٣٣٥١ - وإذا أقام رجل واحد بالمديان، فله أن يفلسه كقيام الجماعة، وإن أقرّ حينئذ بدين لغائب لم يصدق إلا أن يقر قبل التفليس، أو تقوم بينة للمقر له، فيحاص للغائب وتعزل حصته.
وإذا فلس رجل فاقتسم غرماؤه ماله، ثم طرأ غريم له لم يُعلم به، رجع على الغرماء بقدر ما [كان] ينوبه في المحاصة، فيتبع ذامة كل واحد منهم بحصاصه في ملائه أو عُدْمه، والموت والفَلَس بمنزلة واحدة. قال ابن وهب: قال مالك: ومن
[ ٣ / ٦٣٥ ]
قام بدين على غائب - ولعله كثير المداينة لغير من حضر - فأرى أن تباع عروضه لمن حضر، ويقضى، وليس كالميت في الاستيناء (١) لاجتماع من يطرأ من غرمائه لبقاء ذمة هذا وزوال ذمة الميت، وجعله غيره كالميت، ويستأنى بأمره إن كان معروفًا بالدين.
قال مالك: يُستأنى بقسم مال الميت المعروف بالدين لاجتماع بقية غرمائه، وكذلك إن مات في غيبته، وإن لم يعرف بالدين قضى لمن حضر ولم ينتظر به. قال ابن القاسم: ومن كان من غرماء الحي حاضرًا عالمًا بتفليسه، فلم يقم مع من قام، فلا رجوع له على الغرماء، وذلك رضًا منه ببقاء دينه في ذمة الغريم، كعلمهم بعتقه وسكوتهم عنه، فلا يرد لهم العتق إن قاموا بعد ذلك. وقيل: توقف لهم حقوقهم كالغائب، إلا أن يتبين من الحاضر تركًا لدينه في ذمة الغريم، ورضًا بما قبض غيره.
_________________
(١) هو بمعنى التربص والإمهال وانظر: حاشية الدسوقي (٤/١٢٨)، والتاج والإكليل (٦/٣١٦)، والمدونة الكبرى (١٤/٣٦٤)، (١٥/٥٩)، ومنح الجليل (٦/٣٥) .
[ ٣ / ٦٣٦ ]
٣٣٥٣ - ومن كان عليه دين في صحته ببينة أو بإقرار منه، فأقر في مرضه بدين لوارث أو لذي قرابة أو لصديق ملاطف، لم يقبل قوله إلا ببينة. وإن أقرّ في مرضه لأجنبي جاز، وحاصص من له دين ببينة أو من أقر له في الصحة.
٣٣٥٤ - ومن أقر لرجل قبل التفليس بمال فإنه يدخل مع من ديّنه ببينة، وإن أقرّ له بعد التفليس فلا يدخل فيما بيده من مال، ويتحاص فيه أهل دينه دون هذا المُقرّ له [وإن أفاد مالًا بعد ذلك دخل فيه هذا المقر له] حين التفليس ومن بقي له من الأولين شيء، لأن التهمة إنما كانت في المال الأول، فإن أفاد مالًا بعدما فلسوه فلم يقم [فيه] الغرماء الأولون ببقية دينهم ولا المقر له حتى أقر بدين لرجل آخر، فإقراره له جائز، ما لم يقر له عند قيام الأولين، لتفليسه ثانية، فإذا أُقر له قبل قيامهم جاز له ذلك.
٣٣٥٥ - وإذا أفلس ثانية كان المقر له آخرًا، أولى بما في يديه من الغرماء الأولين، إلا أن يفضل شيء عن دينه، لأن ما بيده هو من المعاملة الثانية، إذا كان قد عومل بعد التفليس وباع واشترى، لأن مالكًا قال: إذا داين الناس بعد التفليس ثم فلّس ثانية، فالذين داينوه آخرًا أولى من الغرماء الأولين، لأنه مال لهم.
[ ٣ / ٦٣٧ ]
فإن كان المال الذي أفاد بعد التفليس، إنما أفاده بموروث أو صلة أو أرش جناية أو نحوه، فإن الغرماء الأولين والآخرين يدخلون فيه.
٣٣٥٦ - قال مالك: وما دام قائم الوجه فإقراره جائز. ولا يجوز له عتق ولا صدقة ولا هبة إذا أحاط الدين بماله، وأما رهنه وقضاؤه لبعض غرمائه دون بعض، فجائز ما لم يفلس.
وقد كان مالك يقول: إذا تبين فَلَسه فليس له ذلك، وإن لم يقم به غرماؤه، ثم رجع عنه. قيل: وإذا حبسه أهل دينه فأقرّ في الحبس بدين لرجل آخر أيجوز إقراره؟ قال: إذا صنعوا به هذا ورفعوه إلى السلطان حتى حبسوه، فهذا وجه التفليس، فلا يجوز إقراره إلا ببينة، ويبيع الإمام ما ظهر له من مال فيتوزعه غرماؤه ويحبس فيما بقي إن تبين لدَدُه أو اتهم. وينبغي للقاضي أن يعزل لمن غاب من غرماء المفلس حصته، ثم إن هلك ما عزل كان ممن عزل له.
[ ٣ / ٦٣٨ ]
٣٣٥٧ - وإذا اقتسم الغرماء المال في فلس أو موت، ثم قدم غريم لم يعلم به، فليرجع على جميعهم بما يجب له في الحصاص إن لو حضر، يتبع كل واحد بما صار بيده من ذلك، ولا يأخذ مليئًا أو حاضرًا عمن مات أو أعدم، وليتبع ذمة كل واحد، مثل أن يكون ثلاثة لكل واحد مائة، غاب أحدهم فلم يعلم به وبيد المفلس مائة فاقتسمها الحاضران، فإن القادم يتبع كل واحد بسبعة عشر إلا ثلثًا.
٣٣٥٨ - ومن أقرّ في مرضه لأجنبي بمائة ولابنه بمائة ولم يترك إلا مائة، فليتحاصّا فيها، فما صار للأجنبي أخذه، وما صار للابن دخل فيه بقية الورثة، إلا أن يجيزوه له، ولا حجة للأجنبي أنه أقرّ لوارث، لأن الأجنبي إنما أخذ بإقراره.
٣٣٥٩ - ولو كان دين الأجنبي ببينة كانت له حجة، ولم يدخل مع الوارث بحصاص.
وإذا أراد واحد من الغرماء تفليس الغريم وحبسه، وقال الباقون: ندعه يسعى، حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده، ثم إن شاء الآخرون محاصّة القائم في ماله فذلك لهم، ثم لهم قبض ما نابهم أو إبقاؤه [بيده]، فإن أقروه بيده لم يكن للقائم أن يأخذ منه شيئًا في بقية دينه إلا أن يربح فيه أو يفيد
[ ٣ / ٦٣٩ ]
فائدة من غيره، فيضرب في الربح أو الفائدة للقائم بما بقي له، وهؤلاء بما بقي لهم بعد الذي أبقوا بيده، لأنهم فيما ردوا إليه كمن عامله بعد التفليس، فيكون من عامله آخرًا أولى بما في يده بقدر ما داينوه به، ثم يتحاصون مع القائم في الربح أو الفائدة كما وصفنا. وإن كان فيما أبقوا بيده وضيعة، وطرأت له فائدة من غير الربح، ضربوا فيها من الوضيعة، وبما بقي لهم أولًا وضرب فيها القائم بما بقي له. وإن كان ما بيده الآن عرض قوم فما فضل فيه من ربح عن قدر ما أبقوا بيده تحاص في ذلك الربح القائم بما بقي له وهؤلاء بما بقي لهم بعد الذي أبقوا بيده، وإن هلك جميع ما أبقوا بيده وطرأت له فائدة، ضرب فيها القائم بما بقي له وهؤلاء بجميع دينهم ما ردّوا إليه وما بقي لهم، ولم يزد رسول الله ÷ غرماء معاذ على أن خلع لهم ماله ولم يأمر ببيعه. (١)
٣٣٦٠ - وإن أسلفت رجلًا سلفًا بلا رهن أو برهن، [ثم] أسلفته بعده سلفًا آخر، على أن أخذت منه رهنًا بالسلف الأول والثاني، وجهلتما أن الرهن الثاني فاسد، فقامت الغرماء [على الراهن] في فَلَس أو موت، فالرهن الأول في السلف
_________________
(١) رواه ابن ماجة (٢٣٥٧)، (٢/٧٨٩)، وانظر: مصباح الزجاجة للبوصيري (٣/٥٢) .
[ ٣ / ٦٤٠ ]
الأول، والرهن الثاني في السلف الثاني، ولا يكون الثاني رهنًا في شيء من السلف الأول، لأنه سلف جرّ منفعة.
٣٣٦١ - ومن فلس ولعبده دين فلا يضرب العبد مع غرماء سيده بدينه، لأنه يباع لغرماء سيده، إلا أن يكون على العبد دين لأجنبي، فإن العبد يضرب بدينه ويكون غرماؤه أحق بما وقع له، أو بما في يديه ويتبعون ذمته بما بقي لهم، وتباع رقبته لغرماء سيده.
٣٣٦٢ - ومن جنى جناية [خطأ] لا تحملها العاقلة وعليه دين يحيط بماله، فرهن في الجناية رهنًا قبل قيام الغرماء عليه، ثم فُلس، فصاحب الجناية أحق بالرهن، ولو لم يرهنه شيئًا كان للمجني عليه محاصة غرمائه، ولا حجة لهم أن يقولوا: إن ذلك ليس من ابتياع أو تجارة.
٣٣٦٣ - وما كان على مفلس أو ميت من دين مؤجّل فإنه يحل حينئذ، وما كان له من دين مؤجل فإنه إلى أجله، وللغرماء تأخيره إن شاؤوا إلى أجله أو بيعه الآن.
[ ٣ / ٦٤١ ]
٣٣٦٤ - ومن فلس أو مات وقد ارتهن منه رجل زرعًا لم يبد صلاحه، وهو مما لا يباع حين الحصاص، فإن المرتهن يحاصص [الغرماء] بجميع دينه الآن ويترك الزرع، فإذا حلّ بيعه بيع، فإن كان ثمنه مثل دينه أو أزيد منه، قبض منه دينه، ورد الزيادة إن كانت مع ما كان أخذ في الحصاص فكان بين الغرماء، وإن كان ثمنه أقل من دينه نظرت [إلى] ما بقي له من دينه بعد مبلغ ثمن الزرع فعلمت أن بمثله كان له الحصاص أو لام، فما وقع له على ذلك فليحبسه مما كان قبض، ويرد ما بقي فيتحاص فيه الغرماء.
٣٣٦٥ - وليس للمفلس أن يتزوج في المال الذي فلس فيه، وله أن يتزوج فيما أفاده بعده، وإذا تغيرت الهبة للثواب بيد الموهوب بزيادة أو نقص بدن وقد فلس، فللواهب أخذها إلا أن يرضى الغرماء بدفع قيمة الهبة إليه فذلك لهم. (١)
٣٣٦٦ - ومن ابتاع من رجل سلعة فمات المبتاع قبل أن يدفع ثمنها وهي قائمة بيده فالبائع أسوة الغرماء في ثمنها، وإن فلس المبتاع وهي قائمة بيده كان البائع أحق بها وإن لم يكن للمفلس مال غيرها إلا أن يرضى الغرماء بدفع ثمنها إليه فذلك لهم.
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/٤٢) .
[ ٣ / ٦٤٢ ]
٣٣٦٧ - ومن ابتاع أمة فولدت عنده ثم ماتت فبقي ولدها ثم فلس، فللبائع المحاصة إن شاء بجميع الثمن أو أخذ الولد بجميع دينه، إلا أن يعطيه الغرماء جميع الثمن ويأخذوا الولد فذلك لهم.
وأما إن ابتاع أمة أو غنمًا، ثم فلس فوجد البائع الأمة قد ولدت والغنم قد تناسلت، فله أخذ الأمهات والأولاد كالرد بالعيب.
وأما ما كان من غلة أو صوف جزه أو لبن حلبه فذلك للمبتاع.
وكذلك النخل يجني ثمرها فهو كالغلة إلا أن يكون يوم الشراء على ظهور الغنم صوف قديم، وفي النخل ثمر قد أُبر واشترط ذلك الثمر، فليس كالغلة.
وقال غيره: إن جذ الثمرة وجز الصوف فهما كالغلة.
٣٣٧٠ - والأجير على سقي زرع أو نخل أو أصل، فإن سقاه فهو أحق به في الفلس حتى يستوفي حقه وهو في الموت أسوة الغرماء.
وأما الأجير على رعاية الإبل أو رحلتها أو علف الدواب فهو أسوة الغرماء الموت والفلس.
[ ٣ / ٦٤٣ ]
وأرباب الحوانيت والدور أسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس وليسوا أحق بما فيها من متاع.
وجميع الصناع أحق بما أسلم إليهم في الموت والفلس، وكذلك المكرى على حمل متاع إلى بلد فهو أحق بما حمل على دوابه في الموت والفلس، كان قد أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها، ورب المتاع معه أو لا، وهو كالرهن، ولأنه على دوابه وصل إلى البلد.
٣٣٧١ - وليس للغرماء أن يجبروا المفلس على انتزاع مال أم ولده أو مدبره، وله هو انتزاعه إن شاء لقضاء دينه، أو ينتزعه إن شاء على غير هذا الوجه لنفسه، وأما إن مرض ولا دين عليه فليس له انتزاعه، لأنه إنما ينتزعه لورثته وفي الفلس ينتزعه لنفسه. وله انتزاع مال عبده المعتق إلى سنين ما لم يتقارب الأجل.
قيل له: فإن بقيت سنة؟ قال أرى أن يأخذ ماله ما لم يتقارب، ولم ير السنة قربًا. وإن فلس المريض لم يكن له أن يأخذ مال مدبره للغرماء، فإن مات بيع المدبر بماله إن أحاط الدين بماله.
٣٣٧٢ - ولا بأس للسيد بمبايعة عبده المأذون له، ويضرب بدينه مع غرمائه، وكذلك يضرب بدينه مع مكاتبه من غير الكتابة، ولا يضرب بالكتابة في فلس ولا موت.
[ ٣ / ٦٤٤ ]
٣٣٧٣ - وإن ارتد رجل ولحق بدار الحرب وعليه دين ثم قاتل فقتل وفتحت البلاد وظفر [المسلمون] بماله فغرماؤه أحق بماله، ولا يكون في المقاسم إلا ما فضل عن دينهم. (١)
* * *
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٢/١٨) .
[ ٣ / ٦٤٥ ]