٣٩٢٤ - وليس لبئر ماشية أو لبئر زرع، حريم محدود، ولا للعيون إلا ما يضر بها.
ومن الآبار آبار تكون في أرض رخوة، وأخرى في أرض صلبة أو في صفا، فإنما ذلك على قدر الضرر بالبئر، ولأهل البئر منه من أراد أن يبني أو يحفر بئرًا في ذلك الحريم، لأنه حق للبئر وضرر بهم.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
وكذلك لو لم يكن على البئر من حَفْر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض، كان لهم منعه لما يضر بهم في مناخ الإبل ومرابض المواشي عند وردها.
٣٩٢٥ - وكل من حفر في أرضه أو داره بئرًا، فله منعها وبيع مائها، وله منع المارة من مائها إلا بالثمن، إلا قوم لا ثمن معهم وإن تركوا إلى أن يردوا إلى ماء غيره هلكوا، فلا يمنعون ولهم جهاد من منعهم.
فأما من حفر في غير ملكه بئرًا لماشية أو شفة، فلا يمنع فضلها من أحد، وإن منعوه حل قتالهم، فإن لم يقو المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشًا، فدياتهم على عواقل المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب، وقال النبي ÷: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ". (١)
قال ابن القاسم: و[ذلك] في الصحاري، وأما في القرى والأرض المحوزة، فللرجل منع كلئه - عند مالك - إن احتاج إليه، وإلا فليخل بين الناس وبينه.
_________________
(١) رواه مسلم (٣/١١٩٨)، وأبو عوانة (٣/٣٥٠)، والترمذي (٣/٥٧٢)، ومالك في الموطأ (٢/٧٤٤)، والبخاري (٢/٨٣٠)، والبيهقي (٦/١٥، ١٥١، ١٥٢)، والشافعي في المسند (١/٣٨٢)، وأبو داود (٣/٢٧٧)، والنسائي في الكبرى (٣/٤٠٧)، وابن حبان (١١/٣٢٩) .
[ ٤ / ٣٩٠ ]
وإذا حرث جارك على غير أصل ماء، فلك أن تمنعه أن يسقي بفضل ماء بئرك التي في أرضك إلا بثمن إن شئت.
وأما إن حرث ولأرضه بئر فانهارت، فخاف على زرعه، فإنه يقضى له عليك بفضل ماء بئرك بغير ثمن. وإن لم يكن في مائك فضل، فلا شيء له.
وسئل مالك عن ماء الأعراب يرد عليهم أهل المواشي يسقون منها فيمنعونهم؟ فقال: أهل ذلك الماء أحق بمائهم حتى يرووا، فإن كان فضل، سقى هؤلاء، والحديث: "لا يمنع فضل الماء" (١) هو ما يفضل عنهم.
وكذلك بئر الماشية، الناس أولى بفضلها، وأما بئر الزرع، فصاحب الزرع أولى بالفضل.
٣٩٢٦ - ولا بأس بشرائك شرب يوم أو يومين، من عين أو بئر دون الأصل، أو شراء أصل شرب يوم أو يومين من كل شهر، ولا شفعة في ذلك إن كانت الأرض قد قسمت.
وإذا قُسمت الأرض وترك الماء فباع أحدهم نصيبه من الأرض بغير ماء أو باع نصيبه من الماء فلا شفعة في ذلك، وإنما الشفعة في الماء إذا لم تقسم الأرض.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٤ / ٣٩١ ]
وإذا باع أحدهم حصته من الماء، ثم باع آخر بعده حصته من الماء، لم يضرب البائع الأول معهم في الشفعة في الماء بحصته من الأرض.
وكذلك لو باع حصته من الأرض، ثم باع آخر حصته من الأرض، لم يكن للأول فيها شفعة، لمكان ما بقي له من الماء.
وإذا كانوا شركاء في أرض [وماء]، فاقتسموا الأرض، ثم باع أحدهم حصته من الماء، فلا شفعة له فيما باع بحصته نم الأرض.
٣٩٢٧ - وإن كان لرجل ماء خلف أرضك، وله أرض دون أرضك، فأراد أن يجري ماءه في أرضك لأرضه، فلك منعه من ذلك.
وكذلك لو كان له في أرضك مجرى ماء أراد أن يحوله في أرضك إلى موضع أقرب إليه، فلك منعه. وليس العمل على ما روي عن عمر في هذا.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
٣٩٢٨ - وإن اكتريت من رجل شرب يوم من كل شهر، أو من هذه السنة من قناته بأرضك هذه يزرعها سنته هذه، جاز ذلك، لأنك لو أكريت أرضك بدين، جاز.
٣٩٢٩ - وإن كانت بئر بين رجلين فانهارت، أو عين فانقطعت، فعملها أحدهما وأبى الآخر أن يعمل، لم يكن للذي لم يعمل من الماء قليل ولا كثير، وإن كان فيه فضل إلا أن يعطي شريكه نصف ما أنفق.
وإذا احتاجت قناة أو بئر بين شركاء لسقي أرضهم إلى الكنس لقلة مائها، فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون - وفي ترك الكنس ضرر بالماء وانتقاص، والماء
[ ٤ / ٣٩٣ ]
يكفيهم ولا يكفي الذين شاءوا الكنس [خاصة - فللذين شاءوا الكنس خاصة] أن يكنسوا، ثم يكونون أولى بما زاد في الماء كنسهم دون من لم يكنس حتى يؤدوا حصتهم من النفقة، فيرجعون إلى أخذ حصتهم من جميع الماء.
وكذلك بئر الماشية إذا قل ماؤها فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون، فهي كبئر الزرع، فإن كنسها بعضهم كان جميعهم فيما كان من الماء قبل الكنس على قدر حقوقهم [فيه]، ثم يكون الذين كنسوا أحق بما زاد الماء بكنسهم، فإذا رووا كان الناس وأُباة الكنس في الفضل سواء، حتى يؤدوا حصتهم من النفقة، فإذا أدوه كان جميع الماء بينهم على قدر ما كان لهم، ثم الناس في الفضل [شرعًا] سواء، ولا شفعة في بئر ماشية، ولا تباع [و] إن احتاج أهلها إلى بيعها.
ولا بأس ببيع بئر الزرع وفيها الشفعة إذا لم تقسم الأرض.
٣٩٣٠ - ومن أرسل في أرضه ماءً أو نارًا، فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن
[ ٤ / ٣٩٤ ]
كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها، فتحاملت النار بريح أو غيرها فأحرقت، فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك لقربها، فهو ضامن، وكذلك الماء، وما قتلت تلك النار من نفس، فعلى عاقلة مرسلها.
قيل: فمن كانت له أرض وإلى جانبها أرض لغيره، وله عين خلف أرض جاره، وليس له ممر إلا في أرض جاره، فمنعه من الممر إلى العين؟ قال: سئل مالك عن رجل له أرض وحواليها زرع للناس في أرضهم، فأراد أن يمر بماشيته إلى أرضه في زرع القوم، فقال: إن كان ذلك يفسد زرعهم فلهم منعه.
٣٩٣١ - وإن كانت بركة أو غدير أو بحيرة في أرضك وفيها سمك، فلا تمنع من الصيد فيها ممن ليس له فيها حق، ولا تبع سمكها ممن يصيد فيها سنة، لأنها تقل وتكثر.
ولا بأس أن تبيع خصبًا في أرضك ممن يرعاه عامه ذلك، ولا تبعه عامين ولا ثلاثة، وإنما يجوز بيعه بعد ما ينبت.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
٣٩٣٢ - ومن أحيا أرضًا ميتة بغير إذن الإمام، فهي له، وإحياؤها شق العيون، وحفر الآبار، وغرس الشجر، والبناء، والحرث، فما فعل من ذلك فهو إحياء.
وتفسير الحديث الذي جاء: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" (١)، إنما ذلك في الصحاري [والبراري]، وأما ما قرب من العمران، وما يتشاح الناس فيه، فليس له أن يحييه إلا بقطيعة من الإمام.
قيل: هل كان مالك يعرف هذا الذي يحجر الأرض، أنه يترك ثلاث سنين فإن أحياها وإلا فهي لمن أحياها؟ قال: ما سمعت من مالك في التحجير شيئًا، وإنما الإحياء عند مالك ما وصفت لك.
٣٩٣٣ - ومن أحيا أرضًا مواتًا ثم تركها حتى دثرت وطال زمانها وهلكت أشجارها، وتهدمت آبارها، وعادت كأول مرة، ثم أحياها غيره، فهي لمحييها آخرًا، وهذا إذا
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، ومالك في الموطأ (٢/٧٤٣)، وابن أبي شيبة (٤/٤٦٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٣/٢٦٨، ٢٧٠)، والبيهقي (٦/٩٩، ١٤١، ١٤٢)، والدارقطني (٣/٣٥)، والشافعي في المسند (١/٢٢٤)، والنسائي في الكبرى (٣/٤٠٤، ٤٠٥) .
[ ٤ / ٣٩٦ ]
أحيا في غير أصل كان له، فأما من ملك أرضًا بخطة أو شراء ثم أسلمها فهي له، وليس لأحد أن يحييها.
٣٩٣٤ - ولو نزل قوم أرضًا من أرض البرية فرعوا ما حولها أو حفروا بئرًا لمواشيهم، لم يكن هذا إحياء لمرعاهم، [و] هم والناس في المرعى سواء، ولا يمنع الكلأ إلا رجل له أرض قد عرفت له، فهذا الذي يمنع كلأها، أو يبيعه إن احتاج إليه، وهؤلاء أحق ببئرهم حتى يرووا ثم يكون فضلها للناس، وليس لهم بيعها ولا منع فضل مائها.
٣٩٣٥ - ومن سيّل ماءً عن أرض غَرِقَة، أو نزل بغيضة فقطع شجرها، فذلك إحياء.
ومن حفر بئرًا بعيدة من بئرك، فانقطع ماء بئرك من حفر بئره وعُلم ذلك، فلك ردمها عليه.
٣٩٣٦ - ومن حفر بئرًا حيث لا يجوز له، ضمن ما عطب فيها من دابة أو إنسان.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
وإن حفرت بئرًا في وسط دارك أو إلى جنب جدارك، فحفر جارك خلفها في داره بئرًا أو حفرة في وسط داره، فإن كان ذلك مضرًا ببئرك منع من ذلك.
وكذلك لو أحدث كنيفًا يضر ببئرك منع من ذلك، ومن رفع بناه ففتح كوى يشرف منها على جاره، منع من ذلك.
وكتب عمر - ﵁ - في هذا أن يوقف على سرير فإن نظر إلى ما في دار جاره منع، وإلا لم تمنع [من ذلك] . (١)
قال مالك: يمنع من ذلك ما فيه ضرر، وأما ما لا ينال منه النظر [إليه]، فلا يمنع.
وإن رفع بناءه ولم يفتح فيه كوة فستر جاره من الشمس وهبوب الريح، لم يمنع.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/١٦٠) .
[ ٤ / ٣٩٨ ]
٣٩٣٧ - وإن كانت بين قوم أرض وعين فاقتسموا الأرض وبقيت العين، فأراد أحدهم أن يسقي بحصته من الماء أرضًا له أخرى، أو يؤجر ذلك ممن يسقي له أو يبيعه، [فله ذلك]، ثم لا شفعة فيه لشركائه.
٣٩٣٨ - ومن غصبك أرضًا فزرعها، أو دارًا فسكنها، أو بئرًا فسقى بها أرضه، فعليه كراء ذلك. وإن غصبك دابة فركبها، فلا كراء عليه.
٣٩٣٩ - ومن ارتهن عينًا أو قناة، أو جزءًا من شرب بئر أو عين أو نهر، جاز ذلك إذا قبضه المرتهن وحازه وحال بين صاحبه وبينه.
وليس للراهن أن يكري ذلك، ولا للمرتهن أن يكريه بغير أمر ربه، فإن أمره بذلك أكراه المرتهن وكان الكراء للراهن.
وكذلك من ارتهن دارًا، فليس لرب الدار أن يكريها، ولكن يتولى المرتهن كراها بأمره، ويكون الكراء لرب الدار، ولا يكون رهنًا إلا أن يشترطه.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
وإن اشترط أن يكريها ويأخذ كراها في حقه، فإن كان دينه من قرض، جاز، وإن كان من بيع، [لم يجز] إلا أن [يكون] ذلك الشرط بعد عقد البيع، فجائز، وإن عقد البيع على هذا، لم يجز، إذ لا يدري ما يقتضي أيقل أم يكثر، إذ لعل الدار تنهدم قبل أن يقتضي. وللمرتهن أن يمنع الراهن أن يسقي زرعه بما ارتهن منه من بئر أو قناة.
وإن أذن له أن يسقي [بها] زرعه، خرجت من الرهن.
[وكذلك من ارتهن دارًا فأذن لربها أن يسكن أو يكري، فقد خرجت من الرهن] حين أذن له، وإن لم يسكن ولم يكر.
ومسألة إنخساف البئر في أيام الخيار وما بعدها إلى آخر الكتاب، قد تقدم ذكره في كتاب بيع الخيار، فأغنى عن إعادتها ههنا.
* * *
[ ٤ / ٤٠٠ ]