معنى هذه الكلمة، حق البئر الذي يمنع أن يحدث (٢) أحد فيها ما يضر بها. وأصل الحرام والتحريم والحرمة المنع. والمحارم من النساء الممنوع نكاحهن لمحارمهن. والحرام ما منع إتيانه. فحريم البئر، هو ما يتصل بها من الأرض التي من حقه (٣) ألا يحدث (٤) فيها ما يضر بها، لا باطنًا، من حفر بئر، يشف ماءها (٥)، أو يذهبه، أو مطمر (٦) نجاسة تصل إليه برشحه (٧)، أو ظاهرًا، كالبناء، والحرث، والغرس، والنزول الذي يضر [١٥١] بالمنتفعين، ويضيق عليهم في ورودهم ومسارحهم،؛ ومعاطن إبلهم، ومرابض (٨) مواشيهم (٩). وكذلك إن حفرها ليزرع عليها في موات الأرض، فحريمها قدر ما يحتاج إليه حافرها مما يقوم به سقي (١٠) مائها، ويقدر على زرعه وعمله، هذا أصل مالك وجل أصحابه في هذا الباب،
_________________
(١) المدونة: ٦/ ١٨٩.
(٢) كذا في د، وفي ح: يحرث.
(٣) في ح: حقها.
(٤) كذا في د، وفي ح: يحرث.
(٥) كذا في ح، وفي ق: ماؤها.
(٦) كذا في ح، وفي ق: مصير.
(٧) كذا في ح، وفي ق: إليها رشحه.
(٨) كذا في ح، وفي ق: مرابط.
(٩) معين الحكام: ٢/ ٧٨٠.
(١٠) كذا في ح، وفي ق: يقوم بسقي.
[ ٣ / ٢٠٤٤ ]
دون تحديد (١).
قال في الكتاب: "ليس للآبار عند مالك حريم محدود، ولا للعيون، إلا ما (لا) (٢) يضر بها" (٣) كذا في أصل ابن عتاب، وغيره من الأصول. وعليه اختصر (٤) كثير من المختصرين.
وفي رواية يحيى: إلا ما يضر بها [كذا رواه سحنون قال يحيى: والصواب إلا ما يضر (٥)، قال فضل] (٦): وكذا (٧) قرأناه على غير يحيى.
قال القاضي ﵀: وكلاهما صواب، إن شاء الله تعالى.
ومعنى إلا ما يضر (بها) (٨). يعني فهو من حريمها. وعلى قوله: إلا ما لا يضر، يعني فهو غير (٩) حريمها. فالوجهان على هذا التوجيه صحيحان. وعند جماعة من العلماء ومن أصحابنا تحديد حريمها. وعن ابن نافع في البئر العادية - وهي القديمة - خمسون ذراعًا. وفي البادية وهي التي ابتدئ حفرها. خمسة وعشرون (١٠). وكذا جاء في الحديث وعن أبي مصعب عكس هذا في العادية، والبادية. قالا: وفي بئر الزرع خمس مائة ذراع (١١).
[قال ابن المسيب (١٢): ثلاث مائة ذراع، وروي عنه خمس مائة
_________________
(١) انظر النوادر: ١١/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) سقط من ح وهو ساقط من المدونة كذلك.
(٣) المدونة: ٦/ ١٨٩.
(٤) كذا في د، وفي ق: اختصرها.
(٥) كذا في د، وفي ح: لا يضر.
(٦) سقط من ق.
(٧) كذا في ح ود، وفي ق: وكذلك.
(٨) سقط من ح.
(٩) كذا في د، وفي ق: حد، والكلمة ساقطة من ح.
(١٠) النوادر: ١١/ ٢٣.
(١١) انظر قول ابن نافع وأبي مصعب في معين الحكام: ٢/ ٧٨٠.
(١٢) سعيد بن المسيب: هو أبو محمد، سعيد بن المسيِّب، بن حزن، بن أبي وهب القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، رأى عمر بن =
[ ٣ / ٢٠٤٥ ]
ذراع (١)] (٢) وروي في حريم العيون خمسمائة ذراع. وفي حريم الأنهار ألف ذراع (٣). ومعناه أن هذا كله من جميع نواحيها، لمن اختطها في الموات، يزرع عليها، أو يغرس، ولا يضيق عليه في ذلك أحد، هو أحق بذلك القدر من غيره.
والكلأ بفتح الكاف، مقصور، مهموز، العشب. وما تنبته الأرض مما يأكله المواشي.
ونقع البئر، بالقاف الساكنة، بعد النون المفتوحة، هو المعروف (٤). وفي أكثر الروايات. حيث وقع في المصنفات، ورويناه عن بعض شيوخنا في الموطإ (٥) بالفاء، والقاف معًا، وإن كان للفاء معنى يصح فهو تصحيف لا شك فيه.
واختلف في معنى "نقع البئر" (٦).
فقيل: هو ماؤها.
وقيل: كل ما استنقع فيها، فهو نقع.
وقيل: هو فضل مائها.
وقيل: هو في الجار ينهار بئره فلا يمنعه جاره من فضل مائه
_________________
(١) = الخطاب، وسمع عثمان، وعليًا، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، وغيرهم. روى عنه ابن شهاب الزهري، وبكير بن الأشج، وقتادة، وغيرهم. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقبل: لأربع مضين منها، وتوفي سنة: ٩٤ هـ، وقيل: ٩٣ هـ. (انظر التاريخ الكبير: ٣/ ٥١٠ - ٥١١، والجرح والتعديل: ٤/ ٥٩ - ٦١، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٢١٧ - ٢٤٦، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٨٤ - ٨٨).
(٢) النوادر: ١١/ ٢٣.
(٣) سقط من ق.
(٤) النوادر: ١١/ ٢٣.
(٥) انظر الفائق: ١/ ٣٣٣، ٤/ ١٧. مختار الصحاح: مادة: نقع.
(٦) تنوير الحوالك: ٢/ ٢١٨.
(٧) المدونة: ٦/ ١٩٠. وفيها: "نفع" بالفاء.
[ ٣ / ٢٠٤٦ ]
لإحياء (١) زرعه.
وقيل: ذلك في البئر بين الشريكين، يتم أحدهم سقيه، ويبقى من قسمه شيء، فليس له منع شريكه هذه الفضلة، إذ لا منفعة له فيها (٢).
وقيل: هو الموضع الذي يلقي فيه ما يكنس من البئر.
وقيل: هو مخرج مسيل مائه، والتأويل الأول، والثاني، والثالث، أصح. يبينه الحديث الآخر. لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ (٣). وقد ذهب بعض العلماء إلى حمل هذه الأحاديث في منع بيع الماء، ومنعه على العموم (٤)، ونحوه في العتبية (٥)، في ظاهر قول يحيى بن يحيى.
وقوله في المدونة: فلت: الحديث الذي جاء: لا يمنع فضل الماء (٦) والكلأ (٧)، والناس (٨) فيه شركاء (٩). كذا في كتاب ابن سهل، وابن المرابط، وكثير من النسخ. وهذا اللفظ غير معروف في الحديث.
وفي كتاب ابن عتاب: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ. على نص ما جاء في الحديث. وعلى هذا ذكره في الكتاب بعد ذلك بسطرين، أو ثلاثة. ولكن مجيئه بالحديثين، وسؤاله عنهما، يدل على اختلاف معاني ألفاظهما
_________________
(١) كذا في ح ود، وفي ق: ولإحياء.
(٢) النوادر: ١١/ ١٠.
(٣) الحديث أخرجه الشافعي في السنن المأثورة ٢/ ٣٨٥، والبخاري: ٢/ ٨٣٠، ومسلم: ٣/ ١١٩٨ عن أبي هريرة.
(٤) فيه إشارة إلى أن رأي الجمهور بعكس ذلك انظر فتح الباري: ٥/ ٣٢، والتمهيد: ١٩/ ١، ٢، ٣.
(٥) النوادر: ١١/ ١١، البيان والتحصيل: ٩/ ٢٤.
(٦) المدونة: ٦/ ١٩١.
(٧) كذا في طبعة دار الفكر: ٤/ ٣٧٤. وفي ح وطبعة دار صار ٦/ ١٩٦: لا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ.
(٨) كذا في المدونة، وفي ح وق: الناس.
(٩) كذا في ح، وفي ق: سواء.
[ ٣ / ٢٠٤٧ ]
عنده (١). والله أعلم.
وبئر الشفة: هي التي حفرت للشرب لشفاه الناس (٢)، وتأمل قوله: "فيمن اشترى شرب يوم، أو يومين. هذا الذي قال مالك: لا شفعة فيه. لأنه ليس معه أرض" (٣). فانظرها، وما كتبناه (٤) فيها في الشفعة، والقسمة، هذه ليس فيها قِلْدٌ.
وقوله: "إنما جاء حديث عمر بن الخطاب في هذا بعينه، أنه كان له مجرى ماء في أرض محمد بن مسلمة، فأراد أن يحوله إلى (٥) موضع آخر أقرب إلى أرضه من ذلك، فأبى عليه الرجل، فأمره عمر أن يحوله" (٦). كذا وقع في كتاب ابن عتاب، وابن المرابط، وابن سهل. وفي بعض النسخ: في أرض رجل (٧)، مكان ابن مسلمة. وهو الصحيح.
وليست هذه قضية محمد بن مسلمة. فقضيته في المسألة الأخرى التي قبلها، "في رجل له ماء وراء أرضي وأرض دون أرضي، فأراد أن يجري ماءه إلى أرضه في أرضي. فمنعته. قال مالك: ذلك لك. وليس العمل على حديث عمر في هذا" (٨). فهذه قضية محمد بن مسلمة، مع الضحاك بن خليفة. وابن مسلمة: هو المحكوم عليه.
وأما الأخرى: فإنما هي قضية عبد الرحمن بن عوف (٩) مع
_________________
(١) انظر النوادر: ١١/ ١٠ - ١٢.
(٢) النوادر: ١١/ ٨ - ٩.
(٣) المدونة: ٦/ ١٩٢.
(٤) كذا في ح ود، وفي ق: وما كتبنا.
(٥) كذا في ح ود، وفي ق: في.
(٦) المدونة: ٦/ ١٩٣.
(٧) وهو ما في نسختي دار صادر ٦/ ١٩٣، ودار الفكر: ٤/ ٣٧٥.
(٨) المدونة: ٦/ ١٩٢.
(٩) عبد الرحمن بن عوف: هو أبو محمد، عبد الرحمن بن عوف القرشي، الزهري، الصحابي الجليل، أحد الثمانية الأوائل الذي بادروا الى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين البدريين؛ كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، فسماه =
[ ٣ / ٢٠٤٨ ]
جده (١) عمرو بن يحيى المازني. وعبد الرحمن في هذا، هو المحكوم له.
وفد ذكر مالك الحديثين في الموطأ (٢)، على ما نصصناه (٣). فدل أن رواية: رجل أصح. ووهم على مالك في المدونة من قال فيه محمد بن مسلمة.
وتأمل قوله في الكتاب: "لو أن رجلًا حفر بئرًا بعيدة من بئر جاره كان أحياه قبل ذلك، فانقطع ماء البئر الأول، وعلم أن ذلك من حفر هذه البئر الثانية، أنه يردم البئر التي حفر" (٤).
ذهب بعض الشيوخ إلى التحريم من قوله: وكان إحياؤها قبل ذلك، أن هذه التي حفر فيها آخرًا لو كانت هي التي أحييت أولًا لم يمنع هذا من حفر بئر فيها، وإن أضرت بالأول، ولأن هذا أحيى أولًا، ومالك ظاهر الأرض، وباطنها. ولهذا اشترط في الكتاب في مسألة: إن أحيى الأرض التي تقدم حفر البئر فيها كان أولى، ولا التفات عنده على هذا إلى تقديم (٥) حفر البئر [ولا تأخيره، وإنما يلتفت إلى الأرض المحياة أولًا، فهي أحق بكل حال.
_________________
(١) = النبي - ﷺ - عبد الرحمن؛ هاجر إلى المدينة، فآخى النبي - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع، وكان ممن يفتي على عهد النبي - ﷺ - وعهد أبي بكر وعمر؛ روى عنه ابن عباس، وابن عمر، وبنوه الأربعة: إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، وعمرو، ومصعب، وغيرهم؛ كان من أثرياء الصحابة، وكان من الذين اختارهم عمر ﵁ لاختيار الخليفة من بعده، فقام بالدور المنوط به أتم قيام؛ توفي سنة: ٣٢ هـ، ودفن بالبقيع، وكان مولده بعد عام الفيل بعشر سنين. (انظر التاريخ الكبير: ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١، والجرح والتعديل: ٥/ ٢٤٧، والاستيعاب: ٢/ ٨٤٤، ٨٥٠، وسير أعلام النبلاء: ١/ ٦٨ - ٩٢، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٢٤٤ - ٢٤٦، والإصابة: ٦/ ٣١١ - ٣١٣).
(٢) في ح: جد.
(٣) الموطأ القضاء في المرفق: ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) كذا في ح، وفي ق: قصصناه.
(٥) المدونة: ٦/ ١٩٦.
(٦) في ح: تحريم.
[ ٣ / ٢٠٤٩ ]
قال: وإنما يلتفت إلى تقدم حفر البئر] (١)، إذا لم يعرف أيهما أحييت أولًا. فرجح السابق بحفر البئر على مذهب ابن القاسم. وأشهب يخالفه، ويرى له إذا لم يجد بدا أن يحفره في ملكه، إذ يستضر بترك الحفر كما يستضر صاحبه بالحفر.
وموات الأرض (٢): ما لم يعمر منها.
وفتق الأنهار بفتح القاف: تفجيرها.
وإحياء الارض: عمارتها. وذلك بعشرة أشياء: سبعة متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها.
فالمتفق عليها (٣):
نفجبر الماء فيها، بحفر بئر، أو فتق (نهر (٤)، أو شق) (٥) عين.
الثاني: إخراج الماء عن عامرها به منها.
الثالث: البناء.
الرابع: الغرس.
الخامس: الحرث، وتحريك الأرض بالحفر، ونحوه.
السادس: قطع شجرها، وغياضها (٦).
السابع: كسر أحجارها، وتسوية خروبها، وتعديل أراضيها.
_________________
(١) سقط من ق.
(٢) المدونة: ٦/ ١٩٥.
(٣) انظر النوادر: ١٠/ ٥٠٥.
(٤) في ق: غمر والصواب ما أثبتناه.
(٥) سقط من ق.
(٦) كذا في ح ود، وفي ق: وعيضها.
[ ٣ / ٢٠٥٠ ]
[١٥٢] الثامن: التحجير عليها. وهو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه منها؛ ولم يحيه بعد.
التاسع: رعي كلإها.
العاشر: حفر بئر ماشية فيها. فهذه الثلاثة ليست عند ابن القاسم بإحياء، وعند أشهب إحياء (١). قال: وينتظر بالحجر ثلاث سنين. كما جاء عن ابن عمر. وأشهب أيضًا عنده إنما يكون إذا عرف أنه إنما حجرها ليعملها عن قريب، وتعذر ما يمكنه عمله منها.
وقول عمر في الذي فتح على جاره في غرفة كوة (٢) يوضع وراءها سرير، ويقوم عليه رجل، فإن كان ينظر إلى ما في الدار منع من ذلك (٣)، المراد بالسرير هنا، السرير المعلوم. ومثله الكرسي وشبهه، لا على ما قال بعضهم: [إنه] (٤) السلم. لأن في وضع السلم أبدًا والصعود عليه تكلفًا، لا يفعل أبدًا إلا لأمر مهم، وليس يسهل الصعود بكل أحد، ومثله التكشف منه، لا يتعذر إذا نصب من شرفات الدار، وأعاليها. وذلك غير معتبر.
وأما السرير، والكرسي، فلا يؤمن أن يقصد الصعود عليه للاطلاع. إذ ليس في وضعه، والصعود عليه، كبير تكلف.
وقال ابن أبي زمنين: السرير فرش الغرفة. كذا سمعت بعض مشايخنا يفسره.
قال القاضي ﵀: وما ذكرناه أولى، لقوله: يوضع وراءها. وهو بين. لأن الغرفة لا تسمى إلا إذا كانت بفرش.
قالوا: ومعنى قوله: "وينظر إلى ما في الدار" (٥). معناه إذا اطلع من
_________________
(١) انظر النوادر: ١٠/ ٥٠٤ - ٥٠٦.
(٢) في ح: كواء.
(٣) المدونة: ٦/ ١٩٧.
(٤) سقط من ح وق، وثبتت في د.
(٥) المدونة: ٦/ ١٩٧.
[ ٣ / ٢٠٥١ ]
هذه الكوة، واستبان منها من دار الآخر الوجوه، فإن لم يستبن الوجوه لم يكن ذلك الاطلاع ضررًا.
وقوله في المرتهن: إذا أذن للراهن في كراء رهنه (١) يبطل بنفس الإذن. وإن لم يكن. زاد في بعض الروايات. وقال أشهب (٢): لا يكون خارجًا من الرهن حتى يكري، وهي في كتاب ابن عتاب محوق عليها. وساقطة من أكثر النسخ. وقول أشهب في غير المدونة صحيح، مشهور.
_________________
(١) المدونة: ٦/ ١٩٩.
(٢) وهو ساقط من طبعتي دار صادر ودار الفكر.
[ ٣ / ٢٠٥٢ ]