(تعريف الزكاة)
[قال الفقيه الجليل الإمام مؤلفه ﵁] (١): الزكاة في اللغة: عبارة عن الزيادة والنماء. وفي الشريعة: عبارة عن [نقص] (٢) مخصوص (٣) بإخراج جزء من المال، لكن سمّتها الشريعة زكاة؛ إما لأنها تعود بنماء المال، وتركها يعود بنقصانه كما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "ما خالطت الزكاة مالًا إلا فجعته" (٤)، وإما لأنها منمية للأجور، وإما لأنها مكملة (٥) للأخلاق بالتطهير عن رذيلة (٦) البخل.
(حكمتها)
وشرعت إرفاقًا (٧) للمساكين وشكرًا لله تعالى. وإليه الإشارة بقوله تعالى:
_________________
(١) ساقط من (ق) وفي (ر) بدون: الجليل الإمام.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) محسوس.
(٤) في (ق) و(ت) محقته. لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ وقريبًا منه ما أخرجه البيهقي في سننه ٤/ ١٥٩ والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٨٠ عن عائشة مرفوعًا: "ما خالطت الزكاة مالًا، إلا أهلكته" قال ابن مفلح في الفروع ٢/ ٤٨٠: فيه محمَّد بن عثمان بن صفوان ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبّان.
(٥) في (ر) مكرمة.
(٦) في (ر) ردات.
(٧) في (ت) إرقًا.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (١). وتطهرًا من رذيلة (٢) البخل، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) الآية.
(حُكمها)
وكل ما دلّ على وجوب الصلاة دلّ على وجوب الزكاة، وهما قرينان في الكتاب (٤) والسنَّة وإجماع الأمة، وباقترانها استدل الصديق ﵁ على وجوب مقاتلة مانعي الزكاة.
(بعض حِكمها وأسرارها)
وقد عدلت الشريعة فيها بين أرباب المال والمساكين فلم تعلقها بغير النامي من المال. ولهذا تعلقت بثلاثة أنواع: النماء المحض، وهو النبات والمعدن. وما ينمو بطبعه، وهي الماشية. وما هو معد (٥) للنماء، وهو العين؛ الذهب والفضة. وأسقطتها من العروض إلا أن يقصد بها التجارة فتكون راجعة إلى حكم العين (٦)؛ لأنّ نماء هذا النوع (٧) يصرفه في العروض، ولا شك أن ما هو نماء في نفسه لا يفتقر إلى ضرب الحول بل تجب الزكاة عند حصوله. وما ينمو بطبعه أو بالتحريك لا يحصل فيه كمال النماء المقصود إلا بعد أن يحول عليه الحوْل، ولهذا ضربت الشريعة الأحوال للعين والماشية، وأوجبت زكاة المعدن والنبات عند حصولها.
ثم لو أوجبت الزكاة في اليسير والكثير لم يتميز الآخذ عن المعطي، وأدى إلى الإجحاف بمالك اليسير، فقدّرت النصاب. ولا خلاف أنها مقدرة
_________________
(١) الحديد: ٧.
(٢) في (ر) ردات.
(٣) التوبة: ١٠٣.
(٤) في (ت) فريضتان بالكتاب.
(٥) في (ر) مستعد.
(٦) في (ر) و(ت): حكم تصرفه العين.
(٧) في (ر) العين.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
في النبات والماشية، وكذلك عندنا هي مقدرة في سائر الأموال التي تتعلّق بها الزكاة.
ولا خلاف أن نصاب الورق مائتا درهم، وهذا لما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أَواقٍ مِنَ الوَرِق (١) صدَقةٌ" (٢)، والأوقية مقدرة بأربعين درهمًا.
وأما الذهب فنصابه عند جمهور الأمة عشرون دينارًا، وقد روي عنه - ﷺ - حديث موافق لهذا التقدير لكن لم يثبت سنده، والمعوّل على تقدير (٣) صرف الدينار بعشرة دراهم خالصة (٤).
فصل (زكاة العين)
وإذا تقرر [ما قدمنا] (٥) قلنا بعده النظر في هذا الكتاب وهو زكاة العين، ينحصر في ركنين: أحدهما: أحكام النصاب والأحوال، والثاني: أحكام الفوائد والديون والتجارات وتميزها مع الاختلاط. وهذا الركن كأنه فرع للأول.
(نصاب العين)
ونبدأ بالنظر في نصاب العين وتفصيل أحكامه ثم نحاذي ترتيب الكتاب. وقد قدمنا مقدار نصاب العين وهو إن كان كاملًا لا نقص فيه وزنًا ولا صفة وجبت الزكاة كما قدمناه ثم الزائد عليه يؤخذ منه بحسابه.
_________________
(١) في (ر) و(ق) و(م) الفضة.
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة ١٤٥٩، ومسلم في الزكاة ٩٨٠ واللفظ له.
(٣) في (ت) تقرر.
(٤) في (ر) خاصة، وغير واضحة في (ت).
(٥) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
(نصاب العين الناقصة إذا كان التعامل بالوزن)
ولا خلاف أن المأخوذ ربع العشر، وهو من العشرين دينار نصف دينار، ومن المائتي درهم خمسة دراهم، وما زاد على ذلك أخذ بحسابه.
وإن نقصت الدنانير والدراهم عن هذا المقدار فلا يخلو [من] (١) أن يكون التعامل بها بالوزن أو بالعدد؛ فإن كان التعامل بها بالوزن وكان النقص يؤثر في انحطاطها عن الحاصل بالكامل (٢) لم يختلف في أن الزكاة غير واجبة. وإن كان لا يؤثر فإن كان النقص كثيرًا فلا خلاف أن الزكاة غير واجبة. وهذا القسم كأنه لا يتصور إذ لا يتعامل بالوزن ويكثر النقص ثم يتوصل بالناقصة إلى ما يتوصل إليه بالوازنة إلا أن ينظر إلى القيمة. ولا خلاف عندنا أنه لا تراعى القيمة في التقدير. وحكى الغزالي عن مالك ﵀ مراعاتها، وأن الشافعي أطنب في الرد عليه، ولا يوجد ما قاله في المذهب وإنما رأى ما في الموطأ من أنها إذا نقصت وكانت تجوز بجواز الوازنة وجبت الزكاة، فظن أن النقص في المقدار والجودة (٣) في الصفة، لأنها بارتفاع قيمتها تلحق بالوازنة. وهذا الذي ظنوه باطل قطعًا وليس هو مراد أهل المذهب، وإنما مرادهم (٤) ما نفصله.
وإن قل النقص فلا يخلو من أن تتفق الموازين عليه (٥) أو تختلف، فإن اتفقت عليه وهو يسير ففي المذهب قولان: أحدهما: وجوب الزكاة التفاتًا إلى حصول الأغراض بها كما تحصل بالكاملة، والثانى: سقوطها التفاتًا إلى النصاب المقدر (٦) في الحديث. وهذا ناقص عنه. فكأنه في القول الأول لاحظ المعنى وفي القول الثاني لاحظ اللفظ وحمله على اتباع ما ورد.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(م).
(٢) في (ق) الكاملة.
(٣) في (ق) و(م) الجواز.
(٤) في (ر) وهو مرادهم.
(٥) في (ق) عليه الموازين.
(٦) في (ر) و(ت) النص على المقدر.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
فإن اختلفت الموازين وكانت في بعضها كاملة (١) وفي بعضها ناقصة فالمنصوص للبغداديين وجوب الزكاة تعويلًا على الكمال. ولا يبعد أن يجري، على قولين. وبين الأصوليين خلاف إذا اجتمع شيئان: أحدهما: موجب، والثاني: مسقط، هل يغلب الموجب أو بالعكس؟
(نصاب العين الناقصه إذا كان التعامل بالعمد)
فإن كان التعامل بالعدد فلا يخلو من أن ينقص في العدد أو ينقص في الوزن؛ فإن نقصت في العدد فلا خلاف في سقوط الزكاة، وإن نقصت في الوزن ولم تجز بجواز الوازنة فلا خلاف في سقوط الزكاة، وإن جازت بجواز الوازنة فثلاثة أقوال: أحدهما: وجوب الزكاة مراعاة للمعنى (٢) كما قدمناه. والثاني: سقوطها نظرًا إلى ما ورد. والثالث: وجوبها مع النقص اليسير لا بالعكس (٣). وهذا نظرًا إلى أن اليسير في حكم المعفو عنه.
(نصاب العين الناقصة إذا كان النقص في الصفة)
وإن كان النقص في الصفة فلا يخلو من أن يكون أصلًا في المعدن (٤) بأن يكون رديئًا أو فيه من الغش [يسير] (٥). فإن كان (٦) من أصل الخلقة وقد اصطلح الناس على التعامل به من غير التفات إلى ذلك النقص، أو يكون بإضافة غش إليه؛ فإن كان في أصل المعدن كما قدمنا فمقتضى المذهب إلحاقه بالكامل في الصفة، فإن كان مضافًا إليه فإن كان يسيرًا جدًا وقد مر الناس على ترك مراعاته كما يقال في الدنانير المرابطية فهو كالأول لا يلتفت إليه. فإن كان كثيرًا فالمذهب على قولين: أحدهما: الاحتساب بما فيه من الخالص وإطراح الغش، فإن كمل
_________________
(١) في (ق) وازنة.
(٢) في (ر) للعدد.
(٣) في (ق) و(ت) وبالعكس.
(٤) في (ق) في أصل المعدن.
(٥) ساقط من (ر)، وفي (ت) يسيرًا.
(٦) في (ت) و(ق) باق فيه.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
من (١) الخالص مقدار النصاب وجبت الزكاة، وبالعكس إن لم يكمل. وهذا هو المشهور. والثاني: النظر إلى الأكثر فيجعل [الأقل] (٢) تبعًا له؛ فإن كان الأكثر هو الخالص فيجعل الجميع في حكمه وبالعكس. وهذا على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم أنفسها أو حكم متبوعاتها. على أن هذا القول بعيد هاهنا لأنّ المقصود بالنصاب حصول الغنى به، وقد قدرته الشريعة. فإذا وجد الغش فلا شك أن الغنى (٣) المطلوب شرعًا غير حاصل فكيف يقال إن الزكاة واجبة.
ومقتضى المذهب أيضًا أن المراعى في الوزن ما كان في الزمان الأول، ولو قيل إن الإجماع عليه لَمَا بَعُدَ (٤). ووقع لابن حبيب ما يقتضي مراعاة أوزان كل بلد. وتعقبه أبو الوليد الباجي، وألزم عليه وجوب الزكاة متى اجتمع للإنسان عشرون رباعيًا في قطر صقلية ومن كان مثلهم؛ لأنهم يعتدون هناك بالرباعي وبه يتعاملون. وهذا الذي ألزمه غير صحيح لأنّ أهل صقلية لا يعتدون بالرباعي بدل الدنانير، وإنما يجعلونه جزءًا من الدينار، لكنهم يتعاملون به على أنه جزء كما قلنا، ولا يقتضي أن يعتدوا به كاملًا.
فصل (هل يكمل بالقيمة النصاب)
وهل تراعى قيمة الذهب والفضة فيكمل بالقيمة النصاب وإن قصرت في الوزن؟ أما المكسور (٥) فلا خلاف في المذهب أنه لا يُلتفت إلى قيمته بل إلى وزنه، وكذلك التبر (٦)
_________________
(١) في (ر) كان.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ت) و(ر) المعنى.
(٤) في (ت) لما أبعد وفي (ر) لما يعد.
(٥) في (ق) و(ر) المسكوك.
(٦) في (ر) التبر والمسكوك. "التبرُ ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين ولا يقال تبر إلا للذهب وبعضهم يقوله للفضة أيضًا والتَّبَارُ بالفتح" مختار الصحاح ٣١.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
والمسكوك (١) إن تصور فيهما زيادة قيمة.
وأما المصوغ فإن كانت الصياغة غير مباحة فلا تعتبر قيمتها أيضًا بلا خلاف. وإن كانت مباحة فظاهر المذهب على قولين: أحدهما: ترك اعتبار قيمتها إلحاقًا لذلك بالمسكوك، والثاني: اعتبارها لأنها كالسلعة المملوكة ويقدر على بيعها وتحصيل العوض عنها.
وإذا قلنا باعتبار القيمة فكيف صورة ذلك؟ المنصوص أنها كالعروض فإذا بيعت وجبت الزكاة حينئذ، ولا يكمل بها الأنصاب. ويتخرج في المذهب قول ثان أنه يكمل به النصاب قياسًا على ما قيل في الحلي تكون فيه الأحجار التي لا يقدر على تخليصها أنها تزكى زكاة العين على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
فصل (جمع الذهب والفضة في تكميل النصاب)
ولما (٢) كان النقدان متفقين في حال (٣) المقاصد وأنهما ثمن للمبيعات وقيم المتلفات، وهذا هو المقصد الأول [بهما] (٤)، ولا يختلفان إلا من باب كثرة القيمة وقلتها وجب عندنا أن يجمعا في الزكاة فيكمل النصاب من أحدهما بالآخر. لكن المراعى في ذلك الوزن دون القيمة، ويقدر الدينار بعشرة دراهم. ووقع لأشهب أن (٥) أوقية الدنانير أربعة (٦) [دنانير] (٧)، وإنما عوّل على أن صرف الدينار في حكم الزكاة بعشرة دراهم. وأوقية الدراهم
_________________
(١) في (ق) والمكسور والمراد بالمسكوك هي الدراهم والدنانير المضروبة.
(٢) في (ر) وإن.
(٣) في (ر) جل.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) أن المراعات جمعه نظرًا إلى أن.
(٦) في (م) أربعين.
(٧) ساقط من (ق) و(م) و(ر).
[ ٢ / ٧٨١ ]
على ما ورد في الحديث [في حكم الزكاة] (١) أربعون درهمًا، لكن قد قدمنا حكم مراعاة [قيمة] (٢) الصياغة.
(حكم إخراج القيمة في الزكاة أو أحد النقدين عن الآخر)
وإذا وجب إكمال النصاب منهما فهل يخرج أحدهما عن الآخر في الزكاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: الجواز في إخراج الورق عن الذهب لا بالعكس (٣).
والمعلوم من مذهبنا منع إخراج القيمة في الزكاة؛ فمن منع مطلقًا رأى أن إخراج أحدهما عن الآخر كإخراج القيمة في الزكاة، ومن أجاز مطلقًا رأى أنهما لو تساويا في إكمال النصاب كانا كالشيء الواحد لأنّ المطلوب منهما متفق كما تقدم. ومن فرق فلأن الورق أيسر على الأخذ في التصرف (٤) بخلاف الذهب.
وإذا قلنا بجواز الإخراج فهل يراعى الصرف الأول؛ الدينار بعشرة دراهم، أو صرف وقت الإخراج؟ ثلاثة أقوال: أحدها: مراعاة الصرف الأول نظرًا إلى أنه كالشرع الثابت في الزكاة. والثاني: التعويل على صرف الوقت لأنّ النظر إلى تحصيل المقصود من المقدار الواجب، وهذا لا يحصل إلا بصرف الوقت. والثالث: النظر إلى صرف الوقت إلا أن يكون المخرج دون الصرف الأول، فيلزمه أن يخرج الصرف الأول، ومثاله أن يلزمه مثلًا نصف دينار فيريد أن يخرج عنه ورقًا. فإن (٥) كان صرفه أكثر من خمسة دراهم أخرج مقدار الصرف، وإن كان أقل خُيّر بين أن يخرج خمسة أو [يخرج] (٦) نصف دينار. وهذا أحتياط للزكاة فيعطى للمساكين الأكثر.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (ر) أو بالعكس.
(٤) في (ق) الصرف.
(٥) في (ق) و(ت) فإن.
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وإذا أراد أن يخرج من الجنس فإن كان المزكى مسكوكًا ووجب فيه مقدار دينار (١) كامل أخرجه من [الجنس] (٢) فإن وجب بعض الدينار فهاهنا [لا يمكن من] (٣) كسره إن كان التعامل بالدينار الكامل.
وأما إن كان التعامل ببعض الدينار كما يتعامل في بعض البلاد بالرباعية، فإن وجد منها مقدار كامل أخرجه. وإن لم يكن إلا بفضة فهل يجوز كسره؟ في المذهب قولان، مع الاتفاق أنه لا يجوز كسر الدينار الكامل. والإجازة في حق البعض؛ لأنه لما كان غير كامل فهي قطع فلا يفعل فيها (٤) أكثر مما هي عليه، والمنع لأنّ تلك الأبعاض مسكوكة فأشبهت الدينار الكامل.
وإن كان التعامل بالكامل كما قلنا ووجب البعض هل يلزم إخراج قيمة السكة إن أخرج ذهبًا؟ في المذهب قولان. والذي عند ابن حبيب أنه لا يلزمه ذلك لأنّ السكة غير مراعاة في إكمال النصاب بهذا، وكذلك لا تراعى هاهنا. ورأى أبو الحسن القابسي مراعاة السكة، فلا يجوز أن يعطى عنده للمساكين قطعة ذهب غير مسكوكة؛ لأنهم كالشركاء للمزكي. والمذهب مختلف في هذا الأصل؛ هل المساكين كالشركاء بمضي الحول، أو ليس كالشركاء؛ وإنما يجب على المكلف في ذمته مقدارٌ، متى أوصله إليهم سقط من ذمته. لكنه إنما يتعلق بالذمة يحوال (٥) العين الذي في يده. وإن أخرج ورقًا أخرج قيمته مسكوكًا بلا خلاف عندنا.
وإن كان المزكى مصوغًا فله أن يخرج عنه قطعة ذهب، لكن كسر المصوغ جائز. وإن أراد أن يخرج قيمته ورقًا فإن كانت الصياغة آنية فهي
_________________
(١) في (ت) كامل.
(٢) ساقط من (ق) و(ت).
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) بها.
(٥) في (ت) لحول وهي غير واضحة في (ر).
[ ٢ / ٧٨٣ ]
على قسمين كما نبينه فيما بعد (١) محرمة ومختلف فيهاة فالمحرمة في حكم المكسورة (٢)، ولا تراعى قيمة صياغتها.
وإن كانت حليًا فللمتأخرين قولان: أحدهما: أن الصياغة كالعروض يقومها المدير (٣) ويتركها غيره إلى أوان البيع فيزكيها إذا باع، والثاني: أن الصياغة متابعة للعين، وهذا على ما قلناه في إعطاء الأتباع حكم متبوعاتها أو حكم أنفسها.
وإذا قلنا إنها تتبع العين فهل يزكي قيمة الصياغة إن أخرج ورقًا أو يزكي قيمة الذهب مكسورًا؟ قال أبو القاسم بن الكاتب وغيره: يزكي قيمة الواجب عليه مصوغًا. وقال أبو عمران وغيره: يزكي قيمة الواجب مكسورًا. وقد كثرت مناظرتهم في هذه المسألة حتى ألف بعضهم على بعض.
ونكتة ما عول عليه كل واحد منهم نذكره؛ وذلك أن ابن الكاتب ومن قال بقوله قاسوا المسألة على حكم جزاء الصيد، إذ المكلف مخير فيه بين أن يُخرج المثل من النَّعم أو عَدل الصيد طعامًا، فإن اختار المثل أخرجه، وإن اختار إخراج الطعام فإنما يقدر الأصل لا المثل، فكذلك هاهنا هو مخير بين أن يخرج قطعة ذهب [أو قيمتها دراهم، فإن أخرج قطعة الذهب
_________________
(١) في (ر) تعد وفي (ق) يعد.
(٢) في (ر) المسكوكة.
(٣) في المذهب المالكي التجار على قسمين: متربص ويعرف كذلك بالمحتكر، ومدير، فالمتربص هو الذي يشتري السلع وينتظر بها الأسواق، فربما أقامت السلع عنده سنين؛ فهذا عنده لا زكاة عليه، إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد. وحجته أن الزكاة شرعت في الأموال النامية، فإذا زكى السلعة كل عام- وقد تكون كاسدة- نقصت عن ثمن شرائها. وأما المدير وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول فلا تستقر بيده سلعة فهذا يزكى في السنة الجميع يجعل لنفسه شهرًا معلومًا يحسب ما بيده من السلع والعين والدين الذي على المليء الثقة ويزكي الجميع، هذا إذا كان ينض في يده في أثناء السنة ولو درهم فان لم يكن يبيع بعين أصلًا فلا زكاة عليه.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
أجزأه، وإن أخرج القيمة رجع إلى الأصل وأخرج، (١) قيمة المصوغ.
وأبو عمران ومن قال بقوله التفتوا إلى المسألة في نفسها فقالوا: لا يخلو أن يكون للمساكين حق في الصياغة، فلا يجوز للمكلف أن يعطي مما وجب عليه ذهبًا غير مصوغ، أو يكون لا حق لهم فيها فيجوز، وإذا اتفقا على جواز إعطاء الذهب غير المصوغ فكذلك يلزم أن يعطي القيمة إذا تبيّن بما قلناه أن لا حق للمساكين في الصياغة وهذا هو الأصل (٢) في المسألة. ولا مناسبة بين جزاء الصيد وبين هذه المسألة؛ لأنّ الواجب هناك أحد شيئين؛ يعني إذا اختار المثل أو الطعام وكل (٣) واحد منهما أصل فيقدر كل واحد منهما بالأصل، وهاهنا القيمة إنما تجب عن الواجب في الذمة، والواجب إخراجه. فإذا جاز إخراج غير مصوغ فكذلك ينبغي أن تجزي قيمته.
(حكم اختلاف السكك)
وإذا اختلفت السكك فكان يملك نوعًا منها فأراد أن يخرج من نوع آخر؛ فإذا اتفقت في السلامة من الغش أو في مقدار الغش إن (٤) كانت غير سالمة فلا شك في الجواز. فإن اختلفت (٥) فأراد إخراج الأدنى عن الأجود؛ فإن أخرج من الأدنى عن وزن (٦) الواجب عليه فلا شك في المنع، [لأنه أخرج دون ما يجب عليه. وإذا أخرج قيمة الواجب فللمتأخرين قولان: أحدهما: الجواز، والثاني: المنع] (٧). وهذا على ما قدمناه من الخلاف هل
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) الأخير وفي (ت) الأول.
(٣) في (ر) ولكل.
(٤) في (ر) أو.
(٥) في (ر) اختلفت أو يكون لا حق لهم فيها فيجوز وإذا اتفق على جواز إعطاء الذهب غير المصوغ.
(٦) في (ق) دون وزن.
(٧) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٨٥ ]
المساكين شركاء في المقدار الواجب فلا يخرج القيمة (١) لأنه يكون ربًا (٢). وإنما يجب لهم في ذمته مقدار معلوم، فله أن يعطيهم من أي الأنواع شاء. ولا شك أنه إن أراد أن يعطي الأجود عن الأدنى وأخرج مقدار الوزن فيجزيه، لأنه سلم من الربا وأعطى الأفضل، وإن أراد أن يخرج بالقيمة فيجزي على القولين.
باب زكاة الحلي وما يتعلق به
(عدم وجوب الزكاة في الحلي المتخذ للباس ووجوبها في المتخذ للتجارة والكراء)
وقد قدمنا وجوب الزكاة في العين: الذهب والفضة وأن ذلك لكونهما متهيئين للنماء. وإذا صيغا فجوهرهما يقتضي وجوب الزكاة، وصورتهما تقتضي إسقاطها؛ لأنهما بالصياغة لحقا بالعروض. وقد غلب مالك ﵀ في الحلي المباح اتخاذه حكم الصورة فأسقط الزكاة، وهذا إذا اتخذ للباس ناجزًا أو متاخرًا؛ فإن اتخذ للتجارة فالإجماع على وجوب الزكاة؛ لأنها إذا وجبت في عروض التجارة وأصلها عدم الوجوب فأحرى أن تجب في الحلي المتخذ للتجارة، إذ أصله وجوب الزكاة.
فإن اتخذ للكراء ليصرف في معنى مقتضاه المعاوضة والحاصل فيه غير مربوح فيه، كمن يتخذ ليصدقه امرأته، أو اتخذ لحاجة إن عرضت [فيباع فيها] (٣)، ففي ذلك قولان: أحدهما: وجوب الزكاة نظرًا إلى أصله، ولأنه لم يتخذ للقنية والثاني: إسقاطها نظرًا إلى أنه لم يتخذ للتجارة. هذا في غير المكري.
_________________
(١) في (ق) بالقيمة.
(٢) في (ر) لأنه قد زاد.
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
وأما ما اتخذه للكراء ففيه النماء وهو يلحقه بما اتخذ للتجارة، وبقاء العين وهو يلحق بالمقتنى للباس، ففيه شبهة من موجب ومسقط، وقد تقدم خلاف الأصوليين أيهما يغلب؟
ولا خلاف أن العروض لا تنتقل من القنية إلى التجارة بالنية. وأما الحلي المباح ففيه قولان: أحدهما: أنه كالعروض، ولا تنتقل إلى التجارة إن كان أصله القنية بمجرد النية. والثاني: أنه ينتقل، لأنّ النية فيه تعيده إلى أصله. والأصل (١) في هذه وجوب الزكاة.
فصل (تمييز المصوغ المباح من غيره)
ولما كان المصوغ يتنوع فتجب الزكاة فيما لا يباح منه وتسقط فيما يباح، وجب أن يبين المباح من غيره، وهو على قسمين: آنية وحلي.
فالآنية إن اتخذت للاستعمال فجمهور الأمة على تحريمها، وإنما يخالف داود (٢) في الأكل دون الشرب. وقوله باطل قطعًا. وإن اتخذت للزينة فالمذهب على قولين: الجواز لأنّ الحديث وارد في الاستعمال، وعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ (٣) يقتضي الجواز، والمنع قياسًا على الاستعمال.
وأما الحلي فهو مباح للنساء بلا خلاف وذلك فيما يلبسنه ويتعلق
_________________
(١) في (ق) و(ت) فاصل جوهره.
(٢) هو: داود بن علي بن خلف بن سليمان الأصبهاني ثم البغدادي أبو سليمان، إمام أهل الظاهر ولد سنة مائتين وقيل سنة اثنتين ومائتين أخذ العلم عن إسحاق وأبي ثور وكان زاهدًا متقللًا قال الشيخ أبو إسحاق في طبقاته: وكان من المتعصبين للشافعي وصنف كتابين في فضائله والثناء عليه. قال: وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد توفي في شهر رمضان سنة سبعين ومائتين". طبقات الشافعية ٢/ ٧٧ - ٧٨ (٢٢).
(٣) الأعراف: ٣٢.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
بلباسهن كالأزرار أو ما في معناها. وأما ما يتخذ لغير اللباس فهو في حكم الأواني المتقدم بيانها.
(حكم تحلية السيف والخاتم والمصحف)
وأجمعت الأمة على إباحة تحلية السيوف والخاتم والمصحف.
فأما السيف فلا خلاف في جواز تحليته بالفضة، وهل يجوز بالذهب؟ قولان: أحدهما: الجواز قياسًا على الفضة؛ لأنه استقني للترهيب على العدو، وهو بالذهب أشد إرهابًا. والثاني: المنع لعموم قوله - ﷺ - في الذهب والحرير: "هذان حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثها" (١).
وأما الخاتم فلا يجوز للرجال اتخاذه ولا جزء منه (٢) بالذهب لعموم الحديث المتقدم.
وأما المصحف فيجوز تحليته بالذهب والفضة.
وهل يلحق بالسيف جميع ما يتخذ (٣) آلة للحرب؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: اختصاص السيف بالجواز دون غيره. والثاني: إلحاق آلة الحرب به. والثالث: قصر الجواز على ما يطاعن به ويضرب به، دون ما يتقى به ويتخذ للتحزم. والقولان بالإلحاق والقصر على الخلاف في الرخص، هل يقاس عليها؟ والقول الثالث فلأن حقيقة القياس رد الشيء إلى مثله، ومثل السيف ما يطعن به ويضرب دون غيره.
وإذا تقرر هذا فكل ما يباح تسقط منه الزكاة، وكل ما يحرم تجب فيه
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه الترمذي في اللباس ١٧٢٠، وابن ماجه في اللباس ٣٥٩٥ ولفظ الترمذي: "عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِي أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ حُرِّمَ لِباسُ الْحَرِيرِ والذهَبِ عَلَى ذُكُورِ أمتي وَأُحِل لِإناثِهِمْ" وقالَ هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) في (ت) وأما الخاتم فيجوز اتخاذه من الفضة ولا خير منه، وفي (ق) و(م) وأما الخاتم فلا يجوز للرجال اتخاذه ولا خير منه.
(٣) في (ر) يتخول.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
الزكاة لأنه مكسور شرعًا، وكلما اختلف فيه فيجري على الخلاف، هل تجب فيه الزكاة أم لا؟
فصل (حكم زكاة الحلي المربوط بالجواهر)
وإن كان الحلي مربوطًا بشيء من الجواهر؛ فإن كان مما يمكن نزعه من غير فساد، وكان مما تجب فيه الزكاة زكّي ما فيه من الذهب والفضة زكاة العين، وما فيه من الحجارة زكاة العروض. فإن لم يمكن نزعه إلا بفساد فهاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: تغليب حكم الجواهر التي فيه، فيزكى زكاة العروض. والثاني: مراعاة الأكثر، فيعطى الحكم. والثالث: إعطاء كل نوع حكم نفسه فيتحرى ما فيه من العين فيزكى، وما فيه من الحجارة يجري على حكم العروض. وهذان القولان على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم نفسها أو حكم متبوعاتها؟ وأما القول الأول فغلب فيه أحكام الحجارة إلحاقًا لها بالعروض لمشابهته لها بالصورة والاختلاط بالحجارة.
وفي الكتاب: روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع: إذا اشترى [رجل] (١) حليًا للتجارة أو ورثه فَحَبَسَهُ للبيع، كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة (٢).
وأكثر الروايات (٣) على أن عقيب هذا الكلام: وروى أشهب معهم فيمن اشترى حليًا للتجارة وهو مربوط (٤) بالحجارة ولا يستطاع نزعه فلا زكاة عليه [فيه] (٥) حتى يبيعه (٦).
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ق) و(م) للتجارة وفي الكتاب زكاه. المدونة ٢/ ٢٤٦.
(٣) في (ت) الرواة.
(٤) في (ر) مربوطة.
(٥) ساقط من (ق) و(ت).
(٦) المدونة ٢/ ٢٤٦ و٢٤٧.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
فيفهم من هذا الكلام أن الحلي إذا كان للقنية ولم يكن للتجارة فإنه يزكيه حين يبيعه، ولا خلاف أن سلع القنية ليست كذلك. وفي رواية ابن وضاح (١) زيادة "زكاة" بين قوله "أو للتجارة" وبين "وروى أشهب" (٢).
وعلى هذه الرواية يكون الحكم بيّنًا؛ فتحمل رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع على حلي غير مربوط بحجارة، وهو للتجارة فيزكى. ورواية أشهب (٣) على الحلي المربوط بالحجارة (٤). وتكلم فيها على الشراء خاصة، ولا زكاة فيه حينئذ إلا أن يبيعه على القول أنه كالعروض، إذا لم يستطع نزعه إلا بفساد. ورواية الجماعة محمولة على الحلي غير المربوط. والجواب في رواية أشهب أنه يزكيه كالعين. وهذا حكم الحلي [المربوط] (٥) نظرًا إلى أصله. وقد قدمنا الخلاف في الحلي إذا كان للقنية هل ينتقل إلى التجارة بالنية بخلاف العروض أو لا ينتقل؟
_________________
(١) الإمام الحافظ محدث الأندلس أبو عبد الله محمَّد بن وضاح المرواني مولى عبد الرحمن بن معاوية الداخل ولد سنة تسع وتسعين ومئة ارتحل إلى العراق والشام ومصر وجمع فأوعى. كان عالمًا بالحديث بصيرًا بطرقه وعلله كثير الحكاية عن العباد ورعًا زاهدًا صبورًا على نشر العلم متعففًا نفع الله أهل الأندلس به، ولا علم له بالعربية ولا بالفقه، توفي ابن وضاح في المحرم سنة سبع وثمانين ومئتين" سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦ وشجرة النور ٧٦ (١١٦).
(٢) هذا يبين أن النسخة التي اعتمدتها دار صادر في طبع المدونة هي من رواية ابن وضاح، لأنّ اللفظة التي أشار إليها ابن بشير موجودة فيها، وهي قوله: "للتجارة زكاة. وروى أشهب".
(٣) في (ق) و(ت) أشهب معهم على.
(٤) في (ق) و(م): بالحجارة ولا يظهر لإسقاط ما أثبته ابن وضاح معنى، إلّا أن يقال رواية أشهب في الحلي المربوط بالحجارة.
(٥) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٧٩٠ ]
باب في أحكام نماء المال والفوائد
ولا خلاف [عندنا] (١) أن الأولاد تزكى (٢) على حول الأمهات، وسيأتي حكمها في زكاة الماشية. وأما الأرباح فالمعروف من المذهب أنها كالأولاد تزكى على حول الأصل، والشاذ أنها كالفوائد يستقبل بها حولًا من يوم الحصول. وهذا على ما يقوله الأشياخ على الخلاف في المترقبات هل تعد حاصلة من يوم ترقبها أو من يوم حصولها؟ والصحيح أن الأرباح مضافة إلى أصولها لأنّ العين إنما تعلقت بها الزكاة لكونها معدة للنماء، ولا تنمى إلا بالأرباح، والأرباح أولى بأن تجري فيها الزكاة لأنها في حكم ما يستخرج من المعدن وما يحصل من النبات. وإنما تخيل من قال بالاستقبال إن صح على أنه لا يكاد [يوجد] (٣) نماء أن الأرباح حاصلة يوم نضوضها (٤) وهي ليست جزءًا من المال، فأشبهت الفوائد.
وإذا تقرر أن الأرباح مزكاة على حول الأصول (٥) فهل تضاف إلى يوم ملك المال وتُعدّ كأنها موجودة في ذلك الوقت، أو إلى يوم تحريك المال والشراء به، أو إلى يوم الحصول فيعتبر هل جميع النصاب باق في يده؟ في المذهب ثلاثة أقوال: مذهب المغيرة وهو غير المذكور في المدونة أنها
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) و(ت) مزكاة.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) الشراء. النضوض: من نض ينض نضوضًا، والنَّضُّ: الدّرهم الصامِتُ. والناضُّ من المَتاع: ما تحوَّل ورِقًا أَو عينًا. قال الأَصمعي: اسم الدراهم والدنانير عند أَهل الحجاز وإِنما يسمونه ناضًّا إِذا تحوَّلَ عينًا بعد ما كان مَتاعًا لأَنه يقال: ما نَضَّ بيدي منه شيء. وهو ما ظهر وحصل من ماله. ومنه الخبر: خذ صدقة ما نَضَّ من أَمْوالهم أَي: ما ظهر وحَصَل من أَثمان أَمْتِعَتهم وغيرها. وفي حديث عمرِ ﵁: كان يأخذ الزَّكاة من ناضٍّ المالِ وهو ما كان ذهبًا أَو فِضَّة، عينًا أَو ورِقًا. انظر لسان العرب ٧/ ٢٣٧.
(٥) في (ق) الأصل.
[ ٢ / ٧٩١ ]
كالموجودة يوم ملك الأصل، ومذهب ابن القاسم أنها كالموجودة يوم الشراء، ومذهب أشهب أنها يعتبر وجودها عند الحصول.
وعلى هذا اختلف في مسألة من حال عليه الحول وعنده عشرة دنانير فأنفق منها خمسة ثم اشترى بخمسة سلعة فباعها بخمسة عشر، واشتراها قبل الإنفاق. فمذهب المغيرة وجوب الزكاة إن تقدم الشراء أو بالعكس (١)، ومذهب ابن القاسم وجوب الزكاة إن تقدم الشراء لا بالعكس (٢)، وهو على ما قلناه. ومذهب أشهب يعتبر الوجود عند الحصول (٣).
وهذه المسألة فيها قياس العكس للمغيرة؛ لأنه قال في الكتاب: فكما لا يحسب ما أنفق قبل الحول فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق بعد الحول قبل الشراء أو بعده. فاستعمل الشيء وعكسه قبل الحول وقاس عليه مثله بعد الحول (٤)، وهذا هو حقيقة قياس العكس (٥) عند الأصوليين. وبينهم خلاف في قبوله.
وقد ذكرنا ما قيل في مسألة كتاب الصيام هناك أنها قياس عكس، وبيَّنا أن ذلك ليس بصحيح، وإنما هناك قياس طرْد. وإنما قاس فيها الغوارب على الطوالع، فظن من لا تحقيق عنده أنه قياس عكس لما كان الغارب ضد الطالع وعكسه، وليس كذلك. وإنما حقيقة قياس العكس هذا (٦) الذي ذكره المغيرة، وهو كما قال أصحابنا في الرد على أبي حنيفة في قوله: إن القيء لا ينقض الوضوء، بأن يقولوا: كل ما لا ينقض الطهارة قليله، فلا ينقض كثيره، أصله الدم وعكسه البول. وإنما هذا لأنّ أبا حنيفة
_________________
(١) في (ر) إن تقدم الإنفاق على الشراء.
(٢) في (ت) وبالعكس.
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
(٤) المدونة: ١/ ٢٤٣.
(٥) في (ر) للمغيرة؛ لأنه قال قبل الشراء أو بعده واستعمل الشيء من حققة قياس عكس قبل الحلول، وقاس عليه مثله فيما بعد الحول وهذا من حقيقة قياس العكس.
(٦) في (ق) هو.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
يقول: إن اليسير من القيء لا ينقض الطهارة ولا ينقضها (١) الكثير منه. وهو متفق معنا على أن البول يستوي قليله وكثيره في النقض، والدم يستوي قليله وكثيره في عدم النقض، فألزمه أصحابنا استواء قليل القيء وكثيره في عدم النقض (٢).
فكذلك ألزم المغيرة أن يستوي الإنفاق بعد (٣) الحول قبل الشراء أو بعده في إيجاب (٤) الزكاة، كما يستوي الإنفاق قبل الحول قبل الشراء أو بعده في إسقاط الزكاة.
فصل (حكم من تسلّف مالًا فتاجر به فربح)
وإذا تقرر أن حكم الأرباح حكم الأصول فإنما ذلك إذا اشترى بمال يملكه ونقده (٥). فإن تسلف مالًا وليس عنده عوضه (٦) فنقده في سلعة ثم باعها فربح فهل يستقبل به حولًا أو يعد كالمالك له من يوم الشراء؟ في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستقبل به حولًا؛ [كان الذهب كله مسلوفًا] (٧)، أو كان يملك بعضه وتسلف البعض. لكنه إنما يستقبل الحول بما يقابل الذي تسلف، وأما ما يقابل ملكه فيزكيه على حول أصله إن كمل به النصاب. والقول الثاني: أنه يضيف ربح السلف إلى يوم الشراء. والقول الثالث: أنه إن نقد شيئًا من عنده زكى جميع الربح على حول يوم الشراء، وإن لم ينقد
_________________
(١) في (ر) ولا ينقضه.
(٢) في (ر) النقض كاستواء في ذلك واستواء البول في نقضه.
(٣) في (ر) قبل.
(٤) في (ر) إسقاط.
(٥) في (ر) ونقد.
(٦) في (ت) عروضه.
(٧) في (ق) كان الذهب كله مستوفًا وفي (ر) ويعد كالمالك له من يوم الشراء.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
من عنده شيئًا استقبل بالربح حولًا. وهذا يقتضي خلافًا في الأرباح هل تعد حاصلة يوم (١) الشراء أو يوم الحصول إذا كانت مسندة إلى ذمة لا إلى [مال الزكاة] (٢)، [وكأن من أسقط الزكاة رأى] (٣) أن الربح لا يزكى إلا أن يستند إلى ملك فيعد كأنه نما عنه ويشبه الولادة، ومن أوجبها رأى أن الذمة كالملك الحقيقي فأسند الربح إليها، ومن فرق بين أن ينقد شيئًا من عنده أو لا ينقد راعى الإسناد إلى مال على الجملة (٤)، فمتى وجد أضيف إليه الربح فإذا فقد لم يوجد ما يضاف إليه فاستقبل به حولًا.
ومن (٥) اشترى على مال يملكه لكنه لم ينقد وإنما اشترى بدين فثلاثة أقوال: أحدها: أن الربح مضاف إلى يوم ملك الأصل وإن لم ينقده. والثاني: أنه يضاف إلى يوم الشراء. والثالث: أنه يستقبل به حولًا. ولا شك أن من قال في المسألة الأولى بوجوب الزكاة فالوجوب عنده في هذه [المسألة] (٦) أوْلى، وأما من قال هناك بالاستقبال فتختلف أقواله في هذه المسألة الثانية، لأنه إنما اشترى على مال وإن لم ينقده، فمن عد استعداده للنقد كالنقد أوجب (٧) الزكاة، ومن نظر إلى أنه مشترٍ بديْن ولم يعدّ الاستعداد للنقد كالمنقود، فيختلف قوله هاهنا هل يضاف إلى يوم الشراء أو إلى يوم الحصول.
وعلى هذا اختلف على قولين فيمن اشترى بديْن ولا يملك ما ينقد فباع بربح هل يضاف الربح إلى يوم الحصول أو إلى يوم الشراء؟
وبقيت مسائل تلحق بهذا الباب لكن تعلقها بباب الفوائد أشبه فنؤخر الكلام عليها إلى باب الفوائد.
_________________
(١) في (ق) من يوم.
(٢) في (ق) ملك.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) بالجملة.
(٥) في (ر) و(ق) فإن.
(٦) ساقط من (ق) و(ر).
(٧) في (ر) فمن راعى استعداده للنقد كنقده أوجب.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
فصل (حكم من ضاع ماله أو بعضه بعد الحول)
ولا خلاف أن الزكاة لا تجب قبل حلول الحول، فمن ضاع ماله أو بعضه حتى قصر عن النصاب قبل حلول الحول لم يتعلق بذمته شيء. فإن ضاع بعد حلول الحول وبعد إمكان الأداء تعلقت الزكاة بذمته، وإن ضاع بعد حلول الحول وقبل إمكان الأداء ففي تعلقها بالذمة قولان: المشهور أنها (١) لا تتعلّق، والشاذ أنها تتعلّق.
وهو على الخلاف في إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أم لا؟ وإذا قلنا إنها تتعلّق فإنما تتعلّق هاهنا بالقدر الباقي فيجب ربع عشره خاصة، ويلتفت في هذا إلى الخلاف في كون المساكين كالشركاء في المال بقدر الزكاة أو ليس بالشركاء، وقد تقدم ذلك.
ولو حال الحول على نصاب فلم يؤدِّ زكاته حتى اشترى به سلعة فربح فيها فإنه يؤدي على العام الأول (٢) على مقدار النصاب، فيؤدي مثلًا عن عشرين دينارًا نصف دينار وكان اشترى [بها] (٣) سلعة فباعها مثلًا بأربعين دينارًا (٤)، فإن كان عنده من العروض ما يقابل النصف الدينار الذي وجب عليه في الزكاة زكى على العام (٥) الثاني وعن أربعين، فإن لم يكن عنده فالمنصوص أنه لا يزكي للعام الثاني إلا عن تسعة وثلاثين ونصف، ويجري على الخلاف في الدين الواجب في الزكاة، هل يسقط الزكاة أم لا؟ وسيأتي بيانه في موضعه [إن شاء الله] (٦). قال ابن عبد الحكم يستقبل بالربح حولًا (٧)
_________________
(١) في (ر) أنه.
(٢) في (ق) عن المال.
(٣) ساقط من (ت) وفي (ر) به.
(٤) في (ق) و(ت) فيندر.
(٥) في (ر) للعام.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ق) حولًا كاملًا.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
من يوم حصوله، ومنها (١) أخذ القول بأن الربح كالفائدة (٢)
فصل (حكم زكاة العبد)
والعبد لا يملك ملكًا حقيقيًا لأنّ للسيد انتزاع ما بيده، فلهذا نقول لا زكاة عليه فيما بيديه ولا على السيد؛ لأنه لم يملك ملكًا أيضًا وإنما ملك أن يملك.
وهكذا نقول في المديان لا يزكي لأنه يُملك عليه انتزاع ما في يده وهذا يختص في حق المديان (٣) بزكاة العين. ولا يسقط الدين زكاة الحرث والماشية على ما سيأتي بيانه في حكم الدين.
ولا خلاف عندنا أن العبد لا تجب عليه زكاة في كل ما في يده [وهذا لأنّ الانتزاع يتوجه في كل ما في يده] (٤)، ويجري مجراه كل من كان فيه بقية رق. وإن أعتق استقبل بما في يديه من الناض حولًا، وكذلك الماشية على ما سيأتي بيانه.
وأما زكاة الثمار فالخلاف [فيها] (٥) عندنا هل تجب بالطيب، أو باليبس، أو بالجذاذ؛ فإن أعتق قبل الطيب وجبت عليه الزكاة، وإن أعتق قبل الجذاذ لم تجب عليه، وإن أعتق فيما بين ذلك فعلى الخلاف، وسيأتي بيان هذه. الأقوال وتوجيهها في كتاب الزكاة الثاني.
_________________
(١) في (ق) منه.
(٢) في (ق) كالفوائد. الذي في حاشية الدسوقي ١/ ٤٦١: "قال ابن عبد الحكم إنه يستقبل بالربح حولًا كالفائدة سواء كان يملك أصله أو لا بأن تسلفه فإن كان الأصل أقل من نصاب استأنف بالجميع حولًا وإن كان نصابًا زكاه ولا يزكي ربحه إلا إذا تم له حول".
(٣) في (ر) يده زكاة العين وهذا يختص ما في يديه.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ت) و(ر).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
فصل (حكم زكاة مال الصبي والمفقود والأسير)
ومذهبنا تغليب إرفاق المساكين في الزكاة، فلهذا نقول بوجوبها على [كل] (١) من ملك ملكًا حقيقيًا كان مكلفًا أو غير مكلف كالصبيان والمجانين، وهذا لا خلاف فيه عندنا (٢) في سائر أنواع الزكاة.
وقال أبو الحسن اللخمي: أما الحرث والماشية فلا يختلف في وجوب الزكاة فيهما عليهم؛ لأنهما ناميان بأنفسهما. وأما العين فإن كان ممن يتولاه ويتجر به وجبت الزكاة بلا خلاف أيضًا، وإن كان لا يتجر به جرى على الخلاف في المال المعجوز عن تنميته (٣). وهذا الذي قاله غير صحيح لأنّ المال هاهنا مهيأ للنماء، وإنما العجز من قبل المالك. ولا خلاف أن من كان من المكلفين عاجزًا عن التنمية أنه تجب عليه الزكاة، وهذا الإجماع عليه. وإنما الخلاف إذا لم يقدر على المال حتى يعدم فيه التهيؤ للنماء على ما سيأتي بيانه.
وقد قالوا في مال المفقود والأسير أن الناض منه لا يزكى لإمكان سقوط الزكاة منه بدين أو غيره، ويزكى الحرث والماشية. وعلل أبو الحسن اللخمي سقوطه لإمكان موت المالك، (٤) وهذه العلة يجب طردها في الجميع لأنه لا يعلم الوارث بعينه ولا مقدار ما يرث حتى تجب فيه الزكاة أو تسقط. وإنما علل في الرواية [بما ذكرناه من إمكان] (٥) سقوط الزكاة في العين.
وقد قال الأشياخ إن الوصي يحترز في إخراج الزكاة من خلاف أبي حنيفة فإن خفي [له] (٦) وأمن من المطالبة أخرج من غير مطالبة الحاكم (٧).
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) عندنا فيه.
(٣) التبصرة لوحة: ٥٦.
(٤) التبصرة لوحة: ٥٦.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) ساقط من (ر) و(ت) و(م).
(٧) (ق) حاكم.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وإن حاذر المطالبة فمذهب المخالف يرجع إلى الحاكم وعولوا على قوله في المدونة في الوصي يجد في التركة خمرًا أنه يرفع أمرها إلى الحاكم حتى يتولى كسرها وهذا محاذرة من مذهب المجيز تخليلها (١).
باب في زكاة العروض
(وجوب الزكاة في عروض التجارة وعدم وجوبها في عروض القنية ودَوْر النية في ذلك)
ولا خلاف [بين الأمة] (٢) أن عروض القنية غير مزكاة، وقد قال - ﷺ -: "لَيسَ عَلَى المسلم في عَبدِهِ وَلاَ في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (٣)، وقد فهمت الأمة من هذا سقوط الزكاة في عروض القنية، وهذا لِمَا قدمناه من اختصاص الزكاة بالأموال النامية لئلا يؤدي إخراجها من غير النامي إلى فنائه بالزكاة.
وأما عروض التجارة فتتعلق بها الزكاة على الجملة عند جمهور الأمة، ولنُبين (٤) ما يحصل به العروض ووصف التجارة [حتى تتعلّق بها الزكاة] (٥) فنقول: من ملك عرضًا فلا يخلو أن يملكه بغير معاوضة [كالميراث والهبة والصدقة وما في معنى ذلك، أو بمعاوضة.
فإن ملكه بغير معاوضة] (٦) لم يتعلق به حكم الزكاة وإن قصد به التجارة، كما قدمنا في غير هذا الباب من أن النية بمجردها لا تنقل
_________________
(١) انظر مواهب الجليل ٢/ ٢٩٣.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) أخرجه النسائي في الزكاة ٢٤٦٩، وأبو داود في الزكاة ١٥٩٥، وابن ماجه في الزكاة ١٨١٢.
(٤) في (ق) ويتميز.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
العروض عن الأصل، والأصل في العروض سقوط الزكاة وكونها معدة للقنية.
وإن ملَكه بمعاوضة فلا يخلو المدفوع عنه من أن يكون عوضًا أو عينًا؛ فإن كان عينًا انصرف بالنية إلى ما تصرفه إليه من التجارة أو القنية، لأنّ النية هاهنا ترده إلى أصل ما دفع فيه، فإن كان عرضًا فإن كان للتجارة فهو كالعين، وإن كان للقنية بنوْا بالمأخوذ عند القنية فلا شك في انصرافه إليها.
وإن نوى به التجارة فهل ينصرف إليها؟ قولان: أحدهما: أنه لا ينصرف لأنه مأخوذ عن عرض قنية، فحكمه حكمه. والثاني: أنه ينصرف إلى التجارة بحصول المعاوضة على الجملة.
ثم ما ينصرف بالنية لا يخلو من أن ينوي به التجارة أو القنية أو الغلة، أو لا ينوي شيئًا؛ فإن نوى به القنية فلا شك في انصرافه إليها كما قدمنا، وإن نوى به التجارة تعلقت به الزكاة، وإن نوى به الغلة (١) ففي تعلق الزكاة به إن بيع قولان: أحدهما: أنها تتعلّق به لأنه معدُّ للتنمية فأشبه عروض التجارة، والثاني: أنها لا تتعلّق به لأنه باق العين فأشبه عروض القنية.
فإن فقدت النية منه لم تتعلّق الزكاة به لأنه يرجع إلى الأصل، والأصل عدم الزكاة في العروض.
وإن نوى به اثنين مما قدمناه القنية والتجارة، [أو القنية والغلة، أو الغلة والتجارة] (٢)؛ فإن جمع بين القنية والتجارة ففي تعلق الزكاة به إن بيع قولان:
أحدهما: أنها لا تتعلّق، والثاني: أنها تتعلّق، وهما على الخلاف في اجتماع موجب ومسقط أيهما يغلب؟ وإن نوى القنية والغلة؛ فعلى مذهب
_________________
(١) في (ر) القنية.
(٢) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٩٩ ]
من يسقط الزكاة من المغتل تسقط هاهنا، وعلى مذهب من يوجبها يجتمع هاهنا موجب ومسقط، فقد يختلف فيه (١) قوله إلا أن يراعي الخلاف فيوجب. [وإن نوى الغلة والتجارة فعلى مذهب من يزكي المغتل تجب الزكاة هاهنا بلا شك، وعلى مذهب من لا يزكيه يجتمع موجب ومسقط فقد يختلف (٢) قوله إلا أن يراعي الخلاف فيوجب] (٣).
وتنتقل العروض التي للتجارة إلى القنية بالنية على ما قدمناه من أن النية ترد إلى الأصل، ولا تنتقل عروض القنية إلى التجارة بالنية لكن إن نوى بعرض التجارة القنية ثم عاد فنوى بها التجارة ففي رجوعها إلى ذلك قولان: أحدهما: أنها لا ترجع إذ لا تنتقل بالنية عن الأصل كما قدمنا. والثاني: أنها تنتقل (٤) لأنّ أصلها هاهنا التجارة فتعود إليها.
(حكم غلة ما اشتُري أو كري للتجارة أو غيرها)
واختلف في غلة ما اشتري للتجارة هل يكون فائدة يستقبل بها حولًا لأنّ التجارة إنما تتعلّق بعينه لا بغلته، أو يزكيه على حول الأصل [كما يزكي ثمنه لو بيع] (٥)، [وإذا تقرر هذا قلنا بعده:] (٦) وأما غلة ما اشتري للتجارة فلا خلاف أنها مزكاة على حول (٧) الأصل. وإذا تقرر هذا قلنا بعده من اكترى أرضًا أو كانت له، فزرعها؛ فلا يخلو من أن يكون الكراء للتجارة والزرع للتجارة، أو يكون الكراء (٨) للاستعمال والغلة للأكل، أو يكون أحدهما للتجارة والآخر لغير التجارة.
_________________
(١) في (ت) اختلف، وفي (م) يختلف.
(٢) في (ت) اختلف.
(٣) ساقط من (م).
(٤) في (ق) ترجع.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) ساقط من (ت).
(٧) في (ق) حكم.
(٨) في (ت) الكل للاستغلال.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
فإن كانا جميعًا للتجارة نُظِر، فإن حصل من الزرع [دون ما] (١) تجب فيه الزكاة أزكى ثمنه إذا بيع على حول أصله (٢)، وإن كان مقدار ما تجب فيه الزكاة زكاه عند حصاده وبنى [على] (٣) حول ثمنه إذا باعه] (٤) على أصل زكاة عينه.
وإن كانا جميعًا للقنية استقبل بالثمن حولًا، كان الحاصل منه مقدار ما تجب الزكاة في عينه أو لا تجب.
وإن كان أحدهما للتجارة والآخر لغير التجارة فقد اختلف؛ هل يعطى حكم الزرع للبذر والعمل، أو للأرض. فإن أعطينا الحكم للأرض نظر؛ فإن كانت للتجارة زكى، وإن كانت للقنية استقبل بالثمن حولًا. وإن أعطينا الحكم للبذر والعمل راعاهما على ما قدمناه في الأرض.
والمحكي عن أبي محمد عبد الحميد ﵀ (٥) أنه كان يسقط الزرع على البذر والعمل والأرض، ويعطي لكل واحد منهما حظًا من الزرع، فعلى هذا المذهب ينبغي أن ينظر إلى مقدار ما يقابل الشيء الذي للتجارة فيزكي ثمنه عند بيعه والذي للقنية يستقبل به حولًا.
وقد يقال هاهنا إنه قد اجتمع موجب ومسقط فيختلف هل يغلب الموجب أو المسقط على ما قدمناه ثم ينظر؛ فإن وافق حكم الأرض حكم البذر فذلك بيّن، وإن خالفه فأجراه على ما تقدم.
_________________
(١) في (ر) و(ت) ما لا.
(٢) في (ت) حول أصله.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) كان ثمنه إذا بيع.
(٥) هو: أبو محمد عبد الحميد بن محمد القيرواني المعروف بالصائغ الإمام المحقق تفقه بأبي حفص العطار وابن محرز وأبي إسحاق التونسي والسيوري وغيرهما، وبه تفقه الإمام المازري، له تعليق مهم على المدونة معروف كمل فيه الكتب التي بقيت على التونسي، وأصحابه يفضلونه على اللخمي توفي سنة ٤٨٦. شجرة ١١٧ (٣٢٧).
[ ٢ / ٨٠١ ]
فصل (حكم زكاة من اشترى أصول التجارة فأثمرت)
ولو اشترى أصولًا للتجارة فأثمرت فعلى مذهب من يجعل القنية (١) كفوائد يستقبل بالثمن حولًا، كانت مما تجب الزكاة في عينها أو لا تجب. وعلى مذهب من يوجب الزكاة على حكم الأصول ينظر، فإن لم تجب الزكاة في العين لأنها دون النصاب أو لأنها مما لا تجب الزكاة في عينه زكى ثمنها إذا باعها على حول الأصول، فإن وجبت الزكاة في عين الثمن (٢) بني حولها إذا باعها على يوم زكاها.
وقد كانت هذه المسائل بباب الفوائد أشبه، لكن ألحقناها بهذا الباب لما تعلق بها من حكم القنية والتجارة.
فصل (حكم زكاة العروض التي يترصد بها الأسواق دون إدارتها)
فإذا تقرر الفرق بين ما تتعلّق به الزكاة من العروض أو لا تتعلّق، واستوفينا ذلك خلافًا ووفاقًا، قلنا بعده: الزكاة تتعلّق عندنا بعروض التجارة على صفتين راجعتين (٣) إلى اختلاف حكم المتجر؛ فإن كانت العروض يترصد بها الأسواق وزيادتها دون إدارتها فلا تجب الزكاة حتى تباع، فتجب حينئذ إن تم حول أصلها، أو ينتظر تمامه إن لم يتم. ولو أقامت أحوالًا لم تبع لم تجب إلا زكاة واحدة. وهذا لأنّ الزكاة قد فهم من الشريعة أنها متعلقة بالنماء وبالعين لا بالعروض، فإذا قامت أحوالًا لم تبع فإنه لم يحصل فيها النماء إلا مرة واحدة، فلا تجب إلا زكاة واحدة. وهي قبل البيع عرض، والزكاة لا تتعلّق بالعروض، فإذا باع وجبت الزكاة.
_________________
(١) في (ق) و(ت) الغلات.
(٢) (ق) الثمرة.
(٣) في (ر) صنفين راجعين.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
(عدم جواز إخراج الزكاة قبل البيع وزكاة الدين قبل حلوله)
ولا يجوز عندنا أن يتطوع بالإخراج قبل البيع، فإن فعل فهل يجزيه؟
قولان: المشهور عدم الإجزاء، [وهذا لأنّ الزكاة لم تجب بعد. وأما الإجزاء] (١) فيمكن أن يكون مراعاة للخلاف أو بناء على جواز الإخراج قبل الحول.
وكذلك القولان عندنا في إخراج زكاة الدين قبل حلوله؛ المشهور (٢) المنع، لما قلنا من أن الزكاة لم تجب بعد. والإجزاء، إما مراعاة للخلاف وإما لأنها إنما تمنع من الإخراج لئلا يتلف (٣) الدين، أو يمنع مانع من اقتضائه. فإذا أخرج وسلم الديْن واقتضى، تبيّن صحة الإخراج وأنه واقعٌ موقعه.
فصل (حكم زكاة المال المدار)
وإن اكتسب العروض لإدارتها بالبيع والخلف، ويبيع بسعر الوقت ولا يرتصد الأسواق فهذا يجب عليه عندنا زكاة القيمة في العروض. لكن اختلف المذهب؛ هل تجب عليه الزكاة لعدم تحصيل حولٍ يزكي فيه، أو لأنه لما أكثر الإدارة في العروض صارت في حقه كالعين؟ وعلى هذا اختلف المذهب فيمن كان يبيع العروض بالعروض ولا ينض له عين، هل يجب عليه التقويم أم لا؟ المشهور أنه لا يجب.
فمن جعل الزكاة لاختلاط الأحوال قال لا تجب، ومن قال إنها صارت في حكم العين أوجب التقويم. وإذا قلنا إن التقويم لا يجب فهل
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) في (ت) حصوله والمشهور، وفي (ر) حلوله والمشهور.
(٣) في (ت) يلتف.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
ينتقل بذلك عن حكم الإدارة؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا ينتقل بل يكون على حكم الإدارة، [باقيًا عليه] (١)، فإذا نض له [درهم] (٢) واحد أو أقل منه وجب عليه التقويم. والشاذ أنه لا يجب عليه حتى ينض له مقدار النصاب فيزكي حينئذ ما نص [له] (٣)، ثم كلما باع زكى. وهذا حكم بأنه خرج عن حكم الإدارة.
وسبب الخلاف هل كونه لا ينض له عين فيجعل العروض كالبائرة (٤) القيمة فيخرجها عن حكم الإدارة ويجعلها كأنها باقية لم تزل، أولًا يلحقها بذلك لأنها قد تبدلت أعيانها فهي على الحقيقة متجر بها، لكن لا يقومها حتى يحصل عينًا فيجعلها تابعة له. وإذا راعينا حصول العين جعلناها باقية على حكم الإدارة، فهل يراعى حصول العين في إبان وجوب (٥) الزكاة أو حصولها على الجملة متى حصل؟ في المذهب قولان: المشهور أنه متى حصل وجب التقويم، إذ بحصوله خرجت عن حكم البوار، وقد حصل ما يزكى عينه في الحول. والشاذ مراعاة آخر الحول إذ به يتحصل الخطاب بالإخراج.
وإذا قلنا بوجوب الزكاة وإن لم ينض له شيء، فهل يخرج عرضًا بقيمته أو يبيع ويخرج عينه (٦)؟ في المذهب قولان.
والجاري على أصل هؤلاء أنه يخرج من العروض، إذ جعلوه في حكم العين. ومن قال بالبيع وإخراج العين، فإنما راعى الخلاف.
(ما الحكم إذا بارت عروض المدير؟)
وإذا بارت عروض المدير فهل يخرج بذلك عن حكم الإدارة ويرجع
_________________
(١) ساقط من (ت) وهو غير واضح في (ر) و(ق).
(٢) في (ق) و(م) ولو دينار.
(٣) ساقط من (ت).
(٤) في (ر) كالمدارة.
(٥) في (ر) وجوب إبان.
(٦) في (ق) أو بيعه ويخرج عينًا وفي (ت): أو بيع ليخرج ثثمنه.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
إلى النوع الأول الذي تجب فيه الزكاة بالبيع؟ في المذهب قولان. وسبب الخلاف هل يعطى الحكم للنية والنية (١) فيها الإدارة ولا ينتقل عنها إلا بنية الادخار، أو يعطى الحكم للموجود، وقد وجد (٢) فيه الادخار. وقال أبو الحسن اللخمي: إنما هذا (٣) إذا بار الأقل، فيختلف فيه هل يجعل تبعًا للأكثر أم لا؟ وعنده أنه إذا بار الجميع أو الأكثر لا يختلف في خروجها عن حكم الإدارة (٤). والمذهب يختلف على الإطلاق كما قلناه. وإذا (٥) قلنا بخروجها عن حكم الإدارة فهل مدة البوار الذي يحصل له بذلك محدوده [أم لا] (٦)؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنها غير محدودة، وهذا رجوع إلى العادة. والثاني: أنها محدودة بالعامين، وهذا تقريب، والأول هو الأصل.
(حكم المال الذي بعضه مدار وبعضه غير مدار)
وإذا كان المال على أسلوب واحد؛ إما إدارة، وإما ادخارًا للتجارة فحكمه ما تقدم. فإن اختلف لكون بعضه مدارًا وبعضه غير مدار، فإن تساويا أعطي كل نوع حكمه من غير خلاف، وإن اختلفا فثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالأول يعطي كل واحد حكم نفسه. والثاني: أن الأقل [تبع للأكثر، وهذا على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم أنفسها أو حكم متبوعاتها. والثالث: أنه ينظر فإن كان الأقل هو المدار] (٧) زكى (٨) القيمة، وإن كان الأقل غير المدار جعل تبعًا للمدار، وهذا تغليب لإيجاب الزكاة،
_________________
(١) في (ر) أو.
(٢) في (ر) الموجوب وقد وجب.
(٣) في (ر) وهذا.
(٤) التبصرة لوحة: ٦٠.
(٥) في (ر) ولذا.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) ساقط من (ر).
(٨) في (ت) راعى وفي (ق) زكاه.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
إذ المخالف يوجب الزكاة في العروض التي للتجارة سواء كانت مدارة أو غير مدارة، وإن كان الأقل غير مدار (١) أعطي حكم التبع تغليبًا لإيجاب الزكاة، وإن كان المدار الأقل بقي الأكثر على حكمه فلم يزكيه زكاة القيمة وزكى المدار على حكم نفسه.
(حكم زكاة دين المدير)
وهل يزكي المدير دينه؟ لا يخلو الدين من أن يكون مقصودًا به النماء كالبيع، أو غير النماء بالسلف (٢)؛ فإن قصد به النماء فالمشهور من المذهب أنه يزكيه إن كان يرجو (٣) اقتضاءه، والشاذ أنه لا يزكيه.
وسبب الخلاف هل يلحق الدين بالسلع وهو أقل منازله فيزكى، أو يلحق بما بار منها، أو يجعل (٤) في حكم العدم ما لم يقبضه فلا يزكيه. وإذا قلنا إنه يزكيه فهل بالقيمة أو بالعدد وإن كان ناضًا. أما الحال فيزكى عدده، وأما المؤجل ففيه قولان: المشهور أنه تزكى قيمته لا عدده، والشاذ أنه يزكى عدده، وهو على الخلاف فيما في الذمم، هل يعد كالحال أم لا؟ وفي المذهب [في ذلك] (٥) قولان وبيانهما يأتي في البيوع إن شاء الله.
وإن كان الدين لم يقصد به النماء كالسلف؛ فللمتأخرين قولان: أحدهما: أنه لا خلاف في المذهب أنه لا يزكى؛ لأنه خارج عن حكم قصد التجارة. والثاني: أن المذهب على قولين. وقد أطلق في المدونة زكاة الدين ولم يفصّل، وفصّل في غير المدونة فقال: يقوَّم ما كان من بيع دون ما كان من سلف. ولعل هذا الخلاف في غير المدار (٦) إذا كان يسيرًا، هل
_________________
(١) في (ر) فإن كان المدار الأقل، وفي (ت) فإن غير المدار الأقل.
(٢) في (ر) بالسلف.
(٣) في (ر) يرتجي.
(٤) في (ق) و(ت) ويجعل.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) المدونة.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
يعطى حكم نفسه أو حكم الأكثر؟ فيشترط في السلف على هذا أن يكون يسيرًا، فإن كان كثيرًا لم تجب الزكاة فيه قبل قبضه بلا خلاف.
وهل يقوم المدير ما كان من الدين (١) طعامًا من بيع؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه لا يقومه، لأنّ تقويمه بيع الطعام قبل قبضه. والثاني: أنه يقومه؛ لأنّ تقويمه هاهنا إنما هو يتميز حق المساكين. ولعل هذا على الخلاف في القسمة هل هي بيع أم لا؟ وفي ذلك قولان في المذهب.
وهل يقوم المدير ما استغله من الثمار والحَب؟ أما ما (٢) فيه زكاة العين فلا يقومه إن بلغ النصاب، وأما ما ليس فيه زكاة العين أو لم (٣) يبلغ النصاب فإن كان أكثر التجارة قوم الغلة كما تقدم، وإن كانت غلة المشترى للتجارة جرى على ما قدمناه من القولين (٤) هل غلتها فائدة يستقبل بها حولًا أم لا؟
(حكم آلات المدير)
واختلف المتأخرون في آلات المدير كأنوال (٥) الحائك وآلة العطار وما أشبه ذلك، فقال بعضهم لا يقومها لدوام بقاء أعيانها وأنه غير متجر بها، وقال بعضهم يقومها لأنها معينة على السلع المدارة. وهذا يجري على الخلاف فيما (٦) اشتُري من السلع للكراء، وقد تقدم في ذلك القولان.
_________________
(١) في (م) من الديون.
(٢) في (ر) وما.
(٣) في (ر) إن لم.
(٤) في (ر) القول.
(٥) في (ر) كنوال.
(٦) في (ر) فيمن.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
باب في زكاة الدين وزكاة الفوئد
(تعريف الدين وحكم زكاته)
ونحن نفرد كل واحد منهما بالكلام على أحكامه، ثم نذكر حكم اختلاطها؛ فأما الدين فهو عبارة عن كل ما يخرج (١) عن يد المالك إلى ذمة، فلا يزكيه (٢) ما دام في تلك الذمة حتى يقبضه بعد عام فأكثر، فإن قبضه وكان نصابًا أو مضافًا إلى مال عنده قد جمعه وأتاه (٣) الحول فكمل به النصاب فيزكيه زكاة واحدة. وقد قدمنا الخلاف إذا زكاه قبل قبضه [وقد مر عليه الحول. وقد ذكرنا أن سبب الخلاف هل وجبت الزكاة فيه قبل قبضه] (٤)، وإنما لم يخاطب بتعجيلها خيفة أن لا يقبضه أو يكون كعروض التجارة لا تجب الزكاة فيه إلا بعد القبض. وعلى هذا الأسلوب اختلف لو قبض منه عشرة لا يملك غيرها، ثم قبض عشرة أخرى هل يكون حول الجميع من يوم قبض الآخرة أو يكون حول كل واحدة منها من يوم قبضها؟ والمشهور أن حول الجميع من يوم قبض الآخرة، وهذا بناءً على أن الزكاة غير واجبة إلا بعد القبض. والشاذ أن حول كل واحدة [من] (٥) يوم قبضها، وهذا (٦) بناء على أن الزكاة واجبة. لكن لا يؤمر بتعجيلها خيفة [ألا يقتضي، فإذا اقتضى تبيين أنه كان مخاطبًا بها، فيبقى كل مال على [حول أصله] (٧).
وعليه أيضًا الخلاف لو اقتضى عشرة فضاعت، ثم اقتضى عشرة
_________________
(١) في (ق) كل مال خرج.
(٢) في (ر) فيزكيه.
(٣) في (ر) و(ت) وإياه.
(٤) ساقط من (ت).
(٥) ساقط من (ت).
(٦) في (ر) وهي.
(٧) في (م) حوله.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
أخرى هل تجب الزكاة أم لا؟ فمن رأى أنه مخاطب في الأول لكن لا يؤمر بالإخراج خيفة] (١) ألا يقتضي أوجب الزكاة وإن (٢) ضاعت، ومن رأى أنه غير مخاطب لم يوجبها إلا أن يبقى المال في يده حتى يكمل فيه النصاب.
وأما لو أنفق العشرة فالمذهب أنه (٣) على إيجاب الزكاة لأنه نصاب قد جمعه ملك وحول، وقد أنفق بعضه مختارًا. فيصير كالمفرط في إخراج الزكاة بعد الحول، فتجب في ذمته.
ورأى بعض المتأخرين جريان الخلاف وإن أنفق، وهو القياس على ما قدمناه من سبب الخلاف في الضياع. لكن فرقوا بينهما في الروايات كما قدمناه من أن الضياع قد يكون بغير سبب ولم ينتفع به، والإنفاق بسببه وقد انتفع به. ويكون كالمفرط في الإخراج بعد مضي الحول. لكن قال سحنون بالمساواة بين الضياع بسببه أو بغير سببه. وينبغي أن يكون الضياع بسببه (٤) كالإنفاق.
(قاعدة المذهب في حكم الدين)
ونرجع إلى قاعدة المذهب في حكم الدين فنقول إن ما ذكرناه أنه عبارة عن كل مال خرج من يد المالك، احترازًا من دين وجب في ذمته قبل أن يحصل في يد المالك. وهذا القسم يكون حَوْله من يوم قبضه ولا يزكيه عند قبضه، لأنه فائدة. ولو كان الدين حاصلا عن سلعة كانت للقنية فبيعت؛ فإن بيعت بنقد فحَوْل ثمنها من يوم قبضه، وإن بيعت بدين فمتى حول ثمنها؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يكون من يوم قبضه كالأول. والثاني: أنه يكون من يوم البيع. وهو على الخلاف في بيع النسيئة (٥)، هل
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) إن.
(٣) في (ت) كله.
(٤) في (ت) بغير سببه.
(٥) في (ر) القسيمة.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
هو نوع من أنواع التجارة أم لا؟ وهو خلاف في حال. وينبغي أن ينظر هل زاد في الثمن للتأخير فيكون مال أصرفه في شيء وجبت تنميته فتجب الزكاة، أو لم يزد في الثمن فلم تحصل التنمية فلا تجب الزكاة. هكذا يقوله بعض الأشياخ. وينبغي أن يكون هذا جاريًا على أصل آخر، وهو من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ فإن عددناه مالكًا كان هذا كالقابض لثمن النقد ثم صرفه في دين، فيكون حوله من يوم البيع. وإن لم نعده مالكًا لم يحصل له الثمن إلا بعد قبضه، ولا أصل له مزكى (١) يبني عليه وليستقبل به الحول من يوم قبضه.
فصل (زكاة بعض الدين المقبوض)
وإذا استحق الدين أن يزكى بعد (٢) قبضه لأنه من الصنف المملوك أصله، [أو ثمن سلعة للتجارة، أو غير سلعة القنية] (٣) بيعت بالدين على أحد القولين (٤). فإنه إن قبض منه عشرين دينارًا زكاها بلا شك، كان عنده مال يضيفه إليه أم لا. فإن قبض دون ذلك، فإن كان عنده مال قد جمعه وأتاه الحول فكمل به النصاب زكى، وإلا لم يزك حتى يكمل ما يقبضه عشرين دينارًا. وأما إن أضافه إلى مال عنده كمل النصاب على ما قدمناه، وإذا كمل له من المقبوض، أو منه ومما في يديه النصاب فيزكى حينئذ. فإن ما يقتضيه من دينه إن بقي منه شيء يكون حوله يوم قبضه ولو كان دينارًا واحدًا مثلًا.
وإذا زكى النصاب الأول فهل يبقيه على حوله ويكون حوله من يوم
_________________
(١) في (ت) وفي (ر) من كان.
(٢) في (ر) عند.
(٣) في (ر) وثمن سلعة مقنية، وفي (ق) أو من سلعة القنية.
(٤) في (ر) القولين في المذهب.
[ ٢ / ٨١٠ ]
زكاه، أو يضيفه إلى ما بعده لأنه نقص عن النصاب بالزكاة؟ في المذهب قولان: والمشهور أنه يبقيه على حوله، والشاذ أنه يضيفه إلى ما بعده.
وسبب الخلاف هل تراعى الطوارئ أم لا؟ فمن لم يراعها أبقاه على حوله فزكاه إذا حل، ومن راعاها أضافه إلى ما بعده؛ لأنه لا يأمن على ما بعده التلف. وان تلف لم تجب في الأول زكاة لأنه دون النصاب.
وإذا اختلطت عليه أحوال الاقتضاءات أضاف الآخر منها إلى الأول، لأنّ أكثر العلماء يوجبون الزكاة في الدين وإن لم يُقبض.
وإذا اختلطت أحوال الفوائد ففيها قولان: المشهور عكس هذا وأن الأول [منها] (١) يضاف إلى الآخر، والشاذ أنها كالديون. وإنما فارقت الديون على المشهور لأن جمهور الأمة لا يوجبون زكاتها حتى يمضي الحول بخلاف الديون.
وأما القول الآخر فيمكن أن يكون مبناه على مراعاة الخلاف الشاذ. وفي المذهب قولان في مراعاته.
أو يكون (٢) سبب الخلاف اجتماع موجب ومسقط وفي المذهب قولان أيهما يغلب؟ وقد تقدم ذلك. واستحسن أبو الحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولًا وسطًا لا ينبني على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها (٣).
وهذا له وجه أن يحصل الوسط (٤) في ذلك وهو جارٍ على أصل المذهب في مال تنازعه اثنان أنه يقسم بينهما، لأنّ التعجيل والتأخير قد تنازعه (٥) المساكين ورب المال، ولا يمكن تغليب (٦) أحد الجانبين مع
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) ويكون.
(٣) التبصرة لوحة: ٦٢.
(٤) في (ق) الأصل.
(٥) في (ر) تنازعها.
(٦) في (ق) تحصيل.
[ ٢ / ٨١١ ]
الشك، فيقسم بينهما. وهذا بناء على [إسقاط] (١) مراعاة الخلاف. ولو لم يكن لرب الديْن (٢) غيره، فاقتضى منه دينارًا ثم آخر فاشترى بالأول سلعة ثم بالثاني كذلك، فباع السلعة الأولى بعشرين دينار والثانية كذلك مثلًا. فإن كان شراؤه بالدينار الثاني بعد أن باع السلعة الأولى لم يترك (٣) إلا إحدى وعشرين دينارًا لأنّ التجر في الثاني وقع بعد أن وجبت الزكاة [في الأول] (٤)، ويستقبل بالربح الثاني حولًا من يوم وجبت الزكاة.
وإن كان شراؤه بالثاني قبل أن يبيع فإنه يزكي أربعين، لأنّ الربح وسببه حاصل قبل وجوب الزكاة في الأصل. وهذا على أن الأرباح مضافة إلى أصول (٥) الأموال. وأما على القول بأنها فوائد، يستقبل بالأرباح حولًا. وهكذا روى ابن نافع وأشهب عن مالك (٦) ﵀ في هذه المسألة.
ولو كان الشراء بالثاني (٧) أولًا، ثم بالأول؛ فإن اشترى بالأول قبل أن يبيع المشترى بالثاني، فلا شك أنه يزكي الأربعين كما قدمناه على المشهور. وأما على قول أشهب الذي يرى أن النصاب إذا أَكمل بالثاني، يبقى الأول على حوله. وإن كان دون النصاب فينبغي أن لا يزكي إلا إحدى وعشرين [دينارًا]، (٨)؛ لأنّ الغيب كشف أنه إنما اشترى بالأول بعد أن وجبت فيه الزكاة.
وأما إن كان شراؤه بالأول بعد أن باع المشترى بالثاني فلا شك أنه لا
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) و(ت) المال.
(٣) في (ق) و(ت) لم يزد.
(٤) ساقط من (ق) و(ر).
(٥) في (ق) رؤوس.
(٦) في (ت) هكذا روى ابن نافع وأشهب عن ابن وهب، وفي (م) روى ابن وهب وأشهب عن مالك.
(٧) في (ت) الشراء أولًا بالثاني ثم.
(٨) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٨١٢ ]
يزكي على القولين إلا إحدى وعشرين. هذا حكم الاقتضاءات على الجملة إذا انفردت.
فصل (زكاة الفوائد)
وجمهور الأمة على أن الفوائد يُستقبل بها حولًا ولا يُزكى عند ملكها، لما ثبت عنه - ﷺ - من إسقاط الزكاة قبل مضي الحول (١) لأنّ الشريعة سامحت أرباب الأموال فلم توجب عليهم إخراج الزكاة قبل انتفاعهم بالأموال. فإذا انتفعوا وكمل النماء المقصود وجبت الزكاة. والفوائد عبارة عن كل ما لم يتقدم (٢) عليه ملك ولا على أصله، كالغلات (٣) مثلًا. وقد قدمنا أن غلات السلع المقتناة فوائد، والقولان في غلات التجارة. وهذا الذي أجملناه يتضمن جميع أنواع الفوائد من العطايا والمواريث وما يجب في الدم من أروش الجنايات وأثمان السلع المقتناة وأنول الغلات.
وفي كتابة المكاتب خلاف، هل هي ثمن لرقبته أو حكمها حكم الغلة؛ فإن قلنا إنها ثمن لرقبته فيكون حكمها حكم أثمان الرقاب، فينظر هل المكاتب للتجارة أو للقنية، ويجري على حكم ما تقدم. وإن قلنا إنها كالغلات فيجري على حكم الغلات، وقد تقدّمت.
(حكم من أفاد نصابًا)
وإذا ثبت هذا قلنا [بعده] (٤) من أفاد مالًا فلا يخلو من أن يكون نصابًا أو دون النصاب، فإن كان النصاب أو عنده ما يكمل به النصاب جعل حوله
_________________
(١) أخرج الترمذي في سننه في كتاب الزكاة ٦٣١ عن ابن عمر قال: قال: رسول الله - ﷺ -: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه".
(٢) في (ت) عبارة غلات عن كل لم يتقدم.
(٣) في (ق) ولا على أصله ولو تقدم على أصله كالغلات.
(٤) ساقط من (ت) و(ر).
[ ٢ / ٨١٣ ]
من يوم أفاده، وإن كان دون النصاب فإن أفاد بعده ما يكمل به النصاب أضاف الأول إلى الثاني على مذهب ابن القاسم، وزكى الأول على حوله (١) على مذهب أشهب على ما قدمناه في مقتضي عشرة من ديْنه ثم عشرة، هل تعود العشرة (٢) الأولى إلى حولها؟
فإذا أكمل النصاب من غير زيادة عليه ثم أفاد بعده فائدة وزكى النصاب الأول بربع عشرة، فهل يعود (٣) لنقصه بجزء الزكاة إلى حول ما بعده؟ فيه قولان كما قدمناهما في من اقتضى عشرين ثم عشرة. والمشهور من المذهب أن الأول يبقى (٤) على حوله. والشاذ أنه ينتقل إلى حول ما بعده.
وإذا بنينا على المشهور فإنه يزكي كل فائدة على حولها إلا أن يصيرا جميعًا إلى ما ليس فيه الزكاة. ومثاله (٥) أن يستفيد عشرين في المحرم مثلًا ثم عشرة في رجب، فإذا حل حول المحرمية زكّاها [ثم إذا حل حول الرجبية زكّاها، فإن حل حول المحرمية مرة أخرى نظر ما إن لو أضافه إلى الرجبية كمل النصاب بها، زكّاها] (٦) حينئذ على المشهور من المذهب، ولم يزكها على القول الثاني حتى يحل حول الرجبية. ثم إذا حال حول الرجيبة نظر أيضًا؛ فإن كان فيها وفي المحرمية نصاب زكّاها حينئذ، وإن لم يكن فيهما النصاب لم يترك.
وإذا مر الحول بالأولى (٧) فاعتبرهما (٨) فقصر عن النصاب حتى أتى
_________________
(١) في (ر) على حاله.
(٢) في (ر) من مقتضى عشرة هل تعود العشرة، وفي (ت) في من اقتضى عشرة ثم عشرة.
(٣) في (ر) تعود.
(٤) في (ق) أن الأولى تبقى.
(٥) في (ت) ومثال.
(٦) ساقط من (ر) وغير واضح في (ت).
(٧) في (ق) فالأولى.
(٨) في (م) هذا.
[ ٢ / ٨١٤ ]
حول الثانية وهما على نقصهما (١) عادا إلى حول واحد إن كان فيهما بعد ذلك النصاب بتجر، فإن وقع التجر قبل ذلك أضاف الحول إلى يوم وقع الربح. ولا يخلو من أن يحصل قبل حلول حول الثانية أو بعده أو معه؛ فإن حصل قبل حلول الثانية انتقل حول الأولى إليه وبقيت الثانية على حولها، وإن حصل بعد حول (٢) الثانية صار حولهما جميعًا واحدًا، وإن حصل مع حول الثانية فكذلك أيضًا يصير حولهما جميعًا واحدًا.
والتمثيل (٣) بما قدمناه في العشرين المحرمية والعشرة (٤) الرجبية فإذا جاء المحرم فاعتبرهما فوجدهما ناقصين عن النصاب فإنه لا يزكي، وإن اتجر فيهما أو في أحدهما فكمل النصاب [في ربيع] (٥) انتقل حول المحرمية إليه، وبقي حول الرجبية على حاله، فإن بقي على نقصهما (٦) حتى أتى حول الرجبية وهما كذلك، ثم اتجر بهما أو بأحدهما فكمل النصاب في شعبان مثلًا، صار حولهما جميعًا شعبان. وإن كمل النصاب في رجب صارتا جميعًا رجبتين.
ولو (٧) زكى الأول [في المحرم] (٨) لأنّ معه منها ما فيه النصاب، ثم نقصا (٩) بعد ذلك حتى أتى رجب، فاعتبرهما فلم يكن فيهما النصاب، ثم اتجر بهما أو بأحدهما فكمل نصابه قبل المحرم، فإنه ينتقل حول الثانية إلى يوم كمال نصابه، [ويبقى حول الأول على حاله. وأصل هذا أنهما يبقيان على حولهما ما لم يمر حول الأولى] (١٠) وحول الثانية، وليس فيهما مقدار
_________________
(١) في (ق) تقصيرهما.
(٢) في (ر) و(ت) حلول.
(٣) في (ق) والممثل وفي (ت) ويمثل.
(٤) في (ر) والعشرين.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) تصغيرهما.
(٧) في (ر) ولو كان.
(٨) ساقط من (ت).
(٩) في (ق) نقصت.
(١٠) في (م) ويلغى حول الأولى، وفي (ت) ويلغى الحول الأول، وفي (ق) ويبقى حول الأول وأصل هذا أنهما يبقيان على حولهما ما لم يمر حول الأول.
[ ٢ / ٨١٥ ]
النصاب. وأن الأرباح مزكاة على حول الأول (١) فإذا حصل الإكمال (٢) بالربح عُدَّ (٣) كأنه لم يزل حاصلًا. لكن لا تجب الزكاة إلا يوم الحصول فجعل الحول من يوم حصل الإكمال وتفصيل هذا الإجمال (٤) ما قدمناه.
فصل (حكم زكاة فائدتين جمعتا في ملك وحول)
وإذا جمع الفائدتين في ملك وحول زكيت إحداهما بالأخرى من غير خلاف. لكن هل يكون حولهما واحدًا أو يعود حول الأول إلى يوم استفادهما؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك؛ ومثاله مسألة العشرتين (٥). فإن لم يجمعهما حول واحد واجتمعا في ملك، ومثاله أن يستفيد عشرة فتقيم عنده في يده ستة (٦) أشهر، ثم يستفيد عشرة فتقيم الثانية ستة أشهر، فبعدها ينفق الأولى أو تضيع، ثم تبقى الثانية إلى تمام الحول. فابن القاسم يسقط الزكاة لأنه لم يكمل عنده نصاب حال عليه الحول، وأشهب يوجبها. وهو بناءً على ما قدمناه من أصله أن الزكاة الأولى قد وجبت، وإنما لم يؤمر بالإخراج خوفًا من ضياع الثانية.
فصل (حكم اجتماع اقتضاءات وفوائد)
وإذا اجتمعت اقتضاءات وفوائد، وقد اجتمعت الفوائد وأصل الديون
_________________
(١) في (ق) و(ت) الأصول، في (م) الأصل.
(٢) في (م) و(ق) النصاب.
(٣) في (م) صار.
(٤) في (ق) و(ت) على ما قدمناه.
(٥) في (ر) العشرين.
(٦) في (ر) و(ت) تسعة.
[ ٢ / ٨١٦ ]
في ملك وحول فإنه ينظر فإن كان في كل صنف من الاقتضاءات والفوائد مقدار النصاب لم يضف حول شيء منها إلى الأخرى، إلا أن يتفق حول الفوائد (١) ووقت الاقتضاءات. وإن قصرت عن النصاب متفرقة وأكملته مجموعة، فإنه يضيف الفوائد إلى ما بعدما (٢) والاقتضاءات إلى ما قبلها من صنفها، وهذا لأنّ الديْن حال الحول على أصله. وإنما لم يزد (٣) ما يقتضي منه وإن (٤) كان دون النصاب؛ إما خوفًا ألا يقتضي، وإما لأنه لا يعد مستقرًا في ذمته إلا بعد اقتضائه. فإذا اقتضاه تبيّن وجوب الزكاة فيرده إلى ما قبله. والفوائد لم يحل (٥) على أصلها حول فيضيفها إلى ما بعدها مما حال عليه الحول؛ ومثال هذا أن يقبض (٦) عشرة ثم عشرة فإنه يزكي العشرة الثانية، أنفق الأولى أو أبقاها على ما قدمناه. لأنّ الثانية مضافة إليها.
وإن استفاد عشرة ثم اقتضى عشرة فلا يضيف الفائدة إلى الدين إلا أن تبقى في يده حتى يحول عليه الحول عند ابن القاسم (٧)، وحتى يقضي عند أشهب على ما قدمناه (٨) في المال إذا جمعه ملك ولم يجمعه حول.
ولو اجتمعت فوائد وديون ولو أضاف الفوائد مفردة إلى ما بعدها (٩) لم يكمل منهما النصاب ولو أضاف الدين إلى ما قبله، لكنه إن أضاف بعضه إلى بعض كمل به النصاب.
وقد اختلف المتأخرون على قولين: فمنهم من أوجب الزكاة لما كان
_________________
(١) في (ق) حلول حول الفائدة.
(٢) في (ر) ما بعدها من الاقتضاءات والاقتضاءات.
(٣) في (ت) لم يترك وفي (ق) لم يزك.
(٤) في (ت) إن.
(٥) في (ر) يصحل.
(٦) في (ق) و(ت) أن يقتضي.
(٧) في (ق) و(ت) أشهب وحتى يقبض عند ابن القاسم.
(٨) في (ق) و(ت) على ما قدمناه عنهما.
(٩) في (ر) وديون أضاف الفوائد إلى ما بعدها.
[ ٢ / ٨١٧ ]
الدين يقتضي الإضافة إلى ما قبله، والفوائد تقتضى الإضافة إلى ما يضاف بعضه إلى بعض من الدين. وأسقط بعضهم اعتبارا بكل صنف منفردًا إلى ما يضاف إليه، ومثال هذا أن يقتضي عشرة ثم بعدها يستفيد عشرة ثم يقضي خمسة، وقد أنفق العشرة التي اقتضى أولًا. فهذه الخمسة إذا أضفناها إلى العشرة الأولى المقتضاة لم تكن فيها زكاة. وإن أضيفت العشرة (١) إليها فكذلك أيضًا. فمن اعتبرهما أسقط، وإن أضيفت العشرة الفائدة إليها صارت خمسة عشرة؛ فالخمسة مضافة (٢) إلى ما قبلها فكأنها واسطة بين الفائدة والاقتضاء الأول، فتجب إضافتها إلى كل واحد منهما، فيقتضي ذلك إضافة الجميع.
فمن اعتبر هذا أوجب الزكاة، لكن إنما اختلفوا هل تجب الزكاة في الخمسة المقتضاة خاصة، لأنها تزكى بالملكيين. وسمعنا في المذاكرات وجوب الزكاة في الجميع عند بعض الأشياخ، وهو مقتضى ما عللنا به بعد.
وكذلك لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة ثم بعدها اقتضى دينارًا فيجري هذا الخلاف في الدينار أو في (٣) الجميع حسب ما ذكرناه. ولو كان الاقتضاء عشرة لم يختلف في وجوب الزكاة في الجميع لأنها كيفما أضيفت على الانفراد وعلى (٤) الاجتماع وجبت الزكاة. وعلى هذا القانون (٥) تجري مسائل خلافية في زكاة خليط الخليط هل توجب الواسطة اجتماع (٦) الجميع أم لا؟ وسيأتي بيانه في حكم زكاة الخليط.
_________________
(١) في (ق) و(ت) الفائدة.
(٢) في (ق) والعشرة والخمسة مضافة
(٣) في (ق) و(ت) وفي.
(٤) في (ق) أو.
(٥) في (ت) القياس وفي (ر) الخلاف.
(٦) في (ر) إجماع.
[ ٢ / ٨١٨ ]
فصل (مسائل خلافية من الفوائد)
ولنذكر (١) من الفوائد مسائل خلافية وهي:
(حكم المال الموروث)
المال الموروث، وقد قدمنا أنه فائدة يستقبل به حولًا وذلك إذا قبضه من وجب له عند استحقاقه، أو قبضه وَكِيلُه بإذنه وأتاه به من غير حبس عنه. فإن حبسه فقولان: أحدهما: أنه كالأول يزكيه من يوم قبضه وكيله لأنّ يده كيده، والثاني: أنه يزكيه للسنة الواحدة وإن أقام في يد الوكيل أعوامًا تشبيهًا بالدين. وإن تأخر قبضه أو قبض وكيله عن يوم الاستحقاق حتى قام عامًا أو أعوامًا، فلا يخلو من أن يكون علم به أو لم يعلم.
فإن لم يعلم به ولم يوقفه السلطان له فلا خلاف أنه يستقبل به حولًا من يوم قبضه. هذه نصوص الروايات. وأبو الحسن اللخمي يحكي قولًا ثانيًا: أنه يزكيه من يوم وجب له (٢). وهذا إن صح فإنما يكون وجهه أنه مال يملكه، وهو مهيأ للتنمية. وعجز مالكه عن تنميته لا يوجب إسقاط الزكاة كالعاجز عن تنمية ما في يده.
وإن علم فقولان: أحدهما: أنه يكون كالمقبوض، وهذا يظهر إذا قدر على أخذه فلم يفعل. والثاني: أنه لا يكون كالمقبوض لأنه لم يحصل فيه النماء المقصود أو القدرة عليه إلا يوم يقبضه.
وإن أوقفه السلطان، فهل يكون قبض الموقوف عنده كقبضه؟ قولان: أحدهما: أنه لا يكون كذلك لأنه بكل حال عاجز عن التنمية. والثاني: أنه يكون كقبضه لأنه عمل فيه أقصى المقدور عليه، وقبض السلطان للغائب كقبضه.
_________________
(١) في (ق) ونذكره.
(٢) التبصرة لوحة: ٦٤.
[ ٢ / ٨١٩ ]
وإذا قلنا إنه يكون كقبضه فأقام أعوامًا، فهل يزكيه لسنة (١) واحدة كالديون أو لجميع الأعوام؟ فيه قولان. وتزكيته لجميع الأعوام تحقيق لأنّ المُقام قبض (٢) كقبضه. وهذا حكم من يقبض لنفسه من الرشداء. وأما الصغار والسفهاء فهل يكون قبض الأوصياء ومن أقيم لهم قبضًا؟ لا خلاف في ذلك إذا قبض الوصي أو المقام لهم نصيبهم خاصة.
وأما إن قبض نصيبهم ونصيب الأكابر مختلطًا ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يكون قبضًا لهم. والثاني: أنه لا يكون كذلك. وهو على الخلاف في قسمته على الجميع هل تصح وإن لم يحضر الأكابر.
ومما يلاحظ هذا الأصل المال المغصوب يقيم (٣) عن صاحبه. فأما حكم الحرث والماشية فنحيل الكلام عليها على الكتاب الثاني، وأما العين فلا خلاف في المذهب أنه لا يزكيه لكل عام. وهل يزكيه لعام واحد أو يستقبل به حولًا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يزكيه لعام واحد، لأنه ملكه في طرفي الحول (٤) كالدين، وهو المشهور. والثاني: أنه يستقبل به حولًا، لأنه مال معجوز عن تنميته من غير اختيار لمالكه.
(حكم المال يضيع ثم يعود إلى صاحبه)
ويلحق به المال يضيع عن صاحبه فيلتقط ثم يعود إليه، هل يستقبل به حولًا أو يزكيه (٥) لعام واحد أو لكل عام؟ فيه ثلاثة أقوال هي جارية على ما تقدم.
وهل يزكيه ملتقطه إذا كان له عروض يجعل ما في ذمته فيها؟ أما إن لم ينو (٦) تملكه فلا شك أنه لا يزكيه. وأما إن نوى تملكه أو تسلفه أو
_________________
(١) في (ق) و(ت) كقبضه فهل يزكيه سنة.
(٢) في (ر) لأنه قبض.
(٣) في (ر) ويقوم.
(٤) في (ر) على الدين.
(٥) في (ر) ويزكيه.
(٦) في (ر) يبق.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
تصرفه فيه فلا إشكال أنه يزكيه، وأما إن نوى ولم يتصرف فقولان: أحدهما: أنه يزكيه. والثاني: أنه لا يزكيه. وهما على الخلاف في مجرد النية هل تؤثر، وينتقل [حكم] (١) الحيازة أم لا؟ لأنه كان أولًا يحفظه لصاحبه ثم قصد انتقال اليد (٢) ففي هذا الأصل في المذهب قولان.
ومن هذا القبيل المال يدفنه صاحبه ثم يجده بعد أعوام؛ ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنه يزكيه لما مضى من السنين لأنه مفرط. والثاني: أنه يزكيه لسنة واحدة تشبيهًا بالدين. والثالث: أنه إن دفنه في موضع صحراء زكاه لما مضى من السنين لأنه عرضه للتلف، وإن دفنه في بيت أو ما في معناه لم يزكه لما مضى من السنين، لأنه لم يفرط. والرابع: عكس هذا، ويرى أنه إذا دفنه في موضع يحاط به فكأنه مقصر (٣) في وجوده، فهذا كالمقدور عليه، وإذا دفنه في صحراء أو ما في معناها فهو كالتالف.
(حكم المال المهيأ للتنمية)
وقد يحصل من جميع ما تقدم أن المال [إذا تهيأ للتنمية وكان مالكه قادرًا على تنميته] (٤) غير عاجز لا لتقصير (٥) في المالك إن وجد فلا خلاف في المذهب أنه يزكيه لكل عام. وهذا كالمال يكون في يد المالك وتحت قدرته. وسواء كان صغيرًا أو كبيرًا، سفيها أو رشيدًا. وقد قدمنا ما قال أبو الحسن اللخمي في الصغير والسفيه، وتخريج الخلاف فيهما ضعيف.
(حكم المال المعجوز عن تنميته)
وإن كان المال في نفسه مهيئا للتنمية لكن عجز مالكه عن تنميته لأنه غير قادر على التصرف فيه للمنع أو لعدم العلم أو لبعد مكانه عنه؟ فثلاثة
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) في (ر) ثم فصل انتقاله النية.
(٣) في (ق) مقر.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ت) إلا.
[ ٢ / ٨٢١ ]
أقوال على الجملة: وجوب الزكاة لكل عام، ووجوبها لعام واحد، وسقوطها. وهل يعتد (١) عليه من غير علمه وتفريطه من غير تفريطه فيه التفصيل المتقدم.
ولم (٢) يختلف في المذهب في العين المغصوب أنه لا يزكيه لكل عام (٣) وإنما يختلف (٤) هل يستقبل به حولًا أم لا؟ ولم يختلف في الدين أنه يزكيه لعام واحد كما قدمناه. واختلف فيمن عليه دين فوهب له عند حلول الحول هل يستقبل به حولًا (٥) أم لا؟ وهذا لأنّ المديان لا يزكي لأنه غير كامل الملك لقدرة من له عليه دين على أن ينتزع (٦) ماله من يديه. فإذا وهب له (٧) فهل يكون كأن لم يزل مالكًا لما وهب له لظهور الأمن من الانتزل أو كأنه إنما ملكه الآن؟ وهذا على الخلاف في المترقبات متى يعد حصولها حقيقة. وأما الخلاف في المال المحال [به] (٨) فنؤخر الكلام عليه إلى زكاة المديان.
فصل (حكم زكاة المنافع)
واختلف المذهب في الواجب في (٩) المنافع هل يقدر استقرار ملكه يوم قبضه أو يوم استفاء العوض عنه؟ وعلى هذا اختلف المذهب فيمن
_________________
(١) في (ق) و(ت) وهل يفتقر.
(٢) في (ت) ولكن لم وفي (ق) لكن لم.
(٣) في (ق) إلا لعام واحد.
(٤) في (ق) اختلف.
(٥) في (ق) أو يزكيه الآن وهذا لأن.
(٦) في (ر) ينزع.
(٧) في (ر) وهبه.
(٨) ساقط من (ر).
(٩) في (ر) عن.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
استأجر (١) نفسه ثلاث سنين مثلًا بستين دينارًا فقبض (٢) جميعها ثم مر حول، هل يزكي العشرين خاصة إذا كانت الأحوال (٣) متساوية إذ لم تجب حقيقة غيرها؟ أو عن الجميع لأنّ الأصل السلامة وهي على الأصل الذي قدمناه؟ وذلك الأصل أيضًا مبني على حكم المترقبات متى يعد حصولهما، أو يلتفت إلى حكم الطوارئ هل تراعى أم لا؟
وينخرط في هذا السلك لو استأجر دارًا لسنين (٤) وقبض جميع الكراء في أول الحول هل يزكي الجميع أو لسنة واحدة فيبقى ما قابل غيرها لأنه دين عليه؟ أو يجعل دينه في مقابلة الدار؟ وهل هي صحيحة أم مهدومة لتعرضها للانهدام؟ في المذهب في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه يزكي الجميع، وهذا بناءً على أن الإجارة وجبت يوم القبض، ولا يلتفت إلى الطوارئ. وبتخرج هذا أيضًا على القول بأن من له عين مختلفة الأحوال وعليه دين، أنه يزكي ما حل حوله ثم يجعل دينه فيه، ثم يزكي المال الآخر فكذلك هذا. وفي مسألة المستأجر نفسه يزكي عن (٥) سنة واحدة إذا كان في الواجب عنها مقدار النصاب أو كان (٦) يملك ما يتم به النصاب، ثم يجعل دينه فيما زكاه، [ويزكي الباقي إن كان ما زكاه يوفي دينه.
والقول الثاني: في مسألة المستأجر (٧) للدار أنه لا يزكي غير ما حلَّ حوله من السنَّة الأولى وهذا بناء على أنه لم يجب غيرها، والباقي لم يجب، ويلتفت (٨) على الشاذ من المذهب أن الدين] (٩) يجعل في العين لا في العروض.
_________________
(١) في (ق) أجر.
(٢) في (ر) و(ت) وقبض.
(٣) في في (ر) الأولى.
(٤) في (ت) و(ق) سنين.
(٥) في (ر) على.
(٦) في (ر) وكان.
(٧) في (ت) المستأخر.
(٨) في (ر) وليلتفت.
(٩) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
والثالث: أنه يزكي ما قابل (١) السنَّة ويجعل الدين الذي عليه في قيمة الدار صحيحة، لأنّ الأصل صحتها وانهدامها طارئ، وهو بناء على ترك مراعاة الطوارئ.
والقول الرابع: أنه يجعل ديْنه في قيمة الدار مهدومة لجواز انهدامها. وهذا مبني على مراعاة الطوارئ وإن بعدت.
وقد أتينا بأحكام الفوائد مستوفًا (٢) تصريحًا وتلويحًا، ولا يكاد يشذ من أحكامها شيء عما أتينا به.
باب في أحكام الزكاة في الدين (٣)
وقد قدمنا أنه يراعى في المالك كمال الملك، فإن كان كاملًا وجبت الزكاة، وان كان ناقصا لم تجب. وقد قدمنا أن النقص يكون بالتعرض لانتزاع ما في يد المالك، وهذا كالعبد والمديان. ولا تجب الزكاة عندنا على العبد في [كل] (٤) أمواله. فأما المديان فتسقط عنه زكاة العين الحولي إذا استغرقه (٥) الدين، أو لم (٦) يبق منه نصاب، واحترزنا بالحولي عما يخرج من المعدن فإنه لا يسقط الدين زكاته. وقد رويت أحاديث تقتضي سقوط الزكاة بالدين (٧).
_________________
(١) في (ق) ما قبل.
(٢) في (م) و(ت) مستوفيا.
(٣) في (ق) المديان.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ر) استغرقها.
(٦) في (ر) وإن لم.
(٧) من ذلك ما رواه مالك في الموطأ "عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤدي دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة" فهذا الأثر روي عن عثمان وله حكم الرفع.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
والفرق المحقق بين العين الحولي وما عداه أن الدين خفي ولو كان معلوما بالبينة، فإن خلو الذمة عما يقابله لا يكاد يقطع به. فلما كان هذا مما يخفى سقط (١) زكاة ما يخفى من الأموال. وأما ما لا يخفى فلا تسقط زكاته لئلا يتطرق المتساهلون في إخراج الزكاة إلى إظهار الدين، فيمتنع من إخراج زكاة ما ظهر من أموالهم. يعضد (٢) هذا بأن السلف كانوا يبعثون أرباب الزكاة لأخذ الزكاة ولا يراعون ديون أرباب الأموال. وقد قدمنا [أن] (٣) الإشارة إلى ما روي من الأحاديث في أن الدين يسقط الزكاة. وكان عثمان ﵁ وغيره يأمر بأداء الدين عند حلول الأحوال حتى تجب الزكاة. فيؤخذ من مجموع هذا وجوب الزكاة في غير المال الحولي، وإسقاطها فيه على مقتضى المذهب.
وإذا تقرر ما قدمناه (٤) فإن المقصود من الباب ينحصر في فصلين: أحدهما: في حكم الدين المسقط للزكاة، والثاني: في حكم العروض التي يجعل فيه الدين. وهل يحصل في العين؟
فصل (الدين المسقط للزكاة)
فأما الدين المسقط للزكاة، فهو كل دين وجب في معاوضة. ويخرج عن هذا، الدين الواجب للمساكين في الزكاة. وفي المذهب فيه قولان:
أحدهما: أنه كدين المعاوضة يسقط الزكاة، لأنا قد عللنا إسقاط الزكاة بقدرة من له الدين على انتزاع ما في يد المالك، وهذا من ذلك القبيل.
_________________
(١) في (ر) سقوط.
(٢) في (ت) يوحي.
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
(٤) في (ق) قلناه.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
والثاني: أنه لا يسقط (١)، وهذا لضعف أمر هذا الدين. إذ لا يلزم بعد الموت من رأس المال، بل من الثلث (٢) لإمكان إخراجه. ولا يخرج عن (٣) الديون الواجبة من قيم المتلفات وأروش الجنايات، لأن هذه وإن لم يؤخذ عنها معاوضة فقد أتلف (٤) عنها عوضًا. ولا يخرج عنها (٥) أيضًا نفقة الزوجات، لأن النفقة في حقهن في مقابلة الاستمتاع، فهي كالمعاوضة.
وهل يلحق بذلك نفقة من تجب نفقته من الأقارب؟ أما نفقة الولد فإن قضي بها واستقر الطلب (٦) فلا خلاف في المذهب أنها تسقط الزكاة، لأنها واجبة في الأصل، وقد تقررت بالطلب. وأما نفقة (٧) الأبوين فإن لم يقضِ بها لم تسقط، لأنها غير واجبة في الأصل. وأنما تجب بعد المطالبة بها والقضاء. فإذا قضي بها فقولان: أحدهما: أنها تسقط لتقررها بالقضاء، والثاني: أنها لا تسقط نظرًا إلى أنها غير واجبة في الأصل. فإن لم يقض بنفقة الولد فهل تسقط الزكاة؟ قولان: أحدهما: أنها لا تسقط نظرًا إلى أنها لم تجب عن معاوضة، فلا تقرر إلا بقضاء. والثاني: تسقط لوجوبها في الأصل.
وهل يسقط [الدين] (٨) الزكاة ما العادة أنه لا يبادر لأخذه بل يبقى في الذمم إلى الأجل البعيد، كمهور النساء؟ فيه قولان: أحدهما: (٩) أنه يسقط، لقدرة مالكه على المطالبة به. والثاني: أنه لا يسقط نظرًا إلى أن العادة ترك المطالبة به إلى موت أو فراق.
_________________
(١) في (ر) يسقط.
(٢) في (ق) ولا من الثلث.
(٣) في (ق) و(ت) عنه.
(٤) في (ق) تلف.
(٥) في (ق) و(ر) عنه.
(٦) في (ر) بالطلب.
(٧) في (ر) ولا نفقة.
(٨) ساقط من (ر).
(٩) في (ق) المشهور.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
فصل (ما يجعل الدين فيه)
وأما ما يجعل (١) الدين فيه، فالمشهور في المذهب أنه [يجعل] (٢) في العروض دون العين. وهذا لأن العروض تباع عليه في الدين، وهو مليء بها ويبقى العين لا دين عليه فيه فيخرج زكاته. والشاذ أنه يجعل دينه في العين إذ للغرماء جعل ديونهم [في العين ولا يؤخرونها لبيع العروض. وإذا قلنا إنه يجعل دينه] (٣) في عروضه فهل يشترط فيها أن يملكها من أول الحول أو يجعل (٤) دينه فيهما؟.
وإن ملكها عند توجه (٥) الزكاة، في المذهب قولان: أحدهما: مراعاة ملكها من أول الحول، لأنها إن لم تكن كذلك لم يقدر استقرار ملكه على العين إلا يوم ملك العروض. فقد حال الحول [على] (٦) ما لم يستقر ملكه عليه.
والثاني: أنه يترك مراعاة ذلك، وهذا بناء على أن المترقبات تعد كأنها لم تزل. وقد قدمنا الخلاف لو وهب له الدين هل تجب عليه زكاته؟ فهذا من ذلك القبيل.
والعروض التي يجعل فيها دينه كل ما يباع عليه في الدين، ويترك عليه من كسوته ما لا يعد سرفًا لمثله وثوبي جمعته (٧) إن لم يكن سرفًا (٨) فيتركان.
_________________
(١) في (ق) يجمع.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ت) و(ر) ويجعل.
(٥) في (ق) توجب.
(٦) ساقط من (ت).
(٧) في (ق) وثوبًا جمعته وفي (ر) وثوبًا لجمعته.
(٨) في (ر) قاس.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
وهل يترك له خاتمه؟ في المذهب قولان. وهما خلاف في حال، فمن الأشخاص من يكون الخاتم في حقه سرفًا، ومنهم من عكسه.
ولو كان له عين مختلف (١) الأحوال كما تبيّن، مثلًا حَوْل أحدهما المُحَرَّم والآخر رجب وعليه مائة، فهل (٢) يزكي (٣) الأولى ثم يجعل دينه فيها، ثم يزكي الثانية إلا ما نقصه (٤) مقدار الزكاة؟ في المذهب قولان: وجوب الزكاة فيهما احتياطًا لها. والقياس على أصل المذهب أنه لا يزكي إلا مائة، وهو أحد القولين.
فإن كان له دين وعليه دين وبيده عين جعل دينه في الدين (٥) الذي له على المشهور من المذهب، وعلى الشاذ الذي قدمناه يجعل دينه فيما بيده [من العين كما قدمناه] (٦). وإذا قلنا إنه يجعل دينه في ما له (٧) فهل قيمته أو عدده؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يراعي قيمة دينه، والثاني: عدده، والثالث: أنه إن كان حالًا وكان على مليء روعي عدده، وإن كان مؤجلًا أو على غير مليء روعيت قيمته، وهذا هو الأصل.
ويمكن أن يكون تفسيرًا للقولين. ولو كان له مال لا تسقط الزكاة منه للدين لجعل دينه فيه، وهذا إذا كان مالًا معدنيًا لم يختلف فيه، وأما إن كان حرثًا أو ماشية فالحكم كالأول على مشهور المذهب، وعلى الشاذ: لا يجعل فيه الدين بل في العين.
ولو كان له مكاتب لجعل فيه دينه على المشهور من المذهب. وفي أي شيء يجعل دينه؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجعل في قيمته عند إمكان
_________________
(١) في (ر) يختلف.
(٢) في جمغ النسخ "وهل"، وما أثبته من (ل).
(٣) في (ر) يترك.
(٤) في (ت) نقص وفي (ر) ينقص في.
(٥) في (ر) العرض.
(٦) ساقط من (ر) و(ق).
(٧) في (ر) فيما عليه.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
رجوعه إلى الرق بالعجز، وهذا احتياطًا للزكاة. والثاني: أنه يجعله في قيمة كتابته لأنها هي التي يملك (١) بيعها. والثالث: أنه يجعله في قيمته مكاتبًا لأنه (٢) يملك بيعها [كذلك] (٣).
وأما المدبر (٤) ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجعله في رقبته بوجه (٥)، وهذانظرًا إلى أن بيعه [لا] (٦) يمكن من غير التفات إلى إمكان رجوعه إلى الرق. والثاني: أنه يجعل فيه (٧).
وإذا قلنا بذلك [ففي أي شيء يجعله؟] (٨) قولان: أحدهما: أنه يجعله في رقبته لضعف عقد الحرية [التي فيه] (٩)، إذ قد يرده الدين بعد الموت. والثاني: أنه يجعله في قيمة خدمته، لأنها المملوك (١٠) بيعها الآن. وهذا كله إذا تقدم التدبير على الدين. وأما إن تأخر عنه فلا يختلف فيه أنه يجعل دينه في قيمة رقبته، إذ تباع للدين السابق على التدبير.
وأما المخدم (١١) فإن كان له عبد فأخدمه، فالمنصوص أنه يجعل دينه في مرجع رقبته. وقد يختلف في ذلك لترقب (١٢) موته قبل الرجوع. وإن كانت الرقبة لغيره وإنما أعطي الخدمة، فيجعل دينه في الخدمة.
_________________
(١) في (ت) لا يملك.
(٢) في (ت) يجعل في قيمة كتابته لأنه.
(٣) ساقط من (ت).
(٤) المدبر: هو العبد الذي أنعم عليه سيده بالحرية بعد موته، فيقول له أنتحر بعدي.
(٥) في (ت) و(ق) أنه لا يجعل فيه بوجه.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ر) يجعل الدين فيه.
(٨) ساقط من (ر).
(٩) ساقط من (ر).
(١٠) في (ر) و(ت) المملوكة.
(١١) في (ق) الخدم. والمقصود بالمخدم، العبد الذي يجعله سيده أجيرًا عند الغير.
(١٢) في (ر) لقرب.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
وأما المعتق (١) إلى أجل فإن قلنا في المدبر إنه لا يجعل فيه دينه فأحرى ألا يجعل دينه في هذا. وإن قلنا إنه يجعل دينه فيه فيجعله (٢) هاهنا في قيمة خدمته.
فإن كان له آبق (٣) فإن كان غير مرجو، فلا يجعل دينه فيه. وإن رجيت عودته أو القدرة عليه فظاهر المذهب على قولين: أحدهما: أنه يجعل دينه فيه. والثاني: أنه لا يجعله. وهما على النظر إلى أصل الملك، ورجاء العودة أو النظر إلى عدم القدرة الآن.
وقد قدمنا الخلاف فيمن كان عليه دين فوهب له بعد حلول الحول، هل يزكيه؟ ويختلف أيضًا في الواهب هل يلزمه زكاته، لأنه يعد (٤) كأنه قبضه ثم وهبه. وهو على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟
وعلى هذا نزلوا حكم مال يزكيه ثلاثة، وهو أن يكون على إنسان ديون وهو مليء وله (٥) عروض يجعل فيها دينه، وعلى (٦) الطالب له بالدين دين أيضًا وله عروض يجعل ما عليه فيها، فأحال الوسط منهم طالبه على مديانه الأول فقبضه بعد حلول الحول (٧).
فأما من عليه الدين وهو المقبوض منه، ومن له وهو القابض، فيزكيان بلا خلاف.
وأما المحيل فهل يزكي أم لا؟ ففيه قولان، وهما على الخلاف فيمن
_________________
(١) في (ر) العتق. والمقصود بالمعتق إلى أجل، العبد الذي حدد له سيده زمنًا معينًا يحرره فيه.
(٢) في (ر) فيجعلها.
(٣) الآبق هو العابد الفار من سيده.
(٤) في (ق) لأنه يقدر، وفي (ر) لا يعد.
(٥) في (ق) مليء به وله.
(٦) في (ت) وله على غير الطالب له.
(٧) في (ق) فيقضيه بعد حلول الأول.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ملك أن يملك، فإن عددناه مالكًا تصور أنه قبض ثم دفع لمن يطلبه فتجب عليه الزكاة، وإن قلنا لا يعد مالكًا لم يعد قدرته على القبض كالقبض (١) فلا يزكي (٢).
باب في [أحكام] (٣) زكاة القراض
والنظر فيه في شيئين: أحدهما: هل تجب الزكاة أو تسقط؟ والثاني: متى يؤمر بإخراجها؟
أما الأول، فلا خلاف أن رب المال متى كان مخاطبًا بالزكاة على انفراده، والعامل كذلك أيضًا أن الزكاة واجبة في الجميع. فإن سقط عنهم الخطاب لدين عليهما أو لكونهما عبدين، فلا خلاف أيضًا في سقوط الزكاة. وإن خوطب أحدهما دون الثاني فهاهنا ثلاثة أقوال:
أحدها: مراعاة رب المال، فمتى [توجه عليه الخطاب توجهت الزكاة عليه، وفي ربح المال. وإن كان ممن لا يخاطب بها ولم يتوجه] (٤) خطابه، سقطت الزكاة عن العامل أيضًا.
والثاني: مراعاة حكم العامل في نفسه، فإن كمل له النصاب وكان ممن يخاطب بالزكاة وجبت عليه، وإلا لم تجب.
والثالث: مراعاتهما جميعًا، فمتى توجب سقوطها عن أحدها سقطت عن العامل في الربح.
_________________
(١) في (ر) كالمقبض.
(٢) في (ر) فلا يزكي بلا خلاف وبالله التوفيق.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) توجب خطابه وجبت الزكاة عليه في ربح العامل، وإن كان ممن لا يخاطب بها وإن لم يتوجه.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وسبب الخلاف النظر إلى المترقبات متى يعد حصولها، هل يوم ترقبها أو يوم تقررت؟ فإن عددنا حصولها يوم تقررت جعلنا (١) المال على ملك ربه، وكأن العامل لم يملك منه شيئًا إلا يوم قبضه. وقد وجبت الزكاة قبل ذلك وعلى هذا يراعى حلول الحول على رب المال، ولا يراعى أن يعمل العامل حولًا. فإن عددنا الحصول يوم ترقبت كان العامل كالمالك لما وجب له من الربح يوم ابتدأ عمله. فيراعى حكم نفسه، فإن عمل حولًا وكمل له (٢) النصاب زكى. ولا يراعى على هذا سقوط الزكاة عن رب المال.
وأما طريق القول الثالث وعليه حمل الأشياخ مذهب ابن قاسم فإنه متوسط بين المذهبين. فلا يجعل العامل مالكًا حقيقة إلا إذا توجهت الزكاة على رب المال، وكأنه راعى مجموعها. لأن وجود الملك للعامل إنما هو على تقدير كونهما كالمالك الواحد، وإذا صار كالمالك الواحد فمتى أمكن سقوط الزكاة من أحد الجانبين سقط حكمها عن العامل.
وحكى أبو القاسم بن محرز أن المذهب لم يختلف في سقوطها متى كان رب المال مديانًا أو عبدًا أو نصرانيًا. وهذا إن أراد به [أنهم] (٣) لم ينصوا (٤) على الخلاف (٥) فكما قال، وإن أراد أنه لا يلزمه (٦) ذلك ففيه نظر. والقياس جريان الخلاف إلا أن يقال إن الربح مضاف حقيقة إلى المال على المشهور من المذهب. وإذا استحق أصل المال [ألا] (٧) يزكى فأحرى ألا يزكى ما هو مسند إليه. وملك العامل للربح وإن عددناه من يوم التحريك فإنما يصح إذا أسندناه (٨) إلى أصل المال، وأصل المال هاهنا غير
_________________
(١) في (ر) جمعنا.
(٢) في (ق) وكان له.
(٣) ساقط من (ت).
(٤) في (ق) ينص، وفي (م) ينبهوا.
(٥) في (ت) و(ر) و(ق) خلاف.
(٦) في (ر) فإن قال لا يلزمه، وفي (ت) وإن أراد أنه يلزمه.
(٧) ساقط من (ر).
(٨) في (ر) أسند.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
مزكى. ولا شك أن هذا الاختلاف جارٍ على أن الأرباح مضافة إلى أصول الأموال، وإلا فعلى القول بأنها فائدة لا يزكي العامل إلا بعد أن يمر له حول (١) من يوم يقبض ربحه.
(حكم اشتراط الزكاة على أحدهما)
وإذا اشترطت الزكاة [إن وجبت] (٢) على أحدهما، فإن كان الشرط على رب المال أن يزكي ربح العامل فقولان: الجواز، لأنه يرجع إلى جزء مسمى (٣). والمنع، لأن [الحال يختلف، فقد تتوجه] (٤) الزكاة على العامل، وقد لا تتوجه. لا سيما والخلاف في المسألة كما تقدم. ولا يدرى ما يكون مذهب المعول على قوله عند توجه الزكاة.
وأما إن اشترط على العامل ما يخص رب المال فلا يجوز قولًا واحدًا، لأنه قد يستغرق ذلك مقدار ربحه، أو لا يجد ربحًا فيزكي من عنده وهذا أكثر غررًا.
فصل (متى يؤمر بالإخراج)
وأما متى يؤمر بالإخراج؟ فلا يخلو من أن يكون مديرًا أو غير مدير؛ فإذا (٥) كان مديرًا فلا يخلو من أن يكون موافقًا لحال رب المال أو مخالفًا، وكذلك إذا كان غير مدير. فإن كان غير مدير وهو مخالف (٦) لحال رب المال فبلا خلاف في المذهب أنه لا يزكي قبل الانفصال ولو أقام أعوامًا،
_________________
(١) في (ت) إلا أنه يحول عليه الحول.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) معلوم.
(٤) في (ر) الحول يتوجب الزكاة.
(٥) في (ق) وإذا، وفي (ت) و(ر): وإن.
(٦) في (ر) و(ت) موافق.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ولو كان المال الذي في يد العامل عينًا عند حلول الحول.
ورأى أبو الحسن اللحمي أنه يلزم من قال يزكي المدير عند حلول الحول أن يزكي غير المدير إذا كان ما بيده عينًا، قال: لأن نهاية الأمر في عروض المدير أن تكون كالعين (١). وهذا لا يلزم لأنهم في المذهب حكموا لما في يد العامل بحكم الدين الذي لا يزكى قبل أن يقبضه، وإذا حكموا له بذلك، فالمدير يقوم دينه، وغير المدير لا يقومه. فقد صار حكم المدير في هذا المعنى أقوى من حكم غيره. وإذا اختلف في العامل إذا كان مديرًا فلا يلزم عليه الاختلاف إذا كان في يده عينًا، لأنه بمنزلة الدين كما قلنا.
وإن كان العامل مديرًا (٢) وهو موافق [لحال] (٣) رب المال فهل يقوم ما في يديه عند حلول الحول؟ قولان كما ذكرناهما. والتقويم لأنّ نهاية هذا أن يكون كالدين، والدين يُقَوْمُ على المشهور من المذهب. ونفي التقويم لأنه لا يدري ما يحصل فيه من النماء والنقص فيرجئه إلى المفاصلة. وإن قلنا بأنه يقوم فمن أين يخرج الزكاة؟ هل منه أو من مال رب المال؟ أجراه أبو الحسن اللخمي على قولين. وسنتكلم على هذا في حكم زكاة الماشية وزكاة الفطر إذا كان العبيد والماشية قراضًا.
وإذا كان حال العامل في الإدارة وغيرها مخالفًا لحال رب المال (٤) فأشار أبو المقاسم بن محرز إلى إجرائه على ما تقدم من الخلاف إذا كان لرجل مالان، أحدهما مدار والآخر غير مدار. وقد قدمنا تفصيل المذهب وما فيه من الخلاف. وهذا الذي قاله بَيِّن إن قلنا إن الحكم في الزكاة مراعاة حكم رب المال. وأما إن راعينا حال العامل في نفسه فنعطيه فيما يختص بربحه وفي (٥) جميع ما في يديه حكم نفسه في الإدارة وعدمها.
_________________
(١) التبصرة لوحة: ٦٨.
(٢) في (ر) مدينا.
(٣) ساقط من (ت).
(٤) في (ر) العامل.
(٥) في (ر) أو في.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وإذا لم يزكِّ حتى مرت أحوال لأنه غير مدير، وقلنا إن المدير لا يقوم، فهل يزكي لسنة واحدة أو لما تقدم من السنين؟ في المذهب قولان. والحكم بزكاة واحدة قياسًا على الدين، والحكم بزكاة ما تقدم من السنين، لأنّ الدين لا نماء فيه، وهذا مال ينمى لربه. وإذا قلنا إن فيه زكاة واحدة فإنه (١) يراعى ما يحصل حالة الانفصال. وإذا قلنا إنه يزكى لكل عام، فإن تساوى مقداره في سائر الأعوام (٢) زكى كذلك، وحكمه بَيّن.
وإن اختلف مقداره فإن كان أولًا أكمل متن حاله يوم الانفصال لم يُراعَ ذلك الكمال لأنه لم يحصل، وإن كان الأمر بالعكس، وكان في السنين الماضية ناقصًا ثم كمل، زكى عن كل سنة عما كان فيها. لأنه إنما يخاطب الآن عما تقدم من السنين. ومثل هذا أن يكون له مال قارض (٣) به، وهو مائة فمر به عام ثم صار مائتين (٤) ثم عام فصار ثلاثمائة. فإنه يزكي عن العام الأول عن المائة، وعن الثاني عن المائتين إلا ما نقص منها مقدار الزكاة، وعن الثالث عن الثلاثمائة [إلا ما نقص منها مقدار الزكاة] (٥) بحسب ما قلناه. ولو كانت ثلاثمائة في العام الأول ثم مائتين ثم مائة، لم يزك إلا عن المائة. ولو كانت في العام الأول مائتين وفي الثاني مائة وفي الثالث ثلاثمائة، زكى عن العامين الأولين عن مائة، وعن العام الثالث عن ثلاثمائة. وأصل هذا أن يراعى في النقص حالة خوطب بالأخراج، وكذلك يراعى في الزيادة. ولكنه مع الزيادة لا يجب عليه، لما (٦) تقدم من الأعوام مراعاتها لأنه غير مالك [لها] (٧).
_________________
(١) في (ت) فإنما.
(٢) في (ر) الأغراض.
(٣) في (ر) قراضًا.
(٤) في (ق) و(ت) عام وهو كذلك ثم عام فصار مائتين.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) و(ق) فيما.
(٧) ساقط من (ت) و(ر) و(م)، وفي (ر) وبالله التوفيق والصلاة على نبيه الكريم.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
باب في "أحكام النية في الزكاة [وحكم مانعها] (١) وأين تفرق؟
(حكم النية في الزكاة)
والأصل في النية أنها تختص بما لا تظهر فيه الأغراض، وإنما تمحض (٢) فيه العبادة. ولهذا اجتمعت الأمة على وجوب النية في الصلاة والصوم، واجتمعت على نفي الوجوب في قضاء الديون ورد الودائع، واختلفوا فيما سوى ذلك نظرًا إلى كونه مشوبًا بين (٣) حكم العبادة والأغراض المعجلة. فمن غلب عليه حكم العبادة أوجب النية، ومن غلب عليه حكم الأغراض الدنيوية أسقطها. وهذا كما قدمناه في الطهارة، وكما نحن نسرده في الزكاة، وقد حكى أبو الحسن ابن القصار عن المذهب افتقارها إلى النية. وعن بعض أصحابنا أنها لا تفتقر إليها وعابه وتأول عليه (٤) أنه إنما أخذ ذلك من قول مالك ﵀ أن الإمام يأخذ من مال مانع الزكاة وتجزيه. ورأى أن هذا لا يؤخذ منه إسقاط النية، لأنه إذا أخذ الإمام ذلك مع علم من وجبت عليه بالوجوب فذلك المقصود بالنية. واستقرأ الوجوب من قول مالك ﵀ فيمن وجبت عليه كفارتان، فأعتق عن واحدة بعينها، ثم غلط فأعتق عنها. أنها (٥) لا تجزيه للأخرى. قال وإذا افتقر إلى النية في تمييز أحد الفرضين عن الآخر، فأحرى أن يفتقر إليها في تمييز الفرض عن النفل. وقد قدمنا الخلاف في كون المساكين شركاء بمقدار الزكاة. فإذا راعينا هذا وغلبنا [عليها] (٦) رفق المساكين وأنها تكون كرد الوديعة وقضاء الدين فلا تفتقر إلى نية، وإن غلبنا عليها حكم العبادة
_________________
(١) ساقط من (ت) و(ر).
(٢) في (ق) الأغراض الدنيوية وإنما تتمخض.
(٣) في (ر) من.
(٤) في (م) وعابها وتأول عليه، وفي (ق) وعليه وتأول عليه، وفي (ر) وعابه وقالوا عليه.
(٥) في (ر) لأنها.
(٦) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
بما قدمناه في أول الكتاب من [أن] (١) القصد بها التقرب إلى المساكين فافتقرت إلى النية. فلا خلاف في المذهب أن الإمام يأخذها ممن وجبت عليه وتجزيه. وهذا إن بنيناه على أنها لا تفتقر إلى النية فوجهه ظاهر، وإن بنيناه على افتقارها إلى النية فوجهه ما قاله أبو الحسن بن القصار. وهذا صحيح إذا أخذها وهو عالم، وأما إن لم يعلم فأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف فيمن أعتق عن إنسان في كفارة من غير إذنه، وفيمن ذبح أضحية إنسان بغير إذنه. والأولى في هذا أن يجري على الخلاف في افتقارها إلى النية، وعلى الخلاف فيمن أعتق عن إنسان بغير إذنه.
وأما الأضحية (٢)، فسبب الخلاف في هذا هل تتعين الأضحية بالشراء أو بالنية؟ فتكون كالهدي لا يفتقر إلى النية عند الذبح، أو لا تتعين إلا بالذبح فتفتقر إلى النية.
فصل (ما يفعل مع من امتنع عن الزكاة)
ومن امتنع من أداء الزكاة، فإن كان بحيث يمتنع فلا يقدر عليه إلا بالمقاتلة والمحاربة لجماعته أو لمنعة موضعه، وجب قتاله كما فعل الصديق ﵁، ووافقه عليه الصحابة (٣). وإن كان مقدورًا عليه أخذت من
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) وأما من ذبح أضحية إنسان بغير إذنه فسبب.
(٣) أخرج البخارىِ في الاعتصام ١٤٠٠، ومسلم في الإيمان ٢٠ واللفظ للبخاري عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ لَمَّا تُوُفيَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَكَانَ أَبُو بَكْرِ ﵁ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب فَقَالَ عُمَرُ ﵁ كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَد قالَ رَسُولُ - ﷺ -: "أُمرُتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولوا لاَ إلَهَ إلاَّ الله فَمَن قالَها فقد عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بحَقهِ وَحِسَابُهُ عَلَى الله" فَقَالَ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فرق بَينَ الصَّلاةِ وَالزكَاةِ فَإِنَ الزَكَاةَ حَق المْالِ وَالله لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهَا قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّه مَا هُوَ إِلا أَنْ قَدْ شَرَحَ الله صَدْرَ أبِي بَكْرٍ ﵁ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
ماله كرهًا كما قدمنا. هذا فيما يظهر من الأموال، وأما ما يخفى فإن علم به وأنه ممن لا يؤدي أخذت منه كالأول، وإن أظهر الفقر واطلع منه على خلاف ذلك، ولم يعلم مقدار الواجب عليه أو لم يوجد ماله، عوقب وحُبس حتى يؤدي ما عليه. وهذا لأنه دين الله تعالى، فيُحبس فيه كما يحبس في دَيْن الآدميين.
فإن ظهر له مال فادعى أنه مديان أو عبد، فإن ظهر ما قاله عوّل عليه، وإن ظهر ضده أخذت منه الزكاة، وإن أشكل أمره لم تؤخذ منه.
وهل يحلف؟ قولان، وهما على الخلاف في أيمان المتهم. وفي المذهب على ما ينقله كثير من الأشياخ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحلف المتهم وغيره. والثاني: أنه لا يحلف واحد منهما. والثالث: يحلف المتهم دون غيره.
فصل (من يتولى توزيع الزكاة؟)
وهل للإنسان تفرقة زكاته بيده أو يؤديها إلى الإمام؟ أما إن كان الإمام جائرًا فلا يؤديها إليه، وإن خفي له إخراجها أخرجها. وإن لم يخف له وأخذها منه جبرًا فإن كان يعدل في إخراجها (١) أجزأته. وأما إن لم يعدل فهل تجزيه؟ قولان. وهما على الخلاف في قسمة الغاصب هل تصح؟ فمن صححها حكم بالإجزاء، لأنّ هذا أخذ نصيب المساكين، وميزه من نصيب رب المال، ثم جار فيه. ومن لم يصححها حكم بعدم الإجزاء. وإن أداها إليه طوعًا لم تجزه إذا كان يجور في تفريقها. وأما إن كان الإمام عدلًا فلا شك في إجزائها إذا أديت إليه.
وهل للإنسان أن يتولى إخراجها؟ أما المال الظاهر كالحرث والماشية فهو إلى الإمام، وأما العين ففيه قولان: أحدهما: أنه كالأول لقوله
_________________
(١) في (ق) إصرافها.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وولاة أئمة العدل بمنزلة الإمام في هذا. والثاني: أنها إلى أرباب الأموال لأنّ الإمام كالوكيل، فإذا أخرجها الإنسان وأصاب مواضع الزكاة أجزأته. وإذا أخرجها من وجبت عليه واجتهد في إعطائها فظهر صحة اجتهاده أجزأته. وإن ظهر عكس ذلك فقولان: أحدهما: أنها لا تجزيه، والثاني: أنها تجزيه. وكذلك في الكفارة إذا دفعها مجتهد، ثم تبيّن أن آخذها غير مستحق لها ففيه قولان: أحدهما: أنها تجزيه، والثاني: عكسه. وهو على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ وهذا إذا فاتت في يد آخذها ولم يقدر على استرجاعها، وأما إن قدر على ذلك أخذها منه وأديت إلى مستحقها.
فصل (حكم نقل الزكاة إلى مكان آخر)
وإذا وجبت الزكاة فأديت إلى فقراء الموضع الذي وجبت فيه أجزت بلا خلاف. فإن أديت إلى غيرهم؛ فإن كان بأهل الموضع حاجة وغيرهم ليس بمنزلتهم لم تجز، وإن تساوت الحالات فهل يجزي إخراجها إلى غير الموضع الذي وجبت فيه؟ فالمذهب على قولين. وسبب الخلاف قوله - ﷺ - لمعاذ "فأخبرهم -يعني أهل اليمن- أن الله أوجب عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" (٢)، فهل يحمل ذلك على فقراء المسلمين أو فقراء أهل الموضع؟ هذا سبب الخلاف.
وإن نزلت بقوم حاجة فقد أمر مالك أن ينقل إليهم من الزكاة. وظاهر
_________________
(١) التوبة: ١٠٣.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الزكاة ١٤٥٨، ومسلم في الإيمان ١٩. ولفظ مسلم عن ابنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "إِنكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْم أَهلِ كِتَاب فليَكُن أَوْلَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ عِبَادةُ الله ﷿ فَإذا عَرَفُوا الله فَأَخبِرْهُمْ أَن اللهَ فَرَض عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَات في يَوْمِهِم وَلَيلَتِهِم فإذا فعَلوا فَأخبِرْهُمْ أَن اللهَ قَدْ فرَضَ عَلَيْهِم زَكَاة تُؤْخَذُ من أَغنِيَائِهِم فَترَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم فَإذا أطَاعوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُم وْتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهم".
[ ٢ / ٨٣٩ ]
قول سحنون أنها لا تجزي إذا كان حيث وجبت فقراء. وقال ابن الماجشون: تفرق في موضع (١) يصيب الفقراء والمساكين.
وأما ما يجب لبقية الأصناف فذلك إلى الأئمة يفرقونه إلى [أمهات] (٢) البلاد التي فيها ذلك، وهذا إن أراد به أن الزكاة يجب تفريقها على كل من سمي في الآية حتى يجب لكل صنف ثمن الواجب فليس هو مذهبنا وإنما هو مذهب الشافعي، وإن أراد أنه يفرق على هؤلاء الأصناف متى أدى الاجتهاد إلى التفرقة عليهم فقد لا يخالف في ذلك، وإنما كلام الآخرين على نصيب الفقراء والمساكين.
وهل يعتبر في وجوبها بالمال أو بالمالك (٣)؟ في المذهب قولان. ومثاله أن تجب الصدقة على إنسان غائب عن موضع وجوبها، فإن كان يخرج عنه حيث وجبت فلا يخرج، وإن كان لا يجد من أين يخرج حيث هو ولو تسلف لم يجد من يسلفه، أو يخشى أن يضطر إلى ما في يديه لم يخرجها.
وإذا كان يقدر على إخراجها من غير ضرورة فقولان. وهما على ما قدمناه من اعتبار موضع المال لأنه سبب الوجوب، أو اعتبار موضع المالك لأنه مخاطب بها.
فصل (حكم إخراج الزكاة قبل حلول الحول)
وغلب أهل المذهب حكم العبادات على الزكاة وأنها لا تجزي قبل أن يحل الحول بالزمن الكثير، لأنهم رأوا أن الحول ضُرِب رفقًا بأرباب الأموال وتعبدًا وطهورًا لتعبد فيه، لكن اختلفوا إن أخرجها قبل الحول بالزمان اليسير
_________________
(١) في (ت) موضع الزكاة.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (م) بالحال أو .. وفي (ر) أولى بالمال.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
هل تجزيه أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنها لا تجزيه، وهذا محض (١) العبادات. وقاسها [في هذه الرواية] (٢) على صلاة الظهر في أنها لا تجزيه قبل الزوال. والقول الثاني: أنها تجزي، وهذا إما مراعاة للخلاف وإما تغليب لشوب العبادة مع الالتفات إلى رفق أرباب الأموال، ولأن ما قارب الشيء، حكمه حكم الشيء. وقد اختلف في هذا الأصل على قولين.
وكم مقدار [الزمان] (٣) اليسير؟ حُدَّ باليومين والثلاثة وهو أقل ما قيل وبالشهر وبالخمسة أيام ونحوها، وبنصف شهر. فهذا كله على جهة التقريب، ولا يقتضيه أصل محقق، وإنما هو خلاف في حد المقاربة.
باب في عشور أهل الذمة والحربيين
(أحكام عشور أهل الذمة)
والكفار على ضربين (٤) معاهدين وغير معاهدين؛ فالمعاهدون صنفان: أهل ذمة وغيرهم، فأما أهل الذمة إذا سافروا نظر، فإن سافروا في قطرهم الذي فيه (٥) ذمتهم لم يكن عليهم غرم، فإن خرجوا إلى غيره لزمهم الغرم. لكن اختلف المذهب هل يلزمهم لحق الوصول (٦) إلى القطر الثاني، أو لحق (٧) الانتفاع فيه. وفي ذلك قولان: والمشهور أنه لحق الانتفاع فيه (٨). وتظهر ثمرة الخلاف إذا وصلوا ولم يبيعوا ما معهم أو لم يشتروا بما قدموا
_________________
(١) في (ق) و(ت) تمحيض.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) ساقط من (ت).
(٤) في (ق) و(م) قسمين.
(٥) في (م) و(ق) و(ت): في.
(٦) في (م) بحق الوصول وفي (ق) لحق الأصول.
(٧) في (ق) بحق.
(٨) في (ر) به.
[ ٢ / ٨٤١ ]
به من العين هل يلزمهم العشر؟ والمشهور أنه لا يلزمهم حتى يبيعوا أو يشتروا، والشاذ أنه يلزمهم. وإذا قلنا بالمشهور فوصلوا (١) بمتاع كف عنهم (٢)، فإن باعوا أخذ منهم عشر الثمن، وإن لم يبيعوا ورجعوا إلى قطرهم لم يؤخذ منهم شيء. وعلى القول الثاني يؤخذ منهم وإن رجعوا به على حالهم (٣)، وإن كان معهم رقيق فعلى المشهور لا يحال بينهم وبين ما يحدثونه فيه من استخدام أو وطء، وعلى القول الثاني يحال بينهم وبين ذلك.
وإن وصلوا بعين غير مسكوك فأرادوا أن يضربوه في بلد الإسلام؛ فعلى المشهور إن ضربوه أخذ منهم مقدار إجارة عشر، ومثاله أن يصل (٤) واحد منهم بمائة دينار تبرا (٥) فيضربها، فلمن يلي أمر المسلمين أن يأتي بعشرة (٦) فيضرب للمسلمين (٧)، أو يأخذ من الذمي أجرة عشرة (٨). وعلى القول الثاني يأخذ منه عشرة كاملة.
وإن أتى بمسكوك فعلى المشهور إن اشترى سلعًا فوقع في الرواية يأخذ عشرها. وفي نقل أبي محمد بن أبي زيد يأخذ [قيمة] (٩) عشرها. وقال بعض المتأخرين: أما إن كانت تنقسم فيأخذ عشرها، وإن كانت لا تنقسم فيأخذ تسعها قيمة. وهذا بناء على التقريب؛ لأنه رأى أن تقويم العشر بيع للسلعة، فوجب أن يؤخذ [منه قيمة] (١٠) العشر المقوم ثم يؤخذ
_________________
(١) في (ر) فإذا وصلوا.
(٢) في (ق) و(م) و(ت) تركوا.
(٣) في (ق) و(ت) حاله.
(٤) في (ر) فعل.
(٥) في (ق) و(ت) أو تيرا.
(٦) في (ق) بعشره.
(٧) في (م) فيضربه المسلمون.
(٨) في (ق) و(م) عشره.
(٩) ساقط من (ر).
(١٠) في (ت) عن، وفي (ق) منه عن.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
[عشر ما] (١) بعده، هكذا حتى يدور. فقصاره (٢) أن يرجع إلى قيمة التسع من الأول. فهذا خيال بعيد، لأن الواجب عليه عشر واحد، ومتى تصرف بعده لم يلزمه شيء مادام في ذلك القطر إلا أن يسافر لقطر ثانٍ. وتقديم العشر نهايته أن يكون كشراء سلعة بما ودّى عشره إلا أن يكون ودّى العشر (٣) من مال آخر معه، فلِمَا قاله هذا وجه.
ولو كان انتفاع الذمي بغلة كمن له ظهر [بهائم] (٤) يكريه فهل يلزمه عشر الكراء أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يلزمه، وهو المشهور. والثاني: أنه لا يلزمه.
وقد قدمنا الخلاف فيما يقتنيه من الغلات، هل حكمها حكم الرقاب أم لا؟ وإذا قلنا باللزوم فكيف صفته؟ ثلاثة أقوال: أحدها: إن عقد الكراء في قطره لم يلزمه، وإن عقده في القطر الثاني لزمه. والقول الثاني: بالعكس. والثالث: أنه ينظر فيما سار في قطره الأول لم يلزمه عشر، وما سار في القطر الثاني الذي سافر إليه لزمه عشر ما أخذ فيه من الكراء.
والخلاف في هذا على الخلاف في الكراء (٥) متى يستقر وجوبها، هل بالعقد؟ فلا يلزمه على المشهور إلا إن عقد في غير قطره. أو باستفاء (٦) المنافع؟ فيكون الحكم بالعكس. أو ينظر فكل ما وفي به لزمه مقداره لاستحقاقه له فيفض (٧) الكراء على ما سار (٨) في القطرين. ولو ترددوا في أقطار المسلمين لوجب أن يؤخذ منهم العشر في كل قطر على ما قدمنا.
_________________
(١) في (ق) و(ت) و(م) عما.
(٢) في (ر) فقضاؤه.
(٣) في (م) العشرين.
(٤) ساقط من (ر) و(ق).
(٥) في (ت) الكراء.
(٦) في (ر) باستئناف.
(٧) في (ر) فيغض، وفي (م) فببعض.
(٨) في (ق) سافر.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
والأصل في هذا فعل عمر ﵁ (١). ولم يخالفه عليه مخالف. وبين الأصوليين خلاف هل يعد هذا إجماعًا أو لا؟
والمأخوذ العشر كما قدمناه. هذا في كل الأشياء، وفي كل قطر إلا الطعام إذا وصلوا به إلى المدينة ففيه قولان: أحدهما: أنه كالأول، والثاني: أنه يؤخذ منهم نصف العشر. وكذلك كان يفعل عمر ﵁ ليكثر جلبه (٢) إلى المدينة للحاجة إليه (٣). وأما القول الثاني فوجهه شهادة بالاستغناء عنهم في هذا الزمان.
فصل (حكم المعاهدين)
وأما المعاهدون فإن قدّر لهم مقدار فليس عليهم إلا هو، وإن لم يقدر لهم فهم كالحربيين، وقد اختلف المذهب هل حكم هؤلاء حكم أهل الذمة في العشر أو يصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام؟ والأصل في هذا المأخوذ، فعل عمر ﵁، لكنه إنما فعله مع ذميين؛ فمن التفت إلى المشاركة في الكفر ساوى بينهم، ومن التفت إلى أن أموال أهل الحرب مباحة إلا بالعقد (٤) صرف ذلك إلى اجتهاد الإمام. والمشهور من المذهب أنه يؤخذ منهم، باعوا أو لم يبيعوا، بخلاف أهل الذمة. وهو بناء على أنهم يوقفون (٥) على العشر. والشاذ أنهم كأهل الذمة إنما يؤخذ منهم إن باعوا وانتفعوا، كما تقدم في أهل الذمة.
وإن قدموا بما لا يجوز لأهل الإسلام تملكه ولا التصرف فيه مثل
_________________
(١) انظر سنن البيهقي ٩/ ٢٠٩، والأموال لأبي عبيد ٤٧٣.
(٢) في (ر) حمله.
(٣) انظر سنن البيهقي ٩/ ٢١٠، وتفسر القرطبي ٨/ ١١٣.
(٤) في (ق) و(ت) العمد.
(٥) في (ق) لا يوقفون، وهي غير واضحة في (ت).
[ ٢ / ٨٤٤ ]
الخمر والخنزير؛ فإن أرادوا بيعه [من أهل الإِسلام لم يمكنوا من ذلك بلا خلاف. ومن أراد بيعها] (١) من كفار أهل الذمة فهل يمكنون من ذلك ويؤخذ منهم من أثمانه؟ في المذهب قولان: المشهور تمكينهم منه، وهذا لأنهم كفار يعامِلون أمثالهم. والشاذ أنهم لا يمكنون منه.
ويمكن تخريج هذا على الخلاف هل هم مخاطبون بفروع الشريعة فلا يمكنهم منه، أو غير مخاطبين فيمكنهم.
باب في أحكام مصارف الزكاة
(الأصناف المستحقين للزكاة)
وقد بين الله تعالى صفة المستحقين، وأنهم ثمانية أصناف، فقال (٢) تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٣) الآية، وهذه اللام عندنا لام الصرف (٤) لا لام التمليك، ولهذا نقول: لا يجب أن تقسم الصدقات على ثمانية أصناف فيعطى لكل صنف قسم، بل لو أعطيت لصنف واحد أجزأ، وإنما تصرف بحسب الاجتهاد. فالتعبد هاهنا إخراجها إلى من يستحقها من هذه الأصناف بخلاف ما نقوله في الكفارات؛ فإن الأعداد المذكورة في القرآن مستحقة، ولهذا لو أعطى كفارة الظهار لأقل من ستين مسكينًا لم تجزه، وإن كان مقدار ما يعطيه هو الواجب لستين. وسيأتي بيانه ولنتكلم على أحكام الأصناف الثمانية على الترتيب الوارد في القرآن.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(م) وخروم في (ت).
(٢) في (ت) و(م) في قوله.
(٣) التوبة: ٦٠.
(٤) في (ق) التصريف.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
(هل الفقراء والمساكين اسمان لمسمى واحد أم لا؟)
وقد سمى الله تعالى في كتابه الفقراء والمساكين، وقد اختلف في المذهب هل هما اسمان لمسمى واحد أو لمسميين مفترقين (١) في المعنى، في المذهب في ذلك قولان. والجمهور على أنهما مختلفان في المعنى. ويشهد لهذا أن الله تعالى ذكرهما بواو العطف. فلولا اختلاف معناهما لم يكن للتكرار معنى. وإذا قلنا إنهما مختلفان فإلى أي شيء يرجع الخلاف؟ هاهنا طريقان: أحدهما: أنه يرجع إلى شدة الحاجة وضعفها. لكن اختلف هؤلاء أيهم أشد حاجة؟ هل المسكين لأنه مأخوذ من سكون الحركة، وهذه الحالة (٢) إنما تكون مع الموت، [أو الفقير (٣) الذي لا وجدان معه حتى يكون مشبهًا بالميت] (٤)، ويحتج هؤلاء بقول القائل:
أما الفقير الذي (٥) كانت حلوبته وفق العيال ولم يترك له سبد (٦)
وقد أخبر بكونه فقيرًا وأن له حلوبة.
أو الفقير مأخوذ من فقار الظهر ومعناه أنه انكسر فقاره. ومن وصل إلى تلك الحال فلا يحيى. ويحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٧) فسماهم مساكين وأخبر أن لهم سفينة. واعتذر الأولون عن قول الشاعر بأن الفقر مختلف فله بداية ونهاية ولذلك لم يذكر مطلقًا، وإنما ذكره مضافًا إلى المعنى (٨) الذي وصفه به. واعتذر الآخرون
_________________
(١) في (ر) اسمان مفترقان.
(٢) في (م) الحاجة.
(٣) في (ت) و(ر) و(م) والفقير.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ر) التى.
(٦) انظر الزاهر ٢٩٠، والمحلى ٦/ ١٤٩، ومختصر اختلاف العلماه ٥/ ٣٠، والتمهيد لابن عبد البر ١٨/ ٥٠، وبدائع الصنائع ٢/ ٤٣، وتفسير القرطبي ٨/ ١٦٩. وقد نسب هذا البيت الشعري إلى الراعي.
(٧) الكهف: ٧٩.
(٨) في (ق) الغنى.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
عن قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) بأنهم كانوا أُجراء لا مالكين.
والطريق الثانية: أنه يرجع إلى صفة الحال (٢) فالفقير الذي يسأل، والمسكين الذي لا يسأل، وقد قيل الفقير الذي يعلم به فيتصدق عليه والمسكين الذي لا يعلم به واحتج هؤلاء بما ورد في الحديث أنه - ﷺ - قال: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يعلم به، فيتصدق عليه ولا يسأل"، الحديث كما ورد.
(بعض شروط الفقراء والمساكين)
وإذا تقرر كونهما بمعنى أو بمعنيين فلا خلاف أنه يشترط فيهما الإسلام، والحرية، وهل يشترط فيهما عدم القدرة على الكسب، في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يشترط. والثاني: أنه يشترط، وهو يجري على الخلاف في من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ فمن لم يَعُدّه مالكًا لم يشترط عدم القدرة. ومن عده مالكًا اشترطها. ويحتج من يشترطها بما روى عنه - ﷺ - أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة " وهذا الحديث لو صح لكان كالنص لأحد القولين في اشتراط عدم القدرة على الكسب.
ولا خلاف أنها تشترط الحاجة ولا شك أن ذلك يوجب اسم الفقر أو المسكنة.
وهل من شروط المحتاج أن يكون غير مالك للنصاب؟ في المذهب قولان: أحدهما: أن ذلك من شروطه لقوله - ﷺ - لمعاذ: "وأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" وهذا يقتضي تمييز من تؤخذ منه الزكاة ممن ترد عليه، وكونهما صنفين. ولا يحصل ذلك إلا إذا لم تعط لمن يملك نصابًا. والقول الثاني: أن ذلك ليس
_________________
(١) الكهف: ٧٩.
(٢) في (ر) المالك.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
من شرطه لأنّ المقصود بالزكاة إغناء المحتاج، وهذا إذا لم يكفه ما بيديه فهو محتاج حقيقة. ولا شك على القول بأن من له نصاب لا يعطى، أنه لا يدفع إلى الفقير الواحد نصابًا كاملًا. وأما على القول الثاني فإنه يدفع إليه نصاب إذا كان في القدر المخرج سعة، وكان الآخذ محتاجًا إلى النصاب.
ولا شك أن من كان في عيال غيره، والنفقة تلزم من هو في عياله لا يعطى من الزكاة، لأنه وإن كان فقيرًا فإنه مليء بلزوم نفقته لغيره (١). فإن كان لا تلزم نفقته غيره، فإن عول على الاستدامة فلا يستحق أخذ الزكاة، وإن عول على الانقطاع عن نفقة من هو في عياله أو صرفه المنفق، فإنه يستحق أخذ الزكاة.
(حكم إعطاء أحد الزوجين للآخر من الزكاة)
ولا شك أن الزوج لا يعطي زوجته لأنها مليئة بماله. وأما المرأة فهل تعطي زوجها؟ منعه في الكتاب، (٢) وحمله ابن القصار على الكراهية، وفرق أشهب (٣) بين أن تعطيه فيعيده في النفقة عليها، أو يصرفه في منافع غير ذلك. فمنع في الأول، وأجاز في الثاني. والمنع؛ لأنّ منفعته (٤) عائدة عليها. وأما الكراهة فإنه مطالب بالنفقة، فهي تأخذ بغير الوجه الذي تدفعه إليه به. وأما التفرقة فراعى فيها ما راعى في القول الأول، لكن لم يلتفت إلى المعونة على ما يصرف إليها، بل إلى نفس المصروف. وبيّن من هذا أنه لا يعطي لقرابته الذين تلزمه نفقتهم.
(حكم من لا تلزمه نفقته)
وأما من لا تلزمه نفقته؛ فإن كانوا في عياله فلا يعطيهم النفقة ولا الكسوة إن كان يكسوهم، فإن كان لا يكسوهم أعطاهم الكسوة. فإن كانوا
_________________
(١) في (ر) نفقة غيره.
(٢) المدونة: ١/ ٢٩٨.
(٣) في (ق) ابن حبيب.
(٤) في (ت) و(ر) منفتها.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
ليسوا في عياله فهل يعطيهم؟ لا يختلف أنه لا يمنع من ذلك. وهل يجوز أم لا (١)؟ في المذهب ثلاثة أقوال: الكراهية في الكتاب، وعلل بخشية المدح (٢). وفي غيره قولان: الجواز لمساواتهم لغيرهم في الاستحقاق، والاستحباب لانفرادهم بحق القرابة. وفي الحديث أنهم أفضل من صرفت إليهم الصدقة (٣). وقد يكون هذا خلاف في حال، فإن قصد المن أو فضلهم وهم ليسوا في الحاجة كغيرهم كره، وإن أمن المن وأعطاهم لسد الحاجة (٤) ولمساواتهم لغيرهم في الحاجة فالأولى هاهنا الاستحباب لما لهم من حق القرابة.
فصل (العاملون على جمع الزكاة)
والصنف الثالث: العاملون على الزكاة وهم جُباتها وموصّلوها إلى الإمام ليفرقها أو يتولون تفريقها. ولا خلاف أن الصدقة تحل لهذا الصنف وإن كانوا أملياء.
وهم أحد الخمسة الذين استثناهم رسول الله - ﷺ - في أخذ الزكاة وإن كانوا أملياء. لكن اختلف في العبد والنصراني؛ هل يجوز استعمالهما عليها أم لا؟ فأما العبد فالخلاف فيه مبني على أخذ (٥) المستعمل؛ هل يغلب عليه حكم الإجارة المحضة [أو يضاف إلى ذلك] (٦) كونه ممن يستحق على الجملة؟ فإن قلنا بتغليب حكم الإجارة أعطي منها، وإن قلنا بتغليب
_________________
(١) كذا في (ر) و(ق) و(م)، وخرم في (ت) و(ل).
(٢) المدونة ١/ ٢٩٧.
(٣) من ذلك ما أخرجه أحمد مسند: ٤/ ١٨ عن سلمان بن عامر ان النبيﷺ - قال: "الصدقة على المسكين صدقة وإنها على ذي الرحم اثنتان انها صدقة وصلة".
(٤) في (ق) الخلة.
(٥) في (م) أجر.
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
ذلك وإضافة كونه ممن يستحق على الجملة فإنه لا يستعمل عليها.
وأما الذمي ففي استعماله ولاية له، ولا تحل ولايته. لكن إن كان خادمًا بحيث لا يكون له سلطان على أحد من المسلمين فيختلف فيه على الخلاف في العبد.
وإن استعمل عليها فقيرًا أعطي لحق الفقر والاستعمال. وإن كان غنيًا أعطي أجره (١) بحسب الاجتهاد، ولا يزاد على قدر ما يستحقه بالعمل.
فصل (المؤلفة قلوبهم وهل حكمهم باق أو منسوخ)
والصنف الرابع: هم المؤلفة قلوبهم. وقد اختلف هل حكمهم باق أو منسوخ لاستغناء المسلمين عنهم. وإنما كان ذلك في زمن حاجة الرسول - ﷺ - إليهم. والصحيح بقاء حكمهم، لكن إنما يعطون وقت الحاجة إليهم، قاله القاضي أبو محمد.
واختلف في صفتهم فقيل هم قوم من الكفار يعطون ليستألفوا (٢) على الإسلام. وكانوا لا يسلمون بالسيف والقهر، لكن يسلمون بالعطايا والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يَسْتَقْرِ الإسلام في قلوبهم، فيعطون ليتمكن الإسلام في قلوبهم. وقيل هم قوم من عظماء المشركين أسلموا ولهم أتباع يعطون ليستألفوا أتباعهم على الإسلام.
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، والقصد بها الإعطاء لمن لا يتمكن الإسلام عنده حقيقة (٣) إلا بالعطاء، فكأنه ضرب من الجهاد. وقد علمت الشريعة أن المشركين ثلاثة أصناف: صنف يرجع بإقامة الدليل وإظهار
_________________
(١) في (ر) حقه.
(٢) في (ق) ليستألفوا أتباعهم.
(٣) في (ل) لا يمكن إسلامه حقيقة.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
البرهان، وصنف بالقهر والسيف، وصنف بالعطاء والإحسان. فيستعمل الإمام بالنظر (١) ما يكون للمسلمين مع كل صنف ما يكون لسبب نجاته من الكفر وتخليصه.
فصل (عتق الرقاب)
والصنف الخامس: الرقاب. ولا خلاف عندنا في الإجزاء إذا اشتروا رقبة سليمة من العيوب، مؤمنة، ليس فيها عقد حرية. فأعتقها عن المسلمين حتى يكون ولاؤها لهم. فإن كانت معيبة فهل تجزي؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإجزاء لتناول العموم لها، والمنع (٢) قياسًا على الكفارات (٣)، وكذلك إن كانت كافرة (٤). فإن كان فيها عقد حرية كالكتابة، أو عتق البعض، أو التدبير فهل يجزى الإعطاء في ثمن حريتها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: الجواز، لتناول العموم له. ومنع الإجزاء، لأنّ الولاء ليس للمسلمين لكن لمن ابتدأ الحرية. والتفرقة بين أن يعطي لإكمال العتق (٥) فيجزي، أو لغير إكماله (٦) فلا يجزي. وهذا نظرًا إلى أن المقصود تحرير الرقبة لا الولاء. فإن حصلت الحرية بالعطية أجزأ وإلا لم يجزي.
وإن أعتق عن نفسه فهل يمضي عتقه مجزيًا عن الزكاة ويكون ولاؤه للمسلمين، أو يمضي العتق عنه ويكون [الولاء] (٧) له ولا يجزى عن المسلمين ويعيد الزكاة؟ في المذهب قولان: أحدهما: مضيها عن الزكاة،
_________________
(١) في (ت) الناظر وهي غير واضحة في (ق).
(٢) في (ت) ومنعها وفي (ر) ومنعه.
(٣) في (ر) الكفارة.
(٤) في (ت) كفارة.
(٥) في (ق) الحرية،
(٦) في (ق) إكمالها.
(٧) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٨٥١ ]
ويكون ولاؤه للمسلمين، لأن المال لهم فيغلب حكمه لأنه المخطئ في اشتراط الولاء له. والثاني: نفي الإجزاء عن الزكاة تغليبًا للقصد.
(هل يعطى الأسير لفك رقبة)
وهل يعطى منها الأسير لفك (١) رقبته؟ قولان: المشهور: أنه لا يعطى، وهو نظرًا إلى اشتراط الولاء للمسلمين ولا ولاء هاهنا. والثاني: أنه يعطى لأنه فك لرقبته (٢)، وقال ابن عبد الحكم: إنه إذا أخرج زكاته ثم افتقر، فإنه لا يأخذ (٣) منها. وإن أسر افتكت منها رقبته. وهذا لأنّ المال غير عائد إلى الأسير في الفك وعائد إليه في الفقر.
فصل (الغارمون)
والصنف السادس: الغارمون. ولا خلاف (٤) أن من عرف بالدين (٥) وكثر عليه، واستدانه من الآدميين في غير فساد أنه يستحق [أخذ] (٦) الزكاة لأداء دينه، وإن كان عنده مال يؤدي (٧) منه دينه لكنه إذا أداه كان فقيرًا؛ فإن استدانه في فساد، فإن كان على حالته لم يعط، وإن نزع عنها فهل يعطى؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يعطى لأن استدانته غير مباحة بل محرمة، والثانى: أنه يعطى. وهذا نظرًا إلى حالته التي فيها الآن. والأول نظرًا إلى ابتداء أمره (٨).
وإن كان الدين لله تعالى كالكفارة والزكاة التي فرط فيها فهل يعطى
_________________
(١) في (ق) لفداء.
(٢) في (ر) لفك رقبته.
(٣) في (ر) يأخذ.
(٤) في (ق) ولا شك.
(٥) في (ق) و(ت) فدحه الدين.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
(٧) في (ق) ما يؤدي.
(٨) في (ق) حالته.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
لذلك؟ في المذهب قولان. وقد قدمنا الخلاف في هذا الدين هل يسقط الزكاة أم لا؟ وهذا جار عليه.
وإن مات مستدينًا فهل يؤدى دينه من الزكاة، في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يؤدى، وهذا حمل الآية على الحي لا على الميت، والثاني: أنه يؤدى، وهذا نظر إلى كونه غارمًا في حين الاستدانة (١).
وهل من صفات الغارم أن يكون محتاجًا؟ ذكر الداودي عن مالك قولين: أحدهما: مراعاة ذلك. والثاني: أنه يشير إلى أنه لا يراعى، بل إن (٢) كان مديانًا وله من المال ما يؤدي منه دينه وفوق (٣) ذلك أنه يعطى، قال ولا يفصح (٤) به، وفي الكتاب فيمن بيده ألف أدينار، (٥) وعليه ألفان وله دار وخادم يساويان (٦) ألفان، أنه لا يعطى من الزكاة إلا أن (٧) يؤدي الألف في دينه فتبقى عليه ألف فحينئذ يعطى ويكون من الغارمين (٨). وقال أشهب يعطى وإن لم يؤد. وهذا يشير إلى الخلاف الذي ذكره (٩) الداودي.
وسبب الخلاف النظر (١٠) إلى الحال أو إلى المآل. ولا شك في مراعاة كونه لا يستدين لأخذ الزكاة لأنه إن استدان لذلك صار قاصدًا لأخذ الزكاة بالدين، فلا يمكن من ذلك. ومراعاة الحاجة كما قدمناه قد يلحق (١١) الغارم بالفقير والمسكين، ولهذا قال في القول الثاني لا يراعى ذلك.
_________________
(١) في (ت) لاستدانته.
(٢) في (ق) و(ت) إذا.
(٣) في (ق) فرق، وغير واضحة في (م).
(٤) في (م) لا يفضح، وفي (ت) لا يصح.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ت) لا فضل فيهما يساويان.
(٧) في (ر) أنه.
(٨) المدونة: ١/ ٢٩٥.
(٩) في (ق) حكاه.
(١٠) في (ق) و(ت) وسببه النظر.
(١١) في (ر) و(م) ويلحق. وخرم في (ت).
[ ٢ / ٨٥٣ ]
فصل (المراد بسبيل الله)
والصنف السابع: سبيل الله [تعالى] (١). وهو محمول على الجهاد عند الجمهور من العلماء، فيصرف إلى المجاهدين وآلة الحرب. ولا خلاف في ذلك أن المغازي يعطى من ذلك، وإن كان غنيًا ببلده [إذا كان فقيرًا بموضعه. وإن كان غنيًا بموضعه] (٢) فهل يعطى؟ قولان: أحدهما: أنه لا يعطى، لعدم حاجته. والثاني: أنه يعطى، إذ لو لم يعط مع ملائه لكان هذا الصنف راجعًا (٣) إلى صنف ابن السبيل. وأيضا فإنه يعطى على سبيل الإجارة على الغزو فيأخذها وإن كان غنيًا.
وهل تصرف في بناء الأسوار التي يتقى بها مضرة (٤) العدو، وإنشاء الأساطيل التي المقصود بها مجرد الغزو وما في معنى ذلك من مجرد الآلات (٥)؟ ظاهر المذهب على قولين: والمشهور: أنها لا تعطى لذلك، وهذا لأنهم فهموا من هذا الصنف نفس الجهاد دون ما يستعان به عليه. والثاني: أنها تعطى لذلك، وهذا لأنّ الأساطيل مما يستعان بها على الجهاد، وفي الأسوار تحصن من العدو، وهذا (٦) داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
فصل (ابن السبيل)
والصنف الثامن: ابن السبيل. والمراد به من كان بغير بلده، يعطى
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت).
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) و(ر) و(ت) و(م) راجع.
(٤) في (ق) معرة وفي (ت) عورة
(٥) في (ت) الأثاث.
(٦) في (ت) وهو.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
ليستعين بذلك على الوصول إلى بلده، أو على (١) استدامة سفره. فإن كان فقيرًا بموضعه ولا يجد من يسلفه، فإنه لا خلاف أنه يعطى. وإن وجد من يسلفه وهو مليء بموضعه فهل يعطى؟ قولان: أحدهما: أنه لا يعطى، والثاني: أنه يعطى. وهو خلاف يرجع إلى أحد وجهين: إما إلى الشهادة بمشقة السلف (٢) وعدم مشقته، أو إلى رده إلى الفقير. لكنه ذكر صنفًا مفردًا (٣) لكونه فقيرًا في موضعه الذي هو به دون بلده، أو لا يرجع (٤) إلى ذلك لأنه لو روعي فقره لم يكن لعده (٥) صنفًا معنى.
وإن كان غنيًا بمكانه الذي هو به فهل يعطى؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يعطى إذ لا حاجة تدعوه إلى ذلك، والثاني: أنه يعطى، وهذا نظرًا إلى العطاء بمجرد (٦) السفر إذ يتناوله قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
فصل (هل يُعطى لآل الرسول - ﷺ - من الزكاة)
وهل يعطى من ذلك لآل الرسول - ﷺ - في المذهب أربعة أقوال: أحدها: أنهم لا يعطون من سائر الصدقات الواجبة والتطوع. والثاني: أنهم يعطون من الجميع. والثالث: أنهم يعطون من صدقة التطوع دون الواجبة. والرابع: بالعكس فالمنع لقوله - ﷺ - للحسين ﵁ وقد أخذ تمرة من تمر الصدقة "أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد" (٧).
_________________
(١) في (ق) وعلى.
(٢) في (ق) التسلف.
(٣) في (ت) صنف مفرد.
(٤) في (ق) ويرجع.
(٥) في (ر) أخذه.
(٦) في (ق) المجرد.
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ وقد أخرج مسلم حديثين بهذا المعنى الأول عن محمد وهو ابن زياد أنه سمع أبا هريرة يقول أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة =
[ ٢ / ٨٥٥ ]
ومن حمل ذلك على عمومه منع في التطوع والواجبة، ومن قصره على الغالب من كونه من الصدقة الواجبة قصره على الواجب دون التطوع. ويدل عليه تعليله - ﷺ - للمنع لأنها أوساخ الناس. وأما الجواز مطلقًا فمعلل بأنهم إنما منعوا منها لما كانت الأرزاق الواجبة لهم جارية عليهم، والآن انقطعت فحلت لهم الصدقة. وأما التفرقة في إجازة الواجبة دون التطوع فإن الواجبة لا مِنَّة فيها بخلاف التطوع، فجاز لهم أخذ ما لا منة فيه.
فصل (من هم آل الرسول - ﷺ -)
وإذا قلنا بمنعهم، فمن الممنوع منهم؟ لا خلاف في المذهب أن بني هاشم ممنوعون، وأن ما فوق غالب (١) غير ممنوعين، وما بين ذلك فيه (٢) قولان: أحدهما: المنع، والثاني: الإجازة. وسبب الخلاف، هل تتناولهم لفظة "الآل" لقوله - ﷺ - "لا تحل الصدقة لآل محمد".
وهل يمنع الموالي كما يمنع الأحرار؟ في المذهب قولان: أحدهما: المنع، لقوله - ﷺ -: "مولى القوم منهم" (٣). والثاني: الجواز. وقد أجازه ابن القاسم فاحتج [عليه] (٤) بما ذكرناه من الحديث فقال: فقد جاء في حديث
_________________
(١) = فجعلها في فيه فقال رسول الله - ﷺ -: "كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" كتاب الزكاة ١٠٦٩. والثاني قوله - ﷺ -: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" كتاب الزكاة ١٠٧٢.
(٢) هو: غالب بن فهر بن مالك، الجد التاسع للنبي - ﷺ -.
(٣) في (ق) فيهم.
(٤) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض ٦٣٨٠ وأحمد في مسنده ٤/ ٣٤٠ واللفظ له عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مولى القوم منهم وابن أختهم منهم وحليفهم منهم".
(٥) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٨٥٦ ]
آخر: "ابن أخت القوم منهم" (١)، وإنما يريد في المعونة والقرب.
فصل (كيفية توزيع الزكاة)
وإذا تقرر أن هذه الأصناف تستحق أخذ الزكاة، فإن الوالي والمزكي لنفسه يجتهد فينظر إلى مواضع الحاجة بحسب الوقت فيصرف فيه الزكاة، ويختلف ذلك باختلاف الأعصار والأمصار. ولا يجوز للإنسان أن يمسك صدقته حتى يخرجها عن مستحقها، بل الواجب عليه أن يبادر إلى إخراجها إذا وجد مستحقها. والأفضل لمن وجبت عليه أن يوليها غيره، وهذا لخوف المحمدة والثناء. وقد يجب ذلك إذا كان ممن يجهل مواضعها، أو لا يسلم من قصد الرياء (٢).
(حكم من دفعت له الزكاة فزال السبب الذي من أجله دفعت له)
وقد قدمنا الخلاف إذا اجتهد فأخطأ، فإن دفعها إلى من يستحقها لمعنى، فلم يصرفها فيه حتى زال المعنى الذي أخذها لسببه، فإنها تؤخذ منه. وهذا كابن السبيل، يأخذها فلا ينفق منها حتى يصل موضعه، أو يصله ماله على القول بأنه لا يأخذها إن كان غنيًا في موضعه. والغازي يأخذها للغزو ثم يقعد عنه. وتردد أبو الحسن اللخمي في الغارم يسقط دينه أو يؤديه من غيرها، هل تسترد منه إذا كان غير محتاج على أحد القولين (٣). وإنما أخذها بمجرد الدين فينبغي أن تؤخذ (٤) منه إذا سقط دينه أو أداه من غيرها كالغازي.
_________________
(١) اخرج البخاري في كتاب الفرائض من صحيحه ٦٣٨١ عن أنس عن النبيﷺ - قال "ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم".
(٢) في (ت) الثناء.
(٣) التبصرة لوحة: ٧٩.
(٤) في (ق) ترد.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
باب في أحكام (١) المعدن والركاز
(تعريف المعدن والركاز)
وأصل لفظة المعدن في اللغة الإقامة، يقال عدن بالمكان، أي: أقام به، ومنه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ (٢)، أي: جنات إقامة.
وأما الركاز فقال الخليل (٣) إنه كل مال مدفون في الأرض إما بفعل آدمي، أو قطع الذهب والفضة تجمع في الأرض. وحكى أن المعدن غير هذا. وليس أحد من أهل اللغة سمى المعدن ركازًا، وهو مذهب مالك والشافعي أنه لا يسمى المعدن ركازًا (٤). لكن اختلف المذهب في الركاز ما هو؟ [فقيل كقول الخليل المتقدم و] (٥) قيل إنه كل مال مدفون دفنه آدمي، وليس ما يجمع في الأرض بفعل الله تعالى من ذلك. وقيل إنه مختص بالذهب والفضة دون غيرهما من الأموال، وعليه يجري الخلاف [في المذهب] في الندرة (٦) توجد في المعدن، وفي الركاز يكون فيه غير الذهب والفضة، وسيأتي بيانه.
_________________
(١) في (ق) حكم.
(٢) التوبة آية ٧٢.
(٣) هو: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمده الفراهيدي البصري، الإمام صاحب العربية ومنشىء علم العروض أخذ عنه سيبويه النحو، كان رأسًا في لسان العرب دينًا ورعًا قانعًا له كتاب العين في اللغة وثقه ابن حبّان كان ﵀ مفرط الذكاء ولد سنة مئة ومات سنة بضع وستين ومئة وقيل بقي إلى سنة سبعين ومائة. ومات ولم يتمم كتاب العين ولا هذبه ولكن العلماء يغرفون من بحره. سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢٩ - ٤٣١.
(٤) خلافًا لأبي حنيفة.
(٥) ساقط من (ت).
(٦) المقصود بالندرة المعدن الذي لا عين فيه.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
فصل (من الذي يملك المعدن)
والنظر في المعدن في وجهين: أحدهما: لمن يكون؟ والثاني: في حكم ما يؤخذ منه؟ فأما الوجه الأول فإنه لا يخلو من أن يوجد في أرض مملوكة أو في أرض لا ملك فيها (١) لأحد؛ فإن كانت الأرض مملوكة فلا يخلو من أن يكون ملكًا لمعين أو لغير معين كأرض العنوة. فأما غير المملوكة فحكم المعدن الموجود فيها للإمام بلا خلاف في المذهب، وهذا لأنها من مصالح المسلمين، والإمام موكل على النظر في ذلك، فيقطعها (٢) لمن يراه نظرا (٣) ويكلف من يعملها للمسلمين.
فإن كانت مملوكة لغير معين ففيها قولان: أحدهما: أنها كالأول لأنها لا يملكها أحد معين، فعادت كغير المملوكة، والثاني: أنها لمن افتتح تلك الأرض أو لورثتهم، وهذا بناء على أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها.
وإن وجد في أرض مملوكة (٤) لمالك معين ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للإمام كالأول. والثاني: أنها لمالك الأرض. والثالث: أنه إن كان ذهبًا وفضة فهو للإمام، وإن كان غير ذلك من الجواهر فهو لمالك الأرض. والقولان الأولان بناء على الخلاف فيمن ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ فإن قلنا إنه لا يملكه، وكان هذا لا ملك عليه لأحد فرجع إلى الأول. وإن قلنا إنه يملك الباطن كملكه للظاهر فهو لمالك الأرض. وأما التفرقة فلأنه رأى أن العين تؤخذ منه الزكاة والأخذ للإمام، فقد دخل فيه نظر الإمام على (٥) الجملة فيدخل على التفصيل.
_________________
(١) في (ق) عليها.
(٢) في (ق) و(ت) يعطيها.
(٣) أي لمن يكون إعطاؤه لها صوابًا.
(٤) في (ر) غير مملوكة.
(٥) في (ر) وعلى.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
فصل (ماذا يجب في المعدن)
وأما الوجه الثاني فإن المستحق عندنا فيما يوجد في المعدن ويتكلف فيه عمل وتصفية، الزكاة (١). وروى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن (٢) غير واحد: "أن النبي - ﷺ - قطع لبلال ابن الحارث المعادن القبلية" (٣) فتلك لا يؤخذ منه [إلا] (٤) الزكاة إلى الآن، وثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "العَجْمَاءُ جُبَارٌ [وَالمعَدِنُ جُبَارٌ وَالبِئرُ جُبَارٌ] (٥) وَفِي الرَّكَازِ الخُمُسُ" (٦). وقد تعلق أصحابنا بهذا الحديث في أن المعدن غير الركاز، لأنّ النبيﷺ - سماهما باسمين مختلفين. والظاهر أنه لا دليل في ذلك بل [يكاد أن] (٧) يكون حجة لأبي حنيفة القائل بأن ما يوجد في المعدن فيه الخمس، لأنه - ﷺ - تكلم على حكمين مختلفين فأخبر بأن ما سقط في المعدن أو يسقط عليه المعدن، فهو جُبار لا دية فيه. ثم أخبر أن في الركاز الخُمس، أي في الركاز الذي يكون في المعدن. وبهذا يحسن تأليف النظم في الحديث، ولسنا لإكمال الحجاج، وإنما نبهنا على أوائله.
واختلف المذهب في الندرة توجد في المعدن على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه فيه الزكاة، والثاني: أن فيه الخمس، والثالث: أنها إن كثرت ففيها الخمس، وإن قلت ففيها الزكاة. والقولان على ما قدمنا من الخلاف في الركاز.
_________________
(١) في (ر) عندنا فيما يوجد من المعدن من العين ويتكلف المشقة فيه عمل وتصفية الزكاة، وفي (م) عندنا فيما يوخذ من المعدن من العين ويتكلف فيه المشقة فيه عمل وتصفية الزكاة، وفي (ت) عندنا فيما يوخذ من المعدن من العين ويتكلف المشقة فيه عمل وتصفية الزكاة.
(٢) في (ت) وغير.
(٣) أخرجه البيهقي في سننه ٤/ ١٥٢ بلفظ قريب.
(٤) ساقط من (ر) و(ت).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) أخرجه البخارى في الزكاة ١٤٩٩، وأحمد في مسنده واللفظ له.
(٧) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٨٦٠ ]
وما هو؟ هل هو دفن الآدميين فيكون في هذه الزكاة؟ أو كل مال مجتمع فيكون في هذه الخمس؟ والركاز مأخوذ من ركزت الشيء في الأرض؛ فمن حمله على ما دفنه دافن لم بسم الندرة ركازًا، ومن حمله على كل مال مركوز سماها ركازًا. فأما التفرقة فلأن اليسيرة في حكم التبع للموجود في المعادن.
(هل يكمل نصاب معدن بمعدن آخر؟)
وقد قدمنا أنه لا يعتبر فيه الحول، لكن اختلف المذهب هل يجمع [ما يوجد] (١) في معادن مختلفة فيكمل به (٢) النصاب إذ (٣) يعتبر فيه النصاب عندنا؟ أو لا يجمع؟ في المذهب قولان. ولا خلاف أنه لا يجمع ما أخذ من معدن واحد ثم انقطع ثم أدرك نيلًا آخر، فهذا لأنه إذا انقطع صار الموجود منه كمعدن ثان (٤)، ولم يجتمعا في حين الأخذ. والنظر هاهنا في المال الحولي (٥). فمن نفى الجمع في المعدنين قاسه على نفيه في المعدن ينقطع نيله ثم يوجد نيل آخر، ومن أتبعه نظر إلى حصول النيلين (٦) في وقت واحد، والالتفات (٧) إلى ملك ما يكون به غنيًا (٨) من هذا المال.
وإن أخذ من معدن واحد ذهبًا وفضة واتفق ذلك، فذكر ابن الجلاب أنه يضاف أحدهما إلى الآخر فيكمل به النصاب. وأجراه أبو الوليد الباجي على الخلاف في ضم ما يوجد في أحد المعدنين إلى الآخر. ولا شك في صحة تخريجه إذا كان الأخذ في وقت واحد، وأما إن كان في وقتين فيكون بمنزلة المعدن إذا انقطع نيله.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) فى (ق) و(م) منه.
(٣) فى (ر) و(ت) و(م) أو.
(٤) في (ق) يعد كمعدن ثان.
(٥) فى (ق) والوقت هاهنا مثل المال المولى.
(٦) فى (ت) السبك وفي (ر) النيل.
(٧) فى (ر) والإتلاف.
(٨) فى (ق) عيبًا.
[ ٢ / ٨٦١ ]
وإذا كان المعدن لنظر الإمام (١) أو لمالك معين فعمل فيه جماعة فهل يكونون كالشركاء في الزرع لا تجب فيه الزكاة إلا على من [في حصّته نصاب كامل؟ أو تجب إذا كان في الجميع نصاب؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يعتبر نصاب (٢) كل إنسان في نفسه، والثاني] (٣): وجوب الزكاة مطلقًا إذا كان في الجميع نصاب.
وعلى هذا أيضًا يختلف لو كان العامل عبدًا أو ذميًا، هل تجب عليه الزكاة؟ وسبب الخلاف هل يعطى الحكم لمالك المعدن ويكون هؤلاء كالأجراء فيه فيراعى حكم المالك الواحد، أو يكونون كالمالكين فيراعى حكمهم في أنفسهم. وهذا ينبني على الخلاف هل يجوز أن يدفع المعدن لمن يعمله بالجزء كالقراض وبأجرة معلومة، في المذهب في ذلك قولان.
فصل (لمن يكون الكنز؟)
والنظر أيضًا في الكنز (٤) من وجهين: أحدهما: لمن يكون؟ والثاني: حكم (٥) المستحق منه؛ فأما الوجه الأول فإنه لا يخلو على الجملة من أن يجده مالك الأرض التي وجد فيها أو غيره؛ فإن وجده المالك فلا خلاف أنه لواجده، وإن وجده غيره فقولان: أحدهما: أنه للواجد، والثاني: أنه لمالك الأرض. وهما على الخلاف المتقدم في من ملك ظاهر الأرض، هل يملك باطنها أم لا؟ وأما على التفصيل فإنه لا يخلو من أن تظهر عليه علامة [تدل على أنه لأهل الكفر وهو من دفنهم، أو علامة تدل على أنه
_________________
(١) في (ت) نظر فيه الإمام.
(٢) في (ت) نصيب.
(٣) من وجد نصابا في المذهب قولان أحدهما كالشركاء في الزرع والثاني.
(٤) في (ر) الركاز.
(٥) في (ق) في حق.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
للمسلمين، وهو من دفنهم، أو يشكل الأمر. ولا يخلو من أن يكون (١) في فيافي الأرض، أو في ملك معين لمسلم، أو في أرض عنوة، أو في أرض صلح] (٢).
فإن كان عليه علامة من أهل الكفار (٣) ووجد في فيافي الأرض فهو لواجده بلا خلاف، إذ لا ملك عليه لأحد فهو كالصيد والحشيش يستحقه من سبق إليه وأخذه.
وإن كان في ملك إنسان معين ووجده غير المالك فيختلف فيه كما تقدم، وفيه القولان، فإن وجده المالك فهو له بلا خلاف. وإن كان في أرض عنوة فيختلف فيه، هل يكون لواجده أو للجيش الذين فتحوا الأرض أو لورثتهم إن وجدوا، وإن لم يوجدوا وعرف به، فإن فقدوا جملة رجع إلى جملة المسلمين (٤). وفيه القولان وهما على ما تقدم.
وإن وجد في أرض الصلح فإن وجده المالك للأرض وهو من أهل الصلح [عليها] (٥) ففيه قولان: أحدهما: أنه يكون لجميع أهل الصلح، والثاني: أنه يكون لمالك الأرض، وهما على الخلاف المتقدم. وينظر في هذا أيضًا هل صالحوا على الأرض (٦) جملة؟ أو كل إنسان صالح عن موضعه؟ فإن صالحوا عن الجميع فيتفق هاهنا أنه لجميع أهل الصلح، وإن صالح كل إنسان على ما يستحقه فاتفق القول هاهنا أنه لواجده.
وإن وجده غير المصالح (٧) وهو يملك تلك الأرض (٨) فيختلف فيه
_________________
(١) في (ق) يوجد.
(٢) ساقط من (ر) و(ت).
(٣) في (ق) دفن الكفار.
(٤) في (ق) إلى الإسلام.
(٥) ساقط من (ت) و(ر).
(٦) في (ر) الجميع.
(٧) في (ق) و(ت) صلحي.
(٨) في (ق) و(م) الأرض بشراء.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
هل يكون لواجده لأنه ملك الأرض وقد ملك باطنها، أو لجميع أهل الصلح لأنهم صالحوا عليه.
وإن كان لا يملك وإنما وجد في ملك غيره فيختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه لواجده، بناء على أن من ملك ظاهر الأرض لا يملك الباطن، والثاني: أنه لرب الأرض أو لجملة أهل الصلح على ما بيناه من التفصيل على أية صفة وقع صلحهم.
وهذا إذا لم يكن من أموال هؤلاء المصالحين. فإن كان من أموالهم فاتفق أنه يكون لهم أو لمالكه المعين (١) إن علم.
وإن علم أنه من دفن (٢) أهل الإسلام، فليس بكنز (٣) يكون لواجده بل يرد لربه إن عرف، فإن لم يعرف كان كاللقطة يعرف به. وإن أشكل أمره بحيث لا يكشف عن حقيقته (٤)، فإن لم يظهر له ما يدلّ على شيء كان حكمه حكم الركاز، ويحمل على أنه من دفن الجاهلية.
فصل (الواجب في الكنز)
وأما المأخوذ منه فهو الخمس إن كان ذهبًا أو فضة، فإن كان غير ذلك من الأموال ففيه قولان في الكتاب (٥)، وهما على ما قدمناه من الخلاف في اسم الركاز على ماذا يطلق. هذا حكم الركاز.
(حكم ما لَفَظَه البحر وما لم يتقدم عليه ملك لأحد)
وأما ما لفظه البحر وما لم يتقدم عليه ملك لأحد، فهو لواجده ولا
_________________
(١) في (ر) لمالك معين.
(٢) في (ت) كنوز.
(٣) في (ق) ركاز.
(٤) في (ق) و(ت) فإن أشكل أمره بحث عن حقيقته.
(٥) المدونة: ١/ ٢٩٢.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
خمس فيه. وإن تقدم عليه ملك لمسلم ففيه قولان، هل يكون لواجده لأنه في حكم المستهلك أو لمالكه؟ وهذا حكم كل ما ترك بموضعه في البحر والبر وعجز عنه ربه وهو تارك له (١)، وسيأتي بيانه في حكم أكرية السفن في كتاب الأقضية.
وإن كان الملك المتقدم لذمي فحكمه حكم المسلم، وإن كان لحربي فإن وجد معه أربابه؛ فإن أخذه واجده بقتال، ولولا قتاله لم يقدر عليه، وجابه (٢) أربابه فهو كالفيء يخمّس. وإن أخذه بغير قتال ولو ترك لم يقدر أربابه على أن يتخلصوا من قبضة أهل الإسلام (٣)، فالنظر فيه للإمام. وهو كأموالهم التي انجلوا (٤) عنها ولم يوجف (٥) عليهم بخيل ولا ركاب. وإن لم يكن معه أربابه فهو لواجده ولا شيء عليه فيه.
فصل (أقسام الأموال التي ينظر فيها الإمام وكيفية تقسيمها)
وقد تقدم أنه لا زكاة في غير الأموال النامية وأن كل ما استفيد وهو عين استقبل به حولًا، فإن كان عرضًا (٦) فلا زكاة عليه حتى يباع ويستقبل به حولًا وقد تقدم ذلك.
والأموال التي ينظر فيها الإمام على ثلاثة أقسام:
_________________
(١) في (ق) هل يكون لواجده لأنه في حكم المستهلك أو لمالكه وهذا حكم في كل ما تركه بمضيعة في البر أو البحر وعجز عنه ربه وهو تارك له. وفي (ت) هل يكون لواجده لأنه في حكم المستهلك أو لمالكه وهذا حكم ما ترك بمضيعة البر والبحر وعجز عنه ومر تاركا له ربه.
(٢) في (ت) ونجا به.
(٣) في (ر) أو لم يرده لم يقدر عليه أربابه على تخلصه من نظر أهل الإسلام.
(٤) في (ر) خلوا.
(٥) في (م) يزحف.
(٦) في (ق) عروضا.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
قسم: يحل للأغنياء والفقراء بلا خلاف؛ وهو المال المأخوذ من الكفار الحربيين والمعاهدين، كالخمس من الغنيمة، وما انجلى عنه أهله، وخمس الركاز، والجزية، وما يؤخذ من تجارتهم (١)، وما يؤخذ من أرض العنوة وأرض الصلح.
وقسم: لا يحل إلا للفقراء بلا خلاف، إلا من ذكر معهم في آية الزكاة، وهذا كالزكاة.
وقسم: اختلف المذهب فيه على قولين: هل هو كالثاني، لأنه مال أصله للمسلمين فأشبه الزكاة؟ أو هو كالأول، لأنه لم يؤخذ من مالكه بالطوع ولا يعرف مالكه بعينه، فأشبه الفيء وهو كأموال مستغرقي الذمة، واللقطة إذا لم يعرف ربها وعرفت؟
وإذا ثبت أن الفيء وما ذكر معه يستحقه الأغنياء والفقراء فهل يقسمها الإمام على التفضيل أو المساواة، في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقسمه على المساواة، وهكذا كان فعل الصديق ﵁ (٢)، والثاني: أنه يقسمه على التفضيل بقدر الفضائل ويفضل بقدر الفضائل الشرعية والغنى عن المسلمين، ويسبق الفاضل عن الأدنى، وهذا فعل عمر ﵁ (٣). والثالث: أن الإمام مخير بين المساواة والتفضيل، وهذا لأنه راعى أن فعل كل واحد منهما حجة. وإنما قدم من قدم أو ساوى من ساوى على جهة النظر والاجتهاد، فيجتهد الإمام في ذلك بحسب ما يراه. ولهذا أخبر عمر أنه [إن بقي] (٤) ساوى بين الناس كما فعله أبو بكر. وقد تأولوا المساواة على الابتداء بالفقير كما يساوى بينه وبين الغني ليس أن يعطى كما يعطى الآخر.
وبالجملة إن هذا مال يحل للأغنياء فينبغي أن ينظر الإمام فيما هو
_________________
(١) في (م) و(ق) تجارهم.
(٢) انظر كتاب الأموال ص: ٢٧٦.
(٣) المصدر السابق ص:٢٧٧.
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٨٦٦ ]
الأصلح للمسلمين فيفعله، فيبدأ في خراج الأرض بالموضع الذي جبي فيه فيسد حاجته، وإن فضلت فضلة نقله إلى غيره، وإن نزل بقوم حاجة صرف إليهم ما يدفع (١) حاجتهم كما فعل عمر ﵁ في أهل الحجاز زمان الرمادة (٢)، فإنه نقل إليهم أموال مصر. وسيأتي الكلام على الجزية مفصلًا في كتاب الجهاد.
[تم كتاب الزكاة الأول بحمد الله وحسن عونه] (٣).
****
_________________
(١) في (ق) و(ت) يزيح.
(٢) قال أبو عبيد القاسم بن سلام "إنما سمي الرَّمادة لأنّ الزرع والشجر والنخل وكلُّ شيء من النبات احترق مما أصابته السنة فشبه سواده بالرماد؛ ويقال: بل الرمادة الهلكة، يقال: قد رَمَدَ القوم وارمَدّوا إذا هلكوا؛ وهذا كلام العرب والأول تفسير الفقهاء ولكل وجه". الغريب لابن سلام: ٣/ ٢١٢.
(٣) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٨٦٧ ]
كتاب الزكاة الثاني
(اختصاص وجوب الزكاة بالنعم)
وقد تقدم أن الشريعة علقت الزكاة بالأموال النامية، وإن منها النعم (١) فلا تجب الزكاة عندنا إلا فيها. وهذا لاختصاص النص بها، ولأنها المعدة للنماء غالبًا، وفيها الدر والنسل والأصواف والأشعار والأوبار. وغير ذلك من الحيوان، لا يوجد فيها كمال النماء على هذه الصفة. لكن إن [ضرب] (٢) نوع من الوحش في نوع من هذه حتى كان عنه النتاج، فهل تجب في المتولد عنها زكاة أم لا؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الزكاة، والثاني: إسقاطها، والثالث: وجوبها إذا كانت الأمهات من النعم، وسقوطها إن كانت من الوحش. وقد استقرئ هذا القول من المدونة لقوله: كل ذات رحم فولدها بمنزلتها (٣). وسبب الخلاف ما قدمناه من اجتماع موجب ومسقط أيهما يغلب؟ وأما القول الثالث فإن الأصول تقتضي أن الولد تبع للأم في الحرية والرق، وأيضًا فإن النطفة كالمستهلك (٤) والولد جزء (٥) من الأم. ولعل وجه الإسقاط أيضًا أن النسل لا يكون [إلا] (٦) من هذا المتولد، والنسل هو معظم النماء.
_________________
(١) في (م): الغنم.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) المدونة: ١/ ٣٢٣.
(٤) في (م) و(ق) كالمستهلكة.
(٥) في (ق) كالجزء.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٨٦٨ ]
فصل (نصاب الإبل والواجب فيها)
وإذا تقرر اختصاص الزكاة بالنعم (١)، فالنظر فيها أولًا في ركنين: أحدهما: النصاب الذي تعلق به الزكاة (٢)، والثاني: في قدر المخرج (٣).
وأما النصاب فاجتمعت الأحاديث على بيانها، وتعلق بها أيضًا حكم المخرج على الجملة. ولنبينها ثم نذكر مواضع الخلاف؛ فأما الإبل فلا شيء فيما دون الخمس منها، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى تسع، فإذا بلغت عشرة ففيها شاتان إلى أربعة عشر، فإذا زادت واحدة (٤) ففيها [ثلاث شياه إلى تسع عشرة، وإذا زادت واحدة ففيها (٥) أربع شياه إلى أربع وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها] (٦) بنت مخاض (٧)، فإن لم توجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فهاهنا وقع في الحديث في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون (٨).
_________________
(١) في (م) الغنم.
(٢) في (ق) النصاب التي تتعلّق الزكاة بها، وفي (م) النصاب الذي يتعلق الزكاة بها، وفي (ر) النصاب الذي يتعلق بها المخرج.
(٣) في (ر) الزكاة.
(٤) في (م) وق فإذا بلغت خمسة عشر.
(٥) في (ق) فإذا بلغت عشرين.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) سيورد المؤلف معاني كل من بنت المخاض وابن اللبون والحقة والجذعة في الفصل الموالي.
(٨) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في الزكاة ١٤٥٤، والترمذي في الزكاة ٦٢١ واللفظ له عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَتَبَ كِتَابَ الصدقَةِ فَلَمْ يُخْرِجهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ فَقرَنَهُ بِسَيفِهِ فَلَمَّا قُبِضَ عَمِلَ بِهِ أَبو بَكْر حَتَّى قُبِضَ وَعُمَرُ حَتَّى قُبِضَ وَكَانَ فِيهِ في خَمّسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ: وَفِي عَشْرِ شَاتَانِ وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاه وَفِي عِشرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهِ وَفِي خَمّسٍ وَعِشْرِينَ بِنتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمّسٍ وَثَلَاثِينَ فَإِذَا زَادَتْ =
[ ٢ / ٨٦٩ ]
واختلف المذهب في الزيادة المعتبرة على العشرين ومائة، هل تكون بالعشرات أو بالواحدة؟ في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: اعتبار الزيادة بالعشرة، فلا تنتقل عن الحقتين إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، والثاني: أنها تنتقل فيكون فيها ثلاث بنات لبون، والثالث: أنها صورة (١) يخير فيها الساعي بين أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
وسبب الخلاف أنه - ﷺ -، قال: "إِذَا زَادَتْ"، ومقتضى اللفظ اعتبار زيادة الواحدة فأكثر، لكنه قال: "في كُل خَمْسِينَ حِقَّة وَفِي كُل أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُون"، فراعى زيادة العشرات (٢)؛ فمن التفت إلى اللفظ الأول غير بزيادة (٣) الواحدة، ومن التفت إلى اللفظ الثاني راعى زيادة العشرة (٤)، وقد اختلف المتأخرون في توجيه القول الثالث؛ فمنهم من يراه مبنيًا على الشك والتردد وإجمال (٥) الحديث، ومنهم من يراه مبنيًا على أنه مقتضى الحديث، ويكون الساعي مخيرًا في هذا المقدار كتخيره إذا بلغت مائتين (٦) على ما سنذكره. ومبنى هذا الاختلاف نذكره فيما بعد.
فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتا لبون. ولا خلاف في المذهب في هذا المقدار. ثم لا تتغير (٧) الزيادة بعد ذلك إلا بالعشرات. وتقريب النظر في ذلك أن الثلاثين ومائة فيها حقة وابنتا لبون كما ذكرنا، فكلما
_________________
(١) = فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونِ إِلَى خَمْسِ وَأَرْبَعِينَ فَإذَا زَادَت فَفِيها حِقَّةْ إِلَى سِتَّينَ فَإِذا زَادَت فَجَذَعَةٌ إِلَى خَمسِ وَسَبعِينَ فَإذا زَادَتْ فَفِيها ابنَتا لَبُون إِلَى تِسْعِينَ فَإِذا زَادَت فَفِيها حِقَّتَانِ إِلَى عشرِينَ وَمِائَة فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عشرِينَ وَمِائَةِ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةْ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونِ" الحديث.
(٢) في (ر) ضورة.
(٣) في (ر) وإنما زيادة العشرة
(٤) في (ر) اعتبر زيادة.
(٥) في (ق) العشرات.
(٦) في (ق) و(ت) احتمال.
(٧) في (ر) مائة.
(٨) في (ق) لا تعتبر.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
زادت عشرة أزيلت (١) بنت لبون وجعل مكانها حقة. فإذا صار الجميع حقاقًا (٢) وزادت عشرة، رد الكل بنات لبون وزيد في العدد واحدة. ثم إن زادت عشرة أزيلت بنت لبون ورد في مكانها حقة. هكذا أبدًا.
ومثال ذلك إذا زادت على الثلاثين ومائة عشرة، وجبت فيها حقتان وبنت لبون. فقد أزلنا بنت لبون ورددنا مكانها حقة، فإذا زادت عشرة وجبت ثلاث حقاق، فإذا زادت عشرة صار المأخوذ أربع (٣) بنات لبون، فإذا زادت عشرة وجبت حقة وثلاث (٤) بنات لبون. هكذا أبدًا. وأصله على التقريب ما قلناه. والمعوّل عليه قوله - ﷺ -: "في كُل خَمسِينَ حِقَّة وَفِي كُل أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُون". وإذا بلغت مائتين فهاهنا إن عددت بالأربعينات كان فيها خمس بنات لبون، فإن عددت بالخمسينات كان فيها أربع حقاق، فيكون الساعي مخيرًا. وفي المذهب تفصيل نذكره بعد.
فصل (أسنان الإبل وحكمها)
ويفتقر إلى معرفة الأسنان المذكورة في الحديث، وولد الناقة في أول السنَّة يسمى حُوَارًا، وهذا هو المحتاج إليه على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، وإن كان له تفصيل أسماء يفتقر إليها في علم اللغة (٥). فإذا دخل في السنَّة الثانية سمي ابن مَخَاضِ والأنثى بنت مخاض، ومعنى ذلك أن الأم صارت في حد المخاض لأنها تحمل سنة وتغب (٦) أخرى. فإذا دخل في السنَّة الثالثة سمي ابن لَبُونِ، بمعنى أن أمه صارت في حد مَن لها لبن ترضع به.
_________________
(١) في (ر) أوجبت.
(٢) في (ر) حقتان.
(٣) في (م) خمس.
(٤) في (م) أربع.
(٥) في (ق) تفصيل إنما يحتاج إليها في علم اللغة.
(٦) في (ر) تعب.
[ ٢ / ٨٧١ ]
فإذا دخل في السنَّة الرابعة سميت الأنثى منه حِقَّة، بمعنى أنها استحقت الحمل للحمولة، والفحل تلقح (١) حينئذ. وإن كان الذكر لا يلقح إلا في السنَّة السادسة. فإذا دخلت في الخامسة سميت جَذَعَة، وهي آخر ما تؤخذ في الزكاة. وفي السنَّة السادسة ثَنِيَّة (٢)، ولا حاجة لنا إلى ذلك ولا ما بعده، إذ لا يتعلق به حكم الزكاة.
(بعض حِكَمِ ذلك)
وقد تصرفت الشريعة في هذه النصب (٣) تصرفًا مناسبًا يعقل معناه على الجملة وإن كان فيه شوب (٤) التعبد على التفصيل. فَعُدَّ مالكِ الأربعة فدون فقيرًا، كما عُدَّ مالك دون العشرين [دينارا] (٥) فقيرًا، ومالك الخمس (٦) غنيًا فيستحق أن يؤخذ منه. لكن إن أخذ من عين المال أجحف به. والشركة أيضًا في الحيوان مضرة فيعوض عن القدر الواجب بشاة، ثم لا يجب في الزيادة القليلة شيء بخلاف العين لأنّ إخراج الجزء من العين ممكن، وهاهنا لا يمكن إلا بالشركة، ففيها مضرة. فراعت الشريعة زيادة الخمسة إلى أن تبلغ خمسًا وعشرين فحينئذ يستحق الإخراج من الإبل، فيؤخذ من الخمسة وعشرين بنت مخاض، إذ ما قبلها لا يستغني عن أمه ولا يقدر الساعي على حمله (٧). ثم يراعى الزيادة بالعشرة كرتين، ثم بالخمسة عشرة كرتين، ولا يؤخذ ما فوق الجذعة لأنها من كرائم (٨) الأموال. وإنما تكررت بنت لبون وحقة فتؤخذان مرتين مرتين إذا أثنى العدة (٩) التي وجبت فيه أولًا. وقد نبه - ﷺ - على أن الشرف
_________________
(١) في (ق) و(ت) تلحق.
(٢) في (ر) مسنة.
(٣) في (ر) هذا النصيب، وفي (ت) هذا النصب، وفي (م) هذا النصاب.
(٤) في (ر) شرف.
(٥) ساقط من (م).
(٦) في (ر) الخمسين.
(٧) في (ق) جلبه وفي (م) حلبه.
(٨) في (م) كريم.
(٩) في (م) ثبت العدد، وفي (ق) إذا العدد.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
يحصل في المأخوذ بالأنوثية أو بزيادة السن، فقال: "في الخمسة والعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر" (١). ونبّه بالذكورية هاهنا لأنه إنما انتقل (٢) إلى السنن الأعلى مع فقد السنن الأدنى لكون الأنوثية فضلًا والذكورية نقصًا. وهذا التعليل أهم (٣) مما قيل من أنه إنما ذكر الذكوربة احترازًا من الخنثى، وهذا يعلم بطلانه قطعًا، وأن صاحب الشريعة لا يتعرض لمثل هذه الصورة إذ هي نادرة تكاد ألا توجد، نعم ولو وجدت لم يكن للاحتراز منها فائدة.
فصل (المأخوذ من الإبل عند فقد بعض الأصناف أو وجودها)
وإذا وصلت (٤) الإبل خمس وعشرين، فلا يخلو من أن يوجد فيها بنت مخاض وابن لبون جميعًا، أو يفقدا جميعًا، أو يوجد أحدهما ويفقد الآخر.
فإن وجدًا جميعًا فلبس إلا بنت مخاض، إلا أن يرضى الساعي بابن اللبون ويراه نظرًا للمساكين، ففيه قولان: أحدهما: أنه يجزي، والثاني: أنه لا يجزي. وهذا بناء على أن القيم لا تجزي بدلًا عن الأعيان الواجبة في الزكاة. وأما القول الأول فهو بناء على أن القيم تجزي، أو على أن هذا قد يجب يومًا [ما] (٥). ولم يخرج بالكلية عن النوع الواجب مخالف (٦) القيم.
فإن فقدا جميعًا، فالمنصوص من المذهب أن على رب المال أن يأتي بابنة مخاض، طاع أو كره. وتأول ابن المواز على أن ابن القاسم أنه قال:
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو عند النسائي في الزكاة ٢٤٤٧ بلفظ: "فإذَا بَلَغَتْ خَمسًا وَعِشرِينَ فَفِيها بنْتُ مَخَاض إلَى خَمس وَثَلَاِثينَ فَإن لَمْ تَكُن بنتُ مَخَاض فَابنُ لَبُون ذَكرٌ".
(٢) في (ق) آل.
(٣) في (ق) و(م) أوضح.
(٤) في (ق) و(م) و(ر) حصلت.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ت) فخالف، وفي (ر) فيخالف.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
إن أتى بابن لبون قبل منه. وأنكره بعض المتأخرين ورأوا أن المذهب كله على ما ذكرناه من المنصوص. ويحتمل أن يكون المذهب على قولين، ويكون سبب الخلاف قوله - ﷺ -: "فإن لم توجد فابن لبون" هل معناه: فابن لبون إذا وجد فيها، أو ابن لبون مطلقًا سواء كان فيها أو لم يكن.
وإن وجد أحدهما دون الثاني، فليس إلا ما وجد، وهذا لا خلاف فيه لتناول الحديث له نصًا ومفهومًا.
فصل (مسألة التخيير فيما زاد من الإبل على المائة والعشرين إلى المائة والثلاثين)
وقد قدمنا الخلاف في ما بين العشرين ومائة (١) إلى الثلاثين ومائة، وذكرنا أن أحد الأقوال (٢) التخيير. واختلف المتأخرون: هل القول بالتخيير شك في المقدار الواجب فيكون للساعي أن يبتدئ النظر عند نزول المسألة، أو هو (٣) قول يقتضيه لفظ الحديث والنظر. وعلى هذا اختلف (٤)؛ هل يكون التخيير ثابتًا وإن لم يكن في الإبل إلا أحد السنَّين، أو إنما (٥) يكون التخيير مع وجودهما جميعًا. وفي المذهب في ذلك قولان. فإن قلنا إن التخيير شك في المقدار، وإنما يبتدئ الساعي النظر عند وقوع النازلة، فإذا قوي في نفسه أحد الأمرين، كلف رب الإبل (٦) أن يأتي بحقتين (٧) أو ثلاث بنات لبون على قدر ما يؤديه إليه اجتهاده.
_________________
(١) في (ر) مائتين.
(٢) في (م) الأقاويل.
(٣) في (م) وهو.
(٤) في (ت) والنظر وعلى هذا الاختلاف، وفي (ر) والنظر على هذا الاختلاف.
(٥) في (ر) وإنما.
(٦) في (ق) و(ت) المال.
(٧) في (ر) و(ت) بحقتين إن شاء، وفي (ق) بحقتين إن شاء الله.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وإن قلنا إن التخيير من مقتضى الحديث والنظر، فأيهما دفع رب المال أجزأه، وإن لم يوجد فيها إلا أحد السنين لم يكلف الآخر.
فصل (من المخير في الواجب في المائتين؟)
وقد قدمنا أن الواجب في المائتين؛ إما أربع حقاق، أو خمس بنات لبون. وهل يكون الساعي في ذلك مخيرًا أو رب المال؟ في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: تخيير الساعي (١)، والثاني: تخيير رب المال، والثالث: تخيير الساعي إذا وجدا جميعًا. وأما إن فقدا جميعًا أو فقد أحدهما، فالتخيير لرب المال.
والأول نظرًا إلى أن الواجب أحد السنين، فيختار وكيل المسلمين (٢). والثاني: نظرًا إلى أن اختياره (٣) قد يضر بصاحب الإبل وكل صنف منها واجب حقيقة (٤). وهذا المعنى راعاه في القول الثالث فرأى أنه لا مضرة عليه إذا كانا جميعًا موجودين في الإبل.
فصل (المأخوذ في الإبل المزكاة بالغنم)
وإذا كانت الإبل مزكاة بالغنم، وهي المسماة شنقًا (٥)، فهل يؤخذ
_________________
(١) في (ر) أن الخيار للساعي.
(٢) في (ق) المساكين.
(٣) في (م) اجتهاده.
(٤) في (ت) على الحقيقة.
(٥) في (ق) بالشنف. والشنق وهو ما بين الفريضتين من كل ما تجب فيه الزكاة. انظر مواهب الجليل ٢/ ٢٦٨. قال أبو عبيد: يجعل الأوقاص في البقر خاصة والأشناق في الإبل. الغريب ٤/ ١٤٢.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
من المعز أو من الضأن؟ أما إن تطوع (١) المزكي بالأفضل أخذ منه، وإن طلب الأدنى (٢) فأراد إخراج المعز، فإن كانت هي كسبه وكسب أهل البلد أخذت منه. وإن كان كسبه مخالفًا لكسب أهل البلد فقولان: أحدهما: مراعاة كسبه لأنه المأخوذ به، وفي تكليفه إخراج ما ليس في ملكه مشقة عليه، والثاني: مراعاة كسب أهل البلد، لأنّ كسبه نادر والنادر لا يراعى.
فصل (حكم إعطاء أفضل من الواجب)
وإذا وجبت على إنسان سن فبدل أفضل منها ورضي به المصدق، فلا شك في الإجزاء. وإن أخذ على الفضل (٣) ثمنًا، أو أعطى النقص وأكمل النقص بالثمن، فهل يجزي؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجزي وجائز ابتداء. والثاني: أنه مكروه، وإن وقع أجزأه. والثالث: أنه لا يجزي إلا أن يعطي أفضل ويأخذ ثمنًا فيرد الثمن المأخوذ. وهذا مع فوات المأخوذ.
وأما إن كان قائمًا، فيسترده على هذا القول ويخرج مقدار هذا الواجب. ونفي الإجزاء مبني على منع إخراج القيم. وأما الإجزاء فمبني على أحد الأمرين: إما لجواز إخراج القيم، وإما لأنه قد أخرج النوع على الجملة. وأما الكراهية فهي مراعاة الخلاف مع [كون] (٤) القول بالإجزاء.
_________________
(١) في (ق) طاع.
(٢) في (ق) الادون.
(٣) في (ر) الأفضل.
(٤) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٨٧٦ ]
باب في زكاة البقر
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه أسقط [عنها] (١) الزكاة قبل بلوغها ثلاثين (٢)، فإذا بلغتها ففيها جذع (٣)، ثم لا زيادة (٤) حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة (٥)، ثم لا زيادة (٦) [فيها] (٧) حتى تبلغ ستين ففيها جذعان (٨)، ثم لا زيادة (٩) فيها حتى تبلغ سبعين ثم يكون (١٠) الحساب في كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع (١١) ويكون الحكم على ما قدمناه في الإبل، سواء كما (١٢) قدمنا في الحساب.
وإذا بلغت عشرين ومائة، فهاهنا يتفق العددان، فإن عددت بالأربعينيات كان فيها ثلاث مسنات، وإن عددت بالثلاثينيات كان فيها أربع توابع. فيكون الحكم كما قدمناه في المائتين من (١٣) الإبل.
_________________
(١) ساقط من (م).
(٢) هذا رأي الجمهور وعمدتهم في ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٢٣٠ عن معاذ بن جبل قال بعثه النبيﷺ - إلى اليمن فأمره ان يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر "وللعلماء كلام في الحديث وليس مقطوعًا بثبوته كما قال المصنف. انظر فتح الباري ٤/ ٦٥ وقيل الأوطار ٤/ ١٣٢ ونصب الراية ٢/ ٣٤٦.
(٣) في (م) جذعة. والجذع يسمى تبيعا وهو ما له سنة.
(٤) في (ق) لا زائد.
(٥) المسنة: ما لها سنتان.
(٦) في (ق) لا زائد.
(٧) ساقط من (ق) و(م).
(٨) في (م) جذعتان.
(٩) في (ق) و(م) لا زائد.
(١٠) في (ق) و(ت) فيستتم الحساب.
(١١) في (ق) جدع تبيع.
(١٢) في (ق) و(م) وقد قدمناه.
(١٣) في (ق) و(ت) في.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
واختلف في سن الجذع [منها] (١)، وهو التبيع؛ فقيل ابن سنتين، وقيل ما أوفاهما ودخل في الثالثة. وكذلك اختلف في المسنة؛ فقيل بنت ثلاث سنين، وقيل ما أوفتهما ودخلت في الرابعة. والتحاكم في هذا إلى أهل اللغة. و[أصل] (٢) القول الثاني هو الصحيح عندهم.
ولا يجزي في الأربعين إلا مسنة أنثى، ويجزي في الجذع في الثلاثين ذكر. وهل تؤخذ الأنثى؟ أما إن طاع بها ربها فلا يختلف في جواز أخذها، وأما إن امتنع فهل ذلك من حق الساعي إذا كانت في البقر؟ في ذلك قولان: أحدهما: أنه لا يكلف ذلك إذ في الحديث النص على الذكر، والثاني: أنه يكلف قياسًا على المأخوذ من (٣) الإبل [فإنها الإناث] (٤).
باب في زكاة الغنم
(نصاب الغنم والواجب فيها)
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه أسقط عنها الزكاة قبل أن تبلغ أربعين؛ فإذا بلغتها ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت (٥) واحدة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، وإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم ما زاد ففي كل مائة، شاة. ويكاد [ألا] (٦) يظهر في هذا التقدير إلا حقيقة التعبد. واختلف في صفة المأخوذ منها على ثلاثة أقوال: فقيل: يجزي الجذع والثني من المعز والضأن ذكرًا كان أو أنثى، وقيل لا يجزي إلا أنثى، لكن
_________________
(١) ساقط من (ق) و(م).
(٢) ساقط من (ر) و(ت).
(٣) في (ق) في.
(٤) ساقط من (م)، وفي (ت) فإنها أنثى.
(٥) في (ق) و(م) فإذا بلغتها وزادت.
(٦) ساقط من (م).
[ ٢ / ٨٧٨ ]
تجزي جذعة كانت أو ثنية من المعز أو الضأن. وقيل: حكمها حكم الأضحية لا يجزي إلا الجذع من الضأن ذكرًا كان أو أنثى، والثني من المعز ذكرًا كان أو أنثى [إلا أن يكون تيسًا] (١) فالقول الأول بناء على أن النظر إلى الجذع، والثني هو العدل بين خيار المال وشراره. ولم يثبت ما يقتضي أخذ شيء بعينه، فرجع في ذلك إلى العدل بين الشرار والخيار.
والثاني، التفاتًا إلى أن هذا عدل لكن المنصوص في الإبل أنها لا تؤخذ إلا إناثًا، فيرد هذا الحكم إليها. وأيضًا فقد روي مثله عن الرسول - ﷺ -، وفي سنده ضعف.
وأما القول الثالث فوجهه القياس على الأضاحي. وإنما فرق فيها بين المعز والضأن، لأنّ المعز لا يلقح منها الجذع، ويلقح من الضأن. فكأن كمال المنفعة لا يحصل في المعز إلا إذا صارت إلى سن الثني. والمطلوب في العبادات ما هو كامل المنفعة.
(صفة المأخوذ)
ولا تؤخذ كرائم الأموال كالأكولة والفحولة والربا (٢) وهي التي لها ولد وذات (٣) اللبن، ولا يؤخذ شراره كالسخال والتيوس والعجفاء وذات العوار (٤). وهذا إذا كان في المال رديئًا وجيدًا.
فإن كان من جنس واحد رديئة كلها أو جيدة كلها، فهل يؤخذ منها إن جمعت؟ قلت أربعة أقوال: أحدها: أنه يؤخذ منها على الإطلاق حتى لو كانت سخالًا، قاله ابن عبد الحكم، لكنه ذكر أنه يراعى في قوله ترك الإيجاب (٥) والثاني: أنه لا يؤخذ منها بل يكلف رب المال شراء الوسط
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) بالربا.
(٣) في (ر) و(ت): ولا ذات.
(٤) في (ر) والعجفوات العوار.
(٥) في (ق) قول الأصحاب وفي (ر) في تركه قول الإيجاب.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
على ما تقدم. والثالث: يؤخذ منها إلا أن تكون عجافًا فلا يؤخذ منها، بل يكلف أن يشتري غيرها. والرابع: أنه يأخذ من الجميع إلا أن تكون كلها سخالًا.
وسبب الخلاف هل يقاس ذلك على الحبوب فيؤخذ من كل نوع منها (١)، أو يرجع ذلك إلى عموم ما ورد عن عمر ﵁ أنه يؤخذ من الوسط. وأما التفرقة بين العجاف وغيرها؛ فإن العجاف لا منفعة فيها فهي كالعدم، وأما التفرقة بين السخال وغيرها فلأن السخال لا تجلب (٢) ولا تقوم بأنفسها. وقد نص عمر ﵁ على أنها لا تؤخذ.
(هل تؤخذ الزكاة سنة الجدب)
وقد اختلف المذهب هل يبعث السعاة إلى أخذ الزكاة في سنة الجدب على قولين: أحدهما: أنهم لا يبعثون تخفيفًا عن أرباب الأموال، إذ أنها معدومة في مثل هذه السنة، [ولأن المأخوذ يكاد لا تكون فيها منفعة] (٣)، والثاني: أنهم يبعثون لوجود أعيان الماشية التي تجب فيها الزكاة.
فصل (سن الجذع والثنية من الضأن)
وسن الجذع من الضأن (٤) فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ابن ستة أشهر. والثاني: أنه ابن ثمانية أشهر والثالث ابن عشرة أشهر والرابع ابن سنة كاملة. والرجوع في ذلك إلى اللغة فيعول على قول أربابها. وأما الثنية فهي التي طرحت ثناياها.
_________________
(١) في (ق) و(ت) فيؤخذ منها على أي حالة كانت.
(٢) في (ت) تتجلب وفي (ق) تنجلب.
(٣) ساقط من (ت) و(ق) و(ر).
(٤) في (ق) و(ت) الغنم.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
باب في أجتماع الأصناف
وأصناف النوع يضاف بعضها إلى بعض فيكمل به النصاب، وتكون كالصنف الواحد كالبخت (١) والعراب (٢) والبقر والجواميس والضأن والمعز. لكن النظر في اجتماعها من أيها يؤخذ؟
ولنبدأ بالغنم؛ فإذا كانت في أول فرضها وهي أربعين (٣) وكانت مختلطة، فهاهنا يراعى الأكثر بلا خلاف، فيؤخذ منه إن كان الضأن أو المعز. فإن كانت متساوية فالمنصوص أن الخيار للساعي يأخذ أيها شاء. ورأى أبو الحسن اللخمي أن القياس أن يؤخذ من كل واحدة نصفها، إذ لا ترجيح لأحد الصنفين على الآخر، وفي تخيير الساعي مضرة على رب الغنم (٤). وهذا الذي قاله صحيح لولا أنه وقع (٥) في مخالفة الأصول من مشاركة الفقراء لرب الغنم. وقد قدمنا أن الأوقاص (٦) إنما ضربت في الغنم حتى تجب العين الكاملة، فإن زادت الغنم على ذلك، وهي إذا انفرد كل صنف لا يجب فيه شيء أو تجب في صنف دون آخر، فالحكم كما قدمناه ينظر إلى الأكثر. ويخير الساعي عند التساوي، وهذا (٧) كالتسع والسبعين،
_________________
(١) قال ابن منظور: "البُخْت والبُخْتِيَّة: دَخِيل في العربية، أَعجمي مُعَرَّبٌ، وهي الإِبل الخُراسانِيَّة، تُنْتَج من بين عربيةِ وفالِج؛ وبعضهم يقول: إِن البُختَ عَرَبي الواحد: بُخْتي؛ جَمَل بُختي، وناقة بُختِيَّة. فيَ الحديث: فأُتيَ بسارقِ قد سَرَقَ بُختَّة. البُخْتِيَّةُ: الأُنثى من الجمال البُختِ، وهي جمالٌ طوالُ الأَعْناق، ويُجْمَع على بُختٍ وبَخَاتٍ؛ وقيل: الجمع بَخاتيُّ، غير مصروف .. ". لسان العرب: ٢/ ٩.
(٢) في (ر): الأعراب. الإبل العراب والخيل العراب خلاف البختي والبراذين. المصدر السابق ١/ ٥٩٠.
(٣) في (ق) و(ت) الأربعون.
(٤) التبصرة لوحة: ٨٧.
(٥) في (ق) و(ت) يرقع.
(٦) قال ابن منظور: "الوقص، ما بين الفريضتين من الإبل والغنم، واحد الأوقاص في الصدقة والجمع أوقاص وبعضهم يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما جميعًا ما بين الفريضتين" المصدر السابق ٧/ ١٠٧.
(٧) في (م) وهكذا.
[ ٢ / ٨٨١ ]
فإن الأربعين يجب فيها لو انفردت، والتسع والثلاثين [إذا انفردت] (١) لا يجب فيها شيء، أو السبعين مثلًا، فإن كل واحدة لو انفردت لم يجب فيها شيء، أو يكون أحد الصنفين أكثر فتجب فيه دون غيره، فإن كملت ثمانين وأحد الصنفين أكثر أخذ من الأكثر أيضًا بلا خلاف. وإذا كانت متساوية كان الساعي مخيرًا كما قدمناه.
وإن زادت على ذلك فهل يبقى حكم التخيير أو يؤخذ من الأكثر، هاهنا قولان: المشهور أنه يؤخذ من الأكثر، والشاذ تخيير الساعي. وهذا مثلًا في أربعين معزة وثمانين ضائنة (٢) فينظر في المشهور إلى أن الشاة واجبة في الجميع، والضأن أكثر فيؤخذ منه. وكذلك إن قلنا إن الشاة واجبة في الأربعين خاصة وما زاد عليها وقص لا يجب فيه شيء، فإن القسمة تقتضي كثرة الضأن إذا قسمنا المأخوذ منها كما يقسم الزائد. ورأى في الشاذ أن كل واحد من الصنفين مستقل في الإيجاب، والزائد عليه غير مؤثر. فإن زادت على ذلك فلا يخلو من أن يكون الصنفان (٣) مستقلين في الإيجاب وهما (٤) متساويان، أو يكون أحدهما أكثر لكنهما مستقلان أيضًا، أو يكون أحدهما مستقلًا والآخر غير مستقل؛ فإن استقلا وتساويا كمن له خمس وستون ضائنة (٥) ومن المعز مثلها (٦)، فهاهنا تؤخذ واحدة من كل صنف بلا خلاف. وإن استقلا وأحدهما أكثر من الآخر، فهاهنا قولان: مذهب الكتاب أنه تؤخذ شاة من الأكثر، وينظر إلى الباقي فإن كان الصنف الثاني مستقلًا بنفسه والباقي [من] (٧) المأخوذ منه دونه أخذت شاة من الصنف الثاني، فإن كانا متساويين خُير الساعي، وإن كان المأخوذ منه أولًا أكثر (٨) أخذ
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت).
(٢) في (ر) ضانية.
(٣) في (ق) و(م) الصنفين.
(٤) في (م) أو هما.
(٥) في (ر) ضانية.
(٦) في (ر) ومثلها معزة
(٧) ساقط من (ق).
(٨) في (ت) وإن كان المأخوذ منه أكثر من غير المأخوذ منه أولًا.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
منه (١). ومذهب سحنون أنه يؤخذ من المأخوذ منه على الإطلاق فيؤخذ من الأكثر شاتان. ومثال هذه أن يكون للإنسان عشرون ومائة ضائنة وأربعون معزة فإنه يؤِخذ منه على المشهور ضائنة ومعزة، وعلى مذهب سحنون ضائنتان، أو يكون له مائة وثلاثون (٢) ضائنة وأربعون معزة فيكون الخلاف كما قدمناه وإن كان له ثلاث مائة وأربعون ضائنة وأربعون معزة فيكون الخلاف كما قدمناه، وإن كان له ثلاثمائة وأربعون ضائنة وستون معزة فيؤخذ منه بلا خلاف ثلاث ضوائن على أصليهما، لأنه إذا أفرد الباقي عن ما وجبت (٣) فيه الشاتان من (٤) الضأن كان أكثر من المعز. وعلى ما قدمناه عن ابن مسلمة (٥) تكون عليه ضائنتان، وخير الساعي في المعزة.
ومثار (٦) الخلاف بين ابن القاسم وسحنون أن ابن القاسم يقدر الأخذ من الأكثر حتى يكمل به تمام النصاب، ثم يلتفت إلى التقدير في الباقي فينظر إلى الكثرة والتساوي. وسحنون يقدر الوجوب في حالة واحدة فيفض (٧) الأكثر على الأقل. وإذا فض ذلك أخذ من الأكثر على الإطلاق. وقد ألزم أبو الوليد الباجي ابن القاسم مذهب سحنون في قوله في الكتاب فيمن له أربعون جاموسًا وعشرون بقرة: إنه يأخذ تبيعًا من كل واحد منهما (٨). وهذا الإلزام ليس بشيء لأنّ ابن القاسم استمر على أصله، لأنه
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣١٦.
(٢) في (ت) مائة وثلاثون معزة وأربعون ضانية وأربعون معزة. وفي (ق) مائة وثلاثون معزة وأربعون ضانية وأربعون معزة.
(٣) في (م) وجب.
(٤) في (ر) الثلاث ضوائن من.
(٥) هو: محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل أبو هشام [وهشام هذا هو أمير المدينة الذى نسب إليه مد هشام والذي يذكر عنه ذكر عهدة الرقيق في خطبته] روى محمد هذا عن مالك وتفقه عنده وكان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وكان أفقههم وهو ثقة وله كتب فقه أخذت عنه، وتوفي سنة ست ومائتين" الديباج المذهب ص: ٢٢٧ وشجرة النور ص: ٥٦ (١٠) وفيها سلمة وهو خطأ.
(٦) في (ت) ومدار.
(٧) في (م) فيفيض.
(٨) المدونة: ١/ ٣١٧.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
أخذ تبيعًا من ثلاثين، وبقي عشرون وعشرة من الأربعين. والواجب فيها تبيع فيؤخذ من الأكثر منهما، والعشرون بلا شك أنه أكثر، وإنما يجب أخذ تبيعين من الأكثر على مذهب سحنون القائل بالفض (١) كما تقدم.
وألزم ابنَ القاسم أيضًا أبو الحسن اللخمي أن يقول فيمن له اثنان وثمانون ضائنة وتسع وثلاثون معزة أن يأخذ من ذلك ضائنة ومعزة، واستقرأه من مسألة الجواميس والبقر، لأنه يأخذ عن مائة وعشرين شاة واحدة، ويبقى الزائد مع المعز فيؤخذ منه شاة أو يأخذ من الثمانين ضائنة وتبقى الاثنان والتسع والثلاثين فيأخذ منها معزة لأنه الأكثر (٢). وهذا الذي قاله صحيح إن قلنا إن الأوقاص مزكاة، وإن قلنا إنها غير مزكاة فإنه يقع الأخذ هاهنا عن الأربعين ثم يبقى من الضأن اثنان وأربعون فيؤخذ منها. وإن أضيف إليها المعز فهو يسير بالنسبة إليها، وإن ظن أن الأربعين إذا أخذ منها بقي ما بعدها وقصًا، فليس تقدير الباقي وقصًا بأولى من تقدير المعز وقصًا.
وبالجملة فالتسع والثلاثون (٣) غير قائمة بنفسها والاثنان والثمانون أكثر فيؤخذ منها الشاتان (٤) جميعًا. ويختلف لو كان يملك عشرين ومائة ضائنة وأربعين معزة هل تؤخذ الشاتان من الضأن، وهذا بناء على أن الأوقاص غير مزكاة. لكن يجعل المعز هاهنا وقصًا، أو يؤخذ من كل واحد شاة لأنّ الواحدة (٥) مأخوذة عن مائة وعشرين ضائنة والأخرى عن الأربعين معزة. وقد قدمنا أن ابن القاسم يقول في هذه الصورة: تؤخذ شاة من كل واحدة منهما. وأن سحنون يقول: تؤخذ شاتان من الأكثر. وبينا وجه قوله وهو ينبني (٦) أيضًا في هذه الصورة على القول بأن الأوقاص غير مزكاة، وهكذا
_________________
(١) في (ت) الفضل.
(٢) التبصرة لوحة: ٨٧.
(٣) في (ت) و(ر): والثلاثون.
(٤) في (ق) و(ت) و(ر): الشاتين.
(٥) في (ق) و(ت) واحدة.
(٦) في (ق) يبين.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
يجري الأمر في البقر والجواميس ويسهل الحساب فيها لقرب النصاب (١) وكذلك في الإبل [والبخت] (٢).
ولو كان للإنسان أربعون من نوع البقر وعشرة من نوع آخر لأخذ من الأكثر، وإن تساويا خُيّر الساعي. وإن كان له عشرون من نوع وعشرة من آخر فلا شك أنه يؤخذ من الأكثر.
وقد قدمنا ما يجري من الخلاف إذا كان له أربعون من نوع وعشرون من نوع ولو كان بدل العشرين ثلاثون لم يختلف المذهب هاهنا أنه يؤخذ عن الأربعين منها وعن الثلاثين منها. وهكذا يجري الأمر كلما كثرت.
وإن كانت الإبل مما تجب فيه الزكاة (٣) من سن واحد كحقتين أو بنتيْ لبون، يجري الأمر أيضًا على ما تقدم في الغنم. ولو كان له أربعون بختًا ومثلها عراب وجبت بنتا لبون، واحدة من كل صنف. وكذلك لو كانت خمسة وأربعين من صنف ومثلها من صنف آخر، لكان الحكم كالأول. ولو كانت له خمسون بختًا وثلاثون عرابًا لكان الحكم أيضًا كما تقدم، لأنّ كل واحدة لو انفردت وجبت فيها بنت لبون. وهذا بيَّن على مذهب ابن قاسم. وأما على رأي سحنون الذي يقدر الفض (٤) [فيها ويفض هاهنا الأكثر على الأقل] (٥) ويوجب بنتا (٦) لبون من الأكثر، ولو كانت أربعًا وخمسين بختًا وستًا وثلاثين عرابًا يجري على القولين. وهكذا يجري الأمر في الحقاق. وفيما قدمناه كفاية بحسب هذا المجموع.
_________________
(١) في (ق) و(ت) النصب.
(٢) ساقط من (ر) و(ق).
(٣) في (ت) فيه إثنان.
(٤) في (ت) القرض وفي (ق) النقص.
(٥) ساقط من (ق) و(ت) و(م).
(٦) في (ق) و(ت) ويوجب هاهنا بنتا، وفي (م) فيجب هاهنا بنتا.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
فصل (حكم زكاة القراض إن كانت ماشية)
وقد قدمنا حكم زكاة القراض إذا كان عينًا أو عرضًا، فإن كان ماشية ومر به الحول فلا يختلف هاهنا أنها تؤخذ منها الزكاة معجلة، وتؤخذ من الماشية إن كان القدر المأخوذ موجودًا فيها، فإن لم يوجد كلف ربها بأن يأتي بما يجب عليه، وإذا أخذ فهل تلغى كأنها خسارة وقعت في المال، أو يحسب على رب المال في رأس مالها، أو يحسب عليه وعلى العامل بحسب ربحه؟ في المذهب ثلاثة أقوال، وهي على ما تقدم.
فمن (١) رأى أن الزكاة واجبة في النماء وهو موجود في المال ألغاها جملة وقدرها [كالذاهب] (٢) من جملة المال.
ومن اعتد بها (٣) رأى أن المساكين كالشركاء وقد أخذوا جزءًا من المال. لكن هل يقدر ملك العامل للربح من يوم التحريك أو عند حصوله؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك، فإن قدرناه مالكًا من يوم التحريك حوسب بجزء الزكاة في نصيبه، وإن لم يقدره مالكًا إلا (٤) يوم الحصول كان ذلك على رب المال خاصة.
فصل (زكاة الماشية إذا كانت للتجارة)
زكاة الماشية مأخوذة من (٥) عينها، ولهذا نقول (٦) إنها إذا كانت نصابًا فأكثر أخذت منها زكاة العين لا زكاة القيمة، لأنّ زكاة العين هي الأصل وزكاة
_________________
(١) في (ر) فيمن.
(٢) ساقط من (ق) و(ت).
(٣) في (ق) ومن عدها على ربها.
(٤) في (ق) و(ت) إلى.
(٥) في (ر) و(ق) عن.
(٦) في (ر) و(ق) يقول.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
القيمة إنما تؤخذ على تقدير كون العروض كالعين على ما تقدم. فمن ملك ماشية؛ فإن كانت دون النصاب جرت على حكم العروض، وإن كانت للقنية فلا زكاة فيها، وإن كانت للتجارة قوّمها المدير وزكى غيرَها (١) إذا باع. وإن كانت للقنية. جرت على القولين فيما اتخذ من العروض للقنية (٢)، هل تكون فيه الزكاة إذا بيعت أم لا (٣)؟ وإن كانت نصابًا وهي للقنية (٤) لا للتجارة زكّاها زكاة العين [إذا مر بها الحول. وإن كانت للتجارة فكذلك أيضًا. ولا تقوم (٥) وإن كان مديرًا لما قلناه من تقويم زكاة العين] (٦). لكن إن باع التي للتجارة قبل أن يحول الحْول أو قبل إتيان الساعي رجعت إلى حكم أصلها في التجارة، وإن باع التي للقنية فهل يستقبل بها حولًا أو يبني حول ثمنها على حول عينها؟ في المذهب خلاف نذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله.
باب في حكم (٧) بدل الماشية
ومن ملك ماشية فأبدلها بعين أو بماشية فرارًا من الزكاة، فإنه يؤمر (٨) بزكاة الأول، ولا يمكن من قصده إلى سقوط الزكاة، وهذا بلا خلاف. فإن لم يكن فرارًا فلا يخلو من أن يبدلها بعين أو ماشية، فان أبدلها بماشية فلا يخلو من أن تكون من نوعها أو من غير نوعها، ولا يخلوا أن يتخلل ذلك عين أو لا يتخلله.
_________________
(١) في (ر) وزكاها.
(٢) في (ق) للغلة.
(٣) في (م) هل تكون فيها الزكاة إذا بيع أو لا، وفي (ق) هل يكون فيها الزكاة إذا بيعت أم لا، وخرم في (ت).
(٤) في (ر) للغلة.
(٥) في (ت) فلا تقوم.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) في (م) أحكام.
(٨) في (ر) يؤخذ.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
فإن أبدل ماشية بعين والماشية للتجارة فقد قدمنا أنه يبني على حكم حولِ الأصل، ولا يختلف في ذلك. وإن كانت لغير التجارة وهي دون النصاب يستقبل بالثمن حولًا، وإن كان فيه نصاب أو (١) أضافه إلى ما يكمل به النصاب، لأنّ هذه لا زكاة في أصلها المبيع فيضاف الثمن إليه.
فإن كانت نصابًا فباعها بعين فهل يستقبل به حولًا أو يبني على حول الماشية؟ في الكتاب قولان، (٢) فمن التفت [إلى أن] (٣) الأولى مزكاة والثانية كذلك حكم بالإضافة، ومن التفت إلى اختلاف أحكام الزكاة وأنها غيرها (٤) حقيقة وإنما زكيت الأولى وإن كانت في معنى العروض لوجود النماء فيها عدها كالعروض للقنية. وهكذا القولان أيضًا لو كانت الأولى عينًا فاشترى بها ماشية فهل تزكى أم لا؟ وهما على ما قدمناه.
وإن كانت الأولى ماشية وأبدلها بماشية من غير صنفها كإبل وغنم أو بالعكس، فلا يخلو من أن يكون كل واحد منهما نصابًا، أو غير نصاب، أو أحدهما [نصابًا] (٥) دون الآخر؛ فإن كانت كل واحدة نصابًا فقولان: المشهور الاستقبال بالثانية حولًا، والشاذ بناؤها على حول الأولى. وهما على ما قدمناه من الالتفات إلى جريان الزكاة [فيهما] (٦). [والثاني بناء على الالتفات إلى اختلاف [معناهما في] (٧) الزكاة.
فإن (٨) كانتا جميعًًا دون النصاب فلا شك في الأحكام (٩) للزكاة] (١٠)
_________________
(١) في (ر) إذا.
(٢) المدونة ١/ ٣٢٢
(٣) ساقط من (ق).
(٤) في (ق) و(ر) غير.
(٥) ساقط من (م).
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
(٧) في (ق) معنى.
(٨) في (ق) وإن.
(٩) كذا في (ق)، وفي (ت) الأحكم.
(١٠) ساقط من (م).
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وكذلك إذا كانت الثانية دون النصاب ولم يقصد الفرار. وقد قدمنا الحكم (١) إذا قصده.
وإن كانت الأولى دون النصاب والثانية نصابا فقولان على القول بجريان الزكاة: أحدهما: سقوط بناء الثانية على [حول] (٢) الأولى لما كانت الأولى [لا] (٣) تجب فيها الزكاة، والثاني: وجوب البناء على أصل ملكه الأول (٤)، ويعد (٥) هذا إكمال النصاب (٦) كالربح.
وإن كانت الماشية الثانية من نوع الأولى (٧)؛ فالمشهور من المذهب بناء حول الثانية على حول الأولى لأنهما لما تجانسا فكان الثانية هي الأولى بعينها (٨). والشاذ الاستقبال بالثانية حولًا]] (٩).
وهذا اشتراط أن يمضي على العين الواحدة حولًا دون أن تبدل، وهذا إذا كانت الأولى نصابًا، فإن كانت دونه فلا شك على القول بالاستقبال بالثانية حولًا، وإن كانت الأولى نصابًا فإنه يستقبل هاهنا. وأما على القول الثاني ففي البناء والاستقبال قولان. وسببهما ما قدمناه من عد الزيادة كالربح والالتفات (١٠) إلى سقوط الزكاة في الأولى. فإن تخلل ذلك عين كمن باع ماشية بعين ثم يشتري بالذهب (١١) ماشية، فهل يبني على حول الأولى أو يستقبل؟ قولان: المشهور أنه يستقبل إلا أن يكون الأول للتجارة، وهما
_________________
(١) في (ق) الخلاف.
(٢) ساقط من (ر) و(ق).
(٣) ساقط من (م).
(٤) في (م) للأولى.
(٥) في (ق) يعد.
(٦) في (م) للنصاب.
(٧) في (ق) و(ت) الأول.
(٨) في (ت) الثانية على الأول لأنهما لما تجانسا كانت الثانية هي الأولى بعينها، وفي (ق) حول الأول على حول الماشية لأنهما لو تجانسا وكانت الثانية هي الأولى بعينها.
(٩) ساقط من (ر).
(١٠) في (ت) أو الالتفات.
(١١) في (ت) الثمن.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
[على] (١) ما قدمناه [من الخلاف إذا اشترى بالعين ماشية] (٢)، فهاهنا أحرى (٣) بالبناء إذا التفت إلى الأصل [الأول] (٤) والذي بعده وألغى (٥) الوسط. فإن استهلكت لإنسان ماشية وأخذ عنها ماشية بدلًا عن قيمتها، فهل يكون ذلك كبدل ماشية بماشية، أو كبيع الأول بالعين ثم يشتري بالعين ماشية (٦)؟ في الكتاب قولان وهما على الخلاف فيمن خُيِّر بين شيئين هل يعد كأنه لم يأخذ إلا ما وجب له فيكون هو (٧) كالبدل أو يعد كالتارك للقيمة والآخذ عنها ماشية فيكون كالمتنقل من شيء إلى شيء وفي هذا الأصل في المذهب قولان.
باب في زكاة فوائد الماشية
ولا تخلو الماشية من أن تصادف عند مستفيدها شيئًا (٨) من نوعها أو لا تصادف؛ فإن لم تصادف فبيَّن أنه يستقبل بما أفاده حولًا، وإن صادفت عنده شيئًا من نوعها فإن كانت الأولى دون النصاب أضافها إلى الثانية بلا خلاف واستقبل بها حولًا، ويستوي (٩) في هذا حكم العين والماشية.
وإن كانت الأولى نصابًا فهل يضيف الثانية إليها فيزكيها لحول الأولى أو يستقبل بها حولًا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يزكيها لحول الأولى
_________________
(١) ساقط من (م).
(٢) في (ر) من عد الزيادة كالربح ماشية.
(٣) في (م) و(ت) أجرى.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) و(ت) والغنى.
(٦) في (ق) ثانية، وفي (ت) نانية.
(٧) في (ق) هذا.
(٨) في (م) مقيدها شيء.
(٩) في (م) ولا يستوي.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
بخلاف العين. ومذهب ابن عبد الحكم أنه يستقبل بها حولًا بمنزلة العين. وقد اختلف في وجه الفرق بينهما على طريقين: أحدهما: أن العين لا سعاة له، فإذًا تبقى كل فائدة (١) على حولها، لأنه يخرج الزكاة متى حل حول كل واحدة (٢). والماشية لها سعاة فإذا أبقى كل واحدة (٣) على حولها أمكن أن تحل الأحوال في وقت لا سعاة فيه فيتأخر إخراج الزكاة عن وقتها، فكان عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين أن تضاف الثانية إلى الأولى. وأْيضًا فقد يدعي المالك أنه استفاد البعض بَعْدُ لتسقط الزكاة عنه وقت (٤) مجيء الساعي، ثم يستمر السقوط إلى العام الثاني فلم يمكن من ذلك [بحمية] (٥) الذرائع. والطريقة الثانية أن الماشية لها أوقاص، فلو بقي كل منها على حوله لأدى ذلك إلى مخالفة النصاب الذي قدره النبيﷺ - مثال ذلك أن يكون للإنسان أربعون شاة ثم بعد مضي نصف الحول مثلًا يستفيد أربعين فلو أبقى كل فائدة (٦) على حولها لأدى إلى أن يُخرِج من ثمانين شاتين، وهذا خلاف حكم الشريعة. [وقد يستفيد أربعين أخرى، فيخرج شاة أخرى عنها لو قدر بقاء كل فائدة على حولها، فيصير في عشرين ومائة ثلاث شياه، وهذا خلاف حكم الشريعة] (٧). فكان على هذا إضافة الثانية إلى النصاب الأول عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين. وعلى اختلاف حكم الطريقتين يختلف الحكم بين من لهم سعاة وبين من لا سعاة لهم؛ فإن عللنا بالأول وجب على من لا سعاة لهم أن يزكوا كل مال على حوله، وعلى التعليل الثاني يستوي الأمر فيهما فيضيف الثانية إلى الأولى. [ووجب على من لا سعاة لهم أن يزكوا كل مال على حوله] (٨)، وقد نص عليه في
_________________
(١) في (ت) فيمكن بناء كل فائدة.
(٢) في (ت) قائدة.
(٣) في (ر) فائدة.
(٤) في (م) ووقت.
(٥) بياض في (ر)، وفي (م) محمية، وفي (ت) فحميت.
(٦) في (م) مال.
(٧) ساقط من (ق) و(ت) و(م).
(٨) ساقط من (ر) و(ق) و(م).
[ ٢ / ٨٩١ ]
المستخرجة (١). ولا يمكن أن يختلف في أن الأوقاص تزكى على الروايتين جميعًا، وإنما تزكى الثانية على حولها إذا كانت زائدة على الوقص أو كمل بالأول النصاب. ومثال هذا أن يكون للإنسان أربعون ثم يستفيد أربعين فلا يختلف أنه لا يزكي إلا واحدة، لأنّ الفائدة الثانية لا تؤثر. وكذلك أيضًا لو كانت الفائدة الثانية ثمانين. وإن كانت أكثر من ذلك فهاهنا ينظر إلى اختلاف التعليلين على ما قدمناه؛ فإن كان في موضع فيه سعاة فلا يختلف أنه يضيف الثانية إلى الأولى على المشهور من المذهب. فإن لم يكن له سعاة فهل يزكي عن الأولى شاة فإذا حل حول الثانية زكاها أيضًا، هاهنا يتصور الخلاف على اختلاف التعليلين؛ فمن علل بمجيء السعاة زكى كل مال على حاله (٢)، ومن علل بالأوقاص أجرى (٣) الحكم على المنصوص في المذهب [وإن لم يكن سعاة] (٤).
فصل (هل يشترط لوجوب الزكاة إتيان الساعي)
وإن لم يكن للماشية سعاة كان حولها كَحَول العين، وهو مرور الزمان. فإذا حل عليه الحول وجبت الزكاة، فإن كان لها سعاة فهل يشترط في وجوب الزكاة إتيان الساعي؟ في المذهب قولان: المشهور اشتراط ذلك، وإنما لا تجب إلا بوجهين: أحدهما: حلول الحول، والثاني: مجيء الساعي. والشاذ مراعاة الحول خاصة. وهذا قياس على سائر الأموال، والأول نظرًا إلى ما استقر في الزمان واستمر عليه العمل. وأيضًا فلما كان رب المال ممنوعًا من إخراج الزكاة قبل إتيان السعاة، صار الوجوب إنما يتقرر بعد إتيانهم. وعلى هذا اختُلف لو مات من حال الحول على ما عنده
_________________
(١) سبق الحديث عن هذا الكتاب في الدراسة ضمن مصادر ابن بشير.
(٢) في (ق) و(ت) حوله.
(٣) في (ر) وجرى.
(٤) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٨٩٢ ]
من الماشية قبل (١) إتيان الساعي فعلى المشهور من المذهب لا يجب عليه شيء، وهكذا قال في الكتاب (٢). ولو أوصى بها لكانت في الثلث غير مبدأة (٣) على الوصايا لأنها لم تجب، بخلاف أن يوصي بزكاة فرط فيها فإنما تكون مبدأة على الوصايا. القول الثاني أنه يجب إخراجها وإن لم يوص بها، وهذا على ما قدمناه. وعلى هذا أيضًا اختُلف إذا تخلف السعاة لعذر هل تجزي المخرج أم لا؟ والمشهور أنه لا يجزيه، والشاذ أنه يجزيه.
(مسائل تنخرط في هذا السلك)
ومما ينخرط في هذا السلك أن يمر الساعي بإنسان فيجد عنده دون النصاب ثم يعود في رجوعه فيجدها قد كملت بولادة. والمشهور أنه لا يزكي إذ ليس له أن يعود إليه. وقد استقر (٤) الأمر أنه لا زكاة (٥) عليه في هذا الحول، والشاذ أنه يؤخذ منه، لأنّ مروره الأول (٦) لا يوجب حكمًا إذ ليس من أهل الزكاة، وإنما يوجبها المرور الثاني.
وينخرط (٧) في هذا أيضًا أن يمر به الساعي فيسأله عما عنده فيخبره ثم يصبح فيعد عليه فيجد بعضها قد مات أو زادت بولادة؛ فأما إن مات بعضها فالمنصوص أنه يحتسب بما يجد لا بما أخبره. قال بعض الأشياخ: وهذا إذا كان في أعيانها المأخوذ [منها] (٨). وأما إن كانت إبلًا تزكى بالغنم فإنه يأخذ عما أخبره به لا (٩) عما وجد بعد أن أصبح. وفي المذهب قول
_________________
(١) في (ق) و(ت) حل حول الماشية قبل.
(٢) المدونة: ١/ ٣٢٦.
(٣) في (ق) مبدات وفي (ر) مبتدأة.
(٤) في (ر) استقل.
(٥) في (ر) لا إعادة.
(٦) في (ت) الآن.
(٧) في (ق) ويلحق وفي (ر) يخلص.
(٨) ساقط من (ق) و(ت) و(م).
(٩) في (ق) و(ت) أخبره بدلًا.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
أنه إن صدقه (١) فيما أخبره به فيأخذ به ولا يلتفت إلى الزيادة والنقصان، وإن لم يصدقه ولم يثق بقوله فإنه يأخذ بما وجد لا بما أخبره. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا ويحتمل أن يكون خلافًا، وكذلك عده أبو عمران.
وبالجملة هذه المسألة تجري على ما قدمناه في زكاة العين إذا ضاعت بعد الحول وقبل إمكان الأداء. وقد تقدم أن المشهور من المذهب أنه لو بقي دون النصاب لم يأخذ منه شيئًا، و[أن] (٢) الشاذ أنه يأخذ مما بقي بحسابه.
وكذلك يختلف إذا ماتت وبقي منها دون النصاب، هل يأخذ مما بقي معولًا على خبر رب المال أو لا يأخذ وهو المشهور من المذهب؟ وإنما يكون ذلك إَذا عول على خبره، وأما إن لم يعول عليه وعول على أنه يعد فيأخذ بما وجد، فإنه [لا] (٣) يختلف أنه لا يلتفت إلى ما كان قبل العدد. وأما لو زادت. بالولادة، فإن لم يعول على خبره إخذ بما يجد عند العدد، وإن عول عليه ووفق به فهاهنا للمتأخرين قولان: أحدهما: أن المذهب على قول واحد، أنه ينظر إلى ما عول عليه. والثاني: أن المذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يلتفت إلى خبره، لأنّ هذا من الأموال الظاهرة، فلا يلتفت فيها إلا إلى الموجود لا إلى خبر المالك. والثاني: أنه إن كان موثوقًا بقوله وصدقه فقد صار حكمًا بأن الواجب عليه مقدار ما أخبره به، لا سيما أن الأمر (٤) على ما أخبره، وإنما زادت بالولادة [أو نقصت بإتلاف] (٥).
ولو أخذ الساعى في العدد بعد النظر وبقي الشطر الآخر لم يعده حتى (٦) تلف بعض المعدود أو زاد بالولادة، فهل يكون عدها كالحكم بأن الواجب فيه ما استقر عنده من عدد؟ فيه للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه
_________________
(١) في (ر) يصدقه.
(٢) ساقط من (ق)
(٣) ساقط من (ت).
(٤) في (ر) إن ظهر الأمر.
(٥) ساقط من (ت).
(٦) في (ر) و(م) الشطر وبقي الشطر الآخر بعده حتى.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
كحكم استقر عنده فلا يلتفت إلى زيادته ولا نقصانه بمنزلة ما لو عد الجميع. والثاني: أنه يعول على الزيادة والنقصان؛ لأنه لا يستقر الوجوب إلا بعد عد الجميع.
إذا قلنا باستقرار الوجوب في المعدود فتلف منه البعض حتى لم يبق من الجميع إلا مقدار دون النصاب، أو تلف طير المعدود فكان المعدود دون النصاب، فهل يزكي ما بقي؟ هذا يجري على الخلاف الذي قدمناه في العين يتلف منه شيء بعد حلول الحول، وقبل إمكان الأداء. وكذلك أجراه الأشياخ على هذا المعنى، وتقدم في ذلك القولان.
باب في أحكام الخلطة في الماشية
(معنى النهي عن الجمع بين المفترق)
وقد قال - ﷺ -: "لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (١). وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. ولا خلاف أن للخلطة تأثيرًا في زكاة الماشية على الجملة وإن اختلف في التفاصيل. ومعنى نهيه - ﷺ - عن الجمع بين المفترق عند مالك وأصحابه أن يكون اثنان لهما غنم يجب في افتراقهما أكثر مما يجب في اجتماعهما، فإذا أطلهما (٢) الساعي جمعا ليخففا عن أنفسهما، كاثنين، لكل واحد منهم أربعون أو ستون فتجب عليهما في الافتراق شاتان ومع الاجتماع واحدة. فنهيا عن الجمع ليُسقطا بعض ما وجب عليهما.
(معنى النهي عن التفريق بين المجتمع)
ومعنى النهي عن التفريق أن يكونا خليطين لواحد مثلًا مائة وعشرون
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيل ٦٥٥٥.
(٢) في (ق) أطلبهما.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
وللآخر إحدى وثمانون، فإذا أطلهما الساعي فرّقا ليؤدي كل واحد منهما شاة، وفي الاجتماع يجب عليهما ثلاث شياه.
فإذا فعلا ما نهيا عنه من التفريق أو من الجمع فالمذهب أن يأخذا بزكاة ما كانا عليه في الأول. واستقرأ أبو الحسن اللخمي من مسألة البائع ماشيته فرارًا، أنهما يؤخذان هاهنا بزكاة ما رجعا إليه، كما قاله في مختصر ابن شعبان في مسألة البائع فرارًا، أنه يؤخذ بزكاة العين (١). وهذا الاستقراء لا يلزم لأنّ تلك الماشية قد أخذت فيها الزكاة، وقد لا يختلف الحال بين زكاة الماشية وزكاة العين، وربما كانت زكاة العين أنفع للمساكين. وفي مسألة الخلط يختلف اختلافًا بينًا كما مثلنا به.
(بما يعرف القصد إلى الفرار)
وبأي معنى يحصل ظهور القصد إلى الفرار بالتفريق أو الجمع؟ أما إن قامت (٢) قرينة حال تدل على القصد بذلك فينبغي أن يعول عليها ولا يلتفت إلى الزمان، وأما إن لم تقم قرينة حال فهل يرجع إلى الزمان أم لا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يستدل على ذلك بقرب الزمان، والشاذ أنه لا يستدل عليه بزمان أصلًا بل ينظر إلى ما يظهر من قرينة الحال، ولا شك أن هذا هو الأصل. وإنما مراعاة الزمان [طلبًا للاستدلال على قصد الفرار من الزكاة بقرب الزمان. وإذا قلنا بمراعاة الزمان] (٣)، فما مقداره؟ ثلاث روايات: أحدها: أنه الشهران ونحوهما، والثاني: أنه الشهر، والثالث: أنه دون الشهر.
ولا يظهر لهذا التحديد معنى يؤدي إليه حتى يكون غيره في حد الطرح (٤)، بل تحريم الجمع (٥) على قرب الزمان. فكل منهم شهد بنوع، والأصل كما قلناه مراعاة ظهور القصد.
_________________
(١) التبصرة لوحة: ٩٣.
(٢) في (م) كانت.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) الصرح.
(٥) في (ت) الجميع.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
وإذا وقع الإشكال في هذا القصد، هل تجب اليمين أم لا؟ يجري على الخلاف في أيمان التهم، وقد تقدم أن فيها ثلاثة أقوال.
فصل (أقسام الخلطة)
وإذا تقرر ما قدمناه، قلنا بعده: الخلطة على قسمين: أحدهما: الاشتراك في أعيان الماشية، فهؤلاء يسمون خلطاء وشركاء، والثاني: الاشتراك في الانتفاع، فهؤلاء يسمون خلطاء ولا يسمون شركاء. ومحمل (١) الحديث المتقدم في التراجع إلى القسم الثاني لا إلى الأول. وفيه يصح التراجع إذا أخذ من ماشية أحدهما. وأما مع (٢) الاشتراك، فلا يأخذ إلا مما هما (٣) مشتركين فيه، ولا معنى للتراجع. وقال أبو الحسن اللخمي: يصح التراجع بين الشريكين على أحد قولي مالك ﵀ أن الأوقاص غير مزكاة، (٤) (٥) إذا كان لأحد الشريكين ثلث وللآخر الثلثان، والجملة عشرون ومائة من الغنم، فإنه هاهنا إذا أخذ شاة يجب أن يكون نصفها على صاحب [الثلث والنصف على صاحب] (٦) الثلثين. فإذا أخذها من الجملة فقد فضل صاحب الأربعين بسدس شاة (٧) يرجع عليه بها، لأنّ الواجب على صاحب الأربعين (٨) نصف وهو إنما أدى على الحقيقة الثلثين.
_________________
(١) في (ت) ويحتمل.
(٢) في (ر) منع.
(٣) في (ق) و(م) بما هو.
(٤) التبصرة لوحة: ٩٤.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) ساقط من (ق).
(٧) في (ت) فضل صاحب الثلثين على الآخر بسدس شاة، وفي (ر) قيل على صاحب الأربعين على الآخر بسدس شاة.
(٨) في (ت) الثلثين.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
فصل (أحكام الخلطة)
وإذا تقرر ما قلناه، قلنا ما بعده من أحكام الخلطة تحصر (١) في ثلاثة فصول: أحدها: ما يوجب الخلطة، والثاني: [في] (٢) حكم المأخوذ من الخليطين (٣). والثالث: في حكم الخليط يكون له خليط آخر وماشيته منفردة عن الاختلاط (٤).
(موجبات الخلطة)
فأما الفصل الأول؛ فإن موجبات الخلطة خمسة وهي: الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت. ومعنى هذه: أما الراعي فأن (٥) يكون راعي الغنم واحدًا أو جماعة مشتركين بإذن أرباب الأموال. واشترط أبو الوليد الباجي الافتقار (٦) إلى جميعهم، فإذا حصل هذا المعنى عد هذا شرطًا من شروط الخلطة. فأما الفحل فأن يكون فعل جميع الغنم واحدًا أو جماعة يشتركون في أعيانها (٧)، أو يكون كل واحد منها (٨) يضرب [في] (٩) الجميع، واشترط أيضًا أن يفتقر إلى الجميع.
وأما الدلو فمعناه السقي، ومقتضى اللفظ أن يسقى الجميع بدلو واحد، لكن ألحق بذلك الاشتراك في الماء، إما أن يكون موضعه مملوكًا أو تكون المنفعة فيه مشتركة.
_________________
(١) في (ق) و(ت) ينحصر.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) المأخوذ منفردة منها من الخليطين، وفي (م) حكم المأخوذ من الخليطين، وفي (ق) حكم المأخوذ منها من الخليطين، وفي (ت) حكم المأخوذ فيها من الخليطين.
(٤) في (ر) الانخلاط.
(٥) في (ت) و(ر) فإنه.
(٦) في (ق) و(م) الافتصار على.
(٧) في (ر) يشترك في أعيانها، وفي (م) فيشترك في أعيانهم.
(٨) في (ر) و(ق) كل واحد منهما وفي (م) كل منهم.
(٩) ساقط من (ر) و(ق).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
وأما المراح فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه الموقع (١) الذي تقيل فيه الغنم، والثاني: أنه الذي تجمع فيه ثم تنصرف منه إلى المبيت. ويشترط فيه أيضًا أن يكون مملوك الرقبة لجميعهم أو مملوك المنفعة. فإن كانت مواضع كثيرة، فيفتقر أن يكونوا محتاجين إلى جميعها، وكذلك الحكم في المبيت.
وقد (٢) أضيف إلى هذه الشروط، [المسرح (٣) وهو الموضع الذي ترعى فيه. وهذا يكفي فيه اتحاد (٤) الراعي أو تعاون الرعاة. وإذا تقررت هذه الشروط] (٥)، فلا خلاف أنه لا يشترط في ثبوت الخلطة وجود جميعها. واختلف المذهب بعد ذلك في المعول عليه منها على أربعة أقوال: أحدها: أنه جلها، والثاني: أنه اثنان ما كان منهما، والثالث: أنه الراعي، والرابع: أنه الراعي والمرعى. وهذا كله تحريض (٦) على حصول الاشتراك في المنفعة التي تجعل المالكين كالمالك الواحد.
فمن التفت إلى كثرة الاشتراك اشترط الجل حتىّ يكون ما يفترقان (٧) فيه تابعًا، ومن التفت إلى حصول الاشتراك جملة اشترط أثنين لأنّ الواحد لا يحصل به المقصود، ومن التفت إلى الراعي فلأنه يرى أنه إذا اجتمعت فيه حصل [به] (٨) الاجتماع في غيره، وكان إضافة المرعى (٩) إليها إنما ما هو تَتْميم، وإلا فإذا اجتمعت في الراعي لا بدّ أن يجمعها في المرعى. ويمكن أن ترجع هذه الأقوال إلى معنى واحد، وهو اجتماع الجل. ويكون المذهب على قولين: أحدهما: اشتراط الجل، والثاني: اشتراط اثنين، والتفات الجميع
_________________
(١) في (ت) الموضع.
(٢) في (ر) ومن.
(٣) في (ق) المصرح.
(٤) في (ق) اتخاذ.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) بياض في (ر) وفي (ت) و(م) تحويج.
(٧) في (ر) و(ق) يفتقران.
(٨) ساقط من (ت).
(٩) في (ر) الراعي.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
إلى حصول الاختلاط فيما يجعل المالكين في المرافق كالمالك الواحد.
فصل (شروط زكاة الخلطة)
وأما أحكام (١) زكاة الخلطاء فقد قدمنا أن شروط الخلطة إذا حصلت عد الملك كالمتحد، وذلك عندنا بشروط: أن يكون كل واحد من الخلطاء مخاطبًا بالزكاة، لأنه ملك النصاب، وقد حل على [غنمه] (٢) حول. فإن لم يكن كذلك فلا تأثير لخلطته.
(حكم من كان خليطه يهوديًا أو ذميًا)
واختلف المذهب لو كان يهوديًا أو ذميًا أو عبدًا هل يزكي خليط المسلم زكاة الانفراد أو زكاة من له خليط؟ والمشهور من المذهب أنه يزكي زكاة المنفرد. والشاذ أنه يزكي زكاة من له خليط. واستقرأ أبو الحسن اللخمي من هذا مراعاة الخلطة (٣) إذا نقص نصيب أحدهما عن النصاب، أو لم يحل على غنمه الحول. والجامع عنده أن كل واحد من الذمي والعبد والمالك دون النصاب والذي لم يحل (٤) على غنمه الحول غير مخاطب بالزكاة. فإذا اختلف في أحد هؤلاء وجب إجراء الخلاف في الباقي (٥). وليس كما قاله لأنّ الذمي قد اختلف فيه الأصوليون والمذهب هل هو مخاطب بفروع الشريعة أم لا؟ والخلاف [في مراعاة] (٦) خلطته على هذا الأصل؛ فمن قال إنه غير مخاطب [جعل خلطته غير مؤثرة ومن قال إنه
_________________
(١) في (ر) حكم.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) الخليط الخلاف.
(٤) في (ق) يكمل.
(٥) التبصرة لوحة: ٩٥.
(٦) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٩٠٠ ]
مخاطب] (١) حكم بتأثيرها. لكن يوجب على من خالطه من المسلمين ما يلزمه ويكون الذمي كالظالم للمساكين بإمساك ما يلزمه.
(حكم زكاة ما بِيَدِ العبد)
والعبد قد اختلف الناس في زكاة ما بيده، فقيل: تجب على سيده لأنه غير مالك أصلًا، وقيل: عليه في نفسه لأنه مالك حقيقة، وقيل وهو المذهب لا يجب عليه شيء. والقول بمراعاة خلطته مبني على مراعاة الخلاف، والإجماع على أن من قصرت غنمه عن النصاب أو لم يحل عليها الحول لا يجب في نفسه شيء، فكيف يقاس بعضهم على بعض؟ ومقتضى حكمها (٢) بأن الخلطاء كمتحدي الملك، لأنّ أحدهما لو كان معه معز وللآخر ضأن لكانا كالمالك الواحد وجرى في حكم ما تقدم على حكم المالك (٣) تكون غنمه مختلطة. وهذا نص في كتاب ابن سحنون.
(حكم زكاة الأوقاص)
واختلف المذهب في الأوقاص هل هي مزكاة أم لا؟ وعلى هذين القولين سيأتي ما في الكتاب في خليطين؛ لأحدهما تسع (٤) من الإبل وللآخر خمس (٥) هل يقتسمان المأخوذ منهما على أربعة عشر جزءًا أو على التساوي؟ (٦) فإن حكمنا بزكاة الأوقاص فعلى التفاضل، وإن حكمنا أنها غير مزكاة فعلى التساوي.
وسبب الخلاف إلغاؤها قبل كمال النصاب الثاني والاعتداد (٧) بها بعد كماله، فمن نظر إلى الإلغاء قال لا شيء فيها، ومن نظر إلى الاعتداد
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) جملتها.
(٣) في (ق) و(ت) وجرى على ما تقدم في حكم المالك.
(٤) في (ر) تسعة.
(٥) في (ر) خمسة.
(٦) المدونة: ١/ ٣٣١.
(٧) في (ت): النصاب أو الاعتداد.
[ ٢ / ٩٠١ ]
أوجب. ولا خلاف في الاعتداد بما لو كان لأحدها تسعة والآخر ستة، لأنّ الأوقاص هاهنا أثرت زيادة الشاة فلولا الواحدة والأربعة الزائدة على خمسة كل واحد لم يجب إلا شاتين، وإنما لفقت الأوقاص [هاهنا] (١) لما قدمناه من عد الخليطين كالمالك الواحد. وهكذا تنقلهم الخلطة إلى أن يخرجا من الإبل، وإن كان الانفراد يقتضي إخراج الغنم أو يخرج أحدهما، وقد ينقلها من فرض إلى فرض وهذا بيّن إذا اعتبر.
فصل (٢) (حكم أخذ الساعي من الخليطين ما لا يجب عليهم)
وإذا تقرر أن أصلنا اشتراط النصاب في حق كل واحد منهما، فإذا اجتمعا (٣) وليس لكل واحد منهما نصاب فلا زكاة عليهما، وإن كان لأحدهما نصاب والآخر دونه فالزكاة على من في حظه نصاب. فإن خالف الساعي هذا الحكم فأخذ ولا يجب الأخذ (٤) فلا يخلو من أن يكونْ المجتمع عنهما غير نصاب أو نصابًا، فإن قصّرا (٥) عن النصاب فهو غاصب، تكون (٦) مصيبتها من أخذت من غنمه.
وإن أكمل باجتماعهما نصاب فإن قصد إلى الغصب فالحكم كالأول، وإن أخذ بتأويل فالمذهب أنهما يتراجعان في المأخوذ، وهذا على مراعاة الخلاف، أو لأنّ (٧) الساعي كالحاكم في مضي حكمه (٨) بلا خلاف.
_________________
(١) ساقط من (م) و(ت) وفي (ق) هاهنا الزيادة لما.
(٢) ساقط من (ق) و(ت).
(٣) في (ق) و(ر) اجتمعت.
(٤) في (ر) على الأخذ.
(٥) في (ر) و(م) قصر وفي (ق) انقصر.
(٦) في (ث) غصب محض تكون.
(٧) في (ت) لأن وفي (ر) ولأن.
(٨) في (ت) فيمضى فعله.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
وإن كان لأحدهما نصاب وللآخر دونه، فلا يخلو من أن يضر الذي له النصاب بالآخر حتى يوجب بالتأويل زائد أو لا يضره؛ فإن ضره كمن له مائة وعشرون من الغنم وللآخر إحدى عشر، [فجاء الساعي فأخذ شاتين فإن أخذهما بغير تأويل فواحدة على رب النصاب، والثانية مصيبة ممن أخذت] (١) منه، وإن أخذها بتأويل ففي المذهب قولان: أحدهما: أنهما يتراجعان في الشاتين، إذ كذلك قصد الآخذ فيمضي حكمه (٢) يكون كحكم (٣) بما اختلف النَّاس فيه. والثاني: أن واحدة تكون ممن له النصاب لأنّ ذلك هو الواجب عندنا، والثانية يتراجعان فيها لأنها [من] (٤) التي وقع فيه التأويل.
وأجرى الأشياخ المتأخرون على هذا ما لو كان لأحدهما اثنان وثلاثون من الإبل وللآخر أربعة فجاء الساعي وأخذ بنت لبون؛ فعلى القول الأول يتراجعان فيها، وعلى القول الثاني يكون على صاحب الأكثر بنت مخاض، وينظر إلى قيمة ما زادت بنت لبون عليها فيتراجعان فيها. قال أبو الحسن اللخمي: ويجري فيها قول ثالث: - يعني في مسألة الغنم - أْن الشاة الزائدة (٥) يكون على كل واحد منهما نصفها، قال: بمنزلة ما لو شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان ثم رجعوا ففي الدية قولان: أحدهما: أنها تكون على [عدد] (٦) الرؤوس، والثاني: أنها تكون نصفين: نصف علي الشهود بالزنا، ونصف على الشهود بالإحصان (٧) والجامع عنده أن كل واحد في الخليطين مؤثر في أخذ الزائد، كما أن كل فريق من هؤلاء الشهود مؤثر في وجوب الرجم.
ولا يلزم ما قاله لأنّ القول [بكون] (٨) الدية (٩) شطرين نظرًا إلى أن
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) و(ت) فعله.
(٣) في (ر) حكم.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
(٥) في (ق) الواحدة.
(٦) ساقط من (ر) و(ق).
(٧) التبصرة لوحة: ٩٦.
(٨) ساقط من (ق).
(٩) في (ق) لأنّ القول بالدية شطرين لأنّ التوصل يكون الدية شطرين نظر إلى أن الإحصان.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
الإحصان يستقل بالإثنين كاستقلال (١) الزنا بالأربعة فهم في المعنى كالمتشاطرين (٢). ومسألة الخليطين، لا شك أن لزيادة العدد تاثيرًا في وجوب الزكاة، وفي (٣) تأويل المصدق فتقسمت (٤) على الأعداد.
وإن كان صاحب دون النصاب غير مضر بالآخر، فإن أخذ الساعي مقدار الواجب فلا شك في اختصاص من له النصاب [به] (٥)، وإن (٦) زاد عليه فهو ظلم محض يكون ممن أخذ منه.
وقد تقدم أن من وجبت له غنم بأعيانها فالزكاة فيها من يوم الوجوب. وحكم المرأة تتزوج على غنم بأعيانها جارية على هذا الأسلوب. فإذا ما طلقها الزوج فصار إليها نصف صداقها لأنّ الطلاق قبل الدخول فهل يستقبل حولًا من يوم عادت إليه أو يبني على ما تقدم له؟ في المذهب قولان. وهو على الخلاف في المرأة هل تملك الكل بالعقد أو نصفه؟ فإن قلنا إنها تملك الكل استقبل الزوج حولًا، وإن قلنا إنها تملك النصف خاصة يبني على الحول الأول. وإذا قلنا إنه يبني على الحول الأول فمن أين يجعله، هل من وقت ملك أو زكى أو من يوم أصدق؟ للمتأخرين قولان: والأكثر وهو الصحيح أنه من يوم ملك أو زكى. وقال بعض المشايخ من وقت عقد. ويكاد أن لا يكون له وجه إلا أنه يحتمل أنه بالعقد صار كأنه مِلْكٌ مفتتح فيبنى على ذلك الوقت.
فصل (حكم الخليط يكون له خليط آخر)
أما حكم الخليط تكون له ماشية منفردة أو يكون له خليط آخر فيها؛
_________________
(١) في (ر) كما استقل.
(٢) في (ق) و(ت) كالشاهدين.
(٣) في (ق) في.
(٤) في (ق) بقسمته وفي (ت) وقسمت.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) بأن.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
فإن كان له خليط آخر ففي المذهب أربعة أقوال:
أحدها: أنهم يعدون كلهم خلطاء، ومثاله أن يكون لواحد أربعون وللآخر ثمانون. أربعون منها خالط بها صاحب الأربعين، وأربعون خالط بها الآخر. وإذا عد الجميع [خلطاء] (١) زكوا شاتين على كل واحد من صاحبي الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة.
والقول الثاني: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب بالآخر، وإنما يحتسب بغنم صاحبه الخالط له خاصة. فيكون على كل واحد من صاحبي الأربعين ثلث شاة وعلى صاحب الثمانين [ثلثا] (٢) شاة لأنه لا يحسبها مع (٣) كل واحد من صاحبي الأربعين.
القول الثالث: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب إلا بما معه خاصة، فيكون عليه نصف شاة وعلى صاحب الثمانين شاة (٤)، لأنه يجمع (٥) جميع ملكه فيضيف بعضه إلى بعض.
والقول الرابع: أن صاحب الثمانين لا يجمع ملكه بعضه إلى بعض، لكن يزكى كل ملك خالط به الآخر كأنه لا يملك غيره.
ولكن هذا القول يوافق القول الأول في هذه الصورة، فيكون عليهما (٦) شاتان، على كل واحد من صاحبي الأربعين نصف (٧)، وعليه نصفان. والطريق إلى الموافقة في هذه الصورة مختلف (٨)، لأنه في القول
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ت) و(م).
(٣) في (ق) و(ت) لأنه يحتسب بها مع.
(٤) في (ر) و(ق) و(ت) ثلثا شاة.
(٥) في (ر) لا يجتمع.
(٦) في (ت) عليهم.
(٧) في (م) نصفًا وفي (ر) نصفان.
(٨) في (ر) و(ت) والطريق الموافق في هذه الصورة تختلف.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
الأول يجعل الجميع مختلطين (١)، وفي الرابع يجعلهم كالمنفردين بالاختلاط ولا يجمع (٢) مالك الثمانين بعضه إلى بعض. وتتصور المخالفة لو كان لواحد خمسة عشر من الإبل خالط (٣) بخمسة منها صاحب خمسة، وبعشرة صاحب خمسة أخرى.
فعلى القول الأول يكون على الجميع بنت مخاض، وعلى القول الرابع تكون زكاتهم بالغنم فيزكي كل واحد من صاحبي [الخمسة] (٤) شاة واحدة، ويزكي صاحب الخمسة عشر ثلاثة شياه. وأما إذا كان إنسانًا مخالطًا ببعض غنمه، ونمثله بالصورة الأولى فيكون له ثمانون، خالط بالأربعين [منها من له أربعون] (٥)، ولم يخالط بالأربعين الأخرى. فيجري هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكون عليهما شاة، على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى صاحب الأربعين ثلثها، والثاني: أن يكون عليهما شاة وسدس، على صاحب الثمانين ثلثان وعلى صاحب الأربعين نصف (٦)، والثالث: أنهما يخرجان شاة ونصفًا (٧)، على صاحب الثمانين شاة وعلى صاحب الأربعين نصف.
(مآخذ هذه الأقوال)
وقد تقدم مآخذ (٨) هذه الأقوال في أحكام الاقتضاءات، لكنا ننبه عليه هاهنا، وذلك أنه اجتمع في هذه أمران كالمتناقضين: أحدهما: أن الخليط الأوسط يجب ضم ملك بعضه إلى بعض [مع عدم الخلطة، والطرفان ليس
_________________
(١) في (ر) مخاطبين.
(٢) في (ق) يجعل.
(٣) في (ق) خالطه.
(٤) ساقط من (ت).
(٥) ساقط من (ق) و(ت)
(٦) في (ر) ثلث.
(٧) في كل النسخ نصف.
(٨) في (ر) أحد.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
بينهما خلطة، فلا يجب ضم ملكيهما بعضه إلى بعض] (١).
فمن غلب حكم الوسط ورأى أن كل واحد منهما يجب ضم ملكه (٢)، وهو يجب ضم ملكه (٣) بعضه إلى بعض، قال (٤) يكون الجميع كالخلطاء.
ومن غلب حكم الطرفين المنفردين أفرد ملك الوسط فجعله كالمالكين أربعين [أربعين] (٥) ولم يضم ملكه [بعضه] (٦) إلى بعض (٧)، وهذا هو القول الرابع. ومن رأى أن الوسط قد حصل لكل واحد من صاحب الأربعين خلطة (٨). والخليط يجب أن يضاف جميع ما يملكه إلى ما خالط به، جاء منه القول الثاني. ومن وجب عنده ضم ملك الواحد بعضه إلى بعض وأفرد حكم الخليط لما خالط به، جاء منه القول الثالث.
باب في الهارب بماشيته من السعاة
ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته. فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور. وكان المشهور هو القياس لأنه إنما يؤخذ بما تعدى عليه، فإذا ظلم فلا ينبغي أن يظلم فيزاد عليه
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ت).
(٢) في (ق) و(ت) ضمه إليه.
(٣) في (ق) ملك.
(٤) في (ق) وقال.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) ساقط من (ر)،
(٧) في (ر) كالمالكين أربعين ولم يضم ملكه إلى بعض.
(٨) في (ق) خليط.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
فوق الواجب. لكن أشهب القائل بالمذهب الثاني قد يرى أنه غير مصدق في دعواه النقص في السنين الماضية، أو يقيسِ (١) ذلك على المشهور من المذهب في من (٢) تخلف عنه السعاة، أنه يؤخذ بما تقدم من السنين بما في يديه الآن. وسيأتي بيانه في الباب الذي يلي هذا. وإذا قلنا إنه لا يؤخذ عن كل سنة إلا بما يملك فيها، فإن كان الأخذ ينقص ما في يديه إما لما أنقص، وإما لأنّ تسقط (٣) عنه بعض السنين لتقصيرها عن النصاب، فهل يبتدئ بالحساب من أول سنة فيؤخذ منه عنها ثم يكون نعمه بعد ذلك لا يجب فيها شيء؟ أو يجب [فيها دون أن يبتدئ بالسنة الآخرة.] (٤) ولم يؤخذ عما تقدم لتقرره في ذمته؟ في المذهب قولان. ومثاله أن يكون لرجل إحدى وأربعون شاة فيفر بها أربع سنين ولا تزيد، فيأتي المصدق ويقوم (٥) عليه، فالمشهور أنه يبتدئ بالسنة الأولى فيأخذ شاة، ثم شاة عن الثانية فينقص (٦) غنمه عن الصدقة، فلا يلزمه غير ذلك. والشاذ أنه يبتدئ بالسنة الآخرة ويأخذ عن جميع ما تقدم لتقرره في ذمته.
وكأن سبب الخلاف في هذا أن الدَّيْن يُسقط زكاة العين ولا يسقط زكاة الماشية. وقد قدمنا الخلاف أيضًا في الدين إذا كان من زكاة هل يسقط الزكاة أم لا؟ وهاهنا الدين من زكاة (٧) لكنه متعلق بأعيان الماشية، بخلاف الدين الثابث في الذمة؛ فمن (٨) رأى أن الدين لا يسقط زكاة الماشية (٩)
_________________
(١) في (ر) يقاس.
(٢) في (ر) ومن.
(٣) في (ر) إما لما نقص أو إلى أن يسقط، وفي (م) إما لما انتقص وإلى أن تسقط. وفي (ق) إما لما أنقص أو إلى أن يسقط.
(٤) في (ت): أو يجب أن يبتدئ بالسنة الآخرة في (م): ويجب فيها دون أن يبتدئ، وفي (ر) دون أو يبتدئ بالسنة الأخرى.
(٥) (ق) و(ت) و(ر) ويقدم.
(٦) في (ت) فينتقص.
(٧) في (م) الدين زكاة، وفي (ق) دين زكاة.
(٨) في (ق) أسقط فمن.
(٩) في (ر) بخلاف الدين الثالث فمن رأى أن الرهن يسقط زكاة الماشية، وخرم في (ت).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
جعل هذا كالمتقرر في الذمة لم تسقط به الزكاة، ومن رآه] (١) متعلقًا بأعيان الماشية بخلاف الدين الثابت في الذمة أسقط به. وقد قدمنا الخلاف في جزء الزكاة هل يتعلق بعين المال حتى يكون المساكين كالشركاء، أو يتعلق بالذمة. وهذا جارٍ على ذلك [الأسلوب] (٢). وإذا بنينا على المشهور من المذهب أنه لا يؤخذ من الهارب إلا عما يملك في كل عام فانصرف هاربًا بألف شاة، ثم قُدِرَ عليه وبيده أربعون، فقال نقصت من وقت الانصراف، فالمذهب أنه لا يصدق، وأنه يؤخذ عن جميع الأعوام على كمال الأنعام [إلا العام الآخر] (٣)، وهذا لأنه متعد في الهروب (٤)، وقوله غير موثوق به. والأصل الكمال إلا في الوقت الذي نقصت فيه.
ولو انصرف مثلًا بأربعين ثم أتى بالألف، وقال إنما استفدتها قريبًا فهل يصدق تعويلًا على ما تقدم، أو لا يصدق تعويلًا على ما وجد في يده الآن؟ في المذهب قولان.
باب في أحكام من تخلف عنه السعاة
(حكم من تخلف عنه السعاة فزادت الماشية أو نقصت)
وقد قدمنا الخلاف في السعاة، هل مجيؤهم (٥) شرط في الوجوب أو في الأداء؟ والمشهور من المذهب عدهم شرطًا في الوجوب، وهذا في بلد فيه سعاة. وأما بلد لا سعاة فيه فلا يختلف أنهم غير معدودين شرطًا أصلًا.
_________________
(١) في (ر) ومن لم يسقط به فمن رأى، وفي (ق) ولم يسقط به فمن رآه، وخرم في (ت)
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) إلا أكثر.
(٤) في (ر) المذهب.
(٥) في (ق) و(ت) هل هي شرط.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
وإذا بنينا (١) على المشهور أن عدهم شرطًا [في الأداء] (٢)، فإذا تعذر إرسالهم في بعض السنين حتى أقام (٣) أرباب الماشية أعوامًا لم يؤدوا ثم أتى السعاة فإنهم يأخذون (٤) عن جميع ما تقدم من الأعوام. وهل ينظر إلى ما يوجد (٥) عند أرباب الماشية فيقدر كأنه ملكوه [في] (٦) كل عام؟ أما إن كانت الماشية فيما تقدم أكمل، فلا خلاف أنهم لا يضمّنون أرباب الأموال وإنما يأخذون عن الأنقص. وأما إن كانت أنقص فكملت فهاهنا قولان: المشهور متن المذهب أنهم ينظرون إلى حالة الموجود (٧) فيزكون على مقدارها لما تقدم من السنين. والشاذ أنهم يزكون عن كل عام بقدر المملوك فيه، وهذا [هو] (٨) القياس، لأنّ من تخلف عنه السعاة غير متهم (٩).وإذا كان كذلك فلا يؤخذ عنه عن أعوام كانت ناقصة بالإكمال.
ومثال هذا أن يتخلف السعاة عن من يملك ألفًا من الغنم مثلًا، فيقيم عشرة أعوام ثم يأتي وليس في يده إلا أربعون، فلا خلاف هاهنا أنه لا يزكي إلا شاة، وإن كان بالعكس فكانت أولًا أربعين ثم كملت في العام الأخير فالقولان كما قدمناه: هل يؤخذ منه بالألف (١٠) عن (١١) الأعوام كلها، أو إنما يزكي شاة واحدة عن الأعوام المتقدمة وفي العام الأخير تسع شياه، وهذا هو الشاذ، وهو القياس. وأما المشهور فوجهه (١٢) العدل بين
_________________
(١) في (م) بينا.
(٢) ساقط من (ق) و(ر).
(٣) في (ق) و(ر) قام.
(٤) في (ت) يوخذون.
(٥) في (ت) يؤخذ.
(٦) ساقط من (ت) و(ق).
(٧) في (ق) الوجود.
(٨) ساقط من (ر)
(٩) في (ق) و(ت) و(ر) ملوم.
(١٠) في (ق) و(ت) و(ر) الألف.
(١١) في (ت) على.
(١٢) في (ر) فوجه.
[ ٢ / ٩١٠ ]
أرباب المواشي (١) والمساكين، فكما لا يضمن أرباب الماشية النقص فكذلك يحاسبون بالزكاة عما تقدم.
وبالجملة تجعل الأعوام كالعام الواحد، وأيضًا فقد تخلفت السعاة [للفتنة (٢) ثم بعثوا فأخذوا من الناس على ما في أيديهم. فيعد هذا كالإجماع المستقر. وهذا إن (٣) تخلفت عنه السعاة] (٤) وعنده نصاب، فإن كان عنده دونه ثم أتت السعاة وقد كمل نصابه أو زاد، فإن كان الكمال بفوائد (٥) فلا خلاف أنه لا يحسب عليه إلا من يوم الكمال، وإن (٦) كان بولادة فهل يكون كالفائدة أو يجعل جميع الأعوام كالعام الواحد؟ في المذهب قولان. وهكذا إن تخلف عنه وفي يده نصاب ثم نقص في بعض الأعوام ثم كمل بعد نقصه (٧)، فيجري على ما قدمناه في هذا من التفصيل؛ فمن عد جميع الأعوام كالعام الواحد أوجب الزكاة ولم يلتفت إلى النقص، ومن علل بالعمل أو التعديل بين أرباب الأموال والمساكين لم يوجب شيئًا إلا بعد الكمال.
ولو غاب أعوامًا عدة مثلًا عمن (٨) له خمسة وعشرون من الإبل ثم جاء، فإن وجد فيها بنت مخاض أو بنت (٩) لبون أخذ ما وجد وزكى ما بقي بالغنم، وإن لم يجد ذلك كلف رب المال الشراء من غيرها. وهل يزكي لجميع الأعوام بالإبل أو يكون الحكم كالأول؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في تعلق الزكاة بعين المال أو بالذمة؛ فمن علقها بعين المال أوجب عن عام واحد زكاة الإبل ويكون الشراء من غيرها هاهنا
_________________
(١) في (ق) و(ت) و(م) الأموال.
(٢) في (ر) تختلف، وفي (ت) تخلف السعاة الفتنة، وفي (م) يتخلف السعاة بفتنة.
(٣) في (ق) إذا.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ت) و(ق) و(م) فائدة.
(٦) في (ق) و(ت) و(ر) فإن.
(٧) في (ر) بعضه.
(٨) في (ر) كمن.
(٩) في (ت) ابن.
[ ٢ / ٩١١ ]
كالتعويض (١)، ومن علقها بالذمة أوجب عن الأعوام كلها زكاة الإبل.
فصل (متى يبعث السعاة)
وقد تقدم أن أرباب الماشية ينقسم حالهم إلى من لهم سعاة، وإلى من لا سعاة لهم. وذكرنا أن من لا سعاة لهم يكون حالهم في الإخراج كالمالك للعين، وتحل الزكاة عليهم بمضي الحول. وقد ذكرنا الخلاف في مجيء السعاة هل هو شرط في الوجوب أو في الأداء. فمن لا سعاة لهم يزكون بلا خلاف وقت حلول الحول، وأما من له سعاة فمذهبنا أنهم يبعثون في [استقبال] (٢) الصيف حين تطلع الثريا بالغداة. وهذا تخفيف عن أرباب الأموال وعن السعاة؛ لأنّ أرباب الماشية يقيمون (٣) في هذا الزمان على مياههم [بالغدو] (٤) ويجمعون ماشيتهم، فيهون على السعاة تحصيل مقاديرها وعلى أرباب الأموال إخراج ما يجب عليهم.
(وجوب إخراج العين الواجبة لا قيمتها)
وأصل المذهب أن الزكاة لا تخرج بالقيمة وإنما يخرج [الإنسان] (٥) العين الواجبة عليه، فإن أخرج قيمتها؛ فأما في الدنانير إذا أخرج عنها دراهم أو بالعكس فقد تقدم الخلاف فيه، فأما الماشية والحرث فالمشهور من المذهب أنه إذا أخرج طوعًا القيمة فلا تجزيه، والشاذ أنها تجزيه. وهذا يحتمل طريقين: أحدهما: أنه جائز ابتداء، فيكون وجهه تغليب إرفاق المساكين، ويكون وجه المنع تغليب حكم العبادة. ويحتمل أن يكون غير جائز ابتداء لكن إذا وقع فقد نزل ما اختلف فيه الناس، فيمضي مراعاة للخلاف.
_________________
(١) في (ر) كالتفويض.
(٢) ساقط من (ق) و(ت).
(٣) في (ق) و(ت) و(م) يجتمعون.
(٤) ساقط من (م) وفي (ر) بالغرة.
(٥) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٩١٢ ]
وإن أخرج القيمة كرهًا فلا يخلو أن يكون آخذوها يعدلون في الإصراف أو لا؛ فإن كانوا يعدلون فالمذهب على الإجزاء (١) لأنه [حكم بما] (٢) اختلف الناس فيه، وإن كانوا لا يعدلون فهاهنا قولان: أحدهما: الإجزاء، والثاني: عدمه. وهما نظرًا إلى أن التعدي على الإخراج يعود بالعداء (٣) في الأخذ. وقد قدمنا الخلاف في ولاة الجور يأخذون الزكاة هل يجزي أم لا؟ وإذا أخذوا القيمة فالإجزاء هاهنا يجري على كل أصل ثان وهو حكم الجائر (٤) من الولاة إذا قصد إلى الحكم وحكم فأصاب هل يمضي حكمه لأنه وافق الحق، أو يرد لأنه معزول شرعًا؟
فصل (حكم زكاة الماشية تغصب وترد لصاحبها)
وقد تقدم الخلاف في المال العين يغصب أو يضيع، ثم يرجع إلى ربه، هل يزكيه لكل عام أم لا؟ أما الماشية تغصب ثم ترد إلى ربها فهل يزكيها لعام واحد أو لما تقدم من الأعوام؟ قولان. وأجراهما الأشياخ على الخلاف في رد الغلات إلى المغصوب منه، وإنما (٥) لم يقل واحد من أهل المذهب أن الزكاة ساقطة جملة لأنه [لا] (٦) خلاف في رد الأولاد، وهو من أعظم النماء إلا على ما يقوله أبو القاسم السيوري ويستقرئه من مسألة كتاب العيوب في المدونة، وبيانه يأتي في موضعه.
(حكم الشجر المغصوب)
وإن كان المغصوب شجرًا فهل (٧) المذهب متفق (٨) على وجوب الزكاة
_________________
(١) في (ق) على قولين الإجزاء.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) بالعدات.
(٤) في (ق) و(ت) الجائرين.
(٥) في (م) وإنه.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (م) و(ر) فأهل.
(٨) في (ر) متفقون.
[ ٢ / ٩١٣ ]
فيها؟ للمتأخرين قولان (١)، وجمهورهم على أنها عارية عن الخلاف، لأن الغلات إن كانت مردودة على ربها فالنماء حاصل له فتجب عليه الزكاة، وقال بعضهم يجري على الخلاف. فإن كان مراده أن الخلاف هل يزكيها المغصوب منه أو الغاصب؟ فيكون هذا بناء على الخلاف في رد الغلات، فله وجه. وأن أراد أن المغصوب منه لا يزكيه (٢) وإن ردت عليه الغلات فبعيد، يكاد أن لا يكون له وجه.
فصل (زكاة الماشية المردودة بالعيب)
وقد اختلف المذهب في الرد بالعيب، هل هو نقض للبيع من أصله أو نقض له الآن؟ وكذلك في البيع الفاسد إذا نقض هل يكون كالمنتقض من الأصل أو يوم الحكم؟ وكذلك المردودة (٣) بالفلس. وعلى هذا اختلف المذهب في الماشية ترد بعيب أو ينقض البيع الفاسد فيها أو يأخذها ربها لفلس المشتري بعد أن قامت في يد المشتري عامًا أو أعوامًا، هل تزكيه على ملك المشتري أو على ملك ربها؟ وهل ببني ربها على ما تقدم له فيها أو يستقبل فيها حولًا؟ وفي كل ذلك قولان.
فصل (على من يكون كراء نقل الزكاة)
وقد تقدم الخلاف في سنة الجدب، هل يؤخذ فيها من الماشية أم لا؟ وإذا قلنا بالأخذ بعثت السعاة، وإذا قلنا بنفيه فلا تبعث. وإذا كان من له
_________________
(١) في (م) طريقان.
(٢) في (ق) و(ت) لا يزكيها.
(٣) في (ر) المردود.
[ ٢ / ٩١٤ ]
ماشية بموضع لا تبلغه السعاة؛ فإن كان هناك مساكين أدى إليهم، فإن لم يكونوا وافتقروا إلى النقل فهل يكون كراء النقل عليه لأنّ الزكاة في ذمته، فعليه أن يوصلها إلى مستحقها؟ أو لا يكون عليه ذلك، بل يكون الكراء من بيت المال إن كان، أو من الزكاة إن لم يكن لأنّ الزكاة متعلقة بالعين والمساكين كالشركاء [فيها (١)؟ في المذهب في ذلك قولان. وقد قدمنا الخلاف في هذا الأصل (٢).
باب في زكاة الحبوب والثمار
وقد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في النبات على الجملة، وإن اختلفت في التفاصيل. وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (٣) الآية، لكن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤)، ظاهر في تعلق الحق، ومجمل في جنسه ومقداره. وقد أخذ أبو حنيفة من الآية ومن قوله - ﷺ - "فيما سقت السماء العشر" (٥) أن الزكاة واجبة في جميع النبات إلا الحشيش والقصب الهندي، إلى ما قاله من التفصييل الذي لسنا نذكره لأنّ القصد بيان المذهب والإشارة إلى مذهب المخالف. وساعده ابن الماجشون [على الإيجاب] (٦) في كل ذي أصل كالرمان والسفرجل والتفاح وسائر الثمار، وخالفه في البقول. وعوّل في هذا على الآية. وألزم أن يقول
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) نهاية النسخة (م).
(٣) الأنعام: ١٤١.
(٤) الأنعام: ١٤١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة ١٤١٢ عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ عن النبيﷺ - قال: "فيما سقت السماء والعيون لو كان عثريًا العشر وما سقط بالنضح نصف العشر".
(٦) ساقط من (ر)، وفي (ت) في إيجاب الزكاة.
[ ٢ / ٩١٥ ]
بما قاله أبو حنيفة في البقول، لقوله تعالى: ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (١) الآية، لكن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). وقد اعتذر المشهور من المذهب عما تقتضيه الآية، بأنه تعالى علق الحق بيوم الحصاد؛ فإنما يكون ذلك فيما يكون فيه الحصاد، وأيضًا فإن الرسول - ﷺ - قد روي عنه أنه استثنى البقول والفواكه فأسقط منها الزكاة (٣).
ومن جهة المعنى (٤) أن الزكاة تتعلّق بالأموال الشريفة (٥) التي هي قوام الحيوان (٦)، أو قوام معيشته كافية [كالعين] (٧) والنعم، ويجب أن يختص من النبات بما فيه هذا المعنى وليس إلا الأقوات.
فصل (أركان هذا الباب)
وإذا تقررت هذه المقدمة (٨) قلنا بعدها النظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة أركان (٩): أحدها: ما تجب فيه الزكاة، والثاني: ما المقدار الواجب، والثالث: في صفة الإخراج.
_________________
(١) (٢) الأنعام: ١٤١.
(٢) لعله يقصد ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٢٩ عن معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - قال: "فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله - ﷺ -.
(٣) في (ق) اللغة.
(٤) في (ت) الشرعية.
(٥) في (ر) قوام الأموال الحيوان.
(٦) ساقط من (ر). أما في (ق) فالكلمة غير واضحة ولعلها "كالثمر"، أو "كالشهر".
(٧) في (ق) المقدمات.
(٨) في (ت) فصول.
[ ٢ / ٩١٦ ]
(ما الذي تجب فيه الزكاة)
فأما الركن الأول، فقد تقدم آنفًا قول ابن الماجشون في الفواكه ومخالفة المشهور له. وإذا قلنا بالمشهور فقد اختلفت طرق المتأخرين في الحكاية عن المذهب؛ فالجمهور متفقون على أن المذهب على إيجاب المزكاة في كل مقتات متخذ للعيش غالبًا، وأما أبو الحسن اللخمي فحكى على المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: ما قدمناه، والثاني: تعلق ذلك (١) بما يخبز من الحبوب دون ما لا يخبز، فيرى أن القطاني (٢) مختلف في وجوب الزكاة فيها لأنها لا تخبز إلا في النادر، والثالث: التعلق بكل مقتات وإن لم يكن للعيش غالبًا (٣). ويضيف هذا القول إلى القاضي أبي محمد [عبد الو هاب] (٤).
وهذا الذي عول عليه إنما يقع في إطلاق روايات يظهر في تفصيلها أن المذهب على قول واحد، لكن اختلف في مسائل [على] (٥) الخلاف في ردها إلى قبيل المقتات نادرأ أو (٦) المقتات غالبًا. وقد قدمنا الخلاف في النادر هل تتعلق به الأحكام أو لا؟
وتفصيل هذا الإجمال أنه لا خلاف في المذهب في إيجاب الزكاة في القمح والشعير والسلت (٧) والعلس (٨) والقطاني. لكن اختلف في البسيلة وهي: الكرسنة (٩)، هل تعد من القطاني أم لا؟ وهو خلاف في شهادة. ولا
_________________
(١) في (ت) الزكاة.
(٢) يقصد بها الحبوب التي تدخر كالحمص والعدس.
(٣) التبصرة لوحة: ١٠١.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ر) و(ق).
(٦) في (ر) أو أن.
(٧) السلت: ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنطة. انظر مختار الصحاح: ١٣٠.
(٨) العلس: ضرب من الحنطة، تكون حبتان في قشر، وهو طعام أهل صنعاء. المصدر السابق ص: ١٨٩.
(٩) لعله يقصد اللوبيا. استفدت هذا من اعتراض ابن عرفة على ابن بشير حث قال: =
[ ٢ / ٩١٧ ]
خلاف أيضًا في التمر والزبيب. واختلف في التين؛ وقد ترجح قول مالك فيه، فقال ابن القصار وغيره: إنما تكلم مالك على بلده، والتين غير ثابت فيه، وإنما تجلب إليه وهو في بلاد الشام وغيرها من الأقطار مقتاتًا غالبًا. وقد نزل أبو الوليد الباجي هذا على (١) النظر إلى المقتات (٢) في زمن نزول الأحكام وقوت (٣) أهلها، والنظر إلى (٤) كل قطر وعادته. وهذا (٥) ينتقض عليه بالزيتون فإنه لا خلاف عندنا في وجوب الزكاة فيه، وإن لم يكن بالمدينة وأحوازها. وتجب الزكاة في كل ما فيه زيت، كالزيتون والجلجلان (٦). وأما حب الفجل الأحمر (٧) وزريعة الكتان، والقرطم وهو زريعة العصفر، ففي المذهب فيها ثلاثة أقوال: أحدها: إيجاب الزكاة، وإسقاطها، والتفرقة بين أن يكثر زيتها أو يقلّ. هذا خلاف في حال هل يكون في هذا من الزيت ما يلحق في الكثرة والمنفعة بالزيتون والجلجلان (٨) أم لا؟
وكذلك يختلف أيضًا فيما لا يتزبب من العنب، وما لا يخرج زيتًا من الزيتون، وما لا يثمر من النخل تتعلق الزكاة به نظرًا إلى الغالب أو لا تتعلّق نظرًا إلى الشيء في نفسه؟ وهو على الخلاف في تعليق الأحكام على النوادر، وهذا حقيقة المذهب إجمالًا وتفصيلًا.
_________________
(١) = وقول ابن بشير الكرسانة هي: اللوبيا، خلاف سماع القريتين تفسير مالك القطنية.". مواهب الجليل ٤/ ٣٤٨.
(٢) في (ر) إلى.
(٣) في (ر) الالتفات.
(٤) في (ر) وقلة.
(٥) في (ق) و(ت) على.
(٦) في (ق) وهل.
(٧) في (ر) الزنجلان.
(٨) ويعرف بالسمسم يعرف أيضًا بالماش وهو حب يستخرج منه الزيت انظر التاج والإكليل ص ٢/ ٢٨٠.
(٩) في (ر) والزنجلان.
[ ٢ / ٩١٨ ]
فصل (المقدار الواجب)
وأما المقدار الواجب فهو العشر فيما يُسقى من غير تكلف مشقة، ونصف العشر فيما يسقى بمشقة. وما كان يشرب سيحًا (١)، أو من السماء، أو بعروقه ففيه العشر، وما كان يشرِب بالغرب وهو الدلو (٢) والدواليب (٣) وغيرِ ذلك من أنواع نزع المياة، ففيه نصف العشر.
فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأصول لا يملك الماء وإنما يشتريه بالثمن ففيه قولان: والمشهور وهو الصحيح أنه يزكي بالعشر، إذ فيه نص الحديث. وذكر أبو الحسن اللخمي أنه سئل عما يُتكلف في إجرائه نفقة، فأجاب أنه يزكي للستة الأول (٤) نصف العشر، وفي ما بعدها العشر. ومَن أوجب هاهنا نصف العشر فإنما يعول (٥) على الالتفات إلى المعنى، وأن مقصود الحديث أن ما فيه كلفة ففيه نصف العشر، وما لا كلفة (٦) فيه ففيه العشر [كاملًا] (٧). وهذا ظاهر [ما لم] (٨) يصادم النص؛ فإن الرسول - ﷺ - جعل (٩) فيما يشرب بالعيون [أو بالبعل] (١٠) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر (١١)، فينيغي أن ينظرُ إلى المعنى لكن من غير أن يعود التعليل
_________________
(١) جاء في لسان العرب ٢/ ٤٩٢ "السَّيْحُ الماءُ الظاهر البخاري على وجه الأَرض. وفي التهذيب: الماء الظاهر على وجه الأرض. وجمعُه سُيُوح، وقد ساح يَسيح سَيْحًا سَيَحانًا إِذا جرى على وجه الأَرض".
(٢) في (ت) الدلو الكبير.
(٣) في (ق) الدوالي.
(٤) في (ق) و(ت) يزكي للسنة الأول.
(٥) وفي (ق) يقول.
(٦) في (ت) مشقة كلفة.
(٧) ساقط من (ر).
(٨) ساقط من (ت).
(٩) في (ق) إنما يحمل فيما يسقى.
(١٠) ساقط من (ر).
(١١) أخرج مالك في الموطأ في كتاب الزكاة بَاب زَكَاةِ مَا يُخْرَصُ مِنْ ثِمَارِ النَّخِيلِ =
[ ٢ / ٩١٩ ]
بمصادمة النص. وقد قال المحققون إن كل علَّة تعود على النص بالإبطال فهي باطلة، وأيضًا قد يكون الخلاف في النوادر، هل تعطى حكم الغالب أو تعلق عليها الأحكام في أنفسها؟
وإن سقى شيئًا من النبات بالوجهين جميعًا: العين والنضح أو ما في معنى ذلك. فلا يخلو من أن يتساوى الأمران، أو يكون أحدهما تبعا؛ فإن تساويا فقولان: أحدهما: أنه ينظر إلى ما حيي به النبات فيعلق الحكم عليه، والثاني: أنه يزكى بثلاثة (١) أرباع العشر فيعطى لكل سقي حكمه. وهذا هو القياس، إلا أن يكون الذي حيي به النبات هو المقصود، والثاني: في حكم اللغو.
وإن كان أحدهما تبعًا للآخر فثلاثة أقوال: أحدها: أن الأقلَّ لا يلتفت إليه وينظر إلى الأكثر. والثاني: ينظر إلى ما حيي به النبات. والثالث: إعطاء كل شيء (٢) حكم نفسه. والقولان مبنيان على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم متبوعاتها أم لا؟ وأما النظر إلى ما حيي به النبات فعلى ما قدمناه.
(اعتبار النصاب)
ولا خلاف عندنا في اعتبار النصاب فلا يزكى من وُجد دونه، وهو خمسة أوسق (٣). وقدَّر الأشياخ الوسق قفيزًا، وبالقروي أربعًا. فتكون الزكاة
_________________
(١) = وَالْأَعنَاب "عَنْ سُلَيمَانَ بْن يَسَار وَعَن بُسْرِ بن سعيد أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ وَالَبَعلَ العُشرُ وَفِيما سُقيَ بِالنْضحِ نِصفُ العُشرِ".
(٢) في (ق) ثلاثة.
(٣) في (ق) سقي.
(٤) جاء في لسان العرب ١٠/ ٣٧٨: الوَسقُ والوِسْقُ: مِكْيَلَة معلومة، وقيل: هو حمل بعير وهو ستُون صاعًا بصاع النبيﷺ -، وهو خمسة أَرطال وثلث، فالوسْقُ على هذا الحساب مائة وستون مَنًا؛ قال الزجاج: خمسة أَوسق هي خمسة عشر قَفِيزًا، قال: وهو قَفِيزُنا الذي يسمى المعدّل، وكل وَسْق بالمُلَجَّم ثلاثة أَقْفِزَةٍ، قال: وستون صاعًا أَربعة وعشرون مَكوكًا بالمُلَجَّم وذلك ثلاثة أَقْفِزَةٍ. التهذيب: الوَسْقُ، بالفتح، ستون =
[ ٢ / ٩٢٠ ]
في ست أقفزة وربع بالقروي، فإن نقص عن ذلك لم تجب وهذا لقوله - ﷺ -: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (١)، وما زاد على ذلك أُخذ بقدره كما يفعل في العين. وكل ما العادة فيه الكيل حكمه ما قدّمناه. وأما ما العادة فيه الوزن فإنه ينسب من الكيل، فإذا بلغ المقدار الذي ذكرناه وجبت فيه الزكاة. ويعتبر ما العادة فيه التجفيف حال جفافه، وذلك جارِ في العنب والبسر (٢) والتين إذا قلنا بإيجاب الزكاة في التين. وأما الزيتون فإنما يعتبر (٣) فيه حالة كماله، والكمال فيه الطيب، والجفاف نقص عن الكمال، فلا (٤) يعتبر [فيه] (٥).
والذي قلناه في البُسر والعنب والتين إذا كان الجفاف فيه متأتيًا، و[العنب] (٦) إذا (٧) كان لا يتأتى فيه ذلك فهل يحسب حالة كماله التي لا يزيد عليها، أو يعتبر جفافه لو كان الجفاف فيه متأتيًا؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف في مراعاة النادر في نفسه، فيعتبر [حالة كماله التي لا يزيد عليها] (٨)، أو يعتبر الأكثر من غير نظر إلى النادر فيعد (٩) تأتي الجفوف (١٠) فيه.
_________________
(١) = صاعًا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أَهل الحجاز، وأَربعمائة وثمانون رطلًا عند أَهل العِراق على اختلافهم في مقدار الصالح والمُدِّ، والأَصل في الوَسْق الحَمل؛ وكل شيء وَسَقته، فقد حملته. قال عطاء في قوله خمسة أَوسُقِ: هي ثلاثمائة صاع، وكذلك قال الحسن وابن المسيّب.
(٢) متفق عليه فقد أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ١٣٧٨ ومسلم في كتاب الزكاة ٩٧٩.
(٣) جاء في لسان العرب: ٤/ ٥٨ "البُسْرُ: التمر قبل أَن يُرْطِبَ لِغَضاضَتِهِ، واحدته بُسْرَةٌ".
(٤) في (ر) و(ق) تعرف.
(٥) في (ر) و(ق) ولا.
(٦) ساقط من (ت) و(ق).
(٧) ساقط من (ق) و(ت).
(٨) في (ق) وأما وفي (ت) وإذا.
(٩) في (ق) فيعتبر حالة الكمال الذي لا يزيد في أحدهما أنه ينظر إلى ما حيي به النبات فيتعلق الحكم عليه.
(١٠) في (ت) فيعتبر وفي (ق) فيقدر.
(١١) في (ر) و(ق) الجفاف.
[ ٢ / ٩٢١ ]
وإذا اجتمع النصاب من صنف واحد وجبت الزكاة، وإن اجتمع من أصناف فهاهنا ينقسم [النبات] (١) الذي يجب فيه الزكاة إلى ثلاثة أقسام: قسم لا خلاف فيه أنه لا يضاف بعضه إلى بعض، [وقسم لا خلاف أنه يضاف بعضه إلى بعض، وقسم فيه قولان.
(ما لا يضاف بعضه إلى بعض لتكملة النصاب)
وأما ما لا يضاف بعضه إلى بعض، (٢)؛ فالزبيب لا يضاف إلى التين، [ولا هما إلى الزيتون] (٣) ولا جميعها إلى التمر، ولا الزيتون إلى الجلجلان، ولا جميع ذلك إلى زريعة الكتان، إن قلنا إنَّ فيه الزكاة.
وبالجملة أنَّ كل صنف من هذه الأصناف منفرد بنفسه. وأصله أن (٤) ما تباين في الجنس والمنفعة فلا يضاف بعضه إلى بعض. وكذلك لا يضاف جميع ما ذكرناه إلى الحبوب.
(ما يضاف بعضه إلى بعض)
وأما ما يُضاف بعضه إلى بعض فالقمح والشعير والسلت يُضاف بعضه إلى بعض عندنا. على نصوص المذهب، [وأصله أن ما استوت المنفعة فيه أو تقاربت] (٥). ولا خلاف أن أنواع التمر والزبيب والزيتون يُضاف كل صنف منها بعضه إلى بعض.
(الأنواع المختلف فيها)
وأما المختلفة فيه فمنه العلس وهو الأشقلية، وقد اختلف المذهب فيه هل يُضاف إلى القمح وما ذُكر معه أو يكون صنفًا قائمًا بنفسه؟ ومنه الأرز
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ق).
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ت) كل.
(٥) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
والدخن والذرة؛ في المذهب قولان في إضافة بعضها إلى بعض في [أحكام الربا. وخرَّج [منه] (١) أبو الوليد الباجي في إضافة بعضه إلى بعض في] (٢) الزكاة. ولا شك في صحة هذا التخريج.
وأما القطاني فهل يُضاف بعضها إلى بعض؟ قد اختلف قول مالك ﵀ في الإضافة في أحكام الربا، واختلف متأخرو أصحابه هل يجري مثل ذلك في الزكاة؟ فحكى أبو الوليد الباجي قولين، وروى القاضي أبو محمد جريانه في الزكاة. قال أبو الوليد الباجي: الصواب أنه لا يجري (٣)، وعوَّل على ما ذكره في الموطأ [من أن الدنانير والدراهم] (٤) جنسان في الربا، ويُضاف بعضها إلى بعض في الزكاة بلا خلاف. وهذا يدلّ على أن الربا يُشترط فيه من تقارب المنفعة ما لا يشترط في الزكاة. وهذا الذي قاله واضح.
هذا النظر في إضافة [الأصناف. وأما إضافة الملك بعضه إلى بعض فإن اتفق الشرع في النبات والحصاد فلا شك في إضافة] (٥) بعضه إلى بعض. وينبني (٦) على هذا أن ما يوجد (٧) من الأشجار يُضاف بعضه إلى بعض إذا اتفقا في ظهور الثمرة.
(حكم ما يثمر بَطْنَيْنِ)
وإن كان المزروع بطنين [أو بطوناّ] (٨) فهل يعتبر فيه الفصول، فيضاف الشتوي منه إلى النابت في زمانه، وكذلك الصيفي والربيعي والخريفي؟ أو يُنظر إلى ما اتفق في زمن النبات ويُضاف إليه؟ فإن زرع ونبت قبل حصاد ما
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (ق) لا يجزي.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) و(ت) وبين.
(٧) في (ت) ما يؤخذ وفي (ق) ما يتحد.
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٩٢٣ ]
قبل (١)، في المذهب في ذلك قولان. والنظر إلى الفصول بناء على ما زُرع في كل فصل، حكمه في السقي والمنفعة منفرد عن حكم ما زُرع في فصل غيره. والنظر إلى [الاجتماع في النبات كالنظر إلى الاجتماع في الحول والملك كما تقدم في أحكام الفوائد. وإذا اعتبرنا الاجتماع] (٢) في النبات فكان الزرع في ثلاثة أزمنة؛ أول وثان وثالث. فلا شك أنه إذا زرع الثالث قبل حصاد الأول أن الكل (٣) يُضاف بعضه إلى بعض، وأما (٤) إذا زُرع الثالث بعد حصاد الأول وقبل الثاني، فإذا كان أضيف كل واحد من الطرفين منفردًا إلى الوسط وجبت الزكاة [لكمال النصاب] (٥) لم يختلف على هذا في الوجوب. فإن كان لم يجتمع من إضافة أحد الطرفين إلى الوسط ما تجب فيه الزكاة، ولا يجتمع من الكل أيضًا، فلا شك في السقوط. وإن كان يجتمع من إضافة الكُل ولا يجتمع (٦) من إضافة أحد الطرفين منفردًا إلى الوسط، ويجري (٧) على ما قدَّمنا في زكاة الخلط إذا كان إنسان له خليطان فهل يُعد الجميع خلطاء (٨) أم لا؟ وقد تقدم ذلك وما فيه من الأقوال، وكذلك حكم الاقتضاءات والفوائد.
فصل (صفة الإخراج)
وأما صفة الإخراج، فإن النبات كله إذا كان على ساق كالحنطة وما ذُكر معها فتؤخذ الزكاة من حَبّه. وتجب فيه بالطيب على [قول، وبالحصاد
_________________
(١) في (ت) ويضاف منه ما زرع ونبت قبل حصادها قبله إلى ما قبله.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) العمل.
(٤) في (ق): وإذا، وفي (ت) فإن.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ر) لا يجتمع.
(٧) في (ت) فيجري.
(٨) في (ر) الجمع ذلك.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
على قول، على] (١) ما سنُبيِّنه إلا أن يكون الحَبُّ يُعصر زيته كالجلجلان أو زريعة الكتان وما ذُكر معهما (٢) على قول من أوجب الزكاة فيها، فإن المذهب في هذه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تؤخذ من الندب، والثاني: أنه يؤخذ من الزيت إذا كمل (٣) الحبّ النصاب، والثالث: أنه كيفما أخذ أجزأ، إما من الحب وإما من الزيت. وكذلك الخلاف في الزيتون.
وأما الأشجار كالتمر والزبيب والتين فإنهما على قسمين: أحدهما: أن تكون ثمرتها تبلغ الكمال، والثاني: أن تكون لا تبلغه، كما لا يثمر من النخل ولا يزبب من العنب ولا يجف من التين. فإن كانت تبلغ النهاية أخذ منها إذا بلغت النهاية، وإن كانت لا تبلغه فيها هاهنا قولان: أحدهما: أنه تؤخذ من التمر، والثاني: أنه تؤخذ من الكامل (٤) عنها.
وسبب الخلاف فيما يعتصر زيته أنه له (٥) كمالين: أحدهما: كونه حبًا مما يصح ادخاره، والثاني: كونه زيتًا، وهو المقصود والغاية التي يراد لها. فمن نظر إلى حالته التي يدخر عليها وعده كمالًا أوجب منه، ومن نظر إلى نهايته أوجب من زيته، ومن رأى أن كل واحد منها [كمال] (٦) خُيِّر، ويعتمد القول بإخراجه حبًّا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٧)، وأما القول الثاني بناءً على ما لا يعتصر.
وأما الخلاف فيما لا يجف فهو على ما قدَّمناه من النظر إلى كل صورة في نفسها أو النظر إلى الأكثر، والنوادر لا تُراعى.
(زكاة الحب المبيع)
وإذا أوجبنا الزكاة من الحبَّ فباعه ربه؛ فإن باعه ربُّه قبل الطيب
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) معه وفي (ق) معها.
(٣) في (ت) بلغ.
(٤) في (ر) الكمال.
(٥) في (ت) لأنه له وفي (ر) لأنه رآه.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) الأنعام: ١٤١.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
وجبت الزكاة على المشتري لا على البائع لأنه خرج عن ملكه قبل وجوب الزكاة عليه، فإن باعه بعد الطيب فالزكاة على البائع، وهل يجزيه أن يخرج من ثمنه، أو يكلف بأن يأتي بحب مثله؟ في المذهب قولان. والتكليف بأن يأتي بحب هو (١) الأصل؛ لأنه باع نصيب المساكين، فعليه أن يعوض ما أتلف. وأما القول بأنه يخرج من الثمن فقد رآه (٢) بعض المتأخرين على طريقين: إما على القول بإجزاء (٣) القيم، وإما على أن البيع جائز. فصار كالوكيل للمساكين فيمضي بيعه (٤) ويؤخذ من الثمن (٥).
فإن أفلس البائع ولم يوجد عنده ما يؤخذ منه فهل يؤخذ من المشتري مقدار الزكاة؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يؤخذ منه، والثاني: أنه لا يؤخذ منه. وهما على الخلاف هل يعد المساكين كالشركاء في العين فإذا أفلس البائع رجعوا إلى عين ما لهم فأخذوا منه؟ أو ليس كالشركاء فيتبع بذلك البائع متى أيسر؟
وذوات الأصول على قسمين: أحدهما: ما يخرص كالتمر والعنب، والثاني: ما لا يخرص كالزيتون. واختلف في وجه الفرق فقيل: إن التمر والعنب ظاهر النبات متميِّز عن الأوراق، فيحصل مقداره بالخرص (٦)، وقيل: بأن حاجة (٧) أهله إلى أكله من حيث يبتدي الطيب.
وأما ما كان على ساق فإنه بمنزلة الزيتون.
(ما يخرص وما لا يخرص)
ولو احتاج أصحاب ما ذكرناه أنه لا يخرص إلى الأخذ منه قبل
_________________
(١) في (ق): هل.
(٢) في (ت) نزله.
(٣) في (ت) بإخراج.
(٤) فيما يبعه.
(٥) في (ر) الثمر.
(٦) في (ق) و(ر) على الخرص.
(٧) في (ت) لحاجة، وفي (ق) لأنّ حاجة.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
كماله، فهل يخرص لذلك؟ قولان: أحدهما: أنه يخرص، والثاني: أنه لا يخرص. وهما على الخلاف في علَة الخرص ما هي؟ هل هي حاجة أهله (١) إلى التصرّف فيه قبل الكمال؟ أو تمييزه عن الأوراق؟ فإن قلنا الحاجة (٢) إلى الأكل قبل الكمال خرّص سائر الأشياء إذا افتقر أهلها إلى الأكل، وإن قلنا إنه للتمييز فلا يخرص.
ويكفي في الخرص عندنا الواحد لأنه كالحاكم، بخلاف حَكَمَيْ (٣) الصيد. فإنهما كمقوّمي العيب. وإن خرصه خارصون (٤) فاختلفوا، ففي الرواية إذا خرص ثلاثة (٥) فاختلفوا أخذ منه ثلث ما يقوله كل واحد. وهذا إذا تساووا كلهم في المعرفة، فأما إن اختلفوا فيؤخذ بقول الأعرف منهم.
وإذا خرص الخارص ثم تبيَّن له أنه أخطأ؛ فإن كان غير عارف رجع إلى ما تبيّن له بلا خلاف، وإن كان عارفًا فهل يؤخذ بقوله أو يرجع إلى ما تبيّن؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف في المجتهد يخطئ هل ينقض اجتهاده أو يعذر به.
(متى يستقر وجوب زكاة الحبوب)
واختلف المذهب متى يستقر وجوب الزكاة هل بالخرص أو بالطيب أو بالجذاذ؟ ومن نظر إلى مبتدأ (٦) الانتفاع وأوائل الكمال أوجب بالطيب، ومن قال الخارص كالساعي أوجب بالخرص. والذي سمعناه في المذاكرات يدلّ على القول بالإيجاب باليبس لأنها نهاية الكمال. ومن عوَّل على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٧) ورأى أن الجذاذ بمنزلة الحصاد،
_________________
(١) في (ت) هل هي لحاجة أهله، وفي (ق) هل هي حاجة أهل.
(٢) في (ت) لحاجة وفي (ق) أنه لحاجته.
(٣) في (ر) حاكم.
(٤) في (ق) و(ر) خراصان.
(٥) في (ق) و(ر) ثلثه.
(٦) في (ق) هذا.
(٧) الأنعام:١٤١.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
أوجب بالجذاذ. وفائدة هذا لو مات ربّ الثمرة أو باع في أثناء ذلك؛ فإن كانت لم تطب فلا شيء عليه، فإن جذت فعليه [الزكاة] (١) باتفاق. وإن كانت بين ذلك فعلى الخلاف. وقد قدّمنا حكم العبد يعتق، وأنه يجري حكم ثمرته بعد العتق على هذا المعنى.
ولا خلاف عندنا أن الحبَّ يؤخذ من عينه كيف كانت حالته. وأما التمر والزبيب فإن كان وسطًا أخذ منه، وإن كان مختلطًا، أو جيدًا كله، أو رديئًا كله، فثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤخذ منه قياسًا على الحب، والثاني: أنه يؤخذ من الوسط عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين، وقياسًا على الماشية تؤخذ (٢) من الوسط، والثالث: أنه إن كان مختلطًا أخذ من الوسط، وإن كان صنفًا واحدًا أخذ منه، لأنّ الوسط يمكنه إخراجه من المختلط، ولا يمكن ذلك في الجيِّد والرديء إلا بأن يشتري من غيره، وفي ذلك مشقة على أرباب الأموال.
فصل (حكم النبات يضيع بعد وجوب الزكاة)
وقد تقدم في الكتاب الأول حكم الأموال يضيع منه شيء بعد الحول من غير تفريط أو بتفريط. وعلى هذا الأسلوب يجري حكم النبات، لكن وقع في الروايات اضطراب إذا حصد أو جذ ثم عزل نصيب المساكين، أو أدخله إلى موضع خزينه، ففي بعضها يضمن المفرط دون غيره، وفي بعضها إن كان القسم والإخراج إليه فلا ضمان عليه، وإن كان إلى المصّدّق يضمن. وتحقيق هذا إن عمل ما في وسعه من غير تفريط أو تأخير عن وقت إمكان الخروج فلا ضمان عليه إن ضاع المال (٣) أو نصيب المساكين
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ر).
(٢) في (ق) فيؤخذ وفي (ت) يوخذ.
(٣) في (ق) و(ر) الكل.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
إن عزله، وكان عزله نظرًا. لكن يختلف هل تتعلّق الزكاة بالباقي وإن قصر عن النصاب؟ وهو على الخلاف الذي قدمناه في إمكان الإخراج هل هو شرط في الوجوب أو شرط في الأداء؟ وإن فرط تعلَّق بذمته بلا خلاف.
باب في أحكام الأموال المحبَّسة
(حكم النبات المحبَس)
وهي إما أن تكون نباتًا (١) أو [نعمًا] (٢) أو عينًا؛ فإن كانت نباتًا (٣) فلا يخلو أن يكون ربها يتولى التفرقة على المُحبَّس عليهم أو غيره؛ فإن تولاَّه بنفسه وجبت الزكاة عليه على أصل ملكه، ولا يراعى مقدار ما يصير لكل إنسان، فإن كان غيره فهل تجب الزكاة؟ لا يخلو من أن يكون المحبس عليهم ممن يستحق أخذ الزكاة أم لا؟ فإن كانوا ممن يستحق الأخذ فهل تجري فيها الزكاة أم لا؟ قولان: المشهور جريان الزكاة، والشاذ أنها لا تجري. فنظر (٤) في المشهور إلى [أن] (٥) أخذ الزكاة بطريق غير طريق التحبيس، فلم يسقطها وإن استحقوا الأخذ. ورأى في الشاذ أنه لا فائدة في أن تؤخذ منهم وهم ممن يستحق أن ترد عليهم.
وإن كانوا ممن لا يستحق الأخذ، أو كانوا ممن استحقه على المشهور؛ فلا يخلو من أن يكونوا مُعيّنين أو غيرَ مُعيّنين؛ فإن كانوا معيّنين فهل يراعى جزء كل إنسان في (٦) نفسه، فإن بلغ حظه نصابًا وجبت الزكاة وإلا سقطت، أو لا يراعى ذلك وتجب الزكاة إذا كان في الجملة نصابًا، في المذهب قولان.
_________________
(١) في (ق) تيابًا.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) تيابًا.
(٤) في (ق) فينظر.
(٥) ساقط من (ت).
(٦) في (ر) في.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
وسبب الخلاف هل ملك المعين ذلك بظهور (١) الثمرة، أو لا يملك إلا بالوصول إليه وإن قلنا بالظهور؟ وبالجملة قبل الوصول إليه روعي حظ كل إنسان في نفسه. وإن قلنا لا يملك إلا عندما يعطى نصيبه روعيت الجملة. وهذا ينظر فيه إلى قصد المُحبس أو المُعطي. وإن كانوا غير مُعَيَّنين روعيت الجملة بلا خلاف، لأنهم لا يملكون إلا بالوصول إليه.
(حكم الأنعام المحبسة)
وأما الإبل المُحبَّسة فلا تخلو من قسمين: إما أن تكون حبست لتُفرَّق فمرَّ بها الحول قبل التفريق، أو لتُفرَّق (٢) منافعها وأولادها. فإن حُبست لتُفرَّق فمرَّ بها الحول؛ فإن كانت على مُعَيَّنين ففيها قولان كما ذكرناه في الثمار، وإن كانت على غير مُعيَّنين زُكيت إذا كان في الجميع نصابا. وإن كان المُعطى أولادها ومنافعها زُكيت الأصول بلا خلاف إذا كان فيها النصاب، وجرى حكم أولادها على الخلاف في الأصول. والتفصيل إذا كانت تُفرَّق (٣).
(حكم العين المحبسة)
وأما العين الموقوف (٤) فإن كان ليُفرَّق فلا زكاة فيه، لأنه قد خرج عن ملك ربه ولم يقبضه من هو له ولا تنمية فيه، وإنما تجب الزكاة إذا أمكن النماء. فإن أوقف ليسلفه من احتاج إليه زكي إذا كان فيه النصاب.
_________________
(١) في (ر) يملك المعطين من ذلك بظهور.
(٢) في (ت) لتفريق.
(٣) في (ت) لتفرق.
(٤) في (ر) الموقوفة.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
باب في أحكام زكاة الفطر
(حكم زكاة الفطر)
ولا خلاف في الأمر بها، لكن اختلف الناس والمذهب هل هي فرض أو سنة؟ في المذهب قولان. وقد اختلف هل يتناوله قوله تعالى: [﴿وَءَاتُواْ الزَكَوةَ﴾ (١)، ولا شك إن قلنا بتناولها أنها تكون فريضة، وقيل هي المراد بقوله تعالى] (٢): ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٣)، والمُشار بالذكر والصلاة [إلى] (٤) تكبير العيد وصلاته، وعلى هذا يُحتمل الوجوب والندب، لأنّ الفلاح يحصل بما فيه أجر، والأجر يكون بالفرض والنفل. ورُوي عنه - ﷺ - أنه أمر بالنداء أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم (٥) وهذا كالنَّص في الفريضة. وقال ابن عمر ﵁: فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر من رمضان (٦).
وقد اختلف هل قوله فرض؛ محمول على ظاهره، أو معناه قدر. والتقدير يحتمل الوجوب والندب. لكن الظاهر حمله على ظاهره. وقد تأوَّل بعضهم ما وقع لمالك من أنها سُنة [على أنها مما] (٧) عُلم كونه فرضًا بالسنة لا بالقرآن، كما وقع لابن سحنون أن الوضوء من البول سُنة معناه: أنه علم ثبوته بالسنة (٨). وفي الحديث أنها إرفاق للمساكين، وطهارة للصائمين.
_________________
(١) التوبة: ١١.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) الأعلى: ١٤ و١٥.
(٤) ساقط من (ت).
(٥) لعله يقصد ما أخرجه الترمذي في سننه في كتاب الزكاة ٦٧٤ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيﷺ - بعث مناديًا في فجاج "مكة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير".
(٦) متفق عليه فقد أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ١٤٣٣ ومسلم ٩٨٤ بلفظ قريب مما ذكره المصنف.
(٧) ساقط من (ر).
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٩٣١ ]
والمقصود الأول هاهنا (١) مشاركة الفقراء للأغنياء في عدم الحاجة زمن (٢) العيد. ونبَّه ﵇ بقوله: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" (٣) فإنها من باب المواساة. ولا شك أن المواساة تجب متى تعيَّنت، وإن كان المقصود بها الزيادة (٤) على مقدار القوت ليشاركوا الأغنياء في التوسع، فيكون بابها الندب قياسًا على الصدقة من لحم الأضاحي.
فصل (المقصود من هذا الباب)
وإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها: ينحصر المقصود من هذا الباب في ثلاثة أركان: أحدها: متى يقع [بها] (٥) الخطاب، والثاني: من يؤمر بها، والثالث: في حكم القدر (٦) الواجب منها صفة ومقدارًا.
(زمان الخطاب بها)
فأما زمان الخطاب بها ففي المذهب اضطراب يؤخذ من مسائل مفردة في المذهب. ويتحصل من ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، [والثاني: من طلوع الفجر، والثالث: من طلوع الشمس، والرابع: أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر] (٧)،
_________________
(١) في (ق) و(ت) منها.
(٢) في (ت) يوم.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. قال الشوكاني في نيل الأوطار ٤/ ٢٥٨: أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﵌ زكاة الفطر وقال أغنوهم في هذا اليوم وفي رواية للبيهقي أغنوهم عن طواف هذا اليوم وأخرجه أيضًا ابن سعد في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد.
(٤) في (ر) الزكاة.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) الغداء.
(٧) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٩٣٢ ]
لكن وجوبًا مُوسَّعا آخره غروب الشمس من يوم الفطر.
وسبب الخلاف النظر إلى كونها طهرة من الرفث في الصوم يجب عند خاتمته، أو إلى كونها مضافة إلى اليوم. والقصد بها إرفاق المساكين فيه. فيختلف على هذا هل تجب بطلوع الفجر [من النهار أو بطلوع الشمس] (١) على القول بأن ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس من الليل. وأما القول الرابع فنظر إلى جميع المعاني.
وفائدة هذا الخلاف فيمن ولد أو أسلم أو مات أو بيع [من العبيد] (٢) في ما بين هذه الأزمان، هل تجب (٣) فطرته؟ أو لا (٤) تجب على المولود والداخل في الإسلام؟ وهل (٥) تسقط عن الميت؟
والحكم فيمن هلك (٦) يجري على هذه الأقوال التي قدمناها. وانفرد أشهب فقال: لا تجب على من لم يصم يومًا (٧) من رمضان. وهذا باطل بغير المكلَّف، فإنما تجب عليه وإن لم يلزمه صيام. فإن علَّل أشهب بأنها طُهرة للصائمين، ومن أسلم أو ولد ولم يمض له زمن يصح صومه فلا طهرة عليه، وغير المكلَّف أيضًا لا يفتقر إلى تطهير إلا أن يقول تلزم من كان موجودًا تجري عليه أحكام المسلمين ولو يومًا. فهذه مراعاة لحكم الإسلام لا لحكم الصوم.
واختلف القول في العبد يباع بيعًا فاسدًا فيمضي عليه يوم الفطر وهو عند المشتري ثم ينقض البيع فيه، هل تكون صدقة الفطر على البائع أو على
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) في (ر) و(ق) العبد.
(٣) في (ق) و(ت) على من تجب.
(٤) في (ق) و(ت) هل.
(٥) في (ت) ومتى.
(٦) في (ق) و(ت) في ذلك.
(٧) في (ت) ولو يوما.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
المشتري؟ وهذا على الخلاف في البيع الفاسد إذا نقض هل هو نقض له الآن أو نقض من الأصل؟
(وقت الإخراج)
ومتى تخرج صدقة الفطر؟ لا خلاف أن المستحب إخراجها قبل الغدو إلى المُصلى وبعد الفجر. قال مالك وأصبغ: له أن يخرجها قبل الصلاة أو بعدها. وظن أبو الحسن اللخمي أن هذا خلاف (١). وليس كما ظنه، وإنما تكلم على المستحب فذكر ما قدمناه وإجزاء إخراجها قبل الصلاة أو بعدها على وجه التوسعة.
وهل يجوز إخراجها قبل يوم الفطر باليومين والثلاثة وتجزي من أخرجها كذلك؟ قولان. والخلاف في هذا (٢) على ما قدمناه من الخلاف في إخراج الزكاة المالية قبل حلول الحول. وقد قدمنا أن ذلك على النظر إلى تغليب إرفاق المساكين أو تغليب العبادة.
فصل (من يؤمر بالإخراج)
وأما من يؤمر بالإخراج بها؟ فقد تقدم في زمان الوجوب متى يتوجه عليه الخطاب. وهل تجب على الفقير أم لا؟ لا خلاف في المذهب أنا لا نشترط في الخطاب بها ملك النصاب لأنها طهرة للأبدان وإرفاق بجزء يسير لا يشترط في وجوب الإرفاق به ملك النصاب.
وهل تجب على الفقير إذا وجد زائدًا على قوت يومه؟ قولان: المشهور: وجوبها، وأنه إن قدر على السلف تسلَّف أيضًا، وهذا لأنّ المفهوم
_________________
(١) التبصرة لوحة: ١٠٢.
(٢) في (ق) و(ت) فيها.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
من قوله - ﷺ -: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" اشتراك (١) الكل في مقدار القوت. والثاني: أنها لا تجب على من هذه حالته، لأنه لا يحتمل حال (٢) المواساة. ومن كان فقيرًا إلى هذا المقدار فابتداؤه بإغناء نفسه آكد عليه.
وإذا قلنا بهذا القول فما المُراعى في حاله؟ قولان: أحدهما: أن كل من تحلُّ له صدقة الفطر لا يجب عليه إخراجها، إذ لا فائدة في أن يأخذها ثم يخرجها. والثاني: أن من يجحف به في معيشته وحاله فلا يجب عليه إخراجها. ولعلَّ هذين القولين يرجعان إلى معنى واحد.
(من يحل له أخذها)
وقد اختلف في صفة من يحلُّ له أخذها على قولين: أحدهما: أنه من يحلُّ له أخذ الزكاة، والثاني: أنه الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك. وعلى القول الأول يجوز أن يعطى أكثر من صدقة إنسان واحد، وعلى القول الثاني لا يجوز أن يأخذ أكثر من ذلك.
ولا شك في وجوبها على الإنسان في نفسه. وأما من تلزمه نفقته، فإن كان اللزوم لِحَقِّ القرابة كالأبوين والبنين لزمه ذلك.
(ما يلزم الإنسان الإنفاق عليه وما لا يلزمه)
وهل يلزمه الإنفاق على زوجة أبيه، فيه قولان: وعلى هذا يجري حكم إخراج الفطرة عنها على المشهور من المذهب.
وهل يلزمه الإنفاق على عبيد بنيه؟ أما من لا يحتاجون إلى خدمتهم فلا تلزمه. وأما من يحتاجون إليه ففيه قولان: أحدهما: إلزام الفطرة لأنّ الإخدام لابنه واجب عليه، وإن كان لهم من يخدمهم وجب عليه نفقة العبيد. والثاني: أنه لا يجب عليه لأنهم أملياء بالعبيد.
_________________
(١) في (ر) اشتراط.
(٢) في (ر) حالة.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
وأما من تجب عليه النفقة لغير حق القرابة؛ فإن كانت النفقة للمعاوضة [المحضة] (١) كنفقة الأجير فلا يلزمه إخراج الفطرة عنه.
وأما الزوجة ففيها قولان: المشهور: أنه يجب عليه إخراج الفطرة عنها، لأنّ النفقة لها عليه واجبة على الدوام فأشبه القرابة. والثاني: أنه لا تجب الفطرة عليه عنها لأنّ نفقتها غير واجبة في الأصل، وإنما وجبت [طوعًا] (٢) عوضًا عن الاستمتاع، فأشبهت نفقة الأجير. ويجب عليه إخدامها والنفقة على خادمها إذا تعيَّن عليه الإخدام.
وهل تجب [عليه] (٣) النفقة والفطرة ونفقة الخادم قبل الدخول؟ أما إن كان ممنوعًا من الدخول فلا يجب ذلك عليه. وأما إن كان دُعي إليه وامتنع فيجب ذلك عليه إذا طلبته الزوجة. وأما مع المساكنة ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمُدْعى للدخول فتجب عليه النفقة والفطرة. والثاني: أنه كالممنوع، فلا تجب عليه، وهو على النظر إلى الظاهر هل وجود العقد كالتمكين من الدخول أم لا؟ وذلك راجع إلى اختلاف العوائد.
ولا خلاف في لزومها عن المملوك الرقبة والخدمة إن كان مسلمًا، فإن كانت خدمته مملوكة فلا يخلو من أن يكون مرجع رقبته إلى حرية أو إلى رق؛ فإن كانت إلى حرية وجبت الزكاة على مالك الخدمة (٤) لأنه محبوس بها، وإن كان مرجعها إلى الرق فهل تكون الفطرة والنفقة على من يملك الرقبة؟ (٥) ثلاثة أقوال: أحدها: أنها على من يملك الرقبة، لأنها المقصود. والثاني: أنها على من يملك الخدمة، لأنه المنتفع بها فأجزأ. والثالث: أن زمن الخدمة إن طال كانت النفقة والفطرة على مالك الخدمة، لأنّ رجوع الرقبة مُترقب، وإن قصُر فهو كالعدم فيكون ذلك على مالك الرقبة.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ر).
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) الرقبة.
(٥) في (ر) الخدمة.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
فإن كان العبد بين الشركاء ففطرته على مالكيه. وهل (١) على التساوي أو على مقدار الإملاك؟ في المذهب قولان. والحكم بالتساوي لأنه محبوس على كل واحد منهم. والحكم بالنظر إلى الإملاك لأنّ الفطرة واجبة لحق الملك، فيُنظر إلى قدر ما يملكُ كل إنسان. فإن كان مملوك البعض والباقي حرّ فثلاثة أقوال: أحدها: أن الفطرة على المالك كاملة لأنه محبوس بسببه، والثاني: أنها على العبد والمالك كالخارج (٢)، والثالث: أن على المالك نصيبه ولا شيء على العبد لأنه غير كامل (٣) الحرية.
فإن كان في العبد عقدُ حريَّة وجبت على من هو محبوس لسببه إلا المُكاتب ففيه قولان: أحدهما: أن الفطرة عليه كالنفقة، والثاني: أنها على سيّده لأنّ مرجع الرقبة إليه.
فصل (قدر الفطرة وجنسها)
فأما قدر الفطرة وجنسها فإنه صاع من غير البُر. وأما البُر ففيه قولان: أحدهما: أنَّه كغيره وهو المشهور. وهذا لِمَا ورد في الحديث صاعًا من طعام (٤). والعُرف أن الطعام محمول على البُر. والشاذ أن الواجب منه مُدان لأنه قيمة (٥) الصالح من غيره، وهذا حمل لما ورد في الحديث على أن المقصود به ذكر الطعام على الجملة. ثم فسره بما بعده من الشعير والتمر والإقط (٦). إلى غير ذلك مما ذُكر في الحديث.
_________________
(١) في (ت) وهو.
(٢) في (ر) و(ق) كالخراج.
(٣) في (ت) مالك.
(٤) لعله يشير إلى ما أخرجه البخاري ١٤٣٥ وغيره من أن أبا سعيد الخدري ﵁ كان يقول: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب".
(٥) في (ر) لأنه نصفه بقيمة، وفي (ت) لأنه بقيمة.
(٦) جاء في لسان العرب ٧/ ٢٥٧: "الأَقِطُ والإقْطُ والأَقْطُ والأقطُ: شيء يتخذ من اللبن =
[ ٢ / ٩٣٧ ]
وأما جنسها فتجزي من المقتات غالبًا. وإن كان اقتياته نادرً؛ فإن كان مقتاتًا في زمن الرسول - ﷺ - أجزأ بلا خلاف، وإن لم يكن مقتاتا في زمانه ففي إجزائه قولان. وعلى هذا اختلفوا في القطانى إذا اقتيتت والتين.
وسبب الخلاف مراعاة الصُور النادرة.
وهل يجزي الدقيق؟ أما إن أخرجه ناقصًا (١) عما يخرجه من القمح وما في معناه فلا يجزي، وأما إن أخرجه كاملًا ففيه قولان: الإجزاء لأنه نفع المساكين بالطحين، وعدم الإجزاء نظرًا إلى الاقتصار على ما في الحديث.
ويخرج كل إنسان من قوته إذا وافق قوت أهل البلد، أو كان أفضل ورضي بإخراج ذلك. فإن كان قوت أهل البلد أفضل من قوته؛ فإن تقوَّت بالأقل شُحًّا لم يُلتفت إلى قوته، فإن كان لغير ذلك فقولان: أحدهما: مراعاته في نفسه، والثاني: مُراعاة الأكثر. وهما على الخلاف في مُراعاة الصُور النادرة أو النظر إلى الجمهور.
_________________
(١) = المَخَيض يطبخ ثم يترك ثم يَمْصُل، والقِطعة منه أَقِطةْ؛ قال ابن الأَعرابي: هو من ألبان الإِبل خاصة".
(٢) في (ق) صاعا.
[ ٢ / ٩٣٨ ]