(أقسام الحكم)
أحكام الشريعة تنحصر في ثلاثة أقسام: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه.
والمطلوب فعله ينقسم قسمين: مطلوب طلبًا لا خيرة للمكلف في تركه وهذا هو الفرض، ومطلوب طلبًا للمكلف خيرة في تركه وهذا هو المندوب.
والمطلوب تركه ينقسم قسمين: مطلوب طلبًا لا خيرة للمكلف فيه وهذا هو الحرام، ومطلوب طلبًا للمكلف فيه خيرة وهذا هو المكروه.
والمأذون في فعله وتركه وهو المباح. ولا تقسيم فيه.
والفرض يسمى (٢) على الحقيقة واجبًا ولازمًا وحتمًا، والحرام يسمى محظورًا وممنوعًا.
والمندوب ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما تعظم أجوره، فيسمى سنة. والثاني: ما تقل أجوره فيسمى نافلة. والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين فيسمى فضيلة، ورغيبة، وقد قيل في الفرق بين هذه أن كل ما واظب
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) غير واضح في (ق).
[ ١ / ٢١٣ ]
عليه الرسول ﵇ على فعله مظهرًا له فهو سنة بلا خلاف. وما نبه عليه وأجمله في أفعال الخير فهذا نافلة، وما واظب على فعله (١) في أكثر الأوقات وتركه في بعضها فهو فضيلة، ويسمى رغيبة (٢). وما واظب على فعله غير مظهر له ففيه قولان: أحدهما: تسميته سنة (٣) التفاتًا إلى المواظبة، والثاني: تسميته فضيلة التفاتًا إلى ترك إظهاره وهذا كركعتي الفجر.
وحدود الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح على التقريب؛ أن الواجب: ما أمرنا بذم تاركه ومدح فاعله. والحرام: عكسه. والمندوب: ما أمرنا بمدح فاعله من غير ذم تاركه. والمكروه: ما أمرنا بمدح تاركه من غير ذم فاعله. والمباح: ما أنبأنا مالك الأعيان (٤) بأن فعله وتركه سيان.
وواجبات الشريعة على قسمين؛ قسم مراد لنفسه كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وقسم مراد لغيره كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة. ولما كانت الصلاة من أشرف معالم الدين وجبت البداية بها لكنها لا تجزي إلا بالطهارة، ولا تجب الطهارة إلا بعد دخول وقت الصلاة. وقد اختلفت طرق المؤلفين في الفقه فجمهورهم على الابتداء بالطهارة لما كانت شرطا في صحة الصلاة. وابتدأ مالك في موطئه وابن المواز (٥) في كتابه (٦) بأوقات الصلاة. لما تعلق وجوب الطهارة بدخول الوقت، ولنجر على سنن الكتاب (٧) فنقول:
_________________
(١) في (ق) عليه.
(٢) في (ق) رغبة.
(٣) غير واضح في (ص).
(٤) هكذا في (ص). وخرم في (ق).
(٥) هو محمد بن إبراهيم بن زياد المعروف بابن المواز الإسكندري، من أشهر فقهاء المالكية، تفقه بابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ (ت ٢٦٩هـ) بدمشق. ترتيب المدارك: ٤/ ١٦٧.
(٦) يعرف هذا الكتاب بالموازية، وهو من أجلّ كتب الفقه المالكي؛ بل يعد من الأمهات. والظاهر أنه مفقود الآن. انظر مباحث في المذهب المالكي في المغرب ص: ٧٢.
(٧) في (ص) المدونة.
[ ١ / ٢١٤ ]
(أقسام الطهارة)
الطهارة على قسمين: طهارة حدث، وطهارة خبث، وطهارة الحدث على قسمين: صغرى وكبرى، وقد ابتدأ في المدونة بالصغرى وفاقًا للابتداء بها في آية الطهارة ولأنها تتكرر ما لا تتكرر الطهارة الكبرى. والصغرى تشتمل على ثلاثة أقسام: فروض وسنن وفضائل.
(فروض الطهارة الصغرى)
ففروضها على المشهور (١) سبعة وهي: النية، والماء الطاهر، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وموالاة فعلها مع الذكر.
(سننها)
وسننها سبع وهي: غسل اليدين قبل إدخالها في الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وتجديد الماء لهما، ورد اليدين في مسح (٢) الرأس من مؤخره إلى مقدمه، والترتيب.
(فضائلها)
وأكثر ما قيل في الفضائل (٣) إنها سبع وهي: التسمية، والسواك، ووضع الإناء على اليمين، وألا يتوضأ في موضع نجس، والابتداء بالميامن، والابتداء بمقدم الرأس في المسح، وتَكرار (٤) المغسول (٥) ثلاثًا.
_________________
(١) قال ابن فرحون: المشهور ما قوي دليله، وقيل: ما كثر قائله، حكاهما ابن بشير كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب ص: ٦٢، وقد سبق الحديث عن هذا المصطلح في الكتاب.
(٢) في (ق) المسح.
(٣) في (ق) فضائلها.
(٤) في (ص) وتكرير.
(٥) في (ق) الغسل.
[ ١ / ٢١٥ ]
وغرضنا محاكاة الكتاب وقد ابتدأ بحكم المغسول في القدر المُجزي والتَّكرار؛ فأما القدر المجزي فإنه الإسباغ بالإجماع، وهو عموم العضو بالماء والدلك (١).
(نهاية تكرار المغسول)
وأما الفضيلة فنهايتها الثلاثة، فمن عمَّ العضو مرة واحدة فقد أتى بالفرض. ووقع لمالك كراهية الاقتصار على الواحدة وعلل بوجهين: أحدهما: خيفة ألا يعم بها، أو خيفة أن يراه من لا يحسن فيقتدي به فلا يعم بواحدة. والثاني: أن المقتصر على الواحدة تارك للفضل جملة وتارك الفضل مقصر، فلا يجوز الاقتصار على الواحدة بإجماع كما لا تجوز الزيادة على الثلاث إذا عم بها بإجماع.
وبأي نية يكرر؟ لا تخلو من ثلاثة أقسام: إما يتيقن أنه عمَّ بالأولى، أو يتيقن أنه لم يعم، أو يشك. فإن تيقن أنه عم [بالأولى] (٢) نوى بالزيادة الفضيلة (٣)، وإن تيقن أنه لم يعم نوى بالزيادة الفرض، وإن شك نوى بالزيادة الفرض (٤). لأن الطهارة في ذمته بيقين فلا يبرأ منها إلا بيقين الكمال، ومتى شك وجب عليه الإكمال فينوي الوجوب. فإن نوى الفضيلة في موضع تجب عليه نية الفرض فقولان؛ أحدهما: الإجزاء، والثاني: عدم الإجزاء. ومنه الخلاف (٥) في من اغتسل لجمعته ناسيًا لجنابته.
ولا يكرر غسل الرجلين على المعروف من المذهب، لأن المطلوب منهما (٦) الإنقاء وقد لا يحصل بالثلاث.
_________________
(١) في (ق) التدلك.
(٢) ساقط من (ص).
(٣) في (ق) الفضل.
(٤) من هنا تبتدئ نسخة (م).
(٥) في (ق) وسبب الخلاف.
(٦) في (م) منهم وفي (ص) منها.
[ ١ / ٢١٦ ]
(حكم تكرار الممسوح)
وكذلك لا يكرر الممسوح لأن مبنى أمره على التخفيف، والتَّكرار (١) تثقيل. وفي حديث عبد الله بن زيد (٢) أنه "مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ " (٣). وهذا يظهر منه التَّكرار. ولمحاذرتهَ (٤) رأى الشيخ عبيد الله بن الجلاب (٥) أنه إذا ذهب بهما إلى قفاه، رفع راحتيه عن فوديه- وهما جانبا رأسه- فإذا ردَّ يديه رفع أصابع يديه عن وسط رأسه ومسح جانبى رأسه حتى يسلم من التكرار بالمسح على موضع واحد. والذي قاله خلاف لجميع أهل المذهب. واتفاق أهل المذهب أن يمر بيديه على جميع رأسه ذاهبًا وعائدًا ليحصل المسح على جميع وجه الشعر، إذ الشعر منصب من وسط الرأس إلى جهة الوجه ومن الوسط أيضًا إلى جهة القفا. وفي تفسيره في هذا الحديث لصفة المسح مناقضة لما ابتدأ به لأنه قال أقبل وأدبر، ثم فسره بالإدبار والإقبال. وخير ما يُؤَوَّلُ لذلك بأن الواو لا توجب رتبة الترتيب. فقال: أقبل وأدبر، ومراده أدبر وأقبل، فابتدأ في اللفظ بذكر الإقبال تفاؤلًا.
_________________
(١) في (ق) و(ص) التكرير.
(٢) هو عبد الله بن زيد بن عاصم، يعرف بابن أم عمارة، أحد بني مازن النجار، وهو الذي قتل مسيلمة بالسيف مع رمية وحشي (ت ٦٣هـ)، يوم الحرة. الإصابة: ٦/ ٩١، والسير: ٢/ ٢٧٧.
(٣) متفق عليه، فقد أخرجه البخاري في كتاب الوضوء (١٨٥) واللفظ له، ومسلم في كتاب الطهارة ٢٣٥. وقد ورد عند ابن بشير بلفظ "الذي منه بدأ" عوض "الذي بدأ منه".
(٤) هكذا في (ص) و(م) وغير واضحة في (ق).
(٥) هو أبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب. شيخ المالكية بالعراق، صاحب كتاب التفريع (ت ٣٧٨ هـ). ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٥، والسير ١٦/ ٣٨٣.
[ ١ / ٢١٧ ]
فصل
وقد قدمنا ذكر الفروض والسنن والفضائل جملة، ومنها ما فصِّل (١) في المدونة فيترك الكلام عليه إلى بابه، ومنها ما لم يقصد تفصيله (٢) كالوجه. والنظر فيه في شيئين (٣): أحدهما: حدّه، والثاني: حكم الشعور النابتة عليه.
(حد الوجه)
فأما حدُّه طولًا فمن منابت الشعر المعتاد إلى آخر الذَّقَن. واحترزنا بالمعتاد من الأَغَمِّ -وهو من نبت الشعر على بعض وجهه- فيجب عليه غسل ما غطاه (٤) الشعر من الوجه. ومن الأنزع -وهو من انحسر الشعر عن بعض رأسه- فلا يجب عليه غسل ما انحسر (٥) عنه الشعر من رأسه.
فأما حدُّه عرضًا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من الأذن إلى الأذن، والثاني: أنه من العذار إلى العذار (٦)، فيخرج من ذلك ما بين العذار والأذن، والثالث: أنه كالقول الأول في حق النقي الخد من الشعر، وكالقول الثاني في حق الملتحي.
وسبب الاختلاف اختلافهم في اسم الوجه على أي شيء يقع.
وزاد القاضي أبو محمد (٧) قولًا رابعًا، وهو أن غسل ما بين العذار
_________________
(١) في (ص) فصله.
(٢) في (ق) يفصله.
(٣) في (ق) و(م) فصلين.
(٤) في (ق) و(م) ما ينكشف عنه.
(٥) في (ق) ما انكشف.
(٦) جاء في لسان العرب ٤/ ٥٥٠: عذار الرجل شعره النابت في موضع العذار، والعذار استواء شعر الغلام. يقال ما أحسن عذاره أي خط لحيته.
(٧) هو الإمام العلامة القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي العراقي، له كتاب "التلقين" وغيره. توفي بمصر سنة (٤٢٢هـ). ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩١، والسير: ١٧/ ٤٢٩.
[ ١ / ٢١٨ ]
والأذن سنة. وهذا وجهه أمره - ﷺ - بإطالة التحجيل والغرة (١)؛ وهو ما يبدو على أعضاء الوضوء من النور في الآخرة. فمن زاد على المقدار المفروض كثر نوره. ولهذا كان - ﷺ - إذا غسل يديه شرع في العضد (٢).
(حكم الشعور النابتة على الوجه)
فأما الشعور النابتة على الوجه إن كانت خفيفة بحيث تظهر منها البَشَرَةُ عند التخاطب وجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة بحيث لا تظهر منها البَشَرَةُ فقولان: المشهور أن الفرض انتقل إلى الظاهر من الشعر لأنه الذي تحصل به المواجهة الآن. والثاني: أنه يجب عليه إيصال الماء إلى البَشَرَة لأنها محل الوجوب قبل نبات الشعر.
وهل يجب غسل ما طال من شعر اللحية؟ قولان: أحدهما: الوجوب اعتبارًا بحكم ما نبتت عليه، والثاني: أنه لا يجب عليه اعتبارًا بحكم ما يحاذيه من الصدر. وكذلك القولان فيما طال من شعر الرأس. وأما حكم الوجه واليدين والرجلين وحكم الموالاة فنؤخر الكلام عليها إلى موضعها في الكتاب.
(غسل اليدين قبل إدخالهما في الأناء)
والمشهور من المذهب أن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء سنة في حق من لم تكن في يديه نجاسة، فإن كان في يديه نجاسة أمرناه بإزالتها حذارًا من أن يلاقي بها الماء وتنظيفًا لليد من النجاسة. وهل يسن غسلهما للقريب العهد بغسلهما كمن توضأ ثم أحدث في أثناء وضوءه؟ قولان:
_________________
(١) يشير إلى قوله - ﷺ -: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْن يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًَا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ". متفق عليه. فقد أخرجه البخاري في كتاب الوضوء ١٣٦، ومسلم في كتاب الطهارة ٢٤٦.
(٢) أخرج مسلم في الطهارة (٣٦٢) عَنْ نُعَيْم بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ في الْعَضُدِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ" الحديث.
[ ١ / ٢١٩ ]
أحدهما: يسن له ذلك وهو (١) المشهور، كغسل الجمعة فإنه يسن لكل من تلزمه الجمعة وإن كان أنظف الناس بدنًا. والثاني: أنه لا يسن له ذلك لأن المقصود بالغسل نظافة اليدين عن الأوساخ التي يمكن أن يلاقيها من جولانها في البدن.
وهل يغسلهما مجتمعتين أو كل واحدة بانفراد؟ قولان: أحدهما: الجمع لأنه أبلغ في النظافة، والثاني: الإفراد قياسًا على سائر أعضاء الوضوء. وفي حديث عبد الله بن زيد في ذكر غسل اليدين روايتان: إحداهما: أنه قال: "فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ" (٢)، فهذا يقتضي الإفراد. والثانية: "فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ" (٣) - من غير تكرار- وهذا يقتضي جمعهما. وأما حكم المضمضة والاستنشاق وبقية سائر السنن فنؤخر الكلام عليها إلى موضعه من الكتاب.
(حكم السواك)
وأما السواك فهو من الفضائل في الوضوء، ولا يجب عند فقهاء الأمصار، لأنه ليس مذكورًا في الآية نصًا ولا تنبيهًا (٤). وهذا عمدتهم (٥) في إسقاط فريضة كل غير مذكور في الآية (٦) وعمدتهم في ذلك قوله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ كما أمره الله تعالى" (٧) فأحال على الآية.
(اختلاف المذهب في التسمية)
وأما التسمية ففي المذهب فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: عدّها فضيلة- كما
_________________
(١) في (ق) و(ص): في.
(٢) أخرجه النسائي في الطهارة ٩٦، ومالك في الطهارة ٣٢.
(٣) أخرجه النسائي أيضًا في الطهارة ٩٧، وابن ماجه في الطهارة ٤٣٤.
(٤) في (م) ولا شبيهًا.
(٥) في (م) عادتهم.
(٦) يقصد الآية ٦ من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ الآية.
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وهو عند البخاري في الوضوء (١٣٥) بلفظ: "لاَ تُقبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ".
[ ١ / ٢٢٠ ]
قدمنا- لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللهِ [عَلَيْهِ] " (١) (٢)، والثاني: إنكارها، لأن الحديث لم يثبت. وأيضًا فهو محمول على الذكر بالقلب، وهو النية، والثالث: أنه مخير إن شاء سمى وإن شاء لم يسم. فيعد من نوافل [الخير] (٣) ولا يلحق بالفضائل لأنه لم يثبت أمر به.
(وضع الإناء على اليمين)
وأما وضع الإناء على اليمين فالصحيح أنه لا يلحق بدرجة الفضائل لأنه لم يرد أمر بذلك، وقد لا يتيسر في كل الأواني.
(الوضوء بموضع نجس)
وكذلك محاذرة الوضوء بموضع نجس لا يعد من الفضائل، وإنما ينبغي أن يقال إن خاف أن تصيبه النجاسة فلا يتوضأ فيه بوجه، وإن أمن ذلك فالأولى تركه. ولا يلحق برتبة الفضائل.
(مشروعية الابتداء بالميامين)
وأما البداية بالميامن فهو من نوافل الخير، ولا يختص ذلك بالوضوء بل يستحب الابتداء باليمين في كل أفعال الخير.
وأما الابتداء بمقدم الرأس فهو الوارد في حديث عبد الله بن زيد كما تقدم. ويمكن أن يبدأ به لأنه أول العضو (٤)، فلا يلحق بالفضائل لهذا (٥) الإمكان.
_________________
(١) ساقط من (ص).
(٢) والحديث أخرجه الترمذي في الطهارة ٢٥، وأبو داود في الطهارة ١٠٢، وابن ماجه في الطهارة ٤١٢، وأحمد في مسنده ٣/ ٤١، والدارمي في الطهارة ٦٩١، ثم قال الترمذي: "قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد".
(٣) ساقط من (م).
(٤) في (ق) الوضوء وساقط من (م).
(٥) من هنا تبتدئ نسخة (ر).
[ ١ / ٢٢١ ]
وقد تقدم الكلام على تَكرار المغسول. وقد استحب مالك وعبد العزيز (١) ما ورد من صورة المسح في حديث عبد الله بن زيد، وقالا: هذا أحسن ما سمعنا في مسح الرأس وأعمه عندنا. وإنما قالا ذلك، لاشتمال تلك الصفة على جميع الرأس. و[أما] (٢) الابتداء بالمقدم وهو فضيلة على ما قدمناه، والرد من المؤخر وهو سنة.
فصل [في أحكام المياه] (٣).
والماء ما دام على أصله فله صفة (٤) الطهارة والتطهير، واجتمعت على ذلك الأمة.
فإن خالطه شيء فلا يخلو أن يكون المخالط [له] (٥) قراره وما عادته أن يتولد فيه كالحمأة (٦)، أو غير قراره. فإن كان [من] (٧) غير قراره فلا يخلو أن
_________________
(١) هو: الإمام أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمون وقيل: دينار التيمي، مولاهم المدني الفقيه والد المفتي عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك. من كبار الفقهاء، عن ابن وهب قال حججت سنة ثمان وأربعين ومئة وصائح يصيح لا يفتي الناس إلا مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة. (ت) سنة ١٦٤هـ وصلى عليه المهدي وقيل سنة ١٦٦هـ، الديباج ص: ١٥٣ والسير: ٧/ ٣٠٩. لعل المقصود هو هذا. وهناك فقيهان يعرفان بعبد العزيز، الأول هو: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، صحب مالكًا وكتب عليه الحديث توفي بالمدينة سنة ١٨٦ "شجرة ص: ٥٥ (٣). والثاني هو: عبد العزيز بن حازم بن دينار الفقيه الأعرج، كنيته أبو حاتم تفقه مع مالك على ابن هرمز وسمع أباه وزيد بن أسلم ومالكًا وكان من جملة أصحاب مالك، توفي سنة أربع وقيل خمس وقيل: ست وثمانين ومائة. الديباج المذهب ص: ٥٨.
(٢) ساقط من (ق) و(ص).
(٣) ساقط من (ص).
(٤) في صفات.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: "الحمأة: الطين الأسود المنتن". ص: ٤٨.
(٧) ساقط من (ر) و(ص).
[ ١ / ٢٢٢ ]
يكون طاهرًا أو نجسًا، ولا يخلو أن يتغير الماء به (١) أو لا يتغير. فإن كان المخالط قرار الماء وما عادته أن يتولد فيه، فإن كان حل فيه من غير نقل ناقل نقله إليه فالماء طاهر مطهر، تغير أو لم يتغير، وإن نقله ناقل إليه فإن لم يتغير (٢) فلا حكم له، وإن تغير فقولان: المشهور أنه لا بأس (٣) به والماء باق على أصله، لأنه لا ينفك الماء عن جنسه، ولأنه إنما يجاور الماء ولا يخالطه ولا يمازجه حتى لو ترك الماء لتميز عنه. والقول الثاني أنه يسلب للماء التطهير لأنه إنما غيره بفعل فاعل فأشبه ما ينقل إلى الماء من سائر المائعات.
وإن كان المخالط غير قرار الماء وما يتولد فيه والمخالط طاهر كسائر الأطعمة والأدهان؛ فإن لم يتغير الماء فهو طاهر مطهر. فهذا هو المعروف من المذهب. وكرهه الشيخ أبو الحسن القابسي (٤) إذا كان الماء يسيرًا.
وإن تغير فهو طاهر غير مطهر، لأنه قد يسلب الرقة والنظافة فأشبه سائر المائعات.
(حكم الماء الذي خالطته النجاسة)
وإن كان المخالط نجسًا فإن غير لون الماء أو طعمه كان نجسًا بإجماع. وإن غير رائحته فكذلك يكون نجسًا على المعروف من المذهب. وحكى أبو الحسن اللخمي عن ابن الماجشون (٥) أنه لا ينجس بتغيير [الريح] (٦). وهذه الرواية محمولة على تغيير الريح بالمجاورة لا بحلول
_________________
(١) في (ص) بالمخالط لة.
(٢) في (ص) فإن لم تضر الماء به.
(٣) في (ص) و(ق) لا مبالاة.
(٤) هو أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي، كان ضريرًا. وهو من أصح العلماء كتبًا كتب له ثقات أصحابه كرفيقه الأصيلي. تفقه على أبي عمران الفاسي وغيره، توفي باالقيروان سنة ٣٢٤ هـ، انظر السير ١٧/ ١٥٩.
(٥) هو أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون تلميذ الإمام مالك ومفتي المدينة في زمانه توفي سنة ٢١٣، ترتيب المدارك ٢/ ٣٦٠، والسير ١٠/ ٣٥٩.
(٦) ساقط من (م).
[ ١ / ٢٢٣ ]
النجاسة في الماء. وإن لم يتغير والماء كثير بحيث إنه إذا حرك [أحد] (١) طرفيه لم يتحرك في الحال الطرف الثاني فهو باق على الطهارة والتطهير.
فإن كان الماء يسيرًا ولم يتغير. ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنه نجس وهو مقتضى مذهب المدونة. والثاني: إنه طاهر مطهر لكنه يكره للخلاف. والثالث: مشكوك في حكمه فيجمع بينه وبين التيمم.
فوجه الحكم بنجاسته قوله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (٢)، ليبين إذا كان الماء دون (٣) القلتين حمل الخبث. وأيضًا فإن النفوس تعاف الماء اليسير إذا حلته النجاسة اليسيرة ومبنى النجاسات على ما تعافه النفوس وتستقذره الطباع. ووجه الحكم بطهارته قوله - ﷺ -: "خلق الله [تعالى] (٤) الماء طهورًا لا ينجسه شيء" (٥)، وهذا عموم في كل المياه. ومن رواية البغداديين في هذا الحديث: إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (٦).
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلفظ قريب عن عبد الله بن عمر قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يُسْأَلُ عَن الْمَاءِ يَكُونُ في الْفَلاَةِ مِنَ الأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يحْمِلِ الْخَبَثَ". الترمذي في الطهارة ٦٧ واللفظله، وابن ماجه في الطهارة ٥١٧.
(٣) في (ر) و(ق): فوق.
(٤) ساقط من (ص) و(م) و(ق).
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلفظ: "إِنَّ الْمَاءَ طهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" أخرجه الترمذي في الطهارة ٦٦، وأبو داود في الطهارة ٦٧ واللفظ له.
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلفظ قريب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِّ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شيْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ" أخرجه ابن ماجه في الطهارة ٥١٤. قال الشوكاني بعدما ذكر طرق الحديث وبيّن ضعفها: قال في البدر المنير: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف، فتعين الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما. يعني الإجماع على أن المتغير بالنجاسة ريحًا أو لونًا أو طعمًا نجس. وكذا نقل الإجماع ابن المنذر فقال: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس. انتهى نيل الأوطار ١/ ٣٥.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وهذا نص [في] (١) أنه باق على الطهارة والتطهير ما لم يتغير أحد هذه الصفات، فهذه مبادئ أدلة المذهب. ووجه الحكم بالشك (٢) فلتعارض الأدلة.
وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي مصعب (٣) أنه طاهر مطهر من غير كراهة. وهذا لا يوجد في المذهب بل مقول البغداديين على رواية أبي مصعب. وقد قالوا بالكراهة مراعاة للخلاف.
وكيف يفعل على مذهب القائلين بالشك إذا لم يجد غير هذا الماء المشكوك فيه؟ لهم طريقان: أحدهما: أنه يتيمم ويصلي ثم يتوضأ به ويصلي [صلاة] (٤) ثانية لئلا يلاقي الأعضاء، يريد بذلك الماء قبل الصلاة بالتيمم. [والطريقة] (٥)، الثانية: أنه يتوضأ به حتى يتلفه في الأعضاء ثم يتيمم ويصلي صلاة واحدة.
وسبب الخلاف بين الطريقتين، هل الماء طاهر وإنما يتيمم مراعاة (٦) للخلاف؟ أو هو نجس وإنما يصلي مراعاة للخلاف؟ فإن جعلنا الأصل الطهارة كان الأولى الابتداء [به] (٧) ثم يتيمم ويصلي واحدة، وإن جعلنا الأصل النجاسة كان الأولى [أن يصلي بتيمم] (٨) ثم يعيد الصلاة بالوضوء به.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(م) و(ق).
(٢) في (ر) و(ق) وأما الشك.
(٣) هو: مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار اليساري الهلالي أبو مصعب .. ابن أخت مالك بن أنس الإمام، كان أصم روى عن مالك وغيره وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وخرّج عنه له في صحيحه، تفقه بمالك وصحبه سبع عشرة سنة. مات سنة عشرين ومائتين بالمدينة. الديباج المذهب ص: ٣٤٥، ٣٤٦، طبقات الفقهاء: ١/ ١٥٣.
(٤) ساقط من (م) و(ق).
(٥) ساقط من م.
(٦) في (ر) كراهة.
(٧) ساقط من (ر).
(٨) في (ر) الابتداء به.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فصل (هل الملح كالتراب؟ أو كالطعام)
واختلف المتأخرون (١) في الملح هل هو كالتراب فلا ينقل حكم الماء على المشهور من المذهب؟ أو كالطعام فينقله إلى غيره؟ ولهم في ذلك ثلاثة طرق؛ أحدها: أنه كالتراب، والثانية: أنه كالطعام، والثالثة: أن المعدني منه كالتراب والمصنوع منه كالطعام. واختلف من بعدهم هل ترجع هذه الطرق إلى قول [واحد] (٢)، فيكون من جعله كالتراب يريد المعدني ومن جعله كالطعام يريد المصنوع؟ أو يرجع في ذلك إلى ثلاثة طرق (٣) كما تقدم تفصيله؟ ووجهها أن الالتفات إلى أصله يلحقه بالتراب، والالتفات إلى استعماله في الطعام وإلحاقه بالربويات (٤) يلحقه بالطعام. والتفصيل لأن المعدني لم ينضف إليه زائد (٥)، والمصنوع قد انضاف إليه زائد فأخرجه عن بابه.
فصل (حكم الماء المستعمل في الطهارة)
وأما الماء المستعمل في الطهارة، فإن كان الذي استعمله (٦) نجس الأعضاء فيكون الذي (٧) سقط عن أعضائه ماء حلته النجاسة فيعود إلى ما تقدم. وإن كان وسخ الأعضاء غير نجس (٨) فهو ماء حلته أوساخ طاهرة، فيرجع إلى
_________________
(١) يقصد بالمتأخرين من جاء بعد ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٦٦هـ): والمتقدمين من كانوا قبله. انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٣٧.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) و(ص) أقوال.
(٤) الربويات أي الأمور التي يحرم فيها الربا.
(٥) في (ص) شيء.
(٦) في (ر) قد استعمله في الطهارة.
(٧) في (ص) و(ق) و(م) ما.
(٨) في (ص) نجسهما.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ما تقدم من حكم الماء يحله [شيء] (١) طاهر. وإن كان نقي الأعضاء من الأوساخ والنجاسة ففي المذهب ثلاثة أقوال: المشهور: أنه طاهر مطهر يكره استعماله مع وجود غيره للخلاف فيه، والثاني: أنه طاهر غير مطهر، وعُلل بثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه لا يسلم من الأوساخ تحل (٢) فيه وإن قلت فتضيفه (٣)، والوجه الثاني: أنه ماء أتلف (٤) قواه في عبادة فلا تعاد به عبادة أخرى، كالعبد يعتق في عبادة فلا يصح عتقه (٥) لأخرى. ولا يلزم على هذا في الثوب [ألا يصلي] (٦) به، فإنا قد قلنا نفدت قواه في عبادة والثوب إنما المراد منه ستر [العورة] (٧)، فحكمه في ذلك باق (٨)، والوجه الثالث: أن الأولين لم يذكر عن واحد منهم أنه جمع ما سقط عن أعضائه من الماء ثم استعمله مع كونهم بالحجاز والماء يعوز (٩) فيها. وافتقارهم إلى الوضوء والطهارة الكبرى، وتركهم ذلك يشعر بأن هذا الماء لا يجوز استعماله مرة أخرى.
والقول الثالث بأنه مشكوك في حكمه وتطهيره (١٠)، فيجمع بينه وبين التيمم ويصلي صلاة واحدة، وهذا لتعارض الأدلة؛ إذ القياس الجلي يقتضي بقاءه على أصله، وما ذكرناه من الثلاثة الأوجه يقتضي كونه غير مطهر، فلما تعارض ذلك حكم بالشك في تطهيره.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ص) و(ق).
(٢) ساقط من (ر).
(٣) هكذا في (ص) و(م)، وهي غير واضحة في (ر)، وخرم في (ق). والفصل: كله غير موجود في (ل). ولعلها "تعافه"، قال في القاموس: عاف الطعام أو الماء: كرهه ولم يشربه. القاموس المحيط ١٠٨٦، وانظر مختار الصحاح ٤٦٦.
(٤) في (ص) أذهبت.
(٥) في (ص) عتقه في عبادة أخرى.
(٦) ساقط من (ص) و(ر).
(٧) ساقط من (ص) وم وق.
(٨) في (ص) باقٍ على أصله.
(٩) في (ص) معوز.
(١٠) في (ص) مشكوك في تطهيره وفي (ر) مشكوك في طهارته.
[ ١ / ٢٢٧ ]
فصل في تمييز الطاهر عن النجس
وجميع الموجودات لا تخلو (١) من أن تكون جمادات؛ أعني بذلك (٢) ما لم تحله حياة أو ينفصل عن ذي حياة، وحيوانات (٣)، وأجزاء حيوانات، ومنفصلات عن الحيوانات (٤).
(حكم الجمادات)
فأما الجمادات فجميعها طاهر إلا الخمر وما في معناه عند مالك ﵀، والشافعي كل مسكر.
(حكم الحيوانات الحية)
فأما الحيوانات فما دامت مستصحبة للحياة فهي طاهرة ونعني بذلك أعراقها وأسآرها وما ينفصل (٥) عن أنوفها إذا لم تستعمل النجاسات، هذا هو المشهور من المذهب من غير استثناء شيء من الحيوانات. واستثنى سحنون (٦) الكلب والخنزير تعويلًا على الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب. وألحق به الخنزير فحكم لهما بالنجاسة. ورأى في المشهور أن الأمر بالغسل سببه أنهم كانوا في العصر الأول يخالطون الكلاب استمرارًا منهم على عادة الأعراب (٧)، فقال ﵇: "من
_________________
(١) في (م) يخلو.
(٢) في (ص) و(ر) ونعني بها.
(٣) في (ق) أو يتفصل: عن ذي حياة كالحيوانات.
(٤) في (ص) الحيوان.
(٥) في (ص) وما يخرج.
(٦) هو سحنون بن سعيد التنوخي أبو سعيد، وسحنون لقب واسمه عبد السلام، تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب ثم انتهت الرياسة إليه في العلم بالمغرب وولي القضاء بالقيروان .. وحصل له من أصحاب ما لا يحصل لأحد من أصحاب مالك. وعنه انتشر علم مالك في المغرب. وهو مؤلف المدونة عن ابن القاسم مات سنة أربعين ومائتين. السير ١٢/ ٦٣، الديباج ١/ ١٦٠.
(٧) في (ر) العرب.
[ ١ / ٢٢٨ ]
اقتنى كلبًا لغير (١) زرع ولا ضرع نقص من أجره قيراط" (٢)، فلم ينتهوا عن ذلك فكلفوا غسل الأواني (٣) لينتهوا من اتخاذهم الكلاب؛ لأنهم متى اتخذوها ولغت في الأواني، وغسلها سبعًا شاق. ولهذا قدر الغسل [بالسبع] (٤) بخلاف غسل سائر النجاسات (٥).
(حكم الحيوان فاقد الحياة)
فإن فقد الحيوان الحياة فهو على قسمين؛ بري وبحري، فالبحري على قسمين (٦): قسم تطول حياته في البر بعد مفارقته الماء، وقسم لا تطول حياته. والبري على قسمين: قسم لا دم فيه، ويعبر عنه بأنه لا نفس له سائلة، وقسم له نفس سائلة (٧).
(حكم الحيوان البحري)
فأما البحري الذي لا تطول حياته في البر فهو طاهر بعد الموت كهو في الحياة. وأما ما (٨) تطول حياته في البر كالسلحفاة والسرطان فالمشهور من المذهب إلحاقه بالأول، والقول الثاني إلحاقه بحيوان البر. واختلف في افتقاره إلى الذكاة، وسبب الخلاف أن الذكاة شرعت في الحيوان لإراقة الدم، أو لإزهاق الروح بسرعة. وما تطول حياته في البر من البحري لا دم
_________________
(١) في (م) من غير.
(٢) في (ق) كل يوم قراط. ولم أقف على الحديث بهذا اللفظ. وقد أخرجه البخاري بلفظ قريب في المزارعة ٢٣٢٣ "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلاَ ضَرْعًا نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ".
(٣) في (ر) الإناء.
(٤) ساقط من (م).
(٥) في (ق) الأواني.
(٦) في (م) ضربين.
(٧) في (ص) و(ق) و(م): له دم سائل.
(٨) في (ق) و(م) الذي.
[ ١ / ٢٢٩ ]
فيه يطلب إخراجه، لكنه مفتقر إلى إزهاق روحه بسرعة. فمن رأى أن المطلوب الأول في الذكاة إراقة (١) الدم لم يفتقر عنده إلى ذكاة، ومن رأى أن المطلوب الأول (٢) إزهاق الروح بسرعة افتقر عنده إلى الذكاة.
(حكم الحيوان البري)
وأما البري فما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت بلا خلاف في المذهب.
وما له نفس سائلة فإن كان مأكول اللحم ومات بذكاة فهو طاهر، وإن كان غير مأكول اللحم فهو نجس بالموت، وكذلك ما لم يُذَكَّ من المأكول اللحم. وفي المدونة في خشاش الأرض أنه لا ينجس ما مات فيه [من الماء] (٣). وإن وقع في قدر فيها طعام كل ما فيها (٤).
وذكر عن أبي عمران أنه قال سقط (٥) من المدونة: "لا"، وإنما الأصل أنه لا يؤكل ما فيها لأنه لا ينجس الماء في الاستعمال، وُيمنع شربه وأكل الطعام لعلة أنه لا يؤكل إلا بذكاة.
وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب (٦) لكنه بعيد أن يقال سقطت لفظة "لا" من جميع الكتب وأغفلها الرواة، وإنما (٧) معنى إجازة الأكل إذا لم يتحلل من الخشاش شيء، ولو تحلل لم يجز الأكل. وإنما سئل في [الكتاب] (٨) عن مجرد الموت فجاوب بأنه لا يفسد بخلاف ما له
_________________
(١) في (ص) إخراج.
(٢) في (ر) و(ق) و(م) الثاني.
(٣) ساقط من (م).
(٤) انظر المدونة ١/ ٤.
(٥) في (م) يسقط.
(٦) في (م) المدونة.
(٧) في (م) إنما.
(٨) ساقط من (م).
[ ١ / ٢٣٠ ]
نفس سائلة. وفي الكتاب [أيضًا] (١) في حيتان ملحت (٢) فأصيب (٣) فيها ضفادع ميتة لابأس بأكلها (٤). واختلف الأشياخ هل يعود الضمير في أكلها على الحيتان أو على الضفادع؛ فأما الحيتان فيجوز أكلها بلا خلاف، وأما الضفادع فإن كانت ميتة جاز أكلها عند مالك وإن لم تحصل لها ذكاة، وعلى الرواية الشاذة (٥) المتقدم ذكرها فيما تطول حياته في البر (٦) لا تؤكل هذه الضفادع إذا وجدت ميتة.
فصل [في أجزاء الحيوان] (٧)
وأما أجزاء الحيوانات فلا شك أن حكم البعض حكم الجملة، إلا أن يكون (٨) البعض يؤخذ (٩) من حي فيكون نجسًا إذا كان المأخوذ منه بريًا ذا نفس سائلة.
(حكم الشعور)
وأما الشعور فهي طاهرة عند مالك، ولأن الحياة لا تحلها فأشبه النبات هذا في كل شعر. وفي معناه الأصواف والأوبار إلا شعر الخنزير ففيه قولان في المذهب؛ أحدهما: طهارته إلحاقًا له بسائر الشعور، والثاني: نجاسته أخذًا بعموم تحريم الخنزير.
_________________
(١) ساقط من (م) و(ق).
(٢) في (م) إذا ملحت.
(٣) في (ص) فوجد.
(٤) المدونة ١/ ٥.
(٥) تقدم الحديث عن الشاذ في الكتاب.
(٦) في (ص) في البري من البحري.
(٧) ساقط من (ق) و(ر).
(٨) في (ص) يوجد.
(٩) ساقط من (ص).
[ ١ / ٢٣١ ]
(حكم العظام)
وأما العظام فهي عند مالك بمنزلة اللحوم فمتى كان اللحم طاهرًا حكمنا للعظام بذلك، ومتى كان اللحم نجسًا حكمنا للعظام بها، لأنها مما تحلّه الحياة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (١) والظاهر إضافة الحياة [إلى نفس العظام] (٢). لكن في الآية ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٣) فأضاف الحياة إلى الدار الآخرة والإنشاء إلى دار الدنيا. والإنشاء تركيب لا إحياء لكن اجتمعت الأمة على أن العودة في حلول الحياة كالبداية، فيكون معنى إنشائها هنا إحياءَها. والبلاغة تقتضي تغيير اللفظ وإن اتحد المعنى. وقال المتأخرون من أهل المذهب ينبغي أن تكون أطراف الأظلاف وأطراف القرون كالشعور؛ لأنها لا تحلها الحياة.
(حكم الريش)
وأما الريش فما اتصل من أصله بالجسم فهو كالعظم لأنه تحله الحياة. وما لم يتصل بذلك من أطرافه (٤) فهو كالشعور.
(حكم ناب الفيل)
واختلف المذهب في استعمال ناب الفيل والتجر فيه على ثلاثة أقوال؛ مذهب: أنه لا يستعمل ولا يتجر به، وهو المشهور من المذهب، والثاني: أنه يتجر به ويستعمل، قاله عبد الملك (٥)، والثالث: أنه إن سلق جاز استعماله، قاله مطرف (٦)، وهذا خلافُ هل تحله الحياة أم لا؟ وكأن من اشترط سلقه بناء على أنه تحله الحياة لأن السلق عنده كالدباغ. وهذا حكم الحيوانات وأجزائها وما يتصل بها.
_________________
(١) يس: ٧٨.
(٢) ساقط من (م).
(٣) يس ٧٩.
(٤) في (ص) من أصولها وفي (م) من أطرافها.
(٥) في (ق) قاله مطرف وعبد الملك.
(٦) هو: أبو مصعب وقد تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٢٣٢ ]
(هل ينجس الآدمي بالموت؟)
واختلف في الآدمي هل ينجس بالموت قياسًا على ما في معناه من الحيوان أو لا ينجس (١) تكرمة له؟ وقد صلى رسول الله - ﷺ - (٢) على سهيل بن بيضاء (٣) في المسجد، ولو كان نجسًا لم يدخله المسجد (٤).
فصل (حكم الفضلات المنفصلات من الحيوان)
وأما فضلات منفصلات (٥) من الحيوان فهي على قسمين: قسم له مقر في الجسم يستحيل فيه ثم يخرج أو يبقى هناك، وقسم يخرج إلى سطح الجسم من غير أن يكون له مقر يستحيل فيه.
فأما ما له مستقر (٦) في الباطن يستحيل فيه فهو على قسمين: قسم يستحيل إلى فساد، كالدم والعذرة والبول، وقسم يستحيل إلى صلاح كاللبن.
(حكم الدم المسفوح وغيره)
فأما ما يستحيل إلى فساد كالدم؛ فالمسفوح منه نجس بإجماع الأمة. وأما غير المسفوح -وهو ما يبقى في العروق- ففيه قولان: أحدهما: أنه
_________________
(١) في (م) بالموت.
(٢) ساقط من (ص).
(٣) هو الصحابي الجليل أبو موسى سهيل بن بيضاء الفهري هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة شهد بدرًا وأحُدًا ومات بعد رجوع النبي - ﷺ - من تبوك سنة تسع. الإصابة ٤/ ٢٨٣، والسير ١/ ٣٨٤. والحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب الصلاة على الجنازة في المسجد ٢/ ٦٦٨.
(٤) أخرجه مسلم في الجنائز ١٦١٥، والترمذي في الجنائز ١٠٣٣.
(٥) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب "الفضلات المنفصلات" بالتعريف.
(٦) في (ق) و(م) مقر.
[ ١ / ٢٣٣ ]
نجس أخذا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١) فَعَمَّ. والثاني: أنه غير نجس، لأنه تعالى قيد التحريم في موضع ثان فقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢). وبين الأصوليين خلاف في رد المطلق إلى المقيد هل يجب أم لا؟
(حكم دم الحوت)
وكذلك اختلفوا في نجاسة دم الحوت على قولين: أحدهما- وهو المشهور- إلحاقه بسائر الدماء في النجاسة. وقال أبو الحسن القابسي: هو طاهر. وهذا يحتمل أن يبنيه على شهادة يتأكد منها أنه غير مسفوح، أو لأن الذكاة غير مشروعة فيه، والذكاة مشروعة لإخراج الدم، ولم يطلب إخراج دم هنا، وذلك دليل على أن دمه غير نجس.
(حكم بول وروث الحيوان)
وأما البول والعذرة عند (٣) مالك فهي نجسة من كل حيوان محرم الأكل، طاهرة من كل حيوان غير محرم الأكل (٤). فإذا كان الحيوان مكروه [الأكل] (٥) ففي المذهب قولان: أحدهما الحكم بنجاسة بوله وروثه، والثاني الحكم بكراهية ذلك كاللحوم. والأصل في طهارة روث ما يؤكل لحمه وبوله أمر رسول الله - ﷺ - العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل (٦)، وطاف - ﷺ -
_________________
(١) المائدة: ٣.
(٢) الأنعام: ١٤٥.
(٣) في (ق) فهما عند.
(٤) في (ص) مباح اللحم.
(٥) "الأكل" ساقط من (ص).
(٦) يشير إلى الحديث الصحيح: "عِنْ أَنَس ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجِتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَأتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِن أَلْبَانِهَا وَأبْوَالِهَا" الحديث. أخرجه البخاري في الزكاة ١٤٠٥ واللفظ له، ومسلم في القسامة ٣١٦٢.
[ ١ / ٢٣٤ ]
على بعير، وموضع الطواف من المسجد (١)، ولا يؤمن أن يكون من البعير في حين (٢) الطواف بول أو روث.
هذا إذا لم يستعمل [الحيوان] (٣) المأكول اللحم نجاسة، فإن أكل نجسًا أو شربه ففي بوله وروثه قولان: المشهور نجاستهما (٤)، والشاذ طهارتهما. وهذا جار في كل نجاسة انقلبت أعراضها، كعرق السكران، ورماد الميتة، وما يستخفي (٥) في أواني الخمر، في جميع ذلك قولان: التنجيس التفاتًا إلى الأصل، والحكم بالطهارة التفاتًا إلى ما انتقلت إليه.
(طهارة المسك)
ولا خلاف في المذهب في طهارة المسك. وكان يقتضي هذا الأصل أن يُختلف فيه لأنه خراج يتولد من (٦) حيوان ثم يستحيل مسكًا، لكن حكموا بطهارته لأن أصل النجاسات ما يستقذر، والمسك يُذهب الاستقذار فلم يختلف فيه.
(نجاسة المني)
والمني حكموا بنجاسته وهذا لأحد وجهين؛ إما لأنه يسير (٧) على نجاسة البول، وإما لأنه يستحيل إلى فساد. فإن عللنا بالأول كان مني ما
_________________
(١) يشير إلى الحديث الصحيح: "عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: طَافَ النَبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرِ" الحديث. أخرجه البخاري في الحج ١٥٠٤ واللفظ له، ومسلم في الحجَ ٢٢٣٣.
(٢) في (ص) في حال.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) نجاسته.
(٥) في (ص) وما يستحجر، وفي (ر) يستخمر.
(٦) في (ر) في.
(٧) في (ص) يمر.
[ ١ / ٢٣٥ ]
يؤكل لحمه (١) طاهرًا، وإن عللنا بالثاني كان مني ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل (٢) نجسًا. وهكذا قال المتأخرون من أهل المذهب.
(حكم الألبان)
وأما ما يستحيل إلى صلاح كالألبان فهو على ثلاثة أقسام؛ قسم منها طاهر بإجماع [الأمة] (٣)، وهو لبن ما يؤكل لحمه، وما حرم لحمه لحرمته كبنات آدم، وقسم نجس بإجماع كلبن الخنزير، وقسم مختلف فيه وهو ما عدا ما ذكرناه. وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن لبنها طاهر لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ (٤)، فأخبر أنه خالص عن الدم والفرث، والدم نجس من كل الحيوان، وهذا طاهر مما (٥) تقدم ذكر طهارته بإجماع، فدل على أنه لا يراعى (٦) أصله، وقد قال تعالى فيه: ﴿خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٧) فعمَّ كل لبن. والثاني أن لبنها تابع للحومها في التحريم والكراهة لأنها فضلة الغذاء فأشبه اللحم. والثالث أنه مكروه، وهذا مراعاة للخلاف.
(حكم البيض)
وأما البيض فلا شك في طهارته لأنه متولد من كل حيوان مأكول اللحم.
_________________
(١) في (ص) و(ق) لحمه من الحيوان.
(٢) في (ص) كان مني كل حيوان.
(٣) ساقط من (ص).
(٤) النحل: ٦٦.
(٥) في (ص) ممن تقدم وفي (م) فيها تقدم.
(٦) في (ص) و(ق) و(م) لا تراعى أصوله.
(٧) النحل: ٦٦.
[ ١ / ٢٣٦ ]
فصل (في أحكام أسآر الحيوان)
وقد تقدم أن أسآر الحيوان طاهرة، وهذا إذا لم تستعمل النجاسة، فإن أكلت نجاسة، أو شربتها، أو كانت من عادتها تستعمل النجاسة، فلا تخلو من قسمين؛ أحدهما: أن تدعو الضرورة إلى غشيانها الأواني، كالهرة والفأرة، فهذه يحكم بطهارة سؤرها إلا أن تُعايَن (١) النجاسة فيه أو في أفواهها وقت الشرب، فإن أبصر ذلك فيه فاليُتوق ما (٢) حلته النجاسة. ويكون حكمه ما تقدم في الماء إذا حلته نجاسة. وفي المدونة لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة (٣). ويروى بضم الخاء وبفتحها، ومعنى الضم نفس الخبز إذا أكلت منه فإنه يؤكل، وهذا ما لم ير فيه أثر النجاسة، فإن رأى ذلك طرح موضع النجاسة إن تميز، فإن لم يتميز كان طعامًا حلته النجاسة، فإن كان يسيرًا طرح، وإن كان كثيرًا فقولان: أحدهما: أنه كالماء لا تفسده النجاسة اليسيرة، والثاني: أنه بخلاف الماء لأن الماء يُذهب النجاسة بخلاف الطعام.
ومعنى الفتح في الخَبْز أنها إذا شربت من ماء فيجوز أن يعجن به، وصوب بعض الأشياخ هذه الرواية معولًا على أن الفأرة إذا شربت من الماء فإن ما يلتقي فمها من الماء يتنجس ثم تجتلبه بالشرب فيبقى ما بعده طاهرا، وإذا أكلت من خبز فلا يزول (٤) أثر فمها. فيفارق حكم الماء حكم الطعام.
وهذا مما لا يعول عليه، وإنما يلتفت إلى ما قدمناه والروايتان صحيحتان.
_________________
(١) في (ق) تعاين آثار النجاسة.
(٢) في (ر) و(ق) فهو ما.
(٣) انظر المدونة ١/ ٦.
(٤) في (ر) يزال.
[ ١ / ٢٣٧ ]
[فصل] (١) حكم ما يمكن الاحتراز منه)
والقسم الثاني: أن يكون الحيوان مما يمكن الاحتراز منه، فهذا لا يخلوا من ثلاثة أحوال (٢): أحدها: أن يتيقن سلامة فمه من النجاسة فلا يفسد ما أكل منه أو شرب، والثاني: أن يتيقن نجاسة فمه فيكون ما أكل منه أو شرب على ما تقدم مما تحله النجاسة.
والثالث: أن يشك (٣) هل فيه نجاسة أم لا؟ فهذا في المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الحكم بطهارته لأن أصل الحيوان الطهارة، ومتى وقع الشك فيه رجع إلى الأصل، والثاني: الحكم بنجاسة فمه (٤) نظرًا إلى الغالب، والغالب استعماله النجاسة، والثالث: التفرقة بين الماء والطعام، ينطرح الماء ليسارته ويستعمل الطعام لحرمته، وهذا مذهب المدونة. ولكن حكم للماء الذي شربت منه الدجاج المخلاة (٥) أن يترك وينتقل إلى التيمم. ثم جعل المصلي به يعيد في الوقت خاصة. وهذا كالمتنافض لأن الانتقال إلى التيمم يقتضي الحكم بنجاسته والإعادة في الوقت تقتضي طهارته (٦) على كراهية فيه. وقد أجيب (٧) عن هذا الاعتراض بثلاثة أوجه: أحدها: أن مراده بالتيمم لا يقتصر عليه دون أن يتوضأ، وإنما تجوز في الكتاب بقوله يتيمم ويتركه. ومراده يجمع بينه وبين التيمم، قاله القاضي أبو محمد عبد الوهاب. هذا وإن ساعده الفقه فهو بعيد عن مقتضى اللفظ. والجواب الثاني: أنه حكم بنجاسته على أصله فقال يتيمم ويتركه ثم إذا صلى به أحد وقعت صلاته جائزة عند من يقول بطهارته، وهو أحد قولي
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ص) و(م) و(ق) صور.
(٣) في (ق) ويشك.
(٤) في (م) محله.
(٥) الدجاج المخلاة هو الذي يأكل النجاسة. انظر تحفة الفقهاء ٣/ ٦٥.
(٦) في (م) الحكم بطهارته.
(٧) في (ر) أجبت.
[ ١ / ٢٣٨ ]
مالك. وجعل (١) فعل المكلف كحكم الحاكم بصحته فيعيد في الوقت ليخرج من الخلاف. فإذا خرج الوقت فلا يعيد لنفوذ الحكم بذلك وهذا جار على أصل المذهب في مراعاة الخلاف، والجواب الثالث: أن الإعادة إنما هي (٢) لأنه صلى بنجاسة، ولذلك (٣) يترك الماء لأن فيه نجاسة لا يدري موضعها. فإذا استعملت فقد حصلت تلك النجاسة على بعض جسده، فيكون كالمصلي بنجاسة يعيد- إن لم يعلم- في الوقت. وهكذا (٤) نقل البراذعي في تهذيبه في هذا الموضع (٥)، فقال: ومن صلى (٦) ولم يعلم أعاد في الوقت. واستدرك الأشياخ عليه زيادته (٧): "ولم يعلم". وإنما عول في ذلك على ما في كتاب الصلاة الأول من المدونة، وقد اشترط هناك عدم العلم، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. وهذا الجواب أشار إليه الباجي (٨) وهو معترض، لأن النجاسة إذا حلت بالماء تختلط بأجزائه فلا تبقى في مكان واحد، وأيضًا فإن القائلين بتنجيسه يجعلون الجميع في حكم النجاسة.
_________________
(١) في (ص) قصد.
(٢) في (ر) ها هنا.
(٣) في (ق) ولكن لذلك، وفي (ر) كذلك.
(٤) في (م) و(ق) وهذا.
(٥) في (ص) في المسألة.
(٦) في (ص) ومن، و(ق) صلى به.
(٧) في (ر) زيادة.
(٨) هو: القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الأندلسي القرطبي الباجي صاحب التصانيف، أصله من مدينة بطليوس. ارتحل سنة ست وعشرين فحج وجاور ثلاثة أعوام ملازمًا للحافظ أبي ذر، ارتحل إلى دمشق، فسمع من أهلها وارتحل إلى بغداد. ثم رجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم غزير حصله مع الفقر والتقنع باليسير. وتفقه به أئمة واشتهر اسمه وصنف التصانيف النفيسة .. ولما قدم من الرحلة إلى الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، فلما قدم أبو الوليد كلموه في ذلك فدخل إلى ابن حزم وناظره، وله معه مجالس كثيرة. سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٣٥، ٥٤٠، والديباج المذهب ص: ١٢٠.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فصل (حكم سؤر الكلب)
وقد انفرد سؤر الكلب بحكم أوجبه أمره - ﷺ - بغسل الإناء من ولوغه (١) سبعًا (٢)، وقد اختلف المذهب هل الأمر بغسله على سبيل التوقي منه (٣) وترك مخالطته- على (٤) ما تقدم- أو لنجاسة فيه؟ قولان؛ المشهور: أن ذلك للتوقي لا للنجاسة، والشاذ: أنه للنجاسة، وهو قول سحنون. فإن قلنا إن ذلك (٥) للتوقي فهل يعد واجبًا أو ندبًا؟ قولان. والذي في المدونة أنه ندب، لقوله: "إن كان يغسل سبعًا ففي الماء وحده وكان يضعفه" (٦). وقال بعض الأشياخ: ويحتمل قوله "وكان يضعفه" ثلاثة أوجه: أحدهما: ضعف الحديث لمعارضته ظاهر القرآن في إباحة أكل ما صاد ولم يشترط غسله، والثاني: ضعف وجوب الغسل لأنه بمنزلة غيره من الحيوان، والثالث: ضعف الغسل الوارد في الحديث لأنه مقدر، والتقدير خلاف الأصول. وسبب الخلاف أمره - ﷺ - بالغسل من ولوغه. فاختلف الأصوليون هل تحمل [أوامره - ﷺ -] (٧) على الوجوب أو على الندب، وإذا أوجبنا أو قلنا بالندب فهل يختص ذلك بالمنهي عن اتخاذه، أو يكون عامًا في سائر الكلاب؟ قولان. وسببهما: هل العلة ورود النهي في المخالطة، أو لأن سؤر الكلب مما يستقذر غالبًا؟ وهو أيضًا مما لا يتوقَّ النجاسة غالبًا، فيسري (٨) ذلك في كل كلب.
_________________
(١) في (ص) و(م) و(ق) من ولوغ الكلب.
(٢) وهو قوله ﵊: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ" أخرجه البخاري في الوضوء ١٧٢، ومسلم في الطهارة ٢٧٩ واللفظ له.
(٣) في (م) منهم.
(٤) في (ص) كما تقدم.
(٥) في (ر): بذلك.
(٦) الذي في المدونة ١/ ٥ "إن كان يغسل ففي الماء وحده وكان يضعفه" دون قوله "سبعًا".
(٧) ساقط من (ر).
(٨) (ص) فيستوي.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وهل يغسل الإناء إذا كان فيه طعام أو لا يغسل إلا إذا كان فيه ماء؟ قولان: المشهور أنه لا يغسل إلا من الماء، والقول الثاني أنه يغسل كان فيه ماء أو غيره. وسبب الخلاف: هل يخصص العموم بالعادة- لأن العادة أن الكلاب لا تجد من أواني العرب الذين ورد فيهم الحكم إلا ما فيها ماء، وأما أواني الطعام فإنهم يتحفظون عليها فلا يجدها الكلاب- أو لا يخص العموم بالعادة فيكون ذلك جار في كل الأواني؟
ولو ولغت كلاب كثيرة في إناء واحد، فهل يغسل لجميعها سبعًا، أو يغسل لكل واحد سبعًا؟ قولان. وسببهما هل الألف واللام في قوله - ﷺ -: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ" للجنس؟ فيكون مراده - ﷺ - إذا ولغ الكلاب غسل سبعًا، أو الألف واللام للعهد؟ فيكون المشار بها إلى كلب واحد مفرد. وعلى هذا اختلف هل يؤمر سامع الأذان بحكايته وإن تكرر الأذان أو لا يؤمر إلا بحكاية الأول خاصة؟ وكذلك الخلاف فيمن اشترى مصراة (١) فوجب له ردها، هل يرد لجميعها إذا كانت كثيرة صاعًا أو لكل واحدة منها صاعًا (٢)؟ وهذا يتبين في موضعه إن شاء الله.
واختلف المذهب أيضًا إن ولغ الكلب في الإناء هل يجوز غسله بذلك الماء الذي ولغ فيه أو يغسل بماء ثان؟
وسبب الخلاف هل الغسل للتعبد المحض، أو لما يمكن أن يكون ولغ فيه من النجاسة ولأنه مما يستقذر (٣)؟
(حكم سؤر الخنزير)
واختلف أيضًا في الخنزير هل يلحق بالكلب في هذا الحكم (٤)، أم يكون حكمه حكم سائر الحيوانات على التفصيل المتقدم؟
_________________
(١) قال صاحب النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٧: المُصَرَّاة: الناقَةُ أو البقَرةُ أو الشَّاةُ يُصَرَّى اللَّبنُ في ضَرْعها، أي يُجْمع ويُحْبَس.
(٢) قال في مختار الصحاح ١/ ١٥٦: الصاعُ الذي يُكال به، وهو أربعة أمداد، والجمع أصْوُعٌ.
(٣) في (ر) مما يستقذر وانظر متى يؤمر بغسله هل عند إرادة استعماله أو عند ولوغه واختلف المذهب فيه أيضًا على قولين.
(٤) في (ق) و(م) في هذه الأواني.
[ ١ / ٢٤١ ]
والخلاف على ما ذكرناه (١) من أنه إن جعل غسل الأواني للتعبد المحض، لم يلحق به الخنزير، وإن جعل للاستقذار والنهي عن مخالطته لحق بذلك الخنزير.
فصل في آداب الأحداث
وهي على ثلاثة أقسام: قسم سابق، وقسم مقارن، وقسم متأخر.
(حكم استقبال القبلة للبول والغائط)
ولنقصد إلى ما ذكره (٢) في الكتاب دون غيره، وهو أن لا يستقبل القبلة لبول ولا لغائط. وقد ثبت أن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك (٣)، وثبت أن ابن عمر أشرف على بيت حفصة فرأى النبي - ﷺ - على لبنتين مستقبلًا (٤) لبيت المقدس ومستدبرًا للكعبة (٥).
وقد بني مالك هذين الحديثين، فرأى أن المنع على صفة، والجواز على صفة ثانية. وما هي الصفة؟ لا يخلو إما أن يكون الموضع لا مراحيض
_________________
(١) في (م) على ما قدمناه.
(٢) في (ق) و(م) ولنقصد ما ذكرناه.
(٣) في (ق) النهي عن ذلك ألا يستقبل القبلة وألا يستدبرها. ومنه ما أخرجه مسلم في الطهارة (٣٨٨) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمْ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقبلُوا الْقِبلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلِ وَلاَ غَائِطِ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَّبُوا"، قَال أَبوِ أَيُّوبَ: فَقَدِمنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ. الحديث.
(٤) في (ر): مستقبلًا القبلة.
(٥) أخرج البخاري في الوضوء (١٤٤) واللفظ له ومسلم في الطهارة (٣٩١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَة مُسْتدْبِرَ الْقبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ.
[ ١ / ٢٤٢ ]
فيه ولا ساتر (١) [فلا يجوز الاستقبال فيه ولا الاستدبار، أو تكون المراحيض والساتر] (٢) فيجلس بحسب ما تقتضيه المراحيض، أو يكون ذا مراحيض ولا ساتر، فيجلس أيضًا بحسب ما تقتضيه المراحيض للضرورة، أو يكون ذا ساتر ولا مراحيض فيه ففي المذهب قولان: أحدهما: جواز الاستقبال أو الاستدبار، والثاني: أنه لا يستقبل ولا يستدبر.
وسبب الخلاف هل العلة في المنع لحرمة القبلة فلا يجوز على (٣) هذا الاستقبال ولا الاستدبار، أو العلة (٤) المصلون إلى القبلة، فإذا وجد الساتر بينه وبينهم جاز الاستقبال والاستدبار [على الإطلاق] (٥).
(حكم استقبال القبلة أثناء المجامعة)
واختلف أيضًا في المجامعة (٦) هل يجوز فيها الاستقبال والاستدبار على الإطلاق؟ أو يكون فيها من التفصيل ما قدمنا في الحدث؟
وسبب الخلاف هل العلة في الحدث نفس العورة فتكون المجامعة بمنزلته، أو العلة ما يخرج من الحدث فتكون المجامعة بخلاف ذلك؟
وفي المدونة ما يؤخذ منه الجواز في المجامعة على الإطلاق؛ لأنه لما سأله عن المجامعة قال لا بأس بذلك (٧). لكنه عقيب (٨) قوله، شبهه بالحدث. وقد تعلق باللفظ الأول بعض الأشياخ فأجازوه على الإطلاق، وتعلق آخرون بالتشبيه فألحقوه بالحدث.
_________________
(١) في (ق) و(م) ستائر.
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) في (ص) ها هنا.
(٤) في (ص) حرمة المصلين.
(٥) ساقط في (ص) و(م) و(ق).
(٦) في (ص) الجماع.
(٧) المدونة ١/ ٧.
(٨) في (ص) عقب.
[ ١ / ٢٤٣ ]
فصل (في إزالة الأذى)
ومن آداب الإحداث المتأخرة إزالته. والأَوْلى في ذلك الجمع بين الحجارة (١) والماء، يبدأ بالحجارة لإزالة العين ثم بالماء لإزالة الأثر، وذلك أبلغ في سرعة الإزالة وأذهب للرائحة. فإن أراد [مريد] (٢) الاقتصار، فالأَوْلى الاقتصار على الماء، لأنه يذهب العين والأثر. وإن أراد الاقتصار على الأحجار، فإن فقد الماء جاز له ذلك، وإن وجده فقولان: المشهور جواز الاقتصار، والشاذ منعه وهو مذهب ابن حبيب (٣). وقد ثبت أنهم كانوا يقتصرون في العصر (٤) الأول على الأحجار. وهل ذلك لأن الماء كان يعوز عليهم، أو لأنهم كانوا يُبعدون- بخلاف أهل الوقت- أو ذلك رخصة لأن هذه الأحداث (٥) كثيرًا ما تطرأ على الإنسان في الطرقات وحيث لا ماء؟ فرخص في ذلك لإزالة عين هذه الأحداث بالأحجار. واستمر (٦) العمل حيث يوجد الماء ويفقد، وهذا الذي يظهر من فعل الأولين.
وإذا جاز له الاقتصار على الأحجار فهل يقوم في ذلك غيرها مقامها؟
قولان: المشهور أنه يقوم مقامها كل شيء (٧) طاهر ليس بمطعوم ولا ذي حرمة [ولا يتعلق به حق الغير] (٨)، والشاذ أنه لا يكفي إلا الأحجار. والوارد في الأحاديث [الأحجار] (٩) لكنه رخصة.
_________________
(١) في (ص) و(م) الأحجار.
(٢) ساقط من (ص).
(٣) الذي في النوادر والزيادات عن ابن حبيب: أن من فعل ذالك قد أساء ولا شيء عليه. ١/ ٢٤.
(٤) في (ق) الصدر.
(٥) في (م) الحاجات.
(٦) في (م) ويستمر العمل وفي (ص) واستمر ذلك.
(٧) في (ص) كل منق.
(٨) ساقط من (ص) و(م) و(ق).
(٩) ساقط من (ق).
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقد اختلف الأصوليون هل يقاس على الرخص أو يقتصر عليها وعلى ما وردت؛ فمن قال بالقياس ألحق بذلك غير الأحجار، ومن قصرها على ما ورد قال لا يكفي إلا الأحجار. وإذا قلنا بالقصر فهل يطلب في ذلك عدد؟ قولان: أحدهما: أنه لا يكفي دون الثلاث (١)، فإن لم يحصل الإنقاء بثلاثة طلب الزائد وإن حصل بأقل من ذلك طلب الثلاثة، وقيل يجزي إن حصل الإنقاء بواحد. والمشهور في الأحاديث طلب الثلاث لكن في بعضها أن رسول الله - ﷺ - أمر من معه أن يأتي بثلاثة أحجار فأتاه بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال إنها رجس (٢) ولم يذكر في الحديث أنه طلب ثالثة (٣). وخرج أبو داود (٤) عنه - ﷺ - أنه قال: "مَن اسْتَجْمَرَ فَلْيُوترْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لاَ فَلَا حَرَجَ" (٥). وهذا يقتضي إباحة الاقتصار، وما قدمناه يقتضي طلب الثلاثة وهو مقتضى (٦) التعبد. وإذا أوجبنا الثلاثة فهل ينوب في دلك حجر ذو ثلاث شعب (٧)؟ قولان: أحدهما: الاكتفاء به لأنه
_________________
(١) في (م) و(ص) الثلاثة الأحجار.
(٢) في (ق) نجس.
(٣) لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ فيما توفر عندي من مصادر لكن بألفاظ قريبة، منها ما أخرجه البخاري في الوضوء (١٥٦) عن عَبْدَ اللهِ بن مسعود قال: "أتى النبيُّ - ﷺ - الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارِ فَوَجَدْتُ حَجَرَينِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأتيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ". في (ر): الثلاثة.
(٤) هو: سليمان بن الأشعث .. الإمام أبو داود الأزدي السجستاني محدّث البصرة. صنّف كتابه السنن وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه .. وقال أبو بكر بن داسه: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمس مئه ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعت فيه أربعه آلاف حديث وثماني مئة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه .. سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٣، ٢١٧.
(٥) أبو داود في الطهارة ٣٢، وابن ماجه في الطهارة ٣٣٢، وأحمد في مسنده ٢/ ٤٦٣، والدارمي في الطهارة ٦٦٠ كلهم عن أبي هريرة، واللفظ لابن ماجه والدارمي.
(٦) في (م) يقتضي.
(٧) في (ص) و(ق) رؤوس.
[ ١ / ٢٤٥ ]
يحصل به ما يحصل بالثلاثة (١)، والثاني: أنه لا يكتفى به جمودًا على ما ورد من طلب الثلاثة.
وهل يكتفي للمخرجين بثلاثة أو يطلب لكل واحد ثلاثة؟ قولان. وهو خلاف في شهادة، هل يتلطخ الحجر بأحدهما فلا يكفي في الآخر (٢)، أو يمكن أن يحصل الانقاء في الموضعين بثلاثة.
وكذلك اختلف في صورة الفعل؛ فقيل يمسح بكل حجر جميع الموضع (٣)، وقيل بل يمسح بأحدهما وسط (٤) الموضع، وبالاثنين الجانبين. وهذا ينبغي أن يحال فيه على ما هو الإنقاء والأذهب للعين فيفعل.
ولا يجب الاستنجاء من الريح لأنه ليس بذي جسم تطلب إزالته.
وإن تعدى الخارج المخرجين إلى وسط (٥) الجسم وانتشر كثيرًا فلا يزال إلا بالماء، [وإن قل انتشاره فقولان: قيل هو كالموضع فيزال بالأحجار، وقيل كالمنتشر كثيرًا فلا يزال إلا بالماء (٦). وهذا على الخلاف في ما قارب الشيء هل يعطى حكمه أم لا؟
وفي الكتاب في من استجمر بالحجارة ولم يغسل ما هنالك بالماء حتى صلى أن صلاته مجزية، ويغسل ما هنالك لما يستقبل (٧). وهذا إنما يصح إذا كان يمكنه أن يغسل ولا يمس الذكر، والثاني: إن افتقر إلى مسه فإنه يعيد الوضوء على مذهب من أوجب الوضوء من مسه.
_________________
(١) في (ص) و(ق) بالثلاثة الأحجار.
(٢) في (ق) فلا يكتفي في الإجزاء.
(٣) في (م) الموضعين.
(٤) في (ق) بأحدهما بكل حجر جميع.
(٥) في (ر) وإن تعدى المخرجين الخارج إلى سطح.
(٦) ساقط من (ق) و(م).
(٧) المدونة ١/ ٨.
[ ١ / ٢٤٦ ]
باب ما يجب منه الوضوء (١)
الوضوء يجب من شيئين: أحداث، وأسباب أحداث. فالأحداث ما يخرج من القبل والدبر. والخارج من القبل ثلاثة وهو: البول، والودي (٢) والمذي (٣). والخارج من الدبر ثلاثة: الغائط، والصوت، والريح.
وأسباب الأحداث ثلاثة وهي: مس الذكر، ولمس النساء، والنوم، وفي معناه فقدان العقل بالجنون والسكر والإغماء.
واختلف في الردة هل تقتضي نقض الوضوء إذا عاد إلى الإسلام؟
وكذلك اختلفوا في رفض الوضوء هل يؤثر أو لا؟
(حكم مس الذكر)
ونؤخر الردة والرفض إلى استفاء أحكام الأحداث وأسبابها، ونجري على ترتيب الكتاب. وقد ابتدأ بأسباب الأحداث وقدم حكم مس الذكر، وقد ورد فيه حديثان: أحدهما: حديث بسرة (٤)، وهو يقتضي نقض الوضوء بمسه. والثاني: حديث طلق بن علي (٥)، وهو يقتضي عدم النقض بمسه،
_________________
(١) في (ق) و(ر) فصل:.
(٢) الوَدْيُ: البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول. انظر لسان العرب ١٥/ ٣٨٥.
(٣) في (ص) البول والمني والودي. والمَذْيُ: ما يخرج من ذكر الرجل عند النظر. انظر لسان العرب ١٥/ ٢٧٥.
(٤) عن بُسْرَة بنْت صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضأ" أخَرجه النسائي في الطهارة ١٦٣ واللفظ له، وأبو داود في الطهارة ١٨١، وابن ماجه في الطهارة ٤٧٩، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٢٣، ومالك في الموطأ الطهارة ٩١، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٢، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٣٩٦، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٢٣١.
(٥) هو طلق بن علي بن المنذر بن قيس الحنفي السحيمي اليماني. وَفَدَ على النبي - ﷺ -، وعمل معه في بناء المسجد. تهذيب التهذيب ٥/ ٢٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
لأنه ذكر أن رسول الله - ﷺ - سئل عن مس الذكر هل يوجب الوضوء؟ فقال: "وهل هو إلا بَضعَةٌ منك" (١).
وقد بني المالكية الحديثين فرأوا أنه ينقض بمسه الوضوء على صفة دون صفة. وما هي الصفة؟ فلهم أربعة أقوال؛ أحدهما: اعتبار اللذة، فإن وجد اللذة بمسه انتقض، وهو رأي البغداديين (٢) من أهل المذهب. والثاني: مراعات العمد، فإن مسه عامدًا انتقض وضوءه، وإن كان ناسيًا (٣) لم ينتقض، وهو مذهب مالك في أحد أقواله وسحنون (٤). والثالث: مراعاة باطن الكف، فان مسه بغيره لم ينتقض وهو مذهب أشهب، والرابع: مراعاة باطن الكف وباطن الأصابع، فإن مسَّه بغيرهما لم ينتقض، وهو مذهب الكتاب (٥). وكأن الجميع يراعون اللذة. فراعى البغداديون وجودها وعدمها. وراعى من فرق بين العمد والنسيان أن اللذة توجد غالبًا مع العمد بخلاف النسيان. وراعى أشهب باطن الكف لأن فيه من لطافة الحس (٦) ما ليس في سائر الأعضاء. والغالب وجود اللذة به بخلاف غيره من الأعضاء. وراعى (٧) في الكتاب أن باطن الأصابع بمنزلة باطن الكف، إذ فيها من لطافة الحس ما فيها. وقد استدل هؤلاء بما ورد في بعض الطرق: "من
_________________
(١) عن طلق بن علي قال: "قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ: يَا نَبِيِّ اللهِ، مَا تَرَي في مَسِّ الرّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّاُ؟ فَقَالَ: "هَل هُوَ إلاَّ مُضغَةٌ مِنْهُ" أَوْ قَالَ: "بَضْعَةٌ مِنْهُ" أخرجه الترمذي في الطهارة ٨٥، وأبو داود في الطهارة ١٨٢ واللفظ له، والنسائي في الطهارة ١٦٥، وابن ماجه في الطهارة ٤٨٣، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٤٠٢، قَالَ الترمذي: وَقَد رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمّ يَرَوُا الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَر، وَهُوَ قَوْلُ أَهْل اَلْكُوفَةِ وَابْن الْمُبَارَكِ.
(٢) يقصد بالبغداديين: أتباع الإمام مالك في العراق، وهم القاضي إسماعيل وابن القصار وابن الجلاب والقاضي عبدالوهاب وأبي الفرج والأبهري ونظائرهم.
(٣) في (ق) وإن مسه غير متعمد.
(٤) انظر النوادر والزيادات ١/ ٥٤.
(٥) المدونة ١/ ٨.
(٦) في (ق) الجسم.
(٧) في (ر) و(ص): ورأى.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أفضى بيده إلى فرجه فعليه الوضوء" (١)، والإفضاء إنما يكون بباطن الكف، وفي معناه الأصابع.
(حكم مس الدبر وسائر البدن)
ولا يجب الوضوء بمس شئ من البدن ولا من الدبر على المشهور. وذكر حمديس (٢) أنه يلزم على قول من أوجب الوضوء على المرأة إن مست فرجها أن يقول يلزم الوضوء من مس الدبر. وهذا الذي قاله غير صحيح لأن الفرج ينطلق (٣) عليه تسميته. وقد ورد في بعض الطرق: "ومن مس فرجه توضأ" (٤)، وأيضًا فإنه مما (٥) يمكن اللذة بمسه بخلاف الدبر.
وقد اختلف في مس المرأة فرجها، فقيل: يجب عليها الوضوء، وقيل: لا يجب عليها، وقيل: إن ألطفت وجب عليها وإن لم تلطف لم يجب عليها. واختلف المتأخرون هل (٦) المذهب على ثلاثة أقوال كما ذكرناها أو يرجع الجميع إلى (٧) قول واحد؟ فمعنى قول من منع (٨) الوجوب: إذا لم تُلْطِفْ، ومن أثبته: إذا ألطفت. فكأن طريقه من بني الأمر في اللمس على وجود اللذة وعدمها؛ هذا إن مسه من غير حائل، فإن مسه
_________________
(١) أخرج أحمد في مسنده ٢/ ٣٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ فَقَدْ وَجَب عَلَيْهِ الْوُضُوءُ".
(٢) في (م) حمديس بن إبراهيم. وهو: حمديس بن إبراهيم بن أبي محرز اللخمي، من أهل قفصة، نزل مصر وبها توفي، فقيه ثقة سمع من ابن عبدوس ومحمد بن عبد الحكم ويونس الصدفي، وله في الفقه كتاب مشهور في اختصار المدونة. توفي سنة تسع وتسعين ومائتين. الديباج المذهب ج: ١/ ١٠٨، وشجرة النور ص: ٧١ (٨٦).
(٣) في (ق) و(ص) يطلق.
(٤) أخرج النسائي في الغسل والتيمم (٤٤٤) واللفظ له، وابن ماجه في الطهارة (٤٨١) عَنْ بُسْرَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ مَسَّ فَرْجَة فَلْيَتَوَضَّأْ".
(٥) في (ق) ما.
(٦) في (ق) من أصل.
(٧) في (ق) على.
(٨) في (ص) و(ق) و(م) نفى.
[ ١ / ٢٤٩ ]
دون حائل؛ فإن وَجَدَ اللَّذة توضأ، وإن فقدها- والحائل يمنع وصول شيء من اليد إلى الذكر- لم يجب عليه الوضوء.
فإن مسه ثم صلى قبل أن يتوضأ فأربعة أقوال؛ أحدها: أنه لا إعادة عليه، والثاني: أنه يعيد في الوقت، والثالث: أنه يعيد وإن خرج الوقت، والرابع: أنه يعيد بعد اليومين والثلاثة، فإن طال لم يعد.
والإعادة على ترك مراعاة الخلاف، وإسقاط الإعادة على مراعاته، وكذلك الإعادة في الوقت. وأما من قال يعيد بعد اليومين والثلاثة دون أن يطول فهو أضعف الأقوال، لكنه رأى مراعاة الخلاف إلا أن تطول الأيام، فيكون كحكم استقر ومرَّ عليه دهر فلا ينتقض.
فصل (في حكم النوم)
وأما النوم فالمشهور من المذهب أنه سبب للحديث وليس بحدث في نفسه، والشاذ أنه حدث، وهو قول ابن القاسم (١) في كتاب ابن القصار (٢) ورواية (٣) أبي الفرج عن مالك. ويعتمد قائل ذلك على أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤) أن المراد بذلك إذا قمتم من النوم. وعمومه يقتضي النوم الكثير واليسير، ووقع في بعض الأحاديث أنه - ﷺ - ذكر
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن القاسم أبو عبد الله العتقي مولاهم المصري صاحب مالك الإمام عالم الديار المصرية ومفتيها. روى عن مالك وعبد الرحمن بن شريح ونافع بن أبي نعيم المقرئ وبكر بن مضر وطائفة قليلة وعنه أصبغ والحارث بن مسكين وسحنون وعيسى بن مثرود ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وآخرون .. وقيل إن مالكًا سئل عنه وعن ابن وهب فقال: "ابن وهب رجل عالم وابن القاسم فقيه" سير أعلام النبلاء ٩/ ١٢٠ - ١٢٢ وطبقات الفقهاء ص: ١٥٥، وشجرة النور ص: ٥٨ (٢٤).
(٢) في (م) و(ق) رواية.
(٣) في (م) و(ق) رواية.
(٤) المائدة: ٦.
[ ١ / ٢٥٠ ]
موجبات الوضوء فعدَّ البول والغائط والنوم (١). وعطف النوم على هذين يقتضي على هذا كونه حدثًا بمنزلتهما.
لكن اختلف الأصوليون في العطف هل يفيد التشريك في المعنى كما يفيده في الإعراب أم لا يفيده؟ وإنما تكون فيه حجة متى قلنا بأنه يفيده. على أن الحديث لم يثبت. ومعتمد (٢) المشهور من المذهب على أن النوم يذهب التمييز، ويمكن معه خروج الريح من غير أن يعلم، فإذا أمكن ذلك وجب (٣) الوضوء، وإليه الإشارة بما روي عنه - ﷺ - من قوله: "العينان وكاء السَّهِ فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (٤).
وهذا الحديث وإن لم يخرجه أهل الصحاح فقد اشتهر وهو منبّه على العلة، فإذا ثبت ذلك فيكون النوم ينقض على صفة دون صفة. وما هي الصفة؟ وقع التحديد في المذهب بطريقتين؛ إحداهما: [أنه] (٥) لا يخلو من أن يكون طويلًا ثقيلًا فينقض الوضوء من غير خلاف، أو قصيرًا خفيفًا فلا ينقضه، أو قصيرًا ثقيلًا ففيه قولان، أو طويلًا خفيفًا ففيه قولان أيضًا. وحكى أبو الحسن اللخمي في هذه الصورة استحباب الوضوء، (٦) والقولان فيهما كما ذكرناه (٧).
_________________
(١) لعله يشير إلى حديث صفوان بن عسال قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأَمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لاَ نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أَيَّام وَلَيَاليهِنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ من غَائِطِ وَبَوْلِ وَنَوْم" أخرجه الترمذي في الطهارة (٩٦) واللفظ له، والنسائي في الطهارة (١٢٧) وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثْ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) في (ر) و(ق) ويعتمد.
(٣) في (ص) وجب ذلك.
(٤) لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ إلا عند الدارمي بلفظ أقرب عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إنَّمَا الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإذَا نَامَتْ الْعَيْنُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ". وأخرجه بألفاظ قريبة أبو داود في الطهارة ١٧٥، وابن ماجه في الطهارة ٤٧٠، وأحمد في مسنده ٤/ ٩٦.
(٥) ساقط من (ر) و(ص).
(٦) التبصرة: ١٧.
(٧) في (ق) و(م) والقولان فيما ذكرنا.
[ ١ / ٢٥١ ]
وسبب الخلاف في الصورتين البناء على من أيقن بالوضوء وشك في الحدث، وفيه خلاف في المذهب؛ فمن أوجب الوضوء بالشك أوجبه في هاتين الصورتين لأن القصير (١) يقتضي عدم خروج الحدث إلا أن يشعر به والثقيل يقتضي خروجه، فقد اجتمع هاهنا [الأمران] (٢)؛ موجب ومسقط. فكانا يتحرى إن شكا (٣)، وكذلك في الصورة الثانية. ومن أسقط الوضوء عن الشاك أسقطه في الصورتين.
والطريقة الثانية الالتفات إلى الهيئات فإن كانت هيئة النائم تقتضي خروج الحدث والطول- كالساجد- وجب (٤) الوضوء، وإن كانت لا تقتضي ذلك كالقائم والمحتبي (٥) غير مستند لم يجب [الوضوء] (٦)، وإن كانت تقتضي (٧) خروج الحدث ولا تقتضي (٨) الطول كالراكع ففيه قولان: وإن كانت تقتضي الطول دون خروج الحدث كالجالس المستند (٩) ففيه قولان، وهذا كالأول. ولكن (١٠) هذه الطريقة أوفق بمقتضى (١١) الروايات.
(وجوب الوضوء بالجنون والسكر والإغماء)
وأما فقدان العقل بالجنون والسكر والإغماء فيوجب الوضوء على أي حالة كان، لأنه يقتضي عدم العلم بخروج (١٢) الحدث. وأراد أبو الحسن
_________________
(١) في (ر) و(ص) القصر.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (ر) فكان يتم إن شكا وفي (م) و(ص) غير مقروء.
(٤) في (م) وجوب.
(٥) في (ص) لم تجب كالقائم والمحتبي.
(٦) ساقط من (م) و(ق).
(٧) في (ق) يقتضي.
(٨) في (ق) يقتضي.
(٩) في (م) مستند.
(١٠) في (م) لكن.
(١١) في (ر) لمقتضاء.
(١٢) في (م) لأنه يقتضي خروج.
[ ١ / ٢٥٢ ]
اللخمي أن يجعل فيه خلافًا إذا لم يطل، وعول في ذلك على كلام القاضي أبي محمد (١) أن ذلك سبب حدث (٢). وهذا الذي قاله ليس بشيء، لأن القاضي لما قال إنه سبب للحديث [ساوى بين قليله وكثيره في نقض الوضوء، وفرق في النوم. وإنما أراد به] (٣) [أنه سبب حدث] (٤) لكنه سبب يقتضيه ولا بد (٥)، وذلك حقيقة السببية (٦).
(هل تنقض الطهارة الكبرى بفقدان العقل؟)
وهل يقتضي فقدان العقل نقض الطهارة الكبرى؟ المشهور أنه لا يقتضيه. ورأى ابن حبيب أنه يقتضيه في حق المصروع، لأنه رأى أن الغالب خروج المني من أهل هذه العلة متى صرعوا. وهذا إنما يعول فيه (٧) على وجدان المني بعد الإفاقة وعدم وجدانه. والمشهور أيضًا من المذهب أن المني متى عري (٨) عن اللذة لم يوجب غسلًا على ما نفصله [بعد] (٩).
فصل (حكم لمس المرأة)
ويلحق اللمس بسبب الأحداث، وإن أخره في الكتاب. وهو (١٠) يوجب عند مالك ﵀ - إذا كان غير عار من اللذة- نقض الوضوء.
_________________
(١) في (ص) القاضي أبي محمد عبد الرهاب.
(٢) التبصرة: ١٧.
(٣) ساقط من (م) و(ق) و(ص).
(٤) ساقط من (ص).
(٥) في (ق) و(ر) و(م) فلا بد.
(٦) في (ق) التشبيه (م) الشبيه.
(٧) في (ص) إنما يعدل فيه إلى وجدان.
(٨) في (ص) ما عرى.
(٩) ساقط من (م).
(١٠) في (ر) وهل.
[ ١ / ٢٥٣ ]
والمعتمد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). وتفصيل المذهب (٢) أن اللمس لا يخلو من أربع صور؛ إحداها: أن يقصد به اللذة وتوجد، فيجب الوضوء بلا خلاف. والثانية: أن يجد ولا يقصد، فكذلك أيضًا (٣) يجب الوضوء. والثالثة: ألا يقصد ولا يجد، فلا يجب الوضوء. والرابعة: أن يقصد ولا يجد فيها، هنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء. والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: الإيجاب والإسقاط، وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء هل يرفض (٤) بالنية، وفي المذهب في ذلك قولان. وهذا الذي يعولون عليه (٥) ليس بشيء، لأن اللمس هاهنا قد وجد منه فعلًا (٦) بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل.
وهذا التفصيل المتقدم في حق اللامس، وأما الملموس فلا تفصيل فيه، وإنما يقال إن وجد اللذة توضأ وإن لم يجد فلا وضوء عليه.
(حكم القبلة)
وكذلك أيضًا لا تفصيل أيضًا في القبلة على الفم على المشهور من المذهب، بل توجب الوضوء إذا كانت فيمن توجد اللذة بقبلته على الإطلاق. وهذا لأن الغالب وجود اللذة بها، فإن شذت نادرة فلا يلتفت إليها. وقيل: هي بمنزلة اللمس؛ فإن فقدت اللذة والقصد إليها لم ينتقض الوضوء، وهذا على الخلاف هل تراعى الصور النادرة أو يعطي الحكم للغالب. ومتى كان اللمس دون حائل فإنما يراعى فيه وجود اللذة [فيجب الوضوء] (٧)، أو (٨) فقدانها فلا يجب.
_________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) في (م) فكذلك يوجب الوضوء أيضًا.
(٤) في (م) و(ق) هل يرتفض.
(٥) في (ق) و(م) عليه مطلوب لأن اللمس وفي (ص) عليه غير مطلوب.
(٦) في (ق) و(ر) فعل.
(٧) ساقط من (ق).
(٨) في (ق) و.
[ ١ / ٢٥٤ ]
(حكم الإنعاظ)
وأما الإنعاظ (١) من غير مس ففيه قولان: أحدهما: إيجاب الوضوء، والثاني: إسقاطه. قال الأشياخ: وإنما ينبغي أن ينظر الإنسان إلى حاله، فإن اعتاد وجود المذي متى كان منه ذلك توضأ، وإن اعتاد فقده لم يتوضأ.
(حكم اللذة من غير مس)
وأما اللَّذة من غير لمس كمن يتذكر (٢) فيتلذذ أو (٣) ينظر فيتلذذ، فإن كان عن ذلك مذي وجب الوضوء، وإن لم يكن مذي ولا إنعاظ لم يجب الوضوء على المشهور والمعروف من المذهب. وأوجبه أبو العباس الإبياني (٤) وابن بكير (٥). وهذا لا أصل له وهو يؤدي إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة.
_________________
(١) الإنعاظ من النعظ. يقال نَعَظَ الذكَرُ يَنْعَظُ نَعْظًا ونعَظًا ونُعُوظًا وأَنْعَظَ إذا قامَ وانْتَشَر، وأنعظ الرجل إذا اشتهى الجماع. والإنعاظ الشبق، وهو تشهي الجماع. انظر لسان العرب ٧/ ٤٦٤، والنهاية في غريب الحديث ٥/ ٨١.
(٢) في (ر) تذكر.
(٣) في (ر): و.
(٤) هو: عبد الله أبو العباس بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق التونسي المعروف بالإبياني بكسر الهمزة وتشديد الباء ويقال صوابه تخفيفها التميمي، كان عالم إفريقية من غير مدافع من شيوخ أهل العلم وحفاظ مذهب مالك يميل إلى مذهب الشافعي كان أبو محمد بن أبي زيد إذا نزلت به نازلة مشكلة كتب بها إليه يبينها إليه وكان قليل الفتوى .. توفي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة وقيل: سنة إحدى وستين وهو ابن مائة سنة غير أربعة أشهر الديباج المذهب: ١٣٦.
(٥) هو: محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي التميمي أبو بكير هو المشهور في اسمه ونسبه، وقيل: اسمه أحمد بن محمد بن بغدادي تفقه بإسماعيل القاضي كان فقيهًا جدليًا ولي القضاء. له كتاب في أحكام القرآن وكتاب الرضاع وكتاب مسائل الخلاف. توفي سنة خمس وثلاثمائة وسنه خمسون سنة، الديباج المذهب ص: ٢٤٣، الشجرة: ٧٨ (١٣٣).
[ ١ / ٢٥٥ ]
فصل (في حكم من يعتريه المذي)
وأما الأحداث التي قدمنا تَعدادها فإن خرجت على وجه العادة أوجبت (١) الوضوء بإجماع، وإن خرجت على غير العادة كالمستنكح، فلا يخلو من كانت به تلك العلة من أن يقدر على رفعها كمن يعتريه المذي لطول عزبة (٢) وهو قادر على إزالة العزبة بالتزويج أو التسري [أو لا يقدر على رفعها كمن لا يمكنه التزويج أو التسري] (٣)، وكمن يعتريه ذلك لإبرَدة (٤) أو يعتريه شيء من الأحداث ويلازمه، فإن قدر على إزالة (٥) ذلك بالتداوي كما قلنا ففيه قولان: المشهور إيجاب الوضوء، لأن قدرته على الرفع تلحق ذلك بالمعتاد، والشاذ إسقاط الوضوء لأنه خارج على غير العادة فأشبه من لا يقدر. وقد يقال هاهنا أن هذا على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ وإن كان لا يقدر على الرفع فلا يخلو من أن يلازمه ذلك ولا يفارقه، أو يفارقه في بعض الأوقات (٦) ويلازمه في بعضها؛ فإن لازم ولم يفارق فلا يجب الوضوء منه ولا يستحب، لأنه لا معنى للوضوء وهو يسيل (٧) معه بعد (٨) فراغه، وإن كان يلازم ويفارق فلا يخلو من ثلاث صور؛ إحداها: أن تكون ملازمته أكثر، فهذا يستحب منه الوضوء ولا يجب. والثانية: أن تكون مفارقته أكثر، فهذا فيه قولان: المشهور إيجاب الوضوء، والشاذ -وهو رأي جماعة من البغداديين- إسقاطه، وهو خلاف في حصول الحرج بذلك. فمن رآه حاصلا أسقطه، ومن رآه غير حاصل لم يسقط (٩) بذلك الوجوب.
_________________
(١) في (ق) أوجب و(م) وجب.
(٢) جاء في لسان العرب ١/ ٥٩٥ امرأَة عَزَبةٌ وعَزَبٌ: لا زَوْجَ لها.
(٣) ساقط من (ق) و(م).
(٤) الإِبْرِدَةُ: بَرْدٌ في الجوف. انظر لسان العرب ٣/ ٨٣.
(٥) في (ص) رفع.
(٦) في (ص) و(ق) و(م) أحيان.
(٧) في (ق) و(ص) إذ هو يسيل، وفي (م) إذ هو يسير.
(٨) في (ر): وبعد.
(٩) في (ر) يسقطه.
[ ١ / ٢٥٦ ]
والثالثة: أن تكون ملازمته ومفارقته سيان (١)، فهاهنا قولان؛ أحدهما: الإيجاب (٢)، وهو (٣) شهادة [بأن الحرج غير (٤) حاصل، والثاني: الإسقاط وهو شهادة] (٥) بحصول الحرج. والبغداديون يرون أن هذه الأحداث إنما توجب متى خرجت على العادة، فإن خرجت على غير العادة (٦) وصارت علة فلا يتعلق عليها حكم على كل الأحوال.
واختلف في إسقاط (٧) الوضوء هل يكون ذلك رخصة للإنسان في نفسه لا يتعداه، أو سقوط (٨) ذلك يجعل الخارج كالعدم؟ فيه قولان، وعليه يختلف هل يجوز له الإمامة لغيره وكذلك الحكم في من كانت تنفصل (٩) عنه النجاسة لا يقدر على الاحتراز منها، كمن به قروح؛ ففيه قولان (١٠): هل تجوز له الإمامة أو لا؟ وقد أخبر عمر ﵁ أنه يجد ذلك في الصلاة فلا ينصرف حتى يقضي صلاته، وهذا يشعر بكونه مستنكحًا. وقد كان إمامًا، ولم يذكر أنه ترك الإمامة بسبب ذلك. وهذا يشهد لأحد القولين. وفي المدونة عنه هذا وعنه الأمر بغسله والوضوء منه (١١) وتأول بعض الأشياخ على أن إخباره [عنه] (١٢) على حالتين مختلفتين، وهذا لا يفتقر إليه لأنه إنما أخبر في أحد الأثرين عن حالته (١٣)، وأمر في الأثر الثاني غيره. فتكلم على حكم نفسه في الاستنكاح وعلى حكم غيره إذا لم
_________________
(١) في (م) سنين.
(٢) في (ق) الوجوب.
(٣) في (ق) وهي.
(٤) ساقط من (ص).
(٥) ساقط من (م) و(ق).
(٦) في (ص) و(م) فإن خالفت العادة.
(٧) في (ص) إذا سقط.
(٨) في (ص) أو بسقوط.
(٩) في (م) في من كانت عادته تنفصل:.
(١٠) في (م) و(ق) أحدهما.
(١١) المدونة ١/ ١١.
(١٢) ساقط من (ص) و(م).
(١٣) في (م) حاله.
[ ١ / ٢٥٧ ]
يكن مستنكحًا. وقد تقدم القولان في الردة هل تنقض الوضوء أم لا؟
وسبب الخلاف اختلاف آيتين؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١)، وهذا يقتضي الإحباط [بنفس الارتداد] (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (٣)، فقد اشترط الوفاة على الارتداد. وهذا يقتضي أنه لا يكون الإحباط (٤) بنفس الردة. ويعتذر هؤلاء عن الآية الأخرى (٥) بأن المخاطب بها الرسول - ﷺ -. ولما كانت معرفته أكثر طرقًا (٦) كانت عقوبته لو تصورت الردة أشدّ. واعتذر الأولون عن هذا بأن المخاطب الرسول - ﷺ - والمراد غيره، لأنه - ﷺ - لا تصح عليه الردة. وهكذا اختلف في حكم المرتد (٧) إذا عاد إلى الإسلام هل يعود كأنه لم يزل مسلمًا، أو يكون كمبتدئ الإسلام الآن؟
وأما الاختلاف في الرفض فسببه أن النية فرض في الوضوء على المشهور من المذهب، لكن هل المقصود بها تصحيح الفعل (٨) وقد حصل (٩) ذلك، أو تكون كجزء من أجزاء الوضوء يجب استصحاب حكمها ما دام وضوؤه (١٠) باقيًا؟ فإذا أتى بما يناقضها (١١) كان ذلك كبطلان جزء من أجزاء الوضوء، وبطلان جزء منه كبطلان جميعه.
_________________
(١) الزمر: ٦٥.
(٢) ساقط من (ص) و(ق) و(م).
(٣) البقرة: ٢١٧.
(٤) في (ق) و(م) و(ص) الحبوط.
(٥) في (م) الآخرة.
(٦) كذا في (ر) و(ق) و(ص)، وفي (م) طرفًا.
(٧) في (ر) أحكام الردة.
(٨) في (م) و(ق) العقل.
(٩) في (ق) يحصل.
(١٠) في (م) و(ق) فرضه.
(١١) في (ص) ينقضها.
[ ١ / ٢٥٨ ]
([فصل] (١) هل يكون المذي بمنزلة البول والودي؟)
وقد اختلف في المذي هل يكون بمنزلة البول والودي، أو يختص بأحكام ينفرد بها؟ وإذا قلنا إنه بمنزلتهما فلا تفريع، وإذا قلنا إنه يخالفهما ففي أي شيء تقع المخالفة؟ المشهور أنه لا يجوز (٢) فيه الاستجمار بالحجارة، لأنه في الغالب إنما يأتي مستجلبًا بخلاف البول والغائط فإنهما (٣) يخرجان بطبع (٤) الغذاء. والمشهور أيضًا من مذهب المغاربة (٥) من المالكية أنه يغسل منه جميع الذكر، ومذهب البغداديين أنه يجزي منه غسل موضع الأذى.
وسبب الخلاف [ما ورد] (٦) في الحديث من قوله - ﷺ -: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ" (٧)، والذكر له أول وآخر. وبين الأصوليين خلاف في الأسماء هل تحمل على الأوائل أو على الأواخر؟ فمن حملها على الأوائل قال يُقصر الغسل على مخرج الأذى، ومن حملها على الأواخر قال بغسل جميعه.
(حكم من صلى وقد غسل ذكره بلا نية)
واختلف القائلون بغسل جميعه هل يفتقر إلى نية أم لا؟ وسبب الخلاف هل غسل جميعه تعبد، أو هي عبادة تعدت محل سببها فأشبهت (٨)
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) لا يجتزي.
(٣) في (ر) فإنما.
(٤) في (ص) بسبب.
(٥) يقصد بالمغاربة، علماء المدرسة المالكية بالغرب الإسلامي كابن أبي زيد القيرواني والقابسي وابن الباد والباجي واللخمي وابن محرز وابن عبد البر وابن رشد وغيرهم. انظر شرح الخرشي على خليل ١/ ٤٨ ومواهب الجليل ١/ ٤٠.
(٦) ساقط من (م).
(٧) أخرجه البخاري في الغسل (٢٩٠)، ومسلم في الحيض (٣٠٦).
(٨) في (ر) عبادة محضة تحل سببها فأشبهت. وفي (ق) عبادة محضة فأشبه.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الوضوء والغسل في افتقارهما إلى النية؟ أو غسله لتنقطع مادة المذي فلا يفتقر إلى نية؟
واختلف القائلون بالافتقار إلى النية لو صلى وقد غسله بلا نية؛ هل يعيد الصلاة أم لا؟ ومقتضى إيجاب النية أن يعيد الصلاة، وترك الإعادة مراعاة الخلاف. واستقرأ بعض المتأخرين من المدونة أنه يغسل الذكر من المذي عند إرادة الوضوء، فإن غسله قبل ذلك لم يجزه وعوَّل في ذلك على قوله في المدونة: ولا يلزم غسل الأنثيين عند الوضوء، إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، وإنما عليه غسل ذكره (١). فعوَّل على هذا الكلام ظانًا أن مراده إنما عليه غسل ذكره إذا أراد الوضوء. وهذا الاستقراء فيه بُعْدٌ، لأن مراده أنه لا يغسل الأنثيين وإنما يغسل الذكر خاصة. وقوله: إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، يقتضي أنهما مع الشك هل أصاب الجسد نجاسة (٢) فيغسله، بخلاف الثوب فإن الثوب يجزي فيه النضح. وفي الجسد قولان: أحدهما: إجزاء النضح، والثاني: وجوب الغسل.
ونقل بعض المتأخرين (٣) ما في المدونة على تحقيق الإصابة فقال إلا أن يصيبهما (٤) شيء.
والمذي ماء إلى الصفرة أميل بين الدقة (٥) والثخانة يخرج عند اللذة الصغرى كالقبلة والمباشرة.
والودي ماء إلى البياض أميل وفيه ثخانة يخرج عقيب (٦) البول، فقد يعتريه من كثرة البردة (٧)، أو من حصار (٨) عن النكاح.
_________________
(١) المدونة ١/ ١٢.
(٢) في (ق) نجاسة أم لا يغسله، وفي (ر) نجاسة أم لا فيغسله.
(٣) في (ر) المختصرين.
(٤) في (ق) و(م) يصيبها.
(٥) في (ق) الرقة.
(٦) في (ص) عقب.
(٧) في (ص) ويعتري من إبردة.
(٨) بياض في (ق) و(ر)، وفي (ص) حمام. ولعل الصواب "حصار" كما أثبته في المتن.
[ ١ / ٢٦٠ ]
والمني الموجب للغسل ثخين أبيض في الغالب يخرج عند اللذة الكبرى ورائحته كرائحة الطلع وكرائحة العجين.
فصل (في حكم الشاك في الوضوء)
والشاك في الوضوء لا يخلو شكه من أن يكون في جملة الوضوء أو في بعضه، ولا يخلو من أن يكون سالم الخاطر أو مُوَسْوَسًا (١)؛ فإن شك في الجملة وهو سالم الخاطر فلا يخلو [شكه] (٢) من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يوقن بالحدث ويشك هل توضأ بعده فيجب عليه الوضوء بإجماع. والثاني: أن يوقن بالوضوء ويشك في الحدث، فهذا فيه قولان: أحدهما: الإيجاب للوضوء، والثاني: استحبابه. [والقسم الثالث أن يشك في الحدث والوضوء جميعًا، فهذا يطرح ما شك فيه ويبني على ما كان حاله قبل الشك؛ فإن كان محدثًا لزمه الوضوء، وإن (٣) كان متوضئًا كان كالقسم الثاني] (٤). وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب خمسة أقوال فيمن أيقن بالوضوء وشكَّ في الحدث: أحدها: وجوب الوضوء، والثاني: إسقاطه. والثالث: استحبابه، والرابع: وجوبه إلا أن يكون في صلاة، والخامس التفرقة بين أن يستند شكه إلى سبب متقدم أو سبب في الحال؛ فإن استند شكه إلى سبب متقدم [كمن شك هل كان أحدث قبل وقته فيجب عليه الوضوء، وإن استند إلى سبب في الوقت] (٥) كمن شك هل خرج منه ريح أم لا فإنه يعتبر هل سمع صوتًا أو وجد ريحًا، فإن لم ير أثرًا من ذلك فلا وضوء عليه.
وهذا لا يوجد في المذهب على ما حكاه أبو الحسن اللخمي من
_________________
(١) في (ق) مشوشًا.
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) التبصرة: ٢٠.
(٤) ساقط من (ق) و(م).
(٥) ساقط من (ص).
[ ١ / ٢٦١ ]
الخمسة الأقوال. وإنما في المدونة القولان (١) خاصة، ومن قال بإسقاط الوضوء لا شك أنه يستحبه، ومن يفرق بين الصلاة وغيرها فإنما يبني على أنه مستحب فلا يقطع الصلاة بسببه.
وسبب القولين استصحاب حالتين: أحدهما: وجوب الصلاة في ذمته فلا يخرج عنها إلا بوضوء متيقن، والثاني: وجود الوضوء فلا ينتقض إلا بتيقن الزوال وإن شك في البعض. والأصل أنه لم يقع فلا يبرأ (٢) إلا بكماله، فتجب عليه الإعادة، وهذا كله إذا لم يكن مُوَسْوَسًا (٣). فإن كان مُوَسْوَسًا فانه يبني على أول خاطره، فإن سبق إلى نفسه أنه أكمل فلا يعيد، وإن سبق إلى نفسه أنه لم يكمل أعاد، لأنه في الخاطر الأول مشابه للعقلاء (٤)، وفي الثاني مفارق لهم.
فصل (في طهارة سؤر الحائض والجنب)
وقد تقدم أن كل حي (٥) طاهر، فسؤر الحائض والجنب طاهر. وقد تقدم حكم من عادته يستعمل النجاسة، والنصراني من ذلك القبيل.
فصل (في حكم ترتيب الوضوء)
وقد تقدم أن ترتيب الوضوء سنة وهو المشهور، وفي المذهب قولان آخران: أحدهما: أنه فرض، والثاني: أنه يجب مع الذكر ويسقط مع
_________________
(١) في (ق) و(ر) في المذهب قولان.
(٢) في (ق) و(م) فلا يبرأ منه.
(٣) في (م) مشوشًا.
(٤) في (ص) مشابه العقلاء و(م) و(ر) مشابهًا للعقلاء.
(٥) في (ص) حيوان.
[ ١ / ٢٦٢ ]
النسيان. فإن قلنا بالفرضية فمن نكس بطل وضوءه ولا تجزيه الصلاة بالوضوء المنكس، وإن فرقنا بين العمد والنسيان أجزأه مع النسيان دون العمد، وإن بنينا على المشهور من المذهب فإن صلى أجزأته صلاته. وهل (١) يعيد الوضوء؟ إن كان عامدًا (٢) أعاده من أوله ليأتي بالسنة على وجهها، وإن كان ناسيًا فلا يخلو أن يكون بحضرة الماء أو بعد أن تباعد عنه؛ فإن كان بحضرة (٣) الماء أعاد ما نكس وما يليه، وإن تباعد وكان مثلا (٤) غسل يديه [قبل وجهه] (٥) ثم مسح برأسه وغسل رجليه فمذهب ابن القاسم أنه يعيد غسل يديه خاصة، ومذهب ابن حبيب أنه يعيد اليدين وما بعدهما (٦). وقد اعترض بعض الأشياخ قول ابن القاسم ورأوا أنه لا يحصل بذلك الترتيب بل يبقى على فساده (٧)؛ لأنه إذا أعاد اليدين خاصة صارتا واقعتين بين الرأس والرجلين وذلك فساد للترتيب.
وإنما أوتي على هؤلاء من قبل أنهم ظنوا إعادة اليدين للترتيب [الذي] (٨) بينهما وبين سائر الأعضاء، وإعادتهما هاهنا إنما هي لتقع بعد الوجه، وإلا فقد حصل الترتيب بينهما وبين الرأس والرجلين بالغسل (٩) الأول، وإنما فساد الترتيب بينهما وبين الوجه كما قلناه، فإذا أعادهما (١٠) ذهب ذلك الفساد.
_________________
(١) في (ق) وهو.
(٢) في (ر) عمدًا.
(٣) في (ص) و(ق) و(م) يقرب.
(٤) في (ق) تباعد كان مثل من غسل قبل وجهه.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) انظر النوادر والزيادات ١/ ٣٢.
(٧) في (ر): فساد.
(٨) ساقط من (ص) و(م) و(ق).
(٩) في (ق) لا للغسل وفي (م) للغسل.
(١٠) في (ق) و(م) أعدناه و(ص) أعيد.
[ ١ / ٢٦٣ ]
فصل (في حكم المضمضة والاستنشاق)
وقد قدمنا أن المضمضة والاستنشاق سنتان، فمن تركهما لم يبطل وضوؤه ولا صلاته؛ هذا إذا تركهما ناسيًا، فإن تركهما متعمدًا فينبغي أن يختلف في (١) ذلك على الخلاف فيمن ترك السنن متعمدا. ولا خلاف أنه لا يعيد (٢) الصلاة بعد الوقت. وإنما وقع الخلاف في المذهب في الإعادة (٣) في الوقت. ويمكن أن يقال ليس يلزم إذا قيل في سنة تجب الإعادة بعد الوقت أن يلزم (٤) ذلك في كل سنة، لأن السنن متباينة الترتيب في التأكيد. وحقيقة ما يعاد من السنن المتروكة في الوضوء وما لا يعاد أن كل سنة متى تركت ولم يؤت [بها] (٥) في محلها بعوض فإنها تعاد (٦)؛ وهذا كالمضمضة (٧) ومسح داخل الأذنين، والترتيب. وكل سنة عوضت (٨) في محلها كغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وكمسح الرأس عائدًا من المؤخر إلى المقدم فلا يعاد، لأن محله قد حصل فيه الغسل والمسح. وتَكرار (٩) المضمضة والاستنشاق على ما قدمناه في تكرار المغسول. وله أن يجمعهما في غرفة واحدة أو يفرقهما فيأتي بكل واحد منهما بغرفة.
(حكم ترك مسح داخل الأذنين)
وأما داخل الأذنين فلا خلاف أنهما سنتان؛ فمن ترك مسحهما لم تبطل طهارته (١٠) على ما قدمناه في المضمضة والاستنشاق، ويعيدهما لما
_________________
(١) في (ق) و(م) فيه.
(٢) في (ص) أنه يعيد.
(٣) في (ق) و(م) الاعاد.
(٤) في (ص) إذ يلزم، و(ق) و(م) يلزم.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) فإنها لا تعاد وفي (م) فإنه تعاد.
(٧) في (ص) كالمضمضة والاستنشاق.
(٨) في (ر): عرضت.
(٩) في (م) وتكون.
(١٠) في (ص) صلاته.
[ ١ / ٢٦٤ ]
يستقبل. وأما خارج الأذنين ففيهما قولان: أحدهما: أن مسحهما فرض، والثاني: أنه سنة. وفي الحديث: "الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ" (١)، ويحتمل أن يريد بذلك أنهما تمسحان كمسحه أو هما مفروضتان كفرضيته (٢). والمعول على كونهما سنة على قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٣).
والأذنان لا تنطلق عليهما التسمية حقيقة، وأما هذا الحديث فلم يثبت. وإذا قلنا إنهما فرض؛ فإن تركا فالمشهور صحة الصلاة لأنهما ممسوحتان من الرأس، والممسوح مبني على التخفيف وليسارتهما، وقال ابن الجلاب: القياس يوجب الإعادة. وكأنه يوجب تعميم الرأس بالمسح، وإن تركهما كان كتارك [مسح] (٤) بعض رأسه. ويجدد لهما الماء، فإن لم يجدِّد فلا يعيد كما قدمناه. وفي المذهب قول أنه لا يجدد.
فصل (في حكم ترك مسح بعض الرأس)
وفي تارك مسح بعض رأسه أربعة أقوال: المشهور: أنه لا يجزيه، والثاني: أنه يجزيه إن مسح الثلثين، قاله محمد ابن مسلمة (٥)، والثالث: أنه
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الطهارة (٣٧)، وأبو داود في الطهارة (١٣٤)، وابن ماجه في الطهارة (٣٤٣) وقَالَ الترمذي: قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: لاَ أَدْرِي هَذَا من قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ، وقال أبو داود: قَالَ حَمَّادٌ: لاَ أَدْرِي هُذَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - أو مِنْ أبِي أُمَامَةَ يَعْني قِصةَ الأُذُنَيْنِ، وصححه الألباني في السلسلة ٣٦.
(٢) في (ص) كفرضه وفي (ق) كفريضته.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) ساقط من (ر) و(ق).
(٥) هو: محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل أبو هشام [وهشام هذا هو أمير المدينة الذي نسب إليه مد هشام] روى محمد هذا عن مالك وتفقه عنده وكان أحد فقهاء المدينة ومن أفقه أصحاب مالك، له كتب فقه أخذت عنه. وهو ثقة مأمون حجة، جمع العلم والورع. توفي سنة ست ومائتين. الديباج المذهب ص: ٢٢٧ وشجرة النور ص: ٥٦ (١٠) وفيها سلمة وهو خطأ.
[ ١ / ٢٦٥ ]
يجزيه إن مسح الثلث، قاله أبو الفرج، والرابع: أنه يجزيه إن مسح مقدم رأسه خاصة، ولا يجزيه في غيره، رواه أشهب عن مالك. وكان وجوب مسح الجميع [يقتضي] (١) ألا يجزيه البعض، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) إذا قلنا ليس المراد (٣) بذلك البعض بل الجميع، وإن قلنا المراد البعض فينبغي أن تجزي الشعرة الواحدة كما قال الشافعي. لكن هذه (٤) الأقوال التي في المذهب بناءً على أن مبنى المسح على التخفيف فأكثره يجزي عن أقله. وفي المذهب (٥) قولان في الثلث هل هو في حد الكثير أو في حدِّ القليل (٦). وأما رواية أشهب فلما روي أن رسول الله - ﷺ - "مَسَحَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ" (٧)، فقصره (٨) على ما ورد.
فصل (حكم الموالاة)
وقد قدمنا أن الموالاة فرض مع الذكر. والموالاة أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق، وفي المذهب في ذلك خمسة أقوال: أحدها: وجوب الموالاة على الإطلاق، والثاني: إسقاطها على الإطلاق،
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ص).
(٢) المائدة: ٦.
(٣) في (ق) أن المراد.
(٤) في (ق) و(م) لأن هذه وفي (ص) لكنه ذهب.
(٥) في (م) المدونة.
(٦) في (م) اليسير.
(٧) أخرجه أبو داود في الطهارة (١٤٧)، وابن ماجه في الطهارة (٥٦٤٩، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٥) كلهم بلفظ قريب. ولفظه عند أبي داود: "عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ وَعَلَيهِ عِمَامَةْ قِطرِيَّةٌ فَأدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ"، وقال الحاكم: هذا الحديث وإن لم يكن إسناده من شرط الكتاب فإن فيه لفظة غريبة وهي أنه مسح على بعض الرأس ولم يمسح على عمامته.
(٨) في (ص) مسح على الناصية فقضى.
[ ١ / ٢٦٦ ]
والثالث: التفرقة بين أن يتركها لعذر أو لغير عذر (١)، والرابع: أنها تؤثر (٢) بين المغسولات دون الممسوحات من غير مراعاة الممسوح ما كان، والخامس: أنها تؤثر بين المغسولات والممسوحات إذا كانت الممسوحات بدلًا كمسح الخفين والمسح في التيمم، ولا تؤثر إذا كان الممسوح أصلًا كالرأس، وإنما يجري على قانون الأصول.
وأما القول بوجوب الموالاة وبإسقاطها، بالتفرقة (٣) بين العذر وغيره.
وسبب الخلاف بين الوجوب والسقوط مبني على خلاف الأصوليين في الأمر هل يقتضي الفور أو للمكلف (٤) التراخي؛ فإن قلنا إنه يقتضي الفور وجبت الموالاة، وإن قلنا إنه يقتضي التراخي لم تجب. وكذلك أيضًا وضوؤه (٥) - ﷺ - ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٦) وقد والى؛ فإن كانت الإشارة إلى الفعل وصفته وجبت الموالاة، وإن كانت الإشارة إلى مجرد الفعل لم تجب. وعلى هذا أيضًا يجري الخلاف في الترتيب لأنه - ﷺ - توضأ مرة ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". وأما الالتفات إلى جهة المعنى فإن غلبنا على الوضوء حكم النظافة لم تجب الموالاة، وإن غلبنا عليه حكم العبادات أوجبنا الموالاة كالصلاة. وأما
_________________
(١) في (ق) لعمد أو لعذر.
(٢) في (ر) تؤثر التفرقة.
(٣) في (م) "أو إسقاطها أو بالتفرقة"، وفي (ص) "أو بإسقاطها وبالتفرقة". والمعنى لم يتضح لي من هذا.
(٤) في (م) فيه.
(٥) في (م) و(ق) وصفه.
(٦) أخرجه ابن ماجه في الطهارة (٤١٩) بلفظ قريب، ونصه عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: "تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَقَالَ: "هَذَا وُضُوءُ مَن لاَ يَقْبَلُ الله مِنْهُ صَلَاة اِلاَّ بِهِ" ثُمَّ تَوَضَّأَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَقَالَ: "هَذَا وُضُوءُ الْقَدْرِ مِن الْوُضُوءِ"، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلاَثًا وَقَالَ: "هَذَا أَسْبَغُ الْوُضُوءِ وَهُوَ وُضُوئِي وَوُضُوءُ خَلِيلِ اللهِ إبْرَاهِيمَ، وَمَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا ثُمَّ قالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ أَشهَدُ أن لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ فُتِحَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ من أَيِّهّا شَاءَ".
[ ١ / ٢٦٧ ]
التفرقة بين العذر وغيره فلأنه يرى أن باب الموالاة [من] (١) باب المنهيات، والمنهيات يُتَفَرَّقُ (٢) بين عمدها ونسيانها قياسًا على الكلام في الصلاة فإنه يفرق بين عمده وسهوه. وأما التفرقة بين الممسوح والمغسول فلأن الممسوح مبناه على التخفيف وقياس هذا يقتضي أنه لا يفسد بترك الموالاة. ومن فرق بين أن يكون الممسوح أصلًا أو الممسوح بدلًا، فلأن الممسوح إذا كان بدلًا يعطى (٣) حكم أصله وهو المغسول.
وإذا فرقنا بين العذر وغيره فما هو العذر؟ لا يخلو أن يكون نسيانًا أو عجز ماء؛ فأما النسيان فلا خلاف (٤) في المذهب المشهور أنه يعذر به، وأما عجز الماء فإن ابتدأ بما ظن أنه كفايته فعجز عنه ففيه قولان: أحدهما: أنه يعذر بذلك، والآخر: أنه لا يعذر به. وهذا على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ فإن ابتدأ بماء كاف بلا شك فغصب (٥) أو أهريق له، فالصحيح أن يعذر به. وفي المذهب قول لبعض المتأخرين أنه لا يعذر به. وهذا أولى بالعذر من الناسي لأن الناسي معه بعض تفريط وهذا غير مفرط.
(حكم مسح الرأس وعليه حائل)
ولا يجزي من مسح رأسه على (٦) حائل كالمرأة تمسح على خمارها أو على حناء، أو رجل مسح على عمامته. فإن وقع ذلك ثم صلى بذلك الوضوء لم تصح الصلاة.
وهل يُبطل الوضوء؟ إن (٧) فعل ذلك عمدًا [أبطل الوضوء] (٨) على
_________________
(١) في (م) وساقط من (ر).
(٢) في (ق) و(م) و(ص) يفترق.
(٣) في (م) (ق) لا يعطي.
(٤) في (ص) فالخلاف.
(٥) في (ص) و(ر) فغصبه.
(٦) في (ر) و(ق) و(ص) دون.
(٧) في (ر) ذلك إن.
(٨) ساقط من (ر).
[ ١ / ٢٦٨ ]
المشهور من المذهب (١)، [وإن فعل ذلك سهوًا لم يبطل الوضوء] (٢)، وإن فعل ذلك جهلًا ففي المذهب قولان في الجاهل؛ هل حكمه حكم المتعمد أو حكم الناسي؟
وقد قال مالك في الكتاب في الماسحة على خمارها أنها تعيد الوضوء والصلاة (٣). قالوا وإنما أعادت الوضوء لأنها جاهلة، وهذا أحد القولين اللذين ذكرناهما. وفي المدونة في من صلى وذكر في الصلاة أنه نسي مسح رأسه فلا يجزيه أن يمسح رأسه بما في لحيته من بلل (٤). وهذا لا شك (٥) أنه يقطع الصلاة لأنه صلي بوضوء ناقص، وإذا قطع فإن كان ليس في لحيته من الماء (٦) ما يكفي لمسح رأسه فلا شك أنه يطلب الماء لذلك، وإن كان فيها من البلل ما يكفي لمسحه فهل يمسح بذلك أم لا؟ أما إن كان بحضرة ماء فإنه لا يمسح بذلك. وأما إن بعد عن الماء فيجري على الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل، وقد تقدم.
وإن طال (٧) طلب هذا الماء فهل تبطل طهارته (٨) أم لا؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: الإبطال، والثاني: أنها لا تبطل. وهو على ما قدمناه من الخلاف فيمن غصب ماؤه أو أهريق (٩).
_________________
(١) في (ر) المذهب إن فعل ذلك عمدًا بطل الوضوء.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) المدونة ١/ ١٦.
(٤) انظر المدونة ١/ ١٧.
(٥) في (م) لا إشكال.
(٦) في (ص) من البلل.
(٧) في (م) كان.
(٨) في (ص) صلاته.
(٩) في (م) أسرق.
[ ١ / ٢٦٩ ]
[فصل] (١)
وإذا قلنا إن من عجز ماؤه لا يبني، وإنه إن طال طلبه للماء ابتدء، وإن قرب بني.
وما حد القرب؟ فيه قولان: قيل: هو أن لا يجف وضوؤه في زمان معتدل، وقيل: ما يعد طولًا، وهذا هو الأصل. والحد بعدم الجفاف رفع للنزاع.
(حكم المسح بالمنديل بعد الوضوء)
وقال في المدونة لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء (٢). وإنما نبه على خلاف الشافعي، لأنه كره في أحد قوليه أن يمسح بالمنديل لأنه أثر عبادة فلا يزال كدم الشهيد.
(حكم تقليم الأظافر وحلق الرأس بعد الوضوء)
وفي المدونة في من قلم أظفاره أو حلق رأسه أنه ليس عليه أن يمسح (٣) إذا كان قد توضأ أولًا (٤). وقال عبد العزيز: هذا من لحن الفقه (٥). ويروى بفتح الحاء، والمراد به الصواب (٦)، ويحتمل أن يريد من صواب الفقه قول من قال بالإعادة، أو من صواب الفقه قول مالك لأنه قال لا يعيد. ويروى بإسكان الحاء وهو ينطلق على الصواب والخطإ؛ فإن حمل على الصواب كان كالأول، وإن حمل على خطإ
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) انظر المدونة ١/ ١٧.
(٣) في (م) يمسح عليه.
(٤) المدونة ١/ ١٧.
(٥) المصدر السابق.
(٦) قال في مواهب الجليل ١/ ٢١٥: اللحن بفتح الحاء المهملة معناه الصواب وأصله الفطنة وبسكونها معناه الخطأ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
احتمل أن يريد من خطإ الفقه قول مالك أنه لا يعيد، أو من خطئه قول من قال يعيد.
والذي يحكي أرباب مسائل الخلاف عن عبد العزيز أنه يقول بالإعادة، وفي المدونة في باب جامع الوضوء: وسمعت مالكًا يذكر قول الناسي في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، قال: فسمعته يقول قطر قطر! استنكارًا لذلك (١). وتقدم [له] (٢) نحو هذا الكلام في باب سلس البول والمذي. وقد اختلف الأشياخ هل كلامه في الناسي (٣) بيّن محمول على أنه ليس من شرط وجوب الوضوء من المذي أن يقطر أو يسيل؟ [أو على أنه في الناسي محمول على أنه ليس من شرط كمال الوضوء أن يقطر أو يسيل بل من شرطه الإصباغ؟ ولهذا قال في باب المذي: هل حد لكم مالك في هذا أنه لا يجزي ما لم يقطر أو يسيل] (٤).
وقوله يجزي يدل على أن مراده ما يجزي من الماء في الوضوء. وقيل كل كلام محمول على ما يليق ببابه؛ فالأول: المراد به المذي، والثاني: المراد به ما يجزي من الماء. ولهذا عقبه بأن قال وقد كان بعض من مضى (٥) يتوضأ بثلث المد. قالوا: يريد به مد هشام (٦)، ولم يرد به مدّ النبي - ﷺ -.
(حد ما يجزي من الماء)
ولا حدّ لكثير ما يجزي من الماء. وأما قليله ففيه قولان: أحدهما:
_________________
(١) المدونة ١/ ١٧.
(٢) ساقط في (ص).
(٣) في (ر): الماء وفي (ل) الباني.
(٤) ساقط من (ر) و(ص) و(ق).
(٥) في (ص) يقتدى.
(٦) هو: هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد المخزومي كان عامل عبد الملك بن مروان على المدينة. وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب. وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق. توفي بها سنة ثمان وثمانين هـ. البداية والنهاية ٩/ ٧٦.
[ ١ / ٢٧١ ]
أنه محدود بالمدّ (١) في الوضوء، والصاع (٢) في الغسل. والثاني: وهو المشهور أنه غير محدود.
ووجه الخلاف أنه - ﷺ - "كَانَ يَتَوَضَّاُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ" (٣). ويحتمل أن يكون فعل ذلك تنبيهًا على أقل ما يجزي أو لأن أقل ما يجزي ذلك المقدار.
وقد تقدم الكلام على حكم الشعور النابتة على الوجه. وفي الكتاب ها هنا تحريك اللحية من غير تخليل (٤)، قالوا وإنما حركت لئلا ينبو (٥) الماء عن الشعر.
فصل (حكم القلس والقيء)
والقلس هو ما يخرج عند الامتلاء إذا برد المزاج، وقد يكون فيه طعام غير متغير فهو ليس بنجس. لكنه إن خرج في الصلاة وكثر قطع. ليس لنجاسته بل لأنه مشغل (٦) عن الصلاة، وإن قل لم يقطع.
وأما القيء المتغير عن حال الطعام فهو نجس. وقال أبو الحسن
_________________
(١) المد بالضم وجمعه أمداد ومداد ومدد؛ ضرب من المكاييل التي كانت شائعة في المدينة قبل الإسلام وبعده. وهو جزء من الصاع يشكل ربعه. وقُدّر بملئ كفي الإنسان المعتدل. انظر هامش الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٥٦.
(٢) الصاع والصواع مكيال لأهل المدينة قبل الإسلام وبعده يقدر بأربعة أمداد.
(٣) أخرجه البخاري في الوضوء ٢٠١، ومسلم في الحيض ٣٢٥، والترمذي في الطهارة ٥٦ واللفظ له. كلهم عن أنس إلا الترمذي فعن سفينة. وقال الترمذي: حَدِيثُ سَفِينَةَ حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحُ.
(٤) المدونة ١/ ١٧.
(٥) في (م) يبقى.
(٦) في (م) و(ق) مشتغل.
[ ١ / ٢٧٢ ]
اللخمي: إذا شابه أحد أوصاف العذرة (١). وهذا غير صحيح لأنه إذا شابه ذلك عاد من جنس الرجيع. ولا يكون ذلك إلا لعلة ويخرج عن حدّ القيء. وقد اختلف المتأخرون هل يوجب إذا شابه الرجيع نقض الطهارة، وهو على خلاف في الصور النادرة هل تراعى أم لا؟
(مشروعية غسل موضع المحاجم)
وقد قال مالك في موضع المحاجم (٢) أنه يغسله، ولا يجزيه أن يمسحه. فإن مسحه وصلى أعاد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه. وهو دم يسير في مواضع كثيرة؛ فمن التفت إلى يسارته أسقط الإعادة، ومن التفت إلى كثرة مواضعه أوجبه. واختلف الأشياخ هل يعيد في الوقت وإن كان عامدًا ليسارته، أو يكون بمنزلة من صلى بنجاسة؟ فإن كان متعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت.
فصل (في أحكام النجاسة)
أحكام النجاسة في المذهب على أربعة أقسام:
قسم يزال عينه دون أثره إن شاء المكلف وهو ما على المخرجين وقد تقدم حكمه.
وقسم يزال الكثير منه واليسير، لكنه إن صلى بيسيره لم يعد كالدم. واختلف في المذهب في المقدار اليسير منه؛ فأما ما فوق الدرهم منه فهو
_________________
(١) التبصرة: ٢٢.
(٢) المحاجم: جمع محجم بالكسر، وهو: الآلة التي يجمع فيها دم الحِجامة عند المصّ، والمِحْجَمُ أَيضًا مِشْرَطُ الحَجَّام؛ ومنه الحديث: "لَعْقَةُ عَسلٍ أو شَرْطة مِحْجَمٍ"، وحِرفَتُه وفعلُه الحِجامةُ. والحَجْمُ: فعل الحاجم وهو الحَجَّامُ. واحْتَجَمَ: طلب الحِجامة، وهو مَحْجُومٌ، وقد احْتَجَمْتُ من الدم. انظر لسان العرب ١٢/ ١١٧.
[ ١ / ٢٧٣ ]
كثير بلا خلاف، وأما مقدار الخنصر فهو يسير، وما بين الخنصر إلى الدرهم ففيه قولان: قيل يسير قياسًا على المخرجين، وقيل هو كثير لأن الضرورة إنما تدعو غالبًا إلى مقدار الخنصر. وقسم لا يؤمر بإزالته إلا على طريق الاستحباب وهو كل ما تدعو الضرورة إليه، ولا يمكن الإنفكاك عنه، وهو الجرح يمصل (١) والدمل (٢) يسيل وسلس الأحداث. وألحقوا بذلك المرأة ترضع ولدها.
وقسم يزال قليله وكثيره وعينه وأثره، ومتى صلى باليسير منه أعاد الصلاة على ما نفصله. وهذا ككل نجاسة غير داخلة في الأقسام التي ذكرنا أولًا.
واختلف المذهب في الخف يطأ به (٣) على روث الدواب وأبوالها، هل يؤمر بغسله أم يكفي فيه المسح؟ فإن وطئ به على دم أو عذرة فالروايات متفقة على وجوب الغسل. واختلف في علة الفرق بين الدم والعذرة [(٤) وبين ما تقدم فيه الخلاف؛ فقيل لأن الدم والعذرة نجاسة بإجماع، وأرواث الدواب وأبوالها مختلف فيها هل هو نجس أو مكروه؟ وقيل لأن الطرقات تخلو من الدم والعذرة ولا تخلو من أرواث الدواب وأبوالها. وعلى هذا التعليل لو اتفق أن يكون موضع كثير الدم والعذرة حتى لا ينفك عنه يجري على الخلاف في أرواث الدواب وأبوالها. واختلف على القول بجواز المسح هل يكون النعل في ذلك بمنزلة الخف لأنه تدعو الضرورة إلى المشي به، أو يجب غسله على كل حال وإزالته، لأن الخف يشق نزعه بخلاف النعل. وخرج المتأخرون على هذا الخلاف في الرجل هل يجزي مسحها أو يجب غسلها. وهذا في من تدعوه الضرورة إلى الخف (٥).
_________________
(١) في (م) يحصل. جاء في لسان العرب ١١/ ٦٢٤ مَصَل الشيءُ يَمْصُل مصْلًا ومُصولًا قطَر.
(٢) قال في مختار الصحاح (٨٨): الدُّمَّلُ واحد دمَامِيلُ القروح.
(٣) في (ق): الخف الذي يطأ على.
(٤) بداية الساقط من (ص)، والساقط فصول كثيرة.
(٥) في (ر) الخفاف.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وفي المدونة لا بأس بطين المطر وإن كان فيه الدم أو العذرة (١). وقال أبو محمد ابن أبي زيد: ما لم تكن غالبة أو عينًا قائمة. وهذا يمكن أن يكون تفسيرًا ويمكن (٢) أن يبقى ما في الكتاب على ظاهره وإن كان غالبًا أو عينًا قائمة إذا تساوت الطرقات في وجود ذلك فيها، وكان لا يمكن الإنفكاك عنه.
واختلف المذهب في المرأة تطيل ذيلها للستر في السير فتمر به على المكان القذر إذا كان رطبًا هل يطهره [ما بعده؟ ولا خلاف فيما إذا كان يابسًا أنه يطهره ما بعده. وقد] (٣) ثبت أن الرسول ﵇ سئل عن درع المرأة (٤) تمر به على الموضع القذر، فقال: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" (٥)؛ فمن حمله على عمومه ساوى بين الرطب واليابس، ومن لم يقل بالعموم فرق بين الرطب واليابس، لأن الرطب لا يزيله إلا الماء واليابس ينثر ما يتعلق به إذا مر به بعد ذلك على موضع جاف طاهر.
فصل (حكم إزالة النجاسة)
واضطرب المتأخرون في النقل عن المذهب في إزالة النجاسة هل هي سنة أو فرض؟ فحكى القاضي أبو محمد في إشرافه أنها فرض بلا خلاف في المذهب، وإنما الخلاف في الإعادة، على الخلاف هل هي شرط في صحة الصلاة أو ليس بشرط. وإلى هذا مال ابن القصار وحكى القاضي أبو
_________________
(١) انظر المدونة ١/ ٢٠.
(٢) في (ق) و(م) أو يحتمل.
(٣) ساقط من (م).
(٤) جاء في البحر الرائق ٢/ ١٩٠: قال في المغرب درع المرأة ما تلبسه فوق القميص.
(٥) أخرجه الترمذي في الطهارة ١٤٣، وأبو داود في الطهارة ٣٨٣، وابن ماجه في الطهارة ٥٣١، وأحمد في مسنده ١/ ٥٠، ي. مالك في الطهارة ٧٤، والدارمي في الطهارة ٧٤٢.
[ ١ / ٢٧٥ ]
محمد أيضًا في شرح الرسالة أن المذهب كله على أنها سنة، وإنما الخلاف في الإعادة فيمن ترك السنن متعمدًا. وأما أبو الحسن اللخمي فحكى أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: إزالة النجاسة فرض، وهو مذهب ابن وهب (١) القائل أن من صلى بها يعيد في الوقت وبعده عامدًا كان أو ناسيًا. والقول الثاني: أن إزالتها سنة، وهو مذهب أشهب القائل إن من صلى بها لا يعيد إلا في الوقت وإن كان متعمدًا. والقول الثالث: إن إزالتها سنة مع النسيان فرض مع الذكر (٢)، وهو مذهب المدونة لأنه يقول: من صلى بها عامدًا أعاد وإن خرج الوقت، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت، (٣) وهذا الذي قاله أبو الحسن اللخمي يشهد بصحته (٤) هذه الرواية.
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن يرى النجاسة قبل الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها أو بعد كمالها؛ فإن رأى ذلك قبل الدخول في الصلاة أمر بغسلها على ما قدمناه، وإن رأى ذلك بعد الدخول في الصلاة- فإن كان [دمًا] (٥) يسيرًا- تمادى ولا يقطع ولا ينزع الثوب إن كانت فيه، إلا أن يشاء، ويخف (٦) نزعه. وإن كان دمًا كثيرًا أو يسيرًا (٧) أو غيره من النجاسات، أو كثيرها فهل يقطع الصلاة أو يتمادى؟
_________________
(١) هو: أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم مولى يزيد بن ريحانة ويقال مولى بني فهر .. روى عن أربعمائة عالم منهم مالك والليث وابن أبي ذئب ونحو أربعمائة شيخ من المصريين والحجازيين والعراقيين. قال أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح فقيه كثير العلم صحيح الحديث ثقة صدوق .. وقال محمد بن عبد الحكم: هو أثبت الناس في مالك وهو أفقه من ابن القاسم إلا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا توفي سنة: سبع وتسعين ومائة. الديباج المذهب ص: ١٣٢ - ١٣٤، وشجرة النور ص:٥٨ (٢٥).
(٢) التبصرة: ٢٣.
(٣) المدونة ١/ ٣٤.
(٤) في (م) بصحة، وخرم في (ق).
(٥) ساقط من (م).
(٦) في (ق) لا ينزع الثوب إن كان فيها إلا أن يخف.
(٧) كذا في (ق) و(ر) وفي (م) أو يسيل من غيره من النجاسة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
في المذهب ثلاثة أقوال: أولها وجوب القطع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنه يتمادى ويعيد. والثالث: أنه إن خف نزعه (١) نزعه، وإن لم يمكن ذلك أو كان في الجسد، قَطَعَ.
وسبب الخلاف هل يقال إن كل جزء من الصلاة عبادة قائمة بنفسها، أو يقال صحة أوائلها موقوفة على صحة أواخرها؟ فإن قلنا إن كل جزء منها قائم بنفسه فها هنا لا يجب أن يقطع إذا أمكنه النزع، وإن قلنا إن الأوائل موقوفة على الأواخر قطع. ومن قال بالتمادي والإعادة فإنما راعى الخلاف لإشكال الأمر عليه.
ومما اعترض به (٢) مذهب ابن القاسم أنه يقول من صلى به ناسيًا فإنه يعيد في الوقت.
وإذا ذكر في الصلاة قطع. وكيف يوجب القطع وهو فيما مر من الصلاة (٣) ناسيًا؟ والجواب أنه في الحالة التي أبصر النجاسة صار مصليًا بها مع الذكر فبطل ذلك الجزء من الصلاة، وإذا بطل جزء منها بطلت كلها.
وإن رأى النجاسة بعد كمال الصلاة؛ فأما الدم اليسير فلا يعيد منه كما قررناه، وهذا في سائر الدماء إلا دم الميتة والحيض فقيل إنهما كهذه الدماء (٤)، وهو المشهور. وقيل بخلافه لعموم تحريم الميتة ولأن دم الحيض يلاقي مخرج البول، وأيضًا فهذان (٥) لا تدعو الضرورة إليهما بخلاف غيرهما من الدماء التي تنفصل من الأجسام الحية. وأما غير ذلك من النجاسات فقد قدمنا الثلاثة الأقوال متى (٦) تكون الإعادة.
_________________
(١) ساقط من (م).
(٢) في (ق) و(م) ربما اعترض بهذا مذهب ابن القاسم.
(٣) في (ق) و(م) فيما مر بالصلاة.
(٤) في (ق) إنه كعادة الدماء، وفي (ر) إنه غيره من الدماء [صعوبة التحقيق].
(٥) في (ق) فهذا و(م) فهذه.
(٦) في (م) منها.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وإن بنينا على المشهور أن الناسي يعيد في الوقت والعامد يعيد وإن خرج الوقت فما الوقت؟
أما الظهر والعصر فيعيدهما ما لم تصفر الشمس، وإن اصفرت فقولان: مذهب المدونة أنه لا يعيدهما (١) بعد ذلك، ومذهب ابن وهب أنه يعيدها.
وسبب الخلاف تقابل المكروهين لأن الصلاة بالنجاسة مكروهة والإعادة بعد الاصفرار مكروهة، فأيهما يغلب؟ فهذا محل الخلاف. وعلى القول بأن الصلاة [بعد الاصفرار يحرم تأخيرها إليه لا يعيدها.
واختلف في المغرب والعشاء هل المذهب كله على أنهما تعادان ما لم يطلع الفجر، أو يختلف فيهما بعد مضي نصف الليل كما اختلف فيما بعد الاصفرار] (٢) في الظهر والعصر؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وكذلك اختلف في الصبح هل يعيد ما لم تطلع الشمس، أو يختلف فيما بعد الإسفار كما اختلف فيما بعد الاصفرار؟ والصحيح أن المغرب (٣) والعشاء تعادان ما لم يطلع الفجر (٤)، والصبح (٥) ما لم تطلع الشمس لأنه لم يقل أحد من أهل المذهب إن التأخير إلى ذلك الوقت محرم.
ولا خلاف أن الماء تحصل به إزالة النجاسة. ولا خلاف بين جمهور العلماء أنه متعين لطهارة الحدث ولا ينوب غيره منابه إلا نبيذ التمر عند أبي حنيفة.
وهل تزال النجاسة بالمائعات القلاعة كالخل وما في معناه؟ قولان في المذهب: المشهور تعيين الماء قياسًا على طهارة الحدث، والشاذ صحة
_________________
(١) في (م) و(ق) ألا يعيدهما. انظر المدونة ١/ ٣٣.
(٢) ساقط من (م).
(٣) في (م) في المغرب.
(٤) في (م) ما لم يطلع الفجر محرم تأخيرهما إليه.
(٥) في (ق) والصبح الصحيح.
[ ١ / ٢٧٨ ]
الإزالة بكل مائع قلاع، لأن المطلوب زوال النجاسة، فبأي شيء حصل الزوال (١) حصل المطلوب.
فصل (في مشروعية النضح في الثوب)
وإذا تحقق إزالة النجاسة فالمأمور به ما قلناه (٢) من الغسل. فإن شك في الجسد (٣) هل أصابته نجاسة أم لا فقد قدمنا القولين. وإن شك في الثوب فلا خلاف في إجزاء النضح.
ولا يخلو الناضح من ثلاثة أقسام: إما أن يوقن بأن شيئًا أصابه ولا يدري هل هو نجس أم لا؟ فهذا فيه قولان: أحدهما: أنه يلزم النضح، والثاني: أنه لا يلزم.
والقسم الثاني: أن يشك هل أصابه أم لا؟ ويشك هل الذي أصابه نجس أم لا؟ فهاهنا لا يلزمه النضح لضعف الشك.
والثالث: أن يوقن بالنجاسة ويشك هل أصابته أم لا؟ فهذا يلزمه النضح فيه بلا خلاف في المذهب. والنضح كان على خلاف القياس لأن فيه تكثير النجاسة من غير إزالة لها، وفي الحديث أن رسول الله - ﷺ - أمر بنضح الحصير الذي اسود من طول ما لبس (٤). وقد رأى المالكية أن النضح خيفة (٥) أن
_________________
(١) في (م) الزوال من المغسول وغير مقروء في (ر).
(٢) في (ق) فالمأمور بما قلنا.
(٣) في (ر) من الغسل وإن شك فأما الجسد إذا شك.
(٤) أخرج البخاري في الصلاة (٣٨٠) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٦٥٨) عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكِ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: "قومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ"، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاء فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكعَتَينِ ثُمَّ انصَرَفَ.
(٥) في (ق) حقيقة.
[ ١ / ٢٧٩ ]
يكون أصابته نجاسة من تصرف اليتيم الذي كان في الموضع عليه، وكأن مالكًا استند (١) في النضح فيما شك فيه إلى العمل فقال: هو الشأن وهو طهور لكل ما شك فيه (٢).
ولا خلاف في المذهب أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية. وهل يفتقر النضح إلى نية؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: وجوب النية لأنه تعبد، والثاني: إسقاطها. قال ابن محرز: (٣) لأنه لا يخلو أن يكون أصابه شيء أم لا؟ فإن أصابه فلا يفتقر إلى نية، وإن لم يصبه فلا شيء عليه. وهذا الذي قاله هو القياس لولا أن النضح تعبد (٤) والتعبد (٥) يفتقر إلى نية.
فصل: في المسح على الجبائر
[وقد أجمعت الأمة على وجوب إمساس الماء بالأعضاء إلا أن يمنع من ذلك مانع] (٦). ومن أصاب عضوًا من أعضاء طهارته ما يمنعه أن يلاقيه بالماء فلا يخلو من أن يثبت (٧) عليه ساتر يمكن ملاقاة الساتر بالماء، أو لا يثبت عليه ذلك؛ فإذا ثبت عليه مسح الساتر وناب ذلك عن غسله. ولا يفتقر في موضع (٨) الساتر عليه أن يكون على طهارة كما يفتقر إلى ذلك في المسح على الخفين، لأن هذا قد يطرأ على الإنسان من غير اختياره. والخفان إنما يلبسهما مختارًا. وإن افتقر إلى شد العصائب على الساتر مسح
_________________
(١) في (ق) اشتد وفي (م) استثنى وفي (ر) إستند أو اشتد.
(٢) المدونة ١/ ٢٢.
(٣) هو: حمديس وقد تقدمت ترجمته.
(٤) في (ق) و(م) تعد.
(٥) في (ر) لتعبد.
(٦) ساقط من (ق) و(م).
(٧) في (ر) يلبث.
(٨) في (ر): وضع.
[ ١ / ٢٨٠ ]
على العصائب. وإن وقع الرباط على غير الموضع المألوم. وهكذا حكم العضد إذا لم يمكنه مباشرة الموضع بالماء وافتقر إلى شده بعصائب فستر شيئًا من ذراعه، فإنه يمسح على تلك العصائب ويجزيه (١). وإن كان الموضع المألوم لا يمكن أن يجعل عليه ساترًا فإن جعل ذلك لم يمكنه مباشرة ذلك الساتر بالماء ولم يمكنه أن يعصب عليه، فهذا لا يخلو أن يكون في أعضاء (٢) التيمم كالوجه واليدين، أو في غير أعضاء التيمم؛ فإن كان في أعضاء التيمم فيغسل ما صح ويترك ما لم يصح، لأنه لو انتقل إلى التيمم لصلى بطهارة ناقصة (٣). وإذا كان لا بدّ من النقص فنقص طهارة الماء أولى من نقص طهارة التيمم (٤). فإن كان الألم (٥) في غير أعضاء التيمم كالرأس والرجلين فها هنا اختلف المتأخرون على ثلاثة طرق: أحدها: أن يتوضأ ويترك الموضع المألوم، والثاني: أنه ينتقل إلى التيمم، والثالث: أنه إن كان الموضع المألوم يسيرًا توضأ وتركه، وإن كان كثيرًا انتقل إلى التيمم. وهذا لتقابل (٦) المكروهين؛ أحدهما: الانتقال إلى التيمم مع (٧) وجود الماء. وطهارة الماء أولى من طهارة التراب، والمكروه الثاني: ترك جزء من موضع الطهارة غير مغسول ولا ممسوح، وذلك غير مشروع. فاختلف طرق هؤلاء، أي المكروهين أخف يرتكب (٨)؟ ومن فرق بين اليسير والكثير رأى أن الأقل تابع للأكثر، فإذا كان المتروك يسيرًا كان في حكم العدم.
_________________
(١) في (م) فيجزي به.
(٢) في (م) من أعضاء.
(٣) في (ر): ناقضة.
(٤) في (م) النقض، فنقض طهارة الماء أولى من التيمم.
(٥) في (م) المألوم.
(٦) في (م) وهذا تقابل.
(٧) في (ق) في وجود.
(٨) في (ق) يركب. كذا في جميع النسخ والعبارة لم تتضح لي.
[ ١ / ٢٨١ ]
فصل
(حكم من سقطت جبيرته في الصلاة)
وإذا مسح على الجبيرة ثم دخل في الصلاة فسقطت الجبيرة عن موضعها قطع الصلاة، لأنه صار كالمصلي بطهارة ناقصة، إذ يجب عليه إعادة الجبيرة ومسحها. وكذلك لو صح ما تحت الجبيرة لوجب (١) عليه إزالتها وغسل ما تحتها. ولو صح في الصلاة لقطع الصلاة كما قلناه.
(حكم الشجة إذا صح صاحبها)
و[فرق] (٢) في الكتاب فيمن أصابته شجة وكان ينكب عنها الماء في غسله من الجنابة أنه إذا صح غَسَلَهَا. فإن لم يغسلها حتى صلى صلوات كثيرة ناسيًا لغسلها، فإن كانت تلك الشجة في مواضع الوضوء فإنه تجزيه الصلاة، وإن كانت في غير مواضع الوضوء كالظهر فإنه يغسل مواضع الشجة ويعيد ما صلى من يوم صح (٣).
قال الأشياخ: وهذا إذا كانت الشجة في الموضع المغسول من أعضاء الوضوء، وأما لو كانت في عضو ممسوح لم تجز فيه الطهارة الصغرى عن الكبرى، لأن الواجب فيه في الكبرى الغسل كالرأس، والواجب فيه في الصغرى المسح ولا يجزي المسح عن الغسل. ومما ألزم (٤) الأشياخ على مذهب التناقض بين هذه المسألة وبين مسألة باب التيمم لأنه قال في هذه المسألة: يجزي الغسل للطهارة الصغرى عن الغسل للطهارة الكبرى، وقال [هناك] (٥): من تيمم للصلاة ناسيًا الجنابة لا يجزيه. وقياس ما قال في
_________________
(١) في (ق) و(م) أوجب.
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) المدونة ١/ ٢٣.
(٤) في (ر): إلتزم.
(٥) ساقط من (ق) و(م).
[ ١ / ٢٨٢ ]
مسألة الجبيرة أن يجزيه، وقياس ما قال في مسألة التيمم ألا يجزي في الجبيرة.
وقد فرق بين المسألتين بوجهين: أحدهما: أن الفعل وإن اتحد في مسألة (١) التيمم واتحد في مسألة الجبيرة فإن النية تختلف في التيمم لأن التيمم بدل عن الغسل. وإذا قصد به البدل عن الوضوء فلا يجزي لأن الوضوء في أربعة أعضاء والغسل في الجسد كله، وعليه في التيمم أن يقصد المبدل (٢) منه. وأما مسألة الجبيرة فلا بدل منه يجب عليه (٣) قصده، وإنما عليه غسل ذلك الموضع. فإذا غسله في الوضوء (٤) أجزأه عن الطهارة الكبرى.
والوجه الثاني: أن التيمم إنما يستبيح (٥) به الصلاة فعليه أن ينوي ما ترتب [عليه] (٦) من طهارة كبرى أو طهارة صغرى ليكون التيمم مؤثرا في الاستباحة مما (٧) ترتب في ذمته.
وهذان الفرقان إنما يفتقر إليهما لئلا يكون ما في المدونة اختلاف قول، وإلا ففي مسألة التيمم خلاف نذكره في موضعه إن شاء الله.
فصل (في حكم اليدين)
وقد تقدم أن غسل اليدين من الفروض والنظر في حكم اليدين في ثلاثة أوجه (٨):
_________________
(١) في (م) مسح.
(٢) في (م) المبذول.
(٣) في (ق) فلا بدل يجب عليه وفي (م) فلا بدل عليه يجب عليه.
(٤) في (م) للوضوء.
(٥) في (م) و(ق) تستباح.
(٦) ساقط من (ق) و(م).
(٧) في (م) وهل.
(٨) في (م) مواضع.
[ ١ / ٢٨٣ ]
(حكم المرفقين)
أحدها: هل يجب إدخال المرفقين في الغسل أم لا؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب إدخالهما وهو المشهوو، لقوله في المدونة في قطع المرفقين: إنه لا يغسل ما بقي إلا أن تعرف (١) العرب والناس أنه بقي شيء من المرفق فيغسل (٢)، والقول الثاني: أنه لا يجب غسل المرفقين، والقول الثالث: أنه يجب عليه غسلهما ليس لفرضيتهما بل لأنه لا يتوصل إلى غسل جميع الفرض إلا بغسلهما. وهذا هو القول بإسقاط فرضيتها لكن أوجبها لغيرها.
وسبب الخلاف في فرضيتهما هل (إلى) في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣) لانتهاء (٤) الغاية أو للجمع؟ قال سيبويه: (٥) إن (إلى) إن تقدم قبلها (من) كانت لبيان الغاية وخرج ما بعدها عن (٦) حكم ما قبلها، وإن لم يتقدم (من) احتملت الغاية واحتملت الجمع. ومن الجمع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٨) معناه مع أموالكم، ومع الله. (وإلى) في الآية لم يتقدمها ذكر (من) فهي تحتمل التحديد والجمع. وإذا احتملت أمكن أن يقال الذمم على
_________________
(١) في (م) تعلم.
(٢) في (م) و(ق) فيغسل ذلك. انظر المدونة ١/ ٢٤.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) في (ق) أنها للبيان.
(٥) هو: إمام النحو حجة العرب أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ثم البصري، طلب الفقه والحديث مدة ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر وألف فيها كتابه الكبير، المعروف بالكتاب. توفي سنة ثمانين ومائة. سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٥١.
(٦) في (ر) و(ق) على.
(٧) النساء:٢. وفي (ق) ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾.
(٨) الصف: ١٤.
[ ١ / ٢٨٤ ]
البراءة فلا تعمر إلا بدليل. أو يقال الموضع موضع عبادة فيؤخذ فيه بالأحوط حتى يقوم دليل على الإسقاط.
واحتج المشهور من المذهب بقول المبرد أن ما بعد (إلى) إذا كان من جنس ما قبلها وجب دخولها في حكم ما قبلها، وإن كان من غير جنسه لم يجب ذلك.
والمرفقان من الساعدين على أنه قد تردد بعض أهل اللغة في اسم المرفق على ما ينطلق؛ فقيل على طرف الساعد، وقيل على مجمع الساعد والعضد. فإن قلنا إنه على طرف الساعد كان في قول المبرد حجة. وأشار ابن القاسم بقوله: إلا أن تعرف الناس والعرب، إلى ما قلنا (١) من التردد.
(حكم تخليل الأصابع)
والوجه الثاني: من النظر في اليدين حكم (٢) تخليل الأصابع، وفيه قولان: الوجوب، والإسقاط. وعلة الوجوب ليحصل (٣) الدلك، وعلة الإسقاط إنما بناء على أن التدلك غير واجب، أو لأن الأصابع تضطرب في حين الغسل، فيحصل التدلك (٤) وإن لم يقصد.
(هل تجب إزالة الخاتم؟)
والوجه الثالث: الخاتم يكون في الأصابع هل تجب إحالته؟ ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الإحالة، والثاني: إسقاطها، والثالث: التفرقة.
فإن كان واسعًا لم تجب الإحالة، وإن كان ضيقًا وجبت، وإيجابها لطلب التدلك، وإسقاطها لأن الماء لطيف الجوهر فهو يحصل تحت الخاتم وإن لم يحل.
وهذا لا يكفي في طلب التدلك وإنما ينبغي أن يقال هذا إما لأن
_________________
(١) في (ق) من رواية التردد.
(٢) من هنا تبدأ نسخة "تازة" وقد أشرت إليها بـ "ت".
(٣) في (ق) لتحصيل.
(٤) في (م) فيحصل الغسل حين التدلك.
[ ١ / ٢٨٥ ]
المكان يسيرٌ فيعفى عن تدلكه مراعاة للخلاف، وإما لأنه ملبوس مستدام فأجزأ إصابة ظاهره بالماء قياسًا على الخف.
والقياس على الخف ينبني على اختلاف الأصوليين في الرخص هل يقاس عليها أم لا؟
ووقع لمحمد بن عبد الحكم (١) أنه يزيل الخاتم في وضوءه وهذا إما على طريق الاستحباب ليكون ذلك أبلغ في إصابة الموضع بالماء والتدلك، وإما لأنه يحتمل أن الإحالة لا تؤثر في ذلك.
فصل (في حكم الرجلين)
وأما الرجلان فالنظر فيهما من وجهين:
(حكم الكعبين)
أحدهما: حكم الكعبين في وجوب غسلهما، والنظر في ذلك كالنظر في المرفقين. لكن اختلفوا في الكعبين ما هما على قولين؟ المشهور أنهما الناتئان في الساقين، وحكى القاضي أبو محمد (٢) عن مالك أنهما اللذان عند معقد الشراك. والكعب عند العرب كل ناتئ ومنه سميت الكعبة، والمرأة كاعبًا وهي التي برز ثديها عند الإدراك. وكل موضع مما قيل ها هنا فيه
_________________
(١) هو: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله سمع من أبيه وابن وهب وأشهب وابن القاسم وغيرهم من أصحاب مالك، وصحب الشافعي وأخذ عنه وكتب كتبه وإليه انتهت الرياسة بمصر، ورسخ في مذهب الشافعي وربما تخير قوله عند ظهور الحجة، وكان أفقه أهل زمانه .. وله تآليف كثيرة في فنون العلم والرد على المخالفين كالرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنَّة وكتاب الرد على أهل العراق. وذكر أنه ضرب في المحنة بالقرآن .. توفي سنة ثمان وستين ومائتين وقيل: سنة تسع. الديباج المذهب ص: ٣٣١ - ٢٣٢ وطبقات الفقهاء ١/ ١١١.
(٢) في (م) القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
[ ١ / ٢٨٦ ]
بروز، لكن بروز اللذين في الساق أكبر، فلهذا كان وقوع التسمية عليهما أشهر (١). وفي المدونة: يغسل أقطع الرجلين الكعبين وما بقي من القطع، لأن (٢) القطع تحتهما (٣). وهذا على أنهما اللذان في الساقين. وأما على القول الثاني فلا يغسل لأن القطع يأتي عليهما.
(حكم تخليل أصابع الرجلين)
والوجه الثاني: تخليل الأصابع وظاهر المذهب (٤) على ثلاثة أقوال: أحدهما: استحبابه، والثاني: إنكاره، والثالث: وجوبه. فأما الوجوب فلطلب (٥) التدلك، وأما الإنكار فلأنه رأى أن ما بين أصابع الرجلين في حكم الباطن، فغسله (٦) من الغلو الذي تنهى عن مثله الشريعة. وأما الاستحباب فلكونه في حكم الباطن. وقد ورد في الحديث التخليل (٧) فيحمل على الاستحباب لأنه أبلغ في النظافة.
فصل (في حكم بول الصغير الذي لم يأكل الطعام)
وقد تقدم أن بول الآدمي وروثه نجسان، وهذا في من لم يكن
_________________
(١) في (م) أسهل.
(٢) في (ق) وإن كان.
(٣) انظر المدونة ١/ ٢٣.
(٤) في (م) المدونة.
(٥) في (ق) فيطلب.
(٦) في (ق) فغسل، وفي (م) في غسلهما.
(٧) من ذلك ما أخرجه الترمذي في الطهارة (٣٨) واللفظ له، والنسائي في الطهارة (١١٤) وأبو داود في الطهارة (١٤٢) وابن ماجه في الطهارة (٤٤٨) والدارمي في الطهارة (٧٠٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٤٧ عَنْ عَاصِم بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلُلِ الأَصَابِعَ". وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
[ ١ / ٢٨٧ ]
صغيرًا لم يأكل الطعام. وأما الصغير الذي على هذه الصفة، ففي نجاسة بوله ثلاثة أقوال: أحدها: الحكم بنجاسته قياسًا على الكبير. والثاني: الحكم بطهارته، لما ورد في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه أوتي بصبي لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فنضحه، وفي بعض الطرق: ولم يغسله (١). والثالث: التفرقة بين بول الصبي وبول الصبية فيحكم بطهارة بول الذكر (٢) للحديث، ويقصره على ما ورد خاصة، ويحكم بنجاسة بول الأنثى طردًا (٣) للأصل. ولم يرد فيها حديث (٤). وقد علل هذا المذهب بأن الذكر خلق من تراب والأنثى من ضلع، فإذا لم يأكلا الطعام رُدَّا إلى أصلهما، فالتراب طاهر والضلع (٥) نجس. وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي الحكم بطهارة الرجيع وأجمعت الأمة على نجاسته. وإنما الخلاف في البول. وأيضًا فإن المخلوق [من تراب ومن ضلع هما أصل الخلقة، آدم وحواء. وأما من بعدهما فهو مخلوق من نطفة وهو] (٦) يتغذى (٧) في الرحم بدم الحيض، فلا يقال فيه يرجع إلى الأصل.
_________________
(١) بياض في (ت) و(ق). والحديث متفق عليه فقد أخرجه البخاري في الوضوء (٢٢٣) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٨٧) عَن أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنِ أَنَّهَا أَتَتْ بِابُنِ لَهَا صَغِيرِ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأجْلسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في حَجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فدَعَا بِمَاءِ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
(٢) في (م) الصبي وفي (ق) الذكور.
(٣) في (ق) ردًا على، وفي (م) كردها.
(٤) بل ورد حديث أخرجه الترمذي في الجمعة (٦١٠) واللفظ له وأبو داود في الطهارة (٣٧٧)، وابن ماجه في الطهارة (٥٢٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ في بَوْلِ الْغُلاَمِ الرَّضِيع: "يُنْضَحُ بَوْلُ الغُلاَم وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ". قَالَ قَتَادَةُ: وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا فَإِذا طَعِمَاَ غُسِلَا جَمِيعًا. وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٥) في (ر) العظم.
(٦) ساقط من (م).
(٧) بياض في (ت) وفي (ق) ومتغذي.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فصل (في النهي عن البول قائمًا)
ونذكر (١) هاهنا من آداب الأحداث البول قائما. وقال الأشياخ: لا يخلو الموضع المقصود بالبول من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون طاهرًا رخوًا، أو صلبًا نجسًا، أو صلبًا طاهرًا، أو رخوًا نجسًا؛ فإن كان طاهرًا رخوًا فالأولى أن يجلس للبول لأنه أقرب إلى الستر، ولا يحرم عليه القيام. وإن كان الموضع صلبًا نجسًا فينبغي أن يُترك ويُقصد غيره، لأنه إن قام خاف أن يتطاير عليه وإن جلس خاف أن يتلطخ بنجاسة الموضع، فإن كان صلبًا طاهرًا فليس إلا الجلوس لأنه يأمن التلطخ بالنجاسة [إن جلس] (٢) ولا يأمن منها (٣) إن قام، لأنه يتطاير عليه. وإن كان الموضع رخوًا نجسًا فهاهنا ليس إلا القيام، لأنه يأمن التطاير وإن جلس خاف التلطخ. ومحصول هذا أنه يجتنب النجاسة ويفعل ما هو أقرب للستر. واجتناب النجاسات آكد من الستر إذا كان بموضع لا يرى فيه. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه بال قائمًا (٤). وقالت عائشة ﵂: "من حدثكم أن النبي ﵇ بال قائمًا فلا تصدقوه" (٥). وإنما حكت عن أكثر أحواله أو ما لم تر غيره (٦). وأما بوله قائمًا ففي الحديث ما يدل على أن ذلك كان لعلة وهي كون الموضع نجسًا لأنه قال: أتى سباطة (٧) قوم فبال قائمًا، والسباطة هي المزبلة والغالب كونها رخوة نجسة.
_________________
(١) في (م) وقد ذكرنا وفي (ر) ذكر.
(٢) ساقط من (ت).
(٣) في (ت) ولا يأمنها وفي (ق) ولا يأمن.
(٤) أخرج البخاري في الوضوء (٢٢٤) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٧٣) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ أتَى النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْم فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءِ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ.
(٥) أخرجه الترمذي في الطهارة (١٢) واللفظ له، والنسائي في الطهارة (٢٩)، وابن ماجه في الطهارة (٣٠٧) عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: "مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلاَّ قَاعِدًا" قَالَ الترمذي: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ.
(٦) في (ق) وما لم ترى غيره وفي (م) أو ما بعده من غيره.
(٧) في (ت) إننا بسباطة قوم.
[ ١ / ٢٨٩ ]
فصل (في أحكام المياه الجارية والراكدة)
وقد مرَّ الكلام على حكم المياه ولم نفصل (١) هناك حكم الجاري والراكد، وهذا موضع تفصيله لنحاذي به الكتاب. وذلك أن الماء لا يخلو من أن يكون جاريًا أو راكدًا؛ فإن كان راكدًا فلا يخلو من أن تكون له مادة أو لا مادة له، فإن كان جاريًا (٢) فإن حكمه فيما تحل فيه النجاسة حكم الماء الكثير، فيجتنب المتغير منه دون غير المتغير، لأن هذا الماء غير ثابت والنجاسة غير ثابتة فيه في موضع متعين (٣)، فينظر إلى محل أثرها، فإن أثرت اجتنب موضع التأثير دون غيره.
فإن كان راكدًا ولا مادة له فهو راجع إلى الأصل الذي قدمناه (٤)، فإذا حلته النجاسة وهو يسير كان فيه ما قدمناه من الخلاف إذا (٥) لم يتغير. وإن كان كثيرًا فإن تغير فهو نجس وإن لم يتغير (٦) فهو طاهر. غير أنهم (٧) قد فرقوا بين وقوع النجاسة فيه وبين موت الحيوان الذي له نفس سائلة؛ فرأوا أن لموت هذا الحيوان تأثير البلة [التي] (٨) تنفصل منه عند خروج نفسه. ولهذا أمر بأن يراق منه مقدار من الماء لأن تلك البلة دهنية تصعد على وجه الماء فتزال بما يراق منه. وما وقع في بعض الروايات من تحديد القدر المراق بالأربعين لا أصل له، إلا لئلا يُكثر العامي الموسوس إراقة الماء ويُقله المتساهل. ولهذا نقل عن ابن الماجشون أنه كان متى استفتاه أحد في مثل هذا قال له أرق منه أربعين دلوًا أو خمسين أو ستين [أو سبعين] (٩).
_________________
(١) في (ق) و(م) ولم نقصد.
(٢) في (ف) و(م) فإن كان الماء جاريًا.
(٣) في (م) في الموضع المعين.
(٤) في (ت) إلى ما قدمناه.
(٥) في (ر) في إذا.
(٦) نهاية الساقط من (ص).
(٧) في (ر) و(ف) على أنهم.
(٨) ساقط من (ر) و(ق) و(ص).
(٩) ساقط من (ص)، وسقط من (ر) أو.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وإنما كان يقول ذلك لئلا يُفهم من التحديد أنه قانون شرعي لا يتعدى، وذلك يختلف بكثرة الماء وقلته وصغر الدابة الميتة وعظمها (١). فإن كان الماء له مادة كماء الآبار فإنه يرجع إلى ما قدمناه (٢)، فإن كان كثيرًا ولم (٣) يتغير حكمنا بالطهارة، وإن كان يسيرًا فعلى الخلاف المتقدم. وإذا حكمنا بالنجاسة على أحد الأقوال أو تغير الماء فإنا نأمره (٤) بإزالة جميع الماء المتغير النجس (٥) حتى يخلفه غيره. ولو تغير الماء بنجاسة ثم زال التغيير ففيه قولان: قيل حكم النجاسة باق، وقيل إذا زال تغييره زال حكم النجاسة، إذ زوال التغيير يشعر بغلبة الماء وقهره للنجاسة.
فصل (في حكم الطعام تحله النجاسة)
وأما حكم الطعام تحله النجاسة، فإن كثرت النجاسة وقل الطعام وتخللت (٦) جميع أجزائه فلا خلاف في الحكم بنجاسته.
وإن قلت النجاسة وكثر الطعام ففي المذهب قولان: أحدهما: الحكم بنجاسته، لأنه لا يدفع عن نفسه ولا جزء منه إلا ويمكن أن تحله النجاسة. فلا يجوز الإقدام على استعمال شيء منه لإمكان أن تكون النجاسة حلته.
والقول الثاني: الحكم بطهارته ليسارة النجاسة وكثرة الطعام، فهي كالمستهلكة (٧)، وهي كما نقول فيمن اختلط ذات محرم له مع نساء العالم وجهل عينها (٨) فإنه يسوغ له الزواج بلا خلاف. وإن أمكن أن يتزوج ذات محرم منه.
_________________
(١) في (ق) و(م) وكبرها.
(٢) في (ق) قدمناه بالنجاسة.
(٣) في (ص) لم يتغير.
(٤) في (ق) إن لم يتغير الماء فإنا نأمر.
(٥) في (ص) المتغير والنجس.
(٦) في (ص) و(ق) و(ت) تحللت.
(٧) في (ص) كالمشكوك.
(٨) في (ر) و(ت) العالم وحصل العلم عينها.
[ ١ / ٢٩١ ]
وإذا راعينا حكم النجاسة في الطعام فإنه لا يخلو أن يكون مما تسري النجاسة في جملته كالذائبات من الأدهان وغيرها، أو لا تسري في جملته كالجامدات؛ فإن كان مما تسري في جملته حكمنا بنجاسته جميعه، وإن كان مما لا تسري في جملته حكمنا بنجاسة ما سرت فيه دون غيره، وهذا كالعسل يكون (١) جامدًا فتقع فيه فيحكم بنجاسة ما سرت فيه دون غيره. ولو كان مما تسري فيه مع طول المكث نظرنا إلى طول المكث وقصره (٢)، وهذا كالسمن الجامد.
(حكم بيع واستعمال الطعام النجس)
وإذا حكمنا بنجاسة الطعام فهل يباح استعماله وبيعه؟ أما استعماله ففيه قولان مشهوران: أحدهما: أنه يستعمل ويتوقى من نجاسته كما قالوا في الزيت تموت فيه الفأرة، فإنه يستصبح به في غير المساجد. وقالوا في العسل تموت فيه الفأرة أيضًا تعلف به النحل. والثاني: أنه لا يستعمل أصلًا، وهذا لما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال عام الفتح وهو بمكة إن الله [ورسوله] (٣) حرم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام فقيل له: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها، فقال: "لا هو حرام"، ثم قال النبي - ﷺ -[عند ذلك] (٤): "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم أجملوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" (٥).
_________________
(١) في (ن) كالعسل الجامد.
(٢) في (ص) و(م) لفرقنا بين طول مكثها وقصره.
(٣) ساقط من (ر) و(ت).
(٤) ساقط من (ص) و(م).
(٥) أخرجه البخاري في البيوع (٢٢٣٦)، ومسلم في المساقات (١٥٨١) بلفظ قريب من هذا. ولفظ البخاري: "عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِع رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الْفَتحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إن اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ" فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لاَ هُوَ حَرَامٌ" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ الله الْيَهُودَ إِنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ".
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقد تعلق بهذا الحديث كل واحد من الفريقين وذلك أنه - ﷺ - حرم البيع أولًا ثم سئل عن الاستعمال فقال: لا. فيحتمل أن يريد بذلك تحريم الاستعمال وهو أقرب المذكورات، ويحتمل أن يريد تحريم البيع، وعنه جاوب بقوله: "لا" لأنه ذكر (١) فعل اليهود في إجمال الشحوم وبيعها وأكل ثمنها، فما ابتدأ به الحديث وختمه يقتضي تحريم البيع خاصة، وقوله "لا" لما سئل عن الاستعمال يقتضي تحريم الاستعمال وتحريم البيع. فإذا أجزنا الاستعمال فهل نجيزه للمكلفين كالاستصباح بالزيت [النجس] (٢) وما في معنى ذلك؟ أو إنما نجيزه لغير المكلفين كإطعام الطعام النجس للدواب؟ في ذلك قولان. وفي كتاب مسلم أنه - ﷺ - أمر بما عجن من الخبز من ماء آبار (٣) ثمود أن يعلف به الإبل (٤). وهذا يحتج به من يقول إن الاستعمال إنما يجوز لغير المكلفين.
ويعتذر الآخرون عن هذا بأن الرسول - ﷺ - إنما أمر بذلك عقوبة، لأنه نهى عن الاستقاء (٥) من تلك الآبار ولم يكن ذلك لنجاستها.
وفي تمكين اليهود والنصارى من ذلك قولان: أحدهما: جوازه، والثاني: منعه. وهذا على الخلاف هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
_________________
(١) في (ص) لأن المذكور.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) هكذا في (ص) وفي (ر) أمر بما عجن من آبار.
(٤) أخرج البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٩) واللفظ له، ومسلم في الزهد (٢٩٨١) عَنْ نَافِع أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أخبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوِا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنوا بهِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَن يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ.
(٥) في (ق) و(م) الاستعمال.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فصل (في حكم ما كانت نجاسته أصلية)
فكل ما تقدم من الخلاف جار في كل نجس كانت نجاسته غير أصلية، بل كان طاهرًا ثم تنجس بما حل (١) فيه كالزيت وسائر الأدهان والخبز يعجن بالماء النجس.
وأما ما كانت نجاسته أصلية كالعذرة وشحم الميتة فالمعروف من المذهب أنه لا يستعمل بوجه. والكلام عليه (٢) محال على كتاب البيوع الفاسدة.
وهل يطهر الزيت وسائر الأدهان بعد تنجيسها بماء يقع فيها؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يطهر، والشاذ أنه يطهر وهو خلاف في شهادة ترجع إلى الحس، وذلك أن الأدهان لا تمتزج بها النجاسة امتزاجًا لا يمكن انفصالها عنها، بخلاف امتزاج سائر الأطعمة. وإذا تقرر ذلك فهل يمكن أن يبلغ إذا غسل منها مبلغا يذهب النجاسة (٣) ويبقى الدهن على أصله؟ هذا محل الخلاف وهو محال على شهادة.
وينخرط في هذا السلك قولان في اللحم (٤) يطبخ بماء نجس هل يطهر بالغسل؟ وسبب الخلاف في هذا هل يبلغ الماء الطاهر منه مبلغًا يذهب بالنجاسة التي داخلته أم لا؟ ومنه أيضًا الزيتون يملح بماء نجس هل يطهر بعرضه على الماء الطاهر؟ ومنه أواني الفخار تستعمل في الأشياء النجسة الغواصة (٥) كالخمر، هل تطهر بعرضها على الماء؟ في جملة ذلك قولان. وهذا كله خلاف في شهادة ترجع إلى الحس. ويلاحظ هذا المعنى (٦) في البيض الطاهر يسلق مع النجس، هل ينجس بذلك الطاهر أم لا؟ وهو خلاف يرجع إلى الحس من وجه آخر هل يمكن أن ينفصل من
_________________
(١) في (م) بما دخل.
(٢) في (ق) و(م) فيه.
(٣) في (م) يبلغ الماء مبلغًا يذهب بالنجاسة.
(٤) في (م) و(ن) ويجري في هذه المسألة اللحم.
(٥) في (ر) مواصة وفي (ق) و(م) العارضة.
(٦) في (ر) و(ق) المعنى خلاف.
[ ١ / ٢٩٤ ]
النجس شيء يدخل في أجسام (١) الطاهر فينجسه أم لا؟
فصل (في حكم المبيت في الثوب النجس)
والمبيت في الثوب النجس لا يمنع لنفسه وإنما يمنع خوفًا من تحلل النجاسة فتصيب الجسد فينجس. فإن كان الوقت مما يمكن أن يعرق (٢) فيه فينبغي ألا يرقد فيه (٣) لئلا يتعرض للتلطخ بالنجاسة. وإذا نام فيه مع نجاسته (٤) وقطع على سلامته من التلطخ بذلك فلا شيء عليه، وإن قطع على تلطخه غسل النجاسة من موضعها إن كان معينا، فإن لم يكن معينا غسل سائر الجسد، فإن شك نضح. وكذلك حكم الثوب الذي تصاب فيه النجاسة (٥) فإنه يغسل ما يتيقن من نجاسته وينضح ما ترك فيه. وقد قدمنا حكم النضح فإن صلى (٦) قبل النضح فهل يعيد أم لا؟ فيه قولان: قيل لا إعادة عليه لأن النضح استحباب، وقيل يعيد لأنه مأمور به (٧) كما هو مأمور بغسل النجاسة.
باب في حكم الطهارة الكبرى (٨)
وهي ثلاثة أقسام: واجب وسنة وفضيلة؛ فتجب عند خمسة مواضع: أحدها: إنزال الماء الدافق للذة في يقظة أو منام، وهذا مجمع عليه.
_________________
(١) في (ص) مسام.
(٢) في (م) يعرف.
(٣) في (م) و(ق) في الثوب.
(٤) في (ت) و(ص) نجاسة وفي (ق) النجاسة.
(٥) في (ر) الجنابة.
(٦) في (ص) فإن غسل.
(٧) في (ق) و(م) لأنه مؤمر بغسل النجاسة.
(٨) في (ر) و(ت) وما يتعلق بها.
[ ١ / ٢٩٥ ]
والثاني: مغيب الحشفة وإن لم يكن أنزل، وهذا يختص باليقظة دون المنام، فمن رأى أنه يجامع ثم لم (١) ينزل فلا غسل عليه [وأما إن جامع ولم ينزل] (٢) فعلى وجوب الغسل فقهاء الأمصار. والثالث: انقطاع دم النفاس. والرابع: انقطاع دم الحيض. والغسل في هذين الموضعين مجمع على وجوبه. ولو خرج الولد ولم يصحبه دم ولا كان بعده ففي وجوب الغسل بخروجه قولان. والخامس: الإسلام، وهذا فيه قولان في المذهب: المشهور من المذهب إيجاب الغسل، والشاذ (٣) استحبابه.
فصل (في مشروعية الغسل للجمعة والعيدين والحج)
ويسن الغسل للجمعة. واختلف في العيدين؛ فقيل الغسل فيهما سنة، وقيل فضيلة. والمشهور من المذهب أن ما بعد ذلك من الاغتسال لا يلحق مرتبة السنن؛ وهي على ثلاثة: الغسل للإحرام، والغسل لدخول مكة، والغسل للوقوف بعرفة. وعدها بعض أهل المذهب من السنن. ولا شك أن هذه الاغتسالات متفاوتة (٤) المراتب في الشريعة؛ فآكدها غسل الجمعة، وقد أوجبه جماعة من أهل الظاهر (٥)، ويلحق بذلك غسل العيدين. والظاهر أنه لم يوجبه أحد. ويلحق بذلك الغسل للإحرام وهو آكد (٦) ما في الحج. وأما الغسل لدخول مكة والوقوف بعرفة فرتبتهما متساوية. وإذا عرضت هذه الاغتسالات (٧) على ما قدمناه في الفرق بين السنَّة والفضيلة علمت (٨) أن
_________________
(١) في (ص) ثم فلم.
(٢) ساقط من (م) و(ص) و(ق).
(٣) في (ص) والثاني.
(٤) في (ق) متفارقة.
(٥) في (ص) المذهب.
(٦) في (ر) أكثر.
(٧) في (ر) الاغتسال.
(٨) في (ص) على.
[ ١ / ٢٩٦ ]
غسل الجمعة والعيدين يمكن تسميتهما سنة لأن الرسول - ﷺ - داوم على فعلهما غير مستتر لذلك بل مظهر له. وأما غسل الحج فلم يتكرر منه تَكرارًا (١) يقتضي له (٢) أن يلحق برتبة السنن، بل لم يتكرر أصلًا.
وإذا حقق الإنسان ما قدمناه علم معنى تسمية السنة (٣) والفضيلة والنافلة، وأن اغتسال الحج يكاد (٤) أن لا يلحق بالفضائل، بل هو في رتبة النوافل. وإنما اتفقوا على غسل الجمعة واختلفوا في العيدين لما ورد في غسل الجمعة من الألفاظ التي تقتضي تأكيده حتى ظن منها أهل الظاهر الوجوب (٥).
فصل
والغسل الواجب يشتمل على ثلاثة أقسام: فروض وسنن وفضائل، كما اشتملت عليها الطهارة الصغرى. ويشارك [الغسل] (٦) الطهارة الصغرى في النية والماء الطاهر والموالاة. وأما الطهارة الكبرى فتنفرد بفريضة عموم سائر الجسد بالماء.
(حكم إمرار اليد على سائر الجسد)
وهل يجب إمرار اليد على سائر الجسد بالماء؟ المشهور من المذهب وجوبه، والشاذ إسقاطه. ووقع لأبي الفرج أنه يجب لا لنفسه؛ بل ليوصل الماء إلى سائر الجسد، إذ يمكن أن ينبو الماء عن بعضه لولا إمرار اليد.
_________________
(١) في (ص) فلم يتكرر تكرارًا و(م) و(ق) فلم يتكرر.
(٢) في (ق) و(ص) لها.
(٣) في (ر) السنن.
(٤) في (ص) تأكد.
(٥) أخرج البخاري في الأذان (٨٥٨) واللفظ له، ومسلم في الجمعة (٨٤٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ".
(٦) ساقط من (م) و(ق) و(ص).
[ ١ / ٢٩٧ ]
وسبب هذا الخلاف التحاكم إلى اللغة (١) هل يسمى صب الماء من غير تدلك غسلًا أو لا يسمى بذلك إلا إذا قارنه التدلك؟ ويحتج من يسميه غسلًا بقولهم غسلت الأمطار ما تمر عليه، وهو صب الماء من غير زيادة. ويحتج الآخرون بتفريقهم بين الانغماس والاغتسال، ولا فرق إلا إمرار اليد وعدم إمرارها. ويعتذر آخرون عن هذا أن التفرقة ترجع إلى (٢) غير إمرار اليد؛ وذلك أن المغتسل قد عم جميع جسده والمنغمس قد يعم جميع [جسده] (٣)، وقد لا يعم. والثابت عن الرسول - ﷺ - أنه كان يفيض الماء على جسده ولم يثبت عنه التدلك. وقد روي عنه أيضًا (٤) - ﷺ - أنه أمر بالتدلك وقد لا يثبت (٥) ذلك. واحتج من أوجب التدلك [أيضًا] (٦) بقوله - ﷺ -: " أَنْقُوا الْبَشَرَ" (٧). وهذا لا دليل فيه، والمطلوب منه إيصال الماء إلى جميع أجزاء الجسد. هذا (٨) ما يتعلق بالمسألة من جهة اللغة، وأما الالتفات إلى المعنى فلا شك أن المطلوب من الغسل النظافة وإزالة الأوساخ وإنقاء البدن. وهل يحصل ذلك من غير تدلك أم لا؟ فمن أوجب التدلك رأى أنه لا يحصل [الإنقاء إلا به ومن لم يوجبه رأى أن ذلك يحصل] (٩) بمجرد صب الماء.
وأما التحاكم إلى اللغة في تسمية الغسل فلا شك في حصوله وإن لم
_________________
(١) في (ق) إلى أهل اللغة.
(٢) في (م) على.
(٣) بياض في (ر) وساقط من (م) و(ص).
(٤) (ت) عن رسول الله.
(٥) في (م) ولا يثبت.
(٦) ساقط من (ت).
(٧) ولفظ الحديث كاملًا: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ" أخرجه الترمذي في الطهارة (١٠٦) واللفظ له، وأبو داود في الطهارة (٢٤٨)، وابن ماجه في الطهارة (٥٩٧)، وقال الترمذي في راوي الحديث الحارث بن وجيه: "حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ حَديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثِهِ وهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَاكَ"، وقال فيه أبو داود: "الْحَارِثُ ابْنُ وَجِيهٍ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ".
(٨) في (ر): وهذا.
(٩) ساقط من (ت).
[ ١ / ٢٩٨ ]
يوجد التدلك (١). وهل يجزي التدلك على القول بايجابه (٢) وإن لم يكن مقارنا لصب الماء بل كان عقيبه؟ للأشياخ قولان: أحدهما: أنه لا بدّ من مقارنة التدلك بصب الماء، فلو انغمس المتطهر في ماء ثم تدلك عقيب ذلك من غير تأخير (٣) لم يجز عند هؤلاء. والثاني: أنه يجزيه إمرار اليد والتدلك إذا (٤) كان عقيب صب الماء أو الانغماس. وهذا خلاف في التسمية هل يحصل التدلك عقيب صب الماء أو لا يحصل إلا بأن يقارن صب الماء. [والصحيح أنه يجزئ التدلك عقيب صب الماء وتكليف غير ذلك من الحرج الذي تسقطه الشريعة] (٥).
وإذا أوجبنا التدلك فكان (٦) في الجسد موضع لا يصيبه ذلك لقصر في اليد أو لعلة مانعة منه، وإن لم يقدر الإنسان على أن يستنيب من يدلك له [ذلك] (٧) الموضع، ولم يقدر على أن يمسح ذلك بحائط أو ما في معنى ذلك فلا خلاف في سقوط التدلك في الموضع الذي لا يقدر على تدلكه.
وإن كان يقدر على الاستنابة (٨) أو على مسحه كما قلناه فهاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يستنيب، والثاني: أنه لا يلزمه (٩) الاستنابة، والثالث: [أنه] (١٠) إن كان يسيرًا لم يلزمه ذلك وإن كان كثيرًا لزمه. والقولان الأولان مبنيان على شهادة هل يحصل بطلب الاستنابة الحرج [فيسقط ذلك أم لا يحصل به حرج فلا يسقط] (١١).
_________________
(١) في (ت): تدلك.
(٢) في (ت): بوجوبه.
(٣) في (ت) تراخ.
(٤) في (ت):إن.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ت): وكان.
(٧) ساقط من (ت).
(٨) في (ت): استنابة
(٩) في (م) لا يلزمه بسبب الحرج.
(١٠) ساقط من (ت).
(١١) ساقط من (م).
[ ١ / ٢٩٩ ]
وأما التفرقة بين اليسير والكثير فبناء على أن القليل معفو عنه لا سيما إذا قارنه ما قد يعد حرجًا.
فصل (في حكم الشعور الكثيفة)
واختلف في تخليل الشعور الكثيفة في الغسل، هل يجب ذلك؟ فالمشهور إيجابه في الغسل بخلاف الوضوء، والشاذ إسقاطه. ويستوي في هذا شعر اللحية وشعر الرأس- إن كانت وفرة- وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يخلل في الغسل من الجنابة أصول شعر رأسه (١). وقد اختلف الأصوليون هل تحمل أفعاله التي قصد بها القربة على الوجوب أو على الندب؟
وأجاز في المدونة للمرأة أن تغتسل ولا تنقض ضفرها (٢) ولكن تضغثه بيديها (٣). ومعناه تخلله بأصابعها وتعركه (٤) حتى يصل الماء إلى أصوله، وهذا إذا لم يكن عليه حائل يمنع وصول الماء إلى أصوله؛ فإن كان هناك حائل أزيل وإن أدى إلى نقض الضفر.
وكذلك يجري الحكم في مسح الرأس في الوضوء. فإنه أجاز في المدونة أن تمسح على ضفرها (٥). وهذا إذا لم يكن عليه حائل يمنع من وصول الماء إليه؛ فإن كان هناك حائل جرى نقضه [وعدم نقضه على الخلاف في وجوب إيعاب جميع الرأس فقد تقدم.
_________________
(١) أخرج البخاري في الغسل (٢٤٨)، عن عائشة "أَنَ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمّ يَتَوَضأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ يُدْخَلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلاَثَ غُرَفِ بيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ".
(٢) في (ص) شعرها.
(٣) المدونة ١/ ٢٨.
(٤) قال في مختار الصحاح ١/ ١٨٠: عَرَكَ الشيء: دلكه.
(٥) المدونة ١/ ١٦.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فصل (ما يفعل من بيده نجاسة وليس معه ما يغرف به الماء)
وأما سنن الطهارة الكبرى؛ فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وذلك مما تشترك فيه الطهارتان الصغرى والكبرى] (١) وقد قدمنا صفة الغسل.
ولو أتى الجنب إلى بئر قليلة الماء [أو ما في معناها] (٢) وبيده نجاسة وليس معه ما يغرف به [الماء] (٣). قال في المدونة: [يحتال حتى يغتسل أو يغرف] (٤) ولم يذكر كيف يحتال. وفي غير المدونة أنه يتوصل إلى غسل يديه بأن يرمي في الموضع ما يقبض به الماء إن أمكن ذلك؛ فإن لم يمكن أنزل [في] (٥) الماء خرقة طاهرة إن كانت معه ويغسل يديه بما يعتصر (٦) من الخرقة، فإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن يأخذ بفيه ماء ففيه قولان: [أحدهما:] (٧) أن له ذلك (٨) بفيه فيصب على يديه. والثاني: أنه لا يجزيه ذلك. فإذا أجزنا غسل النجاسة بغير الماء من المائعات (٩) فلا شك في جواز ذلك. فإن اقتصرنا على الماء فيختلف في هذه المسألة.
وسبب الخلاف [في] (١٠) شهادة بأن [الماء] (١١) المنفصل عن الفم هل
_________________
(١) ساقط من (م).
(٢) ساقط من (ق).
(٣) ساقط من (ر) و(ت).
(٤) في (ق) حتى يغتسل أو يغرق. والذي في المدونة ١/ ٢٧: (يحتال لذلك حتى يغسل يده ثم يغرف منها فيغتسل).
(٥) ساقط من (م).
(٦) في (ق) و(م) بما يفيض.
(٧) ساقط من (ق) و(م)
(٨) في (ق) أن له أن يأخذ بقيا.
(٩) ساقط من (ق) وفي (ص) بالماء من المائعات، وفي (م) بغير المائعات.
(١٠) ساقط من (ص) و(ق).
(١١) ساقط من (م) وطمس في (ص).
[ ١ / ٣٠١ ]
يخالطه من الريق ما يضيف الماء (١) أو لا يخالطه قدر ذلك.
فإن لم يقدر على تناول الماء بوجه من الوجوه إلا بأن يدخل يده فيه؛ فإن كان في يده من النجاسة مقدار ما يغير الماء فإنه يتيمم ويتركه، وإن كان الماء لا يتغير بذلك والماء يسير فيجري على الخلاف المتقدم في الماء اليسير تحله النجاسة ولا تغيره. وقد تقدم الثلاثة الأقوال: أحدها: أنه طاهر [مطهر] (٢) فيستعمله هذا. والثاني: أنه نجس فيتركه هذا، وينتقل إلى التيمم. والثالث: أنه مشكوك في حكمه (٣) فيختلف هل يتيمم ويصلي [صلاة واحدة على ما قدمناه] (٤) ثم يغتسل به ويصلي صلاة ثانية؟ أو يغتسل به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة على ما قدمناه؟
وأما المضمضة والاستنشاق فهما عندنا (٥) سنتان في الغسل كما هما
في الوضوء. وكذلك مسح داخل الأذنين. وأما خارجهما فلا خلاف في
فرضيتهما في الغسل. والداخل هاهنا الصماخ (٦).
فصل
وأما فضائل الغسل فهي الابتداء بالوضوء قبله.
(حكم الرجلين في الغسل)
وهل يكمل أعضاء الوضوء أو يبقي الرجلين حتى يغسلهما في آخر غسله؟ في المذهب في ذلك قولان. وقد روت عائشة ﵂
_________________
(١) ساقط من (ت). كذا في سائر النسخ.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (م) و(ق) فيه.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) و(ت) عندي.
(٦) قال في مختار الصحاح ١/ ١٥٥: الصِّماخُ بالكسر: خرق الأذن.
[ ١ / ٣٠٢ ]
عنه - ﷺ - أنه كان يكمل وضوءه (١). وروت عنه ميمونة (٢) ﵂ أنه كان يبقي غسل رجليه إلى آخر غسله (٣). والحديثان ثابتان عنهما ولا تاريخ يوجب النسخ (٤)؛ فيحمل فعله على جواز الأمرين. وقد قيل: إن ذلك يختلف فإن كان بموضع لا أوساخ فيه فيقدم غسل الرجلين، وإن كان في موضع فيه أوساخ فيؤخر ذلك؛ لأن تقديم غسلهما غير مفيد إذ يتلطخان بالأوساخ. وإنما ابتدأ بأعضاء الوضوء تشريفًا لها. فمن رأى أن حقيقة التشريف أن يكمل، رأى أن يكمل وضوءه. ومن رأى أن حقيقة التشريف أن يبدأ بها ويختم بها قال يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله. وهكذا قيل في هذا. وقد قدمنا أن الحديثين يقتضيان التخيير.
وهل يعيد غسل أعضاء الوضوء إذا بدأ بها؟ أما إذا نوى به الفضيلة؛ فيعيد غسلها، وإن نوى الفرض فلا تلزمه الإعادة. وإن قلنا إنه يؤخر غسل رجليه [إلى آخر غسله،] (٥) فإنه إذا غسل وجهه وغسل ذراعيه أفاض الماء على رأسه ولم يمسح.
وإن قلنا يكمل وضوءه فإنه يمسحه، ولا شك أنه لا يجزيه المسح عن الغسل، فيعيد غسله على كل الأحوال (٦).
_________________
(١) أخرج البخاري في الغسل (٢٤٨) عن عائشة زَوْج النَّبِيِّ - ﷺ - "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ".
(٢) هي: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، تزوجها النبي - ﷺ - وقت فراغه من عمرة القضاء، كان اسمها برة فسماها النبي - ﷺ - ميمونة توفيت سنة ٦١ وقيل: سنة ٥١. السير ٤/ ٥١٤.
(٣) أخرج البخاري في الغِسل (٢٧٤) واللفظ له، ومسلم في الحيض (٣١٧) "عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ وَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بالْأَرْضِ أَوِ الْحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذرَاعَيهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأسِهِ الْمَاءَ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ثُمّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قَالَت: فَأَتيتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا فَجَعَلَ يَنْفُضُ بيَدِهِ".
(٤) في (ت) ولا تراجع موجوب النسخ.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) الأقوال.
[ ١ / ٣٠٣ ]
فصل (في أن الغسل يجزي عن الوضوء)
والغسل يجزي عن الوضوء؛ فلو اغتسل ولم يبدأ بالوضوء ولا ختم به (١) أجزأه غسله عن الوضوء لاشتماله عليه. هذا إن لم يحدث بعد غسل شيء من أعضاء الوضوء. وأما إن أحدث فلا يخلو من ثلاث صور: أحدها: أن يحدث قبل غسل شيء من أعضاء الوضوء؛ فهذا الذي قلنا فيه يجزيه الغسل عن الوضوء. والثانية: أن يحدث بعد كمال غسله (٢) فهو كالمحدث يلزمه أن يجدد وضوءه. والثالثة: أن يحدث في أثناء غسله، فهذا إن لم يرجع فيغسل ما غسله من أعضاء الوضوء قبل حدثه فإنه لا يجزيه.
وهل يفتقر هذا في غسل ما تقدم من أعضاء الوضوء إلى نية أم تجزيه نية الغسل عن ذلك؟ فيه قولان للمتأخرين. وقال أبو محمد بن أبي زيد إنه يفتقر إلى نية. ورأى (٣) أبو الحسن بن القابسي أنه لا يفتقر إلى ذلك. وهذا على الخلاف هل يرتفع الحدث عن كل عضو بإكماله؛ فيكون هذا إذا غسل بعض الأعضاء قبل حدثه (٤) ثم أحدث فقد ارتفع الحدث عن الأعضاء المغسولة، وما طرأ من الحدث يوجب استئناف غسلها فيفتقر فيه إلى نية، أولًا يرتفع الحدث إلا بإكمال الطهارة فيكون هذا إذا أحدث بعد أن غسل بعض الأعضاء، عدَّ ذلك الغسل كالعدم، فإذا عاد انسحبت نية غسل الجنابة عليه. وهذا جار في كل الأحداث من مس الذكر وغيره (٥).
_________________
(١) في (ق) ولا يتم به.
(٢) في (ت) بعد كمال وضوئه غسله.
(٣) في (ق) و(ت) وروى.
(٤) خرم في (ت).
(٥) في (م) و(ق) ونحوه.
[ ١ / ٣٠٤ ]
فصل (في فضيلة الابتداء بما بدأ به النبي - ﷺ -)
ومن فضائل الغسل الابتداء بما بدأ به النبي - ﷺ -، وهو أن يغسل الأعلى من جسده فالأعلى والأيمن فالأيمن، وهذا لا أعلم خلافًا (١) في أنه لا يعد من الفروض. وقد قدمنا حكم الموالاة في الوضوء. وذلك بعينه جار (٢) في الغسل.
فصل (حكم النية في الطهارة الكبرى والصغرى)
وقد قدمنا أن النية من فروض الوضوء، وأن الغسل يشاركه في ذلك. وهذا هو المشهور من المذهب. وحكى ابن المنذر (٣) عن مالك في كتابه "الوسيط" (٤) أن النية غير واجبة في الوضوء، وكذلك يكون [على هذا حكمها في الغسل] (٥).
وسبب الخلاف في هذا أن الطهارة الكبرى والصغرى (٦) فيهما شوب (٧) من العبادة والنظافة؛ فمن غلب عليهما شوب العبادة أوجب النية
_________________
(١) في (ر) فيه خلافًا.
(٢) في (ق) و(م) جاز.
(٣) في (ص) أبو المنذر على هذا. وهو: محمد بن إبراهيم بن المنذر أبو بكر النيسابوري الفقيه نزيل مكة، أحد الأئمة الأعلام، كان مجتهدًا لا يقلد أحدًا، وإن كان معدودًا من أصحاب الشافعي. سمع محمد بن عبد الحكم والربيع بن سليمان .. قيل: توفي سنة: ٣٠٩ أو ٣١٠ هـ، وقال الذهبي: إنه ليس شيء. وحدث ابن القطان نقل وفاته سنة ٣١٨ هـ، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٩٨ - ٩٩ (٤٤). وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٠٣.
(٤) في (ص) و(م) و(ق) الأوسط.
(٥) ساقط من (ص).
(٦) في (ق) و(م) أو الصغرى.
(٧) في (ر) شوائب.
[ ١ / ٣٠٥ ]
كالصلاة، ومن غلب عليهما حكم (١) النظافة لم يوجب [النية] (٢) كغسل النجاسة (٣).
وإذا أوجبنا النية فما محلها؟ أما محلها من المكلف القلب، والنية هي القصد، ومحل القصد (٤) القلب. وأما محلها من العبادات فأولها هذا فيما يبدأ منه بالفروض كالصلوات، وهاهنا يبدأ بالسنة (٥) كغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق.
واختلف هل يبدأ بالنية في مبادئ الوضوء لأنه فعل متصل؟ أو تكون البداية بها (٦) عند الآخر في الفروض لأن النية إنما تفرض للفرض (٧) فلا يبدأ بها عند النوافل؟ والجمع بين القولين أن يبدأ بها في أول الوضوء، ثم يداوم ذكرها إلى غسل الوجه. ولا يضر بعد الابتداء بها في محلها أن تختلس (٨) بعد ذلك. هذا إذا قصد بنيته جملة الطهارة.
وهل للمكلف أن يفرق النية على أعضاء الوضوء؟ في ذلك قولان: أحدهما: أنه لا يجوز كالصلاة؛ فإنه لا يجوز أن يفرق النية على أجزائها، بل عليه أن ينوي جملتها. والثاني: أنه يجوز بخلاف الصلاة، لأن كل عضو قائم بنفسه. وهذا يلتفت إلى ما قدمناه من الخلاف في الأعضاء هل يرتفع عن كل عضو منها الحدث بكماله أو لا يرتفع إلا بكمال جميعها. وفي المدونة فيمن أبقى (٩) غسل رجليه من طهارته فخاض بهما نهرا
_________________
(١) في (ق) و(م) شوب.
(٢) ساقط من (ص).
(٣) في (ق) الجمعة.
(٤) في (ق) القصود.
(٥) في (ت) التسمية.
(٦) في (ص) هنا.
(٧) في (ر) في الفروض.
(٨) في (ر) تختلسه، وخرم في (ص) و(م).
(٩) في (ص) نسي، وفي (م) و(ق) بقي، وفي (ت) خرم.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فدلكهما فيه ولم ينو غسلهما للطهارة (١) أنه لا يجزيه حتى ينوي بهما الطهارة (٢). وأخذ القاضي أبو محمد [عبد الوهاب] (٣) من هذا جواز تفرقة النية على أعضاء الطهارة. ولولا (٤) أن هذا الذي أبقى (٥) غسل رجليه فرق نيته [على] (٦) الأعضاء لانسحبت (٧) النية الأولى على الرجلين لكان لا يفتقر في غسلهما إلى تجديد نية. وقد اعتذر عن هذا بأن النية إنما تنسحب (٨) ما لم تحصل التفرقة. وأما إذا حصلت التفرقة بطل (٩) حكم الانسحاب.
وإذا قلنا بأن محل النية أول الطهارة؛ فإن قارنت فلا شك في الإجزاء، وإن تأخرت فلا شك في الإبطال، لأن ما تقدم من الوضوء خال عن النية، وإن تقدمت فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أن تتقدم بالزمان الطويل أو بالزمان القصير. فإن طال الزمان لم تجز، وإن قصر فقولان: أحدهما: الإجزاء، وهذا بناء على أن ما قارب الشيء حكمه حكمًا لشيء، أو مراعاة لقول من [لم] (١٠) يوجب النية. والثاني: عدم الإجزاء، لأن النية عَرَض لا تبقى وقتين (١١). فإذا لم يستدم ذكرها حتى تقارن الفعل فهي في حكم العدم. ولا خلاف في صحة الصوم وإن لم تقارن النية أول جزء منه. والمنصوص في [الصلاة] (١٢) وجوب مقارنة النية لأولها. وكأن الوضوء فرع بين هذين؛ فمن رده إلى الصوم فلا خلاف في عدم لزوم مقارنة النية فيه (١٣)
_________________
(١) في (ص) للجنابة.
(٢) المدونة ١/ ٣٢.
(٣) ساقط من (ت) و(ص) و(م).
(٤) في (ت) الطهارة قال ولولا.
(٥) في (ص) نسي.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ت) ولا تسحب.
(٨) في (ص) تصحب.
(٩) في (ت) وإلا إذا حصلت التفرقة بطل، وفي (م) وإلا أبدًا حصلت التفرقة بطل.
(١٠) ساقط من (ر) و(ص).
(١١) في (ت) و(ق) زمانين.
(١٢) ساقط من (ص) وفي (م) و(ت) المدونة.
(١٣) في (ت) و(ص) فمن رده إلى الصوم فلا خلاف في لزوم النية فيه.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أو جاز أن تتقدم النية، ومن رده إلى الصلاة فلا. لأن الصوم يشق محاذاة أوله بالنية، والوضوء لا يشق فيه ذلك، ولذلك أوجبت المقارنة.
فصل (في المطلوب من النية في الطهارة)
والمطلوب من النية في الطهارة أن ينوي أحد ثلاثة أشياء: إما رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، أو امتثال (١) الأمر. وهذه متى حضر (٢) ذكر جميعها فلا يمكن أن يقصد (٣) أحدها دون الآخر بل هي متلازمة، وإن حضر بباله بعضها أجزأ عن جميعها كما قدمناه. ولو خطر بباله جميعها وقصد بطهارته بعضها ناويًا عدم حصول الإجزاء فالطهارة أيضًا باطلة. لأن النية غير حاصلة، ومثاله أن يقول أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة، أو [أستبيح الصلاة] (٤) ولا أرفع الحدث، أو أمتثل أمر الله في الإيجاب ولا أستبيح ولا أرفع، فهذا أتى بنية متضادة شرعًا [وحكمًا] (٥) فتتنافى (٦) النية وتكون كالعدم.
ولو توضأ أو اغتسل قاصدًا بالاستباحة صلاة (٧) دون غيرها فإن لم يحضر الغير (٨) بباله استباح كل صلاة، ولو حضر بباله وقصد أنه لا يتطهر له ومثاله أن يقول: أتطهر للظهر دون العصر؛ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجزيه ويصلي به سائر الصلوات، والثاني: أنه لا يجزيه ولا
_________________
(١) في (ت) و(ق) وامتثال.
(٢) في (ت) خطر.
(٣) في (ص) أن يقد أحدهما وفي (ت) و(ق) أن يقصد ذكر أحدهما.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ت) و(ق) و(ص).
(٦) غير مقروء في (ت).
(٧) في (ت) الصلاة.
(٨) في (م) فإن لم يخطر الغسل.
[ ١ / ٣٠٨ ]
يصلي به ظهرًا (١) ولا غيره. والثالث: أنه يصلي به ما نوى دون غيره. وهذا بناه الأشياخ في الرفض للطهارة على الخلاف هل يؤثر أم لا؟ لأنه إذا قصد الظهر (٢) مثلًا دون العصر فكأنه يقول (٣) أستبيح الظهر فبعد (٤) استباحتها أرفض وضوئي، ولكنه أتى بالاستباحة والرفض في حالة واحدة. فمن التفت إلى سبق الإباحة غلب حكمها وقال: تجزي لكل صلاة. وما قصده من الرفض مخالف لحكم الشرع فيبطل. ومن التفت إلى وقوع القصدين [المتضادين] (٥) في حالة واحدة حكم بالتنافي كما قلناه فيمن نوى رفع الحدث دون استباحة الصلاة. ومن صحح الرفض ورأى أن للاستباحة رتبة السبق (٦) حكم بإجزاء الصلاة الأولى دون الثانية (٧).
فصل (هل تجزي النية لغير الصلاة للصلاة؟)
وإذا حكمنا بأن النية لصلاة (٨) واحدة من غير خطور (٩) غيرها بالبال تجزي عن سائر الصلوات، فهل يحل غير الصلاة (١٠) في محلها في ذلك (١١)؟
_________________
(١) في (ص) صلاة.
(٢) في (ت) الطهارة الظهر.
(٣) في (ت) و(ق) يقول مثلا.
(٤) في (ق) بعد.
(٥) ساقط من (ص).
(٦) في (ق) السنن.
(٧) في (م) النية.
(٨) في (ت) و(ق) و(ص) للصلاة.
(٩) في (ق) و(ص) و(م) حضور.
(١٠) في (ص) فهل غير الطهارة.
(١١) في (م) في ذلك أم لا.
[ ١ / ٣٠٩ ]
(حكم ما تشترط له الطهارة)
الأفعال على ثلاثة أقسام: قسم لا يصح إلا بالطهارة، كالصلاة على اختلاف أنواعها من فرض وسنة وفضيلة ونافلة وصلاة جنازة وسجود القرآن، وكذلك مس المصحف والطواف بالكعبة ودخول المسجد في حق الجنب والحائض. فهذا كله إن قصد إلى استباحة بعضه استباح بذلك سائر ما تشترط فيه الطهارة.
(ما لا تشترط له الطهارة ولا تستحب)
وقسم لا تشترط فيه الطهارة ولا تستحب (١) كالمشي إلى السوق والأكل والشرب، فهذا لا يجزي القصد إلى استباحته. ومتى قصد إلى ذلك بطهارته لم يستبح بذلك شيئًا من الأفعال التي تشترط فيها الطهارة.
(ما تستحب له الطهارة)
وقسم ثالث تستحب (٢) فيه الطهارة؛ كمن توضأ مجددًا أو اغتسل للجمعة ناسيًا للجنابة أو توضأ لقراءة القرآن طاهرًا أو توضأ للدخول على السلطان، ولا يقصد (٣) غير ما ذكرناه؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه يستبيح كل ما الطهارة شرط فيه، والثاني: ألا يستبيح به شيئًا مما تفرض الطهارة له.
وسبب الخلاف الالتفات إلى أن الطهارة غير واجبة لهذا القبيل ولا يجزي القصد إلى طهارة غير واجبة عن القصد إلى طهارة واجبة. والثاني: الالتفات إلى أنه قصد أن يكون على طهر، بل قصد إلى أن يكون على أكمل حال من الإجزاء. وقد تضمنت نيته الإجزاء زيادة فتجزي.
_________________
(١) في (م) و(ت) تستباح.
(٢) في (ر) و(ق) لا تجب.
(٣) في (م) و(ق) ولا يقصد ما ذكرناه.
[ ١ / ٣١٠ ]
فصل (حكم تعدد المقاصد في رفع الحدث)
ومتى قصد إلى رفع الحدث، فإن اتحد [الحدث] (١) فلا تفريع. وإن تعدد القصد فلا يخلو من أن يكون من جنس واحد أو من جنسين؛ فإن كان من جنس واحد فإن نوى رفع واحد منها ارتفع جميعها، هذا إذا لم يخطر بباله إلا ما نوى. فإن خطر غيره [بباله] (٢) وقصد رفع البعض دون البعض جرى على ما قدمناه إذا قصد استباحة الصلاة دون رفع الحدث، وإن كان جنس الحدث مختلفًا. فأما ما يوجب الطهارة الصغرى؛ فالمختلف منه كالمتفق لأن حكم الواجب منه (٣) متحد وهو الوضوء، وما يمنعه متحد وهو كل ما يشترط فيه الوضوء. وأما ما يوجب الطهارة الكبرى إذا اختلف جنسه كالحيض والجنابة فإن وقعت النية لهما أجزأت، وإن نويت إحداهما دون الأخرى فثلاثة أقوال: أحدها: الإجزاء لأن الواجب عنهما متحد وهو غسل جميع الجسد، والثاني: عدم الإجزاء لأن الحيض يختص بمنع الجماع والطلاق، والجنابة تختص بمنع قراءة القرآن ظاهرًا (٤) على المشهور. والثالث: أن القصد إلى الحيض يجزي دون القصد إلى الجنابة، وهذا لأن الحيض يمنع مما قلناه بلا خلاف، والجنابة قد قيل إن الحيض يشاركها في المنع من قراءة القرآن ظاهرًا.
ومن كان عليه غسل جنابة وجمعة؛ فإن قصد الاغتسال للجنابة (٥) ناسيًا للجمعة ففي ذلك قولان: أحدهما: الإجزاء؛ لأنه قصد الآكد. والثاني: عدم الإجزاء، لأنه قصد واجبًا. والغسل للجمعة سنة ولا يحصل إلا بحصول الواجب فهو أكمل ولا يحصل الأكمل إلا بالقصد إليه.
وأما إن قصد الجمعة دون الجنابة فقد تقدم القولان. فإن قصدهما
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ق) و(ت) و(ص).
(٣) في (ق) عنده، وساقط من (ر) وخرم في (ت).
(٤) في (ق) و(ت) طاهرًا.
(٥) في (ص) قصد بالاغتسال إلى الجنابة.
[ ١ / ٣١١ ]
جميعًا ففي المذهب قولان: أحدهما: الأجزاء، وهو المشهور، لأنه قد نوى كل واحد منهما والغسل متحد ونية الأجزاء والكمال لا تتنافى. والثاني: أنه لا يجزي، وهذا يرى تنافي النية هاهنا لأن الفرض واجب تحصيله والسنة غير واجب تحصيلها. فكأنه يقول في الغسل أغتسل لواجب غير واجب (١) في حالة واحدة وذلك متناف (٢). وما الذي يفعله على هذا القول؟ ينبغي أن يقصد الجنابة ويعتقد أنه نائب (٣) عن الجمعة.
فصل (حكم الغسل إذا فقدت اللذة المعتادة)
وقد تقدم أن الغسل يجب بإنزال الماء الدافق للذة مقارنة، فإن فقدت اللذة المعتادة وغير المعتادة ولم تكن مقارنة ولا سابقة (٤) فهاهنا قولان: المشهور أن الغسل غير واجب والشاذ إيجابه. وهذه صورة نادرة فهل يعلق الحكم عليها؟ بين الأصوليين خلاف في ذلك؛ فمن علق الحكم على الصورة النادرة رأى إسقاط الوجوب هاهنا، لأن اللذة متى فقدت جملة لحق بسلس الأحداث (٥)، وأيضًا فإن هذا إذا خلا ما يخرج منه عن اللذة جملة فهو كالودي صورة ومعنى، فلا يوجب (٦) غسلًا. ومن رأى إجراء الحكم على الغالب طردًا للقاعدة (٧) الكلية أوجب الغسل، لأن الشريعة علقت وجوب الغسل على المني والغالب حصوله بلذة، فإن حصل بغيرها فذلك نادر. وقد تكون اللذة متقدمة لسبب فلم يَعْرَ من لذة.
_________________
(١) في (ت) و(م) واجبة.
(٢) في (ق) استئناف.
(٣) في (ت) غائب.
(٤) في (ق) متابعة.
(٥) في (ص) البول.
(٦) في (ص) فلا يجب.
(٧) في (ر) لقاعدة.
[ ١ / ٣١٢ ]
فإن قارن مادة غير معتادة كمن يسابق فيمني أو ينزل حوض الحمام (١) أو تلدغه عقرب فيكون منه ذلك، فهذا فيه قولان: إيجاب الغسل بحصول (٢) اللذة، وإسقاطه. لأن وجود المني عن ذلك نادر، فيلحق بالصور النادرة. فإن كانت اللذة معتادة لكنها سابقة، كمن يجامع فيجد اللذة (٣) ولا يكون منه ماء، أو يتلذذ بغير الجماع ولا يكون منه ذلك، ثم بعد ذهاب تلك اللذة جملة يكون منه الماء؛ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الغسل التفاتًا (٤) إلى اللذة المتقدمة، ولأنها (٥) قد أثرت انفصال الماء عن موضعه، وإنما عجزت الطباع عن إبرازه (٦) في الحال. والقول الثاني: إسقاط الغسل لأن الماء لا حكم له ما لم يبرز، فإذا برز عاريا من اللذة لحق بما (٧) فقدت فيه اللذة جملة. والقول الثالث: أنه إن كان عن جماع ثم اغتسل له قبل بروز الماء ثم برز فلا يعيد الغسل، وإن كان عن غير جماع فلم يغتسل له فإنه (٨) يغتسل عند بروزه وهذا لأنه (٩) يوجب الغسل له لكنه لا يكون غسلان لحدث واحد.
وإذا أسقطنا الغسل فهل بجب منه الوضوء؟ في المذهب قولان: أحدهما: إيجابه، لأن أدنى مراتبه أن يكون كالودي (١٠). والثاني: إسقاطه لأنه كسلس المذي (١١).
_________________
(١) في (م) لحوض.
(٢) في (ت) و(ق) و(ص) لحصول.
(٣) في (ق) اللذة جملة.
(٤) في (ت) اتفاقا.
(٥) في (م) أو.
(٦) في (ص) إنزاله.
(٧) في (ص) فيما.
(٨) في (م) و(ق) لأنه.
(٩) في (ق) وهذا لا لأنه.
(١٠) في (ت) و(م) كالمدي.
(١١) في (ت) البول المدي.
[ ١ / ٣١٣ ]
وإذا صلى بعد وجود اللذة ثم برز (١) الماء، فهل يعيد تلك الصلاة؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإعادة، وهو بناء على أن لانفصاله من موضعه حكما كما تقدم. والثاني: أنه لا يعيد تلك الصلاة وهو بناء على أن المراعى وقت بروزه.
فصل (مشروعية الوضوء للجنب قبل النوم)
ولا خلاف أن الجنب مأمور بالوضوء قبل النوم، وهل الأمر بذلك وجوب أو ندب؟ (٢) المذهب قولان: وقد ورد عن النبي - ﷺ - أنه أمر الجنب بالوضوء قبل النوم (٣). وبين الأصوليين خلاف في أمره هل يحمل على الوجوب أو على الندب؟ واختلف في علة أمره بالوضوء قبل النوم؛ فقيل: لينشط للغسل. وعلى هذا لو فقد الماء لم يؤمر بالتيمم. وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين لأن النوم موت أصغر فشرعت فيه الطهارة الصغرى كما شرعت في الموت الطهارة الكبرى. فعلى هذا فإن فقد الماء تيمم.
فصل (هل يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل؟)
ولا يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل من الجنابة. وهل يجبرها
على الغسل من الحيضة؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يجبرها لأنها
_________________
(١) في (م) ينزل.
(٢) في (ت) و(م) واجبًا أو ندبًا.
(٣) أخرج البخاري في الغسل (٢٩٠)، ومسلم في الحيض (٣٠٦) عن عمر أنه ذكر لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ".
[ ١ / ٣١٤ ]
بتزويجه كالملتزمة للأحكام الواجبة (١) فيما بينها وبين زوجها. واعترض المتأخرون قول من (٢) أوجب عليها الغسل بأن غسلها يفتقر إلى النية وهي ممن لا يصح منها القصد إلى الغسل. والجواب عن هذا أن كل غسل يتعلق بالمغتسل (٣) يفتقر إلى نية، وما يتعلق بغيره فلا يفتقر إلى ذلك كغسل الإناء من ولوغ الكلب وغسل الميت.
فصل (حكم من استيقظ فوجد ماء في ثوبه)
ومن انتبه فوجد ماء فإن أيقن أنه مني اغتسل. وإن أيقن أنه مذي توضأ. وإن شك جرى على الخلاف فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث، فإن قلنا بإيجاب الوضوء هناك وجب الغسل على هذا، وإن قلنا باستحبابه هناك استحب الغسل لهذا (٤). ولو وجد منيًا في ثوبه الذي ينام فيه ولا يدري من أي نوم كان؟ ففيه قولان أيضًا: أحدهما: إيجاب إعادة ما صلى من أول زمن نام. والثاني: إيجاب إعادة ما صلى من آخر نومة (٥) نام فيه. وهو على الخلاف فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث، لأن هذا على يقين من طهارته المتقدمة، وشك هل كان المني في أول نوم نامه في الثوب أو آخر نوم. ووقع (٦) في بعض الروايات أنه إذا كان ينزع الثوب في النهار فإنه يعيد (٧) من آخر نومه (٨)، وإن كان لا ينزع فمن أول نوم (٩).
_________________
(١) في (ر) الواجبة على الغسل من الحيضة.
(٢) في (ت) قول ابن القاسم.
(٣) في (ق) و(م) بالمغسول.
(٤) في (ر) الغسل المدي.
(٥) في (ص) و(م) و(ق) نوم.
(٦) في (م) و(ق) وقد وقع.
(٧) فإنه يعتبر.
(٨) في (ص) نوم نام فيه.
(٩) في (ق) يومه.
[ ١ / ٣١٥ ]
وهذا بناء على وجوب الغسل بالشك. وإنما رأى أنه متى كان ينزعه ولم ير فيه جنابة دل ذلك على أن الموجود فيه من آخر نوم.
فصل (حكم وطء المسافر زوجته مع فقد الماء)
ومنع في الكتاب المسافر من أن يطأ أهله إلا أن يكون معه من الماء ما يكفيه، ولم يجز له الوطء والانتقال إلى (١) التيمم، وأجاز ذلك لمن به شجة وهو ينتقل عن غسل موضعها إلى المسح، وكذلك لو كان ينتقل إلى التيمم. وفرق بطول أمر صاحب الشجة وحاجته إلى وطء أهله (٢). قال الأشياخ: ولو علم أنه يطول سفره وفقد الماء (٣) لكان بمنزلة صاحب الشجة. وفي الكتاب في المسألة الأولى أنه لا يطأ زوجته ولا جاريته كانا على وضوء أو على (٤) غير وضوء (٥). ثم قال: وكل ذلك سواء. وللأشياخ هاهنا قولان: هل تعود تسويته (٦) على المتوضئ والمحدث، أو على الزوجة والجارية (٧)، لأن الزوجة لها حق في الوطء والجارية لا حق لها في ذلك. ولا شك أن مراده (٨) التسوية في الجميع.
_________________
(١) في (ت) من التيمم.
(٢) المدونة ١/ ٣١.
(٣) في (ق) و(م) وفقده وفي (ت) وفقره.
(٤) في (ص) وعلى.
(٥) المدونة ١/ ٣١.
(٦) في (ص) أحدهما هل تعود تسميته.
(٧) في (ت) على الزوجة أو الجارية.
(٨) في (ر) مراد.
[ ١ / ٣١٦ ]
فصل (حكم قراءة القرآن ظاهرًا للجنب والحائض)
واختلف في الجنابة والحيض؛ هل يمنعان قراءة (١) القرآن ظاهرا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يمنعان من ذلك. والثاني: أنهما لا يمنعان. والثالث: أن الجنابة تمنع بخلاف الحيض. وقد تقرر أنهمِ كانوا في العصر الأول يمتنعون (٢) من قراءة ما كثر من القرآن إذا كانوا جنبًا. وثبت عنه - ﷺ - أنه قال في الجنب: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" (٣)، وهذا يقتضي الإباحة. لكن ما ورد من فعلهم لا يتطرق إليه التأويل، وهذا إنما خرج على سبب وذلك أن أبا هريرة كان يماشي رسول الله - ﷺ - (٤) فانسل (٥) عنه فسأله عن سبب ذلك فقال: كرهت أن أماشيك جنبًا فقال - ﷺ -: "سُبحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" (٦). وهذا عموم ورد على سبب. وبين الأصوليين خلاف في تعديته أو قصره على سببه.
وأما التفرقة فلأن الجنب يقدر على رفع جنابته والحائض لا تقدر على ذلك، فلو منعت القراءة (٧) لأدى. إلى تضييع أجور تريد حصولها وقد يؤدي إلى نسيانها.
(هل يباح للجنب دخول المسجد؟)
وهل يباح للجنب دخول المسجد عابري سبيل؟ فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. وقد روي عنه - ﷺ - أنه قال: "لا أحل المسجد لجنب
_________________
(١) في (ت) و(ص) و(ق) من قراءة.
(٢) في (ر) و(ت) يمنعون.
(٣) البخاري في الغسل ٢٨٥، ومسلم في الحيض واللفظ له ٣٧١.
(٤) في (ق) أن أبا هريرة أنه يباشر رسول الله - ﷺ - بالخدمة.
(٥) في (ص) انخلس.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) في (ص) القرآن.
[ ١ / ٣١٧ ]
ولا لحائض" (١)، وهذا نص. ولكن يعارضه ما قدمناه من قوله: "إِن الْمُؤمِنَ لاَ يَنْجُسُ"، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) الآية. واختلف المفسرون هل المراد نفس الصلاة، أي لا تقربوا الصلاة بجنابة إلا [أن تكونوا] (٣) عابري سبيل، أي مسافرين فتيمموا وصلوا. وقيل: المراد موضع الصلاة فيكون على هذا دليلًا على جواز دخول الجنب للمسجد (٤) عابري سبيل.
فصل (حكم من أم الناس جنبا)
والمعروف من المذهب أن صلاة المأموم متعلقة (٥) بصلاة الإمام. والشاذ عدم الارتباط، وهو مذهب الشافعي. ولهذا لا يجوز عندنا أن يأتمّ المفترض بالمتنفل.
واختلف في إمام صلى بالناس جنبًا؛ فقيل: إن كان عامدًا بطلت الصلاة، وإن كان ناسيًا لم تبطل الصلاة، هذا في حقهم. وأما صلاته فباطلة بإجماع. وقيل صلاتهم صحيحة. وقيل باطلة. والقول بالصحة يقتضي أن
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في الطهارة (٦٤٥) بلفظ: "إنَّ الْمَسْجِدَ لاَ يَحِلُّ لِجُنُبٍ وَلاَ لِحَائِض"، وأبو داود في الطهارة (٢٣٢)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٢٨٤) بلفظ: "لًا أُحِلُّ الْمَسْجَدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُب" وقال صاحب تهذيب التهذيب ١/ ٣٢٠: قال الخطابي في شرح السنن: ضعّفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت- راوي حديث أبي داود- راوية مجهول، وقال ابن حزم أفلت غير مشهور ولا معروف بالثقة وحديثه هذا باطل، وقال البغوي في شرح السنَّة ضعف أحمد هذا الحديث لأن راويه أفلت وهو مجهول. قلت: قد أخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه وقد روى عنه ثقات ووثقه من تقدم وذكره ابن حبان في الثقات أيضًا وحسنه ابن القطان.
(٢) النساء: ٤٣.
(٣) ساقط من (ق).
(٤) في (ر) و(ق) و(م) و(ت) دخول المسجد.
(٥) في (م) و(ت) متصلة وفي (ق) مرتبطة.
[ ١ / ٣١٨ ]
كل مصل صلى (١) لنفسه كما يقول الشافعي. والقول بالإبطال يقتضي تعلق الصلاتين.
والتفرقة بين العمد والنسيان لم يظهر للشيخ أبي القاسم السيوري وجهها فقال: هما قولان [جميعًا] (٢) في التأليف، وإنما قال مالك بالإبطال (٣) لما سئل عن صلاة العامد في وقت لو سئل فيه عن صلاة [الناسي لقال تبطل، وقال بالصحة لما سئل عن الناسي في وقت لو سئل فيه عن صلاة] (٤) العامد لقال بالصحة.
وهذا تأويل بعيد وتجهيل لمؤلف المدونة، فإنه فصل بين العامد والناسي وتفصيله فلا بدّ يقتضي اختلاف الحكم عنده. وقد اعتذر القاضي (٥) أبو محمد عن الفرق بأن الناسي غير عاص والعامد فاسق (٦) لعمده فتبطل الصلاة بناء على بطلان إقامة الفاسق. وهذا الاعتذار إذا أدير عليه التقسيم فإنه لا يخلو من أن يقال بتعلق الصلاتين أو بعدم تعلقهما؛ فإن تعلقتا وجب البطلان، وإن لم تتعلقا (٧) وجبت الصحة، وإن كان فاسقا.
وخير ما اعتذر به أن الناسي، قاصد (٨) إلى الصلاة فتساوى القصدان، وإن كان باطلًا عند الله فلا يضر ذلك مع تساوي القصدين. فإذا كان عامدًا (٩) ولم يقصد الصلاة فاختلف القصدان. ومتى اختلفت بطلت الصلاة عندنا.
_________________
(١) في (ص) يصلي وفي (ق) مصل.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ص) مالك في التأليف بالإبطال.
(٤) ساقط من (ص).
(٥) في (م) و(ت) القروي.
(٦) هكذا في (ر) وفي (ق) فاسق عاصٍ في يغذره.
(٧) في (ص) وإن لم يتعلقا لما وجبت أصحت.
(٨) في (ق) قصدًا وفي (ت) و(م) قصد.
(٩) في (ت) و(ق) و(م) العامد.
[ ١ / ٣١٩ ]
(حكم الإمام يذكر جنابه في الصلاة)
ولو ذكر الإمام جنابة في أثناء الصلاة فعلى القول (١) ببطلان صلاة المأمومين مع النسيان يقطع. وعلى القول بصحتها يستخلف كما قال في الكتاب. فإن لم يفعل وتمادى بطلت الصلاة. ولو علم أحد ممن خلفه بجنابته لبطلت صلاة العالم بذلك. قالوا ولو طرأ لأحد من المأمومين العلم في الصلاة أوجب على من طرأ له ذلك أن يعلم الإمام حتى يستخلف. وتبطل صلاة هذا لأنه في وقت العلم صار مقتديًا بمن لا يصح الاقتداء به.
فصل (حكم من صلى بثوب نجس أو حرير)
وقد قدمنا حكم المصلي بنجاسة ومتى يعيد؛ فإن كان إنما صلى بذلك عجزًا عن القدرة على غسل النجاسة (٢)، أو عجز عن ثوب طاهر يستر به فهاهنا قولان: أحدهما: أنه كالناسي يعيد في الوقت الذي يعيد فيه الناسي. والثاني: أن هذا يعيد الظهر والعصر أجمع (٣) بخلاف الناسي، لأن هذا معه عقله الذي يتلقى به التكليف. وبين الأصوليين خلاف في تكليف غير المستطيع. من قيل إن الناسي غير مكلف.
والصلاة بالحرير المحض لا تجوز للرجل ولا لباسه في كل الأحوال إلا أن تدعو لذلك الضرورة، كحكة تمنع ملاقاة الجسم بغير الحرير. ففي المذهب قولان: أحدهما: الإجازة (٤) لأنها ضرورة. والثاني: المنع. وأصل مبنى هذا شهادة على (٥) أن الضرورة لا تتصور حتى تمنع أن يلاقي الجسم
_________________
(١) في (ق) القولين.
(٢) في (ص) و(م) الجنابة.
(٣) في (ر) والعصر النهار كله، وفي (ص) والعصر نهاره أجمع.
(٤) في (ق) و(م) الإجزاء.
(٥) في (ق) وعلى هذا الأصل مبني على، وفي (ص) وأن هذا مبني على، وفي (م) وعلى هذا شهادة أعلى، وخرم في (ت).
[ ١ / ٣٢٠ ]
بغير الحرير. وكذلك القولان في لباسه في الجهاد؛ الجواز لأنه موضع ترهيب وإظهار قوة، والمنع أخذا بعموم ما ورد في الحديث من النهي (١).
فمن لم يجد إلا ثوب حرير [طاهر] (٢) وثوب نجس فبأيهما يصلي؟ قولان: أحدهما: أنه يصلي بالحرير من جهة أنه طاهر، ثم يعيد إذا قدر على غيره في الوقت. والثاني: أنه يصلي بالنجس، ثم يعيد إذا قدر على غيره أو على غسل النجاسة في الوقت أيضًا. وهذا خلاف (٣) في المكروهين إذا تقابلا أيهما يرتكب. والنجاسة تختص بالمنع في الصلاة دون غيرها فلها تأكيد بالاختصاص (٤). والحرير يحرم لباسه في كل الأوقات، فلهذا (٥) تأكد بعموم (٦) الأوقات. وهذا يتعلق بمسألة أصولية وهي الصلاة في الدار المغصوبة هل تصح أم لا؟ وذلك ينبني على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟
وإذا صلى بالحرير مع القدرة على غيره من الثياب الطاهرة فهل تبطل صلاته أم لا؟ ثلاثة أقوال: أحدها: البطلان، والثاني: الصحة مع العصيان، والثالث: إن كان عليه ما يستره من غير الحرير صحت الصلاة، وإن لم يكن عليه ما يستره بطلت.
فالصحة والبطلان مبنيان على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وأما التفرقة بين أن يكون عليه ما يستره أم لا، فإنه متى صار (٧) عريانا عن غيره صار كالمكشوف العورة شرعًا، ومتى كان مستور
_________________
(١) من ذلك ما أخرجه الترمذي في اللباس (١٧٢٠) واللفظ له، والنسائي في الزينة (٥١٤٨) عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإنَاثِهِمْ" قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) ساقط من (ر) و(ق) و(ص).
(٣) في (ص) على خلاف.
(٤) في (ق) فلهذا أكد بالاختصاص، وفي (ر) كالتأكد في الاختصاص.
(٥) في (ر) فلها.
(٦) في (ق) و(م) عموم.
(٧) في (ق) و(م) و(ت) و(ص) كان.
[ ١ / ٣٢١ ]
العورة بغيره كان (١) مرتكبًا للنهي فاعلًا لما يلزمه في الصلاة من ستر العورة.
فصل (حكم الصلاة أثناء مدافعة الخبث)
ولا يجوز أن يصلي وهو يدافع خروج الحدث؛ فإن فعل ففي الكتاب يعيد بعد الوقت (٢). قال الأشياخ: وهذا على ثلاثة أقسام (٣): أحدها: (٤) أن يمنع الحدث إتمام الفروض، وهذا يعيد في الوقت وبعده. والثاني: أن يمنعه من إتمام السنن، فهذا يعيد في الوقت لا بعده (٥). وينبغي أن يختلف في هذا على الخلاف في تارك السنن [متعمدًا] (٦) هل يعيد بعد الوقت؟ والثالث: أن يمنعه من إتمام الفضائل، فهذا لا إعادة عليه. وسيأتي بيان الفروض والسنن والفضائل في أول كتاب الصلاة إن شاء الله.
فصل (في مشروعية أداء صلوات متعددة بوضوء واحد)
ولا قائل اليوم (٧) بوجوب الوضوء لكل صلاة، وإنما يحكى ذلك عن علي ﵁، والعلماء غيره (٨) متفقون على أن في الآية إضمارًا.
_________________
(١) في (ر) وكان.
(٢) في (ق) يعيد في الوقت. وجاء في المدونة ١/ ٣٤ إذا شغله فأحب إلى أن يعيد. قلت له: في الوقت وبعد الوقت؟ قال إذا كان عليه الإعادة فهو كذلك.
(٣) في (ت) و(م) و(ق) أوجه.
(٤) في (ق) و(ت) و(م) أحدهما إما أن يمنعه.
(٥) في (ق) في الوقت وبعده.
(٦) ساقط من (ق) و(م).
(٧) في (ق) ولا قائل يقول اليوم.
(٨) في (ق) و(ص) بعده.
[ ١ / ٣٢٢ ]
واختلفوا في المضمر (١) ما هو؟ فقيل: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين (٢) ليكون ذلك إجمالًا لجميع الأحداث، ثم جاء التفصيل بعده. وقيل: إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع، أي من النوم، لأن الأحداث قد ذكرت في الآية ولم يذكر النوم. وإن قلنا إنه المحذوف اشتملت (٣) على جميع الأحداث. وإنما اضطر العلماء إلى هذا لما ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون بالوضوء الواحد صلوات، ما لم يحدثوا. وقد فعله الرسول - ﷺ - يوم فتح مكة، وسأله عمر ﵁ عن ذلك فقال: "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ" (٤). وأراد أن يقتدى به في ذلك. وتجديد الوضوء مستحب بلا خلاف.
فصل (حكم ثياب أهل الذمة)
وقد قدمنا الخلاف في صور من عادته يستعمل النجاسة إذا شك هل معه نجاسة أم لا؟ فإن الخلاف في ذلك على الخلاف في الرجوع إلى الأصل والغالب. وقد حكموا (٥) في ثياب أهل الذمة إذا أخذها المسلم أنه لا يصلي بها، هذا فيما لبسوه. وأما ما نسجوه فأجازوا الصلاة بها. وإن أمكن أن يلاقوه بالنجاسة ولا يوجد فرق إلا أحد (٦) وجهين؛ إما لأن السلف كانوا يلبسون ما نسجه أهل الذمة من غير غسل، وهذا لمشقة غسل الجديد. وأما لأن الغالب فيما لبسوه التنجيس والغالب فيما نسجوه الطهارة، فإن شذت صورة فالحكم للأغلب.
_________________
(١) في (ت) المضمور.
(٢) في (ق) محدثين له.
(٣) في (ر) واشتملت.
(٤) أخرجه مسلم في الطهارة ٢٧٧، وأحمد في مسنده ٥/ ٣١.
(٥) في (ص) حكوا.
(٦) في (ق) و(ت) و(ص) إلا أحد و(ر) لأحد.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فصل (حكم الغسل لمن أسلم من الكفار)
وقد قدمنا الخلاف في وجوب الغسل على من أسلم من الكفار، والمشهور وجوبه، واستحبه إسماعيل القاضي. ثم اختلف القائلون بالوجوب هل ذلك لنفس الإسلام أو لأن الكافر جنب لا يغتسل فإذا أسلم وجب عليه غسل جنابته؟ وعلى هذا اختلف فيمن أسلم وقد علم بأنه لم تصبه جنابة؛ فعلى (١) جعل التعليل بوجوب الغسل للإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) والنجس لا يقرب الصلاة إلا بعد غسل نجاسته فيجب الغسل على الكافر وإن لم تتقدمه (٣) جنابة. وعلى التعليل بالجنابة لا يجب على مثل هذا غسل. ويعتذر هؤلاء عن قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، أي إنهم نجس لشركهم. فإذا زال الشرك طهروا بالإسلام.
ومعول إسماعيل القاضي على أن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وقد ألزمه الأشياخ أن يسقط الوضوء عن من أسلم حتى يحدث بعد إسلامه. واعتذر عن هذا بأن الوضوء يجب للصلاة، فعلى كل قائم إليها أن يتوضأ إلا أن يتقدم له وضوء، والغسل إنما يجب للجنابة، وهذا قد سقط عنه حكم الجنابة بالإسلام. وهذا الذي قيل في الوضوء يضمحل (٤). وإذا قدرنا في الآية محذوفًا وهو إما محدثين (٥) أو من المضاجع. ويقال هاهنا هذا غير محدث لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله.
وفي الكتاب فيمن أجمع على الإسلام ثم اغتسل أنه يجزيه ذلك الغسل لإسلامه (٦). ومعنى أجمع هنا أي اعتقد الإسلام بقلبه. ولا شك أنه متى أوجبنا الغسل وفقد الماء فإنه يتيمم. [وما الذي ينوي بتيممه؟ فيه من
_________________
(١) في (ر) فمن.
(٢) التو بة: ٢٨.
(٣) في (ق) و(م) و(ت) وإن لم تتقدم له.
(٤) في (ر) يطمحل.
(٥) في (ق) إذا قمتم محدثين.
(٦) المدونة ١/ ٣٦.
[ ١ / ٣٢٤ ]
الخلاف ما تقدم؛ منهم من يقول: ينوي الطهارة الكبرى فإن نوى الطهارة الصغرى لم يجزه، ومنهم من يقول: ينوي الوضوء بتيممه. والله أعلم بالمطلوب] (١).
فصل (حكم من صلى على النجاسة)
وقد تقدم حكم من صلى بالنجاسة. وهكذا يكون حكم من صلى عليها إذا كانت النجاسة في موضع يلاقيه بعضو من أعضائه عند القيام أو عند الجلوس أو عند السجود. اهذا إذا كان مصليًا على ما هو ثابت كالأرض. وأما لو صلى على حصير متصل بطرفه نجاسة؛ فبين الأشياخ خلاف، هل تكون أفعاله تقتضي أنه كالمصلي على نجاسة (٢) أو لا يكون كذلك لسلامة موضعه.
(حكم ثياب من يشرب الخمر أو لا يصلي)
وعلى ذكر ثياب أهل الذمة فقد قال الأشياخ فيما معناه فيمن يشرب الخمر من المسلمين فيغسل جميع ما لبسه من الثياب. وأما من لا يشرب الخمر ولا يصلي فجميع ثيابه نجس إلا ما يكون برأسه. فالغالب عدم النجاسة فيه. فإن كان ممن يصلي فلا يغسل ما اشترى من ثيابه إلا ما يحاذي المخرجين (٣) منه، لأن الغالب منه عدم المعرفة بالاستبراء من البول، وكذلك ما ينام فيه، لأن الغالب وجود النجاسة في مثل ذلك.
_________________
(١) ساقط من (ص) و(ق) و(م).
(٢) في (ر) بنجاسة.
(٣) في (ص) إلا ما يحادي موضع الأذى منه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
باب في حكم الرُّعاف
والرعاف لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يعلم أن الدم لا ينقطع عنه، والثاني: أن يعلم أنه ينقطع:
(حكم من لا ينقطع عنه الدم)
فإن علم أنه لا ينقطع فهذا لا يخرج من الصلاة لرعافه لأن خروجه لا يفيد، ويتم الصلاة على حاله. وهل يجوز له الإيماء أم يجب عليه الركوع والسجود؟ فإن كان ركوعه وسجوده يضر به في جسده جاز له بلا خلاف. وإن كان ذلك لا يضر به في جسده، فهاهنا قولان: قيل يجوز له ذلك لئلا يلطخ ثيابه، وقيل لا يجوز له الانتقال إلى الإيماء إلا لمضرة جسم لا لتلطخ ثياب.
(حكم من ينقطع عنه الدم)
وأما القسم الثاني وهو أن يعلم أن الدم ينقطع، وفي معناه إذا شك في ذلك، فإنه لا يخلو أن يقطر الدم أو يسيل، أو لا يقطر أو لا يسيل (١). فإن لم يقطر ولم يسل فإنه يفتل الدم (٢) ويمضي على صلاته. وإن قطر أو سال؛ فإن تلطخ له الكثير من جسده أو ثيابه قطع الصلاة، وإن لم يتلطخ به ذلك فهاهنا الأولى أن يقطع، فإن أحب التمادي على صلاته بأن يخرج ويغسل الدم عنه ثم يعود إلى الصلاة فله ذلك عند مالك، ولكن بشروط نذكرها: وهو أن المصلي لا يخلو أن يكون منفردًا أو في جماعة؛ فإن كان في جماعة فلا يخلو من أن يعقد من صلاة الجماعة ركعة أو لا يعقد ركعة. فإن كان في جماعة وعقد ركعة فلا خلاف في المذهب في أن له التمادي. وإن كان فذا، أو لم يعقد ركعة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يبني إن شاء،
_________________
(١) في (ق) ولا يسيل وفي (م) ولا يقطر ولا يسيل.
(٢) يفتل الدم: يصرفه. انظر المعجم الوسيط ٢/ ٦٧٣.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وهو ظاهر الكتاب (١). والثاني: أنه لا يبني. وسبب الخلاف هل التمادي لحرمة الصلاة أو لحرمة الجماعة؟ فإن قلنا إن ذلك لحرمة الصلاة بني هذا، وإن قلنا إن ذلك لحرمة الجماعة لم يبن هذا. وإذا أجزنا البناء فإنه يخرج ممسكًا لأنفه غير متكلم ولا ماش على نجاسة، فيغسل الدم في أقرب المواضع. فإن (٢) تكلم عمدًا بطلت صلاته إجماعًا، وإن تكلم سهوًا ففي بطلان صلاته ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمنزلة من تكلم في صلاته [سهوا] (٣)، والثاني: أنه تبطل (٤) صلاته، والثالث: أنه إن تكلم في مسيره لم تبطل (٥) وإن تكلم في عودته بطلت (٦).
وإن مشى على نجاسة كان بمنزلة المتكلم على ما فصلناه في الصحة، لأن حكم الصلاة (٧) مستدام. والبطلان (٨) لأن الأثر ورد أنه يبني ما لم يتكلم.
والتفرقة فلأن السائر لغسل الدم ذاهب (٩) عن الصلاة، فضعفت استدامة حكمها. والعائد قد غسل الدم وتهيأ للصلاة، فقويت الاستدامة.
وإن خرج (١٠) على أن يغسل الدم في موضع قريب فذهب إلى أبعد منه بطلت صلاته، لأنه زاد زيادة مستغنى عنها.
فإذا غسل الدم فهل يرجع إلى المسجد أو إلى [الإمام] (١١) أو يصلي
_________________
(١) المدونة ١/ ٣٦.
(٢) في (ر) وإن.
(٣) في (ق) عمدًا، وساقط من (ص) و(م) و(ت).
(٤) في (ق) لا تبطل.
(٥) في (ر) و(ص) بطلت.
(٦) في (ر) و(ص) لم تبطل. وما أثبته يتوافق مع ما ورد في مواهب الجليل للحطاب ١/ ٤٨٣.
(٧) في (م) الحكم في الصلاة.
(٨) في (ص) والثالث البطلان وفي (م) علي البطلان.
(٩) في (م) و(ر) ذاهبًا، وخرم في (ق).
(١٠) في (ق) فإن صدر، وفي (ر) و(ت) وإن تقرر.
(١١) ساقط من (ص).
[ ١ / ٣٢٧ ]
في موضع يمكنه (١) الصلاة فيه؟ فلا يخلو أن يعلم أن الإمام باق في الصلاة أو قد أكملها؛ فإن كان [علم] (٢) أن الإمام باق في الصلاة عاد إلى حيث فارق الإمام، لأنه لا يجوز له أن يتم الصلاة فذا وقد ابتدأ الصلاة في جماعة. وإن علم أن الإمام فرغ من الصلاة فلا يخلو أن تكون جمعة أو غيرها؛ فإن كانت جمعة فهاهنا ثلاثة أقوال: المشهور: أنه يعود (٣) إلى الجامع، والثاني: أنه يتم بموضعه، والثالث: أنه إن حال بينه وبين العودة حائل أجزأته الصلاة (٤) في موضعه، وإن لم يحل بينه وبين العودة حائل عاد إلى الجامع. وهذا على الخلاف في شروط الجمعة هل تلزم (٥) في جملتها أو في أوائلها.
وإن كانت غير جمعة فإنه لا يعود إلى الموضع الذي (٦) فارق الإمام فيه، فإن عاد بطلت صلاته لأنها زيادة مستغنى عنها. وحكم الظن في إكمال الإمام أو عدم إكماله كحكم (٧) العلم. [ولو اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن الإمام قد أكمل ثم تبين له خلاف ما ظنه لَعُذرَ بذلك. وكذلك] (٨) لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن الإمام لم يكمل لَعُذرَ أيضًا. ولو اجتهد فخالف ما ظهر له بطلت (٩) صلاته، لأنه يصير قد زاد في الصلاة عمدًا إلا أن يتأول وجوب الرجوع فيختلف في ذلك على الخلاف في الجاهل هل هو كالعامد أو كالناسي؟
وما يصنعه إذا عاد إلى إصلاح الصلاة؟ أما (١٠) إن وجد الإمام لم
_________________
(١) في (ص) يمكن وفي (م) و(ق) و(ت) تمكنه.
(٢) ساقط من (ت) و(ص).
(٣) في (ق) أنه يعيد في الجامع.
(٤) في (ت) صلاته.
(٥) في (ق) هل يلزمها.
(٦) في (ر) و(ق) موضع.
(٧) في (ق) و(ت) و(ص) حكم.
(٨) ساقط من (ق).
(٩) في (ت) و(ق) لبطلت.
(١٠) في (ق) وأما.
[ ١ / ٣٢٨ ]
يفرغ فإنه يساويه في الفعل ويكون كالمسبوق، وإن وجد الإمام قد أكمل فإنه يبتدئ الصلاة على حكم نفسه فيعود إلى حيث فارق الصلاة.
فإن صلى بعض ركعة فهل يكملها أو يستأنفها؟ قولان.
وسبب الخلاف تقابل المكروهين: أحدهما: الزيادة في الصلاة من غير ضرورة، والثاني: التفرقة بين أجزاء الركعة. فإن راعينا الزيادة أكمل الركعة، وإن راعينا التفرقة ابتدأ. وعلى هذا الخلاف فيمن ذكر في تشهده سجدة لا يدري من أي الركعات (١)؛ فقال ابن القاسم: يسجد (٢) سجدة ثم يقوم (٣) فيأتي بركعة لئلا تكون السجدة من آخر ركعة (٤). فإذا لم يصلها فرَّق بين أجزاء الركعة. وقال أشهب: يأتي بركعة من غير سجود لأنه إذا أتى بركعة اكتفى بها والسجدة زيادة مستغنى عنها.
فصل
وإذا رجع إلى تلافي (٥) ما فاقه، فكيف يلافي ذلك؟ أما إن لم يفته (٦) من أول الصلاة شيء فيبني، ولا شك أن ما أدرك أول صلاته.
(حكم من رعف في صلاة الجمعة)
وإذا رعف في صلاة الجمعة فإن عقد مع الإمام ركعة بسجدتيها ولم يعقد الثانية حتى رعف؛ فإنه إذا غسل الدم عنه قضى الثانية على نحو ما
_________________
(١) في (ق) من أي ركعة.
(٢) في (ر) فيسجد.
(٣) في (ق) يعود.
(٤) في (ت) الركعتين.
(٥) في (ت) و(م) يلاقي وفي (ق) و(ص) رجع تلافي.
(٦) في (ت) يفت له.
[ ١ / ٣٢٩ ]
كان يصليها (١) مع الإمام فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فإن نسي السورة سجد لسهوه قبل السلام، فإن نسي أم القرآن فقال في الكتاب يتمها (٢) ويعيد ظهرًا أربعًا (٣). والخلاف في هذه المسألة محال على كتاب الصلاة الأول.
وإن لم (٤) يعقد مع الإمام ركعة حتى رعف وأجزنا (٥) له البناء فإنه يعود بعد غسل الدم. فإن وجد الإمام وأدرك معه ركعة بسجدتيها، قام بعد سلام الإمام فأتى (٦) بركعة على نحو ما فاتته (٧).
ويستحب [له] (٨) أن يقرأ فيها بسورة الجمعة بعد أم القرآن. وإن لم يدرك مع الإمام ركعة فهل يبني على ما يأتي به من الظهر على ذلك التكبير الذي كبره للجمعة؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يبني على التكبير [الذي كبره] (٩)، والثاني: أنه يسلم ثم يبتدئ (١٠). وسبب الخلاف هل الجمعة بدل من (١١) الظهر، وأعداد الركعات غير مراعاة (١٢)، فيبني على الإحرام (١٣) المتقدم. أو الجمعة فرض قائم بنفسه وأعداد الركعات مراعاة (١٤) فيقطع ويبتدئ.
_________________
(١) في (ر) و(ق) يقضيها.
(٢) في (ر) يتمادى.
(٣) المدونة ١/ ٣٧.
(٤) في (ص) ولو لم.
(٥) في (ص) و(م) أجزنا وفي (ق) فأجزنا.
(٦) في (ر) فإنه بعد سلام الإمام يقوم فيأتي.
(٧) في (ت) فإنه.
(٨) ساقط من (ت) و(ق) و(ص).
(٩) ساقط من (ق).
(١٠) في (م) تم يبتدىء في التكبير.
(١١) في (ق) و(ص) عن.
(١٢) في (ر) غير مراع.
(١٣) في (ق) غير مراعات للإحرام المتقدم.
(١٤) في (ر) مراعى.
[ ١ / ٣٣٠ ]
فصل (في اجتماع البناء والقضاء)
وإذا اجتمع البناء والقضاء فبأيهما يبدأ؟ في المذهب قولان: أحدهما: الابتداء بالقضاء لأنه أول الصلاة، وإنما يمنعه من الابتداء (١) به لئلا يخالف الإمام فإذا انقضى (٢) حكم الإمام ابتدأ به. [والثاني] (٣): الابتداء (٤) بالبناء استصحابا لحكم الإمام وكأنه باق. ويتصور ذلك بأن يفوت الراعف (٥) أول الصلاة ثم يرعف فيفوته آخرها. ولذلك ثلاث صور. أحدهما: أن يفوته من الصلاة الرباعية الركعة الأولى والركعة الآخرة ويدرك الوسطيين، فهاهنا قولان: أحدهما: أنه إذا غسل الدم صلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم فيصلي ركعة بأم القرآن. خاصة. والثاني: أنه يبتدئ بالتي بأم (٦) القرآن خاصة. والصورة الثانية: أن تفوته الأولى والآخرتان ويدرك التالية فيختلف هل يبتدئ إذا غسل الدم عنه بالركعة الأولى أم بالآخرتين على نحو ما تقدم (٧). والصورة الثالثة: أن تفوته الأوليان والآخرة ويدرك الثالثة فيختلف هل يبتدئ بالأوليين أم بالآخرة؟ فإن قلنا إنه يبتدئ بالأوليين فإنه يصلي ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعة بأم القرآن وسورة أيضًا. ثم يقوم فيصلي ركعة بأم القرآن خاصة، وكملت صلاته؛ فيكون قاضيًا في القراءة بانيًا في الجلوس، وإن قلنا إنه يبتدئ بالآخرة فإنه يصلي ركعة بأم القرآن خاصة ويجلس ثم يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما.
ولا خلاف في الصورة الأولى والثالثة أن الحكم فيهما ما ذكرناه
_________________
(١) في (ص) بالابتداء.
(٢) في (ق) فإذا ذهب.
(٣) ساقط من (ر) و(ق) و(ت).
(٤) في (ر) ويبتدئ.
(٥) في (ق) و(ت) و(ص) للراعف.
(٦) في (ص) بالتي تلي أم.
(٧) في (ص) على نحوها ما قلناه.
[ ١ / ٣٣١ ]
[ في الصورة الأولى] (١). وأما الصورة الثانية (٢) فعلى القول بالابتداء بالقضاء لا تفريع، وعلى القول بالابتداء بالبناء فهل تصير صلاته كلها جلوسا أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن خاصة ثم يجلس لأنها ثانية صلاة نفسه (٣)، ثم يقوم بعد ذلك فيأتي بركعة بأم القرآن وحدها (٤)، ثم يجلس لأنها آخر صلاة الإمام، وقد كان الإمام يجلس في هذا الموضع، وأيضًا فإنه يقوم منها إلى القضاء ولا يقوم إليه إلا من الجلوس. والقول الثاني: إنه لا يجلس اعتبارًا بحكم نفسه والإمام غير حاضر فيراعى حكمه. ويتصور هذا التنزيل في مسألتين: إحداهما: الحاضر يدرك من صلاة المسافر الركعة الثانية فيجتمع عليه القضاء والبناء فيختلف بأيهما يبدأ. وهل يبني في الجلوس على حكم نفسه أو لا يقوم للقضاء إلا من الجلوس؟ فيه قولان.
والمسألة الثانية: الإمام يصلي صلاة الخوف في الحضر فيدرك إنسان الركعة الثانية، فإنه يجتمع قضاء وبناء فيختلف فيه على نحو ما قلناه.
باب في حكم المسح على الخفين
واجتمعت الأمة على وجوب ملاقاة العضو بالماء إلا أن تدعو الضرورة إلى ستره كالجبيرة. وهل يجوز أن يمسح على العمامة من لم يضطر إلى ذلك؟ فمذهب فقهاء الأمصار أنه لا يجوز.
وأما الخفان ففي المذهب في مسحهما ثلاثة أقوال: أحدها: جواز المسح للحاضر والمسافر، والثاني: جوازه (٥) للمسافر دون الحاضر، وهذان
_________________
(١) هكذا في (ر) وهو ساقط من (ص) و(ق) و(ت) و(م).
(٢) في (ق) الثالثة.
(٣) في (ت) و(ق) في نفس وفي (ص) في نفسها.
(٤) في (ق) و(ت) خاصة وفي و(م) بأم القرآن (و).
(٥) في (ت) جواز مسحها.
[ ١ / ٣٣٢ ]
في المدونة (١). والثالث: أنه لا يمسح في حضر ولا سفر، حكاه ابن وهب (٢) وأشهب عن مالك، وهذه الرواية ينبغي أن تتناول على أن قصده: الغسل أولى. وقد قال ابن القصار: إنكار المسح فسق. وقال ابن حبيب: لا ينكره إلا مخذول (٣). وقال أبو حامد الغزالي (٤): أجمع فقهاء الأمة (٥) عليه، وإنما يخالف فيه الروافض. وحكى ابن القصار أن رواته عن النبي - ﷺ - سبعون نفسًا رووه قولًا وفعلًا، ولهذا لم يختلف مذهب أبي حنيفة في جوازه مع أنه زيادة على النص والزيادة على النص نسخ عنده، لكنه رأى أن الحديث عنده في حيز التواتر، فذلك الذي أوجب أن قال به. وأكثر الأحاديث يقتضي المسح في السفر (٦). وفي بعضها ما يدل على المسح في الحضر (٧). وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟
وإذا ثبت ذلك فالنظر في المسح في وجهين (٨): أحدهما: صورته، والثاني: شروطه.
_________________
(١) في (ت) و(م) في المذهب. المدونة: ١/ ٤١.
(٢) انظر النوادر والزيادات ١/ ٩٣.
(٣) انظر النوادر والزيادات ١/ ٩٤.
(٤) هو: محمد بن محمد بن محمد الإمام حجة الإسلام زين الدين أبو حامد الطوسي الغزالي ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة. صنف كتبًا انتشرت في الآفاق توفي في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. طبقات الشافعية ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (٢٦١).
(٥) في (ق) و(م) الأمصار.
(٦) منها ما أخرجه البخاري في الوضوء (٢٠٦) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٧٤) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: "دَعْهمَا فَأِنَّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فَمَسَحَ عَلَيْهمَا.
(٧) منها ما أخرجه الترمذي في الطهارة (٩٥) عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الخُفُّيْنِ فَقَالَ: "لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةٌ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ" وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثْ حَسَنٌ صَحِيحُ.
(٨) في (ق) و(ت) و(ص) من وجهين و(م) على وجهين.
[ ١ / ٣٣٣ ]
(صورة المسح)
فأما صورته فالمذهب فيها (١) على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن (٢) يبتدئ من مقدم الرجلين حتى ينتهي إلى العقب ويجعل يده اليمنى من أعلى الخف، واليسرى من أسفله. والثاني (٣): أنه يجعل الابتداء بالعقب فيجعل اليمنى من أعلى الخف واليسرى من أسفلها حتى ينتهي إلى مقدم الرجل. والثالث: أنه يجعل اليمنى من أعلى القدم (٤). واليسرى من [أسفل] (٥) العقب ويذهب بهما مخالفًا. واستحسن الأشياخ هذا لئلا يكون في أسفل الخف ما يلوث به ما يستر العقب. وإذا ابتدأ منه فإنه لا يلوثه شيء. وفي الكتاب في صفته (أن مالكًا أراهم المسح على الخفين فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدميه، ووضع اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفيه ومر بهما وبلغ باليسرى حتى بلغ بهما إلى عقبيه وأمرهما على عقبه إلى موضع الوضوء، وذلك أصل الساق وحد الكعبين) (٦). وظاهر هذا أنه يمسح (٧) الرجلين في مرة واحدة. وهكذا تأوله أبو القاسم ابن شلبون (٨)، وحمله أبو محمد بن أبي زيد وغيره من الأشياخ على كل رجل تفرد بالمسح (٩)، وإنما جمعهما في اللفظ، ولا يتبع غضون الخف (١٠) -وهو ما
_________________
(١) في (ق) فيه.
(٢) في (ق) و(م) و(ت) و(ص) أنه.
(٣) في (ق) من أسفله حتى ينتهي إلى مقدم الخف والثاني.
(٤) في (ق) المقدم.
(٥) ساقط من (ر) و(ق) و(ت).
(٦) المدونة ١/ ٣٩.
(٧) في (ت) وطاهر أنه يمسح، وفي (ق) وظاهر كأنه يسمع، وفي (ص) وظاهر هاهنا أنه ينسح.
(٨) هو: عبد الخالق أبو القاسم بن شلبون بن أبي سعيد خلف، تفقه بابن أبي هشام، وكان الاعتماد عليه في القيروان في الفتوى والتدريس بعد أبي محمد بن أبي زيد. سمع من ابن مسرور الحجام، وألف كتاب القصد أربعين جزءًا. توفي سنة إحدى وتسعين وقيل سنة تسعين وثلاثمائة. الديباج المذهب ص: ١٥٨، وشجرة النور. ص: ٩٧ (٢٢٨).
(٩) في (ت) و(ص) على أن كل رجل تفرد بالمسح، وفي (ق) أن كل رجل ينفرد.
(١٠) في (ص) و(ت) و(ق) الخفين.
[ ١ / ٣٣٤ ]
تكسر (١) منهما وانطوى بعضه على بعض- فإن اقتصر على الأعلى دون الأسفل أو اقتصر على الأسفل دون الأعلى ففي المذهب في جملة ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الإجزاء، وهو رواية أشهب، وعدم الإجزاء [حتى يوعب الأعلى والأسفل وهو بناء من هذا القائل على المسح إنما هو عوض عن الغسل، والغسل يجب استيعابه فليكن المسح كذلك. والقول الثالث المقتصر على الأسفل لا يجزي، والمقتصر على الأعلى يجزيه، وهو المشهور من المذهب] (٢).
والخلاف في هذا كالخلاف في مسح الرأس. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لو كان هذا الدين يؤخذ بالقياس لأجزأ مسح أسفل الخفين عن أعلاهما ولم يجز أعلاه عن أسفله" (٣). وهذا إشارة إلى إجزاء الأعلى عن الأسفل. وعدم إجزاء الأسفل عن الأعلى توقيف، ولا يكون توقيفًا إلا ما علم من جهة [صاحب] (٤) الشريعة.
وإذا قلنا بإجزاء مسح الأعلى فهل يعيد المقتصر عليه في الوقت أم لا؟ قولان: أحدهما: إنه لا يعيد، والثاني: إنه يعيد مراعاة للخلاف.
فصل (في شروط المسح)
وأما شروط المسح فشرطان (٥): أحدهما: يرجع إلى الماسح، والثاني:
_________________
(١) في (ر) و(ق) و(ت) ينكسر.
(٢) ساقط من (ر) و(ق) و(ص).
(٣) أخرجه أبو داود في الطهارة (١٦٢)، والدارقطني في سننه ١/ ٢٠٤، وقال ابن حجر في فتح الباري ٤/ ١٩٢: "رجال إسناده ثقات". ولفظ أبي داود: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأيِ لَكَانَ أسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ، وَقَد رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَىَ ظَاهِرِ خُفَّيْهِ".
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
(٥) في غير (ت) فصفات.
[ ١ / ٣٣٥ ]
إلى المسموح؛ فأما ما يرجع إلى الماسح فمنه كونه مسافرًا، وقد تقدم. ومنه كونه كامل الطهارة. فإن غسل رجلًا فأدخلها في الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها، فالمشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح. وهو على الخلاف في ارتفاع الحدث عن كل عضو بإكماله أو بإكمال الطهارة. وكذلك يختلف فيمن نكس وضوءه فغسل رجليه ثم أدخلهما الخفين ثم [غسل] (١) بقية الأعضاء. ولو أدخلهما بعد التيمم ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح. وهو على الخلاف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا (٢)؟
ويشترط في جواز المسح أن يلبسهما لضرورة المشي فإن لبسهما بغير ضرورة ذلك، كالمرأة تلبس الخفين وقد خضبت بالحناء، وكذلك الرجل يريد أن ينام أو يحدث فيلبس خفيه ليمسح عليهما. فلا يجوز لهما ذلك ابتداء. فإن فعلاه فهل تصح صلاتهما بذلك المسح أم لا؟ ففيه قولان: أحدهما: الصحة لما ثبت من جواز المسح مطلقًا، والثاني: أنه لا تجزيه (٣) الصلاة لأن المسح رخصة وردت في اللابس لضرورة المشي فلا يلحق به (٤) غيره.
وأما ما يرجع إلى الممسوح فأن يكون خفا من خفاف العرب (٥)، صحيحًا أو مقطوعًا قطعًا يسيرًا لا يظهر منه القدم، ويمكنه مداومة المشي فيه، ويكون ساترًا لمحل الغسل، ولا يكون عاصيًا بلبسه. فإن كان من غير أخفاف العرب (٦) كالجوربين، فإن لم يكن على محل الفرض جلد فلا يجوز المسح، وإن كان عليه جلد ففيه قولان.
واختلف قوله في المدونة في الجرموقين يكون عليها جلد مخروز هل يجوز المسح عليهما أم لا؟ (٧).
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) أم لا ففيه قولان.
(٣) في (ت) لا تجوز.
(٤) في (ص) فلا يجاريه.
(٥) في (ت) و(ص) الأعراب.
(٦) في (ص) و(ر) الأعراب.
(٧) المدونة ١/ ٤٠.
[ ١ / ٣٣٦ ]
واختلف في مراده بالجرموقين فقيل: هما الجوربان، وقيل: هما خف على خف، وقيل: هما خفان دون الساقين غليظان، لا ساق لهما يستعملهما المسافرون مشاتًا. وجميع هذه الصفات مختلف في المذهب في جواز المسح عليهما.
وسبب الخلاف أن المسح رخصة. وبين الأصوليين خلاف في الرخص (١) هل تقتصر على ما وردت أو يقاس عليها؟ وأما صفة (٢) الخف فلا يشترط فيها عندنا إلا ما قدمته. لكن اختلف المذهب هل يشترط في ذلك ألا يبدو (٣) القدم -وهو الذي عول عليه في الكتاب (٤) - أو يشترط إمكان مداومة المشي به، وهو الذي اعتمده البغداديون من أهل المذهب. وأما اشتراط كونه ساترًا لمحل فرض الغسل فهو المعروف من المذهب. وقد روى الوليد بن مسلم (٥) عن مالك في المحرم يقطع الخفين أسفل من الكعبين، أنه يمسح على الموجود منهما ويغسل ما ظهر من موضع الغسل. وقد أنكر الباجي وغيره هذه الرواية. ورأوا أنها غلط عن مالك والوليد هذا أكثر صحبة (٦) للأوزاعي فكثيرًا ما ينقل مذهب الأوزاعي (٧) ويغلط في نسبته (٨) إلى مالك.
_________________
(١) في (ق) و(ت) الرخصة.
(٢) في (ر) و(ت) صحة.
(٣) في (ت) يبدو منه.
(٤) المدونة ١/ ٤٠.
(٥) هو: الوليد بن مسلم بن السائب الدمشقي، مولى بني أمية، الفقيه الثقة الأمين، روى عن مالك الموطأ وكثيرًا من المسائل والحديث، وعن ابن جريج والليث والثوري وغيرهم وعنه إسحاق بن راهويه وجماعة خرج عنه البخاري ومسلم ولد سنة ١١٩ وتوفي سنة ٢٢٦ شجرة النور. ص: ٥٨ (٢٢).
(٦) في (ق) نقلًا.
(٧) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام أبو عمرو الأوزاعي، كان يسكن بدمشق ثم تحول إلى بيروت مرابطًا بها إلى أن مات .. حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي جعفر الباقر وعمرو بن شعيب ومكحول وقتادة، والزهري .. وخلق كثير من التابعين وغيرهم. كان ثقة خيرًا فاضلًا مأمونًا كثير العلم والحديث والفقه حجة توفي سنة سبع وخمسين ومئة. سير أعلام النبلاء ٥/ ١٠٧، ١١٧.
(٨) في (ر) نسبتها.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والجمع بين الغسل والمسح كأنه خلاف الإجماع لأن الإجماع منعقد على أنه يغسل الرجل أو يمسحها (١) على مذهب من قال به، إلا أن يسترها الخف ففيه ما قدمناه من الخلاف. وأيضًا فإن مسح الخف إنما رخص فيه لمشقة النزع، وإذا قطع الخف دون الكعبين فلا مشقة في نزعه.
وإن لبس خفين عاصيًا بلبسهما كالمحرم يلبسهما من غير ضرورة؛ ففي جواز المسح له قولان: المشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح. وفي المذهب أصل مطرد في كل عاص هل تباح له الرخص بما يعود بالرفق له، كالمسافر سفرًا محرمًا يريد قصر الصلاة أو الإفطار في رمضان في [معصية] (٢) ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يترخص بذلك. والشاذ أنه يترخص به.
وسبب الخلاف هل شرعت هذه الرخص معونة على الأفعال فلا يستعين على ما هو فيه عاص، أو شرعت تخفيفًا على الإطلاق فيترخص بها جميع من وجدت فيه الصفات التي جعلت علامة على الترخيص؟
فصل (حكم نزع الخف بعد غسلهما)
وإذا غسل رجليه فلبس (٣) خفيه ثم نزعهما فلا يؤمر بإعادة الغسل. ولو أحدث بعد لبس الخفين ثم توضأ ومسح على الخفين ثم نزعهما فإنه يؤمر بغسل رجليه، فإن أخر غسلهما (٤) جرى على الخلاف في
_________________
(١) في (ق) ويمسح.
(٢) ساقط من (ص).
(٣) في (ر) ولبس.
(٤) في (ق) و(ت) غسل رجليه.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الموالاة، وكذلك يجري في حكم ابتداء الوضوء بنزع الخفين على القول بأن التفرقة تفسد الطهارة لعذر كان أو لغير عذر. هكذا رواه بعض الأسكندرانيين (١) عن مالك أن نازع الخف يبتدئ الوضوء من أوله، فإن أخرج رجلًا وامتنع عليه نزع الرجل الأخرى حتى خاف إن اشتغل بذلك فوات الوقت؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يغسل الرجل المنزوعة ويمسح الأخرى قياسًا على الجبيرة، والثاني: أنه ينتقل إلى التيمم لأن الرجلين في حكم العضو الواحد، ولا يجتمع في العضو الواحد أصل وبدل (٢)، والثالث أنه يمزق الخف ويغسل الرجل. وهذا كله على الخلاف في القياس على الرخص؛ فمن قاس على ذلك قال بالمسح على الخف فيكون كالجببرة، ومن لم يقس عليها ولم يلتفت إلى إضاعة المال في طلب فروض الصلاة قال يمزق الخف، ومن التفت إلى إضاعة المال ردها إلى أصل التيمم، فإن الإنسان له السفر في المفازات التي لا ماء فيها، يَطْلُبُ بذلك الربح في المال. فقال: هاهنا ينتقل إلى التيمم.
(مدة المسح)
والمشهور من المذهب أن المسح غير مؤقت بزمان، وله أن يستديمه ما لم يلزمه غسل الجنابة. لكن يستحب له إن كان حاضرًا (٣) - وجوزنا له المسح على القول بجواز المسح للحاضر- أن ينزعهما لكل جمعة لغسل الجمعة.
وروي عن مالك أن المسح مؤقت للمسافر بثلاثة أيام وللحاضر يوم
_________________
(١) يقصد بالأسكندرانيين؛ الطبقة الأولى من أهل الإسكندرية، الذين أخذوا عن مالك قبل ابن القاسم وأشهب وابن وهب وأضرابهم، كعبد الرحمن بن خالد بن يزيد وسعيد بن عبد الله المعافري وزين بن شعيب وعبد الحكم القرشي وغيرهم.
(٢) في (ر) مسح وغسل.
(٣) في (ص) قاصدًا.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وليلة. وأكثر الأحاديث تقتضي نفي التوقيت (١). وفي صحيح مسلم أنه - ﷺ - وقَّت للحاضر والمسافر بما ذكرناه (٢). وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا.
باب في أحكام التيمم
التيمم طهارة ترابية تتوجه (٣) مع الاضطرار دون الاختيار. والنظر فيها ينحصر في خمسة فصول: الأول: صفتها، والثاني: وقتها، ومن يباح له الانتقال إليها، وبأي شيء يكون، ولماذا تفعل؟
(صفة التيمم)
فأما صفة التيمم فهي مسح الوجه (٤) واليدين. واختلف المذهب هل
_________________
(١) في (ت) التحديد. أخرج أبو داود في الطهارة (١٥٨)، وابن ماجه في الطهارة (٥٥٧) واللفظ له، عَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَدْ صَلَّى في بَيْتِهِ القِبْلَتَينِ كِلْتَيهِمَا أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَينِ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: "ويوْمَيْنِ" قَالَ: وَثَلَاثًا؟ حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا قَالَ لَهُ: "وَمَا بَدَا لَكَ". قَالَ أَبُو دَاوُد وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ. وقال الشوكاني في نيل الأوطار ١/ ٢٢٩: قال أبو داود وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال البخاري نحوه، وقال الإمام أحمد رجاله لا يعرفون، وأخرجه الدارقطني وقال هذا إسناد لا يثبت وفي إسناده ثلاثة مجاهيل () وقال ابن حبان لست أعتمد على إسناد خبره، وقال ابن عبد البر لا يثبت وليس له إسناد قائم، وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي ١/ ٢٧٠: ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه.
(٢) لم أقف على هذا الحديث عند مسلم وهو عند أبي داود في الطهارة عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: "الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّينِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاَثَةُ أَيَّام وَلِلْمُقِيم يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ"، وعند ابن ماجه في الطهارة (٥٥٥) عَنْ أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الطُّهُورُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: "لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيلَةٌ".
(٣) في (ق) يتوجه.
(٤) في (ت) مسحة للوجه.
[ ١ / ٣٤٠ ]
يكتفي لهما بضربة واحدة يجعل يديه على الأرض ثم يمسح وجهه ثم يديه أم يفتقر (١) إلى ضربة ثانية لمسح اليدين؟ والمشهور الافتقار إلى ذلك، والشاذ أنه لا يفتقر إلى ذلك.
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث؛ ففي أكثرها ضربة للوجه وضربة لليدين (٢). وفي بعضها الاقتصار على ضربة واحدة (٣). وبين الأصوليين خلاف في قبول زيادة العدل (٤). وإذا قلنا فإنه لا يقتصر على واحدة فاقتصر؛ فثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يعيد في وقت (٥) ولا غيره، والثاني: أن يعيد في الوقت، والثالث: أنه يعيد وإن خرج الوقت. وهذا طرد للقول بإيجاب الضربتين. وترك الإعادة اختصاصها بالوقت مراعاة للخلاف. ولا خلاف أيضًا في إيعاب (٦) جميع الوجه بالمسح.
وأما اليدان فاختلف في المقدار الواجب منهما في التيمم؛ فقيل: إلى المرفقين، وقيل: إلى الكوعين.
وسبب الخلاف هل يرد المطلق إلى المقيد فيجب المسح إلى المرفقين،
_________________
(١) في (ق) يتنقل إلى.
(٢) أخرج الحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٦٧)، والدارقطني في سننه (١/ ١٨٠) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين"، قال الدارقطني: كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما وهو الصواب. وقال الصنعاني في سبل السلام ١/ ٩٦: صحح الأئمة وقفه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦٢: رواه الطبراني في الكبير وفيه علي بن ظبيان ضعفه يحيى بن معين فقال: كذاب خبيث وقال أبو علي النيسابوري: لا بأس به.
(٣) من ذلك ما خرجه البخاري في التيمم (٣٤٧)، ومسلم في الحيض (٣٦٨) واللفظ له أن عمارًا قال: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أتيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أن تَقُولَ بيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ".
(٤) في (ق) و(ص) في قبول خبر الواحد إذا كان عدلًا.
(٥) في (ت) الوقت.
(٦) في (ق) إيجاب إيعاب.
[ ١ / ٣٤١ ]
أو يؤخذ بأوائل الأسماء فيجب إلى الكوعين؟ وإذا أمرناه بالمسح إلى المرفقين واقتصر على الكوعين؛ فثلاثة أقوال: أحدها: الإعادة في الوقت، والثاني: لا إعادة في وقت ولا غيره، والثالث: الإعادة وإن ذهب (١) الوقت. وهذا طرد إيجاب المسح إلى المرفقين. والأول مراعاة للخلاف (٢).
وهيأة المسح في الوجه لا تختلف. وأما اليدان فقال محمد بن عبد الحكم: هيأتهما غير محصورة. وأراهم صفة التيمم فابتدأ بالكفين وعمَّ سائر اليدين. وفي الكتاب (٣) أنه ابتدأ باليسرى على اليمنى فيُمِرُّهَا من فوق الكعبين إلى المرفقين ويُمِرُّهَا أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين ويُمِرُّ أيضًا اليمنى على اليسرى كذلك.
وقد اختلف الأشياخ هل مقتضى هذا أنه إذا وصل إلى الكوع اليمنى لم يكملها، بل يجعل أصابع يده اليمنى على اليسرى، فإذا وصل إلى الكوع (٤) اليسرى مسح كفيه أحدهما: بالأخرى وخلل أصابعه؟ أو يمسح اليمنى حتى يكملها، ثم يمسح اليسرى كذلك؟
وقد احتج الأولون بقوله: ويمرها أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين. ووقف (٥) عند ذلك. واعتذر الآخرون عن هذا بأن مراده إلى آخر (٦) الكوعين أنه جعل ذلك غاية يقف عندها. قالوا: ولو اتبعنا الظاهر من غير هذا التأويل لوجب أن يترك الكفين (٧) من غير مسح؛ لأنه قال بعد قوله إلى الكوعين: ويمر أيضًا اليمنى على اليسرى كذلك. والجمود على ظاهر قوله يقتضي مسح اليدين جميعًا إلى الكوعين من غير أن يمسح
_________________
(١) في (ص) وإن خرج.
(٢) في (م) والأولى مراعاة للخلاف.
(٣) المدونة ١/ ٤٢.
(٤) في (ق) و(م) و(ت) و(ص) كوع.
(٥) في (ق) و(ت) ويوقف.
(٦) في (ت) و(ص) إلى ناحية.
(٧) في (ص) الكل وفي (ت) الكوعين.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الكفين، وهذا لم يقله أحد. وإنما يقول: إنه لا يكمل مسح الأولى، ابن حبيب (١). لأنه يشترط (٢) المسح بالتراب. والمشهور أنه لا يشترط.
وإذا مسح على إحدى هذه الصفات فإنه يخلل أصابع يديه. وقد اشترط الشافعية وضع اليدين على الأرض مضمومتي الأصابع في الضربة للوجه ومفتوحتِها (٣) في الضربة لليدين. وإنما راعوا المسح بالتراب. وإذا فتح أصابعه في الضربة للوجه علق التراب ما بين الأصابع فيصير مسح ذلك الموضع بتراب قصد به الوجه. وهذا لا يشترط على المشهور. وقد يلزم من مراعاة التراب اشتراطه. وإن كان في الأصابع خاتم أزيل. هذا هو المنصوص من المذهب. وإن لم يزله لم يجزه التيمم. وقال محمد بن مسلمة: إن ترك شيئًا (٤) من أعضاء التيمم أجزأه. واستقرأ (٥) أبو الحسن اللخمي من هذا أنه إن لم ينزع الخاتم أجزأه (٦).
[فصل (وقت التيمم)
أما وقت التيمم فالمشهور أنه لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه (٧) لا يجوز إلا بعد الطلب وفقد الماء، وذلك لا يجب إلا بعد دخول الوقت. والشاذ جوازه بناء على أنه يرفع الحدث.
ومتى يجوز؟ على المشهور من المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يتيمم قبل دخول (٨) الوقت، والثاني: أنه يتيمم اليائس من الماء وسط
_________________
(١) انظر النوادر والزيادات ١/ ١٠٥.
(٢) في (ق) وابن حبيب لا يشترط.
(٣) في (ت) ومفترقيهما.
(٤) في (ت) و(م) و(ق) يسيرا.
(٥) في (ت) واستقرأه.
(٦) التبصرة: ٣٩.
(٧) في (ت) و(م) وأنه.
(٨) في (ر) آخر.
[ ١ / ٣٤٣ ]
الوقت، وغيره آخره (١)، والثالث: هو المشهور فيه تفصيل (٢)؛ وذلك أن فاقد (٣) الماء أو فاقد القدرة على استعماله لا يخلو من أن يكون عالمًا باستدامة الفقد إلى أن يخرج الوقت، أو ظانًا لاستدامته، أو عالمًا بوجود القدرة في الوقت، أو ظانًا لذلك، أو مترددًا؛ فإن كان عالمًا للفقد (٤)، أو ظانًا له تيمم أول الوقت. وإن كان عالمًا بالوجود، أو ظانًا له تيمم آخره. وإن كان مترددًا تيمم وسط الوقت.
فإن وجد الماء من أمرناه بالتيمم أول الوقت فلا إعادة عليه، وإن وجده من أمرنا بالتيمم وسط [الوقت] (٥)، [أو] (٦) وجد القدرة على ذلك؛ فإن كان الأصل عنده الوجود والفقد متردد فيه، أعاد في الوقت. وهذا كالعالم بموضع الماء ويخاف أن لا يدركه في الوقت، وكالمريض يكون عنده الماء ولا يجد من يناوله إياه ويتردد هل يجد في الوقت من يناوله أم لا؟ وإن كان الأصل عنده الفقد والوجود متردد، كالمتردد هل بين يديه ماء يبلغه أم لا؟ فهذا لا إعادة عليه.
وإن تيمم في أول الوقت من أمرناه بالتأخير إلى آخر الوقت؛ فأما العالم ففيه قولان: أحدهما: أنه يعيد وإن خرج الوقت، والثاني: أنه لا يعيد إلا في الوقت. ويمكن تخريج هذا على الخلاف في الوجوب هل يتعلق بأول الوقت أو هو وجوب موسع؟ وأما الظان فإنه يعيد في الوقت فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه] (٧).
_________________
(١) في (ت) و(م) آخر الوقت.
(٢) في (ت) و(ر) التفصيل.
(٣) في (ص) أن فقد الماء وفي (ت) فقدان.
(٤) في (ت) بالقدرة.
(٥) ساقط من (ر) و(ق).
(٦) ساقط من (ص).
(٧) الفصل: كله ساقط من (ق).
[ ١ / ٣٤٤ ]
فصل (في حكم المتيمم يجد الماء)
والمتيمم يجد الماء لا يخلو من أن يكون الموجود منسيًا في رحله أو لم يتقدم له به علم؛ فإن كان منسيًا في رحله فلوجوده ثلاث صور: إحداها: أن يجده قبل التلبس بالصلاة، والثاني: أن يجده في أثنانها، والثالث: أن يجده بعد إكمالها؛ فإن وجده قبل التلبس بها (١) فلا شك أنه يجب عليه استعماله، وإن وجده في أثنائها فقولان: أحدهما: أنه يقطع ثم يستعمله ويبدأ، لأنه مفرط بنسيانه. والثاني: أنه يتم صلاته، لأنه فاقد للماء [فيعذر] (٢)، والناسي لا يلزمه التكليف.
وإن وجده بعد إكمال الصلاة ففي الإعادة ثلاثة أقوال: أحدها: سقوطها قياسًا على الناسي، والثاني: وجوبها وإن خرج الوقت بناء (٣) على أنه غير معذور بالتفريط (٤)، وقياسًا على المُظاهِر ينسى رقبة في ملكه فيصوم أو يطعم، ثم يعلم بها فإنه يجب عليه إعتاقها. والثالث: أنه يعيد في الوقت. والفرق بين هذا وبين الرقبة أن الإعتاق غير مؤقت بوقت والصلاة مؤقتة (٥). فإذا ذهب الوقت فقد فات التلافي.
وإن لم يتقدم له بالماء علم؛ فإن وجده قبل التلبس بالصلاة فكما قلنا في الناسي، وإن وجده في أثنائها لم يقطع على المنصوص في المذهب، لأنه غير مفرط، وإن وجده بعد إكمالها فالأصل ألا إعادة إلا على ما قلناه (٦) في تفصيل المشهور.
_________________
(١) في (ت) التلبس بالصلاة.
(٢) ساقط من (م) و(ق) وفي (ص) فيعيد.
(٣) في (ق) و(ت) و(م) و(ص) حملا.
(٤) في (ر) و(ت) للتفريط.
(٥) في (ص) مؤقتة بوقت.
(٦) في (ت) و(م) و(ص) فالأصل الإعادة إلا على ما قلناه، وفي (ق) فالأصل الإعادة على ما قلناه.
[ ١ / ٣٤٥ ]
فصل (من يباح له التيمم)
وأما من يباح له التيمم فحصره على سبيل الإجمال أنه كل من لزمته الصلاة وتعذر عليه استعمال الماء بفقده، أو لفقده القدرة على استعماله.
وأما التفصيل؛ فإن المسافر والمريض إذا فقدا الماء فأجمعت الأمة على أن لهما الانتقال إلى التيمم عوضًا عن الوضوء، وكذلك عند فقهاء الأمصار عوضًا عن الطهارة الكبرى.
وأما الحاضر يفقد الماء ولا مرض به فهل يجوز له التيمم؟ لمالك قولان. وإذا أجزنا له التيمم ففعل وصلى ثم وجد الماء بعد الوقت فهل يعيد أم لا؟ قولان في المدونة.
وسبب الخلاف في إجازة التيمم له خلاف الأصوليين في دليل الخطاب (١)؛ هل يقال به أم لا؟ إذ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٢)؛ فإن قلنا بدليل الخطاب لم يجز التيمم للحاضر الصحيح، وإن لم نقل بدليل الخطاب أو قلنا به، ولكن (٣) يحمل ما في الآية على أنه خرج على الغالب وفهمنا قطعًا أن المقصود إدراك الوقت بالتيمم، فالتيمم بدل عن الوضوء فأجزنا للحاضر أن يتيمم. وأما الإعادة وإن خرج (٤) الوقت مع إجازة التيمم فجواب من أشكل عليه الأمر وأخذ بالاحتياط فأمر بأداء الصلاة في الوقت وقضائها بعده ليجمع بين القولين.
(حكم من فقد الماء والتراب)
وقد اختلف المذهب فيمن فقد الماء والتراب أو ما في معناه على
_________________
(١) دليل الخطاب ويسمى مفهوم المخالفة وهو حيث يكون المسكوت عنه مخالفًا للمذكور في الحكم إثباتًا ونفيًا فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به. انظر إرشاد الفحول ٣٠٣.
(٢) المائدة: ٦.
(٣) في (ق) و(م) ولكنه.
(٤) في (م) و(ق) بعد.
[ ١ / ٣٤٦ ]
أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يصلي، ولا يعيد، والثاني: أنه يصلي ويعيد، والثالث: أنه يصلي ولا يعيد، والرابع: أنه لا يصلي ويعيد.
وسبب الخلاف هل الطهارة شرط في الوجوب فيسقط الأمر بالصلاة ولا تجب إعادتها، أو شرط في الأداء فيسقط الأمر بها وتجب إعادتها، أو ليس بشرط إلا مع القدرة فيؤمر بها ولا يعيد؟ والإعادة مع الأمر بها جواب من (١) أشكل عليه الأمر فاحتاط بأدائها في الوقت وقضائها بعده. وقد أجرى أبو إسحاق التونسي (٢) هذا الخلاف في الحاضر يفقد الماء إذا قلنا إنه ليس من أهل التيمم.
(متى ينتقل المسافر إلى التيمم مع وجود الماء؟)
وينتقل المسافر إلى التيمم وإن وجد الماء وذلك بشروط منها: أن يخاف إن استعمله من لصوص أو سباع، فهذا إذا خاف على نفسه. فإن خاف على ماله فقولان: أحدهما: إجازة الانتقال قياسًا على السفر لطلب الأرباح مع تجويز فقد الماء. والثاني: أنه لا ينتقل. وهذا يرى أن ذهاب المال لا يقابل الصلاة بالتيمم، وهو مذهب بعيد.
وأولى ما نزل على (٣) عدم تيقن الخوف أو غلبة الظن؛ منها: أن يجد ويخاف- متى استعمله- العطش على نفسه أو على حيوان معه [أو] (٤) آدمي أو غيره. وهذا يبيح التيمم بلا خلاف في المذهب.
_________________
(١) في (ص) لمن.
(٢) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن إسحاق التونسي. تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي، ودرس الأصول على الأذري. كان جليلًا فاضلًا عالمًا إمامًا. به تفقه جماعة من أهل إفريقية؛ عبد الحق وغيره، له شروح حسنة وتعاليق مستعملة متنافس فيها على كتاب ابن المواز والمدونة. توفي مبتدأ فتنة الأعراب بالقيروان التي وقعت سنة ٤٤١هـ. الديباج المذهب ص: ٨٨، ٨٩ والشجرة ص: ١٠٨ (٢٨٥).
(٣) في (ت) و(ر) بالتيمم وهو مذهب بعيد وأولى ما يدل على، وفي (ق) بالتيمم وهذا ما يدل على.
(٤) ساقط من (ر) و(ص) و(ت).
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومنها أن يجد الماء لكن بثمن خارج عن المعتاد بما يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة في الثمن. وقد قرر ابن الجلاب التحديد المزيد بمقدار ثلث الثمن. ولا أصل لذلك. وقد يهون ثمن الماء فيكون زيادة ثلاثة (١) أمثاله فأكثر ليس بمجحف. ولو وجد المسافر أو الحاضر - إذا ألحقناه بالمسافر- الماء (٢)، لكنه في موضع يفتقر إلى إخراجه. ومتى اشتغل بإخراجه فإنه يفوت وقت الصلاة؛ فإنه يتيمم لأنه معدم في وقت الصلاة. فإن كان بين يديه ولا يفتقر إلى إخراجه لكنه لو اشتغل باستعماله لفاته الوقت؛ ففيه قولان: مذهب المغاربة يستعمله لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣)، وهذا واجد. ومذهب البغداديين أنه يتيمم. إلا أن المقصود قطعا إدراك الصلاة في الوقت ولولا هذا المقصود لما أبيح التيمم، لأنه متى فقد الماء ولم يراعِ الوقت أُمهل حتى يجد الماء.
(حكم المريض الذي يخاف استعمال الماء)
وأما المريض فإن خاف من استعمال الماء تَلَفَ نفسِه فلا خلاف في المذهب أنه لا يستعمله وينتقل إلى التيمم. وإن خاف زيادة مرض، فالمشهور أنه ينتقل. والشاذ أنه لا ينتقل. وهذا لتقابل المكروهين. والصحيح انتقاله، لأن استعمال الماء على هذه الصفة من الحرج الذي تسقطه الشريعة. وإذا بنينا على المشهور فله استعمال التيمم متى خاف أحد أربعة أوجه: حدوث مرض، أو زيادته إن كان مريضا، أو تأخير برء، أو إتلاف نفس.
ووجدان ما لا يقوم بجميع الطهارة كفقدان الجميع عند مالك.
_________________
(١) في (ص) الزيادة في ثلاثة.
(٢) في (ق) بالمسافر يفقد الماء.
(٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦.
[ ١ / ٣٤٨ ]
فصل (في ما يتيمم به)
وأما ما يتيمم به. فإن تيمم بتراب طاهر منبت غير منقول عن وجه الأرض إلى الأواني فلا خلاف في الإجزاء. فإن لم يكن على الأرض تراب ففيه قولان: المشهور أنه غير مشترط، والشاذ اشتراطه.
وقد اختلف أهل اللغة في الصعيد ما هو؟ فهل كل ما صعد على [وجه] (١) الأرض ترابًا كان أو غيره إذا كان من أجزائها؟ وقيل: وإن لم يكن من أجزائها إذا اتصل بها نباتًا أو سقوطًا معتادًا كالثلج (٢) أو الجليد. وقيل: هو التراب.
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ (٣) فقيل: منبِتًا. وقيل: طاهرًا، وهو الأظهر. لكن احتج من قال هو المنبت بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (٤). وفي الحديث قوله - ﷺ -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٥). وفي بعض الطرق "وتربتها طهورًا" (٦). وبين الأصوليين خَلاف في قبول زيادة العدل.
وإذا قلنا بأن التيمم على غير التراب جائز فهل يجوز مع وجود التراب ومع فقده؟ في المذهب قولان: أحدهما: جوازه، وهو الأصح (٧) على هذا المذهب. والثاني: كراهيته، مراعاة للخلاف.
وعلى ما قلناه في الآية والأحاديث اختلف المذهب هل يشترط التراب
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت) و(ص).
(٢) في (ت) و(م) كالملح.
(٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦.
(٤) الأعراف: ٥٨.
(٥) أخرجه البخاري في الصلاة ٤٣٨، والترمذي في الصلاة ٣١٧ واللفظ له.
(٦) أخرجه مسلم في المساجد (٥٢٢) عن حذيفة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:"فُضِّلْنَا عَلَى النَّاس بثَلاَثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ" وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى.
(٧) في (ر) و(ق) و(ص) الأصل.
[ ١ / ٣٤٩ ]
كما قاله ابن شعبان؟ (١) أو يشترط وجه الأرض [و] (٢) ما كان من أجزائها أو [من غير أجزائها؟ أو يكون] (٣) يجوز التيمم بالخشب والحشيش والثلج والجليد (٤) والحجر (٥). وأما المعادن على القول بأنا لا نشترط التراب فإذا خلت منه جاز التيمم بها ما دامت مصاحبة لسطح الأرض. وكذلك الأحجار واليواقيت. فإن نقلت المعادن وصارت عقاقير أو معدة للاستعمال واللباس خرجت عن حكم الصعيد.
(حكم التيمم بالملح)
وفي الملح ثلاثة أقوال: قال أبو الحسن ابن القصار (٦): يتيمم به، وحكى الباجي وغيره أنه لا يتيمم به، وفصل الباجي (٧) بين المعدني فأجاز التيمم به وبين المصنوع فمنع التيمم به فجعله كالثلج أو الماء بل اشترط فيه من الصناعة. وهذا كما اختلف في حلوله في الماء هل يكون كقراره أو كالمائعات.
وإن نقل التراب لمن يتيمم به ففي جواز التيمم قولان: أجازه ابن القاسم في كتاب محمد (٨) لأنه من الصعيد، ومنعه ابن بكير. واحتج بقول
_________________
(١) هو: أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان .. ويعرف بابن القرطبي كان أرأس فقهاء المالكية بمصر في وقته وأحفظهم لمذهب مالك كان يلحن ولم يكن له بصر بالعربية مع غزارة علمه، ألف عدة كتب في الفقه وغيره. توفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. الديباج المذهب ص: ٢٤٨، ٢٤٩، والشجرة ص: ٨٠ (١٤٤).
(٢) ساقط من (ر) و(ص).
(٣) ساقط من (ر) و(ص) وفي (م) و(ت) غير أجزائها.
(٤) في (ص) الجمد.
(٥) في (ق) الحت وفي (م) الملح.
(٦) في (ر) و(ق) ابن القابسي.
(٧) في (ص) الشافعي.
(٨) يقصد بكتاب محمد: الموازية لمحمد بن المواز الإسكندراني (ت) ٢٦٩، وقد اعتمد المالكية هذا الكتاب لزمن طويل. إلا أنه اختفى على أنظار الدارسين في هذا العصر، ولعل كتاب النوادر والزيادت لابن أبي زيد القيرواني احتفظ بجل الكتاب. انظر ترتيب المدارك ٤/ ١٦٤ ومباحث في المذهب المالكي ص ٧٢.
[ ١ / ٣٥٠ ]
النبي - ﷺ -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا". ولا يكون ذلك إلا بمباشرتها بالكف.
فصل (لأي شيء يكون التيمم؟)
وأما لأي شيء يكون؟ فإذا تعينت الصلاة جاز التيمم لها (١)، وهذا يختص بصلاة الفرض ويعم كل من ذكرنا أنه من أهل التيمم اتفاقًا. وعلى قول من أجازه وإن لم يتعين فلا يجوز التيمم لها إلا المسافر الفاقد للماء يصير من أهل التيمم فإنه يتيمم لكل ما يفتقر إلى طهارة.
وهل يتيمم من فقد الماء لصلاة الجمعة حذرًا من فواتها؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يتيمم، قاله أشهب. وهذا لأنه يراها بدلًا من الظهر فإن (٢) لم يمكن أداؤها بشرطها انتقل إلى الأصل. والثاني: أنه يتيمم، حكاه ابن القصار وأبو جعفر الأبهري (٣). وهذا لأنها صلاة قائمة بنفسها، وفي المذهب قولان في ذلك.
وفي جوازه للسنن في حق الحاضر قولان: مذهب الكتاب أنه لا يجوز، على المشهور في المذهب. والشاذ أنه يجوز، قاله ابن سحنون (٤). ولعل هذا لأنه مطلوب بالصلاة ومطالب بتحصيل (٥) الأجر فيستوي أن يكون مطلوبًا بها جزمًا أو ندبًا.
_________________
(١) في (م) و(ق) عليها.
(٢) في (ق) و(م) فإذا لم يكن.
(٣) هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري، سكن بغداد. وكان إمام أصحابه في وقته وانتهت إليه الرياسة في مذهب مالك. جمع بين القراءات وعلو الإسناد والفقه الجيد. شرح المختصرين الكبير والصغير لابن عبد الحكم وانتشر عنه مذهب مالك في البلاد. كان القيم برأي مالك في العراق في وقته معظّمًا عند سائر العلماء الديباج المذهب ص: ٢٥٥ - ٢٥٦، والشجية ٩١ (٢٠٤).
(٤) في (ق) سحنون.
(٥) في (م) و(ت) و(ص) وطالب لتحصيل.
[ ١ / ٣٥١ ]
وأما صلاة الجنازة فإن لم يتعين الوجوب جرت على القولين، والمشهور (١) أنه لا يتيمم لها لأنها وإن قلنا بفرضيتها على الكفاية فإذا لم تتعين لحقت في عدم التعين بالسنن. وإن تعينت فحكى ابن القصار أن القياس يوجب جواز التيمم. قال: ويحتمل أن يقال لا يجوز (٢) لأن من الناس من يجوز الصلاة على القبر، وقد روي ذلك عن مالك. فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر.
فصل (هل يصلى بالتيمم أكثر من فرض)
وقد تقدم الخلاف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ والاتفاق على توجه (٣) الطلب؛ ولهذا يقول أهل المذهب إذا تيمم لاستباحة فرض فلا يصلي به فرضًا غيره، لأنه يتوجه عليه الطلب للثانية (٤). فبعد الفقد يلزمه التيمم ثانية، وإن اتحد وقت الفرضين بأن يكونا مجموعين أو كانت فروضا فائتة؛ ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يجمع بينهما بناء على أن التيمم لا يرفع الحدث، والشاذ أنه يجمع بينهما، وهي قولة لمالك، وهو بناء على أنه يرفعه.
فإن أمرناه بأن يجمع فجمع فهل يعيد الثانية؟ ثلاثة أقوال: أحدها: الإعادة في الوقت، قاله مالك في كتاب محمد. وقال ثانية (٥): يعيد أبدًا. وقال أصبغ (٦): إن كانتا مشتركتي الوقت كالظهر والعصر، وكالمغرب
_________________
(١) في (ت) و(م) المشهور.
(٢) في (ق) ويحتمل أن لا يصلي.
(٣) في (ت) ثبوت وفي (ق) في موجب.
(٤) في (ص) الثاني.
(٥) في (ت) وله قول ثاني.
(٦) هو: أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان يكنى أبا عبد الله. رحل إلى المدينة ليسمع من مالك فدخلها يوم مات. وصحب ابن القاسم وابن وهب =
[ ١ / ٣٥٢ ]
والعشاء الآخرة أعاد الآخرة [في الوقت. وإن كانتا غير مشتركتي الوقت كالصبح والظهر أعاد الآخرة] (١). وإن خرج الوقت فالإعادة بعد الوقت على نفي مراعاة الخلاف، والتخصيص بالوقت مراعاة له، والتفرقة لأن الطلب يتوجب إذا افترق وقتهما. ولم يختلف المذهب أنهما لا يجتمعان.
ومعلوم أنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، هذا على القول أنه لا يرفع الحدث. أما على القول بأنه يرفعه فيلزم أن يصلي بذلك الفرض إلا أن يقال يتوجه الطلب للفرض فلا نظر إذا لم يتوجه في حق العاجز. وكذلك (٢) لو تيمم للفريضة فصلى قبلها نافلة للزمته الإعادة للفريضة لتوجه الطلب، فإن صلى بتيممه الفريضة فله أن يصلي به النافلة (٣)، لأن النوافل في حكم التبع للفرائض (٤) فينسحب عليها حكمها.
فصل (هل تصلى السنن بتيمم الفرض؟)
فإن تيمم لصلاة الصبح، فهل له أن يصلي بذلك التيمم ركعتي الفجر المشهور أنه لا يجوز له لما قدمناه من توجيه (٥) الطلب. وروى يحيى بن يحيى (٦) عن مالك إجازته استحبابا. وهذا لأنه رآها في حكم التبع، وهي
_________________
(١) = وأشهب وسمع منهم، كان كاتب ابن وهب وأخص الناس به روى عنه البخاري وغيره وعليه تفقه ابن المواز وابن حبيب له تآليف حسان. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين وقيل سنة أربع ومولده بعد الخمسين ومائة. الديباج المذهب ص: ٩٧ وطبقات الفقهاء ص: ١٥٨.
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) في (ت) ولذلك.
(٤) في (ق) النافلة بعد.
(٥) في (ص) و(ق) للفرائض والجبران.
(٦) في (ص) و(ق) توجه.
(٧) في (ت) و(ق) يحيى بن عمر، وفي (ص) يحيى بن محمد. وهو: يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس يكنى أبا محمد .. من مصمودة طنجة .. =
[ ١ / ٣٥٣ ]
بدل من (١) الأخيرتين من الرباعية. وهل له أن يصلي السنن كالوتر بما صلى به الفرض؟ فالمشهور من المذهب جوازه، واستحب سحنون إعادة التيمم للوتر (٢)، وهذا لتأكيده.
(هل توطأ الحائض إذا انقطع دمها وتيممت؟)
وعلى الخلاف في رفع التيمم للحديث اختلف هل يجوز وطئ الحائض إذا انقطع دمها وتيممت؟ فالمشهور منعه، والشاذ جوازه.
(حكم إمامة المتيمم بالمتوضئين)
وكذلك الخلاف في إمامة المتيمم بالمتوضئين؛ فالمشهور كراهيته، والشاذ جوازه.
فصل (في مسائل متفرقة من أحكام التيمم)
وحكم التيمم في وجوب النية حكم الوضوء لكنه، [لا]، (٣) يقصد بالتيمم على المشهور إلا استباحة الصلاة دون رفع الحدث. وعلى الشاذ: له أن يقصد رفع الحدث. وقد قدمنا أن مذهب المدونة فيمن تيمم للحدث الأصغر ولم (٤) يذكر أنه جنب لا يجزيه. وقيل: يجزيه، وهذا لاتحاد
_________________
(١) = سمع يحيى مالكًا والليث وجلة أصحاب مالك. وكانت له رحلتان من الأندلس، سمع في الأولى من مالك والليث وابن وهب واقتصر في الأخرى على ابن القاسم، وبه تفقه. قدم الأندلس بعلم كثير فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه. وبيحيى وبعيسى انتشر مذهب مالك. وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله وسماه العاقل. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين. الديباج المذهب ص: ٣٥٠، ٣٥١، والشجرة ٦٣ (٤٦).
(٢) في (ق) وهو يدل على أن.
(٣) انظر النوادر والزيادات ١/ ١٨.
(٤) ساقط من (م) و(ق).
(٥) فى (ص) و(م) ثم.
[ ١ / ٣٥٤ ]
الفعل. وإذا نفينا الإجزاء فصلى، فمقتضى الكتاب الإعادة. وهكذا نص عليه في مختصر ابن عبد الحكم. وقيل: يعيد في الوقت مراعاة للخلاف.
وكذلك حكم الموالاة والترتيب في التيمم كحكمها (١) في الوضوء. وفي المدونة فيمن نكَّس تيممه وصلى، تجزيه صلاته ويعيد التيمم لما يستقبل (٢). وهذا مما يسأل عنه فيقال: أليس يعيد التيمم؛ لأنه يتيمم لكل صلاة فما معنى أمره بإعادته ها هنا؟ والجواب إن مراده استحباب الإعادة إذا أراد أن يصلي به نافلة. وفي المدونة في اليائس من الماء يتيمم في أول الوقت ثم يجد الماء قال: لا إعادة عليه (٣). وقال الأشياخ: معناه أنه وجد ماء غير الذي أيس (٤) منه، وإلا لو وجده بعينه لأعاد (٥)؛ لأنه ظن فأخطأ. وفي المذهب قولان في رفع الخطأ بالاجتهاد، وهو على خلاف بين الأصوليين في تصويب المجتهدين.
وقال في الكتاب في المريض والخائف والمسافر يتيممون في وسط الوقت (٦). قال ابن عبدوس (٧) وغيره: معناه وقت الاختيار (٨). وقال فيمن غربت عليه (٩) الشمس إن طمع أن يدرك الماء قبل مغيب الشفق مضى
_________________
(١) في (ص) و(ت) و(م) و(ق) حكمها.
(٢) في (ص) يستيقن. المدونة ١/ ٤٤.
(٣) المدونة ١/ ٤٥.
(٤) في (ص) و(ت) يئس.
(٥) في (م) لا إعادة عليه
(٦) المدونة ١/ ٤٢.
(٧) هو: محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير، من كبار أصحاب سحنون وأئمة وقته وهو رابع المحمديين الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة مذهب مالك، لم يجتمع في زمان مثلهم؛ اثنان مصريان: ابن عبد الحكم، وابن المواز، واثنان قرويان: ابن عبدوس وابن سحنون. ولم يكن في أصحاب سحنون أفقه من ابنه وابن عبدوس. توفي سنة ستين ومائتين وقيل إحدى وستين الديباج المذهب ص: ٢٣٧، ٢٣٨، وشجرة النور ص: ٧٠ (٨٢).
(٨) انظر النوادر والزيادات ١/ ١١٥.
(٩) في (ر) و(ص) غابت له.
[ ١ / ٣٥٥ ]
إليه (١). وهذا يؤخذ منه أن وقت المغرب ممتد إلى مغيب الشفق. وفي المذهب في ذلك قولان. وقد يقال: إنه قال ذلك مراعاة للخلاف، إذ أحد القولين أن الحاضر لا يتيمم (٢)، وهذا حاضر. على أن المذهب اختلف هل من شرط السفر المبيح للتيمم كونه مما تقصر فيه الصلاة، أو ليس من شرطه ذلك؟
وقوله في الكتاب: وقد كان ابن مسعود يقول غير هذا ثم رجع إلى أنه يغتسل. فاختلف الأشياخ ما مراده بذلك فقيل: كان ابن مسعود يقول: إنه إذا وجد الماء لا يغتسل لأن تيممه يرفع الحدث ثم رجع إلى أنه يغتسل. وقيل: إن مراده أن ابن مسعود يقول: يغتسل ويعيد الصلاة، ثم رجع إلى أنه يغتسل فقط، فلا إعادة عليه (٣).
وقوله في الكتاب: لا يعيد الجنب الصلاة إذا وجد الماء. قال أبو الحسن ابن القابسي: هذا إن لم يكن في بدنه نجاسة، وإلا لو كانت لأعاد في الوقت. وقال أبو بكر ابن اللباد (٤): وإن لم تكن في بدنه نجاسة لكنه أجنب من وطئ في الفرج فإن فرجه ينجس من بلة فرج المرأة. وهذا عندنا فيه قولان: أحدهما: الحكم بنجاسته لأن النجاسة تمر عليه، والثاني: أنه غير نجس لأنه ولوج لا يتعلق به نجاسة.
وقوله في المدونة: [ولا بأس]، (٥) في الطين الخضخاض (٦) يخفف
_________________
(١) في (ق) و(م) و(ص) الشفق أخر حتى يدركه.
(٢) في (ت) و(ق) للحاضر أن يتيمم.
(٣) في (ص) والإعادة عليه.
(٤) هو: أبو بكر محمد بن اللباد بن محمد بن وشاح .. من أصحاب يحيى بن عمر وبه تفقه، وأخذ عن غيره. تفقه به أبو محمد بن أبي زيد وغيره. لم تكن له رحلة ولا حج كان عنده حفظ كثير وجمع للكتب وحظ وافر من الفقه. امتحن وسجن وضرب ثلاث عصي. توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. الديباج المذهب: ١/ ٢٤٩، ٢٥٠ وشجرة النور ص: ٨٤ (١٦٣).
(٥) ساقط من (ر) و(ق) و(ت).
(٦) جاء في لسان العرب ٧/ ١٤٤: مكانٌ خَضِيضٌ وخُضاخِضٌ: مَبْلولٌ بالماءِ، وقيل: هو =
[ ١ / ٣٥٦ ]
وضع يديه عليه (١). قال ابن حبيب: ثم يرفع يديه ويخففهما لينثر (٢) ما فيه من الأذى خيفة أن يتعلق (٣) بوجهه، ويفعل في الضربة لليدين كذلك.
باب في حكم الحيض والنفاس
وينفصل من الفرج دمان: أحدهما: لا يوجب حكمًا، وهو دم علة وفساد، ويعبر عنه بالاستحاضة. وإنما يستحب منه الوضوء عندنا لكل صلاة. والثاني: دم الحيض والنفاس، وهما يمنعان من ثمانية أشياء، واختلف في تاسع: يمنع من وجوب الصلاة وأدائها، وأداء الصوم، والطواف، والاعتكاف، ومس المصحف، ودخول المسجد، والجماع، والطلاق.
واختلف هل للحائض أن تقرأ القرآن ظاهرا؟ والمشهور من المذهب جوازه لأنها مضطرة وتخاف النسيان. وهل يمنع الجماع في الفرج وغيره؟ أما الفرج فلا خلاف في منعه. وأما ما فوق الإزار فلا خلاف في جوازه، أما تحت الإزار مما دون الفرج ففي المذهب فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه.
وسبب الخلاف قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤) الآية. واختلف هل المراد به موضع الحيض أو زمانه؟ فإن قلنا المراد به موضعه اختص الفرج بالتحريم، وإن قلنا المراد زمانه اقتضى تحريم الجملة، لكن خص ما فوق الإزار بالحديث.
_________________
(١) = الكثير الماء والشجر، خَضْخَضْتُ الأَرضَ إِذا قلَبْتَها حتى يصير موضعها مُثاراٌ رَخْواٌ إِذا وصل الماءُ إِليها أَنْبَتَتْ. والخَضِيضُ: المكانُ المُتَتَرِّبُ تَبُلُّه الأَمطارُ. والخَضْخَضَةُ: أَصلُها من خاضَ يَخُوضُ لا مِنْ خَضَّ يَخُضُّ.
(٢) المدونة ١/ ٤٦.
(٣) في (ص) لتيسر.
(٤) في (ص) و(ت) يعلق.
(٥) البقرة: ٢٢٢.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فإن انقطع دم الحائض ولم تغتسل بالماء ففي تحريم وطئها قولان: المشهور تحريمه تعويلاٌ على قراءة من قرأ (يَطَّهَّرْنَ) بالتشديد، وعلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. والشاذ أنه لا يحرم. قاله ابن بكير تعويلاٌ على قراءة من قرأ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف، لكنه كرهه مراعاة للخلاف.
فصل (في حد الطهر والحيض)
ولا حد لكثير الطهر بإجماع. وكذلك لا حد عندنا ليسير الحيض فيما يرجع إلى العبادات. وأما ما يرجع إلى العادة (١)؛ فيسيره محدود بما بيانه (٢) محال على موضعه.
وأما كثير الحيض فهو محدود. والمشهور حده إما بالرجوع إلى العادة وإما بخمسة عشر يوما. وقال ابن نافع (٣): تستظهر (٤) على الخمسة عشر يومًا بثلاثة أيام. وهذا يدل على أن أكثره ثمانية عشر يومًا. والصحيح هو المشهور. لقوله - ﷺ -: "أن (٥) النساء يتركن الصلاة شطر عمرهن (٦) "، وقد
_________________
(١) في (م) و(ت) العادات، وفي (ر) و(ص) العدد. وهو غير مستقيم.
(٢) في (ص) بيناه.
(٣) هو: عبد الله بن نافع ولي بني مخزوم المعروف بالصائغ، كنيته أبو محمد روى عن مالك ونظرائه، كان صاحب رأي مالك ومفتي المدينة بعده، ولم يكن صاحب حديث وكان أصمًا أميًا لا يكتب، وإنما كان حافظًا. سمع منه سحنون وكبار أتباع أصحاب مالك. توفي بالمدينة سنة ست وثمانين ومائة. الديباج المذهب ص: ١٣١، ١٣٢، وشجرة النور ٥٥ (٤).
(٤) أي تحتاط لنفسها.
(٥) في (ص) و(ت) و(ق) "في".
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ وقد أخرج البخاري في كتاب الصوم (٢٩٨) حديثًا قريبًا منه عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فأني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين =
[ ١ / ٣٥٨ ]
خرج مخرج الذم، فيكون منبئًا على أكثر الحيض وأقل الطهر.
وفي أقل الطهر قولان: أحدهما: حده بما يثبت بالعادات، والثاني: حده (١) بالأيام. وإذا حددناه بالأيام فما عددها؟ أربعة أقوال: أحدها: خمسة أيام، قاله ابن الماجشون. والثاني: ثمانية أيام، قاله سحنون واستقرأه أبو محمد بن أبي زيد من المدونة. والثالث: عشرة أيام، قاله ابن حبيب. والرابع خمسة عشر يوما، قاله محمد بن مسلمة. وهذه الأقوال لا أصل لها إلا الرجوع إلى العادة، وكذلك جميع ما اتفق فيه من مسائل الحيض والاستحاضة، وجميع ما اختلف فيه. فإنما يرجع الاتفاق إلى اتفاقهم في العادة، والاختلاف إلى اختلافهم فيها؛ لأن دم الحيض فضلات الغذاء يجمع في الرحم ثم ينفصل بعد الاجتماع. وذلك على عادة أجراها الله تعالى في النساء.
ومتى استمرت على العادة فهو دم الحيض، ومتى خرجت عن العادة فهو دم الاستحاضة. وإنما يعول في ذلك على العوائد نفيًا وإثباتًا؛ فمرة يرد مالك الأمر إلى العادة من غير جزم، ومرة يجزم هو أو أحد أصحابه بحسب ما ثبت عندهم. فإن ثبتت عادة فلا إشكال فيما (٢) اتفقوا. وإن اختلفت شهد كل واحد بما ثبت عنده من العادة. وقد احتج لمذهب ابن مسلمة بأن الله سبحانه جعل عدة من تحيض ثلاثة قروء واليائسة ثلاثة أشهر، وهي بدل من (٣) القرء. والتقسيم يؤدي (٤) إلى أن الشهر يقوم مقام (٥) أكثر الحيض وأقل الطهر. وأيضًا فالحديث المتقدم يشهد لذلك.
_________________
(١) = أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى قال: فذلك نقصان من عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلى قال: "فذلك من نقصان دينها".
(٢) في (ر) و(ت) حده.
(٣) في (ر) فيها.
(٤) في (ت) و(ق) عن.
(٥) في (ت) يومئ.
(٦) في (ص) أقيم.
[ ١ / ٣٥٩ ]
فصل (في حكم الدم الخارج ممن لا تحيض أو ممن تحيض)
وإذا رأت المرأة دمًا فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن تكون ممن لا تحيض لصغر، وإما أن تكون ممن لا تحيض لكبر، وإما أن يكون سنها من من تحيض (١)؛ فالأولى لا حكم لدمها لأنه دم علة [وفساد] (٢)، والثانية فيها قولان فيما يرجع إلى العبادة (٣) لا إلى العِدَدِ: أحدها: أنه كدم الحيض. رواه ابن المواز عن مالك (٤) لأن ترك العبادة تنزيه عن (٥) قربها مع وجود دم، والكبيرة (٦) أولى بذلك. والثاني: أنه كدم العلة، قاله في كتاب العدة من المدونة، وبه قال ابن حبيب (٧). وهذا قياس على الصغيرة وعلى حكم العدة (٨).
وهل تغتسل على هذا القول لانقطاعه؟ قال ابن القاسم: لا غسل عليها، وهذا هو الأصل. وقال ابن حبيب: عليها الغسل وهذا احتياط.
وكم سن اليائسة؟ قال ابن شعبان (٩): خمسون سنة. محتجاٌ بقول عمر: بنت خمسين عجوزًا في الغابرين. وقالت عائشة: قل من تُجَاوِزُ الخمسين فتحيض إلا أن تكون فارهة (١٠) والثالثة: هي التي في سن من تحيض، فيحمل (١١) ما تراه من الدم على الحيض بإجماع، إلا أن يعرض ما
_________________
(١) في (ق) من لا تحيض.
(٢) ساقط من (ت).
(٣) في (ق) العادة.
(٤) انظر النوادر والزيادات ١/ ١٢٩.
(٥) في (ت) ترفه من.
(٦) في (ق) تنبيهًا على قوتها مع وجود دم الحيض والكثير.
(٧) انظر المصدر السابق.
(٨) في (ص) العلة.
(٩) في (ت) ابن حبيب شعبا.
(١٠) في (ر) و(ت) و(ص) قرشية
(١١) في (ت) يحمل و(ص) تحمل.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ينقله عن ذلك على ما نفصله. وإن حكمنا بكونه حيضًا (١)،وانقطع اغتسلت وصلت وكانت طاهرًا.
وكيف يعلم انقطاعه؟ لانقطاعه علامتان: الجفوف وهو أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة. والقَصَّة البيضاء وهي أن الدم يكون في أول الحيض أسودًا غليظًا ثخينًا، لا يزال يدق ويصفر حتى يكون في آخره كالقصة (٢) وهو الجير. وإن كانت المرأة معتادة لأحدهما فرأت عادتها حكمت بانقطاعه. وإن رأت غير عادتها فقولان: أحدهما: أن القصة أبلغ من الجفوف؛ فمن اعتادت بالجفوف طهرت بالقصة البيضاء، ومن اعتادت بالقصة لم تطهر بالجفوف، قاله ابن القاسم. والثاني: عكس هذا وهو أن الجفوف أبلغ، قاله ابن عبد الحكم. [وإن كانت غير معتادة فلا تطهر إلا بالجفوف، قاله ابن القاسم وابن الماجشون. وقال الباجي: وهو نزوع (٣) إلى قول ابن عبد الحكم] (٤). وكل هذا مبني على عوائد النساء كما قدمناه، ولكن إن رأت غير عادتها وقلنا لا تطهر بذلك فإنما معناه أن تنتظر الثاني، ما لم تخف فوات وقت الصلاة.
وما هو الوقت؟ حكى أبو محمد عبد الحق عن أشياخه قولين: أحدهما: أنه الوقت المختار، والثاني: الضروري. وهذان وجههما (٥) كون أحد الأمرين يسد مسد الآخر. لكن طلب المعتاد (٦) من باب الأولى والأسَدِّ (٧) وعند الضرورة وخوف الفوات الكلي.
_________________
(١) في (ق) بكونها حائضًا.
(٢) في (ر) كماء القصة.
(٣) في (ت) الرجوع.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ص) حكمهما.
(٦) في (ص) العادة.
(٧) في (ق) الأشد.
[ ١ / ٣٦١ ]
فصل (حكم الدم المتمادي)
وإن تمادى الدم فلم ينقطع فلا يخلو من أن تكون مبتدئة أو معتادة؛ فإن كانت مبتدأة ففي الكتاب أنها تمكث خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة (١). وروى علي بن زياد وابن وهب عن مالك أنها تمكث أيام عادتها وهي أترابها (٢). وإذا قلنا بهذا فهل تستظهر وإن كانت معتادة؟ في الكتاب قولان: أحدهما: أنها تقيم خمسة عشر يومًا، والثاني: أنها تمكث أكثر عادتها. وهل تستظهر على ذلك؟ روايتان كما قلنا في المبتدئة. وهل تكون فيما بين أيام العادة (٣) وبين الخمسة عشر يومًا كالطاهر (٤) على الإطلاق أم لا؟ روايتان عن مالك ﵀: أحداهما: أنها طاهر مطلقًا، وهو مقتضى المدونة على ما سنذكره. والثاني: أنها تحتاط، تصوم وتقضي، وتصلي ولا تقضي، وتُمنع من وطء الزوج (٥).
وإذا قلنا إنها تجلس أيام عادتها وتستظهر، فإن الاستظهار بثلاثة (٦) أيام ما لم تزد على خمسة عشر يومًا على المعروف من المذهب. وقد قدمنا قول ابن نافع.
فإن انقطع عنها الدم عند الخمسة عشر يومًا فهل تعيد الغسل؟ أما (٧) على القول بأنها تحتاط فلا شك في وجوب الغسل، وأما على القول بأنها طاهر على الإطلاق فلا يلزم الغسل إلا مراعاة للخلاف.
وقد اختلف (٨) في دم الاستحاضة ينقطع. وفي الكتاب قولان (٩):
_________________
(١) المدونة ١/ ٤٩.
(٢) فى (ص) وهن ذوات أسنانها.
(٣) فى (ق) المعتدة وفي (م) العدة.
(٤) فى (ق) كالطهر.
(٥) فى (ص) وتمنع الزوج من الوطء وفي (ق) تمتنع من الوطء.
(٦) فى (ر) ثلاثة.
(٧) فى (ق) و(ص) أم لا.
(٨) فى (ر) للخلاف في الوجوب.
(٩) المدونة ١/ ٥٢.
[ ١ / ٣٦٢ ]
إسقاط الغسل وهو الأصل؛ لأنه دم علة وفساد لا يوجب (١) غسلًا. والثاني: استحباب الغسل مراعاة للخلاف.
وكل هذا الخلاف راجع إلى عوائد كما قدمناه مع (٢) الرجوع إلى أحد ثلاثة أصول (٣): إما إلى الاحتياط في لزوم العبادة (٤)، فلا تسقط مع الشك، وإما النظر إلى الأصل والأصل (٥) فقد دم الحيض. فمتى وقع الشك رجعنا إلى أصل الحقيقة (٦). وأما استصحاب وجود دم الحيض فلا يحكم بزواله إلا مع تيقن الزوال. فتصرف هذه الأقوال إلى هذه الأصول.
فصل (حكم الدم الذي ينقطع ثم يعود)
وإذا انقطع الدم ثم عاد نظرنا؛ فإن كان بين انقطاعه وعودته مقدار أقل الطهر على ما قدمناه من الخلاف حكمنا بأن الثاني حيض مستأنف. وإن كان ما بينهما أقل من ذلك (٧) حكمنا بأن الثاني مضاف إلى الأول. لكن إن كمل من الأول أكثر من [مدة] (٨) الحيض على ما قدمناه فالثاني استحاضة، وإن لم يكمل فالثاني تكميل للحيض الأول.
فإن كانت المرأة ممن ترى الدم يومًا أو يومين والطهر يومًا أو يومين، فإن كانت أيام الدم أكثر من أيام الطهر فلا خلاف أنها مستحاضة لأن المرأة
_________________
(١) في (ر) يوجب.
(٢) في (ر) مع الالتفات إلى الرجوع.
(٣) في (ق) أوجه.
(٤) في (ق) العادة.
(٥) في (ر) النظر إلى الماضي الأصل وفي (ت) وأما النظر إلى أصل.
(٦) في (ق) الحلقة.
(٧) في (ت) الثاني مضاف إلى حيض مستأنف وإن لم يكن بينهما أقل الطهر، وفي (ق) الثاني مضاف إلى حيض مستأنف وإن لم يكن بينهما الطهر.
(٨) ساقط من (ر) و(ق) و(ت).
[ ١ / ٣٦٣ ]
لا تحيض أكثر من زمان طهرها. وإن كانت أيام الطهر كأيام الحيض أو أكثر، فهاهنا قولان: المشهور أنها مستحاضة، ومذهب محمد بن مسلمة أنها طاهرة حقيقة في أيام انقطاع الدم، وحائض حقيقية في أيام وجوده. وهذا راجع إلى عادة كما قدمناه.
فصل (مدة الاستحاضة)
وإذا حكمنا بالاستحاضة فإن حكمها مستصحب ما لم يتغير الدم. وإن تغير بعد زمن بينه وبين الحيض السابق أقل من الطهر لم يُلتفت إلى تغييره، وإن كان زمان مقدار الطهر فأكثر فالثاني حيض مبتدأ. وإذا حكمنا بأن الدم المتغير حيض وتمادى فعلى القول الأول بأن من تمادى بها الدم تجلس خمسة عشر يومًا فلا تستظهر (١) إلا على ما قاله ابن نافع. وعلى القول بأنها تجلس أيام عادتها فهل تستظهر؟ قولان: أحدهما: أنها لا تستظهر، قاله محمد بن مسلمة. والثاني: أنها تستظهر، قاله ابن عبد الحكم. وأشار الباجي إلى أن هذا الخلاف على القول بأن من لم يحكم [لها] (٢) بالاستحاضة تستظهر. وهذا لأن تلك إنما تستظهر لعل الدم زاد زيادة يسيرة فتستظهر رجاء أن ينقطع الدم، وإذا حكمنا باستحاضتها فالرجاء في ذلك ضعيف.
فصل (حكم الدم المنفصل من الحامل)
والذي تقدم حكم الحائل. وأما الحامل فالدم المنفصل من فرجها عندنا على حكم الحيض، فإن انقطع فكما قلناه في الحائل، وإن تمادى فلا تخلو إما أن تتغير عادتها بالحمل أو لا تتغير؛ فإن لم تتغير فحكمها حكم
_________________
(١) في (ق) فلا تستبري.
(٢) ساقط من (ق).
[ ١ / ٣٦٤ ]
الحائل، وإن تغيرت فهاهنا قولان: مذهب أشهب أنها بحكم الحائل لكون الحمل عندنا (١) يذهب الدم. ولهذا شبهه بالرضاع والمرض. ورواية ابن حبيب عن مالك وهو مذهب ابن القاسم وابن وهب أنه ليس كذلك، وإنما يجتمع الدم ثم يندفع وليس أول الحمل كآخره.
وكم مقدار ما تجلس؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجلس بعد الشهرين والثلاثة الأشهر خمسة عشر يومًا ونحوها. وإذا جاوزت الستة الأشهر فرأته فإنها تترك الصلاة ما بين العشرين أو نحو ذلك، قاله ابن القاسم.
والثاني: إن رأته في أول شهور الحمل جلست قدر أيامها والاستظهار. وإن رأته في الثاني فمثلي ذلك ولا تستظهر. وإن رأته في الثالث فثلاثة أمثال ذلك. وفي الرابع أربعة (٢) أمثاله حتى تبلغ ستين يومًا فلا يُزاد عليها. قاله مالك عند ابن حبيب.
والثالث: أنها في آخر الحمل تضعف أيام حيضتها ثم تغتسل لأن دمها أكثر من [دم]، (٣) الحيض. وكأن قول ابن القاسم وابن وهب مبنيان على أن الدم وإن اجتمع فهو ينقص باغتذاء الولد منه. وقول مالك عند ابن حبيب مبني على أن الدم يجتمع ثم يندفع. ولمالك قول رابع في المبسوط (٤) ينفي التحديد، لكن تجلس ما لم تسترب من طوله، ويرى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل، فإذا رأت (٥) ذلك حكمت بالاستحاضة. وهذا جواب من لم يثبت عنده عادة مستقرة (٦) فأحال على حال من اعتادت ذلك وما يظهر من أمره.
_________________
(١) فى (ت) لأن الحمل عنده.
(٢) فى (ص) ثلاثة.
(٣) ساقط من (ق).
(٤) هو للقاضي إسماعيل، ويعد الكتاب ضمن الدواوين السبع؛ التي هي: المدونة، والمستخرجة، والموازية، والواضحة، والمختلطة، والمجموعة، والمبسوط. انظر مسائل لا يعذر فيها بالجهل ص ٧.
(٥) في (ق) فإذا زاد ذلك.
(٦) فى (ق) مقدر وفي (ص) مقدورة وفي (ت) مقدرة.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فصل
(حكم دم النفاس المنقطع والمتمادي)
وقد تقدم أن دم النفاس كدم الحيض وهو متى انقطع كان حكمه كحكم انقطاع دم الحيض (١)، فإن تمادى ففي المذهب قولان: أحدهما: أن أقصاه ستون يوما، فإن زاد على ذلك كان دم علة وفساد. وهذا لتقرر العادة عنده بذلك. والثاني: الإحالة على الرجوع إلى أهل المعرفة بالعوائد من النساء وغيرهن. وهو جواب من لم يتقرر عنده عادة [يجري عليها الحكم] (٢). وإذا عاد الدم بعد إنقطاع دم النفاس؛ فإن كان بين الانقطاع والعودة مقدار أقل الطهر على الأقوال المتقدمة عد الثاني حيضًا مؤقتًا، وإن كان بينهما أقل من ذلك [فإن] (٣) كمل دم النفاس بما قدمناه من الأجل فالثاني استحاضة، وإن لم يكمل أكملته من الثاني (٤). فإن انقطع عند الكمال فهو دم النفاس وإن زاد فهو دم استحاضة. وقد قدمنا القولين في خروج الولد نقياٌ عن دم.
(حكم من ولدت وبقي في بطنها آخر)
وما حكم من ولدت ولدا وبقي في بطنها آخر والدم ينبعث؟ في المدونة قولان: أحدهما: أن حكمها حكم الحامل تحيض لأن الحمل باق. والثاني: أن حكمها حكم النفساء (٥) لانفصال الولد (٦).
_________________
(١) في (ت) حكم الحيض.
(٢) ساقط من (ر) و(ق) و(ص).
(٣) ساقط من (ق).
(٤) في (ق) استحالة وإن لم يكن أكملته من الثانية.
(٥) في (ر) النفاس.
(٦) المدونة ١/ ٥٤.
[ ١ / ٣٦٦ ]
تنبيهات
منها: اختلاف الأشياخ في مقتضى مذهب المدونة في حكم الأيام التي بين أيام الاستظهار والخمسة عشر؛ أما ابن وهب فلا شك أن مقتضى روايته الأخذ بالاحتياط، لقوله: تصلي (١) وليست عليها أحب إلى من أن تترك الصلاة وهي عليها. وأما رواية ابن القاسم في كتاب الطهارة فلا تدل تصريحًا على أحد أمرين (٢)، لكن في كتاب الحج إذا حاضت المرأة قبل الطواف حبس عليها كَرْيُهَا (٣) قدر أيامها والاستظهار. وأخذ أبو موسى ابن قناس من هذا كونها طاهرًا مطلقًا؛ لأنها إذا طافت بعد أيام الاستظهار فأجزأها فهي لا شك طاهر مطلقًا. وذكر أبو محمد عبد الحق مخالفة غيره من الأشياخ لهذا التأويل. وقال: معنى حبس الكري (٤) هذه المدة لعل الدم ينقطع فإذا لم ينقطع فسخ الكري لأنه ضرر بالكري.
ومنها: قوله في الكتاب في امرأة رأت الدم خمسة عشر يومًا ثم رأت الطهر خمسة أيام ثم رأت الدم أيامها (٥) ثم رأت الطهر (٦) سبعة أيام. قال: هذه مستحاضة (٧). فاستقرأ أبو محمد بن أبي زيد من هذا أنها لو رأت الطهر ثمانية أيام لم تكن مستحاضة. وإن أقل الطهر ثمانية أيام لاقتصاره على سبعة. وأنكر أبو عمران وغيره من الأشياخ هذا الاستقراء لأن ذكر السبعة [إنما] (٨) جرى في السؤال ولم يقصد به التحديد. وإنما يؤخذ من ذلك أن السبعة الأيام لا تكون طهرًا.
_________________
(١) في (ص) لا تصلي وفي (ت) لقوله رأيت أن تصلي.
(٢) في (ص) الأمرين.
(٣) الكري الأجير والذي يكريك دابته. المعجم الوسيط ٢/ ٧٨٥.
(٤) في (ق) هذه المرأة.
(٥) في (ر) أيامًا.
(٦) في (ق) الدم.
(٧) المدونة ١/ ٥٢.
(٨) ساقط من (ق).
[ ١ / ٣٦٧ ]
واختلف المتأخرون أيضًا في قوله: هذه مستحاضة هل في الأيام التي أتاها فيها الدم بعد الخمسة؟ أو فيما بعد السبعة؟ ولا شك أنها مستحاضة في الجميع.
ومنها: حكمه في الكتاب فيمن اختلط عليها الطهر والحيض لأنها مستحاضة، واختلف الأشياخ لو طلقها الزوج في أيام انقطاع الدم هل يكون طلاقه مباحًا ولا يجبر على الرجعة قاله غير واحد من الشيوخ الصقليين، أو يكون طلاقه محرمًا (١) فيجبر على الرجعة؟ قاله غير واحد من القرويين. وهذا على (٢) الخلاف في تحريم الطلاق في الحيض هل ذلك خيفة تطويل العدة فيكون [على] (٣) هذا محرمًا، أو شرع غير معلل فيكون هذا مباحًا. وعلى هذا اختلف متقدموا أهل المذهب (٤) في طلاق التي لم يدخل بها هل يجوز في الحيض إذ لا عدة يخاف تطويلها أو يحرم لأن ذلك غير (٥) معلل؟
ومنها: قول أشهب في الحامل لا تستظهر إلا أن تكون استرابت. وروي بإسقاط "لا" (٦). وأكثر الأشياخ على أن إثبات"لا" هو الصواب ولا معنى لإسقاطها. وحكى أبو محمد عبد الحق عن بعض القرويين أنه التمس لإسقاطها وجها فقال: معنى استرابتها أنها شكت في كون دمها دم حيض أو دم [نفاس] (٧) سقط. ومتى استرابت هذه الريبة فإنها تقيم أيامها وتستظهر عليها ولا تجلس أكثر من ذلك وإن كانت قد شكت. وتبقى على جلوس الحائض دون جلوس النفساء. وهذا بعيد عن مقصد أشهب. والصحيح إثبات "لا" لأنها متى لم تسترب كانت كالحائل كما قدمناه فتستظهر بناء على أحد القولين.
_________________
(١) في (ت) مباحًا.
(٢) في (ق) وهذا بناء على.
(٣) ساقط من (ص) و(ق) و(ت).
(٤) في (ت) و(ص) أصل المذهب.
(٥) في (ص) فرع غير.
(٦) في (ر) والأول أبين إلا أن يكون، وفي (ق) أن تكون، وفي (ص) من إلا يكون.
(٧) ساقط من (ق) و(ص) و(م).
[ ١ / ٣٦٨ ]
ومنها: قوله في الكتاب (وإذا جاوزت الستة أشهر من حملها. ثم رأته تركت الصلاة ما بين العشرين يومًا أو نحو ذلك) (١) فاختلف الأشياخ في حكم الستة الأشهر هل تكون كحكم ما بعدها؛ لأن الوضع (٢) قد يكون فيها، ولأن أفعال من بلغتها في الثلث كفعل من جاوزتها. وقيل: حكم الستة كحكم ما قبلها لأنه قيد في الكتاب مجاوزة (٣) الستة. والأول: مذهب ابن التبان (٤) وغيره من الصقليين. والثاني: مذهب ابن أبي زيد تم كتاب الطهارة بحمد الله وحسن عونه.
_________________
(١) المدونة ١/ ٥٥.
(٢) في (ق) و(ص) الموضع.
(٣) في (ص) و(ت) و(ق) بمجاوزته.
(٤) هو: أبو محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبان الفقيه الإمام كان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين، مستجاب الدعوة، يميل إلى الرقة وحكايات الصالحين، عالمًا باللغة والنحو والحساب والنجوم .. من أشد الناس عداوة لبني عبيد. توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. الديباج المذهب ص: ١٣٨، وشجرة النور ٩٥ (٢٢٥).
[ ١ / ٣٦٩ ]