٨٠٠ - ومن أحرم بالحج من مكة فأخّر الخروج يوم التروية والليلة المقبلة فلم يبت بمنى وبات بمكة ثم غدا من مكة إلى عرفات، فقد أساء ولا شيء عليه. وكره [له] مالك أن يدع المبيت مع الناس بمنى ليلة عرفة كما كره أن يبيت ليالي منى إذا رجع من عرفات في غير منى، ورأى على من بات ليلة كاملة أو جلها في غير منى ليالي منى الدم، وإن كان بعض ليلى فلا شيء عليه، ولم ير في ترك المبيت بمنى ليلة عرفة دمًا.
٨٠١ - وكره مالك التقدم إلى منى قبل يوم التروية أو إلى عرفة قبل يوم عرفة، وأن يتقدم الناس أبنيتهم إليها.
وكره البنيان الذي اتخذه الناس بمنى، وبنيان مسجد عرفة، وما كان بعرفة
[ ١ / ٥٣٩ ]
مسجد مذ كانت، وإنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين، وكان الإمام يخطب منها بموضع يخطب [الإمام] اليوم متوكئًا على شيء، ويصلي بالناس [فيه]، وفي الجزء الأول ذكر قطع التلبية.
٨٠٢ - ويؤذن المؤذن بعرفة إن شاء والإمام يخطب أو بعد فراغه من خطبته، ذلك واسع، قيل له: فقبل أن يأتي الإمام أو قبل أن يخطب؟، فقال: ما أظنهم يفعلون هذا.
٨٠٣ - وإن ذكر إمام عرفة صلاة نسيها وهو في الظهر قطع وقطعوا، بخلاف من ذكر أنه غير متوضئ، ثم يستخلف من يصلي بهم الظهر والعصر، ويصلي هو ما نسيها، ثم الظهر والعصر، ولو ذكرها بعد أن سلم من الظهر استخلف من
[ ١ / ٥٤٠ ]
يصلي بهم العصر وفعل هو كما وصفنا، ولو ذكرها وهو في العصر قطع وقطعوا، واستخلف من يصلي بهم العصر، وصلى هو ما نسي ثم الظهر ثم العصر، وأحب إلي أن يعيدوا ما صلوا معه في الوقت. وهذه مخالفة لما في كتاب الصلاة وهو آخر قوله، وإذا فرغ الناس من صلاتهم قبل الإام فلهم أن يدفعوا إلى عرفات، ولا ينتظرون الإمام، لأن خليفته موضعه، إذا فرغ من الصلاة دفع [بالناس] إلى عرفة، ودفع الناس بدفعه. وينزل الناس بعرفة أو منى أو المشعر الحرام حيث أحبوا.
٨٠٤ - ومن وقف به بعرفة وهو مغمى عليه حتى دفعوا (١) منها أحزأه ولا دم عليه.
٨٠٥ - ومن تعمد ترك الوقوف بعرفة حتى دفع الإمام أجزأه أن يقف ليلًا، وقد أساء
_________________
(١) الدفع من عرفات: ابتداء السير، ودفع نفسه منها ونحّاها، أو دفع ناقته، وحملها على السير، النهاية (٢/١٢٤) .
[ ١ / ٥٤١ ]
وعليه الهدي، قيل: فمن مر بعرفة مارًا بعد دفع الإمام ولم يقف لها أيجزئه ذلك من الوقوف؟.
٨٠٦ - قال: قال مالك: من جاء ليلًا وقد دفع الإمام أجزأه أن يقف [بعرفة] قبل طلوع الفجر.
٨٠٧ - ومن وقف بعرفة على غير وضوء أو جنبًا من احتلام فقد أساء ولا شيء عليه، ووقوفه طاهرًا أحب إلي وأفضل.
قيل: أي هدي يجب علي أن أقف به بعرفة؟.
قال: كل هدي لا يجوز لك أن تنحره إن اشتريته في الحرم حتى تخرجه إلى الحل فتدخله الحرم، أو تشتريه من الحل فتدخله الحرم، فهذا الذي يوقف به بعرفة، لنه إن فاته الوقوف به بعرفة، لم ينحره حتى يخرج [به] إلى الحل، غن كان إنما اشتراه في الحرم، وإن كان [إنما] اشتراه في الحل فلا يخرج به إلى الحل ثانية.
[ ١ / ٥٤٢ ]
٨٠٨ - وكل هدي أخطأه الوقوف بعرفة أو اشتراه بعد يوم عرفة وليلتها ينحره بمكة ولا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة، ولا يجزيك ما أوقفه غيرك من الهدي حتى توقفه أنت بنفسك.
٨٠٩ - وتوقف الإبل والبقر والغنم وما وقف به من الهدي بعرفة، فإن بات [به] في المشعر الحرام فحسن، وإن لم يبت به فلا شيء عليه.
قيل: فهل يخرج الناس بالهدي يوم التروية كما يخرجون إلى منى ثم يدفعون بها كما يدفعون إلى عرفات؟.
قال: لم أسمع من مالك أكثر من أن يقف بها بعرفة، ولا يدفع بها قبل غروب الشمس.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم يكن ذلك وقفًا وينحر بمكة [لا بمنى]،
[ ١ / ٥٤٣ ]
قال: فإن عاد بها فأوقفها بعرفة قبل انفجار الصبح من ليلة النحر كان ذلك وقفًا، لأن مالكًا قال في الرجل يدفع من عرفة قبل غروب الشمس: إنه إن رجع فوقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ولا هدي عليه، لأنه كالمفاوت، وإن لم يرجع يقف، حتى طلع الفجر، فاته الحج، وعليه الحج قابلًا، والهدي ينحره فيحج قابل وهو كمن فاته الحج. فإذا اشترى الهدي بعرفة فوقف به أجزأه.
٨١٠ - وأكره لمن انصرف من عرفة أن يمر في غير طريق المأزمين. ومن دفع حين غربت الشمس قبل دفع الإمام أجزأه، لأنه دفع وقد حل الدفع، ولو دفع بدفع الإمام كانت السنة وكان ذلك أفضل.
[ ١ / ٥٤٤ ]
٨١١ - ومن لم تكن به علة ولا بدايته وهو يسير لسير الناس فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة، فإن صلى قبلها أعاد إذا أتاها، لأن النبي ÷ قال: الصلاة أمامك. (١)
وأما من به علة أو بدابته فلم يستطع المضي مع الناس أمهل حتى يغيب الشفق ثم يجمع بينهما حيث كان وأجزأه.
قيل: فإن أدرك الإمام المزدلفة قبل مغيب الشفق.
قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان ما أحببت أن يصلوا الصلاتين حتى يغيب الشفق، ولا يكبر دبر الصلاة في المشعر الحرام في المغرب والعشاء والصبح.
٨١٢ - ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإمام فلا يقف بعده، ولا يتخلف
_________________
(١) رواه البخاري (١٦٦٧)، ومسلم (١٢٨٠)، ومالك في الموطأ (الحج: ٢٠٦)، من حديث أسامة بن زيد ﵄ مرفوعًا.
[ ١ / ٥٤٥ ]
عنه، وإن كان لم يبت معه، وإنما ذهب إلى عرفات فوقف بها ليلًا ثم أتى وقد طلعت الشمس. قال مالك: فلا وقف له بالمشعر [الحرام] .
واستحسن ابن القاسم إن أتى قبل طلوع الشمس أن يقف ما لم يسفر، والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح، فمن وقف بعد الفجر وقبل أن يصلي الصبح فهو كمن لم يقف.
٨١٣ - ومن أتي به المزدلفة مغمى عليه أجزأه ولا دم عليه، ومن مر بالمزدلفة مارًا ولم ينزل بها فعليه دم، وإن نزل بها ثم دفع منها في أول الليل أو في وسطه أو في آخره وترك الوقوف مع الإمام أجزأه ولا دم عليه.
٨١٤ - ويستحب للرجل أن يدفع من المشعر [الحرام] بدفع الإمام، ولا يتعجل قبله، وواسع للنساء والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا، ولا يقف أحد بالمشعر إلى طلوع الشمس أو الإسفار، ولكن يدفعون قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه، ومن لم يدفع من المشعر الحرام حتى طلعت الشمس أساء ولا شيء عليه.
[ ١ / ٥٤٦ ]
٨١٥ - واستحب مالك أن تكون حصى الجمار أكبر من حصى الخذف قليلًا، وليأخذها من حيث شاء، ولا يرمي بحصى الجمار لنه قد رمى بها مرة.
٨١٦ - قال مالك: الشأن أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر [ضحوة] راكبًا كما يأتي الناس على دوابهم، وفي غير يوم النحر يرمي ماشيًا، فإن مشى يوم النحر في رمي العقبة أو ركب في رمي الجمار [في الأيام] الثلاثة فلا شيء عليه.
وإن رمى العقبة قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أجزأه، وبطلوع الفجر يوم النحر يحل الرمي، والنحر بمنى، وإن رماها قبل الفجر أعاد الرمي. والرجال والنساء والصبيان في هذا سواء.
ويرمي العقبة يوم النحر بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة يرميها، وأحب
[ ١ / ٥٤٧ ]
إلينا أن يرميها من أسفلها، وتفسير حديث القاسم أنه كان يرميها من حيث تيسر معناه: من أسفلها من حيث تيسر. قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه. (١)
٨١٧ - وإن ترك رمي جمرة العقبة أو بعضها يوم النحر حتى [إلى] الليل فليرمها ليلًا، وفي نسيان بعضها يرمي عدد ما ترك، ولا يستأنف جميع الرمي، وأحب إلي أن يهدي على اختلاف من قول مالك في وجوبه.
٨١٨ - ومن حلق قبل أن يرمي الجمرة افتدى، ولا يذبح حتى يرمي، فإن ذبح قبل أن يرمي أو حلق بعد الرمي قبل أن يذبح أجزأه ولا شيء عليه، ووجه النحر والذبح
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٢٢٥) من حديث مالك أنه سأل عبد الرحمن بن القاسم، من أين كان القاسم يرمي جمرة العقبة؟.
[ ١ / ٥٤٨ ]
ضحوة، ومن ذبح قبل الفجر أعاد الذبح.
٨١٩ - ومن جامع يوم النحر بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يحلق فحجه تام وعليه هدي وعمرة، ينحر الهدي فيها وهديده بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة من الغنم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام [في الحج] وسبعة [إذا رجع] بعد ذلك إن شاء فرق بينهن أو جمع، لأنه إنما يصومها بعد أيام منى إذا قضى عمرته.
وإن جامع يوم النحر أول النهار أو آخره قبل أن يرمي ويفيض، فسد حجه وعليه حج قابل، ولو وطئ بعد يوم النحر قبل أن يفيض ويرمي فحجه مجزئ عنه ويعتمر ويهدي، ولو وطئ يوم النحر أو بعده قبل الرمي وبعد الإفاضة، فإنما عليه الهدي وحجه تام ولا عمرة عليه، ولو وطئ بعد الإفاضة ثم
[ ١ / ٥٤٩ ]
ذكر أنه طاف للإفاضة ستة اشواط، أو ترك ركعتي الطواف فليطف بالبيت سبعًا ويركع ثم يخرج إلى الحل فيعتمر ويهدي. (١)
وأكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه.
٨٢٥ - وإذا رمى العقبة فبدأ فقلم أظفاره، وأخذ من لحيته وشاربه، واستحد وأطلى بالنورة قبل أن يحلق رأسه فلا بأس بذلك.
٨٢٦ - ويستحب له إذا حل من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إيجاب وفعله ابن عمر. [قال] مالك: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٣/١٦٦) .
[ ١ / ٥٥٠ ]
وأفضل.
٨٢٧ - وإن حلق بمكة في أيام التشريق أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، وإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلًا أو ناسيًا حلق أو قصر وأهدى.
٨٢٨ - ومن ضفر أو عقص أو لبد فعليه الحلاق، [ومعنى قوله: ولا تشبهوا بالتلبيد: أن السنة جاءت فيمن لبد أن عليه الحلاق، فقيل: من ضفر
[ ١ / ٥٥١ ]
أو عقص فليحلق، ولا تشبهوا [بالتلبيد] أي ولا تشبهوا علينا، فإنه مثل التلبيد] .
٨٢٩ - ومن ضلّت بدنته يوم النحر أخّر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإن أصابها وغلا حلق. ويفعل ما يفعل من لم يهد من الإفاضة ووطئ النساء وحلق الرأس ولبس الثياب كانت هذه البدنة مما عليه بدلها أم لا.
٨٣٠ - ويُمِرّ الأقرع الموسى على رأسه عند الحلاق، ومن حلق رأسه بالنورة عند الحلاق أجزأه.
٨٣١ - ومن أخّر الطواف والسعي من مراهق وشبهه فليحلق إذا رمى الجمرة، ولا يؤخر حتى يطوف.
٨٣٢ - وإذا قصّر الرجل فليأخذ من جميع شعر رأسه، وما أخذ من ذلك أجزأه،
[ ١ / ٥٥٢ ]
وكذلك الصبيان.
وليس على النساء إلا التقصير، ولتأخذ من جميع قرونها في الحج والعمرة الشيء القليل، وما أخذت من ذلك أجزأها، ولا يجزيهما أن يُقصّرا بعضًا ويُبقيا بعضًا. فإن جامعها بعد أن قصّر وقصّرت بعضًا وأبقيا بعضًا فعليهما الهدي.
٨٣٣ - وإذا طاف المعتمر وسعى ولم يقصر، فأحب إلي أن يؤخر لبس الثياب حتى يقصر، وإن لبس قبل أن يقصر فلا شيء عليه.
٨٣٤ - وإن وطئ قبل أن يقصر أو بعد أن أخذ من بعض شعره فعليه الهدي.
٨٣٥ - والأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر يرمي في كل يوم منها ثلاث جمرات بعد الزوال ماشيًا، كل جمرة منها بسبع حصيات، ولو رمى قبل الزوال أعاد الرمي بعد الزوال.
[ ١ / ٥٥٣ ]
ويرمي الجمرتين جميعًا من فوقهما والعقبة من أسفلها، وإن رمى بسبع حصيات في مرة لم يجزه وتكون كواحدة، ويرمي بعدها بست ويوالي بين الرمي، ولا ينتظر بين كل حصاتين شيئًا، ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإن لم يكبر أجزأه الرمي.
قيل [له]: فإن سبح مع كل حصاة؟. قال: السنة التكبير.
٨٣٦ - ويقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يرفع يديه، وإن لم يقف فلا شيء عليه، [ولا يقف عند العقبة] .
٨٣٧ - وإن وضع الحصى وضعًا [أو طرحها] لم يجزه، وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة فإن وقعت موضع حصى الجمرة وإن لم تبلغ الرأس أجزأه، وإن سقطت في محمل (١) رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة لم يجزه، ولو
_________________
(١) المحمل: الهودج، والعدلان على جانبي الدابة يُحمل فيهما، والزنبيل الذي يُحمل فيه العنب ونحوه، والجمع محامل، ويقال ما على البعير محمل، موضع الشيء الذي يحمل، الوسيط (حمل/١/٢٠٦) .
[ ١ / ٥٥٤ ]
أصابت المحمل ثم مضت لقوة الرمي الأول حتى وقعت في الجمرة أجزأته.
٨٣٨ - ولا يرم بحصى الجمار، لأنه قد رُمي بها، ومن نفد حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمرة فرمى به أجزأه.
قال ابن القاسم: سقطت مني حصاة فلم أعرفها فرميت بحصاة من حصى الجمرة فقال لي مالك: إنه مكروه، وما أرى عليك شيئًا.
٨٣٩ - ومن ترك يوم ثاني النحر رمي الجمرة من هذه الجمار حتى غابت الشمس رماها ليلًا، واختلف قول مالك في وجوب الدم [عليه]، وأحب إلي أن يلزمه الدم.
وإن ترك رمي جمرة أو الجمار كلها حتى مضت أيام منى فحجه تام وعليه
[ ١ / ٥٥٥ ]
بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام، وأما في حصاة فعليه دم. فإذا مضت أيام التشريق فلا رمي لمن لم يكن رمى.
٨٤٠ - ومن رمى الجمار الثلاث بخمس خمس يوم ثاني النحر ثم ذكر من يومه رمىالأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين ثم الوسطى بسبع ثم العقبة بسبع ولا دم عليه، ولو ذكر من الغد رمى هكذا وليهد على أحد قولي مالك.
٨٤١ - ولو رمى من الغد ثم ذكر قبل مغيب الشمس أنه نسي حصاة من الجمرة الأولى بالأمس فليرم الأولى بحصاة، والاثنتين بسبع سبع، ثم يعيد رمي يومه، لأنه في بقية من يومه، وعليه دم للأمس [على أحد قوليه] .
وإن ذكر [ذلك] بعد مغيب الشمس من اليوم الثاني رمى عن أمس بما ذكرنا وعليه [فيه] دم ولم يعد رمي يومه، وإن لم يذكر ذلك إلا بعد رمي
[ ١ / ٥٥٦ ]
يومين فذكره قبل مغيب الشمس [من] آخر أيام التشريق رمى الأولى بحصاة والاثنين بسبع سبع عن أول يوم، وأعاد الرمي ليومه هذا فقط، إذ عليه بقية يومه، ولا يعيد رمي اليوم الذي بينهما، لأن وقت رميه قد مضى، [وعليه دم على أحد قوليه] .
٨٤٢ - وإن ذكر أنه نسي حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة، فقال مالك مرة: يرمي الأولى بحصاة ثم الوسطى [والعقبة] بسبع سبع [وبه أقول. ثم قال: يرمي كل جمرة بسبع سبع] .
٨٤٣ - وإذا قُدر على حمل المريض وهو يقوى على الرمي، [ووجد من يحمله] حُمل ورمى بيده، ولا يرمي الحصاة في كف غيره ليرميها ذلك عنه،
[ ١ / ٥٥٧ ]
[وإن لم يُقدر على حمله ولم يستطع الرمي رمى عنه غيره]، ثم يتحرى المريض وقت الرمي فيكبر لكل حصاة تطبيرة، وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء، وحسن أن يتحرى المريض [ذلك] الوقت فيدعو، وعلى المريض الدم، لأنه لم يرم، وإنما رمى عنه غيره، فإن صحّ ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي، أعاد ما رمى عنه كله في الأيام الماضية وعليه الدم.
ولو رمى عنه العقبة يوم النحر ثم صحّ آخر ذلك اليوم أعاد الرمي ولا دم عليه، وإن صح ليلًا فليرم ما رمى عنه وعليه الدم. والمغمى عليه [في الرمي] كالمريض.
٨٤٤ - ويرمي عن الصغير من رمى عن نفسه كالطواف، ولو كان الصبي كبيرًا قد
[ ١ / ٥٥٨ ]
عرف الرمي فليرم عن نفسه، فإن ترك الرمي أو لم يرموا عن الذي لا يقدر على الرمي فالدم على من أحجهما.
٨٤٥ - ولا يُشترك في هدي تطوع أو واجب أو نذر أو جزاء أو فدية، ولا يشتركا [في بعير] وقد لزمهما شاة شاة أو لزم رجلًا وأهل بيته شاة شاة فأشركهم في بعير لم يجزهم، وأهل البيت والأجنبيون في هذا سواء. ولو ابتاع هو هدي تطوع لم ينبغ أن يشرك فيه أهل بيته.
٨٤٦ - والشأن أن تُنحر البدن قيامًا، فإن امتنعت جاز أن تعقل، والإبل تنحر ولا تذبح بعد النحر، والبقر تُذبح ولا تنحر بعد الذبح.
* * *
[ ١ / ٥٥٩ ]
[ما نُحر قبل الفجر]
٨٤٧ - والهدايا كلها إذا نحرها قبل الفجر يوم النحر لم تجزه، [ومن قلّد نسكًا لأذى فلا يجزيه أن ينحره إلا يوم النحر بمنى بعد طلوع الفجر، ولا تذبح الضحايا والهدايا إلا في أيام النحر نهارًا، ولا تذبح ليلًا، فإن ذبحت ليلًا لم تُجز] . (١)
٨٤٨ - وكره مالك للرجل أن ينحر هديه أو [يذبح] أضحيته غيره، فإن نحر له غيره [أو ذبح] أجزأه إلا أن يكون غير مسلم فلا يجزيه وعليه البدل.
٨٤٩ - ومن ذبح فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل من فلان، فذلك حسن، وإن لم يقله وسمى الله أجزأه.
٨٥٠ - وكل هدي واجب أو تطوع أو جزاء صيد دخله عيب بعد أن قلده وأشعره وهو صحيح مما يجوز في الهدي فحمله صاحبه أو ساقه حتى أوقفه بعرفة فنحره بمنى أجزأه.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٣/١٨٦)، الشرح الكبير (٢/٩٢) .
[ ١ / ٥٦٠ ]
٨٥١ - وإن فاته أن يقف [به] بعرفة فساقه إلى منى فلا ينحره بها ولكن بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية، إن كان قد أدخله من الحل، فإن هلك هذا الهدي في سيره به إلى مكة لم يجزه، لأنه لم يبلغ محله، وكل هدي فاته الوقوف بعرفة فمحله مكة لا منى.
٨٥٢ - ومن أوقف هدي جزاء صيد أو متعة أو غيره بعرفة ثم قدم [به] مكة فنحره بها جاهلًا وترك منى تعمدًا أجزأه.
٨٥٣ - ومن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة فوجده بعد أيام منى فلينحره بمكة، قال لي مالك مرة: ولا يجزيه وعليه الهدي الذي كان عليه، وقال قديمًا - فيما بلغني - أنه يجزيه، وبه أقول.
٨٥٤ - ومن قلد هديه وأشعره ثم ضل منه فأصابه رجل فأوقفه بعرفة ثم وجده ربه يوم النحر أو بعده أجزأه ذلك التوقيف، لأنه قد وجب هديًا، لا يرجع في ماله
[ ١ / ٥٦١ ]
ولا يجزئ ما أوقف التجار، لأن توقيفهم لا يوجبها هديًا، ولهم ردها وبيعها.
٨٥٥ - ومن أوقف هديه بعرفة، ثم ضل منه فوجده رجل فنحره بمنى، لأنه رآه هديًا، فوجده ربه منحورًا أجزأه.
٨٥٦ - فإذا أخطأ الرفقاء يوم النحر فنحر كل واحد منهم هدي صاحبه أجزأهم، ولو كانت ضحايا لم تجزهم وعليهم بدلها، ويضمن كل واحد لصاحبه القيمة، لأن الهدي إذا قلد وأشعر لم يرجع في مال صاحبه، ومن نحره بعد أن بلغ محله أجزأ صاحبه، والضحايا له أن يبدلها بخير منها.
٨٥٧ - قال مالك في امرأة دخلت مكة [بعمرة] ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف، فإنها لا تنحر هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر، فإن كانت ممن تريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها، أهلت بالحج وساقت هديها وأوقفته بعرفة ولا تنحره إلا بمنى،
[ ١ / ٥٦٢ ]
وأجزأها لقرانها وسبيلها سبيل من قرن.
٨٥٨ - ومن اعتمر في أشهر الحج وساق معه هديًا فطاف لعمرته وسعى فلينحره إذا تم سعيه ثم يحلق أو يقصر ويحل. قال مالك - ﵀ -: ولا يؤخره إلى يوم النحر، فإن أخره فلا يثبت حرامًا، وليحل من عمرته، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، واستحب [له] مالك أن يحرم في أول العشر.
٨٥٩ - قال مالك: فإن كان لما حل من عمرته أخر هديه إلى يوم النحر فنحره لم يجزه عن متعته، لأنه قد لزمه أن ينحره أولًا، ثم قال مالك: إن أخر هذا المتمتع هديه إلى يوم النحر فنحره عن متعته رجوت أن يجزيه، وقد فعله أصحاب النبي ÷، وأحب إلي أن ينحره [ولا يؤخره] .
[ ١ / ٥٦٣ ]
٨٦٠ - وإذا هلك هدي التطوع قبل محله فليتصدق به ولا يأكل منه، لأنه غير مضمون، وليس عليه بدله، فإن أكل منه فعليه بدله، وإن استحق فعليه بدله، ويجعل ما يرجع [إليه] من ثمنه في هدي كما يفعل فيما يرجع به من عيب هدي التطوع، والهدي المضمون هو الذي إذا هلك قبل محله أو عطب أو استحق كان عليه بدله.
٨٦١ - قال مالك: وله أن يأكل من الهدي كله، واجبه وتطوعه، إذا بلغ محله، ويجزئ إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين، فإن أكل من جزاء الصيد أو فدية الأذى [ما] قل أو كثر بعد محله فعليه البدل.
قال ابن القاسم: ولا أدري ما قول مالك إن أكل مما نذره للمساكين، وأرى أن يطعم المساكين قدر ما أكل، ولا يكون عليه البدل، لأن هدي نذر المساكين لم يكن عند مالك في ترك الأكل منه بمنزلة جزاء الصيد، وفدية الأذى، وإنما استحب مالك ترك الأكل منه.
٨٦٢ - قال مالك: وكل هدي مضمون هلك قبل محله فلصاحبه أن يأكل منه ويطعم
[ ١ / ٥٦٤ ]
من شاء غنيًا أو فقيرًا لأن عليه بدله، ولا يبيع من ذلك لحمًا، ولا جلدًا، [ولا حبلًا]، ولا خطامًا، [ولا جلالًا]، ولا قلائد، لا يستعين بذلك في ثمن البدل.
٨٦٣ - قال مالك - ﵀ -: ومن الهدي المضمون ما إن عطب قبل [أن يبلغ] محله جاز [له] أن يأكل منه، لأن عليه بدله، وإن بلغ محله لم يجز له أن يأكل منه، وإن أكل منه لم يجزه وعليه [البدل] وهو جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
٨٦٤ - والهدي الذي ليس بمضمون هو [هدي] التطوع وحده، وكل هدي ساقه رجل لا لشيء وجب عليه من أمر الحج، أو يجب
[ ١ / ٥٦٥ ]
[عليه] في المستقبل فهذا تطوع.
٨٦٥ - ومن قلّد بدنة أو أهدى هديًا تطوعًا ثم مات قبل أن تبلغ محلها فلا ترجع ميراثًا، لأنه قد أوجبها على نفسه.
٨٦٦ - والمبعوث معه بالهدي يأكل منه إلا من الجزاء والفدية ونذر المساكين فلا يأكل منه [شيئًا] إلا أن يكون الرسول مسكينًا فجائز أن يأكل منه.
ومن بعث بهدي تطوع مع رجل [حرام] ثم خرج بعده حاجًا فإن أدرك هديه لم ينحر فليؤخر نحره إلى أن يحل، وإن لم يدركه فلا شيء عليه.
[ ١ / ٥٦٦ ]
٨٦٧ - وإن أضل هدي التطوع ثم وجده بعد أيام النحر نحره بمكة، ولو ضلت منه أضحيته فوجدها بعد أيام النحر فلا يذبحها وليصنع بها ما شاء، وإن أصابها في أيام النحر ذبحها، إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فلا شيء عليه. ولو ضل منه هدي واجب أو جزاء فنحر غيره يوم النحر ثم وجده بعد أيام النحر نحره أيضًا، لأنه قد أوجبه [على نفسه] فلا يرد في ماله.
٨٦٨ - ومن عطب هديه التطوع ألقى قلائدها في دمها إذا نحرها ورمى عندها جلها وخطامها وخلى بين الناس وبينها، ولا يأمر من يأكل منها فقيرًا ولا غنيًا، فإن أكل أو أمر بأكلها وبأخذ شيء من لحمها فعليه البدل، وسبيل الجل والخطام سبيل لحمها، وإن بعث بها مع رجل فعطبت [فسبيل الرسول] سبيل صاحبها لو كان معها، ولا يأكل منها الرسول [إن عطبت]، فإن أكل لم يضمن ولا يأمر ربها الرسول إن عطبت [أن] يأكل منها، فإن فعل ضمن، وإن أمره ربها إن عطبت أن يخلي بين الناس وبينها فعطبت فتصدق بها الرسول لم يضمن، وأجزت
[ ١ / ٥٦٧ ]
صاحبها، كمن عطب هديه التطوع فخلّى بين الناس وبينه، فأتى أجنبي فقسمه بين الناس، فلا شيء عليه ولا على ربه.
٨٦٩ - ومن وجب عليه هدي في حج أو عمرة فله أن يبعثه مع غيره، وكل هدي واجب ضلّ من صاحبه بعد تقليده أو مات قبل أن ينحره [وهو بمنى أو في الحرم أو قبل أن يدخل الحرم] فلا يجزيه وعليه بدله، وكل هدي تطوع مات أو سرق أو ضلّ فلا بدل على صاحبه [فيه] .
٨٧٠ - ومن سُرق هديه الواجب بعدما ذبحه أجزأه.
٨٧١ - ومن أطعم الأغنياء من الجزاء أو الفدية [فعليه البدل، جهلهم أو علم بهم كالزكاة، ولا يطعم منها، ولا من جميع الهدي غير مسلم، فإن فعل البدل الجزاء والفدية]، ولا يبدل غيرهما وهو خفيف وقد أساء، وإن أطعم ذميًّا كفارة عليه لم تجزه.
٨٧٢ - ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة، ولا يطعم من الجزاء أبويه وزوجته وولده ومدبره ومكاتبه وأم ولده، كما لا يعطيهم من زكاته.
[ ١ / ٥٦٨ ]
٨٧٣ - ومن قلد هديًا وأشعره وهو لا يجزيه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه وعليه بدله إن كان مضمونًا، ولو قلده سليمًا ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه.
٨٧٤ - وما أصاب الضحايا من عيب بعد شرائها فعلى صاحبها بدلها، لأن له بدل أضحيته بخير منها، وليس لمن قلد هديًا بدله بخير منه ولا بيعه، فإن باعه رد إن وجد، وإن لم يعرف مكانه فعليه البدل بثمنه، ولا ينقص منه، وإن وجد بدله [بدونه]، وإن لم يجد بالثمن فليزد عليه لأنه قد ضمن الهدي.
٨٧٥ - وجلود الهدايا في الحج والعمرة وفي الأضحى يصنع بها ما يصنع بلحومها، ولا يعطي الجزار على جزر الهدايا والضحايا والنسك من لحومها ولا جلودها [شيئًا]، وكذلك خطمها وجلالها.
٨٧٦ - وتجزئ المكسورة القرن في الهدايا والضحايا إذا كان قد برئ، فإن كان يدمي
[ ١ / ٥٦٩ ]
فلا يصلح، ولا بأس في الهدايا والضحايا باليسير من قطع أو شق في الأذن مثل السمة ونحوها، ويجوز الخصي في [الهدايا و] الضحايا، ووسع مالك في الهدايا والضحايا فيالكوكب يكون في العين إذا كان يبصر بها ولم يكن على الناظر.
٨٧٧ - ولا يجوز في الهدايا والضحايا العرجاء البين عرجها، ولا المريضة البين مرضها وكذلك جاء في الحديث (١)، ولا يجوز الدّبر، من الإبل في الهدي، ولا المجروح وذلك في الدبرة الكبيرة والجرح الكبير، ولا يجوز في جزاء الصيد [و] الفدية ذوات العوار.
٨٧٨ - ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا والبدن، والذي يجزئ من الأسنان
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا (٢/٤٨٢) .
[ ١ / ٥٧٠ ]
في الهدايا والضحايا والدن والفدية الجذع من الضأن والثني من سائر الأنعام، وكان ابن عمر يقول: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء، قال مالك - ﵀ -: إلا أن النبي ÷ [قد] أرخص في الجذع من الضأن. (١)
٨٧٩ - والبدن عند مالك من الإبل وحدها، والذكور والإناث بدن كلها لعموم قول الله تعالى: ×والبدن% (٢) ولم يقل ذكرًا ولا أنثى، وتعجب مالك ممن قال: لا تكون إلا في الإناث. [ويجوز الذكور والإناث] من الغنم وغيرها في الهدي.
٨٨٠ - ومن نذر بدنة فهي من الإبل، فإن لم يجد بدنة فبقرة، فإن لم يجد [بقرة]
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٦٢) .
(٢) سورة الحج: آية (٣٦) .
[ ١ / ٥٧١ ]
فسبعًا من الغنم، والذكور والإناث في ذلك سواء. ومن نذر هديًا ولا نية له فالشاة تجزيه لأنها هدي.
٨٨١ - ومن أهدى ثوبًا فليبعه ويشتري بثمنه هديًا ما حمل من بدنة أو بقرة أو شاة وليشتري ذلك من الحل فيسوقه إلى الحرم، ولا يشتري إلا ما يجوز في الهدي.
٨٨٢ - ومن اشترى هديًا تطوعًا فلما قلده وأشعره أصاب به عيبًا فليمض به هديًا ولا بدل عليه، ويرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيجعله في هدي آخر إن بلغ، فإن لم يبلغ تصدق به. وإن كان هديًا واجبًا فعليه بدله ويستعين بما يرجع به على البائع في ثمن بدله، ولا ترد البدنة المعيبة تطوعًا كانت أو واجبة، كمن اشترى عبدًا فأعتقه عن واجب وبه عيب لا يجزئ [به] ثم ظهر على العيب فإنه لا يجزيه، وليس له رده في الرق بعد عتقه، ولكن يرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيستعين به في رقبة أخرى.
٨٨٣ - وإن كان العيب مما تجزئ به الرقبة جعل حصة العيب في رقبة أو قطاعة
[ ١ / ٥٧٢ ]
مكاتب يتم بها عتقه، وإن كانت الرقبة تطوعًا صنع بها ما شاء.
[وأما هدي التطوع فإنه يجعل ما يرجع به من حصة العيب في هدي آخر إن بلغ وإلا تصدق به كما وصفنا] .
٨٨٤ - وما جنى على الهدي فأخذ له صاحبه أرشًا فليصنع به ما يصنع من رجع من عيب أصابه في الهدي المقلد، ومن وجد بالضحايا عيبًا ردها وأخذ ثمنها فاشترى [به] بدلها بخلاف الهدي المقلد، ولو جنى على الضحايا [أحد] أخذ منه صاحبها عقل ما جنى فاشترى بدلها ولم يذبح المعيبة.
٨٨٥ - وإذا نتجت الناقة أو البقرة أو الشاة وهي هدي فليحمل ولدها معها إلى مكة إن وجد محملًا على غيرها، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يكن في أمه ما يحمله
[ ١ / ٥٧٣ ]
عليها تكلف حمله.
٨٨٦ - ولا يشرب من لبن الهدي شيئًا، ولا ما فضل عن ولدها، فإن فعل فلا شيء عليه، لأن بعض من مضى أرخص فيه بعد ريّ فصيلها.
٨٨٧ - ومن احتاج إلى ظهر هديه فليركبه وليس عليه أن ينزل بعد راحته، لأن النبي ÷ قال: "اركبها ويحك" (١) في الثانية أو الثالثة، وإنما استحسن الناس ألا يركبها حتى يحتاج إليها.
٨٨٨ - وإذا ضلّ الهدي بعد التقليد والإشعار فوُجد بعد أيان منى نُحر بمكة، فإن وجد خارجًا من مكة بعد أيام منى سبق إلى مكة فنحر بها، وإن لم يوقف بعرفة فوجد [في] أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن وقف به بعرفة ثم وجد أيام
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١٣٨)، (١/٣٧٧)، والبخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢) .
[ ١ / ٥٧٤ ]
منى نحر بمنى.
٨٨٩ - ومن كان عليه هدي من جزاء الصيد فلم ينحره حتى مضت أيام التشريق فاشتراه في الحرم ثم خرج به إلى الحل فليدخل حلالًا، ولا بأس أن يبعث بهديه هذا مع حلال من الحرم ثم يقفه فيالحل، ثم يدخله مكة فينحره عنه ولا يجزئ ذبح جزاء الصيد، وما كان من هدي إلا بمكة أو بمنى، وإن أطعم لحمه للمساكين وذلك يبلغ شبع عدد قيمة الصيد من الأمداد، لو أطعم الأمداد، لم يجزه.
٨٩٠ - وما كان من هدي في عمرة [نحره إذا حل منها بمكة إذا] [كان]
[ ١ / ٥٧٥ ]
وجب لشيء نقصه منها أو هدي نذر أو تطوع أو جزاء صيد فلذلك سواء ينحره إذا حل من عمرته، فإن لم يفعل لم ينحره إلا بمكة أو بمنى إلا ما كان من هدي الجماع في العمرة، فإنه لا ينحره إلا في قضائها أو بعد قضائها بمكة.
٨٩١ - ومن اشترى يوم النحر شاة أو بقرة أو بعيرًا ولم يوقفه بعرفة ولم يخرجه إلى الحل فيدخله الحرم وينوي به الهدي، وإنما أراد أن يضحي بذلك، فليذبحها ضحوة، وليست بضحية، لأن أهل منى ليس عليهم أضاحي، وكل شيء في الحج فهو هدي، وما ليس في الحج فهو أضاحي.
٨٩٢ - وكل من وجب عليه الدم في حج أو عمرة فلم يجده فالصوم يجزيه منه ولا إطعام فيه. وليس الطعام في الحج والعمرة مكان الهدي إلا في جزاء الصيد وفدية الأذى، وكل هدي وجب على من تعدى ميقاته، أو تمتع، أو قرن، أو أفسد حجه، أو فاته الحج، أو ترك الرمي، أو النزول بالمزدلفة، أو نذر مشيًا فعجز عنه، أو ترك شيئًا من الحج يجبره بالدم فإنه إذا لم يجد هديًا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد ذلك.
٨٩٣ - وله أن يصوم الثلاثة الأيام ما بينه وبين يوم النحر، فإن لم يصمها قبل يوم النحر
[ ١ / ٥٧٦ ]
أفطر يوم النحر وصام الثلاثة الأيام التي بعده، وهي أيام التشريق، ويصل السبعة بها إن شاء، وقول الله تعالى: ×وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ% (١)، يقول: من منى، وسواء أقام بمكة أم لا.
٨٩٤ - وإن كان قد صام قبل يوم النحر يومًا أو يومين فليصم ما بقي عليه في أيام التشريق، فإن لم يصم الثلاثة الأيام حتى مضت أيام التشريق صام بعد ذلك إن شاء وصل ثلاثًا بسبع أو لم يصل، وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرنا المتمتع أو القارن أو من تعدى ميقاته أو أفسد حجه أو فاته [الحج]، وأما من لزمه ذلك لترك جمرة أو النزول بالمزدلفة فليصم متى شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة، لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى، ومن مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء، لأنه يقضي في غير حج فكيف لا يصوم في غير حج.
قال: وما صنع في عمرته من ترك ميقات أو وطئ أو ما يلزمه به فلم يجده، فليصم ثلاثة أيام وسبعة بعد ذلك.
_________________
(١) سورة البقرة: آية (١٩٦) .
[ ١ / ٥٧٧ ]
وكل من لم يصم ممن ذكرنا حتى رجع إلى بلده وله بها مال بعث بهدي ولم يجزه الصوم، وكذلك من أيسر قبل صيامه، ومن وجد من يسلفه، فلا يصم وليستلف إن كان موسرًا ببلده.
٨٩٥ - ولا بأس أن يقدم الناس أثقالهم من منى إلى مكة، وإذا رجع الناس من منى نزلوا بأبطح مكة وهو معروف حيث المقبرة، فيصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلا أن يكون رجل أدركه وقت الصلاة قبل أن يأتي الأبطح فليصلها حيث أدركه الوقت، ثم يدخل مكة بعد العشاء أول الليل.
٨٩٦ - واستحب مالك لمن يقتدى به ألا يدع النزول [أول الليل] بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدى به في ترك النزول [به]، وكان يفتي به سرًا، ويفتي في العلانية بالنزول في الأبطح لجميع الناس. (١)
_________________
(١) انظر: التقييد (٢/٨٦) .
[ ١ / ٥٧٨ ]
٨٩٧ - وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا لحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو لم يتعجل أو قفلوا إلى مكة بعد الزوال من آخر أيام الرمي فلا يحرم بالعمرة من التنعيم حتى تغيب الشمس.
قال ابن القاسم: ومن أحرم منهم في أيام الرمي لم يلزمه إلا أن يحرم بعد أن يتم رميه من آخر أيام الري [وحل من إفاضته، فيلزمه] .
ومن لم يكن حاجًا من أهل الآفاق فجائز أن يعتمر في أيام التشريق، لأن إحلاله بعد أيام منى. وقال ابن القاسم: سواء كان إحلاله منها في أيام منى أو بعدها بخلاف الحاج. والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولواعتمر بعدها
[ ١ / ٥٧٩ ]
لزمته كانت الأولى في أشهر الحج أولًا أراد أن يحج من عامه أم لا.
٨٩٨ - والمحصر بعدو غالب أو فتنة في حج أو عمرة يتربص ما رجا كشف ذلك، فإذا يئس من أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد، في الحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى بلده ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة إلا أن يكون صرورة فلا يجزيه ذلك من حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام [من] قابل. وإن أخر حلاقه حتى رجع إلى بلده [حلق] ولا دم عليه.
٨٩٩ - وقال في موضع آخر [وفي المحصر] بعدو قبل أن تمضي أيام الحج لا
[ ١ / ٥٨٠ ]
يكون مُحْصَرًا حتى يفوته الحج أو يصير إن خُلّي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام، فيكون محصرًا ويحل مكانه لا ينتظر ذهاب الحج.
٩٠٠ - ومن أحصر [بعدو] بعد أن وقف بعرفة فقد تم حجه ولا يُحِلّه من إحرامه إلا طواف الإفاضة، وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار والمبيت بالمزدلفة وبمنى هدي واحد، كمن ترك رمي الجمار كلها ناسيًا حتى زالت أيام منى، فحجه تام وعليه هدي واحد.
٩٠١ - وإذا أحرم مكي بالحج من مكة [أو من الحرم] أو رجل دخل معتمرًا ففرغ من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة فأحصر بمرض حتى فرغ الناس من حجهم، فلا بد له أن يخرج إلى الحل فيلبي من الحل، ويعمل عمل العمرة ويحج قابلًا ويهدي، ويؤمر من فاته الحج وقد أحرم من مكة أن يخرج إلى الحل فيعمل فيما بقي عليه مما يعمل المعتمر ويحل.
٩٠٢ - والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم، ولا يحله من
[ ١ / ٥٨١ ]
إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين، وإن تمادى مرضه إلى حج قابل فمضى على إحرامه الأول وحج به أجزأه من حجة الإسلام ولا دم عليه.
٩٠٣ - وإذا كان من المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق [به] معه، إلا أن يصيبه من ذلك مرض يتطاول عليه [ويخاف] على الهدي فليبعث به ينحر بمكة، ويقيم هو على إحرامه، فإذا صح مضى ولا يحل دون البيت، وعليه إذا دخل وقد فاته الحج هدي آخر مع حجة القضاء، ولا يجزيه عنه هديه الذي بعث، ولو لم يبعثه ما أجزأه أيضًا [ذلك الهدي عن الهدي الذي وجب عليه من فوات الحج] .
٩٠٤ - ومن دخل مكة مفردًا بالحج فطاف وسعى، ثم خرج إلى الطائف في حاجة له قبل أيام الموسم، ثم أحصر، أو أحصر بمكة ولم يحضر الموسم مع الناس، لم يجزه الطواف الأول والسعي من إحصاره، ولا يحل إلا بطواف وسعي مؤتنفين.
[ ١ / ٥٨٢ ]
٩٠٥ - وكذلك من أحصر بمرض ففاته الحج فقدم مكة فطاف فعليه أن يسعى ولا يحل أحد ممن أحصر بمرض إلا بعد السعي ثم يحلق، والمحصر بمرض إذا أصابه أذى [فحلق] فلينحر هدي الأذى حيث أحب.
٩٠٦ - قال ابن القاسم: كنت عند مالك سنة خمس وستين ومائة فسئل عن قوم اتهموا بدم وهم محرمون فحبسوا في المدينة فقال: لا يحلهم إلا البيت، ولا يزالون محرمين في حبسهم حتى يقتلوا أو يخلوا فيحلوا بالبيت.
٩٠٧ - وتحج المرأة مع وليها، فإن أبى أو لم يكن لها ولي ووجدت من يخرج معها من رجال أو نساء مأمونين فلتخرج [معهم] .
٩٠٨ - ومن أخذ مالًا ليحج به عن ميت فصده عن البيت عدو، فإن كان أخذه على البلاغ رد ما فضل عن نفقته ذاهبًا وراجعًا، وإن كان أجيرًا كان له من
[ ١ / ٥٨٣ ]
الأجر بحساب مسيره إلى موضع صُدّ فيه وردّ ما بقي.
٩٠٩ - وكذلك لو مات الأجير في الطريق فإنه يحاسب هكذا بقدر ما بلغ من الطريق. وإن أحصر صاحب البلاغ بمرض فلا شيء عليه، وله نفقته في مال البيت ما أقام مريضًا، فإن أقام إلى حج قابل أجزأ ذلك عن الميت، وإن لم يقم إلى حج قابل وقوي على الذهاب قبل ذلك إلى البيت، فله نفقته. (١)
٩١٠ - ومن كبر ويئس أن يبلغ مكة لكبره [وضعفه] وهو صرورة [أو غير صرورة] فلا يُحج أحدًا عن نفسه.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٢/٥٤٨)، وحاشية الدسوقي (٢/١١، ١٤) .
[ ١ / ٥٨٤ ]
٩١١ - ومن مات وهو صرورة ولم يوص أن يحج عنه احد، فأراد أن يتطوع عنه بذلك ولد أو والد أو زوجة أو أجنبي فليتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق، فإن أوصى أن يحج عنه أنفذ ذلك، ويحج عنه من [قد] حج أحب إلي، فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأ عنه، وكذلك إن أوصى بعمرة أنفذت أيضًا. (١)
٩١٢ - ومن أخذ مالًا ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجز ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى عن الميت كما استوجر.
٩١٣ - ولو قرن ونوى العمرة عن نفسه والحج عن الميت ضمن [المال]، لأنه أشرك
_________________
(١) انظر: كلام العلامة المازري في المعلم بفوائد مسلم (٢/١٠٨) .
[ ١ / ٥٨٥ ]
في عملهم غير ما أمروه وعليه دم القران.
٩١٤ - ومن حج عن ميت فالنية تجزيه، وإن لم يقل لبيك عن فلان.
٩١٥ - ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئًا يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزته، فهي تجزئ عن الميت، وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي أو أغمي عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فلزمته فدية، كانت الفدية والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، [وما وجب عليه من ذلك بتعمده فهو في ماله، وأما إن أخذ المال على الإجارة] فكل ما لزمه بتعمد أو خطأ فهو في ماله.
٩١٦ - ومن أخذ مالًا ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من موضع سقطت، ونفقته في رجوعه عليهم، وإن تمادى ولم يرجع فهو متطوع، ولا شيء عليهم في ذهابه إلا أن تسقط بعد إحرامه فليمض، لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، وينفق في ذهابه ورجوعه ويكون ذلك على الذي دفع إليه المال، ولو أخذه على الإجارة فسقط فهو ضامن للحج، أحرم أم لم يحرم.
٩١٧ - ومن أوصى أن يحج عنه بهذه الأربعين دينارًا فدفعوها إلى رجل على البلاغ
[ ١ / ٥٨٦ ]
ففضلت منها عشرون دينارًا، فليرد إلى الورثة ما فضل، كقوله: اشتروا عبد فلان بمائة دينار فاعتقوه عني، فاشتروه بتسعين فالبقية ميراث، وإن قال اعطوا فلانًا أربعين دينارًا يحج عني بها فاستأجروه بثلاثين فالعشرة الفاضلة ميراث.
٩١٨ - ومن دفع إليه رجل أربعة عشر دينارًا يتكارى بها من المدينة من يحج عن ميت فاكتراه بعشرة، فليرد الأربعة إلى من دفعها إليه لا لمن حج عن الميت.
٩١٩ - وينبغي للأعزب يفيد مالًا أن يحج به قبل أن ينكح، وحجه به أولى من قضائه دينًا على أبيه.
* * *
[ ١ / ٥٨٧ ]