٢٨ - حكم شراء رقيق الصقالبة (١) (٢)
"قال ابن القاسم: وقفت مالكا غير مرة فقلت له: إن هؤلاء التجار ينزلون بالرقيق الصقالبة فيشتريهم أهل الإسلام، فيبيعونهم مكانهم عـ (ـنـ) ـدما (٣) يشترونهم من أهل الذمة.
فقال: ما علمت حراما، وغيره أحسن.
وقال ابن القاسم: وأنا أرى أن يمنعوا من شرائهم ويحال بينهم وبينهم". (٤)
قال أبو عبيد: أما قول مالك ما علمت حراما، فإنما أراد بذلك، والله أعلم، حراما بينا، لأن الحرام لا تعلم حقيقته إلا بنص أو بما يقوم مقامه.
وكل ما عدم النص فيه فطريق العلم به الاجتهاد، وكل ما كان مأخوذا بوجه الاجتهاد فالاختلاف فيه سائغ.
وكل مختلف فيه من عقود البياعات إذا انعقد وتم وفات البيع عند مبتاعه فلا (سبيل) (٥) إلى فسخه.
فالصَقلَبي ومن جرى مجراه ممن لا يعرف له دين ولا نسب ولا عبادة يتدين بها لا يلحق بحكم أهل الإسلام بمجرد أسره، دون أن يقترن (بـ) ـذلك (٦) قرينة يستدل بها على أجلبته إلى الإسلام.
_________________
(١) فسرها الجبيري بعد قليل بمن لا دين له ولا عبادة يتدين بها. وراجع معجم البلدان (٣/ ٤١٦ - دار الفكر) واللباب في تهذيب الأنساب (٢/ ٢٤٤).
(٢) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) المدونة (٩/ ١٥٢).
(٥) بتر في الأصل، وأتممته اعتمادا على السياق.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١٠٦ ]
فإن كان بالغا فلا ينـ (ـقـ) ـله (١) عن شركه سوى صريح القول بكلمة الإسلام والعمل بما يطابـ (ـقه) (٢).
وإن كان غير بالغ، فلا ينقله عن شركه سوى صريح القول بكلمة الإسلام.
وإن كان ممن يصح منه قصد وتمييز، فلا بد من إجابة يستدل بها على إسلامه، وانقطاع أسباب الشرك عنه، ومتى لم يظهـ (ـر) (٣) منه ذلك فحكمه حكم نفسه.
ألا ترى أنه لا يجوز وطء البالغ من نسائهم قبل أن يسلم ولا وطء غير البالغ التي () (٤) تجيب إلى الإسلام.
لأن كل واحدة منهن داخلة في عموم قولـ (ـه تـ) ـعالى (٥) [ص٤٥] "ولا تنكحوا المشركات حتى يومن".
فإذا كان كذلك فجائز بيعهم من أهل الكتاب وغيرهم قبل أن تظهر منهم إجابة إلى الإسلام.
وهذا اختيا (ر) (٦) عميد المذهب القاضي إسماعيل بن إسحاق.
لأنه حكى في كتابه "المبسو (ط) (٧) " عن أحمد بن المعذل (٨) أنه قال: سمعت عبد الملك بن عبد العزيز (٩)
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) بتر في الأصل بمقدار ٣ كلمات.
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٧) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٨) هو أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم العبدي الكوفي الفقيه المالكي. انظر ترجمته في: الديباج (١/ ٣٠) وترتيب المدارك (٤/ ٥) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥١٩) والوافي بالوفيات (٨/ ١٨٤) والعبر (١/ ٤٣٤) والشذرات (١/ ٩٥).
(٩) هو الماجشون أبو مروان القرشي التميمي المدني المالكي (ت٢١٣)، وقيل ٢١٤). انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٥٩) ووفيات الأعيان (٣/ ١٦٦) وطبقات الفقهاء للشيرازي (١٥٣) وتهذيب الكمال (١٨/ ٣٥٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٦١) وغيرها.
[ ١٠٧ ]
يقول: "في () (١) بالمسلم ليفادي به: أنه لا بأس أن يفادي بالصبي".
فتأول أحمد قول عبد الملك هذا بأن قال:
"وإنما ذلك فيما نرى في الصبي الذي لم ينتقل أمره إلى الإسلام وحكمه، ويصير في دار الإسلام ومع أهله، منقطعة عنه أسباب الشرك".
وأنكر إسماعيل أن يكون مراد عبد الملك بقوله هذا الذي تأوله أحمد بن المعذل فقال:
"وهذا الذي فسره أحمد إنما هو تأويل تأوله على عبد الملك". وقول عبد الملك أنه لا بأس أن يفادي بالصبي أشبه بقول مالك، لأن أبا () (٢) حدثنا عن ابن القاسم قال: "سألت مالكا عن المسلمين يصيبون السبي من العدو فيشتري الرجل منهم الصبي، ونيته أن يدخله في الإسلام وهو صغير فيموت أترى أن يصلي عليه؟ فقال: لا، إلا أن يكون أجاب إلى الإسلام () (٣)
فكأنه لتأويل أحمد على أن مذهبه تجويز بيعهم والتوقف عن استباحة الصلاة عليهم قبل أن يجيبوا إلى الإسلام.
وأما اختيار ابن القا (سـ) ـم (٤) أ (ن يـ) ـمنع (٥) أهل الكتاب من شرائهم، ويحال بينهم وبينهم، فقد روى ابن نافع عن مالك "في المجوسي إذا هلك أنه يجبر على الإسلام ويمنع النصارى من شرائه (و) كذلك الصغار من أهل الكتاب يمنع من
_________________
(١) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
(٢) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
(٣) بتر في الأصل بمقدار ٣ أحرف.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١٠٨ ]
ابتياعهم من خالف الإسلام إذا () (١) آبائهم".
فوجه هذه الرواية أن كل من خالف الإسلام ممن لا يعرف (له) دين ولا نسب إلى عبادة يتدين بها لما كان مجبورا على الإسلام إذا () (٢) وجب أن يحكم له بحكمه.
لأنه مولود على الفطرة التي بها خلق وعليها [ص٤٦] يثاب، وهي الإسلام بدلالة قوله تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم".
يعني: الدين الذي لم (يخـ) ـلق (٣) الخلق إلا له، ولا يقبل سواه، ولا يثيب إلا عليه.
قال الله عز (و) جل "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
وقال ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، وينصرانه ويمجسانه كما أنه تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء (٤) ".
فإذا كان الأصل الإسلام والكفر طارئ عليه بالتلقين الذي يؤخذ به المولود، وجب أن يحكم لجميع من حصل في دار الإسلام وحكمه ممن لا يعرف له دين
_________________
(١) بتر في الأصل بمقدار ٣ أحرف.
(٢) بتر في الأصل بمقدار ٣ أحرف.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) رواه البخاري (١٢٩٢ - ١٣١٩ - ٤٤٩٧ - ٦٢٢٦) ومسلم (٢٦٥٨) وأبو داود (٤٧١٤) والترمذي (٢١٣٨) وأحمد (٢/ ٢٣٣ - ٢٧٥ - ٣١٥ - ٣٤٦ - ٣٩٣) والحميدي (١١١٣) وابن حبان (١٢٨ - ١٢٩ - فما بعد) وأبو نعيم في المستخرج (٢٠٦٢) والبيهقي (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣) والطبراني في الأوسط (٤٠٥٠) والطيالسي (٢٣٥٩ - ٢٤٣٣) وأبو يعلى (٦٣٠٦ - ٦٣٩٤ - ٦٥٩٣) عن أبي هريرة. وفي الباب عن ابن عباس والأسود بن سريع وغيرهما.
[ ١٠٩ ]
ولا نسب إلى عبادة ولكل من سبي من صبيان أهل الكتاب دون أبيه بحكم المسلمين.
وهذه الرواية لها شواهد من الأصول يطول اجتلابها، والنظر يعضدها، وفيما لوحت به من ذلك مقنع إن شاء الله.
وقول ابن القاسم مطابق لها، غـ (ـيـ) ـر (١) أن من مذهبه التوقف عن استباحة الصلاة على من مات منهم قبل أن يتـ (ـعـ) ـلم (٢) (ا) لإسلام، وفي هذا، من التناقض ما لا خفاء به، والله أعلم.
٢٩ - مسألة: إن تعامل الذميان بالربا ثم أسلما (٣) (٤)
"قال ابن القاسم: قلت لمالك أرأيت الذميين إذا تبايعا درهما بدرهمين إلى أجل ثم (أسلما) (٥) جميعا قبل القبض أو بعده، هل يفسخ بينهما؟ قال:
إن أسلما جميعا ترادا الربا فيما بينهما، وإن أسلم الذي له رد إليه رأس ماله وإن أبى الذي عليه الحق فما أدري ما حقيقته؟ إن أمرته أن يرد رأس ماله خفت أن أظلم الذمي.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أيهما أسلم منهما رد إلى رأس ماله، لأنه حكم بين
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) قال ابن قدامة المقدسي في المغني (٩/ ٢٩١): وسئل عن الذمي يعامل بالربا ويبيع الخمر والخنزير ثم يسلم وذلك المال في يده، فقال: لا يلزمه أن يخرج منه شيئا، لأن ذلك مضى في حال كفره، فأشبه نكاحهم في الكفر إذا أسلم. وقال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني (٢/ ٧٣): وإن سلم كافر فهو له إن قبضه قبل إسلامه، وإلا فلا يحل له أخذ ما زاد على رأس المال، بل يسقط عمن هو عليه.
(٤) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأصلحت في الهامش بخط مغاير.
[ ١١٠ ]
مسلم ونصراني فيحكم فيه بحكم الإسلام". (١)
قال أبو عبيد: أما قول مالك في الذميين إذا تعاملا بالربا ثم أسلم ا (لذي) (٢) له الحق منهما أنه يرد إلى رأس ماله، فلأن الله ﷿ قال "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله [ص٤٧] وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين".
فبين أنهم إن لم يتركوا الربا فليسوا بمؤمنين، وإن كانا للإيمان مظهرين.
ثم قال تعالى "فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله".
يقول: يحاربكم الله ورسوله إن لم تفعلوا.
وفي ذلك دلـ (ـيـ) ـل (٣) على أن من منع حقا من حقوق الله تعالى استحق أن يحارب عليه.
قال (تعالى) (٤) " فلكم رؤوس أموالكم" يعني: ما دفعتم، لا تظلمون بأخذ الربا الذي حرمه الله تعالى عليكم، ولا تظلمون ولا تنقصون من رؤوس أموالكم.
وأما قوله: "وإن أسلم الذي عليه الحق" يعني: الذي عليه الربا، فما أدري ما حقيقته، فإنما تحرج من الإقدام على القطع في الجواب، لاشتباه الحادثة عنده واحتمالها لوجوه الاحتمالات.
وذلك أن إسلام الذي عليه الربـ (ـا) (٥)، إنما وقع بعد أن استقر ذلك عليه، وتعلق حق الذمي به.
فاحتمل أن يكون إسلامه مبطلا للربا بما وقع بعد أن استقر ذلك عليه، لأنه قد
_________________
(١) المدونة (١٠/ ٢٨٥).
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه، واعتمادا على ما تبقى من الحروف.
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١١١ ]
صار إلى حال لا يجوز له مع استدامتها أن يتملك الربا، ولا أن يملكه غيره، لا يوكله ماله بالباطل وهذا ما لا يجوز، لأن الله تعالى قال "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".
ويحتمل أيضا أن يكون إسلامه لا يبطل عنه ما قد تعلق بذمته، لأن في إبطال ذلك والاقتصار (١) بالذمي على رأس ماله ظلما له، وفي تغليب واحد من هذين الاحتمالين على صاحبه نظر.
وهو المعنى الموجب لتوقف مالك ﵀ عن القطع على أحدهما، وقد صرح بذلك في قوله: وإن أمرت المسلم أن يرد رأس مال الذمي خفت أن أظلمه.
والذي يقتضيه النظر عندي، ويوجبه القياس على أصوله فسخ البيع، سو (اء أسـ) ـلم (٢) الذي له الحق أو الذي عليه الحق إذا كان ذلك (قـ) ـبل (٣) التقابض.
فأما إسلام الذي له الربا فلا خلاف بين مالك وابن (الـ) ـقاسم (٤) [ص٤٨] في أنه لا يحل له أن يأخذ من صاحبه سوى رأس ماله الذي دفعه إليه، وقد دللت على صحة ذلك بما فيه مقنع إن شاء الله.
وأما إسلام الذي عليه الربا فإنما وجب فسخ البيع بينه وبين الذمي قبل (القبض) (٥)، لأن أهل الكتاب ليست أملاكهم مستقرة، وإنما لهم شبهة ملك على ما في أيديهم يصححها الإسلام، فبيعهم ومناكحهم في الأصل إنما هي (بـ) ـشبهة (٦)، وليست بعقود متمكنة في الصحة.
_________________
(١) سقطت الصاد والراء في الأصل، وأصلحت في الهامش بخط مغاير.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) لا تظهر جيدا في الأصل، لكن هكذا يمكن تقديرها.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١١٢ ]
قال الله تعالى "قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
ومن كان لا يدين دين الحق فكل ما صدر عنهم من عقد وغيره معصية وكفر.
فإنما يصحح عقودهم الإسلام، ويكون الحكم في ذلك حكم ما ابتدئ عقده في الإسلام من غير أ (ن) يكون في الأصل جائزا.
ألا ترى أن ما عقدوه من المناكح في حال الكفر بغير ولي، ولا إعلان ولا شهود وفي العدة، وما جرى مجرى ذلك، أنه معفو عنه بالإسلام، ولو ابتدئ فيه لكان باطلا.
فدل ذلك على أن (ا) لإ (سـ) ـلام (١) هو الذي صحح ما كان فاسدا من فعلهم، فكذلك يصحح إليهم إسلامهم ما قبضوه من الربا وثمن الخمر (٢) والخنزير والميتة.
فإذا كان كذلك، فإسلام الذميين المتعاملين بالربا أو إسلام أحدهما قبل القبض موجب لفسخ الربا وإبطاله، لأن شبهة البيع لا توجب ما لم يكن واجبا قبلها، إلا أن يقترنا إليها فوات المبيع بقبض المبتاع له، و(فـ) ـوات (٣) عينها عنده.
وإلى هذا المعنى ذهب ابن القاسم في فسخ الربا (وإبطـ) ـاله (٤) إذا أسلم أحد المتبايعين.
إلا أن العلة التي علل بها فسخ ذلك منتقضة، بدلالة [ص٤٩] أن كل عقد انعقد بين مسلم وذمي فحكمه عند المسلمين جميعا قبل القبض وبعده حكم واحد، في أنه ينقض إذا كان حكم الإسلام يقتضي ذلك، فات المعقود عليه أو لم يفت.
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٢) هذه الكلمة ثابتة في الهامش، وعليها علامة التصحيح، وبها طمس قليل.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١١٣ ]
ألا ترى أن مسلما وذميا لو تبايعا خمرا أو خنزيرا لكان المبيع مفسوخا بينهما قبل القبض وبعده.
فلو أن ذميا أسلم على ثمن خمر أو خنزير أو شيء من المحرمات التي لا يجوز للمسلم أن يتملك أثمانها ما كان إسلامه يصحح له تملكه ذلك، فدل على فساد ما اعتل به، واطراد علتنا فيه، والله أعلم.
٣٠ - مسألة: نصراني أسلم في خمر قبل إسلامه (١) (٢)
"قال ابن القاسم: قال مالك في نصراني أسلم (٣) إلى نصراني في خمر:
إنهما إن أسلما جميعا انتقض سلمهما، وإن أسلم الذي عليه الخمر فما أدري ما حقيقته؟ لأني إن أمرت النصراني أن يرد رأس المال ظلمته، وإن أعطيت المسلم الخمر أعطيته ما لا يحل له. وخالف بينه وبين الذي يعطي الدرهم بالدرهمين.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إن أسلم الذي له الخمر رد إليه النصراني رأس ماله على ما وصفت لك من الحكم بين المسلم والنصراني". (٤)
_________________
(١) قال ابن قدامة المقدسي في المغني (٤/ ١٩٧): إذا أسلم نصراني إلى نصراني في خمر ثم أسلم أحدهما، فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسلم يأخذ دراهمه، كذلك قال الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وبه نقول، لأنه إن كان المسلم المسلم فليس له استيفاء الخمر، فقد تعذر استيفاء المعقود عليه، وإن كان المسلم إليه فقد تعذر عليه إيفاؤها، فصار الأمر إلى رأس ماله.
(٢) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٤/ ٤٢٨): والسلم (بفتحتين) السلف وزنا ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل السلف: تقديم رأس المال، والسلم: تسليمه في المجلس. فالسلف أعم. والسلم شرعا: بيع موصوف في الذمة. ومن قيده بلفظ السلم زاده في الحد واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب.
(٤) المدونة (١٠/ ٢٨٦).
[ ١١٤ ]
قال أبو عبيد: المعنى الذي له ومن أجله توقف مالك ﵀ عن الجواب في هذه المسألة من نحو ما قد شرحناه في الذميين المتعاملين بالربا إذا أسلم أحدهما، لأن المسلف إليه في الخمر إن كان هو المسلم جاز (١) أن يدفعها إلى صاحبها، فلا جائز أن يكلف ابتياعها، لأن عينها محرمة عليه، ولا يصح له ملك عينها بابتياع ولا غيره.
وما أعطي فيها فهو من أكل المال بالباطل.
وفي إجبار النصراني صاحب الخمر على أخذ ثمنها من المسلم ظلم للنصراني.
وإن كان الذي أسلم هو صاحب الخمر، فلا يحل له أن يأخذهـ (ـا من) (٢) النصراني، لأنه لا يجوز له تملكها ولا أخذ العوض عنها.
وفي تكليف النصراني رد الثمن المدفوع إليه فيها ظلم له.
فالذي [ص٥٠] يقتضيه النظر ويوجبه القياس على أصولهم: فسخ البيع سواء أسـ (ـلـ) ـم (٣) الذي له الحق أو الذي هو عليه الحق، إذا كان ذلك قبل التقابض، للمعنى الذي شرحناه في الذميين المتعاملين بالربا إذا أسلم أحدهما.
وأمـ (ـا) (٤) قول ابن القاسم: وخالف بينه وبين الذي يعطي الدرهم بالدرهمين، فإن صح هذا القول عنه فهو غلط، لأن مالكا لم يتوقف في مسألة الذميين المتعاملين بالربا إذا أسلم الذي له الحق منهما أنه يرد إلى رأس ماله، () (٥) من هذه المسألة إسلام صاحب الخمر، لأن عينها محرمة عليه، لأن () (٦) الزائد
_________________
(١) في الأصل: جزى، والصواب ما ذكرته.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
(٦) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
[ ١١٥ ]
على رأس مال صاحبه محرم عليه.
فكما لا يجوز لصاحب الربا أخذه بعد إسلامه، فكذلك لا يجوز لصاحب الخمر أن يأخذها بعد إسلامه.
فأما إسلام الذي عليه الربا فوازنه () (١) الذي عليه الخمر على ما نصه مالك ﵀، وهذا بين لمن تأمله (إن) (٢) شاء الله، فاعلم ذلك.
_________________
(١) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١١٦ ]