الْقَذْفُ: وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّنَى وَاللَّوَاطِ وَالنَّفْيِ عَنِ الأَبِ أَوِ الْجَدِّ لِغَيْرِ الْمَجْهُولِ بخِلافِ نَفْيِهِ عَنِ الأُمِّ
هو بالذال المعجمة وأصله الرمي إلى بعد، فكأنه رماه بما يبعد ولا يصلح، ومنه قيل للمنجنيق القاذف، وقد سماه الله رميًا فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] ويسمى أيضًا فرية؛ لأنه من الافتراء والكذب، وهو من الكبائر بإجماع. ومفهومه في الشرع أخص منه في الفقه، ورسمه المصنف بالرسم المذكور وأتى بما يتناول اللفظ وما يقوم مقامه كالإشارة في حق الأخرس.
وقوله: (مَا يَدُلُّ) يحتمل بالصريح وعليه اقتصر ابن عبد السلام، ويحتمل ما يدل مطلقاص فيشمل التعريض ويكون التشبيه لبيان التعريض إن كان دالًا فكالصريح، وعطف اللواط على الزنى من عطف الخاص على العام لأنه نوع منه.
وقوله: (وَالنَّفْيِ عَنِ الأَبِ أَوِ الْجَدِّ) احترازًا من الأم كما سيأتي، أو لتنويع لا للشك؛ لأن الجد لا يقبل الشك.
وقوله: (لِغَيْرِ [٧٣٠/أ] الْمَجْهُولِ)، وقع في بعض النسخ بالجيم والهاء، وكذلكقوع في نسخة ابن راشد، واحترز بذلك من المجهول كالمنبوذ، ففي العتبية عن مالك نفي الحد عمن قال لمنبوذ يا ابن الزانيةويؤدب. قال في البيان: لأن أمه لا تعرف، ولا حد على من قذف مجهولًا. قال: وكذلك لو قال له يا ابن الزاني. قال: وكذلك قال في الواضحة: لا حد على من قذف منبوذًا بأمه أو بأبيه، وأام إن قال له ولد زنى، فيجب عليه لاحتمال أن يكون أشده وإن كان قد نبذ. ووقع في بعض النسخ: (المحمول) بالحاء المهملة والميم ليحترز من المستبين، فإنه لا حد على من نفاه من أبيه، وقال: يا ولد زنى. قال أشهب، قال: لأن المجهولين لا يثبت أنسابهم ولا يتوارثون بها، وسئل في العتبية عن الرجل
[ ٨ / ٢٥٧ ]
الغريب يقال له يا ابن الزانية وهو لا يعرف أمه، قال مالك: أرى أن يضرب الحد إذا كان رجلًا مسلمًا. وقد يقدم الرجل البلد فيقيم بها سنين من أهل خراسان فيقدمه الرجل ويقال له أقم البينة أن أمك حرة أو مسلمة.
مالك: ما أراد ذلك عليه ولكن أراد أن يضرب على قذفه، والظالم هو الذي يحمل عليه. قال في البيان: وهذا بين لأن أم الحر المسلم محمولة على الإسلام والحرية حتى يعلم خلافه، وإنما يحد إذا قال له: يا ابن الزانية إذا كانت أمه قد ماتت أو غائبة بعيد ةالغيبة، فلا حد عليها إلا بعد الإغرار. انتهى. وهذا أظهر مما قاله أشهب لأنا منعناهم التوارث لجهلنا بأنسابهم لا أنهم أولاد زنى، والمشهور أن توءمي المجهولة يتوارثان أشقاء، وزعم ابن عبد السلام أن النسخة الأولى تصحيف وليس بظاهر، لا يقال التعريف غير مانع لصدقه على المخاطب إذا كان غير عفيف أو عبد أو كافر، وليس بقذف لسقوط الحد؛ لأنا نقول كل هذا قذف وانتفاء الحد لانتفاء الشرط لا لانتفاء ماهية القذف.
بخِلافِ نَفْيِهِ عَنِ الأُمِّ
أي: بخلاف نفي المقذوف عن الأم، نحو لست لأمك، فهذا لا حد عليه، قاله مالك وأصحابه، وعلله بأن الأمومة منتفية فيعلم كذبه في نفيه عنها، فلا غضاضة عليه فيه، والأبوة ثابتة بالحكم وغلبة الظن، فلا يعلم كذبه في نفيه فتلحقه بذلك معرة، وأشار التونسي إلى استشكاله بأن فيه قذف الأب لن معناه أن غيرأمك وإلى ترك محمل أباه على غير أمه.
وَالتَّعْرِيضُ بذَلِكَ إِنْ كَانَ مَفْهُومًا كَالتَّصْرِيحِ مِثْلُ: أَمَّا إّذَا فَلَسْتُ بزَانٍ
(بِذَلِكَ) أي: زَنَّى أو لواطًا أو نفي عن أب أو جد كالتصريح في وجوب الحد، والمثال الذي ذكره خاص ببعض أنواع التعريض، وترك المصنف غير اختصار لأن ذلك
[ ٨ / ٢٥٨ ]
يفهم منه كقوله: أما أنا فلست بلائط وأنا معروف. واحترز المصنف بقوله: (إِنْ كَانَ مَفْهُومًا) ممن لا يفهم منه القذف.
عبد الوهاب: واختلف في اللفظ المحتمل للقذف والشتم إلى أيهما يرد على القولين. وفي اللخمي: إن صرح بالقذف أو عرض به حد، وإن شتم بلفظ القذف أو عرض به عوقب ولم يحد، وإن أِكل الأمر هل يراد بذلك القذف أم لا؟ حلف أنه لم يرد به قذفًا وعوقب، واختلف إذا نكل هل يحد أم لا؟ فأجراه مرة مجرى النكول عن أيمان التهم أنه يغرم ما نكل عنه، فقال هنا يحد، ورأى مرة أنه بخلاف المال ولا يؤخذ منه الحد. قال في المدونة: وإن قال لرجل يا فاسق يا فاجر نكل، وكذلك يا حمار، يا ابن حمار، يا ابن ثور، يا خنزير، فإن قال له يا خبيث، أحلف أنه لم يرد قذفًا ثم ينكل، فإن نكل عن اليمين لم يحد ونكل.
اللخمي: يريد ويزاد في نكاله وإن قال يا ابن الفاسقة ويا ابن الفاجرة نكل وإن قال يا ابن الخبيثة أحلف أنه ما أراد قذفًا، فإن نكل عن اليمين حبس حتى يحلف، فإن طال حبسه نكل ولم يره من التعريض. وقال أشهب في الموازية: إن قال: يا فاجر، يا فاسق، يا خبيث، فإن نكل حد.
محمد: ويحلف أنه لم يرد نفيه من أبيه ولا قذفًا لأبيه فإن نكل حد. وقال ابن الماجشون: يا ابن الفاسقة، يا ابن الفاجرة، يا ابن الخبيثة، ونكل حد. ومضى في ذلك على أصله أن قول ذلك للنساء أشد، إلا أنه عنده من الأمر المتردد ما يراد به القذف أم لا، وروى ابن القاسم أن قوله: يا ابن الخبيثة أشد من قوله: يا ابن الفاسقة؛ لأن الفسق الخروج عن الطاعة جملة ولا يختص بالفاحشة، والخبث يراد به الفاحشةن قال الله تعالى في قوم لوط ﴿الَّتِي كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَئِثَ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ولم يحمل القائل على أنه أراد ذلك لأن العامة لا تعرفه، فلذلك استظهر عليه باليمين، قال في البيان: أما إن قال: يا خبيث الفرج فلا إشكال أنه يحد.
[ ٨ / ٢٥٩ ]
فرع: ويستثنى من سقوط الحد بالتعريض الأب فإنه لا حد عليه فيه، نص عليه مالك. وفي المدونة: إذا عرض بزوجته ففيه الحد. واختلف في ذلك، وأما الشاعر أعرض في شعره فلمالك في العتبية: لا حد عليه إلا ان يكون بينًا جدًّا. قال في البيان: ورأيت لأبي بكر بن محمد أنه يعتبر شعره فإن كان فيه تعريض حد. وكأنه تأول ما لمالك في العتبية على سقوط الحد مطلقًا، وليس بتأويل صحيح لأنه نص على أنه الحد إذا كان [٧٣٠/ب] الشيء إليه، وإنما يشترط ألا يحد إلا أن يكون ذلك قولًا بينًا، فليس قول مالك مخالفًا لأصله في إيجاب الحد بالتعريض، وأسقط أبو حنيفة والشافعي الحد في التعريض مطلقًا لجواز التعريض في النكاح، وفيه نظر؛ لأنه كان يلزم عليه جواز التعريض بالقذف، ودليلنا ما روي في الموطأ أن رجلين تسابَّا في زمان عمر ﵁، فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي زانية. واستشار في ذلك عمر، فقال قائل: مدح أباه وأمه. وقال آخرون: وقد كان لأمه وأبهي مدح غير هذا، نرىن نجلده الحد. فجلده عمر الحد ثمانين. وروي أن عمر ﵁ جلد في التعريض وقال ﵀: لا تداعى جوانبه. وبه قال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز. ولسنا إنا نحن متعبدون بالمعاني، ولو تسابَّ رجلان فقال أحدهما: ابن الفاعلة الصانعة العفيفة التي لم تزن قط. لفهم منه نطقًا فيهما بالزنى، بل هو أ [لغ من قوله: يا ابن الزانية.
اللخمي: ويجب الحد إذا قال: ما يطعن في فرجي بشيء وإني لعفيف الفرج أو أنك لعفيف الفرج، وإن لم يذكر الفرج، وقال: إني عفيف أو ما أنت عفيف أو عفيفة، افترق الجواب، فإن قال ذلك لرجل أحلف أنه لم يرد قذفًا ولم يحد. وهو قول مالك وعبد الملك، واختلف إذا قال ذلك لامرأة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد. وقال عبد الملك: ولو قال ذلك لرجل إلا أن يدعي أنه عفيف في المكسب والمعظم، فيحلف ولا حد عليه وينكل. قال: لأن المرأة لا يعرض عليها بالعقاب إلا بالفرج، والرجل يعرض له في غيره.
[ ٨ / ٢٦٠ ]
يحيى بن عمر: وإن قال لامرأته يا مخبث فعليه الحد.
ابن الماجشون: وإن قال لرجل يا مأبون وهو رجل في كلامه تأنيث ويضرب بالكبر ويلعب في الأعراس ويتهم بما قيل له فيما يخرجه عن الحد، واختلف إذا قال لرجلٍ يا مخنث، قال مالك في المدونة: احلف ما أراد قذفًا وينكل، فإن نكل حد. وفي الموازية: إن كان في المقول له تصنع في يديه أو من عمل النساء شيء أو لين الكلام، أحلف ما أراد غيره إن كان بريئًا من ذلك ولا شيء فيه منه حد القائل. وحمل اللخمي ما في الموازية على الخلاف وحمله غيره على التفسير بما في المدونة. وإن قال: يا ابن منزلة الركبان. ففي الواضحة: يحد. وكذلك إن قال يا ابن ذات الراية، وإن قامت فلانة في أعكانها حد عند ابن القاسم خلافًا لأشهب. وفي الموازية: من قال لرجل: يا ابن زانٍ، جلد لزوجته إن طلبت لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة، وقاله ابن القاسم في غير الموازية، ولم يرمِ فزعم فيه الحد، وقال يجلد عشرين سوطًا.
وَالْكِنَايَةُ كَذَلِكَ مِثْلُ: يَا نَبَطِيُّ، أَوْ مَا أَنْتَ بحُرٍّ، أَوْ يَا رُومِيُّ، أَوْ يَا فَارِسِيُّ لِعَرَبِيِّ بخِلافِ الْعَكْسِ
الجوهري: الكناية أن يتكلم بشيء ويريد به غيره. وفي تلخيص المفتاح: الكناية: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه. والمصنف ﵀ لما رأى أن التعيرض خلاف الكناية عند علماء البيان، ورأى أن أهل المذهب لم يفرقوا بينهما لكونهم لم يقسموا القذف إلا إلى صريح وتعريض، تبع في ذلك علماء البيان، وأِعر ذلك بمعرفة هذا الفن وبعدم ارتضائه قول الفقهاء، وليس ذلك بمجرد مخالفتهم أصحاب علم البيان، فإن هذا يرجع إلى الخلاف في الاصطلاح وطائل تحت، ولكن لأن دلالة التعريض أقوى من الكناية، والوارد عن عمر ﵁ إنما هو في التعريض وهو أصل هذا الباب، فلا يصح قياس الكناية عليه. ومثل المصنف بقوله: (أَنْتَ بحُرَّ، أَوْ يَا رُومِيُّ، أَوْ يَا فَارِسِيُّ لِعَرَبِيٍّ)؛
[ ٨ / ٢٦١ ]
لأنه قطع نسبه بخلاف العكس- أعني: إذا قال للرومي والفارسي يا عربي- فإن العرب في هذا ليس قطع النسب بل الثناء على المغلظ بصفات العرب مثل الشجاعة والسخاء وغير ذلك.
فرع: ولو قال يا ابن اليهود أو النصراني، فقال ابن القاسم: يحد إلا أن يكون في آبائه أحد كذلك. وقال أِهب: لا حد عليه إذا حلف أنه لم يرَ نفيه.
اللخمي: وحمل قوله أن أباك الذي تنسب إليه الآن يهودي أو نصراني. وكذلك إذا قال: يا ابن الأقطع، يا ابن الأعور، يا ابن الأحمق، يا ابن الأزرق، يا ابن الآدم، وليس أبوه كذلك، فقال ابن القاسم: يحد لأنه حمل أباه على غير أمه. وعلى قول أشهب لا يحد إذا حلف، واختلف إذا قال يا ابن الحجام او يا ابن الخياط أو غير ذلك من الصنائع وليس في آبائه من يعمل ذلك، فلمالك في المدونة من رواية ابن القاسم: إن كان المقول له ذلك من العرب حد، وإن كان من الموالي فلا حد عليه، ويحلف بالله ما أراد قطع نسبه ويعزر. وروى ابن حبيب عنه يحد فيهما. وقال أشهب: لا حد فيهما إذا حلف أنه لم يرد نفيه من آبائه. قال: وإنما ذلك كقوله: أبوك الذي ولدك حجام أو حائك
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مِثْلِ: يَا فَارِسِيُّ وَشِبْهِهِ لِرُومِيِّ وَشِبْهِهِ
الضمير في (قَوْلُهُ) عائد على مالك والخلاف في المدونة، لكن إنما حكاه فيمن نسب جنسًا من البيض إلى جنس من السودان، واختار ابن القاسم نفي الحد، وزاد: إلا أن يقول يا ابن الأسود وليس في آبائه الأسود. وفي الجواهر: فيمن قال لرومي يا فارسي، ولفارسي يا رومي أن عليه الحد. وفيه نظر؛ فقد حكى في البيان [٧٣١/أ] الاتفاق على أنه لا حد على من نسب أحدًا من البيض من البربر والفرس والقبط إلى غير جنسه من البيض كلهم، أعني في غير العرب ولذلك إذا نسب جنسًا من أجناس السودان إلى غيره
[ ٨ / ٢٦٢ ]
من أجناس السود كالحبس والنوبة باتفاق؛ لأن غير العرب لا يحفظون أنسابهم كالعرب، قال: واختلف إذا نسب أحدًا من أجناس البيض إلى جنس من أجناس السودان أو بالعكس على ثلاثة أقوال:
الأول: نفي الحد، وهومذهب مالك الذي أخذ به ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن عليه الحد في ذلك كله إلا أن يكون المقول له أسود أو ابن أسود، وإن كان من جنس البيض فيقول له يا ابن النوبي، أو يا ابن الحبشي، وهذا مذهب ابن الماجشون في الواضحة.
الثالث: أنه لو قال البربري يا فارسي، أو قبطي يا حبشي أو يا نوبي، فعليه إلا أن يكون أسود أو في أقاربه أسود، وإن قال لحبشي أو نوبي يا بربري أو يا فارسي أو قبطي أو يا نبطي فلا حد عليه، وهذا يأتي على أحد قولي مالك في المدونة في وجوب الحد على الذي يقول لبربري أو رومي يا حبشي، أن عليه الحد، قال وأما العرب فإنها تحفظ أنسابها، فمن نسب أحدًا من العرب إلى غير العرب، أو نسب أحدًا منهمإلى غير قبيلته فعليه الحد قولًا واحدًا، أو قريش من العرب والعرب ليست من قريش، فمن قال لقرشي: يا عربي لم يحد، ومن قال لعربي: يا قرشي حد. وكذلك كل قبيلتين يجمعهما أب واحد يحد من نسب أحدًا من القبيلة الأعلى إلى القبيلة الأدنى، ولا يحد من نسب أحدًا من القبيلة الأدنى إلى القبيلة الأعلى. انتهى.
وَفِي مِثْلِ: زَنَتْ عَيْنُكَ، أَوْ يَدُكَ، أَوْ رِجْلُكَ، الحَدُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لاَ عِنْدَ أَشْهَبَ
فقول ابن القاسم في المدونة وجوب الحد، والخلاف مبني على أنه هل هو من التعريض أم لا؟ واستحسن اللخمي قول ابن القاسم، قال: إلا أن يكون بإثر ما تكلم بباطل أو يظن بذل أو سعى فيه، وادعى أنه إنما أراد ذلكفإنه يحلف ولا يحد. واختار
[ ٨ / ٢٦٣ ]
جماعة قول أشهب لإضافته عليه الصلاةوالسالم الزنى إلى هذه ثم قال: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" فأخبر أن زنا هذه الأعضاء كالزنى، لكن الشاتم لم ينفِ الزنى عن الفرج كما في الحديث، واتفق ابن القاسم وأشهب على الحد إذا قال: زنى فرجك.
وَفِي مَالِكٍ أَصْلٌ وَلا فَصْلٌ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ حُدَّ لَهُ
والحد لأصبغ وهو مقتضى اللفظ؛ لأنه أصله هذا أبوه وقد نفاه عنه ونفيه لمالك، ورأى ان المقصود نفي الشرف فقط، والقول الثالث جنس لأن غير العرب لايحافظ على نسبه. وقال ابن الماجشون: إن قاله في مشاتمة فإن لم يكن من العرب ففيه الأدب الخفيف مع السجن، وإن قال العربي حد إلا أن يعذر بجهالة، فيحلف ما أراد قطع نسبه وعليه ما على من قاله لغير عربي، وإن لم يحلف حد.
وَلَوْ قَالَ ابْنُ عَمِّ أَوْ مَوْلَى لِعَرَبِيٍّ: أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ - قَوْلانِ
أي: ولو قال ابن عم لابن عمه أنا خير منك، أو قال ذلك من العرب فقولان، وقد ذكرهما ابن شعبان واختار الوجوب فيهما والأقرب خلافه؛ لأن الأفضلية قد تكون في الدين والخلق أو الجميع إلى غير ذلك، إلا أن يدل البساط على إرادة النسب، وحكى في البيان ثالثًا: إن قال: خير منك نسبًا حد، وإن لم يقل نسبًا وقال: حسبًا عليه الأدب فقط، وهو مذهب أبي حازم، وفيه نظر. وقال مطرف وابن الماجشون: يحد. قالا: وكأنه قال لست من العرب إلا أن يريد: خير منك عند الله، ومثله يشبه فيحلف ولا يحد. وقاله أصبغ، ولمالك في العتبية في مولى قال لعربي أنا خير منك وأقرب نسبًا برسول الله ﷺ: لا حد في هذا.
وَقَوْلُ: "لا أَبَ لَكَ" مُغْتَفَرٌ إِلا فِي الْمُشَاتَمَةِ فَيَحْلِفُ
نحوه لمالك في العتبية والموازية أنه لا شيء عليه. قال: إلا أن يريد النفي وهو مما يقوله الناس في الرضا. قال في الموازية: وأما في المشاتمة والغضب فذلك شديد ويحلف ما أراد نفيه.
[ ٨ / ٢٦٤ ]
وَلَوْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فِي الْمُشَاتَمَةِ لَمْ يُحَدَّ إلا ببَيَانِ الْقَذْفِ، بخِلافِ عَمِّهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُحَدُّ فِيهِمَا. وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُحَدُّ فِيهِمَا، بخِلافِ خَالِهِ وَزَوْجِ أُمَّهِ
(جَدِّهِ) يشمل الجد للأب والأم، ونص في المدونة عليهما.
وقوله: (فِي الْمُشَاتَمَةِ) يؤخذ منه أن الحكم في غيرها من باب أولى.
وقوله: (إِلا ببَيَانِ الْقَذْفِ) هذا، قال في الموازية: قال مثل أن يتهم الجد بأمه.
وقوله: (بخِلافِ عَمِّهِ) أي: فيحد، وهذا في الموازية، والفرق بينهما أن الجد أب، وقال أشهب: يحد في جده وعمه بشرط أن يكون في مشاتمة لا إن لم يكن فيهما. ولا يؤخذ من كلام المصنف تقييد قول أشهب بالمشاتمة، إلا أن يقال هو فرض المسألة في المشاتمة. صاحب النوادر والباجي واللخمي وابن يونس وابن شاس، قاله أصبغ، واحتج بقول الله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَءَابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وأظن أن ما نسبه المصنف لأصبغ وهم.
وقوله: (بخِلافِ خَالِهِ وَزَوْجِ أُمِّهِ) أي: فإنه يحد اتفاقًا وهذا كله إذا نسبه لغير أبيه لا على وجه الاستفهام، وأما إن كان على وجه الاستفهام فلا إشكال في نفي الحد.
فَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: [٧٣١/ب] بكَ زَنَيْتُ. فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ دُونَهُ لأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ تَقُولَ: قَصَدْتُ الْمُجَاوَبَةَ فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ دُونَهَا. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُحَدَّانِ حَدِّ الْقَذْفِ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي
الأول: مذهب المدونة قال: إلا أن ترجع عن حد الزنى فعليها حد القذف؛ لأنها صدقته. وقال أشهب: عليها حد الزنى وحد القذف إلا أن تقول: قصدت المجاوبة، فيحد الرجل للقذف ولا تحد هي لقذف ولا زنا. وقال أصبغ: يحدان للقذف وليس لأحدهما الرجوع؛ أن قولها ليس بتصديق لكن ذلك رد عليه.
[ ٨ / ٢٦٥ ]
وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) هي حجة ظاهرة لأصبغ إن وافقوه على الحكم فيها. وقد نقل في الموازية عن مالك مثل قول أصبغ، وقاله ربيعة وخالفهما ابن شهاب، وقال ذلك قذف وإقرار على نفسه بالزنى كالقول المتقدم.
وقول المصنف: (يَا زَانِيَةُ) تقديره قال لامرأة يا زانية وهكذا قال في المدونة، وظاهره أنه لا فرق مع ذلك بين زوجة ولا أجنبية، وفرق بينهما ابن القاسم في رواية يحيى في العتبية، فقال في الأجنبية كما في المدونة، وقال في الزوجة لا أرى عليها شيئًا لأنها تقول أردت إصابته إياي بالنكاح، فيدرأ عنها الحد ولا يد منها إقرارًا بالزنى. قال عنه عيسى: أو يجلد الزوج الحد إلا أن يلاعن.
ابن رشد: وهو مبني على أحد القولين في اللعان بمجرد القذف. وقال عيسى: لا حد ولا لعان. واختلف فيمن قال لرجل يا ابن الزانية، فقال الآخر: أخزى الله ابن الزانية. فقال ابن القاسم: يحلف المجاوب ما أراد قذفًا وإن لم يحلف سجن حتى يحلف. وقال أصبغ: تعريض، ويحدان جميعًا. وفي المدونة: إذا قال حر لعبد يا زاني، فقال له العبد بل أنت، نكل الحر وجلد العبد جلد الفرية أربعين. ولابن القاسم في غير المدونة: من قال لنصراني: يا ابن الفاعلة، فقال له النصراني: أخزى الله ابن الفاعلة، فيحلف النصراني ما أردت قذفه، فإن نكل سجن حتى يحلف. وقال أصبغ: يحد النصراني لأنه جواب المشاتمة ويعاقب المسلم. قال: ومن قال لجرل يا حمق فقال له: أحمقنا ابن الزانية، فهو قذف من قائله لأنه جواب الشتم واستتارًا عن القذف بذكر الحمق، وسواء كان المقول له أحمق أو حليمًا.
وَلَوْ قَالَ: زَنَيْتِ مُسْتَكْرَهَةً حُدَّ، وَلاعَنَ فِي الزَّوْجَةِ فَإِنْ أَتَى ببَيِّنَةٍ عَلَى الإِكْرَاهِ لَمْ يُحَدَّ
أي: حد في الأجنبية ولاعن في الزوجة، فإن أقام بينة على الإكراه سقط الحد، هذا مذهب المدونة. وفي الموازية: يحد وإن أقامت البينة لأنها ليست بذلك زانية وإنما يقال زنى
[ ٨ / ٢٦٦ ]
بها. ورأى أن ذلك تعريض لها بالزنى طوعًا، والأول أبين لأن ذلك مما لا تميزه العامة، وإن قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو كافرة، أو قال يا زانية، وقال أردت أنها فعلت ذلك قبل البلوغ والإسلام، فقال ابن القاسم في الكتاب: يحد قائل ذلك أثبت ما قاله ببينة أم لا. وقال عبد الملك: إن أثبت ذلك ببينة لم يحد وإلا حد. وقال أشهب مثل ذلك، إذا قال لزوجته يلاعن لأنه قاذف أو معرض. وعلى قول أشهب وعبد الملك كاللعان عليه إذا أثبت ما رماها به وهو أحسن، ولم يذكر ابن القاسم صفة لعانه، ويشبه أن يكون لعانه أن يشهد أربع شهادات أنه لم يرد تعريضًا ولم يرد إلا ما أثبت أنه كان في الصبا أو في الكفر، لا علم لهذه بغير ذلك ثم لا يكون عليها لعان لأنها لم تثبت أنه كان منها وهي في عصمته شيء ولا ادعاه لها إن قال لعبد أو أمة قد عتقا قد زنيتما في حال رقكما، أو قال لهما يا زانيان، ثم أقام بينة أنهما زنيا في الرق لم يحد القاذف، وحدًّا لأن اسم الزنى في الرق لازم لهما ويلزم فاعله الحد، بخلاف قوله زنيت وأنت نصرانية أو صبية.
وَلَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ لَمْ يُحَدَّ وَلَوْ قَالَ الْجَمِيعُ
هكذا ذكر ابن المواز ولم يعين قائله. بل قال: قيل: واستبعده.
ابن رشد: إذا قام عليه الجميع لأنهيعلم أنه قال لأحدهم ولا حج له، قال وجهه على بعد أن المقذوف لما لم يعلم من هو منهم لم يحد؛ لأن الحد إنما هو إسقاط المعرة عن المقذوف، والمعرة لم تلحق واحدًامنهم فيحد له، ولا بجميعهم إذا لم يقذف واحدًا.
وَلَوْ قَالَ: يَا زَوْجَ الزَّانِيَةِ. وَلَهُ امْرَأَتَانِ فَعَفَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَامَتِ الأُخَرَى حَلَفَ مَا أَرَادَهَا، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، فَقِيلَ: اخْتِلافٌ، وَقِيلَ: بالْفَرْقِ بَيْنَ الاثْنَيْنِ وَمَا قَارَبَهُمَا، وَبَيْنَ الْكَثِيرِ
هكذا قال في العتبية والواضحة، قال في البيان: وهكذا لو كانت له امرأة واحدة وقامت لكان القول قوله مع يمينه أنه إنما أراد البينة، وعارض الباجي هذه المسألة بالمسألة
[ ٨ / ٢٦٧ ]
التي قبلها، قال: ويحمل أن تكون الجماعة في المسألة الأولى خرجوا بكثرتهم من ذها التعيين، وأن الاثنين في مسألة العتبية وما قارب من ذلك في حيز العين، ويحتمل أن يكون اختلافًا، وعلى هذا فقول المصنف فقيل ليس بظاهر؛ لأن الباجي إنما ذكر احتمالين، وقد نقل ابن شاس كلام الباجي نقلًا حسنًا، والله أعلم.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا نَدْلٌ أَوْ نَغِلٌ أَوْ وَلَدُ زِنّى لَقَذَفَ أُمَّهُ
الجوهري: الندالة: [٧٣٢/أ] السفالة، وقد ندل - بالضم- فهو ندل، ونديل فهو خسيس، وعلى هذا فيكون ندل من باب التعريض، ونغل- بكسر الغين المعجمة-:
الجوهري: وفلان نغل أي فاسد النسب، والعامة تقول نغل. وقال الزبيدي: النغل هو ولد الزانية. وهذهالمسألة نقلها ابن شاس عن القاضي أبي عبد الله بن هارون المالكي البصري وهي ظاهرة.
ابن عبد السلام: وطرد التعليل يقتضي أن من قال لرجل ولد زنا وأنت ولد زنا، ثم عفا المقول له ذلك عن القاذف فإن للأم القيام بحقها.
وَيُحَدُّ الأَبُ لِوَلَدِهِ، وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لا يُحَدُّ، وَعَلَى الْحَدِّ يُفَسَّقُ
الأول: نقله الباجي عن مالك وأصحابه، ويقول أصبغ قال ابن حبيب، وهو كقول أشهب أن الأب لا يقتل بابنه.
فقال: وقوله: (وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ) ظاهره الكراهة ويحتمل المنع لقوله في تمام الرواية ليس ذلكمن البر، فيكون كقول أصبغ على الحد فيفسق وتسقط عدالته. واستشكل ذلك؛ لأن تفسيقه يقتضي أن يكون معصية، وكيف يحكم له الحاكم بالمعصية. وقيل: بالتحليف أن له أن يحلفه ولا يكون جرحة، فانظر هل يأتي هذا القول هنا.
[ ٨ / ٢٦٨ ]
وَلَوْ قَالَ فِي مُنَازَعَةٍ: لَسْتَ بابْنِي حَلَفَ بخِلافِ غَيْرِهِ
هذه المسألة في المدونة وغيرها ففيها: وإن قال أنه ليس بولدي وقبلت الأم أو غيرها الحد، وقد كان فارقها أبوه، فإن حلف أنه لم يرد قذفًا وأنه أراد قلة طاعته لهم لم يحد، وإن نكل حد، وإن كانت الأم حيث كان القيام لها دون بنيها، وأخذ الباجي منها أن الحد ثابت إن لم تحلف.
خليل: وقد نص عليه في المدونة كما ذكر الباجي، ولو عفا بعضهم لكان لبقيتهم القيام، والمذهب كذلك بخلاف الدم؛ لأن الدم عوضًا وهو المال فلا يبطل حق من لم يعف مطلقًا؛ لأنه وإن بطل في الدم لم يبطل في عوضه، وأما الحد فلا عوض عنه.
قال: وقوله: (بخِلافِ غَيْرِهِ) أي: بخلاف غير الأب إذا قال في منازعة لست بابن فلان سواء كان من الأقارب أم لا كالجد والعم والخال، قال في الموازية: فإنهم يحدون، قال في المدونة والعتبية: وأما إن شتموه فلا شيء عليهم إذا كان على وجه الأدب، وكأنه لم يرى الأخ مثلهم إذا شتمه، قال في البيان: يريد إذا قرب منه في السن، وأما إن كان له عليه من الفضل والسن والعقل والسواد ما يشبه أن يكون شتمه إياه أدبًا فهو كالجد والعم والخال.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يعود قوله: (بخِلافِ غَيْرِهِ) على التنازع؛ أي: إنما تقبل منه اليمين وسقط عنه الحد في التنازع لأنه قرينة في عصيان الابن لأبيه، وأما إن لم يكن تنازع فلا يقبل منه ذلك ويحد، وظاهر المدونة سقوط الحد عنه مطلقًا.
وَالْمُلاعَنَةُ وَابْنُهَا كَغَيْرِهِا
أي: لو قال للملاعنة يا زانية حد كغيرها، ولو قال لولدها يا ابن زنى حد له؛ لأن الملاعنة لم يثبت زناها.
[ ٨ / ٢٦٩ ]
وَمُوجَبُهُ ثَمَانُونَ جَلَدَةً عَلَى الْحُرِّ وَنِصْفُهَا عَلَى الرَّقِيقِ
أي: الذي يوجبه القذف ثمانون بنص القرآن ونصفها على الرقيق، يعني كاملة ومبعضة، لقوله تعالى: ﴿فَعلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وألحق الذكر بالأنثى بقياس ألا فارق، وفي كتاب ابن شعبان على العبد ثمانون إذا قذف حرًَّا؛ لأن الحد للمفعول له، واختاره اللخمي.
وَشَرْطُهُ فِي الْقَاذِفِ التَّكْلِيفُ، وَفِي الْمَقْذُوفِ الإِحْصَانُ؛ وَهُوَ الْبُلُوغُ، وَالإِسْلامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَفَافُ، وَيُخْتَصُّ الْبُلُوغُ وَالْعَفَافُ بغَيْرِ الْمَنْفِيِّ، وَإِطَاقَةُ الْوَطْءِ فِي الْمَقْذُوفَةِ كَالْبُلُوغِ
قال في التلقين: يراعى في ذلك تسع خصال؛ اثنان في القاذف وخمسة في المقذوف واثنان في الشيء المقذوف به، فما يراعى في المقذوف فالعقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عما رمي به، ويختلف حكم البلوغ في المقذوف بالذكورة والأنوثة، فيراعى في الذكر بلوغ التكليف، وفي الأنثى إطاقة الوطء، وأما ما يراعى في المقذوف به فشيئان أن يكون القاذف بالوطء يلزمه الحد وهو الزنى واللواط أو نفي نسب للمقذوف عن أبيه فقط. انتهى.
فقوله: (وَشَرْطُهُ فِي الْقَاذِفِ التَّكْلِيفُ) أي: أن يكون بالغًا عاقلًا فلذلكيحد الكافر؛ لأنه وإن لم يكن مكلفًا بالفروع على أحد القولين فهو مكلف بالإيمان إجماعًا، وروي أن الكافر ينكل من غير تحديد.
ابن عبد البر: والأول أصح. واختلف في الحربي، فقال ابن القاسم: يحد. وقال أشهب: لا حد عليه.
(وَفِي الْمَقْذُوفِ الإِحْصَانُ إلخ) ظاهر التصور، ومنه تعلم أن الإحصان هنا خلاف الإحصان المشترط في الرجم، إذ لا يشترط العقد الصحيح اللازم والوطء المباح.
[ ٨ / ٢٧٠ ]
وقوله: (وَيُخْتَصُّ الْبُلُوغُ وَالْعَفَافُ بغَيْرِ الْمَنْفِيِّ) إذا رمي بزنّى أو لواطن وأما إذا نفي فلا فرق بين أن يكون بالغًا أو لا، عفيفًا أو لا، والظاهر أنه إنما يشترط البلوغ في اللواط إذا كنا فاعلًا، وأما إذا كن مفعولًا به فلا، وهو أولى من الثيب في ذلك. قاله أبو محمد صالح وغيره، وما ذكره [٧٣٢/ب] المصنف من إطاقة الوطء في المقذوفة كالبلوغ هو المشهور، وقال محمد بن عبد الحكم وابن الجهم: لا حد.
ابن عبد البر: ولا يكلف المقذوف إقامة البينة على حرابة أمه ولا عفافها، فإن أقام القاذف البينة على ما يسقط به الحد من رق المرأة أو كفرها أو أنها زانية وإلا حد حدَّ القذف. ونفي المصنف في المقذوف اشتراط العقل وأن تكون معه آلة الوطء، فلا حد على من قذف مجنونًا إذا كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه لا تتخلله إفاقة.
اللخمي: لأنه معرة عليه لو صح فإن ذلك منه. وأما إن بلغ صحيحًا ثم جن أو كان يجن ويفيق، فإن قاذفه يحد، وكذلك المجبوب إذا كان جبه قبل بلوغه لأنه مما يعلم كذب قاذفه فلم تلحقه معرة، وإن كان حبه بعد البلوغ حد، وكذلك الخصي الذي ليس معه آلة النساء.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَنْفِيِّ شَرْطُ مَنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ إِلا فِي أَبَوَيْهِ لأَنَّ الْحَدَّ لَهُ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ فُرِّقَ بَيْنَ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوِ الزَّانِيَةِ وَبَيْنَ يَا ابْنَ زَنْيَةٍ
شرط من يحد قاذفه إنما يشترط فيه الإسلام والحرية، وأما البلوغ والعفاف فقد ذكر أنهم يختصان بغيره، وذكرنا نحن أن العقل مساو لهما، فلذلك إذا قال لحر مسلم وهو ابن كافرين أو رفيقين يا ابن الزاني أو الزانية لا حد عليه لأنه لم ينفه، وإنما قذف عبدين أو كافرين، وحد القائل له يا ابن زنية لأنه نفاه عن نسبه وهو حر مسلم، ويستثنى من هذا الصحابي. قيل: قال ابن شعبان أن من قذف أم أحدهم وهي كافرة حد حد الفرية لأنه سب له، فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيًا قام بما يجب له وإلا ممن قاربه من المسلمين، فعلى الإمام قبول قيامه. قال: لويس هذا لحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء
[ ٨ / ٢٧١ ]
بينهم. قال: وإن قال في واحد منهم أنه ابن زانية وأمه مسلمة، حد عند بعض أصحابنا حدين؛ حدًا له وحدًا لأمه، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمةٍ لفضل هذا على غيره.
اللخمي: وإن كان الأبوان حرين مسلمين والولد كذلك، فقال رجل للولد لست لأبيك، حد للولد لقطع نسبه، وللأم لأنه قذفها، فإن عفا أحدهما فإن الآخر علىحقه، ويجزئ في ذلك حد واحد على قول مالك، وهو بمنزلة من قذف رجلًا وقطع نسب آخر، وإن كان الابن وحده حد القائل لقطع النسب وحده، وإن كان عفا لم يكن لأحد أبويه قيام ونكل لهما، وإن فات قبل أن يقوم، أو قيل ذلك له بعد موته كان الحق لأبيه يقوم بحده، وإن كانت الأم وحدها حرة كان الحق له خاصة لقذفها، وإن كان الأب وحده حرًا لم يكن لواحد منهما قيام؛ لأنه قطع نسبًا عنه وقذف ابنه، وإن كان الأب وحده حرًا لم يكن لواحد منهما قيام؛ لأنه قطع نسبًا عنه وقذف ابنه، وإن كان الابن والأم حرين حد لهما، وإن كان الابن والأب حرين حد لقطع النسب خاصة، وإن كان الأبوان حرينحد لقذف الأم خاصة، وإن عفت لم يكن للأب في ذلك مقال. قال: وهذا هو الصحيح من المذهب. وقداختلف في الوجه الذي يقصده القاطع النسب ما هو، فقيل: ذلك لأن الأم زنت به، وألحقته بهذا الأب. وقيل: لأن الأب زنى به مع غيرها التي يقول أنها ولدته وقيل: إن ذلك من غير زنَّى، ويحتمل أن يكون أتى به ولم تلده. ثم تمادى اللخمي في هذا الكلام واقتصرنا على هذا لئلا نبعد عن كلام المصنف.
وَالْعَفَافُ أَنْ لا يَكُونَ مَعْرُوفًا بمَوَضِعِ الزِّنَى بخِلافِ السَّارِقِ وَالشَّارِبِ وَشِبْهِهِ
هكذا نقل في الجواهر عن الأستاذ، فقال: ومعنى العفاف ألا يكون معروفًا بالعلل ومواضع الفساد والزنى، فلو قذف معروفًا بالظلم والغصب والسرقة وشرب الخمر وأكل الربا والقذف يحد له إذا كان غير معروف بما ذكرنا ولم يثبت عله ما رمي به، فإن ثبت أو كان معروفًا بذلك لم يحد قاذفه.
ابن عبد السلام وغيره: ومقتضى مسائل المذهب خلافه، وأنه لا يخرجه من الحد إلا أن يكون ممن حد في الزنى أو ثبت عليه في الزنى وإن لم يحد له. واختلف إذا أقام شاهدين
[ ٨ / ٢٧٢ ]
على إقراره بالزنى بناء على أنه هل يثبت الإقرار بمعنى هذين أم لا، وهذا في ظاهر الحكم، وأما الباطن في المدونة أن المقذوف إذا كان يعلم من نفسه أنه زنّى جاز أن يقوم بحد القذف. وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز له القيام به. وقال ابن القاسم: إن كان المقذوف يعلم أن القاذف اطلع على زنّى وتحققه فقذفه لأجل ذلك، لم يكن للمقذوف أن يقوم بحقه. واختار بعضهم قول ابن عبد الحكم.
وَيَسْقَطُ الإِحْصَانُ بثُبُوتِ كُلِّ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ الْقَذْفِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا
قوله: (وَيَسْقُطُ الإِحْصَانُ) أي: المشترط هنا لا في الرجم بثبوت كل وطء يوجب الحد، فيخرج وطء البهيمة ووطء الشبهة، ووطء الشبهة قبل القذف أو بعده، ولا يعود إليه الإحصان. وإمكان الإحصان مركب من أربعة أوصاف، لزم انعدامه بانعدام وصف منها، وإنما خص المصنف- والله أعلم- الكلام بما يضاد. ووصف العفاف لأن ما عداه من الأوصاف وهي الصغر والكبر والرق بفرضية الزوال بخلاف سقوط العفاف بوجود الزنى فإنه لازم، فإنه لا يعود بعده أبدًا ولو تاب المقذوف وحسنت حالته، وهو مراد المصنف بقوله: (وَلَوْ كَانَ عَدْلًا) فكان بمعنى صار. ابن عبد السلام: وقوله: (بثُبُوتِ) يقتضي أنه لا يسقط [٧٣٣/أ] إلا بذلك، وهو خلاف ما فسر به العفاف؛ لقوله: (لا يَكُونَ مَعْرُوفًا) فانظره.
وَلِلْوَارِثِ الْقِيامُ بحَدِّ الْقَذْفِ وَلَوْ قَذَفَ بَعْدَ الْمَوْتِ
يعني: للوارث القيام بحد القذف سواء تقدم القذف على الموت أو تأخر عنه، وهذا مقيد بألا يعفو عنه بعد موته، ولو أوصى بالقيام بذلك يكون للوصي العفو، وإنما لهم القيام والعفو إذا لم يقل شيئًا.
[ ٨ / ٢٧٣ ]
وقوله: (الْوَّارِثِ) مخصوص بغير الزوج والزوجة فإنه لا قيام لهما، واحترز بالوارث ممن لا يرث كابن البنت.
وقوله: (الْوَّارِثِ) يحتمل من يرث في الجملة وإن لم يكن إلا وارثًا، وهو قول ابن القاسم، ويحتمل من يرث في الحال وهو مذهب أشهب، ويتضح لك ذلك بالوقوف على كلام اللخمي، فقال بعضهم: وفي دخول العصبة إذا لم يكن هناك من هو أقرب منهم رجال بنات، كالبنات والأخوات إذا انفردن، فقال ابن القاسم في المدونة: القيام لولده وولد ولده وأبيه وأجداده لأبيه ومن قام منهم أخذه لجده وإن كان ثم من هو أقرب منه لأنه عيب يلزمهم، ولا يقوم عصبة مع هؤلاء ولهم أن يقوموا إذا لم يكن أحد من هؤلاء، وتقوم البنات والأخوات والجدات، ولا يقوم الأخ وثم ولد أو ولد ولد وأب أو جد لأب فهم سواء، من قام لهم فله أن يحده، وإن كان غيره أقرب منه فلها الإخوة أو بنات أو أخوات أو جدات أو غيرهن ممن سمينًا، فلا قيام له بحد البنت إلا أن يوصي، فأسقط قيام الإخوة والعصبة وسائر النساء. وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، فلا قيام لابن العم مع الابن، ولا عفو ثم الابن ثم الأب ثم الأخ ثم الجد ثم العم، وكذلك قراباته من النساء الأقرب فالأقرب. وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه عيب يشملهم إلا العصبة فإن قبلهم ضعيف. قال اللخمي: لم يختلف أحد من نسبه يقوم له بذلك ولا أوصى بالقيام لم يقم بذلك. وهذا على القول أنه حق للمقذوف، وعلى القول أنه حق لله ﷾ يقوم به الإمام.
فرع: وإن قذف غائبًا فإن كان قريب الغيبة لم يكن لولده ولا لغيره قيام ويكتب للمقذوف في ذلك. واختلف في بعيد الغيبة، فلابن القاسم في المدونة: لا يقوم بحده ولده ولا غيره.
[ ٨ / ٢٧٤ ]
محمد: وقيل ذلك لولده. ولابن القاسم في الواضحة: ذلك للولد في أبيه وأمه ولس ذلك لغيره من الأقارب. واختلف على نفي الحد هل يسجن حتى يقوم المقذوف، فقال ابن الماجشون: يسجن حتى يأتي من له عفو أو قيام بالحد.
اللخمي: وظاهر المدونة أنه لا يعرض له بشيء لا من حد ولا من غيره.
وَلَوْ قَذَفَ قَذَفَاتٍ لِوَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَحَدٌّ وَاحِدٌ عَلَى الأَصَحِّ. وَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ
ظاهره أن الخلاف في الصورتين وليس كذلك، فإن الخلاف إنما هو في الثانية، وأما الأولى إذا قذف واحدًا مرات فيكتفي بحد واحد من غير خلاف، والأصح مذهب المدونة، قال: وإن قام بها أحد يضرب له كان ذلك للضرب لكل قذف تقدمه، ولا يحد لمن قام به منهم بعد وسواء كان في مجلس أو مجالس. والقول الثاني حكاه ابن شعبان فقال: ومن أصحابنا من قال: يحد بعده من قذف سواء كان مفترقًا أو بكلمة واحدة. وخرجه الأستاذ أبو بكر على الخلاف في حد القذف هل هو حق لله أو للآدمي، ولم أقف على القول الثاثل، ونقل اللخمي عن المغيرة وابن دينار أنهم إن أقاموا جميعًا فحد واحد لهم، وإن افترقوا فلكل واحد منهم حد، واختاره ابن رشد.
وَلَوْ حُدَّ ثُمَّ قَذَفَ ثَانِيًا حُدَّ ثَانِيًا عَلَى الأَصَحِّ
لاتصوره ظاهر. محمد: ولو قال بعد أن حد له ما كذبت عليه ولقد صدقت حد ثانيًا، لأنه حد مؤتَنَف ولأن الأصل قد مضى لسبيله. وذكر أبو عمران أنه لا يحد له ثانيًا بل يزجر عن ذلك فقط لأنه قد تبين كذبه بالحد ولم تبدو لذلك معرة.
[ ٨ / ٢٧٥ ]
وَلَوْ حُدِّ بَعْضَهُ ثُمَّ قَذَفَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَانَفُ حِينَئِذٍ إِلا أَنْ يَبْقَى يَسِيرٌ فَيُكَمَّلُ ثُمَّ يُسْتَْنَفُ، وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلُهُ إِلا أَنْ يَمْضِيَ يَسِيرٌ فَيَتَمَادَى وَيُجْزِئُ لَهُمَا
ما نسب لابن القاسم هو له في الموازية وبه قال ربيعة، وفسر محمد اليسير بمثل العشرة والخمسة عشر.
قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ) والباجي هو عندي على ثلاثة أقسام، إن ذهب منه اليسير تمادى وأجزأ الحد لهما، وإن مضى نصفه أو نحوه استأنف فكان ما بقي من الحد الأول لهما، ثم يتم المقذوف الثاني بقية حده، وإن لم يبق من الحد الأول إلا اليسير أتم الأول واستأنف الثاني، وإليه ذهب ابن الماجشون.
وَحَدُّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلِذَلِكَ يُوَرّثُ وَيَسْقُطُ بالْعَفْوِ
الأصح ومقابله روايتان.
القاضي أبو محمد: والصحيح أنه من حقوق الآدميين بدليل أنه يورث عن المقذوف، وحقوق الله تعالى لا تورث لأنه لا يستحق إلا بمطالبة الآدمي، ولم يرتضِ صاحب المقدمات هذه الطريقة بل قال: لا خلاف أن القذف حق للمقذوف، وإنما اختلف هل يتعلق به حق الله تعالى فلا يجوز العفو عنه بلغ الإمام أم لا وهو مذهب أبي حنيفة وعليه قول رواية أشهب، ويأتي على قياس هذا أن حد القذف يقيمه الإمام إذا انتهى إليه، رفعه صاحبه أم لا أو لا [٧٣٣/ب] يتعلق به حق الله تعالى، ولصاحبه العفو عنه ولو بلغ الإمام، وهو أحد قولي مالك في المدونة، أو هو حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام فيصير حقًا لله تعالى، ولا يكون لصاحبه العفو عنه إلا أن يريد سترًا وهو أحد قولي مالك.
[ ٨ / ٢٧٦ ]
وَعَلَيْهِمَا لُزُومُ الْعَفْوِ قَبْلَ بُلُوغِ الإِمَامِ وَتَحْلِيفِهِ عَلَيْهِ
فعلى الأًح يسقط العفو لا على مقابله، وقد تقدم هذا من كلامه في المقدمات، واعتراض ابن عبد السلام هنا عليه ليس بظاهر، ويجري أيضًا على القولين لو ادعى على القاذف أنه عفي عنه، فعلى الأًح يتوجه عليه اليمين على المشهور في توجه دعوى المقذوف كدعوى القاتل على الولي العفو على أنه حق لله لا يحلف لأنه ليس له إسقاطه. وقول ابن عبد السلام أما عدم توجيه الدعوى على أنه حق لله فصحيح، وأما توجيهها بتقدير كونه حقًا لآدمي ففيه نظر، إنما يتم أن لو كان حقًا ماليًا، وأما البدني فلا ليس بظاهر.
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَأَجَازَهُ مَرَّةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ أَرَادَ سِتْرًا عَلَى نَفْسِهِ
أي: بعد بلوغ الإمام، فأجاز مالك عفوه مرة، وكلامه ظاهر التصور. والقول الثاني في كلام المصنف أنه ذكره في المدونة تقييد الثاني ففيها: وكان مالك يجيز العفو بعد أن يبلغ الإمام ثم رجع فلم يجزه عند الإمام إلا أن يريد سترًا. لكن نقل أبو عمران ثلاث روايات على نحو كلام المصنف، وقيد ابن المواز إرادة الستر فقال: وهذا إذا قذفه في نفسه، وأما إن قذف أبويه أو أحدهما- وقد مات المقذوف- فلا يجوز العفو عنه بعد بلوغ الإمام. وقاله ابن القاسم وأشهب.
محمد: ويجوز عفو الولد عن الأب عند الإمام. قاله مالك وأصحابه﵏- إذا قذفه في نفسه، وأما إن قذف أباه وقد مات، أو قذف أمه وقد ماتت، فلا عفو فيه بعد بلوغ الإمام كأبيه، وأما عن جده لأمه فلا.
ابن عبد السلام: قال في المقدمات: ويعرف إرادة الستر بأن يسأل الإمام خفية عن حال المقذوف، فإن بلغه عنه أن الذي قيل فيه الآن أمر قد سمع وأنه يخشى أن يثبت عليه أجاز عفوه، هذا معنى كلامه، وقاله أصبغ. وقيل: أن يكون ضرب الحد قديمًا، فيخاف أن
[ ٨ / ٢٧٧ ]
يظهر عليه الآن. وفسره ابن الماجشون بأن يكون مثهل يفعل ذلك، فيجوز عفوه ولا يكلف أن يقول أردت سترًا، وأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ قَذَفَهُ بغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَحْلِفْ إِلا بشَاهِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حُبسَ أَبَدًا اتِّفَاقًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ
قوله: (يَحْلِفُ) هو الأصل، وحكى في البيان ثلاثة أقوال: الأول: أنه يحلف. والثاني: ليس له تحليفه، وهما لمالك في العتبية. والثالث لابن القاسم في سماع أصبغ: لا يمين عليه إلا أن يكون مشهورا بذلك. فإن حلف على رواية أصبغ أو على قول ابن القاسم إذا كان مشهورًا بذلك. فإن حلف على رواية أصبغ أو على قول ابن القاسم إذا كان مشهورًا بذلك برئ، وإن نكل سجن حتى يحلف ما لم يطل، فإن طال خلي سبيله ولم يؤدب. وقال أصبغ: يؤدب إذا كان معروفًابالأذى وإن كان مبرزًا فيه خلد في السجن. وإن قام له شاهد فثلاثة أقوال:
الأول: أنه يحلف فإن نكل حبس ما لم يطل، فعلى ما تقدم هل لا يؤدب أو يؤدب إن كان معروفًا بذلك.
والثاني: إن كان معروفًا بالشتم والسفه عذر ولم يحلف، وإن لم يكن معروفًا بذلك استحلف. والقولان لملك في سماع أشهب.
والثالث: أنه يحلف مع شاهده ويحده له. روي ذلك عن مطرف، وهو شذوذ في المذهب أنه يحد في الفرية باليمين مع الشاهد.
ويتخرج في المسألة قول رابع: أنه لا يحلف مع شاهده في الفرية، ويحلف فيما دون الفرية من الشتم الذي يجب فيه الأدب. انتهى بالمعنى.
وهذا يعلم قول المصنف فإن نكل حبس أبدًا اتفاقًا ليس بظاهر؛ ولذلك اعترض عليه لأن ابن المواز نقل عن ابن القاسم أنه إذا طال حبسه خلي.
[ ٨ / ٢٧٨ ]