٢٦٨٣ -[قال ابن القاسم:] ومن أمر رجلًا يشتري له سلعة، فاشتراها الوكيل بعد موت الآمر ولم يعلم بموته، أو اشتراها ثم مات الآمر، فذلك لازم للورثة ويؤخذ الثمن من التركة إن لم يكن الوكيل قبضه.
ولو اشترى بعد علمه بموت الآمر لم يلزم الورثة ذلك، وعليه غرم الثمن، وكذلك ما باع بهذا المعنى.
٢٦٨٤ - وإن أمرت رجلًا يسلم لك دراهم دفعتها إليه في طعام ففعل، ثم أتى البائع بدراهم زائفة ليبدلها، وزعم أنها التي قبض، فإن عرفها المأمور لزمت الآمر، أنكرها أم لا، لأنه أمينه، وإن لم يعرفها [المأمور] وقبلها، حلف الآمر أنه
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/٢١١)، والمدونة (١٠/٢٤٣)، الكافي لابن عبد البر (١/٣٩٤)، ومنح الجليل (٦/٣٥٦) .
[ ٣ / ٢١٣ ]
لا يعرف أنها من دراهمه، وما أعطاه إلا جيادًا في علمه، وبرئ وأبدلها المأمور لقبوله إياها.
وإن لم يقبلها المأمور ولا عرفها حلف المأمور أنه ما أعطاه إلا جيادًا في علمه ثم للبائع أن يُحلَّف الآمر أنه ما يعرفها من دراهمه، وما أعطاه إلا جيادًا في علمه، ثم تلزم البائع.
٢٦٨٥ - ومن وكلته على بيع سلعة لم يجز له أن يبيعها بدين، وإن باع بالعرض ما يباع بالعين فهو متعد.
وإن باع ولم يشهد على المبتاع فجحده، فإنه ضامن، كالرسول يقول: دفعت البضاعة وينكر المبعوث إليه أنه ضامن، إلا أن تقوم له بينة أنه دفعها إليه.
٢٦٨٦ - ومن أمرته بشراء سلعة فاشتراها معيبة، فإن كان عيبًا خفيفًا يغتفر مثله، وقد يكون شراؤها به فرصة لزمتك، وإن كان عيبًا مفسدًا لم يلزمك إلا أن تشاء، وهي لازمة للمأمور.
وإن أمرته بشراء عبد فابتاع من يعتق عليك غير عالم، لزمك وعتق عليك، وإن كان عالمًا لم يلزمك.
[ ٣ / ٢١٤ ]
٢٦٨٧ - وإن باع الوكيل أو ابتاع بما لا يشبه من الثمن أو بما لا يتغابن الناس بمثله لم يلزمك، كبيعه الأمة ذات الثمن الكثير بخمسة دنانير ونحوها، ويرد ذلك [كله] ما لم يفت فيلزم الوكيل القيمة، وإن باع بما يشبه جاز بيعه.
وإن أمرته بشراء سلعة بعينها فابتاعها بألف درهم، وهي بثمانمائة، لم تلزمك إلا أن تشاء، وهي لازمة له، ولو كان شيئًا يتغابن الناس بمثله لزمك.
ولا بأس أن تأمره يبتاع لك عبد فلان بطعامه هذا أو بثوبه هذا، وذلك قرض وعليك المثل فيهما، ومن أمرته يشتري لك برذونًا بعشرة دنانير فابتاعه بخمسة، فإن كان على الصفة لزمك وإلا فلا، [وإن ابتاعه بعشرين] فأنت مخير في أخذه بالعشرين أو رده، فيلزم الوكيل ويضمن لك الثمن.
ولو زاد يسيرًا مما يزاد في مثل الثمن لزمتك الزيادة، كالدينارين والثلاثة في المائة، وكالدينار والدينارين في الأربعين.
٢٦٨٨ - وإن باع الوكيل السلعة بعشرة، وقال: بذلك أمرني ربها، وقال الآمر: ما أمرتك إلا باثني عشر، فإن لم تفت حلف الآمر وأخذها، وإن فاتت حلف المأمور وبرئ ما لم يبع ما يستنكر.
[ ٣ / ٢١٥ ]
وإن دفعت إليه ألف درهم فاشترى بها ثوبًا أو تمرًا وقال: بذلك أمرتني، وقلت له: ما أمرتك إلا بحنطة، فالمأمور مصدق مع يمينه، إذ الورق مستهلك كفوت السلعة.
٢٦٨٩ - وإن وكلته بشراء سلعة ولم تدفع إليه ثمنًا فاشترى ما أمرته، ثم أخذ منك الثمن، فضاع منه، فعليك غرمة ثانية، وكذلك إن ضاع مرارًا حتى يصل إلى البائع، ولو كنت دفعت إليه الثمن قبل الشراء فذهب منه بعد الشراء، لم يلزمك غرم المال [ثانية] إن أبيت، لأنه مال بعينه ذهب بخلاف الأول ويلزم المأمور، والسلعة له إلا أن تشاء أن تدفع إليه الثمن وتأخذها، كالعامل في القراض يشتري سلعة ثم يجد الثمن قد ذهب، فإن رب المال مخير في دفع المال ثانية، ويكون على قراضه أو يأبى، فتلزم العامل.
٢٦٩٠ - ومن وكل رجلًا [يشتري له] جارية بربرية، فبعث بها إليه
[ ٣ / ٢١٦ ]
فوطئها، ثم قدم الوكيل بأخرى فقال: هذه لك والأولى وديعة، ولم يكن الوكيل بيّن ذلك حين بعث بها [إليه]، فإن لم تفت حلف وأخذها ودفع إليه الثانية، وإن فاتت الأولى بولد منه أو بعتق أو كتابة أو تدبير، لم يُصدَّق المأمور إلا أن يقيم بينة فيأخذها وتلزم الآمر الجارية الأخرى.
وإن أمره بشراء جارية بمائة، فبعث بها إليه، فلما قدم قال: ابتعتها بخمسين ومائة، فإن لم تفت خُيّر الآمر بين أخذها بما قال المأمور أو ردها، وإن فاتت بما ذكرنا لم تلزمه إلا المائة.
٢٦٩١ - وإذا قال العبد لرجل: اشترني لنفسك بمال دفعه إليه ففعل، فعلى المبتاع غرم الثمن [ثانية] ويكون العبد له، فإن استثنى ماله فلا شيء عليه غير الثمن الأول. (١)
٢٦٩٢ - ومن أمر رجلًا يبيع له سلعة فباعها الآمر وباعها المأمور، فأول البيعتين أحق، إلا أن يقبض الثاني السلعة فهو أحق، كإنكاح الوليين.
_________________
(١) انظر: حاشية الدسوقي (٤/٣٧٨)، والتاج والإكليل (٦/٣٣٩)، والشرح الكبير (٤/٣٧٨)، ومختصر خليل (١/٢٩٢)، والمدونة (١٠/٢٤٧) .
[ ٣ / ٢١٧ ]
٢٦٩٣ - وإن باع المأمور سلعة بطعام أو عرض نقدًا، وقال: بذلك أمرتني، وأنكر الآمر، فإن كانت مما لا تباع بذلك ضمن.
وقال غيره: إن كانت السلعة قائمة لم يضمن المأمور، وخُيّر الآمر في إجازة البيع وأخذ ما بيعت به، أو ينقض البيع ويأخذ سلعته، وإن فاتت خُير في أخذ ما بيعت به من عرض أو طعام، أو يضمن الوكيل قيمتها ويسلم ذلك إليه.
وقال غيره: وإن ادعى المأمور أن الآمر بما لا يشبه من يسير الثمن في البيع أو كثيره في الشراء، أو أن يبيع أو أن يشتري بغير العين، وليس مثلها يباع به، أو أن يبيع بالعين إلى أجل، لم يصدق، وهو في بيعه بغير العين مبتاع غير بائع، لأن
[ ٣ / ٢١٨ ]
العين ثمن وما سواه مثمون، ولا يبيعه حالًا من ليس هو عنده، ويجوز شراؤك بالعين وليس هو عندك، والبيع لا ينقض باستحقاق الثمن وينقض باستحقاق المثمونات.
وكل قائم لم يفت فادعى فيه المأمور ما يمكن وادعى الآخر خلافه صُدِّق الآمر مع يمينه، [وكل مستهلك ادعى المأمور فيه ما يمكن، وادعى الآمر غيره، فالآمر مصدق مع يمينه]، كالصانع يصبغ الثوب بزعفران، أو [الخياط] يقطعه قميصًا، ويقول: بذلك أمرتني، ويدعي ربه أنه أمره بصنعة أخرى، فالصانع مصدق مع يمينه فيما يشبه من الصنعة الفائتة بالعمل إذا كان ذلك كله من عمله.
٢٦٩٤ - ومن أمرته أن يسلم لك في طعام ففعل وأخذ رهنًا أو حميلًا بغير أمرك جاز، لأنه زيادة توثق، فإن هلك الرهن قبل علمك به فهو من الوكيل، وإن هلك بعد علمك ورضاك به فهو منك، وإن رددته لم يكن للوكيل حبسه.
٢٦٩٥ - وإن بعث المكاتب بكتابته مع رجل، أو امرأة بعثت بمال اختلعت به من زوجها
[ ٣ / ٢١٩ ]
مع رجل، أو رجل بعث بصداق امرأته مع رجل، أو أمر من له دين عنده أو وديعة بالدفع وإلا ضمن، كالوصي يدعي الدفع إلى الورثة، فعليه البينة، لأنهم غير من دفع إليه.
ولو زعم الوصي أنه تلف ما بيده لم يضمن، لأنه أمين.
٢٦٩٦ - ومن أسلم لك في طعام، ثم أقال منه بغير أمرك، لم تلزمك إقالته، ولك أن تفعل ذلك دون المأمور إذا ثبت أن البيع باعترافه أو ببينة.
وكذلك لو أخر البائع بالطعام بعد محله، لم يلزمك تأخيره.
ولو باع لك سلعة بأمرك لم يكن له أن يقيل ولا يضع من ثمنها شيئًا، والعهدة للآمر على البائع فيما ابتاعه له وكيله إذا ثبت أن ابتياعه له، وإن لم يذكر ذلك الوكيل عند الشراء.
وإن وجد الوكيل عيبًا بالسلعة بعد الشراء وقد أمر بشرائها بعينها فلا رد له، إذ العهدة للآمر، وإن كانت بغير عينها فللمأمور الرد، ليس لأن العهدة له دون الآمر، ولكن لضمانه، لمخالفة الصفة، وهو قد علم وأمكنه الرد. قال
[ ٣ / ٢٢٠ ]
أشهب: فإن كانت موصوفة فالآمر مقدم في الرضى أو الرد، وله أن يأخذها بعد رد المأمور إياها إذا لم يجز رده، وإن فاتت ضمنها المأمور، لأنه متعد في الرد لسلعة قد وجبت للآمر، قال ابن القاسم: وهذا كله في وكيل مخصوص، فأما المفوض إليه فيجوز جميع ما صنع مما ذكرناه من إقالة أو رد بعيب ونحوه، على الاجتهاد بغير محاباة.
٢٦٩٧ - ومن اشترى لك سلعة بأمرك وأسلف لك الثمن من عنده، فليس له حبسها بالثمن، لأنها وديعة لا رهن، كمن أمر رجلًا يشتري له لؤلؤًا من بلد وينقد عنه، [فقدم فزعم أنه ابتاعه له ونقد فيه، ثم تلف اللؤلؤ، فليحلف على ذلك بالله الذي لا إله إلا هو أنه قد ابتاع له ما أمره به، ونقد عنه] [ويرجع بالثمن على الآمر، لأنه أمينه، فلو كان كالرهن] عنده لضمنه وصاقه بالقيمة في الثمن، إلا أن يقيم بينة بهلاكه.
[ ٣ / ٢٢١ ]
ولو قال له: انقد عني فيه واحبسه حتى أدفع إليك الثمن، كان بمنزلة الرهن، ولو ابتاع له ذلك [ببينة] وهو مما يغاب عليه، ثم ادعى هلاكه لم يكلف ببينة ولا يضمن، ويرجع بالثمن على الآمر، وإن اتهم حُلّف.
٢٦٩٨ - وإن ادعى البائع أنه باع على خيار فأنكر [ذلك] المبتاع، فالمبتاع مصدق، وإن جاءه بالثمن فقال البائع: إنما بعتك على أنك إن لم تأت بالثمن في يوم قد مضى فلا بيع بيننا، فهو مدعٍ، ولو ثبت ذلك لم ينفعه ومضى البيع.
٢٦٩٩ - ومن ابتاع طعامًا فوجده معيبًا فرد نصف حمل وقال: هذا الذي ابتعت بمائة، وقال البائع: بل بعتك حملًا [كاملًا] بمائة، فالقول قول المبتاع إن أشبه أن يكون نصف حمل بمائة درهم، لأن البائع قد أقرّ له بالثمن وادعى عليه زيادة في المثمون، وكذلك لو ردّ عبدًا بعيب وقال له البائع: بل بعتك عبدين، إلا أن يأتي المبتاع بما لا يشبه فيصدق البائع مع يمينه فيما يشبه، ويرد من الثمن نصفه، ولا غرم على المبتاع إذا حلف في نصف الحمل الباقي، لأن البائع فيه مدع.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
٢٧٠٠ - ومن ابتاع سلعة بثمن ادعى أنه مؤجل، وقال البائع: بل حالّ، فإن ادعى المبتاع أجلًا يقرب لا يتهم فيه صدق مع يمينه، وإلا صدق البائع، إلا أن يكون للسلعة أمد معروف تباع عليه، فالقول قول مدعيه منهما.
ومن ادُّعي عليه بقرض حال فادعى الأجل فالقول قول المقروض، ولا يشبه هذا البيع.
٢٧٠١ - وإن باع الوكيل السلعة وقال: بذلك أمرني ربها، وقال ربها: بل أمرتك أن ترهنها، صدق ربها، فاتت أو لم تفت.
ولو قال من هي بيده: ارتهنتنيها، وقال له ربها: بل استودعتكها، صدق ربها. وإن أمرته أن يرهن لك سلعة، فقال: أمرتني برهنها في عشرة ففعلت ودفعت العشرة إليك، وصدقه المرتهن، وقلت أنت: بل في خمسة وقد قبضتها، أو قلت: لم أقبضها، فالقول قول المرتهن فيما ارتهنه إن كانت قيمة الرهن مثلما قال، والقول قول الوكيل فيه، وفي دفعه إليك، لأن الوكيل على البيع موكل على قبض
[ ٣ / ٢٢٣ ]
الثمن، وإن لم يسم له القبض في أصل الوكالة، ويصدق في دفع الثمن إلا الآمر ويبرأ الدافع. وقال المخزومي: وإن أعرته إياها ليرهنها لنفسه فلا تكون رهنًا إلا فيما أقررت أنت به، والمستعير مدعٍ.
٢٧٠٢ - قال مالك: ومن كان لك عليه دراهم من ثمن سلعة أو غيرها، فأمرته أن يشتري لك بها سلعة نقدًا، جاز إن كنت أنت أو وكيلك حاضرًا معه، وإلا فذلك مكروه، غير أن مالكًا قال - فيمن كتب إلى رجل في شراء سلعة ففعل وأسلفه الثمن، ثم كتب الرجل [إليه] أن يبتاع له بذلك الثمن سلعة -: إنه من المعروف الجائز [بين الناسٍ]، قال ابن القاسم: وهذا والأول في القياس واحد.
* * *
[ ٣ / ٢٢٤ ]