ورب مسلط على نفسه، وبعثت بكتابه هذا [إلي] ترغب في بيان شبهاته، لما رجوت من تنبيه من أشكل ذلك عليه، ولرغبة أهل تلك الناحية وغيرهم في ذلك.
وإنه لحبيب إلي تأييدك فيما أملت، وعونك على ما إليه من الخير قصدت، ومع ذلك فإنه يهون علينا ترك المعارضة لمن أوقف نفسه موقف هذا الرجل من تسامحه في منطقه، وسوء ثنائه على أئمته، وشدة تقصيره في العلم، وقلة تحريه فيه.
ولو تكلف الناس أن يكتبوا قول كل ناعق فينقضوه، ويتتبعوا خواطر كل متكلف فيعارضوه، لطال هذا وأشغل عن ما هو أولى منه، ولولا ما ذكرتَ من كثرة من افتتن به من الضعفاء ما استجزت مناقضته، والله المستعان.
ولقد أثر من ابتـ[ـدع في] الأمة الكلام في الدين على الحمية والضغن أثر فتنة، فصارت زلة متبعة، عاقبتها لمن اتبعها الفرقة بالحمية بعد الألفة بالنصيحة، وضغن العداوة بعد ظفر الولاية، وأهل السنة لا يتخلقون بهذا الخلق في عامتهم فضلا عن أئمتهم، وهذا خلق الخوارج.
ولقد تقدم -رحمكم الله- من بيان المتقدمين ما فيه كفاية لمن بعدهم.
ولكني تحملت ذلك لكم، لقلة ما بأيدي أهل ناحيتكم من كلام أصحابنا على الأصول ومسائل الخلاف، ولما رجوت أن ينتفع به من لم يسبق إليه الكلام على أصول أصحابنا، فتشكل عليه الفروع.
وقد حكيت كلام هذا الرجل، مقتصرا على إيعاب معانيه، وإن اختصرت بعض لفظه كراهية التطويل، وبدأت بمناقضته فيما قدم قبل المسائل من جمل، تضمنت غير
[ ١ / ٢٥٣ ]
شيء من خلاف أصولنا، والطعن على أئتمتنا، وفصلت [] أنا [] خبر [] تأملت هذا [] من قوله، [] مخالف لظاهر [] ممن اتبعه.
مالك من الصحابة والتابعين.
وهذا وهذه الكلمة منه بخلافها من غيره، لأنه يرى أن ما تعلق هو به من ظاهر القرآن والسنة لا يحتمل غير قوله.
فتأمل ما سترت الحمية عنه، أنه جعل من قال بخلافه من السلف قد خالف ظاهر القرآن بما لا يحتمل إلا مخالفة القرآن؛ لأن ذلك الظاهر -عنده- لا يحتمل غير الوجه الذي ذهب إليه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
والشافعي وغيره من المختلفين يرون أن الظاهر محتمل لقول المختلفين، إلا أن كل واحد يرى أن ما تبين له من الاحتمال أشبه وأولى.
فتأملوا مبلغ ما تنتهي إليه هذه الكلمة منه دون [] علينا وما علمت من العلماء من نسب من خالفه منهم أنه خالف ظاهر نص من الكتاب غير محتمل لقوله، وهذا لا يجوز أن ينسب إلى العامة فضلا عن الأئمة.
وإنما اختلف الناس في ما ظاهره من الكتاب والسنة يحتمل ما ذهب إليه المختلفون، فكل واحد يرى أن تأويله في الاحتمال أولى وأكثر أدلة، ومن عد كلامه من عمله لم يطلق مثل هذا في أئمة الدين.
ثم رأيته ترجم كتابه بكتاب "التنبيه والبيان عن مسائل اختلف فيها مالك والشافعي"، وتلك المسائل كثير منها مما يقول الشافعي فيها بقول مالك، وهذا مما سترته عنه الحمية أو لم يدر ما اتفق فيه الرجلان، ثم تكلف النقض على الأئمة والاختيار من أقاويلهم.
ثم رأيته [بدأ] في كتابه بتشريف الشافعي ومدح طريقته ومذاهبه، ما وهم أنه يتبع مذاهبه ويتقلد أقاويله، وهو كثير الخلاف له في الأصول فضلا عن الفروع، وفي غير مسألة مما في كتابه هذا الذي ترجمه بنصر مذاهب [الشافعي تجده] يرد أشياء هي قول
[ ١ / ٢٥٥ ]
الشافعي معنا، فكأنه [] في قول لا يراه صوابا، ولا يعتقده مذهبًا [] ولا في [ما ألفه يتجاسر] ورأيته فيما [] [] و[] في مالك [] من التقصير الشديد، [] بالشافعي [] ذلك إليه في مثل ذلك القول أو يعيبه عليه، وهذا حيف شديد وميل بعيد وقول بالهوي وغير العدل.
ولقد تجاسر هذا الرجل في مثل هذا الإمام، وتحمل منه ثقلا باء بوزره، ولقد سلك سبيلا لم يسلكها من انتسب في المذهب إليه.
ولقد قصد داود بالرد أهل الرأي، ولم يقصد إلى مثل مالك في تمامه وإمامته برد في كتابه ألفه، ولقد أعاب محمد بن داود على الشافعي قصده بتأليف الرد على مثل مالك في إمامته، ثم ما علمته قصد مالكا بتأليف كتاب عليه، وقصد بمثل ذلك الشافعي.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فهان عليك أيها الرجل ما لم يهن على من سبقك إلى ما تقلدته من المذهب، فلا بنفسك ارعويت، ولا بمن ارتضيت مذهبه اقتديت.
فصل آخر
وبدأ هذا الرجل في خطبته بما كثر فيه، وأخلاه من المعاني التي لها ألف كتابه، وكأنه فيما ضمن ما ابتدأ به كتابه رجل يرد على [المعاندين] في الإسلام، وكان أولى به أن يضمن في مقدمته ما [تكلفه] مما قصد إليه من الكلام على الأحكام.
وذكر أن في الكتاب والسنة بيان كل دقيقة وجليلة، وأن الخلق لم يوكلوا إلى
[ ١ / ٢٥٧ ]
آرائهم.
فإنا لنعلم أن في كتاب الله وسنة نبيه أمورًا محكمة وأمورًا محتملة لغير وجه من التأويل، أبيح للعلماء أن يجتهدوا في طلب أولى الاحتمالات، وقد أبقى الله
[ ١ / ٢٥٨ ]
لعباده حكما في الحوادث التي لا نص فيه أن ترد بحكمهم إلى ما يشبهها [من] المذكور.
وكأنه أشار بهذه الجملة إلى نفي القياس الذي يأبى اسمه
[ ١ / ٢٥٩ ]
و[ينفي] معناه، وقد حكم الصحابة والسلف أجمع برد الحوادث إلى ما يشبهها من الأصول، [فحكموا] [للجدة بالإرث] وللعمات
[ ١ / ٢٦٠ ]
[والخالات] [] بالتيمم [بغير نص]، [وحكموا في حد] الخمر بغير نص، وشبهوه بحد القذف، وأول من شبهه به علي بن أبي طالب عند مشورة عمر للصحابة، فرأوا ذلك من تشبيه علي ﵀ صوابا، واجتمع ملؤهم عليه. وحكموا في أمهات الأولاد بغير نص،
[ ١ / ٢٦١ ]
وفي ميراث الجد وفي كثير مما أجمعوا عليه، فقالوا فيه بالتشبيه لما ذكر، واختلفوا في القول، وهم مع اختلافهم يعلمون أنه لا نص فيما اختلفوا فيه، أعني نصا لا يحتمل غير وجه واحد، ومن قال: إنهم يختلفون فيما لا يحتمل غير وجه واحد، فقد أزرى بهم.
وإذا كان لله في الحادثات حكم، -وقد أمرنا عند التنازع بالرد إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ– فلا بد من أحد قولين، إما أن نقول: إن كل حادثة يختلف فيها عليها نص أو لا نص فيها، فإن قلت: عليها نص، رميت الأمة أنها تتنازع في النص -وقد عصمها الله من ذلك،- وإن قلت: لا نص فيها، لم يبق إلا أنها مردودة إلى ما يشبهها من النص، أو تقول: لا حكم لله في الحادثة، وهذا خلاف الآية، لأن الله تعالى لم يأمر عباده –عند التنازع– بالرد إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ إلا وفيهما دليل على الحكم في كل حادثة.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وربما لجأ قائل هذا القول في بعض ما حكموا فيه من الحوادث بغير نص أن يقول هذا إجماع، قلنا: فإما أن تقول: إنهم أجمعوا على شرع دين لا أصل [لحكمهم عليه]، [أو تقول: إنهم ردوا] ذلك إلى شبهه من الأصول، فترجع عن قولك، [فإن قلت: إن الذي أجمعوا على] الحكم به من الحوادث توقيف، قيل: هذا يبعد، [لأنه لو وقع لاشتهر] ونقل كما نقل ما هو أقل من ذلك، ولذكروا ذلـ[ـك] [ولم يتركوه للمشاورة] والتناظر، ولم يسعهم اختلاف، والاجتهاد [] هذا لا يقوله من يتحفظ فيما يقول، وهذا [] والاشتهار ما لا يذكره [منهم] أحد بإغماض ولا رد.
[وهم يتنا] ظرون، ويرجع بعضهم إلى بعض، ويختلفون قبل رجوعهم ويجمعون، أو يقيمون على الاختلاف، وشهرة هذا منهم توجب أن دافعه مكابر.
ويلزمه أن يقول في مثل ذلك: قال الله أو رسوله، ولا يحتج بأنه إجماع، فتزول
[ ١ / ٢٦٣ ]
فائدة الحجة بالإجماع عند الحوادث، وعمر يقول للجدة للأب: ما أنا بزائد في الفرائض، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، ثم جعل لها، وحكم لها بذلك بعد
[ ١ / ٢٦٤ ]
التشاور، فانتهى الأمر فيها إلى أن أجمعوا على توريثها بعد علمهم، وقولهم: إن الخبر في غيرها، فظهر منهم – عند الحادثة – ما كان عندهم فيه من خبر فذكروه، وبينوا ما حكموا فيه بالتشبيه لما فيه الخبر، وهذا كثرته تغني عن تقصيه.
وهذا والإجماع وصورته تُبعد على متعاطي قول هذا القائل أصلَه فيه، لأنه لا إجماع عنده حتى لا يبقى أحد من الصحابة، ثم إن صمت واحد منهم لم يعد إجماعا، فأين يوجد في شيء حكاية القول عن كل قائل.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومنهم من يقول: إذا اختلف الصحابة ثم أجمعوا لم يعده إجماعا، ولكل من بعدهم خلاف ذلك، وهذا من ورائه ما لا خفاء به، وحكايته تنوب عن الاعتلال عليه [ولنا عود] إلى الكلام في إثبات القياس سنطيل فيه، ولكن ذكرنا [منه جملة من] المعنى الذي رمى به هذا الرجل من أصله فيه.
والشافعي معنا يقول [بالقيا] س كقول العلماء من الماضين والباقين، فكان أولى بهذا الرجل أن يطالب الشافعي ومالكا وغيرهما في هذا الأصل الجليل الذي [تنبني عليه القواعد] العظيمة من الأحكام، والحلال والحرام وما أولى [بك من تقديم] الكلام على الأصل الذي فرق بيننا وبينك وبين الشافعي [في كثير من العلم و] نحن [لا يشكـ]ـل بنا العجز عن جوابك في مسائلك، فإن حكمنا أن نناظرك في
[ ١ / ٢٦٦ ]
الفروع لما ذكرنا، وليس لك علينا ولا على الشافعي درك في فروع قلنا فيه بالقياس على أصل، وإنما لك الكلام في الأصل الذي هو القياس الذي فرق بيننا وبينك وبين الشافعي في كثير من العلم.
وإن كنت أفصحت بخلافك لنا، وكتمت عن خلافك في ذلك للشافعي، من كتابك هذا الذي أظهرت فيه الانتصار للشافعي، كأنك داجيب أصحابه وسالمت متبعيه في ذلك، وهذا من اللعب، لأنك أظهرت حمية على من خالفت في مثل ما خالفت فيه من سالمت وهذا من شهوات النفوس.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وفصل آخر
ثم أخذ يحتج في إبطال اقتداء الناس بعلمائهم، وقبولهم، ما أفتوهم به، بقول الله سبحانه ﷿: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ في مثل هذا من الآتي، وأن الرسول ﵇ قال لحذيفة: إنهم أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه.
وهذه عظيمة، ما ظننت أن يتجاسر عليها متجاسر، وكيف يحتج بآية نزلت في قوم من بني إسرائيل بدلوا كتاب الله عنادا وكذبا، ليشتروا به ثمنا قليلا، وقالوا فيما غيروه: إنه من عند الله، وما هو من عند الله افتراء على الله الكذب.
فأين تذهب بك المذاهب في تشبيهك لهؤلاء بالأئمة المأمونين على الكتاب والسنة الذين تشهد الأمة أنهم لم يخونوا الله في دينه ولا رسوله، بل هم المأمورون بالاجتهاد، القاصدون للحق والمأجورون إذا أفتوا على اجتهادهم، الذي قصدوا به وجه الله وما أعلم بالأمة من يجعل ما ضربه هذا الرجل لهم مثلا من القصد إلى مخالفة الله ورسوله خيانة وعنادا إلا حاقن عليهم باللسان، وكل قول خرج عن غضب وحمية تعظم عاقبة الزلل فيه، أعوذ بالله من الطعن على الأئمة.
ولا يعدو أن يكون من أشرت إليه من علماء الأئمة نزلوا عندك في رتبة هؤلاء الذين خانوا في كتابه، وحرموا حلاله وأحلوا حرامه، قاصدين لذلك، جرأة على الله وردا لأمره، أو هم بضد ذلك كله، وفي موضع الثناء فيهم خلاف ذلك، فإن ساويتهم
[ ١ / ٢٦٨ ]
بهم خرجت إلى تكفير الأئمة وتضليلهم، وإن لم يكونوا كإياهم فقد احتججت بغير حجة ومثلت بغير مثال.
وما هذه الحمية التي غيبتك حتى قرنتهم في التشبيه بالمعاندين للحق، وهم في حلية الراغبين فيه، وبالمذمومين وهم الممدوحون المأمورون أن يقولوا بالاجتهاد وبالآثمين الضالين وهم المحمودون المأجورون، ولا ادري ما عذرك فيما تخطيت إليه من هذا.
ثم شفع ذلك بقريب منه، فقال: فهمت الذي ذكرتم مما من الله به عليكم وعلى أهل الحديث غيركم بالشافعي، إذا انتاشكم وإياهم من أيدي الهلكة، وبيَّن لكم تمويه وخرق المبطلين.
فليت شعري من عني بقوله: المبطلين والهالكين؟ أمالكا يعني وأشكاله من أئمة هذا الدين؟ أم أهل الأهواء والخوارج الضالين فإن الشافعي لم يتكلم على أحد من أهل الأهواء بشيء، فيمدحه بذلك، وهذا مما حمد للشافعي، لسلوكه في ذلك سبيل متقدمي السلف، وإنما تكلم في الحلال والحرام.
وما يرضي من له ديانة وتحت منطقه وقلبه خشية أن يقول في أئمة الفقه والحديث ومن نحا نحوهم: إنهم مبطلون وإنهم بسبيل هلكة، وهم خيار أعصارهم، ومالك وأهل عصره من القرون الممدوحة.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ومالك الذي قصد هذا الرجل إليه من شهد له التابعون [بالصدق] والأمانة، ورووا عنه واستفتوه، ولقد استفتاه زيد بن أسلم في مسألة من دينه وانتهى إلى قوله.
وأما أهل طبقته ونظراؤهم ومن دونهم، فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك، وقد تأول فيه سفيان بن عيينه أنه عالم المدينة الذي بشر به الرسول ﵇، وقال سفيان: كانوا يرونه مالكا، قال عبد الرحمن بن مهدي: يعني من أدرك وقد أدرك التابعين، وتأويل ذلك فيه ابن مهدي وعبد الملك بن جريج ووكيع وكثير يكثر عددهم، قال يحي بن سعيد: مالك أثبت القوم، وهذا فيه يكثر ذكره.
وقد رضيته الأمة إماما في الحديث والفقه في دين الله، وقد قال الشافعي: إنه النجم في الآثار وأمير المؤمنين في السنن، وقاله فيه أئمة الحديث ومخالفوه من أصحاب
[ ١ / ٢٧٠ ]
أبي حنيفة.
ولو تكلم بما أشرت إليه في مالك رجل يتهم ساعته، أو حديث عهد بكفر من دار حرب؛ ما عذر في جهله بفضل هذا الرجل الذي امتلأت الأرض بفضله؛ وشهدت الخاصة والعامة بإمامته، وعظم قدره في الدين والإسلام والفقه والحديث على ألسنة الأخيار.
وما أدري على أي وجه من التأويل يُصرف أمر الناطق بهذا، وأي عذر يعتذر به في نفي ما قرب نفسه إليه من الريبة.
وبعد فإن الشافعي رضي لنفسه ولأصحابه بالقياس، واحتج على من نفاه، واستعمل الأحاديث فيها، فأخرج كثيرا منها عن الظاهر إلى المعاني، فإن كان هذا هو طريق الهلكة وقول المبطلين فهذا مذهب من أظهرت نصرته، فإما أن تدع كل ما خالفت فيه الشافعي، وتدخله فيما جعلته هلكة وإبطالا، وهذا [] [وإما أن تقبل ما وا] فقك فيه، فتجعل خلافه ذلك هلكة و[إبطالا، وما خالف] فيه غيرك لم يلحق عندك فيه بأهل الهلكة والباطل، وهذا تلاعب ودين الله ليس من ذلك.
فصل آخر
ثم قال: والشافعي رحمة لأهل الحديث ونعمة من الله عليهم، إذ إلى الله ورسوله دعاهم، وعن تقليد من لا يجب تقليده نهاهم، وعلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه
[ ١ / ٢٧١ ]
حضهم، وقد كانت الفرق بأجمعها كادت الحديث حتى قُذفت بشهابها ودُمِغت بحجرها.
فنحن نسأله: من يعني من أهل الحديث الذي صار لهم رحمة، وجدد لهم على يديه هذه الدعوة إلى الله والرسول حتى أجابوا؟
فإن عني أهل عصر الشافعي ممن فوق طبقته منهم، كمالك والأوزاعي وابن جريج والسفيانين والحمادين وشعبة ونحوهم، أو من تحت هؤلاء، كيحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل ووكيع وأسد بن موسى وابن وهب والقعنبي والحميدي وضربائهم، ممن يكثر ذكره فهذا إن ادعاه من اللعب وقبيح الكذب، ولقد مدح الشافعي بما نقصه به لوو شعر، وطعن عليه بما لم يبلغه عليه من الطعن أحد، إذ نسبه إلى أنه الذي دعا أئمة الحديث والمتمسكين بالسنن والآثار في أعصارهم - من طبقته أو فوق طبقته - إلى الله ورسوله، وإلى اتباع الحديث، حتى رحموا بدعوته، وأنهم عليهم بإجابته.
أفكانوا يخالفون الحديث فردهم إليه، واجتمعوا على الجهل بمخارجه فققههم فيه، أو لم يكونوا بالسنن متمسكين أو عن شيء منها راغبين، وهم رؤساء أعصارهم في التمسك بالسنن والقيام بها.
ومالك رأس الناس في زمانه في الرواية والحفظ والفقه وتهذيب الآثار، قال أحمد بن حنبل: مالك [إمام يسكن] إلى حديثه وإلى فتياه: مذهبه الآثارـ[شديد]
[ ١ / ٢٧٢ ]
الاتباع للآثار التي تصح عنده.
ولا يشك منصف أنه النجم في الآثار في عصره، والجامع لشملها والمذهب لها، وأمير المؤمنين فيها، وسنذكر بعد هذا بعض قول الأئمة فيه واعترافهم بإمامته في الفقه والحديث.
وإن قال: أردتُ بهذه الدعوة طلبة الحديث في وقته؛ فهؤلاء ما كادوا شيئا من الحديث، وهم مسلمون لأئمتهم، وكذلك عليهم قال النبي ﷺ: رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وما يعرف الطلبة برد الحديث حتى يكيدوه والكيد في رد الشيء أعظم من دفعه.
فليت شعري متى تطابقت الفرق كلها على هذا الأمر العظيم، فلم يبق منهم متمسك بالسنن، حتى أتى الشافعي فتمسك بها ورد الناس إليها، لقد بالغ هذا الرجل في نقص العلماء، وفي انتقصاص الشافعي حين رفعه بنقص سلفه، ووصفه بما لا يرضى به لنفسه، ولا يرضي به من يؤثر الحق من أصحابه.
وإن أراد أهل الرأي من الكوفيين، فليسوا بالفرق كلهم، ولهم بعض التمسك بما عندهم من الحديث وإن كان غيرهم أثبت أحاديث وأعلم بالسنن منهم.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ولم يزل أهل المدينة يتمسكون بما عندهم من السنن، ويطالبون من خالفهم ما عندهم من ذلك بتأويل أو لحديث لا يكون في الثبات كالذي عندهم، بما يشبه من المطالبة على الشافعي وبعده.
قال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة [من سة] أهل المدينة خير من الحديث، يريد أنه أقوى من نقل الآحاد، [ثم ذلك] [] وقد قال الشافعي: إذا كان حديثا متصلا لا يعرف له أصل في الحجاز لم يقبل، وهذا غير قولك.
وإن أردت بالكائدين للحديث الخوارج [فإن هؤلاء هم] الذين ردوا الحديث، وهم على أمرهم ما انتفعوا [بالشافعي] و[ولا] كان لهم إليه إجابة، وما كان لهم من الله رحمة، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، وليسوا بالفرق كلهم، بل هم
[ ١ / ٢٧٤ ]
ممن لا يعبأ بمخالفتهم، ولا يأنس أهل السنة إلى ماوفقتهم، ولا ينقض خلافهم إجماعًا، ولا يعرف أن الشافعي تكلم على أهل الأهواء بشيء، وإنما كلامه في
[ ١ / ٢٧٥ ]
الحلال والحرام.
فمن الذين دعاهم الشافعي إلى الله والرسول وإلى الحديث: فانتفعوا بدعوته ورحموا بإجابته، وتركوا ما ركبوا من كيد الحديث؟ فهذا كلام لم يتحصل في الروية ولا سلم من الحمية.
وبعد فإنا نقول: أرأيت هؤلاء الذين أجابوا الشافعي في دعوته وسلكوا سبيله في اتباع الحديث؛ فهل ترضى وتتبع مسالكه ومعانيه في اتباع الحديث؟
فإن لم ترضها لهم ولا له؛ فقد مدحت ما لا ترتضيه، ودعوت إلى ما تطعن فيه، وإن رضيت لهم مسالكه في اتباع الحديث؛ فارض بها لنفسك قبلهم وأجبه كما أجابوه.
فإن الشافعي يقول معنا بالمعاني والعلل في الأحاديث وظاهر الكتاب، وربما نقل ظاهر اللفظ إلى معنى تناوله، وإذا اختلف حديثان يتأول لكل واحد معنى بتأويل، قد يخالف فيه إذا لم يعلم الناسخ، فإذا ضاق به التأويل اتبع أقواهما في الرواية باجتهاده بما عسى أن يكون اجتهاد غيره بخلافه، فإن لم يكن ذلك اتبع أشبههما بالكتاب عنده، بما قد يخالف فيه من التأويل، ومعنى من ذهب إلى مذاهبه غير هذا.
وقلنا نحن: إن تأويل الصحابة في الحديثين أولى، وكذلك في أخذهم بأحد الحديثين دون الآخر، وإن كان لابد من التاويل فتأويلهم مع المشاهدة أولى من تأويل
[ ١ / ٢٧٦ ]
المتأخرين.
والشافعي يترك الحديث إذا تركه راويه من الصحابة، وفعل ذلك فيحديث أُبَي: الماء من الماء، وهذا نحو قولنا، وقال في كتاب" مختلف الحديث": إن الأشبه أن
[ ١ / ٢٧٧ ]
أُبَيًّا لم يتركه إلا وعنده من ذلك علم أوجب تركه، ونحو هذا.
وهذا غير قولك، وصاحبك لا يوجب الطهر من التقاء الختانين، على ما في ذلك من رجوع الأنصار إلى أزواج النبي ﵇، وما اجتمعت عليه تلك الطوائف من القرن الثاني أجمع ومن بعدهم.
والشافعي يعترض في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، فيقول بتأويله: إن الماء نجس والإناء نجس، وليس في الحديث دليل على ذلك، ثم يقيس على ما تأول فيجعل الخنزير مثله لابد في غسل الإناء فيه من سبع، ولم يقس عليه الذئب والسبع.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وقلنا: إن تحديد سبع مرات يدل أن ذلك التحديد ليس بمقدار [لما] تطهر به النجاسات، وقال الشافعي بنجاسة الماء والإناء، وليس هذا قول صاحبك في هذا، ولا معنى ما تقلد من اتباع ظاهر الحديث.
والشافعي يقول بنجاسة أبوال الغنم والإبل، ويتأول في الحديث أن المأمورين بشرب أبوالها لداء كان بهم، والتداوي بالنجاسات لا يرجع به إلى أصل، مع ما روى من صلاة النبي ﵇ في مراح الغنم، وليس هذا قول
[ ١ / ٢٧٩ ]
أصحابك.
ويقول بعموم آية الملامسة، فيوجب الوضوء على من لمس أمه أو ابنته، ولم يخصص ذلك، بما روى من الحديث في حمل النبي ﵇ أمامه في الصلاة، وما روي من قبلته ثم يصلي، وتقبيله [لعائشة] ثم يصلي، ومسه برجله لعائشة وهو في الصلاة، وهي معترضة لتقبض رجليها ليسجد.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ويعمم حديث مس الذكر [فيوجب الوضوء على من] مس دبره أو مس ذكر صبي، وأنتم تردون [ذلك عليه] ونحن [لا نرى أن نقـ]ـيس عليه، إذ ليس في ظاهره ما يدل على علة يرد بها إليه غيره.
[ ١ / ٢٨١ ]
وأدخل الشافعي في حديث بول الأعرابي تأويلا خالفتموه معنا فيه، فقال: إن الذنوب علة لطهر بول رجل واحد لا أكثر منه، ولا يطهر بول رجلين إلا دلوان، وقد يبول رجل كبول رجال، وليس في الحديث دليل ظاهر يضطر إلى هذا، وجعل ما يطهر البولة قدر سبعة أمثالها أو أكثر، والذنوب يجاوز هذا وأضعافه.
وخالفتموه في ذلك كله، وفيما تقلد من علل حديث القلتين، ورده إياه إلى
[ ١ / ٢٨٢ ]
خمس قرب، مع سائر ما فرع من ذلك على ما أصل.
وقال بتنجيس ما مات فيه ذباب أو خشاش أو دود من الشراب والماء والطعام المائع، والحديث معروف في أمر النبي ﵇ بغمس ما وقع من الذباب في الطعام، وهو يموت في ذلك، وهذا ما لا يمتنع منه، وهذا من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، وتأول في ذلك بما خالفتموه فيه.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ولا يرى ما روى الصحابة، من ذكر التشهد في الصلاة، الذي علمه الرسول ﵇ من أصحابه يجزي، حتى يصلي بعد ذلك على النبي ﷺ فإن لم يفعل فالصلاة فاسدة عنده، وليس ذلك في حديث مذكور فأوجب زيادة ذلك في التشهد، ثم أفسد الصلاة بتركه، فخالفتموه أنتم، وغيركم في ذلك، وحديث التشهد مشهور.
قال: من أعتق عبدا فماله لسيده، قياسًا على ما روي في من باع
[ ١ / ٢٨٤ ]
عبدًا، وفي العتق حديث آخر: أن المال للعبد.
وقال: العبد لا يملك، لقول الله: ﴿عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ ولم يصرف ذلك إلى ما لا تتعطل معه الآية الأخرى، كما يفعل في الحديثين، وذلك قول الله سبحانه في العبيد: ﴿إن يكونوا فقراء [يغنهم الله] من فضله﴾،
[ ١ / ٢٨٥ ]
فوصفهم بالغني والفقر، على أن قوله ﴿لا يفد [ر على شيء﴾ لا يدل على رفع] ملكه.
ولم يقل بالحديث المتصل في إيجاب الكفارة على من أفطر في رمضان، أنه يخير في العتق والصيام والصدقة.
وقال بحديث لم يروه مالك إلا منقطعا، فيمن وطيء أهله في رمضان، وفيه ذكر البدنة، فلم يقل بالبندنة.
[ ١ / ٢٨٦ ]
ثم قصر الكفارة على الواطيء، ولم يقس على منتهك الصوم بالوطء منتهك الصوم بالأكل – وهو من القائسين – هذا لو لم يجب فيه غير القياس، فكيف وفيه الخبر الثابت، وعلل ذلك بتأويل تخلفونه فيه، كما خالفه غيركم.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقال بنجاسة الشعر، إذا بان عن جسد الإنسان، والحديث ثابت في قسم النبي ﵇ شعره بين أصحابه، ولا يمتنع أحد أن يبقى عليه شعره من حلق رأسه، وهذا من الحرح لو لم يكن فيه أثر، فكيف وحديث الرسول ﵇ فيه ثابت.
ومن ذلك قوله في حديث: " السلب للقاتل ": إنه إنما يكون لمن قتله مقبلا غير
[ ١ / ٢٨٨ ]
مدبر، وليس في الحديث ذلك، ولو كان أيضا السلب للقاتل أمرا راتبا، لابد منه، لم يؤخر النبي فيه البيان على أصلكم، لأنه إنما يحفظ في حنين، هي من آخر المغازي، ولا كان يقضي بشهادة واحد بغير يمين، ولم يذكر أن أبا قتادة حلف، ولو
[ ١ / ٢٨٩ ]
كان تمليكا مرتبا، كانت الأسلاب مقام اللقطات لا يخص بها أهل ذلك الجيش، إذا فقد النائلون البينات.
وأنتم ترون أنه خالف الحديث، حين خص بالقاتل المقبل دون المدبر، ولنا نحن عليه مطالبة في بقية معاني الحديث ليس هذا موضع تقصيها.
وربما يطالب من الظاهر على معانيكم، ما يخرج به عن المعنى المقصود.
من ذلك ما روى من قول النبي ﷺ: من غير دينه فاقتلوه. فقال: إنه في كل ملة ودين فجعله عاما في اليهودي يتنصر أو يتمجس، والنصراني يتمجس أو يتهود، وهذا مما
[ ١ / ٢٩٠ ]
خالفناه فيه نحن وأنتم، وقلنا المراد هنا: من غير دينه الذي رضيه الله ودعا إليه، وحذر من تغييره، ولا يأمر الرسول بالقتل على تغيير دين لا يرضى المقام عليه.
وقال بعموم الحديث الآخر: من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فيكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير، فجعل الكفارة في اليمين في المشي إلى
[ ١ / ٢٩١ ]
مكة والصدقة، وأبي ذلك في العتق والطلاق – وهما يمينان عنده – وهذا من معنى الأول، أنه ﵇ إنما أوجب – في الأظهر - الكفارة في اليمين التي أذن في الحلف بها.
ثم زاد في عموم ذلك إلى غير الظاهر فيه، فجعل في يمين متعمد الكذب الكفارة، وهي يمين معصية وكذب، ولا تكفرها كفارة، وإنما فيها الوعيد من الله جل وعز، ومن رسوله ﵇، فيمن اقتطع حق امريء مسلم بيمينه، فأين مدخل الكفارة
[ ١ / ٢٩٢ ]
في هذا؟
وخالفتموه في تأويله في هذه الأحاديث وما تعلق به فيها.
وإنما ترك العموم فيخص الظاهر، بما تخالفوه أنتم ونحن فيه.
من ذلك، تركه لعموم آية الظهار، فلم يوجب الظهار في الإماء، وهذا يكثر إن تتبعناه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
ومن الحديث قول النبي ﷺ: صلاة الليل مثنى مثى. وحديث آخر: صلاة الليل والنهار. وهو يجيز أن يتنفل الرجل بركعة، ولم يرو أنه ﵇ تنفل في ليل ولا نهار إلا شفعا شفعا، إلا الوتر، وقد أكد النبي ﵇ الوتر، وقال ﵇: إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم ألا وهي الوتر. ولم يرها الشافعي واجبة ولا مؤكدة، بتأويلات لم يسلم له فيها.
وتعرض على ما روى أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي حديث آخر: لا يقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، بأن ابن عباس قال: هي من أم القرآن، والقرآن لم يؤخذ
[ ١ / ٢٩٤ ]
بالروايات.
ويتأول أنهم كانوا يسرونها، ويأمر هو بإجهارها، ويبالغ فيما تاول فيبطل صلاة من لم يقرأ بها، وهذا كله غير ما نحوت إليه، من اتباع ظاهر الحديث.
وتخالفونه في قوله بحديث: خمس رضعات، وتدعون عليه تأويله فيه، في الرضعات، أنها كالأكلات دون المصات، لأنه تأويل أن الصبي لو أقام أكثر نهاره في
[ ١ / ٢٩٥ ]
حجر أمه يرضع، كانت رضعة واحدة.
وهذا يكثر علينا إن تتبعناه من سلوكه، في اتباع الحديث وتعليل الأخبار والظواهر غير مسالككم.
فأراك أول الناكلين عن دعوته في اتباع الحديث، الذي جعلته الداعي الفرق إليه بعد أن كادوه، والراد لهم بعد أن خالفوه.
وأنت أكثرهم للشافعي خلافا في معاني اتباعه للحديث، فما الذي خصصت به الشافعي في اتباع الحديث دون غيره؟ وأنت تراه يتأول في تغيير الظاهر وتعليل الأخبار، ويترك ما يترك منها، بتأويل يظهر له، ولغيره من المعاني في ذلك، ما هو أقوى عنده في أدلته.
والعلماء لا يردون امر الله أو أمر رسوله معاندة، ولا رغبة عنه، ولكن لهم اختلاف تأويل في اتباع الحديث ومعاني النصوص، تختلف معانيهم في ذلك باختلاف التأويل، فمن بين مصيب ومخطيء مجتهد.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ونحن نسلك مسالك من تقدمنا من أهل المدينة، في اتباع السنن، ونتمسك في ذلك بمعانيهم، ولأنت لنا ولغيرنا مخالف في ذلك، في معاني اتباع الحديث والظواهر.
وقد يحتمل ظاهر النص أو الحديث أوجها، فيوجهه كل فريق إلى معنى، يرى أنه أولى في التأويل عنده، بدليل يظهر له.
أو يستدل أحد منهم بدليل، على أن ذلك خاص، أو في وقت دون وقت.
أو يدعه لحديث يرى أنه أولى منه، لغير معنى يستدل به، من قوة الرواية، أو من غير ذلك. أو يظهر له أن [له] ناسخًا بدليل.
أو [أن] أحد الخبرين مفسر لما أجمله الآخر.
أو يوجه معناه إلى وجه هو أظهر عنده في الأصول [].
أو يستدل بدليل أنه على غير الإيجاب.
أو يدع من احتماله وجهًا، ويأخذ بوجه يؤيده – عنده – ظاهر القرآن.
أو يكون حديثا، يدعه جمهور الصحابة – وهم به عالمون – فيعلم أن من وراء ذلك علم، من نسخ أو خصوص، أو غير ذلك.
[ ١ / ٢٩٧ ]
أو يجهله أهل الحجاز معدن العلم، ويغرب به غيرهم، فيعترض بهذا ريب في قبوله.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وهذا نقوله نحن والشافعي معنا، وغير شيء من هذه المعاني، مما لا يتهم العلماء فيه على الكيد للحديث ولا للكتاب، ولا الرغبة عنهما.
فلم يترك أحد منهم شيئا من ذلك راغبا عنه، ولكن باجتهاد تختلف به أدلتهم.
فلا تتحامل أيها الرجل، بالطعن على العلماء وأحس بهم ظنا.
وانت قد تركت معانيهم أجمع، في اتباع الحديث، وظاهر الكتاب، وتركت الكلام على المعاني والعلل في ذلك، وطالبت الظاهر، دون أن تنتهي بذلك إلى العلل والمعاني.
وتركت على الشافعي وغيره معانيهم في ذلك، تركا خرجت به الى الشذوذ، حتى قلت – أو من قاله من أصحابك – لا يجزيء مخرج البر في زكاة الفطر، إذ لم يذكره النبي ﷺ في حديث ابن عمر – وليس قول الخدري: كنا نخرج على عهد رسول الله
[ ١ / ٢٩٩ ]
ﷺ صاعًا من طعام. ثم ذكر غير البر من الأصناف حجة عنده، وهو يعلم أن رسول الله ﵇ هو الذي كان يأخذها من الخدري، أفيأخذ منه ما لا يجزئه؟
ومن يخرج أفضل من الذكور، كيف لقائل أن يقول: إنه لا يجزئه، هذا [وظا] هر الأمر إنما أراد به النبي ﵇ غنى الطوافين عن طواف ذلك اليوم، بما يعطونهم مما هو جل قوتهم.
وأن أمر النبي عليه [السـ]ـلام بطرح السمن الذائب تقع فيه الفأرة، لا يوجب [طرح] [الزيت] أو سائر الأدهان.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وأن ما نهى عنه من البول في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه ويشرب، لا يوجب على غير البائل نهيا عن الشرب والوضوء منه، إذا لم يتغير لونه طعمه.
وكذلك ألزموه أن لو بال في إناء، فصبه فيه، لم يدخل تحت هذا النهي، على أصله، إذ لا يتعدى بالمسموع عنده غير ما يعطي ظاهره، دون طلب ما تؤدي إليه المعاني، من ذلك الظاهر.
وهذا خروج عن ما يفهمه السامعون في التعاريف، وتعطيل المقاصد في الأمور في الأغلب منها.
وحكى عن بعض من يتقلد مثل هذه الأقاويل: أن البكر إن تكلمت في الإذن بنكاحها لم يجز النكاح إلا بصماتها، على ظاهر الحديث، وهذا من ذلك، أن يكون
[ ١ / ٣٠١ ]
قد جوز لها أن ينوب لها الصمت عن الكلام فإذا أبت بالذي كان هذا منه بدلا لم ينب عنه، وكان دونه فصار البدل من الشيء أقوى من المبدل منه.
وهذا خارج عن عوائد الناس، فيما يفهمون من المخاطبة والأمر والنهي، بعيد من عرفهم، غير معاني الشافعي في اتباع النصوص، الذي يزعمت أنه رحمة لأهل الحديث، في دعوتهم إليهم، حتى كادت الفرق الحديث، وأنه انتاش أصحابه من الهلكة، ومن قول المبطلين.
فإما أن تعاود معانيه وأصوله في اتباع الحديث والنصوص، فتصحح ألفاظك، وتدخل مدخل النجاة من الهلكة ومن قول المبطلين على لسانك وتجيب إلى ما دعاك إليه.
وإن أقمت على خلافه في ذلك وثبتت على أصولك، بطلت ألفاظك ها هنا، ودخلت مع سائر من نكل عن إجابته، ومدخل من نسبته إلى المبطلين والهالكين.
فقد عاد هذا الطعن منك على مالك بأسرع على الشافعي ولو كنت أفصحت بمذاهبه ومذاهبك في اتباع الحديث لم [] وعلم الناظر في ذلك أن طعنك على الشافعي أشد، وأنك في خصومته ألد.
وإن عذرت الشافعي فيما لم تعذر في مثله غيره، كنت متلاعبا
وكذلك إن سلمت للشافعي ما نسب إليه خصماءه من خلاف الحدث، ولم تسلم إليهم ما نسبوه إليه من خلاف الحديث، لقد عدلت عن الإنصاف، لأن كل فريق منهما يقول بالمعاني في الحديث، وإن اختلفت أدلتهم.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وأنت لهما جميعا مخالف في أصلهما في اتباع الحديث، ومن وفق لرشده أنصف خصماءه، ولم يركب ما ينهي عنه ويترك ما أمر به، والله يهدي إلى سواء السبيل.
فصل آخر
ثم قال: وإن كان الشافعي قد رسم في كتبه ما دلكم على إغفال من غفل من المتكلمين، وتقليد من قلد من المتكلفين، غيور للإزدياد بما يطمئن قلوبكم، من كشف الغطاء عن تمويه أهل الرأي ومقلديهم.
فهذا كلام من غرضه تسفيه الحق وغمص أهله؛ لأن العلماء - في اختلافهم - غير متنابزين بنقص ولا طعن، بل يتناظرون تناظر الولاية، ويتحرون الصواب بالإشفاق، وهذا لم يطلقه في الأئمة إلا الخوارج.
فقولك: كشف الغطاء عن تمويه أهل الرأي ومقلديهم، فإن أراد بذلك ملكا، فقد تأفك باطلا، واختلف كذبا.
ولم ينسب أحد من العلماء مالكا إلى غير السنن، وكيف وهو الجامع لشملها، والمذهب لها، والنجم فيها، وأمير المؤمنين في الرواية، المأمون عليها.
قال أحمد بن حنبل: مالك مذهبه الآثار، شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده.
قال أبو إسحاق الفزازي: مالك مذهبه الآثار، ومالك كان لا ينطق إلا عن آية
[ ١ / ٣٠٣ ]
محكمة أو سنة ماضية، وربما قرأ كتاب الله وتتبع أحاديث رسول الله ﷺ على مسألة سئل عنها ليستخرج ذلك منهما.
ولقد سأله رجل عن رجل خلف بالطلاق ما يدخل بطون بني آدم أشر من الخمر، فأمره أن يرجع إليه، ثم جاءه، فقال قرأت كتاب الله، ونظرت فيما بلغني من [سنة رسول] الله ﷺ، فما رأيت أشر من الربا، لأن الله سبحانه قال فيه ما لم يقل في شيء مما حرم، فقال: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله﴾، وإن امرأتك قد طلقت عليك.
وكان أشد الناس توقفا ورعا في الفتوى، ويكره كثرة المسائل.
وقال: ما تكلمت برأيي إلا في ثلاث مسائل، ذكرها وغير ذلك فإنما هو ما سمعه من التابعين، وتخير من أقاويلهم وأقاويل الصحابة فيما لم تكن فيه سنة معلومة.
وفي الباب الذي بعد هذا، شيء من ذكر محل مالك عند الأئمة، في اتباع السنن، وما هو له أهل عندهم من الصيـ[ـت].
وهذا مما يهجن الاستدلال عليه، ومن عد كلامه من عمله تدبر قوله قبل أن يقول.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وكيف يحسن بمن يتقي الله في قوله أن يقول: إن مالكًا يموه، وهذا لا يشار به إلى ذوي الفضل ورؤساء الأئمة في الدين.
وما [لك] تكاملت له الفضائل عند المسلمين، إلا عند ظنين لا عذر له، ومن رضي أن يموه بزخرف الباطل عن نور الحق فقد خان الله ورسوله.
وهذا يرغب به عن عامة المسلمين فضلا عن أئمتهم في الدين، وإذا كان أدنى منازله أن اجتهد وأخطأ عند مخالفه - على طلب منه للحق - كيف يدخل ها هنا التمويه؟
أفتنسب لك من خالفت أنت قوله، من صاحب، وتابع، وتابع تابه - على كثرة من تخالف وقلة عدد من توافق - أنهم يموهون، [أي] يسترون الحق بالتمويه، فهذا تجاوز واعتداء وإساءة بالأئمة ظنّا.
وقوله: ومن قلد من المتكلفين، خروج عن القصد، لأنه إن منع الجاهل تقليد العلماء تقليد [العذر] قال ما لا قائل له يعبأ به.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وإن أراد أن مالكا ومن استبحر في العلم من [] لا يعدو قوله مما عده سبيل مالك وأصحابه إلا من لم يستبحر في العلم، وهو - عند نفسه وعند علماء عصره - لم ينته من اتساع العلم، إلى حد الإمامة فيه، فعليه - فيما هو فيه مقصر- تقليد أهل التمام، فيما أشكل عليه.
ولا فرق بين من أشكل عليه الأمر في حادثة، وبين جاهل بها وبغيرها، فيما عليه من اختيار من ينبغي اختياره؛ لأن فيه محملًا لاختيار القائل، وليس فيه محمل لاختيار القول، وهذا قول المتقدمين ومن أنصف من المتأخرين.
وذكر أن ما تقدم عند الشافعيين من كلام الشافعي على من يخالفه، فإنه محبوب عندهم أن يزيدهم هذا الرجل مما تطمئن به قلوبهم، وهو للشافعي ولهم أشد اختلافا.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فكيف تطمئن قلوبهم بنصرة رجل وهو لهم مخالف في الذي أظهر فيه نصرتهم، وإذ لم تطمئن قلوبهم بما عندهم من الشافعي، كان أحرى ألا تطمئن بما عندك مع خلافك إياهم، وهذا كلام لم يحصل منه إلا الحمية.
ثم قال: وإذ سهل الله عليكم الاعتراف بفضيلة أهل الحق، يعني الشافعي.
وإذا كان هو وأصحابه عندك أهل الحق، وجب أن يكون من خالفه أهل الباطل، فأنت أقرب إلى هذه التسمية على لسانك، لخلافك للشافعي في الأصول وكثير من الفروع.
وإن أردت أنهم أهل الحق فيما وافقوك فيه، وأهل باطل فيما خالفوك، فلا معنى لما خصصتهم به من هذه الكلمة التي أقررت أنها باطل على لسانك.
ولو قلت ذلك فيهم في مسألة اوفقتهم فيها، نزلت عن درجة المناقضة، وبقي عليك درك سوء أدب المراجعة.
ومعانيك في هذا الفصل كيف ما قلبتها لم تفقد منها خللا.
أرأيت إذا قالوا في مسألة: نحن أهل الحق فيها، وقال مثل ذلك خصماؤهم، أفي ذلك ما يرضي به أهل التحفظ؟ وهل هذا إلا تنطع وتكلف؟
وهذا الرجل يخالف الشافعي الذي نسبه إلى الحق [و] يخالفنا، إلا أنه رضي بالجنف، والغلو علينا دونه، ورضي أن [يرفع] محله من الإنصاف والدين، وأن يخلد بهذه الورطة كتابًا بأيدي الـ[ـناس].
[ ١ / ٣٠٧ ]
ثم ذكر - في تخليط له -: إني جامع لكم - يعني الشافعي - مسائل من أهل الخلاف لكم، تدل على إغفال من قلدوه، وعل ضعف ناصري [مذهبه] يكون عدة لضعفائنا، والمنتحلين بالانتساب إلينا، ومن المنتـ[ـسبين] إلى الحديث، والمتزينين باسمه، والراغبين عنه من سائر الفرق.
فهذا احتفال هذا الرجل في النصيحة في الدين، أن أشغل [المبتدئين] ومن لا علم له منهم بمسائل الخلاف الموشحة بالحمية وسوء الثنـ[ـاء علي] الأئمة، دون أن يأمرهم بأول المطالب، مما عليهم، ومن تعلم أصـ[ـول] الديانة، وما هو أولى بهم مما يلزمهم.
وإنما ينظر في الخلاف ويحـ[ـكي] قول العلماء من اتسع في العلم، ولا يحل أن يؤمر الضعـ[ـيف] بتعلم مسائل الخلاف، وإدخال الحمية على الأئمة في صدره، ولـ[ـا يبدأ] بإحكام فرائضه، فما أقبح هذا الأثر في الإسلام.
وجعل [هذه] المسائل عدة المنتسبين إلى الحديث والراغبين عنه، وهذا [شيء] ظاهره لا يردي ما هو أن ينشأ عنده أو بعده.
وإن أراد أنها لمن [ينتسب] إلى الديث وهو عنه راغب، فكيف يكون له عدة ما
[ ١ / ٣٠٨ ]
هو عليه [] حث عبارته أنها [] كان في هذه المسائل ما شمل الـ[] سائر الناس [] من أهله بمسائل خالف هو الـ[] في غير [] العلماء [] لسانه في الراغبين عن الحديث، لأنه جـ[ـعل] من خالفه [] الحديث [] أولا، ثم ضم نفسه معهم بعـ[] [لا خفاء به] [] الحيف الشديد.
وذكر انه كان يضعف علـ[ـيه] [] جهل به ولكن الإرادة لإظهار جـ[ـهل] الطاعنين على الشافعي، رد عني عن ذلك.
فإن أراد أن هذه الإرادة رادعة له عن كتمان ذلك، حدثت له، ولم يكن مريدا لإظهار ذلك، مع [تلا] وته لآيات الوعيد في كتمان العلمن فقد استعتب من خطئه بأشد [خطـ]ـأ؛ لنه عاود بث االرد على الطاعنين على الشافعي، ولم يرد على نفسه [و] ينسبها إلى الجهل؛ لأنه طاعن في كثير من أصول الشافعي وفروعه، فإما [أن] يرجع عنها، أو يقر بالجهل بطعنه عليه فيها.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ووسم من انتصر له من الشافعيين بالجهل، إذ تحرج أن يكتمهم ما فرضه أن يبينه لهم، [مما] جهلوه عنده من هذا العلم الذي أفادهم.
[ومما] كتم عنهم مخالفته [للشـ]ـافعي في كثير مما ذكر في كتابه هذا، وفي [غيره].
[فإن كـ]ـان في ذلك مبطلا فليراجع [قـ]ـول الشافعي، وإن كان محقًا فبيان [ذلك لـ]ـهم كان أولى به.
وإن كان [هو] وهم تسالما في ذلك بغير علم منه ومنهم، أنه على خلاف ما أظهر [من] موافقتهم، فقد رضي منهم ورضوا منه بالتمويه، الذي نسبه إلى [أ] صحابه، وموه بشيء أظهره عن شيء سواه ستره، وهذا تلاعب، ولا [تـ]ـلاعب في الدين.
فصل آخر
ثم قال ولولا ما أخذ الله من الميثاق على الذين أوتوا الكتاب ليبينه للناس، وقول النبي ﵇ في كتم علما، لصعب الإفصاح عن مقالة من ذكرنا، لئلا ينتحل ذلك المنتسبون إلى الترأس الجاهلون بما يجب عليهم، من الاعتراف بفضيلة أهل
[ ١ / ٣١٠ ]
الحق، والذابين عنه، وفيما أوعد الله على كتمان الحق، ووعد على إذاعته رادع لشفاء الغيظ من أمثالهم.
فتدبروا ما أنا ذاكر من مسائلهم وارعو، وأذيعوه تعرفوا أقدار القوم في العلم ومبلغهم منه.
قال أبو محمد: فتأملوا - رحمكم الله - مبلغ هذا الرجل في دينه، وما أبطن من طويته، مما أقر به على نفسه، أن تكلم في الدين على الأئمة فيه، وهو حنق عليهم مغتاظ، وقد هم - فيما ذكر - أن يشفي غيظه ليبلغ جهد [] [من] شفاء [غيظه] [] أمره، على أنه مغتاظ عليهم، جامع عنانه، غير مشتبه، أفهذا مقام الناطقين في دين الله، والحافظين لحدوده في ألفاظهم.؟
وهل تقدمه أحد إلى أن يخالف أخاه في باب من الدين، يريدان فيه الحق ويجتعدان، فيدخل فيه الغيظ من أحدهما على الاخر، وهذا خروج من الولاية إلى العداوة على القول بالحق؛ لأنه لا يحل لمن خالفك أن يدع ما بان له من الحق، لما بان لك دونه، وأنت تحرم عليه ألا يتبع إلا ما بان له به الدليل عنده، دون ما عندك، ولم يدع العلماء الحق عنادا له، ولا رغبة عنه.
[ ١ / ٣١١ ]
فأين تذهب بك الحمية أيها الرجل؟ وإلى من تخطيت بمثل هذا؟ وما تحملت به من هذا الغيظ والحنق أولى أن يغيظ من سمعه من المسلمين، في تجاوزك بذلك إلى أئمتهم، وما أقررت به من الغيظ ستر بصيرتك عن استقباح هذا.
وما أعرف لغيظك على مالك وأصحابه سببا أحماك، إلا ما ترى مما رفعهم الله به من الدرجات، والله يؤتي فضله من يشاء.
ولئن قلدت صاحبك في إطلاق مثل هذه الأفاظ على أهل الرأي، أو من ردَّ الآثار من أهل الكلام، فإن كان مثل هذا قد حسن عندك فيمن قاله، فألا سلكت به مسالكه، وقلته فيمن رد الآثار من اهل الكلام، دون أن تطلقه في أمير المؤمنين فيها، والمأمون عليها روا [ية] والقائم بها.
[ ١ / ٣١٢ ]
وإذا آثرت اتباع داود في طريقته، فألا امتثلت طريقته مع مالك، وعظمت من أمر مالك ما عظم داود وابنه، فما علمناه أنهما قابلاه برد، ولا أقذعا [فيه] بلسان، ومن وقع في مالك بنقصه أو خقض ما رفع الله من [رتبته]، فإن الانتصار منه في ظهور لك عليه [ـ]ـاد سلطه على هلاك نفسه ودينه.
ولقد أخذ ابن داود على بعض أصحاب الـ[ـشافعي، في جانب] [ألفه] عليه مثل ما نقمناه من [أهل] [] الحمية من [] سفاهة القول، ونسب [] إلى السفه، [واحتج بحديث] [عليه] رويناه عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: سيأتي على الناس سنون، يصدق فيها الكاذبـ، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، سئل رسول الله ﷺ/ ما الرويبضة، قال: السفيه ينطق في أمر العامة.
ولقد كثر عجبي من قولك في مالك إذ قلت: فتدبروا ما أنا ذاكره من مسائلهم، وعوه وأذيعوه، تعرفوا متعرفكم، أقدار القوم في العلم، ومبلغهم منه.
وما علمت من الأئمة وأهل العلم والدين أحدا، صغر بقدر مالك في العلم.
[ ١ / ٣١٣ ]
ولقد رفع الله من قدره فيه، أن أحوج فيه إليه معلميه.
ولقد حلق، وهو ابن سبق عشرة سنة، وبالناس ويومئذ حياة، ووفد التابعين باقون، قد رأوه لذلك أهلا.
ثم أقام سبعين سنة – بعد ذلك – يحدث الناس عنه، ويستفتونه في دينهم، وتشد إليه المطايا من الأقطار.
واستفتاه التابعون، وشهدوا له بالفقه والحديث، ولقد استفتاه زيد بن أسلم لنفسه في مسألة من أمر دينه.
قال مالك: قل رجل كتبت عنه، إلا كان يأتيني فيستفتيني.
واحتاج إليه في العلم معلموه كلهم، إلا نافعا، فإنه قديم الموت، مات ومالك دون العشرين.
قال شعبه: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة، ولمالك حلقة.
وقال ابن هرمز لخادمه – وقد أخبرته أنه بالباب -: أدخليه فذلك عالم النـ[ـاس].
[ ١ / ٣١٤ ]
وكان ربيعة يرجع إليه في غير شيء.
وأما نظراؤه، فأكثر من أن نوعبه فـ[ـي هذا الكتـ]ـاب.
وكان ابن عيينة يجلس في حلقة مالك، يسمع الحلال والحرام، والحديث العمـ[] ولا يتكلم بحرف، فإذا [] من حلقة منذ كانت له حلقة.
وكان الثوري في الحج يتبع مالكا، فما فعل فعل سفيان مثله اقتداء به.
وروى عنه السفيانان وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد، وروى عبد الملك ابن جريج عن الثو [ري] عن مالك.
وروى عنه الدراوردي وابن أبي حازم.
وكل إمام أ [خذ] عنه مالك فقد روى عنه، أو أخذ عنه، إلا نافعا، فإنه قديم الموت.
[ ١ / ٣١٥ ]
و[رو] ى عنه ابن شهاب، وكثير ممن يكثر ذكره من نظرائه.
وقد استدعاه الأ [مير] إلى الحضور مع معلميه في المشورة، فلم يفعل حتى شاور في ذلك [من] التابعين من شاوره، فأمروه بذلك، ورأوه لذلك أهلا فحضر معهم.
واستفتاه التابعون، وشهد له بالتمام والإمامة ائمة عصره.
وعـ[ـلا] القوم من أمره أمر جليل قواهم على ذلك فيه.
وذلك ما تأويل فيه كثـ[ـير] من أئمة التابعين وتابعيهم، أنه العالم الذي بشر به رسول الله [صلى] الله عليه وسلم، ورواه جابر وأبو هريرة، وهو حديث لا شك في ثباته، فنحـ[ـتاج] إلى ذكر إسناده، وهو قول الرسول ﷺ، إذ قال: ينقضي الـ[ـناس]، فلا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة. وفي حديث آخر: ليس على ظهر [الأرض] أعلم منه، فيضرب الناس إليه أكباد الإبل.
[ ١ / ٣١٦ ]
قال ابن عيينة: كانوا يرونه [مالكا] قال ابن مهدي: يعني من أدرك، وقد أدرك التابعين.
وقد تأول ذلك فيه [أنه] عالم المدينة، الذي بشر به الرسول ﷺ، عبد الملك بن جر [يج] وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع، ونحو ذلك عن الأوزاعي.
وما تقدم هؤلاء الجلة [الكبار] الأئمة على هذا التأويل فيه إلا وقد تأكد [ت] فيه الأمور الموجبة لذلك.
قال حماد بن زيد لرجل جاءه في مسـ[ـألة] [] العلماء فقال له: يا أخي إن أردت السلامة لدينك فـ[ـعليك] بعالم المدينة [وسر] [إلى قوله] فإنه حجة، مالك إمام الناس.
[ ١ / ٣١٧ ]
وقال [ابن] المبارك: لو قيل لي [اختر] لأمة محمد ﷺ إماما [] الذي لا [] لرأيته مالكا لأنه [] ورأيت ذلك [] للأمة.
وقال: [الليث]: [علم مالك علم نقي، مالك] أمان لمن أخذ [عنه] [من] الأنام.
وقال [رجل لسفيان بن عيينة]: يا أبا محمد، رجل أراد أن يسأل رجلا من أهل العلم، يكون له حجة بينه وبين الله، فقال سفيان: كان مالك ممن يجعله الرجل حجة بينه وبين الله، قيل له: قد مضى مالك [فـ]ـمن ترى، قال هيهات هيهات، ذهب الناس.
ولما أتى نعي مالك إلى ابن عيينة، قال: فوجدناه مكتئبا، فذكر نفي مالك، ثم قال: والله ما خلف على وجه الأرض مثله.
قال أحمد بن حنبل: رحمة الله على مالك، مالك إمام، يسكن إلى حديثه وإلى فتياه، وحقيق أن يسكن إليه، ومالك عندنا حجة، لأنه شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده.
[ ١ / ٣١٨ ]
قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا – ممن كتبت عنه علم رسول الله ﷺ – [أثبت] في نفسي من مالك، ولا أشد إعظاما لحديث رسول الله ﷺ من مالك، ولا أشح على دينه من مالك، ولو قيل لي: اختر للأمة إماما، لاخترت لهم مالكا.
قال ابن عجلان: مالك مفتي حرم رسول الله ﷺ.
قال إبراهيم بن عبد الجبار الدقاق: الثابت مما رويناه في كتاب علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: مالك أثبت القوم.
قال زيد بن [عبيد] قال يحيى بن سعيد [القطان]: مالك رحمة لهذه الأمة.
[قال ابن ابي حازم للدراوردي]: أسألك برب هذه الثنية، هل رأيت [أجل] من مالك بن أنس؟ قال: اللهم لا.
قال سفيان: قال عبيد الله بن عمرو: [نعم الخلـ]ـف للناس مالك.
قال أبو قدامة: مالك أحفظ أهل زمانه.
[قال ابن] مهدي: ما رأيت أثبت عقلا من مالك، وكان يميل إلى مالك دون [غيره].
[ ١ / ٣١٩ ]
قال الليث بن سعد: والله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي من [مالك] [قال]: وأحسبه قال:: اللهم زد من عمري في عمره، وقال: [] على الدين.
وقيل لابن المبارك: من ترتضيه من الفقهاء [للناس]، قال: رحمة الله على مالك، مالك قليل الجرأة، متبع للآثار والسنن، شحيح على دينه، تعرف في كلامه الإرادة.
قال ابن عيينة لابن المبارك: إن بالمدينة من بورك له في علمه، يعني مالكا.
قال عبد العزيز بن محمد: ما أدركت أحدا من علماء الحجاز إلا وهو معظم لمالك ابن أنس، لا تجمع أمة محمد [ﷺ] فيه إلا على هدى.
قال عبد الـ[] بن عبد الوارث، قل ما رأيت من يتقلد الفتيا مثل مالك، مالك من العـ[ـلم] بمكان، مالك يعرف بالفضل، وكان الليث وابن لهيعة لا يعدلان بمـ[ـالك] أحدا في دهره، أو قال في عصره.
قال ابن إسحاق: مالك مالك لنفسه.
قال ابو إسحاق الفزاري، مالك بن أنس حجة، مالك بن أنس رضا، مالك كثير الاتباع، مذهبه الآثار.
قال عبد الرحمن بن عبد العزيز العمري: قال مـ[ـالك]: ربما وردت علي المسألة،
[ ١ / ٣٢٠ ]
فتمنعني من الطعام والنوم، فقلت: ولم [يا أبا عبد الله]، فوالله ما كلامك عند الناس، إلا كنقش في حجر، فقال لي: فمن أحق بمـ[ـن] يكون هكذا ممن يكون هكذا.
قال ابن الدراوردي: رأيت في المنام ـ، كـ[ـأن] قائلا يقول لي: لو سئل مالك عن ما هو في الدقة مثل الشعر، وفي الثبـ[ـات] مثل الصخر، لم يلز موفقا، ما كان يقول الكلام الذي كان يقـ[ـول].
وكان إذا سئل مالك، فأول ما يجيب، أن يقول: ما شاء الله.
وهـ[ـذا] يكثر علينا ذكره، ويطول به الكتاب.
وأما الرؤيا فيه، بما يثبت ما تأولوه فيه من الحديث، فقد رأي ابن عيينة، كأن النبي ﷺ، اعطي خاتمه مالكا.
ورأي غيره من أفاضل الناس أن النبي عليه الـ[ـسلام] أعطاه مسكا، وأمره أن يقسمه بين الناس.
ورأي ابن رمح النبي عليه [السلام]، قال: فقلت: يارسول الله، مالك والليث
[ ١ / ٣٢١ ]
يختلفان علينا، فقال لي علـ[ـيه] السلام: مالك، مالك ورث جدي.
فهذا يشبه ما روى فيه أنه عـ[ـالم] المدينة، ويكثر علينا تقصي مثل هذا، من الاتفاق علي فضله، وسعة [علمه] وفهمه وعقله وفقهه، وحفظه، وسلامته من الريب، وكمال الأمـ[ـور] التي قل ما تكمل في غيره.
ومن انتهي من الإمامة إلى هذه النهاية التي ذكر [نا]، عند التابعين وتابعيهم وأئمة الناس وخيارهم وارتفع [قدره في] العلم و[الدين] على ألسنة الأخيار لم يجز أن ينطق فيه [رجل] [ذو] دين وعقل بتقصير قدره في العلم وخفض مرتبته فيه.
فلئن رفع قدره هؤلاء الأخيار في العلم، وائتموا به، وانتهوا في وصفه إلى النهاية في الفقه والحديث، وهو بحيث وصفه أهل الحمية من التقصير فلقد أزرى بهم ونقص مراتبهم أجمعين، ورج شهادتهم، وقصر بهم في علمهم وبصائرهم.
وهذا - وإن اكن كمن أدخل الشك في العيان واستراب في صريح البيان – فإنما ذكرنا شيئا منه، لما كشف هذا الرجل من ستر نفسه من قوله: تعرفوا أقدار القوم في العلم ومبلغهم منه؛ يعني مالكا.
وحسب ذلك من منطقه أن يذكر وينشر، وتكذيب رجل فيما يدفعه الخاصة ويستعظمه العامة ويبطله العيان تكلف ما قد كفيناه.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وهؤلاء الأئمة قد شهدوا في مالك بما علموه من نهاية العلم وسعته وصحة رويته وحسن استنباطه، وتمامه في الفقه والحديث، وهم بحيث هم من الإمامة والديانة، وقد شهدت أنت فيه بتقصير العلم، فضح نفسك معهم بموضع استحقاقك من قبول القول يعذر ذلك عليك وييسر، والله المستعان.
فصل آخر
قال أبو محمد عبد الله [بن أبي] زيد: ورأيت هذا الرجل يؤثر في التعريف بذكر مالك أن يقول: [قال الحـ]ـجازي، فلعمري إن مالكا والشافعي لحجازيان، إلا أنه يذكر الشافعي [بما أشـ]ـتهر به من التعريف، فيقول: قال الشافعي.
والأغلب مما يذكر العلماء به مالكا اسمه أو كنيته، وليس التعريف بالبلدان آثر في العلماء [و] غيرهم من [الأسماء]، وما لإيثار ذلك دون اسمه وما عرف به مدخل في التشريف، والله أعلم بخابئة قلبه فيما أراد بذلك فيجازيه به.
ولو أخذ [في] طريق تشريفه بذكر البلد لسماه من ذلك بما تأول ابن عيينة وابن جريج [وابـ]ـن مهدي وغيرهم أن رسول الله ﷺ سماه به، فقال: عالم المدينة، ليس [على ظهر] الدنيا أعلم منه، يضرب الناس إليه آباط الإبل كما تقدم [ذكرناه] إياه.
فلو قال: عالم المدينة أو عالم أهل المدينة، كما كان يقول وكيع والأوزاعي وحماد وغيرهم، لكان قد سلك مسلك الناصحين لله ورسوله في تشريف أئمة دينه.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وإن كان هذا الرجل نفث بضغن ونطق بتسفيه للقول وغمص على القائل فالله مجازيه بنيته، أسأل الله ألا يجعل في صدورنا غلا لأئمة المسلمين، ولا لإخواننا المؤمنين المتقدمين والمتأخرين.
ورأيت هذا الرجل فيما يذكر يترامي ترامي من لا يشفق من زلل، ولا تعترض عليه شبهة [ولا يعتـ]ـقد إلا أن معه النص المحكم الذي رده معاندة ومخالفة [فشأنه] إن أعاب قولا أطنب، وإن ذكر مخالفه أسهب، ولو نظر بعين [] سليم من الحمية لأشفق أن يكون من وراء نظره من الأئمة [وقوله ذو] نظر حديد وقول شديد ممن لا شك أنه أنفذ بصيرة وأوسع علما وأبين تأويلا وأهدى طريقا وأقل تكلفا، وقد قال بعض من تقدم.
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم.
[ ١ / ٣٢٤ ]
باب مسألة الرضاع بعد الحولين
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: بدأ هذا الرجل فيما أنكر على مالك بمسألة الرضاع بعد الحولين وأنكر رواية ابن القاسم عن مالك أنه يحرم [ما] قارب الحولين، كالشهر والشهرين.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [قال: فـ]ـلا غاية بعد المأمور به تجيز التحديد إلا بنص، [و] [قول] مالك [هذا الذي
[ ١ / ٣٢٥ ]
جاء] الكتاب بخلافه والـ[ـسنة] يدل على إغفال مالك، والأمة مباينة [] إلى ما هـ[] إلى هـ[] هذه الآية [] كأنه يرى أنها أبين منـ[] فيما ظهر له والله المستعان.
فيقال له [لما قال الله] سبحانه: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ دل أن من لم يرد أن يتمها أن الحد له دون لك إذا شاء، فجعل ذلك مصروفا إلى اجتهاد ابوي الولد؛ بقدر ما يريان من احتماله والنظر بالمصلحة له، بقوله: ﴿فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فخرج هذا التحديد أن يشبه بما وقع فيه التحديد من صوم الظهار وعدد النساء ونحو ذلك، مما لم يجعل فيه لأحد نظرا باجتهاد، تارة ينقص وتارة يزيد.
هذا وقد أبيح للأبوين الزيادة على الحولين كما أبيح لهما النقصان؛ على ما ذكرنا من قول الله سبحانه ﴿فإن ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فقد جعل سبحانه الفصال حدا وإن كان قبل الحولين، كما ذكر من تحديد الحولين.
أرأيت إن فصلته أمه عن الثدي قبل الحولين تريد به تمام الفصال، ثم بدا لها فأرضعته في الوقت أو بعد ساعة أو ساعتين؛ أو أرضعته حينئذ أجنبية؟
[ ١ / ٣٢٦ ]
[فإن قلت]: لا يحرم، أحلت وانفردت، حتى يتبين الفصال أو يقو [ي، وإن قلـ]ـت: بل يحرم إذا كان بالقرب، هكذا صرت إلى الزيادة على ما حد الله من الفصال بالاجتهاد، وذلك لما ظهر أن هذا التحديد ان مخرجه اجتهاد الأبوين، والفصال حد، والحولين حد، ولا فرق بين الزيادة بالاجتهاد عليهما مما قاربهما.
فإن قلت: فلم وقع منك الاجتهاد بزيادة شهر أو شهرين على الحولين؟ قلت: لغير وجه، منها أنه لما كان للأبوين النقصان من الحولين بالاجتهاد، فكذلك يزاد عليهما بالاجتهاد، ولا يصلح أن تكثر الزيادة شهورا كثيرة، فيصير الأغلب من قوام بدنه، الطعام دون اللبن، كما زيد على الفصال بالاجتهاد، وقد قال النبي ﵇: فإنما الرضاعة من المجاعة.
ومنها وجه آخر على رواية عبد الملك عن مالك، فإنه روى عنه أن زيادة قدر الشهر ونحوه يحرم، فوجه ذلك أنه لما قال الله تعالى: ﴿كاملين﴾ دل أنه يقع عليهما اسم حولين وهما ناقصان، فاحتمل قوله: ﴿كاملين﴾ كمال الشهور على أكمل الأعداد، ووجدنا الأمة تسمي شهرا تاما إذا كان ثلاثين يوما، وتسميه ناقصا إذا كان تسعا وعشرين فما يبعد ان يكون للسنة في الرضاع اسم الكمال أتم الأعداد،
[ ١ / ٣٢٧ ]
ووجدنا السنة الشمسية تزيد على القمرية أحد عشر يومًا، فذلك في الحولين نيف وعشرون يومًا، وهذا نحو شهر، وكذلك روى عبد الملك عن مالك زيادة الشهر ونحوه يحرم، لاحتمال هذا التأويل والله أعلم.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك زيادة الأيام اليسيرة.
وإذا ساغ الاحتمال فيه فلا يبعد أن يحتاج فيه بأبعد الاحتمالات؛ لأن دفع الشبهة بالتحريم أولى من إباحة التحليل مع احتمال غيره؛ لأن من ترك سلم بيقين، ومن واقع مع الشك لم يأمن، والتحيم آكد في الأصول من التحليل فيما جرى فيه تحريم.
ألا ترى أن الله سبحانه حرم ما نكح الآباء والأبناء، فحرمنا بأقل ما لزم اسم نكاح، وهو العقـ[ـد]؛ وإن لم يقع الوقاع، وأحل المبتوتة بعد أن تنكح زوجا غيـ[ـره]، فأبان الرسول ﵇ ألا تتم هذه الإباحة إلا بالأ [كمل] وهو العقد والوطء.
هذا وقد اختلف في ذكر الله سبحانه للحو [لين]، فقال القائلون [بالتحريم]
[ ١ / ٣٢٨ ]
برضاعة الكبير، هذا من باب التعـ[] الـ[] بمراتب [] في رضاعة الكبير، إنما الرضاعة [من المجاعة] [وعن علي]: لا رضاع بعد فصال.
واحتجوا برضاعة [سالم] مولى أبي حذيفة: ودفعناهم بالرواية أن ذلك خاص في سالم، وبغير ذلك، فكيف جاز لك أيها الرجل أن تقول: إن الأمة مباينة لقول مالك؟
[ ١ / ٣٢٩ ]
هذا وكثير منهم يقول بأكثر من ذلك، منهم من يقول حولين شهرين، ومنهم من يزيد على الشهرين، والنعمان يقول حولين ونصفا، وغير واحد من الناس يقولون برضاعة الكبير، فادعيت أن الأمة مباينة لمالك فيما زاد على الحولين؟ وفي ذلك من الاختلاف ما لا يخفى على أكثر من يطلب العلم، وقالت عائشة في رضاع الكبير ما قالت، وخالفها سائر أزواج النبي ﷺ، وقلن: إن ذلك كان خاصا في سالم وحده.
وكيف أنكرت على مالك أن احتاط بالتحريم بباب من التأويل، له به شاهد في الأصول والاعتبار؟ ولم تنكر على الشافعي إذ أحل وأباح باستكراه من التأويل بعيد
[ ١ / ٣٣٠ ]
من الظاهر والاعتبار، واستعمل لذلك حديث خمس رضعات، ونحن ومن تعلقت بمذهبه غير قائلين به، لأنه منسوب إلى القرآن، والقرآن غير مختلف فيه.
ثم تأول الشافعي الرضعات، فلم يجعلها بالاحتياط مصات وجرعات، وجعلها أوقاتا فسيحة وأزمنة متراخية، فقال: ما دام الصبي في حجر أمه يرضع ويزيل فيه الثدي ويعاودها [و] لو أقام من اول النهار إلى نصفه فهي رضعة واحدة، ثم يفعل مثل ذلك في يوم ثان وثالث ورابع، ثم لا يحرم ذلك شيئا، ولا تكون التي أرضعته له بذلك أما، ولا هو لها ابنا، وتحل له بنكاح، ولا روى هذا عن سلف، وهذا كله غير قولك، ثم لم تنكره كما أنكرت على مالك.
[] فما كان أولى بك أيها الرجل في الـ[]ـد المستكره لهذا، أم ما أخذته على مالك من ما قصد به قصد الا [جتهاد] في حماية المحارم دون إباحتها، وتأويل الشافعي على بعده في إباحتها، دون الاحتياط بالتوقف عنها.
والكلام في علل حديث خمس رضعات واضطرابه كثير، لم نقصد إليه، إذ لا تخالفنا أنت فيه، وتركت أن تنكر قول مالك في التحريم بالمصة، وصاحبك لا يحرم إلا بثلاث مصات، كأنك تقدر أن ما ذكرت أقوى في نكير ما أنكرت، وما من ذلك شي يتم لك فيه النكير على تقديرك بحمد الله.
والقائل: إنه لا يحرم إلا ثلاث، لا يرجع بهذا التقدير إلى نص، وحديث ابن الزبير ليس فيه إلا الثلاث تحرم، وللشافعي أن يقول لك: إذا كان قليله لا يحرم فذلك لا يحرم حتى ينتهي إلى الخمس، ويقول: لعل ذلك حين كان رضاع العشر، وقد نسخ
[ ١ / ٣٣١ ]
[] فما كان أولى بك أيها الرجل في الـ[]ـد المستكره لهذا، أم ما أخذته على مالك من ما قصد به قصد الا [جتهاد] في حماية المحارم دون إباحتها، وتأويل الشافعي على بعده في إباحتها، دون الاحتياط بالتوقف عنها.
والكلام في علل حديث خمس رضعات واضطرابه كثير، لم نقصد إليه، إذ لا تخالفنا أنت فيه، وتركت أن تنكر قول مالك في التحريم بالمصة، وصاحبك لا يحرم إلا بثلاث مصات، كأنك تقدر أن ما ذكرت أقوى في نكير ما أنكرت، وما من ذلك شيء يتم لك فيه النكير على تفديرك بحمد لله.
والقائل: إنه لا يحرم إلا ثلاث؛ لا يرجع بهذا التقدير إلى نص، وحديث ابن الزبير ليس فيه إلا الثلاث تحرم، وللشافعي أن يقول لك: إذا كان قليله لا يحرم فذلك لا يحرم حتى ينتهي إلى الخمس، ويقول: لعل ذلك حين كان رضاع العشر، وقد نسخ
[ ١ / ٣٣٢ ]
ذلك، ويقول: في ذلك جواب عن مسألة، ليس على الاقتصار على ما ذكر، أو سؤال للكبير في رضاعته.
وبعد ذلك، فلنا ما ندفع ذلك كله، وذلك أن ابن الزبير لم يسمع ذلك من رسول الله ﷺ، وإنما رواه عن عائشة عن النبي ﵇، وإن كان قد روى عن ابن الزبير عن رسول الله ﷺ في بعض الروايات، فقد روينا مبينا أنه عن عائشة رواه، وبعض الصحابة روى عن بعض، و[بعيد] أن يقول: قال رسول الله، [سيما] ابن الزبير في صغره.
[ ١ / ٣٣٣ ]
نا الحسن بن بدر قال: نا [النسائي] قال: أنا زياد بن أيوب عن ابن [علية] عن أيوب عن ابن أبي مليكة [عن عبد الله] قال النبي ﵇: لا تحرم المصة ولا المصتان.
ونا محمد بن عثمان الأندلسي، عن محمد بن الجهم المالكي قال: نا [إبراهيم الحربي نا محمد بن عبد الملك]، قال [نا عبد الرزاق] [قال: نا ابن جريج قال] نا هشام [بن عروة عن عروة] عن عبد الله بن الزبير عن عائشة مثله.
فدل أن مدار الأمر كله على عائشة، وهذا هو مستخرج مما عندنا من خبر " خمس رضعات" وذلك قد جامعنا مخالفنا على تركه، [ولغير] علة، قال أهل الحديث: ومن رواه عن ابن أبي مليكة عن أبي هريرة فهو غلط، وأصحا ابن أبي مليكة كلهم
[ ١ / ٣٣٤ ]
يرويه عنه عن ابن الزبير عن عائشة، فمداره عليها على ما عندها من الخمس، والله أعلم.
وقد روي من طريق أم الفصل ابنة الزبير، وذلك على ما عندهم منه عن عائشة والله أعلم. وقد روى ابن وهب في كتابه عن ام الفضل خلاف ذلك: أنه يحرم المصة والمصتان.
وروى ابن الزبير عن عائشة لا يحرم إلا سبع، نا الحسن بن بدر قال: نا النسائي قال: نا يزيد بن سنان قال: نا معاذ بن هشام، قال: نا أبي عن قتادة عن أبي الخليل عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: إنما يحرم من الرضاعة سبع مرات، وهذا مما يدل على تضعيف حديث المصتين.
[ ١ / ٣٣٥ ]
فلما كثر من هذا الاضطراب ما ذكرنا؛ واحتمل ما تعلق به كل فريق؛ كان التمسك بظاهر القرآن أولى وأقرب إلى الاحتياط، حتى يأتي ما لا شك فيه ولا معارض له.
فأبقينا عن عموم القرآن بقليل الرضاع وكثيره لقوله سبحانه: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ وأجمعوا أن المصة الواحدة رضاع، وبظاهر قول النبي ﵇: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقال لعائشة في أفلح: (إنه عمك فليلج عليك)، وهذا رضاع قديم ولا توقيت فيه.
وكذلك قوله ﵇ في ابنة حمزة: إنها ابنة أخي من الرضاعة، ولا توقيت في شيء منه.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا أبو عمران موسى بن الحسن قال: نا مسلم بن إبراهيم قال: نا همام بن يحيى قال: نا قتادة، عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي ﵇ ذكرت له ابنة حمزة، فقال النبي ﵇: (لا تحل لي، فإن حمزة أخي من الرضاعة).
[ ١ / ٣٣٦ ]
وأمر في سالم فقال: (أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة).
وهو –وإن كان عندنا خاصا فيه– لم يرتفع فيه، واجب توقيتة الرضعات، فلم يأمر فيه ﵇ بتوقيت في حديث عائشة، وهذا كله دلائل تكشف قوة ما ذهب إليه مالك من التحريم بقليل الرضاع.
وقد روينا في كتاب البخاري أن عقبة بن الحارث الليثي قال للنبي ﵇، وقد تزوج امرأة فقال له: إن امرأة قالت إنها أرضعتنا وهي كاذبة فقال له ﵇: كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك.
وهذا من أدل دليل على أنه لا توقيت في الرضاع حين أمر به في التوقي، فكيف لو ثبت ذلك ببينة تامة، ولو كان لا يحرم بقليله لم يأمر فيه بتوقي ذلك، وهو لو ثبت لم يحرم عنده، وهذا كله يدل على ما ذهب إليه مالك مع ظاهر الكتاب وما هو أقرب إلى الاحتياط، والله أعلم، وإياه نسأل التوفيق.
[ ١ / ٣٣٧ ]
باب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشد
قال عبد الله بن أبي زيد: وأنكر هذا الرجل على مالك في هذه المسألة في البكر التي تولي: أنها لا يجوز قضاؤها في مالها، حتى تبلغ، وتنكح ويدخل بها ويؤنس منها الرشد مع ذلك.
وتلا قول الله تبارك اسمه: [﴿ولا توتوا] السفهاء أموالكم﴾ إلى قوله: ﴿وابتلوا [اليتامى] حتى إذا بلغوا النكاح فإن انستم [منهم] رشدا فادفعوا إليهم [أموالهم]﴾ [] غيرهم.
ثم قال: وقال الحجازي في ذلك قولا مخالفا لظاهر الكتاب، أن الإناث في ذلك تخالف الذكور، وألا يدفع إليهن - وإن بلغن وأنس منهن الرشد - حتى ينكحن
[ ١ / ٣٣٨ ]
ويدخل بهن أزواجهن، ولو عنست وصارت عجوزا لم تقبضه، ولم تحكم فيه ببيع ولا هبة ولا صدقة ولا معروف، كانت في ولاية أبيها أو وصيها.
وهذا الرجل لم ير معنى قول مالك، إذ عبر عنه بغير معناه، لأنه قدر أن مالكا إنما فرق بين الذكور والإناث أن هذه أنثى وهذا ذكر.
والعلة عند مالك الرشد في الذكر والأنثى، إلا أن رشاد الأنثى لا يوصل إلى تمام اختباره إلا ببروز وجهها واستمكان الاختبار لها.
والمعنى عند مالك في قول الله سبحانه ﴿فإن انستم منهم رشدا﴾ بعد ذكر الله سبحانه بلوغهم النكاح فإناس الرشد هو أن يحس ذلك منهم، بالاختبار في صلاح الحال وحسن النظر في المال.
أنا أحمد بن إبراهيم عن القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال: نا محمد بن عبيد قال: نا محمد بن نور، عن معمر، عن الحسن وقتادة ﴿وابتلوا اليتامى﴾ قالا: اختبروا اليتامي، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.
نا أبو الوليد، قال نا شريك، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فإن انستم منهم رشدًا﴾ قال: اليتيم يدفع إليه ماله إذا أدرك بحلم وعقل ووقار.
[ ١ / ٣٣٩ ]
نا هدبة قال: نا مبارك عن الحسن ﴿فإن أنستم منهم رشدا﴾ قال: رشدا في دينهم وإصلاحا في أموالهم.
نا علي بن عبد الله قال: نا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، عن ابن عباس فيما كتب إلى نجدة في اليتيم متى ينقضي يتمه؟ قال: إذا كان يأخذ لنفسه من صالح، ما يأخذ الناس، ويعطي منها من صالح ما يعطي [الناس فقـ]ـد ذهب [عنه اليـ]ـتم.
قال عبد الله: ولما كان منعهم من المال صيانة له، لم يبح لهم إلا بحال يؤمن معها على المال المصون بالحجر، ولا يكن ذلك إلا بالاختبار كما ذكرنا عن ابن عباس والحسن وغيرهما، فلا يقع الاختبار إلا بكون المخالطة والمداخلة، وما يتكرر من ذلك، حتى ينتهي إلى يقينه.
فلما كان الذكور يتصرفون وينتهون بالمخالطة للناس والتصرف معهم ومراعاة الأمور، إلى ما يبلغون به فهم المضار في المال، والمنافع واسابب التطلب والاحتيال في حفظه وتثميره، وفهم ما يجر إلى نقصه وفساده، كان الرشاد لذلك منهم معلوما، يدركه
[ ١ / ٣٤٠ ]
من يكثر مخالطتهم واختباره لهم في الأمور التي تتكرر، والشهادة بذلك ممكنة غير مظنونة.
ثم رأينا العذراء في خدرها لا تصل من التصرف ومخالطة الناس ومعاينة الأسباب، ما تبلغ به من إدراك الأمور ما يبلغه الذكر البارز المتصرف، والحجاب الذي فيه لا تبلغ ذلك معه، ولا يبلغ منها أحد حقيقة اختبارها وحسن النظر والأسباب الدالة على صلاح المال الذي كان الحجر لصيانته.
فتربصنا بها إلى ظهر وجهها بالنكاح والبناء، لتصل هي ويوصل منها إلى منال أسباب الرشد المشترطة، ويسلك فيها الاختبار ببروز الوجه أكثر من ذ [ات الخدر] في سترها، ولا خـ[ـلاف] في [الرشد] بين الذكر [والأنثى]، لأن الرشد [منهما] [شرط]، و[لا] يؤنس إلا [] لهما [بالظهور] الذي هو سـ[ـبب] [] ويسكن منهما [] جلية من [] الحمية إن شاء الله.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقد فرق النبي ﵇ بين الأنثى البكر في سترها وبين الثيب التي برزت، فجعل إذن التي في الستر في النكاح صماتها، وإذن الثيب كلامها مثل الذكر، فقرن التي برزت بحكم الذكر في الدفع عن نفسها والعقد بلفظها، وجعل التي في الستر ينعقد عليها الأمر بصماتها.
وهذا ونحن نقول ونستدل: أن الأب يزوجها وإن لم يشاورها، لأنه في رواية سفيان: البكر اليتيمة تستأمر في نفسها.
وهذا كله دليل أن التي في الستر لا تمكن هي من أورها، ولا يتمكن هي منها، حتى عذرت في هذا الستر والتخفر بالصمت، فجعل منها كالنطق، ولا يشك أحد أنها غير عاجزة عن الكلام، فعذرت فيه وصارت كالعاجزة عنه لغلبة الحياء عليها، فهي في غير ذلك أعذر، وعن ما هو فوق ذلك من معاناة الأمور أعجز.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وإذا كان الستر موجبًا للتخفر ورفع الانبساط وترك الكلام، كيف تصل هي أو يوصل منها مع قيام هذه الحال، إلى ما لا ينال إلا بالتبسط والظهور وضد هذه الحال، فتدرك هي بالحال الثانية، ما لم تكن تدركه، ويدرك منها مثل ذلك؟ وما وراء هذا إلا المكابرة.
وهذا قد قاله أئمة أهل المدينة والاعتبار والشواهد تدل عليه، وقاله عمر بن عبد العزيز وأبو الزناد وعطاء ومجاهد، وربيعة وغيرهم، وهذا مشهور من قول التابعين بالمدينة، وقاله الشعبي وغيره من الكوفيين.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، قال: نا ابي قال: نا موسى بن هارون قال نا يحيى عن قيس، عن جابر، عن عامر الشعبي قال لا يدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج، وإن قرأت التوراة والإنجيل والزبور.
قال عبد الله: وأما قوله عن مالك، إنها وإن عنست فصارت عجوزا فلا يجوز صنيعها، فالمشهور من قوله وقول أصحابه، أنها إذا بلغت التعنيس وهي بكر جاز فعلها إن كانت مرشدة في الحال والمال، كانت في ولاية أب
[ ١ / ٣٤٣ ]
أو وصي، هذه رواية أشهب وابن عبد الحكم وعبد الرحيم بن خالد ومطرف بن عبد الله وغيرهم عن مالك، حتى قال في رواية ابن عبد الحكم وغيره،: لا يزوجها حينئذ الأب إلا برضاها، وهو قول كثير من أصحابه وأصحاب أصحابه، غير أنهم اختلفوا في مقدار سنها في التعنيس.
وروى ابن القاسم: لا يجوز صنيعها وإن عنست عند أبيها، وروى ابن القاسم في رواية أخرى أنها إذا بلغت أعلى التعنيس وهي رشيدة جاز فعلها.
فيمكن أن معنى روايته الأولى أن تكون في ألو سن التعنيس، لاختلافهم في مقداره، وهذا سائغ في طلب غاية الأمر فيها.
وهذا الرجل لا يدري أقاويل مالك وراياته وأقاويل أصحابه، فإن كان وقع على شيء حكى له فمن ذلك أتى، وإن كان رأي ما في المدونة فقد ترك أن يحكي الرواية الأخرى فيها عن مالك، وهذه خيانة، وغاب عنه ما في غيرها من أقاويلهم.
فإن قال: فما الفرق بين التي عنست وغيرها؟
قيل له: لما طال بها الزمان كان في ذلك ما يقوم لها وفيها مقام الظهور، ولا يشك أحد أنها بالتعنيس أقرب إلى إدراك الأمور وتمييزها، ويؤذن ذلك ويؤدي منها إلى نحو
[ ١ / ٣٤٤ ]
ما يتأدى بالظهور في صغر سنـ[ـها] وذلك أمر صرفه الله ﷿ إلى اجتهادنا بقوله: ﴿انستم منهم رشدا﴾، فنبه أن نجتـ[ـهد] في إدراك الأحوال الموجبة لهذا الرشد منـ[ـهم] وصولنا إلى إدراك ذلك منهم بغير [شيء] كما أصرف إلينا أمر العدل، فلا ندركه إلا بالمخالطة والمداخلة وكثرة الاختبار وتأكد الأحوال الموجبة لهذا الاسم، وكذلك الرشد.
ولا يخفي على أحد أن ذات الخدر لا تبلغ من علم التصرف في المال، وعلم الضرر فيه والنفع من نماء ونقص، في السن الذي يبلغه فيه الذكر البارز المتصرف، هذا مع الأغلب ما في النساء الحياء والتحفز، وأنهن بالجملة أقل حيلة ونظرا، فإنما طالب مالك أحوال الرشد من الذكر أو من الأنثى حيث يتم وينتهي وما فرق بين ذكر ولا أنثى كما ظن هذا الرجل.
وأما قولك: لو قال قائل يدفع إلى الأنثى البكر إذا رشدت ولا يدفع إلى الذكور حتى يتزوجوا ويولد لهم.
فهذا من حجتك يبلغ إلى وجهين من الخطا، أحدهما: أنك أجزت أن يقول قائل خلاف الإجماع، وهذا لا يجوز، فأوهمت أن هذا جائز لقائل أن يتأوله فيقوله.
فإن كان لا يجوز أن يقوله أحد فقد سقط عليه الجواب وارتفعت فيه المعارضة، إلا أن يعني أن ما قال مالك كمثل هذا وخلاف الإجماع، وهذا إن قلته أكذبك، الاختلاف الفاشي والدلائل والشواهد، ولو كان مثل هذا ما جازت مناظرة قائله، وكان حكمه غير حكم المناظرة، وهذا تنطع في السؤال وما لا يجوز على كل وجه، وقد دللناك على علـ[ـة] الفرق بين الذكر والأنثى فيما افترقا فيه.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وأما الوجه الثاني مـ[ـن] الخطأ: أنك عبرت بهذه العبارة أن الرشد عند مالك يقع بالنكاح [لا] بإصلاح الحال والمال، بقولك: لو قال قائل: حـ[ـتى] يتزوج الذكور ويولد لهم، ولم تذكر الرشد فيهم مع ذكر النكاح والـ[ـولادة لهم] [] [] بلوغ النكاح والرشد، فلا تزول الولاية إلا بهما، و[قال ما] لك: إنهما إذا بلغا حد النكاح وهو البلوغ؛ أمرنا باختبارهما في رشد الحال.
فالذكر تأكد فيه وله وجه التصرف منه والاختبار متى نكح أو لم ينكح، والجارية لا تبلغ ذلك من نفسها ولا نبلغ نحن نهاية الخبرة فيها حتى يبرز وجهها، ولا بروز لها إلا بالنكاح، فلم يطالب مالك حلولها في النكاح، لأنه خصها بذلك دون الذكر، ولكن لأن به إمكان إدراكها للأمور، وإدراك الاختبار منا لها ببروز وجهها، أو يطول زمانها في سترها إلى التعنيس، وهذا بين ظاهر ولله الحمد.
وقد قال الشافعي بشيء يقرب بعضه من قولنا: إن أمر الذكور في الاختبار مختلف في إدراك الشهادة على رشادهم فمنهم من تكثر مخالطته للناس في الشراء والبيع قبل البلوغ وبعده، ومنهم من لا يخالطهم بالمبايعة، فيكون اختباره أبعد. ثم اختبار المرأة في صلاح أمرها أبعد لقلـ[ـة] مخالطتها للناس.
[ ١ / ٣٤٦ ]
فقد نحا الشافعي إلى تحو ما قلنا، إلا أنه قال: يختبر بالنساء وتجوز شهادتهن أو شاهد ويمين، والذي قال مالك أبين وأوضح، وهذا أمر يؤدي إلى غير شيء، وهي لا تصل ولا يوصل منها إلى ما يوجب حقيقة ذلك على ما بينا.
وأما احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فإن طبن لكن عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ فهذه غفلة غامرة، لأنك تخصص هذه الآية بآية الرشد، فنقول: فإن طبن به نفسا فلا يجوز ذلك حتى نأنس منهن رشدا، فإذا كان الرشد اول ذلك ففي إدراك الرشد اختلفنا ودللناك [انه] لا يتم من البكر، ويتأخر حتى تبرز [فتختبر] [] قلنا بالرشد [] و[ضعت هذه الآية] في غير موضعـ[ـها] فكأنك قلت: فإن [] حال [] قلت إن البكر رشيدة في حال لا يصل معها إلى الأحوال الموجبة للرشاد، ولو تاملت هذا وشبهه أمسكت عن كثير من قولك، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٤٧ ]
باب إقرار المريض لوارثه بدين
قال عبد الله: قال هذا الرجل/ إذا أقر المرض لبعض ورثته بدين وجب له ذلك دونهم، قل الدين أو كثر، كان عليه دين لغيره في الصحة ببينة أو لم يكن، وأنكر قول مالك: إن إقراره بدين لوارثه لا يجوز.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ قال: وهذا كإقراره للأجنبي، فلما لزم إقراره للأجنبي لزم إقراره للورارث هذا معنى كلامه.
وهذا كلام من لم يطالب في الكلام حقائق المعاني.
فأول دليل على رد قوله قول الله تعالى ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ فلما كان الوارث الذي سمى الله ﷿ له ميراثه، لا يجوز أن يتسبب إلى الزيادة فيه بوصية ولا غيرها، لأن الله سبحانه شرط فيما ذكر من الوصية والدين أن يكون الميت
[ ١ / ٣٤٨ ]
غير مضار، قال الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها او دين غير مضار﴾ فأخبر أن ما جرى من ذلك على الضرار غير مقبول، وهذا إنما يعلم بالأغلب من الدلائل والله أعلم.
وليس على أن الميت يعترف بأن ذلك منه ضرارا، هذا غير مشكل، ولكن ما جرى من ذلك مما تبين أنه فيه مضار بالدلائل، والأغلب من الأمور، والله أعلم.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر، قال: أنا أبي قال: نا علي بن عبد العزيز قال: نا أحمد بن يونس قال: [أنا زهير بن معاوية قال: نا] داود بن ابي هند قال: نا عكرمة عن ابن عباس كان يقول: الضرار في الوصية من الكبائر.
قال محمد بن المنذر: ونا زكرياء قال: نا محمد بن رافع قال: نا شبابة قال: نا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿غير مضار﴾ قال: في الميراث أهله.
فكل ما جرى من الضرار بأهل الميراث في إقرار أو وصية صرف ذلك إلى نفي الضرر.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ومن ذلك قول النبي ﷺ إن الله قد اعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، فجعلها - وإن كانت اسم وصية - زيادة في الميراث الذى سمى الله له، فأصرفها إلى المعنى المقصود.
ولو قال المريض: زيدوا وارثي في ميراثه، لم يشك أحد أن هذا باطل، فبين ﵇ أن الوصية له مثل ذلك، فكذلك كل ما صيره في مرضه، للوارث بمعنى غير الميراث، من وصية أو إقرار فهو أثرة له دلت السنة على منعه.
ونحن، فنقول بمعاني الأخبار وبعللها، وأنت لا تطالب العلل، وهذا أصل فرق بيننا وبينك في الفروع.
وكيف جاز في وهمك أن يمنع الرسول ﵇ الوارث من شيء، فتجيز له أنت أكثر منه في ذلك المعنى، الذي كان هو العلة في منعه لما منع.
[ ١ / ٣٥٠ ]
ولو كانت الأمور على ما ظننت من مطالبة الاسم دون المعاني، لكان إذا وهب لوارثه في مرضه أو تصدق عليه أن ذلك جائز.
وكذلك امرأة وهبت لزوجها في مرضها مالها أجمع، وتقول إنما منع النبي ﷺ الوصية وهذا هبة، وتحتج أيضا في الزوج بقول الله ﷿: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ فالهبة اسم، والوصية [اسم] وأنت [لا ترد اسما إلى آخر] عند الحكم ما ما وافقه في المعنى من الذكور، ولم يقع النهي إلا في الوصية.
فإن قلت: لما قال: إن الله قد أعطى كـ[ـل] ذي حق حقه، دل أن المعنى في ذلك منع الزيادة فيه بأي سبب أو لأ [حد]، ولا يعجز أحد أن يمنع من هبة أو وصية إلا جعلها إقرارا.
وكيف جا [ز] عندك أن تساوي بين إقراره في المرض لأجنبي ولوارث، والوصية لا تجوز لأحدهما، وهو الوارث، فكذلك الإقرار له، لأن العلة في وصيته له قائمة في الإقرار وهي التهمة بالزيادة في حقه.
ورد المعاني التي سكت عنها إلى معنى ما ذكر هو نفس ما نستدل نحن به من القياس، الذي فق بيننا وبينك وبين الماضين والباقين.
فإن قلت: لم جاز إقراره للوارث في الصحة جاز في المرض، ولا يجوز الوصية له في الصحة ولا في المرض.
[ ١ / ٣٥١ ]
قلت: إنما لم تجز الوصية له في الصحة، لأنه إنما قال: إذا مت فأعطوه كذا، فهو أمر لم ينفذه في الصحة، وهو من باب الزيادة في حق الوارث.
ولو كان كل ما جاز للوارث في الصحة جاز مثله في المرض، لكان تجوز له هبته في المرض كما يجوز في الصحة، فكما منعنا من هبته في المرض لتهمة الزيادة في الميراث، وإن أجرناها في الصحة لإنفاذها في وقت لا تقوم هذه التهمة فيه، كان كذلك يجوز إقراره، له في الصحة لدفع التهمة وتبطل في المرض لقيامها فيه.
وكذلك لو أقر لابنه بدين - وقد فلس - فإنا نبطله للتهمة فيه، وهو قول الشافعي، وإذا لم تكن تهمة جاز ذلك.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقد حمى الرسول ﵇ الزيادة في حق الوارث، بما منع من الوصية له، فقد طرقت إلى ما حماه عليه [الصلاة] والسلام طريقة هي أقوى وصولا إلى ما منعه منه بالوصية، فلا يعجز أن يسميه إقرارا أو هبة، إن أجزت [له الإقرار] أجزت الهبة وركبت ما [نهى عنه النبي] ﵇، وإن لم تجزها ناقضت.
وقد قال النبي ﵇: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، قد ﵇ أنه لا يفعل المرء شيئا ليس منصوصا فيما نهي عنه، إلا أنه ذريعة إليه أو فيه من العلة ما فيه، وأنه يلزمه تركه، وهذا مما يدل على مطالبة العلل، وفيه دليل على القياس والتشبيه والتمثيل للمذكور، فكذلك لا يجوز أن يفعل ما يؤدي إلى ما يشبه ما نهي عنه من الوصية من هبة او إقرار.
ولئن جاز هذا ليجوزن له أن يشتري من ابنه، دارا تساوي عشرة دنانير بألف دينار، وهذا ظاهره بيع، وقد أحل الله ﷿ البيع، فقد سهل السبيل إلى إباحة ما منع منه الرسول ﵇ بمثل هذا كثير.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ولو جاز هذا لجاز أن يصل إلى الوصية بأكثر من ثلثه بمعنى لا يجعله وصية، ولكن بيعا بمحاباة ضعفي الثلث، أو يتزوج امرأة بماله كله، وصداق مثلها ربع دينار، والنكاح في المرض عندك جائز.
وكذلك يصل إلى أن يورث ابنه ويمنع غرماءه - والدين محيط بماله - بأن يقر لابنه بأضعاف أضعاف ديونهم، حتى يصير إليه أكثر ماله، ولا يعجز الناس أن يغيروا الأشياء ويصلوا بذلك إلى المعاني التي منعوا منها.
واقتصارك على الأسماء دون المعاني [ناقص] عليك الأمر، وإن سلكت طريق السلف في [] لتهمة إيثاره فكذلك هو في المرض، لتهمة إيثاره، والشافـ[ـعي] يقول كقولنا: إن إقرار المفلس لا يجوز، لا له ولا لغيره.
[ ١ / ٣٥٤ ]
أرأيت لم منع الرسول ﵇ القاتل من الميراث لذلك، إلا للتهمة في تغيير ما أذن له فيه، ثم صار الباب بابا واحدا فيمن يتهم أولا يتهم، وكذلك جرت الأصول في منع الذرائع.
وكذلك النهي عن الجمع بين مفترق والتفريق بين مجتمع خشية الصدقة، فإذا فعله بقرب الحول اتهم، ولم يقبل منه أنه فعل ذلك لغير الفرارـ، ومن تأول أن ذلك النهي بعد وقوف الساعي للأخذ أحال، لأن ذلك لا تستقيم به خلطة، وإنما الخلطة خلطة تستقرـ، وهذا خارج من المعنى المذكور في الحديث، وقوله: خشية الصدقة إنما هو ما يخشى مما لم ينزل بعد، وهذا بين.
ولا تحمي هذه الأمور إلا بالمساوة فيما بين المتهم وغيره، كما فعل الصديق في رد ما وهب في صحته ميراثا، حين لم يقبض قبل مرضه، وهو المرء غير المتهم على أثرة بعض، ورثته، ولكن لا تتم الحماية إلا بما صنع.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وكذلك نهى النبي ﵇ عمر عن شراء الفرس الذي تصدق به وظاهره بيع [وجعله] رجوعا في الصدقة وهو بيع.
ويتعلق بحو هذه شهادة الـ[ـرجل] على عدوه وشبه ذلك، فهي باطل، وجعل ذلك بابا واحد [سواء] من يتهم أو من لايتهم.
وقد أجمعوا على رد شهادة الرجل على عدوه وإن كان مقبولا على غيره، وهذا مما ذكرنا.
وقولك هل الوصية إقرار والإقرار وصية [فإن كان] الإقرار وصية [فلا تجز الإقرار في صحة ولا مرض] لوارث.
فيقال لك: [ليس الإقرار وصية، ونحن] إنما جعلناه إقرارا [لوارثه عند
[ ١ / ٣٥٦ ]
عدم ما يبعد الظنة]، كما أجرنا الهبة الصحة لرفع ما يبطلها، وأبطلنا الإقرار عند موضع الظنة، كما تبطل الشهادة على عدوة بالظنة، وكما تبطل الهبة للوارث في المرض، وليست وصية.
فإن لم تجزها قيل لك مثل ما قلت: الهبة وصية أو غير وصية؟ فإن كانت وصية فلا تجزها للوارث في صحة ولا مرض، وإن كانت غير وصية فأجزها في المرض، فإن أجزتها للوارث في المرض قدت اصلك بهدم الأصول، وإنه ليلزمك أن تجيزهـ[ـبة] المريض لماله كله، لأن النبي ﵇ إنما منع سعدا من الوصية بأكـ[ـثر] من الثلث، والهبة غير الوصية، وأنت تطالب اللفظ دون المعنى.
ويلزمك أن تقول: إن قالت: كنت وهبت لابني في صحتي جميع مالي أنه يلزمه، إن لم تراع الحيازة التي راعاها الصديق، وجعل بقاءها إلى حين المرض تهمة يبطلها، وكذلك لو قال على أصلك: كنت [أعتقت] [جميع عبيدي أو] كنت تصدقت بجميع مالي.
وتكريرك لقولك: أرأيت الإقرار وصية؟ فإن كان وصية فلا يجوز في الصحة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فقد فرقنا لك بينهما ودللناك على موضع تساوي العلل واختلافها، فتأمـ[ـل].
ويلزمك من السؤال في محاباة البيع في المرض للوارث والهبة له مـ[ـثل] سؤالك هل ذلك وصية أو بيع أو هبة، وقد تقدم هذا.
أرأيت [نهي] النبي ﵇ أن يباع الدينار بالدينارين، إن طالبت الأ [لفاظ دون] المعاني إن قال [خذ هبة] مني هذا الدينار، وأعطني دينارين [] منه [] اللفظ [] إلى الزيا [دة] [] فرقت [] المعاني التي [] اللفظ [] [] الظن حجة.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ويقال لك: هل البيع [هبة أو ليس هبة] فإن قلت: لا، قيل لك: فأجز ما سمياه هبة ولا تحكم له بحكم البيع.
وإن قلت: وإن لم تكن الهبة بيعا حكمت لها بحكم ما ذكر معهما، للظنة في إحداهما [لـ]ـلهبة في غير موضعها، قيل لك فألا قلت ذلك في الإقرار؟ وإن لم يكن وصية، فهو في موضع لا وجه لصرف الإقرار فيه إلا إلى ما نهي عنه من الوصية، وقد دللناك على قوة أحكام التهم في الأصول.
وقد قال الشافعي في المختصر الكبير، إذا أقر المريض لغير وارث ثم صار وارثا بطل إقراره، ولو أقر لوارث فلم يمت حتى حدث وارث حجبه فإقراره جائز، وقال أيضا: لا يجوز إقرار المفلس لابنه ولا لغيره، وهذا نحو قول مالك.
وهذا مما ذكرنا: أن هذا الرجل سمي كتابه " كتاب البيان عن مسائل اختلف فيها مالك والشافعي، وهما متفقان في بعضها، وقد طالب الشافعي التهم في هذا وفي
[ ١ / ٣٥٩ ]
شهادة الابن والأب، وإن كان يأبى من ذلك في غيره من بيوع الآجال وغيرها، فما اوفقنا فيه حجة لنا عليه فيما [خالفنا] فيه من ذلك.
ورأيت من ينسب إلى صاحبك إجازة هبة [المريض لماله] كله، وما أعلم لهذا قائلا من سلف ولا خلف، [] اجتمع كل من يحفظ عنه العلم أن الهبة في المرض مثـ[ـل الوصية إنما تجوز في] الثلث.
وكذلك يلزم هذا الرجل ما ألزمناه من إجازة الهبة لوارثه، وكذلك يلزمه أن يخص عتق النبي ﵇ لثلث العبيد الذين أعتقهم الرجل الذي لا مال له غيرهم؛ أن
[ ١ / ٣٦٠ ]
يخص بذلك العتق خاصة، وهذا كله من تلقي أمور الله ﷿ ورسوله ﵇ بغير ما تلقاها السلف من المعاني، ورفع كثير من فائدة الخطاب المشتمل على المعاني إلى ما يغير ذلك، وهذا يؤدي إلى أمر يضيق عند التأمل وتتفاحش عواقبه أسأل الله السلا [مة] من كل فتنة وقولنا في إقرار المريض قول كثير من فقهاء [التابعين] [بالمدينة] والعراقيين وغيرهم، وقاله الشافعي.
وممن قال ذلك من رواية ابن وهب وغيره: يحيى بن سعيد والقاسم وسالم وغيرهم من تابعي المدينةن وقالها لنخعي وشريح وابن أذيتة والحكم وأبو هاشم، وقاله سفيان الـ[ـثوري] وأحمد بن حنبل وأهل العراق وقاله الحسن بن صالح، إلا في إقراره للز [وجة] بالصداق، فيجوز.
[ ١ / ٣٦١ ]
وما نسب إلى النخعي والحكم أنه قولهما، و[لم] يذكر إسنادا، وعندنا عنهما خلافه من رواية ابن وهب، وغيره.
ورو [ي] وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم، وسفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم قـ[ـال]: إذا أقر المريض لوارثه بدين لم يجز إلا ببنية.
وقد أبطل النبي عـ[ـليه] السلام شهادة الظنين، ودخل في ذلك ذو العداوة وشهادة الا [بن] والأب عند جملة من ينتهي إلى قوله من علماء الأمصار، وقد [ذكرنا] ذلك في باب آخر، فكذلك إذا اعترضت الظنة في الإقرار [لم] يجـ[ـز، و] كذلك إقراره لابنه في تفليسه.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وتكريرك لقولك [هل] يكون الإقرار في نفسه تارة إقرارا وتارة غير إقرار، وتارة وصـ[ـية] وردد هذا، كأنه رجل ضاقت به مخارج الكلام، فلم يجد غير هـ[ـذا] المعنى يكرره، وهذا كله لا وجه له، لأنا لم نقل الوصية إقر [ار، بل] الإقرار الإقرار في كل وقت، فإذا قارنته التهمة بطل، وصار كالـ[ـوصية].
كما إذا قارنت الشهادةَ الظنةُ بالعداوة أو غيرها بطلت، [ولا يجوز] أن يُقال: الشهادة تارة شهادة، وتارة غير شهادة [فالشهادة لم] تبطل ولم يبطل الإقرار إلا لما قارنهما من التهمة التي لم تكـ[ـن فيما] أجزنا من ذلك، فتلك العلة فرقت بين حكم الإقرارين [وحكم] الشهادتين، وقد دللناك على أحكام الظنة في الأصول [من] الكتاب والسنة والإجماع، وما تعارفته العامة والخاصة.
والعجب من قولك/: فما تقول في الصديق والفاروق، لو أقرا لوارث هل يتهما؟
فأنت غائب عن مجاري الأصول كيف جرت، أو لم تعلم أن ما كان أصله التهمة أنه يحمل الباب فيه بمعنى واحد في التهم وغيره، لئلا تختلف أحكام الله ﷿ ورسوله ﵇.
ألا ترى أن أصل القصر في السفر والفطر تخفيفا وتيسيرا لمشقة السفر، وقد يكون في السفر مرفها وغير مرفه، فجعل الأمر لهما واحدًا، وإن لم يكن في أحدهما موجود الأصل، الذي كان له سبب الرخصة.
وكذلك قد أبطل أبو بكر من فعل نفسه من إبقاء الهبة بيده إلى حين وفاته، فأبطلها، وهو يعلم من نفسه أنه غير متهم عند نفسه ولا عند الأمة.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وكذلك عثمان وعلي وغيرهما، لم يتهما عبد الرحمن بن عوف في طلاقه زوجته في المرض.
وكذلك زيد بن أرقم، لم تتهمه عائشة بالقصد إلى الربا، ولكن الذ [رائع] لا تحمي المحارم فيها حتى تساوي فيها بين كل أحد
وكذلك القائل [] بنو فلان، يستوي فيه من يتهم ومن لا يتهم.
وكذلك من فرق بين مجتمع وجمع بين مفترق، يستوي ذلك فيه.
وكذلك القاتل لا يرث، كان متهمًا لميراث الميت أو غير متهم، إلا أن أصله مبني على
[ ١ / ٣٦٤ ]
التهمة بالسنة.
وكذلك الشهادة على العدو، وغير ذلك من الشهادة [روعيـ]ـت فيها التهم، وإن كان الخاص من الناس فيها سليما، [فإن] الأحكام تجري بمجرى واحد، لئلا تختلف الأحكام، ويدعى كل واحد السلامة والحمد لله الذي علمنا ما لم نكن نعلم.
وقولك: أرأيت إن صح بعد إقراره لوارثه في المرض [أيكون إقراره] وصية فإذا صح صار إقرارا جائزًا.؟
فهذا منك تقول علينا، ولم يقل لك أحد إن الإقرار وصية، إنما هو إقرار قارنته التهمة، كما قارنت الهبة والوصية، وفجبت حجة الوارث الآخر ما كانت التهمة قائمة، كما للخصم حجة في رد الشهادة بالظنة، فلما صح المقِر لم يكن له ولا للمقَرِّ له خصم يتهمه، ويحتج عليه بما يبطل هذا الإقرار، فقبل قوله على نفسه، إذ لا يتهم هو نفسه لا في المرض ولا في الصحة، وهو ينفي تلك التهمة على نفسه، وإنما القائم بها غيره، فلما زال ذلك الغير كان قوله على نفسه ماضيًا.
ألا ترى أنه لو لم يكن غير وارث واحد، فأقر له أو أوصى له في مرضه ولا دين عليه أنه لا خصم له في ذلك، والمال كله صائر إليه.
فتأمل مخارج الأصول واتساقها عند كشف معانيها، وأسأل الله توفيقه برحمته.
[ ١ / ٣٦٥ ]
باب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ـاد
قال عبد الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك في [جواز البيـ]ـع إلى العطاء وإلى الجِداد والحصاد، وقال: إن هذا أجل مجهول، وإنه خلاف ظاهر القرآن، من قول الله
[ ١ / ٣٦٦ ]
سبحانه: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ وإن الأهلة ﴿مواقيت للناس﴾.
فإنا نقول: ليس في ذلك بحمد الله خلاف لظاهر الكتاب، بل في الكتاب والسنة دليل على إجازة ذلك، قال الله سبحانه: ﴿ذلك ومن يظعم شعائر الله فإنها من تقوي القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
فانقضاء آخر [الشعائر] بالطواف بالبيت طواف الإفاضة، ومن الشعائر التي [تكون] آخرها عرفة [والمشعر] ورمي الجمار والطواف والبـ[ـدن] [] على ذلك بفعله في أو [له] ووسطه وآخره، فقد جعل أجلا مسمى لتقارب بعض ذلك من بعض، وقد يتعجل في يومين كما قال سبحانه ويتأخر، وقد يؤخر طواف الإفاضة ويعجله، ويعجل النحر بمنى، وربما أخره، فيجزيه نحره بعد يوم النحر.
وكذلك الوقوف نهارا، وربما وقف ليلا فأجزأه، وكذلك المشعر ورمي الجمار، وقد يؤخرها إلى آخر النهار فيجزيه.
فكان هذا كله - لتقارب بعضه من بعض - أجل معلوم، وإن كان له أول ونهاية فلم يزل عنه اسم أجل معلوم، لتقارب أوقاته.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وكذلك البيع إلى الحصاد له أول ونهاية، وبعض ذلك قريب من بعض، فيكون عظم ذلك ووسطه يصرف إليه توقيت ذلك عند الحكم، ولا يعمل فيه على النادر الفاذ، لخروجه عن العرف وعن قصد المتبايعين.
أنا أحمد بن إبراهيم بن حماد، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى في قوله ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، والبدن من شعائر الله، والحلق من شعائر الله، والرمي من شعائر الله فمن [يعظمـ]ـها فإنها من تقوي القلوب.
نا أبو بكر بن محمد، عن يحيى بن عمر [عـ]ـن حرملة بن عمران، عن ابن وهب
[ ١ / ٣٦٨ ]
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [قا] ل: الشعائر ست: الصفا والمروة والبدن والجمار والمشعر وعرفة والركن.
وأما قوله: إن الله جعل الأهلة مواقيت، فهو كذلك، ولو تأملت ذلك علمت أن في دليلا على قول مالك من أن ما تقارب من الغرر في الآجال، جا [ئز] في الأصول [ويجوز أن] [يضـ]ـرب أجلا شهرا أو شهرين أو أكثر في بيع أو كراء أو نحوه، فقد تنقص الشهور فيكون منها تسع وعشرين وآخر ثلاثون، فيجوز هذا لتقاربه، والغرر اليسير في الأصول معفو عنه.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وكذلك مكتري ظهرًا إلى بلد، والكراء كالإجارة، وهي مؤجلة في كتاب الله بقوله: ﴿إن تاجرني ثماني حجج﴾ فوصول المكترى إلى البلد يبعد قليلا تارة ويقرب تارة، بقدر سرعة السير وإبطائه وما يعوق في ذلك، فجوز ذلك لتقارب أقله من أكثره.
وكذلك لو آجر مع ذلك يخدمه إلى مكه، فهذا كله مجوز على ما ترى فيه من أجل، يقرب تارة ويبعد قليلا تارة، فلم يدخل ذلك في الغرر الصريح.
وقد جا [ز] في البيوع يسير الغرر، من ذلك شراء الثمر بإزهاء أوله، وفي الحديث: النهي حتى تزهي، فكان تلاحق ذلك وقرب بعضه من بعض لا يخرجه إلى النهي المحظر، وكان مشتري ما لم يزه منه مع [ما أزهى] غير مرتكب للنهي، لتلاحق ذلك وتقاربه، وجعل كأن جميعه قد أزهى [بإ] زهاء أوله، لقرب بعض ذلك من بعض.
[ ١ / ٣٧٠ ]
فالأصول شاهدة لما قال مالك، لمن تأمل ولم ينكر بأول الخواطر.
لو أكرى منه إبله إلى مصر بثياب موصوفة، يدفعها إليه بمصر، أو طعام مكيل أو موزون موصوف يأخذه بفسطاط مصر ويتعجل الركوب، لجاز ذلك، ويكون هذا اجلا معلوما.
وقد عرف الناس نهاية أجل الوصول في أبطأ السير وأقله في سرعته، فجوز هـ[ـذا] وهو يقل تارة ويكثر قليلا تارة، ولو قال لا يجوز ذلك حتى يضرب أجـ[ـلا] مع ذكر البلد أحال؛ لأنه قد يحل الأجل قبل تبلغ البلد و[يتأخر] ويلزمه ألا يكون الكراء إلى مصر إلا بأجل مضروب، وهو بيع من البيوع.
فهذا أمر ظاهر لا يرد إلا بالمكابرة، وهذا كله يدل على قول مالك، في البيع إلى الجداد والحصاد، لعلم الناس بذلك في نهايته وأوله ووسطه، فيقضي فيه بأوسط ذلك.
ألا ترى أن لو اختلف الكري والمكتري في سرعة السر وإبطائه لقضي بينهما بالوسط من ذلك.
فما الذي استبعدت من هذا على مالك، قبل أن تتعلم كيف أجرى أصوله، وتبحث عن معاني أقاويله أهل الخبرة بمذاهبه، دون أن تقتحم بأول خاطر، وتجري مع أول ناعق؟
وقد روي نحو قول مالك عن رسول الله ﷺ، وعن كثير من أئمة السلف من الصحابة والتابعين.
[ ١ / ٣٧١ ]
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال: نا سحنون بن سعيد قال: نا ابن وهب قال: نا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب أخبره عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، [قال] عبد الله: ليس عندنا ظهر، فأمره النبي ﵇ [أن يبتاع ظهرا] إلى خروج المصدق.
ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن ابي [جعفر]، عن نافع عن ابن عمر أنه: كان يبتاع البيع ويشترط على صاحبه أن يقبضه إلى خروج عطائه.
وكان أمهات المؤمنين يشترين إلى خروج عطائهن، وكذلك قال مالك، إن كان العطاء قائمًا لا يختلف، [عن] معلوم، من غير تفاوت فجائز، وما تفاوت، ولم يكن هكذا لم يجز.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقاله [سعيد بن] المسيب والقاسم وسالم وعلى بن حسين وسليمان ابن يسار وابن قسيط وعبد الله بن أبي سلمة وابن شهاب وربيعة وعروة ابن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وجابر بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعامر الشعبي وغيرهم، وقاله مالك وعبد العزيز وغيرهما.
أنا محمد بن عثمان، قال: أنا ابن الجهم، قال: أنا يوسف بن يعقوب قال: نا سليمان قال: نا حماد، عن سماك، عن النعمان بن حميد أن عمارا أصاب مغنما، فقسم بعضه وبقي بعضه، فكتب إلى عمر يشاوره في ذلك، فتبايع الناس لك إلى قدوم الراكب، يعني قدومهم المدينة.
فهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وقاله الأئمة من الصحابة والتابعين، فإما أن ترغب في ذلك، أو ترغب عنه إلى تأويلك، والله المستعان.
[ ١ / ٣٧٣ ]
باب في شهادة العبد والقانع وولد الزنا
قال عبد الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك: إن شهادة العبد لا تجوز، وإن شهادة القانع لا تجوز، إلا فيما قل، واحتج بأن العبد داخل في قول الله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.
فظاهر الخطاب فيما تأول مالك وغيره من سلفه للأحرار، وانهم المخاطبون.
أنا أحمد بن إبراهيم، نا إسماعيل بن إسحاق، نا مسدد، قال/ نا يحيى هو ابن سعيد، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿واستشهدا شهيدين من رجالكم﴾ قال: الأحرار.
ويدل على ما قال مجاهد وأهل المدينة ما روي عن عثمان.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قال: نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى، قال: نا سحنون، قال: نا ابن وهب قال: نا يونس بن يزيد عن الزهـ[ـري] عن ابن المسيب، قال: قضى عثمان بن عفان في الصغير يشهد بعد كبره [و] النصراني بعد إسلامه والعبد بعد عتقه أنها جائزة إن لم تـ[ـكن] ردت عليهم قبل ذلك.
فهذا حكم من إمام والحكم حجة أقوى؛ لأن ذلك مصروف إلى شهرة القول في الصحابة، وعن تشاورهم والله أعلم.
فقرنه بالصغير والكافر في الرد وبين إن لم يكن ردت عليهم، فأخبر أنها ترد قبل العتق، ثم إن قام بها بعد العتق والرد كانت ظنة فلم تجز.
أنا أحمد بن إبراهيم، قال: نا إسماعيل قال: نا إبراهيم الهروي، قال / نا هشيم قال: أنا يونس عن الحسن، والمغيرة عن إبراهيم، وأنا محمد بن سالم، عن الشعبي نحو ما ذكرنا عن عثمان.
قال: أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن الجهم، قال: انا عبد الله قال: انا ابن مهدي، عن حماد بن سلمة عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب وعطاء أن عمر بن
[ ١ / ٣٧٥ ]
الخطاب قال: فذكر مثل ما ذكرنا عن عثمان.
قال محمد بن الجهم: ونا محمد بن عبدوس، نا أبو بكر قال نا حفص، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا تجوز شهادة العبد.
قال: ونا ابن المبارك عن ابن جريج، عن عطاء مثله، وعن عطاء: لا تجوز وإن كان في شيء طفيف.
قال عبد الله: وأكره الإكثار من الأسانيد كراهية التطويل، وفي بعض ذلك كفاية.
وهذا قول الفقهاء السبعة من فقهاء تابعي أهل المدينة: ابن المسيب والقاسم وسالم وخارجة وعبيد الله وعروة وابو بكر وسليمان، وقاله الزهري وقتادة.
قال مجاهد: وأهل مكة لا يجيزونها على درهم، وكذلك أهل المدينة وأهل العراق، وقاله عامر الشعبي والنخعي والحسن ومكحول، و[وكيع] [وكثير مما يكثر] ذكرهم من الأئمة.
[ ١ / ٣٧٦ ]
[وقد] [قال] مثل ذلك الشافعي [كذلك] في شهادة العبد.
وهذا مما قلنا، إنه ترجم كتابه بـ: " مسائل اختلف فيها مالك والشافعي "، فلا هو دري قول الشافعي، ولا هو - إن كان دراه، قال الحق في ترجمة كتابه، ولا هو إذ أعـ[ـاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـذا الرجل من ذلك.
وبعد فإن في ظاهر القرآن أدلة لما ذهب إليه من ذكرنا من الأئمة، وأن الخطاب للاحرار، في قوله: ﴿من رجالكم﴾ و﴿ذوي عدل منكم﴾ كما قال ﴿والتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ كما قال ها هنا: ﴿من رجالكم﴾ وقال: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ كما قال ها هنا: ﴿ذوي عدل منكم﴾ ثم أخبر النبي ﵇ أن السبيل في الثيب الرجم، وهذا كله خطاب الأحرار قال:
[ ١ / ٣٧٧ ]
﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجـ[ـلدوهم ثمانيـ]ـن جلدة.﴾
فلو ما قام رجل واحد بشهادته في الزنا لكان عليه الحد ثمانون، وصار راميا، وقد نص الله على جلد القاذف ثمانين، ويلزم من لم يجلد العبد ثمانين في القذف ألا يجيز شهادته على الزنا، ومن جلده ثمانين أن يجيز شهادته في كل شيء.
وقال الله سبحانه: و﴿أنكحوا الأيامي منكم﴾ كما قال: ﴿ذو عدل منكم﴾ ثم قال في سياق الآية: ﴿والصالحين من عبادكم﴾ يقول: عبيدكم، فدل أن أول الخطاب للأحرار.
و[لم] يدخل العبد في خطاب الشهادة - والله أعلم - لغير وجه، مـ[ـنها]: ما ذكرنا، ومنها أن الله سبحانه قال- في سياق قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ قال الحسن: هي للشاهد يدعي للشهادة، أو يدعي ليقيمها.
[ ١ / ٣٧٨ ]
فالعبد ممن يملك عليه أمرَه غيرُه، فلا يقدر أن يجيب إذا دعي لا في بدء الشهادة ولا في أدائها، فخرج ممن وقع الخطاب عليه في الشهادة والله أعلم، والله سبحانه يقول: ﴿عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾.
ومن ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ فقوله: ﴿ولو على أنفسكم﴾ هو الإقرار، فلما كان العبد لا تجوز شهادته على نفسه في إقراره بالأموال، كانت شهادته على غيره فيها أبعد، ودلّ أن خطاب القيام بالقسط في الشهادة هو للأحرار.
ودليل آخر: أن القيام بالقسط، هو من إقامة الحكم، فجرت الشهادة مجرى الحكم، والعبد لا يكون حاكما، فقد تأكدت الأدلة في ذلك ولله الحمد.
فإن قال: فالمرأة لا تكون حاكمة، وأنت تجيز شهادتها.
قلت: لم تكن حاكمة، إذ لا تجوز شهادتها حتى تضم معها امرأة اخرى، فلا تكون نصف حاكم، وشهادتها مقصورة على الأموال، ولا يكون الحاكم إلا مطلقا في كل شيء، والعبد فمنخفض الحرمة في هذا وفي غيره، والمرأة فأتم منه حرمة، وهي لا تجوز في الحدود، وهو لا ميراث له ولا دية راتبة، ولا يحد فاذفه، ولا يقتص من الحر بجرحه، ولا يكون حاكما، ولا يسهم له في الغنيمة، فأردنا أنه أخفض حرمة منها.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ويلزم من يجيز شهادة العبد أن يجيزها لسيده، ولا أعلم من أئمة الأمصار من يقول ذلك، وينبغي أن يجيزه ايضا على سيده في الحـ[ـدود] من سيده وقطع أعضائه.
وينبغي لك أن تجيز شهادة [المدبر] والموصى بعتقه على سيده بقتل نفسه أو بما يوجب قتـ[ـله] وأنت لا تحكم بالظنة في الشهادة فتظن به أنه أراد تعجيل [عتقه] بقتل سيده.
وإذا كان العبد تجوز شهادته في الزنا والحدود والقتل والطلاق والعتاق، كان كالتام الحرمة، والأصول تشهد بانخفاض حرمته، ونقص مرتبته عن المرأة، وهي لا تجوز في الحدود، لا أعلم من يخالف ذلك من الأئمة ن ودل ﵇ أن نقص أمور المراة خفض شهادتها فصارت نصف شهادة.
ثم احتج هذا الرجل بأن علي بن أبي طالب، ﵀، أجاز شهادة العبد، بأسانيد تكلم فيها، رواه الحسن عن علي أنه أجاز شهادة العبد على العبد، والحسن لم يذكر
[ ١ / ٣٨٠ ]
هل سمعه من علي، وهو يروى عن غيره مثل هذا، وقد قصرها على العبد، فلو ثبت لم يكن قولك.
وروى أشعث بن سوار عن الشعبي عن علي أنه أجازها فالشعبي لم يسمعه من علي، وأشعث قد تكلموا فيه.
ورواه المختار بن فلفل عن أنس أنه أجازها، وقد قال أهل الحديث: لا يكون المختار حجة في الأحكام.
وروى عن عامر وشريح إجازتها في اليسير، وهذا من الاستحسان حين قصراها على اليسير.
واختلف عن عطاء، والمروي عن عطاء بالإسناد الجيد أنها لا تجوز.
[ ١ / ٣٨١ ]
وقد تقدم ذكرنا لما ثبت عن الصحابة والتابعين بالأسانيد الرفـ[ـيعة] التي لا مطعن فيها.
وأما إنكاره قول مالك في شهادة الـ[ـقانع] [إنها لا تجوز إلا في] اليسير وأن ولد الزنا تجوز شهادته إلا في الزنا.
قال: وهذا قول لا يتصور في عقل ولا فهم، [لا] ن ذلك تحكم في دين الله.
والذي قاله من ذلك مما يتصور [في الـ]ـعقول الراجحة والفطن النافذة والعقول الوافرة، ممن لا يقول تحكما ولا ينطق تلاعبا، وقد روى عن الرسول ﵇، وهذا منك تنطع وخروج لمنطقتك في ائمة الدين بما لا يرضى به أهل العقل والدين والفهم.
[ ١ / ٣٨٢ ]
أنا أبو بكر بن محمد قال: انا يحيى بن عمر، قال: أنا سحنون عن ابن وهب قال: أنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ لا تقبل شهادة القانع، فهذا - وإن كان مرسلا- فإن العلماء لا يدعون أن يحتجوا بالمرسل، ويرون به قوة لما يقولون، وكثير من العلماء يذهبون إلى أن الحجة تقوم به إذا لم يدفعه أقوى منه.
قال ابن وهب: قال لي ابن سمعان: سمعت رجالا من أهل العلم يقولون لم يكن السلف يجيزون شهادة القانع، قال: وكان سليمان بن حبيب المحاربي لا يجيزها وكان يقضي بالمدينة، وقال سليمان بن حبيب، أمرني هشام بن عبد الملك برد شهادة السائل.
وهو قول غير واحد من تابعي أهل المدينة.
وقال شريح: لا تجوز شهادة المريب.
ومالك ممن لا يقول قولا إلا عن سلف يسبقه، ولا يتعلق أياض في الاختيار من قول من تقدمه بالشاذ، كما يتعلق غيره.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وبعد فإن القانع الذي قد شهر بالسؤال واستدامة وعرف به، وجعله عيشه لا يحل من القلوب في تمام العدالة محل المتعفف عن ذلك، حتي يقبل ي الدماء والحدود والتجريح والتعديل وعظيم الأموال.
ولو كان قد انتهى إلى ما اومأت إليه من تمام العدالة، لوجد متسعا عن مداومة السؤال والشهرة به، قال ﵇: من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، وقد أثني الله على المتعففين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وقال ﴿لا يسئلون الناس إلحافا﴾ فمن سأل إلحافا فقد انخفضت مرتبته عن هذا الثناء، وقد قصر به عن الحال، الممدوح، والأغلب من الملحف أن يظهر من الفقر أكثر مما هو به وفيه، والله أعلم.
وقد قال النبي ﵇ – وقد مات رجل من أهل الصفة، فوجد في إطماره ديناران فقال ﵇: كيتان من نار، وذلك والله اعلم لإظهاره من الفقر أكثر مما به منه، وكان في مرتبة السؤال بملازمته للكون مع أهل الصفة.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وأقل من هذا من الريب إذا عرض في الشهادة وجب أن يتوقف عنها، وكان شريح لا يقبل شهادة المريب.
وأما ما استجازه مالك في قبول شهادة القانع في القليل، فلأنه رآه يبعد من التهمة فيه، ومراتب الظنة والتهم في الشهادات أصل ثابت في ردها بها، قد ذكرناه في باب آخر، وما ثبت عن النبي ﵇ من رد شهادة ذي الظنة.
ووقف مالك عن قبولها في الكثير لما ذكرنا، وهذا قول من سبقه من فقهاء تابعي أهل المدينة، فأجازها في ما لم يختلفوا فيه من التافه الذي لا تهمة فيه، ولم يجزها في الكثير لما دللنا عليه من تعلق الظنة، وذلك في أغلب الأحوال.
والقليل من ذلك والتافه يجتهد فيه الحاكم عند النازلة به، كما يجتهد فيما يوجب الظنة من [الأمو] ر، التي ترد بها الشهادة من عداوة وخصومة وقرابة ومبلغ ما يقدح من ذلك الريب في القلوب وتقوي به الظنة، التي قالها الرسول ﵇.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وأما قول مالك: إن شهادة ولد الزنا جائزة، إلا في الزنا، فيدخل فيما ذكرنا من ذي الظنة، وقول النبي ﵇: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، ورواه مالك عن عمر، وقال النخعي: ولا متهم، والظنين المتهم.
والأغلب من أحوال الناس أن من لحقته معرة شيء تميله نفسه إلى أن يكون له مثل ونظير لئلا ينفرد بالمعرة، والله أعلم.
قال عثمان: ودت الزانية أن النساء زنين، يريد: في الأغلب والأغلب من الأمور في أحوال الناس يقدح ريبته، كما قدحت في رد قبول شهادة الابن والأب في قول كثرة العلماء، وفي رد شهادة العدو أو الخصم في قول جميعهم وليس في ذلك إلا الظنة في أغلب الأحوال، من غر قطع ولا حتم.
[ ١ / ٣٨٦ ]
فهذا كله يكشف بعضه بعضا، قال الله سبحانه: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ يقو [ل]: لن ينفعكم كون أمثالكم معكم في العذاب في خفته عنكم، كـ[ـما] تنتفعون بذلك في الدنيا فتتأسون بغيركم، فتصبرون.
ومعـ[ـاني] مالك، ﵀، في أقاويله راجعة إلى الاحتياط، مع شواهد الأصول لها، ووجود الأدلة عليها لمن أنصف، والله الموفق برحمته.
[ ١ / ٣٨٧ ]
باب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخر
قال عبد الله وأنكر هذا الجل قول مالك، أنه لا تجوز شهادة أحد الزوجين لصاحبه، والأب والابن، أحدهما للآخر.
واحتج بأن الله سبحانه أجاز شهادة العدل، ومن يرتضي من الشهداء، ولم يستثن زوجا ولا زوجة، ولا ولدا ولا والدا، وأنه إذا كان يقبل فيما شهد به للأجنبيين فكذلك يقبل في شهادته لابنه ولأبويه وزوجته، وكذلك المرأة.
فالجواب عن ذلك: أن الظنين ليس ممن يرضى من الشهداء بسنة رسول الله ﷺ، وبدلائل كثيرة من ظاهر القرآن، وإجماع العلماء وأن هؤلاء من ذوي الظنة.
[ ١ / ٣٨٨ ]
قال الله سبحانه: ﴿يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ فدل بذلك أن الوالدين ومن هو مثلهما في ضرب القرابة، يلحق فيهم ما يلحق في نفسه، ويدفع عنهم ما يدفعه عن نفسه، فجلعه كنفسه في نفعها وضررها.
فلما جازت شهادته على ضر نفسه، فلزمه إقراره عليها جازت شهادته على أبويه وولده ونحوهم، ولم تجز شهادته لنفسه لأنه مظنون فيها، فكذلك لا تجوز لمن هو مظنون فيه من أقاربه، وقال الله سبحانه: ﴿قال رب أوزعني أن أشكر نعمتي التي أنعمت علي وعلى والدي﴾ [فجعل] النعمة عليه كنعمته عليهما، والنعمة عليهما كهي عليه.
وقال: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ فجعل صلاح ذريته من صلاحه، فدل بذلك أن ما يجر إلى أبويه وولده ويدفع عنهم كالجر إلى نفسه، والدفع عنها.
وقال في الزوجة والذرية: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين﴾ فجعل فيهم قرة عينه، هذا الأغلب من الناس، فكذلك منافعهم من قرة عينه، ومن حظه المظنون به فيه، كما يظن به في الشهادة لنفسه.
[ ١ / ٣٨٩ ]
قال: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ فوصفهما من الرحمة بما جعل من الرحمة بين الأبوين والولد، وقال: ﴿ليسكن إليها﴾ وقال: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾.
وإذا كان الغالب من أمر الناس أن الرجل مظنون في ولده وأبويه وزوجته، والمرأة مثل ذلك، لم يحم هذا الباب إلا بأن يساوي بين جميع الناس في ذلك، على ما دلت عليه الأصول، مما ذكرناه في باب الإقرار في المرض لوارثه، بما اأغني عن إعادته.
وبعد فقد قال رسول الله ﷺ: " لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين" فإن لم تقم الظنة في الولد والأبوين والزوجة فلا ظنة، وارتفع معني الحديث، وقد قرن معه الخصم، ولا
[ ١ / ٣٩٠ ]
يشك أحد أنه لم يعن شهادته عليه فيما تداعي معه فيه، لأن تلك دعوى لا يشك فيها أحد، ويرتفع بذلك معنى الحديث.
فإذا صح أنه إنما هي شهادته عليه في غير ما خاصمه فيه فهي الظنة التي قلنا، وهو مع ذلك عدل مقبول على غيره، وهذا لا خلاف فيه بين علماء الأمصار، فهذه الظنة، التي هي الأصل في رد شهادة من لحقته.
أنا محمد بن عثمان الأندلسي قال أخبرنا - محمد بن أحمد بن الجهم المالكي، قال: نا موسى بن إسحاق قال: نا عبد الله - يعني ابن أبي شيبة - قال: نا حفص - يعني ابن غياث عن محمد بن يزيد، عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: أمر سول الله ﷺ مناديا، فنادى حتى انتهى إلى الثنية: لا تجوز شهاد [ة خصم] ولا ظنين، وإن اليمين على المدعي عليه.
نا أبو بكر بن محـ[ـمد، قال: نا] يحيى بن عمر قال: نا الحارث بن مسكين قال: نا ابن وهب، قال أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحكم بن مسلم عن عبد الرحمن الأعرج أن
[ ١ / ٣٩١ ]
رسول الله ﷺ قضى ألا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة والجنة.
قال ابن وهب: وأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه.
قال: ونا يحيى بن أيوب عن المثني بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ ﵇ قال: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه.
[ ١ / ٣٩٢ ]
فيقال لهذا الرجل: قد منع النبي ﵇ من شهادة الظنين والخصم، وذلك ظنة التهمة، وليس لأنه ظنين في دينه، هذا معلوم بظاهر القرآن، وقد قرن معه الخصم، والمعنى فيه مكشوف، إنما هو للظنة به في الأغلب من شهادته على خصمه، في غير ما خامصه فيه، ولا أعلم فيه خلافا، ولا في شهادة العدو على من عاداه، وهما مقبولان على الأجنبيين.
فهذا أمر ظاهر لا شبهة فيه أن رد شهادتهما للظنة المذكورة، بما دل عليه الكتاب وقاله الرسول ﵇، واجتمع علماء الأمصار على العلة من ذلك في الخصم والعدو، لا وجه لذلك غير التهمة والظنة، فكانت الظنة لها الحكم فيمن قامت فيه.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ولا يشك أحد أن الظنة في الولد اقوى من ذلك، وكذلك الأبوين ونحوهما، من الزوج والزوجة، بما دلت عليه الشواهد من الكتاب والسنة عن الرسول ﵇، من اشتراكهم في المنافع والمضار، والصلاح والفساد الموجب للظنة.
وقد رد الرسول ﵇ شهادة الظنين والخصم، وشهادة ذي الحنة، وهي العداوة وكذلك ذو الغمر، على أخيه، وهذه ابنية التهم والظنة اللاحقة في الأغلب من أحوال الناس، في أبنائهم وفي الأبوين وبين الزوجين.
وقد يقع خصائص من الناس هم بخلاف ذلك، من عداوة تكون بين من ذكرنا أو تباعد، وذلك نادر وأمر يبعد، لا يرد بذلك الغالب الأعم، كما قد يقع في بعض الخصماء والأعداء من لا يحيف على خصمه أو عدوه، ولا يشهد عليه بباطل فلا ينظر إلى النادر في ذلك، ولابد من أن يحمي ذلك بأن يكون الناس فيه سواء، على ظاهر ما به تحمي الأمور، بما تقدمت دلائلنا فيه.
كما أنه قد منع القاتل الميراث، وكان الأصل في ذلك التهمة بنيل الميراث ثم قد يقع قاتل قد علم أنه لم يقصد للميراث، فلا ينظر إلى ذلك النادر، وهكذا جرت الأصول في هذا وشبهه.
[ ١ / ٣٩٤ ]
ونسأل هذا الرجل عن رجل شهد لنفسه ولغيره في مال بكتاب واحد، فإن أبطلها لنفسه وأجازها لغيره حكم في شهادة واحدة برد بعضها وقبول بعضها، والعلة فيما ردها فيه قائمة فيما قبلها فيه، للتهمة في تصحيح الأمر بعضه ببعض [] [وذلك] ظنه أوجبت رد جميع الشهادة.
فإن كابر في ذلك، قيل له: أرأيت إن شهد مع غيره على شريكه في عبد أنه أعتق حصته منه فيلزمك أن تجيز شهادته في العتق للعبد، لأن ذلك نفع للعبد، ولا توجب له القيمة التي هي منافعه فتصير إلى عتق شقص، بغير تقويم، وذلك خلاف السنة.
وإن ابطلت شهادته للعبد في منافع العبد بالظنة به في أن يأخذ القيمة التي هي منافعه، فهذا ما قلنا دون ما قلت.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ورد العلماء شهادة الخصم والعدو – وهما مقبولان على الأجنبي – دليل على إقامة أحكام الظنة في رد الشهادة بها.
وليس الظنة بخصومة وعداوة وقرابة مبطلة لعدالة العدل، وهذا مكشوف يدل على ما ذهبنا إليه، وقد روى ابن وهب عن ابن سيرين وشريح، أنه لا تجوز شهادة المريب ولا الشريك لشريكه، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الخصم، ولا دافع المغرم، قال محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري: لا أعلم في هذه الجملة اختلافا بين اهل العلم الذين يعتمد عليهم.
وهذا كله هو الذي قلنا من حكم الظنة، التي بها رددنا الشهادة، بين الزوجين والولد والأبوين.
والشافعي يقول لا تجوز شهادة الأب للولد ولا الولد للأب كقولنا، وإن كنت نسبته إلى خلاف مالك في مسائل كتابك، فلا أنت – إن كنت عرفت قوله – نسبت إليه ما قاله، ورددته عليه، ولم تشر إلى أن كتابك لنصر مذاهبه، وإن كنت قد جهلت قوله، فالتوقف عن القول كان أولى بك.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ونسأل هذا الرجل عن شهادة المدبر، والموصي بعتقه، على سيده بما يو [جب] قتله، فإن أبطلها حكم برد الشهادة بالتهمة، لأنه ممن يجيز شهادة العبد، وإن أجازها انفرد بما لا أعلم له قائلا.
وكذلك يسأل عن شهادة الوارث بمثل ذلك، ويسأل عن الغرماء إن شهدوا لغريمهم الذي أحاط به الدين وليس عنده له وفاء على رجل بدين، أو شهد بذلك واحد منهم، وقد يصير إلى من شهد له بعض ما يقضي له به، وقد لا يصير لهم، وقد يحدث له غني دون ذلك، وقد يهلك قبل قسمه، وهو لا يصل إليهم حتى يصير إلى ملكه.
فإن رد هذه الشهادة أبطل الشهادة بالظنة والتهم، وهذا قولنا، ويلزمه أن يجيزها، ويمضي عزائمه فيما أصل فيه من الأصول التي لم يحكمها، فتداعت عليه فروعها.
قال هذا الرجل فيما احتج به: وأنت تقطع أحد الزوجين فيما سرق من مال صاحبه،
[ ١ / ٣٩٧ ]
والابن فيما سرق لوالديه، والعدالة غير زائلة عن من ذكرنا.
فإن أراد أن عدالة من ذكرنا فيه بعد السرقة والقطع فيها، فهذا فاسد، ولا يكون السارق عدلا، وإن أومأ إلى أن من يقطعون في السرقة من امله ينبغي أن تجوز شهادتهم له فهذا لا يلزم، لأنا لم نقل إنهم – فيما عندهم من الظنة – قد صار كل واحد مالكا، لمال الآخر، وإنام قويت فيهم الظنة، لما ذكرنا من أن غنى زوجته غناه، وقد يزاد عليه في صداق التفويض لذلك، وكذلك غناه غني لها، وما كرنا في الأبوين والولد من الأمور التي هي أقوى من ذلك.
ونراك لم تجد أصلا في الشهادات ترد إليه ما اختلفنا فيه منها، حتى خرجت إلى السرقة فجنفت في القياس، وينبغي على وزنك أن تسالمنا في شهادة الأب لابنه؛ إذ قلنا: إنه لا يقطع في سرقة ماله، وتناظرنا في قطعه في هذه السرقة التي جعلتها أصلا، فما الذي هو الأصل عندك، المرد [ود] إليه الفرع: الشهادة أم السرقة؟ إذا أقمت أحكام القيـ[ـاس].
وذكر هذا الرجل رواية عن عمر بإجازة شهادة الوالد للولد، والولد للوالد، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولا.
فلنا عن عمر ما دل على خلافه: روى مالك عن عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا
[ ١ / ٣٩٨ ]
ظنين، وروى ابن وهب عنه أيضا: ولا ظنين في قرابة.
وأنا ابو بكر بن محمد قال: نا يحيى قال: نا سحنون، عن ابن وهب قال: أخبرنا عبد الله بن عمر العمري، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فقد بين أن ظنة القرابة لا تقبل معها الشهادة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وقال ابن شهاب: مضت السنة لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
وأما روايته عن شريح أنه: أجاز شهادة زوج لزوجته، وذكر ذلك عن رجل مجهول، ولنا عن شريح خلافه.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم، قال: نا الأنصاري قال نا عبد الله قال نا وكيع قال نا سفيان عن جابر عن عامر عن شريح قال لا تجوز شهادة الابن لأبيه ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته.
وبإسناده عن سفيان، عن منصور عن إبراهيم مثله، وزاد، ولا السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا الشريك لشريكه، ونا الحسن ومنصـ[ـور] نحوه.
فهذا ما ذكر العلماء من صحيح الحديث، وعليه عمل الحكام بكل بلد، ومثل هذا كثير عن تابعي أهل المدينة، وغيرهم من أهل العراقين والحرمين، يكثر علينا ذكره، وفيما ذكرنا في باب شهادة العبد من الحديث الثابت عن عثمان، في الشهادة ترد علي
[ ١ / ٤٠٠ ]
العبد والصغير والكافر، ثم يؤدونها بعد زوال الرق والكفر والصغر أنها لا تجوز أتيت بالمعنى، فهذا مما يقوي أحكام الظنة.
وما روى مما لم يذكره هذا الرجل عن أشعث عن الشعبي أنه أجاز شهادة الأب لابنه، والرجل لامرأته ولم يجز شهادة الابن لأبيه، ولا المرأة لزوجها.
فهذا أشعث بن سوار، وليس الحداني، وهذا ضعيف ولنا عن الشعبي خلافه.
[ ١ / ٤٠١ ]
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: نا الأنصاري قال: نا عبد الله قال: نا أبو معاوية عن عاصم، عن الشعبي قال أدنى ما يجوز من الشهادة شهادة الأخ لأخيه.
فلو أجاز شهادة الأب ما قال: أدني ذلك الأخ. لأن الأب والابن أدنى، وقد قال النبي ﷺ: أنت ومالك لأبيك، وقال الله سبحانه: ﴿آباءكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ وقد ذكرنا كثيرًا من مثل هذا فيهم وفي الزوجين.
وأما ما ذكر عن ابن شهاب قال: سألته عن شهادة الوالد لولده، قال كان فيما مضى من السنة وسلف المسلمين يتأولون في ذلك قول الله ﴿يا أيها الذين ءامنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين﴾ فلم يكن يتهم في سلف المسلمين والد لولده، ولا ولد لوالده، ولا أخ لأخيه، لا امرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، إذا رضي هديهم.
فهذا حديث مختصر، قد بقي منه بيانه، حدثناه ابو بكر بن محمد قال: نا يحيى قال: نا سحنون [نا ابن وهب] [نا يونس]، عن ابن شهاب قال مثله وزاد: [ثم
[ ١ / ٤٠٢ ]
دخل] الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور، حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوجة والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء.
ولا وجه لا [نتقاء] الأحاديث، والطرح منها ما بطرحه تستقيم حجة الخصم، هذا غير سائغ لفاعله، وقد ذكرنا هذه الآية في أول الباب، وإنما فيها الشهادة عليهم بقوله: ﴿علي أنفسكم أو الوالدين﴾ وقد جعلهم كنفسه، ولم يذكر الشهادة لهم، فكما لا يشهد لنفسه فلا تجوز شهادته لهؤلاء المذكورين معه، وفي بعض ما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٠٣ ]
باب في نكاح المريض
قال عبد الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك في نكاح المريض، أنه لا يجوز، واحتج بإباحة الله ﷿ للنكاح مطلقا، وذكر أن مالكا، قال: إن طلاقه لا يجوز.
وهذا لم يقله مالك في الطلاق، بل الطلاق جائز عنده واقع ولها الميراث.
وقال هذا الرجل: فما الذي أوجب هذا؟ أكتاب أم سنة أم اتفاق؟
ونحن ندله من الكتاب والسنة والاتفاق على صحة ما قال مالك ﵀.
فيقال له: أرأيت لما أباح الله سبحانه البيع في كتابه مطلقا، اليس جائزا، للمتبايعين التبايع بأكثر من قيمة السلعة، وبأقل، لا خلاف في ذلك بظاهر القرآن.
[ ١ / ٤٠٤ ]
أفرأيت إن باع المريض بأقل من القيمة أو اشترى بأكثر منها، فإن أجزت له ذلك في رأس ماله، فقد أبحت ما دل الكتاب والسنة على حظره، أن المريض ممنوع من الحكم في ثلثي ماله بما ينقصه.
وإن منعته ذلك، وقلت: الزائد على قيمة السلعة التي ابتاع كأنه لم يأخذ له عوضا، قلت معنا بالمعاني، وانتقلت عن ظاهر إباحة البيع المطلق، إلى تخصيص ذلك بالدليل، ومنعت المحاباة بدليل ذلك، وبدليل ما منع النبي ﵇ من الوصية، وجعلت المحاباة - وإن لم يذكرها - كالوصية التي ذكرها.
فما الذي بعد عليك أيها الرجل منا، أن خصصنا نكاح المريض بدليل الكتاب والسنة؟
[ ١ / ٤٠٥ ]
فإن قلت: إنه قد أخذ النكاح عوضا وهو البضع، كما أخذ السلعة عوضا، فأجز النكاح بصداق المثل، كما أجزت له البيع بالقيمة.
قيل لك: وفقت بين معنيين من المسألتين غير متفقين، وذلك أن السلعة التي اشتراها أو باعها بالقيمة، قد أخذ مما أعطي عوضا نمي به ماله، وأبقاه لوارثه، والزوجة ليست هي بنماء للمال، ولا من ما يورث عنه، وأصل العلة تحصين المال على الوارث.
فإن قلت: كما أبيح للمريض شراء مصالح عيشه وعلاجه في مرضه، فالزوجة من ذلك.
قيل له: لا يشهه ذلك، لأن المريض به حاجة إلى الغذاء والدواء وشبهه، وليس به حاجة إلى النكاح، ومن صار من المرضى إلى ضرورة الحاجة إلى الباه فهو صحيح، تجوز هبته، وصدقته، ونكاحه.
ويسأل عن هبة المريض وصدقته، فإن قال: في ثلثه، قيل له: ولم ذلك، وأنت تطالب ظاهر الأسماء، ولا ترد حكم المسكوت عنه إلى المذكور، الذي فيه من العلة ما في المذكور، ولا تقول بالعلل؟ والنبي ﵇ إنما منع سعدًا من الوصية بأكثر من الثلث.
فإن قلت: إن قوله: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة، دل أن المعنى الإبقاء على الوارث فدل أن كل فعل ينقص الوارث فقد منعه منه، إلا ما المريض إليه مضطر من قوام بدنه.
[ ١ / ٤٠٦ ]
قيل له: هذا صحيح وليس بأصلك في رد المسكوت عنه إلى المذكور إذا ساواه في العلة، فإن صح ذلك عندك، فألا منعته من النكاح، وهو ينقص الوارث من ميراثه، بسبب صداق الزوجة وميراثها.
فإن قلت مقتحمًا: إن صدقته وهبته جائزة، إذ ليست بمذكورة، قلت ما لا أعلم له قائلا، وظاهر الحديث يمنع من ذلك بقوله: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير. فجمع بهذا الكلام كل معنى يوجب النقص على الوارث أنه ممنوع.
وقد أعتق رجل ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم، فرد النبي ﵇ عتقه لجميعهم وأعتق ثلثهم، والعتق أقوى في الأحكام من الهبة والصدقة.
فإن قلت - وما أستبعد أن تقوله- إن العتق والوصية أمنع منهما إلا في الثلث، وأجيز الهبة والصدقة من رأس المال، صرت إلى ما الإقرار به ينوب عن نقضه، لأنه إبطال للمواريث ولمعاني الأخبار، وما يفهمه الخاصة والعامة من معاني الأمر والنهي.
وفي منع النبي ﵇ للقاتل من الميراث دليل لمن يثبب المعاني، لأنه لم ترتفع قرابته بالقتل، إنما منع لطلبه - في الأغلب - أن يرث بغير ما أذن الله به ان يرث فكذلك
[ ١ / ٤٠٧ ]
المريض ممنوع أن يدخل في ورثته وارثا بغير ما أذن الله ورسوله، أن يفعل فعلا ينقص به الوارث إلا ما به إليه الضرورة.
وكل فعل له يشبه ما جاء فيه النص من الوصية، فيمنع منه إلا في ثلثه، من هبة وصدقة وعطية وعمري وحبس وعتق أوصى به ومحاباة بيع، وليس من هذا شيء مذكور بعينه، وهو مباح بظاهر الكتاب، فالمعنى الذي به منع من هذه الحوادث حتى ردت إلى الثلث هو المعنى الذي به منع من النكاح.
فإن قال: فأجز النكاح، واجعل الصداق في الثلث وإن لم يدخل بها.
قلت: هذا يفسد من وجوه، لأنا إن منعناها الميراث فقد صححنا لهذا عقدا يوجب وجهين، فأبطلنا أحدهما وجعلنا الآخر من الثلث، والعلة التي بها يبطل الميراث بها يبطل الصداق إذا لم يدخل بها، وإذا ثبت الصداق وجب لها الميراث، وإذا صارت وارثه بطل أن يكون صداقها من الثلث.
فإن قلت: أجعل لها الميراث في الثلث، قلت: هذا أفسد، لأنه يصير وارثه يرث من بعض المال دون بعض، وليس هذا في الأصول، وربما استغرق الصداق الثلث، فتصير لا ميراث لها.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وإن لم تقدمها - على أصلك - على أهل الوصايا في الصداق أخذت منه ما ربما قل أو كثر وهي تبيح الآن نفسها بما لا تدري ما يحصل لها من بضعها وهذا اختلاط.
ومما يفسد به عقد هذا النكاح غير وجه: منها ما تقدم دليلنا عليه، في منعه من إدخاله على ورثته وارثا ينقصهم الميراث.
ومنها أنه عجل لها صداقا لم يأخذ عليها، عوضا يوفر به ماله، الذي عليه فيه معنى من الحجر في المرض، بسبب الإبقاء على الوراث ولعل صداقها ماله كله.
ومنها أنه إن طلقها قبل المسيس ولم يفرض لها، أو بعد المسيس وقد فرض لها أو لم يفرض، أن عليه عنده أن يمنعها والمتعة في قوله واجبة بالقضاء فيؤديه إلى أن يعطيها متعة لا يأخذ عليها عوضا، وهي فرض عنده كالدين، فلا يحسن أن تكون من الثلث.
ويقال له: إذا كان المريض له أن ينكح عندك مطلقا كما له ذلك في الصحة فهل تبيح له أن يتزوج بأكثر من صداق المثل في المرض كالصحيح؟ فإن قال: لا، قيل: ولم ذلك، والله سبحانه لم يفرق عندك بين ما أطلق من النكاح بين مريض أو صحيح؟
فإن فرقت بينهما لمعنى ما، كان ذلك المعنى هو دليلنا على منعه من جميع أحكام، النكاح، إذ العلة في الزائد على صداق المثل مثلها في النكاح بصداق المثل، لأن ذلك الزائد داخل فيما أخذ عليه العوض من بضعها وصارت العلة راجعة إلى حياطة الوارث في الإبقاء عليه.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وإن تقحم فأجاز أن يتزوجها في المرض بأكثر من صداق المثل، خرج إلى ما تخف به مؤنته، وتبطله حكايته، ويلزمه ذلك في البيع – وهو اقوى للعوض الذي يأخذ – وإن حابى، ولا يعجز أحد أن يتصدق ويهب في مرضه، ويجعله من رأس ماله، بأن يحدث شراء ما يساوي درهما بمائة دينار، ويتزوج من صداق مثلها ربع دينار بمائة دينـ[ـار].
فإن أبي من ذلك لزمه كل ما تقدم ذكرنا إياه.
ويقال له: أرأيت ما زادها على صداق المثل، إذا منعته أن يكون من رأس المال، أيكون من الثلث؟
فإن جعلته من الثلث – وهي عندك وارثة – ابحث العطية والهبة لوارث، لإدخالك ذلك في باب العطايا، وخروجك به عن رأس المال، والأصول تدفع هذا.
وإن قلت: أمنعها الزائد وأقصرها على صداق المثل، قيل لك، وما علة إبطالك لما أباحة ظاهر القرآن، بقوله وإن ﴿ءاتيتم إحداهن قنطارا﴾ الآية، فلا ترد ذلك بمعنى إلا لزمك مثله في بقية الصداق.
ويقال له: فهبك منعتها من الزائد إن مات، أرأيت إن صح؟
فإن قلت: لا يكون لها، قيل لك: ولم، والعلة التي بها منعتها بها من ذلك وهي المرض – قد زالت؟ ولم رددتها إلى صداق المثل، دون ما تراضيا به؟ والعقد صحيح عندك، والصداق لا فساد فيه، وكيف تجبرها أن تبيح نفسها بما لم ترض به؟
أرأيت إن امتنعت من البناء الآن، إلا بما – رضيت به، أينقصها منه، والله سبحانه
[ ١ / ٤١٠ ]
ورسوله ﵇ إنما أباح الفروج بما تراضيا به من الصداق فأولى بك فسخ هذا النكاح من بدء أمره، لما يدخل صداقه من هذا وغيره.
فإن قلت: يقضي لها بجميعه إذا صح، ويكون لها إذا مات صداق المثل، إن كان هو أقل.
قيل لك: هذا أفسد؛ لأنها تصير امرأة تزوجت بصداق، لا تدري أيقل أم يكثر لأنه تارة يكثر إن صح ويقل إن مات، فهذا مجهول وخطر، وقد نهي عن بيع الغرر، والغرر في الفروج أكثر.
ويصير أيضا نكاحا مترقبا، لأنه إن دعاها إلى البناء في المرض، فامتنعت ألا تقبض جميع الصداق، وقالت: لا أبيح نفسي إلا بشيء معلوم ثابت لا يزول مات أو عاش، فأنا أمنعه نفسي حتى يصح فأخذ جميع ما راضاني عليه، أو يموت فآخذ ما أعطيتموني فهذا نكاح لم يوقف منه على معلوم، والأصول من كل وجه تدفعه [وتدل] على فساده، ولا يجوز عند أحد نكاح يكون صداقه على [وجه] تارة يقل وتارة يكثر.
[ ١ / ٤١١ ]
وإن قضيت لها بتعجيل المثل وتأ [خير] الزائد، دخل في ذلك ما تقدم من العلل، مع إباحتك إياها ببعض ما رضيته عوضا، وهي من باقيه على خطر أن تأخذه، أو بعضه أو جميعه، أو يقرب منها أخذه، أو يبعد فبعضه عجلته بفساد، وبعضه مؤجل إلى أجل مجهول مع غرر في أخذه، وهذا أمر كلما قلبته لم تفقد فيه خلللا
ومن ترك مطالبة العلل من الظواهر المذكورة، والاستدلال بها على ما لم يذكر، ضاقت مذاهبه، وهذا سبيل من عدل عن اختيار سلفه، وتلقي الأمور في أصول الكتاب والسنة بغير تلقيهم واستخراجهم، ولو افتقر إلى استنباطهم وقصر [نفسه على تـ]ـتبعه أفهامهم، لم يرد مورد المتكلفين.
قال هذا الـ[ـرل: ز] عم مالك أن نكاح المريض يلزم فيه الطلاق إن طلق، فـ[ـالزوجة] يلزم فيها الطلاق، وهي لا ترثه قبل الطلاق.
فيقال له: إن مالكا، ﵀، اختلف قوله في فسخ نكاح المريض، فقال مرة: بطلاق وقال: إنه يفسخ بغير طلاق، ولا يقع فيه الطلاق، وأنت غير خبير بأقاويله [ومذاهبه].
واختلف قوله أ [يضا إن] صح، فقال مرة: إن صح قبل الفسخ لم يفسخ ثم قال: يفسخ صح أم لم يصح، ولكل قول من قوليه وجه، لم يخرج فيه عن الأصول.
[ ١ / ٤١٢ ]
[فأما] قوله: يفسخ بغير طلاق، وإنه يفسخ بعد صحة المريض فلما [حصل] في عقدة النكاح من الفساد، والنكاح إذا فسد لعقده لم يثبت، وعلى هذا كثير من أصحابه.
وأما قوله يفسخ بطلاق، فإنما احتاط على الزوج الثاني، إن تزوجت غيره، وعليها لما في نكاح المريض من الاختلاف، فجعل بذلك الاختلاف شبهة أوجبت الصداق بالمسيس، وألحق بها الولد، ثم احتاط بإيقاع الطلاق في فسخه، إذ لا ضرر يلحق الزوجين في ذلك، إلا ما فيه من الاحتياط لما عسى أن يكون في الاختلاف في ذلك من الاحتمال، وهذا شأنه ﵀ أن يميل إلى الاحتياط الذي لا يغير شيئا من الأحكام، وهذا من توقي الشبهات. ويقال لك: هل تقيم من أحكام النكاح الفاسد حكما مثل حكم النكاح الصحيح؟ فإن قلت: لا، قيل لك، فأوجب الحد فيه، وأنف الولد، وأبطل الصداق.
فإن أبيت ذلك، قيل لك، فألا اعتبرت بهذا أنك فسخته، وهي عندك غير زوجة ولا يلحقها طلاقه، ثم أوجبت الصداق، وألحقت الولد وأسقطت الحد، وهي ثلاثة أحكام من أحكام النكاح الصحيح.
فلا تستبعد أيها الرجل لحاق الطلاق احتياطا، ولا تنكر بأول خاطرك على ذوي الرسوخ، الذين لا يتكلمون إلا عن أصول يرجعون إليها، ويتحرجون أن يقولوا [] إذا صح منه، ثبت النكاح، [فقد] أعلمناك أن أكثر قوله وقول أصحابـ[ـه] أن يفسخ وإن صح، وكان أولى أن تعرف أقاويله قبل إنكارك عليه.
ولو تقلد قوله الآخر متقلد لوجد مسلكا من التأويل في أصوله، لأن غير نكاح يكون يفسخ لعلة، فإذا زالت ثبت أعني في قول مالك، كالعبد يتزوج بغير إذن سيده،
[ ١ / ٤١٣ ]
فإن أجازه ثبت، وإن شاء فسخه، وفي نكاح الحرة بغير إذن وليها، فيجيز الولي اختلاف من قوله.
وسنجيبه على مسألة العبد بعد هذا، لأنها مما أنكر، ونجيبه على طلاق المريض بعد فراغنا من ذكر نكاحه، لأنه خلط ذلك بعضه ببعض.
ثم قال هذا الرجل: وقد أجاز نكاح المريض جماعة من الصحابة، ورأيته ينضح من الحديث بشيء من كتاب أبي عبيد، فذكر رواية أبي عبيد عن أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: دخل الزبير على قدامة بن مظعون، فبشر الزبير بجارية صغيرة وهو عنده، فقال له قدامة، زوجنيها، فقال له الزبير، وما تصنع بجارية صغيرة، وأنت على هذه الحال؟ فقال: إن أنا عشت فابنة الزبير، وإن مت فأحـ[ـق] ورثتي، قال فزوجها إياه.
ولو تأملت هذا الحديث لم تحتج به، لأنه ليس فيه أنه كان مريضا، وقوله: وأنت على هذه الحا [ل]، يعني في الز [ما] نة والكبر، وكذلك رويناه مفسرًا.
ولو لم يكن لنا بذلك رواية لكان لا يشبه في المعنى ان يقول الزبير: ما تصنع بغيرة وأنت على هذه الحال؟ لأنه لا يصنع بصغيرة ش [ـيئا] لا في مرضه ولا في صحته،
[ ١ / ٤١٤ ]
فلا معنى أن [] من الكلام أن يقول: ما تصنع بصغيرة، وأنت في حال كبر سن وزمانة؛ لأنه الأغلب ألا يعيش إلى أن تصير هي تصلح للرجال.
فهذا [أ] شبه وقد رويناه مفسرًا، نا محمد بن عثمان، قال: نا محمد بن أحمد المالكي، [قـ]ـال: نا أبو السري، عن حجاج، عن حماد، عن هشام عن ابيه أن الزبير نفست له جارية، فتزوجها قدامة بن مظعون، فقيل له: تتزوج جارية [قد] نفست وأنت شيخ كبير؟ فقال: ثم ذكر باقي الحديث، فلم يذكر فيه [مر] ضا ولا عيادة من مرض، ولا أصل لهذا.
وقد رواه سفيان وحماد و[أبو] حاتم وجماعة فما ذكروا فيه مرضا.
وهذا قول الفقهاء من [أهل] الحرمين والعراقين، من رواية ابن وهب وغيره. من مصنفي أصحابنا [وغي] رهم، وأكره تطويل ذكر الأسانيد.
[ ١ / ٤١٥ ]
ولم تذكر أنت من ذلك أسانيد [لك] تتكيء عليها، وتقابل ذلك بمثلها.
فممن قال ذلك ابن شهاب و[يحـ]ـي بن سعيد وربيعة وعطاء وابن أبي ليلى، وحماد، وقضى به أبو [حفص] بن عمر بن حفص بالمدينة.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم [قال]: أنا الحارث بن أبي أسامة عن ابي عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء [عـ]ـن المريض يتزوج فقال: حدث، وقد قال النبي عليـ[ـه السلام]: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
ثم ذكر هذا الرجل [خبرا لا إسناد له] أن معاذا [خطـ]ـب امرأة في مرضه،
[ ١ / ٤١٦ ]
وأنه كره أن يلقى الله عازبا، قال غير واحد [من] العلماء بالحديث، وهذا باطل لا أصل له، ولو ذكر إسناد لعللناه [له]، وهذا عندهم منكر لا يثب.
والذي ذكر هذا الرجل أن قوله قول جماعة من الصحابة، ثم لم يحصل عليه مما ذكر شيء، ولا صح له ذلك مما ذكر عن واحد منهم.
وما ذكر عن الشعبي وإبراهيم، فقد خالفهما، من التابعين من ذكرنا مع من ذكرنا من فقهاء الصحابة، مع ما ايد ذلك من الدلائل التي ذكرناها.
ومن أعاجيب قوله أنه قال: ويدل على صحة نكاح المريض أنها إن ولدت منـ[ـه] أن الولد لاحق، وأنه إن اقر بولد لحق به، وإن نقص ذلـ[ك] الورثة.
وهذا استدلال فاسد، ويلزمه أن كل نكاح فاسـ[ـد] يلحق فيه الولد، لا يفسده إذا ألحق فيه الولد، والولد يلـ[ـحق] بالشبهة، وهو لا يملك الإتيان بالولد، ذلك من
[ ١ / ٤١٧ ]
خلق الله [عز] وجل، وقد دللنا على فساد النكاح، فلا درك علينا بما يأ [تي] فيه من الولد.
وأما قوله: قد يقر بولد فيلحق به، وينقص ذ [لك] الورثة، يقال له: إقراره بالولد ليس هو ابتداء في المبـ[ـاشرة] للفعل الذي كان عنه الولد، من نكاح، وهو من غير عقد ا [لنكاح] في مرضه، ومع ذلك إن الولد يلحق في كل نكاح فاسد، فـ[ـلا] يحسن أن يكون دليلك على إجازة النكاح لحوقه.
والولد الذ [ي] لا يعرف له نسب لايتهم في استلحاقه، كما لا يتهم عـ[ـند] نفيه، ويتهم في النكاح في المرض، كما يتهم في الطلاق [فيه] واستلحاق الولد فرض عليه، وليس النكاح بواجب علـ[ـيه] وإقراره بالولد غير موجب حتما نقصان مال الوارث، لا [حتمال] موت الولد المستلحق قبله، والزوجة يتعجل فيها زوال [المال] حتما بالصداق، فليس ما ساويت بينه بمشتبه.
ولو لم نستدل على إبطال نكاح المريض إلا بما أوجب الصحابة من الميراث لزوجته، إذا طلقها في مرضه، وهم عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب وعائشة وابن عمر، لا مخالف لهم من الصحابة بنص يصح ويثبت، والله أعلم.
فقد حصنوا الميراث فمنعوه أن يخرج بطلاقه وارثا، فكذلك لا يزيد بنكاحه وارثا، وما في ذلك أكثر، [وفي] بعض ما ذكرنا كفاية، ولله الحمد.
[ ١ / ٤١٨ ]
باب طلاق المريض
قال [عبد] الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك في المريض يطلق زوجته: [إنها] ترثه وإن خرجت من العدة، أو تزوجت غيره، ولا يرثها.
[قال]: وهذا خلاف حكم الله في الميراث بين الزوجين، فإن اكنا [زو] جين توارثا، وإن لم يكونا زوجين فلا ميراث لها منه، وكيف [ينـ]ـكح غيره فرجها، وترث الأول، وهي لا تعتد منه إن مات، [وتـ]ـوريثها بعد إلزام الطلاق لها، وزوال العصمة مخالف [لظا] هر القرآن والسنة، ومن أكل المال بالباطل.
قال: وإنما [حكمـ]ـت بالتهمة، والتهمة لا توجب حقيقة.
أرأيت من لا عن [مـ]ـن الحمل في مرضه، هل يرثه ذلك الحمل والزوجة
[ ١ / ٤١٩ ]
[بالتهـ]ـمة، أو أقر لغريم أجنبي بمال وعليه دين محيط، أتتهمونه [فـ]ـيه؟
ومن ذهب إلى هذا القول المخالف للتنزيل فإنما قلد [فيـ]ـه، عثمان، وقد خالفه في كثير من أحكامه وقضاياه، منها تخمير [المـ]ـحرم وجهه، فكان يخالف عثمان فيما هو خلاف ظاهر القرآن من طلاق المريض، لأنه خلاف كتاب الله.
قال عبد الله: فإنا نقول: تأملوا، رحمكم الله، قوله في عثمان: إنه حكم بخلاف كتاب الله، وقال أيضا: إن قوله مخالف للتنزيل، وهذا كلام من لم يتبع الصحابة بإحسان.
ولا يجوز لقائل أن يقول في أهل اللغة واللسان والفقه والبيان: إنهم اختلفوا في نص القرآن، فصار بعضهم مخالفا للتنزيل، وكأن لا وجه لاختلافهم من احتمال الظاهر، وهذا طعن شديد، هذا إن ثبت أنهم اختلفوا في ذلك، وهو لا يثبت له، ولكن لو صح اختلافهم في طلاق المريض لم يسع أن ينطق بهذا الـ[ـكلام].
[ ١ / ٤٢٠ ]
ولا يتسع لأحد أن يقول: إن اختلافهم يقع فيما [لا يحتمل] غير وجه واحد، ولو لم يقل ذلك منهم غير عثمان ما [جوز] ذلك لذي دين ان يقول: إنه خالف نص التنزيل بما لا يحـ[ـتمل] غير ظاهر النص.
فكيف وقد قاله مع عثمان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابي بن كعب، وابن الزبير، إن كان [قد] حكى عن ابن الزبير خلاف ذلك، فإنا نوجده ما ذكرنا عن [ابن الزبير وعن غيره من] فقهاء الصحابة منهم ثـ[ـلاثة من] الخلفاء [] [قال] هذا الإنسان إنه خلا [ف قول ابن] الزبير، [قال به []ـهم، ولا نعلم
[ ١ / ٤٢١ ]
أحدا من الصحابة قال [] [الكتاب] [] من أن تقول: إن عبد الـ[ـرحمن] [] المطلقة في المرض لا ترث لأن هذا من الظن، ولا [] [بظن] عن عبد الرحمن أن [] طلاقه إياها في المرض دال على ذلك، ولا يخالف هؤلاء الصحابة بظن يظن بصاحب لم يقله.
ونحن نقول بظاهر قول عبد الرحمن وغيره، إن الطلاق واقع، والميراث لها بما تأول هؤلاء الراسخون، ونذكر من الدلائل على صحة ذلك، ما نكشف به ما استتر عن هذا الرل.
ولا نص لك عن عبد الرحمن أنها لا ترث، ولا دليل عليه من الحديث، بل دليل على خلاف ذلك، لأنه ذكر: انها كانت سألته الطلاق، ورغبت إليه فيه، ولا يجوز أن تتقول عليه، أو تقوله قولا بالظن.
فليس لك أيها الرجل – فيما علمنا- سلف من الصحابة تنتهي إلى أن تنسبه إليه بيقين ولنا ثابت عن ابن الزبير مثل قولنا، فمن سلفك الذي تلجأ إليه فيما قلت من منعها الميراث؟
[ ١ / ٤٢٢ ]
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا محمد بن شاذان، قال: نا معلي قال: نا هشيم، عن حجاج، عن ابن ابي مليكة، عن عبد الله بن الزبير قال: طلق ابن عوف امرأته الكلبية، وهو مريض ثلاثا، فمات ابن عوف، فورثها منه عثمان بن عفان، قال ابن الزبير: لولا أن عثمان ورثها [لم أر لمطلقة] ثلاثا ميراثا.
فقد بان لك بأن ابن الزبير قال بما قال عثـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـت، ولعله قال ذلك ثم رجع، ولم يصح تأويلك [عن عبد الرحمـ]ـن
، ورو [ى] [] [حديث] ابن الزبير، عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة كنص [ما] حدثتك، إلا [أن] فيه: فأما أنا فلا أورث مبتوتة.
[ ١ / ٤٢٣ ]
[فقد] ثبت من رواية حجاج عن ابن أبي مليكة خلاف [روايتك عنه]، وذلك أثبت في الرواية، والله أعلم، لابن جريج، على [أنه في] كتبه ربما كنى عن قوم لا يثبت مثلهم، وربما دلس عن ابن أبي يحيى ولم يذكره، ولم يقل في حديثك حدثني ابن أبي مليكة، وقد رويناه عن ابن جريج، وليس فيه هذه الكلمة، التي في روايتك.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: [نا الأنصـ]ـاري، قال: نا عبد الله قال: نا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي [مليكة قـ]ـال: سألت ابن الزبير عن رجل طلق امرأته وهو مريض، فقال: قد ورث عثمان بنت الأصبغ الكلبية، ولم يذكر هذه الزيادة التي في روايتك عن ابن جريج.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وكيف كان الأمر، فقد ثبت أن قول ابن الزبير كقول عثمان، وقد رجع عن غير ذلك إن كان قاله، فلم يبق لك ما تتعلق به من قول الصحابة مما أنت منه على ثقة، إلا تأويل على عبد الرحمن، الظن أملك به.
وذكرت أنك رويت عن عمر وشريح أنها ترثه ما دامت في العدة، وهذا غير قولك، وفيه حجة عليك.
ثم ذكر أنه قول سفيان والأوزاعي وابن شبرمة وأهل الـ[ـرأي].
فقد [بان خلافك لمـ]ـن تقدم، وأقررت بانفرادك بقـ[ـولك] ذلك [] [لم يقل] السلف فيه ما قلت.
ولو تأملت هـ[ـذا] لم تطلق في سلفك من لسانك ما أطلقت [فيهم]، والحديث ثابت بتوريث عثمان امرأة عبد الرحمن بعد انقـ[ـضاء] العدة، من رواية مالك وغيره.
[ ١ / ٤٢٥ ]
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال: نا ابن بكير، عن مالك، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض فورثها عثمان بعد انقضاء عدتها.
ونا أبو بكر قال: نا يحيى [بن عمر قال: نا] سحنون قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها: سألته الطلاق، فحلف ليفعلن إن آذنته بطهرها، فلما طهرت آذنته، فطلقها طلقة، هي آخر طلاقها، وكان طلقها قبل [ذلك] طلقتين.
قال الزهري: وحدثني طلحة بن عبد الله أنه عا [ش حتى حلت ز] وجته تماضر وهو حي، ثم مات فورثها عثمان، فقيل له: قد عرفت أن عبد الرحمن لم يطلقها ضرارا، قال أردت أن تكون سنة ليهاب الناس الفرار من كتاب الله.
قال ابن شهاب: وورث عثمان أم حكيم بنت قارظ من عبد الله بن مكمل، طلقها في مرضه ومات بعدما حلت، ورواه مالك.
[ ١ / ٤٢٦ ]
نا أبو بكر بن محمد قال: نا [يحيى بن] عمر قال: نا سحنون عن ابن وهب قال: نا سفيان الثوري عن المغـ[ـيرة بن مقسم] عن إبراهيم بن يزيد أن عمر بن الخطاب قال في الرجل يـ[ـطلق امرأته] وهو مريض فقال: ترثه ولا يرثها، وليس فيه ترثه في العدة.
[وقد] [] [روى] بعض الناس أن عروة البارقي كتب إلى [شريح بجواب عـ]ـمر في المطلقة ثلاثا في المرض: ترثه ما كانت في العدة، فذكرته للشعبي فال: ما سمعنا به، وزاد هشيم مرة أخرى: ثم رجع، فقال كما قال إبراهيم.
وليس في ذلك أن عمر كتب بذلك، ولا أمر به عروة، وقد ذكرنا ما ثبت عن عمر.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وقد حدثنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم المالكي، قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا ابن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي أن هشام بن هبيرة كتب إلى شريح يسأله عن ذلك، فكتب إليه شريح، فار من كتاب الله ترثه.
وهذا يضعف ما روى من طريق شريح عن عمر، لأنه ها هنا علله من نفسه، ولم يذكر عمر.
وقد ثبت بالأسانيد الرفيعة من رواية مالك [بن أنس] وابن وهب وغيره ما قدمنا ذكره، من قضية عثمان بتوريثها بعد آخر طلقة بقيت فيها، وبعد انقضاء العدة، بمحضر الصحابة ومشورتهم، ورأي علي بن أبي طالب، وقاله أبي بن كعب.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا محمد بن شاذان، قال نا معلي قال: نا وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن رجل من قريش عن أبي بن كعب في الرجل يطلق امرأته هو مريض ثم يموت، قال لا أزال أورثها ما لم تتزوج وإن مضت سنة.
وهذا قول نافع، قال [محمد] بن أحمد أنا عبيد الله بن موسى عن ربيعة
[ ١ / ٤٢٨ ]
وابن شهاب وبكير بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن ياسر والحسن البصري وعطاء.
وقال مخرمة عن أبيه: إنهم كانوا يقولون ذلك، يعني: من قبله.
وقال النعمان بن ثابت في المبتوتة: ترثه في العدة، وهذا يروى عن الشعبي وإبراهيم وشريح وابن سيرين، ترثه في العدة، لأنه فر من كتاب الله
[ ١ / ٤٢٩ ]
فأدركه.
وإذا كانت العلة فراره من كتاب الله فحكم الكتاب يدركه، كانت في العدة أو خرجت منها، لأن العصمة قد زالت، فلا معنى للعدة أن تكون علة.
فأين قولك ايها الرجل الذي تعلقت به، وزعمت أن من خالفه خالف التنزيل، وأبديت وأعدت في قول مالك، إذ قال بما قال الخلفاء والصحا [بة]، ومن سبقه من التابعين؟
وما حصل بيدك من السلف فيما زعمت إلا ظنا تظنه عن عبد الرحمن، وقد بينا ذلك، ورجوع ابن الزبير.
فلقد عز عليك أن تجد اتباع التنزيل على لسانك في الصحابة والتابعين، ولا تقدر أن تدعيه لأحد من الصحا [بة] يروى عنه، إلا ابن الزبير، وقد ذكرنا رجوعه، وما روينا عنه من خلاف ذلك.
فلو كان قولك قولا قاله [طائفة من] الصحابة [و] قال بعضهم بخلافه، ما حل لك أن تقول [فيهم: إنهم] خالفوا التنزيل.
[ ١ / ٤٣٠ ]
فكيف ولا صاحب معك يثبت لك عليه قولك ثباتا يصح، والله المستعان
وقد كان قول الشافعي بالعراق كقول مالك، ثم استخار الله في أن قال بخلافه، ولا ادري بماذا رجع عن ذلك.
وأما قولك: إنما ورثها عثمان بالتهمة، والتهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فقد عرفناك بقوة منع الذرائع في الأصول.
ومنع الذرائع وما أصله عن التهمة يساوي فه بين الناس فيمن يتهم ومن لا يتهم، كما منع النبي ﵇ القاتل من الميراث، ثم الناس في المنع سواء من يتهم بطلب الميراث وغيره، وإن كان أصل ذلك التهمـ[ـة] على أن يرث.
وكذلك من جمع بين مفترق، وفرق بين مجتمع، وكذلك شهادة الخصم والعدو والظنين، مما تقدم ذكرنا لكثـ[ـير] منه، في بابين قبل هذا.
فأصل ذلك التهم، ثم لا يحمي ذلك إ [لا] بمساواة الناس في الحكم كما حمل أبو بكر نفسه محمل من يتهـ[ـم]، في رده في مرضه لما لم يقبض من عطيته.
وقد خفف الله على المسافر فأباح له القصر والفطر، وأخبر أن ذلك للتيسير بـ[ـه] لمشقة السفر، هذا أصله، ثم كان الناس فيه سواء،
[ ١ / ٤٣١ ]
ممـ[ـن] تلحقه مشقة سفر وممن لا تلحقه، من مرفه أخفض عنـ[ـاء] من أكثر أهل الحضر.
فهكذا جرت الأصول إذا حمي الأ [مر] حمي من جميع جهاته، وفي كل حال، لئلا يدعى كل أحد السلا [مة]، وتختلف الأحكام.
وعلى مثل هذا جرى قول أهل المدينة [في] بيوع الآجال، وطلاق المريض ونكاحه وإقراره لوارث، وهذا مما تتسق به الأمور، ويحمي كتاب الله.
فتأمل كيف جرت الأصول في صدر هذه الأمة، قبل أن تجري بما حسن في وهمك.
ويقال له: أرأيت إن أقر المطلق في المرض أنه قصد بطلاقه منعها الميراث والفرار من كتاب الله في حين طلاقه وقبله وبعد إيقاعه، هل تورثها؟
فإن قلت: لا أورثها، قلت ما لا أعلم له قائلا.
ويلزمك ذلك في نكاحه، إذ قال للبينة - أتزوجها لأنقص الورثة بميراثها مني، جنفا عنهم إليها، لا لحاجة إليها.
وكذلك أشهدهم في الطلاق أنه ليمنعها الميراث، جنفا عنها إلى ورثته.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فإن لم تورث المطلقة على هذا، وورثت المنكوحة على هذا، انفردت وهذا لا أعلم من يقوله، وظاهر القرآن يبطله، لأن الله تعالى شرط في الوصية غير مضار، فكيف يعقد النكاح والطلاق ضرارا؟ وهو لو عقد عقد بيع بمحاباة كانت في الباب، فيكيف بهذا؟ وأنت إنما اعتذرت تقول: إن التهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فسألناك، عنه إذا أفصح بالأمر الذي اتهمناه به، وكشف لنا مراده، فإن ساويت بين المتهم بالشيء والمفصح به، تفاحش قولك، وبطلت علتك في التهمة، وناقضت في الحجة.
فإن قلت بما لا يحسن من القول غيره، فقلت: أورثها إذا أفسح بمقصده كما إذا أفصح المتبايعان في بيوع الآجال بما قصدا بالبيعة الثانية والأولى من الوصول إلى الربا، قيل لك، فهل وقع طلاقه عليها أو لم يقع؟ فإن قلت: لا يقع، خالفت الإجماع، لأن الطلاق يقع بسنته وبغير سنته، وإن قلت يلزمه، قيل لك: وكيف تورث امرأة مطلقة ثلاثا، أو واحدة، بعد انقضاء العدة؟ ودخل عليك كل ما ألزمتنا في المطلقة في المرض، وصرت خصم نفسك فيما تجاوزت فيه البناء، وقفت به سلفك من مخالفة التنزيل والمناقضة في القول، ولا مخرج لك مما ذكرنا إلا بمخالفة جميع العلماء أو الرجوع إلى قولنا.
وإذا كان ذلك، كان ما دلّت عليه الأصول أولى أن تحمل التهم وغير التهم – فيما أصله التهم – محملا واحدًا.
وقد منع النبي ﵇ القاتل الميراث، بما أحدث من القتل، الذي الأغلب فيه أنه أراد به ان يتعجل الميراث بالقتل، والقتل لم يبطل قرابته من المقتول، وكذلك لا يمنع
[ ١ / ٤٣٣ ]
الزوجة بما أحدث من الطلاق، إذ أصله التهمة بذلك.
[ ١ / ٤٣٤ ]
ولا فرق بين وارثين، أحدهما يدخل في الميراث بوجه فيمنع من أجله، وآخر أخرج بمثل ذلك الوجه، فلا ينبغي أن يمنع به، فكما لم يصل بحوادثه إلى ما يوجه القتل من الميراث، كذلك لا يصل بحوادثه إلى ما يوجبه الطلاق، من رفع الميراث هذا نفس القياس، ولا درك لك علينا في مطالبتنا لما يوجبه القياس.
وقد نهي النبي ﵇ عمر عن شراء الفرس الذي تصدق به، وجعل ذلك كالرجوع في الصدقة، فهذا فيه وجهان، أحدهما: منع الذرائع التي تجر إلى ما يشبه المنهي عنه، وآخر أن يحمل من يتهم إلى قصد ذلك ومن لا يتهم محملا واحدا، لئلا تختلف الأحكام على ما بينا.
ويقال له: أليس المريض عندك في معنى من الحجر في ثلثي المال، أن يحدث فيه حادثة، توجب على الوراث فيه نقصا؟ فإن قال: نعم قيل: فطلاقه للزوجة حادث، أوجب على أصلك منعها من جميع ميراثها، وأنت تمنعه، أن يحدث ما ينقصها بعضه، فقد أحدث حدثا أزال جميعه عنها.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وأما قولك: إنها قد بانت منه، ولا تعتد منه، ولو صح لم تحل له، فلا حجة لك بذلك، لما تقدم دليلنا به.
ونزيد بذلك بيانا فنقول: أرأيت إن اعتق عبيده في مرضه، ولا يملك غيرهم، أليس إن صح عقتوا عليه، وإن مات ورث منهم الورثة الثلثين، بالميراث الذي لا تبطله حوادثه؟ فكذلك الزوجة مطلقة ترث، ولا يبطل ميراثها بحوادثه.
فإن قلت: فلم لا أنفذت العتق كما أوقعت الطلاق؟ قلنا لك: إنما أبطلنا العتق إذا مات في ثلثي العبيد، لأن ثلثي العبيد [ملـ]ـك الورثة، الذي منع فيه من الحوادث، ولم نبطل الطلاق في نفسه إذا مات؛ لأن إيقاع الطلاق في نفسه لا يضر الوراث وهي الزوجة، وإنما يضرها منع الميراثن فورثناها، ولم نجعل دثه يمنعها ميراثها كما لم يكن عتقه لثلثي العبيد يزيل ميراث الورثة منهم، ولا يصل الوارث إلى الميراث بالعتق، والزوجة تصل إلى أخذ الميراث مع إيقاع الطلاق.
فتأمل موضع اتفاق العلل واختلافها، ولا يبعد عليك أن ترثه ولا يرثها، إذ العلة التي في ميراثها منه كانت منه، وقد وقع طلاقه بإجماع، ولم تقم مثل تلك العلة في ميراثها.
[ ١ / ٤٣٦ ]
والعمة تورث ولا ترث، وبنت الأخ ومولى النعمة، وليس هذا بدافع لما ذكرنا من شواهد الأصول.
وأما قوله: فاتهموا من نفي حملا، فلاعن منه في مرض وروثوا الحمل والزوجة، أو أقر بدين لأجنبي، وعليه دين محيط.
فإنا نقول في الزوجة: إنها ترث، ولم يدر قولنا في ذلك، ولا في إقراره بدين لأجنبي وعليه دين محيط، فهذا يلزمه ولا تهمة فيه.
وأما الولد المنفي فلا يتهم أحد في نفي ولده، إنما مجاري التهمة على الأغلب من الأحوال، ألا تراه لو أقر به بعد أن نفاه أنه يحلق به، وكذلك لو استلحق ولدا لأمته في مرضه لحق به، فكذلك إذا نفاه لم يتهم فيه، كما لم يتهم في استلحقاقه والزوجة إذا أحدثها في المرض لم يجز نكاحه.
فكما افترق إحداثه للنكاح من استلحاقه للولد، كذلك يفترق نفيه إياه وطلاقه للمرأة في مرضه في الأحكام.
وأما قولك: إن مالكا خالف عثمان في كثير من أحكامه وقضاياه، من ذلك تخمير [المحـ]ـرم وجهه، وأشياء يطول ذكرها، ثم لم تذكر منها شيئا، فهذا باطل من الدعوى بغير برهان.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقولك: من ذلك تخمير المحرم وجهه، فهذا عجيب، وما مدخل هذا في الأقضية [و] الأحكام، وليس يخالف مالك أقضية الخلفاء، التي تكون [علـ]ـى المشورة من الصحابة، وإن كان أمرًا اختلفوا فيه، فلا [يخا] لف عثمان، إلا لقول غيره من الصحابة.
ومع هذا إن عثمان [ر] حمه الله، استخف تغطية ما يمكن تغطيته من الوجه، [بمـ]ـعنى التوشح والإلتحاف، وهو غير مستدام، وليس [علـ]ـي أنه خمر ذلك برباط أو عقاص، وإنما يستدام ما [ربـ]ـط أو جعل من فوق الرأس، ولم ير عثمان تغطية الرأس، [و] إذا كان الرأس مكشوفا، لم يتأت تعطية الوجه إلا من ناحية الالتحاف الذي لا يدوم.
وإنما كرهه مالك لقول غير عثمان من الصحابة، ابن عمر وغيره، ولما جاء أن الحاجة التفت الأشعث فأضحى الوجه هو من تناهي الشعث، وما له [] المحرم إليه من التفت والشعث، ولم ير مالك فيه [] عن عثمان ولأنه ليس بالانتفاع البين، ولا مما
[ ١ / ٤٣٨ ]
يستدام بالتمكن، فهو شيء بعضه أفضـ[ـل] من بعض وأولى، وهذا من اتباع أحسن القول من قول الصحابة.
فعرفنا أنت بقول من تعلقت في طلاق المريض، في منعها الميراث.
وكل قول لا يوقن بأن لك فيه سلف، واجب عليك الانتقال عنه، إلى ما ثبت عن السلف، الذين ليس لأحد أن يقول قولا لا يعلم له قائل منهم، وإلى ما شهدت بصحته الأصول والدلائل.
ولو أنصف خصومنا فيما يحكون عن مالك، أو ينكرون لتركوا كثيرا مما ينكرون، والله المستعان.
تم الجزء الأول بحمد الله وقوته وتأييده، يتلوه في أول الثاني إن شاء الله: القول في شهادة الصبيان.
وكتب محمد بن عبد الله بن محمد الأندلسي، من كتاب الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بمدينة القيروان، وفي شعبان من سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة [و] إبراهيم بن بكر البرقي وبلغ بالسماع جعفر بن إبراهيم [البوني].
سمعه عبد الرحمن بن مروان الأندلسي القرطبي، وإبراهيم بن إسحاق التدميري، أبي محمد ﵁.
[ ١ / ٤٣٩ ]