٣١ - استئجار الأطباء على العلاج (١) (٢)
"قال ابن القاسم " قال مالك في الأطباء إذا استأجروا عـ (ـلـ) ـى ا (لعـ) ـلاج (٣):
فإنما هو على البرء، فإن برأ فله حقه، وإلا فلا شيء له، إلا أن يكونا شرطا شرطا حلالا فينفذ بينهما، وكذلك الكحال يستأجر على كحل العين من وجع بها.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إن اشترط أن يكحله كل يوم أو كل شهر بدرهم إن ذلك جائز إذا لم ينقده، فإن برأ قبل ذلك كان للطبيب من ذلك بحسابه، إلا أن يكون صحيح العين، فاشترط عـ (ـليه) (٤) أن يكحله (كل) (٥) شهر بدرهم، فهذا لا بأس به، وإن اشترط النقد فيه لأنه مما لا (يتوقع برء) (٦) ". (٧) [ص٥١] () (٨)
قال أبو عبيد: الأعمال المعقود عليها عقود الإيجارات تنقسم عند مالك قسمين:
_________________
(١) قال ابن عبد البر في الكافي (٣٧٥): واختلف قول مالك في جواز معاملة الطبيب على البرء، فمرة أجاز ذلك، ومرة قال لا يجوز إلا إلى مدة معلومة. وقال في كفاية الطالب الرباني (٢/ ١٩٧): وكذلك لا بأس بمشارطة أي بمجاعلة الطبيب على البرء حتى يبرأ، وهي على أقسام، ذكرناها في الأصل، منها ما هو متفق على جوازه، مثل أن يؤاجره على أن يداويه مدة معلومة بأجرة معلومة والأدوية من عند العليل، ومنها ما هو مختلف فيه مثل أن يؤاجره مدة معلومة، والأدوية من عند الطبيب. وانظر المغني (٥/ ٣١٤ـ٣١٥) والفواكه الدواني (٢/ ١١٥) وحاشية العدوي (٢/ ١٩٧).
(٢) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) سقطت من الأصل، والسياق يقتضيها.
(٦) سقط في الأصل بمقدار ٣ أحرف، وأتممته من المدونة.
(٧) المدونة (١١/ ٤٢٢).
(٨) ما بين القوسين به سقط بمقدار كلمتين أو كلمة.
[ ١١٧ ]
معلوم ومجهول لا يتبعض، وإن بعض لم تنفصل أجزاؤه، وفي تبعيضه إبطال الغرض المقصود فيه.
وحكم هذا الضرب من مجهول الأعمال حكم المعلوم في أنه لا يجوز تعليقه بز (مـ) ـان (١) معلوم.
ومجهول متبعض الأجزاء، وهذا الضرب مفتقر إلى زمان معلوم يحصر فيه، ويتعلق استيفاؤه به، إلا ما كان منه معلقا بغاية محدودة متوقعة الكون، فيجوز أن يقتصر به عليها، ويجوز أن يعلق استيفاؤه بها، وبالأجل دونها بمثل العمل المعلوم خياطة الثوب (٢)، وخرز الخف، والسقاء، وثقب الجوهر، وحفر البئر، إذا كان ذلك كله محصورا بصفة في عين مرئية.
فهذا وما كان في معناه لا يجوز، غير إن تعلق عمله بزمان معلوم، لما في ذلك من الخطر والغرر، إذ قد يجوز ألا يتم ذلك العمل في مدة ذلك الزمان فيذهب عمل المستأجر بغير أجرة، إذا كانت الأجرة لا تجب له إلا بحصول المنفعة التي استؤجر عليها المستأجر، والتخلية بينه وبينها.
إلا أن الأجرة إنما هي ثمن المنافع التي وقع العقد عليها، والثمن لا يجب إلا بتسليم المثمون.
وهذه جملة لا خلاف بين مالك وابن القاسم فيها.
ومثل المجهول الذي لا يتبعض، وفي تبعيضه إبطال الغرض المقصود (منه) (٣): استئجار الطبيب على برء العليل، والكحال على برء العين الوجعة، والأجير على () (٤) فك الأسير، وما جرى مجرى ذلك.
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٢) يظهر أن هذه الجملة فيها بتر أو تصحيف.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
[ ١١٨ ]
وإنما لم يجز تعليق البرء بزمان معلوم، لأن البرء لا يتبعض ولا تنـ (ـفـ) ـصل (١) أجزاؤه، [ص٥٢] فيقع لكل جزء منه قسطه من الأجرة، وإنما هو منوط بارتفاع العلة (٢) المؤثرة في الجسم، أو في العضو المؤلم، فإذا ارتفع التأثير خلفه البرء (٣).
وما كان هذا وصفه من الأعمال المستأجر عليها فلا جائز أن يعلق بأجل لما في ذلك من إبطال غرض المستأجر، وأكل ماله بالباطل.
لأن غرض العليل البرء من علته، والبرء غير معلوم الكون فيعلق بزمان يكون فيه.
وكذلك المستأجر على الحج، لا يكون حاجا كامل الحج إلا باستيفاء جميع مناسكه، كما أن الأسير لا ينفك من ذل الأسر بافتكاك بعضه.
وفي تعليق معالجة العليل، وفك الأسير بالأجل إبطال لغرض المستـ (ـأ) جر (٤) وإتلاف لماله من غير عوض يعتاضه منه، وهذا من أكل المال بالباطل.
وقد قال الله ﷿ "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".
ولم يختلف قول مالك وابن القاسم في أن هذه الإجارة إذا علقت بزمان أنها لا تجوز، إلا بشرط أن يكون للمستأجر فسخ ذلك متى شاء.
فدل ذلك على أن الأجل لا يوجب حكما لم يكن واجبا قبله، وإذا كان كذلك فلا معنى لتعليق العمل به.
وقد سئل مالك ﵀ عن الطبيب يستأجر على البرء بالأجر المعلوم فقال: "لا بأس بذلك" (٥) وهو شأن العلاج، يريد - والله أعلم - أن اشتراط البرء في معالجة
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٢) كتبت هذه الكلمة في الهامش بخط مغاير، لأن في الأصل بتر هنا.
(٣) هنا بتر قليل لكن معالم الكلمة لازالت ظاهرة.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) في المدونة (١١/ ٤٢٢) باب إجارة الأطباء: قال في الأطباء إذا استأجروا على العلاج فإنما هو على البرء، فإن برأ فله حقه وإلا فلا شيء له. اهـ.
[ ١١٩ ]
الطبيب هو سنة الإجارة في ذلك.
ومثال المجهول الذي لا بد له من زمان يتعلق به: استئجار الظهير على الرضاع، والأجير على الخدمة المطلقة وعلى بيع السلع، وما كان في معناها.
وإنما أوجب أن يكون ما هذا وصفه من الأعمال معلق بزمان معلوم، لأنه مجهول القدر معلوم (الـ ..) (١) مع () (٢) المستأجر فوجب أن يعلق بزمان معلوم يحصر فيه قدره، ويكون ظرفا لاستيفاء [ص٥٣] يؤ (دي) (٣) إلى العلم به.
كما كان الكيل ظرفا للمكيل يعلم به.
وهذا ما لا أعلم فيه خلافا، أعني في أن العمل المجهول الذي هذا وصفه لا بد له من زمان معلوم يتعلق به، ولولا ذلك لتوى (٤) عمل المستأجر وذهب عناؤه باطلا بلا عوض يعتاضه منه.
فأما كل عمل مجهول القدر متعلق بغاية محدودة متوقعة الكون، فإنه لا يجوز أن يعلق بزمان معلوم، ويجوز أن يـ (ـقـ) ـتصر (٥) به على الغا (ية) (٦) التي هو متعلق بها.
كتعليم القرآن فإن أغراض الناس مختلفة فيه، فمنهم من غرضه حفظه، ومنهم من غرضه حفظ بعضه، وكلا الأمرين سائغ فيه، لأن حفظ جميعه، إنما هو فرض على الكفاية ينوب فيه البعض عن الكل، لأنه أصل العلم.
وطلب العلم فرض على الكفاية، فمن كان غرضه حفظه، جاز له أن يشارط
_________________
(١) بتر في الأصل بمقدار كلمة.
(٢) بتر في الأصل بمقدار ٣ أحرف.
(٣) ما بين القوسين به بتر، لكنه أصلح فوقه بخط مغاير.
(٤) أي ذهب، انظر اللسان (١٤/ ١٠٦).
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١٢٠ ]
على حفظه، ولا يعلق ذلك بزمان معلوم.
قال مالك: وقد (سئل) (١) عن الرجل يجعل للرجل عشرين ديزا على أن يعلم ولده القرآن حتى يحذقه "لا بأس بذلك" ثم قال: "القرآن أحق ما تُعلم أو قال: عُلم".
ومن كان غرضه حفظ ما تيسر منه حسن أن يعلق تعليم ذلك بأجل معلوم، لأن الأجل أحصر للعمل في ذلك وأعدل بين الفريقين، والله أعلم.
وأما قول ابن القاسم: وأنا أرى أن يشترط أن يكحله كل يوم أو كل شهر بدرهم، إن ذلك جائز إذا لم ينقذه، فإن برأ قبل ذلك كان للطبيب من الأجر بحساب ما مضى من الشهر، إلا أن يكون صحيح العينين فاشترط عليه أن يكحله كل شهر بدرهم.
فهذا لا بأس به.
وإن اشترط النقد فيه فإنما هو مبني على الاحتياط وتحري العدل بين الفريقين.
فأما القياس: فهو ما شرحناه من قول مـ (ـالـ) ـك (٢).
وتفر (يق) ابن القاسم بين الصحيح والسقيم في جواز تقديم الأجرة دليل على ذلك، ألا ترى أنه جوز لذي العين الصحـ (ـيحة) (٣) من تقديم الأجرة [ص٥٤] ما حظره على ذي العين العليلة، وإنما ذلك والله أعلم، لأن غرض (الـ ـع) في استئجار الطبيب لكحل عينيه استدامة الصحة بذلك، والكحل معلوم الكون مع بقاء المستأجرين ومقدار ما يكحله مجهول، لأنه معلق باجتهاد رأي الطبيب، فـ (ـلا) (٤) بد من أجل يحصر فيه ويتعلق استيفاؤه به.
_________________
(١) هذه الكلمة بها بتر قليل.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١٢١ ]
وإذا كان كذلك، دل على (أن عقد الإجارة في) (١) ذلك لازم لهما، وكل عقد يلزم المتعاقدين الوفاء به فتقديم الأجرة فيه جائز.
فإنما غرض العليل: إنما هو البرء من علته، والبرء غير معلوم الكون فبطل أن يجوز تعليقه بزمان يكون فيه، فلو كان لضرب الأجل مدخل في معالجة العليل لجاز (تـ) ـقديم (٢) الإجارة فيه، كما جاز ذلك في مشارطة الصحيح، والله أعلم.
_________________
(١) أكلت الأرضة أسفل هذه الحروف، وبقيت أعلاها.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١٢٢ ]