قال الإمام الفقيه الجليل أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير مؤلفه رحمة الله عليه (١):
وقد كانت الرتبة أن يبتدأ بما يفعل في حق الميت من حين احتضاره إلى حين إكمال مواراته، لكن نترك ذلك لمحاذاة مسائل الكتاب ما أمكن.
(حكم توجيه الميت إلى القبلة وتلقينه الشهادة والقراءة عليه)
وقد اختلف المذهب في توجيه الميت إلى القبله عند الاحتضار؛ فأستحب، وكره. ولا معنى لكراهية ذلك إلا خوف (٢) التحديد خوفًا أن يظن أنه من الفروض أو من السنن. وإذا قلنا بالتوجيه فهل يوجه على ظهره أو على جنبه الأيمن؟ قولان كما قدمناه [فى صلاة المضطجع المريض. ويستحب تلقينه الشهادة لقوله - ﷺ -:لقنوا موتاكم شهادة ألا إله إلا الله" (٣)، ولقوله: "مَن كَانَ آخِرُ كلاَمِهِ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ دَخَل الْجَنَّةَ" (٤). وهل يستحب
_________________
(١) في (ر) الجليل الحافظ مؤلفه، وفي (ق) الجليل أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير مؤلفه ﵁.
(٢) في (ق) لكراهيته إلا إنكار التحديد.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولفظ مسلم في الجنائز ٩١٦ عن أبي سَعِيدِ الْخدرِيَّ قال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: "لقنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلا اللهُ".
(٤) اخرجه أبو داود في الجنائز ٣١١٦ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٥/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
أن يقرأ عند (١) المحتضر شيئًا من القرآن كسورة (يس)، أو ما في معناها؟ قولان أيضًا: الجواز، والكراهة لما قدمناه من] (٢) كراهية التحديد.
وإنما بدأنا بهذا لما كان غير مذكور في الكتاب. ولنأخذ في أحكام الصلاة على الميت، وهي تنحصر في مقدمة وثلاثة فصول.
(حكم الصلاة على الميت)
أما المقدمة؛ فقد اختلف المذهب في الصلاة على الميت هل هي فرض كفاية أو سنة؟ وسبب الخلاف أمره -ﷺ - بالصلاة وفعله (٣). وقد اختلف الأصوليون هل يحملان على الوجوب أو على الندب. واحتج محمد بن عبد الحكم لوجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٤). وإذا حرمت الصلاة على غير المؤمنين وجب ضدها، وهو الصلاة على المؤمنين، لأن النهي عن الشيء أمر بضده. وتعقب هذا أبو الحسن اللخمي بأن النهي عن الشيء أمر بضده (٥) إذا كان له ضد واحد، وإلا متى كانت له أضداد فلا يكون النهي أمر بالضد. قال: وترك الصلاة على غير المؤمنين لها أضداد. وعدَّ من أضدادها إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب إلى ذلك، والوجوب. وإذا ثبت النهي في حق غير المؤمنين أمكن أن يكون محمولًا على أحد أضداده في حق المؤمنين. إما الندب أو الإباحة أو الوجوب (٦). فهذه غلطة فاحشة لأن الضد في (٧)
_________________
(١) في (ق) على.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) أخرج البخاري في الجنائز ١٣٢٠ واللفظ له، ومسلم في الجنائز ٩٥٢ عن جابر بن عبدالله قال: قَالَ النَّبِيُّﷺ-:"قد تُوُفيَ اليَوَم رَجل صَالح مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ" قَالَ فصففنا فَصَلَّى النَّبيُّ -ﷺ- عَلَيهِ وَنَحْنُ مَعَه صُفُوفٌ.
(٤) التوبة: ٨٤.
(٥) في (ق) و(ت): إنما يكون أمر بضده.
(٦) التبصرة ص: ١٤٥.
(٧) في (ق) و(ت) على.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
الحقيقة إنما هو الأمر، فإن كان النهي مقتضيًا للتحريمِ كان الأمر مقتضيًا لضده، وضد التحريم الوجوب (١). وإن كان النهي مقتضيًا للكراهة كان الأمر مقتضيًا للندب. ولو قال إن النهي [عن الصلاة] (٢) على غير المؤمنين ضدها الأمر في حقهم لكان مصيبًا. على أن الصحيح عند أبي المعالي ﵀ ومن حقق تحقيقه، أن الأمر بالشيء لا يكون نهيًا عن ضده، ولا بالعكس. وتحقيق هذا محال على [فن الأصول] (٣).
واحتج من قال بإسقاط الوجوب يكون الصلاة على الجنازة جزءًا من أجزاء الصلاة، فلم يكن واجبًا قياسًا على سجود السهو والتلاوة. وهذا قياس شبه، وبين الأصوليين في قبوله خلاف.
وإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها: النظر في الصلاة على الموتى ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يصلى عليه، والثاني: صفة الصلاة، والثالث: من أحق بها.
فصل (من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه)
فأما من يصلى عليه؟ فإن الآدمي على الجملة تشرع الصلاة عليه، إلا أن يمنع منها مانع. والمانع قسمان: كمال، ونقص.
(تفصيل في الصلاة على الشهداء)
فأما الكمال فهو الشهادة في حرب الكفار. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه لم يصل على شهداء أحد (٤). وقيل في علة ذلك: إن الله تعالى أخبر أن
_________________
(١) في (ق) وهو الوجوب.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) هكذا في (ق) وفي (ت) فنه في كتب أبنية الأصول، أما (ر) ففيها بياض.
(٤) أخرج البخاري في المغازي ٤٠٨٠ عن جابر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُليْنِ من قَتْلَى أحُدِ في ثوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيهُمْ أكْثَرُ أَخذًا للِقُرآَنِ فإذا أشِيرَ لَهُ إِلَى أَحدٍ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ" وَقَال: أنا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَومَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفنهم بِدِمَائِهم ولم يُصَلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
الشهيد حي يرزق. فترك الصلاة عليه تحقيق لكونه حيًا، إذ لا يصلى على الحي. هذا إذا كان المسلمون هم الفائزون. وأما إن غزا المشركون بلاد (١) المسلمين واستشهد بعض المسلمين، فهل يصلى عليهم؟ في المذهب قولان: المشهور (٢) أنهم كالأولين لا يصلى عليهم لتساويهم في معنى الشهادة. والشاذ أنه يصلى عليهم. ووجهه أن هؤلاء يدافعون عن أنفسهم، فلم يلحقوا في الفضيلة بمن غزا الكفار مختارًا. فإن احتج على هذا القول بأن غزوة أحد كان المشركون هم الغازون لهم، فالجواب أن الرسولﷺ - ومن معه من المسلمين لم يقيموا في أوطانهم، بل خرجوا منها إلى ملاقاة العدو. وقيل: إن قاتلوا فقتلوا حكم لهم (٣) بالشهادة، وإن وجدهم الكفار نيامًا فقتلوهم لم يحكم لهم بالشهادة.
وهذا إذا مات القتيل في المعترك فلم تكن له حياة بعده، فإن حيي بعده حياة متيقنة ولم تنفذ مقاتله كان كحكم من يصلى عليه من غير الشهداء، وإن أنفذت مقاتله فلم يحي حياة متيقنة كان كالشهداء في المعترك، وإن أشكل أمره ففيه قولان: أحدهما: أنه يصلى عليه، لأن الأصل الأمر بالصلاة، إلا أن يثبت الموت من الشهادة، وهذا مشكوك في حكمه. والثاني: أنه لا يصلى عليه، لأن الظاهر موته من الطارئ عليه في المعترك حتى يثبت خلافه. وفي المذهب قول ثالث أنه لا تترك الصلاة عليه، إلا أن يموت في المعترك. وأما إن بقيت به حياة بعده فإنه يلحق بسائر الموتى. ويمكن أن يرى هذا أن الحديث إنما جاء فيمن مات في المعترك خاصة، أو يرى أنه لا يقطع بالموت من الشهادة إلا لمن مات في المعترك دون غيره. فيرجع إلى التقسيم الأول، وهذا إذا لم يكن جنبا.
فإن كان جنبًا فهل يغسل؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا
_________________
(١) في (ر) في بلاد.
(٢) في (ر) أحدها.
(٣) في (ر) إن قاتلوا حكم بالشهادة.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
يغسل، لقوله ﷺ:"زَمّلُوهُمْ فِي ثيَابِهِمْ" (١)، والثاني: أنه يغسل لإخباره - ﷺ - عن حنظله بن أسيد (٢) أن الملائكة غسلته، وكان يعرف بنوه ببني غسيل (٣) الملائكة. وسئل عن علة غسله فقيل: إنه كان جنبًا (٤).
(تحريم الصلاة على الكفار وتفصيل القول في أبنائهم)
وأما النقص المانع من الصلاة فهو على أربعة أقسام أحدها: ما يرجع إلى الاعتقاد. ولا يصلي على الكفار بالإجماع. وأما أولاد الكفار، فإن كان معهم أباؤهم ألحقوا بهم، [فإن لم يكن معهم الآباء حكم لولدهم الذين لم يعقلوا دينهم (٥) بالإسلام] (٦).وإن أسلم الأب حكم لولده الذي لم يعقل دينه بالإسلام. وأما إن أسلمت الأم فهل يحكم لهم بالإسلام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يحكم لهم بذلك لأن الدين معناه التعصيب، ولا تعصيب للأم. والشاذ أنه يحكم لهم بالإسلام، لأنها أحد الأبوين، فأشبهت الأب، وقياسًا على الحرية والرق.
فإن لم يكن معهم آباؤهم وولدوا في ملك أهل الإسلام، فهل يحكم بإسلامهم؟ قولان: أحدهما: أنه يحكم بإسلامهم لقوله - ﷺ - "كُلُّ مَوْلُودِ
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٤٣١ بلفظ"زَمَّلُوهُمْ في ثِيَابِهِمْ"
(٢) هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن مالك الأنصاري الأوسي المعروف بغسيل الملائكة وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب، وكان يذكر البعث ودين الحنيفية فلما بعث النبي عانده وحسده وخرج عن المدينة وشهد مع قريش وقعة أحد ثم رجع مع قريش إلى مكة ثم خرج إلى الروم فمات بها، وأسلم ابنه حنظلة فحسن إسلامه واستشهد بأحد، فقال النبي إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صحابته فقالت خرج وهو جنب لما سمع الهيعة فقال النبيﷺ- لذلك تغسله الملائكة. الإصابة/ ١٣٧.
(٣) في (ق) يعرف قبره بغسيل.
(٤) أخرج البيهقي في سننه ٤/ ١٥ عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله -ﷺقال: إن صاحبكم تغسله الملائكة يعني حنظلة فاسألوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة فقال رسول الله -ﷺلذلك غسلته الملائكة.
(٥) في (ر) دينه ولعل الصواب دينهم.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
يُولَدُ عَلَى الْفِطرَةِ فأَبوَاهُ يهَودانِهِ أَوْ يُنَصَّرَانِه" (١)، وقيل: لا يحكم بإسلامهم. والفطرة في الحديث معناها السلامة (٢) من دين من الأديان [الرديئة] (٣). ويكون معنى الحديث على هذا أن كل مولود فهو مهيأ لقبول كل دين. وعلى القول الأول المراد بالفطرة الملة الحنيفية.
فإن ولد بين أبويه فاشتراه مسلم، فهل يحكم له بالإسلام بملك المسلم له؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يحكم له بذلك حتى تظهر منه علامة تدل على قبوله الإسلام، والشاذ رواية معن (٤) بن عيسى (٥) في بعض رواية المدونة: يحكم له بالإسلام. فالأول نظر إلى أنه [غير] (٦) متدين بدين، فلم يحكم بإسلامه (٧)، وهو غير مسلم قطعًا. والثاني: نظر إلى مالكه (٨)، لأنه إذا لم يعقل دينه فمعلوم بالعادة تدينه بالإسلام. وهكذا يحكم في كبار المجوس من الأعاجم الذين يعلم بالعادة تدينهم بدين ملاكهم.
وعكس هذا لو ارتد أحد من أولاد المسلمين قبل البلوغ، ففي الحكم له بما ارتد إليه قولان: أحدهما: أنه لا يحكم له بذلك، لأنه يجبر على الرجوع إلى الإسلام بمآله إليه، والثاني: أنه يحكم له بذلك نظرًا إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز ١٣٨٥ واللفظ له، ومسلم في القدر ٢٦٥٨.
(٢) (ر) الإسلام.
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
(٤) في (ر) معمر.
(٥) هو: معن بن عيسى القزاز .. أشجع أبو يحيي روي عن مالك وجماعة وروى عنه ابن المديني وابن معين والحميدي وسحنون وكان ربيب وهو الذي قرأ عليه الموطأ للرشيد وابنيه الأمين والمأمون وخلف مالكًا في الفقه بالمدينة وله سماع من مالك معروف وهو من كبار أصحاب مالك وكان أشد الناس ملازمة له .. خرّج عنه البخاري ومسلم. مات معن سنة ثمان وتسعين ومائة في شوال منها بالمدينة" الديباج المذهب ص:٣٧٤ - ٣٤٨ ترجمته في طبقات الفقهاء ج:١ ص: ١٥٤.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) في (ق) فلا يحكم له بالإسلام.
(٨) في (ت) و(ر) مآله.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
الحال. وقد يلتفت إلى هذا على خلاف الأصوليين في الصبي قبل البلوغ فهل يحكم له بالعقل أم لا؟
ولو أسلم بعض أولاد الكفار قبل بلوغهم وهم بين أبويهم، ففي قبول إسلامهم قولان، وهما عكس ما قدمناه. وكل من حكمنا بإسلامه أجريناه على حكم المسلمين في الصلاة عليه، وأكل ذبيحته [ووطء الأمة] (١) إلى غير ذلك من أحكام الإسلام.
وأما الخوارج، فقد قدمنا خلاف المذهب في كفرهم أو فسقهم. فإن حكمنا لهم بالكفر لم يصل عليهم وجروا على حكم الكفار، وإن حكمنا بفسقهم أمرنا بالامتناع من الصلاة عليهم تأديبًا لهم. فإن خيف أن يضيعوا صلي عليهم وفعل بهم ما يفعل بالمسلم.
(الصلاة على العصاة ومن قتل حدًّا)
والقسم الثاني ما يرجع من النقص إلى الجوارح وهي المعاصي، فينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على مظهري الكبائر ليرتدع بذلك أمثالهم. وأما من قتله الإمام في حدّ فإن كان حده دون القتل لكنه مات منه جازت الصلاة عليه، ولا يجتنب إلا أن يكون مظهرًا للكبائر فيرجع إلى ما قدمناه. وإن كان حده القتل فهل يجوز للإمام المتولي حده الصلاة عليه؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يصلي عليه. وقال محمد بن عبد الحكم يصلي عليه. واحتج بأن الرسول ﵇ صلى على ماعز والغامدية وقد قتلهما في حد الزنا (٢). وعلل المشهور بأن الصلاة عليهم للإمام مناقضة للحكم بقتله [ويشفع فيه] (٣).
(حكم الصلاة على السقط)
والقسم الثالث ما يرجع إلى عدم الحياة وهو السقط، فلا يصلى عليه
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) انظر مسلم في الحدود ١٦٩٥.
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
إذا لم تعلم حياته بعد خروجه، فإن علمت صلي عليه. وهذا لأنه إذا لم تعلم حياته [لا يحكم له بالموت، ونحن إنما نصلي على الموتى.
وبأي شيء تعلم حياته؟] (١) أما الصراخ فيحكم بحياة من وجد منه. وأما الحركة؛ فإن قلت فكانت كالاختلاج فلا يحكم بالحياة لمن وجدت منه، وإن كثرت فظاهر المذهب على قولين. وكذلك اختلف في العطاس والرضاع. وأصل هذا أن كل حالة يقطع بها أنها لا تكون إلا من حي، فلا يختلف فيها. وكذلك كل حالة قد تكون من غير الحي، فلا يحكم بحياة من وجدت منه. ومع الإشكال فالأصل عدم الحياة. والخلاف فيما قدمناه خلاف في حال؛ هل يوجد بعضه من غير حي، أو لا يوجد إلا من حي؟
(حكم الصلاة على بعض أجزاء الميت)
القسم الرابع نقص الجسد بأن يوجد بعضه؟ فإن وجد جله صلي عليه بلا خلاف، إلا عند ابن حبيب أنه قال لو كان مقطعًا فإنه لا يصلي عليه. وعلَّل بأن الصلاة لا تكون إلا بعد الغسل، وهذا لا يمكن غسله.
وإن كان أقله [أو بعضه] (٢). ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه يصلى عليه وينوى بها الجميع. والثاني: لا يصلى عليه، لأنه قد يوجد الباقي فيؤدي إلى تكرار الصلاة عليه. وقد اعترض بعض الأشياخ ترك الصلاة على الشطر، لأنه يؤدي إلى ترك الصلاة جملة. وينخرط في هذا السلك الصلاة على الغريق ومن أكلته السباع ومن في معناه. وفي المذهب قولان: أحدهما: لا يصلى عليهم، لأن الصلاة إنما شرعت في حق الحاضرين الأبدان (٣). والثاني: يصلى عليهم، لئلا يتركوا بلا صلاة. وإنما يصلى على الحاضر مع القدرة.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) و(ت) أو نصفه مثلًا.
(٣) في (ق) بين الأيدي.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
(حكم الصلاة على الغائب)
وإذا فقد (١) جازت الصلاة وإن كان غائبا، كما فعله -ﷺ- في صلاته على النجاشي (٢). وفي المذهب في الصلاة على الغائب قولان أيضًا. واعتذر القائلون بنفي الصلاة بأن النبيﷺ- زويت له الأرض حتى كان مشاهدًا له وإن كان غائبًا عن موضعه. ومن هذا المعنى [تكرار] (٣) الصلاة على القبر (٤). والمشهور من المذهب أنه لا يصلى عليه، إذ لو جاز ذلك لكررت (٥) الصلاة على النبيﷺ- والشاذ أنه يصلى عليه قياسًا على صلاة النبيﷺعلى قبر السوداء (٦). هذا إذا صلي عليه قبل الدفن.
فإن دفن بغير صلاة أو بصلاة ناقصة فهل يصلى عليه؟ قولان. وإذا قلنا لا يصلى عليه فهل يخرج؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يخرج إلا أن يخاف تغيره. والثاني: أنه لا يخرج. والثالث: أنه إن طال لم يخرج، وإن لم يطل أخرج. ويلحق بهذا حكم من دفن معه ما يعز ثمنه أو تمس الحاجة إليه.
وقد اختلف فيه هذا الاختلاف؛ فإجازة الصلاة ابتداء مراعاة للخلاف، ولأنه أهون من إخراجه. ومنعها لئلا يتطرق بها إلى الصلاة على القبر. وأما
_________________
(١) في (ق) و(ت) فقدت.
(٢) أخرج البخاري في الجنائز ١٣٢٠ واللفظ له، ومسلم في الجنائز ٩٥٢ عن جابر بن عبد الله قال: قَالَ النَّبيُّ ﷺ- قَدْ تُوُفِّيَ الْيوْمَ رَجُل صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ:" فَهَلُم فَصلُّوا علَيْةِ" قَالَ: فَصَفَفْنا فَصَلَّى النبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ.
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
(٤) في (ر) و(ت) القبور.
(٥) في (ر) تكررت.
(٦) أخرج البخاري في الصلاة ٤٦٠، ومسلم في الجنائز ٩٥٦، وابن ماجه في الجنائز ١٥٢٧ واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَن امْرَأَة سَوْدَاَءَ كَاَنَتْ تَقُمُّ المسجدِ فَفَقَدَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - فَسَأَلَ عَنْها بَعْد أيام فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَاتَتْ قَال:"فَهَلا آذنتموني فآتى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا".
[ ٢ / ٦٧٠ ]
الخلاف في إخراجه؛ فمن منع فللخوف أن يطلع من حاله على أمر يسوء من يخلفه فيغتمون (١) به. وقد حكي ذلك عن جماعة أنهم أُخرِجوا فوجدوا على حالات من أنواع العذاب. ومن لم يصحح هذا ورأى أن الغالب عدمه نظر إلى تغيره وعدم تغيره. وكأن القول بالنظر إلى الطول (٢) يرجع إلى مراعاة التغيير.
فصل (صفة الصلاة على الميت)
وأما صفة الصلاة فتبتدئ بالتكبير. وهن عندنا أربع، لما ثبت عنه -ﷺ - من أنه صلى على النجاشي وكبر عليه أربعًا (٣). فإذا زاد الإمام تكبيرة فهل ينتظر حتى يسلم أو يسلم المأموم؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه ينتظر، لأنه زاد ما اختلف الناس في ثبوت زيادته. والتكبير لا يبطل الصلاة على الجملة. والثاني: أنه لا ينتظر، لأن هذه التكبيرات صارت شعارًا لأهل الشيعة، فيجب أن تحمى الذرائع في موافقتهم.
وإن سلم من ثلاثة؛ فإن لم يَطل كبر الرابعة وسلم، وإن طال أعاد الصلاة ما لم يدفن. فإن دفن جرى على الخلاف؛ هل يصلى عليه، أو يخرج، أو يترك. وأحرى هاهنا [بالاتفاق] (٤) أن تترك الصلاة لقول من قال بالاكتفاء بالثلاث.
وهل يرفع يديه في تكبيره في الصلاة على الجنازة؟ ثلاثة أقوال:
_________________
(١) في (ر) فينتقصون به.
(٢) في (ت) وكان القول بالطول، وفي (ق) وكان النظر إلى الطول.
(٣) أخرج البخاري في المناقب ٣٨٧٩، ومسلم في الجنائز ٩٥٢ عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ الله ﵄ أَنَ النَّبِيَّ ﷺصَلَّى عَلَى أَصحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا.
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٧١ ]
أحدها: ترك الرفع في الجميع، وهو شاذ، ذكره ابن شعبان في مختصره. والرفع في الجميع. والرفع في الأول خاصة. هذان القولان في المدونة (١). وقد قدمنا الخلاف في رفع اليدين في تكبيرة الصلاة. وينخرط في هذا السلك إذا أتى المسبوق في جنازة فوجد الإمام يكبر دخل معه بلا خلاف. وإن وجده في الدعاء بين التكبيرتين؛ فهل يدخل حينئذ، أو ينتظر حتى يكبر؟ يجري على الخلاف في التكبيرة هل هو كالركعات فلا يدخل، أو كتكبير الصلاة فيدخل؟ وهذا فيه نظر، لأن المشروع دخوله مع الإمام وإن كان في أثناء الركعة. فلعل من قال لا يدخل هاهنا رأى أن الدعاء لا يستقل الاقتداء به (٢) إلا بعد انعقاد التكبير مع الإمام، أو عقيبه. ولا خلاف أن المقصود الأول من صلاة الجنازة الدعاء.
وهل يستحب أن يفتتح بتحميد ثم بالصلاة على الرسول ﵇؟ في المذهب قولان: أحدهما: استحبابه، لما ورد في بعض الطرق من إثباته، ولأنه أمر ذو بال. وفي الحديث أن كل أمر ذي بال لم يفتتح بحمد الله فهو أبتر (٣). والثاني: الاقتصار على الدعاء خاصة، لأنه الثابت عن الرسول - ﷺ -.
وهل يدعو بعد التكبيرة الرابعة أو يسلم عقبها من غير دعاء؟ في المذهب قولان. والدعاء قياسًا على سائر التكبيرات، ونفيه لأن التكبيرات جعلت في هذه الصلاة كالركعات [من غيرها] (٤). فلو دعا بعد الرابعة لافتقر إلى تكبيرة يختم بها بعد الدعاء.
ولا خلاف أنه لا يستحب دعاء معين. وقد ثبت عن الرسول - ﷺ - أنه
_________________
(١) المدونة:١/ ١٧٦.
(٢) في (ق) و(ت) فيه.
(٣) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين ٨٤٩٥، بلفظ "كُل كَلاَم أَوْ أمْرِ ذِي بَال لاَ يُفْتَحُ بِذِكرِ اللهِ ﷿ فَهُوَ أَبتَرُ أَوْ قَالَ: أقْطَعُ". وأخرجه بلفظ قريب منه النسائي في عمل اليوم والليلة ٣٤٦.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
صلى على جنازة فدعا بدعاء مخصوص، فجمعه أهل العلم، واستوفاه أبو محمد بن أبي زيد في رسالته، ورتبة (١) فلا نطول بذكره.
وهل يقرأ قبل الدعاء بأم القرآن؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يقرأ، لأن المقصود الدعاء، ولأن هذا جزء من الصلاة المفروضة، فلا يقرأ فيها بأم القرآن قياسًا على سجود التلاوة. وقال أشهب: يقرأ فيها بأم القرآن، وهذا لعموم قولهﷺ-: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٢)، ولأن ابن عباس ﵁ صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن فقال: "إنما فعلته لتعلموا أنها سنة" (٣). وبين الأصوليين خلاف في الصحابي إذا قال: من السنَّة كذا، هل يضاف إلى رسول الله -ﷺ- ويكون سنته؟ أو يكون كقول الصحابي يختلف فيه هل يكون حجة أم لا؟
وقد قدمنا الخلاف في صفة السلام من الصلاة على الجنازة هل يجهر به أو يسر؟ [وإذا قلنا إنه يسر] (٤)، فيعلم المقتدون كمال الصلاة بانصراف الإمام.
ومن صفة الصلاة حكم وضع الجنائز. والفضل عندنا في القرب إلى الإمام. فإن كانت الجنائز من جنس واحد كالرجال أو النساء (٥) فالإمام بالخيار بأن يجعل صفا واحدا ويلي الإمام أفضلهم، أو يقوم وسط الصف ويجعل قيامه عند أفضلهم، ويجعل الذي يلي الإمام من يليه في الأفضل،
_________________
(١) في (ق) وأثبته.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وقد أخرجه مسلم في الصلاة ٣٩٥ بلفظ "مَنْ صَلْى صَلاَة لَمْ يَقرَأ فِيهَا بِأمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ" الحديث.
(٣) أخرجه البَيهقي في سننه ٤/ ٣٩، والشافعي في مسنده ٣٥٩ عن سعيد بن أبي سعيد قال: سمعت ابن عباس يجهر بفاتحة الكتاب على الجنازة ويقول: إنما فعلت لتعلموا أنها سنة. وأخرجه الحاكم بلفظ آخر في المستدرك ١/ ٥١٠ عن سعيد بن أبي سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد لله ثم قال: "إنما جهرت لتعلموا أنها سنة" هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) والنساء.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
ويرتبهم ويجعل الأفضل يليه ومن بعده قدامه إلى القبلة، هكذا ترتيب الفضل.
فإن كانوا ذكورًا وإناثًا وأحرارًا وعبيدًا بالغين وغير بالغين، قدم الذكور الأحرار البالغين، ثم الصغار [الأحرار] (١)، ثم الأرقاء، ثم أحرار النساء، ثم الصغار من النساء الأحرار من بعده على الترتيب الأول. والأصل تقريب الأفضل إلى الإمام، والأفضل في هؤلاء على ما رتبناه. فإن كان فيهم خنثى مشكل جعل بين الذكور والإناث.
وإن أفردت جنازة واحدة فإن كان ذكرًا قام عند وسط الجنازة، وإن كانت أنثى فقولان: قيل كالرجال، وفيه ستر لها ممن يليه. وقيل عند منكبيها، هذا حذار من تذكر ما يقدح في الصلاة. وقد تقدم الخلاف في الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر.
فصل (من أحق بالصلاة على الميت؟)
ولا خلاف عندنا أن وصي الميت أولى بالصلاة عليه إذا قصد الميت الترغيب في الصلاح والخير، فإن قصد مراغمة (٢) الولي لم يلتفت إلى وصيته. والولي أولى في الأصل، وإنما تنفذ وصية الميت متى قصد ما ينتفع به من جهة الآخرة، فإن قصد غير ذلك رجع إلى الأصل.
وإذا اجتمع الولي والوالي، فالوالي أولى إذا كان الذي تؤدى إليه الطاعة، فإن كان ممن دونه كالمولى على الصلاة والقاضي ومن في معناهم فثلاثة أقوال: أحدها: أن الولي أولى [وغيره من الولاة، من حيث إنه يعصبه، وقد يجتهد له بالدعاء أكثر من غيره] (٣). والثاني: أن صاحب الصلاة [والقاضي أولى، من
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) عمة.
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
[ ٢ / ٦٧٤ ]
جهة أنه جعله الحاكم لمثل هذه.] (١) والثالث: أن الولي أولى، إلا أن يكون صاحب الصلاة هو القاضي. وهو على الخلاف فيمن استحق أمرًا من [باب] (٢) الولاية فنقله إلى غيره؛ هل ملكه ذلك كملك المال يتصرف فيه بالنقل، أو لا يكون له التصرف فيه بالنقل لأنه إنما ملك لمعنى فيه، فإذا نقله إلى من ليس فيه ذلك المعنى بطل نقله؟ ومن تؤدى إليه الطاعة هو المالك للصلاة لحق الولاية. وقد نقلها هنا إلى من جعل إليه الصلاة.
وأما التفرقة بين القاضي وغيره، فلأن القاضي مستحق النظر في الشريعه، فهو كالوالي الذي تؤدى إليه الطاعة.
وعلى هذا الخلاف اختلف في الوالي إذا قدم غيره ممن له ولاية، لكن في الحضور (٣) من هو أولى من المقدم؛ هل يكون الأقرب أولى أو المقدم؟ وعلى هذا الأسلوب الخلاف في التي تستحق الحضانة إذا سلمتها لغيرها، وثم من هو أقرب من المسلم إليه. وعليه الخلاف أيضًا في الوصي (٤) هل يكون أولى بالنكاح من الولي لأوليائه (٥)، أو يكون هو والولي سيان؟ في المذهب ثلاثة أقوال.
وإذا اجتمع الأولياء فأولاهم أقعدهم (٦) بالتعصيب. فالابن وابنه أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، [والأخ أولى من ابن الأخ] (٧) وابن الأخ أولى من الجد، والجد أولى من العم، والأقرب من كل هؤلاء أولى ممن بعده. فإن تساووا في القعدد فأولاهم أهل الفضل. ومعرفة الفضل مما قدمنا، لا في استحقاق الإمامة. هذا نص في المذهب. وولاية النكاح
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق).
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) حضور.
(٤) في (ر) الموضع.
(٥) في (ت): من الوالي أوليائه. وفي (ق) من الولي أو لا ولاية له.
(٦) أقعدهم: أي أقربهم. قال في لسان العرب ٣/ ٣٦٢: فلان أَقْعَد من فلان أَي أَقرب منه إِلى جده الأَكبر ورجل قُعْدُدٌ: قريب من الجَدِّ الأكبر. والقُعْدَد كذلكُ: أَملك القرابة في النسب. والقُعْدُدُ: القُرْبَى. والمِيراث القُعدُدُ: هو أقربُ القَرابَةِ إِلى الميت
(٧) ساقط من (ر)، وفي (ق) والأخ.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
تستحق عندنا بالتعصيب. وقد اختلف في المذهب هل ابن الابن مقدم على الأب، أو بالعكس؟ وهل الجد مقدم على الأخ أو بالعكس؟ المشهور هناك تقدمة الابن والأخ. والشاذ تقدمة الأب والجد. ولا يبعد أن يجري الخلاف هاهنا على الخلاف في ولاية النكاح.
وإذا اجتمعت جنائز ولها أولياء؛ فإن كانت الجنائز جنسا واحدا قدم الأفضل، فإن تساووا في الفضل فلهم الاقتراع. وكذلك إن كان للميت الواحد أولياء يتساوون في القعدد والفضل. فإن كان أحد الجنازتين ذكرا والآخر أنثى؛ فهل ينظر إلى الفضل في الأولياء ويقدم ولي الذكر وإن كان ولي الأنثى أفضل منه؟ في المذهب قولان. وتقدمة ولي الرجل نظرًا إلى الفضل من جهة الميت، لأنه بسببه يستحق الصلاة. وتقدمة الأفضل نظرًا إلى جهة الأولياء ولهم الولاية، فينظر (١) إلى الأفضل منهم.
وقد قدمنا الخلاف في نجاسة الميت وطهارته، وعليه ينبني القولان في الصلاة عليه في المسجد.
باب في أحكام الغسل
(حكم غسل الميت)
والخلاف في وجوبه أو كونه سنة كالخلاف في الصلاة. وقد أمر رسول الله -ﷺ- (٢). وبين الأصوليين خلاف في أمره كما تقدم. والنظر فيه
_________________
(١) في (ر) نظر.
(٢) ومنه حديث أُم عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيةِ ﵂ قَالَت: دَخَلَ عَلَينا رَسُول الله - ﷺحِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنتُهُ فَقَالَ:"اغسِلنها ثَلَاثًا أو خَمسًا أَو أكَثَرَ من ذلِكَ إن رَأَيتُن ذَلِكَ بمَاء وَسِدْرِ وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا أَو شَيئًا من كَافُور فَإِذَا فَرَغتنَّ فآذِنَّني" فَلَمَّا فَرَغنا آذناهُ فَأَعْطَانا حِقْوَهُ فَقَالَ: "أَشعِرْنَها إِيَّاهُ -تَعْني إِزَارَةُ-". أخرجه البخاري في الجنائز ١٢٥٣ واللفظ له، ومسلم في الجنائز ٩٣٩.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
أيضًا ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يغسل، والثاني: صفة الغسل، والثالث: من يستحقه.
فأما من يغسَّل؛ فإن كان ممن يصلى عليه يستحق الغسل على الجملة، ومن لا يصلى عليه فإنه لا يغسل، سواء كان المانع للصلاة نقص أو كمال.
(موانع تغسيل الميت)
وقد تعرض معان تمنع من الغسل فينتقل إلى بدله إن أمكن. ومن المعاني أن يكون الجسد مقطوعًا. وقد قدمنا الخلاف، هل يمنع ذلك من الصلاة كما يمنع من الغسل، أو (١) يكون ذا علة تمنع من الغسل. ومنها أن يكون الميت ذكرًا وهو مع نساء من ذوات محارمه [أو غيرهن؛ فإن كن من ذوات محارمه] (٢) فهل يغسلنه أو يقتصرن على التيمم؟ قولان. [وهما] (٣) على الالتفات إلى تقابل مكروهين؛ إما ترك الغسل، وإما الاطلاع على ما لا يحل النظر إليه. فإن قلنا بالغسل غسلنه من فوق الثوب، وقيل من تحته، وتستر عورته [وإن كن (٤) غير ذوي محارمه يممنه، مخافة أن يطلعن علي ما لا يحل النظر لهن إليه. هذا إن كان بالغًا.
وأما الصغير الذي لا حظ للنساء في مثله فيغسلنه. وما حده؟ قيل: إذا كان ممن لا يمكنه الوطء. وقيل: إذا كان ممن لا يؤمر بستر عورته] (٥). وكأن هذين يرجعان إلى معنى واحد، وهو النظر إلى عدم الشهوة من النساء في رؤية جسده.
ومنها أن تكون المرأة مع رجال ليس معهم نساء من ذي محارمها ولا
_________________
(١) في (ت) أو لا يمنع من الصلاة ومنها أن.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) و(ر) كان.
(٥) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
من غيرهن؛ فإن كانت مع ذوي محارمها [من الرجال] (١) فهل يغسلونها أو ييممونها؟ ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الغسل، والثاني: الانتقال إلى التيمم، والثالث: التفرقة بين أن تكون الحرمة من النسب فيغسلونها، أو من الصهر فلا يغسلونها. والقولان على ما قدمنا أولًا. وأما التفرقة فلأن النفس مجبولة على احترام ذوي الأنساب، والصهر مشبه بهم. وإنما شبهته الشريعة لضرورة الاختلاط، فهو في هذا كالأجنبي.
وأما إن كانوا غير ذي محارمها ييممونها إلى الكوعين (٢) في اليدين، لأن ما عدا ذلك عورة.
وأما النساء فيممن الرجل [الأجنبي] (٣) إلى المرافق، إذ ليس بعورة ولا موضع يشتهى منه.
فإن كانت صغيرة جدًا فهل تكون كالكبيرة؟ في المذهب قولان: أحدهما: إنها كالطفل الصغير في حق النساء يغسلها الرجال، والثاني: أنها تيمم كالكبيرة. وهذا خلاف في شهادة؛ هل تتحرك دعاوى الشهوة [إلى من كان في هذا الحد؟] (٤). ولا يختلف فيمن كانت (٥) في المهد مثلًا، إذ دواعي الشهوة لا تتحرك إليها. وكذلك لو كانت فوق هذا المقدار باليسير. ولا يختلف فيمن كانت تطيق الوطء أنها كالكبيرة.
فصل (صفة الغسل)
وأما صفة الغسل؛ فإنها صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ر).
(٢) في (ت) الكعبين.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) إلى مثل هذا.
(٥) في جميع النسخ: كان.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وهل يجرد [للغسل أو تستر العورة؟ وأما النساء مع النساء والرجال مع الرجال ففي الاقتصار على ستر العورة، أو التجريد قولان. وأما العكس] (١) إذا قلنا بالغسل كما تقدم، فلا يجرد. ويغسل الرجل في الثوب، وكذلك المرأة. ويجافي الثوب عن أجسادهما، ويصب الماء لئلا يلتصق بأجسادهما. وهذا فيما (٢) قدمناه.
ولو كانت الزوجة تولت غسل زوجها، أو بالعكس لكشفت عن جسده. وهل تستر عورته؟ في المذهب قولان: أحدهما: الأمر بالستر، لأن النظر إنما كان مباحًا أولًا، تبعًا (٣) للوطء. والثاني: لا تؤمر به لأنه أبلغ في الإنقاء. ولو حرم النظر لما جاز لواحد منهما غسل الآخر.
وأما غسل الرجال لأمثالهم والنساء لأمثالهن، فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أن التجريد من الثياب مشروع في حق الرجال. وقد روي مثله عن الرسول ﵇؛ وما ثبت أنه - ﷺ - غسل في ثوبه فذلك من خصائصه. ولأنه أبلغ في الإنقاء، وبه تحصل حقيقة الغسل. وتستر عورة المغسول. وقد قدمنا الخلاف في العورة ما هي؟ ويجرد ما عدا ذلك. وهل تجعل خرقة على صدره؟ وقع في قول استحبابها، وهذا لئلا يطلع منه على ما يسوءه النظر إليه لو كان حيا. واستحسنه بعض المتأخرين فيمن طال مرضه وانتهكته العلة. ويفضي الغاسل بيده إلى عورته إن افتقر إلى ذلك، وإلا فيُمِرُّ على الموضع خرقة. وقال ابن حبيب: لا يباشر عورته وإن احتاج إلى ذلك (٤). وهذا لتقابل مكروهين. ولا ينبغي أن يكثر حاضروا الغسل [لحرمة المغسول] (٥).
وهل يستحب أن يتوضأ قبل الغسل؟ في المذهب قولان: المشهور
_________________
(١) في (ت) للغسل وتستر العورة وأما النساء مع الرجال ففي الاقتصار على ستر العورة والتجريد قولان وأما بالعكس.
(٢) في (ر) في من.
(٣) في (ق) أولا لابتغاء الوطء.
(٤) النوادر والزيادات: ١/ ٥٤٣.
(٥) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
استحبابه، قياسًا على غسل الجنابة. والشاذ نفي استحبابه؛ لأن المقصود منه النظافة لسائر الجسد. وإذا قلنا باستحبابه فهل يكرر بتكرار الغسلات؟ (١) قولان: أحدهما: أنه يكرر لأن الوضوء مستحب في ابتداء الغسل، والتكرار مستحب، فيكرر الوضوء بتكرار الغسل. والثاني: أنه لا يستحب، لأن المطلوب افتتاح الغسل به، وذلك يحصل بكونه في الأول. قال بعض المتأخرين: وإذا قلنا إنه لا يكرر بتكرار الغسل (٢) فيستحب تكراره في الأول ثلاثا، وإذا قلنا بتكراره فإنه لا يكرر أولا، بل يتوضأ مرة واحدة في ابتداء كل غسلة.
ولا تقلم أظفار الميت، ولا يزال شيء من شعره، إذ فيه تغيير لخلقته، ولا حاجة إليه بعد الموت، [إلا أن يفعل هذا] (٣) قبل موته لحاجته إليه، ليس للموت على هذا.
واختلف المذهب في الغسل هل المقصود منه النظافة المحضة أو العبادة كغسل الجنابة؟ وعلى هذا اختلف هل يغسل أولًا [بالماء القَراح (٤) ثم فيما بعد يزاد إلى الماء السدر والكافور، أم يجعل ذلك من الأول؟ وهل يغسل، (٥) بماء الورد أو الريحان، أم لا؟
واختلف في كراهية غسله بماء زمزم. وسبب الخلاف ما قدمناه من الحكم بنجاسته؛ فإن حكمنا بها كرهنا غسله لكراهية استعمال الماء في النجاسة. وأهل مكة يحكون أن من استنجى به حدث به البأس. وإن حكمنا بطهارته أجزنا غسله به. وعلى هذا القولان في نجاسة الثوب الذي يجف (٦) فيه
_________________
(١) في (ر) فهل تكرر تلك المواضع مع المغسولات.
(٢) في (ت) وإذا قلنا إنه لا يجب تكرار مع الغسل.
(٣) في (ر) ولا بأس بفعله.
(٤) الماء القَرَاحُ- بالفتح- الذي لا يشوبه شيء. انظر مختار الصحاح ص: ٢٢٠.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) كذا في (ر) وفي (ق) يشف، وخرم في (ت)، وبتر في (م).
[ ٢ / ٦٨٠ ]
ولا خلاف أن الغسلة الواحدة تجزي، لكن يستحب التَّكَرار لقولهﷺ - في ابنته "اغْسِلْنَهِا ثَلاَثًا أَو خَمْسًا أَوْ أَكثرَ مِنْ ذَلِكَ إِن رَأَيتُنَّ" الحديث (١)، وكره مجاوزة السبع (٢) والاقتصار على الواحدة. والأوتار مستحب (٣). قال ابن حبيب: يغسل أولًا بالماء القَراح، ثم يخلط في الثاني السدر إن وجد، فإن لم يوجد فالغاسول، وفي الثلاثة الكافور. وهذا على رواية في الابتداء بالماء القراح (٤). وإن كرر غسل الميت فلم يحصل الإنقاء بالتكرار لأوساخه أو ما يخرج منه، أعيد التكرار حتى يحصل الإنقاء.
فصل (من الأحق بتغسيل الميت)
والمقدم في غسل الميت الزوج والزوجة (٥). وهل يقضى لهما بذلك؟ ثلاثة أقوال: القضاء مطلقًا، لأنه حق لازم فيقضى به [له] (٦). ونفي القضاء، ولعل هذا لعدم فائدته الدنيوية. والقضاء به للزوج دون الزوجة، ولعل هذا لما روي من بقاء الزوجية بينهما. قال هذا سحنون، وعلل بأن الزوج يحفظ زوجته حية وميتة، بخلاف الزوجة في حق الزوج. وهذا إذا كانا حرين، فإن كانا عبدين أو أحدهما فإن لم يأذن السيد له بالغسل لم يقض به، لأن منافع المملوك لا يتصرف فيها إلا بإذن السيد. فإن أذن، فعلى القول بنفي القضاء في حق الحرين لا شك في نفيه هاهنا، وعلى القول بثبوته هناك [فيكون هاهنا] (٧) قولان: أحدهما: إثباته قياسًا على
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز ١٢٥٧، ومسلم في الجنائز ٩٣٩.
(٢) في (ر) الشفع.
(٣) في (ق) والاثنان عندنا مستحب.
(٤) النوادر والزيادات١/ ٥٤٤.
(٥) في (ر) ويقدم الزوج والزوجة.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
(٧) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٦٨١ ]
الحرمين، والثاني: نفيه لعدم ثبوته في الأصل. وهذا إذا كان النكاح صحيحًا ولم تقع فرقة، وإن كان فاسدًا وهو مما يجب فسخه من غير تخيير أحد الزوجين فلا يغسل أحدهما الآخر إلا أن يثبت قبل الموت ما يرفع فسخه. وإن كان الخيار لأحدهما؛ فالمنصوص وجوب الغسل. وخرجه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في فوات الخيار بالموت. فإن قلنا باستقرار النكاح وفوات الاختيار بالموت غسل كل واحد منهما الآخر، فإن قلنا ببقاء الخيار وصحت الزوجية نظر إلى ما يختاره الباقي منهما إن كان الخيار له، وإن كان الخيار للميت فلا يغسله الباقي منهما.
وإن وقع الفسخ أو الطلاق البائن قبل الموت انتفى الغسل، وإن كان الطلاق رجعيًا فقولان: أحدهما: وجوب الغسل لبقاء حكم الزوجية. والثاني: نفيه لوقوع التحريم بالواحدة ما لم تقع الرجعة. وعندنا قولان في [الخلوة] (١) بالمطلقة طلاقًا رجعيًا هل يجوز أم لا؟ وهذا ينخرط في سلكه.
وإذا لم يكن الزوج أو الزوجة موجودين أو امتنعا من الغسل فالغسل إلى الأولياء إن أحبوه، وهو على الترتيب في الولاية. لكن المشروع أن يغسل الرجال أمثالهم والنساء أمثالهن، فتكون الابنة وابنة الابن في حق المرأة كالابن في حق الرجل. ويجري ذلك على ترتيب الأولياء كما قلنا في الصلاة.
وإذا كان الرجل مع النساء أو بالعكس [كما قدمناه] (٢)، ومعهم ذمي من جنس الميت؛ فهل يباح للذمي الغسل ويفعل بالميت ما قدمناه؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف؛ هل المقصود العبادة فلا يغسله الذمي، أو النظافة فيغسله.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٨٢ ]
باب في أحكام الكفن والحنوط وما يتعلق به
ولا خلاف في وجوب ستر الميت. ولا يختص الوجوب بعورته كما يختص بالحي. وهذا معلوم من دين الأمة [ضرورة] (١)، فقد نقل قولًا وفعلا.
(اختصاص الشهيد بالدفن في ثيابه)
ويختص الشهيد بمواراته في الثياب التي مات فيها من غير زيادة عليها ولا نقص منها، وهذا إذا كانت ساترة له جميع جسده، جارية على اللباس المعتاد. وإن قصرت عن ستر الجسد زيد فيها ما يستره، وهذا لما ثبت من أن مصعب (٢) بن عمير استشهد يوم أحد وليس له إلا بردة (٣) إن غطي بها رأسه بدت رجلاه (٤)، فأمر رسولﷺ- أن يغطى رأسه ويجعل على ماعدا ذلك الإذخر (٥).واختلف هل يزال عنه الدرع والخفاف والقلنسوة والمنطقة (٦)، في المذهب قولان: أحدهما: إزالتها، والثاني: تركها. وقد قال النبيﷺ -"زملوهم بثيابهم (٧) " فلهذا لم يختلف في اللباس المعتاد. والدرع؛ وإن سمي ثوبا لغة فلا يسمى عرفا. وبين الأصوليين خلاف في تخصيص الألفاظ (٨) وتنزيلها على العرف. ومن يقول لا ينتزع عنه شيء يفهم من اللفظ دفنهم على هيئتهم من غير نقص لزيهم، حتى يجيء يوم الحشر على الحالة التي استشهد عليها، وهذا مفهوم من الحديث قطعا. ومن عول على اللفظ قال لا يدفن إلا في الثياب خاصة.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) سعيد.
(٣) في (ق) نمرة.
(٤) في (ر) عورته.
(٥) الإذخرُ بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحةِ تُسَقَفُ بها البُيُوت فوق الخشبِ. انظر النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٣.
(٦) المنطقة: الحزام.
(٧) انظر المسند ٥/ ٤٣١.
(٨) في (ق) الأفعال.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
وأما الخاتم فخرجه أبو الحسن اللخمي (١) على الخلاف فيما قدمناه. والمنصوص أنه إن كان ذا فص ثمين نزع ولا يترك. وقد يكون هذا بناء على أحد القولين في نزع ما عدا المعتاد. لكنه إذا كان ذا فص ثمين نزع، ولا يختلف فيه للحاجة إلى ثمنه. وهذا الحكم يختص بالشهيد في قتال العدو، ويجري حكمه على ما قدمناه في غسله والصلاة عليه، فينظر إلى موضع موته وحالة موته كما تقدم من الخلاف والاتفاق.
(ما يفعل بمن مات محرمًا في الحج)
ولا يجري هذا الحكم (٢) عندنا في المحرم بالحج، وإن كان ورد فيه حديث يقتضي اختصاصه به، وقالﷺ- في الذي وقصته ناقته فاندق عنقه: إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (٣) وأمر بدفنه على حاله. فإن أصحابنا قالوا هذه من العلل المعينة، فيقتصر بها على ما وردت، ولا يتعدى بها (٤). وأُلزِمُوا هذا المعنى في الشهيد، فإن النبيﷺ- علل أيضًا بعلة معينة، فكان ينبغي أن يختص بقتلى أحد، وقال:"أنا شهيد (٥) على هؤلاء" (٦). وجاوب أصحابنا
_________________
(١) في (ر) ﵀.
(٢) في (ق) الخلاف.
(٣) خرج البخاري في الجنائز ١٢٦٥ واللفظ له، ومسلم في الحج ١٢٠٦ عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوقَصَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتهُ قَالَ النبيُّﷺ-"اغْسِلُوهُ بمَاء وَسِدْرِ وَكَفُنُوهُ. في ثوبين وَلاَ تُحَنطُوهُ وَلاَ تُخَمرُوا رَأسَهُ فإنهُ يُبعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلبِّيًا".
(٤) قال الشوكان في هذه المسألة: وخالف في ذلك المالكية والحنفية وقالوا إن قصة هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها فتختص به وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة هي كونه في النسك وهي عامة في كل محرم. والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي ﵌ ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص. وما أحسن ما اعتذر به الداودي عن مالك فقال: إنه لم يبلغه الحديث. نيل الأوطار: ٤/ ٧٦.
(٥) في (ق) و(ت) الشهيد.
(٦) أخرج البخاري في الجنائز ١٣٤٣ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النبيُّﷺ- يَجْمَعُ بَيْنَ الرَجُلَينِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبِ وَاحِدٍ ثُمّ يَقُولُ:"أَيهُمْ أَكَثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فإذا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدهماِ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ" وَقَالَ: أنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَومَ الْقِيَامَةِ وَأَمرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
عن ذلك بأن الأصل كان قصر الحكم عليهم لولا اتصال عمل أهل المدينة وغيرهم، فأجري هذا الحكم في كل شهيد قتله العدو.
فصل (في كفن غير الشهيد)
وغير الشهيد يفتقر إلى كفن مخصوص، والنظر فيه من أين يكون ثمنه أو عينه. وفي جنسه، وعدده وصفته.
(من أين يكون ثمن الكفن أو عينه؟)
فأما ثمنه أو عينه (١) ففي (٢) حق الواحد من رأس ماله. هذا في المقدار الواجب، وأما الزائد على الواجب فلا يقضى به مع مشاحة الورثة أو الغرماء، إلا أن يوصي الميت مع فقد الدين المستغرق للتركة؛ فإن [فقد الدين المستغرق للتركة] (٣) وأوصى، كان الزائد على الواجب في ثلثه إلا أن يكون سرفًا، ففي إنفاذه من الثلث قولان: أحدهما: أنه ينفذ، لملكه الثلث. والثاني: أنه لا ينفذ، للنهي عن السرف.
فإن كفن ثم سرق كفنه بعد دفنه، فهل يعاد من رأس ماله كفن ثان مع التشاح؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعاد. والثاني: أنه لا يعاد. والثالث: أنه يعاد إن لم يقسموا التركة، ولا يعاد إن قسموا التركة. فالأول نظر إلى وجوب الستر بالكفن، ولا تحصل الفائدة به إلا بعد وصوله إلى محله [وبقاء ستره] (٤). والثاني: نظر إلى أن الواجب قد أخرج أولًا، وهي جائحة طرأت على الميت بعد أن استحق ما عدا الكفن (٥). والثالث:
_________________
(١) في (ق) وعينة.
(٢) في (ق) فهي في حق.
(٣) ساقط من (ق).
(٤) غير واضح في (ت) و(ر).
(٥) كذا في (ق) و(ت) و(ر)، وبتر في (م).
[ ٢ / ٦٨٥ ]
نظر إلى أن حقيقة الاستحقاق إنما تحصل بالقسمة، فإن وجدت فلا ينزع الملك من أربابه. وإذا أعيد ثم وجد بعد الدفن فهو موروث. وإن لم يعد فلا شك أنه يكفن به.
(على من يكون كفن الزوجة؟)
وهذا الذي قدمناه في حق جميع الموتى غير الزوجة، فإنه اختلف من أين تكفن (١) على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من مال الزوج، والثاني: أنه من مالها، والثالث: كالأول إن كانت فقيرة، وكالثاني إن كانت مليئة.
وسبب الخلاف عده من اللباس المفتقر إليه، فيجب كوجوبه في الحياة. أو النظر إلى انقطاع العصمة بالموت وانقطاع توابعها، فلا يجب. ورجح في القول الثالث الوجوب بالفقر. ولعل الأصوب (٢) في التعليل الالتفات إلى ما دخل عليه من أول العقد. وقد علل بأن النفقة إنما وجبت معاوضة عن الاستمتاع، وكذلك الكسوة، وقد انقطعت بانقطاع الاستمتاع. وهذا يروق لولا وجود القولين فيمن وجبت نفقته من القرابة كالأب والابن ومن في معناهما هل يجب تكفينهم أم لا؟ وهذا نظر إلى حكم الكفن هل هو من بقايا الحياة فيكون كالكسوة الواجبة للحي، أو ينقطع حكم الحياة لانقطاعها (٣) فيسقط الكفن.
(على من يكون كفن الفقير؟)
فإن كان الميت لا مال له لم يجب كفنه على غيره كما قدمناه، ووجب أن يكون (٤) من بيت المال إن كان، أو على سائر المسلمين إن لم يكن. ويكون هذا من فروض الكفاية.
_________________
(١) في (ر) و(ق) يكون.
(٢) في (ق) الأصل.
(٣) في (ق) بانقطاعها.
(٤) في (ق) ووجوب كفنه.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
ولو كانت له ثياب يكفن فيها لكنها مرهونة؛ فمن هي بيده أولى بها لتعلق دينه بعينها. وإن كانت غير مرهونة وعليه من الدين ما يستغرقها، فالكفن أولى بها. كما لا تباع كسوته [للغرماء] (١).
فصل (في جنس الكفن)
وأما جنس الكفن، فكل ملبوس جائز لباسه في حالة الحياة. وهل يجوز الكفن في الحرير؟ ثلاثة أقوال: الجواز للرجال والنساء، والمنع لهم، والجواز للنساء خاصة (٢).
فالأول: نظر إلى انقطاع التكليف بالموت. والثاني: نظر إلى أنه زينة، وهو ممنوع في [حق] (٣) الرجال وجائز في [حق] (٤) النساء للزينة، وقد انقطعت. والثالث: حكم الكفن كحكم لباس الحياة، لأنه من توابعها.
فصل (عدد الكفن)
وأما عدده فله أقل وأكثر؛ فأقله ثوب ساتر لسائر الجسد، وأكثره سبعة أثواب، والزيادة سرف. لكن لا (٥) يظهر من المذهب أنه ممنوع بل مكروه. ولا يقتصر على الأقل إلا مع الفقر، أو مع (٦) وصية الميت بالاقتصار.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ق) والمنع للرجال خاصة.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) لكن يظهر.
(٦) في (ق) منع.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
ووقع لسحنون أنه إذا أوصى بثوب فزاد بعض الورثة ثيابا فلا ضمان عليه إن كان في المال محمل. وهذا يشعر بأن الاقتصار [على ثوب واحد] (١) منهي عنه. فإن أوصى به؛ فإن لم ينعت (٢) وصيته، وكان له أكثر من ثوب، لم يقتصر عليه وإن استغرق الدين ماله. قال (٣) في شرح ابن مزين: ويكفن مع الوجود في ثلاثة أثواب وإن نازع الغرماء. وقاس ذلك على كسوته التي لا تباع (٤). وينبغي أن يختلف في ذلك حال الناس كما يختلف حالهم في حال (٥) الحياة. وإذا لم ينقص من الثلاثة [للغرماء] (٦) فأحرى ألا ينقص لحق الورثة. وكذلك قال في الرواية: إن طلب الغرماء تكفينه في خشن الثياب لم يمكنوا من ذلك. وهذا ينبغي أن يختلف في [حق الموتى] (٧) كما أشرنا إليه في العدد.
فصل (صفة الكفن)
فأما [صفة] (٨) الكفن؛ فأفضله البياض من الكتان والقطن، وبذلك أمر رسول الله -ﷺ- في الحياة والموت، وذكر أن البياض [من الكتان والقطن] (٩) أحب اللباس إلى الله سبحانه. وإن كفن في غير البياض فجائز، إلا المعصفر (١٠)
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) يغير.
(٣) في (ت) قاله.
(٤) في (ق) لا تباع للغرماء.
(٥) في (ق) حكم.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ت) حكم الكفن، وفي (ر) حق الورثة.
(٨) ساقط من (ت).
(٩) ساقط من (ر).
(١٠) عصفر: العُصْفُر نبات سُلافَتُه الجرْيالُ، وهي معربة. قال ابن سيده: العُصْفُر هذا الذي يصبغ به، منه رِيفِيٌّ، ومنه بَرِّيٌّ وكلاهما نبتٌ بأَرض العرب. وقد عَصْفَرْت الثوب فتَعَصْفَر. والمعصفر المسبوغ. انظر لسان العرب: ٤/ ٥٨١.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
[ففي المذهب النهي عنه بخلاف المصبوغ بالورس (١) والزعفران. قال: والفرق أن المعصفر] (٢) زينة، وليس محلها. وأجازه في قول ثان قياسًا على سائر الألوان. وكره السواد لجهة التفاؤل.
وهل يجعل في كفن الميت القميص والعمامة؟ لا خلاف أنه لا يحرم ولا يجب. واختلف في الأول على قولين. وسببهما ما روي أنه - ﷺ - كُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية (٣) ليس فيها قميص ولا عمامة. قيل: معناه ليس فيها معدود، بل كان القميص والعمامة زائدين على هذا العدد. وقيل: ليس فيها موجود. وعلى ذكر الثلاث (٤) فالإيتار عندنا مستحب. ولكن إن لم يوجد إلا اثنان فهما أفضل من الواحد، لأنهما أكمل سترًا. والثلاثة أفضل من الأربعة، لكونهما وترًا. وعلى هذا الترتيب يكون الحكم فيما بعد ذلك.
فصل (الحنوط وما يتعلق به)
والحنوط مأمور به، ولا ينتهي إلى رتبة الوجوب. ويجوز بكل طيب طاهر؛ كالكافور. وهو المقدم، لأنه أحنط (٥) من العنبر والمسك وإن كان خارجًا من حيوان، فقد انقلبت (٦) أعراضه. ولا خلاف عندنا في طهارته،
_________________
(١) قال أبو بكر الرازي: "ورس الوَرْس بوزن الفلس نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغُمرة للوجه تقول منه أَوْرَسَ المكان فهو وَارِسٌ ولا يقال مُوْرِسٌ وهو من النوادر ووَرَّسَ الثوب تَوْرِيسًا صبغه بالورس" مختار الصحاح:٢٩٨.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) سحولية من السحل وهو الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن. ويقال سحول موضع باليمن، وهي تنسب إليه. انظر المصدر السابق: ص: ٢٨٩.
(٤) في (ق): وعلى هذا الثلاثة الأثواب عندنا مستحب، وفي (ر) وعلى ذكر الثلاثة والإثنان مستحب.
(٥) في (ق) أحفض.
(٦) في (ت) انتقلت.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وإن اختلف فيما أصله النجاسة إن انقلبت أعراضه، كما قدمنا في كتاب الطهارة. ولعل هذا الالتفات (١) إلى أن الأصل في النجاسة ما يستقذر. وبهذا تزال (٢) المستقذرات.
والعنبر وإن كان روث الدابة البحرية كما يقال فهو طاهر عندنا.
ومحل الحنوط مواضع السجود وهي المقدمة، (٣) ومغابن البدن، ومرافقه كالآباط والأفخاذ وفي ما معنى ذلك مما يدق جلده ويكون محلًا للأوساخ، والحواس كالعين والأنف والفم والأذنين، وسائر الفخذين (٤). ويجعل بينه وبين الأكفان، ولا يجعل على ظاهر الكفن، لأنها زينة، ولا معنى لها هاهنا.
فصل (حمل الميت وتشييعه)
واختلف المذهب هل في حمل الميت رتبة (٥) تستحب؟ المشهور لا رتبة (٦) في ذلك. والشاذ استحباب الحمل من الجوانب الأربع، وقد نقل (٧) عن بعض السلف.
واختلف هل الأفضل في تشييع الجنازة المتقدم عليها، أو التأخير؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأولى المتقدم. والثاني: بالعكس، وهما شاذان. والثالث: هو المشهور، أن المشاة يتقدمون والركبان يتأخرون. وعلل
_________________
(١) في (ق) الاتفاق.
(٢) في (ر) وهكذا مما يزال.
(٣) في (ت) السجود وسائر الجسد.
(٤) في (ت) وما بين الفخذين، وفي (ق) وسائر الجسدين.
(٥) في (ر) زينة.
(٦) في (ر) لا زينة.
(٧) في (ق) قيل.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
استحباب التقدم بأنهم كالشفعاء، والتأخير لتحصيل الاعتبار. والتفرقة بين الراكب وغيره؛ بأن الراكب مخطئ في ركوبه، ولم يستحق رتبة الشفاعة، فأمر (١) بالتأخير، هذا حكام الرجال.
وأما النساء فمأمورات بالتأخير على الإطلاق. ومتى خيف من خروجهن الفتنة منعن، وإن لم يخف من ذلك وكانت من القواعد جاز خروجهن مطلقًا، فإن يكنَّ كذلك كره خروجهن إلا على القريب جدًا كالأب والزوج والابن ومن في معناهم.
وإذا لم يحضر الجنازة إلا النساء صلين عليها. وهل أفرادًا أو تؤمهن واحدة منهن؟ [جرى] (٢) على القول (٣) في جواز إمامة المرأة للنساء.
وإذا قلنا بصلاتهن أفرادًا؛ فهل يصلين واحدة واحدة ولا (٤) يصلين في وقت واحد؟ قولان للمتأخرين. وظاهر المدونة [يقتضي] (٥) أنهن يصلين واحدة بعد واحدة في غير (٦) اجتماعهن (٧).
فصل (حكم بقر بطن الأم الميتة إذا رجيت حياة الولد)
وإذا رجيت حياة الولد بإخراجه من بطن أمه الميتة، فهل يبقر بطنها أم لا؟ ففي المذهب قولان. وسبهما تقابل مكروهين: أحدهما: انتهاك حرمة الميت، والثاني: إماتة من ترجى حياته. وهكذا الخلاف في الإنسان يحصل في جوفه
_________________
(١) في (ت) وأمرناه، وفي (ر) وأمر.
(٢) ساقط من (ر) و(ق).
(٣) في (ر) القولين.
(٤) في (ق) أو لا يصلين، وفي (ر) ويصلين.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ق) في غير ما.
(٧) انظر المدونة ١/ ١٨٩.
[ ٢ / ٦٩١ ]
شيء من الدنانير أو جوهر له ثمن، هل يستخرج أم لا؟ وهذا إذا كان له من أين يؤديه، وإلا فلا ينبغي أن يختلف في وجوب استخراجه. وفي المبسوط: إن قدر أن يستخرج الولد من حيث يخرج في الحياة بقر (١) عليه. قال أبو الحسن اللخمي: وهذا لا يمكن. وما قلناه في البقر على المال إذا علمت يقينًا أو ببينة. فإن شهد به شاهد واحد، فإن أبا عمران أجراه على الخلاف في وجوب القصاص من الجراح بالشاهد الواحد. ووقع لابن القصار أن المضطر إلى أكل الميتة لا يجد إلا لحم الآدمي لا يأكله (٢) وإن خاف التلف. فاعترضه بعض الأشياخ. وهو يجري على الخلاف [في البقر على الجنين والشق.
فصل (صفة حفر القبر)
ويجوز في صفة حفر القبر اللحد والشق] (٣)؛ وهو مساواة اتساع أعلاه لأسفله (٤). واللحد هو الحفر في أحد الجانبين للقبر من أسفله. واللحد أفضل، لأنه صفة قبر النبيﷺ-.
وقد كان صاحبان (٥)؛ أحدهما: يلحد، وآخر: يشق، فلما توفي رسول الله -ﷺ- اتفق الصحابة على أن يحفر له السابق منهما، فسبق الذي يلحد. ففعل كل واحد منهما ما (٦) يختص به يدل على الجواز، لأنه لا يكاد يخفى هذا من حالهما على الرسولﷺ-. وما اختار الله له لا شك أنه الأفضل. لكن قد لا يتفق اللحد في كل تربة (٧)، فإن اتفق فهو أفضل.
_________________
(١) في (ت) و(ق) فعل.
(٢) في (ر) يأكله.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) أسفله لأعلاه.
(٥) هكذا في (ق) و(ت) و(ر).
(٦) في (ق) منهما شيئًا يختص به.
(٧) في (ر) قرية.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
(حكم البناء على القبور)
وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة [ولهذا] (١) ينهى عن بنيانها على وجه يقتضي المباهاة. والظاهر أنه يحرم مع هذا القصد. ووقع لمحمد بن عبد الحكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره (٢) أنه تبطل وصيته. [وقال لا تجوز وصيته. وظاهر هذا التحريم، (٣)، وإلا لو كان مكروهًا لنفذت وصيته. ونهي عنها [ابتداء] (٤).
وأما البناء الذي لا يخرج إلى حد المباهاة؛ فإن كان قصد به تمييز الموضع حتى ينفرد بحيازته، فجائز. وإن كان القصد به تمييز القبر عن غيره، فحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب قولين: الكراهية، وأخذها من إطلاقه (٥) في المدونة (٦). والثاني: الجواز، وهو في غير المدونة. والظاهر (٧) أنه متى قصد ذلك لا يكره، وإنما كره في المدونة البناء الذي لا يقصد به العلامة، وإلا فكيف يكره ما يعرف الإنسان به قبر وليه ويميز به القبر حتى يحترم ولا يحفر عليه إن احتيج إلى قبر ثان.
(حكم الدفن في الموضع المملوك)
وموضع القبر إن كان مملوكًا لغير الدفن فلا يجوز دفن غير المالك فيه، إلا بإذنه كسائر أملاكه. وإن ملكه مالكه للدفن فهو حبس (٨). فإن حفر قبر في الموضع المملوك ملكًا أصليًا فدفن فيه غير من حفر [له] (٩) وأراد
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ت) على قبره بيتا.
(٣) ساقط من (ق).
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) قوله.
(٦) المدونة: ١/ ١٨٩.
(٧) في (ر) وظاهره.
(٨) في (ر) أحسن.
(٩) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
ذلك المالك إخراجه فله ذلك؛ لأنه لا يستحق الدفن إلا بإذنه. وعليه أشد ضررا في بقاء (١) ذلك المدفون في ذلك الموضع. وإن كان فيها (٢) ملك للدفن؛ فللمتأخرين في ذلك ثلاثة أقوال بعد اتفاقهم على أنه لا يخرج: أحدها: أنه على من يستحق القيام على المدفون حفر قبر ثان. والثاني: أن عليه قيمة الحفر. والثالث: أن عليه الأقل (٣) منها؛ والقيمة هي أصل المذهب، والحفر كأنه قضاء بالمثل، ولكن لما كان القصد تحصيل موضع الدفن وتقاربت القيمة والحفر قضي فيها بالمثل كما قضي في المذهب بالمثل في الجلد (٤) المستثنى (٥) في البوادي وحيث لأكثره ثمن له (٦). والحكم بالأقل (٧) نظرًا إلى المقصود لمن أتلف عليه (٨) حفر قبر ثان، ويحصل ذلك بغرامة الأقل (٩). ورأى أبو الحسن اللخمي أن يكون عليه الأكثر لتعديه، والظالم أحق أن يحمل عليه.
(حكم دفن السقط)
واختلف المذهب في جواز دفن السقط (١٠) في الدور؛ وفي الكتاب المنع، وأجيز (١١) في غيره.
فالمنع لأنه ليس بميت يحترم، ولا يساقط الحرمة جملة. وقد
_________________
(١) كذا في (ر)، وفي (ت) أشد ضررًا في دفنه في أرض الغير على وجه الغضب، وفي (ق) أشد ضررًا في بقاء.
(٢) (ت) كان فيما.
(٣) في (ر) الأولى.
(٤) في (ق) اللحد.
(٥) في (ت) المشترى.
(٦) كذا في النسخ التي وقفت عليها.
(٧) في (ر) الأول.
(٨) (ر) أتلفت إليه.
(٩) في (ر) الأول.
(١٠) في (ر) السقوط.
(١١) المدونة:١/ ١٧٩.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
يؤدي (١) دفنه إلى انتهاك حرمته (٢)،وبيع الدار، وتصرف الأملاك فيتمادى به المالك بعد، وليس ممن تجب مراعاته (٣) حتى يكون موضعه حبسا كسائر الموتى.
والجواز، قياسًا على الميت؛ فإن دفن الميت في دار ثم بيعت ولم يعلم المشتري بموضع القبر، فالذي نص عليه في الرواية أن المشتري بالخيار في القبول والرد، كالعيوب الكثيرة. واعترضه أبو محمد عبد الحق، ورأى أن العيب يسير، ومقتضاه في الدور الرجوع بقيمته. والذي في الرواية صحيح لأنه (٤) عيب لازم لا يمكن إزالته، فهو لهذا المعنى كثير. فإن كان المدفون سقط فهل يكون عيبًا فيه؟ قولان. وهما منزولان على الخلاف في جواز دفنه في الدور.
وقد أتينا على الغرض من [هذا] (٥) الكتاب، ولا يشذ عما حصرنا (٦) إلا مسائل أتينا على أصولها ونبهنا على محصولها.
_________________
(١) في (ت) ولا يؤدي.
(٢) في (ر) حرمتها.
(٣) في (ت) نزاعاته.
(٤) في (ر) أنه.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) عرضا، وغير واضحة في (ر).
[ ٢ / ٦٩٥ ]