٣٢٦١ - ولا تجوز شهادة من هو في عيال رجل له، وكذلك الأخ والأجير إذا كانا في عياله، فإن لم يكونا في عياله جازت شهادتهما إذا كانا مبرزين في العدالة في الأموال والتعديل. وقال النبي ÷: لا تجوز شهادة خصم
[ ٣ / ٥٨٣ ]
ولا ظنين ولا جارٍّ لنفسه ولا دافعٍ لها. (١)
٣٢٦٢ - ولا تجوز شهادة السؤال إلا في التافه اليسير فتجوز إذا كان عدلًا، ولا تجوز شهادة المغنّي والنائحة إذا عرفوا بذلك. (٢)
٣٢٦٣ - قال مالك: ولا تجوز شهادة الشاعر الذي يمدح من أعطاه ويهجو من منعه، وإن كان لا يهجو أحدًا، [ويأخذ ممن أعطاه] قُبِل إذا كان عدلًا.
٣٢٦٤ - ومن أدمن على اللعب بالشطرنج لم تجز شهادته [وإن كان إنما هو المرة بعد المرة فشهادته جائزة] إذا كان عدلًا، وكره مالك اللعب بها وإن قلّ، وقال: هي أشر من النرد.
_________________
(١) انظر الآثار المروية في ذلك: مصنف ابن أبي شيبة (٧/٢٥٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/١٥٠)، والموطأ (٢/٧٢٠) .
(٢) انظر: المدونة (١٢/١٣٨)، (١٣/١٥٣)، والتاج والإكليل (٦/١٦٧)، والقوانين (ص٢٠٣) .
[ ٣ / ٥٨٤ ]
٣٢٦٥ - وتجوز شهادة المولى لمن أعتقه، ما لم يدفع بها عن نفسه شيئًا أو يجره إليها. ولا تجوز شهادة الرجل لمكاتبه ولا لعبد ابنه، وإن شهد لأمة بالعتق زوجها ورجل أجنبي لم تجز شهادة الزوج.
٣٢٦٦ - وإذا شهد صبي أو عبد أو نصراني شهادة، ثم أدوها بعد الحلم أو العتق أو الإسلام جازت الشهادة، ولو أدوها في حالتهم الأولى فردت لم تجز أبدًا، وروي ذلك عن عثمان وغيره.
٣٢٦٧ - ولا تجوز شهادة الأبوية أو أحدهما للولد، ولا الولد لهما، ولا أحد الزوجين لصاحبه، ولا الجد لابن ابنه ولا الرجل لجده، ولا تجوز في [أحد من] هؤلاء شهادة للآخر في حق أو تزكية أو في تجريح من شهد عليه.
وتجوز شهادة الأخ لأخيه، والرجل لمولاه ولصديقه الملاطف، إلا أن يكون في عياله أحد من هؤلاء يمونه، فلا تجوز شهادته له. (١)
وتجوز شهادة الرجل لشريكه المفاوض إذا شهد له في غير التجارة إذا كان لا يجرّ بذلك إلى نفسه شيئًا.
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٣/١٥٥)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص٢٠٣)، والتاج والإكليل (٦/١٥٥)، ومنح الجليل (٨/٣٩٤) .
[ ٣ / ٥٨٥ ]
٣٢٦٨ - ولا تجوز شهادة أهل الكفر على مسلم أو كافر من أهل ملتهم أو من غيرها، ولا على وصية ميت [مات] في سفر، وإن لم يحضره مسلمون، وتجوز شهادة المسلمين عليهم.
٣٢٦٩ - ولا تجوز شهادة نساء أهل الكفر في الاستهلال أو الولادة، وتجوز في ذلك شهادة امرأتين مسلمتين، وكل شيء تقبل فيه شهادة النساء وحدهن، فلا يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا تجوز شهادة امرأة واحدة في شيء من الشهادات.
٣٢٧٠ - وتجوز شهادة من تاب ممن حُدّ في القذف، وحسنت حاله وزاد على ما عرف به من حسن الحال، في الحقوق والطلاق.
٣٢٧١ - وتجوز الشهادة على الشهادة في الحد والطلاق والولاء، وفي كل شيء. وشهادة رجلين تجوز على شهادة عدد كثير. ولا ينقل أقل من اثنين في الحقوق عن واحد فأكثر.
٣٢٧٢ - ولا يجوز نقل واحد عن واحد مع يمين الطالب في مال، لأنها بعض شهادة شاهد، والنقل بعينه ليس بمال فيحلف عليه من الناقل، ولو أجيز ذلك لم يصل إلى
[ ٣ / ٥٨٦ ]
قبض المال إلا بيمين، وإنما قضى النبي ÷ في الأموال بشاهد ويمين واحدة. (١)
٣٢٧٣ - ولا تجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص والطلاق والنكاح والنسب والعتاق والولاء، شهدن في ذلك على علمهن أو على السماع، كنّ وحدهن أو مع رجل [قال مالك:] ولا تجوز شهادتهن إلا حيث ذكرها الله في الدين وما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك.
٣٢٧٤ - ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال ويقضى له، وتجوز شهادتهن على الشهادات في الأموال أو في الوكالة على الأموال إذا كان معهن رجل، وهنّ وإن كثرن كرجل [واحد]، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل، نقلن عن رجل أو امرأة
_________________
(١) رواه مسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، ومالك في الموطأ (٢/٧٢١)، وابن ماجة (٢٣٦٩) .
[ ٣ / ٥٨٧ ]
وقاله أشهب. وقال غيره: لا تجوز شهادتهن على شهادة، ولا على وكالة في مال. قال ابن القاسم: وما لا تجوز فيه شهادتهن فلا يجوز أن يشهدن فيه على شهادة غيرهن، كان معهن رجل أم لا.
٣٢٧٥ - قال مالك: وتجوز شهادتهن في المواريث إذا ثبت النسب بغيرهن، وإنما جازت في اختلافهم في الميراث، لأنه مال، والنسب معروف بغير شهادتهن.
وتجوز في قتل الخطأ لأنه مال، قال ربيعة وسحنون: إنما أُجزن في قتل الخطأ والاستهلال ضرورة لفواتهما، وأما الجسد فهو يبقى، فإن شهد رجلان على رؤية جسد القتيل والجنين، وإلا لم تجز شهادتهن.
٣٢٧٦ - قال مالك: وتجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح ما لم يفترقوا أو يخيبوا، ولا تجوز إلا شهادة اثنين منهم فأكثر، بعضهم على بعض
[ ٣ / ٥٨٨ ]
إذا كانوا صبيانًا كلهم. ولا تجوز فيه شهادة واحد، ولا تجوز شهادة الإناث من الصبيان في الجراح فيما بينهم.
ولا تجوز شهادة الصبيان في الجراح لكبير على صغير أو كبير، وإذا شهدت بينة على قول صبي أن فلانًا الصبي قتله، لم ينفع هذا إلا ببينة على القتل، ولا يقسم بذلك وإن اعترف القاتل، وليس في الصبيان قسامة فيما بين بعضهم لبعض إلا أن يشهد كبير أن كبيرًا قتل صغيرًا، فيقسم ولاته على ما شهد به الشاهد من عمد أو خطأ.
قال أشهب أو غيره: لا تجوز شهادة الصبيان في القتل، ولا تجوز شهادة الإناث. وقال المخزومي: إن الإناث تجوز شهادتهن وإن شهادة الصبيان في القتل جائزة. وقال ابن نافع وغيره في صبي شهد عليه صبيان أنه
[ ٣ / ٥٨٩ ]
جرح صبيًا ثم نزى في جرحه فمات، أن ولاته يقسمون لَمِنْ ضَرْبه مات، ويستحقون الدية.
٣٢٧٦ - وتجوز شهادة الوصيين أو الوارثين بدين على الميت، وإن شهد لصاحب الدين بذلك واحد من الورثة، فإنه يحلف معه إن كان عدلًا ويستحق حقه، فإن نكل أخذ من شاهده قدر ما يصيبه من الدين، وإن كان سفيهًا لم تجز شهادته، ولم يرجع عليه في حصته بقليل ولا كثير.
وشهادة الوصيين أن الميت أوصى لفلان معهما جائزة، وقال غيره: إذا ادعى ذلك فلان، ولم يجرا بذلك إلى أنفسهما نفعًا وكذلك الوارثان.
٣٢٧٧ - وتجوز شهادة الوارثين على نسب يلحقانه بالميت، أو دين أو وصية أو أن فلانًا وصي، وإن شهدا أن أباهما أعتق هذا العبد ومعهما أخوات أو زوجة للأب، فإن لم يتهما في ولائه لدناءته جازت شهادتهما، وإن كان يُرغب في ولائه ويتهمان على جره لم تجز شهادتهما.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
٣٢٧٨ - ولا تجوز شهادة وصي بدين للميت، إلا أن يكون الورثة كبارًا [عدولًا] وكان لا يجرّ بشهادته شيئًا يأخذه فشهادته جائزة.
قال مالك: فإن شهد الوصي لورثة الميت بدين لهم على الناس، لم تجز شهادته، لأنه الناظر لهم، إلا أن يكونوا كبارًا عدولًا يلون أنفسهم فتجوز شهادته لهم، لأنه لا يقبض لهم شيئًا وهم يقبضون لأنفسهم إذا كانت حالهم مرضية. (١)
٣٢٧٩ - ولا تجوز شهادة النساء وحدهن أو مع رجل أن فلانًا وصى، إذا كان في الوصية عتق وأبضاع نساء.
وقال غيره: لا تجوز في الوصي بحال، لأن ذلك ليس بمال.
قال سحنون: الوصية والوكالة ليستا بمال، إذ لا يحلف وصي أو وكيل مع شاهد رب المال إذ المال لغيرهما. وإن شهدن لرجل أن فلانًا أوصى له بكذا جازت شهادتهن مع يمينه، وامرأتان في
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٣/١٦٤، ١٦٥)، ومواهب الجليل (٦/١٧٢)، والكافي لابن عبد البر (ص٤٦١، ٤٦٢)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص٢١٢) .
[ ٣ / ٥٩١ ]
ذلك، ومائة امرأة سواء، يحلف معهن ويستحق، ولا يحلف مع امرأة واحدة، فإن شهدن لعبد أو لامرأة أو لذمي فإنه يحلف ويستحق.
وأما إن شهدن لصبي فإنه لا يحلف حتى يبلغ، وإن كان في الورثة كبار أو أصاغر حلفوا وأخذوا مقدار حقهم، فإن نكلوا وبلغ الصغار، كان لهم أن يحلفوا ويستحقوا حقهم.
٣٢٨٠ - وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة ضمن المال ولم يقطع، ولو شهد عليه بالسرقة رجل واحد حلف الطالب وضمن له السارق ولم يقطع، كما لو أقام شاهدًا أن عبد فلان قتل عبده عمدًا أو خطأ، فإنه يحلف معه يمينًا واحدة، ويستحق العبد ولا يقتله وإن كان عمدًا.
وكل جرح لا قصاص فيه مما هو متلف كالجائفة والمأمومة وشبهها، فالشاهد واليمين فيه جائز، لأن العمد والخطأ فيه إنما هو مال.
٣٢٨١ - ومن أقام شاهدًا بمائة دينار دينًا، وشاهدًا بخمسين، فإن شاء حلف مع شاهد المائة وقُضي له بها، وإلا أخذ خمسين بغير يمين.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
٣٢٨٢ - وإذا شهد وارثان أن فلانًا تكفل لفلان ولوالدهما بمال، أو شهد رجلان أن لهما أو لفلان على فلان مائة دينار، لم يجز شيء من ذلك.
وقال مالك فيمن شهد على وصية أُوصي له فيها بشيء تافه لا يتهم فيه جازت له ولغيره إذ لا يصح بعض الشهادة ويرد بعضها.
وقال غيره عن مالك: إذا اتهم لم تجز شهادته له ولا لغيره.
قال سحنون: وفي هذا الأصل اختلاف عن مالك [وغيره]، قال يحيى بن سعيد: إن كان معه شاهد غيره جازت له ولغيره، وإن كان وحده جازت لغيره ولم تجز له، وروى ابن وهب عن مالك أنها لا تجوز له ولا لغيره.
٣٢٨٣ -[وقال يحيى بن سعيد في قوم مسافرين في قبائل شتى، توفي أحدهم فأوصى لهم
[ ٣ / ٥٩٣ ]
بوصية ولم يشهد على الوصية [غيرهم]: إن شهادة بعضهم لبعض في الوصية لا تجوز، إلا أن يشهد لهم من ليس له في الوصية حق] .
٣٢٨٤ - وإن شهد شاهد على وصية فيها عتق، ووصايا لقوم لم تجز شهادته في العتق، وتجوز في الوصايا للقوم مع أيمانهم، فإن ضاق الثلث فإنما لهم من الثلث ما فضل عن العتق، وإنما تبطل كلها لو شهد لنفسه فيها.
٣٢٨٥ - ومن أودعك وديعة فشهدت عليه أنه تصدق بها على فلان، أو أقرّ بها له، حلف فلان مع شهادتك واستحقها إن كان حاضرًا، وإن غاب لم تجز شهادتك إن كانت غيبة تنتفع أنت بمثلها في المال.
٣٢٨٦ - ومن سمع رجلًا يذكر شهادته أن لفلان [على فلان] كذا، أو يقول: سمعت فلانًا يقذف فلانًا، أو يطلق زوجته، فلا يشهد على شهادته حتى يقول له: اشهد على شهادتي، وإن سمع رجلًا يطلق زوجته أو يقذف رجلًا فليشهد بذلك، وإن لم يشهده وعليه أن يشهد ويخبر بذلك من له الشهادة.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
٣٢٨٧ - وقال مالك في الحدود: إنه يشهد بما سمع إن كان معه غيره، وسمعته قبل ذلك يقول فيمن مرّ برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئًا ولم يشهداه، ثم يطلب أحدهما تلك الشهادة، قال: فلا يشهد له. قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله [إلى آخره] فليشهد وإلا فلا، إذ قد يكون قبله كلام يبطله أو بعده. (١)
٣٢٨٨ - وإن شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى فلان هذا لا يعلمان له وارثًا غير
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٢/١٣٣)، (١٣/١٦٩)، والشرح الكبير (٤/١٧٩)، وحاشية الدسوقي (٤/١٧٩) .
[ ٣ / ٥٩٥ ]
هذا، أو شهد شاهد واحد أنه مولاه اعتقه، استوني بالمال، فإن لم يستحقه أحد غيره قضي له به مع يمينه، ولا يجر بذلك الولاء.
٣٢٨٩ - وإن كان شاهد واحد على السماع، لم يقض له بالمال وإن حلف، لأن السماع نقل شهادة، ولا تجوز شهادة واحد على شهادة غيره، وكثير من هذا المعنى في كتاب الولاء أتم مما ههنا فأغنى عن إعادته.
وإن شهد لرجل أعمامه أن فلانًا الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدّعِ ولدًا ولا مولى وإنما ترك مالًا جازت الشهادة لارتفاع التهمة، وإن ترك ولدًا ومولى يتهمون بذلك على جرّ ولائهم يومًا ما لقُعْدُدهم، لم يجز.
وقد قال مالك في ابني عمٍ شهدا لابن عمهما على عتق: إنه إن كان ممن يتهمان لقربهما منه في جر الولاء لم يجز ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهما منه جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهما يومًا ما.
٣٢٩٠ - والشهادة على السماع في الأحباس جائزة لطول زمانها يشهدون أنا لم نزل نسمع أن هذه الدار حبس، تحاز بحوز الأحباس، وإن لم ينقلوا عن بينة
[ ٣ / ٥٩٦ ]
معينين إلا قولهم سمعنا وبلغنا، ولو نقلوا عن قوم عدول أشهدوهم لم يكن سماعًا وكانت شهادة.
قال مالك: وليس عندنا أحد ممن شهد على أحباس الصحابة إلا على السماع.
٣٢٩١ - وسئل مالك عن قوم شهدوا على السماع في حبس على قوم وأنه يعرف أن من مات منهم لا يدخل في نصيبه زوجته، وتهلك ابنة الميت، فلا يدخل فيه ولدها ولا زوجها. قال: أراه حبسًا ثابتًا وإن لم يشهدوا على أصل الحبس، ولم يذكروا ذلك كله وذكروا من السماع ما يستدل به فذلك جائز.
ومن أقامت في يده دار خمسين سنة أو ستين ثم قدم رجل كان غائبًا فادعاها، وثبت الأصل له، وأقام بينة أنها لأبيه أو جده، وثبتت المواريث حتى صارت له، فقال الذي بيده الدار: اشتريتها من قوم، وقد انقرضوا وانقرضت البينة وأتى ببينة يشهدون على السماع، فالذي ينفعه من ذلك أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن الذي في يديه الدار أو أحد من آبائه ابتاعها من القادم أو من أحد آبائه أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا، فذلك يقطع حق القادم منها.
قال مالك: وها هنا دور يعرف لمن أصلها بالمدينة قد تداولتها الأملاك فشهادة السماع على مثل هذا جائزة، وإن أتى الذي في يديه الدار ببينة يشهدون أنهم سمعوا أن هذا الذي في يديه الدار أو أحد من آبائه ابتاعها ولا يدرون ممن [ابتاعها]
[ ٣ / ٥٩٧ ]
فلا ينفعه ذلك، ولو أقام بينة يشهدون على السماع أن أباه ابتاعها ممن ذكرنا منذ خمس سنين ونحوها، لم ينفعه ذلك، ولا يقبل في مثل هذا القرب إلا بينة تقطع على الشراء، فإن لم يأت الحائز ببينة يشهدون على علم الشراء في قريب الزمان أو على السماع في بعيده قضي بها للقادم الذي استحقها.
٣٢٩٢ - ومن أقرّ أنه كان تسلف من فلان الميت مالًا وقضاه إياه فإن كان ما يذكر من ذلك حديثًا لم يطل زمانه لم ينفعه قوله: قضيته، وغرم لورثته إلا أن يقيم بينة قاطعة على القضاء، وإن طال الزمان حلف المقرّ وبرئ، إلا أن يذكر ذلك على معنى الشكر، يقول: جزى الله فلانًا خيرًا أسلفني وقضيته، فلا يلزمه في هذا شيء مما أقر به، قرب الزمان أو بعد.
٣٢٩٣ - ومن أقام شاهدًا على رجل أنه تكفل له بماله على فلان حلف مع شاهده واستحق الكفالة [بماله] قِبَلَه، ويحاص من قضى له في دينه بشاهد ويمين مع من قضى له بشاهدين.
وإن أقام الطالب شاهدًا وأبى أن يحلف معه فله يمين المطلوب فإن نكل غرم،
[ ٣ / ٥٩٨ ]
ولا يرد اليمين على الطالب، لأنه هو ردها، وإذا ثبتت الخلطة ولم يأت الطالب بشاهد واستحلف المطلوب فنكل لم يقض الإمام للطالب حتى يرد اليمين عليه، وإن جهل المطلوب أن يسأله ردها، فعليه أن يعلمه بذلك، ولا يقضي حتى يردها، وإن نكل الطالب فلا شيء له. (١)
٣٢٩٤ - وإن حلف المطلوب ثم وجد الطالب بينة فإن لم يكن علم بها قضي له بها، وإن استحلفه بعد علمه ببينته تاركًا لها، وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له، وإن قدمت بينته.
وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قدمت بينتي قمت بها نظر الإمام، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة وخاف تطاول الأمر وذهاب الغريم أحلفه له وكان له القيام ببينته إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.
٣٢٩٥ - ومن ادعى قبل رجل كفالة ولا خلطة بينهما فلا يمين له عليه. ومن باع سلعة من رجلين فقبض من أحدهما حصته ثم لقي الآخر فقال له: قد دفعت إلى صاحبي يدفع إليك، فسأل البائع صاحبه فأنكر، فأراد يمينه، فلم ير مالك هذه خلطة توجب اليمين.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/٢٦٥)، والكافي لابن عبد البر (١/٤١٤) .
[ ٣ / ٥٩٩ ]
٣٢٩٦ - ومن ادعى قبل رجل دينًا أو غصبًا أو استهلاكًا فإن [كان] عُرِف بمخالطته في معاملته أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب، نظر فيه الإمام، فإما أحلفه أو أخذ له كفيلًا حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له، ولا تجب اليمين حتى تثبت الخلطة، وكذلك قال السبعة من فقهاء التابعين.
٣٢٩٧ - وقد قال مالك في امرأة ادعت أن فلانًا استكرهها أنه إن كان ممن [لا] يشار إليه بذلك حُدّت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك نظر الإمام في ذلك، وقد تركت هنا مسائل كثيرة قد تقدم ذكرها في كتب النساء والعبيد مستوعبة فأغنى عن إعادته.
٣٢٩٨ - ومن ادعى على رجل أنه ولده أو والده [فأنكر] فلا يمين عليه. ومن ادعى قبل رجل حدًا فقدمه إلى القاضي وادعى بينة قريبة يأتي بها في يومه أو غده، فليوقفه القاضي ولا يحبسه.
[ ٣ / ٦٠٠ ]
ولو أقام الطالب شاهدًا عدلًا حبسه القاضي له، ولا يؤخذ في هذا كفيل، وكذلك في الجراح، وما يكون في الأبدان لا يؤخذ به كفيل.
٣٢٩٩ - ومن ادعى عبدًا بيد رجل وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أنه عبده، أو أقام بينة تشهد أنهم سمعوا أن عبدًا سرق له مثل ما يدعي، وإن لم تكن شهادة قاطعة وله بينة ببلد آخر فسأل وضع [قيمة] العبد ليذهب به إلى بينته لتشهد على عينه عند قاضي تلك البلدة فذلك له، وإن لم يقم شاهدًا ولا بينة على سماع ذلك، وادعى بينة قريبة بمنزلة اليومين والثلاثة فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينته لم يكن ذلك له.
فإن قال: أوقفوا العبد حتى آتي ببينتي، لم يكن له ذلك، إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق، أو سماعًا يثبت له به دعواه، فإن القاضي يوقف العبد ويوكل به حتى يأتيه ببينته، [أو بما يثبت به دعواه] فيما قرب من يوم ونحوه، فإن جاء بشاهد أو بسماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينته، فإن كانت بعيدة وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه وسلمه إليه بغير كفيل، وإن ادعى شهودًا حضورًا على حقه أوقف له نحو الخمسة الأيام
[ ٣ / ٦٠١ ]
والجمعة وهذا التحديد لغير ابن القاسم.
ورأى ابن القاسم أن يوقف له، لأن الجائي بشاهد أو بسماع له وضع القيمة عند مالك، والذهاب به إلى بينته، فهذا كالإيقاف، ونفقة العبد في الإيقاف على من يُقضى له به.
وقال غيره: وإنما يوقف مثل ما يشهد على عينه من الرقيق والحيوان والعروض، لأن ذلك يحول وتزول عينه.
٣٣٠٠ - قال ابن القاسم: يوقف ما لا يؤمن تغيره وزواله، فأما المأمون كالرباع والعقار وماله من ذلك الغلة فإنما يوقف وقفًا يمنع فيه من الإحداث فيها، والغلة أبدًا إنما هي للذي هي بيده، لأن ضمانها منه حتى يُقضى بها للطالب.
قال سحنون: هذا إذا كان مبتاعًا أو صارت إليه من مبتاع.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
قال غيره: وإن ادعى عليه دينًا أو شيئًا مستهلكًا وطلب كفيلًا، سأله القاضي بيّنة على خلطة أو معاملة أو ظنة، فإن ادعى على الخلطة بيّنة قريبة وُكّل بالمطلوب حتى يأتي بما يوجب اللطخ ما بينه وبين يوم وشبهه، فإن جاء بذلك وادعى على الحق بينة بعيدة استُحلِف المطلوب وأطلقه بغير كفيل، وإن ادعى قربها أخذه بكفيل بنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، ولا يأخذه بكفيل بالمال، وإنما يأخذ الكفيل بنفسه ليحضره فتشهد عليه البينة، كما يوقف الحيوان والعروض، لأنه يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة على عينه، وأما ما لا يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة على عينه، فلا يؤخذ فيه كفيل. (١)
٣٣٠١ - وإن كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم ورَطِب الفواكه، وقد أقام لطخًا أو شاهدًا على الحق، وأبى أن يحلف وادعى بينة قريبة على الحق، أجّله القاضي بإحضار شاهدين أو شاهد إن أتى بشاهد قبله، ولم يحلف معه، ما لم يخف فساد ذلك الشيء، فإن أتى بما ينتفع وإلا أسلم ذلك الشيء إلى المطلوب، ونهي المدعي عن التعرض له، فإن كان الطالب قد أقام شاهدين، فأوقف القاضي ذلك الشيء إلى الكشف عنهما، فإن خاف فساده باعه وأوقف ثمنه، فإن زكيت بينة المدعي وهو
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٣/١٨٤) .
[ ٣ / ٦٠٣ ]
مبتاع أخذه وأدى الثم الذي قالت بينته، كان أقل من ذلك أو أكثر، ويقال للبائع إذا كان يأخذ أكثر من الثمن الموقوف: أنت أعلم بالمُخْرَج عن الزيادة، وإن لم تُزكّ البينة أخذ المدعى عليه الثمن من الموقوف، لأنه عليه بيع نظرًا، ولو ضاع الثمن قبل القضاء أو بعده كان ممن قضي له به.
٣٣٠٢ - قال ابن القاسم: ومن بعث بمال صلة لرجل أو هبة أو صدقة مع رجل فقال: قد دفعته إليه وأنكر القابض، فعلى الرسول البينة وإلا غرم، وكذلك إن أمره بصدقته، على مساكين بأعيانهم، فإن لم يكونوا معينين فهو مصدق.
وإن أمرت غريمك أن يدفع دينك إلى رجل بعينه فقال: قد دفعته، وأنكر القابض لم يبرأ المأمور إلا ببينة، وإن قال القابض: قبضته وضاع مني، لم يبرأ الدافع إلا ببينة.
وكذلك من وكلته على قبض مال من يد رجل فقال: قبضته وضاع، فلا يبرأ الدافع إلا ببينة، ولو قال الوكيل: قبضت المال، أو قال: برئ إلي من المال، لم يبرأ الدافع إلا ببينة أنه دفع إليه المال، أو يأتي الوكيل بالمال [إلا أن يكون الوكيل] مفوضًا إليه فهو مصدق بخلاف وكيل مخصوص.
٣٣٠٣ - ومن كانت في يديه دور أو عبيد أو عروض أو دنانير أو دراهم
[ ٣ / ٦٠٤ ]
أو غير ذلك من الأشياء، فادعى ذلك رجل وأقام بينة أن ذلك له، وأقام من ذلك بيده بينة أنها له، قضي بشهادة أعدلهما وإن كانت أقل عددًا، فإن تكافأتا في العدالة سقطتا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، ولا أقضي بأكثرهما، لأن التكافؤ في العدالة لا في العدد، حتى لو كانت بينة أحدهما رجلين أو رجلًا وامرأتين، فيما تجوز فيه شهادة النساء، وبينة الآخر مائة رجل فاستووا كلهم في العدالة سقطوا وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، [وكذلك إن كانت دار بيد رجل يدعيها لنفسه فادعاها رجلان وأقام كل واحد منهما بينة أنها له وتكافأت بينتهما، فإن الدار تبقى بيد الذي هي في يديه] وذلك أن كل بينة قد كذبت الأخرى وجرحتها فسقطتا.
قال غيره: ليس هذا بتجريح، ولكن البينة لما تكافأت صارت كأنها لم تأت بشيء، ويقران على الدعوى.
٣٣٠٤ - قال مالك: وإن تداعيا في شيء وليس هو بيد واحد منهما وأقام كل واحد بينة أنه له، قضي باعدل الشهود وإن قلّوا، فإن تكافئوا في العدالة وكان الذي شهدوا فيه مما يرى الإمام منعهما منه، فعل حتى يأتيا ببينة أعدل منهما، وإن كان مما لا
[ ٣ / ٦٠٥ ]
ينبغي للإمام أن يقره [ولا] يرى أنه لأحدهما قسّمه بينهما بعد أيمانهما كشيء لا شهادة لهما فيه.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك في القوم يتنازعون عفوًا من الأرض فيأتي هؤلاء ببينة وهؤلاء ببينة، فإنه يقضى في ذلك بأعدل البينتين، وإن كانت أقل عددًا، ويحلف أصحابها مع شهادتهم، فإن تكافأت البينتان سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين، حتى تستحق بأثبت من هذا. قال ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى.
وقال ابن القاسم عن مالك في باب بعد هذا: إن كل ما تكافأت فيه البينتان وليس هو في يد واحد منهما، وكان مما لا يخاف عليه، مثل الدور والأرضين ترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه، فيُقضى له به، إلا أن يطول الزمان، ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولًا، [فإنه يقسّم بينهما، قال ابن القاسم: لأن ترك ذلك ووقفه يصير إلى الضرر.
قال مالك:] وما كان يخشى تغيره مثل الحيوان والرقيق والعروض والطعام، فإنه يستأنى به قليلًا، لعل أحدهما يأتي بأثبت مما أتى به صاحبه فيقضى له به، فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسّمه بينهما. (١)
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٦/٢١١) .
[ ٣ / ٦٠٦ ]
قال ابن القاسم: وكذلك زرع ادعياه في أرض رجل لا يدعيه، ولو ادعاه رب الأرض كان أحقّ به في تكافؤ بينتيهما، ولو كان الزرع في يد أحدهما، كان أولى به إذا أقام البينة.
٣٣٠٥ - ومن أقام بينة في دار أنه ابتاعها من فلان وأنه باعه ما ملك، فأقام من هي بيده بينة أنه يملكها قضي بأعدلهما، وإن تكافأتا سقطتا وبقيت الدار بيد حائزها، كما لو ادعاها الذي يزعم هذا المدعي أنه ابتاعها منه لقضي بها لحائزها عند تكافؤ البينتين، وإن لم يقم الحائز بينة قضي بها للمدعي إلا أن تكون طالت حيازة الحائز بحال ما وصفنا في الحيازة، والمدعي حاضر، فذلك قطع لدعواه، وإذا أقام كل واحد من المدعي والحائز بينة على نتاج أو نسج، كان ذلك لمن هو بيده منهما.
ولو أن أمة ليست بيد أحدهما، فأتى أحدهما ببينة أنها له، لا يعلمونها خرجت من ملكه حتى سرقت له، وأقام الآخر بينة أنها له، ولدت عنده، ولا يعلمونها خرجت من ملكه بشيء، قضي بها لصاحب الولادة.
قال غيره: إذا كانت البينة الناتج عدولًا وإن كانت الأخرى أعدل، وليس هذا
[ ٣ / ٦٠٧ ]
من التهاتر، ولكن لما زادت بقدم المالك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أن هذا يملكها منذ عام، وبينة الآخر أنه يملكها منذ عامين فإني أقضي ببينة أبعد التاريخين إن عُدِّلت، وإن كانت الأخرى أعدل، ولا أبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها الأقرب تاريخًا بالوطء والخدمة والادعاء لها بمحضر الآخر، فهذا يقطع دعواه.
٣٣٠٦ - قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا، كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه، وأقاما على ذلك بينة مسلمين، فتكافأت في العدالة أو لم تكن لهما بينة، فالميراث يقسم بينهما، كمالٍ تداعياه، فإن كان قد صلّى هذا المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين، فليس الصلاة بشهادة، ولو لم يأتيا ببينة وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك، وابنه النصراني أحث بميراثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكر. (١)
وقال غيره: إذا تكافأت البينتان قضى بالمال للمسلم بعد أن يحلف على دعوى النصراني، لأن بينة المسلم زادت حين زعمت أنه مسلم.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/٨٩) .
[ ٣ / ٦٠٨ ]
٣٣٠٧ - قال مالك: ومن أقامت بيده دار سنين ذوات عدد يحوزها ويمنعها ويكريها ويهدم ويبني، فأقام رجل بينة أن الدار داره، أو أنها لأبيه أو لجده وأثبت المواريث، فإن كان هذا المدعي حاضرًا يراه يبني ويهدم ويكري فلا حجة له، وذلك يقطع دعواه، وإن كان غائبًا ثم قدم فادعاها فقد تقدم الجواب في ذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك من حاز على حاضر عروضًا أو حيوانًا أو رقيقًا فذلك كالحيازة في الرباع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن، والدواب تركب وتكرى، والأمة توطأ، ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع عشر سنين ولا غير ذلك.
وقال ربيعة: حوز عشر سنين يقطع دعوى الحاضر، إلا أن يقيم بينة أنه إنما أكرى أو أسكن أو أعار ونحوه، ولا حيازة على غائب.
[ ٣ / ٦٠٩ ]
وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي ÷ قال: "من حاز شيئًا عشر سنين فهو له". (١)
قيل لابن القاسم: أرأيت لو أن دارًا في يدي ورثْتُها عن أبي ثم أقام ابن عمي بينة أنها دار جده، وطلب مورثه؟ قال: هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك.
٣٣١١ - ومن قامت له بينة أنه ابن فلان الميت، لم يستحق ميراثه حتى يقولوا: لا نعلم له وارثًا غيره، وكذلك إن شهدوا مع ذلك بأن هذه الدار لأبيه أو جده، فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت من ملكه إلى أن مات وتركها ميراثًا لهذا، وإنا لا نعلم به وارثًا غيره، فإن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة له آخرين، لم يعط هذا منها إلا مقدار حظه، ويترك القاضي باقيها في يد المدعى عليه حتى يأتي من يستحقها.
_________________
(١) رواه أبو داود في المراسيل (٣٩٤)، وانظر: التاج والإكليل (٦/٢١٠)، والفواكه الدواني (٢/٢٤٥)، والشرح الكبير (٤/٢٣٤)، ومواهب الجليل (٦/٢٢١، ٢٢٣، ٢٢٥)، والمدونة الكبرى (١٣/١٩٢) .
[ ٣ / ٦١٠ ]
قال سحنون: وقد كان يقول غير هذا، وروي عن مالك أنه قال: تنزع من يد المطلوب، وتوقف.
قال ابن القاسم: وإن قالت البينة: لا نعرف كم الورثة، لم يقض لهذا بشيء من الدار ولا ينظر إلى تسمية المدعي للورثة، وتبقى الدار للذي هي في يده حتى يثبت عدد الورثة [ببينة] .
٣٣١٢ - قال مالك: ومن ادعى أرضًا وتبين لدعواه وجه، والذي هي في يديه يحفر فيها عينًا فإنه يمنع ويوقف، وليس له أن يقول: دعوني أعمل، فإن ثبتت له هدَمْت ذلك.
وقال غيره: ومن أقام بينة غير قاطعة في أرض فليس للذي هي في يديه أن يبيع،
[ ٣ / ٦١١ ]
لأن البيع حينئذ غرر.
[قال ابن القاسم: له أن يبيع ويصنع ما شاء وليس بيعه بالذي يبطل حق المدعي] .
٣٣١٣ - ومن ادعى عينًا قائمة من رقيق أو حيوان أو طعام أو عروض أو ناض أو غير ذلك بيد رجل، وأتى ببينة على ملكه لذلك، فمن تمام شهادتهم أن يقولوا: وما علمناه باع ولا وهب ولا خرج من ملكه، ثم لا يقضى له به حتى يحلف على البت أنه ما باع، ولا وهب ولا خرج من ملكه بوجه من الوجوه، فإن قال: أعرتها أو استودعتها، لم يكن ذلك خروجًا من ملكه.
قال مالك: وليس عليه أن يأتي ببينة يشهدون على البت أنه ما باع ولا وهب ولو شهدت البينة بذلك كانت زورًا، وإن أقام بما ذكرنا شاهدًا واحدًا حلف [معه] وقضي له.
[ ٣ / ٦١٢ ]
٣٣١٤ - ومن أقام شاهدين على حق له، فليس عليه أن يحلف مع شاهديه، إلا أن يدعي المديان أنه قد قضاه فيما بينه وبينه فإنه يُحلفه، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ.
٣٣١٥ - ومن قُضى له بمورّث أو غيره لم يؤخذ منه كفيل، وذلك جزر ممن فعله.
٣٣١٦ - ومن اشترى منك ثوبًا ونقدك الثمن فقبضته وجحدت الاقتضاء وطلبت يمينه فأراد هو أن يحلف أنه لا حق لك قبله، فليس له ذلك. قال مالك - ﵀ -: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا، لأن هذا يريد أن يورّك. قال ابن القاسم: يريد بقوله: "يورك": الإلغاز.
[ ٣ / ٦١٣ ]
٣٣١٧ - وإن ادعى أحد المتفاوضين على رجل دينًا من شركتهما فجحده، فليس للمطلوب أن يقول لهذا المفاوض: لا أحلف إلا على حصتك وليحلف على حصته وحصة صاحبه، لأن فعل أحدهما كفعلهما، فإن حلف لهذا ثم أتى صاحبه لم يكن له أن يحلفه، لأنه قد حلف لشريكه.
وكذلك لو وكّلت رجلًا يقبض مالك على فلان فجحده، فحلّفه الوكيل ثم لقيته أنت لم يكن لك أن تحلفه.
٣٣١٨ - ويحلف المدعى عليه، أو من حلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد على هذا، وكل شيء له بال فإنما يحلف عليه في جامع بلده في أعظم مواضعه وليس عليه أن يستقبل القبلة، ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر النبي ÷ في ربع دينار فأكثر. (١)
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٣/١٩٨) .
[ ٣ / ٦١٤ ]
٣٣١٩ - وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهارًا فلتخرج ليلًا، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج، ويبعث إليها القاضي من يحلفها لصاحب الحق ويجزيه رجل واحد. وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج. والعبد ومن فيه بقية رق فهو كالحر في اليمين. ولا يحلف الصبيان إذا ادعي عليهم، ولا مع شاهد يقوم لهم حتى يبلغوا.
٣٣٢٠ - وإذا قامت بينة لميت بدين فادعى المطلوب أنه قضى الميت حقه لم ينفعه ذلك، وله اليمين على من يظن به أنه علم ذلك من بالغي ورثته على العلم، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير، ومن نكل ممن لزمته اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط.
٣٣٢١ - ولا يحلف اليهودي والنصراني في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليهم الذي أنزل التوراة والإنجيل، ويحلفون في كنائسهم وحيث يعظمون، ويحلف المجوسي في بيت نارهم وحيث يعظمون.
[ ٣ / ٦١٥ ]
٣٣٢٢ - ولا يقضي القاضي بشهادة الشهود حتى يكشف عنهم، وهذا مستوعب في كتاب الأقضية.
ومما يجرح به الشاهد أن تشهد عليه بينة أنه [شاهد زور]، أو شارب خمر [أو آكل خنزير] أو آكل ربا، أو صاحب قيان، أو كذاب في غير شيء واحد ونحو هذا. ولا يجرحه إلا اثنان عدلان.
٣٣٢٣ - قال ربيعة: ترد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه، والظنين وهو المغموص عليه في خلائقه وشكله، ومخالفته حال العدل، وإن لم يظهر منه قبيح عمل، وترد شهادة العدو الذي لا يؤمن ما شهد عليه.
قال مالك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه بقدر رأيه وطاف به في المجالس. قال ابن القاسم: يريد [بقوله] في المجالس: المسجد الجامع، ولا تقبل له شهادة أبدًا وإن تاب وحسنت حاله.
[ ٣ / ٦١٦ ]
٣٣٢٤ - وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عامله بالشام إذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه أربعين جلدة وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويطال حبسه ويحلق رأسه ولحيته. (١)
* * *
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٣/٢٠٣)، والتاج والإكليل (٦/٢٧٠)، ومنح الجليل (٨/٣٠٣)، والأثر رواه البيهقي في الكبرى (١٠/١٤٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٨٧١٣)، وكذا عبد الرزاق (١٥٣٩٢) .
[ ٣ / ٦١٧ ]