٣٣٩٤ - ومن قال لرجل: أنا حميل لك بفلان أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل أو هو لك عندي أو عليّ أو إليّ أو قبلي، فذلك كله حمالة لازمة إن أراد الوجه لزمه، وإن أراد المال لزمه ما شرط، فإن شرط بالمال فأتى بالغريم عند الأجل عديمًا لم يبرأ وغرم.
وأما إن تكفل برجل أو بنفسه أو بعينه أو بوجهه إلى أجل، ولم يذكر مالًا، فإنه إذا أتى بالرجل عند الأجل مليًّا أو معدمًا [برئ]، فإن لم يأت به حينئذ والغريم حاضر أو غائب، قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه، تلوّم السلطان للحميل، فإن أتى به بعد التلوم فلا شيء عليه وإلا غرم.
_________________
(١) ويقال: الضمان كما في جامع الأمهات لابن الحاجب (ص٣٩١) ط اليمامة-دمشق. ويقال أيضًا: الكفالة والزعامة والإذانة والقبالة وجميعها بمعنى واحد. وانظر: شرح حدود ابن عرفة (٤٤٥) .
[ ٤ / ١٣ ]
٣٣٩٥ - وإن بعدت غيبة المكفول به غرم الحميل مكانه، ولو شرط حميل الوجه أني أطلبه فإن لم أجده برئت من المال، ولكن عليّ طلبه حتى آتي به، لم يلزمه إلا ما شرط.
قال غيره: لا يلزمه من المال شيء جاء بالرجل، أو لم يأت به، إلا أن يمكنه بعد الأجل إحضاره ففرّط فيه حتى أعوزه، فهذا قد غره.
وإذا مات الغريم برئ حميل الوجه، لأن النفس المكفولة قد ذهبت، ولو غرم الحميل ثم أتى ببينة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء، رجع الحميل بما أدى على رب الدين، لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ به الحميل لم يكن عليه شيء، وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كان حيًا، ولو قدم الغريم [أو أتى به بعد غرم الحميل] لم يرجع إلا عليه.
قال: وإن أخذ به فلم يقض عليه الحاكم بالغرم حتى أحضره برئ، ولو كان قد حكم عليه بالمال بعد التلوم لزمه المال ومضى الحكم.
٣٣٩٦ - وإذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ الحميل،
[ ٤ / ١٤ ]
لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن، ويحبس له في حقه، بعد تمام ما سجن فيه. وكذلك إن دفعه إليه بموضع فيه حكم وسلطان وإن لم يكن ببلده، فيبرأ.
وإن دفعه إليه بموضع لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو بمفازة أو بمكان يقدر الغريم على الامتناع منه، لم يبرأ منه الحميل حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه وفيه سلطان فيبرأ، وإن أمكن الغريم الطالب من نفسه وأشهد أني قد دفعت نفسي إليك براءة للحميل، لم يبرأ بذلك الحميل، وإن كان بموضع تُنفّذ فيه الأحكام، حتى يدفعه الحميل بنفسه أو وكيله إلىالطالب، فإن لم يقبل ذلك الطالب أشهد عليه وكان ذلك له براءة.
٣٣٩٧ - قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل حقًا فأنكره فقال له رجل: أنا به حميل إلى غد، فإن لم أوفّك به في غد فأنا ضامن للمال، فلم يأت به في غد فلا يلزم الحميل شيء حتى يثبت الحق ببينة فيكون حميلًا بذلك، وإن أنكر المدعى عليه ثم قال للطالب: أجلني اليوم فإن لم أوفك غدًا فالذي تدعيه، قبلي، فهذا مخاطرة ولا شيء عليه.
×فقال له رجل: أنا بها كفيل، فأتى فلان فأنكرها، لم يلزم الكفيل شيء حتى يثبت ذلك ببينة.
٣٣٩٨ - ومن أدى عن رجل حقًا بغير أمره فله أن يرجع به عليه.
[ ٤ / ١٥ ]
وكذلك من تكفل عن صبي بحق قضي به عليه، فإن أداه عنه بغير أمر وليه فله أن يرجع في مال الصبي.
وكذلك لو أدى عنه ما لزمه من متاع كسره أو أفسده أو اختلسه، لأن ما فعل الصبي من ذلك يضمنه.
٣٣٩٩ - ومن له على رجل ألف درهم من قرض، وألف من كفالة فقضاه [الغريم] ألفًا، ثم ادعى أنها القرض، وقال المقتضي: بل هي الكفالة، قُضي بنصفها عن القرض ونصفها عن الكفالة. (١)
وقال غيره: القول قول المقتضي مع يمينه، لأنه مؤتمن مدعى عليه، وورثة الدافع في قوليهما كالدافع.
٣٤٠٠ - قال مالك: ومن تحمل برجل أو بمال عليه فليس للذي له الحق إذا كان الغريم حاضرًا مليئًا أن يأخذ من الكفيل شيئًا إلا ما عجز عنه الغريم. وكان مالك
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/١٠٢) .
[ ٤ / ١٦ ]
يقول: يتبع أيهما شاء في ملاء الغريم، ثم رجع إلى هذا وأخذ به ابن القاسم ورواه ابن وهب.
٣٤٠١ - قال مالك: ولو كان الغريم غائبًا مليئًا أو مديانًا حاضرًا يخاف الطالب إن أقام عليه المحاصة، فله اتباع الحميل، إلا أن يكون للغائب مال حاضر يعدى فيه، فلا يتبع الحميل.
قال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك وفي النظر فيه بُعد فيؤخذ من الحميل.
٣٤٠٢ - وإذا مات الكفيل قبل الأجل فللطالب تعجيل الدين من تركته، ثم لا رجوع لورثته على الغريم حتى يحل الأجل، وله محاصة غرمائه أيضًا.
وإن مات الغريم تعجّل الطالب دينه من ماله، فإن لم يدع مالًا لم يتبع الكفيل حتى يحل الأجل.
[ ٤ / ١٧ ]
٣٤٠٣ - وإن مات الغريم مليئًا والطالب وارثه برئ الحميل، لأنه إن غرم للطالب شيئًا رجع عليه بمثله في تركة الميت، والتركة في يده فصارت كمقاصة.
٣٤٠٤ - وإن مات الغريم معدمًا ضمن الكفيل، وأما في الحوالة فذلك على المحال عليه بأصل الدّين، مات الغريم الموروث مليئًا أو معدمًا. (١)
٣٤٠٥ - ومن تكفل لرجلين بحق لهما، فغاب أحدهما وأخذ الحاضر من الكفيل حصته من الدين، فللغائب إذا قدم أن يدخل معه فيما قبض إن كان الدين بكتاب واحد.
[وكذلك] قال مالك في رجلين لهما دين [على رجل] بصك واحد، فاقتضى أحدهما نصيبه دون صاحبه، فإن صاحبه يشاركه فيما اقتضى، إلا أن يكون المقتضي أعذر إلى صاحبه عند السلطان، أو أشهد على ذلك دون السلطان، فلم يخرج معه، ولا وكل، فحينئذ يكون له ما قبض خاصة، وهذا في التفليس مذكور، ولو رفع ذلك إلى الإمام وشريكه غائب والغريم مليء بحقيهما، فقضى للحاضر بأخذ حقه لم يدخل الغائب عليه فيه وإن أعدم الغريم.
_________________
(١) انظر: حاشية الدسوقي (٣/٣٣٨)، والتاج والإكليل (٥/١٠٤)، ومواهب الجليل (٥/٩٨)، والمدونة (١٣/٢٥٤) .
[ ٤ / ١٨ ]
ولو قام الحاضر على الغريم فلم يجد عنده إلا قدر حقه، قضى له الإمام بما ينويه في المحاصة لو كان صاحبه معه، فإن جهل الإمام فقضى له بجميع حقه، كان للقادم أن يدخل معه فيه، لأنه كالتفليس.
وقال غيره: يدخل عليه القادم، قُضي له بذلك كله أو بنصفه كالتفليس.
٣٤٠٦ - ومن قال لرجل: ما ثبت لك قِبَل فلان الذي تخاصمه فأنا له [به] كفيل، فاستحق قبله مالًا كان هذا الكفيل ضامنًا له.
وكل من تبرع بكفالة لزمته، فإن مات هذا الكفيل قبل ثبات الحق، ثم ثبت الحق بعد موته، لزم ذلك في مال الكفيل. (١)
ومن قال لرجل: احلف أن الدين الذي تدعي قِبل أخي حق وأنا له ضامن،
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٣/٢٥٩) .
[ ٤ / ١٩ ]
ثم رجع، لم ينفعه رجوعه، ولزمه ذلك إن حلف الطالب، وإن مات كان ذلك في ماله.
٣٤٠٧ - وإن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قُضي لفلان على فلان، أو قال: أنا كفيل لفلان بماله على فلان، وهما حاضران أو غائبان، أو أحدهما غائب، لزمه ما أوجب على نفسه من الكفالة والضمان، لأن ذلك معروف، والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه.
ومن قال لرجل: بايع فلانًا أو داينه، فما بايعته به من شيء أو داينته به، فأنا له ضامن، لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه.
قال غيره: إنما يلزمه من ذلك ما كان يشبه أن يداين بمثله المحمول عنه ويبايع به. قال ابن القاسم: ولو لم يداينه حتى أتاه الحميل فقال له: لا تفعل فقد بدا لي في الحمالة، فذلك له، بخلاف قوله: احلف وأنا ضامن، ثم يرجع قبل اليمين هذا، لا ينفعه رجوعه، لأنه حق وجب.
[ ٤ / ٢٠ ]
٣٤٠٨ - وإذا تكفل رجلان بمال، وكل واحد ضامن عن صاحبه، فغاب أحدهما وغاب الغريم وغرم الحاضر الجميع، ثم قدم الغائب والغريم وهما مليئان، فللكفيل اتباع الغريم بالجميع، وإن شاء أتبعه بالنصف ثم أتبع الكفيل الآخر بما أدى عنه، لأنه كدين له قبله لا كغريم حضر مع كفيل.
٣٤٠٩ - وإذا تكفل ثلاثة رجال بمال على رجل، فأعدم الغريم، لم يكن للطالب على من لقي من الحملاء إلا ثلث الحق، إلا أن يشترط في أصل الكفالة أن بعضهم حميل ببعض فحينئذ إن غاب أحدهم أو أعدم أخذ من وجد منهم مليئًا بجميع الحق، فإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ثلث الحق، إذ لا يُتبع الكفيل في حضور المكفول به وملائه، ولو شرط أيكم شئت أخذت بحقي، ولم يقل: بعضكم كفيل لبعض، فله أخذ أحدهم بجميع الحق، وإن كانوا حضورًا أملياء، ثم لا رجوع للغارم على صاحبيه، إذ لم يؤد بالحمالة عنهم، ولكن على الغريم.
قال: [ولو] قال: بعضكم كفيل ببعض، وقال مع ذلك: أيكم شئت أخذت بحقي، أو لم يقل فإنه إن أخذ من أحدهم في هذا جميع المال رجع الغارم على صاحبيه إذا لقيهما بالثلثين، وإن لقي أحدهما رجع عليه بالنصف. (١)
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/١١١) .
[ ٤ / ٢١ ]
٣٤١٠ - قال ابن وهب: قال مالك: إن من أمر الناس الجائز عندهم أن يكتب الرجل حقه على الرجلين، ويشترط أن حيكما عن ميتكما ومليكما عن معدمكما، وذلك كحمالة أحدهما عن الآخر.
٣٤١١ - قال غيره: وإذا كان لرجل ستمائة درهم على ستة رجال على أن بعضهم حميل عن بعض بجميع المال، أو على أن كل واحد منهم حميل [بجميع المال، قال عن أصحابه أو لم يقل، أو قال: على أن كل واحد منهم حميل] عن واحد أو اثنين أو ثلاثة منهم أو أكثر أو عن جميعهم، إلا أنه قال: بجميع المال، قال في ذلك: ولا براءة له إلا بأدائها، أو لم يقل، فإن قال مع ذلك: أيكم شئت أخذت بحقي، فله أخذ أحدهم بالجميع، كان الباقون حضورًا أملياء أم لا، وإن لم يذكر أيكم شئت أخذت بحقي، فإنه إن لقيهم مياسير أخذ كل واحد بمائة، ولم يكن له أن يأخذ بعضهم ببعض، لأن الحميل لا يؤخذ بالحق في حضور الغريم وملائه، وإنما يؤخذ به إذا كان الغريم عديمًا أو غائبًا أو مُلِدًّا ظالمًا، فأما إن لقي أحدهم فليأخذه بستمائة [درهم]، ثم إن لقي الغارم للستمائة أحد أصحابه، أخذه بمائة
[ ٤ / ٢٢ ]
أداها عنه، وبنصف الأربعمائة [التي] أدى عن الباقين، لأنه حميل معه بهم، فذلك ثلاثمائة، ثم إن لقي أحدهما أحد الأربعة [الباقين]، أخذه بخمسين عن نفسه، وبخمسة وسبعين بالحمالة. وكذلك إذا لقي الرابع المأخوذ منه المال الثالث من الباقين فإنه يأخذه بما أدى عنه من أصل الدين، وبنصف ما أدى عن أصحابه، فإن لقي الرابع المأخوذ منه المال الآخر من الأولين الذي لم يرجع على الرابع، فقال له: بقي لي مما أديت بالحمالة مائتان عن أربعة أنت أحدهم فعليك خمسون في خاصتك، فيأخذها منه، ثم يقول له: بقيت لي خمسون ومائة أديتها عن أصحابك، وأنت معي بهم حميل، فيقول له: هذا الرابع قد أديت عنهم أنا بالحمالة خمسة وسبعين أيضًا لغيرك ساويتك في مثلها بقيت لك خمسة وسبعون لك [عليّ] نصفها، فيدفع إليه سبعة وثلاثين ونصفًا، وهكذا تراجعهم إن لقي بعضهم بعضًا حتى يؤدي كل واحد منهم مائة، لأن كل واحد منهم كان عليه من أصل الدين مائة.
وأما إن تحمل بعضهم عن بعض، على أن كل اثنين حميلان أو ضامنان بجميع المال، قالا في ذلك عن أصحابهم أو عن اثنين أو عن واحد، أو على أن كل واحد حميل بنصف جميع المال فذلك كله سواء، فإن لقي رب المال اثنين منهم أخذ كل
[ ٤ / ٢٣ ]
واحد بثلاثمائة، وإن لم يلق إلا واحدًا أخذه بثلاثمائة وخمسين، مائة منها عليه من أصل الدين ومائتان وخمسون بالحمالة، لأنه بنصف ما بقي تكفل، ثم إن لقي هذا الغارم أحد الباقين، أخذه بخمسين عن نفسه وبنصف المائتين التي أداها بالحمالة عن [أصحابه]، [ثم] إن لقي هذا الغارم الثاني [أحدًا] ممن لم يغرم، قال له: أديت مائة بالحمالة عن أربعة أنت أحدهم، فهلُمّ خمسة وعشرين عن نفسك ونصف ما بقي بالحمالة، فهكذا تراجعهم حتى يستوون في الغرم، وأما إن تحمل بعضهم عن بعض على أن كل ثلاثة حملاء [عن جميع المال، أو على أن كل ثلاثة حملاء] عن ثلاثة أو اثنين، أو عن واحد بجميع المال، أو على أن كل واحد حميل بثلث المال فذلك سواء، فإن لقي ثلاثة أخذهم بالجميع، وإن لقي واحدًا أخذه بمائة عنه وبثلث ما بقي، وذلك مائة وستة وستون وثلثان، وإن لقي اثنين أخذهما بمائة عنهما ثم بثلثي ما بقي، وذلك مائتان وستة وستون وثلثان.
٣٤١٢ - وإذا لقي ثلاثة فأخذ منهم جميع المال، ثم لقي أحدهم أخذ الذين لم يغرموا، فإنه يقول: أديت مائة بالحمالة عن ثلاثة أنت أحدهم، فلهم ثلثها عن حصتك ونصف باقيها بالحمالة عن الباقين، ثم إن لقي الآخذ لذلك أحد الثلاثة الغارمين معه رجع عليه بنصف ما فضله به، حتى يكونا في الغرم سواء، فإن اقتسما ذلك ثم لقيا
[ ٤ / ٢٤ ]
الباقي الذي غرم معهما أولًا، دخل عليهما فيما بأيديهما من قبل الثالث المرجوع عليه حتى يصير ما أخذ من الثالث بينهم أثلاثًا، ثم إن لقي أحدهم أحدًا ممن لم يغرم شيئًا فأخذ منه ما يجب له، فلا بد أن يشارك فيه من لقي من الاثنين الغارمين معه أولًا حتى يكون ما أخذ كل واحد منهم بالسوية، لأنهم حملاء عن أصحابهم فهكذا تراجعهم.
٣٤١٣ - قال ابن القاسم: ومن أخذ من غريمه كفيلًا بعد كفيل، فله في عُدم الغريم أن يأخذ بجميع حقه أي الكفيلين شاء، بخلاف كفيلين في صفقة لا يشترط حمالة بعضهما ببعض، وليس أخذ الحميل الثاني إبراء للحميل الأول، ولكن كل واحد منهم حميل بالجميع. (١)
ومن أخذ من الكفيل كفيلًا لزمه ما لزم الكفيل.
قال غيره: وكذلك لو تحمل رجل بنفس رجل وتحمل آخر بنفس الحميل، فذلك جائز.
وكذلك لو تحمل ثلاثة رجال بنفس رجل، وكل واحد منهم حميل بصاحبه، جاز.
ومن جاء به منهم برئ هو والباقيان، لأنه كوكيلهما في إحضاره، وإن لم يكن بعضهم حميلًا ببعض، فإن جاء به أحدهم برئ [هو] وحده، ولم يبرأ صاحباه.
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/١١١) .
[ ٤ / ٢٥ ]
٣٤١٤ - قال ابن القاسم: وإذا أخر الطالب الحميل بعد محلّ الحق فذلك تأخير للغريم، إلا أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما كان ذلك مني تأخيرًا للغريم، فيكون له طلبه، لأنه لو وضع الحمالة بعنه] كان له طلب الغريم إن قال: وضعت الحمالة دون الحق، فإن نكل لزمه تأخيره، ولو أخّر الغريم كان تأخيرًا للكفيل، ثم للكفيل أن لا يرضى بذلك خوفًا من إعدام الغريم، فإن لم يرض خُيّر الطالب، فإما أبرأ الحميل من حمالته ويصح التأخير، وإلا لم يكن له ذلك إلا برضى الحميل.
وإن سكت الحميل وقد علم بذلك لزمته الحمالة، وإن لم يعلم حتى حلّ أجل التأخير حلف الطالب ما أخّره ليُبرئ الحميل وتثبت الحمالة.
قال غيره: إذا كان الغريم مليئًا فأخره تأخيرًا بينًا سقطت الحمالة، وإن أخره ولا شيء عنده فلا حجة للكفيل، وله طلب الكفيل أو تركه.
[ ٤ / ٢٦ ]
٣٤١٥ - قال ابن القاسم: ومن تكفل بمائة دينار هاشمية، فأداها دمشقية وهي دونها برضى الطالب رجع بمثل ما أدى. ولو دفع فيها عروضًا أو طعامًا فالغريم مخير في دفع مثل الطعام، أو قيمة العرض، أو ما لزمه من أصل الدين، ولو دفع ذهبًا عن ورق لم يجز ذلك، ورجع الكفيل بما أدى وكان للطالب أصل دينه، والحميل به حميل، وهو بخلاف المأمور يدفع خلاف ما أمر به من العين، وذلك مذكور في كتاب المديان.
[وقد] ٍ قال ابن القاسم وغيره: إن المأمور والكفيل إذا دفعا ذهبًا عن ورق أو طعامًا أو عرضًا، أن الغريم والآمر مخير إن شاء دفع ما عليه أو ما دفع هذا عنه، لأنه تعدى فيما دفع، وهذا أصل، التنازع فيه كثير.
٣٤١٦ - قال ابن القاسم: ومن تكفل عن رجل بألف درهم، فأخذ الكفيل من الغريم سلعة على أن يدفع عنه الألف ثم أغرمها الطالب للغريم، فللغريم الرجوع بالألف على الكفيل، لأنه باعه السلعة [بها] .
ومن تكفل لك بمائة حالة، فأبرأته من خمسين، على أن دفع إليك خمسين،
[ ٤ / ٢٧ ]
فلا يرجع [هو] إلا بما أدى، ولك اتباع الغريم بخمسين، لأن تلك البراءة براءة من الحمالة فقط، وإن تكفل رجلان بألف فأخذ أحدهما من الآخر مائة على أن يدفع الألف عنه وعن نفسه، فإن حل الأجل والطالب حاضر فقبضها مكانه، جاز، وإن اغتزى نفعًا بسلف لتأجيل الدين أو لغيبة الطالب أو لغير ذلك، لم يجز.
قال غيره: فإن أخذ المائة على أمر جائز ثم صالح الطالب على خمسين، جاز، ورد إلى صاحبه خمسة وسبعين، ثم رجعا على الغريم بخمسين بينهما نصفين، [وإن صالحه على خمسين ومائة، جاز، ورد إلى صاحبه خمسة وعشرين، ورجعا على الغريم بخمسين ومائة بينهما] .
وإن صالحه على مائتين جاز، ورجعا على الغريم، كل واحد منهما بمائة.
وإن صالحه على خمسمائة جاز، ورجعا على الغريم بما أديا، مُخرج المائة بمائة، والآخر بالأربع مائة، فإن ألفياه عديمًا لم يكن للذي أدى أربع مائة أن يرجع على صاحبه بشيء، ويتبعان جميعًا الغريم بما أديا عنه. (١)
٣٤١٧ - ومن تكفل لرجل بما أدركه من درك في جارية ابتاعها من رجل أو دار أو غيرها، جاز ذلك، ولزمه الثمن حين الدرك في غيبة البائع وعدمه.
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١. ٣/٢٦٩) .
[ ٤ / ٢٨ ]
ولو شرط خلاص السلعة لم تجز الكفالة ولم تلزم. وقال غيره: يلزمه، وهو أدخل المشتري في غُرم ماله، فعليه الأقل من قيمة السلعة يوم تستحق، أو الثمن الذي أدى، إلا أن يكون الغريم مليئًا حاضرًا، فيبرأ.
قال ابن القاسم: ولو شرط المبتاع على البائع خلاص السلعة في الدرك وأخذ منه بذلك كفيلًا، بطل البيع والكفالة، كمن باع ما ليس له وشرط خلاصه، ولولا أن الناس يكتبون ذلك في وثائق الأشرية، لا يريدون به الخلاص، ولكن تشديدًا في التوثيق لنقضت به البيع، ولو عقد البيع على اشتراطه فسد البيع.
٣٤١٨ - وما ابتعت من شيء بعينه، لم يجز أن تأخذ به كفيلًا، كان حاضرًا، أو غائبًا على صفة، قربت الغيبة أو بعدت، كما لا يجوز للبائع ضمان مثله إن هلك.
٣٤١٩ - ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب، وأما من عجل عتق عبده على مال، جازت الكفالة بذلك، وكذلك من قال لرجل: عجل عتق مكاتبك وأنا بباقي كتابته كفيل، جاز [له، وله] الرجوع بذلك على المكاتب.
[ ٤ / ٢٩ ]
٣٤٢٠ - ومن له دين على رجل إلى أجل، فأخذ به منه قبل الأجل حميلًا أو رهنًا على أن يوفيه حقه إلى الأجل أو إلى دونه، فذلك جائز.
وإن أخره به بعد الأجل برهن أو حميل جاز، لأنه ملك قبض دينه مكانه، فتأخيره به كابتداء سلف على حميل أو رهن، وإن لم يحل الأجل فأخره به إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن، لم يجز، لأنه سلف بنفع.
قال غيره: ولا يلزم الحميل شيء ولا يكون الرهن به رهنًا، وإن قبض في فلس الغريم أو موته.
٣٤٢١ - ومن قال لرجل: إن لم أوفك بغريمك غدًا فأنا ضامن لما عليه، فمضى الغد وادعى الحميل أنه أوفاه به، فالبينة عليه وإلا غرم، إلا أن بوافيه به الآن قبل الحكم عليه فيبرأ من المال.
٣٤٢٢ - ومن كان بينه وبين رجل خلطة في معاملة، فادعى عليه حقًا، لم يجب له عليه كفيل بوجهه حتى يثبت حقه.
[ ٤ / ٣٠ ]
وقال غيره: إذا ثبت الخلطة بينهمان فله عليه [كفيل] بنفسه، ليوقع البينة على عينه.
قال ابن القاسم: وإن سأله وكيلًا بالخصومة حتى يقيم البينة عند القاضي، لم يلزم المطلوب ذلك، إلا أن يشاء، لأنا نسمع البينة في غيبة المطلوب، وإن سأله كفيلًا بالحق حتى يقيم البينة، لم يكن ذلك له إلا أن يقيم شاهدًا، فله أخذ كفيل وإلا فلا، إلا أن يدعي بينة [قريبة] يحضرها من السوق أو من بعض القبائل فليوقف القاضي المطلوب عنده لمجيء البينة، فإن جاء بها وإلا خلي سبيله.
ومن قُضي له برَبع أو غيره أنه وارثه فلا يؤخذ بذلك من المقضي له كفيل، وهذا جور ممن فعله من القضاة.
وكذلك من استحق دينًا قِبَل غائب وله رباع أو عروض حاضرة، فإن القاضي يبيعها ويوفي دينه، ولا يؤخذ من المقضي له بذلك كفيل.
٣٤٢٣ - ومن تكفل لك بطعام من سلم أو قرض، فلا يجوز ذلك أن تصالح الكفيل أو الغريم قبل الأجل على بعض الطعام، وتترك باقيه، وإن حلّ الأجل جاز ذلك منهما، ويرجع الكفيل بما أدى.
[ ٤ / ٣١ ]
ولا يجوز ذلك قبل الأجل أن تصالح الغريم أو الكفيل على حنطة، مثل [كيل] حنطتك إلا أنها أجود منها أو أدنى.
ولا يجوز لك صلح الكفيل بعد محل أجل السلم على مثل الكيل، والجنس أجود صفة أو أدنى، ولا على أقل كيلًا وأجود صفة.
ويجوز أن تأخذ من الغريم بعد الأجل مثل الكيل، أجود صفة أو أدنى، لأن ذلك بدل، وتبرأ ذمته.
٣٤٢٤ - وفي الكفيل يدخله بيع الطعام قبل قبضه، لأن المطلوب مخير، عليه إن شاء أعطاه مثل ما أدى، أو ما كان عليه، وأما في القرض فجائز أن يأخذ من الكفيل بعد الأجل مثل المكيلة أجود صفة أو أدنى.
٣٤٢٥ - وإن اشترى ثلاثة رجال سلعة من رجل، وتحمّل بعضهم ببعض في الثمن على أن يأخذ البائع أيهم شاء بحقه، فمات أحدهم، فادعى ورثته أن الميت دفع جميع الثمن إلى البائع، وأقاموا شاهدًا، فإنهم يحلفون معه ويبرأ وليهم ويرجعون على الشريكين بما ينوبهما، فإن نكل الورثة لم يحلف الشريكان، لأنهما يغرمان، إلا أن يقولا: نحن أمرناه ووكلناه بالدفع عنه وعنا ودفعنا ذلك إليه، وإنما هو حق علينا، والشاهد لنا فيحلفان ويبرآن.
[ ٤ / ٣٢ ]
٣٤٢٦ - ولا تجوز الكفالة في الحدود ولا في الأدب والتعزير ولا تلزم.
قال بكير: ولا في دم أو زنًا أو سرقة أو شرب خمر. ولا في شيء من الحدود.
٣٤٢٧ - وما فهم عن الأخرس أنه فهمه من كفالة أو غيرها، لزمه. (١)
٣٤٢٨ - ومن تكفل في مرضه فذلك في ثلثه، وإن تداين بعد ذلك في مرضه كان دينه من رأس ماله مبدأً، فإن اغترق الدين ماله سقطت الكفالة، ولا يحاص بها الغرماء، لأنها من الثلث، وما كان من رأس المال أولى، كمن أوصى لرجل بثلث ماله ثم اغترق الدين جميع ماله، فالوصية تبطل.
٣٤٢٩ - ومن تكفل في مرضه لوارث أو غير وارث ثم صح لزمه ذلك، كما لو بتل صدقة في مرضه لوارث أو غير وارث ثم صح، لزمته الصدقة إذا لم تكن على وجه وصية.
٣٤٣٠ - ومن أقر في مرضه أنه تكفل في مرضه هذا، فإن كان [ذلك] لوارث لم يجز، وإن كان لأجنبي أو لصديق ملاطف جاز إقراره في ثلثه، إلا أن يكون عليه دين يغترق ماله، فلا يجوز.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٣/٤١٩) .
[ ٤ / ٣٣ ]
وكذلك لو أقر للصديق الملاطف بدين في مرضه، فإنما يرد إقراره إذا كان عليه دين يغتر قماله، فإن لم يكن عليه دين [يغترق]، جاز إقراره إن ورثه ولده، وتجوز الوصية له في الثلث ورث بولد أو كلالة، وما أقرّ المريض أنه فعله في مرضه ذلك من عتق [أو غيره، فهي وصية، وما أقر به الصحيح أنه فعله فللذين أقر لهم أخذ ذلك ما لم يمرض المقر أو يمت، فإن مرض أو مات فلا شيء لهم، وإن قامت لهم بذلك بينة إلا العتق والكفالة، فإنه إذا قامت بعد موته بينة أنه أقرّ في صحته بعتق عبد أو كفالة أو جبس أو صدقة أو غيرها لوارث أو غير وارث، كان ذلك في رأس ماله، لأنه دين قد ثبت في ماله في صحته] . وما أقر به المريض أنه فعله في صحته من عتق أو كفالة أو حبس أو صدقة أو غيرها لوارث، فإقراره باطل، ولا يجوز ذلك في ثلث ولا غيره، ويكون ميراثًا، وإن أوصى بذلك مع وصايا، كانت الوصايا في ثلث ما بقي بعد ذلك، فإن قصر الثلث عن وصيته لم تدخل الوصايا في شيء مما أقرّ به.
٣٤٣١ - ومن أجرته لخدمتك شهرًا، لم يجز أن تأخذ منه حميلًا بالخدمة، وإن مات عبد في إجارتك فأعطاك سيده عبدًا يعمل كعمله، لم يجز، وهو دين في دين.
والحمالة أيضًا في هذا لا تجوز، لأن الغلام إن مات لم يلزم الحميل أن يأتي بغيره يخدم.
[ ٤ / ٣٤ ]
ومن أجرته يخيط ثوبك بنفسه جاز [ذلك] .
٣٤٣٢ - ولا تجوز الحمالة بذلك العمل في حياة الصانع أو مماته، ولا كفيل به حتى يعمله، ولا بأس بأخذ حميل بالحمولة المضمونة.
ولا تجوز في دابة بعينها، إلا أن يتكفل برد بقية الكراء عند موتها، فيجوز.
وكذلك أجير الخياطة والخدمة، وإن فرّ الكريّ في المضمون فأكري الكفيل للطالب بضعف الكراء، وجب للكفيل الرجوع بذلك على الكري، ولا ينظر إلى الكراء الأول، وهذا مذكور في كراء الرواحل.
٣٤٣٣ - ولا يجوز لعبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد، عتق ولا هبة ولا صدقة ولا غير ذلك مما هو معروف عند الناس إلا بإذن السيد.
فإن فعلوا ذلك بغير إذنه لم يجز إن رده السيد، فإن رده لم يلزم وإن عتقوا، وإن لم يرده حتى عتقوا لزمهم ذلك، علم به السيد قبل عتقهم أو لم يعلم.
وقال غيره: لا يجوز ذلك للمكاتب وإن أذن له سيده، لأنه داعية إلى رقه.
[ ٤ / ٣٥ ]
٣٤٣٤ - ولا تجوز كفالة المأذون إلا بإذن سيده، وإن كان عليه دين يغترق ماله، لم تجز كفالته وإن أذن له السيد، كما لا تجوز كفالة الحر ومعروفه إذا اغترق الدين ماله.
٣٤٣٥ - وتجوز حمالة العبيد ووكالتهم في الخصومة وغيرها بإذن السيد، لأن من وكل عبده لقضاء دينه فقام للعبد شاهد أنه قد قضى، حلف العبد وبرئ [السيد]، كالحر سواء، ولا يحلف السيد.
وإن تحمل عبد بدين على سيده بإذن السيد، [ثم فلس السيد أو مات، فإن أتبع الطالب بدينه ذمة السيد بيع العبد في ذلك، وإن رضي باتباع العبد دون السيد كان ذلك في ذمة العبد] .
قال غيره: ليس له أن يتبع ذمة العبد إلا بما عجز عنه مال السيد.
قال ابن القاسم: وإن تحمل بالدين عن أجنبي بأمر سيده كان ذلك في ذمته لا في رقبته.
٣٤٣٦ - وتجوز كفالة العبد أو من فيه بقية رق لسيده، ولا يجبره السيد على ذلك، ولا يلزمه إن أجبره.
[ ٤ / ٣٦ ]
قال ابن القاسم: وإن أبى العبد أن يتكفل وقال: أخاف إن عتقت لزمتني هذه الكفالة، فأشهد السيد أنه ألزمه الكفالة عنه، لم تلزم العبد إلا برضاه.
٣٤٣٧ - وقال مالك في الرجل يعتق عبده وعليه مائة دينار: إن ذلك لازم للعبد وإن كره العبد ذلك.
٣٤٣٨ - ومن باع من عبده سلعة بدين إلى أجل، أو تكفل عنه بدين، فأداه عنه ثم باعه أو أعتقه فإن ذلك باق في ذمته، إلا أن ذلك عيب في البيع إن لم يبينه، فالمبتاع مخير في الرضى بذلك أو رد البيع.
٣٤٣٩ - ومن له على عبده دين فأخذ به منه كفيلًا، لزم ذلك الكفيل، لأن السيد يحاص به غرماء عبده.
٣٤٤٠ - ومن قال لرجل: إن لم يوفك فلان حقك فهو علي، ولم يضرب لذلك أجلًا، تلوم له السلطان بقدر مات يرى، ثم ألزمه المال، إلا أن يكون الغريم حاضرًا مليئًا، فإن قال له: إن لم يوفك حقك حتى يموت فهو عليّ، فلا شيء على الكفيل حتى يموت الغريم.
٣٤٤١ - ولا بأس أن يتكفل بمال إلى خروج العطاء، وإن كان العطاء مجهولًا، إن كان في قرض أو تأخير في ثمن بيع صحت عقدته، وإن كان في أصل بيع، لم يجز.
[ ٤ / ٣٧ ]
٣٤٤٢ - وليس للكفيل أخذ الغريم بالمال قبل أن يؤخذ منه، إلا أن يتطوع [الغريم]، لأنه لو أخذه منه ثم أعدم الحميل أو فلس، كان للذي له الحق أن يتبع الغريم.
٣٤٤٣ - وإذا دفع الغريم الحق إلى الكفيل فضاع فإن كان على الاقتضاء فهو من الكفيل، عينًا كان أو عرضًا.
٣٤٤٤ - وإذا عنست الجارية البكر في بيت أبيها، أو أنس منها الرشد، جاز عتقها وهبتها
[ ٤ / ٣٨ ]
وكفالتها، وإن كره الوالد. قيل: أهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي، وقوله: إن ذلك ليس بجائز، هو الذي يعرف.
٣٤٤٥ - قال ابن القاسم: وقد سئل مالك - ﵀ - عن الجارية المعنسة تعتق أجائز؟ قال: إن أجازه الوالد [جاز] .
وسئل ابن القاسم في باب آخر عن البكر التي عنست في بيت أهلها، أتجوز
[ ٤ / ٣٩ ]
كفالتها؟ قال: قال مالك في هبتها وصدقتها: لا تجوز، فكذلك كفالتها في هذا لا تجوز، لأن بضعها بيد أبيها.
وكان مالك مرة يقول - فيما وجدت في كتاب عبد الرحيم -: إنها إذا عنست جاز أمرها.
قال ابن القاسم: وأما البكر التي في بيت أهلها وقد حاضت إلا أنها لم تعنس، فلا تجوز كفالتها، ولا بيعها، ولا صدقتها، ولا هبتها، ولا عتقها، ولا شيء من معروفها، وإن أجازه الوالد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وهي في هذا كالصبي والمولى عليه.
وإن أعطت لأبويها شيئًا من مالها، لم يجز ذلك لها، كما لو أعطت ذلك لأجنبي.
ولا يجوز لها بعد البناء في مالها بيع ولا شراء ولا شيء من المعروف، أجاز ذلك زوجها أو لم يجزه، حتى يتبين رشدها، وإذا عُرف بعد البناء رشدها وصلاح حالها، جاز بيعها وشراؤها في مالها كله، وإن كره الزوج إذا لم تحاب. فإن حابت أو تكفلت أو أعتقت أو وهبت أو تصدقت أو صنعت شيئًا من المعروف، فإن حمل ذلك ثلثها وهي لا يؤلى عليها جاز، وإن كره الزوج. (١)
_________________
(١) انظر: منح الجليل للشيخ عليش (٦/٢٢٢)، وجامع الأمهات لابن الحاجب (ص٣٨٥) ط اليمامة-دمشق.
[ ٤ / ٤٠ ]
وإن جاوز الثلث فللزوج رد الجميع أو إجازته، وإن جاوز الثلث فللزوج رد الجميع أو إجازته، إلا أن يزيد على الثلث كالدينار وما خفّ، فهذا يعلم أنها لم ترد ضررًا، فيمضي الثلث مع ما زادت.
٣٤٤٦ - قال مالك فيمن أوصى بجارية له أن تُعتق إن حملها الثلث [وإلا فلا]، فزاد ثمنها على الثلث دينارًا أو دينارين، قال: لا تحرم العتق بمثل هذا.
قال ابن القاسم: وتغرم الجارية ما زاد على الثلث إذا كان يسيرًا، فإن لم يكن معها أتبعها به الولد دينًا.
٣٤٤٧ - ولو حلفت ذات زوج بعتق رقيقها فحنثت، والثلث يحملهم، عتقوا، فإن كانوا أكثر من ثلثها فللزوج رد ذلك، ولا يعتق منه شيء، فإن مات زوجها أو طلقها رأيت أن تعتقهم بغير قضاء، وهي في عطيتها لأبويها [وولدها] كعطيتها الأجنبي.
وقال المغيرة في ذات الزوج تزيد على ثلثها: إنه يجوز منه الثلث كالوصايا.
[ ٤ / ٤١ ]
وقال غيره: ليس كالوصايا، إذ قد تجوز وصية من لم يبلغ الحلم، ولا يجوز صنيعه في صحته في ثلث ماله ولا غيره.
٣٤٤٨ - قال ابن القاسم: وإذا أجاز الزوج كفالة زوجته الرشيدة في أكثر من الثلث جاز، تكفلت عنه أو عن غيره، وإن تكفلت عنه بما يغترق جميع مالها فلم يرض، لم يجز من ذلك ثلث ولا غيره.
وتجوز عطيتها لزوجها جميع مالها إذا لم تكن سفيهة.
وإن تكفلت بزوجها ثم ادعت أنه أكرهها، لم تصدق إلا ببينة، ويلزمها ذلك وإن أحاط بمالها إذا كانت مريضة.
وإذا كانت المرأة أيّمًا لا زوج لها فلها أن تتكفل بمالها كله وتعطيه إذا لم يولّ عليها. (١)
* * *
_________________
(١) انظر: التقييد للزرويلي (٥/٣٣٢)، والمقدمات لابن رشد (٢/٣٥٢) .
[ ٤ / ٤٢ ]