الأَقْضِيَةُ: وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ
قال الأزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه.
وقال الجوهري: القضاء: الحكم.
وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع الفقه، إلا أنه يتميز بأمور لا يحسنها كل الفقهاء، وقد يحسنها من لا باع له في الفقه، وهو كالتصريف من علم العربية، فإنه ليس كل النحاة يعلم التصريف، وقد يحسنه من ليس له باع في النحو، وإنما كان فرضًا، لأنه لما كان الإنسان لا يستقل بأمور دنياه، إذ لا يمكن أن يكون حَرَّاثًَا طَحَانًَا خبازًا إلى غير ذلك من الصنائع المفتقر إليها، احتاج إلى غيره، ثم بالضرورة قد يحصل بينهما التشاجر والخصام لاختلاف الأغراض؛ فاحتيج إلى من يفصل تلك الخصومات، ويمنع بعضهم من غرضه، فلهذا وجب إقامة الخليفة، لكن نظر الخليفة أعم إذا جد ما ينظر فيه القاضي، ولما كان هذا الغرض يحصل بواحد وجماعة كان فرض كفاية؛ لأن ذلك شأن فروض الكفاية.
فَإِذَا انْفَرَدَ بِشَرَائِطِهِ تَعَيَّنَ
أي: إذا انفرد شخص بشرائطه تعين قبوله للقضاء، ولم يجز له الهروب منه، ووجب على الإمام توليته. قال مالك: ويجبر عليه إذا تعين، قيل له: الجبر بالضرب والحبس، قال: نعم، ومثله لابن شعبان، وقد ذكر ابن سحنون أن الإمام أقام حولًا يجبر أباه على القضاء حتى تخوف منه، فحينئذ قبل.
وإذا كان القضاء فرض كفاية وقد تعين كانت منزلته عظيمة؛ أعني: بشرط أن يعن القاضي على الحق كما كان في الصدر الأول، وأما إذا لم يعن عليه وربما أعان من ولاه عليه لبلوغ هواه.
[ ٧ / ٣٨٥ ]
ابن عبد السلام: فينقلب ذلك الواجب محرمًا نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، وبالجملة: إن أكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة انتهى.
ولهذا كان الأولى الهروب عن خطة القضاء ما لم تتعين. ولخطر هذه الخطة قال أصحابنا: إذا عين الإمام رجلًا للقضاء وَثَمَّ مَنْ يصلح غيره جاز له الاستعفاء والهروب، بخلاف سائر فروض الكفاية؛ فإنه إن عين بعضهم لم يجز الهروب، كما لو عين طائفة لقتال العدو فإنه يتعين في حقها.
وَخَرَّجَ النسائِيُّ عن بُرَيْدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار" والتقسيم في الحديث إنما هو باعتبار الأنواع فربما لم يوجد من النوع إلا شخص واحد، ويوجد من الآخر آلاف وَخَرَّجَ النسائي من حديث عثمان الأخنسي، ووثقه يحيى ابن معين أن رسول الله ﷺ قال: "من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" وفي رواية: "من استعمل على القضاء فكأنما ذبح بالسكين".
وقال أصحابنا: وقد يجب طلب القضاء، وقد يستحب، وقد يحرم، ويكره.
فيجب إذا كان من أهل الاجتهاد والعدالة ولا يكون هناك قاض، أو يكون ولكن لا تحل ولايته، أو يعلم أنه إذا لم يتول تضيع الحقوق ويكثر الهرج.
ويستحب إذا كان عالمًا خفي علمه عن الناس فأراد أن يشهره بالقضاء؛ لِيُعَلِّمَ الجاهل ويفتي المسترشد، أو يري أنه أنهض وأنفع للمسلمين من غيره.
ويحرم على الجاهل ومن طلب به اكتساب دنيا، ويكره إذا كان عدلًا مشهورًا ينفع الناس بعلمه، وخاف إن تولى القضاء إلا يقدر على ذلك.
[ ٧ / ٣٨٦ ]
المازري: ويبعد عندي تصور الإباحة إلا عند تقابل أدلة الأحكام وقرائن الأحوال، ولا يقدر على ترجيح بعضها على بعض.
وَصِفَاتُهُ ثَلاثَةٌ: شَرْطٌ وَاجِبٌ، وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ غَيْرُ شَرْطٍ، وَمُسْتَحَبٌّ
لما ذكر أنه إذا انفرد بشرائطه تعين شرع في بيان تلك الشرائط، ولما كانت الشروط قائمة بالقاضي أطلق عليها صفات.
قوله: (وَصِفَاتُهُ) عائد على القاضي.
وقوله: (شَرْطٌ وَاجِبٌ) أي: الأول، ووصف الشرط بالواجب لئلا يُعْتَقَدُ أنه شرط كمال، ومعنى الشرطية: أن عدم شيء من هذه الصفات يمنع صحة العقد وينفسخ بحدوثه.
وقوله: (وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ) أي: الصفة الثانية غير شرط في صحة الولاية وانعقادها ابتداء، ولكنه يجب أن يكون متصفًا بها، وعدمها موجب للعزل، وينفذ ما مضى من أحكامه.
فإن قلت: قوله أولًا: (فَإِذَا انْفَرَدَ بِشَرَائِطِهِ تَعَيَّنَ) إما أن يريد به الصفة الأولى فقط أو الجميع، قيل: لا هذا ولا هذا؛ لأنه لو أراد الصفة الأولى فقط، لزم أن من حصلت فيه تعين عليه القضاء، فلا يكون الوصف الثاني موجب للعزل، ولو [٦٥٢/أ] كان المراد الجميع لزم أن من انفرد بالصفتين الأوليين لا يتعين عليه، وليس كذلك؛ لأن الصفة الأولى مستحبة لا واجبة، وإنما مراده مجموع الصفتين الأوليين، لكن يبقى في كلامه تضاد؛ لأنه قال في الثاني: (وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ غَيْرُ شَرْطٍ) فيكون أطلق الشرط على الشرائط وغيره.
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا حُرًَّا بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا عَدْلًا مُجْتَهِدًا فَطِنًا
أي: الشرط الأول أو الوصف الأول أو القسم الأول مركب من ثمانية قيود:
[ ٧ / ٣٨٧ ]
أولها: أن يكون حرًا، احترازًا من العبد، وَمَنْ فيه شائبة من شوائب الرق مِنْ مكاتب ومدبر ومعتق إلى أجل ومعتق بعضه؛ لأن كلًا من هؤلاء لا يلي أمر نفسه، فأحرى غيره، ولأنه لا يصح أن يكون شاهدًا، والقضاء أعم من الشهادة، ويشمل قوله: (حُرًَّا) المعتق.
ابن عبد السلام: وهو مذهب الجمهور. ومن النوادر عن سحنون المنع، واعتل بأنه قد يستحق فيرد إلى رق؛ فترد أحكامه، وأورد النقض بقبول شهادته مع أنه قد يستحق، وأجيب بأن للإمام مندوحة عن ولايته بخلاف قبول شهادته في أمر تَعَيَّنَ عليه لا يعرفه غيره.
ثانيها: أن يكون ذكرًا؛ فلا يصح عقد الولاية لامرأة؛ لما في البخاري: "لن يفلح قوم وَلَّوْ أمرَهم امرأة".
روى ابن أبي مريم عن ابن القاسم إجازة توليتها القضاء.
ابن زرقون: وأظنه يريد فيما تجوز فيه شهادتها كقول أبي حنيفة. انتهى.
ويحتمل أن يريد الإطلاق كقول محمد بن الحسن والطبري والمازري. والإجماع على أنها لا تُوَلَّى الإمامة الكبرى، ولا يقال: قد وَلَّى عمر ﵁ الشفاء الحسبة، وهي قضاء وحكومة؛ لأنا نقول: عموم الحديث مقدم عليه.
المازري: واعتذر عنه بعض أصحابنا بأنه إنما جعل لها تغيير ما يقع من المنكرات في السوق، ولا يلزم من تخصيص عموم الحديث بهذه الصورة تخصيصه بغيرها.
ثالثها: أن يكون بالغًا.
رابعها: أن يكون عاقلًا، ولا خلاف في اعتبارهما.
خامسها: أن يكون مسلمًا، ولا خلاف فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة ﵁ من ولاية الكافر الحكومة بين أهل دينه.
المازري: إن كان معناه أنهم يردون إلى دينهم إذا لم يتراضوا بحكم الإسلام، وتخاصموا الحبر من أحبارهم من دينهم، ويمنع أحد الخصمين من الامتناع منه- فهذا مما لا يستنكر.
[ ٧ / ٣٨٨ ]
سادسها: أن يكون عدلًا.
المازري: وقد نص الله تعالى على اشتراط العدالة في الشاهد، والقاضي أشد حرمة منه. قال: وعلى منع ولاية الفاسق العلماء، وشذ قوم من المتكلمين فذهبوا إلى أن الفسق لا ينافي عقد ولاية القضاء، وهو مذهب مستنكر.
سابعها: أن يكون مجتهدًا؛ فلا تصح ولاية المقلد ولا تنفذ أحكامه.
المازري: هكذا يحكي أصحابنا عن المذهب أنه لا تجوز ولاية المقلد. وهذا إنما هو إذا كان المجتهد موجودًا، وإلا فعند عدمه تصح الولاية لغيره كما سيأتي.
قال مالك في الواضحة: لا ارى خصال القضاة تجتمع اليوم في أحد، ولكن يجب أن يكون عالمًا عدلًا.
ابن حبيب: فإن لم يكن عالمًا فعاقلًا ورعًا؛ لأنه بالعقل يسأل وبالورع يقف، فإذا طلب العلم وجده، وإن طلب العقل لم يجده.
ابن رشد: يريد بالعقل: العقل الحصيف، وأما العقل الذي هو شرط التكليف فإنما هو شرط في صحة الولاية.
أصبغ: ويعزل الجاهل إلا أن لا يوجد غيره فيقر، ويؤمر أن يستكثر من المشورة ويتفقد أمره في كل حين.
المازري: وما قاله ابن حبيب تسهيل في ولاية القاضي المقلد، ولكنه لم يصرح بجواز هذا مع القدرة على نظار، بل أشار إلى كون الضرورة تدفع إلى ولاية المقلد.
وهكذا قال أصبغ إذا لم يوجد إلا عدل لا علم عنده وعالم لا بأس بحاله، لكن الذي لا علم عنده أعدل منه فإن العالم هو الذي يولى. فإن كان ليس بعدل، فيولى العدل الذي ليس بعالم، ويؤمر بأن يستشير. قال: وهذا الذي وقع في المذهب ينبغي أن يحمل على
[ ٧ / ٣٨٩ ]
مواضع الضرورة، وأما مع الاحتمال وكثرة النظار فلا يختلف أن ولاية النظار أولى من ولاية المقلدين، وإنما يتصور الخلاف هل تصح ولاية المقلد وتنفذ أحكامه وتنعقد ولايته وهو قول أبي حنيفة أم لا، وهو قول الشافعي وهو الذي يحكيه أئمة مذهبنا عن المذهب؟
ثامنها: أن يكون فطنًا؛ فلا يجوز ولاية المغفل كما في الشهادة، بل الاشتراط هنا أولى، وهذا الشرط لم يقع في كل النسخ، وكلام الطرطوشي يدل على اشتراطه.
وبقي على المصنف شرط تاسع، وهو أن يكون القاضي واحدًا، نص عليه ابن شاس وابن شعبان وغيرهما؛ أي: لا يجوز أن يفوض القضاء إلى اثنين لا يتم الحكم إلا باجتماعهما.
المازري: وأغلى الباجي في المنع حتى ادعى عليه الإجماع، وقال: لم يتفق هذا من زمانه ﵇ إلى زماننا، وخاف من النقض عليه بالحكمين، لأنهما إذا اختلفا انتقل إلى غيرهما، وفي القاضيين لا يمكن التنقل عنهما، فيؤدي اختلافهما إلى وقف الأحكام.
المازري: وعندي أنه لا يقوم دليل على المنع إذا اقتضت ذلك المصلحة ودعت إليه الضرورة في نازلة يرى الإمام أنها لا تصلح، وترتفع فيها التهمة إلا بقضية [٦٥٢/ب] رجلين.
وذكر الباجي أنه قد ولي في بعض بلاد الأندلس ثلاثة قضاة على هذه الصفة، ولم ينكر ذلك من كان من فقهائه، وانه أنكر هو فعلهم.
وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ؛ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى مُقَلَّدِهِ، وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلا بِاجْتِهَادِهِ
يعني: أنه لا تترك ولاية القضاء عند عدم الاجتهاد لئلا يؤدي إلى الهرج وإبطال الحقوق، ولأن إنصاف المظلوم من الظالم واجب، وهو ممكن من المقلد.
ابن راشد وابن عبد السلام: إلا أنه ينبغي أن يختار أعلم المقلدين ممن له فقه نفيس وقدرة على الترجيح بين أقاويل أهل مذهبه ويعلم منها ما هو أحرى على أصل مذهب إمامه مما ليس
[ ٧ / ٣٩٠ ]
كذلك، وأما إذا لم يكن بهذه المزية فيظهر من كلام الشيوخ اختلاف بينهم هل يجوز توليته القضاء أم لا؟
عياض: وشرط العلم إذا وجد لازم، فلا يصح تقديم من ليس بعالم، ولا ينعقد له تقديم مع وجود العالم المستحق للقضاء، لكن رخص فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم، إذا لم يوجد من بلغها. ومع كل حال فلابد أن يكون له علم ونباهة وفهم لما يتولاه، وإلا لم يصح له أمر.
وقوله: (فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِ مُقَلَّدِهِ) بفتح اللام.
ابن العربي: ويقضي حينئذ بفتوى مقلده بنص النازلة، فإن قاس على قوله أو قال: "يجيء من هذا كذا" فهو متعد.
خليل: وفي هذا نظر، والأقرب جوازه للمطلع على مدارك إمامه.
ووجه المازري ما ذكره المصنف بأنه لو حكم بغير مذهبه تطرقت إليه التهمة بالحيف والقضاء بالشهوة؛ فأمر باتباع مذهبه للسياسة لا لمقتضى أصول الشرع؛ لأن أصول الشرع مبنية على أن المفتي والقاضي يؤمران باتباع الحق حيثما ظهر لهما.
قوله: (وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ) هذا القول ذكره في الجواهر عن الطرطوشي، ونصه: ولا يلزم أحدًا من المسلمين أن يقلد في النوازل والأحكام من يعتزي إلى مذهبه، فمن كان مالكيًا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقوال مالك، وهكذا القول في سائر المذاهب، بل أينما أداه اجتهاده من الأحكام صار إليه، فإن شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره فالحكم صحيح والشرط باطل، كان موافقًا لمذهب المشترط أو مخالفًا له.
[ ٧ / ٣٩١ ]
قوله: (وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) أي: وقيل: لا يجوز لهذا المقلد إذا أَدَّاهُ اجتهاده إلى خلاف مذهبه أن يحكم إلا باجتهاده، ولا يقال: قوله: (إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) ينافي فرض المسألة؛ إذ الكلام في عدم المجتهد؛ لأن المراد عدم المجتهد المطلق، وأراد بقوله: (إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) الاجتهاد المقيد، وهو الاجتهاد في مذهبه والإطلاع على مدارك إمامه.
وقال ابن عبد السلام: قوله: (وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ) معناه: لا يجوز تولية المقلد البتة، ويرى هذا القائل أن رتبة الاجتهاد مقدور على تحصيلها، وأنها موجودة إلى الزمان الذي أخبر النبي ﷺ بانقطاع العلم فيه، ولم نصل إليه إلى الآن، وإلا كانت الأمة مجمعة على الخطأ. انتهى.
وفيه بُعْدٌ؛ لأن الفرض عدم المجتهد.
خليل: العلماء في جواز خلو الزمان عن مجتهد قولان: فاختار ابن الحاجب وغيره الجواز خلافًا للحنابلة وتحقيق ذلك في محله، وهو عزيز الوجود في زمننا، وقد شهد المازري بانتفائه ببلاد المغرب في زمانه، فكيف في زمننا؟! وهو في زمننا أمكن لو أراد الله بنا الهداية؛ لأن الأحاديث والتفاسير قد دونت، وكان الرجل يرحل في طلب الحديث الواحد، لكن لابد من قبض العلم على ما أخبر به ﵇.
فإن قيل: يحتاج المجتهد أن يكون عالمًا بمواضع الإجماع والخلاف، وهو متعذر في زماننا لكثرة المذاهب وتشعبها، قيل: يكفيه أن يعلم أن المسألة ليست مجمعًا عليها؛ لأن القصد أن يحترز من مخالفة الإجماع، وذلك ممكن.
وَقَالَ أَصْبَغُ: الْعَدْلُ مِنَ الثَّانِي
يعني: أن المشهور أن العدالة من الأول؛ فلا تصح الولاية لفاسق، ولا تنفذ أحكامه، وافق الحق أم لم يوافقه.
[ ٧ / ٣٩٢ ]
ورأى أصبغ أن العدالة من الوجه الثاني، وهو الموجب للعزل؛ فلا يجوز أن يُوَلَّى الفاسق، وإن طرأ وجب عزله، ويمضي مِنْ أحكامه ما وافق الحق.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْعَالِمُ مِنَ الثَّالِثِ
أي: من المستحب، وعليه فتنعقد ولاية الجاهل، ولا يجب عزله. وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ) ليس بجيد، وإنما هو ابن رشد، وقد تقدم غير مرة السبب المقتضي لذلك، ووهَّم ابن عبد السلام ابن شاس فيه أيضًا، قال: لأنه ليس قولًا لابن رشد، وإنما حكى فيه ابن رشد كلام غيره كما حكاه الأكثرون، ولكنه أشبع الكلام على العلم إثر كلامه على النوع الثالث؛ فاعتقد ابن شاس أنه يرى كون العلم من هذا النوع.
خليل: وليس توهيم ابن شاس بجيد، فقد نص في المقدمات على أن العلم من الصفات المستحبة، وكذلك الفطانة، ولم يعز ذلك لغيره.
الثَّانِي: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلامُ، وَلا نَصَّ فِي الْكِتَابَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الثَّالِثِ
أي: القسم الثاني أو الوصف الثاني: وهو الموجب للعزل، فتنعقد ولاية الأصم والأعمى والأبكم وتنفذ أحكامه سواء ولي كذلك أو طرأ عليه ذلك، وهكذا قال صاحب المقدمات.
ابن راشد: وظاهر ما في وثائق ابن القاسم [٦٥٣/أ] أنها من الأول، والمذهب ما تقدم.
وذكر الباجي أنه لم ير في السمع نصًا، واختار المنع، وعلله بسماع الدعاوى والشهادات، وليس كلهم يمكنه أن يكتب، وكذلك ذكر أنه لا خلاف في منع كون الأعمى حاكمًا.
وذكر عياض وابن زرقون أن الماوردي حكى عن مالك جوازه.
عياض: ولا يصح عن مالك؛ إذ لا يتبين طالب من مطلوب ولا شاهد من مشهود عليه.
[ ٧ / ٣٩٣ ]
ولا نص في الكتابة، هكذا قال الباجي وابن رشد أنه لا نص هل يشترط في القاضي أن يكتب؟ وعن الشافعية قولان: أظهرهما الجواز؛ لأن إمام المسلمين وسيد المرسلين وأفضل الحاكمين ﷺ كان أُمِّيًَا، قالا: وللمنع وجه؛ لأن النبي ﷺ معصوم بخلاف غيره.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَرِعًا غَنِيًَّا لَيْسَ بِمِدْيَانٍ، بَلَدِيًَّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَلِيمًا مُسْتَشِيرًا لا يُبَالِي لَوْمَةَ لائِمٍ، سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ
هذا هو المستحب.
قوله: (وَرِعًا) أي: عن الشبهات.
(غَنِيًَّا) لأن الفقير قد يحتاج إلى غيره، ومقالة السوء تكثر فيه بخلاف الغني.
ابن عبد السلام: والظاهر الاكتفاء بالغنى عن عدم الدين؛ فإن وجود الدين مع الغنى بما يزيد على مقدار الدين لا أثر له.
خليل: وفيه نظر، والظاهر خلافه، ولا يخفى عليك.
(بَلَدِيًَّا) ليعرف الناس والشهود، والمقبولين من الشهود وغيرهم.
ابن راشد وابن عبد السلام: والولاة الآن يرجحون غير البلدي، إذ لا يخلو البلدي من أعداء، والغالب وجود المنافسة بينه وبين أهل بلده.
(مَعْرُوفَ النَّسَبِ) لأن من لا يعرف أبوه من ولد لعان أو زنى يطعن فيه، فلا يكون له في نفوس الناس كبير هيبة.
وقال سحنون: لا بأس بتولية ولد الزنى، ولكن لا يحكم في الزنى كما لا يحكم لولده.
الباجي: والأظهر أنه ممنوع؛ لأن القضاء موضع رفعة وطهارة أحوال، فلا يليها ولد الزنى كالإمامة في الصلاة.
[ ٧ / ٣٩٤ ]
وقوله: (غَيْرَ مَحْدُودٍ) أي: في زنى ولا غيره.
وفي كتاب أصبغ: ويستقضى المحدود في الزنى والقذف، والمقطوع في السرقة إذا كان اليوم مُرْضِيًَا.
وجوز أصبغ حكمه فيما حد فيه، ومنعه سحنون قياسًا على الشهادة.
(حَلِيمًا) أي: على الخصوم، وَمِنْ حلمه أن يسمع الكلام الذي لا يفيد إلا أن تنتهك حرمة الشرع، فيكون انتصاره لغيره، وبذلك تتم مهابته التي هي أحد صفات الكمال.
(مُسْتَشِيرًا) أي: لأهل العلم؛ لأنه أهون له على حصول الصواب.
المازري: وأغلى الشافعي في هذا، وقال: يجمع المخالفين له في المذهب ويشاورهم؛ لأ، كل من انتحل مذهبًا وتفرد للذب عنه كل خاطره في الإكثار من الأدلة عليه.
وقوله: (لا يُبَالِي لَوْمَةَ لائِمٍ) الظاهر أن هذا راجع إلى الوصف الأول؛ لأن الخوف من لومة اللائم راجع إلى الفسق.
وقوله: (سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ) لأن السلامة منها رأس كل خير، وكثيرًا ما يؤتى على أهل الخير من جهة قرنائهم السوء. والبطانة: هم الأصحاب.
(غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في بعضها: (وغيره) بواو العطف؛ ليكون معطوفًا على مقدر؛ أي: فَطِنًَا وغير زائد في الدهاء؛ لأن ذلك يحمله على الحكم بالفراسة وتعطيل الطرق الشرعية مِنْ البينة والأيمان.
فَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ ﵁ زِيَادًا لِذَلِكَ
هذا استدلال منه على ما ذكره أنه لا يكون القاضي زائدًا في الدهاء، ويقال: إن عمر قال لزياد لما عزله: كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك. والله أعلم بصحة هذا، وما
[ ٧ / ٣٩٥ ]
رأيت مَنْ ذَكَرَ زِيَادًا في قضاة عمر، وقد وَلَّى عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وَوَلَّى عليٌّ زيادًا وقيسَ بن سعد بن عبادة وهؤلاء هم دهاة العرب، وكان عمر إذا استضعف عقل رجل قال له: "سبحان من خلقك وخلق عمرو بن العاص" وحكاياته في حروبه في فتوح الشام ومصر مشهورة عند الإخباريين، إلا أن هؤلاء كانوا أمراء غير قضاة، وقد يحتاج الأمير في زيادة الدهاء إلى ما لا يحتاج إليه القاضي.
وَلَوْ تَجَرَّدَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَنْ الاسْتِخْلافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْلافٌ، وَقِيلَ: إِلا فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ
يعني: إن أذن له في الاستخلاف، أو نص له على عدمه عَمِلَ على ذلك، وأما إن تجرد عقد التولية عن ذلك فإن لم يكن له عذر لم يكن له ذلك، وإن كان له عذر فقال مطرف وابن الماجشون: له ذلك. وقال سحنون: ليس له ذلك وإن مرض أو سافر، ورآه كالوكيل المخصوص. هكذا حكى جماعة هذا القول عن سحنون، ومقتضى كلام المصنف أنه المذهب عنده.
ابن راشد: وهذا إذا استخلف في البلد الذي هو فيه ليكفيه بعض تعب الخصوم، وأما إن كان عمل القاضي واسعًا فيريد أن يقدم في الجهات البعيدة فالمشهور الجواز، وقال ابن عبد الحكم؛ لا يجوز إلا بإذن الخليفة.
ابن محرز: ولم يختلفوا أن القاضي ليس له أن يوصي بالقضاء عند موته لغيره، بخلاف الوصي والإمام الأكبر، وضابط ذلك أن كل مَنْ ملك حقًا على وجه لا يملك معه عزله فله أن يوصي به، ويستخلف عليه كالخليفة والوصي والمجبر على ما ذهب إليه ابن القاسم وإمام الصلاة، وكل من ملك حقًا على وجه يملك معه عزله عنه فليس له أن يوصي به كالقاضي والوكيل، ولو كان مفوضًا [٦٥٣/ب] إليه أو خليفة القاضي للأيتام وشبه ذلك.
[ ٧ / ٣٩٦ ]
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِمَا يُسْتَخْلَفُ فِيهِ
الضمير في (عِلْمُهُ) عائد على المستخلف بفتح اللام، المفهوم من السياق، يعني: أنه لا يشترط في خليفة القاضي أن يكون عالمًا بجميع أبواب الفقه، بل إنما يشترط علمه بما يستخلف فيه، مثاله: لو استخلف على النظر بين الزوجين فيشترط علمه بالأنكحة وما يتعلق بها، إلا أن يفوض إليه فيشترط علمه بالجميع كما في الأصل.
وَلِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَايِهِ فِي الاجْتِهَادِ وَفِي التَّقْلِيدِ، وَلَوْ شَرَطَ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ كَانَ اشْتِرَاطًا بَاطِلًا، وَالتَّوْلِيَةُ صَحِيحَةٌ. قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ وَلا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ
(لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَايِهِ) كالمالكي يولي شافعيًَّا أو حنفيًَّا. ولو شرط- أي الإمام- على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلًا وصح العقد، هكذا نقله في الجواهر عن الطرطوشي.
وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه ورده؛ لكونه صار مأمورًا بمخالفة الحق، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدًا. وكذا فرض المازري المسألة فيه ثم قال: وإن كان الإمام مقلدًا أو كان متبعًا لمذهب مالك واضطر إلى ولاية قاض مقلد- لم يَحْرُمْ على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره ألا يتعدى في قضائه مذهب مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي هذا القاضي منه، وولي عليهم، وقد وَلَّى سحنون لما ولي القضاء أمناء وكان فيمن ولاه رجل سمع كلام بعض أهل العراق فأمره سحنون ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة.
وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ) هكذا نقله الطرطوشي عن الباجي.
الطرطوشي: وهو جهل عظيم منهم؛ يريد: لأن الحق ليس في شيء معين.
[ ٧ / ٣٩٧ ]
ابن راشد: وما نقل عن سحنون من ولاية ذلك الشخص على أن لا يخرج عن أقوال أهل المدينة؛ يريد: قولهم، وكيف يقول الأستاذ ذلك والناس إذا أتوا المالكي إنما يأتونه ليحكم بينهم بمذهب مالك؟! وقد أخبرني القرافي عن شيخه ابن عبد السلام أنه كان يرى في المسألة رأيًا، وإذا سئل عنها ترك رأيه وأفتى بقول الشافعي، فقيل له في ذلك فقال: هذا لم يسألني عن اختياري، وإنما سألني عن مذهب الشافعي.
وَيَجُوزُ أَنْ يُنَصَّبَ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ فَأَكْثَرُ، كُلٌّ مُسْتَقِلٌ أَوْ مُخْتَصٌ بِنَاحِيَةٍ أَوْ بِنَوْعٍ
لأن الناس قد يكثرون فلا يكفيهم الواحد، وفهم من كلامه أنه ليس من شرط ولاية القضاء أن تكون عامة، وهو مذهب مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا تنعقد إلا عامة. وعلى مذهبنا فيجوز للإمام أن يستثني أشخاصًا لا يحكم بينهم.
أصحابنا: ولا يجوز أن ينهاه الأمير عن النظر في مسألة رجل بعد أن نظر فيها وأشرف على الحكم، أو نوع كالدماء والأموال.
فَلَوْ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الاخْتِيَارِ فَالْقُرْعَةُ
يعني: إذا كان في البلد قاضيان، وتنازع الخصمان في الاختيار، وطلب كل واحد منهما التحاكم عند من لم يطلب صاحبه الحكم عنده، فالقول قول الطالب.
المازري: ولو فرضنا أن يكون الخصمان جميعًا طالبين- كل منهما يطلب صاحبه- فإن لكل منهما أن يطلب حقه عند من شاء من القضاة، ويطلب الآخر حقه عند من شاء.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أنه لا يراعي الطالب وإنما يراعي أقربهما مكانًا.
ابن عبد السلام: فإن استوى المكانان أو كان كل واحد منهما طالبًا فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولًا، فإن استووا فالقرعة، وينبغي أن ينظر أيضًا فيمن
[ ٧ / ٣٩٨ ]
يقرع بينهما، فإن ذلك يؤدي إلى تشاجر آخر؛ لأنهما قد لا يتفقان على القرعة؛ فلابد من حاكم يقرع بينهما.
وَالتَّحْكِيمُ مَاضٍ فِي الأَمْوَالِ، وَمَعْنَاهَا كَحُكْمِ الْحَاكِمِ
التحكيم: أن يُحَكِّمَ الخصمان رجلًا يحكم بينهمان وليس مولَّى من قبل الإمام ولا من قبل القاضي. ولا يؤخذ من قوله: (مَاضٍ) الجواز ابتداء، وقد نص المازري على جوازه من حيث الجملة، قال: كما يجوز لهما أن يستفتيا فقيهًا ويعملا بما يقول، ويرجعا إلى ما يفتي به.
وتقييد قوله: (مَاضٍ) بالأموال قد يدل على أنه لا يمضي في خلافها، لكنه سيصرح بخلاف هذا المفهوم. واحترز بالأموال من غيرها فقد قال سحنون: لا يجوز في الحدود واللعان، وأضاف أصبغ الطلاق والعتاق واللواء والنسب والقصاص وقال: وأما الجراح فله أن يُمَكِّنَ مَنْ يستقاد منه كحكم الحاكم؛ أي: فلا يكون لواحد منهما ولا لحاكم غيرهما نقضه إلا أن يكون جورًا بَيِّنًَا، وامتنع التحكيم في هذه الأمور؛ لأنها يتعلق بها حق لغير الخصمين؛ إما لله تعالى وإما لآدمي، فاللعان فيه حق للولد في نفي نسبه، وكذلك الأنساب، قالوا: والطلاق والعتاق فيهما حق لله تعالى؛ إذ لا يجوز بقاء المطلقة البائن في العصمة، ولا رد العبد في الرق.
وَفِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ الرِّضَا إِلَى حِينِ نُفُوذِ الْحُكْمِ قَوْلانِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: [٦٥٤/أ] يُشْتَرَطُ إِلَى أَنْ يَنْشَبَا
يعني: واختلف في لزوم الحكم للخصمين، هل هو مشروط بدوام الرضا إلى حين الحكم ولكل واحد منهما أن يرجع قبل النفوذ، وهو قول سحنون، أو ليس بشرط وليس لأحدهما أن يبدو له إن كان قبل أن يفاتحه، وحكمه لازم لهما كحكم السلطان، وهو قول ابن الماجشون؟ ومنشأ الخلاف هل يقال: إنهما لما حكَّماه صار كالوكيل لهما أولًا، وهو كالحاكم، وفي كلامه حذف معطوف تقديره: إلى نفوذ الحكم وعدم اشتراطه.
[ ٧ / ٣٩٩ ]
وقوله: (إِلَى حِينِ نُفُوذِ الْحُكْمِ) أي: إلى نفوذه، وهكذا صرح به سحنون.
وأشار ابن عبد السلام: إلى أن كلام المصنف لا يؤخذ منه هذا؛ لأن بين نفوذ الحكم وزمان نفوذه فرقًا. وفيه نظر.
وقال أشهب: يشترط رضاهما إلى أن ينشبا في الخصومة، فإذا نشبا فلا رجوع لأحدهما.
ولابن القاسم في المجموعة: إذا أقام البينة عنده ثم بدا لأحدهما فأرى أن يقضي ويجوز حكمه. ولابن المواز: له الرجوع ما لم يشرف على الحكم.
فَلَوْ حُكِّمَ فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ فَقَتَلَ أَوْ حَدَّ أَوِ اقْتَصَّ أَوْ لاعَنَ أُدِّبَ وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا
هذا هو التصريح بخلاف ما فهم من قوله أولًا: (مَاضٍ فِي الأَمْوَالِ).
وما ذكره المصنف نص عليه أصبغ فقال: إذا حكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه فإن القاضي يمضي حكمه، وينهاه عن العودة. وإن فعل المحكم ذلك لنفسه فقتل أو اقتص أو حد ثم رفعه إلى الإمام أدبه السلطان وزجره، وأمضى ما كان صوابًا من حكمه.
وانظر قول أصبغ: "ما كان صوابًا" وقول المصنف: (مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا) فإن الظاهر أن بينهما فرقًا.
ابن راشد: وظاهر كلام سحنون أن يمنع من نقضه إلا أن يكون جورًا بينًا، وأما الحكم بإنفاذه وإمضائه فلم يصرح به، وأشار بعض الشيوخ إلى أن مالكًا وسحنونًا اتفقًا على نقض ما هو جُورٌ بَيِّنٌ، وما ليس كذلك فنَصَّ مالك على أن القاضي يمضيه، وظاهر كلام سحنون أنه لا يعارضه.
[ ٧ / ٤٠٠ ]
فَلَوْ حَكَّمَا عَبْدًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ مَسْخُوطًا فَقَوْلانِ، بِخِلافِ الْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُوَسْوِسِ
يطلب من الخصمين ابتداءً ألا يُحَكِّما إلا من اجتمعت فيه صفات القضاء، فإن حكما من لم تجتمع فيه، فأما الكافر والمجنون والموسوس فلا يمضي قضاؤهم باتفاق. قاله ابن راشد.
وأشار اللخمي والمازري إلى أن الجاهل متفق على بطلان حكمه؛ لأن تحكيمه تخاطر وغرر. واختلف في غير من ذكر، فحكى اللخمي والمازري أربعة أقوال:
الأول لأصبغ: يصح حكمهم.
والثاني لمطرف: لا يصح.
الثالث لأشهب: يمضي إلا في الصبي؛ لأنه غير مكلف، ولا إثم عليه إن جار، ونسب أيضًا لأصبغ.
والرابع لعبد الملك: يصح إلا في الصبي والفاسق، وذِكرُ المصنف الصبي مع الكافر والمجنون يوهم أنه متفق عليه، وليس بظاهر.
فَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَهُ فَثَالِثُهَا: يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنِ الْمُحَكِّمُ الْقَاضِيَ
ابن عبد السلام: هذه الأقوال صحيحة حكاها غير واحد، وأشار بعضهم أو صرح بنفي الخلاف في أن حكمه غير ماضٍ، وحكى بعضهم أنه يمضي، لكنه لم يتعرض لنفي الخلاف، ونص اللخمي على أنه لا يلزم حكم المحكم إذا كان مالكيًَّا والخصمان كذلك إذا خرج عن قول مالك وأصحابه وإن لم يخرج عن ذلك باجتهاده لزم.
وَيَجُوزُ الْعَزْلُ لِمَصْلَحَةٍ
لما فرغ من شروط القاضي وما يتعلق بذلك تكلم على عزله.
[ ٧ / ٤٠١ ]
وقوله (لِمَصْلَحَةٍ) يريد: أو درء مفسدة، كما لو رأى أن غيره أصلح أو أقوى، وأراد نقله إلى بلد آخر أو خطة أخرى.
أصبغ: وينبغي للإمام عزل من يخشى عليه الضعف والوهن، أو بطانة السوء وإن أمن عليه الجور في نفسه.
وَالْمَشْهُورُ الْعَدَالَةُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعْزَلَ لِمُجَرَّدِ الشَّكِيَّةِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعْزَلَ إِنْ وُجِدَ بَدَلُهُ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ سَعْدًا ﵄ وَهُوَ أَعْدَلُ مَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
الأول لمطرف قال: لا يعزل المشهور بالعدالة والرضا بالشكية فقط وإن وجد منه بدلًا؛ لأن في ذلك فساد للناس على قضاتهم، وإن لم يكن مشهورًا بالعدالة والرضا فليعزله إذا وجد منه بدلًا وتظاهرت الشكية عليه، فإن لم يجد منه بدلًا كشف عنه، فإن كان على ما يجب أبقاه، وإن كان على غير ذلك عزله.
وقال أصبغ: أَحَبُ إليَّ أن يعزل بمجرد الشكية وإن كان مشهور العدالة، واحتج بقضية سعد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃.
ابن عبد السلام: جعل المصنف الخلاف في مشهور العدالة، وهو صحيح؛ ألا ترى إلى احتجاج أصبغ، وبعضهم أشار إلى أن الخلاف فيمن لم تتحقق عدالته، وأما مشهور العدالة فيتفق عنده على أن لا يعزل بمجرد الشكوى.
أصبغ: وإذا علمت الشكية وتظاهرت فليوقفه بعد عزله للناس؛ ليرفع من يرفع، ويحقق من يحقق، فقد وقف عمر سعدًا فلم يصح عليه شيء من المكروه ﵄، وقد دعا على من كذب عليه في تلك القضية فاستجيب له فيه.
[ ٧ / ٤٠٢ ]
ولأشهب في المجموعة: إذا شُكي القاضي في أحكامه [٦٥٤/ب] وميله بغير حق، فينبغي للإمام أن ينظر في أمره قَلَّ شاكوه أو كثروا، فيبعث إلى رجال من أهل بلده ممن يثق بهم فيسألهم عنه سرًا، فإن صدقوا قول الشكاة عزله ونظر في أقضيته فيمضي ما وافق الحق ويبطل ما خالفه، وإن قال مَنْ سألهم عنه: لم نعلم إلا خيرًا وهو عدل عندنًا، ثبَّته وتفقد أقضيته. فما خالف السُّنَةِ رَدَّهُ وما وافقها أمضاه، ويحمل على أنه لم يتعمد جورًا ولكنه أخطأ.
مطرف وأشهب: وينبغي للإمام ألا يغفل عن التفقد لقضاته، فإنهم سنام أمره ورأس سلطانه.
ابن عبد السلام: وفي النفس شيء من احتجاج الفقهاء في مسألة القضاء بقضية سعد ونحوها من الأمراء، وذلك أن الأمير نظره أوسع من نظر القاضي، فإن نظره مقصور على مسائل الخصام، وهو مستند فيها إلى الإقرار والبينة وشبه ذلك من الطرق فيظهر عدله وتبعد التهمة في حقه.
وَإِذَا عَزَلَهُ عَنْ سُخْطٍ فَلْيُظْهِرْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ فَلْيُبَرِّئْهُ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ شُرَحْبِيلَ ﵄ فَقَالَ: أَعَنْ سُخْطٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: لا، لَكِنْ وَجَدْتُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْكَ، فَقَالَ: إِنَّ عَزْلَكَ عَيْبٌ؛ فَأَخْبِرِ النَّاسَ بِعُذْرِي، فَفَعَلَ
كلامه ظاهر تصورًا وتصديقًا، وإنما تظهر الجرحة لئلا يتولى بعد ذلك، وما ذكره من قضية شرحبيل هكذا ذكرها سحنون في المجموعة.
ابن عبد السلام: وليس فيها كبير حجة؛ لأن شرحبيل طلب ذلك. انتهى. وفي القضية نظر من وجه آخر؛ لأن ما نقله صاحب الاستيعاب يخالفها، لأنه نقل أن شرحبيل صيره أبو بكر وعمر ﵄ على جيش الشام ولم يزل واليًا على بعض نواحي الشام لعمر إلى أن هلك في طاعون عمواس مع أبي عبيدة بن الجراح ﵃ في يوم واحد سنة ثمان عشرة. واستعمل المصنف شرحبيل غير منصرف، وكذلك ذكره الزبيدي.
[ ٧ / ٤٠٣ ]
وقال صاحب المحكم: شرحبيل اسم رجل، وقيل: هو أعجمي، هذا يشعر بالخلاف في صرفه.
وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ لَمْ يَنْعَزِلْ مُسْتَخْلَفُوهُ وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةَ
(الْمُسْتَخْلِفُ) بكسر اللام و(مُسْتَخْلَفُوهُ) بفتحها، وظاهره الإطلاق؛ فيتنالو الإمام والأمير والقاضي، وهو مقيد بما عدا القاضي ونائبه، فإن نائب القاضي ينعزل بموت القاضي. نص عليه مطرف وأصبغ وابن حبيب.
ابن رشد: ولا أعلمهم اختلفوا فيه.
قيل: ولعله أراد المتقدمين، وإلا فقد نقل ابن العطار الخلاف عن فقهاء زمانه في موت الإمام، وجعلوا مثله مقدم القاضي على النظر للأيتام.
ابن عبد السلام: وعندي أن ما قالوه من انعزال نائب القاضي بموت القاضي صحيح إن كان استناب بمقتضى اللواية على لاقول بأن له ذلك، وأما إن استناب رجلًا معينًا بإذن الأمير أو الخليفة فينبغي ألا ينعزل ذلك النائب بموت القاضي، ولو أذن له في النيابة إذنًا مطلقًا فاختار القاضي رجلًا ففي انعزال هذا الرجل بموت القاضي نظر.
وانظر ما الفرق بين نائب القاضي في انعزاله ونائب الأمير أو الخليفة في عدم انعزاله؟ وقد استشكل فضل وغيره الفرق بينهما.
فإن قلت: ما وجه المبالغة بقوله: ولو كان الخليفة؟ قيل: لأن الأمير إذا كان مأذونًا له في الولاية فكأن الخليفة ولاه، فإذا مات الأمير بقي القاضي كأنه مولى من جهة الخليفة، بخلاف موت الخليفة.
فإن قيل: وما الفرق بين الوكيل في عزله بموت موكله وبين القاضي المقدم من الأمير أو الخليفة؟ قيل: لأن القاضي لم يقدم لحق الخليفة أو الأمير، وإنما قدم لحق
[ ٧ / ٤٠٤ ]
المسلمين؛ فلا يزال واليًا حتى يعزله الخليفة أو الأمير الثاني، بخلاف الوكيل فإن من قدم لمصلحته قد مات.
وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ: "قَضَيْتُ بِكَذَا" أَوْ شَهِدَ بِأَنَّه قَضَى لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ
لأنه إذا قال: (قَضَيْتُ بِكَذَا) مقر على غيره، وإذا شهد بأنه قضى فشاهد على فعل نفسه.
وفي بعض النسخ: (أَوْ شَهِدَ مَعَ عَدْلٍ) وهكذا ذكر سحنون، قال: وكذلك لو شهد مع رجل فلا ينفذ حتى يشهد اثنان سواه، ومعناه في المدونة، ففيها: وإذا مات القاضي أو عزل وفي ديوانه شهادة البينة وعدالتها لم ينظر فيه من ولي بعده ولم يجزه إلا أن تقوم عليه بينة، وإن قال المعزول: ما في ديواني قد شهدت به البينة عندي. لم يقبل قوله ولا أراه شاهدًا، فإن لم تقم بينة على ذلك أمرهم القاضي المحدث بإعادة البينة.
وللطالب أن يحلف المطلوب بالله تعتالى أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، وإن نكل حلف الطالب وثبتت له الشهادة عند الحق.
فإن قيل: لم قبل المأذون في دين يقر به بعد الحجر عليه، ولم يقبل قول القاضي بعد عزله وكلاهما كان مطلق اليد؟ قيل: لأن المأذون لا تهمة عليه؛ إذ ضرر إقراره عليه لتعلقه بذمته، ألا ترى أنه لو ضاع المال بقي الدين متعلقًا بذمته بخلاف الحاكم فإن أمره قد سقط بالعزل.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَحْبُوسِينَ وَالأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى.
هذا شروع منه فيما يبدأ به القاضي إذا تولى القضاء، وهكذا قال أصحابنا أن أول ما ينظر فيه القاضي المحبوسين حتى يعلم من يجب إخراجه من العذاب الذي هو فيه ومن لا يجب؛ لأن الضرر في ذلك أشد من [٦٥٥/ أ] الضرر في الأموال، ثم ينظر في الأوصياء ثم في
[ ٧ / ٤٠٥ ]
المقدمين؛ لكون من تكون له مطالبة عليهم قد لا يعرب عن نفسه، ثم في اللقطة والضوال ثم بين الخصوم، هكذا ذكر المازري هذا بـ (ثم) والمصنف اكتفى بالتقديم اللفظي.
أصبغ: وينبغي للقاضي إذا قعد أن يأمر بالنداء في الناس: "إن كل يتيم لم يبلغ ولا وصي له ولا وكيل، وكل سفيه مستوجب الولاية فقد منعت الناس مداينته ومتاجرته، ومن علم أحد من هؤلاء فليرفعه إلينا لنولي عليه، فمن داينه بعد أو باع منه أو ابتاع فهو مردود".
المازري: وإذا ولي قضاء غير بلده فينبغي أن يسأل عن أحوال عدول ذلك البلد قبل خروجه إليه إن كان بمكانه من يعرف حالهم حتى يكون قدومه على خبرة من حالهم، وقد يفتقر إلى الاستعانة في حال قدومه بأحد منهم فيكون قد عرف حال من استعان به، وينادي مناد يشعر الناس باجتماعهم لقراءة سجله المكتوب بولايته، فإذا فرغ نظر في مكانه الذي يجلس فيه، والعدل أن يكون في وسط البلد.
وَيَخْتَارُ الْكَاتِبَ وَالْمُزَكِيَّ وَالْمُتَرْجِمَ
أي: يختار الكاتب باعتبار أن يكون أعدل الموجودين، ففي المدونة: لا يستكتب القاضي أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين إلا العدول المرضيين.
مطرف وابن الماجشون وأصبغ: سواء غاب الكاتب عن كتابته أو لم يغب، فلا يكون إلا من أهل العدالة والرضا، وظاهر ما نقله المتيطي عن ابن المواز عدالة الكاتب من باب الأولى، لأنه قال: وقال ابن المواز: ينبغي أن يكون كاتبه عدلًا فقيهًا يكتب بين يديه ثم ينظر هو فيه، لكن قال اللخمي: لا يبعد حمل قول محمد على الوجوب.
وقال المازري: ينبغي أن ينظر القاضي فيما يكتبه؛ لاحتمال أن يزيد أو ينقص غلطًا أو سهوًا أو تعمدًا لرشوة يأخذها.
وإن كان غير ثقة فلابد من إطلاع القاضي على ما يكتبه، فيجلسه قريبًا بحيث يشاهد ما يكتب عنده، وإن كان عدلًا فالمذهب أنه مأمور بالنظر إلى ما يكتب، وقد ترجم
[ ٧ / ٤٠٦ ]
بعض أشياخي في وجوب ذلك على القاضي إذا كان الكاتب عدلًا؛ لأنه إذا شاهد ما كتب أشهد على نفسه بأمر يتيقنه، وإذا عول على تصديق الكاتب العدل اقتصر على أمر مظنون مع قدرته على اليقين.
وقوله (وَالْمُزَكِيَّ) ظاهره الاكتفاء بالواحد.
أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ رجلًا صالحًا مأمونًا منتبهًا، أو رجلين بهذه الصفة؛ يسألان له عن الشهود في السر في مساكنهم وأعمالهم، وإن قدر ألا يعرف من يسأل له فذلك حسن.
قال: ولا ينبغي للمكشف أن يسأل رجلًا واحدًا أو اثنين، وليسأل ثلاثة أو أربعة أو أكثر؛ خيفة أن يزكيه أهل وده بخلاف ما يعلمه اثنان أو ثلاثة من غيرهم، أو يسأل عنه عدوًا فيجرحه، وينبغي للقاضي ألا يضع أذنه للناس في الناس.
ابن الماجشون: وكل ما يبتدئ فيه القاضي السؤال عنه والكشف يقبل فيه قول الواحد، وما لم يبتدئه هو. وإنما يبتدئ به في ظاهر أو باطن فلابد من شاهدين فيه.
وفي الجواهر: ويشترط العدد في المزكي والمترجم دون الكاتب، وقال الشيخ أبو إسحاق: إن ترجم عنه واحد أجزاه، واختار القاضي أبو الحسن أنه إن كان الإقرار بمال قبل في الترجمة شاهد وامرأتان. وروى أشهب وابن نافع: يترجم للقاضي رجل ثقة مسلم مأمون، واثنان أحب إلينا، والواحد يجزئ. ولا يقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوط، ولا بأس أن يقبل ترجمة امرأة إذا كانت عدلة، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا لم يجد من الرجال من يترجم له، قالوا: وامرأتان ورجل أحب إلينا. انتهى.
وقال سحنون: لا تقبل ترجمة النساء ولا ترجمة رجل واحد ولا ترجمة من لا تجوز شهادته؛ لأن من لا يفهم قوله كالغائب عنه، وقيد صاحب البيان ما وقع له من أنه لا
[ ٧ / ٤٠٧ ]
يقبل ترجمة الكافر والعبد والمسخوط بوجود العدل، ولو اضطر إليهم لعمل على قولهم كقول الطبيب النصراني، وغير العدل مما يضطر إليه.
والخلاف في اشتراط الواحد أو الاثنين مبني على أنه من باب الخبر أو الشهادة، لكن ضعف فضل كونه من باب الخبر؛ لأنه لو كان كذلك لقبل العبد والمسخوط.
وَيَتَّخِذَ مَجْلِسًا يَصِلُ إِلَيْهِ فِيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحَقِّ وَالأَمْرِ الْقَدِيمِ.
ابن شعبان: من العدل أن يكون منزل القاضي متوسطًا من المصر، ويجلس متربعًا مستقبل القبلة عليه السكينة والوقار، أو محتبيًا.
مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن تكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب من غير وهن.
وكلامه في المدونة يدل على استحباب القضاء في المسجد، وأتى المصنف بكلامه في المدونة إما استشهادًا لما ذكره من اتخاذ مجلس يصل إليه الضعيف والمرأة، وإما استشكالًا؛ لأنه قد تدخله الحائض والجنب من غير شعور بهما، ويؤدي إلى رفع الأصوات فيه، ولهذا مال إلى الكراهة بعض الأندلسيين.
وَقَالَ مَالِكُ ﵀: إِنَّ مَنْ أَدْرَكْتُ [٦٥٥/ ب] مِنَ الْقُضَاةِ لا يَجْلِسُونَ إِلا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ؛ فَسُمِّيَتْ رَحْبَةَ الْقُضَاةِ، وَإِنِّي لأَسْتَحِبُّهُ فِي الأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ تَضْييقٍ؛ لِيَصِلَ إِلَيْهِ الْحَائِضُ وَالذِّمِّيُّ ..
هذا لمالك في الواضحة من رواية مطرف وابن الماجشون، وحمله اللخمي على الخلاف فقال: اختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال:
فقال في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم.
[ ٧ / ٤٠٨ ]
وقال في الواضحة: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجًا إما عند موضع الجنائز وإما في رحبة دار مروان وما كانت تسمى إلا رحبة القضاة.
مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق ليصل إليه اليهودي والنصراني والضعيف.
وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب. ففهم اللخمي عن أشهب أنه لا فرق بين المسجد ومنزله وغيرهما، وفهم غيره عنه أن أشهب إنما أراد تساوي المنزل وغيره في أصل الإباحة، ولا يخالف في استحباب المسجد، فلا يكون قوله ثالثًا، واحتج على جواز القضاء في المسجد بقوله تعالى: (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) [ص: ٢١] إلى قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) [ص: ٢٢] وبأنه ﷺ قضى فيه وبأن قاضي عمر بن عبد العزيز كان يقضي فيه، والأقرب في زماننا الكراهة لكثرة التساهل في العياض في المسجد. والله أعلم.
وَلا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ وَيُعَزِّرُ التَّعْزِيرَ الْيَسِيرَ
نحوه في المدونة، مالك: كالخمسة الأسواط والعشرة.
وقوله: (وَلا تُقَامُ) هو محتمل للمنع؛ لأنه ذريعة إلى أن يخرج منه ما ينجس المسجد، والكراهة تنزيهًا له.
فرع: وللقاضي أن يتخذ بوابًا وحاجبًا.
قَالَ مَالِكُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ
قال في المدونة: ولا ينبغي للقاضي أن يكثر الجلوس جدًا.
[ ٧ / ٤٠٩ ]
وفي الموازية لمالك: ينبغي أن يكون جلوسه في ساعات من النهار؛ لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه للناس نهاره كله.
وكلام مالك أولًا يشعر عرفا ًبإباحة إتعاب نفسه، وكلامه آخرًا يشعر بمنعه من ذلك، ولعله استعمل الكلام الأول بحسب أصل اللغة؛ فإن المكروه والمحرم ليس على الإنسان فعلهما.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ أَيَّامَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ سَفَرِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَفِي كَثْرَةِ الْمَطَرِ وَالْوَحْلِ؛ لأَنَّهُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبيْنَ الْعِشَاءَيْنِ.
لأن للناس اشتغالًا في هذه الأيام، وكذلك يوم التروية ونحو ذلك، ويوم عرفة، وكلامه ظاهر.
قال علماؤنا: وينبغي أن يكون جلوس القاضي معلومًا لا يختلف؛ لأنه إذا اختلف جلوسه انقطعوا عن مهماتهم لعدم معرفتهم بوقت جلوسه.
ابن الماجشون ومطرف بعد أن ذكرا نحوًا مما قاله المصنف: وما علمنا من فعله من القضاة إلا لأمر يحدث في تلك الأوقات فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويسجن، ويرسل للأمير أو الشرط، وأما الحكم فلا.
ولأشهب: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء إذا رضي الخصمان، فأما أن يكلف كاره الخصومة فلا، ولا بأس أن يقضي بعد أذان الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويرسل إلى الخصم يحضره ثم يقضي عليه إن شاء.
والوحل: هو الطين الجاري.
[ ٧ / ٤١٠ ]
وَفِي كَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مُرُورِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ قَوْلانِ
الكراهة لسحنون ومطرف وابن الماجشون وأشهب، والجواز لأشهب أيضًا بشرط ألا يشغله المسير ورحبة الناس والنظر إليهم؛ لأن ذلك يمنع من الفكر التام وليس لمروره إلى المسجد خصوصية، بل كل مسير كذلك.
ولا بأس أن يقضي وهو متكئ، نقله ابن زرقون، وقال اللخمي: ولا يحكم متكئًا، لأن فيه استخفافًا بالحاضرين، وللعلم حرمة.
واختلف القرويون إذا أراد المسلم خصام اليهودي يوم السب هل يمكن من ذلك أم لا؟
المازري: وألف بعضهم على بعض في ذلك.
وَلا يَحْكُمُ فِي حَالِ غَضَبِ وَلا جُوعٍ، وَلا مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ
لما في البخاري عنه ﵇: "ولا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". وخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان". فذكر الحكم مع وصف مناسب له، ففهم منه أن المقصود ما يشوش الفكر.
قال في المدونة: وإذا دخله هم أو ضجر فليقم.
وأجاز له أشهب وابن عبد الحكم إجماع نفسه في الحديث في مجلس ضقاته؛ ليرجع إليه فهمه، ومنعه مطرف وابن الماجشون وابن حبيب لظاهر المدونة.
اللخمي: والأول أحسن، وهو أحب من قيامه وصرف الناس.
فرع:
فإن حكم في حال غضب مضى، وفرق ابن حبيب بين القليل والكثير.
[ ٧ / ٤١١ ]
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ؛ لِيَنْقِلُوا الإِقْرَارَ فَيَحْكُمَ بِهِ، وَيَكْتُبُهُ خَشْيَةَ نِسْيَانِهِ ..
ظاهر قوله: (وَيَنْبَغِي) أنه ليس بواجب. وقال المازري: يؤمر بذلك ويتأكد الأمر على القول بأن القاضي لا يحكم بعلمه. وقال اللخمي: لا يجلس للقضاء إلا بمحضر عدول ليحفظوا إقرار الخصوم خوف رجوع بعضهم عن ما يقر به، وإن كان ممن يحكم بعلمه، فإن أخذ بما لا خلاف فيه أحسن.
ابن راشد: مذهب مالك وابن القاسم أن القاضي إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم بإقراره عليه حتى يشهد بإقراره شاهدان، ثم يحكم بما سمع وإن لم يشهد عنده بذلك.
ابن الماجشون: والذي عليه قضاة المدينة، ولا أعلم أن مالكًا قال غيره- أنه يقضي بما سمع منه وأقر به عنده، وأنهم رأوا أن الخصمين لما جلسا للخصومة رضيا أن يحكم بينهما بما أقرا به [٦٥٦/ أ] ولذلك قعدوا، والأول هو المشهور.
خليل: وإن كان الأول هو المشهور فيكون إحضاره للشهود واجبًا، وإلا فلا فائدة في جلوسه.
وقوله: (وَيَكْتُبُهُ) مرفوع مستأنف؛ أي: ويأمر كاتبه أن يكتب الحكم خيفة نسيانه، ويحتمل (ويكتب) بالنصب؛ أي: ويأمر كاتبه بشرح الدعوى والإنكار واسم المسألة وأسماء المتداعبين وأنساب الجميع وما يعرفون به وما بحكم به بينهما، ويحفظه في خريطة أو جراب أو غيره، ويختم عليه حتى لا ينساه، ويكتب عليه خصومة فلان في شهر كذا من سنة كذان ويجعل خصومة كل شهر على حدة.
[ ٧ / ٤١٢ ]
وَقَالَ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدُ: وَبِمَحْضَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ كَعُثْمَانَ ﵁، وَقَالَ مُطَرِّفُ وَابن الماجشون: لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُمْ وَلَكِنْ يَسْتَشِيرُهُمْ كَعُمَرَ ﵁ ..
هذا معطوف على قوله: (بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ).
وقوله: (كَعُثْمَانَ) إشارة إلى ما حكاه أشهب أن عثمان ﵁ كان إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ﵃ ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه.
وقال مطرف: فلا ينبغي أن يحضرهم كفعل عمر.
وقيده اللخمي بألا يكون مقلدًا فلا يسعه القضاء بغير محضرهم.
المازري: وقول مطرف وغيره إنما هو إذا كان فكر القاضي في حال حضورهم كعدم حضورهم معه، وأما إن كان حضورهم يكسبه ضجرًا حتى لا يمكنه التأمل لما هو فيه فإنه يرتفع الخلاف، وكذلك إذا كان القاضي من البلادة على حالة لا يمكنه ضبط قول الخصمين وتصور مقاصدهما حتى يستغنى عنه- فإنه يرتفع أيضًا الخلاف، ولا يختلف في وجوب حضورهم.
وَلا يَنْبَغِي لِقَاضٍ أَنْ يَثِقَ بِرَايِهِ وَيَتْرُكَ الْمُشَاوَرَةَ وَيَسْتَكْبِرَ عَنْهَا، فَقَدْ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵄ عَنِ الجَدِّ، وَسَأَلَ عَنْ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ..
هو ظاهر التصور؛ لأن الجماعة إذا فكروا كان ما اتفقوا عليه أوثق في النفس، وقد ورد الشرع بها فقال لنبيه ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهو إن كان المراد منه أمور الحرب فالجميع سواء. وبالغ الشافعي في هذا حتى قال: يجمع المخالفين له في المذهب ويشاورهم كما تقدم.
[ ٧ / ٤١٣ ]
ابن عطية في تفسيره: ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه.
سحنون: ولا يستشير من يشهد عنده فيما شهد فيه بعض من تكلم على هذا الموضع، ولم يقع في الموطأ وأبي داود والترمذي والنسائي في قصة عمر أنه سأل، وإنما ذكر عمر أنها لا ترث من الدية فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
وَلا يُفْتِي الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا بَاسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ ﵃ ..
يعني: أن له الإفتاء في غير مسائل الخصام، والمشهور أنه لا يفتي في الخصام؛ لأن إفتاءه في ذلك من إعانة الخصوم على الفجور؛ لأنهم إذا عرفوا مذهب القاضي تحيلوا في التوصل إلى ذلك المذهب أو في الانتقال عنه، وأيضًا فإذا علم مذهبه يكون مشروطًا بشرط، فمن لا يعرف ذلك الشرط اعتقد في القاضي- إذا لم يحكم بذلك المذهب لعدم ذلك الشرط- أنه مال عن الحق، وأجاز له ابن عبد الحكم ذلك بغيرها؛ لأنه لم ينقل عن الخلفاء التوفق في مسائل الخصام.
وَلا يَشْتَرِي بِنَفْسِهِ وَلا بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ
ظاهره في مجلس قضائه وغيره، ونحوه ذكر ابن شاس، وبمعناه عن محمد بن عبد الحكم.
ابن عبد السلام: ولا تبعد صحته، إلا أن المازري وغيره ذكروا عن المذهب ما يدل على جواز بيعه وشرائه ابتداءً، وحكى المازري عن الشافعي مثل ما حكاه المؤلف هنا. انتهى.
أي: لأن المازري نقل عن أصحاب مالك أنهم أجازوا للقاضي الشراء إذا لم يكن في مجلس قضائه، ولم يجيزوا له ذلك في مجلس قضائه؛ لما فيه من شغل باله.
[ ٧ / ٤١٤ ]
مطرف وابن الماجشون: ولا يشتغل في مجلس قضائه بالبيع والابتياع لنفسه.
سحنون: وتركه أفضل. قال: ولا بأس بذلك في غير مجلس قضائه له أو لغيره. وما باع أو ابتاع في مجلس قضائه فنافذ، إلا أن يكون أكره غيره على هضمه فليس هذا بعدل وهو مردود، كان في مجلس قضائه أو غيره، والذي ذكره المازري هو الذي في النوادر وغيرها.
وَيَتَوَرَّعُ عَنِ الْعَارِيَةِ وَالسَّلَفِ وَالْقِرَاضِ وَالإِبْضَاعِ وَالْوَلائِمِ، إِلا وَلِيمَةَ النِّكَاحِ الْعَامَّةَ، وَلا بَاسَ بِأَكْلِهِ فِيهَا ..
ظاهر كلامه أن هذه الأمور أخف من المبايعة؛ لتعبيره في الشراء بـ (لا يفعل) وهنا (يَتَوَرَّعُ) والعكس أولى؛ لأن العارية ونحوها انتفاع بمال غيره بغير عوض، وفي التي قبلها إنما يتوهم ذلك ولا يتحقق، لكن هذه الأشياء فلا تناقض على مذهبهما، [٦٥٦/ ب] وإنما الإشكال على ما ذكره المصنف لا يقال: أنت نقلت عنهما أنه ينتزه عن الشراء؛ لأنا نقول: التنزه لا ينافي الجواز.
مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي له أن يجيب الداعي إلا في الوليمة وحدها للحديث. ثم إن شاء أكل أو ترك.
وقال أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة، كانت وليمة أو صنيعًا عامًا لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح فلا.
وقال سحنون: يجيب العامة دون الخاصة، والتنزه أحسن.
ابن المواز: وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم، ولا بأس للقاضي بحضور الجنائز وعيادة المرضى، وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من سلم عليه، ولا ينبغي إلا ذلك.
[ ٧ / ٤١٥ ]
وَلا يُقْبَلُ هَدِيَّةً مُطْلَقًا وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا أَضْعَافَهَا، إِلا مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالَدِهِ وَأَشْبَاهِهِمْ
ظاهر قوله: (وَلا يُقْبَلُ) المنع، وعليه ينبغي أن يحمل قوله.
ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الإمام الأكبر وقاضيه وجباة أموال المسلمين الهدايا، قال: وهو مذهب مالك وأهل السنة، وذلك كما قال ربيعة: إنها ذريعة إلى الرشوة، ولهذا قال ﵇ في العامل الذي بعثه على الصدقة فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدي إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه؛ بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت" مرتين وقال ﷺ في مثل هذا: "إنه غلول".
وقوله: (مُطْلَقًا) أي: سواء كانت حال الخصام أو قبله، ولو كافأ عليها أضعافها.
وعن أشهب جواز قبولها من غير الخصوم إذا كافأ عليها بمثلها.
ثم استثنى الولد والوالد، ونحوهم من الخالة والعمة وبنت الأخ؛ لارتفاع التهمة؛ لأنه معلوم أن بينه وبين أبيه وولده من الحرمة وشدة الميل ما لا يحتاج معه إلى تأكيد الهدية، ولأن مثل هؤلاء إنما تطرق التهمة إلى القاضي إذا حكم من جهة القرابة من الهدية، بخلاف الأجانب والأقارب البعداء على عادتهم من إهدائهم له قبل الولاية. ومنعهم على قولين: الجواز لابن عبد الحكم.
ابن حبيب: ويأخذ الإمام من قضاته وعماله ما وجد في أيديهم زائدًا على ما ارتزقوه من بيت المال، ويحصى ما عند القاضي حين ولايته، ويأخذ ما اكتسبه زائدًا، وقدر أن هذا التكسب إنما اكتسبه بجاه القضاء، وتأول أن مقاسمة عمر ﵁ ومشاطرته لعماله كأبي
[ ٧ / ٤١٦ ]
موسى وأبي هريرة وغيرهما ﵃ إنما فعل ذلك لما أشكل عليه مقدار ما اكتسبوه بالقضاء والعمالة.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ وَالْمُلازِمِينَ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، وَيُخَفَّفُ مِنَ الأَعْوَانِ مَا اسْتَطَاعَ.
ابن عبد السلام: لأن بكثرتهم تعظم عنده نفسه، ويستأكل من معه بذلك أموال الناس، ولأن الأعوان إنما يعيشون غالبًا من تجنيب الخصوم وقلب الأحكام، خلاف ما كانوا عليه أيام سحنون أن لهم أرزاقًا من بيت المال.
مطرف وابن الماجشون: ولو استغنى عن الأعوان أصلًا لكان أحب إلينا.
ويجب عليه أن يؤدب أحد الخصمين إذا أساء على الآخر ما يستحقه.
ظاهره أن الحق في ذلك لله تعالى؛ لانتهاك حرمة مجلس الحكم، ونحوه لمطرف وابن الماجشون، قالا: إذا شتم الخصم فقال: يا فاجر، يا ظالم، ونحو ذلك فليزجره وليضربه على مثل هذا ما لم تكن فلتة من ذي مروءة فليتجاف عن ضربه.
ابن عبد السلام: ولا يعد الفقهاء تكذيب أحد الخصمين فيما ادعى عليه وشبه ذلك من السباب، ولو كان بصيغة كذب وشبهها من ذلك. انتهى.
ومن أحكام ابن زياد: ومن قال للشهود أو لأهل الفتوى: "تشهدون أو تفتون علي، لا أدري من أكلم" كأنه ذهب مذهب التوبيخ لهم، فقال ابن كنانة وابن غالب: يؤدب أدبًا وجيعًا.
وفي المجموعة: إذا قال للشاهد: "شهدت علي بالزور" وقصده أذاه نكل بقدر حالهما، وإن كان إنما عنى: "أن الذي شهدت به علي باطل" لم يعاقب.
[ ٧ / ٤١٧ ]
وَيَنْبَغِي ذَلِكَ إِذَا أَسَاءَ عَلَى الْحَاكِمِ، إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهِ فِي أَمْرِي وَشِبْهِهِ، وَلا يُعْظِمُ عَلَيْهِ ..
عبر في الأول: بـ (يَجِبُ) وهنا بـ (يَنْبَغِي) وكذلك فعل مطرف وابن الماجشون، ووجهه ظاهر؛ لأنه هنا كالمنتقم لنفسه، وليس هو حقيقة، ولهذا قال مطرف وابن الماجشون: إن الأدب في مثل هذا أمثل من العفو.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام مالك أن هذه المسألة في الوجوب كالتي قبلها؛ لأنه روي عن ابن القاسم: إن قال: "ظلمتني" فذلك يختلف، فإن أراد بذلك أذى القاضي وكان القاضي من أهل الفضل فليعاقبه.
قوله: (إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهِ .. إلخ) هذا لابن عبد الحكم، زاد: ويجيبه جوابًا لينًا، نحو: "رزقني الله تقواه، أو ما أمرت إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي الله". وليس له من أين يحكم عليه من غير أن يظهر لذلك غضبًا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ الناسُ فِي أَحْكَامِهِ وَشُهُودِهِ وَسِيرَتِهِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ عَلَى أَمْرِهِ ..
هذا لابن [٦٥٧/ أ] عبد الحكم؛ لأنه إذا أخبره بما يكره منه تركه، أو من أعوانه عزله بعد الفحص عن أمره.
وَإِذَا صَحَّ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالزُّورِ وَيَاخُذُ الْجُعْلَ عَزَّرَهُ عَلَى الْمَلأِ، وَلا يَحْلِقُ لَهُ رَاسًا وَلا لِحْيَةً ..
صح أنه ﵇ عد شاهد الزور من الكبائر.
ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه إذا لم يكن له مخرج بغفلة أو خطأ أو نسيان أنه يؤدب، وهذا إذا ظهر عليه، وأما إن جاء تائبًا فذكر اللخمي قولين:
[ ٧ / ٤١٨ ]
الأول لابن القاسم: لو أدب لكان لذلك أهلًا.
الثاني لسحنون: لا يعاقب. وما ذكره المصنف هو لابن عبد الحكم في النوادر، قال: إذا ثبت عليه أنه يشهد بالزور، ويأخذ على شهادته الجعل رأيت أن يطاف به، ويشهر في المجالس والحلق وحيث ما يعرف جماعات الناس، ويضرب ضربًا موجعًا، ولا يحلق له رأسًا ولا لحية، ويكتب القاضي بشأنه وما ثبت عنده كتابًا، وينسخه نسخًا يرفعها عند الثقات.
إلا أن الشيخ أجمل في التعزير، وقد صرح ابن عبد الحكم بأنه على الملأ، وتبع المصنف في قوله: (وَيَاخُذُ الْجُعْلَ) الرواية، ولا مفهوم لذلك؛ لأن العقوبة المذكورة في المذهب سواء أخذ جعلًا أم لا، ولعل ابن عبد الحكم ذكر ذلك على الغالب، ونص مالك على أن التأديب بقدر ما يرى القاضي، وكذلك نص مالك على أنه يجلد، ولم يذكر عددًا.
ابن الماجشون: بالسوط.
ابن كنانة: ويكشف عن ظهره.
مالك: ويطاف به في الأسواق والجماعات ويسجن، ولا أرى الحلق والتسخيم. ورأى ابن العربي أن يسود وجهه.
فَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا؛ لأَنَّهُ لا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ ..
مفهومه: إن لم يكن ظاهر العدالة حين شهد بالزور أنه تقبل شهادته، وفي ذلك قولان:
أحدهما: عدم القبول وهو ظاهر إطلاق المدونة ونقله في النوادر عن ابن القاسم.
[ ٧ / ٤١٩ ]
وثانيهما: لابن القاسم، قال في النوادر، وأظنه لمالك: القبول، فقيل على هذا: إن كان ظاهر العدالة لم تقبل اتفاقًا، وإن كان غير ظاهر العدالة فقولان، وعكس ابن رشد فقال: إن كان ظاهر العدالة فقولان، وإن لم يكن ظاهر العدالة لم تقبل اتفاقًا.
ابن عبد السلام: والطريق الأول أنسب للفقه، والثانية أقرب لظاهر الروايات؛ لأنابن المواز قال: تكعرف توبته بالصلاح والتزيد في الخير. وكذلك أشار إليه ابن الماجشون؛ لأن التزيد في الخير لا يكون إلا في ظاهر العدالة.
وفي جواز حكم الحاكم لمن لا تجوز له شهادته ثالثها: قال ابن الماجشون: إلا لزوجته ويتيمه الذي يلي ماله.
الجواز لأصبغ إذا لم يكن من أهل التهمة، قال: وقد يحكم للخليفة وهو أقوى تهمة؛ لتوليته إياه.
والمنع لأشهب ومحمد ومطرف نظرًا للتهمة واختاره اللخمي، قال: ولا فرق في ذلك بين الحكم والشهادة.
والتفرقة لابن الماجشون نظرًا إلى قوة التهمة في زوجته وفي يتيمه الذي يلي ماله وأحرى ولده الصغير؛ إذ كأنه حكم لنفسه، وأما غيرهم فلا يتوهم فيه.
وحكى اللخمي رابعًا عن أصبغ أيضًا بالتفرقة، فإن قال: "ثبت عندي" ولا يدرى أثبت عنده أو لم يثبت لم يجز مطلقًا، وإن أحضر الشهود وكانت الشهادة ظاهرة بحق بين جاز إلا لزوجته وولده الصغير ويتيمه الذي يلي ماله. وأشار اللخمي إلى أنه متى كان الحكم بغير مال وكان مما يتضمن ما تدركه فيه الحمية أو ما تدفع فيه المعرة لم يجز بحال.
وَلا يَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ.
هو متفق عليه، واتفاقهم هنا واختلافهم في الأول يدل على أن مانع العداوة أقوى من مانع المحبة.
[ ٧ / ٤٢٠ ]
وَلا يَتَعَقَّبُ أَحْكَامَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَلا يَنْقُضُ مِنْهَا إِلا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةُ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَايًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا ..
تعقب الأحكام هو اختيارها لينظر ما وافق الحق وما خالفه، وعلى هذا فالتعقب سابق للنقض وأعم منه، وقد نفى الأعم فينتفي الأخص بانتفائه.
وقوله: (الْعَدْلِ الْعَالِمِ) تقسيم منه للقاضي، وحاصل ما ذكره هو وغيره ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون المعلوم من حال القاضي العدالة والعلم فلا يتعقب القاضي الذي يليه أحكامه؛ لئلا يكثر الهرج والخصام، إلا أن يخالف في حكمه القطع فينتقض حينئذ.
فإن قلت: لا يعلم ما خالف القطع إلا بعد التعقب، قيل: يجوز أن يرفع إليه فيظهر خطأه من غير تأمل.
وقوله: (إِلا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ) نحوه في الجواهر وهو يقتضي أنه لا ينقض ما خالف الظن الجلي.
وليس بظاهر، بل قالوا: إذا خالف نص السنة غير المتواترة أنه ينقض، ولا يفيد القطع. نقله ابن عبد السلام عن بعضهم.
وينقض إذا خالف القياس الجلي، ولهذا قال القرافي: ينقض حكم الحاكم إذا خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا جليًا.
ابن حبيب عن ابن الماجشون: ويرد ما اختلف فيه الناس مما في كتاب الله، أو في سنة قائمة عن رسول الله ﷺ كاستسعاء العبد المعتق بعضه، وشفعة الجار، أو بعد القمسة والحكم بشهادة النصراني أو اليهودي لمثله؛ لأنه على خلاف قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] أو ميراث العمة والخالة والمولى الأسفل، وكذا ما تواطأ عليه أهل المدينة، أو شاع العمل به عن الصحابة والتابعين. وأما ما كان من رأي العلماء أو استحسانًا فلا ينقضه وإن كان
[ ٧ / ٤٢١ ]
على خلاف رأي [٦٥٧/ب] المدينة. قال: وهذا في كل ما يأخذه الحاكم ويعطيه، فأما ما هو ترك لما فعل الفاعل مثل الذي يخير امرأته فتختار نفسها- فقد قال بعض الناس: إنها واحدة بائنة- فإن تزوجها قبل زوج فرفع إلى حاكم يرى ذلك فأقره ولم يفرق بينهمأ، ثم رفع إلى من ولي بعده فهذا يفسخ نكاحها ويجعله البتة، وليس إقرار الأول حكمًا منه وإن أشهد على ذلك وكتب، ومثله من حلف بطلاق امرأة إن تزوجها، ثم نكحها، أو بعتق عبد إن ملكه ثم رفع إلى الحاكم فأقر الملك والنكاح، أو أقام شاهدًا على قتل رجل فرفع إلى من لا يرى القاسمة فلم يحكم بها، ثم رفع ذلك كله إلى من يرى الحكم فليحكم ولا يضره ترك الأول لذلك؛ لأن تركه ليس بحكم.
قال: وكذلك إن أقام شاهدًا عند من لا يرى الشاهد واليمين فلم يحكم به، ثم رفع إلى من يراه فليحكم وإن كان فيه سنة قائمة؛ لأن الأول إنما ترك النظر فيه، وقاله مطرف، وروى أكثره عن مالك، وقاله أصبغ.
ونقل ابن عبد الحكم عن مالك فيمن طلق البتة فرفع إلى من يراها واحدة فجعلها واحدة ولم يمنعه من نكاحها، فنكحها الذي أبتها قبل زوج أنه يفرق بينهما، وليس هذا من الاختلاف الذي يقر إذا حكم به.
قال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك كائنًا ما كان، ما لم يكن خطأ بينا.
فضل: والذي حكاه سحنون عن ابن القاسم ملائم لقول ابن عبد الحكم أنه لا ينقض ما اختلف فيه، وما كان من جور وخطأ بين لم يختلف الناس في خطأه ورده، فإن قلت: فهل يأتي كلام المصنف على هذا؟ قيل: لا؛ لاحتمال أن يتفقوا على ظن جلي.
والظاهر أن ما ذكره ابن حبيب من الفرق بين أن يعمل أو يترك لا يأتي على مذهب ابن القاسم، ألا ترى قول المصنف: (وَفِي مِثْلِ تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بِلا وَلِيِّ إلخ) فاعلمه.
[ ٧ / ٤٢٢ ]
المازري: والقول بنقض حكمه باستسعاء العبد بعيد؛ لأنه قد روى مسلم وغيره حديث الاستسعاء وكذلك الشفعة للجار مع ورود أحاديث تقتضيها.
وقوله: (أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةُ) أي: فينقض أيضًا، ومعناه: إذا حضرته البينةوعلمت قصده في الحكم وعدوله عنه على سبيل الخطأ، فإذا شهدت بذلك البينة عند الثاني نقضه، هكذا قال ابن محرز.
عياض: وكذلك عندي إذا كان الحاكم يلتزم مذهبًا ويحكم بتقليده لا باجتهاده فحكم بحكم من يرى أن مذهبه وغلط فيه فله هو نقضه دون غيره.
وَأَمَّا الْجَاهِلِ فَيَتَعَقَّبُهَا، وَيُمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا
هذا هو القسم الثاني؛ يعني: وأما أحكام العدل الجاهل فيتعقبها، أي: يتصفحها، ويمضي منها الذي لم يكن جورًا، وحكى المازري رواية شاذة أن الجاهل تنقض أحكاه وإن كان ظاهرها الصواب؛ لأنه وقع منه من غير قصد.
ابن عبد السلام: وقيد بعضهم ما ذكره المصنف بما إذا كان يشاور أهل العلم في أحكامه، وأما إذا كان لا يشاورهم فتنقض كلها؛ لأنه حكم حينئذ بالحدس والتخمين، وهو صحيح. انتهى.
وقال اللخمي: تتعقب أحكام العدل الجاهل، إلا أن يعلم أنه لا يحكم إلا بعد مشاورة أهل العلم، ورأى إذا كان يحكم من غير مطالعة أهل العلم أن يرد من أحكامه ما كان مختلفًا فيه؛ لأن ذلك كان منه تخمينًا وحدسًا، والقضاء بذلك باطل.
وَتُنْبَذُ أَحْكَامُ الْجَائِرِ وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالْجَاهِلِ
هذا هو القسم الثالث: ومعنى (تُنْبَذُ) أي: تطرح كلها، وقد تقدم قول أصبغ أول الباب حيث قال: (وَقَالَ أَصْبَغُ: الْعَدْلُ مِنَ الثَّانِي) يريد: كان عالمًا أو جاهلًا.
[ ٧ / ٤٢٣ ]
وَنَقْلُ الأَمْلاكِ وَفَسْخُ الْعُقُودِ وَشِبْهُهُ وَاضِحُ أَنَّهُ حُكْمُ، وَفَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحُ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَفِي مِثْلِ تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بِلا وَلِيِّ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقَرَّهُ قَالَ ابن القاسم: حُكْمُ، وَقَالَ ابن الماجشون: لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَلَوْ قَالَ: "لا أُجِيزُهُ" وَلَمْ يَفْسَخْهُ فَفُتْيَا ..
لما قدم أن حكم القاضي لا ينقض إلا في مسائل شرع في بيان الحكم، وجعله ثلاثة أقسام:
الأول: اتفق على أنه حكم كنقل الأملاك من يد إلى يد، وفسخ العقود من بيع وشراء.
والثاني: اتفق على أنه ليس بحكم كفتواه في واقعة باجتهاده أو مذهبه؛ لأن الفتوى لا ترفع الخلاف.
والثالث: مختلف فيه كما لو زوجته امرأة نفسها بغير ولي ورفع إلى قاض فأقره ولم يفسخه- فقال ابن القاسم: إقراره له حكم ولا ينقض، واختاره ابن محرز وقال: لأنه لا فرق بين أن يحكم بإمضائه أو فسخه، ورأى ابن الماجشون أنه ليس بحكم وإنما هو ترك لما فعل الفاعل من ذلك، وإمساك عن الحكم عليه.
وجملة (رفع إليه فأقره) تفسيرية لقوله: (تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بِلا وَلِيِّ) وقوله: (فَلَوْ قَالَ: "لا أُجِيزُهُ" .. إلخ) هو متفق عليه كما قدم.
وَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ لِمُعَارِضٍ اجْتِهَادِيُّ لا يَقْتَضِي الْفَسْخَ إِذَا تَجَدَّدَ السَّبَبُ ثَانِيًا، بَلْ يَكُونُ مُعَرَّضًا لِلاجْتِهَادِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَنِكَاحِ امْرَأَةِ فِي عِدَّتِهَا وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحًا مَعَ بَيْعٍ أَوْ مَعَ إِجَارَةِ
يعني: أن الحكم بالاجتهاد لا يكون كليًا بل هو جزئي، ولا يتعدى الصورة التي هي محل حكمه، وسبب ذلك أن حكم القاضي لا يتعلق إلا بالجزئيات؛ لأن معظم ما ينظر
[ ٧ / ٤٢٤ ]
فيه القاضي يحتاج فيه إلى بينة، والبينة إنما تشهد بما رأته وشافهته، وذلك جزئي؛ فلهذا إذا فسخ نكاحًا بين زوجين بسبب أن [٦٥٨/أ] أحدهما رضع من أم الآخر- مثلًا- وهو كبير فالفسخ ثابت لا ينقضه أحد، ولكنه إن تزوجها بعد ذلك فرفع أمرها إليه أو إلى غيره ممن ولي بعده لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها إذا أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة، وهكذا من تزوج امرأة في عدتها ورفع إلى مالكي يرى مع الفسخ تأبيد التحريم ففسخ النكاح فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، وأما تحريمه في المستقبل فمعرض للاجتهاد كغيره، وله أن يبدل اجتهاده.
قوله: (وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ) أي: وهذه المرأة التي تزوجها وقد رضع معها، أو في عدتها كامرأة أخرى تزوجها وقد رضع معها أو في عدتها، فذكر أن هذه التي لم يتقدم فيها حكم تكون معرضة للاجتهاد كالتي فيها الحكم.
وقوله: (كَمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحًا مَعَ بَيْعٍ أَوْ مَعَ إِجَارَةِ) أشار بهذا إلى أنه لا فرق بين أن يكون الخلاف خارج المذهب كما في الصورتين الأوليين، أو في المذهب كما في النكاح مع البيع أو الإجارة.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ حُكْمِ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَفِيمَا لَهُ فِيهِ رَايُ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا ..
(فِيمَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمِ غَيْرِهِ) يندرج فيه ما خالف القطع أو قامت البينة على أنه قصد الحكم بشيء فحكم بغيره سهوًا.
وقوله: (وَفِيمَا لَهُ فِيهِ رَايُ) هذه صورة ثالثة يختص بها في قضاء نفسه، وهو أن يقصد الحكم باجتهاده أو بمذهبه فيحكم بغيره سهوًا فإنه يتذكر ذلك وينقض حكمه الأول، ولا يتصور ذلك فيمن تقدمه؛ لأنه لا يطلع على غلط من تقدمه إلا بقيام البينة على ذلك.
[ ٧ / ٤٢٥ ]
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه التسوية في وجوب النقض بين جميع صور هذه المسألة، والذي قاله سحنون فيما له فيه رأي فحكم بغيره سهوًا: أن له نقضه، ولم يقل: يجب عليه نقضه، ورد بأن نص قول سحنون في النواد: إذا نسي ثم تذكره أنه يرجع فيه، وكذلك ذكره فضل في مختصره، وظاهر وجوب النقض لقوله: وهذا يرجع فيه.
فَلَوْ حَكَمَ قَصْدًا فَظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ فَقَالَ ابن القاسم: يُفْسَخُ الأَوَّلُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسحنون: لا يَجُوزُ فَسْخُهُ، وَصَوَّبَهُ الأَئِمَّةُ ..
لما ذكر ما ينقض فيه القاضي حكم نفسه باتفاق تكلم على المختلف فيه.
وقوله: (فَظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) هو ظاهر التصور، وهكذا نسبه ابن محرز وغيره لابن القاسم.
ابن راشد: وهو المشهور، وظاهر ما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀: "ما فت الطينة عندي أهون من نقض قضاء قضيت به ثم رأيت الحق في خلافه".
وقال ابن الماجشون وسحنون: لا يجوز فسخه، وصوبه الأئمة كابن محرز وعياض وغيرهما من المتأخرين بوجهين: بالقياس على حكم غيره، ولأنه لو نقض حكم نفسه في هذا لما كان لأحد وثوق بحكم؛ لاحتمال نقضه، وتبع في نسبة عدم النقض لابن الماجشون وسحنون ابن عبد الحكم، لكن كلام سحنون وقع مطلقًا من غير تقييد، وقال مطرف وابن الماجشون: إنما ينقض حكم نفسه في هذه المسألة ما دام واليًا، أما إن عزل ثم ولي مرة أخرى فظهر له الصواب في غير ما كان قضى به فلا ينقضه، وتكون ولايته الثانية كولاية غيره، وتأول على المدونة القولين اللذين ذكرهما المصنف، وليس ما نسبه المصنف لابن القاسم بصريح في أصل المدونة، وإن كان المصنف لم ينسبه إليها.
[ ٧ / ٤٢٦ ]
خليل: وقال عياض: وقوله في المدونة: "إذا تبين للقاضي أن الحق في غير ما قضى به رجع فيه "حمل أكثرهم مذهبه في الكتاب على أن له الرجوع كيف كان؛ من وهم أو انتقال رأي، وهو قول مطرف وعبد الملك، وقال سحنون: ونقل أيضًا عن عبد الملك أنه إنما يرجع فيما حكم به ذهلًا أو غلطًا لا فيما انتقل فيه اجتهاده، وهو أظهر وأقرب للصواب، وإلا لما استقر حكم حاكم وما كان أحد على وثيقة من الحكم. انتهى باختصار.
ونقل أشهب في الموازية: إن كان القضاء بمال نقضه، وإن كان بإثبات نكاح أو فسخه لم ينقضه.
ابن عبد السلام: وكلام المصنف بحسب ما تدل عليه صيغة أفعل يوهم أن محل الخلاف مقصور على ما إذا ظهر للقاضي أن ما حكم به أولًا صواب وأن غيره أصوب، وأنه لو ظهر له أن ما حكم به خطأ لنقضه بالاتفاق، وليس كذلك، بل المسألة مفروضة في الرواية إذا ظهر له أن الحق في غير ما حكم به، ولو أخذ من هذا الكلام أن الحكم في مسألة المؤلف عدم النقض لما بعد. انتهى.
وفيه نظر؛ فقد قال صاحب البيان: إذا حكم باجتهاد ثم رأى خلافه فالمشهور من المذهب أن القاضي إذا قضى بقضاء ثم رأى ما هو أحسن منه فإنه ينقضه ويرجع إلى ما رأى ما دام على ولايته، وعلى هذا فالخلاف في الصورتين.
وَلا يُمْضِي فَسْخَ حُكْمِ غَيْرِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ وَجْهَ فَسْخِهِ اتَّفَاقًا، وَفِي فَسْخِ حُكْمٍ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ قَوْلانِ ..
يعني: أنه إن فسخ حكم غيره فالاتفاق على أنه لابد من بيان وجه الفسخ؛ دفعًا للظنة عنه في حق القاضي المتقدم، ولحق المحكوم عليه أولًا، وهكذا حكى ابن حبيب الاتفاق، وفي اشتراط بيان وجه الفسخ في حكم نفسه قولان: [٦٥٨/ ب].
[ ٧ / ٤٢٧ ]
أحدهما: اشتراطه دفعًا للتهمة اللاحقة للقاضي من جهة الحكم له أولًا.
والثاني: عدم الاشتراط لضعف التهمة، لأن النفس مجبولة على دفع الخطأ عنها، وهو قول أصبغ، قال: إشهاده على الفسخ كاف إذا كان مأمونًا، ولكن لو قال مع هذا: قضيت للآخر لم يجز قضاؤه لعدم استيفاء الآجال والجرح والحجج، وعادا جميعًا إلى رأس أموالهما.
وَلا يُحِلُّ الْقَضَاءُ حَرَامًا كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحُكِمَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلْمَالِكِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ ..
أي: لا يحل حرامًا في الأموال ولا في الفروج ولا غيرهما، والمثال الذي قاله المصنف: (كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ) ظاهر، وكما لو شهد رجلان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا ففرق القاضي بينهما وانقضت عدتها، فلا يجوز للشاهد أن يتزوجها، وبقولنا قال جمهور العلماء. ووافقنا أبو حنيفة في الأموال وخالف في الفروج، ورأى أن القضاء يحلها، وبه قال كثير من أصحابنا فيما حكاه ابن عبد البر، وعلى هذا فالأموال مجمع عليها، لكن وقع في المذهب قول فيمن شهد على رجل أنه أعتق عبده فرد القاضي شهادته، ثم اشتراه ذلك الرجل الشاهد- أنه لا يعتق عليه ولو تمادى على إقراره بعد الشراء، وكذلك من اشترى أمة واختلف مع البائع بوجه من الوجوه المؤدية في اختلاف المتبايعين إلى فسخ البيع ورجعت الأمة إلى البائع- أنه يجوز له وطؤها، وفيها اعتذارات ضعيفة مع أن الأمر يؤدي فيها إلى خلاف الإجماع؛ لأن ذلك في الأموال.
ودليل الجمهور ما رواه مالك وغيره أنه ﵇ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار" والحديث عام في الفروج وغيرها.
[ ٧ / ٤٢٨ ]
وما ذكره من قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ .. إلخ) ظاهر التصور، ونقله ابن محرز عن ابن الماجشون فقال: وإن كان حكم باجتهاد وحكم بقول شاذ فذهب ابن الماجشون إلى فسخ حكمه، ومثل ذلك: الحكم بالشفعة من الجار، وتوريث ذوي الأرحام، وترك الحكم بالشاهد واليمين.
قال: وخلاف أهل العراق في هذا ظاهر، وهي من المسائل التي شرع فيها الاجتهاد، وقد ذهب جماعة إلى توريث ذوي الأرحام من الصحابة والتابعين، ولا أدري ما هذا.
وقد ذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أن القاضي إذا حكم بخلاف كائنًا ما كان أنه يمضي ولا يرد، وهذا هو الصواب، وكذلك استشكل ابن عبد السلام النقض في مسألة شفعة الجوار، قال: لأن ما تقدم الظاهر فيه مخالف للباطن، ولو علم القاضي بكذب الشهود لما حكم بهم إجماعًا، بخلاف مسألة الشفعة فإنها مختلف فيها، وحكم القاضي يرفع الخلاف فيكون كالمجمع عليه، وما هذا سبيله يتناول الظاهر والباطن، والذي قلناه هو مكان كلام السيوري في بعض مسائله قال: وعلى هذا لو غصب غاصب شيئًا فنقله عن مكان الغصب وكان مما اختلف فيه هل يفوت بنقله أم لا؟ فقضى القاضي لربه بأخذه وكان مذهب ربه أنه يفوت وتجب فيه القيمة فينبغي على هذا أن لا يكون لربه التصرف فيه.
وذكر المصنف في أصوله في الاجتهاد: لو قال مجتهد شافعي لمجتهدة حنفية: أنت بائن، ثم قال: راجعتك- أنه يرفع إلى الحاكم فيتبع حكمه، وهذا يدل على أن حكمه يرفع الخلاف.
وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُ تَرَكَهُ، قَالَ سحنون: لا بَاسَ أَنْ يَامُرَ فِيهِ بِالصُّلْحِ، وَلا يَحْكُمُ بِالتَّخْمِينِ؛ فَإِنَّهُ فِسْقُ وَجَوْرُ ..
قد يشكل على الحاكم كلام الخصمين من جهة تصوره؛ فيأمرهما بالإعادة ليفهم عنهما، وقد يفهم عنهما ويشكل عليه وجه الحكم- وهذا هو الذي تكلم عليه المصنف-
[ ٧ / ٤٢٩ ]
فلا يحل له الإقدام على الحكم باتفاق، وإذا لم يحل للمفتي أن يجزم بما يفتي به هنا فأحرى القاضي؛ نعم المفتي قد يرشد إلى الأخذ بالأحواط بخلاف الحاكم، ثم للحاكم أن يصرفهما عنه، وله أن يرشدهما إلى الصلح.
ابن عبد السلام: والأقرب إن كان هناك قاض غيره أن يصرفهما إليه؛ لاحتمال ألا يشكل عليه الحكم، وإن لم يكن غيره أمرهما بالصلح إن كان من الأحكام التي يتأتى فيها الصلح.
وإذا ظهر للقاضي وجه الحكم فلا يدعو إلى الصلح إلا أن يرى لذلك وجهًا، مثل أن يرى أن الحكم يوقع فتنة وتهارجًا.
قوله: (وَلا يَحْكُمُ بِالتَّخْمِينِ؛ فَإِنَّهُ فِسْقُ وَجَوْرُ) نحوه لابن محرز، قال: ويفسخ ذلك الحكم هو وغيره إذا ثبت عند الغير أنه يحكم على ذلك؛ وظاهر كلامه أنه يفسخ وإن طابق الحق، ونحوه لابن خويز منداد، لكن تعقب القابسي قوله ورأى أن يمضي من أحكام الجاهل ما وافق الصواب، وظاهر كلام بعضهم أنه متفق على ذلك.
الجوهري: والتخمين: القول بالحدس.
وَلا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُخَاصَمَةِ فَقَوْلانِ
أي: لا يحكم القاضي بعلمه لئلا ينسب إلى الميل، ولقوله ﵇: "فأقضي له على نحو ما أسمع" ولقوله ﷺ في حديث هلال بن أمية لما لا عن زوجته: "إن جاءت به على صفة كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء" فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ: "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها".
[ ٧ / ٤٣٠ ]
وقوله: (مُطْلَقًا) أي: سواء علمه قبل ولايته أو بعدها، علمه في مجلس قضائه أم لا سواء الحدود وغيرها، ثم استثنى من الإطلاق صورة مختلفًا فيها بقوله: (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُخَاصَمَةِ فَقَوْلانِ).
والمشهور أنه لا يحكم بعلمه أيضًا، وقال مطرف وابن الماجشون وسحنون: يقضي بما علمه في مجلسه، ولذلك جلس، ووقع في بعض النسخ: (وَلا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا، ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسحنون: إِلا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ [٦٥٩/ أ] الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ) وهو أحسن.
واختلف هل يشهد بما سمع منهما عند غيره؟ فقيل: لا يشهد به، وقيل: بل يشهد به.
ابن محرز: وهو الصواب؛ لأنه أمر علمه فلا يحكم به، ويشهد به عند غيره كسائر الحقوق، والقولان لمحمد. وعلى القول بقبولهما فقيل: يرفع لمن هو فوقه لا لمن هو دونه، وإليه ذهب سحنون لقوله في السلطان الأعظم الذي ليس فوقه سلطان: إذا رأى أحد هذا حدًا لا يقام أبادً، وأراه هدرًا، وقيل: يجوز الرفع لمن هو دونه. وظاهر المدونة أنه لا يرفع لمن هو دونه إلا السلطان الأعظم الذي ليس فوقه سلطان للضرورة، وكذلك قال بعضهم: إن مذهب المدونة التفصيل، ففي المسألة ثلاثة أقوال.
فَلَوْ حَكَمَ بِعلْمِهِ فِي غَيْرِهِ فَفِي فَسْخِهِ قَوْلانِ. وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ فَحَكَمَ بِهِ فَلا يُنْقَضُ.
أي: في غير مجلس حكمه، والقول بالفسخ لابن القصار، ونحوه في الموازية، قال: إن حكم بما عنده من الشهادة قبل أن يلي، ثم ولي غيره نقضه.
التونسي: ينقضه هو وغيره.
ابن راشد: وهذا القول هو الأصل، والقول بعدم الفسخ حكاه ابن القصار عن بعض الأصحاب.
[ ٧ / ٤٣١ ]
ابن عبد السلام: وهو الظاهر مراعاة لقول من أجاز له الحكم بعلمه مطلقًا كأبي حنيفة وغيره، وأما ما أقر به في مجلس الخصومة فحكم به فلا ينقض؛ أي: بالاتفاق، لكن ظاهر كلامه أنه لا ينقضه هو ولا غيره. والذي في الموازية: ولو حكم بما أقر به في مجلس القضاء ثم وليغيره لم ينقضه، وأما ما دام هو قاضيًا فينقضه.
فَلَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ إِقْرَارِهِ فَقَالَ مَالِكُ وابن القاسم: لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسحنون: يَحْكُمُ ..
فهذا هو الخلاف الذي استثناه بقوله: (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُخَاصَمَةِ) فهو تكرار.
فَلَوْ أَنْكَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي الْجَلابِ: إِذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى حُكْمِهِ ..
يعني: فلو أقر أحد الخصمين فحكم عليه القاضي مستندًا لإقراره مضى ذلك الحكم، ولا يفيد الخصم إنكاره بعد حكم القاضي، هذا بخلاف المسألة الأولى؛ لأن الإنكار فيها قبل تمام الحكم.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) هكذا صرح اللخمي بمشهورية هذا القول وعبر عنه المازري بالمعروف، وشرط في ذلك أن يكون القاضي باقيًا على ولايته، وجعل اللخمي والمازري ما في الجلاب مقابله، وأشار ابن عبد السلام إلى أن كلام ابن الجلاب ليس نصًا في المخالفة؛ لأن مسألة المشهور أن يخالف الخصم في الحكم، وإنما خاف في سببه وهو الإقرار بخلاف مسألة الجلاب فإن الخصم نازع فيها في أصل الحكم، ولو عرضت مسألة المشهور على ابن الجلاب لاحتمل أن يوافق على المشهور. قال: ولهذا لم يكتف المصنف بذكر المشهور عن ذكر مقابله، بل ذكر ما في الجلاب لينبه على ذلك.
[ ٧ / ٤٣٢ ]
خليل: وهو وإن كان كلامًا ظاهرًا إلا أنه خلاف ما فهم اللخمي والمازري وغيرهما.
المازري: والأصل الأول؛ لأن الحاكم إذا كان باقيًا على قضائه فله أن يقول الآن مستأنفًا لإيقاع الحكم: "أشهوا علي أني قضيت على هذا لهذا بكذا بعد أن استقصيت الواجب" ولا يمكن المحكوم عليه أن يتلقاه بالمدافعة، وكأن الذي في الجلاب بناه على حماية الذرائع ورأى أنه من باب حكم القاضي بعلمه.
فَلَوْ حَكَمَ بِأَمْرٍ وَنَسِيَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ أَمْضَاهُ عَلَى الأَصَحِّ كَمَا يُمْضِيهِ غَيْرُهُ اتِّفَاقًا ..
قال القاضي عبد الوهاب: إذا وجد القاضي في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم به لم يعتمد على خطه؛ لاحتمال التزوير، ولو شهد به شاهدان عنده أمضاه على الأصح، وهو قول مالك، ومقابل الأصح لا يمضيه، وحكاه أبو عمر أيضًا رواية، وبمقابل الأصح قال أبو حنيفة والشافعي، واحتج للأصح بما أشار إليه المصنف أنه حكم شهد به شاهدان؛ فوجب على من رفع إليه من القضاة تنفيذه؛ أصله لو رفع إلى قاض غيره، وفرق بأن أحكام غيره لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالنقل بخلاف أحكامه فإنه يعلمها من جهة نفسه، والغالب أنه يعلمها بحيث لم يعلم دل على ريبة فيمن نقله، وألغى هذا الفرق لأن الحاكم قد تكثر أحكامه فينسى فتدعو الضرورة إلى الرجوع فيها إلى الظن. واحتج لمقابل الأصح بالقياس على الشهادة، فإنه لو شهد عدلان بأن فلانًا شهد بكذا وأنكر فلان أو لم يذكر فإنه لا يعمل بشهادتهما، وفرق بأن الشاهد متعبد بأن لا يشهد إلا بما يعلم؛ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا) [يوسف: ٨١] بخلاف الحاكم فإنه يبني على شهادة غيره، وهي إنما تفيد غالبًا الظن.
[ ٧ / ٤٣٣ ]
تنبيه:
تقييد المصنف الحكم بالنسيان موافق لصاحب التلقين والجواهر، ومفهومه أنه لو لم ينس بل كان منكرًا أنه لا يمضي؛ لأن الإنكار أشد، لكن هذا المفهوم غير معمول به، فقد نقل صاحب الجواهر في آخر كلامه ما يخالفه فقال: قال ابن حبيب: أخبرني أصبغ عن ابن وهب عن مالك في القاضي يقضي بقضاء ثم ينكره فيشهد عليه به شاهدان- فلينفذ ذلك، وإن أنكر الذي قضى به معزولًا كان أو لم يعزل، ولذلك فرض ابن الجلاب [٦٥٩/ ب] المسألة في الإنكار.
وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَينِ فِي الْمَجْلِسِ وَالنَّظَرِ وَالسَّلامِ وَالْكَلامِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَهُ رَفْعُ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ ..
الأول ظاهر المذهب وهو ظاهر رسالة عمر، وهو لمالك، والثاني له أيضًا.
المازري: وإذا دخل الخصمان فهو بالخيار إن شاء سكت عنهما حتى ينطق أحدهما فيستدعي الجواب من الآخر، وإن شاء سألهما جميعًا بلفظ التثنية فيقول: مالكما؟ وما حاجتكما؟ أو ما في معنى ذلك، ولا يخص أحدهما بالسؤال فيقول: مالك؟ لأن ذلك يشعر بعناية القاضي به.
فائدة:
رأيت أن أذكر هنا رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄؛ فإنها أصل فينبغي حفظها والاعتناء بها وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام الله عليك، أما بعد؛ فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدليإليك، وأنفذ إذا تبين لك؛ فإنه لا
[ ٧ / ٤٣٤ ]
ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالا. ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وعدت فيه لرشدك- أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي على الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة. ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق. واجعل لمن ادعى حقًا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه، وإلا أوجبت عليه القضاء؛ فإنه أنفى للشك وأبلغ للعذر. الناس عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب؛ فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم بالبينات والأيمان. وإياك والقلق والضجر والتأذي للخصوم في المجالس؛ فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن عليه الذخر، فمن خلصت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غيره شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام وفي بعض هذه الألفاظ اختلاف بين الرواة والكل متقارب.
وَإِذَا سَكَتَ الْخَصْمَانِ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ بِالْكَلامِ، فَإِذَا انْتَهَى طَالَبَ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ فَلِلْمُدَّعِي الإِشْهَادُ عَلَيْهِ، وَلِلْحَاكِمِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
قد تقدم أن القاضي مخير إذا حضر بين يديه الخصمان في السكوت، أو يقول لهما: ما بالكما؟ ثم إذا علم الحاكم المدعي أو اتفقا عليه أمره الحاكم بالكلام.
أشهب: ويسكت المدعي عليه حتى ينتهي المدعي، ثم يأمره بالسكوت ويستنطق الآخر. وهو معنى قوله: (فَإِذَا انْتَهَى) أي: المدعي- طالب القاضي المدعى عليه بالجواب.
[ ٧ / ٤٣٥ ]
وظاهر قوله: (طَالَبَ) أن للقاضي أن يسأل المدعى عليه وإن لم يقل المدعي: سله.
المازري: وهو ظاهر الروايات؛ لأن شاهد الحال يغني عن هذه الزيادة، فإن أقر؛ أي: المدعى عليه فللمدعي الإشهاد عليه لئلا ينكر.
وظاهر قوله: (وَلِلْحَاكِمِ) التخيير، وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: وإن أقر له المطلوب بشيء أمره أن يشهد عليه لئلا ينكر، وإنما كان للقاضي التنبيه على الإشهاد ولم يكن من تلقين لأحد الخصمين لأن الإشهاد مع ما فيه من تحصين الحق فيه قطع النزاع وتقليل الخصام، وذلك من شأن القضاة.
فَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ: أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ فَإِنْ قَالَ: "لا" وَاسْتَحْلَفَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ عَلَى الأَشْهَرِ إِلا أَنْ يَظْهَرَ عُذْرُهُ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ ..
لما كان للمدعي عليه حالتان: إقرار وإنكار، وقدم الكلام على الأولى- أتبعه بالكلام على الثانية، فإذا أنكر سأل القاضي المدعي: ألك بينة؟ فإن قال: "نعم" أمره بإحضارها وسمع منها وأعذر فيها لخصمه، فإن لم يظهر مدفعًا حكم عليه، وإن ادعى مدفعًا أجله في إثباته، فإن لم يأت به وإلا قضى عليه.
وإن قال: "لا بينة لي" أخبره القاضي أنه ليس له إلا يمين المطلوب، فإن استحلفه فحلف ثم أتى المدعي ببينة؛ فإن كان له عذر في تأخيرها من نسيان أو عدم تقدم علم أو ظن أنها ماتت أو بعدت وشبه ذلك قبلت، ولا بد من يمين المدعي على دعوى نسيان البينة أو غيره مما يدعيه.
قال ابن الماجشون في الواضحة: فإن لم يكن له عذر فالأشهر أنه لا تسمع البينة، وهو قوله في المدونة في كتاب الشهادات؛ لأنه نفاها وأدخل خصمه عهدة اليمين، ومقابله لمالك أيضًا من رواية ابن نافع وقاله أشهب؛ لما روي عن عمر ﵁: "البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة".
[ ٧ / ٤٣٦ ]
تنبيه:
قال المازري: الأصل أن القاضي لا يستحلف المدعى عليه إلا بإذن من المدعي، إلا أن يكون من قرينة الحال ما يدل على أنه أراد من القاضي ذلك، وقد ذكر عن بعض القضاة أن رجلًا ادعى على آخر ثلاثين دينارًا فأنكر المدعي عليه فاستحلفه القاضي، فقال الطالب: لم آذن [٦٦٠/ أ] في هذه اليمين ولم أرض بها، فلا بد من إعادة اليمين، فأمر القاضي غلامه أن يدفع عن المطلوب من ماله الثلاثين دينارًا؛ كراهة أن يكلفه إعادة يمين قضى عليه بها.
وَإِنْ تَنَازَعَا فِي الابْتِدَاءِ فَالْجَالِبُ إِنْ عُلِمَ وَإِلا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا
فإن تنازعًا في تعيين المدعي فقال كل منهما: "أنا المدعي" قدم الجالب؛ لأن قرينته تدل على صدقه، وإن لم يعرف الجالب فقال ابن شعبان: إن اصطلحا على تقديم أحدهما، وإلا أقرع بينهما. المازري: وهو الأظهر.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا لم يدر من جلب أو استعدى لم أبال بأيهما بدأ، وإن كان أحدهما ضعيفًا أحب إلي أن يبدأ به.
وحكى ابن المنذر قولين آخرين:
أحدهما: أن يصرفهما حتى يصطلحا. وضعفه المازري؛ لأنهما قد لا يصطلحان فيبقيان في المشاجرة.
وثانيهما أنهما يتحالفان. وضعفه أيضًا بأنه يعود الكلام فيمن يبدأ بالحلف.
وفي بعض النسخ: (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَمَرَ بِالانْصِرَافِ، فَمَنْ أَبَى إِلَّا الْمُحَاكَمَةَ فَهُوَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ أَبَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) ونحوه في الجواهر وهو في الواضحة لأصبغ، إلاأنه لم يجعل في ذلك قرعة.
[ ٧ / ٤٣٧ ]
قال في المجموعة: وإن قال أحد الخصمين: أنا المدعي، وسكت الآخر فإن للقاضي أن يسأل المدعي عليه إذا سكت الآخر عن إنكار قوله أنه هو المدعي، قال: وأحب إلي ألا يسأله القاضي حتى يسلم له الآخر ذلك نطقا.
وَيَحْكُمُ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ: أَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةُ؟ فَيَقُولَ: "لا" فَإِنْ قَالَ: "نَعَمْ" أَنْظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدَهُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى حُجَّتِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ.
هذا هو الذي يسميه الفقهاء الإعذار؛ يعني: ويحكم القاضي بعد أن يسأل المدعى عليه أبقيت لك حجة؟ فيقول: لا، فقوله (فَيَقُولَ) منصوب بالعطف على (يَسْأَلَهُ) وكأن المصنف هرب بإفراد الضمير مما في المدونة من تثنيته؛ لأن فيها: وجه الحكم في القضاء إذا أدلى الخصمان بحجتهما ففهم القاضي عنهما وأراد أن يحكم بينهما أن يقول: أبقيت لكما حجة؟ فإن قالا: "لا" حكم بينهما، ثم لا تقبل منه حجة بعد إنفاذه. فاستشكل بأن الحجة إنما تطلب ممن توجه عليه الحكم، وهو المدعى عليه، ولهذا اختصر أبو محمد المدونة بإفراد الضمير، لكن الجواب عما في المدونة أن الحكم تارة يتوجه على الطالب وتارة على المطلوب؛ لأنه قد تقوى حجة المدعى عليه وتضعف حجة المدعي، فيتوجه الحكم عليه بالإبراء أو بغيره فلابد من الإعذار أيضًا، فلما كان مرة يعذر إلى هذا ومرة إلى هذا اختصر في الكلام وأتى بذلك في لفظ واحد، هكذا قال عياض وغيره.
وقوله: (فَإِنْ قَالَ: "نَعَمْ") أي: قال المدعى عليه: "نعم لي حجة" أنظره القاضي فضرب له أجلًا، فإن تبين لدده ففي الموازية: يضرب له أجلًا غير بعيد ثم ينفذ الحكم، ولو ادعى بينة بعيدة كما لو قال: "بينتي بالعراق أو بالمغرب" قضى عليه، ومتى حضرت بينته كان على حجته ويقوم بها عند هذا القاضي وعند غيره.
ابن يونس وغيره: وينبغي إذا ذكرأن له بينة بعيدة أن يكتب الحاكم في قضيته أنه ذكر أن له بينة بعيدة الغيبة ومتى حضر شهوده كان على حجته، وقاله بعض القرويين.
[ ٧ / ٤٣٨ ]
تنبيهان:
أولهما: ما ذكره من أنه إذا ذكر أن له حجة وتبين لدده يقضي القاضي عليه هو التعجيز، قال غير واحد: ويصح التعجيز في كل شيء إلا خمسة: العتق والطلاق والنسب والأحباس والدماء، وبه قال ابن القاسم وأشهب وابن وهب، وفيه خلاف.
ثانيهما: للموثقين في حد أجل الإعذار كلام؛ ففي وثائق ابن القاسم: الآجال تختلف باختلاف الشيء المدعى فيه، ففي ما عدا الأصول ثمانية أيام ثم ستة ثم أربعة ثم ثلاثة تلومًا، وفي الأصول الشهرين والثلاثة، لاسيما إذا ادعى مغيب البينة، وحينئذ يعجز، وفيه خلاف. وفي إثبات الديون ثلاثة أيام. وفي الإعذار في البينات وحل العقود ثلاثون يومًا. وللقاضي جمعها وتفريقها، وبتفريقها جرى العمل. وفي الوثائق المجموعة: يضرب في غير الأصول ثمانية أيام، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة؛ فيكون إحدى وعشرين يومًا. قال: وليس يضرب لمن ذهب إلى استدفاع يمين واجبة عليه مثل الآجال المذكورة، إنما يؤجل إذا زعم أن عنده ما يدفع اليمين الأجل القريب ثلاثة أيام ونحوها؛ لأن قوله هذا محمول على اللدد، وألآجال في الأصول أوسع من الديون والحقوق، وهي تختلف باختلاف أحوال المضروب.
وروى أشهب عن مالك في الرجل يدعى عليه في منزل بيده، ويأتي المدعي ببينة عدل فيقول المدعى عليه: "لي بينة" ويسأل التأجيل فيضرب له الأجل الواسع الشهر والشهرين والثلاثة، ويمضي الأجل ولا يحضر شيئًا، ويذكر غيبة شهوده وتفرقهم؛ هل ترى أن يضرب له أجلًا آخر أم يقضي عليه؟ فقال: أما الصادق المأمون الذي لا يتهم أن يدعي باطلًا فأرى أن يمد له في الأجل، وأما الذي يرى أنه يريد الإضرار بخصمه فلا أرى أن يمكن من ذلك الأمد القريب ثم يقضي عليه بما يرى. انتهى باختصار.
[ ٧ / ٤٣٩ ]
وفي مفيد الحكام: الأجل في الإعذار موكول إلى اجتهاد الإمام؛ خمسة عشر يومًا، ثم ثمانية، ثم ثلاثة تلومًا هذا في الأموال. وفي غيرها ثمانية أيام، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة.
وفي أحكام ابن سهل: فيمن شهد عليه بما يقتضي قتله فادعى عداوة بينه وبين القاضي تمنع حكمه عليه أنه يؤجل لإثباتها شهرين، اتفق على ذلك فقهاء قرطبة؛ فاعلمه.
وَإِذَا حَكَمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لا حُجَّةَ لِي" فَأَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَهُ ذَلِكَ، [٦٦٠/ ب] وَقِيلَ: عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ ..
يعني: وإذا حكم على المدعى عليه بعد أن قال: "لا حجة لي" ثم أتى بعد ذلك ببينة لم يعلم بها- ففي المدونة: لا تقبل من المطلوب حجة إلا أن يأتي بما له وجه، مثل بينة لم يعلم بها أو يكون أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين، وحكم عليه، ثم وجد شاهدًا آخر بعد الحكم وقال: "لم أعلم به" فليقض له. وقيل: إنما يكون له القيام بالبينة التي لم يعلم بها عند هذا القاضي دون غيره؛ لأن القيام بالبينة عند غيره شبيه بنقض الحكم الأول، وهو قول ابن المواز. وقيل: لا يقبلها مطلقًا- لا عنده ولا عند غيره- لأنه أقر على نفسه أولًا بأنه لا حجة له.
وصرح في البيان: بأن المشهور إذا عجز المطلوب وقضى عليه أن الحكم يمضي، ولا يسمع منه ما أتى به بعد ذلك، وذكر في تعجيز الطالب والمطلوب قولين، وذكر ثالثًا بالقبول من الطالب دون المطلوب، ورابعًا في الطالب إن عجزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجزه بعد أن وجب على المطلوب عمل ثم رجع عليه؛ أي: كما لو ادعى دارًا وأقام بينة أنها لأبيه وأثبت المطلوب الحيازة ..، ثم قال: وقيل هذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام، وقيل: بل ذلك فيه وفيمن بعده، وهذا الاختلاف إنما هو إذا أعجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا أعجزه السلطان
[ ٧ / ٤٤٠ ]
بعد التلوم والإعذار وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد ورد من قوله قبل نفوذ الحكم، فلا يسمع بعد نفوذه. انتهى.
وفي المدونة في باب: "القطع" إثر المسألة المتقدمة؛ أعني: إذا قالا: لا حجة لنا، وإن قال: "قد بقيت لي حجة" فأمهله فلم يأت بشيء حكم عليه، فإن أتى بعد ذلك يريد أن ينقض ذلك لم يقبل منه إلا أن يأتي بأمر يرى أن له وجهًا.
ابن القاسم: مثل أن يأتي بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين، وقال: "لا أعلم لي شاهدًا آخر" فحكم عليه القاضي ثم وجد شاهدًا آخر بعد الكم فليقض بهذا الآخر، ومثل أن يأتي ببينة لم يعلم بها، وإلا لم يقبل منه.
ابن المواز: وإنما ذلك عندنا في القاضي نفسه، فأما لو ولي غيره لم يكن له أن ينظر فيه ولا ينقضه.
وقال سحنون: لا يقبل القاضي بعد الحكم من المطلوب حجة وإن أتى بما له وجه.
بعض القرويين: وما في المدونة أشبه، وفي المجموعة في الذي يقضي عليه ثم يجد بينة لم يعلم بها أن ذلك له وقد عزل القاضي، أيقضي بها الثاني؟ قال: نعم.
ابن يونس: وهو صواب كما لو قال: لي بينة غائبة بعيدة.
ابن عبد السلام: وانظر هذا الخلاف حيث يقول المحكوم عليه: "بقيت لي حجة" والمؤلف حكاه حيث يجيب بقوله: "لا حجة لي". انتهى. وكلام المصنف يأتي على كلام ابن رشد؛ فانظر ذلك.
وَإِذَا تَزَاحَمَ الْمُدَّعُونَ فَالسَّابِقُ ثُمَّ الْقُرْعَةُ، إِلا الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ
يعني: سواء كان الوقت لا يسع إلا بعضهم، أو كان يسع الجميع ولكن كل واحد أراد التقديم- فيقدم الأول فالأول. قيل: وينبغي أن يوكل من يعرف له الأول فالأول،
[ ٧ / ٤٤١ ]
فإن لم يعرف الأول أقرع. وصفتها أن تكتب أسماءهم في رقاع ثم تؤخذ إحدى الرقاع بعد خلطها، فمن وجد اسمه في تلك الرقعة قدم. واستثنى المصنف المسافرين لضرورتهم بفوات الرفاق.
المازري: إلا أن يكثروا كثرة يلحق منهم المقيمين الضرر، فيصار إلى القرعة.
بعض الشافعية: وإنما يبدأ الأول في حق واحد، واختار المازري تقديمه في حقين إذا كان لا يطول ولا يضر بالجماعة، كما لو خاصم الأول وطال خصامه معه، قال: وربما كان خصام الاثنين كخصام واحد يطول معه الخصام.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلْنِّسَاءِ
هو ظاهر تصورًا وتصديقًا؛ خوفًا من الفتنة في اجتماعهن مع الرجال في المجلس.
المازري: وإن كانت شابة لها جمال، ويخاف إن تكلمت أن يؤدي كلامها إلى شغف بها فإنها تؤمر أن توكل من ينوب عنها، ولا يكون من حق الخصم أن يؤتى بها لمجلس القضاء، وإن احتيج إلى أن يبعث إليها وهي بدارها تخاطب من وراء سترها من يبعثه القاضي إليها ممن تؤمن ناحيته لشيخوخته ودينه، أو يكلفه الحكومة في أمرها فعل، وقد حضرت الغامدية مجلسه ﵇، وقال في المرأة الأخرى: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها .. ".
وَالْمُفْتِي كَذَلِكَ
أي: في التقديم بالسبقية. زاد ابن شاس: وكذلك المدرس، وجرت العاةد بتقديم قارئ حديث رسول الله ﷺ على قارئ الفقه.
[ ٧ / ٤٤٢ ]
وَإِنْهَاؤُهُ إِلَى حَاكِمٍ بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةِ
المراد بالإنهاء التبليغ؛ يعني: فتبليغ القاضي حكمه لحاكم آخر يكون بوجهين:
أولهما: أن يشهد شاهدان على تفصيل حكمه.
أشهب: ولا تفيد شهادتهما أنه كاتبه حتى يشهدا أنه أشهدهما عليه.
وقوله: (بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةِ) أي: ولا يكون بغيرهما؛ فلا يكتفي في ذلك بالشاهد الواحد، أو بالشهادة على أن الكتاب بخط القاضي، أو أن أختم ختمه، وما يفعله أهل زماننا من كتب القاضي خطه في العلامة والاكتفاء بالشهادة على خطه دون إشهاد القاضي عليه خارج عن نصوص المتقدمين، وإن كان وقع لسحنون وابن كنانة الاكتفاء بكتب أمنائه من أعراض البلد فجعل ذلك بعض المتأخرين أصلا ًفي قبول الإعلام إذا شهد على خط القاضي، وسيأتي ما استثني من ذلك في نواحي البلد، وإلى هذا أشار بقوله:
فَالإِشْهَادُ يَكُونُ بِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا، وَقَالَ سحنون: وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إِن كَانَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ ..
(مُطْلَقًا) أي: في كل حق، سواء كان الحق المحكوم به مما يثبت في أصله بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو بشاهد وامرأة، أو لا يثبت إلا بأربعة كالزنى، فلا يشهد على النقل إلا أربعة.
قوله: (، وَقَالَ سُحْنُونُ .. إلخ) تصوره ظاهر، ولعل منشأ الخلاف الاختلاف في الشاهد واليمين فيما ليس بمال ولكنه يؤول إلى المال.
[ ٧ / ٤٤٣ ]
وَاسْتُحِبَّ أَنْ تَكُونَ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ بِخِلافِهِ أَمْضَى ..
[٦٦١/ أ] بعض من تكلم هنا: ينبغي أن يقرأ: (اسْتُحِبَّ) لما لم يسم فاعله؛ لئلا يتوهم عوده على مالك، ولم ينص على ذلك، وما ذكره من الاستحباب نحوه في الجواهر، قال: ولو شهد بما فيه وهو مفتوح بغير ختم لجاز أيضًا.
ابن عبد السلام: ولا يظهر للاستحباب كبير وجه إذا كان المعتمد على ما قاله من الشهادة؛ لأن القبول معها دائر وجودًا وعدمًا، وإنما يتصور ما ذكره المصنف من شهادة الشهود بخلاف الكتاب إذا أشهدهما على الحكم وأعطاهما الكتاب ولم يقرأه عليهما، زاد ابن شاس بعد قوله: إنما يعمل بالشهادة ولو خالفت الكتاب إذا طابقت الدعوى.
فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدْتُكَمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي أَوْ حُكْمِي، فَرِوَايَتَانِ وَمِثْلُهُ لَوْ أَقَرَّ مُقِرُّ بِمِثْلِهِ ..
هكذا حكى صاحب المعونة هاتين الروايتين.
ابن عبد السلام: والصحيح عندي منهما إعمال ما في الكتاب؛ لأنهما أديا عنه ما أشهدهما به، ولا معارض. انتهى.
واحتج القاضي إسماعيل للإعمال بأنه ﵇ دفع إلى عبد الله بن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه إلا بعد أن يسير ليلتين، فإذا قرأه فليبلغ ما فيه.
ووجه المازري الرواية الأخرى بأنهم إذا لم يعلموا ما تضمنه فالشهادة بمضمونه شهادة بما لم يعلموا، وضعفه بأن ما تضمنه على الجملة قد أقر به من أمرهم بالشهادة، والعلم تارة يقع جملة وتارة يقع تفصيلًا.
[ ٧ / ٤٤٤ ]
ابن عبد السلام: وقوله: (وَمِثْلُهُ لَوْ أَقَرَّ مُقِرُّ بِمِثْلِهِ) ظاهر أن فيه الروايتين: وكلام ابن شاس أظهر في ذلك، والصحيح قبول هذه البينة، وإنما يحفظ الخلاف في المذهب بالكراهة في شهادة الشاهد، كذلك في الوصايا؛ لاحتمال أن يكون فيها جور، وحكى عبد الوهاب روايتين فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًا فقال: اشهدوا علي بما فيه.
خليل: وعموم ما نقله القاضي يصحح الخلاف الذي أشار إليه المصنف.
وَتُؤَدَّى عِنْدَ مَنْ كُتِبَ إِلَيْهِ وَغَيْرِهِ.
نحوه في المدونة لأن في باب الأقضية: وإذا كتب قاض إلى قاض فمات الذي كتب إليه الكتاب أو عزل قبل أن يصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، أو مات المكتوب إليه أو عزل ووصل الكتاب إلى من ولي بعده فالكتاب جائز، ينفذه من وصل إليه، وإن كان إنما كتب لغيره.
أبو إسحاق: ولا ينبغي أن يسمي المكتوب إليه، وإنما يقال: "قاضي فلانة، ابن الحاج" وهو خلاف المدونة؛ لقوله فيها: وإن كان إنما كتب لغيره.
المازري: ووقع لابن القاسم في قاضي مصر إذا كتب لقاضي إفريقية في القضاء على غائب بإفريقية فلقي المحكوم له المحكوم عليه بطرابلس أنه لا يحاكمه فيها، وهذا يتأول على أن المحكوم عليه لا يعرف حيث لقيه خصمه، وإنما يعرف بالبلد الذي كتب إلى قاضيه، وإلى هذا أشار سحنون.
وَيُمَيِّزُ الْغَائِبَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ وَحِرْفَتِهِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمَيَّزُ بِهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ آخَرُ حَيُّ أَوْ مَيِّتُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِوَجْهٍ
إذا حكم القاضي على الغائب وطلب المحكوم له من القاضي أن يكتب له كتابًا بذلك إلى حاكم بلد المطلوب ليمشي به أو يرسله مع وكيل له- وجب على القاضي أن يجيب لذلك.
[ ٧ / ٤٤٥ ]
ويعين المحكوم عليه بكل ما يقع به التمييز من اسم ونسب وحلية وحرفة وشهرة وغير ذلك، فإن لم يوجد بتلك البلد على تلك الأوصاف التي وقع التمييز بها إلا واحدًا فإن القاضي يؤمر بالكشف ثم يوجه الحكم عليه، وإن وجد على تلك الصفة اثنان فأكثر، لم يحكم على أحدهما إلا بتعيين البينة له أنه الذي أراده القاضي.
واختلف إذا عين الطالب واحدًا وطلبه بحميل حتى يأتي بالبينة؛ فقال ابن القاسم في المدونة: لا يمكن من ذلك، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: يمكن إذا لم تؤمن غيبته، ولم يكن من أهل البلد.
وإن ترك القاضي الكاتب التمييز ففي المذهب قولان:
أولهما: أن القاضي المكتوب إليه لا يعدي الطالب على صاحب الاسم المكتوب حتى يثبت الطالب أنه ليس بتلك الجهة من هو بهذه الصفة، والاسم والشهادة في ذلك على العلم، وهو دليل قول ابن وهب في سماع زونان.
وثانيهما: أن يعديه إلا أن يثبت صاحب هذا الاسم أن بالبلد من يوافقه في الاسم والصفة وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان، وقول ابن القاسم في المدنية.
قول: (بِوَجْهٍ) وما يتعين به كأن يموت مشاركة في هذا الاسم قبل تاريخ هذا الدين.
وَالْمُشَافَهَةُ بِأَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَسْمَعُ فِي غَيْرِهَا لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ فَهِيَ شَهَادَةُ، وَلا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا كَغَيْرِهَا ..
هذا هو الوجه الثاني من وجهي الإنهاء.
وقوله: (أَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ) هذا- والله أعلم- إذا عرض للأول عارض يمنعه من التمام كمرض ونحوه، وإلا فللأول أن يتم الحكم، وتردد المازري في هذين
[ ٧ / ٤٤٦ ]
القاضيين؛ أعني: إذا كانا ببلد واحد وأخبر أحدهما الآخر أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان كذا هل يكتفي بخبر القاضي أم لا؟ قال: فإن قلنا: إن هذا من القاضي كنقل عن شهادة فلا يكتفي هذا القاضي [٦٦١/ ب] المخاطب بتعريفه أنهم شهدوا عنده بكذا؛ لأن الشهود المنقول عنهم حضور، ولا يصح نقل عن شاهد حاضر من غير عذر، وإن قلنا: إن ذلك كقضية؛ فإن القاضي الثاني ينفذ ما قاله الأول من غير أن يطلب إحضار الشهود، وقد يقال: إذا قبلنا قول القاضي وحده فكذلك يصح نقله.
قوله: (أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ) وذلك إما بأن يكون لكل واحد جهة من البلد، أو يكونا في جهتين متجاورتين.
(وَلَوْ كَانَ الْمَسْمَعُ فِي غَيْرِهَا) أي: في غير ولايته (لَمْ يُسْمَعْ) لأنه معزول في تلك الجهة، فصار كقوله بعد العزل: "كنت حكمت بكذا" وأجاز أهل طليطلة أن يخبر القاضي المحل بغير بلده قاضي البلد وينفذ حكمه.
ابن سهل: ولو كان السامع للحكم في غير محل ولايته والمسمع في محل ولايته ثم رجع السامع إلى محل ولايته له أن يحكم بما سمعه في غير محل ولايته؛ لأنه حينئذ حاكم بعلمه، وفي أحكام ابن سهل عن أصبغ ما ظاهره أن له أن يحكم، وأجراه مجرى تنفيذ الأحكام في غير ولايته.
ابن عبد السلام: وانظر قول المؤلف: (فَهِيَ شَهَادَةُ) فظاهره أن القاضي السامع لو طلب منه أن يؤدي ما سمعه من هذا القاضي إلى قاض ثالثا لكان ذلك له ويكون شاهدًا، فيحكم بقوله مع يمين الطالب، أو مع شهادة شاهد آخر، وفي هذا الأصل قولان: هل يكتفي بالشهادة بذلك أو لا بد من السماع من القاضي من زيادة قوله: أشهد علي بكذا؟ ولو قيل: إنه لا يشهد في هذه الصورة من غير خلاف لما بعد، فإن ذلك الخلاف إنما هو إذا
[ ٧ / ٤٤٧ ]
أشهد القاضي شاهدين على نفسه وحضر مجلسه اثنان غيرهما فهل لهذين الاثنين أن يشهدا بما أشهد به الأولان؟ في ذلك قولان، وفي هذه الصورة لم يقصد القاضي المسمع إلى الإشهاد بوجه، وإنما قصد إلى إعلام قاض آخر مشافهة ولم يتم الحكم بها؛ فتأمله.
وَلَوِ اقْتَصَرَ الأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُنْهَىَ إِلَيْهِ الإِتْمَامُ مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْحُكْمِ ..
أي: لو اقتصر القاضي الأول على سماع البينة في بلده ولم ينظر في عدالتها، فعلى القاضي الثاني النظر في عدالتها والحكم بمقتضاها، وإن ثبت عند الأول العدالة حكم الثاني، وليس قول القاضي: "ثبت عندي كذا" حكمًا منه بمقتضى ما ثبت عنده فإن ذلك أعم منه، وإنما ذكرنا هذا لأن بعض القرويين غلط في ذلك، وألف المازري جزءًا في الرد عليه وجلب فيه نصوص المذهب.
وَأَمَّا الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ فَلا أَثَرَ لَهُ
أي: عند الإشهاد، وهذا راجع إلى قوله: (بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةُ).
قَالَ مَالِكُ: كَانَ مِنَ الأَمْرِ الْقَدِيمِ إِجَازَةُ الْخَوَاتِمِ حَتَّى حَدَثَ الاتِّهَامُ فَأُحْدِثَتِ الشَّهَادَةُ ..
هذا استدلال منه لما ذكر من أن الكتاب المجرد لا أثر له.
قوله: (عَلَى إِجَازَةُ الْخَوَاتِمِ) أي: ختم القاضي على كتابه.
ابن شعبان: وأول من أحدث الشهادة هارون الرشيد، وقيل: أبوه محمد المعروف بالمهدي.
وفي البخاري: إن أول من سأل البينة عن كتاب القاضي ابن أبي ليلى.
[ ٧ / ٤٤٨ ]
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ كَأَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ إِلَى قَاضِيهَا فِي الْحَقِّ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُمْ بَقُوا عَلَى الاجْتِزَاءِ بِالْخَطِّ وَالْخَوَاتِمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأَطْلَقَ ..
أي: وقال ابن كنانة: لا يكتفي بالخواتم، وهو معنى قوله: (كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ) ككتاب الأمناء بأعراض المدينة إلى قاضيها، وهي قراها.
الجوهري: يقال: أخصبت أعراض المدينة، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن. وقيده بالحق اليسير، ونص قول ابن كنانة في النوادر: والناس اليوم على أنه أرجاء من أعراض المدينة، اجتزوا بمعرفة طابعه وخطه، وجوابه إن كان في الحقوق اليسيرة.
(وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأطْلَقَ) ككتاب الأمناء بأعراض المدينة إلى قاضيها، وهي قراها.
مطرف وابن الماجشون وأصبغ: ولا بأس إذا كتب القاضي إلى القاضي في الشيء يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يكون كتابه بغير شهود إذا عرف خطه، ما لم يكن فيه قضية قاطعة وكتاب هو ابتدأه به فلا ينفذه إلا بعدلين، قالوا: وأما كتابه إلى قاضي الجماعة أو إلى فقيه يسأله ويسترشده ويخبره، فهذا يقبله إذا عرف خطه وأتاه به رسوله أو من يثق به، إلا أن يأتيه به الخصم فلا يقبله إلا بعدلين.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ مَا يَرِدُ إِلَيْهِ عَنْ الْحَاكِمِ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْعَفْوِ وَغَيْرِهَا إِنْ كَانَ أَهْلًا، وَرَدُّهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ فَإِنْ جَهِلَهُ قَبِلَهُ إِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الأَمْصَارِ، وَكَشَفَ عَنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
يعني: لا فرق في الحقوق إذا انتهت إلى حاكم بين المالية وغنيرها، إن كان القاضي الكاتب أهلًا؛ أي: للقضاء، بأن تجتمع فيه شروط الولاية.
[ ٧ / ٤٤٩ ]
(وَرَدُّهُ) معطوف على (قَبُولُ) أي: ويجب رده إذا لم يكن القاضي الأول أهلًا بأن تختل منه شروط القضاء أو بعضها.
(فَإِنْ جَهِلَهُ إلخ) أي: فإن جهله المنهي إليه قبله؛ أي: المنهي إن كان من قضاة الأمصار؛ لأنه لا يستقضى في الأمصار إلا من كان أهلًا للقضاء، وذلك واضح نص عليه أصبغ في الواضحة.
قَالَ ابن الماجشون: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعُ وَإِلا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرَهُ سُحْنُونُ إِلا بِمَحْضَرِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً
الذي ذكره ابن الماجشون هو مذهب المدونة، وهو أجري على أصل المذهب في القضاء على الغائب.
وقوله: (ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ) هذا لا بد منه، ويعذر إليه في شهادتهم.
أما لو شهدوا على إقراره بمحضر القاضي فهل يعذر إليه فيهم أم لا يعذر لكونه سمع إقراره معهم؟ قولان: الأول لابن الفخار، والثاني مذهب الأكثر، وبه مضى العمل. وقال صاحب التحرير: يعذر في كل الشهود إلا في خمسة: أولها هذا، ثانيها: من وهجه الحاكم من قبل نفسه، [٦٢٢/ أ] ثالثها: المزكي في السر، رابعها: المبرز في العدالة، والعمل على أنه يعذر فيه بالعداوة لا غير، خامسها: من قبلت شهادته بالتوسم.
خليل: وتزاد سادسة نقلت عن ابن بشير القاضي، وذلك أنه حكم على وزير في قضية وهو غائب، فقال: له الوزير: أخبرني بمن شهد علي، فقال له ابن بشير: مثلك لا يخبر بمن شهد عليه؛ يعني: وإن كان نص في المدونة أنه يخبر بمن شهد عليه وبالشهادة فلعل عنده حجة، وإلا حكم عليه، وعلى هذا فيتخصص الكتاب بهذه الصورة.
[ ٧ / ٤٥٠ ]
ابن رشد: ولابد من تسمية الشهود في الحكم على الغائب على القول بأن الحجة ترجى له؛ ليجد سبيلًا إلى رد القضية بتجريح الشهود، هذا هو المشهور في المذهب المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وإن لم يسم البينة فالقضية مردودة؛ تفسخ ويستأنف الحكم فيها، وقاله أصبغ في الواضحة وغيرها، وهو الصحيح على القول بأن الحجة ترجى له، وأما الحكم على الحاضر فلا يحتاج إلى تسمية الشهود؛ إذ قد أعذر فيهم إلى المحكوم عليه، إلا أن تسميتهم أحسن.
أصبغ: وبذلك مضى العمل.
ابن أبي زمنين: وهو الذي عليه الحكام، وأما الغائب والصغير فلابد من تسميتهم، وقد روى سحنون أيضًا أنه لا يلزم ذلك في الغائب وأن ذلك أحسن، وهو إنما يأتي على قول ابن الماجشون أن الغائب إذا حكم عليه لا ترجى له الحجة. انتهى.
وَيَحْكُمُ بِالدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَالِبًا بِالصِّفَةِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدَّعِ الْحُرِّيَّةَ أَوْ يَدَّعِيهِ ذُو يَدٍ ..
يعني: أن ما يحكم به إما أن لا يقبل التمييز قبل الحكم، أو يقبله؛ فالأول: لا يطلب؛ إذ لا معنى لطلب ما يتعذر حصوله، فتقول البينة مثلًا: "غصب له حديدًا قيمته كذا".
والثاني: وهو ما يقبل التمييز لا يخلو إما أن يكون تحت يد منازع فيه وشبهه كدعوى العبد الحرية، أو لا يكون كذلك، والثاني لا يطلب حضوره؛ لأن الأصل ألا يكلف مدعيه بينة، بل يأخذه بالصفة والأمارة وما في معناهما. والأول المشهور فيه الاكتفاء بالصفة، والشاذ لابن كنانة.
قال في المجموعة وكتاب ابن سحنون: فأما من يدعي الحرية أو عبدًا أو قربة بيد رجل فلا يدرك ذلك بصفته في كتاب قاض حتى تراه البنية فيثبتونه، ولم أسمع من قضى بذلك.
[ ٧ / ٤٥١ ]
وَفِي الْعَقَارِ ثَالِثُهَا: فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ
هذا الكلام يوهم أنه فرع من المسألة التي قبله، وليس كذلك؛ لأن السابق هل يشترط حضور المحكوم به لتشهد البينة على عينه أو لا؟ وهذه المسألة إنما المراد بها هل يشترط حضور المحكوم عليه ليستوفي حجته أم لا؟
ابن عبد السلام: والقول بأنه يحكم عليه لعبد الملك، والقولان الباقيان في المدونة ما لم تبعد الغيبة جدًا مثل الأندلس وطنجة من المدينة فإنه يحكم عليه، وهذا الخلاف إنما هو في الاستحقاق وحده، وأما بيع الربع في الدين على الغائب وشبه ذلك من الحقوق فلا خلاف في المذهب أنه يباع عليه بينة، هكذا قال بعضهم، ووقع في العتبية خلاف في بيع الرباع في الدين. انتهى.
وعلى هذا ففي حكاية المصنف الأقوال الثلاثة نظر؛ لأن البعيد جدًا يحكم عليه، قال بعضهم: بلا خلاف، والقريب الغيبة كالحاضر، ولم أر جميع الأقوال، وسأذكر لك ما وقفت عليه. وقد قسم ابن رشد الغيبة إلى ثلاثة أقسام: قريبة ومتوسطة وبعيدة جدًا أو غيبة انقطاع.
أما القريبة كاليومين والثلاثة والطريق مأمونة فالوجه أن القاضي إذا ثبت عنده قرب غيبته مع الأمن وهو من أهل علمه، فإنه يكتب إلى قاضي البلد الذي هو فيه أو إلى عدلين من عدول ذلك الموضع، ويعلمه بمن قام عليه وبما ادعاه وبما ثبت عنده وبتسمية الشهود الذين قبلهم وبتسمية المعدلين لهم، فإذا ثبت عنده إقراره بألا مدفع له، أو ادعى مدفعًا وعجز عنه سجل عليه وقضى عليه في الربع وغيره، ولا يختلف في ذلك، ولا حجة له بعد ذلك، ولا يحكم عليه بشيء قبل الإعذار إليه.
والمتوسطة كعشرة أيام ونحوها أو على مسيرة يومين أو ثلاثة والطريق مخوفة فيحكم عليه فيما عدا الأصول، وفيها قولان:
[ ٧ / ٤٥٢ ]
قال في المدونة في القسم: سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضي على الغائب في الدور، وهو رأيي، إلا في الغيبة البعيدة مثل الأندلس وطنجة من المدينة، وما بعد فليقض عليه، وما علمت في هذا خلافًا. وكذلك قال مالك في الواضحة وأنكر ذلك ابن الماجشون وقال: إنما يقول ذلك أهل العراق، وعلماء المدينة وحكامها على خلافه، وبه قال سحنون. وحيث قضى عليه فإنه لا يعذر إليه، وترجى له الحجة، واختلف النقل عن سحنون هل ترجى له الحجة أم لا؟ فذكر ابن رشد عنه أنه لا ترجى له، وكذلك ذكر ابن الهندي. والذي ذكره عنه في الجواهر أنه ترجى له.
وأما البعيدة كمكة من إفريقية والأندلس من خراسان فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض والرباع والأصول، وترجى له الحجة في ذلك.
ابن القاسم في كتاب القسم: ولايقيم القاضي لغائب أو لطفل وكيلًا يقوم بحجته.
أبو عمران: لأن الموكل تنقطع حجته بانقطاع حجة وكيله، فلو وكل القاضي لهما لانقطعت حجتهما بانقطاع حجة الوكيل؛ فكان تركهما على حجتهما أنفع لهما. [٦٦٢/ ب].
ابن عبد السلام: وظاهر ما ذكره ابن القاسم أنه سمعه عن مالك عدم القضاء على الغائب ولو بعدت غيبته، وعلى هذا حمله بعضهم.
وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ الإِبْرَاءِ وَالاسْتِيفَاءِ وَالاعْتِيَاضَ وَالإِحَالَةِ وَالاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الاقْتِضَاءِ فِيهِ وَفِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ: وَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ ..
أي: يحكم على الغائب بالدين إذا قامت للطالب بينة أو حلف، والقول الثاني من كلام المصنف يستلزم التكرار؛ لأن قوله: (وَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ) يستلزم نفي الاحتيال والإبراء وغير ذلك، وربما زاد الموثقون وغيرهم في فصول هذه المسألة: لم يسقط عليه من
[ ٧ / ٤٥٣ ]
الدين شيء، وعم هذه الزيادة بعضهم لضعف توجه دعوة الهبة على أحد القولين، وكذلك عم الإبراء الذي ذكره المصنف، وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من حلف الطالب، وقد ذكر المازري فيها قولين للعلماء:
أحدهما: أن يمين الطالب واجبة على القاضي لا يصح الحكم إلا معها؛ لأن القاضي يبرم القضية ويقول في حكمه: أوجبت على الغائب هذا الحق.
وثانيهما: أنه استظهار واحتياط، وعليه فإن لم يحلف الطالب ووصل وكيله إلى المطلوب فادعى أنه قضاه الحق فإنها مسألة فيها إشكال، ووقف فيها حذاف العلماء، وعندنا فيها قولان:
أحدهما: أنه لا يلزم المحكوم عليه بتسلم الحق حتى يستحلف له الطالب للحق، فيعود وكيله إليه حتى يتم الحكم باستحلافه من الطالب.
وقيل: بل يلزم بدفع الحق وينصرف هو يطلب يمين الغائب، لأن هذا إن لم يفعل وقفت الأحكام على الغائب، ولم يعجزه أحد عن إيقافها بهذه الدعوى.
المازري: وهذا إنما يتصور إذا أثبت الحق على الغائب مستحقه، وأما ل وأثبته وكيل المستحق فإنه لا يطلب بهذه اليمين ويرجى الأمر فيها إلى أن يدعيها الغائب إذا ورد الحكم عليه، وأما الميت والصبي والمجنون فإنهم لا يقضى عليهم بالديون إلا بعد استحلاف الطالب؛ لكون الميت يستحيل منه قضاء الدين، وكذلك الصبي والمجنون ما دام الصبي في حال الطفولة، والمجنون في حال جنونه. انتهى.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ أَوْ مُتَوَارِيًا أَوْ مُتَعَذِّرًا.
الإشارة بذلك إلى إنفاذ القضاء على الغائب ولم يحد مقدار الغيبة.
[ ٧ / ٤٥٤ ]
المازري: وهي مصروفة إلى الاجتهاد، ولم يرد الشرع بحد معلوم، ووقع لسحنون الإعذار إلى من بصقلية، ووقع في رواية أخرى أن الغائب يحكم عليه قربت غيبته أو بعدت، إلا أن تقترب جدًا.
وقوله: (أَوْ مُتَوَارِيًا) أي: مستخفيًا.
قال في البيان: إن تغيب بعد استيفاء حجته فرارًا من القضاء عليه فإنه يقضي عليه ويعجزه كما لو حضر ولا حجة له، إلا على القول بأن المحكوم عليه إذا أتى بحجة لها وجه بعد الحكم أنها تسمع، وإن تغيب قبل استيفاء حجته تلوم له، فإن لم يخرج قضى عليه من غير قطع حجته.
وذكر ابن شعبان أنه إذا توارى وأثبت الطالب حقه حكم عليه إن كان له مال ظاهر، وإن لم يكن له مال ظاهر وثبت أنه في منزله فمنهم من يرى أنه يختم على بابه ويبعث رسولًا ثقة ومعه شاهدين؛ ينادي بحضرتهما ثلاثة أيام، كل يوم ثلاث مرات: "يا فلان ابن فلان القاضي فلان يأمرك بحضور مجلس الحكم مع خصمك، وإلا نصب لك وكيلًا فإذا نصب له وكيلًا وسمع البينة قضى عليه إلى أن يقدر على استخراج المال منه. ومنهم من يرى أن يهجم عليه. ومنهم من يرى أن يرسل عدلين ومعهما جماعة من الخدم والنسوان والأعوان فيكون الأعوان بالباب وحول الدار، ثم يدخل النسوان، ثم الخدم بغتة ويعزلن خدم المطلوب في بيت ويفتش المنزل.
وقوله: (أَوْ مُتَعَذِّرًا) بالذال المعجمة؛ يعني: كتمسكه بجاه ونحوه وفي بعض النسخ: (متعززًا) بزائين، والمعنى قريب.
[ ٧ / ٤٥٥ ]
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ لَهُ بِالْبَلَدِ مَالُ أَوْ حَمِيلُ أَوْ وَكِيلُ، وَإلا نُقِلَتِ الشَّهَادَةُ
يعني: أن ابن عبد الحكم قال: إنما يحكم على الغائب بشرط أن يكون له ببلد الحكم مال أو حميل أو وكيل؛ يريد: لأنه إذا لم يكن ببلد الحكم أحد هذه الأشياء صار القاضي حاكمًا على من ليس في ولايته؛ فلذلك قال: وإلا تنقل الشهادة مع عدم هذه الأشياء لقاضي بلد المدعى عليه.
واختلف إذا كانت الدعوى في بلد والمدعى عليه في غيرها؛ فقال عبد الملك: الخصومة والقضاء حيث يكون المدعي، وأقامه فضل من المدونة. وقال مطرف: حيث يكون المدعى عليه.
مطرف: وبه الحكم في المدينة، وبه حكم ابن بشير بالأندلس، قاله أصبغ وسحنون.
ابن عبد السلام: واشتراط حضور الوكيل لا تظهر له كبير فائدة؛ لأنه إن كان للمدعى عليه عند الوكيل مال فالمال وحده كاف، وإن لم يكن له عنده مال فلا معنى لنزاعه معه، اللهم إلا أن يكون الوكيل مفوضًا إليه يلزم الموكل إقراره عليه، فحينئذ تظهر لذلك فائدة.
وَيُجْلَبُ الْخَصْمُ مَعَ مُدَّعِيهِ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجْلِبْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُ فَيُكْتَبُ إِلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَحْضُرَ أَوْ يَرْضَى ..
لما تكلم على الحكم الغائب، تكلم على حاضر وما في معناه فذكر أنه يجلب مع خصمه بخاتم أو رسول إذا كان على مسافة يعدى عليه [٦٦٣/ أ] فيها، ولم يحددها.
ابن عبد الحكم وابن حبيب: والقريب مثل أن يأتي ثم يرجع ويبيت في منزله والطريق مأمونة، وحدد الباجي القرب في سجلاته بثلاثة أميال.
الجوهري: والعدوى: طلبك إلى والٍ ليعديك على من ظلمك؛ أي: ينتقم منه، يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني عليه، أي: استعنت به عليه فأعانني. والاسم منه العدوى وهي: المعونة.
[ ٧ / ٤٥٦ ]
وقوله: (فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجْلِبْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُ .. إلخ) أي: شاهد بالحق، هكذا هو منصوص لابن عبد الحكم، وفي وثائق ابن هشام: لا يجلب من البعد خصمًا ولا شاهدًا.
سحنون في العتبية: والبعد ستون ميلًا.
وَلا يَلْزَمُ مَنْ يُزْرِي بِهَا حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَنْ تَحْضُرَ لِتَحْلِفَ وَلَوْ كَانَتْ تَتَصَرَّفُ، وَيَبْعَثُ الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا، فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَهُ بَالُ فَفِي الْمَسْجِدِ لَيْلًا ..
الأصل أن النساء كالرجال، إلا أنه لما كان شأنهن الستر وفي تركه امتهان لهن لم يكلفن بالإتيان إلى مسجد الحاكم، ويبعث الحاكم من يحلفها، ولا مقال للخصم؛ لأن الذي له- إحلافها لا امتهانها.
وقوله: (وَلَوْ كَانَتْ تَتَصَرَّفُ) نحوه في الجواهر، وفيه نظر، ويتم ما قالا إلا إذا كانت تحلف في مجلس الحكم، وأما إن كانت تحلف بغيره فلا يزم من الإزراء بها في حضور مجلس الحكم الإزراء بها في حضور الجامع، ثم هو خلاف ظاهر المدونة؛ لأن فيها: وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهارًا فلتخرج ليلًا، وتحلف في اليسير في بيتها.
وأم الولد مثل الحرة، بخلاف المدبرة والمكاتبة؛ اللهم إلا أن يحمل قول المصنف: (وَلَوْ كَانَتْ تَتَصَرَّفُ) على أنها تتصرف ليلًا.
وفي الطراز عن المشاور: كل من تخرج من النساء بالنهار إلى خصام أو نزه أو مقابر وشبه ذلك تحلف بالنهار وإن خرجن مستترات، وأما التي لا تحلف بالنهار ممن تختمر فلا تخرج في النهار في شيء، وقريب منه ذكره ابن عبد السلام فقال: الذي مشى عليه العمل ربط هذا الحكم؛ فمن تخرج نهارًا في حوائجها تحلف في الجامع نهارًا، ومن لا تخرج نهارًا تحلف في بيتها أو في الجامع ليلًا، وهكذا قال بعض الأندلسيين.
[ ٧ / ٤٥٧ ]
قوله: (وَيَبْعَثُ الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا) نص في المدونة على أنه يكتفي بالواحد، وهذا النعت إنما هو فيما لا بال له، فإن كان له بال ففي المسجد ليلًا.
المازري: والمشهور أن المال الذي له بال ربع دينار.
وقال ابن المواز: بل أكثر منه مما له بال.
ابن محرز: وهو أشبه بظاهر الكتاب.
وَإِذَا مَسَّتْ يَتِيمًا حَاجَةُ وَلَهُ رِبَاعُ فِي وِلايَةٍ أُخْرَى كَتَبَ بِحَاجَتِهِ، وَقُضِيَ بِبَيْعِ أَقَلَّهَا رَدًَّا عَلَيْهِ وَتَنْفِيذِ ثَمَنِهِ ..
يعني: إذا كان يتيم في ولاية قاض، وله رباع في ولاية قاض آخر، فإن قاضي بلده يكتب بحاله وحاجته، ويطلب منه أن يبيع من رباعه أقلها ردًا عليه- والرد هو المنفعة- وينفذ الثمن إلى القاضي الكاتب، فتنفيذه مخفوض معطوف على بيع، وقد تقدم في الحجر الوجوه التي يباع فيها عقار اليتيم.
فروع:
الأول: إذا كانت المرأة خارجة عن ولاية القاضي لم يجز له إنكاحها إلا إذا دخلت في محل ولايته، نقله في الجواهر.
الثاني: للقاضي النظر في جميع الأشياء إلا في قبض الخراج. ويختص القاضي أو موليه بأمور عشرة؛ التقديم على الأيتام، والنظر في الأوصياء وأموال الغائب من القسمة عليه وغيرها، والأحباس المعقبة، والطلاق، والتحجير، والإثبات، والتسجيل، والدماء، والحدود، والأنساب.
الثالث: إذا قام عن الغائب محتسب في شيء تعدى فيه على الغائب أو أخذ له أو في عيب أحدث عليه في داره أو أرضه فهل يمكن القاضي هذا القائم من مخاصمة ذلك المتعدي أو لا؟ خمسة أقوال:
[ ٧ / ٤٥٨ ]
أولها: أنه لا يمكن من ذلك إلا الأب والابن ومن له قرابة قريبة، ثم إذا مكنه من المخاصمة فلا يخرج الملك من يد حائزه، ولا يزيل العيب الذي أحدث؛ لاحتمال أن يقر به الغائب أو يقر بأنه أعلم بما حدث، وإنما يشهد بذلك خوفًا من موت الشهود ثم ينظر الغائب، ولو أقر من بيده العقار أو غيره أنه للغائب أخرجه عنه وجعله بيد ثقة، ويقطع العيب إن اعترف بإحداثه.
ثانيها: أنه يمكن من ذلك القريب والأجنبي، قاله ابن القاسم أيضًا، وذهب سحنون إلى أن القاضي يوكل من ينوب عن الغائب، وهو أحد قولي ابن الماجشون وقاله أصبغ.
وثالثها: أنه يمكن من إقامة البينة ولا يمكن من الخصومة.
ورابعها: أنه لا يمكن من إقامة البينة ولا من الخصومة إلا بتوكيل الغائب، قاله ابن الماجشون ومطرف في الواضحة.
وخامسها: أن القريب والأجنبي يمكن من الخصومة في العبد والدابة والثوب دون توكيل؛ لأن هذه الأشياء تفوت وتحول وتغيب، ولا يمكن من الخصومة في غير ذلك إلا الأب والابن، حكاه ابن حبيب عن مطرف.
وعلى القول بالتمكين فهل ذلك في القريب والبعيد، أو في القريب خاصة؟ قولان: قال سحنون: في القريب الغيبة دون بعيدها.
وقيل: في البعيد، وهو الظاهر من رواية أشهب وقول ابن الماجشون.
[ ٧ / ٤٥٩ ]