي (انظر المدارك: ٧/ ٧٧ - ٧٨). ورأيه هذا في النوادر: ٢/ ٣٠.
(٢) في المنتقى: ٢/ ٦٧ وكذلك ابن رشد في المقدمات: ١/ ٢٤٠.
(٣) كذا في ز وق ول والتقييد: ٢/ ٤٠، وهو مفهوم. وفي خ: لشهوتهم.
(٤) في ق والتقييد: ومخالفًا. وهو مرجوح.
(٥) في التبصرة: ٢/ ١٣ ب.
(٦) المدونة: ١/ ٢٠٦.
(٧) كذا في خ، وليست واضحة في ز. وفي ق وس: والمريض. وفي ع وح: وفي المرض. وفي ل: وفي المريض. وفي التوضيح: ١/ ١٩٥ والحطاب: ٢/ ٤١٣ - نقلًا عن التوضيح -: الفرض. وبيدو أنه الصواب، ولا معنى لما سواه.
[ ١ / ٣٣٠ ]
بالإمساك، وعليه القضاء (١). والمغمى (٢) والمحتلم (٣) لا يمسك (٤) ولا قضاء. والناسي لصومه - يفطر في التطوع - مأمور بالإمساك ولا قضاء، فلا ملازمة لأحدهما الآخر.
ومسألة (٥) الحالف بصوم (يوم) (٦) يقدم فلان فقدم نهارًا وقول ابن القاسم: لا قضاء عليه، وقال غيره: يقضي ذلك اليوم. هذا الخلاف ثابت في رواية شيوخي من رواية يحيى بن عمر وابن وضاح (٧). وقال في ناذرة الإثنين والخميس ما عاشت، تحيضهن (٨) أو تمرض: لا قضاء عليها. وقال ابن وهب في ناذر ذلك فيمرض أو يمرَّا (٩) به يوم فطر أو أضحى: يقضى بذلك. ثبتت رواية ابن وهب لابن وضاح في كتاب ابن عتاب ولم تكن عند ابن عيسى (١٠). وقد ذكرنا المسألة قبل.
ووقعت في كتاب الصوم - في بعض النسخ - مسألة الصوم في كتاب الرهون من "المختلطة" فيمن نذر شهرًا متتابعًا أنه يكتفي بتبييت أول ليلة
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٠٨/ ١٠.
(٢) كذا في ز وخ وق ول وس وح. وأشار ناسخ خ في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: والمغمى عليه، وهو ما ينبغي أن يكون، وهو ما في التوضيح: ١/ ١٩٥ وليس في الحطاب: ٢/ ٤١٣ وقد نقل عن التوضيح. وحكم المغمى عليه في المدونة: ١/ ٢٠٧/ ٩.
(٣) انظر حكمه في المدونة: ١/ ٢٢١/ ٧.
(٤) كذا في النسخ، والصواب: يمسكان. وهو ما في التوضيح: ١/ ١٩٥ والحطاب: ٢/ ٤١٣.
(٥) المدونة: ١/ ٢١٦/ ١١.
(٦) سقط من خ.
(٧) ولم يثبت في الطبعتين.
(٨) في ق: فتحيضهن، وفي ل: تحيض، وفي طبعة صادر: فتحيض، وفي طبعة الفكر ١/ ١٩٠/ ٢ -: فتحيض فيها. وكلها محتملة.
(٩) كذا في ع وح وأصل المؤلف كما ذكر ناسخ ز، وأصلحها: يمر. وما في الأصل صحيح؛ أي يمر بها يوما الإثنين والخميس في يوم فطر أو أضحى. لكن بثبوت النون.
(١٠) وليست في الطبعتين.
[ ١ / ٣٣١ ]
منه. وكانت هذه المسألة في كتاب ابن عتاب بعد المسألة التي نبهنا عليها قبلها، وكتب عليها: ألحق هذه المسألة/ [ز ٦٠] إبراهيم بن باز من كتاب الرهون (١). وبها استدلوا أن مذهبه في الكتاب جواز التبييت لأول ليلة من رمضان عن بقيته. وهو قوله أيضًا في سائر الأمهات؛ "الواضحة" (٢) وكتاب محمَّد بن عبد الحكم (٣) وغيرهما، وإن كان ابن عبد الحكم قد قال: (وقد قال) (٤) أيضًا: "لا صيام لمن لم يبيت (٥)، / [خ ٩٠] قال ابن عبد الحكم: وهذا الذي هو موافق للسنة أحب إلينا" (٦). وظاهره خلاف الأول وتعيينُ التبييت لكل ليلة كما قال الشافعي.
ووقعت أيضًا بعدها مسألة في بعض النسخ الأندلسية - وسقطت من القروية - (٧) وهو (٨) قوله: ولقد سئل مالك عن رجل شأنه صوم الإثنين والخميس فيأتيه وهو لا يعلم حتى يطلع عليه الفجر: أيجزئه صيامه؟: فقال نعم لأنه قد كان على بيات من صومه هذا قبل ليلته. والمسألة صحيحة لمالك في كتاب ابن حبيب (٩). ومثله عنده فيمن شأنه سرد الصوم (١٠)، ومثله في "المبسوط" (١١). زاد في كتاب ابن حبيب: ولو لم يشعر حتى مر به ذلك اليوم وهو قد أكل أو شرب فليكف ويمضي على صومه ولا شيء
_________________
(١) وليست في الطبعتين، وهي في الجامع: ١/ ٢١٦.
(٢) وهو عنها في النوادر: ٢/ ١٤ وتهذيب الطالب: ١/ ٩١ أ.
(٣) ذكره عنه في النوادر: ٢/ ١٤ وتهذيب الطالب: ١/ ٩١ أوالتبصرة: ٢/ ٩ أوالجامع: ١/ ٢١٧ والمنتقى: ٢/ ٤١.
(٤) سقط من خ وق، وقد صحح على الكلمتين في ز.
(٥) زادت خ وق: الصيام. وضرب عليها في خ.
(٦) نقله في التبصرة: ٢/ ٩ أوالبيان: ٢/ ٣٣٤ وقال: هو شذوذ.
(٧) وسقطت من الطبعتين.
(٨) كذا.
(٩) وهي له في النوادر: ٢/ ١٦ والجامع: ١/ ٢١٧.
(١٠) ذكرها في النوادر: ٢/ ١٤ وتهذيب الطالب: ١/ ٩١ أوالجامع: ١/ ٢١٧ والبيان: ٢/ ٣٤٦.
(١١) نقلها عنه في التبصرة: ٢/ ٩ أوالبيان: ٢/ ٣٤٦ وسماها المبسوطة.
[ ١ / ٣٣٢ ]
عليه (١) كمن أكل ناسيًا في التطوع، وكذلك ذكر (٢) في يوم عاشوراء. وفي "العتبية" (٣) لابن القاسم مثله فيمن نذر يومًا (٤) بعينه أن تبييته (٥) لأول يوم (٦) يجزئه. وقد غمزها الأبهري وقال: لعلها استحسان (٧). وقد حكى ابن وضاح أن أصبغ أجاز ذلك لمن نوى أن يقضي صومًا عليه من رمضان يوم كذا فنسيه حتى أصبح ذلك اليوم فذكره، قال (٨): يجزيه عن قضاء يومه من رمضان. وحكى (٩) مثله عن سعيد بن إسحاق (١٠) وغيره من كبار أصحاب
_________________
(١) وهو عنه في النوادر: ٢/ ١٥.
(٢) يعني ابن حبيب وهو له في النوادر: ٢/ ١٨ وذكر فيه حديثًا. وحكاه له في المنتقى: ٢/ ٥٨ والتوضيح: ١/ ١٩٧ ووصمه بالشذوذ.
(٣) لم أجدها في العتبية هكذا، وفي مسألة أخرى في البيان معنى قريب منها. لكن نقل ابن يونس في الجامع: ١/ ٢١٧ عن سماع ابن القاسم في العتبية - ولم أجده فيها - قول مالك: وكذلك من نذر صوم يوم بعينه أبدًا فذلك يجزئه من تجديد نية التبييت فيه لكل يوم. ولعل المؤلف يقصد هذا النص، غير أن في عبارته قلقًا؛ إذ أغفل كلمة "أبدًا". وهذا ما حمل ناسخي الأصلين ز وخ على العمل على تقويم عبارته.
(٤) هذا في خ ول وس والتوضيح: ١/ ١٩٧ وأصل ز كما بحاشيتها، وأصلحه الناسخ: شهرًا. وفي ق: نذر صوم يوم، ولعل الصحيح "يومًا". وانظر التعليق السابق.
(٥) في ق ول وع: نيته، وفي س وح: النية. وكلها محتملة.
(٦) كذا في خ وق ول وأصل المؤلف على ما ذكر ناسخ ز، وأصلحها: ليلة. واللفظان معًا صالحان.
(٧) وقد نقله عنه أبو محمَّد في النوادر: ٢/ ١٤ وعبد الحق في التهذيب: ١/ ٩١ أوابن يونس في الجامع: ١/ ٢١٧ والباجي في المنتقى: ٢/ ٤١ وابن رشد في البيان: ٢/ ٣٤٦.
(٨) في خ: وقال.
(٩) كذا في ز وخ، هذه اللفظة غير منقوطة الياء ولا مضبوطة، والراجح بناؤها للمجهول.
(١٠) هو سعيد بن إسحاق الكلبي أبو عثمان، سمع من سحنون ومحمد بن عبد الحكم، كان كثير الرباط متعبدًا سريع الدمعة، وكان حسن الكتاب قليل الخطإ، وكان يسكن قصر الطوب ثم يقدم القيروان فيقيم شهورًا فيسمع منه الناس، وسمع منه عالم كثير. توفي ٢٩٤ (انظر المدارك: ٤/ ٤٠٩ - ٤١٠ وعلماء إفريقية للخشني: ٢٠٧ والرياض: ٢/ ١٢).
[ ١ / ٣٣٣ ]
سحنون. وحكى عن سحنون (١) وسعيد بن الحداد (٢) أنه لا يجزئه (٣).
وقوله (٤) في الكفارة: لا نعرف (٥) غير الطعام ولا نأخذ بالعتق ولا بالصيام. وقوله في كتاب الظهار (٦): "وما للعتق وما له؟ "، تأوله بعض المتأخرين أن مالكًا لا يرى غير الطعام على ظاهر لفظه. وهذا ما لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق إجماع لم يقل به أحد. قال القاضي أبو محمَّد (٧): ولم يختلف العلماء أن الثلاثة أشياء كفارات في الصيام، وإنما اختلفوا هل هي على التخيير أو الترتيب؟ (٨).
قال القاضي ﵁: والذي حمله عليه أصحاب مالك المتقدمون مطرف وابن الماجشون (٩) وابن حبيب استحسان الطعام وتقديمه على غيره؛ لأنه الذي قضى به النبي - ﵇ - في الحديث (١٠)
_________________
(١) ومثله عنه في المقدمات: ١/ ٢٤٦.
(٢) سعيد بن محمَّد بن الحداد أبو عثمان، صحب سحنون وكان يُطريه جدًا، وكان قليل الاشتغال بالجمع والرواية ويقول: إنما هو النظر والخبر، وكان مذهبه النظر والقياس والاجتهاد. كان غزير التأليف، له مؤلفات في الكلام والجدل وفي الفقه والمسائل وفي النظر. توفي ٣٠٢ (انظر علماء إفريقية: ٢٠١ - ٢٠٤ والرياض: ٢/ ٥٧ - ١١٥ والمدارك: ٥/ ٧٨).
(٣) نذكر هنا أن المؤلف نص في "القواعد": ١١١ على استحباب التبييت لكل ليلة.
(٤) المدونة: ١/ ٢١٨/ ١٠.
(٥) في ق: لا يعرف مالك.
(٦) المدونة: ٣/ ٦٩/ ١٠.
(٧) في الإشراف: ١/ ٤٣٤.
(٨) في خ وس: على الترتيب أو التخيير، وفي ق: على التخير أو على الترتيب
(٩) قوله في العتبية - كما في النوادر: ٢/ ٥٢، وهو في الجامع: ١/ ٢٣٨.
(١٠) لعله يقصد الحديث الوارد في المدونة أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: احترقت، احترقت! قال: بم؟ قال: وطئت امرأتي في رمضان نهارا، فقال رسول الله - ﷺ -: "تصدق، تصدق". فقال: ما عندي شيء، فأمره أن يمكث. فجاء عرق فيه طعام فأمره أن يتصدق به. والحديث ورد في الصحيح وفيه الأمر بالعتق والصوم والإطعام، رواه البخاري في الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وللاستئناس بالقرآن بذكر الإطعام (١) لمفطر رمضان، على اختلاف العلماء في معنى الآية وحكمها (٢)، ولعموم نفع الطعام. قال ابن حبيب: كان مالك يستحب التكفير بالإطعام، أخبرني بذلك عنه مطرف وعبد الملك (٣)، وكانا يفتيان به. وقدم المغيرة العتق (٤). وروى ابن وهب وابن أبي أويس عنه أنه موسع (٥) في الثلاثة يفعل أيها شاء. وهو قول أشهب (٦). وذهب ابن حبيب (٧) إلى أنها على الترتيب دون التخيير، وقال: "أنا آخذ بالحديث الذي لم يأت فيه تخيير، لكن بالترتيب كالظهار". وهذا قول المخالف. وقال أبو مصعب (٨): إن أفطر بجماع أعتق أو صام، وإن أفطر بغيره كفر بالطعام.
وإياس بن جارية (٩)، بالجيم والياء باثنين (١٠) تحتها.
_________________
(١) في ق وس: الطعام.
(٢) هي قوله تعالى في البقرة ١٨٣: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين).
(٣) ذكره عنه في المنتقى: ٢/ ٥٤ - وصفحات الكتاب هنا مضطربة.
(٤) حكاه عنه في الوضيح: ١/ ٢٠٥.
(٥) في ق وس: مخير.
(٦) في التبصرة: ٢/ ١٧ أ.
(٧) النص في المنتقى: ٢/ ٥٤. والذي نقله اللخمي في التبصرة: ٢/ ١٧ أعنه، وفي الجامع ١/ ٢٣٨: العتق أحب إلي، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يجد فالإطعام.
(٨) حكاه عنه في التبصرة: ٢/ ١٧ أ.
(٩) المدونة: ١/ ٢١٨/ ٥. هذا ولم أجد هذا الاسم كما سماه المؤلف وضبَطه في أي مصدر. وذكر البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٤٣٧ إياس بن خارجة وذكر له سماعًا من ابن المسيب وسماعَ عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عنه من رواية ابن وهب عن عمر - كما في هذا السند الذي في المدونة - وكذا ترجم لهذا الشخص بعينه بهذا الوجه ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٧٨ وابن حبان في الثقات ٦/ ٦٥. وترجم له البخاري وابن أبي حاتم في باب الخاء، فالأمر إذن لا يتعلق بتصحيف. وهو في طبعة الفكر ١/ ١٦١/ ١٠: ابن حارثة. وفي طبعة دار صادر ابن جارية.
(١٠) كذا في أصل المؤلف كما بحاشية ز وأصلحها الناسخ: باثنتين. وهو ما في خ. وهو الصواب.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وابن لهيعة (١) عن أبي صخر (٢)، كنية (٣) بغير هاء. ووقع فيه عند ابن عيسى: ابن وهب (٤)
ابن وهب (٥) عن الليث بن سعد: حديث المجامع في رمضان. وعند ابن عتاب وابن المرابط: أشهب عن الليث (٦).
وقوله: عرق فيه طعام، رويناه بفتح الراء وإسكانها، وصححه بعضهم، والفتح أصح وأوجه (٧)، والعرق: الزنبيل. وكذا وقع مفسرًا في الحديث في كتاب مسلم (٨)، وهو جمع/ [خ ٩١] عرقة (٩) وهي السفيفة (١٠). من الخوص (١١)، تجمع ويخاط منه/ [ز ٦١] المكاتل والزنابيل (١٢)، وهي
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢١٩/ ٢.
(٢) لم أجد ممن يكنى هكذا من له رواية عن داود بن عامر أو روى عنه ابن لهيعة. وأقرب من يمكن أن يكون كذلك أبو صخر يزيد بن أبي سمية الأيلي؛ روى عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعنه هشام بن سعد المدني. (انظر التهذيب: ١١/ ٢٩٢).
(٣) في ق: كنيته.
(٤) وهو ما في طبعة الفكر: ١/ ١٩١/ ٥.
(٥) المدونة: ١/ ٢١٩/ ٥، وكأن ناسخي ق وس أسقطا هذا ظانين أن الكلمة تكرار.
(٦) وهو ما في الطبعتين، طبعة الفكر: ١/ ١٩١/ ٢ - . والحديث في موطإ ابن وهب: ٣٧ ألكن رواه عن عمرو بن الحارث.
(٧) هذا ما صححه ابن عبد البر في الاستذكار: ١٠/ ١١٦ والباجي في المنتقى: ٢/ ٥٥ والمؤلف في المشارق: ٢/ ٧٦.
(٨) في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم.
(٩) في المنتقى: ٢/ ٥٥ أن هذه صيغة مفرد، ونقل ذلك عن الأصمعي.
(١٠) كأنها في ز: السفيعة، وفي ق وع وس: السعفة، والصواب: السفيفة؛ ففي اللسان: سفف: السفة ما يسف من الخوص كالزبيل ونحوه، أي ينسج.
(١١) في العين: خوص: هو ورق النخل ونحوه.
(١٢) في ق وع وس: المكايل والزنابل. وهذا التفسير للأصمعي كما حكاه عنه أبو عبيد في "غريبه": ١/ ١٠٥. وقال المؤلف في المشارق ٢/ ٧٦: المكتل كالقفة والزنبيل. وفي اللسان: زنبل وكتل: الزنبيل أو الزبيل: الذي يحمل فيه التمر أو العنب إلى الجرين (الأندر).
[ ١ / ٣٣٦ ]
القفف (١). ومقدار هذا العرق خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، كذا فسره ابن المسيب في "الموطأ" (٢)، وذكره ابن حبيب عن مالك (٣). وقد رواه أبو هريرة في الحديث بخمسة (٤) عشر صاعًا (٥)، وقالت عائشة فيه: عشرون صاعًا، وكلها متقاربة.
والنَّذْر والنُّذْر (٦)، بالفتح والضم وسكون الذال المعجمة.
وانظر قول اشهب (٧) في الذي يصبح في رمضان ينوي الفطر متعمدًا وترك الأكل وأتم صيامه: إنه لا كفارة عليه، فقد اختلف في تأويل قوله ولم يختلف في تأويل قول ابن القاسم في المسألة الأولى (٨) التي أوجب فيها مالك الكفارة أنه نوى الفطر قبل الفجر، ولا في الثانية أنه نواه بعد الفجر (٩). وأن المسألة الثالثة (١٠) آخر الكتاب (١١) بمعنى الأولى. واختلف فيها قول أشهب في الموضعين من الكتاب، فقيل (١٢): إنه لا يرى عليه الكفارة، بيت الفطر أو لم يبيته؛ لأنه لم ينتهك حرمة الشهر لفعل ولا أفطر فيه إلا بالنية. وقيل (١٣): لعلة (١٤) إنما أراد لمن بيت الصوم ونوى الفطر في نهاره،
_________________
(١) في اللسان: قفف: هو القفة أيضًا. وذكر لها معنى آخر.
(٢) في كتاب الصيام باب كفارة من أفطر في رمضان.
(٣) في الاستذكار: ١٠/ ١١٦ أنه سمع ذلك من الأخوين، وهو في المنتقى: ٢/ ٥٦.
(٤) في خ: خمسة.
(٥) وهو في صحيح ابن حبان: ٨/ ٢٩٥.
(٦) المدونة: ١/ ٢١٣/ ١.
(٧) المدونة: ١/ ٢٢١/ ٤.
(٨) المدونة: ١/ ٩٢٠/ ٩.
(٩) المدونة: ١/ ٢٢٠/ ٨.
(١٠) المدونة: ١/ ٢٢٠/ ٤.
(١١) لعله يقصد آخر الباب.
(١٢) وهو قول ابن يونس في الجامع: ١/ ٢٣٩.
(١٣) وهذا أيضًا من قوله هناك.
(١٤) كذا في ز، وفي ق وس والحطاب: ٢/ ٤٣٤ والمواق - بهامش الحطاب - ٢/ ٤٣٣: لعله. وهو الظاهر
[ ١ / ٣٣٧ ]
فقد صح له الصوم ولا يرتفض بالنية على أحد القولين. والأظهر من قول أشهب ما تقدم وأنه خلاف ابن القاسم وروايته.
وقد حكى أبو الفرج فيمن أصبح ينوي الفطر عن مالك في الكفارة قولين؛ وجوبها وسقوطها.
وقول ابن القاسم بعدها (١) في الذي نوى الفطر في نهاره: عليه القضاء وأحب أن يكفر (٢)، حجة في رفض الصوم بالنية.
وقول سحنون (٣): لا كفارة عليه وعليه القضاء استحبابًا، التفات (٤) إلى أنه لا يرتفض عنده. وهو الذي في كتاب ابن حبيب، قال: لا شيء عليه (٥).
مسألة (٦) من صام رمضان عن رمضان آخر يجزئه وعليه قضاء الرمضان الآخر، ضبطناه عن شيوخنا (٧) بفتح الخاء وكسرها. وفي كتاب ابن عتاب: الفتح لابن وضاح. وحكى أحمد بن خالد فيه الوجهين وقال: لم يوقَف فيه ابن وضاح على شيء. وقال يحيى بن عمر: لم يوقَف (٨) فيه سحنون على شيء. وقال ابن لبابة: رواه عنه قوم بالنصب. ورواه حماس (٩)
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٢٠/ ٤.
(٢) في ق وس: وأحب إلي، وفي المدونة: وأحب ذلك إلي.
(٣) قوله في النوادر: ٢/ ٥٢ والجامع: ١/ ٢٣٩.
(٤) في ق: التفاتا.
(٥) ذكره له في التبصرة: ٢/ ١٠ ب.
(٦) المدونة: ١/ ٢٢٢/ ٢.
(٧) في ق: كذا ضبطناه عن بعض شوخنا. وفوق "بعض" حرف الزاي.
(٨) نقلها عنه في تهذيب الطالب ١/ ٩٦ ب: لم أوقف. ونصه في النوادر ٢/ ٣٢: لم أوقف سحنون على الآخَر ولا على الآخِر.
(٩) في ق: حمديس ومرض عليها الناسخ ورمز في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: حماس. وهو حماس بن مروان بن سماك الهمداني أبو القاسم، سمع من سحنون صغيرا، ويقال: إنه لم يكمل منه سماع المدونة، وقيل: بل بقي عليه منها النكاح الثاني فقط. وسمع من محمَّد بن عبد الحكم وابن عبدوس وتفقه به. وكان حاذقًا بأصول علم مالك وأصحابه، صالحًا ثقةً ورعًا بارعًا في الفقه، وتولى القضاء. توفي: ٣٠٣ (المدارك: ٥/ ٦٦ - ٧٧ ومعالم الإيمان: ٢/ ٢١٩).
[ ١ / ٣٣٨ ]
عنه بالخفض (١) وغيرُه. واختلف على هذه الراوون والمختصرون والمتأولون:
فحكى إسماعيل القاضي (٢) وأبو الفرج (٣) وغيرهما أن مذهب ابن القاسم: يجزئه عن رمضانه هذا ويقضي الأول. وإلى هذا نحا أبو محمَّد بن أبي زيد (٤) وابن شبلون. وعليه اختصر ابن أبي زمنين. وإياه رجح غيرهم من القرويين في تأويل لفظ "المدونة" لاحتجاجه بقول بعض أهل العلم (٥)، وهو قول المغيرة (٦) وأشهب وعبد الملك بإجزاء حجة النذر. وحجتهم أن هذا الشهر مستحق العين للصوم، فكان صومه له أولى من غيره، كما تعين النذر في الحج بالدخول فيه والفرض على التراخي كقضاء الفائت. وذهب الفضل بن سلمة والقاضي علي بن جعفر التلباني (٧) أن مذهب ابن القاسم إجزاؤه عن الأول ويقضي الآخر. وهو مذهب سحنون في تأويل المسألة (٨). وهو لابن القاسم في "العتبية" نصًا (٩)، وقاله أيضًا أشهب (١٠)، واختصره
_________________
(١) نقل عبد الحق في التهذيب: ١/ ٩٦ ب هذا الاختلاف عن ابن أبي زمنين وأنه رجح الكسر. وتناول ابن رشد في البيان: ٢/ ٣٣٩ هذا كذلك.
(٢) ذكره في التبصرة: ٢/ ١٥ أ.
(٣) ذكره في النوادر: ٢/ ٣٢ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٦ ب والتبصرة: ٢/ ١٥ أوالجامع: ١/ ٢٤٠ والمنتقى: ٢/ ٤١.
(٤) في المختصر: ١/ ٤٤ أ.
(٥) المدونة: ١/ ٢٢٢/ ٣.
(٦) وهو في البيان: ٢/ ٣٣٩.
(٧) علي بن جعفر بن أحمد التلباني، روى عن ابن أبي مطر، وروى عنه القابسي. كان أحد مشيخة المالكية بمصر ثم نزل جزيرة إقريطش (كريت الحالية) رغبة من أهلها فأقام بها إلى أن دخلها الروم سنة ٣٥٠ فأسر (انظر المدارك: ٥/ ٢٧٦). ورأيه هذا حكاه عنه في النوادر: ٢/ ٣٢ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٦ ب والجامع: ١/ ٢٤٠ والمنتقى: ٢/ ٤١.
(٨) ذكره عنه في تهذيب الطالب: ١/ ٩٦ ب والتبصرة: ٢/ ١٥ أوالجامع: ١/ ٢٤٠ وفيه أنه في رواية سليمان (يعني ابن سالم) للمدونة.
(٩) الذي في العتبية أنه لا يجزئه لا عن الأول ولا عن الثاني (انظر البيان: ٢/ ٣٣٨).
(١٠) في مدونته كما في النوادر: ٢/ ٣٢ والتبصرة: ٢/ ١٥ أوالبيان: ٢/ ٣٣٩.
[ ١ / ٣٣٩ ]
عليه جماعة. وحجتهم أنه الذي نوى، وإنما الأعمال بالنيات. وقال (١) ابن القاسم (أيضًا) (٢) في "المبسوط" و"العتبية"، ورواه ابن القاسم عن مالك في "المبسوطة" (٣)، ورواه علي (٤) أيضًا عن مالك، وروي عن سحنون (٥) أيضًا وأشهب (٦) / [خ ٩٢] وأصبغ (٧) وابن/ [ز ٦٢] حبيب (٨) أنه لا يجزئه عن واحد منهما. وترجح فيها أبو عمران وقال: إما أن يجزئه عن الذي نوى أو لا يجزئه عن واحد منهما.
وهذا أصح الوجوه في النظر على أصل مذهب مالك (٩). والحجة لهذا أن هذا الذي هو فيه لم ينوه فلا يجزئه عنه، ونوى الأول في وقت صومه (١٠) مستحق فلا يصح فيه صوم غيره.
وقيل: الخلاف في ذلك أيضًا مبني على الخلاف في تعيين رمضان لسنته هل يلزم أم لا؟ وعليه اختلف في مسألة الأسير (١١). وما ذكرناه أولى وأظهر.
وقوله (١٢): الشأن في رمضان الصلاة وليس القصص والدعاء. قيل:
_________________
(١) في خ وع: وقاله. ويبدو هو الصحيح.
(٢) سقطت من خ.
(٣) في س وع: المبسوط.
(٤) يعني ابن زياد، وروايته في البيان: ٢/ ٣٣٨.
(٥) وهو عنه في البيان: ٢/ ٣٣٨.
(٦) في المجموعة، كما في المنتقى: ٢/ ٤١، وهو أيضًا في النوادر: ٢/ ٣٢ والبيان: ٢/ ٣٣٩ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٦ ب والجامع: ١/ ٢٤٠.
(٧) وهو له في النوادر: ٢/ ٣٢ والجامع: ١/ ٢٤٠.
(٨) انظره في النوادر: ٢/ ٣٢ والجامع: ١/ ٢٤٠ والبيان: ٢/ ٣٣٨.
(٩) هذا ترجيح ابن رشد أيضًا في البيان: ٢/ ٣٣٩.
(١٠) في ق: صوم.
(١١) سبق ذكرها.
(١٢) النص في الطبعتين: الأمر في رمضان الصلاة وليس بالقصص بالدعاء ولكن الصلاة؛ طبعة صادر: ١/ ٢٢٣/ ٩ وطبعة الفكر: ١/ ١٩٤/ ١١.
[ ١ / ٣٤٠ ]
هو إشارة إلى إنكاره ما جاء في الحديث: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان (١). وقد يحتمل أن يكون على وجهه، وهو معنى قوله في "المدونة" (٢): "لا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان ولا غيره ولا في الوتر أصلًا". وروى ابن وهب (٣) عنه استحباب ذلك في النصف الآخر من رمضان. ونحوه في رواية السبائي (٤) عنه، وفي المبسوط" مثله.
وقوله: "الذي كان عليه الناس الطرد (٥)؛ يقرأ الرجل خلف الإِمام". ثبتت هذه اللفظة لابن لبابة، وطرحها ابن وضاح ولم يعرفها. ولم تكن في كتب شيوخنا (٦). ومعناه ما فسره بعد من اتصال قراءة بعضهم لبعض (٧).
وقوله (٨): "ليس ختم القرآن بسنة"، أي ليس لها حكم السنن، ولم يرد أنها بدعة، وتمام كلام ربيعة يبينه (٩)، لكنه مما يستحب ويرغب (١٠) فيه، وقراءة الطرد تدل عليه، ولا يجتمع فيه لغير الصلاة كما مضى عليه
_________________
(١) هذا كلام الأعرج، وهو في الموطإ في كتاب الصوم باب ما جاء في قيام رمضان.
(٢) المدونة: ٢٢٤/ ١.
(٣) وهو في التبصرة: ٢/ ٢٠ ب، وانظر الإكمال: ٢/ ٦٥٨.
(٤) في ق: الشيباني، وهو محمَّد بن يحيى أبو عبد الله السبائي، يعرف بفطيس بن أم غازية. روى عن مالك الموطأ وسمع منه مسائل معروفة. روى عنه قاسم بن هلال. توفي ٢٠٦. (انظر ابن الفرضي: ٢/ ٦٢٩ والجذوة: ١/ ١٥٩ والمدارك: ٣/ ٣٤٥). وعزا له الباجي قوله هذا في "المدنية" كما في المنتقى: ١/ ٢١٠.
(٥) في ق: الصرد، وأشار في الحاشية أن في نسخة أخرى: الطرد. ومرض على الكلمة في ز.
(٦) وليست في الطبعتين.
(٧) كذا في ز، وفي خ وق وع: ببعض. ونص المدونة في ١/ ٢٢٣/ ١٢: "قال: والذي كان عليه الناس، يقرأ الرجل خلف الرجل من حيث انتهى الأول، ثم الذي بعده على مثل ذلك. قال: وهذا الشأن، وهو أعجب ما فيه إلي".
(٨) المدونة: ١/ ٢٢٣/ ٩.
(٩) نص المدونة: "وقال ربيعة في ختم القرآن في رمضان لقيام الناس: ليست بسنة، ولو أن رجلًا أم الناس بسورة حتى ينقضي الشهر لأجزأه ذلك عنه. وإني لأرى أن قد كان يؤم الناس من لم يجمع القرآن".
(١٠) في خ: ومرغب، وصحح عليه وأشار في الحاشية أن في نسخة أخرى: ويرغب.
[ ١ / ٣٤١ ]
السلف، ألا تراه كيف قال: "الشأن في رمضان الصلاة"، فأخبر عما كان عليه [أمر] (١) الناس.
وقد روى (٢) محمَّد بن يحيى السبائي (٣) عن مالك في تفسير معنى قوله: لعن الكفرة في رمضان، أنه القنوت الذي كان يقنت في رفع الرأس من الركوع من ركعة الوتر في النصف الآخر منه، وأن الإِمام كان يدعو على الكفرة ويستنصر للمسلمين ويجهر بذلك كما يجهر بالقراءة. ونحوه لابن حبيب؛ قال: وينصت من وراءه ويؤمنون (٤).
وقوله (٥) في قيام رمضان: "الذي كان يقومه الناس بالمدينة تسع وثلاثون ركعة يوترون منها بثلاث"، خرج منه بعض الشيوخ قولًا لمالك أن الوتر ثلاث (٦) كما يقول أبو حنيفة (٧).
وليس في هذا دليل له، لأن مالكًا لم يقله من قبل نفسه ولا قال: إني أفعله فيلزم ذلك مذهبه، وإنما أخبر عما كان يفعل الأمراء من الوتر. وإنما أمر الأميرَ في "المدونة" (٨) ألا ينقص من عدد القيام، وقال له: "هذا الذي أدركت الناس عليه" وهو الذي سأله عنه الأمير، ولم يتعرض للوتر جملة، بل قد أخبر أن صلاتهم فيها مخالفة لمذهبه، وأنهم كانوا لا يسلمون من الشفع قبلها، ولذلك قال: فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أصل معهم.
_________________
(١) ليس هذا اللفظ في ز وس.
(٢) هذه الفقرة متأخرة عن مكانها، وهي تابعة للفقرة التي أولها: "وقوله: الشأن في رمضان الصلاة".
(٣) في المدنية، كما في المنتقى: ١/ ٢١٠.
(٤) عبارته في النوادر ١/ ١٩٣: ويؤمن من خلفه إذا أنصت. وانظر أيضًا في النوادر: ١/ ٤٩٠ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٨ أوالجامع: ١/ ٢٤١.
(٥) المدونة: ١/ ٢٢٣/ ٢.
(٦) انظر هذا في البيان: ١/ ٤٥٢. ٢/ ١٧.
(٧) انظر رأي الحنفية في "رد المحتار على الدر المختار": ٢/ ٤٤١.
(٨) المدونة: ٢٢٢/ ١١ - وهذا الأمير هو جعفر بن سليمان كما سماه في العتبية. (انظر البيان: ٢/ ٣٠٩ وتاريخ الطبري: ٤/ ٤٨١).
[ ١ / ٣٤٢ ]
فكيف يلزم شيئًا ينص على أنه لا يراه ولا يفعله؟
وقد اختلف في معنى ما وقع في الآثار (١) من قيام عمر وغيره من قولهم: يوترون منها بثلاث، على مذهب من يرى الوتر واحدة من المالكيين والشافعيين، لا سيما بعد التنفل وقيام رمضان؛ فقيل: لعل هذا فعلوه للخلاف في مسألة الوتر، وليوتى (٢) بالأكمل. وقيل: لعله لمن ينصرف إلى منزله فيشفع قبل وتره. والأصح في هذا كله/ [خ ٩٣] أن السلف كانوا يوترون بواحدة وبثلاث. وفي "صحيح البخاري" (٣): "قال القاسم (٤): رأينا/ [ز ٦٣] أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلًاّ لواسع". وذكر ابن حبيب أن سبب ترك الفصل والسلام منها أن الأمراء رأوا نقصان (٥) الناس عند تمام كل شفع فحرسوا (٦) عليهم وترهم بأن وصلوه بآخر شفع لئلا ينقص (٧) من حضره فيفوتهم. وذكر يحيى بن إسحاق في كتابه عن ابن نافع: لا بأس أن يوتر الرجل بركعة واحدة ليس قبلها شيء، فإن أوتر وصلى شفعًا قبل وتره فلا أرى أن يسلم منه ولا يفصله وليُصَلِّه ثلاث ركعات لا يسلم (٨) بينهن، قال: وكذلك جاء عن الأئمة من أهل العلم وفعله عمر بن عبد العزيز في إمرته على المدينة والسبعةُ الفقهاء بها (٩).
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٢٢، ٢٢٣.
(٢) في م وس: وليوتر.
(٣) في كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر.
(٤) في خ وق وع: ابن القاسم، وفي س: البخاري، والصحيح: القاسم، وهو ابن محمَّد بن أبي بكر.
(٥) كذا في ز ول، وفي خ وق وع: انفضاض. والمعنى متقارب.
(٦) ضبب ناسخ ز على الكلمة وأعاد كتابتها والتضبيب عليها في الطرة وكتب فوقها: مضبب ..
(٧) في خ وق وع: ينفض.
(٨) كذا في ز وخ، ومرض عليه في ز وكتب بالحاشية: تسليم وصحح عليه، وهو ما في ق وع وس. وكلا اللفظين ممكن.
(٩) نقل الباجي بعض هذا عن ابن نافع في المنتقى: ١/ ٢٢٣، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار: ٥/ ٢٨٣ عن عمر بن عبد العزيز. =
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال القاضي - ﵁ -: وقد امتثله محمَّد بن إسحاق بن السليم (١) أيام قضائه بقرطبة وتوليته (٢) صلاتها. والمعروف من مذهب مالك الفصل في ذلك على ما تقرر في أمهاتنا. قال عيسى (٣): وهي السنة.
وقول مالك (٤) في صلاة الرجل في بيته في القيام في رمضان أحب إليه، وإنه الذي رأى عليه من عدَّدَ من العلماء (٥) يفعل، وإنه الذي يفعل هو. ثم قال آخر الكتاب (٦): "وقد كنت أصلي معهم مرة، فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أوتر معهم". والوتر معهم إنما كان حيث يصلون القيام في جماعة بعد ذلك. فدل كلامه هذا أنه كان يقوم معهم وأنه اختلف فعله
_________________
(١) = أما الفقهاء السبعة فالمشهور في تعدادهم أنهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت. وفي عدهم وتحديدهم بعض الخلاف والتفصيل انظره في إعلام الموقعين: ١/ ٢٤ بتحقيق عبد الرحمن الوكيل المطبوع بدار إحياء التراث العربي عام ١٣٨٩/ ١٩٦٩.
(٢) أبو بكر، قاضي قرطبة. سمع أحمد بن خالد صغيرًا وابن أيمن وقاسم بن أصبغ ومحمد بن قاسم بن سيار. ورحل فسمع بمصر والمدينة ومكة. كان حافظًا للفقه بصيرًا بالاختلاف، عالمًا بالحديث ضابطًا لما رواه. من كتبه: الوصل لما ليس في الموطإ، واختصار المدونة. توفي ٣٦٧ (انظر ابن الفرضي: ٢/ ٧٤٩ والجذوة: ١/ ٨١ والمدارك: ٦/ ٢٨١). وذكر المؤلف هذا القرار من هذا القاضي فقال: في ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة ٣٦٥ أمر القاضي ابن السليم أئمة الفرض بالجامع أن يصلوا الوتر ثلاثًا لا يفصلون بينها بتسليم كما كان يفعل قبل، وذلك أن بقي بن مخلد كان يأخذ به فاتبعه عليه بعض الأندلسيين. وهو مذهب أهل العراق. (انظر المدارك: ٦/ ٢٨٣).
(٣) في ق وع: وتوليه.
(٤) لعله ابن دينار.
(٥) المدونة: ١/ ٢٢٢/ ٧.
(٦) ذكر منهم ربيعة وابن هرمز وغير واحد.
(٧) المدونة: ١/ ٢٢٥/ ٤.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقوله، وأن ما ذكر أولًا آخر فعلته (١) لقوله آخرًا: "ولقد كنت أصلي معهم مرة" (٢)، فدل أن بعد ذلك لم يصل معهم.
_________________
(١) كذا في خ مصححًا عليه، وأشار الناسخ في الحاشية أن في نسخة أخرى: فِعْلَيْهِ، وهو ما في ع. وفي أصل المؤلف أيضًا: فعلته كما بين الناسخ، وكتبها في المتن: فعله، وهو ما في س. والأرجح: فِعْلَيْه.
(٢) كذا في النسخ والمدونة، طبعة الفكر: ١/ ١٩٥/ ٣ - . وقد تقرأ في خ: مدة.
[ ١ / ٣٤٥ ]