٢٦٢٤ - وبيع الخيار جائز، [وذلك أن يقول الرجل: أشتري منك هذا الشيء وأنا عليك فيه بالخيار إلى وقت كذا] .
فأما الثوب [فيجوز فيه] اليوم واليومان وشبه ذلك، [وما كان أكثر من هذا فلا خير فيه]، والجارية مثل الخمسة أيام والجمعة وشبه ذلك، لاختبار حالها وعملها، والدابة تُركب اليوم وشبهه، ولا باس أن يشترط أن يسير عليها البريد ونحوه ما لم يتباعد، قال غيره: والبريدين يختبر سيرها، والدار الشهر
[ ٣ / ١٧٣ ]
ونحوه، وما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه، لأنه غرر لا يدري ما تصير إليه السلعة عند الأجل، ولا يدري صاحبها كيف ترجع إليه. قال: وقد يزيده المبتاع في ثمن السلعة لتكون في ضمانه إلى بعيد الأجل فذلك غرر. وقد كره مالك اشتراء سلعة بعينها إلى أجل بعيد بغير اشتراط نقد، والنقد فيما بعد من أجل الخيار أو قرب لا يحل [بشرط] .
وإن كان بيع الخيار بغير شرط النقد فلا بأس بالنقد فيه، والبائع والمشتري في اشتراط الخيار سواء. قال غيره: ولا يشترط لبس الثوب، لأنه لا يختبر باللبس كما تختبر الدابة بالركوب والعبد بالاستخدام. قال ابن القاسم: ومن اشترى شيئًا من رطب الفواكه والخضر على أنه بالخيار، فإن كان الناس يشاورون في هذه الأشياء
[ ٣ / ١٧٤ ]
غيرهم ويحتاجون فيه إلى رأيهم، فلهم من الخيار في ذلك بقدر حاجة الناس مما لا يقع فيه تغير ولا فساد. (١)
قال سحنون: من غير أن يغيب المبتاع على ما لا يعرف بعينه من مكيل أو موزون فيصير تارة سلفًا وتارة بيعًا، لأنك لو بعت ذلك من رجل فغاب عليه ثم أقلته من بعضه وأخذت ثمن ما بقي كان بيعًا وسلفًا، بخلاف إقالتك من أحد عبدين وثوبين، فذلك جائز فيما يعرف بعينه، ولو بعت العبدين بثمن إلى أجل على أن يرد عليك أحدهما عند الأجل بنصف الثمن على ما هو به يومئذ من نماء أو نقص لجاز، لأنه [إنما] اشترى أحدهما واستأجر الآخر إلى ذلك الأجل بالثمن الذي يبقى عليه، فذلك جائز، لأن كل ما يُعرف بعينه وينتفع به بغير إتلافه تجوز إجارته.
٢٦٢٥ -[ولا تجوز إجارة ما لا يعرف بعينه من طعام أو إدام ونحوه، ولا كل ما ينتفع به إلا بإتلافه إما لأكل أو غيره] .
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٤/٤١٣)، ومنح الجليل (٥/١١٢)، والتقييد (٤/٤١) .
[ ٣ / ١٧٥ ]
٢٦٢٦ - قال ابن القاسم: ومن جُنّ فأطبق في أيام الخيار والخيار له، فالسلطان ينظر له في الأخذ أو الرد، أو يوكل بذلك من رأى من ورثته أو غيرهم، وينظر في ماله وينفق منه على عياله كما ينظر في مال المفقود، ويتلوم للمجنون سنة وينفق على امرأته في التلوم، فإن برئ وإلا فُرّق بينهما، والأجذم البين جذامه يفرق بينه وبين امرأته، وأما الأبرص فلا.
والخيار يورث عن الميت فيكون لورثته فيه ما كان له. وقد جعل مالك تأخير الورثة يبرئ الغريم الذي حلف للميت لأقضينك حقك إلا أن تؤخرني، وتمامها في كتاب النذور.
٢٦٢٧ - قال مالك: ومن تزوج امرأة وشرطت عليه في [العقد] أنه إن نكح أو تسرر أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد أمها، ثم ماتت الأم، فإن كانت أوصت بما كان لها من ذلك إلى أحد فذلك إليه، قال ابن القاسم: وإن لم توصِ فكأني رأيت مالكًا رأى ذلك للابنة أو قال ذلك لها ولم أتثبته منه.
[ ٣ / ١٧٦ ]
وروى علي عن مالك: أن ذلك لا يكون بيد أحد غير من جعله الزوج بيده، لأنه يقول لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيده لنظره وقلة عجلته. قال ابن القاسم: وإن أوصت الأم إلى رجل ولم تذكر ما كان لها في ابنتها لم يكن للوصي ولا للابنة شيء من ذلك.
٢٦٢١ - قال أشهب: وإذا ورث قوم خيارًا فاختلفوا، فقال بعضهم: أجيز البيع، وقال بعضهم: بل أنقضه، فليس لهم إلا أن يأخذوا جميعًا أو يردوا جميعًا، وهذا النظر، لأن الذي ورثوا ذلك عنه لم تكن له إجازة بعض ذلك ورد بعضه، فكذلك هم، واستحسن لمن أجاز منهم أن يأخذ مصابة مَنْ لم يُجز إن شاء، فإن أبى رددنا الجميع إلا أن يسلم [له الباقي] من البائع [أو من المبتاع] أخذ حصته فلا يكون له عليه إلا ذلك، وكذلك إن أصابا عيبًا [فيما ابتاع وليهما بغير خيار، أو مشتريان أصابا عيبًا] فرضيه واحد ورد الآخر على ما ذكرنا ليس ذلك لهما، إلا أن يردا أو يحبسا إلا أن يشاء المتمسك أن يأخذ جميعها فذلك له، فإن أبى فللبائع أن يقبل مصابة الراد منهما.
[ ٣ / ١٧٧ ]
وإن كان الورثة صغارًا ينظر لهم الوصي بالاجتهاد بلا محاباة في الرد والإجازة، [فإن لم يكن وصي فالسلطان يلي النظر أو يجعل ناظرًا يجتهد بلا محاباة]، فإن كان [لهم] وصي ومعه من الورثة كبير لا وصي عليه، فهما في ذلك كاختلاف الورثة.
وإن كان الورثة كلهم أصاغر ولهم وصيّان، فما اجتمعا عليه من رد أو إجازة بوجه الاجتهاد بغير محاباة فهو جائز، وإن اختلفا نظر في ذلك السلطان فيمضي قول أصوبهما، بخلاف الورثة، لأن الوصيين لا يحكمان في مال غيرهما، فإن كان مع الوصيين وارث كبير يلي نفسه فيما اجتمعوا عليه من رد أو إجازة بالاجتهاد من غير [محاباة] جاز.
٢٦٢٩ - وإن قال الوارث: أنا أرد، وتماسك الوصيان، أو تماسك الوارث ورد الوصيان فذلك كاختلاف الورثة، وإن أراد الوارث الذي يلي نفسه الرد وأحد الوصيين معه، نظر السلطان في ذلك فمن رآه مصيبًا كلف صاحبه الرد معه، أو الأخذ، ثم لا بد لهما من أن يردا أو يأخذا الجميع إلا أن يشاء البائع أو المشتري أن يدعها ويأخذ مصابة الذين يلونهم من الورثة
[ ٣ / ١٧٨ ]
فذلك له، وليس للوصيين [عليه] أن يأخذا منه مصابة الوارث الذي اختار الرد.
وكذلك إن أراد الوارث وأحد الوصيين الأخذ، فالسلطان ينظر في ذلك كما وصفنا.
٢٦٣٠ - قال ابن القاسم: وإن أحاط الدين بمال الميت واختار غرماؤه أخذًا أو ردًا وذلك أوفر لتركته وارد لقضاء دينه، فذلك [لهم] دون ورثته، فإن ردوا لم يكن للورثة الأخذ إلا أن يؤدوا الثمن من أموالهم دون [مال] الميت.
٢٦٣١ - ومن أغمي عليه في أيام الخيار انتظرت إفاقته، ثم هو على خياره، إلا أن يطول إغماؤه أيامًا فينظر السلطان، فإن رأى ضررًا فسخ البيع، وليس له أن يمضيه بخلاف الصبي والمجنون، وإنما الإغماء مرض.
٢٦٣٢ - ومن اشترى سلعة من رجل ثم جعل أحدهما لصاحبه الخيار بعد تمام البيع، فذلك يلزمهما إذا كان يجوز في مثله الخيار، وهو بيع مؤتنف بمنزلة بيع المشتري لها من
[ ٣ / ١٧٩ ]
غير البائع، وما أصاب السلعة في أيام الخيار فهو من المشتري لأنه صار بائعًا.
٢٦٣٣ - وإذا ابتاع المكاتب شيئًا بالخيار ثلاثًا فعجز في الثلاث، فلسيده من الخيار ما كان له، قيل: فمن اشترى سلعة على أن فلانًا بالخيار أيامًا أيجوز هذا البيع؟ قال: قال مالك في الرجل يبتاع السلعة ويشترط البائع إن رضي فلان البيع: جاز. فلا بأس به، وإن رضي البائع أو رضي فلان [البيع] فالبيع جائز، فهذا يدلك على مسألتك.
٢٦٣٤ - ولا بأس أن يشتري سلعة لفلان على أن يختار فلان، أو يشتري لنفسه على رضى فلان، أو على أن فلانًا بالخيار، ثم ليس للمبتاع رد أو إجازة دون خيار من اشترط.
٢٦٣٥ - ولو ابتاع على أن يستشير فلانًا جاز، وله أن يخالفه إلى رد أو إجازة، ولا يمنعه البائع، وإنما يجوز البيع على مشورة فلان أو رضاه إذا كان قريبًا، ولو استثنى مشورة رجل ببلد بعيد فسد البيع.
ولو ترك المبتاع مشورة فلان الغائب مجيزًا للبيع لم يجز لوقوعه فاسدًا. وإذا كان الخيار للمتبايعين [جميعًا] لم يتم البيع إلا باجتماعهما على الإجازة.
[ ٣ / ١٨٠ ]
وإذا اشترى رجلان سلعة بالخيار فلمن شاء منهما أن يأخذ أو يرد، ولا خيار في ذلك لصاحب السلعة، لأنه لا يتبع ذمة كل واحد منهما لو فلس إلا بحصته من الثمن.
وإذا اختار من له الخيار من المتبايعين ردًا أو إجازة وصاحبه غائب وأشهد على ذلك جاز على الغائب.
٢٦٣٦ - والذي له الخيار من المتبايعين إذا وهب أو دبر أو كاتب أو أجر أو أعتق أو [رهن] أو تصدق أو وطئ أو قبّل أو باشر، فذلك من المبتاع رضى بالبيع ومن البائع رد له، وإن كان [الخيار] للمبتاع في الدابة فهلبها أو ودجها أو عربها أو سافر عليها فهو رضىً وتلزمه الدابة، إلا أن يركبها شيئًا خفيفًا في حاجة له ليختبرها، فيكون على خياره.
وكذلك من اشترى دابة فوجد بها عيبًا ثم تسوق بها أو اشترى ثوبًا بالخيار فاطلع
[ ٣ / ١٨١ ]
على عيب به ثم لبسه بعد ذلك، فذلك قطع لخياره ورضىً منه، وإن كان الخيار للمبتاع في الجارية فجردها في أيام الخيار ونظر إليها فليس ذلك برضى، وقد تجرد للتقليب إلا أن يقر أنه فعل ذلك تلذذًا فهو رضى.
ونظر المبتاع إلى فرج المرأة رضىً، لأن الفرج لا يجرد في الشراء ولا ينظر إليه إلا النساء ومن يحل له الفرج.
٢٦٣٧ - وإن زوج المشتري الأمة، أو زوج العبد، أو ضربه، أو جعله في صناعة، أو في الكتاب، أو ساوم بهذه الأشياء للبيع، أو أكرى الدواب والرباع، وهذا كله في أيام الخيار فذلك رضى وقطع لخياره، وإن جنى على العبد عمدًا فذلك رضى، وله رده في الخطأ، وما نقصه.
والدابة مثله إن جنى عليها عمدًا، فذلك رضى وله ردها في الخطأ وما نقص من ثمنها.
وإن كان عيبًا مفسدًا ضمن الثمن [كله] . ولم ير أشهب الإجارة والرهن والسوم والجنابة، وإسلامه العبد للصناعة، وتزويجه [العبد] رضى، بعد أن يحلف - في الرهن والإجارة وتزويج العبد - ما كان ذلك منه رضى [بالبيع]، وروى
[ ٣ / ١٨٢ ]
علي عن مالك في البيع أنه لا ينبغي أن يبيع حتى يختار، فإن باع فإن بيعه ليس باختيار، ورب السلعة بالخيار إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع.
٢٦٣٨ - ومن اشترى من رجل عبدًا بعبد بالخيار وتقابضا، فمصيبة كل عبد في الخيار من بائعه.
ومن ابتاع دابة بالخيار على أن ينقد ثمنها فنقد، ثم ماتت الدابة في أيام الخيار [فمصيبتها من البائع ويرد الثمن.
٢٦٣٩ - وإن كان الخيار للمبتاع في أمة فأعتقها البائع في أيام الخيار] فعتقه موقوف، فإن رد المبتاع البيع [لزم [البائع] عتقه ذلك، كمن أخدم أو أجّر أمته سنة، ثم أعتقها، فعتقه موقوف، فإذا تمت السنة أعتق بغير إحداث عتق] .
[ ٣ / ١٨٣ ]
٢٦٤٠ - ومن اشترى ثيابًا أو رقيقًا أو غنمًا على أنه بالخيار إذا نظرها، فنظر إليها وصمت حتى رأى آخرها فلم يرضها، فذلك له.
ولو كانت حنطة فنظر إلى بعضها فرضيه ثم نظر إلى ما بقي فلم يرضه، فإن كان الذي لم يرضه على صفة ما رضي لزمه الجميع لتساويه، لأن الصفة واحدة، وإن خرج آخر الحنطة مخالفًا لأولها لم يلزم المشتري من ذلك شيء، وله رد الجميع إن كان الاختلاف كثيرًا، وليس للمبتاع أن يقبل ما رضي بحصته من الثمن ويرد ما خرج مخالفًا إلا أن يرضى البائع، ولا للبائع أن يلزمه ذلك إذا أبى المبتاع وكان الاختلاف كثيرًا، وكذلك جميع ما يوزن أو يكال.
٢٦٤١ - وإذ ماتت الجارية أو أصابها عيب في أيام الخيار أو في عهدت [الثلاث] أو في المواضعة وقد قبضها المبتاع أو لم يقبضها والخيار للبائع أو للمبتاع، فذلك كله من البائع، ويخير المبتاع بين أخذها معيبة بجميع الثمن أو ردها. (١)
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٠/١٨٤) .
[ ٣ / ١٨٤ ]
وكذلك إن ظهر المبتاع [على] عيب كان بها عند البائع، بعد أن حدث [بها عيب] في أيام الخيار، [فإنما له أن يأخذها معيبة بجميع الثمن، أو يردها، وليس له في ذلك أن يحبسها ويرجع بحصة العيب [من أجل العيب الذي في أيام الخيار]، لأنه علمه وهي في ضمان البائع، فكأنه عليه اشترى.
وإن حدث بالجارية عيب في أيام الخيار، ثم أصابها عند المبتاع بعدما قبضها وخرجت من الاستبراء عيب آخر مفسد، ثم ظهر على عيب دلّسه البائع، فإن أراد أن يحبسها ويرجع بحصة عيب التدليس، نظر إلى قيمتها يوم الصفقة بالعيب الذي حدث في أيام الخيار بغير عيب التدليس وقيمتها بعيب التدليس [يومئذ] أيضًا فيقسم الثمن على ذلك ويطرح منه حصة عيب التدليس، فإن أراد أن يرد نظر إلى العيب الذي حدث عنده، كم ينقص منها يوم قبضها فيرد ذلك معها، ولا ينظر إلى العيب الذي حدث في أيام الخيار [في شيء من ذلك] . وانخساف البئر في أمد الخيار من البائع.
٢٦٤٢ - وإذا جنى على الأمة في أيام الخيار أجنبي، فقطع يدها، أو أصابها ذلك من أمر الله فللمبتاع ردها ولا شيء عليه، وللبائع طلب الجاني، أو يأخذها معيبة
[ ٣ / ١٨٥ ]
بجميع الثمن والأرش للبائع، وما وهب لها أو تصدق به عليها في أيام الخيار فللبائع، وعليه نفقتها في [أيام] الخيار.
٢٦٤٣ - ولو تلف مال العبد في عهدة الثلاث وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد، ولا يرجع بشيء.
ولو هلك العبد في الثلاث انتقض البيع، وعلى المبتاع رد ماله وليس له التمسك بالمال ودفع الثمن.
ولو حدث بالعبد في الثلاث عيب مفسد فإما رده المبتاع بماله على البائع، أو حبسه بماله بجميع الثمن، والأرش للبائع، ولا يرجع المبتاع على البائع بحصة العيب الذي أصابه في العهدة، لأن مصيبته في العهدة من البائع، وعليه عقل جنايته في أيام العهدة.
٢٦٤٤ - قال ابن القاسم: وإذا ولدت الأمة في أيام الخيار، كان ولدها معها في إمضاء البيع أو رده لمن له الخيار بالثمن المشترط، ولا شيء على المبتاع من
[ ٣ / ١٨٦ ]
نقص الولادة إن ردها، قال أشهب: الولد للبائع، فإن اختار المشتري البيع وقبض الأم، قيل لهما: [إما أن يضم المشتري الولد، أو يأخذ البائع الأم]، فيجتمعان جميعًا في حوز أحدكما، وإلا نقض البيع.
وإن قتل العبد رجلًا في أيام الخيار فللمبتاع رده.
٢٦٤٥ - ومن اشترى ثوبين في صفقة بالخيار فضاعا بيده في أيام الخيار، لم يصدق ولزماه بالثمن كان أكثر القيمة أو أقل. وإن ضاع أحدهما لزمه بحصته من الثمن.
ولو كان المبتاع إنما أخذ الثوبين ليختار أحدهما بعشرة [دراهم] فضاعا، لم يضمن إلا ثمن أحدهما وهو في الآخر مؤتمن، فإن ضاع أحدهما ضمن نصف ثمن التالف، ثم له أخذ الثوب الباقي [أو رده] .
[ ٣ / ١٨٧ ]
وكذلك الذي يسأل رجلًا دينارًا فيعطيه ثلاثة دنانير ليختار أحدهما فيزعم أنه تلف منها دينار فإنه يكون شريكًا، قال أشهب: فإن كان موضع الثوبين في البيع بدان فالهالك من البائع، وللمبتاع أخذ الباقي بالثمن أو رده، قال ابن القاسم: وللمبتاع أن يأخذ أحد الثوبين بالثمن الذي سمياه فيما قرب من أيام الخيار، فإن مضت أيام الخيار وتباعدت فليس له اختيار أحدهما، وينتقض البيع إلا أن يكون قد أشهد أنه اختار في أيام الخيار أو فيما قرب منها، وله اختيار أحدهما بغير محضر البائع، فإن اختاره ببينة أشهدهم عليه بقول أو قطع أو بيع أو رهن أو ما يلزمه [به] من الأحداث [و] كان في الباقي أمينًا إن هلك فمن بائعه.
٢٦٤٦ - وإذا انعقد البيع باللفظ فلا خيار لواحد من المتبايعين إلا أن يشترطا. وحديث ابن
[ ٣ / ١٨٨ ]
عمر: "المتبايعان بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ما لم يفترقا" (١)، إلا بيع الخيار. قال فيه مالك: ليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٠١)، ومسلم (٣٨٣١)، وأبو داود (٣/٢٧٣)، والنسائي (٧/٢٤٨، ٢٥١)، وانظر: السيل الجرار (٣/٢٧، ٩٤، ١٠١)، وكفاية الطالب (٢/٢٠٠)، والتمهيد (١٤/٨)، والثمر الداني (١/٥٠٣)، ونيل الأوطار (٥/٢٨٩)، وتلخيص الجيد (٣/١٣) .
[ ٣ / ١٨٩ ]
٢٦٤٧ - وإذا اختلف المتبايعان في الثمن قيل للبائع: إما أن تصدق المشتري أو فاحلف بالله أنك ما بعت سلعتك إلا بما قلت، فإن حلف قيل للمبتاع: إما أن تأخذ بما قال البائع وإلا فاحلف ما اشتريت إلا بما قلت وتبرأ. قال شريح: إذا حلفا أو نكلا ترادا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر لزمه البيع.
٢٦٤٨ - ولا يجوز في الصرف خيار وإن قرب، وإن عقدا عليه لم يجز [و] إن أسقطا الخيار قبل التفرق، إلا أن يستقبلا صرفًا جديدًا.
ولا تجوز فيه حوالة ولا كفالة ولا شرط ولا رهن إلا المناجزة.
[ ٣ / ١٩٠ ]
٢٦٤٩ - ولا بأس بالخيار في السلم إلى أمد قريب يجوز تأخير [النقد] إلى مثله، كيومين أو ثلاثة إذا لم يقدم رأس المال، فإن قدمه كرهت ذلك، لأنه يدخله [سلف] وبيع، وسلف جرّ منفعة. (١) وإن تباعد أجل الخيار كشهر أو شهرين لم يجز، قدم النقد أم لا.
ولا يجوز الخيار إلى هذا الأجل في شيء من البيوع، فإن عقد البيع على ذلك ثم ترك الخيار مشترطه قبل التفرق لم يجز لفساد العقدة.
٢٦٥٠ - ومن اشترى ثوبين أو عبدين على أن يختار أحدهما بألف درهم، فذلك له لازم فلا بأس بهز
وأما إن اختلف الثمن فقال: هذا بخمسة وهذا بعشرة، أو قال: هذا بدينار وهذا بشاة، فإن كان على الإلزام لأحدهما لم يجز، وهو من بيعتين في بيعة وإن لم يكن على الإلزام، ولكن لكل واحد [منهما] من الرد والأخذ مثل ما للآخر فجائز.
وأجاز ابن أبي سلمة شراء هذا الثوب بسبعة وهذا بخمسة، يختار أحدهما على
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٤/٥١٥)، ومواهب الجليل (٤/٥١٥) .
[ ٣ / ١٩١ ]
الإلزام إذا كان الوزن واحدًا، فإن كانت الدراهم مختلفة الوزن، هذه تنقص وهذه وازنة، لم يجز عند مالك ولا [عند] ابن أبي سلمة، وبيعتان في بيعة بيعك سلعة بدينار نقدًا أو بدينارين إلى أجل قد لزم المتبايعين أو أحدهما أحد الثمنين، ومكروه ذلك كأنه وجب عليك بدينار نقدًا فأخرته وجعلته بدينارين إلى أجل، أو وجب عليك بدينارين إلى أجل فعجلتها بدينار نقدًا.
٢٦٥١ - ومن اشترى هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، أو اشترى هذه الغنم كل شاة بدرهم على أنه بالخيار ثلاثًا، فليس له أخذ بعض دون بعض إلا برضى البائع، إذ هي صفقة واحدة. قيل: فمن أخذ سلعة من رجل بمائة دينار إن رضيها، أو على أن يريها، فماتت أو تلفت قبل أن يرضاها أو يريها [فممن ضمانها؟] قال: قال مالك: ضمان ما بيع على خيار مما لا يغاب عليه، أو مما ثبت هلاكه مما يغاب عليه من البائع، وإن قبضه المبتاع، وما لم يثبت هلاكه مما يغاب عليه فالمبتاع يضمنه ويلزمه الثمن، وكذلك إن وقع بيع الخيار فاسدًا باشتراط النقد، كان ما هلك في الخيار من
[ ٣ / ١٩٢ ]
البائع وإن قبضه المبتاع فيما لا يغاب عليه، كالبيع الصحيح، ويرد ما انتقد سواء كان الخيار للبائع أو للمبتاع.
٢٦٥٢ - وكل ما بيع على خيار فلا يجوز اشتراط النقد فيه، قرب الأجل أو بعد، واشتراط ذلك يفسد البيع، لأن ذلك يصير تارة بيعًا وتارة سلفًا.
وإن سلم العقد من اشتراطه جاز التطوع بالنقد بعد صحة العقد.
٢٦٥٣ - وإن اشترى سلعة بالخيار على أن ينقد ثمنها، فأصاب السلعة عيب في أيام الخيار، [فعلم به] ورضيه، وحدث بها أيضًا بعد أيام الخيار بعد أن قبضها عيب مفسد، واطلع على عيب دلسه البائع، فإنه إن شاء حبسها ويوضع عنه قدر عيب التدليس من قيمتها يوم قبضها، لأنه بيع فاسد وجبت فيه قيمة فصارت كالثمن، وبطل الثمن الأول، كان أقل من القيمة أو أكثر، وإن شاء ردها وما نقصها العيب الحادث عنده من قيمتها يوم قبضها.
ولو لم يحدث عنده عيب مفسد ولكن تغيرت عنده في سوق أو بدن، فله ردها بالعيب، إذ حوالة الأسواق لا تفيت الرد بالعيب، وله حبسها بقيمتها يوم قبضها.
[ ٣ / ١٩٣ ]
٢٦٥٤ -[ومن اشترى شيئًا على خيار مما يغاب عليه أم لا، ثم رده في أيام الخيار، فقال البائع: ليس هو هذا، [وقال المبتاع: هو هذا]، فالمبتاع مصدق مع يمينه، وكذلك من قضى لرجل دنانير من دين ليقلب وينظر، ثم ردها إلى الدافع، فالقول قول الراد مع يمينه] .
٢٦٥٥ - ومن اشترى حيوانًا أو رقيقًا بالخيار، فقبضها ثم ادعى إباق الرقيق وانفلات الدواب، أو أن ذلك سُرق منه وهو بموضع لا يجهل لم يكلف بينة، وصدق مع يمينه ولا شيء عليه، لأن هذا لا يغاب عليه إلا أن يأتي بما يدل على كذبه.
٢٦٥٦ - وإن ادعى موتًا وهو بموضع لا يخفى [ذلك فيه]، سئل عنه أهل ذلك الموضع، لأن الموت لا يخفى عليهم، ولا يقبل إلا العدول، فإن تبين كذبه أو لم يعلم ذلك بالموضع أحد، فهو ضامن، وإن لم يعرف كذبه صدق مع يمينه، وأما إن ادعى هلاك ما يغاب عليه في أيام الخيار فهو ضامن، ولا يصدق إلا ببينة أنه هلك بغير تفريط، أو بأمر ظاهر من أخذ لصوص له، أو غرق مركب كانوا فيه وقد عاينوا غرقه فيه، أو احتراق
[ ٣ / ١٩٤ ]
[منزل] وقد رأوا الثوب في النار، فإذا شهدت بينة بهذا كان من البائع، وكذلك إن ثبت هذا في الرهن والعارية، والضياع كان من ربه.
ومسألة من باع سلعة ثم تبرأ بعد البيع من عيب، مذكورة في كتاب التدليس.
٢٦٥٧ - ومن اشترى سلعة أو ثوبًا على أنه بالخيار يومين أو ثلاثة فلم يختر حتى مضت أيام الخيار ثم أراد الرد، والسلعة في يديه، أو أراد أخذها وهي بيد البائع، فإن كان [بعيدًا] من أيام الخيار فليس له ردها من يده، ولا أخذها من يد البائع، وتلزم من هي بيده من بائع أو مبتاع، ولا خيار للآخر فيها، وإن كان بعد غروب الشمس من آخر أيام الخيار، أو كان كالغد، أو قرب ذلك، فذلك له، واحتج بالتلوم للمكاتب بعد الأجل.
ولو شرطا إن لم يأت المبتاع بالثوب قبل مغيب الشمس من آخر أيام الخيار لزم
[ ٣ / ١٩٥ ]
البيع، لم يجز هذا البيع، أرأيت إن مرض المبتاع أو حبسه سلطان، [أكان يلزم البيع؟] .
٢٦٥٨ - ومن ابتاع شيئًا بالخيار لم يضرب له أمدًا، جاز البيع وضرب له من الأجل ما ينبغي في مثل تلك السلعة.
٢٦٥٩ - ولا بأس بشراء ثوب من ثوبين يختاره بثمن كذا، أو خمسين من مائة إن كانت جنسًا واحدًا، وذكر صفتها وطولها وعرضها، وإن اختلفت القيم بعد أن تكون كلها مَرَويّة أو هَرَويّة، فإن اختلفت الأجناس لم يجز، لأنه خطر، حتى يسمي ما يختار من كل جنس منها من ثوب، فيجوز.
وكذلك إن اجتمع حرير وخز وصوف، أو إبل وبقر وغنم، لم يجز إلا على ما ذكرنا.
[ ٣ / ١٩٦ ]
٢٦٦٠ - وكل شيء ابتعته من سائر العروض والماشية عدا الطعام على أن يختار منه عددًا يقلّ أو يكثر بثمن مسمى، فذلك جائز في الجنس الواحد، وكذلك على أن يختار تسعًا وتسعين شاة من مائة، ويرد شاة على البائع.
ويجوز أيضًا أن يستثني البائع لنفسه خيار شاة من مائة أو ما يقل عدده، فأما أن يستثني البائع خيار أكثر العدد كتسعين من مائة أو ما يكثر عدده، لم يجز.
وما لم يذكر البائع خياره فيما يستثنيه من العدد، أو المبتاع فيما يشتريه مما قل أو كثر، فذلك جائز، ويكون به في الجميع شريكًا.
٢٦٦١ - وأما الطعام فلا يجوز أن يشتري منه على أن يختار من صُبر مصبرة، أو من نخل أو شجر مثمر عددًا يسميه، اتفق الجنس أو اختلف، أو كذا أو كذا عذقًا من هذه النخلة يختاره المبتاع، ويدخله التفاضل في بيع الطعام من صنف واحد مع بيعه قبل قبضه إن كان على الكيل، لأنه يدع هذه وقد ملك اختيارها، ويأخذ هذه، وبينهما فضل في الكيل، ولا يجوز فيه التفاضل. (١)
وكذلك إن اشترى منه عشرة آصع محمولة بدينار أو تسعة سمراء على الإلزام
_________________
(١) انظر: التقييد (٤/٥٣) .
[ ٣ / ١٩٧ ]
لم يجز، ودخله ما ذكرنا، وبيعه قبل قبضه، وكذلك هذه الغنم عشرة بدينار أو هذا التمر عشرة [آصع] بدينار إلزامًا، ويدخله بيعه قبل قبضه وهو من بيعتين في بيعة. (١)
٢٦٦٢ - وكذلك إن ابتاع ثمر أربع نخلات من حائط رجل، على أن يختارها المبتاع، لم يجز، ولو ابتاعها بأصولها [بغير ثمر] جاز ذلك كالعروض، وأما الثمرة فلا وليس كالبائع لأصل حائط يستثنى منه خيار أربع نخلات أو خمس، فهذا قد أجازه مالك بعد أن وقف فيه نحو أربعين ليلة، وجعله كمن باع غنمه على أن يختار منها البائع أربعًا أو خمسًا. قال ابن القاسم: لا يعجبني ذلك ولا أحب لأحد أن يدخل فيه، فإن وقع أجزته لقول مالك فيه: ولا باس به في الكباش، لجواز التفاضل
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٥/٣٩) .
[ ٣ / ١٩٨ ]
فيها، بخلاف الثمر، ولو لم يشترط البائع أن يختار جاز البيع، وكان شريكًا بجزء العدد الذي سمي في ثمر كل نخلة.
وكذلك إن استثنى البائع ثمر عشر نخلات غير معينة ولم يذكر خيارها، فإن كانت مائة [نخلة] كان شريكًا بالعشرة.
٢٦٦٣ -[ومن ابتاع سلعة على أنه بالخيار، ولم يجعل للخيار وقتًا، جاز، ويجعل له الخيار في مثل ما يكون في مثل تلك السلعة] .
* * *
[ ٣ / ١٩٩ ]