٣٦٨٥ - قال مالك: ومن باع من رجل مورثه من هذه الدار، فإن عرفا مبلغه جاز وإن لم يسمياه، وإن جهله أحدهما أو كلاهما، لم يجز. وإن تصدق بذلك أو وهبه، جاز وإن لم يسمه.
٣٦٨٦ - وإن ورث رجلان دارين، فباع كل واحد منهما من صاحبه نصيبه في إحداهما بنصيب الآخر في الأخرى، فإن عرف كل واحد نصيبه ما هو من نصيب صاحبه، جاز وإن لم يسمياه.
وكذلك إن رضيا بأن يأخذ أحدهما بمورثه نصف إحدى الدارين وثلث الأخرى، ويسلم بقيتهما لصاحبه، فإن جهل أحدهما مبلغ
_________________
(١) انظر: التقييد للزرويلي (٦/٨٧) .
[ ٤ / ١٧٥ ]
حقه منهما، لم يجز، كما لا يجوز صلح الزوجة على مورث لها في دار لا تعلم مبلغه.
٣٦٨٧ - ولو أن دارًا بين ثلاثة رجال رضوا بأن يأخذ أحدهم بيتًا من الدار على أن يكون للآخرين بقية الدار، جاز ذلك، وإنما لا يجمع بين رجلين في القسم بالسهم، ومن اشترى من رجل ممرًا في داره من غير أن يشتري من رقبة البنيان شيئًا، [جاز ذلك] .
٣٦٨٨ - وإن اقتسم رجلان دارًا بينهما، فأخذ هذا طائفة وهذا طائفة، على أن الطريق لأحدهما وللآخر فيه الممر، أو اقتسماها على أن يأخذ أحدهما الغرف والآخر السّفل، أو على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة من الدار، فذلك كله جائز ولهما لازم، ولا رجوع لأحدهما وإن لم تنصَّب الحدود، لأن هذا بيع من البيوع.
[ ٤ / ١٧٦ ]
وإذا كان بين قوم دور أو قرى، أو حوائط، أو أقرحة - وهي الفدادين - فشاء بعضهم جمع كل صنف من ذلك في القسم ليجتمع له حظه في موضع، وقال آخرون: بل نقسم كل دار أو حائط أو قريح على حدة، فإن كانت الدور في النفاق والرغبة في مواضعها والتشاح فيها سواء وكان بعضها قريبًا من بعض، جمعت في القسم، وإن اختلفت مواضعها قسمت كل دار على حدتها، إلا أن تتفق [داران منها أو ثلاث في الصفة والنفاق لا في مواضعها، فتجمع المتفقة] في القسم، ويقسم باقيها كل دار على حدة.
وكذلك الداران في المصر، فواحدة بناحية منه وأخرى بناحية [أخرى]، فإن تساوى الموضعان في الرغبة والتشاح، جمعا في القسم، وإن اختلفا أو كان بين الدارين مسيرة يوم أو يومين وتساوى الموضعان في الرغبة [والتشاح] والنفاق، لم يجمعا في القسم.
٣٦٨٩ - وإذا تشاح الورثة في دار من دور الميت كانوا يسكنونها، فأراد كل وارث أخذ حظه منها، وترك الميت [دورًا] غيرها [بالبلد، ودوره في المواضع]
[ ٤ / ١٧٧ ]
والتشاح فيها سواء، وهذه [الدار] في موضع غير موضع بقية دوره، [فلتقسم هذه الدار بينهم وحدها، فيأخذ كل واحد منهم نصيبه فيها، ثم يجمع في القسم بقية دوره] المتفقة في النفاق والتشاح على مواضعها، وبعضها قريب من بعض.
٣٦٩٠ - قال: وأما القرى والأرضون فما تقارب [منها] في أماكنه وتساوى في كرمه من قرى كثيرة، أو حوائط، أو أقرحة، جمع في القسم. والمِيْل وشبهه بين ذلك، قريب.
٣٦٩١ - وإن تباعد ما بين كل قرية، أو حائط، أو قريح، فكان بينهم مثل اليوم واليومين، لم يجمع في القسم، وإن اتفقت في الكرم والنفاق، وتقسم كل قرية [أو حائط] أو قريح على حدة، وإن تقاربت الأماكن واختلف النفاق، لم تجمع.
[ ٤ / ١٧٨ ]
وإن كانت قرية ذات دور، وأرض بيضاء وشجر، فليقتسموا الدور والأرض على ما وصفنا، وأما الأشجار فإن كانت مختلفة، مثل: تفاح ورمان وأُترج وغيرها، وكلها في جنان واحد، فإنه يقسم كله مجتمعًا بالقيمة، كالحائط يكون في البرني، والصيحاني، والجعرور، وأصناف التمر، فإنه يقسم على القيمة ويجمع لكل واحد حظه من الحائط في موضع.
وإن كان كل صنف من تفاح ورمان وغيره في جنان على حدة، قسم بينهم كل جنان على حدة، بالقيمة إن انقسم.
٣٦٩٢ - وإذا ورث قوم أراضي وعيونًا كثيرة، فأراد أحدهم قسمة [كل عين وأرض]، وأراد غيره اجتمع حصته من ذلك، فإن استوت الأرض في الكرم وتقاربت أماكنها، واستوت العيون في سقيها الأرض، جُمعت في القسم، وإن اختلفت الأرض في الكرم، والعيون في الغور، قسمت كل أرض وعيونها على حدة.
وإن ورثوا أرضًا فيها شجر متفرقة، فليقتسموا الأرض والشجر جميعًا. ولو أفردنا قسمة الأصول، وقعت أصول الرجل في أرض غيره.
[ ٤ / ١٧٩ ]
وإن ورثوا قرية على أجزاء مختلفة، ولها ماء ومجرى ماء، ورثوا أرضها وماءها وشجرها وشربها، قسمت الأرض بينهم على قدر مواريثهم منها، ولا يقسم [مجرى] الماء، ويكون لهم من الماء على قدر مواريثهم [منه] .
٣٦٩٣ - وكل شركاء في قلد [من الأقلاد] يبيع أحدهم نصيبه منه، فشركاؤه دِنْية أحق به بالشفعة دون [سائر] شركائهم في الماء، والدنية: هم أهل وراثة يتوارثون [بالشفعة] دون شركائهم، وإن قسموا الأرض خاصة ثم باع أحدهم حظه من الماء، فلا شفعة فيه. وقد تقدم هذا في الشفعة.
[ ٤ / ١٨٠ ]
قيل: [فمن] ادعى في دار بيد غائب أنه وارثها مع الغائب، أو أنها لأبيه لا حق للغائب فيها، وأقام بينة؟ قال: سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضى على الغائب في الدور.
قال ابن القاسم: وهو رأيي إلا في البعيد الغيبة، مثل: الأندلس أو طنجة، وما بَعُد فليقض عليه السلطان. وإن كانت الغيبة [قريبة] مثل ما يسافر الناس إليه ويقدمون مما ليس بالمنقطع بالغيبة]، فليكتب إليه الإمام فليوكل أو يَقْدُم. ولا يقيم الإمام لغائب أو طفل وكيلًا يقوم بحجته. (١)
٣٦٩٤ - وإذا ورث قوم [أرضًا و] شجرًا ونخلًا، وفيها ثمر [وزرع]، فلا يقسموا الثمر مع الأصل، وإن كان الثمر بلحًا أو طلعًا، ولا يقسم الزرع مع الأرض، ولكن تقسم الأرض والأصول، ويترك الثمر والزرع حتى يحل بيعهما، فيقسموا
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٧/٣٧٣) .
[ ٤ / ١٨١ ]
ذلك حينئذ كيلًا، أو يبيعوه ويقتسموا ثمنه على فرائض الله، ولا يقسم الزرع [الذي طاب] فدادين ولا مذارعة ولا قتًا، ولكن كيلًا، ويدخل في قسم الزرع مع الأرض طعام وأرض بطعام وأرض. وإنما يجوز بيع الزرع مع الأرض بعين أو عرض لا بطعام، كان الزرع أقل من ثلث قيمة الأرض أو أكثر.
٣٦٩٥ - وأما ثمر النخل والعنب فإنه إذا طاب وحل بيعه واحتاجوا إلى قسمته، فإن كانت حاجتهم إليه واحدة، مثل أن يريدوا كلهم أكله أو بيعه رطبًا، فلا يقسم بالخرص ولكن كيلًا، وإن اختلفت حاجتهم [إليه]: فأراد بعضهم بيعه، و[أراد] آخر أكله رطبًا، وآخر تَيْبيسه، قُسّم بينهم بالخرص إن وجدوا من يعرف الخرص، وعلى كل واحد سقي نخله وإن كان ثمرها لغيره، إذا كانوا قد اقتسموا الأصل قبل الثمرة، لأن على صاحب الأصل سقيه إذا باع ثمرته، وإن لم يطب ثمر النخل والعنب، فلا يقسم بالخرص، ولكن يجذونه فيقسمونه كيلًا.
[ ٤ / ١٨٢ ]
٣٦٩٦ - قال ابن القاسم: ولا يقسم البقل القائم بالخرص، وليقسم ثمنه، ولا يقسم شيء مما في رؤوس الشجر من الفواكه والثمار بالخرص، وإن اختلفت فيه الحاجة، إلا في النخل والعنب إذا حل بيعهما واختلفت حاجة أهلهما كما ذكرنا، لأن أمر الناس إنما مضى على الخرص فيهما خاصة. وسألت مالكًا عما روي عنه من إجازة ذلك في غيرهما من الفواكه،
[ ٤ / ١٨٣ ]
[فقال: لا أرى ذلك، ثم سألته غير مرة فأبى أن يرخص لي فيه] .
ولا خير في بيع فدان كراث بفداني كراث، أو سريس، أو خس، أو سلق، إلا أن يجذ الجميع قبل التفرق.
وكذلك لا خير في بيع ثمرة قد طابت في رؤوس النخل، بثمرة مخالفة لها يابسة، أو هي في شجرها مزهية، إلا أن يجذا ما في الشجر من ذلك قبل أن يتفرقا.
وإن جذ أحدهما وتفرقا قبل أن يجذ الآخر، لم يجز، وكذلك لو اشترى ما في رؤوس النخل بحنطة، فدفعها وتفرقا قبل الجذاذ، [لم يجز] .
٣٦٩٦ - ومن باع حائط نخل بمثله ولا ثمر فيهما، أو في أحدهما ثمر مزه أو غير مزه ولا شيء في الآخر، فذلك جائز، وإن كان فيهما طلع قد أُبر، أو بلح، أو تمر قد أزهى، أو رطب، فلا خير في أن يشترط كل واحد ثمرة صاحبه مع أصلها، فإن
[ ٤ / ١٨٤ ]
تبايعا الأصلين دون ثمرتهما واشترط أحدهما ثمرة الآخر ولم يشترط الآخر شيئًا، جاز ذلك فيهما [إذا كانت ثمرتاهما مأبورة]، وإن لم تؤبر لم يجز التبادل فيهما بحال، لأن الثمرة إن استثناها بائعها، لم يجز، وإن لم يستثنها وبقيت تبعًا دخله التأخير في بيع الطعامين. وإن أبرت ثمرة أحدهما ولم تؤبر ثمرة الآخر، جاز أن يبيع أحدهما لصاحبه إن بقيت المأبورة خاصة لربها، وإن اشترطها الذي لم تؤبر ثمرته، لم يجز.
وأصل ما كره مالك من هذا أن النخل إذا كان فيها بلح، أو طلع، أو رطب، أو تمر، لم يصلح بيعها بما في رؤوسها بشيء من الطعام، إلا أن يجذ ذلك ويتقابضا قبل التفرق، فيجوز إذا كان الطعام مخالفًا لثمر النخل. ويجوز بيعها مع ثمرها بعين أو عرض.
٣٦٩٧ - ولا بأس بقسمة الزرع قبل أن يبدو صلاحه بالتحري، على أن يجذاه مكانهما إن كان يستطاع أن يعدل بينهما في قسمته تحريًا، وكذلك القضب والتين.
وإن ترك الزرع حتى صار حبًا انتقض القسم، وقسما ذلك كله كيلًا، وإن
[ ٤ / ١٨٥ ]
حصد أحدهما حصته، وترك الآخر [حصته] حتى تحبب الزرع، انتقض القسم، إذ لا يجوز بيع ذلك على أن يترك إلى طيبه، وليرد الذي حصد قيمة ما حصد.
[قال ابن القاسم:] فتكون تلك القيمة مع الزرع القائم بينهما، لأن القسمة ههنا بيع من البيوع.
والبلح الكبير إن اختلفت حاجتهما فيه في أن يأكل هذا بلحًا، ويبيع الآخر بلحًا، جاز قسمه بالخرص، وهو كالبسر في تحريم التفاضل فيه.
ومن عرف ما صار له منه، فهو قبض فيه وإن لم يجذه، وإن جذه بعد يوم أو يومين، أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، جاز ما لم يتركه حتى يُزهي، فإن ترك أحدهما حصته أو تركاه جميعًا حتى أزهى، بطل القسم، إذ لا يجوز بيع ذلك على أن يترك حتى يزهي.
٣٦٩٨ - وأما الذين يقتسمون الرطب بالخرص لاختلاف حاجتهم، فللذي يأكل رطبًا أن يجذ كل يوم حاجته منه، وإن تركاه أو أحدهما حتى أتمر، لم يبطل القسم، وكذلك في بيعه.
ولا بأس بقسمة البسر أو الرطب - بعد أن يجذ - كيلًا، وإن كان يختلف نقصانه إذا يبس، فلا يضره ذلك.
ولا بأس بقسمة البلح الصغير بالتحري، على أن يجذاه مكانهما إذا اجتهدا
[ ٤ / ١٨٦ ]
حتى يخرجا من وجه الخطر، وإن لم تختلف حاجتهما إليه، وإن اقتسماه وفضل أحدهما صاحبه بأمر يعرف فضله، جاز ذلك، كما يجوز [التفاضل] في البلح الصغير، بلح نخلة ببلح نخلتين على أن يجذاه مكانهما، وإنما هو بمنزلة البقل والعلف.
وإن تركاه حتى صار بلحًا كبيرًا، فإن كان اقتسماه على تفاضل انتقض القسم، وإن اقتسماه على تساو وكان إذا كبر تفاضل [في] الكيل انتقض أيضًا، وإلا لم ينتقض إلا أن يزهي قبل أن يجذاه، أو قبل أن يجذ أحدهما، أو يكونا قد جذا إلا أن أحدهما [قد] بقي له شيء في رؤوس النخل حتى أزهى، فإن أكل أحدهما جميع ما صار له، وأكل الآخر نصف حظه وبقي نصفه حتى أزهى، بطل القسم فيما أزهى ورد الآكل قيمة جميع حظه مع نصف قيمة ما جذ [صاحبه]، فيقتسمان ذلك مع ما أزهى.
٣٦٩٩ -[قال ابن القاسم:] ولا يجوز قسم اللبن في الضروع، لأن هذا مخاطرة، وأما إن فضل أحدهما الآخر بأمر بيّن على المعروف، وكانا إن هلك ما بيد هذا من
[ ٤ / ١٨٧ ]
الغنم رجع فيما بيد صاحبه، فذلك جائز، لأن أحدهما ترك للآخر فضلًا بغير معنى القسم. (١)
٣٧٠٠ - قال ابن القاسم: ولا بأس بقسمة الصوف على ظهور الغنم إن جزّاه الآن، أو إلى أيام قريبة يجوز بيعه إليها، ولا يجوز ما بَعُد.
ويقسم العبيد إذا انقسموا وإن أبى ذلك بعضهم.
٣٧٠١ - ويجمع في القسم البز كله، من ديباج، [وحرير،] وخز، وثياب كتان، ويجمع مع ذلك ثياب الصوف والأبرية إذا لم يكن في كل صنف من ذلك ما يحمل القسم في انفراده، وإن كان في كل صنف من ذلك ما يحمل القسم في انفراده، قسم منفردًا.
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/٣٤٣)، والمدونة الكبرى (١٤/٤٧٢) .
[ ٤ / ١٨٨ ]
وقال في باب آخر بعد هذا: فيمن ترك ثياب خز، وحرير، وقطن، وكتان، وجباب، وأكسية، أيقسم كل نوع على حدة، أم يجعل ذلك كله في القسم كنوع واحد؟ قال: أرى أن يجعل ذلك كله في القسم كنوع واحد، فيقسم على القيمة، كما يجمع الرقيق وفيها: صغير، وكبير، ودني، وفاره.
وكذلك تقسم الإبل وفيها أصناف، والبقر وفيها أصناف.
ولو ترك قُمصًا وجبابًا وأردية وسراويلات، جمع ذلك كله في القسم على القيمة، ولا يجمع مع الأمتعة والثياب، بسط أو وسائد.
قال ابن القاسم: ولا يجمع في القسم بالسهاد الخيل، والبغال، والحمير، والبراذين، ولكن يقسم كل صنف على حدة، فالخيل والبراذين صنف، والحمير صنف، والبغال صنف، والجذع يكون بين الرجلين، والثوب الواحد والثوب الملفق قطعتين من العدني وغيره، والباب، والمصراعان، والخفان، والنعلان، والرحا، لا يقسم شيء من ذلك إلا بالتراضي، والساعدان، والساقان، والفص،
[ ٤ / ١٨٩ ]
والياقوتة، واللؤلؤة، والخاتم، هذا كله لا يقسم، فإن اجتمع من كل صنف من ذلك عدد يحمله القسم، قسم كل صنف على حدة، ولا يجمع من ذلك صنفان في القسم، والغرارتان إن لم تكن في قسمتهما فساد، قسمتا، وإلا لم تقسما.
والحبل والخرج إذا أبى أحدهما قسمته لم يقسم.
والمحمل إذا كان في قسمته ضرر ونقص ثمن، لم يقسم، إلا أن يجتمعا على ذلك. وتقسم الجبنة وإن أبى أحدهم كالطعام.
٣٧٠٢ - ومن هلك وترك عروضًا حاضرة وديونًا على رجال شتى، فاقتسم الورثة، فأخذ أحدهم العروض، وأخذ آخر الديون على أن يتبع الغرماء، فإن كان الغرماء حضورًا [مقرين] وجمع بينه وبينهم، جاز، وإن كانوا غُيّبًا، لم يجز، إذ لا يجوز شراء دين على غريم غائب.
وإن ترك ديونًا على رجال، لم يجز للورثة أن يقتسموا الرجال فتصير ذمة بذمة، وليقتسموا ما على كل واحد.
[ ٤ / ١٩٠ ]
٣٧٠٣ - وإذا ادعى أحد الشركاء بعد القسم غلطًا، مضى القسم ويحلف المنكر، إلا أن تقوم للمدعي بينة، أو يتفاحش الغلط فينقض، كمن باع ثوبًا مرابحة ثم ادعى وهمًا، فلا يقبل منه إلا ببينة، أو يأتي من رقم الثوب ما يدل على الغلط فيصدق مع يمينه، وكذلك في القسم، ولو قسما عشرة أثواب فأخذ هذا ستة وهذا أربعة، ثم ادعى صاحب الأربعة ثوبًا من الستة في قسمه، لم ينتقض القسم إذا شبه قسم الناس، وحلف حائز الستة، وكذلك إن أقاما جميعًا البينة فتكافأت، وكذلك الغنم.
وليس هذا كمن باع عشرة أثواب من رجل فقبضها المبتاع ثم قال البائع: لم أبع إلا تسعة وغلطت بالعاشر، وقال المبتاع: بل اشتريت العشرة، هذا إذا كانت الثياب قائمة انتقض البيع فيها بعد أيمانها بخلاف القسم.
٣٧٠٤ - ولو اقتسما دارًا فتداعيا بيتًا منها، وليس ذلك البيت بيد أحدهما، تحالفا وتفاسخا، ومن حاز البيت وأقام بينة، صدق.
ومن لزمته منهما لصاحبه يمين فنكل، لم يقض لصاحبه حتى يرد اليمين عليه.
ولو قال كل واحد [منهما]: حد الساحة من ههنا، ودفع إلى جانب
[ ٤ / ١٩١ ]
صاحبه، فإن كانا اقتسما البيوت على حدة [والساحة على حدة]، تحالفا إن لم تكن بينهما بينة، وفسخ قسم الساحة وحدها. ولو جمعاهما في القسم تراضيًا بذلك، فسخ الجميع إذا حلفا.
وإن قسما أرضًا على أن لا طريق لأحدهما على الآخر، وهو لا يجد طريقًا إلا عليه، لم يجز بالقسم]، وليس هذا من قسم المسلمين.
٣٧٠٥ - وإذا انقلعت نخلة لك في أرض رجل من الربح، أو قلعتها أنت، فلك أن تغرس مكانها نخلة أو شجرة من سائر الشجر، تعلم أنها لا تكون أكثر انتشارًا ولا أكثر ضررًا في الأرض من النخلة [الأولى]، ولا تغرس مكانها نخلتين، وإن كانت لك في أرض رجل نخلة، فليس له منعك من الدخول إليها، لإصلاحها ولجذاذها، أنت ومن يلي ذلك لك، وإن كانت أرضه مزروعة، فلك السلوك فيها من غير ضرر له مع من يجذها لك. (١)
وليس لك أن تجمع لذلك نفرًا يطؤون زرعه، ولو كان لك في وسط أرضه المزروعة أرض لك فيها رعي، لم يكن لك السلوك بماشيتك فيها إليه لترعاها، ولك الدخول لاحتشاشه.
وإذا كان لك نهر ممرُّه في أرض قوم، فليس لك منعهم أن يغرسوا في حافتيه
_________________
(١) انظر: التقييد للزرويلي (٦/١٠١) .
[ ٤ / ١٩٢ ]
شجرًا، فإذا كنست نهرك حملت على سنّة البلد في طرح الكناسة، فإن كان الطرح بضفتيه، لم تطرح ذلك على شجرهم إن أصبت دونها من ضفتيه متسعًا، فإن لم يكن فبين الشجر، فإن ضاق عن ذلك طرحت فوق شجرهم إذا كان سنة بلدهم طرح طين النهر على حافتيه.
٣٧٠٦ - ومن هلك وعليه دين وترك دارًا بيع منها بقدر الدين، ثم قسَّم الورثة باقيها، إلا أن يخرج الورثة الدين من أموالهم، فتبقى لهم الدار فيقتسمونها، وإن هلك وعليه دين وترك دورًا ورقيقًا، وصاحب الدين غائب، فجهل الورثة أن الدين قبل القسمة، أو لم يعلموا بالدين، فاقتسموا ميراثه، ثم علموا بالدين، فالقسمة ترد حتى يُوفى الدين إن كان ما اقتسموا قائمًا، فإن أتلف بعضهم حظه وبقي حظ بعضهم بيده، فلرب الدين أخذ دينه مما بيده، فإن كان دينه أقل مما بيده، أخذ قدر دينه وضم ما [بقي] بيد هذا الوارث بعد الدين إلى ما أتلف بقية الورثة، فكان هو التركة، فما بقي بيد الغارم كان له، ويتبع جميع الورثة بتمام مورثه من مال الميت بعد الدين إن بقي له شيء.
ويضمن كل وارث ما أكل أو استهلك مما أخذ، وما باع فعليه ثمنه لا قيمته إن لم يجاب.
[ ٤ / ١٩٣ ]
قال مالك: وما مات بأيديهم من حيوان أو هلك بأمر من الله ﷿ من عرض أو غيره، فلا ضمان على من هلك ذلك بيده، وضمانه من جميعهم. [قال] ابن القاسم: لأن القسمة كانت بينهم باطلة، للدين الذي على الميت.
وإذا جُني على الرقيق بعد القسم قبل لحوق الدين، فإن جميعهم يتبع الجاني لانتقاض القسم بلحوق الدين.
وإذا قسم القاضي بينهم، لم يأخذ منهم كفيلًا بما لحق من دين.
فإن قسم القاضي بينهم ثم طرأ دين، انتقضت القسمة، كقسمتهم بغير أمر القاضي وهم رجال.
وإذا أقر أحد الورثة بعد القسمة بدين على الميت، فإن كان عدلًا حلف الطالب معه واستحق، فإن قال الورثة: إنما أقر لينقض القسم، قيل لهم: فادفعوا أنتم وهو الدين، ويتم القسم، وإلا أبطلنا القسم وأعطينا هذا دينه وقسمنا بينكم ما بقي. فإن أخرجوا مَنابَتَهم من الدين وأبى المقر إلا نقض القسم قيل له: إما أخرجت منابتك من الدين، وإلا بعنا عليك فيه ما صار لك بالقسم.
[ ٤ / ١٩٤ ]
ولو أقر قبل القسم وحلف معه الطالب، لم يجز لهم أن يقتسموا حتى يأخذ رب الدين دينه.
وإذا طرأ [على الورثة] وارث أو موصى له بالثلث بعد القسم، والتركة عين أو عرض، فإنما يتبع كل وارث بقدر ما صار إليه من حقه إن قدر على قسم ما بيده من ذلك.
ولا [يكون لهذا الوارث الذي طرأ على ورثة الميت أن] يتبع المليئ منهم بما على المعدم، وليس كغريم طرأ على ورثة، ولكن كغريم طرأ على غرماء وقد قسموا مال الميت أجمع وأَعْدَم بعضهم، فلا يتبع المليئ إلا بما عنده من حصته في الحصاص. وهذا مذكور في كتاب المديان.
وإن كانت التركة دورًا ليس فيها عين، فاقتسمها الورثة، ثم قدم وارث أو موصى له بالثلث، نقض القسم، كانوا قد جمعوا الدور في القسم أو قسموا كل دار على حدة.
ولو قدم موصى له بدنانير أو دراهم يحملها الثلث، كان كلحوق الدين، إما أدّوه أو نقض القسم، ولا يجبرون على أدائه من أموالهم، ومال الميت قائم، وما هلك بأيديهم مما أخذوه من مال الميت بغير سببهم، لم يضمنوه.
[ ٤ / ١٩٥ ]
ولو طاع أكثرهم بأداء الوصية أو الدين، وأبى أحدهم، وقال: انقضوا القسم وبيعوا لذلك واقسموا ما بقي، فذلك له، وهذا إذا كان ما في يد الذي أبى قد تغير بانهدام مساكن، أو بحوالة سوق الحيوان، أو بنقص دخلها في أبدانها.
فأما إذا مات ما أخذ من [الحيوان و] الرقيق، أو صارت المساكن خربًا، أو نحو هذا من التلف، فلا يرجع عليه بشيء من قبل الدين.
ولا يرجع هو على من قاسمه بشيء، ويقال للذين بقوا: إما أديتم جميع الدين وتبقى قسمتكم بحالها، وإلا نقض القسم بينكم وأديتم الدين مما [بقي] في أيديكم خاصة.
ولو دعوا إلى نقض القسم إلا واحدًا قال: أنا أؤدي جميع الدين، والوصية عينًا كانت أو طعامًا، ولا أتبعكم بشيء ولا تنقضوا القسم، لرغبته في حظه، وقد قسموا ربعًا أو حيوانًا، فذلك له.
٣٧٠٧ - وإذا ورث قوم نصف دار والشريك غائب، فأحبوا القسم، فالقاضي يلي ذلك على الغائب ويعزل حظه، وكذلك هذا في الرقيق وجميع الأشياء.
[ ٤ / ١٩٦ ]
وإنما يتوقف في الحكم على الغائب ويستأنى إذا ادعي في ربعه، وكذلك إن كان الشريك حاضرًا وغاب بعض الورثة فقام الحاضرون، أو قام موصى له بالثلث والورثة غياب، فطلب القائم القسم، فالقاضي يلي ذلك ويوكل من يقسم بينهم، ويعزل نصيب الغائب، فإن رفعوا ذلك إلى صاحب الشرطة، فسمع منهم وقسم بينهم، لم يجز ذلك إلا بأمر القاضي.
٣٧٠٨ - ولا تقسم أصناف مختلفة بالسهم، مثل أن يجعلوا [[البقر حظًا]، والعروض، حظًا و] الدور حظًا، والرقيق حظًا، ويستهموا، وإن اتفق قيم ذلك، لأنه خطر، وإنما تقسم هذه الأشياء كل نوع على حدة، [والبقر على] [حدة،] والغنم على حدة، والعروض على حدة، إلا أن يتراضوا على شيء بغير سهم، [فيجوز] .
وكذلك لا يجوز أن يجعلوا دنانير ناحية، وما قيمته مثلها ناحية من ربع أو عرض أو حيوان، ويقترعون. وأما بالتراضي بغير قرعة، فجائز. (١)
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/٣٣٧) .
[ ٤ / ١٩٧ ]
وأما داران في موضع [واحد] وإن تفاضلتا في البناء، كواحدة جديدة وأخرى قديمة، أو دار بعضها رثيث وباقيها جديد، فذلك يجمع في القسم، لأنه صنف واحد، منه جيد ودون بالقيم، كقسمة الرقيق على تباينها.
وكل صنف لا بد من ذلك فيه، فإن كان كل صنف من ذلك لا يحمله القسم، بيع عليهم الجميع، إلا أن يتراضوا على شيء بغير سهم، فيجوز.
٣٧٠٩ - ومن هلك وترك متاعًا وحليًا، قسم المتاع بين الورثة بالقيمة، والحلي بالوزن، فإن قال أحدهم: أعطوني حظكم من الحلي بوزنه ذهبًا يدًا بيد، فرضوا، جاز ذلك.
وإذا كان في الحلي جوهر لا يبين منه، فإن كانت الفضة أو الذهب فيه قدر الثلث فأدنى، أو كانت سيوفًا محلاة كذلك، حلية كل سيف منها الثلث فأدنى، جاز قسم ذلك بالقيمة كالعروض، إذ يجوز بيع السيف فضته الثلث فأقل بفضة نقدًا، أقل مما فيه أو أكثر. [ويجوز أن يباع]
[ ٤ / ١٩٨ ]
بفضة وعرض، أو بسيف فضته أكثر من الثلث أو أدنى، وكذلك القسمة.
فأما إن كان فضة كل سيف أكثر من الثلث، لم يجز قسمتها بالقيمة، وكذلك الحلي، ٣٧١٠ - وإذا قسم القاسم بين قوم فلم يرض أحدهم بما أخرج السهم له أو لغيره، وقال: لم أظن هذا يخرج لي، فقد لزمه، وقسم القاسم ماض، كان في ربع أو حيوان أو غيره.
وكذلك إن قالوا له: غلطت، أو لم تعدل، مضت قسمته ونظر الإمام في ذلك، فإن كان قد عدل في القسمة أمضاه، وإلا رده، ولم ير مالك قسمة القاسم بمنزلة حكم القاضي.
ولا يجوز لأجنبي أن يشتري [من] أحدهم ما يخرج له بالسهم من الثياب، إذ لا شركة له فيها، وإنما جاز ما أخرج السهم في تمييز حظ الشريك خاصة، لأن القسمة عند مالك بالقرعة ليست من البيوع.
[ ٤ / ١٩٩ ]
والقسمة تفارق البيوع في بعض الحالات، وإذا دعا أحد الشريكين إلى قسمة ثوب بينهما، لم يقسم، وقيل لهما: تقاوياه فيما بينكما أو بيعا، فإذا استقرا على ثمن فلمن أبى البيع أخذه، وإلا بيع.
٣٧١١ - وإذا ورثا نخلًا وكرمًا، لم يعرفاه ولم يرياه، أو عرف ذلك أحدهما، فرضيا أن يأخذ أحدهما الكرم والآخر النخل، لم يجز ذلك إلا أن يكونا رأيا [ذلك]، أو وصف لهما.
ولا بأس أن يقتسما دارًا غائبة على ما وصف لهما من بيوتها وساحتها، ويميزا حصتيهما منها بالصفة، كبيعها على الصفة، ولو قسما على أن لأحدهما الخيار أيامًا يجوز مثلها في البيع في ذلك الشيء، فجائز، وليس لمن لا خيار له منهما رد، وذلك لمشترطه.
وإذا بنى من له الخيار، أو هدم، أو ساوم للبيع، فذلك رضى كالبيوع.
٣٧١٢ - ويجوز أن يقاسم على الصغير أبوه، أو وصيه، الدور والعقار وغيره، ملك
[ ٤ / ٢٠٠ ]
ذلك بمورث عن أمه أو بغير ذلك، ولا يقسم الوصي بين الأصاغر حتى يرفع [ذلك] إلى الإمام ويراه نظرًا.
وإن كان معهم [إخوة] أكابر، أحببت له أن يرفع [أمرهم] إلى الإمام، فإن قاسم الكبار [وصي] للصغار دون الإمام، جاز إذا اجتهد، حضر الأصاغر أو غابوا، وما صار لكل صغير منهم بقسم وصي أو قاض مع أكابر، بقي بحاله لا تخلط أنصباؤهم بعد ذلك، ولو غاب أحد الأكابر، لم تجز قسمة الوصي عليه، ولا يقسم لغائب إلا الإمام، ويوكل بذلك ويجعل ما صار له بيد أمين. وليس لوصي الأصاغر أن يقول: ابقوا حظ الغائب بيدي. وقال في الجالفة: لتقاسمنّ أخوتها أحب إليّ أن يرفعوا ذلك إلى القاضي، فيأمر من يقسم بينهم خوفًا من الدلسة فتحنث.
وإذا قاسم على الصغير أبوه فحابى، لم تجز محاباته في ذلك، ولا هبته، ولا صدقته بمال ابنه الصغير، ويرد ذلك إن وجده بعينه.
[ ٤ / ٢٠١ ]
قال: وترد الصدقة وإن كان الأب موسرًا، فإن فات لك عند المعطى وتلف ضمنه الأب إن كان موسرًا، يوم يختصمون دون المعطى، فإذا غرم الأب في ملائه، لم يكن للأب ولا للابن على الأجنبي شيء، وإن كان الأب عديمًا رجع الولد على المعطى، فإن كان الأب والمعطى عديمين اتبع الولد أولهما يسرًا بالقيمة، ومن أدى منهما لم يرجع على صاحبه بشيء.
ولو أيسر الأب أولهما، لم يكن للابن تركه واتباع الأجنبي، كما ليس له ذلك في ملائهما.
وإن أعتق الأب غلام ابنه الصغير، جاز ذلك إن كان الأب موسرًا يوم أعتق، وعليه الثمن في ملائه. وإن كان معسرًا يوم أعتق لم يجز عتقه ورُدّ، قال مالك: إلا أن يتطاول زمان ذلك، وينكح الحرائر وتجوز شهادته فلا يرد عتقه ويتبع الأب بقيمته. وفي كتاب الشفعة ذكر بيع الوصي عقار اليتامى. (١)
٣٧١٣ - وإذا أسند مسلم وصيته إلى ذمي أو مسخوط، لم يجز ذلك ولا يكون وصيًا.
وإذا هلكت امرأة وتركت ولدًا صغيرًا يتيمًا لا وصي له، فأوصت بالصبي وبمالها إلى رجل، لم يجز ذلك ولا يكون وصيًا، ولا تجوز مقاسمته عليه، إلا أن المال
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٤/٤٩٤)، ومواهب الجليل (٥/٧٤) .
[ ٤ / ٢٠٢ ]
الذي ورث الولد من أمه لا ينزع من الوصي إن كان يسيرًا نحو ستين دينارًا، استحسنه مالك وليس بقياس.
وإن أوصت إليه بتنفيذ ثلثها، جاز [وله] تنفيذه، ولا يكون وصي العم، أو الجد، أو الأخ وصيًا في يسير مال ولا كثيره، والأم بخلافهم إذ لها اعتصار ما وهبت لولدها.
وهذا المال الذي أوصوا به، ينظر فيه السلطان ويحوزه على الصغير والغائب.
٣٧١٤ - ولا تجوز قسمة الأب على ابنه الكبير وإن غاب، ولا الأم على ابنها الصغير إلا أن تكون وصية، ولا الكافر على ابنته المسلمة البكر، كما لا [يجوز له] تزويجها. ويجوز قسم ملتقط اللقيط عليه. (١)
ومن كنف أخًا له صغيرًا، أو ابن أخ له احتسابًا، فأوصى له أحد بمال فقام عليه، لم يجز بيعه له ولا قسمه.
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٤/٤٩٣) .
[ ٤ / ٢٠٣ ]
وكذلك لو وثب على تركة أخيه وولده بغير إيصائه، فهو كالأجنبي، ولا يجوز قسم الزوج لزوجته البكر ولا قبض مالها، والأب أو وصيها أولى بذلك وإن دخلت حتى يؤنس رشدها بعد الدخول، فيدفع إليها مالها حينئذ.
وليس للزوج قضاء في مالها قبل البناء ولا بعده، وإن مات الأب ولم يوص، لم يجز للزوج أن يقسم لها إلا بأمر قاض.
٣٧١٥ -[قال ابن القاسم:] وإذا اقتسم شريكان دورًا، أو أرضين، أو رقيقًا، أو عروضًا، فوجد أحدهما ببعض ما أخذ عيبًا، فإن كان وجه ما نابه أو أكثره ردّ الجميع وابتديا بالقسم إلا أن يفوت بيد صاحبه ببيع، أو هبة، أو حبس، أو صدقة، أو هدم، أو بناء، فيرد قيمته يوم قبضه، فيقتسمان تلك القيمة مع الحاضر المردود، وليس حوالة الأسواق في الدور فوتًا، وإن كان المعيب الأقل، رده ولم يرجع فيما بيد شريكه وإن لم يفت، إذ لم ينقض القسم، ولكن ينظر فإن كان المعيب قدر سُبع ما بيده، رجع على صاحبه بقيمة نصف سبع ما أخذ ثمنًا، ثم يقتسمان هذا المعيب.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وكذلك إن اقتسما دارًا واحدة ثم وجد أحدهما عيبًا يسيرًا أو كثيرًا، أو اقتسما على التراضي، فأخذ أحدهما نخلًا ودورًا ورقيقًا وحيوانًا، وأخذ الآخر بزًا وعطرًا وجوهرًا، فأصاب أحدهما بصنف مما أخذ عيبًا فعلى ما ذكرنا، ولو بنى أحدهما في حصته من الدار وهدم بعد القسمة، ثم وجد عيبًا، فذلك فوت، ويرجع بنصف قيمة العيب ثمنًا على ما فسرنا.
٣٧١٦ - ومن ابتاع دارًا عظمى أو نخلًا فاستحق بعضها، أو وجد بها عيبًا، فأما اليسير كبيت من دار عظمى، أو نخلات يسيرة من كثيرة، فإن ذلك يرجع بحصته من الثمن، ويلزمه البيع فيما بقي، وإن كان كثيرًا رد البيع. وكذلك القسمة.
٣٧١٧ - وإذا اقتسم رجلان حنطة، فأصاب أحدهما بما أخذ عيبًا بعد أن طحنها، رد قيمتها، ويرد الآخر الطعام أو مكيلته إن فات، ثم يقتسمان ذلك، وليس له أن يرجع بنصف قيمة العيب في حنطة صاحبه فيدخله التفاضل في الطعام، ولا عليه أن يأتي بحنطة معيبة مثلها، إذ لا يحاط بمعرفته.
وكذلك من ابتاع عرضًا أو حيوانًا أو غيره، فوجد به عيبًا بعد أن فات عنده، فليس عليه ولا له أن يأتي بسلعة معيبة مثلها، إذ لا يحاط بذلك ولا بمعرفته،
[ ٤ / ٢٠٥ ]
ولو كان يحاط بمعرفته، كان له أن يخرج مثلها فيما يكال أو يوزن.
٣٧١٨ - وإذا تبادلا قمحًا عفنًا بعفن مثله، فإن اشتبها في العفن فلا بأس بذلك وإن تباعدا لم يجز، وإن كانا مغشوشين، أو كان أحدهما أو كلاهما كثير التبن أو التراب حتى يصير خطرًا، لم يجز أن يتبادلا إلا في الغلث الخفيف، أو يكونا نقيين.
وكذلك سمراء مغلوثة بشعير مغلوث، لا يجوز إلا أن يكون ذلك شيئًا خفيفًا.
وليس حشف التمر بمنزلة غلث الطعام، لأن الحشف من التمر، والغلث في الطعام من غير الطعام.
ولو كان الطعام المغلوث صبرة واحدة، جاز أن يقتسماها، وإن كانا صبرتين مختلفتين، لم يجز ذلك، للغرر في موضع غلث هذه من غلث هذه.
والذي أجيز من القمح بالقمح أو بالشعير، أن يكونا نقيين ويكونا مشتبهين، ولا يكون أحدهما مغلوثًا والآخر نقيًا.
قال مالك: ويغربل القمح للبيع، وهو الحق الذي لا شك فيه.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
ومن اشترى عبدًا فباع نصفه، ثم استحق [رجل ربع] جميع العبد، فقد جرى الاستحقاق فيما بيع وفيما بقي.
ومن قول مالك فيمن ابتاع عبدًا كاملًا، فاستحق أيسره، أن له رده كله لضرر الشركة، أو يحبس ما بقي من العبد بحصته من الثمن.
[قال ابن القاسم:] فالمستحق في مسألتك يأخذ الربع من جميع ما باع المبتاع ومما أبقى، ثم للمبتاع الثاني أن يرجع من ثمنه على بائعه بقدر ما استحق من العبد من حصته، أو يرد بقية صفقته إن شاء، ويخير المشتري الأول أيضًا كما وصفنا.
ولو اطلع المبتاع على عيب به بعد أن باع نصفه، فرضي به المبتاع الثاني، فأراد المشتري الأول رده، فالخيار ههنا للبائع في أن يغرم له نصف قيمة العيب، أو يقبل نصف العبد بنصف الثمن.
٣٧١٩ - وإن اقتسما عبدين فأخذ هذا عبدًا وهذا عبدًا، فاستُحق نصف أحدهما، فللذي استُحق ذلك من يديه أن يرجع على صاحبه بربع العبد الذي في يديه إن كان قائمًا، وإن فات ببيع أو حوالة سوق فأعلى، رجع على صاحبه بربع قيمته يوم قبضه، ولا خيار له في [غير] هذا.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وأما إن ابتاع عبدًا، فله رده باستحقاق أيسره، لضرر الشركة فيه من منع السفر أو الوطء في الأمة، بخلاف مبتاع عبدين متكافئين يستحق أحدهما، أو مبتاع لدور أو سلع، لا ترد في تلك الصفقة إلا باستحقاق أكثرها. وقد تقدم كثير من هذا المعنى في كتاب الاستحقاق، و[في كتاب] العيوب.
٣٧٢٠ - وإن اقتسما دارًا، فأخذ هذا ربعها من مقدمها، وأخذ الآخر ثلاثة أرباعها من مؤخرها، جاز ذلك، فإن استُحق نصف نصيب أحدهما، رجع على صاحبه بربع قيمة ما بيده، ولا تنقض القسمة في هذا إذا [كان الذي] استحق من يد كل واحد منهما تافهًا يسيرًا، وإن استحق جل ما بيده انتقضت القسمة ورد ما بقي بيده وابتدأ بالقسم، إلا أن يفوت نصيب صاحبه، فيخرج قيمته بحال ما وصفنا.
٣٧٢١ - وإن اقتسما عشرين شاة، فوقع لهذا خمسة عشر، ولهذا خمسة بالقيمة والسهم، جاز [ذلك] .
فإن استحقت شاة من يد أحدهما، لم ينتقض القسم، ونُظر فإن كانت قدر خمس ما بيده، رجع على صاحبه بعشر قيمة ما بيده، وإن استحق جُلّ ما صار
[ ٤ / ٢٠٨ ]
لأحدهما، انتقض القسم، ولا يجوز في قسم ثمر الحائط تفضيل أحد في الكيل، لرداءة حظه، ولا [على] التساوي في المقدار على أن يودي آخذ الجيد ثمنًا لصاحبه.
ولا يجوز بيع حنطة ودراهم، [بحنطة] مثلها.
ولو اقتسما ثلاثين قفيزًا من قمح، وثلاثين درهمًا، فأخذ أحدهما الدراهم وعشرة أقفزة، وأخذ الآخر عشرين قفيزًا، فإن كان القمح مختلفًا سمراء ومحمولة، أو نقيًا ومغلوثًا لم يجز.
وإن تساوى القمح في النقاء والجودة والجنس، أو كان من صبرة يتفق أعلاها وأسفلها، فذلك جائز بخلاف المتبايعين، لأن هاهنا لم يأت أحدهما بطعام [وأتى] الآخر بطعام ودراهم، فيكون فاسدًا.
ولو اقتسما مائة قفيز من قمح، ومائة من شعير، فأخذ هذا ستين قمحًا وأربعين شعيرًا، وأخذ الآخر ستين شعيرًا وأربعين قمحًا، فذلك جائز.
وإن اقتسما حنطة وقطنية، فأخذ هذا الحنطة، [وأخذ] هذا القطنية يدًا بيد، جاز.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
ولو كان الصنفان زرعًا قد يبس، لم يجز إلا على أن يحصداه مكانهما.
[قال مالك:] ولو كان الزرع كله صنفًا واحدًا، لم تجز قسمته وإن يبس حتى يحصد ويدرس ويقسم كيلًا.
٣٧٢٢ - وإن اقتسما دارًا أو أرضًا فبنى أحدهما أو غرس، ثم استحق نصف نصيبه، فذلك فوت، وكذلك إن استحق نصف نصيب الذي لم يبن، فليرد الذي لم يبن ما بقي، ويرد الذي [غرس أو] بنى قيمة جميع حظه لفوته بالعمارة، ويقتسمان ذلك كله إن كان ما استحق كثيرًا، وإن كان يسيرًا تُركت القسمة ونظر إلى ما قابل ذلك مما بيد صاحبه، فيرجع عليه بنصف قيمته.
ولو كان الاستحقاق في نصيب الذي عمَّر، فإما دفع إليه المستحق قيمة ما عمَّر قائمًا، وإلا دفع إليه هذا قيمة أرضه [براحًا]، إذ ليس بغاصب، ونظر، فإن كان الذي استحق قليلًا قدر ربع ما بقي في يديه، لم ينتقض القسم ورجع على صاحبه بثمن قيمة ما في يديه، ولا يرجع بذلك في حظ شريكه وإن كان قائمًا.
[ ٤ / ٢١٠ ]
قال ابن القاسم: وأنْظُر أبدًا إلى ما استحق، فإن كان كثيرًا كان له أن يرجع بقدر نصف ذلك فيما بيد صاحبه شريكًا فيه إن لم يفت، وفي اليسير يرجع بنصف قيمة ذلك ثمنًا من دنانير أو دراهم. وكذلك في العبيد.
٣٧٢٣ -[قال مالك:] ومن اشترى مائة إردب [قمح]، فاستحق منها خمسون، خُيّر المبتاع بين أخذ ما بقي بحصته من الثمن أو رده.
وإن أصاب بخمسين إردبًا منها عيبًا، أو بثلث الطعام، أو بربعه، فإنما له أخذ الجميع أو رده، وليس له رد المعيب وأخذ الجيد خاصة، وإن اقتسما عشرين دارًا بالسهم أو التراضي، فوقع لكل واحد عشر دور فاستحقت واحدة، أو وُجد بها عيب، فإن كان جل ما بيد من وقعت له أو أكثره ثمنًا، انتقض القسم، وإن لم يكن جله فإن كانت قدر عشر نصيبه وقد استحقت، رجع بنصف عشر قيمة ما بيد الآخر ثمنًا، ولا يرجع فيه وإن كان قائمًا.
وإن كان [إنما] وجد بها عيبًا فيردها، وليرد الآخر عشر قيمة ما بيده، ثم يكون ذلك مع الدار المعيبة بينهما، إذا لم ينتقض القسم.
واستحقاق دار من دور في البيوع بخلاف الدار الواحدة يبتاعها، ثم يستحق بعضها لما يدخل عليه من الضرر فيها فيما يريد أن يبني أو يسكن، إلا أن لا يضره
[ ٤ / ٢١١ ]
ذلك في بقيتها فيكون كالدور، واستحقاق النصف أو الثلث فيها كثير، يوجب له رد بقيتها أو حبسه بحصته من الثمن.
٣٧٢٤ - وإن اقتسما جاريتين فأخذ كل واحد منهما واحدة، فاستحقت جارية أحدهما بعد أن أولدها، فلربها أخذها وقيمة ولدها، ويرجع هذا على صاحبه بنصف الجارية الأخرى إن لم تفت، فإن فاتت بتغير سوق فأعلى، أخذ منه نصف قيمتها يوم قبضها.
وقد قال مالك فيمن استحق أمة وقد ولدت من مبتاعها: إنه يأخذها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، وأخذ به ابن القاسم، ثم رجع مالك فقال: لا يأخذها، لأن في ذلك على المبتاع ضررًا لما يلحقه من العار ويلحق ولده إذا أخذت منه، ولكن يأخذ المستحق قيمتها وقيمة ولدها.
قال ابن القاسم: ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها، لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك، ويجيز حينئذ في قولي مالك جميعًا على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق.
[قال مالك:] وإنما يأخذ قيمتها يوم يستحقها، لأنها لو ماتت عند
[ ٤ / ٢١٢ ]
المبتاع قبل أن يستحقها ربها، لم تلزم المبتاع قيمتها، [ولو لزمته قيمتها] إذا هلكت ما لزمه من قيمة ولدها شيء، فليس لربها إلا قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق.
ومن باع أمة في سوق المسلمين بعين، أو عرض، أو حيوان، ثم استحقت من يد المبتاع بعد أن حالت بيده في سوق أو بدن بأمر من الله، وحال الثمن الذي بيعت به إن كان عرضًا، بزيادة أو نقص في سوق أو بدن بأمر من الله تعالى، فليس لربها إلا أن يأخذها بحالها، أو يجيز البيع ويأخذ من بائعها ما بيعت به على ما هو [به] من نقص أو نماء، لأن من باع عرضًا بعرض فوجد أحدهما بالعرض الذي أخذ عيبًا وقد حال سوقه، فليرده ويأخذ عرضه ما لم يفت بحوالة سوق، [فإن فات]، فلا يكون له إلا قيمته.
والموصى له بالثلث إذا قاسم الورثة فأخذ ثلث الربع فبناه، ثم استحق ما بيده فللمستحق أن يعطيه قيمة بنائه، وإلا أعطاه هذا قيمة أرضه براحًا، فإن دفع إليه المستحق قيمة البناء وكان ذلك أقل مما أنفق فيه بحوالة سوق النقض، لم يرجع بنقض ذلك على الورثة ولا [على] غيرهم، وينتقض القسم، ويرجع فيقاسم الورثة
[ ٤ / ٢١٣ ]
ما في أيديهم من الربع إلا أن يفوت ببناء أو بيع، فيرجع عليهم بقيمة الرباع يوم قبضوها، فيقتسمون تلك القيمة.
وإن فات ذلك بهدم، لم يكن له غير ثلث ذلك مهدومًا مع ثلث النقض.
وإن بيع من النقض شيء، فله ثلث ثمنه فقط ولا قيمة له عليهم، لأن من ابتاع دارًا فهدمها، أو احترقت في يديه، ثم استحقت، فللمستحق إن شاء اتباع البائع بالثمن أو أخذ داره مهدومة، ولا تباعة له على المبتاع إلا أن يكون باع من النقض شيئًا، فعليه الثمن الذي قبض فيه.
وكذلك إن ابتاع جارية فعميت عنده، ثم استحقت، فلا شيء عليه، وإنما لربها أخذها بحالها، أو أخذ ثمنها من البائع.
٣٧٢٥ - وإذا كان بين رجلين نقض دون القاعة، جاز أن يقتسماه على تراض، أو بالقيمة والسهم، ويجبر من أباه منهم لمن أراده، فإن أراد هدم النقض ورب العرصة غائب، رفعا ذلك إلى الأمام، فإن رأى شراء ذلك للغائب بقيمة النقض منقوضًا، فعل، وإلا تركهم ولزم الغائب ما فعل السلطان، قيل: فمن أين يدفع الإمام الثمن عن الغائب؟ قال: هو أعلم بذلك.
[ ٤ / ٢١٤ ]
فإن نقضا البناء دون الإمام، فلا شيء عليهما ويقتسمان النقض.
وفي كتاب العارية ذكر [أمدٍ] ما يقيم النقض في العرصة المعارة.
وإذا بنيا في عرصة رجل بإذنه، فأقام بناؤهما [في العرصة] قدر ما يعار إلى مثله، ثم أراد ربها إخراج أحدهما، فإن قدر على قسمة البناء قسم وخُير في المُخْرَج، فإما أعطاه قيمة حصته أو أمره بقلعه، وإن لم ينقسم قيل للشريكين: لا بد أن يقلع هذا الذي قال له رب العرصة: اقلع نقضك، فاصطلحا، إما تقاوياه أو بِيعاه، فإن باعا وبلغ ثمنًا فللمقيم في العرصة أخذ ذلك بشفعته ما بلغ.
ولا يقسم الطريق في الدار إذا امتنع بعضهم، ويقسم الجدار إن لم يكن فيه ضرر وكان ينقسم، فإن كان فيه ضرر لم يقسم، وإن كان لكل واحد عليه جذوع لم يقسم وتقاوماه.
وتأول مالك قول الله تعالى: ×مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا% [النساء: ٧]،
[ ٤ / ٢١٥ ]
فرأى أن يقسم البيت الصغير وإن لم يقع لأحدهم ما ينتفع به، والأرض القليلة، والدكان الصغير في السوق وإن كان أصل العرصة بينهم، والحمام والماجل، وكل شيء عنده [يقسم] .
٣٧٢٨ - قال ابن القاسم: وإنما لم يقسم الطريق والجدار إذا كان في ذلك ضرر، لأنه لا كبير عرصة لهما، فلا يقسمان إلا بتراض أو على غير ضرر.
وأنا أرى أن [كل] ما لا ينقسم إلا بضرر ولا يكون فيما يقسم منه منتفع من دار، أو أرض، أو حمام، فإنه لا يقسم، ويباع فيقسم ثمنه، لقول النبي ÷: "لا ضرر ولا ضرار". (١)
_________________
(١) رواه ابن ماجة (٢/٧٨٤)، والشافعي في مسنده (١/٢٢٤)، والحاكم في المستدرك (٢/٦٦)، ومالك (٢/٧٤٥)، والدارقطني في سننه (٣/٧٧)، (٤/٢٢٧)، وانظر: نيل الأوطار (٥/٣٨٧)، وبداية المجتهد (٢/٢٠٠)، والمدونة (١٤/٤٣٦)، ومواهب الجليل (٥/١٧١) .
[ ٤ / ٢١٦ ]
وكذلك الماجل، إلا أن يصير لكل واحد ماجل ينتفع به، فليقسم.
٣٧٢٩ - ولا يقسم أصل العيون ولا الآبار، ولكن يقسم شربها بالقِلْد، قيل: فإن كانت نخلة وزيتونة بين رجلين هل يقسمانهما؟ قال: إن اعتدلتا في القسم وتراضيا [بذلك] بينهما قسماهما، فأخذ هذا واحدة وهذا واحدة، فإن كرها لم يجبرا، وإن لم يعتدلا في القسم تقاوماهما، أو باعاهما مثل ما لا ينقسم من ثوب أو عبد أو غيره، ومن دعا منهما إلى البيع أُجبر عليه من أباه، فإذا استقر على ثمن فلمن أبى البيع أخذ ذلك بما بلغ ولا بيع.
وإذا كانت دار داخلها لقوم، وخارجها لقوم، وللداخلين الممر على أهل خارجها، فأراد أهل خارجها تحويل بابها إلى موضع قريب من مكانه، لا ضرر
[ ٤ / ٢١٧ ]
على الداخلين فيه، فذلك لهم، وإن لم يقرب موضعه فللداخلين منعهم، ولهم منعهم من تضييق باب الدار. (١)
٣٧٣٠ - ولو اقتسم أهل الداخلة، فأراد أهل كل نصيب [منهم] فتح باب لنصيبه إلى الخارجة لممره، فللخارجين منعهم ألا يدخلوها إلا من الباب الأول.
[قال مالك - ﵀ -: وليس العمل على حديث عمر - ﵁ - في الخليج الذي أمرَّه في أرض رجل بغير رضاه] .
وإذا كانت دار بين رجلين لأحدهما دار تلاصقها، فأراد أن يفتح في المشتركة بابًا يدخل منه إلى داره، فللشريك منعه لشركته معه في موضع الفتح.
فإن قسّما فقال: اجعلوا نصيبي إلى جنب داري حتى أفتح فيه بابًا، لم يقبل منه ذلك، وقسمت الدار بالقيمة، فحيث وقع سهمه أخذه وإن كان في الناحية الأخرى.
وإن اقتسما هذه الدار فاشترى أحد النصيبين رجل يلاصق داره، ففتح إلى النصيب من داره بابًا وجعل يمر من داره إلى طريق هذا النصيب هو ومن اكترى منه، أو سكن معه، فذلك له إن أراد ارتفاقًا، ولا يمنع.
وإن أراد أن يجعل ذلك فيه، كسكة نافذة لممر الناس يدخلون من باب داره ويخرجون كالزقاق، فليس له ذلك.
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٧/٢٨٣) .
[ ٤ / ٢١٨ ]
وإن قسما دارًا على أن يأخذ كل واحد طائفة، فإن من صارت الأجنحة في حظه، فهي له ولا تعد من الفناء، وإن كانت في هوى الأفنية، وهي تُعد من البناء.
قال: وفناء الدار لهم أجمعين، للمرفق به، ولا بأس بالتفاضل في قسمة التراضي، أو يزيد أحدهما الآخر عرضًا أو حيوانًا بعينه، نقدًا أو موصوفًا إلى أجل معلوم، أو عينًا نقدًا أو مؤجلًا، أو [على] هبة، [أو هدية] أو صدقة معلومة كذلك. ولا يجوز على دين مسمى إلا أن يضربا أجلًا.
٣٧٣١ - ولا بأس بأرزاق القضاة والعمال إذا عملوا على حق، وكل عامل للمسلمين على حق، وما بعث فيه الإمام من أمور الناس، فالرزق فيه من بيت المال.
وأكره لقسام القاضي والمغنم أن يأخذوا على القسم أجرًا، لأنه إنما يفرض
[ ٤ / ٢١٩ ]
لهم من أموال الناس اليتامى وسائر الناس، كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أمول الناس، وإن كانت أرزاق القسام من بيت المال، جاز. (١)
ولا بأس أن يستأجر أهل مورث، أو مغنم قاسمًا برضاهم، وأجر القاسم على جميعهم ممن طلب القسم أو أباه.
وكذلك أجر [كاتب] الوثيقة، قال مالك في قوم أرادوا أخذ مال لهم عند رجل، فيستأجرون من يكتب بينهم كتابًا يتوثق لهم وله، فأجره عليهم وعليه. وقد تقدم في كتاب العتق ذكر من أعتق أو دبر في مرضه.
٣٧٣٢ - وإذا اقتسما دارًا مذارعة بالسهم، فإن كانت الدار كلها سواء، جاز، وإن كان بعضها أجود من بعض أو كانت كلها سواء وجعلا في ناحية أكثر من ناحية، لم يجز، إلا أن يتراضوا [بذلك] بغير سهم فيجوز.
ولا بأس أن يقتسما البناء بالقيمة، والساحة بالذرع، إذا تساوت الساحة في القيمة والذرع، وإن كانت متفاضلة، لم يجز.
وإذا تداعوا إلى قسم البناء والساحة معًا، وكان يصير لكل واحد في حصته من الساحة ما ينتفع به في مدخل، أو مخرج، أو مربط دابة، أو غيره، قسمت الساحة
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير (٣/٥١٠) .
[ ٤ / ٢٢٠ ]
مع البناء، وإن صار منها تلك المنافع لبعضهم ويصير لأقلهم نصيبًا من الساحة ما لا ينتفع به أو ما لا ينتفع به إلا في دخوله وخروجه فقط، قسم البناء وتركت الساحة لانتفاعهم، وللأقل نصيبًا من الانتفاع بالساحة ما للأكثر نصيبًا، سكن معهم أو لم يسكن، ولهم منع من بيني في الساحة منهم.
وإذا كانت بين قوم دار فيها بيوت وساحة، ولها غرف وسطوح بين يديها، فقسموا البناء على القيمة وأبقوا الساحة، فالسطح يقوم مع البناء، تقوم الغرفة بما بين يديها من المرتفق، ولصاحب العلو أن يرتفق بساحة السفل [كارتفاق صاحب السفل]، ولا ارتفاق لصاحب السفل في سطح الأعلى، إذ ليس من الأفنية، ويضيف القاسم قيمة خشب السطح والغرف، مع قيمة البيوت التي تحت ذلك.
وما رَث من خشب العلو [الذي] هو أرض الغرف والسطح، فإصلاحه على رب الأسفل وله ملكه، كما عليه إصلاح ما وهى ورث من جدار السفل.
[ ٤ / ٢٢١ ]
٣٧٣٣ -[وإذا سقط العلو الذي على السفل فهدمه، جبر رب السفل] على أن يبنيه، أو يبيع ممن يبنيه حتى يبني رب العلو علوه، فإن باعه ممن يبنيه فامتنع من بنائه أُجبر المبتاع أيضًا على أن يبنيه، أو يبيع ممن يبنيه. (١)
٣٧٣٤ - وإذا اقتسم قوم دارًا وتركوا الساحة مرتفقًا، فكل واحد منهما أولى بما بين يدي [باب] بيته من الساحة في الارتفاق، وإن أراد بعضهم أن يطرح بين يدي [باب] غيره العلف والحطب، لم يكن له ذلك إن كان في الدار سعة عن ذلك، وإن احتاج إلى طرح ذلك في الساحة، ويقع بعض ذلك على باب غيره طرحه، إلا أن يكون في ذلك ضرر على من يطرحه على بابه، فيمنع أن يضر به.
وإذا اقتسموا البناء والساحة رفعوا الطريق، ولا يعرض فيها أحدهم لصاحبه.
وإن اقتسموا على أن يصرف كل واحد منهم بابه لناحية أخرى، ولا يدعوا طريقًا بتراض، جاز، ولا ترفع لهم طريق، وليصرف كل واحد طريقه حيث شاء إن كان له حيث يصرفه.
_________________
(١) انظر: التقييد (٦/١١٢) .
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وإن اقتسموا البناء ثم قسموا الساحة ولم يذكروا رفع الطريق، فوقع باب الدار في حظ أحدهم ورضي بذلك صاحبه، فإن لم يشترطوا في أصل القسم أن طريق كل حصة ومدخلها فيها خاصة، فإن الطريق بينهما عل حالها، وملك باب الدار لمن وقع في حظه، ولباقيهم فيه الممر.
وإن قسموا الساحة وهي واسعة يقع لكل واحد ما يرتفق به إذا قسمت بينهم، ليس لهم طريق ولا مخرج إلا من باب الدار، فاختلفوا في سعة الطريق، فقال بعضهم: اجعلها ثلاثة أذرع، وقال بعضهم: أكثر من ذلك، جعلت بقدر دخول الحمولة ودخولهم، ولا أعرف عرض باب الدار.
فإن قسما دارًا [بتراض]، فأخذ أحدهما دبر الدار وأعطي الآخر مقدمها على ألا طريق لصاحب المؤخر على المقدم، جاز ذلك على ما شرطا ورضيا إن كان له موضع يصرف إليه بابه، وإلا لم يجز.
وكذلك إن اقتسموا دارًا على أن أخذ أحدهم الغرف، على ألا طريق له في الأسفل، فعلى ما ذكرنا.
٣٧٣٥ - وإن دعا أحد الأشراك إلى قسم ما يقسم من ربع أو حيوان أو عرض، وشركتهم بمورث أو غيره، أجبر على القسم من أباه، فإن لم ينقسم ذلك، فمن دعا إلى البيع أجبر عليه من أباه، ثم للآبي أخذ الجميع بما يعطى فيه، وكل
[ ٤ / ٢٢٣ ]
ما قسم من ربع أو غيره فعلى قيمة عدل، ثم يضرب بالسهم، فمن خرج سهمه لزمه، ووجه قسم الربع بالسهم، وإن اختلفت الأنصباء: لواحد خمس، ولآخر ربع، ولآخر سدس، أن يقسم على أقلهم سهمًا.
وكذلك من ترك زوجة وأمًا وأختًا، إلا أن من خرج له سهم [في ناحية] جمع له تمام باقي حصته [فيها] ولا يفرق، وإذا تشاحوا على أي الطرفين يضرب، أسهم بأيهم يبدأ، فما خرج عرفه، ثم أسهم للقسم، فمن خرج سهمه أعطاه من ذلك الطرف، وضم إليه فيه سهمانه مجتمعة.
وإن كثرت يضرب الفريضة في الانكسار، ثم يضرب أيضًا بسهام من بقي، فيضرب على أقلهم سهمًا، فإن تشاحوا على أي الطرفين يضرب، فعلى ما ذكرنا أولًا، فإذا بقي منهم اثنان فتشاحا على أي الطرفين يضرب، لم ينظر إلى قول واحد منهما وضرب القاسم على أي الطرفين شاء.
وإن ترك زوجة وابنًا، أو عصبة، لم يسهد للزوجة إلا على أحد الطرفين لا في الوسط، فأي الطرفين خرج لها أخذته وكان الباقي للولد أو للعصبة، وكذلك إن كان الولد أو العصبة عددًا.
ولا يجمع حظ رجلين في القسم وإن أراد ذلك الباقون، إلا في مثل هذا.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
٣٧٣٦ - وما أحدثه الرجل في عرصته من فرن، أو حمام، أو أرحية ماء، أو غيرها، أو كير للحديد، أو أفران لتسييل الذهب والفضة، أو آبار، أو كُنُف، فكل ما أضر بجدار جاره من ذلك منع منه، واستخف اتخاذ التنور.
وليس لك أن تفتح في سكة غير نافذة، بابًا يقابل باب جارك أو يقاربه، ولا تحول بابًا لك هنالك إذا منعك، لأنه يقول: الموضع الذي تريد أن تفتح فيه بابك، لي فيه مرفق أفتح فيه بابي، وأنا في سترة، ولا أدعك أن تفتح قبالة بابي أو قربه، فتتخذ علي فيه المجالس وشبه هذا، فإذا كان هذا ضررًا فلا يجوز أن تحدث على جارك ما يضر به.
وأما في السكة النافذة، فلك أن تفتح ما شئت، وتحول بابك حيث شئت منها.
ومن رفع بنيانه فتجاوز به بنيان جاره ليشرف عليه، لم يمنع من رفع بنيانه، ومنع من الضرر.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وإن رفع بنيانه فسد على جاره كواه، أو أظلمت أبواب غرفه وكواها، ومنعه الشمس أن تدخل في حجرته، لم يمنع من هذا البناء.
* * *
[ ٤ / ٢٢٦ ]