اختلف شيوخنا هل التخيير مكروه لاقتضائه الطلاق الثلاث المنهي عنه أم مباح؟ إذ ليس نفس إيقاع الثلاث وإنما هو مسبب له، أو لظاهر الآية في أمر النبي - ﷺ - (١) بالتخيير وفعله ذلك.
والأظهر/ [خ ٢٤٢] في (٢) الآية التخيير فيما بين الدنيا والآخرة، ثم رجوع الأمر بعد ذلك إن اخترن الدنيا للنبي ﵇ (٣)، فيمتع (٤) ويسرح. وأن السراح الجميل لا يقتضي البتات بلفظه. وليس في أمره عائشة بمشاورة أبويها (٥) ما يدفع هذا الاحتمال؛ إذ اختيارها سبب لتسريحه إياها. وكان ﵇ يكره ذلك.
وخبر اختيار العامرية الذي ذكر في "المدونة" (٦)
_________________
(١) في ز: ﵇، بعد أن كتب الصيغة الأخرى، وهو ما في م.
(٢) كذا في ز وح، وفي خ وق: من.
(٣) في خ: - ﷺ -.
(٤) في خ: ليمتع.
(٥) رواه البخاري في التفسير باب قوله يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه فبدأ بي رسول الله - ﷺ - فقال: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك".
(٦) المدونة: ٢/ ٣٨٢/ ٣ - . ورواية المدونة أن اختيار العامرية وقع في قصة تخيير النبي لأزواجه، والصحيح أن زوجاته المخيرات هن التسع المتوفى عنهن. انظر المقدمات: ١/ ٥٨٦.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
لم يصح (١) ولا خرجه أهل الصحة (٢).
ثم اختلف العلماء في الخيار إذا وقع اختلافا كثيرًا، والمتحصل من الأقوال في مذهبنا فيها (٣) ستة أقوال:
أشهرها مذهب الكتاب وأن اختيار المرأة ثلاث، ولا مناكرة للزوج، نوت المرأة الثلاث أم لا (٤)، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له.
ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد، أم لها القضاء ثانية؟
الثاني أنها ثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئًا، ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج. وهو قول عبد الملك (٥).
الثالث أنه واحدة بائنة. ذكره ابن خويز منداد عن مالك (٦)، وهو أحد مذهبي علي بن أبي طالب (٧). وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختاره هو.
الرابع أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة، وهو قول ابن
_________________
(١) هذا رد على أبي عمران الفاسي في استدلاله بهذه المرويات على عدم كراهة التخيير. انظر الجامع: ٢/ ٢٤٤، والمنتقى: ٤/ ٥٨، والإكمال: ٥/ ٣٣.
(٢) بعد هذا في خ بياض، وكتب بالحاشية: (انظر: د، ذ، س). وفي حاشية ز أن المؤلف ترك بياضًا قدر ثلث سطر وكتب في الطرة: (انظر د، ذ، س). وأشار في ق إلى وجود هذا البياض.
(٣) كذا في خ وق وح وس وم وع، وفي متن ز مصلحا: فيه. وفي الحاشية تنبيه على اللفظة خرم مكانه
(٤) كذا في ز وم وح وس وع، وفي خ وق: أو لا.
(٥) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢١٣، والجامع: ٢/ ٢٤٤، والمنتقى: ٤/ ٥٩، والمقدمات: ١/ ٥٨٨، والمعونة: ٢/ ٨٨٠.
(٦) انظر تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١.
(٧) زاد ناسخ ز هنا: ﵁. وقول علي هذا ذكره عنه القرطبي في التفسير: ١٤/ ١٧١.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
الجهم (١)، وهو الظاهر عندي من معنى ما حكاه ابن سحنون (٢) عن أكثر أصحابنا لا ما تأوله اللخمي.
الخامس له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون (٣). وعليه تأوله اللخمي كالتمليك. وهو قول عمر (٤) وعلي أولًا (٥). ومذهب أبي يوسف (٦) أن الخيار رجعية.
السادس أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائن. وهو قول زيد بن ثابت (٧). وحكاه النقاش (٨) عن مالك. والحسن (٩) والليث (١٠) رأوا أن نفس الخيار طلاقًا (١١). والخلاف فيه قائم من "الموطأ" (١٢)، وهو قوله بعد قول ابن شهاب: "إذا خير الرجل امرأته فاختارته، فليس ذلك بطلاق، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت". ولم ير أبو حنيفة الخيار حكمًا. وللسلف في هذا خلاف زائد على ما ذكرناه.
_________________
(١) قوله في الإكمال: ٥/ ٣٣، ٣٠، وتفسير القرطبي: ١٤/ ١٧٢، والجواهر لابن شاس: ٢/ ١٧١.
(٢) قول ابن سحنون في تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧٢، والجواهر: ٢/ ١٧١.
(٣) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢١٥، والإكمال: ٥/ ٣٣، والجواهر: ٢/ ١٧١.
(٤) انظر تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١.
(٥) انظر قوله في مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٦٤، وتفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١.
(٦) هو يعقوب بن إبراهيم القاضي، صاحب أبي حنيفة. توفي ١٨٢ انظر ترجمته في تاريخ بغداد: ١٤/ ٢٤٢.
(٧) انظر قوله في تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١.
(٨) انظر قوله في تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١، والإكمال: ٥/ ٣٣. والنقاش - على ما يبدو - هو محمّد بن الحسن الموصلي المتوفى سنة ٣٥١، وهو مفسر روى القاضي عياض تفسيره المسمى "شفاء الصدور" في الغنية: ١٤٨. وقد انتقد هذا التفسير غاية الانتقاد، انظر مثلًا لسان الميزان: ٥/ ١٣٢.
(٩) انظر رأيه في تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١.
(١٠) انظر رأيه في تفسير القرطبي: ١٤/ ١٧١.
(١١) كذا في خ وس وع وم، وفي حاشية ز أنه خط المؤلف وأصلحه الناسخ: طلاق، وهو ما في ق وح. وهو الظاهر.
(١٢) في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخيار.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
ومسألة (١): "اختياري (٢) في أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة أو أن تقيمي". ظاهر كلام ابن القاسم أنه سواها مع قوله: "اختاري في واحدة" وأنه يحلف ما أراد إلا واحدة. وعليه تأولها ابن أبي زيد وغيره. واختصرها ابن أبي زمنين وزاد: قال ابن القاسم: ولا أرى عليه (٣) يمينًا. قال: ولم يرو ابن وضاح قول ابن القاسم. وكأن المراد عندهم محتمل/ [ز ١٥٩] لإمضاء الفراق في مرة واحدة باتا لا يحتاج الإعادة والتكرار، فسواء سمى التطليقة أم لا. ويدل عليه قوله: أو تقيمي - والواحدة لا تبينها - وهي معه في حكم المقيمة بعد (٤). وتأول آخرون أن المسألتين مفترقتان. وهو ظاهر كلام محمّد (٥) بن المواز؛ لأنه رفع الاحتمال بقوله: تطليقة، بخلاف إذا لم يسمها، كما لو قال: تطليقة - ولم يقل واحدة - لم تقتض أكثر من واحدة.
وقوله (٦): "إذا قال لها اختاري في تطليقتين/ [خ ٢٤٣] فاختارت واحدة: لا يقع عليها شيء"، كذا في رواية أشياخنا (٧) بزيادة "في"، وكذا في كثير من النسخ، وعليها اختصرها أبو محمّد وأبو عبد الله (٨) وأكثرهم. وسقطت
_________________
(١) جاء في المدونة ٢/ ٣٤٧/ ١١: قلت: أرأيت إن قال الرجل لامرأته: اختاري في أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة وفي أن تقيمي فقالت: قد اخترت نفسي أيكون ذلك ثلاثًا أم لا؟ قال: نزلت بالمدينة وسئل مالك عنها فقال: آلله ما أردت بقولك ذلك حين قلت اختاري في واحدة إلا واحدة؟ قال الزوج: نعم والله ما أردت إلا واحدة. قال: قال مالك: أرى ذلك لك، وهي واحدة وأنت أملك بها. قلت: وكيف كانت المسألة التي سألوا مالكًا عنها؟ قال سألوا مالكًا عن رجل قال لامرأته: اختاري في واحدة، فأجابهم بما أخبرتك.
(٢) كذا في ز، وفي خ وق والمدونة: اختاري. وهو الصواب.
(٣) كذا في ز وق وح وم وع وس. وفي خ: عليها. وكتب فوقها: عليه. وفوقها: كذا.
(٤) في النكت بعض ما هنا، وانظر تفسير المسألة لابن الفخار في أحكام الشعبي: ٤٥٥.
(٥) انظر كلامه في النوادر: ٥/ ٢٣، والجامع: ٢/ ٢٤٢.
(٦) المدونة: ٢/ ٣٧٥/ ١.
(٧) في خ وق: أشياخي.
(٨) لعله يعني ابن أبي زمنين.
[ ٢ / ٨١٠ ]
"في" من بعض النسخ (١)، وعليها اختصرها بعض المختصرين (٢). وقد فرق بين هذه المسألة والأولى بعضهم، فلم يدخل خلافًا في مسالة تطليقتين أنه ليس لها اختيار واحدة. وكذلك عنده على (٣) ما في الكتاب في مسألة "في". وذكر ابن سحنون (٤) أن لها في مسألة: اختاري في تطليقتين أن تختار واحدة أو اثنين (٥)، لاحتمال قوله الاختيار في الأعداد أو في البقاء.
قال بعض شيوخنا: ويسأل الزوج؛ فإن كان نوى اختيار الأعداد لزمه ما فعلته. وإن قال: أردت أن أخيرها في التطليقتين أو الترك حلف ولم يلزم دون الثلاث. قال: ولها أن تختار بعد لأنها تقول: ظننت أنه أراد العدد.
وهكذا قال في الكتاب (٦): "إذا ملكها في التطليقتين فقضت بواحدة تلزمه إلا أن يريد: ملكتك في التطليقتين، أو كَ "في" ولم يملكها في الواحدة"، فاحتملت عنده هنا الوجهين معًا. وإذا قال (٧): قد ملكتك الثلاث تطليقات، فطلقت نفسها ثلاثًا لزمته، يريد: ولا تلزم الواحدة، لأن هذا إنما خيرها في الثلاث فقط. وقد قال في باب آخر (٨): إن قال لها: أنت طالق ثلاثًا إن شئت، فطلقت واحدة لا شيء عليها من الطلاق، وجعله كالخيار. وكذلك قال إذا قال لها (٩): "أمرك بيدك في أن تطلقي نفسك ثلاثًا فطلقت واحدة". وفي "الثمانية" (١٠): إذا قال: ملكتك ثلاثًا قضت بما
_________________
(١) كما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٦٩/ ٨.
(٢) كالبراذعي: ١٦٨.
(٣) في ق وح: عنده الأولى على. وفي م وس وع: الأول.
(٤) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢٢٤، والجواهر: ٢/ ١٧١.
(٥) كذا في خ وم، وفي حاشية ز أنها كذلك بخط المؤلف، وأصلحها الناسخ: اثنتين، وهر ما في ق وح وع وس. وهو الصواب.
(٦) المدونة: ٢/ ٣٨٥/ ٦.
(٧) المدونة: ٢/ ٣٨٤/ ٢.
(٨) المدونة: ٢/ ٣٨٩/ ٥.
(٩) المدونة: ٢/ ٣٨٥/ ١٠.
(١٠) انظر هذا في المنتقى: ٤/ ١٩.
[ ٢ / ٨١١ ]
شاءت. وفي كتاب ابن حبيب (١): لا تقضي بالواحدة. ومثله لأصبغ (٢). وفي كتاب ابن القصار (٣) إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا فطلقت واحدة، أو طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثًا لم يلزمها (٤) شيء.
مسألة (٥): اختاري اليوم كله: ليس لها أن تختار بعد مضيه (٦). اختلف هل هذا على قوليه معًا في التمليك - وهذا مذهب كبار المشايخ (٧) - أم يخرج على القولين؟. وقال في مسألة التمليك (٨): كان يقول "ذلك لها ما دامت في مجلسها، فإن تفرقا فلا شيء (٩) ". ثم قال (١٠): "إذا قعد معها ما يرى الناس أنها تختار في مثله وأن قيامه لم يكن قطعًا ولا فرارًا". وقال أيضًا في موضع آخر: إذا قامت من مجلسها فلا شيء لها بعد ذلك. وقال أيضًا في موضع آخر (١١): "أما ما كان من طول المجلس وذهاب عامة النهار ويعلم أنهما قد تركا ذلك فلا أرى لها قضاء". وظاهر هذا كله موافق. وإنما ذكر عامة النهار هنا لأن السائل ذكره في سؤاله فأجابه عليه، لا أنه يشترط ذهاب عامة النهار في قوله هذا على ما نبه عليه بعض المختصرين.
_________________
(١) انظره في النوادر: ٥/ ٢٢٣، والجامع: ٢/ ٢٥٠، والجواهر: ٢/ ١٧٣.
(٢) وهو في النوادر: ٥/ ٢٢٣، والجامع: ٢/ ٢٥٠، والمقدمات: ١/ ٥٩٣.
(٣) وهو عنه في الجامع: ٢/ ٢٥١.
(٤) في ق: لم يكن لها، وفي س: لم يلزمه.
(٥) المدونة: ٢/ ٣٧٥/ ٨.
(٦) في حاشية ز وخ - وقال في ز: هو بخط المؤلف -: (انظر هذا الباب في النوادر وحققه).
(٧) كأبي محمّد كما في الجامع: ٢/ ٢٤٣، والقابسي وابن حارث كما في التوضيح: ١١١ أ.
(٨) المدونة: ٢/ ٣٧٧/ ٢.
(٩) كذا في ز مصححًا عليه وفي خ أيضًا، وفي ق: زيادة: لها. وهو ما في الطبعتين؛ طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٧١/ ١٠. وهو ظاهر.
(١٠) المدونة: ٢/ ٣٧٨/ ٢.
(١١) المدونة: ٢/ ٣٩٠/ ٢.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وقول أشهب (١): إذا افترقا سقط الخيار ولها ذلك ما أقاما في المجلس راجع إلى ذلك (٢) ووفاق إن شاء الله تعالى. والمسألة على قولين:
أحدهما: مراعاة المجلس والافتراق وإن (٣) كانا بالقرب، أو طوله والخروج عما كانا فيه إن لم يقوما عن قرب.
والثاني: أن لها ذلك ما لم توقَف. وعلى هذا اختصرها أكثرهم.
ونبه بعضهم أن في القول الأول لفظين لينبه (٤) على الخلاف. وأن القول الأول على قولين:
أحدهما: الافتراق، إما بالأجسام أو بما يظهر من الخروج إلى غير ما كانا/ [خ ٢٤٤] فيه وما يدل على تركها ما جعل لها.
والثاني: مراعاة طول المجلس وجل النهار. وهذا ظاهر ما في كتاب ابن حبيب فإنه قال: ذلك لها ما كانا في مجلسهما، فإذا تفرقا ولم يحدثا شيئًا/ [ز ١٦٠] فأمرها إلى زوجها، قال (٥): وكان يقول أيضًا: وإن طال المجلس حتى يُرى أنه ترْك لما كان (٦) فيه بطل ما جعل لها. ثم رجع فقال: حتى يوقف (٧) أو توطأ (٨).
_________________
(١) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢١٦، والجامع: ٢/ ٢٤٧.
(٢) أشار في حاشية ق إلى أن في نسخة أخرى: راجع إلى قوله.
(٣) في ق وس وع وح وم: إن كانا. ويبدو أنه المناسب.
(٤) في حاشية ز أن المؤلف كتبها بنقط الحرف الأول وحده نونًا. وفي ح وم وع: لينبه. وفي س: فنبه.
(٥) المدونة: ٢/ ٣٩١/ ٧.
(٦) كذا في النسخ، وقد صحح على الكلمة في ز، والأنسب: كانا، وهو ما في س.
(٧) كذا في ز، وفي ق وح وم وس وع: توقف، وفي المدونة: ما لم يوقفه السلطان. ولعل الراجح: توقف.
(٨) انظر اختلاف أقوال مالك في هذه المسألة في النوادر: ٥/ ٢١٥ - ٢١٦.
[ ٢ / ٨١٣ ]
وقوله (١): أنت طالق إن شئت. قال ابن القاسم: ذلك لها وإن قامت من مجلسهما (٢)، وذلك تفويض فوضه إليها. وهذا قول مالك في كتاب الأيمان (٣)، والأمر بيدها حتى توقف (٤). وكذلك قال في الظهار (٥) في: "أنت علي كظهر أمي إن شئت". ولابن القاسم في "الواضحة" (٦) و"المبسوطة": لا قضاء لها في: أنت طالق إن شئت إلا في المجلس. وهو ظاهر قوله في كتاب العتق (٧)، وفي ما (٨) هناك احتمال (٩).
وهذا هو الذي رجحه بعض شيوخنا (١٠) المقتدى بهم. وخرج ابن محرز الخلاف في ذلك من قول مالك من ظاهر قوله (١١): إن قال: "أنت طالق إن شئت، أو اختاري، أو أمرك بيدك"، قال: قد اختلف قوله فيها؛ فكان يقول: ليس لها أن تقضي إلا في المجلس، قال: فظاهر قوله أنه اختلف قوله في: أنت طالق إن شئت، ولم يجعله كالتمليك إذا علقه
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٣٧٨/ ١١.
(٢) في ق وح وس والطبعتين؛ طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٧١/ ٦ -، والرهوني: ٤/ ١١٩: مجلسها. وكل محتمل.
(٣) يعني الأيمان بالطلاق في المدونة: ٣/ ٢/ ٦.
(٤) إزاء هذا في طرة خ أن في الأصل المنقول عنه: (انظر: خ، ش).
(٥) المدونة: ٣/ ٥٢/ ٢.
(٦) انظر ذلك في النوادر: ٥/ ٢٢٤، والمقدمات: ١/ ٥٩٠.
(٧) المدونة: ٣/ ١٧٢/ ٨.
(٨) في النسخ سوى س: وفيما.
(٩) قال في المدونة: أرأيت إن قال لها: أنت حرة إن هويت أو رضيت أو شئت أو أردت، متى يكون ذلك للأمة؟ قال: ذلك لها وإن قامت من مجلسها مثل التمليك في المرأة، إلا أن تمكنه من الوطء وتوقف الجارية، فإما أن تختار حريتها وإما أن تترك. وأما أنا فلا أرى لها بعد أن يفترقا من المجلس شيئًا إلا أن يكون شيئًا فوضه إليها.
(١٠) لعله ابن رشد، انظر المقدمات: ١/ ٥٨٩ - ٥٩٠.
(١١) المدونة: ٢/ ٣٧٧/ ٣.
[ ٢ / ٨١٤ ]
بالمشيئة، قال: وله وجه صحيح؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع للطلاق. فإنما يصيره تمليكًا تعليقه بالمشيئة فيصير كالتمليك المطلق، ولا يكون كالتمليك إذا وكد بتفويض المشيئة لها؛ إذ لا بد أن يكون للتفويض بالمشيئة تأثير وقوة، وليس إلا القضاء متى شاءت.
وقد فرق ابن القاسم بين قوله: إن شئت فأنت طالق وبين قوله: إذا شئت، في كتاب الأيمان (١). وحمله الشيوخ على اختلاف قول مالك في "إذا" هل تقتضي المهلة فيكون تفويضًا، أو الشرط المجرد فيكون مثل "إن"، فانظر هذا.
وأما (٢) قوله: أمرك بيدك إن شئت، أو إذا شئت، فعند مالك أن ذلك ليس بتفويض، ويجري على قوليه (٣) في التمليك المطلق. ولذلك (٤) قال غير ابن القاسم في مسألة كتاب الظهار في القائل لامرأته (٥): "إن شئت الظهار فأنت علي كظهر أمي": "إن هذا على وجه قول مالك في التمليك في الطلاق". وذكر اختلاف قوله والتمليك (٦). وابن القاسم يرى ذلك تفويضًا وأنه بيدها ما لم توقف (٧).
_________________
(١) في المدونة: ٣/ ٣/ ١: كان يقول: هما مفترقان؛ قوله: إذا قدم أبي أشد وأقوى عندي من قوله: إن قدم أبي. ثم رجع فقال: هما سواء.
(٢) كتب الناسخ فوق هذه الكلمة في ز: ترجمة. ولعله يعني أنه فقرة جديدة. وقد كتبها ناسخ خ أيضًا بالحرف الغليظ.
(٣) في ق: قوله.
(٤) في ق وح وم وس وع: وكذلك.
(٥) المدونة: ٣/ ٥٢/ ٢.
(٦) كذا في أصل المؤلف كما في حاشية ز، وكتبها الناسخ في المتن: في التمليك. وفي خ وع أيضًا: والتمليك. ثم أقحم ناسخ خ كلمة "في" بعد الواو ورمز إلى أن ذلك هو ما في نسخة أخرى. وفي ق وح وم وس أيضًا: في التمليك. وهو الظاهر.
(٧) المدونة: ٣/ ٥٣/ ١.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وحكى ابن حبيب (١) عنه في ذلك قولين وأن هذا آخر قوليه (٢)، فنبه على الخلاف. وقد تأول بعضهم (٣) على ابن القاسم أن "إن" (٤) في التمليك ليس بتفويض بخلاف الطلاق، حكاه أبو النجا الفرائضي (٥). وقال أصبغ (٦): إن شئت ففي المجلس، وإذا شئت تفويض، وأما متى شئت [ومتى ما شئت] (٧) فتفويض حتى توقف في جميع هذا كله أو توطأ إلا على قول أصبغ (٨) في: كلما، هو (٩) عنده تفويض لا يقطعه الوطء، بخلاف ما ليس بتفويض، فإذا قضت (مرة) (١٠) بما قضت لم يكن لها عودة. وأما: أنت طالق كلما شئت، فأبلغ في التفويض، ولها الخيار مرة بعد مرة بما شاءت من الطلاق. وكذلك في التمليك حتى توقف. وأما ما شئت، وكم شئت فتخيير في العدد دون الأمد في الطلاق والتمليك.
وقوله في المملكة إذا ردت على زوجها: قد طلقت نفسي ولا نية لها، وجوابه إذا نوت، وسكت/ [خ ٢٤٥] عن السؤال إذا لم تنو. فاختلف في
_________________
(١) وهو له في المقدمات: ١/ ٥٩٠.
(٢) في خ وق وع وم وحاشية الرهوني: ٤/ ١١٩: قوله. وهو محتمل.
(٣) نقل هذا التأويل أيضًا في المقدمات: ١/ ٥٩٠.
(٤) في ق والرهوني: إن شئت.
(٥) هو محمّد بن مطهر بن عبيد الضرير البصري. قال عنه ابن ملول الوشقي: ما رأيت بصيرًا ولا مكفوفًا قط أعلم بالفرائض منه، وكان حسن العلم بمذهب مالك وألف كتابًا فيه، وألف في الفرائض تواليف عالية؛ كتاب المقنع وكتاب الناصر، وإليه فيها المفزع، وله فيها أشعار في باب المعاياة والمحاجاة بديعة. توفي ٣٣٣ (انظر المدارك: ٥/ ٥٩ - ٦٠). وذكر قوله فى المقدمات: ١/ ٥٩٠.
(٦) انظر رأيه في المنتقى: ٤/ ٢٣، والمقدمات: ١/ ٥٨٩.
(٧) ليس في ز.
(٨) انظر بعض قوله في النوادر: ٥/ ٢٢٤.
(٩) في خ وق: فهو. وهو أبين.
(١٠) سقط من خ.
[ ٢ / ٨١٦ ]
التأويل على الكتاب في ذلك؛ فذهب أكثرهم إلى أنها إذا لم تنو ثلاثًا (١)؛ لأن هذا باب فراق التخيير والتمليك إذا لم تكن نية. وإليه نحا أبو محمّد واللخمي وشيخنا أبو الوليد القاضي (٢)، وهو قول أصبغ (٣). وذهب آخرون إلى أنها واحدة، كما لو قالها لها الزوج ابتداء، وحكاه عبد الحق (٤)، وهو نص قول ابن القاسم في "الواضحة" (٥). ثم يختلف على هذا في حكم هذه الواحدة في التخيير والتمليك على ما تقدم. وأما إن قالت: أنا طالق فهي على الواحدة إلا أن تقول في المجلس: نويت أكثر فيقبل قولها. ثم يجري ذلك على الأصل في التخيير والتمليك.
وقول ربيعة (٦) في: "الحلال عليه حرام: هي يمين إذا حلف أنه لم يرد امرأته، ولو أفردها كانت طلاق (٧) البتة/ [ز ١٦١]. وقال ابن شهاب مثله ولم يجعل فيها يمينًا. ظاهره أنه خلاف (٨)، وأنها خارجة حتى يدخلها بالنية لقوله: ولو أفردها. وأما الكفارة فرآها ربيعة على مذهب من جعل في الحرام كفارة يمين، لظاهر الآية لقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٩)، ومالك لا يقوله (١٠).
_________________
(١) كذا في ز وق وح وع وس، ويبدو أن الألف إنما ألحقت في ق. وفي خ وم: ثلاث، وهو الصواب.
(٢) في المقدمات: ١/ ٥٩٣.
(٣) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢٢١، والمنتقى: ٤/ ٦٠، وأحكام الشعبي: ٣٨٤، والمقدمات: ١/ ٥٩٣.
(٤) حكاه عن بعض شيوخه القرويين في النكت.
(٥) وهو ما في النوادر: ٥/ ٢٢١.
(٦) المدونة: ٢/ ٣٩٥/ ١٠.
(٧) في خ: طالقًا، وفي الطبعتين كذلك؛ طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٨٢/ ٦ - . وهو أبين.
(٨) إزاء هذا في حاشية ز وخ: (انظر قول من قال: هو وفاق)، وفي ز أن هذا بخط المؤلف.
(٩) التحريم: ٢.
(١٠) إزاء هذا في خ: (انظر: د، ر ).
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقول (١) ابن شهاب: لم يجعل فيها يمينًا، يعني كفارة. وإلا فمذهبه أن يحلف: ما نوى امرأته (٢). قال أبو عمران (٣): ورواه أشهب عن مالك. وقد اختلف على مذهب مالك في اليمين (٤).
وقوله (٥) في الحرام: له محاشاتها بقلبه، يريد: ولا يمين عليه إن لم تقم عليه بينة، فإن قامت بينة فحكى الأبهري والفاسي (٦): يحلف. وقيل: لا يحلف.
وقوله (٧) في القائل لزوجته حين مسته منه في ملاعبتها: "هو عليك حرام"، ووقوف مالك وابن القاسم فيها وإلزام بعض أهل المدينة فيها التحريم (٨)، هو على القول بإلزام الطلاق باللفظ دون النية.
وقوله (٩) في: حبلك على غاربك: "قد قال عمر (١٠) ما قد بلغك أنه نواه، ولا أرى أن ينوى"، ظاهره عند بعضهم (١١) لا قبل الدخول ولا بعده. والذي في كتاب محمّد (١٢) وغيره أنه ينوى فيما دون الثلاث قبل الدخول
_________________
(١) يبدو أن التعبير الأنسب هنا هو: وقوله عن ابن شهاب.
(٢) هذا التأويل لابن يونس أيضًا في الجامع: ٢/ ٢٥٩.
(٣) انظر قوله في الجامع: ٢/ ٢٥٩.
(٤) بعد هذا في خ بياض، وفي الحاشية: (انظر وحقق، وانظر ق). وفي حاشية ز: (بياض قدر ثلث سطر) وكتب في الطرة: (ينظر ويحقق، وانظر: ق).
(٥) المدونة: ٢/ ٣٩٣/ ٥.
(٦) كذا في ز وخ وق مصححًا عليه في ز وخ. وفي ح وم وس: القابسي. وليس يشتهر أحد بالفاسي ولا أبو عمران، فإنما شهرته بكنيته.
(٧) المدونة: ٢/ ٣٩٤/ ١٠.
(٨) قال في المدونة ٢/ ٣٩٤/ ٦ -: ( فقد وقف مالك فيه، وقد رأى غير مالك من أهل المدينة أن التحريم يلزمه بهذا القول. ولم أقل لك في صاحب الفرج (يعني هذه المسألة) إن ذلك يلزمه في رأيي ).
(٩) المدونة: ٢/ ٣٩٥/ ٥.
(١٠) زاد ناسخ ز هنا. ﵁.
(١١) هو اللخمي كما في التوضيح: ٩١ أ.
(١٢) وهو في الجامع: ٢/ ٢٥٨.
[ ٢ / ٨١٨ ]
ويحلف. قال في كتاب محمّد (١): ولو ثبت عندي أن عمر قاله ما خالفناه.
وقد أثبته في "الموطأ" (٢) وأدخله:
فعارض بعضهم قوله بهذا وأنه قد ثبت عنده وخالفه.
وأجابه بعضهم (٣) أنه لم يشرح في حديث عمر دخل أم لا (٤). فلعل مالكًا أشار أنه لو ثبت عمل عمر في هذا وتنويته إياه في كل حال، وأنه إنما نواه بعد الدخول.
وقال بعضهم: إنما قال ذلك لأنه روى الحديث مقطوعًا غير مسند (٥). وهذا ضعيف، لأن المراسل (٦) عند مالك والمقطوع مما يجب العمل به عنده ومما يحتج به.
قال القاضي ﵀: والذي عندي أن الذي يزيل الاعتراض عن قوله هذا، وإثباته في "الموطأ" ويجمع بين الأمرين مع قوله في "المدونة" أنه نواه أنه الظاهر، لكنه لا يقطع على أن عمر كان لا يلزمه إلا ما نواه؛ إذ ليس في الحديث ذلك مبينًا، وإنما فيه أنه أحضره موسم الحج واستحلفه عند الكعبة: برب هذه البنية ما أردت بقولك؟ فقال الرجل: لو استحلفتني
_________________
(١) عزاه في النوادر: ٥/ ١٥٢ للعتبية وحدها. وانظر المنتقى: ٤/ ٨.
(٢) في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلية والبرية.
(٣) انظر هذا في النوادر: ٥/ ١٥٢، والجامع: ٢/ ٢٥٨، والمنتقى: ٤/ ٨.
(٤) كذا في ز، وفي خ وق وح وم وع: أو لا، ومرض عليها في خ.
(٥) الخبر في الموطإ من بلاغات مالك عن عمر أنه كُتب له من العراق أن رجلًا قال لامرأته: حبلك على غاربك. فكتب عمر إلى عامله أن مُره يوافيني بمكة في الموسم فقال له عمر: أسألك برب هذه البنية ما أردت بقولك؟ قال: لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك. أردت بذلك الفراق. فقال عمر: هو ما أردت. وقد رواه الشافعي في الأم: ٧/ ٢٣٦ عن مالك منقطعًا أيضًا ورواه البيهقي أيضًا في الكبرى: ٧/ ٣٤٣ من طريق الشافعي كذلك، ثم من طريق علي بن المديني قال: نا غسان بن مضر نا سعيد بن يزيد عن أبي الحلال العتكي قال: جاء إلى عمر ثم عن سعيد بن منصور قال: نا هشيم أنا منصور عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا. ورواه عبد الرزاق في المصنف: ٦/ ٣٦٩ عن معمر عن ليث عن مجاهد أن رجلًا
(٦) كذا في ز، وفي خ وق: المرسل.
[ ٢ / ٨١٩ ]
بغير هذا/ [خ ٢٤٦] المكان ما صدقتك. أردت الفراق - يريد الثلاث - فقال له عمر: هو ما أردت. فالثابت من هذا الحديث أن قصد عمر بهذا التغليظُ عليه والتشديد بعظيم ذلك المقام والوقت وعظيمِ ما حلفه به ليرجع إلى الحق ولا يَلبِس عليه ويهاب هناك قول الباطل كما كان، فلما أقر ألزمه ما أقر به على نفسه، وانكشف الإشكال في الفتوى واللبس بإقراره. وهو معنى قوله في "المدونة": إن عمر نواه، أي سأله عن نيته، ولو لم ينو (١) وادعى نية لم يعرف ما كان يقول له عمر، وهل كان يقبل نيته أم لا؟ فهذا عندي معنى قول مالك: لو ثبت أن عمر قاله ما خالفته، فلا تعارض بين ما في "المدونة" و"الموازية" و"الموطأ" على هذا الأخذ، وهو بين حسن جدًا، والغالب على الظن أنه مراده بقوله هذا لا غيره، والله الموفق.
ومسألة (٢) القائل: هي أختك من الرضاعة، تقدمت في الرضاع.
وقوله (٣): أنت طالق، وقال: أردت من وثاق. واختلف (٤) على تأويل الكتاب إذا كان (٥) في وثاق هل يُديَّن ويقبل قوله كما قال مطرف (٦)؟ فقيل: يقبل. وقيل: لا يقبل في نية الوثاق وإن كانت في وثاق على مذهبه في الكتاب، إلا أن يكون جوابًا لكلام قبله. وفرق هذا بين صريح الطلاق وكناياته في هذا الباب؛ فإن كان سئل إطلاقها من الوثاق فقال ذلك وقال: أردته قبل قوله لشاهد السؤال، كما قال في مسألة (٧): اعتدي - إذا كان
_________________
(١) كذا في ز وق وح وس وع، وفي خ: يقر. وقد يكون تصحيفًا لكن معناه قريب.
(٢) المدونة: ٢/ ٣٩٩/ ١٢.
(٣) المدونة: ٢/ ٤٠٠/ ٧.
(٤) كذا في ز وق، وفي خ: اختلف. وهو أبين. وانظر اختلاف التأويلات فى المقدمات: ١/ ٥٩٧.
(٥) كذا في ز وخ مصححًا عليه، وفي ق وس وحاشية الرهوني ٤/ ٩١: كانت. وهو الأظهر.
(٦) انظر قوله في الجامع: ٢/ ٢٦٢.
(٧) المدونة: ٢/ ٤٠٠/ ٤.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
جوابا لكلامها أعطاها (١) فلوسًا - فقالت: "ما في هذه عشرون فقال: اعتدي"، وقال بعد (٢): "لأن" اعتدي" جوابًا (٣) / [ز ١٦٢] لكلامها". ولا يقبل عند (٤) هذا إن قاله ابتداء، سواء كان على قوله بينة أو لا؛ لصريح لفظة الطلاق. وغيره كما تقدم ينويه لقرينة كون الوثاق. ولا يختلف إذا لم يكن وثاق أنه لا ينوّى.
وقوله (٥): وهذا الذي قاله مالك في البتة في فتيا مالك قد كان عليه شهود، فلذلك لم ينوه مالك، يدل هذا أنه لو جاء مستفتيًا لنواه. الكلام لسحنون في سؤاله، وهو - وإن كان في الكتاب من كلامه - فإنما نقله عن مالك كما تراه، ولم ينكره عليه ابن القاسم (٦). وقد اختلف ابن نافع (٧) وغيره عن مالك في قبول قوله في الفتيا.
ويتخرج من هذه المسائل وأخواتها القولان اللذان حكاهما البغداديون (٨) في إلزام الطلاق بمجرد اللفظ دون النية، أو بمجرد النية دون
_________________
(١) كذا في خ وز وح وم وس وع وحاشية الرهوني: ٤/ ٩١ وصححا عليه في ز. وفي ق: بأن أعطاها، والسياق يقتضي مثل هذه الإضافة.
(٢) المدونة: ٢/ ٤٠٠/ ٦.
(٣) كذا في خ وح وم وس وع وق وحاشية الرهوني. وفي ز أن هذا خط المؤلف وأصلحها الناسخ: جواب. وهو ما في المدونة. وهو الظاهر.
(٤) في ق: عندي.
(٥) في المدونة ٢/ ٤٠٠/ ٨ -: (وقد قال مالك في رجل قال لامرأته أنت طالق البتة فقال: والله ما أردت بقولي البتة طلاقًا وإنما أردت واحدة، إلا أن لساني زل فقال: البتة. قال مالك: هي ثلاث قال: وهذا أيضًا الذي قال البتة في فتيا مالك قد كان عليه الشهود).
(٦) هذا ما في المدونة في طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٨٦/ ٥ والكلام فيها لسحنون: قلت: وهذا أيضًا. لكن في طبعة دار صادر: قال. وفي الجامع ٢/ ٢٦٢: قال سحنون، وكذلك تهذيب البراذعي: ١٧٣.
(٧) انظر قوله في الجامع: ٢/ ٢٦٢.
(٨) انظر هذا في المعونة: ٢/ ٨٥١، والمقدمات: ١/ ٥٧٨.
[ ٢ / ٨٢١ ]
اللفظ، على ما خرجه الشيوخ من الكتاب: فأما إلزامه بمجرد اللفظ فمن إلزامه الطلاق في مسألة: أنت طالق وقال: أردت من وثاق، ولا بينة عليه، ولم يعذره وإن جاء مستفتيا. ومن قوله (١): "يؤخذ الناس في الطلاق بلفظهم (٢) ولا تنفعهم نياتهم"، ومن الذي أراد واحدة فزل لسانه وقال: البتة (٣)، ومن خلاف أهل المدينة في الذي قال لامرأته وهو يلاعبها: هو عليك حرام (٤)، ومن مسألة هزل الطلاق. والقول الآخر من مسألة البتة، وغير مسألة مما قال فيها: أنه تنفعه في الفتيا نيته، فلم يعتبر مجرد اللفظ.
وأما مجرد النية فمن مسألة (٥): ادخلي، واخرجي، إذا أراد به الطلاق.
وقوله (٦) في مسألة: "لا ملك لي عليك، ولا سبيل لي عليك: لا شيء عليه إذا كان الكلام عتابًا إلا أن يكون نوى الطلاق"، ظاهره إن لم يكن عتابًا ولم ينو/ [خ ٢٤٧] شيئًا أنه طلاق، مثل قوله ذلك لعبده في مسألة كتاب العتق (٧).
وقوله (٨): "أنت طالق تطليقة، ينوي: لا رجعة لي عليك"، كذا روايتنا وفي أكثر النسخ. وعند بعضهم سقط: ينوي. وعلى إثباتها اختصر ابن أبي زمنين (٩). وعلى سقوطها اختصر أبو محمّد وغيره (١٠).
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٤٠٠/ ٦.
(٢) في ق وح وس والطبعتين: بألفاظهم؛ طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٨٦/ ٩، وفي هذه الطبعة أيضًا: بلفظهم.
(٣) المدونة: ٢/ ٤٠٠/ ١٠.
(٤) المدونة: ٢/ ٣٩٤/ ٥.
(٥) المدونة: ٢/ ٣٩٦/ ٢.
(٦) المدونة: ٢/ ٤٠١/ ١.
(٧) المدونة: ٣/ ١٧١/ ٥.
(٨) المدونة: ٢/ ٤٠٠/ ٢.
(٩) وكذا البراذعي: ١٧٣.
(١٠) في طرة خ وز هنا: انظر.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وقول ابن شهاب (١) في القائل لزوجته: أنت سائبة (٢) وَمِنِّي (٣) عتيقة: يحلف ما أراد الطلاق ولا شيء عليه. هذا موافق لما في "الواضحة" (٤) إلا في اليمين فلم يلزمه يمينًا. وفي "ثمانية" أبي زيد: متى قال "مني" فهو الطلاق. وإن قال لزوجه: أنت حرة، ولأمته: أنت مطلقة، فلا شيء عليه حتى يقول "مني"، فيلزمه الطلاق في الزوجة والحرية في الأمة.
وقول ربيعة (٥) في البرية: "إنها البتة إن كان دخل بها، فإن لم يدخل بها فهي واحدة"، ولم يشترط النية. ظاهره الخلاف.
وقوله (٦) في القائل: شأنكم بها: "رآه الناس طلاقًا" (٧). قال في "الموطأ" (٨): رآه الناس تطليقة واحدة. أنكر هذا محمّد (٩) وقال: إنما تكون تطليقة في غير المدخول بها إذا ادعى النية في ذلك، وأما في المدخول بها فلا (١٠)، ولا ينوي. وروى عيسى (١١) عن ابن القاسم أنها في غير المدخول بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث، ولا ينوي. وهو لمالك في "المختصر" (١٢) أنه ينوي في واحدة في المدخول بها (١٣).
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٤٠٢/ ٣.
(٢) شبهها بالعبد المعتق سائبة حيث لا يكون ولاؤه لأحد، او بالشيء المسيب المتروك يسيب حيث شاء، انظر العين: سيب.
(٣) في م والطبعتين: أو مني. طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٨٧/ ٣.
(٤) وهو في النوادر: ٥/ ١٦٥.
(٥) المدونة: ٢/ ٤٠٢/ ١١.
(٦) المدونة: ٢/ ٤٠٢/ ٢.
(٧) القائل هو القاسم بن محمّد.
(٨) في كتاب الطلاق باب ما جاء في الخلية والبرية.
(٩) اختصر ابن أبي زيد كلامه هذا ولم يصرح باسم محمّد في النوادر: ٥/ ١٥٤.
(١٠) كذا في ز وح وم وس وع، وفي خ: ثلاث، وفي ق: فثلاث.
(١١) انظر هذا في البيان: ٥/ ٢٣٥. وهذا إنما هو في سماع ابن القاسم، وقد أحال ابن رشد في البيان على رسم: يوصي من سماع عيسى، ولم أجده فيه، وأحال عليه أيضًا في المقدمات: ١/ ٥٩٨.
(١٢) ذكره عنه في النوادر: ٥/ ١٥٥، والجامع: ٢/ ٢٦٣.
(١٣) في طرة خ وز هنا: (انظر في كتاب محمّد والمختصر).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
ومسألة القائل: وهبتك لأهلك: إن كان دخل فهي ثلاث ولا ينوى، فإن كان لم يدخل فهي ثلاث (١) إلا أن ينوي أقل من واحدة. قال في كتاب "التفسير" ليحيى (٢): ويحلف. وفي "العتبية" (٣): هي واحدة، ولم يذكر يمينًا. وقال في العتق الأول (٤): "إذا وهب زوجته فقد وهب ما يملك منها" ولا ينظر قوله لها. وتأولها ابن لبابة على الخلاف إذ لم يفرق قبل ولا بعد، وأنها ثلاث لقوله: ما كان يملك منها.
وفي سند حديث عمر (٥) وقوله لشريح، ذكر فيه: أبو يحيى بن سليمان الخزاعي (٦) عن عبد الرحمن بن أبي/ [ز ١٦٣] زيد (٧) أن عمر. كذا عند شيوخنا وفي روايتنا. وفي كتاب ابن سهل: ابن زيد (٨) ليحيى وأحمد، وابن أبي زيد لابن وضاح. وفي بعض النسخ: عبد الملك (٩)، مكان عبد الرحمن.
_________________
(١) في ق: ثلاثة.
(٢) هو تفسير الموطإ ليحيى بن مزين، انظر لمعات عن هذا الكتاب في: أخبار الفقهاء: ٣٧١ وابن الفرضي: ٢/ ٥٣٩ والمدارك: ٤/ ٢٣٩، ٦/ ١٧٢ وتاريخ التراث العربي لفؤاد سوزجين: ٣/ ١٥٧ وميكلوش موراني: ١٨٨ ومجلة معهد المخطوطات العربية مج: ٢/ ٢ ص: ٣٦٧ رقم: ١١٣ سنة: ١٩٥٦.
(٣) انظر البيان: ٦/ ٣٠٦.
(٤) المدونة: ٣/ ١٧١/ ٧ -، والقائل هناك على ما يبدو ليس هو ابن القاسم.
(٥) المدونة: ٢/ ٤٠٣/ ٣ - . وزاد ناسخ ز هنا "﵁".
(٦) يكنى بهذا كل من سعيد بن مقلاص المصري كما في التاريخ الصغير: ٢/ ٩٧، وعبد الله بن أبي زكرياء الدمشقي، وفي سير أعلام النبلاء: ٥/ ٢٨٦ أنه سمع من بعض الصحابة، وكان من الرواة عنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
(٧) في التاريخ الكبير ٥/ ٢٨٥: روى عن نافع بن جبير عن ابن عباس، وعنه محمد بن إسحاق. وقال بعضهم: ابن زيد، ولا يصح.
(٨) وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٨٨/ ٢.
(٩) كذا في ز، وفي خ وع وس وم وح: عبد الله. وكان في ق: عبد الله ثم كتب فوق "الله": الملك.
[ ٢ / ٨٢٤ ]