من كتاب الذب عن مذهب الإمام مالك
[ ٢ / ٤٤١ ]
الجزء الثاني من كتاب " الذب عن مذهب ملك في [غير] شيء من أصوله، وبعض مسائل من فروعه، وكشف ما لبس به بعض أهل الخلاف، وجهله من محاج الأسلاف"
فيه: مسألة شهادة الصبيان، وفي المحرم يقتل الصيد خطأ، وفي نكاح العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن وليها، وفي إعطاء المرأة لزوجها من زكاتها، وفي العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم يستحق العبد، وفيمن وطيء أمة ابنه، والحكم في الزنيق، وفي الأب يتزوج بمال ولده، أو يعتق منه، وفي اغتصاب الأب ما وهب لابنه، وفي المطلقة ثلاثا، هل يحلها زوج نصراني، وفي طلاق أهل الكفر ونكاحهم وإحصانهم، وباب في طلاق الشرك، وباب في النفقة على الولد، وباب في الطلاق قبل النكاح، ثلاثة عشر بابا.
[] [محمد] بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأندلسي، وكتب بيده [بمدينـ]ـة القيروان، من كتاب الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، أيده [الله] وذلك في صدر شعبان من سنة [إحدى] وسبعين وثلاثمائة.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وأهله
في شهادة الصبيان
أنكر هذا الرجل قول مالك، في إجازة شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، ما لم يفترقوا ويخببوا.
وقال: إنه مخالف لظاهر التنزيل، من قوله سبحانه: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وهم غير مخاطبين ولا مأمورين ولا منهميين قبل البلوغ.
قال: وهم لا يقبلون في الأموال ولو على حبة واحدة، ولا تجوز شهادتهم عنده لكبير على صغير، ولا لصغير على كبير، في الذي أجازها فيه بينهم.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قال هذا الجريء: وهذا اختلاط من القو [ل]، وخروج من المعقول، ومخالفة ظاهر القرآن، وقول ينقض بعضه بعضا، إذ فرق بين ما لا يفترق في خبر ولا نظر، ولا كتاب ولا سنة ولا اتفاق، إذ قبل شهادتهم في بعض الأشياء، ولقوم [دون] قوم، وفي وقت دون وقت، وهذا الحكم في دين الله، خالفه بما لم يأ [ذن به].
فأول ما نحن بادئون، به في جواب هذا الرجل، أن نعرفه بأ [ن] مالكا -فيما قال من ذلك- إنما قفا فيه أثر من قال ذلك قبله من الصحابة والتابعين، ثم نستدل بعد ذلك على صحة ذلك من النظر.
و[إن] كنت أيها الرجل عنهم [تنبز] بالاختلاط في الذهن، والخر [وج] من المعقول ومخالفة القرآن والتناقض، وما انتهيت [إليه] من شهوة نفسك إلى الغمص فجرد القصد بذلك إليهم إن اتسع لك ذلك فيهم، ولئن ضاق عليك ذلك فيهم، ليضيقن عليك فيمن بعدهم، من الأئمة المتبعين لهم بإحسان.
فممن أجاز ذلك علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان وعطاء والحسن وإبراهيم.
وقال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة الصبيان فيما بينهم، بعضهم على بعض، يعني: التابعين.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قال الحسن: لا تجوز على كبير، وأجازها الشعبي.
نا أبو بكر، نا يحيى بن عمر، نا أبو الطاهر، عن ابن وهب، أنا يونس، عن أبي الزناد، أن السنة أن تجوز شهادة الصبيان بينهم في الجراح، ويؤخذ بأول ما يسألون.
قال ابن وهب: وأنا رجال من أهل العلم عن علي بن أبي طالب، وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير وابن قسيط وأبي بكر بن حزم، وربيعة وابن شهاب وعمر بن عبد العزيز، ومروان بن الحكم وقاله مالك وعبد العزيز فيمن اتبعهما.
نا محمد بن أحمد بن تميم، قال: أنا بكر بن حماد قال: نا مسدد نا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة عن الحسن قال: قال علي: شهادة الصبيان على الصبي جائزة.
وأجازها معاوية بعضهم على بعض، ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا.
وقاله عطاء وإبراهيم: يجوز بعضهم على بعض.
ورواه مالك عن هشام بن عروة عن ابن الزبير.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وقال مالك في موطئه: إنه الأمر المجتمع عليه عندهم، وهذا آكد شيء من الأمور.
ومالك - فيما ذكر من ذلك - ناقل لاجتماع القوم على ما ذكر، فقد تنطعت في قولك من هؤلاء المر [ضيين] من خيار القرون، على أنهم اجتمعوا على خلاف القرآن، والاختلاف في القول، والتناقض، والخروج من المعقول في قولك، وإنك لغـ[ـائب] عن هذا التنطع.
وبعد ذلك: فإن ما ذكر عن ابن عباس أمر لا حجة لك فيه، ولا لمن قال قولك، إنما روى ابن ابي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن شهادة الصبيان، فقال: قال الله عز و[جل]: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قال ابن أبي مليكة، فما رأيت القضا [ة] أخذت إلا بقول ابن الزبير.
وبعد، فليس تجد في رواية أن: ابن عباس سئل عن شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، فقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهذا جواب عن سؤال، وإنما المسألة كانت فيما لا يجوزون فيه، وابن عباس أجل في العلم أن يحتج بحال المندوحة على حال الضرورة.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وذكر ابن عـ[ـلية] عن ابن سيرين، في شهادة الصبيان: فكتب: ويستثبتون و[روى] عن الحكم وابن أبي ليلى، ولم يذكر عنهم أنها في الجراح بينهم.
قال أبو بكر بن الجهم: والتأويل في كل من ذكر عنه رد شهادة الصبيان ما تأولنا، أن ذلك فيما لا تجوز فيه شهادتهم، أ [ا] ما بينه أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، فإنا ما علمنا أحدا سبقهم إلى ذلك، فنص عليه نصا مفسرا، برواية عن أحد من المتقدمين.
وكذلك ما ذكر عن القاسم وسالم سئلا عن غلام شهد، قالا: إن أنبت فشهادته جائزة، فهذا في سائر الأمور، ولم ينص على الجراح، وإنما ذكر هذا ابن وهب عند ذكر حد البلوغ، الذي تجوز به الشهادة في كل شيء، وغير ذلك من الأحكام.
فماذا تعلقت أيها الرجل؟ ومن سلفك الذين لجأت إليهم بنص من الرواية عنهم حتى صغر عندك قول مالك في هذا، وخفّ لسانك في عيبه.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
ونحن نسألك بعد هذا في إبطالك لشهادة الصبيان في الجراح بينهم، عند الاختلاف فيها، في زعمك، أبنص قلته أو باتفاق أم بقياس؟ ولا سبيل لك إلى دعوى الاتفاق.
فإن قلت: بالنص، سئلت عنه، فإن تلوت ما نص الله في آية الدين: ﴿ممن ترضون ن الشهداء﴾ وما ذكر في آية الرجعة: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله في الوصية: ﴿إثنان ذوا عدل منك أو آخران من غيركم﴾.
قيل لك: لو كان ما ذكر في آية الدين ما يوجب استعمالها في كل شيء، لزم أن تجوز شهادة النساء في غير المال، وشهادة غيرنا - المذكورة في الوصية في السفر- في كل شيء على قولك.
فأراك ذكرت آيات تقول: إن فيها خصوص في شيء دون شيء ووقت دون وقت.
وبعد، فلو لم يكن فيها خصصو ما ساغ ذلك – على أصلك – أن تستعملها إلا فيما جاءت فيه، ولا تقدر أن تقول: إن معك في رد شهادتهم بينهم في الجراح نصن وأنت فغير قائل بالقياس، فترد ما لم يذكر إلى ما ذكر، [وأنت] قد رددت ما لم يذكر من شهادة الصبيان في الجراح، إلى ما [ذكر] من الشهادة في دين ورجعة ووصية.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وما أجمعوا عليه لهم، أن لا يقبل فيه إلا العدول البالغين فأنت تقول به وغيرك، وما اختلفوا فيه لم يجب على أصلك رده إلى أصل، من نص أو اتفاق، لأن ذلك عندك من القياس، والقياس لا يجوز عندك.
ويلزمك أن لا تجيز في عتق الظهار، إلا مؤمنة، لما ذكر الله في آية كفارة القتل: ﴿رقبة مؤمنة﴾، وأنت لا تدري ذلك يلزمك.
فإما أن تقر أنه لا نص معك في شهادة الصبيان، في كتاب الله وسنة نبيه، أو ترجع إلى أصولنا في الاستدلال، أنه إذا ذكر الله تعالى حكما، فنص عليه، كان فيه وفيما يشبهه مما لم ينص عله، وهذا فيه نقض أصولك كلها.
ونحن رأينا حال الصبيان حال ضرورة، فرددنا ذلك إلى ما أجمعوا عليه، من إجازتهم لشهادة النساء، في الضرورة، فيما لا يطلع عليه غيرهن.
ثم ذكر أن مالكا قال: إن شهد صبيان لرجل بالغ، ولصبي على صبي: أن هذا الصبي فقأ عين هذا الصبي وعين هذا الرجل البالغ، أن شهادتهم للصبي جائزة، ويجب أن يحكم للصبي المفقوء العين على الصبي المشهود عليه بدية عينه أجمع، ولا تجوز شهادتهم للرجل البالغة بما جنى على البالغ.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فهذا الذي حكى باطل ليس بقول مالك، واراه على ظنه يتكلم إن سلم من التعنيد ففيما حكى وجهان من الخطا، أحدهما، أنه يحكم على الصبي بدية العين، التي فقأها [للصبـ]ـي ومالك يقول إن عمد الصبي كالخطإ، وهذا أيضا مما لا أعلم فيه خلافا.
فكيف جعل دية العين على الصبي؟ فقول مالكا ما لا يقوله مالك ولا غيره.
ووجه آخر: أن من قول مالك: إنه إذا كان كبيرا- قد خالط الصبيان- مشهود له أو مشهود عليه، أو داخل دخل بينهم، فلا تقبل مع ذلك شهادتهم للصغير لريبة، خلطة الكبير بهم، أن يكون يخدعهم في أمر.
فقول مالك: لا تقبل شهادتهم للصغير ها هنا، لكون الكبير معهم، على ظاهر سؤال هذا الرجل، لأنه ذكر في الشهادة: أن الصبي فقأ عين كبير وصغير، ولم يل ذلك في وقتين، ولا شهادتين وظاهر هذا أنه في وقت واحد.
[ ٢ / ٤٥١ ]
ثم أكد خطأه، فقال: وهو لا يجيزهم على حبة واحدة من الأموال، ويجيزها فيما قد يوجب دياتا كثيرة، من قطع اليدين والرجلين وفقء العينين وقطع اللسان، فيجب بذلك على المشهود عليه ديات كثيرة.
فهذا أيضا وجه آخر من غرائب تأكيد الخطأ والباطل، ومالك لا يقول: على الصبي المشهود عليه شيء، وإنما عمده كالخطإ، وذلك على العاقلة.
وهذا رجل ما يدري ما يقول ولا ما يحكي، والله المستعان.
وأما قولك: واتفق علماء الأمصار أنه لا يجب حكم إلا بإقرار، أو شهادة عدلين، أو عدل واامرأتين في الدين خاصة، فهذه دعوى الاجماع، فيما فيه الاختلاف كثير.
قد قال كثير من الناس بإجازة شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، وقال آخرون، تجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض في كل [شيء]،
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وقال أهل المدينة: تجوز شهادة الصبيان بينهم في الجراح، وقال بعضهم: تجوز شهادة غير العدل في ما تستحق به القسامة.
ففيم هذا الإجماع الذي ادعيت أنه لا يُحكم لأحد إلا بما ذكرت.
وشيء آخر، لو كانت كل حال من ضرورة ومندوحة واحدة، ما أجمعوا على قبول شهادة النساء، فيما لا يطلع عليه غيرهن.
ولو كان ما ذكرت من النص عليـ[ـيه] لكان قد أجمعوا على خلاف النص.
ونحن فنرد الحوادث المختلف فيها إلى الأصول المجتمع عليها المشبهة لها، فلما رأيناهم أجمعوا على قبول شهادة النساء وحدهن في الضرورة لما يفوت، و[قد] لا يطلع عليه غيرهن، للحاجة إلى ذلك، أجزنا شهادة الصبيان في الضـ[ـرورة]، فيما بينهم، فيما يفوت من أمر الدماء، وما لا يوجد فيه الرجال.
وفي الأصول شواهد لهذا مع القياس فيه، ألا ترى أنه تجري كثير من الأحكام بالدلائل، وبالأغلب من الأمور للضرورة.
فمن الحكـ[ـم] بالدلائل: ما جعل الرسول ﵇ في معرفة العفاص والوكـ[ـاء] في اللقطة، وجعل ذلك دليلا، يوجب الحكم لمدعي
[ ٢ / ٤٥٣ ]
اللقطة، للضرور [ة]، إذ لا يمكن أحدا أن يشهد على تلف شيئه، ولا يعلم ما عسى أن يتلف له، فيستعيد الإشهاد على أنه في يديه وملكه.
وكذلك حكموا بالحائط لمن إليه القمط، روي عن علي بن أبي طالب، وعليه الحكام، فهذا من ذلك، لعدم البينات.
ومن الحكم بالأغلب قبول دعوى المرأة في الوطء إذا خلا بها الزوج، إذ ليس موضع بينة، وإذ الأحكام في إلحاق ما يظهر من ولد بالزوج قائمة، ولحوق الولد حجة لنا على من خالفنا في قبول قولها.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ونحو ذلك من الحكم بالأغلب والأشبه، تصديق المرتهن في الدين إلى مبلغ قيمة الرهن، وحكمنا في متاع البيت - عند اختلاف الزوجين فيه – بالأشبه والأغلب من ملك كل واحد منهما.
ونحن- وإن خولفنا في بعض ذلك – فإن من وافقنا في بعضه مخصوم في بقيته، مع دلائل لنا في ذلك نذكرها في موضعها مستوعبة.
ومما جرى فيه مثل هذا من الضرورة، ما قلنا في القسامة مع شهادة الشاهد الواحد على معاينة القتل، وكذلك مع دعوى الميت، وهذا كله لأنه حال ضرورة، وبنا حاجة إلى حياطة الدماء.
وكذلك الصبيان بنا حاجة إلى تعلمهم الثقاف والحراب تضرية للقتال والثقاف فلا بد من الاحتياط في دمائهم وجراحاتهم.
فإن قيل: فأجز شهادة الفساق بينهم في الجراح، والنساء بينهم فيها.
قلت: لا حاجة بنا إلى حفظ جراح الفساق ودمائهم، إذ لا يجوز اجتماعهم على ما يجتمعون عليه، وكذلك ما تجتمع له النساء لا ضرورة بنا إلى حفظ ذلك منهن، وبنا حاجة وضرورة، إلى حياطة دماء الصبيان فيما يجتمعون له.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وقصرناها في الدماء لما عظم الله من الدماء، ولأن ذلك يكون حيث لا تحضره البينات، فجعلت القسامة في الدماء لمثل ذلك، فلمثل لك أجزنا شهادة الصبيان، شهادة الضرورة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما﴾ والصبي ممن يعلم الشيء، فلا يبعد أن يقبل في الضرورة، كما يقبل خبره.
ولم نجزها على الكبير، لدليل منع من ذلك، وكذلك في قبولها في غير الجراح، والدلائل تؤيد قبولها [في الجراح] لما تقدم من الشواهد التي ذكرنا، ولا ضرورة [بنا] في قبولها للكبير في جراح ولا غيرها، ولا على كبير، ولما يعترض [فيه] مع ذلك، لأنه إذا دخل بينهم الكبير كان الأغلب منه أن يكلمهم ويخدعهم فيصير ذلك ظنة تقدم في شهادتهم.
فإذا يدخل بينهم كبير مشهود له أو عليه، أو أجنب، لم تعلق بشهادتهم علقة توجب التوقف عن قبولها، للضرورة التي حيطت معها الدماء بأضعف من هذا من القسامة، مع دعوى الميت وشهادة الواحد، وشهادة النساء فيما يؤول إلى الأنساب والمواريث والحرية وقول غيرنا في القتيل في المحلة مع القسامة، وما تقدم ذكرنا إياه.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
فلهذه المعاني فرق مالك بين شهادة الكبار والصغار، وعلى الكبار والصغار، وقال: إنها في الجراح دون ما سواها.
وإنما آفة من يصدف عن قول مالك النكير بأول خاطر، وإجابة أول ناعق، والعجلة قبل الفكرة والتأمل، والله المستعان.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وأهله
في المحرم يقتل الصيد خطأ
وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المحرم يقتل الصيد خطأ: إن عليه جزاء، واحتج بأن الله سبحانه قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ الآية.
قال: فلما خصّ بالذكر المتعمد دلّ على أنه لايفكر ذلك المخطىئ، وأنه لوكان فيه كفا رة لم يكن في خصو صاالمتعمد بالذكر فائدة.
وأعاد مثل هذا وكرره، وشاب كلامه بجهل من القول، لا فائدة لنا في مجازاته عليه.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وزعم أن قول مالك مخالف لظاهر القرآن، هذا وهو قول عليه السلف من الصحابة والتابعين ممن سنذكرهم بعد هذا.
وإن كان هذا الرجل لم يذكر- في هذا الباب - لقوله سلفا من صاحب ولا تابع، كأنه يرى أن لأحد أن يقول بغير سلف، وسنذكر بعد هذا ما قيل في ذلك، وما انتهى له جمهور السلف.
وهذا الرجل سمع أن ما خص بالذكر يخص بما ذكر له من الحكم، فظن أن هذا يجري في كل شيء، وإنما هذا فيما لا يقوم دليل يدل على معنى ما خص من ذلك الذكر، أو لا دليل يدل أن للمسكوت عنه حكم المذكور، وأما والأدلة قائمة بما له خص المذكور بالذكر فلا.
وهذا الرجل أيضا، يبعده من هذا قوله في القياس: إنه لا يجب للمسكوت عنه حكم المذكور، ونحن نرد ما لم يذكر إلى ما ذكر، إذا أشبهه فيما له وجب الحكم، ونحن نريه ذلك فيما اشتبه من باب القياس، وما يدل من الخطاب في غير شيء، من الأصول، مما يكشف لك أن ما خص به المتعمد من الذكر لا يرفع الحكم عن من لم يذكر من المخطيء والناسي.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
فأما من نفس الآية، فقوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ فلم يكن ذكره لقتل المحرم للصيد - وإن خصه بالذكر- برافع ذلك عن قتل الصيد ممن ليس بمحرم في الحرم، مع ما أكد الرسول ﵇ من ذلك وبينه، فلم يكن ما خص المحرم به من النهي برافع لمثل ذلك النهي عن الحلال في الحرم.
وشيء آخر، أنه لم يكن إيجابه الجزاء على من ذكر من المحرمين، برافع ذلك عن الحلال [الذي يقـ]ـتل [صيدا] في الحرم، فقد أوجب عليه العلماء الجزاء، وإن اختلفوا في قدر ذلك، فإنما ردوه إلى معنى المذكور في الآ [ية].
أيضا ليس ذكر دية النفس في الخطإ بمانع أن تقبل في العمد صلحا، أو يعفو بعض الأولياء.
وكذلك قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ وقد يكون في غير المسجد، وهو معتكف لحاجة يخرج إليها، والمباشرة لا تحل له، فذكر أغلب أحوال المتعكف، وهو كونه في المسجد.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وقال سبحانه في المبتوتة: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ فخص إباحتها بطلاق الثاني، وهي تحل له بموت الثاني أيضا، وإن خص الطلاق بالذكر.
وكذلك ليس قوله: وإن ﴿كن نساء فوق اثنين﴾ برافع حكم ذلك عن الاثنتين، وإن خص بالذكر ما فوقهما،- في قول أكثر العلماء - بل هو إجماع من القرن الثاني والثالث، وكل من يخرج ذلك من الإجماع.
وكذلك قوله في الإماء: ﴿فإذا احصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، يريد الحرائر، فلم تكن خصوصيته لإيجاب نصف الحد على من تزوج منهن، برافع ذلك عن من لم تتزوج منهن، كما قال بعض الخوارج، وقال الرسول ﵇ في الأمة: إذا زنت فاجلدوها.
[ ٢ / ٤٦١ ]
ولم يكن أيضا ذكره في الكتاب وفي الحديث عن الرسول لإيجاب الحد على إناث الأرقاء، برافع ذلك عن ذكورهم.
وقد يذكر الشيء من أعلى وجوهه، فيدل ذكره من أعلى وجوهه على حكمه فيما هو دون ذلك من وجوهه، وليحمي ذلك من بعيد التأويل.
ولو ذكر الله سبحانه الحد مطلقا، من غير ذكر إحصانها، وذكر الكفارة في قاتل الصيد مطلقا، من غير ذكر المتعمد، احتمل أن يتأول متأول أن الكفارة مصروفة في الصيد إلى الخطإ، الذي كرت فيه الكفارة في [قتل] [النفس، وأن العمد ليس مما تكفره كفارة في القتل]، ولا متعمد الكذب في اليمين.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
فلما قال: ﴿متعمدًأ﴾ – وهو أعلى وجوه قتل الصيد- دل أن ما دون ذلك مثله، تكفره الكفارة.
ولو لم يقل في الأمة: ﴿فإذا احصن﴾ لاحتمل أن يكون ذلك على من لم تتزوج منهن، فيظن ظان أن المتزوجات كالحرائر في الرجم، فجمع بذكر، ﴿فإذا احصن﴾ رفع الرجم في إحصانهن، وأنه ذكر الحد فيهن في أعلى الأمور، ليدل أن ما دونه مثله، والله أعلم.
وتأويل من تأول في قوله: ﴿فإذا احصن﴾ أنه يعني: أسلمن، يبعد لقوله سبحانه أول الآية: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فكيف يقول بعد ذلك: فإذا آمن؟ وأكثر العلماء في هذا على ما ذكرنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ فذكر حد القذف فيهن، ولم يذكره في قاذف الحر المحصن، فلم يكن ما خص بالذكر يرفع الحد عن من لم يذكر،
[ ٢ / ٤٦٣ ]
من قاذف الرجل، قال ﴿ودرؤا عنها العذاب﴾ ولم يذكر العذاب في نكول الرجل، فناب ذكره في المرأة عن من لم يذكر من الرجل إذا نكل.
وقال: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [فذكر] النظرة إلى [ميسرة] بالمال في [الدين] أصله [عن ربا]، ولم يذكر ذلك في دين ولا ربا فيه، فكان له حكم ما ذكر، لتساوي علة ما لم يذكر مع ما خص بالذكر، وهي العسرة.
والله سبحانه يذكر الشيء، فيخصه بالذكر لغير وجه، إما أن يذكره بأعلى وجوهه، ليدل بما ذكر على ما هو دونه، على ما بينا، أو ليدل بما ذكر على مثل ذلك فيما لم يذكر، مما يشبهه فيما له وجب الحكم، وقد يذكره ليخصه بذلك الحكم، بدليل يظهر في ذلك.
ولا دليل لمن خالفنا، أن قاتل الصيد لما ذكر الجزاء في عمده أريد به الاقتصار على العامد، دون المخطيء.
بل الدلائل تدل على خلاف ذلك؛ لأنه لما قال سبحانه: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ انعقد تحريمه محملا، ولم يأت نص بإباحة ولا معرة في عمد ولا خطأ، كالنهي عن قتل النفس.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فلو لم يذكر الله تعالى الكفارة في عمد، لم يجب ان يقال: إن الكفارة تكفر ذلك، كما لا تكفرة الكفارة عن متعمد قتل النفس، أو متعمد الكذب في اليمين، في قول أكثر العلماء، وللحقه الوعيد كما لق قاتل العمد، إذ كلاهما قتل ما نهي عن قتله.
فلما خفف الله عمده، فجعل الكفارة تكفره، علم ان قصده لذكر العمد عبارة عن التخفيف، إذ كان الكفارة مكفرة للعمد، الذي هو أعلى وجوه القتل، فهي للخطإ الذي هو دونه أحرى أن تكفره، لأنه سبحانه قد جعل الكفارة تكفر خطإ قتل النفس، وقد قال جل اسمه: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فذكر التكفير في إماطة أذى الرأس وفي المريض، وذلك أعلى وجوه إماطة الأذى والتفث فاشتمل ذلك على ما هو دونه مما لم يذكر، من إماطة أذى الجسد، وتناول الطيب، ولبس ثوب، ونحوه، لمرض أو لعذر غير المرض المذكور، ولم يقصر حكم الفدية على ما ذكر دون ما لم يذكر.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
و[قد] ذكر الهدي في المتمتع ولم يذكره فيمن انثلم من حجه شيء، أو قرن، فكان ذكر ذلك في المتمتع يدل على ما لم يذكر مما أشبهه، وهذا كثير، وهذا كله يؤيد أحكام القياس.
وبعد، فليس يدعي مخالفي أن عنده نص، يرفع الكفارة عن المخطيء في قاتل الصيد، فإذا لم يكن نص، ولم يكن ذكر العمد فيه بمانع إيجاب ذلك على المخطيء، لا بينا من الأدلة في نفس الآية، وفي غير ذلك من الخطاب والأحكام، فأدنى منازل قاتل الصيد خطأ أنه لاحكم له منصوص بإيجاب كفارة أو رفعها.
ولنا دليل يدل أن فيه الكفارة؛ لأنه قتل نفسا نهي عن قتلها، كما نهي عن قتل ابن آدم ملطقا، فكان في خطئه الكفارة بالنص.
وأصبنا الجزاء في الصيد وسمه الله باسم الكفارة، بقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فألحقنا حكمه بأحد المذكورين في شبهه به، إما بالمذكور من عامد قتل الصيد لشبهه به في أنه قتل وقتل، وأن ذكر العمد علم للتخفيف، وأن ذلك أولى من أن يدل على أن يخص بالتكفير، لما قدمنا ذكره، أو ألحقناه بما ذكر من قاتل النفس خطأ لأنه خطأ وخطأ، وكفارة وكفارة، فهذا وجه الاستدلال والقياس.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وما دل عليه القياس وشهدت له الأصول فقد قامت حجته، وللمناظرة في القياس موضع غير هذا، وقد رمينا بجملة منه في أول الكتاب، وما نضحنا منه في هذا الكتاب.
وبعد فإن ذكر الشيء بحكم في أعلى وجوهه، لا يمنع أن يكون مثل ذلك فيما دونه وذكره بحكم في أدنى وجوهه يمنع من الحكم بمثل ذلك في أعلى وجوهه إلا ببيان ونص.
ألا ترى لما ذكره الله الكفارة في قاتل المؤمن خطأ، لم يكن ذلك دليل أنها تكفر عن العامد، لأنه أعلى معنى من المذكور، ولا يساويه فيما له وقع التكفير؟
وكذلك تكفير اليمين للحانث، لا يدل أنها تكفر عن متعمد الكذب بيمينه – وهذا قول صحابك معنا – لأنه أعلى، ولا يساويه فيما له وقع التكفير.
وذكر الكفارة في عامد قتل الصيد، قام دليل ظاهره أنه تخفيف، فدل أن ما دونه تكفره الكفارة، لشبه ذلك بما وقع فيه التكفير، وهو القتل، الذي ذكرت الكفارة في مثله في نفس المؤمن.
فإن قال: فقد ذكر الله تعالى الدية في الخطإ، فلم جعلتها في العمد وهو أعلى وأبعد مما له وجبت الدية؟
قلت: إنما تلزم هذه المعارضة لو جعلتها في العمد بغير حادث، ينتقل به الحكم من عفو بعض الأولياء، أو صلح جميعهم فأما وأنا اقول: لا دية فيه إذا طلب الولي.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
القتل – وهو السلطان الذي جعل الله له – فلا، حتى إذا سققط سلطان القود – الذي به جعل العمد أعلى مرتبة من الخطإ، إما بصلح أو عفو، تساوي حكم القتلين في الدية، في أن هذا قتل وهذا قتل، ارتفع القود فيهما، فأعطيتهما تساوي الحكم عند تساوي المعاني فتأمل.
وبعد، ف إنا نقول – إن خالفنا في ذلك، واحتج بخصوص العمد في الصيد بالذكر – أرأيت المحرم يقتل صيدا ناسيا لإحرامه، ايؤكل؟
فإن قال: لا يؤكل – وهو قوله – قيل له: ولم حرمته؟ ولم لا كان ذكره متعمدا يدل على خصوص التحريم للأكل في التعمد المذكور كما خصصته في التكفير؟
فإن قال: حرمته لأن الله حرم صيد البر مطلقا، فلا يباح اكله بصيد المحرم عمدا، وخطا.
قيل له: فلم لا دلك ذلك على وجوب التكفير، كما كان دليلا على وجوب التحريم، ولم يكن خصوص المتعمد بالذكر دالا على تحليل أكل صيد غير المتعمد، من الناسي من المحرمين، والصائد في الحرم من المحلين؟ فكما حرمته بظاهر النهي، فكذلك تجب الكفارة لهذا المعنى.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وأدنى ما يلزمك: أنه لا نص معك في رفع الكفارة، ولا دليل لك سالم من المعارضة، ولنا ما ذكرنا من الأدلة الموجبة لها.
فلو دفعت هذا كله بمكابرة أو شبهة، لكان اقل منازلنا فيه الاستدلال من باب القياس، الذي لا وحشة علينا من دفعك إياه.
فلا يعدو الجزاء في قتل الصيد عمدا، أن يكون كفارة أو دية، وأي ذلك كان ففي قاتل النفس خطأ مثله.
والدليل أن ما في قتل الصيد من الجزاء المذكور كفارة، قوله تعالى - في سياق الآية في التخيير – ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فجعل ما خيره فيه ينوب بعضه عن بعض، فالاسم الذي أعطاه [من] الكفارة يجب مثله لما ذكر معه، لأن بعضه بدل من بعض، والدية [] [عنها] فهو باسم الكفارة أولى.
فإن قلت: إن قاتل النفس عليه دية وكفارة، والجزاء إنما هو كفارة [فقط].
قيل لك: الدية في النفس ليست عليه إنما هي على العاقلة، والذي عليه بينه وبين الله: الكفارة.
والدية إنما جعلها الله للأولياء الذي ملكهم سلطان الدم، وجعلها على العاقلة تعظيما للدماء.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ولو أن القاتل للصيد قتله، والصيد مملوك لرجل، لكان عليه الكفارة لله، وعليه قيمته لربه، فأخذ الذي له الملك قيمة الصيد، كما أخذ الولي الدية وبقي التكفير على القاتل في الوجهين.
ومن عجائب الأمور معارضة وقعت لهذا الرجل، وذلك قوله: ويلزم من قال هذا أن يحكم فيمن قتل مؤمنا خطأ، بما يحكم به فيمن قتله متعمدا، كما ساوي بينهما في قاتل الصيد.
وهذا مما يخجل قائله، ولو دري ما يقول/ وهو لأحد بعد النصوص أن يخرج عنها؟ وهل لهذا في الأرض قائل؟ وكيف ألزمت خصمك لما أن رد حكم ما لم يذكر الله سبحانه في خطإ قتل الصيد إلى ما ذكر في عمده، بدليل استدل به، فألزمته، بذلك أن يغير نصا نصه الله في قتل النفس خطأ، فيدعه ويرده إلى ما نص من العمد، وأنت تقر بأنك لا تدعى في قتل الصيد خطا نصا، كما ألزمته أن يدعى في قتل النفس خطأ نصا، ويرده إلى قياس على نص، وهذا لا يجري على لسان عالم، ولا يخطر ببال ذي فهم حاضر.
والكلام الذي يشبه كلام العلماء في رد حكم قتل الصيد إلى قتل النفس، على ما قتل، أن يقول قائل: أراد ما لم يذكر الله فيه نصا من قتل الصيد خطأ إلى ما نص عليه من قتل النفس خطأ، في أن هذا يكفر وهذا يكفر، كان هذا كلاما يشبه كلام العلماء وهذا الذي قاله مالك، واستدل في إيجابه قول من سبقه من الفقهاء من الصحابة والتابعين، وبهم اقتدى في ذلك.
فهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
قال الزهري - وكان من أعلم الناس بسنة ماضية - جاء القرآن بالجزاء على العامد في قتل الصيد، وجاءت السنن بالجزاء في المخطيء.
وهو قول نافع بن عبد الحارث والنخعي والحسن وعطاء وطاووس وعكرمة وعروة بن الزبير والحكم والزهري وسعيد بن جبير، على أنه اختلف عنه فيه، وهذا اصح.
وقاله مجاهد في الناسي لحرمه متعمدا لقتله، وقاله مالك وعبد العزيز في قاتل الخطإ فيمن أخذا ذلك عنه من التابعين.
وقاله سفيان فيمن ذكرنا وممن لم نذكر من الكوفيين، وقاله الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وإن كان هذا الرجل وسم كتابه بأن ما فيه [اختلف فيه مالك والشافعي، وهذا لا يخالفنا فيه الشافعي، وهو قاتل أكثر العلماء ومن ينتهي إليه في الفتيا من علماء الأمصار].
ورأيت الشافعي ذكر في مختصر المزني، في كتاب الأيمان، أنه إجماع، فقال: ودل إجماعهم أن الكفارة في قتل الصيد على العامد والمخطيء سواء على ان متعمد الكذب، في اليمن يكفرها، وإن كان قوله هذا غير مشتبه لما بيننا، من أن متعمد الكذب عليه الوعيد بقول النبي ﵇، والنهي في عامد الصيد تخفيف بالكفارة.
وهذا الرجل يقنع بمذاهبه قناعة من لا يعد لمن خالفه وزنا، ومن استخف بالسلف خف وزنه وخفت مؤنثه.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وجرت لهذا الرجل معارضة ثانية تشبه التلاعب، فقال: [لو] تجاسر قائل فقال: توجب الكفارة في قاتل الصيد خطأ ولا توجبها في قاتله متعمدا، قياسا على العمد في النفس.
فأنت أيها الرجل المتجاسر، الذي جسرت أن تعارض العلماء بهذا اللعب، أن تقول: لو أن رجلا جرد خلاف نص الكتاب، ما كانت حجتكم عليه، فكأنه قام عندك ما قال مالك في هذا – الذي اتبع فيه فقهاء الصحابة وهؤلاء الأئمة من التابعين – مقام من تجاسر على رد نص القرآن بلا تأويل ولا سلف.
لقد عبرت بكلامك هذا عن موقفك وموقفهم عندك، وهل على وجه الأرض مسلم يتجرأ على رد النص في قاتل الصيد عمدا؟
وإنك لتتجاسر، إذ جعلت قول أئمة السلف كقول من رد النص مجردا، وهذا غمص شديد.
ومن رد النص – وهو عالم بالنص، غير مغلوب على عقله – مرق من الدين، وهذه المعارة - مع ما فيها من التلاعب، لا معنى لها من كل باب، لأن قاتل النفس عمدا عليه القتل، وهذا لا يريد أن يوجب عليه بتعمد قتل الصيد شيئا، وما يجب من قود النفس للأولياء ولهم العفو عنه، والذي يجب على المتعمد، في الصيد لله ﷿، لا خروج منه
فكأنك رجل قلت: لو ان رجلا تجاهل أو تحامق أو مرق من الدين، ما حجتكم عليه؟ ومثل هذا أيدينا اقرب إليه من السنتا، حتى يتوب أو يعذر بعذر.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وإنما يجب أن تقول: القاتل يوجب، في قتل الصيد عمدا ما نص الله عليه، وتجعل في قتله خطأ – الذي لم يذكره الله – كفارة، مثل ما جعل في قتل النفس خطأ كفارة ودية لأهله، فإن كان للصيد مالك أخذ ربه قيمته، كما يأخذ الأولياء دية الخطإ في النفس.
فهذا يشبه كلام العلماء والمستدلين لا كلام المتلاعبين، قال زيد بن ثابت: ما كنت لا عبابة فإياك أن تلعب بدينك، وهذا قول وفر الأئمة من الصحابة والتابعين.
ولم يذكر هذا الرجل فيما تقلد هذا عن السلف قولا، ونحن نذكر ما قيل في ذلك، من ما لا يتعلق بمثله.
فقد روى عن ابن عباس بإسناد ضعيف، ولنا عن ابن عباس خلافه بجيد الإسناد، نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي، نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية عن علي - يعني ابن أبي طلحة – عن ابن عباس قال: من قتل شيئا من الصيد خطا – وهو محرم، حكم عليه فيه كلما قتله.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن الجهم، نا الأنصاري نا عبد الله يعني ابن أبي شيبة – نا حفص عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، في صبي أصاب حماما من حمام الحرم، قال: اذبح عن ابنك شاة.
ولا خلاف بين الناس أن عمد الصبي يجري مجري الخطإ، وهذا إسناد لا يشك في صحته.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وأما ما روى عن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطإ شيئا، فقيل: إن معناه: لا نرى فيه شيئا بنص القرآن، ولكن فيه بالدليل، وقد روينا ذلك عه.
أنا محمد بن عثما نا محمد بن الجهم، نا الأنصاري نا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: إنما جعل الجزاء في العمد، ولكن غلظ عليهم في الخطإ كي يتقوا.
وذكر بعض الناس، عن جابر الجعفي عن عطاء وطاووس ومجاهد: لا شيء على المخطيء، ممن لا يعبأ بروايته، ولنا عنهم خلافه.
أنا أحمد بن إبراهيم بن حامد، أنا إسماعيل القاضي، نا أبو بكر - يعني أبي شيبة – نا وكيع، عن سلمة بن محرز، قال أغلقت بابي بمكة، ثم فتحته فإذا طائران قد ماتا، فسألت طاووسا، فقال: اذبح شاتين، فهذا خلاف ما روي عن طاووس في الخطإ.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر نا لأبي نا نا ابن أبي بكر، عن ابن جريج قال/: قلت، لعطاء، ومن قتله خطأ يغرم، [كما يجب] الغرم على من قتله متعمدا؟ قال: نعم، وتعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
قال إسحاق عن معمر عن الزهري، يحكم عليه في العمد والخطإ، قال/ نا محمد بن الصباح، نا الوليد، عن ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار، رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطإ، فأخبرك أنه قول الماضين من السلف.
قال بكر بن العلاء: ولم يتعلق أحد بترك ذلك في الخطإ، إلا بعض أهل القرن الرابع، وهذا نحو قول عمرو بن دينار.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا سحنون، نا ابن وهب، أنا إبراهيم بن نشيط، عن ابن أبي حسين النوفلي، عن عطاء أنه قال: يغرم في الخطإ والعمد، مضت بذلك السنن.
وعن عمرو بن شعيب وابن قسيط مثله، قال: وأخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: زعموا أن الكفارة في الخطإ سنة، وكفارة العمد في القرآن، وما ذكرنا من قوله: رأيت جميع الناس على ذلك.
وقال مالك: الأمر المجتمع الذي لا اختلاف فيه ان من أصاب الصيد خطأ حكم عليه.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
فأين المذهب عن هذا من قول هؤلاء الأئمة: إنه قول السلف، وإنه السنة وإنه المجتمع عليه، وقد تقدم ذكرنا لمن حضرنا ذكره، ممن قاله من الصحابة والتابعين وذلك كله بالأسانيد الحسنة وأكره التطويل.
فأما عمر وعثمان وابن عمر ونافع بن عبد الحارث، فمما أنا أحمد بن إبراهيم أنا إسماعيل القاضي، نا أبو بكر – يعني ابن أبي شيبة – نا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد ابن أبي يحيى، عن صالح بن المهدي أن أباه أخبره قال: حججت مع عثمان، فرقد في بيت، فوقعت حمامة في كوة على فراشه، فأطرتها، فوقعت في كوة أخرى، فخرجت حية فقتلتها، فلما استيقظ [عثمان] أخبرته فقال: أد عنك شاة، قلت: إنما أطرتها من أجلك، قال: [وعني] شاة، مختصر.
قال: ونا نصر بن علي، نا أبو أحمد نا عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عبد الله بن كثير الداري، قال حدثني طلحة بن أبي حفصة أن عمر دخل عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث، فقال إني قلت في هذا البيت، فوقع على واقف آخر، فقتله ضرحان أخذ بحلقه، فوجدت في نفسي أني أطرته من
[ ٢ / ٤٧٧ ]
موضع كان عليه آمنا، إلى موضع كان فيه حتفه، فاحكما علي، فقالا، حكمنا عليك بعناق ثنية عفراء، فأمر بها عمر، مختصر.
قال: نا إبراهيم بن حمزة، نا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر، عن أبيه عن جده قال: كنت مع ابي بمكة، فأوطأ بعيري حمامة من حمام مكة، قال: فدعا أبي بكبش فذبح عني.
والأحاديث بهذا كثيرة عن سلف، الصحابة والتابعين، ولم يحصل مع هذا الرجل في هذا الباب أثر، ذكره هو عن صاحب ولا تابع، غير الجرأة بلسانه، فيما انتهي فيه قول السلف إلى خلاف قوله، والله المستعان.
ومن تعلقه في هذا الباب من الشاذ بشيء لم يذكره، هو، وهو قوله: إن من عاد ثانية إلى قتل الصيد متعمدا، فلا كفارة عليه، يتأول: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
والذي قيل في هذا: عفا الله عما سلف في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه بالكفارة، قال عطاء: فينتقم الله منه وعليه الكفارة.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم حكم عليه فيه كلما قتله.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا ابي نا موسى بن هارون نا ابن أبي شيبة، نا وكيع عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء [قال: ﴿عفا الله عما] سلف﴾ عن ما كان في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه وعليه الكفارة.
ونا إسحاق عن عبد الرازق، عن هشام عن الحسن مثله.
قال إسحاق: والظاهر أن معنى قوله – والله أعلم – ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ أي: من عاد بعد ما سلف قبل التحريم، ليس من عاد بعد ما قيل بعد التحريم، وذلك من قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ عند ذكره لما أوجب عليه والله أعلم.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
ويحتمل الانتقام بشيء يصيبه به، والكفارة عليه، ولا يزل الكفارة تأول النص بتأويل لا يتبين وجهه.
وهذا قول أهل المدينة ومالك وعبد العزيز وأصحابها، والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم، وما بعد هذا إلا الشذوذ، وفيما ذكرنا وفي بعضه كفاية.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
باب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازا
ومما أنكر هذا الرجل، قولا حكي أنه قول مالك، وفي المرأة توكل رجلا غير وليها على عقد نكاحها ففعل أنه لا يجوز، إلا أن يجيزه وليها.
وكذلك، العبد يتزوج بغير إذن سيده، لا يجوز إلا أن يجيزه السيد.
وأن المرأة الدنيئة أو الفقيرة، إذا تزوجت بغير ولي، فنكاحهما جميعا جائز.
[ ٢ / ٤٨١ ]
قال: ففرق بين الغنية والفقيرة في الحكم، بلا دليل، من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
قال: وزعم أن التي زوجها غير الولي، إن قال الولي: لا يجيزه، فزعم مالك أنه نكاح لا يثبت ولا يجوز وأن لهذه المرأة أن تنكح غيره، إذا عقد نكاحها غير وليها، وزعم أن هذا الذي تزوجها فلم يجز له نكاحها، أنه إن طلقها ثلاثا، أن ذلك لازم، ولا تحل له إلا بعد زوج، وإن مات أحدهما قبل أن تتزوج هذه المرأة، أنهما يتوارثان، وكذلك إن افتدت منه هي كان له، وهو لم يجعله لها زوجا، ولا هي له بزوجة.
فمرة جعله مقام الازواج، فجعل بينهما الميراث والطلاق والخلع، وهي في حال ثان عنده غير زوجة، إذ لم يجز نكاحها، وأباح لها أن تتزوج غيره، لأنها عنده غير زوجة.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
قال: فهذا اختلاط وغفلة وتناقض، لا يخفي على ذي عقل، فإما أن يلزمها حكم الزوجاتا فيلزمها ما يلزمهن، أو بحكم الأجنبيات فلا يجعل بينهما ميراثا ولا طلاقا.
فإن كانت عنده زوجة، فكيف أباح لها ان تتزوج غيره؟ وإن لم تكن زوجة فلم ألزمها طلاقه؟ وهذا مخالف لظاهر الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الأمة.
وذكر عنه في العبد يتزوج بغير إذن سيده مثل هذا سواء، وأنه إن لم يجز السيد نكاحه، أنه نكاح لا ينعقد ثم إن طلقها العبد بعد أن أبي السيد أن يجيز النكاح ورده، أن طلاقه واقع عليها.
قال: فكيف يقع على امرأة طلاق من غير زوجها، وفرجها حينئذ مباح لغيره.
وهذا مبلغ كلام هذا الرجل في هذا الفصل، وفي هذا الباب من اختلاط هذا الرجل عجب عجاب، وهذا رجل ينكر قبل أن يفكر ويحكي قبل أن يثبت ويحرف الكلم، ويقول خصه ما لم يقل.
فإن كان قاصدا لذلك فقد عظمت نازلته، وإن كان ذلك عن غيية وغفلة، فقد تكلف ما لا يصلح لمثله أن يتكلفه، وإذا اجتمع التقصير مع الحمية عظمت الزلة، وأعوذ بالله من الخذلان.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
فأما ما زعم أن مالكا يقول: إذا رد ذلك الولي، وأبي أن يجيزه، أن طلاق الزوج بعد ذلك يقع عليها، وهذا لم يقله مالك، لأن الولي لما لم يجيزه ورده [] فسخا [لأنه] عقد ذلك [] لا أن الولي ملك الفراق فلا طلاق للزوج فيها، إلا ان يطلقها قبل رد الولي لذلك.
وزعم أن مالكا، يقول: إنهما بعد ردا لولي يتوارثان، ويكون له ما افتدت به منه، وهذا كله باطل، وإنما هذا كله قبل رد الولي للنكاح، إلا في الخلع، فإنه قد اختلف قوله فيه، إن خالعته قبل ردا لولي للنكاح، فقال: إن ما أخذ منها له، وروي عنه أن الزوج يرد ذلك، وقاله أكثر أصحابه.
وقال هذا الرجل: إن مالكا قال: إن هذه المرأة التي زوجها غير ولي إن لها أن تتزوج غيره، وإن طلاق الأول يقع عليها.
فهذا أيضا باطل، وإنما أباح لها مالك أن تتزوج غيره بعد رد الولي ذلك وفسخه، أو فسخ السلطان، وبعد الاستبراء بثلاث حيض عدة أيضا، إن كان دخل بها، وهي في تلك الحال - أعني بعد الرد والفسخ - لا يقع عليها طلاقه.
وما نسب إلى مالك من وقوع الطلاق فيها بعد رد الولي النكاح، وفسخه تقول تقوله على مالك، وهذا الفعل منه أشبه بما نسب إلى غيره من الاختلاط، وما لا يرضي به ذو عقل، وخلاف الكتاب والسنة والتناقض والغفلة، إن سلم من القصد.
وأما قوله: فإن كانت عنده زوجة، فلم أباح لها ان تتزوج غيره، وإن كانت غير زوجة، فلم ألزمها طلاقه؟
[ ٢ / ٤٨٤ ]
فهذا من قولك يدل أنك فهمت عن مالك أنه اباح لها ان تتزوج غيره في الحين الذي الزمها طلاق الأول فيه، وهذا لم يقله مالك، وليس علينا رد هذا بأكثر من نفيه، ولكنها عند مالك في نكاح شبهة تلحق منه الأنساب، وتدرأ فيه الحدود [] [فلم] يأذن لها أن تتزوج حتى يفسخ هذا النكاح، يفسخ الولي أو السلطان، أو برضى الزوج، وهو لو رفع إلى قاض، يرى غير قو [لنا فـ]ـحكم بإجازته، لم نفسخ حكمه نحن ولا هذا المنكر علينا.
فيقال [له]: ما هي عندك؟ أبمقام الأجنبيات كما ذكرت أم بمقام الزوجات؟ فإن كانت كالأجنبيات، فلم لم تفسخ حكم من قضى بإجازته، وجعلت بينهما الميراث والطلاق بعد الحكم بغير إحداث نكاح، والحاكم إنما أبقي النكاح الأول، ولم يجدد لهما عقدا؟ وإن كانت عندك بمقام الزوجات حتى يفسخ النكاح، فكذلك قال مالك، فما الذي أنكرت [من ذلك].
ويلزمك إذا كانت مقام الأجنبيات توجب عليهما الحد [و] تنفي نسب الولد منهما.
فإذا أقمت لها شبهة من عقود [الـ]ـنكاح، درأت بها الحد وألحقت بها الولد، وأجزت حكم الحاكم [بإ] جازته.
فلم لا توجب هذه الشبهة عندك حكم الطلاق بينهما، [و] تحتاط على من
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وإن كانت كالأجنبيات [عندك] لم يجز لك أن تجيز حكم من أجاز نكاحها، كما لو حكم حاكم [أن يبقى] رجلا مع امرأة أجنبية نكاح، لا يجيزه أحد من النكاح [الفاسد] [فافتر] قت بينها وبين الأجنبيات في أحكام كثيرة، فألزم نفسك [] [أحـ]ـكام هذا.
وقال بعض أصحاب مالك ورواه عن مالك [في التي] تتزوج بعقد أجنبي: لا يقع عليها طلاق الزوج ويفسخ حكما بغير طلاق ولا يتوارثان، ولكن القول الأول أليق بالأصول والله أعلم، لأن شبهة ذلك النكاح قائمة، توجب أحكام [كثيرة].
وقد روي ذلك عن عائشة، حين زوجت بنت أخيها عبد الرحمن في غيبته، من المنذر ابن الزبير، ولم تل هي العقد، وإنما أمرت [من] يلي عقد النكاح، كذلك رواه ابن جريج وغيره، فلما قدم عبد الرحمن، قال: ما مثلي يفتات عليه مثل هذا؟ فكلم في ذلك، فأجاز ما صنعت، وبقيت على ذلك النكاح.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فهذا فعل عائشة وعبد الرحمن والمنذ [ر] بن الزبير، وكذلك قال مالك في أحد قوليه: إن أجازه الولي جاز، وإن رده فسخ، وهو خبر مشهور، رواه مالك وابن وهب، وغيره، مع ما روي عن عمر في إنكاح ذي الرأي من أهلها، وعن عثمان وعلي و[ابن] مسعود على ما ذكرنا بعد هذا، فهؤلاء سبعة من الصحابة.
وما [روي] أن نكاحها باطل، محتمل أن يراد به: بإبطال الولي له [إلا] أنه قد اختلف عن الزهري فيه فأنكره في رواية ابن جريج عنه.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
[وروى]: "لا نكاح إلا بولي، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
والأو [لياء] بعضهم أخص من بعض، ولكل واحد من الولاية نصيب.
وإذا زوجها من له فيها ولاية الإيمان كان لمن هو أقرب منه ولاية [من] عصبة أو سلطان بتسليم ذلك أورده، ولأن الولي الذي عقد المرأة له فيها أقل الولاية وهي ولاية الإيمان، وولاية النسب أخص وأكمل، فله من الولاية نصيب، وغيره أعلى منه ولاية، وهذا [لا] يدخل فيما أنكرت على مالك من إنكاح الدنيئة والمسكينة والـ[ـمهملة] التي لا تعرف ولا لها عصبة يعرفون ولا موالي، وتكـ[ـون في موضع لا يـ]ـتناوله السلطان، فتوكل ذا الرأي من أهلها كما [] أو يتو [لى] هذا رجل من قبيلها، وإلا وكلت جيرتها أو غيرهم من المسلمين ليزوجها، فأجاز ذلك لها مالك في هذه الرواية، ورأي أن لهذا المسلم فيها ولاية الإيمان.
وقد علمنا أن ما أمرنا به ألا نكاح إلا بولي، أن ذلك ليحصنها الأولياء أن تضع نفسها في دناءة وفيمن ليس لها بكفء.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وكذلك ينظر السلطان في ذوات الحال كنظر الأولياء، وهذه قد انتهت من الدناءة وسقوط الحال إلى ما لأقل أهل [الو] لأية فيها مقنع من النظر لها والعقد عليها، وهي ولاية الإيمان، [و] لا يتقى في هذه ما يتحرز منه الأولياء.
وإذا طالبنا علل الأمر [و] النهي وضعنا كل شيء موضعه، ونحن فنقول بالعلل، وأنت [ر] أيت الظاهر، ففي هذا الأصل نناظرك، وهو أصل إذا تمسكت [به] ما [حسن] عليك.
وأما قوله: فرق مالك بين غنية وفقيرة [بغيـ]ـر دليل، فقد أعلمناه وجه قوله، وقد فرق الله سبحانه بينهما في غير شيء أرأيت من تزوج غنية على تفويض، وفقيرة على تفويض، وهام في الجمال والنسب سواء، أليس يتفاوت صداق [كل منهـ]ـما، وكذلك تختلف العطايا بالإنفاق عليهما.
وكذلك ما على الغني من النفقة أكثر مما على الفقير في كتاب الله، ولكل شيء من أقاويل مالك وجه غاب عنك.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وقد روى أشهب عن مالك، أنه: لا يزو [جها] إلا السلطان إن كانت دنيئة أو غيرها، وكل قول من [له وجه] واحتمال في الأصول، وما القول الأول ببعيد من النظر [لـ]ـما ذكرنا؛ لأن في عقد النكاح بولي وجهان من الولاية، فولاية هي حق الله تعالى، لا يجوز تركها، وذلك ألا تزوج هـ[ـي] نفسها، بل غيرها من الرجال يزوجها، فإذا وليت هي عقد نكاح نفسها فسخ ذلك بكل حال بغير طلاق.
وولاية أخرى [هي] حـ[ـق] للأولياء أن تطالع الولي بذلك، لما له فيها من التحصين.
فإذا ولت غيره، فعقد، فلوليها النظر في ذلك، إلا أن النكاح قد عقد بولاية هي دون هذه الولاية، فلا تطلق عليه أنه غير نكاح.
وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عمر وغيرهم من الصحابة [و] من التابعين بالمدينة وتابعيهم، وقاله ابن سيرين وقتادة.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
فأما عمر، فروى مالك وابن وهب وغيره قوله: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان.
فجعل ذا الرأي من قومها مقام الأوليـ[ـاء] من العصبة، وليس بعصبة لها، وأخبرك أن للولاية منازل، بعضها أخص من بعض، وبقدر حال المرأة.
وقد علمنا علة نظر الأولياء لها، ليزوجها إلى الأكفاء، فالمسكينة والدنيئة ومن لا عصبة لها، كل أحد لها كفؤ، ونظر أقل الناس ولاية فيها لها كا [ف]، وهي ولاية الإيمان، وقول النبي ﵇ (لا نكاح إلا بولي)، فالأولياء في المرأة اسم جامع لأدنى الولاية وأعلاها، والابن عندنا أقرب من الأب، ولا خلاف أن الأب أقرب من الأخ، والأخ أقرب من ابن الأخ، وابن الأخ أقرب من العم، وهكذا أدنى العصبة أقرب من الموالي، والموالي أقرب من ذوي الرأي من أهلها.
والسلطان ايضا له ولاية، وقد ذكر ولاية السلطا [ن في] حديث الزهري، فدل بذلك أن بعض الولاية أقرب [من] بعض، والمسلمون بعضهم [أولياء
[ ٢ / ٤٩١ ]
بـ]ـعض، فهم يتوارثون [بهذا] [الولاء] [] [مـ]ـن لا وارث له، وكذلك يكون لهم به الولاية في النكاح فيمن لا ولي لها، ويبعد عليها تناول السلطان.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
فهذا الذي د [لت عليه] الأصول.
أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا معلي بن شاذان، نا وكيع عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، أن امرأة زوجها خالها، فأجاز ذلك علي بن أبي طالب.
وهذا مثل ما قال مالك: أن للولي أن يجيز ذلك، والسلطان [فهـ]ـو ولي، وليس الخال بولي.
قال معلي: ونا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا كان ولي المرأة مضارًا، [فـ]ـولت رجلا، فأنكحها، فنكاحها جائز.
وكذلك روينا نحو هذا [عن] علي وعثمان وابن مسعود.
قال: ونا هشيم، نا إسماعيل بن سالم [قال]: بلغني في المرأة إذا تزوجت ووليها غائب، ثم قدم، فإن تزوجت [في كـ]ـفاف، فالنكاح جائز، وإن تزوجت في غير كفاف، فالأمر إلى الولي، إن شاء أجاز وإن شاء رد.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وقال القاسم بن محمد في المرأة تتزوج بغير إذن وليها: إن أجازاه الولي جاز.
قال: ونا ابن شاذان، نا معلي نا أبو عوانة، عن قتادة، في المرأة ليس [لـ]ـها ولي، قال: تولي أمرها رجلا من المسلمين.
وأما العبد يتزوج بغير إذن سيده، فهو ممن يعقد على نفسه، فلذلك، إذا أجازه السيد جاز، بخالف الأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأنها لا تعقد على نفسها وإن أذن لها السيد في النكاح.
وليست كالحرة تولي أجبيا يعقد عليها، فيجيزه الولي، فيجوز لأن الحرة لها ولاية الإذن في نفسها، فقد أذنت في ذلك، وإنما بقي نظر الولي، لئلا تضع نفسها في دناءة، فإذا رضيه مضى، ولا إذن للأمة في نفسها.
وقد تجد في الأصول نكاح ينتظر به الرضا بالعيب، في المرأة وفي الرجل، فإما أن يرده من كرهه منهما، أو يرضى به فتبقي على العقد الأول، فلا يبعـ[ـد] مثل هذا في سيد العبد ولوي المرأة، ويلزمه في العبد مثل [ما] ألزمناه في الولي، في هذا الباب.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وهذا قول أكثر الفقهاء المتقدمين، قاله الحسنن وقاله مغيرة عن إبراهيم، وقاله ابن المسيب والشعبي، والحكم بن عتيبة، وعطاء وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد في عدد من تابعي أهل المدينة.
قال يحيى بن سعيد: وهذا هو القول عندنا بالمدينة، وقال مالك: إنه الأمر عندهم، وأكره التكثير بالأسانيد، وهذا كله مشهور.
ومن جعل أقاويل هؤلاء السلف لا يرضى بها عاقل، فهو أقرب إلى النقص في عقله ودينه، و[كيف] لقائل أن يقول: إن النكاح في هذا العبد وقع فاسدا، إنما يقال: إنه نكاح حتى يرد، لما للسيد فيه من النظر، فقام مقام ما ذكرنا من العيوب في النكاح، والله أعلم.
قال عطاء: ليس هو [بزني] ولكنهما أخطا السنة، وقد بينا أن العبد بخلاف الأمة [في ذلك].
[ ٢ / ٤٩٥ ]
فإن احتج أحد بحديث يروي في العبد، عن النبي ﷺ: أيما عبد تزوج بغير إذن سيده، فهو عاهر، فليس يقوم بمثله حجة، وإنما رواه القاسم بن عبد الواحد، قالوا: وهو غير معروف، وقال: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ممن ليس بحجة عند أهل الحديث إذا انفرد.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
ورواه مندل، فرفعه، ومندل [] غيره، وإنما رواه الأثبات موقوفا على ابن عمر، أنه جلد عبدا له الحد تزوج بغير إذنه، ويحتمل أن يكون أنكر عليه فعزره، فظن نافع أنه الحد، على أن هذا لا اتباع [له] أنه يحد حد الزني.
أنا محمد بن عثمان، نا ابو بكر محمد بن أحمد المالكي، نا إسماعيل القاضي، نا إسحاق البرقاني، نا عبد الله يعني العمري، عن نافع عن ابن عمر: إذا نكح العبد بغير إذن سيده، ثم أذن له ثبت نكاحه، فهذا يدل على ما تأولناه في الرواية الأخرى.
وقوله في رد السيد أو الولي: إنه يفسخ بطلاق، فقال: كيف يقع عليها طلاق غير زوجها.
فهو في هذا [غائـ]ـب عن الأصول، التي تأكدت عندنا، ففيها إن شاء فليناظرنا.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وذلك أن السلطان يوقع الطلاق على المولي، إذا امتنع أن يفيء أو يفارق، وكذلك في امتناع العنين، ومن لا يجد نفقة، وفيمن به جنون أو جذام [أو] برص أن يفارق، وفي الحكمين، إذا امتنع الزوج من الفراق واللدد من قبله.
ففي هذه الأصول فناظرنا إن رددتها وفي دون ما ذكرنا مقنع لمن أنصف وبالله توفيقنا.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
في إعطاء المرأة لزوجها من زكاتها
ومما أنكر هذا الرجل من قول مالك، قوله: إن المرأة لا تعطي من زكاتها لزوجها.
وتلا هذا الرجل قول الله سبحانه [في] الزكاة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين.﴾ الآية.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
قال: فقد دخل فيمن سمى الله من الفقراء، فلا يمنع إلا بنص أو اتفاق
قال: فإن قيل: لما كان لها أن تطالبه بالنفقة إذا أعطته صار ما أعطته إليها راجع، فكأنها لم تعط شيئا.
فنقض هو هذا فيما ظهر له بقول، نذكر معناه وندع منه ما شان كلامه به من الهذر وسوء المقابلة، التي لعله كان يوعب بمثلها عن أشكاله، وهذا فعله في كل باب، كأنه رجل ينطق عن ضغن شديد، أعوذ بالله مما زين له.
ومن حجته أن قال: هي لا تقضي عليه بالنفقة، إلا وقد ملك ما أعطته من الزكاة، فإذا صح مـ[ـا] فرض لها عليه، وأجزتها الزكاة، لزوال ملكها عن ما اعطته.
فيقال له: إنك لفي طرف بعيد عما قصد إليه مالك، وذلك أنه لا تختلف الأمة أن مخرج مال له من زكاة أو غيرها كولي للمساكين، وإذا كان ذلك فلا يجوز له أن يخرج ذلك إلا بالعدل مجتهدا، لا يميل به الهوي إلى تفضيل من لا يفضله إلا بحظ نفسه، إما لدفع نفقة عن نفسه، أو دفع مذمة، أو لرجاء ثناء، أو لغير ذلك، مما لا يصح مـ[ـعه] خالص النية، والله سبحانه لا يقبل، إلا ما اريد به وجهه، وإنما الأعمال بالنية.
فإن أبحت له أن يخر ذلك على ما ذكرنا من ما شوب نيته في ذلك من هذه الأمور، قدت أصلك على مفار [] مالك للماضين والباقين
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وهذا إنما يجيب فيه بما ذكرنا من سلك منهجنا، وليس مما تجري به الأحكام - كما أومأت إليه – أنه [قد] وجب له الملك بالعطية، ثم قضى لها بعد ذلك بالنفقة.
ونحن نزعم لك أن القاضي يقضي لها برد ما أعطته من الصدقة، أو يقـ[ـضي] عليها أن ذلك لا يجزئها.
وإنما أمر بهذا من سألنا عن خلاص نيته فيما بينه وبين ربه، الذي يطالبه بخفيات نيته، كأنك غائب عن مطالـ[ـبة] الناس لصحة فرائضهم، والإشفاق من ما يشوب نياتهم، وقد كان عمر بن الخطاب يعطي عطاء بقبضته فأتاه ابنه ليعطيه، فقال: أخاف أن تتسع قبضتي لابني، فنادى بمن قد كان أعطاه قبل ذلك، فأمره بدفع ما أعطاه إلى ابنه، ثم أعطاه بعد ذلك قبضة، [فـ]ـتوقي منها، وخاف أن يشوب عمله أمر يحرج فيه، وكذلك نطالب صحة النية فيما كان لله سبحانه.
ونحن نسألك عن من ولي خراج مال الله، هل يسعه أن يعطي منه على اتباع الهوي فيمن تميل إليه نفسه، لقرابة أو دفع مغرم أو مذمة، أو غير ذلك [من] حظ نفسه، الذي يقيمه بمال الله؟ بل لا يسعه ذلك عند ذي دين [بل] يجتهد في أن يضع أمر الله موضعه.
فكذلك المرأة التي تعطي لزوجها الفقير الذي لا يجد ما ينفق عليها، أو يجد ما يقصر فيه عن الاتساع عليها فتعطيه عطية من مال الله من ورائها مرافقها، وإقامة منافعها، فإن أجزت لها القصد إلى هذا لتجوزن لغيرها [ذلك] وغيره، وتصير النيات في مقاصد العاملين سواء، على [تبايـ]ـنها واختلافها.
[ ٢ / ٥٠١ ]
ونحن نعارضك بمثل ما عارضت فيمن يلزم الرجل النفقة عليه، فيقال لك: أرأيت من اعطي والده الفقير [من] زكاته، أو زوجته الفقيرة من زكاته، هل تمنعه من ذلك؟ فإن أبحته [فقد] سهلت سبيلا إلى دفع الزكاة عن المزكين، لأن ما عليهم [من] النفقات أكثر مما عليهم من الزكوات.
وما أعلم خلافا [أنه] لا يعطي الرجل زوجته من زكاته، وكذلك ذكر ابن المنذر،،كذلك ينبغي في كل من تلزمه نفقته.
فإن قلت: لا يجوز أن يعطي زكاته لمن تلزمه نفقته، سئلت عما سألتنا عنه، ولزمك ما ألزمتنا فقيل لك: لم منعته أن يعطي فقيرا داخلا فيمن سماه من جملة الفقراء، وهو إذا أعطاه ملك الآخر ما يعطيه.
هذا، والزوجة – مع لزوم اسم الفقر لها – لا تزيل عنه عطيته لها ما يجب لها عليه من النفقة، فلم يمنع أن يعطيها من الزكاة فالعلة التي لها منعوه من أن يعطيها، منعناها بمثلها من عطيتها له، وكذلك في إعطائه لأبيه وولده الصغير.
ولا حجة لك [علي] أصلك، فإنه تلزمه، نفقته فيصير عطاؤه إياه يزيل عنه ما عليه من النفقة.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
فيقال لك مثل ما قلت: إنه إنما زالت عن المعطي النفقة بعد ملك الآخذ لما اعطاه، فإنما صار غنيا به بعد المـ[ـلك]، لا قبله، فلما ثبت له الملك بعد العطاء، سقط عن المعطي نفقته.
فإن رجعت إلى أن تطالبه في أول عطائه بمقصده وأنه في د [فعه] العطية نافع لنفسه بعطيته، وأن عطيته لم تخرج من [أن] تكون منفعة له، فسم نفسك لمثل ذلك في الزوجة، وزن فهـ[ـمك] بهذا الميزان.
وإذا كان الرجل لا يعطي زوجته الفقيرة من زكاته عند العلماء، وهي لا تنفق عليه، فإعطاؤها هي لزوجها الذي ينفق عليها أبعث في الاعتبار في أن لا يجوز ذلك، فكل ما دخل في [هذا] من العلل المانعة لعطية زوجها إياها فمثله، بل أكثر منه [يدخل فيه] [] لو نزلنا لك في ذلك عن باب الاستدلال والقياس إلى باب توقي الشبهاتن أما يحسن عندك توقي الشبهات، في تنظيف الفرائض، التي هي أعظم أمر الدين.
وقد أمر النبي ﵇ سودة أن تحتجب من أخيها في ظاهر.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
الحكم لما خاف من خلاف ما ظهر [منه].
وحذر من الشبهات في حديث النعمان بن بشير وحمى باجتنابها حمى الله، وأخبر أن الراعي فيها يوشك أن يقع في الحرام.
وكأنك عن سنن العلماء – في توقي الأمور، والتحذير من الشبهات والحذر من الريب، بمعزل.
هذا والأدلة تدل على تأييد ما قال مالك من ذلك.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وأما قولك: فما تقول فيمن لك عليه دين وهو فقير، هل تعطيه من زكاتك؟ فإن قلت: لا، تركت النص، وإن قلت: أعطيه، قيل لك: [فاجعـ]ـل له القيام عليه في دينه إذا كان أعطاه إياها لا لهذه العلة، ولا ليرجع عليه بدينه في الذي أعطاه، فإن قال: له مطالبته، ولا يكون بما يأخذ منه كالمخرج زكاته إلى نفسه، فكذلك الزوجة.
فجوابنا لك في هذا: [أني أراك] شرطت في هذا الرجل أنه لم يعتقد في حين إعطائه الزكاة لغريمه لعلة دينه، ول ليقوم فيه بدينه عليه، فهذا صحيح إذا كان هذا اعتقاده ثم حدثت له نية بعد ذلك في القيام بدينه، فلم لم تشترط في الزوجة هذا الشرط، من أنها لم تقصد في الزوج أثرة للزوجية ولا لما يصل منه إليها من مرافقها.
وبعد، فإن الزوجة لا تشبه الغريم في هذا، لأن النفقة التي تجب لها إنما تجب [للز] وجة لا في الذمة، والغريم دينه في الذمة، فاعتقاده فيما يصدق به من الزكاة على
[ ٢ / ٥٠٥ ]
غريمه الا يطالبه [] غريمه أبين [] ما طلبها في الوجد لا تعدوه، فقد أقامت بعطيتها في حين عطيتـ[ـه] الوجد الذي به تقوم نفقتها، كما مال لأبيه في حين عطيته له غناه عنه، فما لزم في هذا لزوم في هذا.
وحتى لو أعطت زوجها، ونوت [أن] تزيل عنه طلبها عنه بالنفقة في تلك العطية، التي أقامت بها وجده، لم يكن لها عليه في ذلك الوجد شيء، ولا في الذمة.
وإن طالبته في ذلك الوجد فقد رجعت عن ما نوت، وأوجبت على نفسها، وكذ [لك] قال أشهب: إن لم يرجع ذلك إليها في مرافقها ونفقتها فذلك جـ[ـائز] والغريم ذمته عامرة وذمة الزوج خالية من النفقة في عـ[ـدمه]، فتامل مخارج الأصول، ولا تجمع بين ما في الوجد وما في الـ[ـذمة].
أرأيت لو عارضك معارض في قولك: إذا كان أعطاه لا يريد بالعـ[ـطاء الرجوع] عليه فيه بدينه، فقال لك: أرأيت إن اعتقد ذلك، ثم قام علـ[ـي] الغريم، فقضى له بأخذ ما بيده من ذلك، وهو كفاف دينه [ألاا] تخلو ذمة الغريم عندك ويغرم المعطي الزكاة ثانية، على مـ[ـا] يظهر من لحن قولك؟
[ ٢ / ٥٠٦ ]
فإن قال لك: ولم تأمرني بإخراجها ثانية، وأنت قد أخليت علي ذمة الغريم؟ فإذا وصل نفع ذلك إلى الـ[ـغريم] حتى خلت به ذمته، ألا يجزني إخراجها، وأنا إنما نويت أن أطالبـ[ـه] بما أعطيته؟ فأبطل على عطيتي، بأن تجعل الكفارة، لا تجزني، ولا تبطـ[ـل] علي ما في ذمة الغريم بأخذي منه لما أعطيته.
فإن قلت: إن ذمة الغريم بظاهر [] دعواك بما ذكرته فأبطل بها براءة الغريم، قال لك: فإذا انتهى الأمر إلى براءة ذمة الغريم، فقد حصل من عطية ارتفق بها المعطي، ولم يحصل لي ما أردت أن أنفع به نفسي، فألا جعلت الزكاة تجزيني لزوال ديني عن الغريم، فبماذا كنت تنفصل منه؟
والزوجة إذا أقرت بهذا [وأبـ]ـطلت عطيتها في الزكاة، لم يكن لها في الذمة شيء يبطل عليها، فهذا [مـ]ـما ذكرنا لك أن بين الزوجة والغريم فرق، في أكثر معاني ما ناظرناك فيه.
فارفق في تأملك، وعود نفسك أن تظن بها التقصير عن فهم الراسخين من السلف المتقدمين فإن ذلك يثنيك عن الإعجاب بنفسك، والتقصير بسلفك، والله المستعان.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
باب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبد
أنكر هذا الرجل على مالك في هذه المسألة قوله، إلا أنه لم يحكه على وجهه، وذكر في بعضها ما لم يقله، وجهل الأصل الذي بني عليه مالك قوله هذا، ولم يدر أيضا ما روى عن مالك في هذا الأصل من اختلاف القول.
ويسط من لسانه ما عبر به عن قلة تحفظه وضيق علمه، وزعم أن قول مالك في هذا خلاف حكم الكتاب والسنة بغير دليل.
وليس جهله بموقع ذلك من الكتاب والسنة والدليل بحجة.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
فذكر هذا الرجل أن مالكًا قال: من مات وعليه مائة دينار دين، وليس له إلا عبد يساوي مائة دينار، فرفع الغريم أو الوصي إلى الحاكم فأمره ببيعه، فباعه بمائه دينار، ليأخذ الغريم حقه فقبض الوصي الثمن ليدفعه إلى الغريم فهلك من يديه، ثم استحق العبد أن المبتاع يرجع على الغريم، الذي بيع العبد من أجله.
ففي حكاية ما حكـ[ـاه] استحالة وخطأ.
فمن ذلك قوله: فرفع الوصي أو الغريم إلى الحاكم، فأ [مره] ببيع العبد، فلم يذكر ما الذي رفع هذا الرافع إلى الحاكم.
وقبله فأمـ[ـره]، بعد أن ذكر رجلين، فاحتمل أن يريد فأمر الوصي أو الغريم، وكـ[ـيف] يأمر الغريم ببيع العبد لنفسه، فلم يبين من المأمور، وليس قو [له] فقبض الوصي الثمن: بدليل على أنه المأمور بالبيع.
ثم لم يذكر [أنه] بقي بيد الوصي بعد قبضه إياه، وليس ثم إلا غريم واحد قد ثبت دينه، ولم يذكر للمسألة وجه ما تثبت عليه.
وإنما ق [ل] مالك في المفلس أو الميت، يأمر السلطان ببيع ماله، ليجمعه لقيام غرمائه، ويجعله بيد أمين من وصي أو غيره، ليتكامل جميعه، وليـ[ـجتمع] غرماؤه، فيقسمه عليهم، أو يتحاصون فيه إن ضاق عن دينهم، ولولا أنـ[ـه] يوقفه لهم بيد الأمين أو الوصي ليتكامل، ولاجتماع الغرماء ما [كان] [في] نفاقه بيد الأمين معنى، ولكان ذلك ظلم من الحاكم، [فلو] باع الوصي تركة الميت دون السلطان لقضاء
[ ٢ / ٥٠٩ ]
دينه قبل قيام الطالب للدين فضاع الثمن بيده، ثم استحق ما باع لم يضمن الوصي شيئا، ولا للمشتري ها هنا رجوع على الغريم، في قول مالك وقول غـ[ـيره]، لأن ذلك لم يبع عن إذنهم وقيامهم، وإنما العلة التي أوجبت قول مالك في رجوع المشتري على الغريم أو الغرماء هـ[ـي] في رواية ابن القاسم أن الغرماء إذا قاموا عند [السلطان] بدين لهم على مفلس أو ميت، نظر لهم في ماله، فحاطه وباعه وقسم ذلك بينهم، فإذا كان السلطان لهم يبيع، والثمن المقبوض في ذلك فلهم قبضه أمينه من وصي أو غيره، إذا كان عن أمر الحاكم وبعد طلبهم لذلك، فصار القابض للثمن، كوكيل للغرماء على قبض الثمن، إذ لم يبق فيه إلا قسمته بين غرمائه ودفعه إليهم.
وكذلك إن كان غريما واحدا، [بـ] بأن تبين للقاضي أنه لا طالب لدين غيره، عجل له قبضه.
فإذا لم يبق في الثمن المقبوض إلا دفعه إلى الغرماء، أو قيمته بعد تكامله، لم يبق للغريم الذي عليه الدين في بقاء الثمن سبب يخصه، وإنما إنفاقه لسبب الغرماء خاصة، وليس ذلك عن سبب للغريم، ولا ائتمار منه.
[ ٢ / ٥١٠ ]
فإذا كان قبض الأمين لهم لا للغريم، كانت يده كأيديهم، وكان أشبه شيء بالوكيل لهم، لأن ذلك الذي طلبوا معه، ورغبوا فيه.
فبهذا السبب صاروا ضامنين بقبض الأمين؛ لأن يده في القبض كأيديهم، أو كيد وكيلهم، فلما ضمنوا ذلك بقبض الأمين له وجب الرجوع في الاستحقاق عليهم.
فهذا استنباط مالك [من] قول الكتاب والسنة.
فما الذي ضاق عليك من هذه السعة، وخفي عليك من هذا الأمر البين، وما أدري هل تقدر أن سلفك يتكلمون في دين الله عن سعة علم وحسن استخراج ولطيف استنباط أو يخبطون العشواء كخبطك، ام على الحدس أو الهوي يتكلمون، أو لغير معنى يتنازعون؟ ولقد نظرت إليهم بعين قذية، وبصيرة عمية.
وهذا الذي ذكرنا اختيار ابن القاسم وروايته عن مالك.
وأما أشهب فروى عن مالك أن ضمان المال في الإنفاق من الغريم المديان كـ[ـان] عينا أو عرضا، ولا ضمان على غرمائه فيه، حتى تقبضه أيديهم.
[ ٢ / ٥١١ ]
ولابن الماجشون رواية أخرىن وهذا الرجل غير خبير بأقاويل مالك ومـ[ـخارج] قوله.
ورأيت كلام هذا الرجل – على كثرته – خاليا من صحة المعاني والإ [نصاف] عامر من الغمص وقبيح المقابلة.
فمن ذلك أنه قال: لو كان قولا يستحي من خلا [فه] الكتاب والسنة والإجماع، كان هذا القول.
وهذا كلام من لم يخش مـ[ـن] كلامه، واستخفه بما لا يستخف به أهل الديانة.
وإنك لجريء في منطقتك بمثل هذا في مثل مالك، ومحله عند صدر السلف محله من سعة العـ[ـلم] في الفقه والحديث والخشية لله فيما يقول.
ثم لم تعد كلام مالك يقوم [في] اختلاف، إذ زعمت أنه خالف الإجماع في قوله هذا، وهذا كله [مما]، لا مدخل لنا للانتصار منك فيه بالكلام، والانتصار في مثل هـ[ـذا] إلى الحكام.
ثم قال: أرأيت الطالب، أظالم متعد، فيما طلب؟ وهل فـ[ـعل] الحاكم ما يجوز له فعله؟ وهل الوصي ظالم في البيع وقبض الثمن؟ و[مثل] هذا.
[ ٢ / ٥١٢ ]
والجواب عليه – على خروجه من المعنى الذي نحن فيه -: وما معنى ذ [كرك]: هل طالب الطالبب ما ليس له؟ أو هل حكم الحاكم بما يجوز له؟ أفتظن [أن] تعدي الحاكم يوجب الضمان على الطالب فيما قبض الأمين؟ أو تجـ[ـعل] الطالب فيما يطلب يـ[ـضمن عن الأمين] ما لم يقبض؟
كلامه ها [هنا] يحسن السكوت عنه.
ثم قال: فإذ لم يتعد واحد منهم، فلم زعمت أن المال إذا تلف من يد الوصي بغير جنايته واستحق العبد، أن المبتاع يرجع على الوصي بالثمن، ثم يرجع به الوصي على الغريم الطالب.
فالذي حكاه من هذا ليس بقول مالك. والذي عندنا من قول مالك: أن المشتري [إنما] يرجع على الغريم، وكذلك حكى هذا الإنسان أول الباب، [ثـ]ـم نسي ذلك بعد سطور يسيرة، فحكى خلافه: أن يرجع على الوصي، فلا هو تحفظ ان يحكي عن مالك ما لم يقل، ولا تحفظ من اختلاف لفظ نفسه، كأنه لا يلقي بالا لما ينطق به.
ثم أخذ يحتج لبراءة الوصي، فأتعب نفسه فيما لم يقله مالك.
ثم قال: أرأيت إن ابرأ الغريم الميت، ثم قبض الوراث، الحصة من يد الوصي إذ صارت له، ثم ضاعت من يده ثم استحق العبد على من يرجع المشترى؟ قال: فإن قال على الوارث ولا يرجع الوارث على الغريم، ترك قوله.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وهذا من هذا الرجل غفلة غامرة، فإن أراد أنه لما جعل الرجوع على الوارث هنا هنا دون الوصي، ترك قوله، لأن الوصي ضامن، فهذا القول قد عرفناه أنه ليس بقول مالك.
وإن أراد أنه ترك قوله في الرجوع على الغريم، فهذا جهل شديد، إذ جعل قبض الوارث لنسه مثل قبض الأمين لغيره، فالوارث يا هذا إنمـ[ـا] قبض المائة لنفسه، كما حكيت أنت في قولك لأنها صارت ملكا له، فمن قبض شيئا على أنه ملكه، كيف لا يضمنه؟ وكيف ساويته بمن قبض شيئا على أنه فيه قبض الأمين
وإن [أراد] [أنه ترك قوله] إذ لم يجعل الوارث يرجع بها على الغريم، الذي أبرأ الميت، قيل له إنما أرجع مالك المشترى على الغريم، إذ لم تكن المائة في ضمان أحد، فكانت أولىل أن تكون في ضمان من بيعت له السلعة، إذ لم يكن في إيقاف ملـ[ـكه] نفع للغريم المطلوب، ونفع ذلك للطالب وعن أدلة كان ذلك.
فتأول مالك في رواية ابن القاسم تضمينه إياها، إذ جعل يد الأمين كيد [هـ] فلما تركها الغريم للميت، صار قبض ذلك الوارث لها على أنها بـ[ـراءة] للميت، وصار ضامنا حين قبض بنفسه.
فكيف يطالب المشترى أحدا بـ[ـأنها] تركة قائمة، ولم تكن الهبة للوارث، وإنما ترك ما كان له للميت، فصـ[ـار] الوارث قابضا لنفسه، فضمن فإذا وجب ضمان الوارث إياها، لم يجـ[ـب] أن يضمنها الغريم ثانية.
[ ٢ / ٥١٤ ]
فإن قال: فإن أداها الوارث لم [لا] رجع بها على الغريم الطالب.
قيل له: لأنه عن نفسه أداها فـ[ـلم] يرجع بما أدى عن نفسه على غيره، وقد صارت بترك الغر [يم] إياها تركة للميت، قبضها وارثه، ثم ردها على المبتاع، فقـ[ـد]، حصلت الهبة تامة من الغريم للميت، إذ بقيت ذمته بريئة [من] الدين بعد ذلك كله، فصارت الجائحة على الوارث لما يطرأ [على] التركة.
ثم أخذ هذا الرجل في معنى ما تقدم له في هذا البا [ب] من سفاهة القول، فقال: وهذه مقالة جورها مكشوف، وتعدي قائلها ظاهر، ولو أن فطنا استلطف الحيلة أن [يجد] جورة وتعديا لم يأت بجور أعظم من هذا.
وهذا من الكلام لا يتصرف بمن قاله إلا متحامل إلى ما يعذر فيه بعذره، ليس له فيه لما ركبه من هذا السب والثلب قصد اعتقا [د] وتحامل أو متكلم نطق بحمية كحمية الجاهل وغضب الحا [ئر] ومن قام في احد هذين المقامين فقد خفت مؤنته، وصد [ف] مـ[ـن] نفسه، فاستفرغ الجهد في خفضها، واستوفر الحظ من [فسا] دها.
ولو كان كل من خالف في العلم قول صاحبه جاز أن يسمى [فـ]ـيه جائرا متعديا، لكانت المناظرة سبابا والديانة تلاعبا، [ولا] يجب اسم الجور والتعدي إلا لمتعدي خلاف الحق، ولا [يجو] ز أن يسمى لهذا مجتهدا متأولا، ولا مدخل للتعدي والجور [في تـ]ـأويل أو غلط بعد اجتهاده.
ولا يتصرف كلام هذا الرجل [إلا] إلى صريح السب وركوب المحذور، الذي يحسبه هينا، وهو [عـ]ـند الله عظيم، وما يجب على هذا الرجل في ثلب العلماء [الأقـ]ـوم به الحكام.
[ ٢ / ٥١٥ ]
وأسأل الله السلامة من اشتغالنا بمعارضة مثل هذا الرجل، على ما ترى من كشف حاله، وما [ركـ]ـب من المحذور في مقاله، وإلى الله نرغب في توفيقه.
ثم ذكر [هـ]ـذا الرجل نحو رواية أشهب عن مالك التي ذكرناها، فزعم [أن] هذا قوله، والله المستعان، وكل لمالك، وكل ذلك محتمل [للـ]ـنظر، وسائغ في التأويل، على ما بينا ..
ثم قال فيما ذكر من قوله: [إن] باع الوصي، وقبض الثمن، واستهلك من يديه، ولا يرجع المشتري على ذمة الميت، أو تركته.
فقوله: استهلك من يديه، عبارة قبيحة [بـ]ـل، قوله: استهلك من يديه، إشارة إلى أن مستهلكا استهلكه، [و] ذلك المستهلك كان أولى بالضمان، فلم يذكر ذلك، ولو قال: فهلك [في] يديه كان أشبه، ومثل هذه الاستحالات تشوب كلامه كثيرا [بسـ]ـبب استقصـ[ـائه] [] [والله] [المستعان].
[ ٢ / ٥١٦ ]
في وطء الأب أمة ابنه
وأنكر هذا الرجل قول مالك في الأب يطأ أمة ابنه: أنه لا يحد، وزعم أن هذا خلاف ظاهر القرآن، وسأل عن الفرق بين من وطيء أمة ابنه [وبين] واطيء أمة والده أو زوجته؟
فالجواب عن ذلك: أن الأب له في و[لده] وفي ماله معنى من الملك، ليس لغيره، وقد خص فيه بخواص، وهـ[ـو] وماله من مواهب الله له، قال الله سبحانه: ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ وقال تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ فقال ابن عباس: ﴿وما كسب﴾ قالك ولد [خ مما كسب].
[ ٢ / ٥١٧ ]
وقاله محمد بن سيرين وعطاء والحسن ومجاهد وغيرهم قال عطاء: فلا [بأس] أن يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء ما لم يضره.
وقد جعل الرسول الولد ومال الولد من كسب الرجل، وأن له أن يأكل من ذلك. نا أبو بكر بن محمد، نا زيدان بن إسماعيل الواسطي، نا أبو همام وليد بن شجا [ع]، نا أبو معاوية نا الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده [من] كسبه.
قال: أنا أبو همام، نا محمد بن فضيل، نا مغيرة عن الزهـ[ـري] عن عائشة في قوله سبحانه: كلوا من طيبات ما كسبتم، قالت: ولد الرجل من أطيب
[ ٢ / ٥١٨ ]
كسبه.
أبو همام نا قبيصة نا سفيان عن ليث عن [مجاهد] ماله وما كسب، قال: ولده. أنا أبو سعيد بن محمد الأعرابي: نا [أبو] داود السجستاني، نا عبد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة المعنى، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة عن الحكم عن عما [رة] بن عمير، عن أمه، عن عائشة عن النبي ﵇ أنه قال: ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم.
أنا ابن الأعرابي نا أبو داود، نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي ﵇ فقال: يارسول الله إن لي مالا وولدا، وإن والدي يحتاج مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم.
[ ٢ / ٥١٩ ]
نا أحمد بن إبراهيم بن حماد، أنا إسماعيل القاضي، نا محمد بن المثني، نا يحي بن سعيد، عن ابن عون، قال: قلت للحسن: يأخذ الرجل من مال ولده؟ قال نعم.
وقاله مسروق، وغيره، والحديث بمثل هذا يكثر لو تقصيناه.
فلما كان الأب له من ولده هذه الخاصة التي ليست لغيره، لم يساو بغيره، في إقامة الحد عليه، فيما يملك ولده لهذه الشبهة، وقد قال الرسول ﵇، ادرؤوا الحدود بالشبهات. ولا شبهة أعظم من هذه الخواص التي خص بها الأب في ولده
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وقد غلظ عمر عليه الدية، ولم يقتله فيما يقتل فيه غيره من الأجنبيين.
والولد داخل في ولاية الأب، لا يحتاج في ذلك إلى رأي إمام وغيره.
ومن خواصه أنه يزوج ابنته وابنه قبل بلوغهما، وأنه يعتصر ما وهب لهما بالسنة الثابتة.
ولا خلاف أنه يبيع متاع ولده الصغير من نفسه، ويشتري متاعه لنفسه، وغير شيء مما ينفرد به الأب ولا يلام في الولد.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وقد ذكرنا قول النبي ﵇: أنت ومالك لأبيك، ورواه جابر بن عبد الله أيضا مع عبد الله بن عـ[ـمرو] []ـلا بـ[]، نا المنكدر بن محمد عن أبيه، عن جابر عن رسول الله ﵇.
ولم يجمع الناس على إبطال معاني هذا الحديث كلها، وأجمعوا على رفع حكم بعض معانيه، فما خرج بإجماع أخرجناه، وما أختلفوا فيه من بقية معانيه كنا به متعلقين حتى يجمعوا على رفع المعاني كلها فيه.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فنحن ندرأ به الحد في الزني والسرقة، ولا توجب للأب تمليك ما بيده في كل وجه، لإجماع الناس على رفع هذا المعنى.
ونحن ببقية معاني هذا الحديث متمسكون على أنه محتمل أن يراد به دراءة الحدود خاصة، والله أعلم بذلك
وهذا والاختلاف ف دراءة الحد عن الوالد في ذلك شاذ لا اتباع له، والذي قال مالك من ذلك هو قول كل أئمة أهل المدينة، وقول أهل العراقين والشافعي، والمشهور من علماء الأمصار، المرجوع إلى قولهم.
قال محمد بن الجهنم، هو قول الصحابة والعلماء وفيه من الأحاديث عن الصحابة والتابعين بالأسانيد المرضية ما يكثر على ذكرهان وكرهت التكثير بذلك، وشهرة هذا تنويه عن تسطيره، وقد رويناه عن أبي بكر الصديق وابن عباس وجابر وأنس بن مالك.
قال ابن الجهم،: وهو قول الكافة من التابعينن ولا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم.
وإن من غرائب الأعاجيب أن يكون قولا هذا حاله من تطابق جمهور الماضين والباقين عليه، وهذا الرجل يتجرأ فيطلق فيه أنه خلاف القرآن، وإن مؤنة من انتهت جرأته إلى هذا لخفيفة.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا [أحمد] بن فرح، نا إبراهيم بن عبد الله، نا أبو معاوية، نا عبد الرحمن، عن إسحاق القرشي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله، قال: جاء رجل إلى عمر، بأبيه فقال: إن لهذا على ألف درهم، وليس معي مال، فأخذ يدا ابنه، فوضعها في يده، ثم قال هذا وماله من هبة الله لك، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، ونحوه عن ابن عباس.
نا بشر بن موسىن نا أحمد بن الوليد، نا الحباب بن فضالة بن هرمز الحنفي قال: قلت لأنس بن مالك: جارية لأبي وأنا شاب أعزب، احتجت إليها، قال هي عليك حرام، قال قلت جارية لي لم تخلط بمال ابي غلبني عليها، قال هي له حلال، قلت فماذا؟ قال أنت من كسبه، أنت ومالك له حلال وماله عليك حرام، إلا ما طابت به نفسه.
وهذا يكثر علينا ذكره فلا جد في أحاديث السلف أن عليه الحد، وإن اختلفوا في ألفاظ ما اجتمعوا منه على معنى إسقاط الحدود فيه فذلك القصد الذي قصدنا اجتماعهم فيه، وإن اختلفوا في بقية معاني ذلك.
وقد استدل غير واحد من العلماء- في هذا المعني بقوله سبحانه: ﴿ولا على أنفسكم وأن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ابائكم﴾ إلى آخر الاية، قالوا: فلم يذكر في ذلك بيوت الأبناء، وهو أقرب المذكورين قالوا: وإنما لم يفرده بالذكر، لأنه دخل تحت قوله: ﴿أن تأكلوا من بيوتكم﴾ فجعل بيت ولده كبيته، وماله كماله وذكر غيره من الأقارب.
فهذه من الخواص التي انفرد بها الأبوان والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وأقل ما يوجب هذا كله الشبهة الموجبة لدرء الحدود التي تدرأ بالشبهات فهذه أكثر الشبهات.
وشيء آخر: ان الأب لما تأول [ملك يمين] الابن، فقد حرمها عليه، فوجبت عليه، [قيمتها] وذلك مزيد في شبهة ملكه، ونحن نحرم بشبهة الملك كما نحرم لشبهـ[ـة] النكاح على الآباء والأبناء إلا ان التحريم بالشبهة بالملك أقوى في الأصول
وأما قول هذا الرجل: كيف لا يحد وقد وطيء ما لا يحل له وطؤه، من ملك غيره؟
فيقال له: للشبهة التي دخلت في ذلك الملك، على ما ذكرنا أرأيت من وطيء أمة له فيها شرك أليس قد وطيء ما لم يملكه كمال الملك، وهو عليه حرام،
وقوله: إذا كانت للابن ملكا فلم سمى الاب زانيا.
فيقال: له ومن اقر لك انه يلزمه اسم الزني، ولكنه وطء شبهة.
أرأيت الوطء في النكاح الفاسد او البيع الفاسد، أزنى هو؟ إن كان الأمر لا يتعدي عندك إلا حلال صريح، أو حرام صريح، فما الاسم في وطء النكاح الفاسد والملك الفاسد؟ هل هو زنا عندك؟
ونحن نفرد الشبهات باسم الشبهة كما أفرد النبي ﵇ لها اسما، ونأمر باجتنابها حماية لحمي الله.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وقد ألحق النبي ﵇ الولد بعبد بن زمعة، وقال لسودة: احتجبي منه، لما رأى من شبهه بعتبة، وهذا من توقي الشبهات فتعليق اسم الشبهة في الوطء الذي ذكرنا، يكشف لك ما سألت عنه من قولك: هل ذلك ملك للابن أو للأب أو لهما؟
فهذا السؤال يكشفه لك ما يلزمك من الجواب في الوطء المشتبه كله، من نكاح أو بيع او شركة فتأمل، ولا تحمل الكلام في العمل محمل كلام أهل الجدل، فإن الأصول في العلم ليس هذه مجاريها.
وكذلك الأمة المشتركة توقف للاستبراء برضا المتبايعين فيطؤها أحدهما، هل يحد؟ وهل وطيء عندك ما هو له ملك، أو للآخر أو لهما؟
وكذلك واطيء [أمـ]ـة ببيع فاسد، أو الوراث يطأ أمة من التركة، والدين محيط بمال [الميـ]ـت، هل وطيء ما ملك، فلا يباع للغرماء؟ أو وطيء ما لم يملك فينبغي ان يحد؟ وهذا من الشبهات.
فلا تتحامل في علم الشرائع بلسان أهل [الجد] ل الذين أقاموا معاني الديانة بأهوائهم، والتعلق بابتاع [السلـ]ـف في معانيهم أولى بك.
وكذلك من اباح أمته لرجل، فوطئها، [فإن] ذلك شبهة من التمليك أوجبت على الوطيء القيمة ولم نحده [عليـ]ـه بالشبهة، ولا ترد الأمة إلى ربها، فتصير كعارية
[ ٢ / ٥٢٦ ]
الفروج، وبأول [الـ]ـتحريم دخلت في ضمانه، وعليه القيمة، وهذا يحلق بما تقدم، ذكرنا [له] من الشبهات والله أعلم.
والأصول شاهدة لما قال مالك، في وطء [الأ] ب على ما ذكرنا، وهو قول الأئمة، والفقهاء من كل مصر.
وإن من [شـ]ـرد عن هذه الجملة لفي وحشة، لا يجد لها أنسا بمثل من ذكرنا [وباللـ]ـه التوفيق.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
باب في قتل الزنديق
أنكر هذا [الـ]ـرجل قول مالك في الزنديق، إذا قامت عليه بينة أنه يسر الكفر: إ [نه] يقتل، ولا تقبل توبته.
واحتج بقول الله سبحانه ﴿قل للذين كفرو [إن] ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله: إن الذين ﴿كفروا [ثم] أمنوا ثم كفروا﴾ وأعاب قول مالك، إذ قال: إنه يقتل ولا تقبل توبته.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
[لأنـ]ـه على ما أظهر من التوبة عهدناه، فلم ينتقل عندنا إلى حال يعرف أنه انتقل إليها، واقتدي في ذلك بعلي بن ابي طالب، وابن عباس وغيرهما في الزنديق، وبما ثبت ايضا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة في الساحر، وبما دلت عليه الأصول من الكتاب والسنة مع كثرة من قال ذلك من التابعين وغيرهم.
ثم تحامل هذا الرجل فقال: إن مالكا إنما قال هذا برأيه واستحسانه، وإنه لم يسبقه إليه أحد علمته، وإنه خلاف ظاهر الكتاب وما ثبت من السنة، وما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﵇ والتابعون، في كلام من هذا، أقله يعظم على من عظم أمر الله.
وإن هذا الرجل في ا [دعا] ئه وحرج صدره وتقحمه فيما لا علم له به، واسترسال لسانه بالمنكر من القول، قد سلك مسلكا لم يسلكه إلا مجان أهل الكلام وسفاهة الأحلام، ممن يغمص على متقدمي السلف، من الفقهاء والمحدثين، ويقفون عنده موقف الغفلة، والمتحلقين ممن سبق مثل هذا إليه، فأشربه قلبه، فأقام عليه قد حجب عن الواضح، وجمح عن الناصح.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وكأن هذا الرجل لم يلق إماما له هدي العلماء، فيهتدي بهديه، ويتأدب بأدبه، فيمسك عنانه، ويملك لسانه عن أن يطلقه بالباطل في امور الدين وفي أئمته، أعوذ بالله من سوء القربي، والركون إلى الهوى، وكيد الله بالإملاء.
وكيف يجوز أن يقول: إن هذا خلاف إجماع الصحابة والتابعين؟ وإنه إنما هو رأي رآه مالك، لم يسبقه إليه احد، وهو قول السلف قبل مالك.
ودفع الباطل لا يضر من دفعه، ويعر قائله، ويكشف مستور حاله، وسنذكر من قال ذلك من السلف، وندل على صحة قول مالك من كتاب الله وسنة نبيه، وقول الصحابة والتابعين، والدلائل الواضحة من حجة العقل.
واحتج هذا الرجل، بأن النبي ﵇ أقر المنافقين على علم بهم.
ولو تدبر كلامه علم أن ما احتج [به] حجة عليه، لأنه اقر أن النبي ﵇ أقرهم – وهو بهم عالم – ونحن إن ظهر إلينا من أهل النفاق مثل ما علم الرسول قتلناهم، فلا حجة لك بالمنافقين لما خصهم النبي ﵇، به من تركهم، وأخبر بعلة ذلك، بقوله: " لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ".
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وقد أمر الله سبحانه رسوله أن يجاهد الكفار والمنافقين، وقال سبحانه: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ إلى قوله: ﴿اخذوا وقتلوا تقتيلا﴾.
قال قتادة: فكان هذا حكم من أظهر نفاقة أن يقتل.
[نا] إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية عن علي – يعني ابن أبي طلحة – عن علي، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿لنغرينك بهم﴾ قال: لنسلطنك عليهم.
نا إبراهيم بن المنذر، نا أبي، نا النجار محمد بن علي نا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أن ناسا من المنافقين أرادوا أن يظهروا ما فيهم فنزلت فيهم: ﴿لين لم ينته المنافقون﴾ إلى آخر الآية.
قال: وأنا أبي [عن] محمد [] نا نصر، نا عبد ن نا روح، عن قتادة، فذكر نحوه، وقال: أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم، فأوعدوهم الله بهذه الاية فكتموا ذلك، واسروا ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ قال: إذا هم أظهروا [الـ]ـنفاق، ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ يقول: هكذا سنة الله فيهم، إذا اظهروا النفاق.
[ ٢ / ٥٣١ ]
أنا محمد بن أحمد بن نا موسى بن عبد الرحمن نا يحيى بن محمد بن الـ[] لئن لم ينتهوا مما في قلوبهم من النفاق [] لنسلطنك عليهم إلى قوله: ﴿سنة الله في الذين﴾ أي من أظهر الشرك قتل، وقد أمر الله سبحانه رسوله بمجاهدة الكفار والمنافقين فهذه مجاهدة من أظهر نفاقه منهم، فأما من ستره فلم يؤمر فيهم بذلك.
وقد ذكر الرسول ﵇ العلة في تركه إياهم بعد علمه بسرائرهم فقال: أولئك الذين نهاني الله عنهم، وقال: لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وهذا امر خاص في الذين كانوا على عهده ﵇، لأن الناس بحدثان كفر، ولا يعلمون المؤمن من المنافق، إلا بما [ظهر] لهم، ولو قتلهم بعلمه دون ظهور الأمر عليهم، لكان فيه تشريدا للناس عن الإسلام، كما قال ﵇: لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وقد روى جابر أن عبد الله بن أبي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأراد عمر قتله، فقال النبي ﵇: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فأخبر ﵇ علة تركه لقتلهم، ولم يقل: لأني قبلت ظاهر دعواهم.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وأنت في قبولك لظاهر الزنديق في بدي أمره او في توبته، لا تعلم طويته، والرسول إنما اقر بعد علمه فيهم، بخلاف ظاهرهم فلا حجة لك بهم، ولو ظهر ذلك منهم في حياة الرسول ظهروا ظاهرا كما قال قتادة والحسن لقتلهم ﵇.
وشيء آخر، أن الرسول ﵇ هو الذي كان يعلم نفاق قلوبهم، وهو لم يؤمر ان يحكم بباطن علمه، وإنما مجاري أخذ [هـ] ﵇ على الظاهر، لا على ما يعلم الله ورسوله من [الخفاء].
ولا خلاف أيضا أن لو علم الإمام من رجل ما يوجب التقل من كفر او غيره [وهو له] منكر أن لا يقيم ذلك عليه لعلمه.
وهل بلغك أن منافقا قامـ[ـت عـ]ـليه البينة عند الرسول أنه عرف بالكفر، فاستتابه وتركه، فلا حجة لكم بالمنافقين لهذه الدعوى.
[فإن قلت] [] منهم قائمة سئلت عن من ظهرنا على نفاقه اليوم، اتتركه كما ترك النبي ﵇ المنافقين، [أو] تقتله؟
[ ٢ / ٥٣٣ ]
فإن قلت: نستتيبه، خالفت، ما فعل النبي ﵇ في المنافقين، فإنه لم يستتبهم من شيء مما يعلم من طوياتهم.
وإن قلت: [أثبته] على ما علمنا من نفاقه، ولا نستتيبه ولا نقتله، خرت من قول العلماء.
فلا تجعل المنافقين أصلا لاستتابتك للزنديق، فإن هذا غلط فاحش، لا خفاء به، وقد قال النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه.
نا به الحسن بن بدر، نا النسائي، نا قتيبة بن سعيد، نا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، قال، قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: من غير دينه فاقتلوه. وهذا عام.
فإن قيل: إن النبي ﵇ قال للمقداد – حين قتل الكافر- ألا شققت عن قلبه، بعد أن تشهد.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
قيل: ذلك كان كفره ظاهرا، فرجع إلى أمر ظاهر.
ويقال له: أرأيت قول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، عام أم خاص، أم له معنى خلاف ظاهره؟
فإن قلت: معناه بعد الاستتابة، سئلت الدليل.
فإن قلت لقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. قيل لك: هذه الآية معناها ظاهر [] (فدل بذلك أنهم ينتقلون عن أمر ظاهر علمناه إلى امر ظاهر) [والأية] لا تطالب بالتكليف لأن ينتهوا عن ما في سرائرهم.
فدل ذلك أنهم ينتهون عما سلف مما ظاهرونا به، إلى ما سواه، مما نعلمه عنهم، والزنديق بخلاف ذلك.
هذا وقد اختلف الناس فيمن يعلم منه [الإيـ]ـمان فارتد مظهرا لردته، فقيل:
يقتل ولا يستتاب، وتأولوا أن [ذ] لك حده القتل والحد لا تزيله التو [بة] [كما أن حد الزنى] لا تزيله توبة الزاني عند الحد، وتأولوا هذه الاية ﴿قل للذين كفروا
[ ٢ / ٥٣٥ ]
إن ينتهـ[ـوا] يغفر لهم ما قد سلف﴾ ممن لم يتقدم لهم إيمان قط، وأما من آمن ثم كـ[ـفر] فلم يدخلوه في الاية.
وقد قال نحو هذا معاذ، وأشار به على [أبي] موسى في رجل ارتد، فقال: لا اقعد حتى يقتل فقتله أبو موسى، [وقد] تقلد ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال مالك في الاستتابة من ظاهر إلى ظاهر بقول الصديق في استبقائه من تاب من أهل الردة، وبقول عمر وعلي وعبد الله وغيرهم.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وقالت طائفة بقول عبد العزيز هذا، واتبعه على ذلك من المتأخرين سعيد بن محمد بن الحداد، وأنت لا تقول بذلك.
ولكن عجبت من تحامل هذا الرجل، في دعواه لإجماع الصحابة والتابعين على استتابة الزنديق، وهم لم يجمعوا على استتابة المرتد فضلا عن الزنديق، ولكن كلامه خرج عن حمية ونقص من العلـ[ـماء] شديد.
ويقال له: أرأيت الذي علمناه بالإيمان، ثم ظاهرنا بالكفر مرتدا، أليس إنما نستتيبه مما أظهر إلينا من الكفر، ليرجع إلى الإيمان الذ [ي] كان يظهر إلينا فلابد من: نعم.
فيقال له: فهذا الزنديق الذي ظاهرنا بالإيمان، ثم اطلع عليه رجلان أنه يسر الكفر، فهل نستتيبه مـ[ما] أظهر، أو مما يسره ويخفيه؟
فإن قلت: مما يسره، قيل لك: فكيف تطالبه بالانتقال عن سريرته ولا وصول لك إلى ذلك.
فإن قلت: أصل إلى ذلك بقوله: إني مؤمن في سريرتي وعلانيتي.
قيل لك: مازال قائل ذلك قبل ظهورك عليه وبعده، فما الذي تغير من حاله بعد شهادة البينة عليه بما يسر؟
أرأيت إن قال: كذبت البنية، وما أنا إلا مؤمن [في] السر والعلانية، أتجعل ذلك توبته وتبقيه على حاله، وتصير الـ[ـبينة] لا تغير منه معنى، ولا توجب عليه
[ ٢ / ٥٣٧ ]
حكما، فلما كانت التوبة مما يسر من الكفر لا يتوصل إليها معنى يساوي ما أسر، لم يكن لاستتابته وجه، وكان حده القتل، وكذلك فعل علي بن أبي طالب.
نا الحسن بن بدر نا النسائي، نا محمد بن المثنى، نا عبد الصمد، نا هشام، عن قتادة عن أنس، أن عليا، أتي بناس من الزط، يعبدون وثنا، فأحرقهم، فقال ابن عباس: إنما قال رسول الله ﵇: من بدل دينه فاقتلوه.
وهؤلاء إنما [ظهر] عليهم التستر بذلك، وإظهار الإيمان، فلذلك قال ابن عباس هذا في قبول توبة الزنديق وقتله، كالذي دل عليه الكتاب من قتل الساحر، لأنه كفر مستتر به، ويدل على ذلك، قول الله تعالى: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، وبقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاخرة من خلاق﴾ وبقوله ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ يقول: باعوا ومن خسر نفسه حتى لا يرى لها في الآخرة نجاة، فلا حظ له في الإيمان.
فلا تقبل توبة الساحر إذ لا يظهر على أمره، ولا يعرف ما تاب منه، وقد قال النبي ﵇: حد الساحر ضربة بالسيف، فسماه حدا، والحد لا توجب دفعه التوبة.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
[نا] محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا ابو مسلم، نا سليمان بن داود، نا معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الخير أن النبي ﵇ قال: حد [السـ]ـاحر ضربة بالسيف.
قال ابن الجهم: ومن قال في إسماعيل بن مسلم في [حديثه] يضعف، فإن إسماعيل ثقة مأمون، ولا يدفع بهذا حديث تشهد [عـ]ـليه الأصول.
وحديث جندب مشهور من غير طريق، وروينا حديث [] [خبر] مشهور. [] إبراهيم [نا] أبي نا إسماعيل القاضي، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجزيري، عن ابي العلاء، أن النبي ﵇، ارتجز ذات ليلة، فقال: جندب وما جندب، والأقطع الخير، فسئل عن ذلك بعد أن أصبح، [فقال: أما] جندب
[ ٢ / ٥٣٩ ]
فرجل من أمتي يضر ضربة، يبعث بها أمة وحدة يوم [القيامة]، وأما الأقطع فرجل تقطع يده فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الزمن، [فكـ]ـانوا يرون الأقطع زيد بن صوحان، قطعت يده يوم اليرموك، وقتل يوم [الجمل]، وأما جندب فهو الذي قتل الساحر.
وفي الأصول أن كل مستتيب، في [أمر] يوجب عليه حدا فإن توبته لا تزيل حده، من ذلك السارق والزاني، وأما المحارب المجاهر فإذا جاء تائبا سقط عنه ما كان [عليه من] حد الحرابة التي ظاهر بها ولا يسقط عنه حق الآدميين، وهذا [كسائر] ما ذكرنا.
وهذا الذي قال مالك في الزنديق والساحر قول علي بن ابي طالب، قال يجالد وابو موسى كتب إليه [عمر] أن اقتلوا كل كاهن وساحر.
أنا محمد بن عثمان: قال: أنا [محمد] [بن الجهم] نا عبد الله بن أحمد، نا أبي نا هشيم، نا إسماعيل بن [أبي خالد،] عن ابن إدريس، قال: أتي بناس من الزنادقة
[ ٢ / ٥٤٠ ]
قد ارتدوا عن الإسلام وجحدوا فقامت عليهم البنية العدول فقتلهم ولم يستتبهم، [وأتي] برجل كان نصرانيا فأسلم، ثم رجع، فاستتابه فتركه.
قال: نا [ابن الجهم] نا عبد الله، نا سفيان عن أيوب، عن عكرمة أن ابن عباس بلغه أن عليا [أخـ]ـذ زنادق فأحرقهم، قال: أما أنا [فلو كنت لم أعذبهم] بعذاب الله، ولو كنت لقتلتهم، بقول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، وقد [أقـ]ـتلهم ثم أحرقهم.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا الحارث بن مسكين، [نا ابن] وهب، نا الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله، عن عون بن أبي جحيفة، [عن] علي بن أبي طالب أنه أتى بزنادقة يعبدون رأسا بالكوفة، فحفر [لهم] وأمر بضرب أعناقهم.
فهذا يدل أنه بعد القتل أحرقهم، وذلك ليستفيض أمرهم، وتعظيما لجرمهم.
فهذا قول أمير المؤمنين علي وعبد الله بن عباس وتأويلهما، وقد تأول ابن عباس قول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، أن ذلك في الزنادقة، فهذا الذي قال مالك.
[ ٢ / ٥٤١ ]
قال محمد بن الجهم، نا يوسف بن يعقوب، نا ابن أبي بكر، نا موسى بن إسماعيل قال: سألت [إبراهيم] بن سعد بن إبراهيم: أيستتاب الزنديق؟ قال: علينا بالمدينة والٍ [قتل] زنديقا ولم يستتبه، فأسقط في يديه، فقال له أبي: لا يهيدنك ذلك، فإنه قول الله في كتابه: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا أمنا﴾، قال السيف: ﴿قالوا أمنا بالله وحده﴾ وصل إلى قوله: ﴿فلما يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾.
والآثار في هذا كثيرةن وأكره التطويل، وفيما ذكرنا كفاية.
وهو قول ابن شهاب وابن المسيب وربيعة وابي الزناد، وغيرهم من تابعي أهل المدينة، وقاله مالك وعبد العزيز والليث بن سعد فيمن اتبعهم.
والعجب في جرأة هذا الرجل بقوله: إن هذا القول لمالك لم يسبقه إليه أحد وإنه قاله برأيه، وإنه خلاف الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون.
وانت ترى ما في ذلك عن الصحابة والتابعين، وظاهر القرآن وحديث الرسول وكلام السلف.
فهذا رجل هانت عليه نفسه، واستهان بمنطقه وهوي دينه، وأعوذ بالله من الجرأة على الأ [ئمة] والقول بغير علم في دين الله.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وأما الساحر فممن قال يقتل بغير ا [ستتابة] عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وجندب الخير وحفصة وعبد [الرحمن] بن زيد وقيس ابن سعد بن عبادة، وابن المسيب والزهري وعـ[ـمر بن] عبد العزيز وربيعة والحسن وخالد بن المهاجر، وأبو الزناد وعـ[ـثمان بن] الحكم وسنان بن سلمة وغيرهم.
وهو قول أهل المدينة، وقاله ما [لك] وعبد العزيز فيمن اتبعهما، وهو قول الشافعي.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
ويقال لهذا الر [جل على] معنى أصوله: أرأيت استتابتك للزنديق، أبنص قلته، أم [بقياس]؟ والقياس عندك باطل، ولا نص معك، والأحاديث بخلاف قولك، [لقول] النبي ﵇: من بدل دينه فاقتلوه، وقوله: حد الساحر [ضربة] بالسيف، وحديث جندب.
وقول النبي ﵇ في ذكره للعلة الـ[ـتي بها] أبى المنافقين، الذين ظننت أنت أنهم يشبهون من ظرهان نحن علـ[ـي كفرهم] فصار لهم أمرا خاصا، هذا والنبي ﵇ لم يستتبهم.
فبمـ[ـاذا] تعلقت – أيها الرجل- في استتابة الزنديق وجعلته إجماعًا ونـ[ـصا] من نصوص القرآن والسنة، وهذا كلام من ينطق عن الهوى؟ فإن قلـ[ـت: فإن في] ظاهر القرآن قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم [ما قد] سلف﴾.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
فقد عرفناك أن ظاهر الآية أنهم إنما ينتهوا عما كانوا [له] مظهرين، ولا خلاف بين الناس أن هذه الاية لم تنزل في المنا [فقين].
فإن قست المنافقين على الكفار – الذين فيهم نزلة الآية – أ [خطأت] من وجهين:
أحدهما: أن القياس باطل عندك، ووجه آخر لمن قاس: [إنـ]ـما يقيس على اصل يشبه الفرع، ويكون في الفرع علة الأصل، وهذان [يفتـ]ـرقان في العلة والمعنى، هذا مظهر غير مستتر، وهذا مستتر لما يظهر [علـ]ـيه فبقي حكم الزنديق منفردًا، لا دليل معك على قولك فيه، من كتاب [وسنة] وقياس.
وأما حجتك بقول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا [ثم آمنوا ثم كفـ]ـروا﴾ فلا حجة لك بذلك؛ لأن الله سبحانه وصف انتقالهم [من ظاهر] إلى ظاهر، وليس هذا مما اختلفنا فيه، واختلافنا فيمن أظهر [إيما] نا وأخفى كفرا.
وهذا وقد قال قتادة في هذه الآية: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصاري بالإنجيل، [ثم] كفرت، وكفرهم به تركهم إياه. ثم ازدادوا كفرًا، بالقرآن وبمحمد.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
[نا إبراهيـ]ـم بن محمد بن المنذر، نا أبي، نا محمد بن عليى، نا محمد بن سليم، [نا] يزيد، نا سعيد عن قتادة.
وقال نحوه الضحاك وأبو العالية، وقال مجاهد: [هـ]ـم المنافقون.
فهذا تأويل السلف فيهم، ثم لم يذكر الله سبحانه من ما [صـ]ـرت إليه شيئا من قتل ولا استتابة، وإن غيرك ممن يرى قتل المرتد ولا يقبل توبته أشبه قولا منك، فيما أشكل عليه من معاني التعلق بظاهر الحديث، أو ما اشتبه من باب القياس، وإن كان [أكـ]ـثر، العلماء على ما قلنا، ودلائل ذلك ظاهرة.
فقد انكشف لمن أنصف عدولك عن الإنصاف ودعواك لما لا يدعيه من تحري الصدقة وآثر القول بالحق، والقصد في القول، [] الجنف والله المستعان.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
باب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصار
وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الأب يتزوج من مال ولده، بخادم أو ز [وجة]، فقبضت ذلك الزوجة، ثم بلغ الابن: إنه ليس له أخذ ذلك من المرأة، كان الأب مليا أو معدما، وليتبع الأب بذلك في عدمه.
قال هذا الرجل: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿ولا تأكلـ[ـوا] أموالكم بينكم بالباطل﴾، وخلاف السنة، من قول الرسول ﵇: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام.
قال: ولا يعدو المال [أن يكون] لابنه، ولا يجوز أن يكون للأب، وهو يضمنه للابن، وليسا بشريكين، [فما] الذي أوجب هذا، ولو كان الابن يوم النكاح كبيرًا، لأخذ ذلك من الزوجة، ورجعت هي بقيمته على الأب، فما الذي فرق بين صغير وكبير؟
[ ٢ / ٥٤٧ ]
قال: ومن احتج بما روي: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ فإنه لم يثبت، ولو ثبت فـ[ـما] فرق فـ[ـيه] بين كبير وصغير.
قال: ومن قول مالك: إن وهب من مال ابنه الصغير، أ [و] تصدق، فذلك مردود، إلا التافه الذي لا بال له، كان الأب مليا أو عـ[ـديما]، أو إن أعتق عبدا لابنه الصغير، فذلك نافذ، وعليه القيمة في ماله، وإن كـ[ـان] عديما لم يجز عتقه.
قال: وهذا فاسد متناقض، وليس له أن يزيل ابنه عن ذلك إلا بكتاب أو سنة أو اتفاق، وفرق بين التافه [وغيره وهذا] تحكم في دين الله، وفرق بين العتق والصدقة، ولا فرق بين ذلك، وزعم [أنه] يعتصر ما وهب لابنه ما لم ينكح، أو يحدث دنيا وهذا تناقض، فإ [ما] أن يرجع على كل حال، أو لا يرجع بحال، وقد قال النبي عليه السـ[ـلام]: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
والحديث: ليس لأحـ[ـد] أن يرجع فيما أعطى، إلا الوالد. مرسل، لا يحتج به.
هذا منتهى [كلا] م هذا الرجل، إلا ما اختصرت من تكرير وتكثير، وكل ما أنكر من ذلك [تدل] على صحته دلائل واضحة، ولله الحمد، وما تناقض عنده فليس بمتناقض.
و[من سأل] عن علل مذاهب مالك أهل العناية بها وقف على كثير مما أنكر.
ويدل عـ[ـلى] غفلته أنه أقام الأب في مال ابنه الصغير كالأجنبيين، حتى [استدل] بقول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وقول
[ ٢ / ٥٤٩ ]
الرسول ﵇: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" ولا خلاف أنه بخلاف الأجنبيين في ماله، وأنه تخصه منه خاصة الولاية عليه.
وما الذي حرم عليه أن ينقل مال ولده إلى ملكه، بمبايعة أو معاوضة، يوجبها له قبله، أو يأكل منه إن كان فقيرا، والأجنبي لا مدخل له في هذا.
فكيف أدخل الأب مد [خل] العموم في الآية وفي الحديث الذي ذكر.
وقد أجمع علماء الأمصار- لا يختلفون – أن للأب الملي أن يشتري عبد ابنه الصغير لنفسه من نفسه، بحق ولايته، من غير غبن ولا سوء نظر، فيجوز له ذلك في الصغير، لا خلاف في ذلك، ولا يجوز له ذلك في الكبير، لزوال الولاية عنه.
فما الذي استبعدت من تفريق مالك بين الصغير والكبير، وهذا نكير البدية قبل التأمل.
أرأيت الأب، أليس له أن يبيع عبد ولده الصغير من رجل، بدين، يجعله له [في] ذمته؟
فإذا جاز ذلك، جاز له أن يبيعه من نفسه لولده بدين يكون ذمته، كذلك هو حين تزوج بهذا العبد فقد نقل ملك العبد إلى ملكه، أن أصرفه في مصالحه، وأعطا في بضـ[ـع] [] [مـ]ـن عقد [] غبن علـ[ـيه] فيه، وهذا كالذي أجمعوا عليه من شرائه لمال ولده، ثم إذا حدث على الأب عد [م] بعد كبر الصبي، لم يكن
[ ٢ / ٥٥٠ ]
حادث العدم يبطل ما جرى أولًا على الصحة، كما [لو أن] اجنبيا حدث عليه عدم بعد أن باع منه لابنه بيعا، فليس له إن كبر أخذ العبد من مبتاع ابتاعه من ذلك المشتري، الذي حدث عليه العدم، فكذلك الزوجة مبتاعة ببضعها لعبد أدخله الأب في ملكه با [بتياعها] له.
فما الذي استبعدت من هذا؟ أو هو أقرب إلى أحكام الكتاب والسنة مما احتججت به، لإقامتك الأب في مقام الأجنبيين، ممن لا مدخل له في [ذلـ]ـك أولا بوجه ولا سبب، ولا يجري له عليه حكم في نفسه ولا في ماله ولا في عقد شيء عليه، وهذا كلام لا يقوله من ألقى السمع وهو شهيد.
وقد جرى في باب الأب يطأ أمة ابنه دلائل تدل عى خصائص خص بها الأب في ولده، من الكتاب والسنة وقول السلف فليتأملها الناظر فيـ[ـما] [سلف] لبابين.
ومع ذلك فإن الأب في هذا معاوض لولده ليس له [أن] يبيح ماله دونه؛ لأنه أشغل ذمة لولده بعوض ما أخذ من ماله، وهذا كالمبايعة، فليس في هذا فساد ولا تعد.
ومساواتك للأب [في] ابنه الصغير بالأجنبيين عدول عن الحق، وجهل بالأصول، ومن خصائصه أن يده في مال ولده حاكمة بالمبايعة، والمعاوضة وغير ذلك، ويزوجه قبل بلوغه، ويعتصر ما وهب له، على حديث النعمان بن بشير
[ ٢ / ٥٥١ ]
وغيره، ويكون مسلما بإسلامه، ويرميه بحديدة فيقتله فلا يقتل به، حتى [يضجعه] ويذبحه، ويأكل من ماله في عدمه، ويدرأ عنه الحد في وطئه أمته، [كما ذكرنا] في الباب الذي قبل هذا.
وقوله فيما روى " أنت ومالك لأبيك": إنه لا يثبت، فليس كذلك، وقد ذكرناه في باب وطيء الأب أمة ابنه، [وهو حديث] ثابت من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال ابن معين: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وقد ذكرنا ما أخرجناه [من أحكام] هذا الحديث بإجماع، وما بقي من معانيه، بما يظهر لمتأمله أن [رأينا بين].
وقوله: لم فرق بين صغير وكبير؟
فأما في الأكل عند الحاجة من ماله [ودرء الحد عنه] في وطيء إمائه، ومن أخذه مستترا من ماله فذلك فيهما سواء، وأما البيع عليه والشراء، ونقله ما يملك إلى الأجنبيين أو إلى نفسه مما ينتهي إلى العاوضة، فهذا جائز فيمن يلي عليه من ولده لأن الولاية عـ[ـليـ]ـه أوجبت ذلك.
ولا يجوز فيمن لا يلي عليه منهم، لأنه فيه متعد مضار، [ولا يحكم] [في ذلك] بحد، فيدرأ بشبهة قامت، ولا نفقة وجبت، فيعذر بها.
وقولك: [إذا كان المال] للأب، فلم جعلتموه للابن؟ وإن كان للابن فلم جاز فعل الأب فيه؟
وأنت في هذا غائب عن المعنى، وذلك أن الملك – كما عرفناك – للولد، وإنما أخذه أبوه لمنافعه بمعنى المعاوضة لا على الفساد فألزمناه العوض [لما بيده] وأجزنا فعله عليه فيما عاوضه فيه، لأنه ممن لا تدركه ظنة في خاصة ولايته عليه، فهو يبتاع لنفسه من مال ولده، كما يبيع له من غيره.
فإن قلت: أرأيت إن كان الأب غريمًا.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قيل لك: إن كان العدم حدث به، فهذه [] لا حجة لك بها، وإن كان [] واجبة مع ما فيه من الاختـ[ـلاف] [] [كان] مالك يذهب إلى أن على الابن – مع النفقة على والده – أن يزوجه وينفـ[ـق] على زوجته، ويتأول أن الزوجة من قوام أمره.
ففي هذا التأويل لا ر [جوع] للولد فيما يزوج به الأب إذا كان نكاح مثله من غير سرف.
والقو [ل] الآخر: أنه ليس عليه ان يزوجه.
فمخرج هذا القول أن له أن يبتا [ع] من ماله بغير نقد، ويجعل ذلك له في ذمته، كما له أن يبيـ[ـع] له من الأجنبيين بغير نقد.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
ولا يكون أسوأ حالا من الأجنبي، مع قوة أمره في ولده في غير شيء فلذلك لم يساو به الأجنبي في هذا.
وقد روى عن مالك أنه إن تزوج به وهو عديم يومئذ، فللابن أخذه من الزوجة ما لم يدخل الأب [بها]، فلا يكون له ذلك، لأنه ها هنا قبض العوض فيه، فكأنه باع عبد ابنه بعوض أفاته وأتلفه بعد أن قبضه، فهو المتبع بذلك، دون المبتاع، هذا مخرج هذا القول، والله أعلم.
وقد قال بعض أصحاب مالك وهو ا [بن] الماجشون: إذا كان الأب يوم تزوج به عديما، فالولد إذا بلـ[ـلغ يرجع] به دخل بها أو لم يدخل.
فهذا ما في ذلك من اختلاف القول عن مالك وأصحا [به]، فيما علمنا، لما يتصرف به التاويل، من أمور الأب، وخصائصه التي ذكرنـ[ـا].
وأنت غير خبير بأقاويل مالك وأصحابه، وعلى ما بنوا [عليه]، أصولهم.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وقولك: إن أعتق عبدا لولده الصغير عن نفسه لم جاز ذلك، ولزمـ[ـته] قيمته، وإن كان كبيرا لم يلزمه؟
فهذا أيضا من باب البيع عليه من نفسه، لأن عتقه إياه عن نفسه إدخال له في ملك الأب ليملك ولاءه، وهـ[ـو] جائز أن ينقل من ملك ولده، إلى ملكه بعوض، لا خلاف في معاوضته ابـ[ـنه] [على ما] نقل إلى ملكه من هذا العبد بالعتق، الذي [عتق، فصار] إليه ولاؤه، ولزمته قيمته، لجواز بيعه وشرائه عليه وله.
ولما لم يجز له ذلك [في ابنه الكبير] من بيعه عليه وشرائه لا لنفسه ولا لغيره، فكذلك عتقه لعبده لم نر ذلك له، فافترق الصغير من الكبير لهذه الوجوه.
وأما قولك: ما الفرق بين عتق عبد ولده الصغير عن نفسه وصدقته ماله وهبته إياه للناس؟
فالفرق في هذا واضح إن شاء الله، وذلك أن العتق أدخل به الأب على نفسه تمليك شيء تعجله، وهو ملك الولاء وإنفاذه العتق عن نفسه، فذلك مثل [بيعه لنفسه] من مال ولده، وله أن يملك مال ولده الصغير بالمعاوضة، فأجزنا ذلك وألزمناه القيمة.
وأما الهبة والصدقة، فإنما أخرج ذلك من ملك ولده إلى ملك غيره بغير عوَ، لولده ولا لنفسه عاجل ولا آجل [و] لا يستوي نقله لشيء إلى ملكه ومنافعه، فيكون عليه عوضه، وأن يهب شيئا من مال ولده لغيره، ممن لم يأخذ ذلك على عوض ولا رضية به، ولا هو اختار المعاوضة فيلزمه، ولا الأب ناقل له إلى ملك نفسه باختياره، فتلزمه القيمة.
وقولك: إن جاز العتق لأنه يضمن عوضه، فضمنوه الصدقة وأجيزوها، وإن بطلت الصدقة لأنها ليس بشيء تافه فأبطلوا العتق، لأنه ليس بشيء تافه.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فقد عرفناك علة إلزامنا إياه العتق، لأنه تعجل تمليك شيء لنفسه من مال ولده، وقد دللناك أن للولد أن يدخل في ملكه من مال ولده ما يكون عليه عوضه.
وأما ما تصدق به، فلم يتملك به شيئا فيشبه ذلك المبايعة [فيجب] عليه عوضه، وإنما أخرج شيئا من ملك ولده إلى ملك غيره [دون عوض]، والعبد ملك نفسه، فيملك منه رقه أو ولاؤه.
فلا يتقارب ما ساويت بينه، فضلا عن أن يتساوي [معه].
وقولك في التفريق بين التافه وغيره: ولم جاز العتق وليس بتافه؟ فقد عرفناك عن العتق، والفرق بينه وبين الصدقة.
وفي لحن قولك أن مالكا لا يرى على الأب شيئا في صدقته بالتافه من ماله.
فالذي عندنا من قول مالك أنه روى عنه ابن القاسم، أنه قال: الذي أعرف من قول مالك، أن يجوز عقته من مال ولده إن كان موسرا، يريد عتقه عن نفسه، ويضمن القيمة، ويجوز بيعه وشراؤه عليه موسرا كان أو معسرا، ولا يجوز [هبته في] ماله كان معسرا أو موسرًا.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
ولم يفرق في روايته بين تافه وغير تافه، ولم يرو ابن القاسم ما ذكر في الصدقة غير هذا، وقد ذكر عن مالك أنه قال في التافه: إنه يمضى في الصدقة ويتبع به الأب، وهذا يدخل مدخل الاستحسان في يسير ذلك.
وأما على أن الأب لا يضمن ذلك، لا علم لنا بهذا الذي نسبت إليه.
ولو صح ذلك لكان نحو ما يتصدق الوصي عنه لا عن نفسه، بالتمرة والكسرة، وهذا من باب الاستحسان، وقد استخف شربه للبن من غنمه و[صدقه] في أكله من ماله، إن كان الوصي فقيرا، وللأب والوصي في ماله خدمة وعنا [ية] غير قليلة.
وبقي - من الإدخال علينا – سؤال لم يقع لك، ونحن نقيمه لك، فنقول:
فإن قلت: ما الفرق بين ان يتزوج بعبد ابنه الصغير – والأب عديم – فيمضي ذلك، وبين أن يعتق عبد ابنه – وهو عديم – فيرد، والعتق آكد في الأحكام؟
قلنا: لأن من أصولنا أن من أعتق وعليه دين لا وفاء له أن عتقه رد.
فالأب لما أدخل العبد في ملكه، وأعتقه عن نفسه، صارت ذمته بقيمته مشغولة، فقد وقع عقته، وعليه دين ولا وفاء له، فلذلك ردد [نا] العتق.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
والمديان الذي أحاط به الدين يجوز له النكاح وإن أحاط به الدين، ولا يرد ما أمهر زوجته، لا أعلم في ذلك خلافا، [لأ] نه من قوام أمره، ولا حاجة به إلى العتق.
وهذا وقد ذكرنا ما جرى من اختلاف أصحابنا في تزويجه بمال ولده، والأب عديم. وأما الاعتصار في هبة الأب وما تقدم من نكير هذا الرجل إياه، فهو قول مالك والشافعي معه، وإن كنت ترجمت كتابك بـ: " مسائل اختلف فيها مالك والشافعي".
وقد جرى لك مثل هذا كثيرا، كأنك لم تدر ما اتفقا فيه واختلفا، وإن كنت رجلا يرهب الشافعي عن المواجهة بالرد، وخف عليك ذلك في مالك أن تجعله غرضا لتجاوزك في لفظك وبلوغ شهوة نفسك.
فليتك تحريت الصدق في ألا تذكر أنهما مختلفان فيما هما في كثير منه متفقان، فقد جمعت إلى هذا عيب الجور والحيف في صيانة الشافعي عن ردك، بل عن المحذور من
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قبيح لفظك، وقابلت مالكا بكل ما كرهته للشافعي، فجمعت معرتين ضارتين، لا نعلم من أهل العقول والإنصاف من يرضى بهما.
وذكر الاعتصار مما جاءت به الآثار عن النبي ﵇، وقاله الخلفاء وكثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي، نا إبراهيم الحربي، نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاووس، عن ابن عباس وابن عمر، عن النبي ﵇، قال: لا يحل لأحد يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده.
قال [مسدد] [نا عبـ]ـد الوارث، نا عامر الأحول، عمن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ نحوه، إلا أنه قال: يهب.
قال ابن معين: ورواية عمرو بن شعيب، عن ابيه عن جده حجة.
وقد ذكر [نا] روايته إياه، عن طاووس، عن ابن عباس وابن عمر، وأخذ بهذا مع الشافعي أبـ[ـو] ثور، واحتج بهذا الحديث، وهو حديث صحيح ليس بمرسل كما ذكر هذا الرجل.
وفي الحديث الآخر، الذي رواه مالك وغيره، من قول النبي ﵇ لأبي النعمان بن بشير، حين نحل بعض ولده دون بعض، فقال له ﵇: أكل ولدك نحلته مثل
[ ٢ / ٥٦٠ ]
هذا؟ قال: لا، قال: فارجعه، فقد أباحه الرجوع فيما وهب له، وهذا هو الاعتصار نفسه.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي، نا إبراهيم الحربي، نا محمد بن عبد الملك، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كتب عمر بن الخطاب: يعتصر الرجل من ولده ما أعطاه، ما لم يمت أو يستهلك أو يقع فيه دين.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، [نا] سحنون، عن ابن وهب، نا ابن لهيعة، نا يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعيد حدثه أن سعدا مولى آل الزبير نحل ابنته جارية، فلما تزوجت أراد ارتجاعها، فقضى عمر: أن الوالد يعتصر ما دام يرى ماله ما لم يمت صاحبها، فتقع في ميراث، او تكون امرأة فتنكح.
ومثل ذلك عن عثمان بن عفان.
نا محمد بن عثمان نا محمد بن أحمد نا الحربي نا مؤمل بن هشام، قال/ نا إسماعيل عن إبراهيم بن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن أباهم حيدة كان له بنون لعلات أصاغر [وكان له مال كثير]، فجعله لبني علة واحدة، فقدم ابنه معاوية [عثمان]،
[ ٢ / ٥٦١ ]
فأخبره، فخيره عثمان بين أن يرد إليه ماله، وبين أن يوزعه، بينهم فارتجع ماله، فلما مات تركه [الأكابر لإخوتهم].
وكذلك قضى عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن مروان، وعليه الأمر والقضاء بالمدينة.
وهو قول كثير من التابعين بالأسانيد المرضية، وأكره التطويل فيما في بعضه مقنع، وقد ذكرنا أنه ثابت للنبي ﵇ وأنه قول عمر وعثمان.
وقاله من التابعين ابن المسيب وعروة وسليمان بن يسار و[] بن حبيب وعمر بن عبد العزيز وأبو الزناد وأبان بن عثمان والزهري وعبد الملك بن مروان والقاسم وسالم وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة ومسروق والشعبي وإبراهيم والحسن ومحمد – يعني ابن سيرين – وخالد بن معدان وابن شبرمة.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
هؤلاء وغيرهم يرون الاعتصار، ويفتون به.
فهذه السنة الثابتة، وأقاويل الصحابة وتابعي الحرمين والعراقين، فأين المذهب عن هذا؟
واحتجاجك بحديث ابن عباس: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه "، فهو الراوي لحديث الاعتصار كما ذكرنا مع حديث النعمان بن البشير.
وهذا لا يتعارض، ويصير الأب مخصوصا من سائر الواهبين، كما خص في ولده بأمور كثيرة، لا يساويه فيها أحد، قد ذكرنا كثيرا منها.
وقولك: لم كان له أن يعتصر ما لم ينكح الابن على الهبة، أو يستحدث دينا؟ فإن كان له الرجوع، فذلك في كل حال، وإن لم يكن ذلك له، فلا رجوع له في كل حال.
فقد أعلمناك أنه قول عمر بن الخطاب - كما رويناه لك – وكثير من السلف، وكتب بمثله عمر بن عبد العزيز، وقضى به مروان، وقاله عطاء ومكحول، إلا أن ينكح أو يموت، وقاله كثير من أهل المدينة.
والاعتبار فيه بين، لأن الناس – في الأغلب – إنما يداينون ليسارهم، ويناكحون لذلك، ولو علنا [له] [الاعتصار بعد] أن اغتر به الناس في مداينة الابـ[ـن] ومناكحته، []ـق الخلابة في تلـ[ـف] أموال الناس، وفي ترك الأب للاعتصار حتى وقعت المداينة والمناكحة، كالتسليم للاعتصار، وإلا فهو من الخديعة، وقد نهي عن ذلك الرسول ﵇.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وهذا مما يحكم فيه بالعلامات الادلة [في] الأغلب على مقاسد الناس.
وبمثل ذلك قضى عمر في تفصيل ما يراد به الثواب من الهبات من غيرها بالأغلب من أحوال الناس، في قوله: من وهب هبة يرى أنها للثواب، فهو على هبته ما لم يرض منها، ومن وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة لله، فلا يرجع فيها.
وكذلك قاله علي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وقاله عطاء والنخعي وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبيب والحسن والزهري وربيعة وبكير والحسن بن صالح والمشيخة السبعة من فقهاء تابعي أهل المدينة في نظرائهم.
وهذا المعروف من أقاويل العلماء، والأصول تشهد له، وهو قول الشافعي والعجب من قولك: وهذا غير مفهوم ولا معقول.
ولعمري لو فهمت استنباط هؤلاء السلف للمعاني، وتكلمت في العلم بمعانيهم ما دفعته، ولكن سلكت في تلقي الأمور والاستخراج فيها غير طريقهم.
والحكم بالأظهر من المعاني عليه جرت الأصول.
منها أن من قتل وارثه لا يقبل منه أنه لم يرد ميراثه.
وكذلك من جمع بين مفترق وفرق بين مجتمع بقرب مجيء الساعي، لا يصدق أنه لم يفعل ذلك خشية الصدقة.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وكذلك من وهب لولده هبة وأبقاها بيده إلى موته، لا يصدق أنه لم يرد الإزواء عن باقي ورثته. ومنه المطلق في المرض. وكذلك من قال لرجل: أعطني درهمين وخذ مني درهما على أن أحد الدرهمين يتجه بدلا والآ [خر] هبة منك لي، لا يقبل منهما انهما قصدا لغير الربي.
وكذلك ما قلنا من بيوع الآجا [ل] من هذا المعنى.
ومن الحكم بالأغلب الحكم بالقمط في الجدار، وبالعـ[ـفاس] في اللقطة وإن أمكن غير ذلك.
ونحو هذا أجرنا الحكم بالأغلب في متاع [البـ]ـيت، في تداعي الزوجين فيه عند الطلاق.
ومن ذلك شراء الصدقة، جعلها [عمـ]ـر كالرجوع فيها، وإن كانت شراء.
وإن خالفتنا في غير شيء من هذا، فإن هذه أصول السلف، وما دلت عليه السنن وشواهد الكتاب.
ولا وحشة علينا بشذوذ من شذ عن هذه الأصول، والمتعلق بالشواذ يتفاحش عند التأمل، والله المستعان على القصد والاتباع، ولا قوة إلا به.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
في المسلم يطلق النصرانية ثلاثا، هل يحلها الزوج النصراني، وفي طلاق أهل الكفر، ونكاحهم وإحصانهم
وأنكر هذا الرجل قول مالك في النصرانية، يطلقها المسلم ثلاثا، ثم تتزوج نصرانيا، فيطؤها ثم يطلقها، إنه لا يحلها للمسلم.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، قال: وهو عنده زوج في حال دون حال، إذا أسلم أو أسلما ابقاه على نكاحه، فجعل نكاحهم نكاحا ولم يجعل طلاقهم طلاقا، وهما فرضان، أحل بها وحرم، فما بال أحدهما يلزم في حال الشرك والآخر لا يلزم؟
في فضول من الكلام وما لا يرضى أن ينطق به ذوو الأحلام، وربما تركت حكاية كثير منه.
قال: لو أن قائلا جسر على ما جسر عليه مالك، فقال: إن عقد نكاح الشرك غير جائز وطلاقهم جائز، هل الحجة عليه إلا كهي عليه.
وهذا كلام تجرأ به، يعبر به وبمثل هذا من نطقه، عن مكانه من التحفظ في دينه، ومن نسب مالكا إلى التجاسر في دين الله فقد خان نفسه في دينه.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ومالك مشهور في الأمة أنه أشد أهل زمانه ورعا في الفتيا، قال البهلول: لقد رأيت الرجال الذين يتمسكو [ن، سفيان] فدونه، فما رأيت أورع في فـ[ـتياه] من مالك، وقال مالك: ما تكلمت برأيي إلا ثلاث مسائل ذكرها.
وهذا رجل يتكلم كلام من لا يراقب في منطقه.
والذي قال مالك لا [يخالف] ظاهر القرآن والسنة، فأول ذلك أن في نفس الاية دليلا على ذلـ[ـك] في قول الله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾.
فلا يعدو أشار بذلك ﷿ إلى زوج بنكاح جائز مباح، أو أشار إلى كل نكاح، جائز أو غير جائز.
فإن قلت: إلى كل نكاح، لزمك أن تحلها بنكاح المتعة، ونكاح المحرم، والنكاح [في] العدة، وكل نكاح ووطء قد نهي عنه، وكذلك نكاح المحلل، وهذا كله خروج من قول العلماء.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
هذا ونكاح المحلل وغير شيء مما لا يقرا [ن] عليه يقوم مقام الشبهة، فيلحق فيه الولد، ويسقط الحد، ويجب الصداق للوطء فيه.
فإن قلت: بل أشار سبحانه بالتحليل بما رضي وأحل من النكاح، سئلت عن النصراني، هل يستحل في نكاحه ما حرم الله، من النكاح بالخمر أو الخنزير أو بالغرر وغيره، وسفاحا غير نكاح، وفي العدة والأخت على الأخت، والخامسة، وغير شيء مما لا يرضاه الله ورسوله.؟
فإن قلت: إن الرسول ﵇ أبقاهم – بعد إسلامهم – على النكاح الأول، فدل أن نكاحهم جائز.
قلنا: هذا موضع الغلط منك ونكتة ما به تحيرت.
وذلك أنا إنما اختلفنا في نكاحهم قبل إسلامهم، فأقمت أنت ذلك كمقامه بعد الإسلام، وهذا فاحش من الغلط، لأنك مقر أنهما قد عقدوه على عقود فاسدة، ثم حدث الإسلام، وأصلح الله لهم بالإسلام ما تقدم من الفساد، وعفا عنه بحادث الإسلام، فالإسلام به صلحت [أنكحتهم التي كانت فا] سدة.
فأنت قست حكم نكاحهم بعد الإسلام [على نكاحهم] قبل الإسلام، وذلك أنك لا [تعثر] على نص بصحة نكاحهم قبل الإسلام وإنما النص في نكاحهم بعد حادث الإسلام.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فبعد عنك النص وتعلقت بالقياس، والقياس عندك باطل وقد قست علي ما لا يشبه ما قسته عليه.
ومما يزيد ذلك بيانا أن النبي ﵇ أمر غيلان الثقفي – حين أسلم عن عشر نسوة – أن يختار أربعة، وهو حديث ثابت رواه الزهري عن سالم عن أبيه، وهو من غير رطيق ثابت.
وأمر فيروز الديلمي، حين أسلم عن أختين، أن يختار واحدة.
فلو كان نكاحهم عند الرسول ﵇ بمحل النكاح الجائز قبل أن يسلموا كما ظن هذا الرجل لكان الرسول ﵇ يأمر غيلان الا يختار إلا اربعة الأوائل، لأنهن الجائزات النكاح، والذين بعدهم غير جائز نكاحهن.
فقد جعل له ﵇ الخيار في الأوائل والأواخر وهذا يكشف كل ريب.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
فإما أن تقول: إن نكاحه قبل الإسلام فاسد، وإنما صح بالإسلام، فترجع عن قولك في إيجاب الطلاق فيه، والحصانة به.
أو تقول بقول أبي حنيفة، الذي قال: لايختار الخامسة، فهو أقود لقياسه وغلطه منك. والله سبحانه إنما غفر لهم بالإسلام ما قد سلف، من تلك العقود الفاسدة وغيرها، فكيف تكون تلك العقود الفاسدة – التي إنما غفرت بالإسلام – توجب أحكام الإسلام، قبل أن يكون الإسلام الذي به غفرت وصلحت وصحت؟
وإذا كانت قبل الإسلام غير موصوفة بصحة العقود، فأحكامها يومئذ ساقطة.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وقد أجمعوا أن الله سبحانه إنما اشار إلى ان تحل المتبوتة بالنكاح الصحيح الذي يرضاه.
فكذلك ينبغي ان تكون إشارة الرسول في قوله: حتى تذوق العسلية، أنه الوطء الصحيح الجائز.
ولا يجوز [أن يكون النبي عليه] السلام أشار إلا إلى الوطء الصحيح [لا الفاسد] [والصـ]ـحيح، [وصار] [منه عليه] السلام بيان عن مراد الله تعالى في قوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه النهاية فيه بالوطء بعد العقد.
[ ٢ / ٥٧١ ]
فكذلك تتكامل النهاية مع صحة العقد والوطء الصحيح، فلما قامت الدلالة بفساد نكاح المشركين، وهذا إنما يصح بالإسلام، فكذلك الوطء فيه، لأن الوطء فرع من فروع النكاح، وإذا لم يجب للأصل حكم فالفرع أبعد ان يجب به حكم التحليل.
وكذلك الطلاق، لا يصح في النكاح الفاسد.
ويقال له: أرأيت إن قيل لك – على معنى اصولك – هذه المرأة محرمة على الذي أبتها، حتى تنكح زوجا غيره؟ والآية ظاهرها أن الإشارة إلى زوج بعقد جائز، فهي على أصل التحريم حتى يُجتمع على إباحتها، أو يقول دليل لا إشكال فيه ولا ريب، ولا إشكال أقوى مما دفعته الأصول بظاهر القرآن والسنة.
والدليل الذي لا ريب فيه يوجب ما قلنا، على ما شرحنا قبل هذا.
ويقال له: أرأيت إن تزوج نصراني نصرانية في عدتها ثم أسلما – وعدتها بعد لم تنقض – فلا خلاف أنهما لا يقران على ذلك.
فلو كان نكاحهما من يوم عقد جائزا لأقرا الآن على هذا النكاح، فهذا يدل [أنه] إنما أجبر بالإسلام.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فهذان لما أخذهما الإسلام على أمر فاسد، يبقى بعضه بعد الإسلام وليس مما هو جائز في الإسلام فسد.
ولو كانت العدة قد انقضت قبل الإسلام لمضى النكاح، إذ لم يدرك الإسلام منه بقية مما فسد به النكاح.
وكذلك لا خلاف أنه لو أسلـ[ـم] وقد تزوج خمسة في عقدة، أو أختين في عقدة، أنه لا يقر نكاحهـ[ـن] كلهن، ولا [] لا يدفعن عقد الشرك بما يبقى [] الإسلام.
فهذا كله يكشف ما ذكرنا.
وكذلك لو أسلم المتبايعان بالربا وقد تقابضا الربا لمضي ذلك وصح بالإسلام، ولو أسلما وقد بقي لم يتقابضاه لرد ذلك، ولم يجز أن يتمما بقيته بالتقابض بعد الإسلام. أو اشترى خمرا وقبضها قبل الإسلام.
ولا يجوز أن يقال: إن عملهما فيما عقدا من الربا وبيع الخمر أنه كان جائزا قبل أن يسلما وإنما جوز بالإسلام.
فأين أنت أيها الرجل عن تأمل هذا من استحراج السلف والافتقار إلى سعة علمهم، ولا ترضى نفسك للنكير عليهم، ثم تقنع بأول خاطر من بدية الفكر، قبل تأمل ما تسلك من الطرق ومن لم يستجد المسالك وقع في المهاوي.
ولو سلكت سبيل من اتبع سلفه بإحسان حذرت من الزلل، واقتصدت في المنطق، وأنزلت الأئمة منازلهم.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
والتحريم آكد في الأصـ[ـول] من التحليل، لأن الله سبحانه لما قال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ حرم علينا ما نكح الآباء بأقل ما لزمه الإسم، وهو عقد النكاح دون الوطء.
وقال في المبتوتة: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، فلم يبح ذلك الرسول إلا بنهاية الأمر، وهو العقد والطء.
فكذلك لا يستباح إلا بالنهاية من عقد صحيح ووطء صحيح، لو لم يكن في ذلك بيان شاف لكان أدنى منازل ذلك الشبهة والإشكال.
ولا يستباح المحرم بيقين إلا بيقين من الإباحة، وليس من يقف عن الشيء بالشبهة كم يواقعه بالشبهة، في يقين السلامة، فلا تستمريء مراتع الشبهات إن لو كانت شبهات فكيف وذلك كالصريح المحض.
وأما قولك: النكاح والطلاق فرضان أحل بهما وحرم.
فهذه عبارة قبيحة في قولك: فرضان، ولا يجوز هذا، إنما يقال: النكاح والطلاق مباح، وليس فرض على الرجل أن يتزوج، ولا إذا تزوج فرض عليه أن يطلق، ولا يجوز أن تكون أفعال النصراني لفعلها، بغير شريعة صحيحة، فتقيم بها للمسلم ما يحل له ويحرم من شريعة الإسلام.
وقد قامت الدلالة بفساد نكاحهم، فلا يصح فيه طلاقهم، ولا تتم به الحصانة، وهو غير صحيح.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ولا يصح طلاق قبل صحة النكاح، ولا يصح إلا بالإسلام فتكون فيه بعد صحته، بالإسلام أحكام النكاح بالطلاق والحصانة به.
ومن شرائط الحصانة الإسلام والوطء الصحيح في النكاح الصحيح، وما لزم في ارتفاع الإحلال بنكاحهم لزم مثله في الإحصان.
وتجاسر هذا الرجل فقال: يقع بينهما الإحصان بمتقدم الوطء قبل الإسلام غير أن يحدثا وطئا بعد الإسلام، ونرجمهما بذلك إن زنيا.
والنكاح إنما صح بالإسلام، فبه صح النكاح، وبقي عليهما أن يكون منهما وطء في نكاح صحيح، فلابد من الوطء بعد الإسلام لتكامل الوطء الصحيح بعد صحة النكاح، على ما تقدم من دليلنا.
واحتج هذا الرجل برجم النبي لليهوديين، ونحن نجيبه عن ذلك.
والذي ذكرنا من إبطال طلاق أهل الشرك، وأن أحكام نكاحهم لا تصح إلا بعد الإسلام وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى، نا الحارث بن مسكين، نا ابن وهب، نا شيب بن سعيد عن يحيى بن أبي أنيسة الجذري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبيد الله بن جابر
[ ٢ / ٥٧٥ ]
عن عمر ﵀، وجاءه سائل، فقال: يا أمير المؤمنين إني طلقت امرأتي في الجاهلية ثنتين، ثم طلقتها منذ أسلمت تطليقة فماذا ترى؟ فقال عمر: ما سمعت في هذا بشيء [وسيدخل عليك رجلان فسلهما فدخل عـ]ـبد الرحمن بن عوف، فقال عمر: قص عليه قصتك، فقص عليه فقال عبد الرحمن: هدم الإسلام ما قبله، فهي عندك على [طلقتين] ثم دخل علي بن أبي طالب، فقص عليه، فقال علي مثل قول عبد الرحمن: هي عندك على تطليقتين بقيتا.
نا محمد بن عثمان، نا ابن الجهم، نا محمد يعني ابن شاذان، نا المعلي نا ابن لهيعة، نا أبو الزبير، أنه سأل جابرًا عن ذلك بعينه، فذكر مثله.
وقاله الحسن وربيعة: ليس طلاق الشرك بشيء.
قال ربيعة: ولا يحل المبتوتة النصرانية وطء الكافر بنكاح.
وهذا أمر قائم مشهور من قول التابعين بالمدينة، ومن أخذوه عنه من الصحابة، وما ذكرنا من دلائل الكتاب السنة عليه.
ومن ذلك نهي النبي ﵇ عن نكاح الملل.
أنا محمد بن عثمان نا محمد بن الجهم، نا محمد بن شاذان، نا معلى، نا عبد الله بن جعفر المسوري، نا عثمان بن محمد، عن المقبري، عن ابي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ: لعن الله المحلل والمحلل له.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
قال معلى: نا عبيد الله بن عمرو، نا عبد الكريم الجزري، عن أبي واصل، عن ابن مسعود، أن النبي ﵇ لعن المحلل والمحلل له.
ورواه أيضا عن النبي ﵇ علي وابن عباس وأبو سعيد مولي ابن سباع وعقبة بن عامر، وأكره التكثير بالأسانيد.
نا أبو بكر، نا يحيى، نا الحارث عن ابن وهب نا يونس، عن ابن شهاب أنا عبد الملك بن المغيرة، عن ابن عمر، ذلك السفاح.
وقاله علي بن أبي طالب وعمر وابن عباس وابن مسعود وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وغيرهم من الصحابة.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وأما من التابعين فما لا أحصيهم كثرة من تابعي الحرمين والعراقيين.
فهذا على أنه نكاح شبهة، يدرأ فيه الحد، لا تحل به المبتوتة.
فلو كان ما يكون له أدنى أحكام النكاح يوجب الإحلال وجب الإحلال بهذا وهذا دليل أنها لا تحل إلا بالنهاية والكامل، من صحة العقد والوطء
وأما قولك: هل هو زوج أم لا؟
فقد عرفناه معنى تلك الزوجية، وأنها إنما صححها الإسلام والمحلل قد وقع عليه اسم زوج قام به شبهة، من دراءة الحد، إلحاق الولد، وإيجاب الصداق وليس بأمر متكامل من الزوجي وأيـ[ـضا] ما يدخل فيه من نقص الزوجية لدى الطفل يزوج، أن به الاسم من النكاح والوطء، وهذا الصبي زوج ولا تحل بوطئه، وليس بمتكا [مل] الوطء.
وكذلك النكاح الفاسد صار به للزوج اسم الزوجية ولا [يقع به] التحليل عند العلماء، فلا معنى لقولك: هل هو زوج أو غير ذلك.
وشيء آخـ[ـر] لو كان نكاح الشرك نكاحا صحيحا قبل أن يسلموا، يجب به التحليل، ويجب الحصانة بعد الإسلام لوجب في الحربي يقتل أو يموت، ثم تسبي بعد ذلك زوجته أنه لا يجزيء في استبرائها حيضة.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وكذلك إن سبيت وهو حي، لأن السبي فسخ نكاح صحيح عندك، كما ذكرنا، فلا يجزيء فيها حيضة، والنبي ﵇ قد أباحها بحيضة، وهذا من الدليل أنه لا يجب له أحكام النكاح.
ولو كان كذلك، وجب فيه ما يجب في الطلاق من العدة لأن فسخه بالسبي كالطلاق عندك.
ولا حجة لك بأنها انتقلت من النكاح إلى ملك، لأن انتقالها إلى ذلك الملك أوجب فسخ ذلك النكاح، فأقل ما يلزمها عدة الأمة من الطلاق على أصلك.
ولو كان ما ذكرت له معنى لكانت، إذا خرجت من ملك إلى حرية، عليها ثلاث حيض.
وتجاسر هذا الرجل، فقال يكونان محصنين بعقد الشرك والوطء فيه، واحتج بأن النبي ﵇ رجم اليهوديين، قال: فكان ذلك منهما إحصان.
وهذا منه ظن، والأمر على خلاف ظنه، وإنام أقام النبي ﵇ بينهم حكم التوراة، حين رضوا بها، وكتموا ما فيها من آية الرجم، فاستخرج ما كتماو منها من الرجم، تقريعا لهم بما جحدوا، وقال: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه.، وأقام عليهم ما رضوا بالتحاكم إليه فيه.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وكذلك روى مالك في الموطأ، والحد يومئذ عـ[ـلى المسلمين الجلد] قبل أن يفرض الرجم
كذلك قال ابن عمر، وهو ناقل القصة، [].
نا محمد بن عثمان، نا محمد بن أحمد المالكي، نا إسماعيل نا أبو الخطاب، نا حاتـ[ـم بن وردان نا] أيوب عن نافع، عن ابن عمر، أن اليهود جاؤوا برجل وامرأة إلى النبي ﵇ فقالوا إن هذين زنيا [] وكانت الحدود بين المسلمين الجلد، فقال لهم: كيف تجدون التوراة؟ قالوا: نجد أن نفضحهم وكلمه [] ونجلد فقال النبي ﵇: إن فيها الرجم، ثم ذكر نحو حديث مالك.
وفي حديث آخر: فقال ﵇: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فدل أنه رجمهم توبيخا لهم، لجحدهم، وبان بما ذكرنا أن الرجم لم يكن يومئذ مفروضا.
قال محمد بن الجهم: وما روى عن ابن عباس [بأنه رجمهما] وقد زنيا بعد إحصانهما، حديث لا يثبت.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وقد نا موسى بن إسحاق نا عبد الله نا وكيع عن شعبة عن عمرو يعني ابن دينار عن ابن عباس، قال: ليس على أهل الكتاب حد.
وبعد، فإنما خوطب بتحريم الزنا المؤمنون، ولا يخاطب الكافر بتحليل ولا تحريم يكون قبل الدعاء إلى التوحيد، وأمرنا أن نقرهم على كفرهم، مع أخذ الجزية على بقائهم على الكفر، مع استحلال ما يستحلون بقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ إلى آخر الاية.
فهذا آخر ما نزل من حكم الكفار في غزوة تبوك، فلو كان شيء يشكل على أحد لكان هدانا [نسخ] كل شبيء أنهم أعطوا الجزية على إبقائهم على استحلال ما يستحلون، من ما حرم الله ورسوله، مما يعملونه بينهم، لا يصل به إلينا أذاهم، فليس لنا ردهم إلى حدودنا في ذلك.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وأما السرقة، فمن الحرابة العام ضررها، فليس كالذي يخصهم في أنفسهم والقطع خزي ونكال، قال سبحانه في المحاربين، ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا﴾.
ولما لم يعترض عليهم في نكاح الأم والبنت وجمع الأختين، فكذلك الزنا، وكل ذلك لم يبحه الله لهم.
ومعنى آخر، أن الحد جعل تطهيرا للمؤمن، والكافر لا يطهره الحد في الزنا ونحوه، وليس لك حجة بإ [قامـ]ـة القذف عليهم، لأنه حق للأذى [للمقذوف، وكذلك] حد السرقة لأنه من الفساد في الأرَض فيقام للتناهي وللصلاح العام.
وقال ابن الجهم: نا ابو معشر الدارمي، نا عبد الواحد، نا حماد بن سلمة، عن سماك، عن قابوس، عن أبيه، قال كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب أن نصرانية فجر بها مسلم، فكتب إليه، أن أقم الحد على المسلم، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا.
وروينا نحوه عن ابن مسعود، نا غيـ[ـر] واحد عن إسماعيل بن إسحاق، قال: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: لم يكن ظهـ[ـر] على بني قريظة والنضير، فكيف يتوهم أن يأمره الله تعالى أن يحكم بين قو [م] لم يظهر عليهم وإنما السبب أنهم تحاكموا إليه طائعين وكان بينهم وبينه ﵇ عهد الا يظاهروا عليه، فلما غدروا اجلاهم، ولم تكن في أيامهم جزية، وإنما نزلت الجزية بعد ذلك حين نزلت: ﴿قاتلوا
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية، وهذا حين خرج إلى تبوك آخر الأمر، فنسخ هذا كل ما قبله، وهذا يكشف كل ريب.
وإذا ظهرنا منهم على ما سـ[ـتر] عنا من الزنى بينهم، كيف نحدهم عليه، من غير رضاهم.؟
وإنما رضوا بالجزية [على] شرط الله، على أن يبقوا على ألا يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولا يد [ينون] دين الحق.
ولو كان هذا لكان من أسلم وهو مع امرأته على زنى ألا يقـ[ـبل] وذلك حتى يفسخوه.
وهو تارة يراه نكاحا صحيحا وإن كان زنى، ولا يحدهم عليه، وهذا تناقض، ويلزمه أن يفسخه إذا اسلما، وهـ[ـو] من لم يدر مخارج السنن ومعاني الكتاب.
واحتج في باب آ [خر] كرره، بأن الذمي إذا سب النبي ﵇، أنه يقتل، فأقام هذ [ا] مقام الزنا، وهذه غيبة ساترة.
والذي سب رسول الله عليه السلا [م] ناقض للعهد، خرج إلى إباحة دمه، ولم تقبل منهم الجزية على هذا، و[إنما] قبلت منهم، على أن يقيموا على على ألا يحرمون ما
[ ٢ / ٥٨٣ ]
حرم الله ورسوله، وقد تأكد بيان هذا، وانكشف بما في بعضه كفاية إن شاء الله.
وقول مالك: ترد النصرانية في الزنا إلى أهل دينها، قول علي كما ذكرنا [و] هو الراوي عن النبي ﵇: من أصاب حدا فأقيم عليه، فالله أكرم من أن يثني على عبد عقوبته مرتين، فأخبر أنه تكفير وتطهير، ولا حظ في هذا لكافر.
وقد قال الصحابة قولا، في الذي يستكره المسلمة، فصلوا به بين حد المسلم والنصراني فقالوا يقتل بذلك الذمي، فلو كان الحد عليهم واحدا ما فصلوه، فعل ذلك عمر وأبو عبيدة وغيرهم، وكثير من التابعين.
وممن قال: ترد النصرانية – إذا زنت – إلى أهل دينها، من التابعين الحسن وإبراهيم والشعبي وعطاء [و] قتادة وابن شهاب، ويحيى بن سعيد وعدد كثير، قالوا: وذلك من تمام ذمتهم.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
والعجب من ترامي هذا الرجل، في دعواه ما لا برهان له به، من قوله: إن [كـ]ـافة العلماء يحلون المطلقة ثلاثا بالوطء في الحيض بنكاح.
والمعلوم في هذا أنه لا يحلها إلا صحة العقد وصحة الوطء، وقد تقدم بياننا الأدلة على ذلك، وأن الرسول لا يشترط في التحليل بالوطء الوطء الحرام، [ولا غيـ]ـره، وهذا لا يجسر على إطلاقه متجاسر.
وكذلك يلزمه أن يقول في قول الله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه دخل في هذا الأمر النكاح الذي حرم الله، وهذا لا يقوله سليم.
ثم قال: فجعل مالك في هذا الوطء العدة والصداق، ولم [يحـ]ـلها به.
فهذا كلام من لم يتأمل الأصول، والنكاح بشبهة والوطء به، [يو] جب العدة والصداق عندنا وعنده، ولا يوجب سائر أحكام النكاح.
والنبي عليـ[ـيه] السلام لم يحلا بنكاح المحلل، وهو نكاح يجب فيه الصداق والعدة.
فلا [تعجـ]ـل، وتأمل دلائل مخارج الأصول، التي دلت على طِلْبة صحة العقد وصحة الوطء للتحليل، وليس التحليل كالتحريم على ما بيناه.
ثم أتى هذا الرجل بأمر [شنـ]ـع به، وأوقفه بأخذ موقفين ليتحير، إما الجهل البريح، أو الكذب الصريح، فقال: [] العلماء في الصداق والإحصان، والإحلال للزوج الأول، حكم من [كان] حلالا.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
فهذا مما درى متكلف الاختيار والرد على الأئمة، لقد كفى [غيره] مؤنة التكلف، لوصف حاله ومبلغه من العلم والتحفظ في الدين.
وما يستهين بمثل هذا من لم يهن عليه دينه.
والمدنيون وكثير من غيرهم على خلال كل ما ذكر في الإحلال، والإحصان بالوطء، الذي ذكر.
وليس ما يوجب الصداق بحجة له أن يجب به إحلال وتحصين، ونكاح المحلل يوجب الصداق ولا يحصن ولا يحل به، وهذا غلط فاحش.
وكلام هذا الرجل في العلم كلام من يهون عليه أن يقول في الدين قبل العناية، ويهجم بغير سعة من الرواية، وأعوذ بالله من الاستخفاف بما عظم الله، والقول في دينه بما لا علم لنا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
باب آخر ذكره في طلاق الشرك فكرره
وأنكر قول مالك: إن طلاق المشرك لا يلزمه.
قال هذا الإنسان: وليس في قول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلم﴾ ثم قال: فلم يكن عاصيا في طلاقه، فيغفر له، لأن الله لم ينه المشرك عن الطلاق في شركه، وقد أبيح له.
فهذا كلام خال من التأمل، مختل من كل جهة، لأنه أدخل الكافرين في الخطاب بالشرائع، والشرائع لا يؤمرون بها إلا بعد الإيمان ومعه، لا قبله، ولا يدخلون في تلك الأحكام قبل الإجا [بة] إلى الإسلام، ولا يجوز أن يقول: قد أبيح للمشرك الطلاق في شركه.
ومعنى آخر [أنه ليس مما سلف]، لأنه لم يفعل معصية في طلاقه، إلى أن من طلق [] قوله، من طلق ثلاثا في كلمة لا تلزمه، وهذا إجماع أنها تلزمه.
والثابت عن ابن عباس برواية جمال العلم أن الثلاثة في كلمة
[ ٢ / ٥٨٧ ]
لازمة، ورجوع طاووس إلى ذلك، وحديث ابن عمر حين طلق في الحيض، فألزمه النبي ﵇ الطلاق، بقوله: مره أن يراجعها، ثم ليمسكها، ففرق بين اللفظين.
ولو كان معنى قوله: فليراجعها، إنما هو الإمساك لكانت كلمة واحدة.
وقوله: فليراجعها ظاهره الرجعة المتلوة في الكتاب، ومدعي غير هذا مكابر.
وقد قال الله تعالى في الزجر عن الطلاق ثلاثا في كلمة، وأمره بالطلاق للعدة: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ فأخبر أن ما نهى عنه، إذا فعلوه [لز] مهم بقوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ لأنهم أجمعوا أن ذلك الأمر الرجعة.
فعبارة هذا: لا توقعوا الثلاث في كلمة، فلعله يحدث لكم طلب الرجعة، وقد فاتكم ذلك بما أوقعتم الثلاث في كلمة.
ولو كانت الثلاث في كلمة إذا وقعت لا تلزمه لما كانت الرجعة فائتة، ولم يكن لقول الله تعالى معنى، فيما نص من العلة، التي لها أمر بالطلاق للعدة أنه لئلا تفوته الرجعة.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
فإما أن تجعل الرجعة فائتة بذلك فيصح للكلام معنى، أو ترفع المعنى من الخطاب، لتقيد أصلك الذي خطر ببالك، وهذا لا يدفعه إلا مكابر.
وبعد هذا كله، فيما أومأ هذا الرجل إليه من أخذه الكافر بطلاقه، كأنه نائم عن أصل نكاح المشركين، الواقع بكل فساد، ثم يصلحه الله لهم بالإسلام.
وقد تقدم في الباب الذي هذا الباب عقيبه كشف [] وذلك في إبطال طلاقهم، لفساد نكاحهم، وإذا كان فاسدا فلا يقع فيه الطلاق، لأ [نه] يصح بالإسلام، وأبين شيء يظهر للعميان، أن نكاح الشرك إن [كان] عن زنا بلا صداق ولا ولي أنهي ثبت بالإسلام، فانحل كل ما تمنيت من أن طلاقه في شركه لزمه قبل يؤمن ثم أبقاها لنفسه زوجة، وأقامت هي معه زوجة، هل هو إلا نكاح، إما مستأنف وإما على الأمر القديم، فأبعد منازله - على اصلك في إيقاع طلاقه - إنهما مؤتنفين بالإقامة عليه إلى أن يكونا زوجين.
وهذا إن لم يكن كـ[ـنكاح] الزنا من بدء أمرهما، فهو أعلى مرتبة وأوجب عقدا من كل وجه.
وهذا كلام من ينطق بطيش البداية قبل الروية ويحجبه، عن استرسال الفكر الحمية، والله نسأل السلامة.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
باب في النفقة على الولد
وأنكر هذا الرجل قول مالك: إن الأب ينفق على ذكور ولده حتى يبلغوا، وعلى الإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن.
وزعم أن بالبلوغ تسقط النفقة عن الذكور والإناث وأن قول مالك في هذا يخالف ظاهر القرآن، وأنه لم يلج إلى كتاب ولا سنة.
وتلا آية، رأي أنها دالة على إيجاب النفقة على الأب، فقال قال الله سبحانـ[ـه]: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد ان يتم الرضاعة وعلى المولولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾.
قال: فأوجب على الوالدات الرضاع، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن.
وهذه الاية ليس بها وجبت النفقة للولد، وإنما ظاهرها إيجاب النفقة للزوجات بالعصمة، ولو كان ما ذكر فيها يعني به نفقة الأولاد، لقال: وعلى المولود له رزقهم وكسوتهم.
والنون ها هنا للتأنيث، وهذا ظاهر [أن] نفقة الزوجة واجبة، كان لها ولد او لا
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ولد لها، والرضاع عليها بغير أجر ما دامت في عصمته، وإنما لها أجر الرضاع بعد الطلاق، وهذا ظاهر القرآن.
فقد انكشف أن الآية في نفقة الزوجات، لا كما ذكر هذا الرجل.
وإنما الاية التي فيها إيجاب نفقة الولد، وأجر رضاعة فأية لم يذكرها هذا الرجل، وذلك قول الله سبحانه في سورة الطلاق: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾.
فأوجب على الأب النفقة للحامل، لعلة الولد وما يصل إليه من الغذاء، وأوجب عليه اجر رضاع الولد، وهذا هو الإنفاق عليه، فكان ذلك لازما للأب، لعلة فقر الولد وتخلفه عن أسباب السعي والتصرف.
فما دامت العلة قائمة، فالنفقة للأب لازمة، وإذا زالت العلة إما بمال يحدث للولد، أو يصير إلى إمكان السعي والتصرف، أو بانتقال الأنثى إلى زوج تلزمه نفقتها.
وحد ذلك في الذكر الاحتلام، لا اختلاف بيننا في ذلك، وقلنا ذلك أنه ساقط بالبلوغ، لأنه حينئذ مخاطب قوي على السعي والتصرف، وقد زال عن درجة العجز عن ذلك.
وأصبنا العجز عن ذلك قائما في الأنثى بعد بلوغها، وهذا عيان لا يحتاج به برهان، وقد جعل النبي ﵇ سكوتها بعد بلوغها كالكلام من الذكر بعد بلوغه لما بها من التحفز والحجاب.
[ ٢ / ٥٩١ ]
فإذا عذرها في الكلام الذي هو أضعف تصرفاتهان كان العذر لها في أكثر من ذلك من التبذل وطلب الرزق أولى، [فلما كان العجز عن الكسب] فيها قائما، وهي العلة التي دل ظاهر القرآن أنها الموجبة للنفقة على الأولاد، أبقينا للأنثى النفـ[ـقة] حتى يجتمع على زوال العجز عنها.
ولا تصل إلى ذلك إلا ببروز وجهها ودخول بيتها، وهي قبل ذلك تخاطب من وراء حجاب.
وجعل الرسول ﵇ صمتها كالخطاب فلا يشك ذو فهم أنها في هذه الحال أضعف من الذكر حيلة قبل بلوغه وفي حد مراهقته وقرب المراهقة، لا شك انه أقوى حيلة وأمكن سعيا وأقدر على الأسباب.
فلما عذر على ما عنده من قليل الاحتيال، حتى بولغ به إلى أكمل ما يترقب من نهوضه وتبسطه وقوة حيلته، في تصرفه، وذلك بالبلوغ، كانت الأنثى أولى أن يتربص بها إلى كمال الحال التي تقوى به على ما قوى عليه الذكر، من التبسط والسعي والتصرف.
ولا يذهب [عـ]ـن هذا إلا مكابر عادل من معاني الخطاب وحقائق الأسباب.
وقد ثبت أن النبي ﵇ قال: اليتيمة أحق بنفسها من وليها، فدل بذلك أن ذات الأب لا مقال لها مع الأب، ولا سلطان لها في نفسها.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
فإذا كان سلطانه عليها بعد البلوغ، وجب أن تكون نفقتها عليه، حتى يصير لها سلطان على نفسها تملك به التصرف والسعي وغيره، أو تصير إلى زوج ينفق عليها أو يحدث لها مال.
وقول هذا الرجل: لا يعدو أوجبت النفقة للولد لأنهم ولد أو لأنهم صغار محتاجون، فإن كان لأنهم ولد، وجبت النفقة على الأكابـ[ـر] منهم ومن له مال منهم، وإن كان لأنهم صغار محتاجـ[ـون]، فقد خرج الإناث بالبلوغ عن [].
فيقال له: ليتس العلة في النفقة ما [ذكرت من الصغر].
ولو كان لأنهم صغار محتاجون لكان من بلغ منهم ذا زمانة لا حراك به أن نفقته تزول عنه، لأنه خرج عن الصغر بالبلوغ الذي جعلته علة.
ولو زالت عن البالغ زمنا لا حراك به لبطلت فائدة الخطاب، لأنه سبحانه إنما أوجب النفقة للولد العاجز عن المكسب والتصرف، بالصغر وغيره مما هو علة العجز، وهذه هي العلة الظاهرة وهي قائمة في البالغ الزمن.
فتأمل موضع الفائدة في سياق الآية في إيجاب النفقة.
ولا تجد معك نصا ولا خبرا ولا دليلا واضحا يؤديك إلى أن العلة الصغر خاصة، لأن الصغر إن كان هو العلة لأن مع الصغر العجز عن التكسب، فتلك العلة قائمة في البالغ زمنًا.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وإذا كان ذلك، فقد بطل أن يكون الصغر وحده علة، ولكن العجز عن الأمور بالصغر والزمانة وغيرها مما يوجب العجز.
ألا ترى ان من كان له مال من صغير أو زمن، أن النفقة تزول عنه.
فدل أن الصغر والزمانة إنما هي على النفقة للعجز القائم بها، فإذا زال العجز عن التكسب والاحتيال والسعي بوجود ذلك في الولد أو بوجود المال زالت النفقة.
وأما قوله: فإن قال: إنما تجب النفقة للولد الزمن، قيل له: فلا ينفق على النساء ولا زمانة بهن.
فجوابنا له: أنه حائد عن الإنصاف، لأن الزمانة إن كانت علة فإنما ذلك لأن بها العجز عن السعي فإن تكن فيها هذه العلة قائمة فلا نبالي إذا قامت علة العجز عن التكسب لصغر أو زمانة أو منع من التصرف [أو عجز عن السعي في جميع] هؤلاء.
وأما قوله: لم سقطت النفقة عن الذكر بالبلوغ؟ إن اكن لأن البلوغ [علة] الاستغناء فقل ذلك في النساء، وإن كان ليس البلوغ علة دون الاستغناء بالمال، فكذلك الذكر إذا بلغ، لأن الكسب [يمنع] النفقة، فلم قلت في البالغ القوي على الكسب من ذكر وأنثى، لا نفقة له؟
فيقال له: إنماحكمنا في الذكر والأنثى بالعلة التي هي أغلب أحوالها في رفع العجز عنهما، فالأغلب من ذلك ما ذكرنا، من بلوغ الذكر ومصير المرأة إلى زوج.
ويلزمـ[ـنا] فيما ألزمنا أن نقول: إذا قوي الذكر قبل البلوغ عن التصرف والتكسب، أن النفقة تزول عنه، وإن لم يجد في تحركه شيئا.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فلما لم نقل ذلك، وألحقناه بأغلب أحواله في تكامل حيلته وتصرفه، وذلك في بلوغه كذلك بلغنا بالمرأة إلى الأغلب من أحوالها، في استمكان التصرف أو قيام الكفاية.
وإذا لم تجعل هذه علة، صرت إلى أن تجعل البلوغ علة لغير معنى، فيلزمك أن تزيل النفقة عن ولد اكمه مقعد يبلغ كذلك، وهذا نفس الإحالة وإفلات الأمور عن وجوهها.
وصرت أيضا لجعل البلوغ علة، بغير نص ولا دليل منه.
بل الدليل الظاهر ما ذكرنا من حال العجز والتصرف، والاكتساب فهذه علة تصح معها معاني الخطاب.
وأما قوله: فإن قال: الفرق أن هذا ذكر وهذا امرأة، قيل له: فلو جعل غيرك النفقة على الذكور دون النساء وجعل هذه علته؟
فإن جوابنا له: ان هذا كلام خال من التحصيل، يشبه كلام الهازل، ومن هذا الذي يتلاعب في الدين حتى تكون هذه فروقه؟
وإن كنت قد تلاعبت بإدخالك لمثل هذا الذي لا يقوله احد، كأنك تجيز لمن يقول بما لا قائل له، أو تقيم قول مالك كقائل [بما لا] قائل له.
إنك لتملي على حافظيك ما يبقى دركه، وتشغل الزمان والصحف بما لا يفيد دينا ولا دنيا.
وأما قوله في قول الله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ / وإن قائلا قال:
[ ٢ / ٥٩٥ ]
معناه في ألا يضاره، وقائل قال: يعني النفقة، ثم لم يذكر في ذلك مذهبه، فتعرف موافقته لنا أو مخالفته، إلا أنه قال: لا تحتمل الآية غير أحد هذين القولين، فكأنه في ريب مما يرتضى من ذلك.
وقولنا في ذلك ما تأوله ترجمان الكتاب عبد الله بن عباس: إن ذلك في الا يضار، مع أن عطف ذلك على ما هو متصل به في اللفظ أولى من أن يعطف على ما تقدم، مع ما في ظاهر الآية من ذكر النفقة إنما جرت للزوجات، بذكر نون التأنيث على ما ذكرنا أولا، ونسأل الله التوفيق برحتمه.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
باب الطلاق قبل النكاح
وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق/ إنه يلزمه الطلاق إذا تزوجها.
وقال: هذا خلاف ظاهر القرآن، لقول الله سبحانه: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ وهذا طلاق قبل النكاح، وقال النبي ﵇: لا طلاق قبل نكاح.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
قال: وقيل لمالك فيمن قال لزوجته: إن طلقتك فقد ارتجعتك، قال: فلا يكون مرتجعا بذلك إذا طلق حتى يأتنف الرجعة بعد الطلاق.
فيسأل عن الفرق، [فـ]ـكما لزمه الطلاق قبل النكاح، لأنك زعمت توقعه بعد النكاح، فكذلك [] كون الطلاق، ويصير كمن ارتجع بعد الـ[ـطلاق] قد أتيت بمعنى كلام هذا الرجل.
فالحجة لمالك في ذلك، أن الطلا [ق] قبل النكاح كالطلاق بصفة، إذا كانت تلك الصفة وقع الطـ[ـلاق] بمتقدم العقد، وليس بطلاق قبل نكاح.
وإنما حقيقة هذه الكلمة في [قوله]: " لا طلاق قبل نكاح" أن يوقع الطلاق قبل النكاح، فيقول لأجـ[ـنبية]: أنت طالق أو لعبد غيره: انت حر، فهذا حقيقة هذا الكلام.
و[هذا] الآخر إنما قال: إذا انعقد ملكي للعصمة أو للرق فقد أوجبت حل تلك العقدة، بالطلاق والعتاق.
أرأيت إن قال: إن شفاني ا [الله] من مرضي وملكت فلانا فهو حر، أو قال: إن رزقني الله مـ[ـالا] فنصفه صدقه، أو جميعه.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فيلزمك أن تقول: إنها صدقة قبل ملك، وعـ[ـتق] قبل ملك.
فإن أوجبته ذلك ناقضت، وإن لم توجبه خالفت ظاهـ[ـر] القرآن، قال الله سبحانه: ﴿ومنهم من عهد الله لئن ائتنا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما أتاهم من فضله بخلو به وتولوا وهم معرضـ[ـون]﴾ فذمهم حين أخلفوا الله ما وعدوه.
وظاهر هذا إيجاب إنفاذ ما أ [برم] عقده قبل الملك، وأنه يلزمه بعد الملك.
ولا فرق بين قوله: إن ملكـ[ـت] هذا الدرهم فهو صدقة، أو لله على صدقة درهم، ولا بين قوله: [إن] ملكت هذا العبد فهو حر، أو قال: علي عتق عبد.
فإن أوجبت ذلك [في] الصدقة والحرية لزم مثله فيما يستقبل ملكه، وإذا كان [ذلك] لزمك مثله في الطلاق.
فإن قلت: إن الصدقة التي ذكر الله تعالى أنه ذم من عاهد الله عليها، إنما يستأنف إحداث صدقتها بعد الملك والطلاق والعتق يلزمه عندك بالملك بغير إحداث عـ[ـتق] أو طلاق [] في الصدقة [] أوجبه عندك بقوله إن ملكت درهمًا فلله
[ ٢ / ٥٩٩ ]
علي صدقته، أو عبد فلان فلله علي عتقه، لأنه نذرة لله وعقد من البر، وقد أمر الله أن يوفي بالعقود.
وكذلك ينبغي أن يلزمه من التبرر ما هو أقوي من ذلك في العقد، وهو قوله: إن ملكت هذا العبد فهو حر، فأوجب عتقه بعد الملك متصلا به، بأضيق وقت مقدور عليه.
وكذلك في الصدقة كما أن الذي قال: فلله على عتقه، أو في المال: صدقته أن عليه ذلك عندك متصلا بعقد الملك، لا يسعه عندك تأخير ذلك، بأسرع وقت يقدر عليه.
ويلزمك أن تقول - إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق بطلاق أحدثه - إن ذلك يلزمه، وكذلك العتق والصدقة.
فإذا لزمه عندك النذر بقوله: إن ملكت دينارا فلله على صدقته، أو عبدا فلله علي عتقه، فيلزمه، أن يحدث عندك صدقة الدينار، وعتق العبد بعد الملك، وإن كان أصل النذر فيما لم يكن يملكه.
فإذا لزم النذر فيما لا يملك بما عقد قبل الملك لأنه تبرر، فكذلك التبرر بقوله: إن ملكته فهو حر، وإن ملكت كذا فهو صدقة.
ولا فرق بين عقدين قبل الملك، فألزته أحدهما والآخر أقوى مما الزمت، لأن العقد الأول أوجب عتقه بعد الملك، كما اوجب عندك العقد الأول أن يحدث له ذلك بعد الملك.
ولا فرق بين ما عقد من هذين العقدين، في عتق وصدقة، فكذلك يلزم بهذا المعنى ما عقد من الطلاق، بقوله: إن تزوجت فلانة فهي طالق.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فإن قلت: العتق والصدقة يقعان للتبرر والتقرب، فأوجبتهما.
قلنا: فقد [وقعت الصدقة] في قولك قبل الملك [للتبرر]، [ولا يلزمه] صدقة قبل ملك، ولا عتق قبل ملك، و[ليس] هو إيجاب عقدـ، أن يكون وقوعه بعد الملك.
ثم نصير معك في الطلاق إلى باب آخر، فنقول لك: فإذا لم يكن هذا من البر في الطلاق فأنت ممن يقول: إن الطلاق يقع بسنته وبغير سنته، أو لا يقع إلا بسنته؟
فإن قلت: يقع بسنته وبغير سنته، فأوقعه ها هنا وإن كان [ن] على غير سنته وبأمر منهي عنه.
وإن قلت: لا يقع إلا بسنته، سئلت عن من طلق امرأته وهي حائض، أو طلقها ثلاثا في كلمة.
فإن لم توجب طلاق الحائض، خالفت نص الخبر، وصارت الرجعة المذكورة في حديـ[ـث] ابن عمر غير رجعة، في قول النبي ﵇: (مرة فليراجعها ثم ليمسكها)، ففرق بين اللفظين.
[ ٢ / ٦٠١ ]
وإن قلت: إن إيقاع الثلاث في كلمة واحدة لا يلزمك، انفردت وخالفت ما دلت عليه آية الطلاق، قال الله سبحانه: ﴿فطلقو [هن] لعدتهن وأحصوا العدة﴾ ثم قال آخر الآية: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾.
هذا وقد علمهم سبحانه أن الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف بعد الاثنين، أو تسريح بإحسان بالثالثة.
فنهي بظاهر القرآن عن إيقاع الثلاث في كلمة، وأخبرنا العلة التي نهانا من أجلها عن ذلك، بقوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾.
فأجمعوا أنها الرجعة، فلو كانت الثلاث التي وعظنا أن نوقعها في كلمة لا تلزمنا إذا وقعت، ما كانت الرجعة بفائتة لنا، ولا كان لقوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ معنى، لأن الرجعة غير فائتة.
فكيف يحسن في زعمك أن تقول: لا تطلقوا ثلاثا لئلا يحدث لكم مراد الرجعة، والثلاث غير لازمة لنا.
وهذا لا يجوز أن يتأوله أحد مع ما ثبت عن الرسول ﵇ من حديث مالك وغيره [أن فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها البتة ذكرت للنبي ﵇، فقال: ليس] لك عليه نفقة.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وأما قول هذا الرجل: ثبت الحديث أنه " لا طلاق قبل نكاح.
فيقال له: هذا الحديث قد تكلم في إسناده، وليس عندهم بالقوي، وقيل: إن أصح ما فيه رواية طاووس أناه مرسلا: لا طلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك، مع احتماله أن يكون جوابا على سؤال.
ويقال له: أرأيت إن كان حديثا ثابتا عندك في النقل، فظاهره بقولنا أشبه، لأنا نقول فيمن قال لعبد غيره، إن شفاني الله في مرضي فعبد فلان حر: إنه لا يلزمه ذلك وإن اشتراه وإن له ملكه.
وكذلك: فثوب فلان صدقة، أو ديناره صدقة، لا يلزمه إن ملكه، وكذلك نقول: إن قال: فلانة الأجنبية طالق، فلا يلزمه ذلك إن تزوجها.
ثم نسألك/: من قال إن شفاني الله وملكت دينارا فهو صدقة، أو بعضه صدقة؟ فإن الزمته ذلك، رجعت إلى معنى الحديث ما تأولنا: أن يتصدق قبل الملك، وإن قلت: لا يلزمه، خالفت ما دل عليه القرآن.
وتسأل عن من قال: إن رزقني الله الحج، فكل عبد لي يومئذ أملكه حر، وليس له الآن عبد، ويقـ[ـع] ألا يلزمه هذا عندك، وهو قد نذر نذرا، والوفاء بالنذر واجب؟
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وبعد، فلو صح الحديث ثم احتمل أن معناه ما تأولت، أنه لا يلزم طلاق، ولا عتق بعقد يمين قبل الملك، لكان يحتمل أن يكون أيضا معنى الحديث مصروفا إلى من عم النساء أو العبيد، فيدخل في الضيق والحرج المرفوع عن هذه الأمة، مما يضيق على نفسه من قوله: كل عبد [أملكه] حر، أو كل مال أكسبه صدقة، أو كل امرأة أتزوجها طالق.
وهذا في أداء يمين لا يلزمه، وفي الحديث إذا ثبت محتمل.
ثم قلنا في قوله: إن ملكت دينارا فهو صدقة لله، ما ذكرنا، فمن فرق بين هذين قال بقولنا، أو خالف ما دل عليه القرآن. وإذا احتمل الحديث ما قلت وقال خصمك لم تكن أولى بتأويلك فيه منا، ورجعنا إلى الاستدلال على أشبه القولين بالأصول.
وقد دللنا على صحة ما تأولنا وأنه أشبه بالقرآن والسنة، مع قول عمر وابن عمر وابن مسعود، وغيرهم، وكثير من التابعين مع تأويلهم لمثل ما تأول مالك من هذا.
أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن أحمد المالكي، نا عبد الله بن أحمد نا ابن حنبل، نا أبي نا عبد الرزاق نا معمر، قلت للزهري: أليس قد جاء عن بعضهـ[ـم] أنه: لا طلاق ولا عتق قبل الملك؟ قال: إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق، وغلام فلان حر.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
قال: ونا يزيد بن هارون، نا عبد الملك، عن عطاء، في رجل قال لعبد، يوم يشتريه فهو عتيق، قال: يوم يشتريه فهو عتيق.
قال: ونا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن السدي عن سعيد بن جبير مثله. وكذلك قال سعيد بن جبير في الطلاق، وقاله الشعبي وإبراهيم.
قال: ونا ابن شاذان نا معلي، نا حماد بن زيد، نا هشام، عن ابيه قال: كل امرأة أتزوجها فهي على كظهر امي، أنه يكفر عن اول امرأة يتزوجها، ثم يتزوج [إن] شاء.
نا الهيثم بن حميد، نا المعلي بن الحارث بن مكحول، قال قوله: لا طلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك، هو الرجل يقول لامرأة لا يملكها: فلانة طالق، ولعبد لا يملكه، هو حر.
ونا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا سحنون، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن المنذر بن علي قال: خطب رجل منا امرأة، فقال: هي طالق إن
[ ٢ / ٦٠٥ ]
تزوجتها، حتى آكل القضيض – يريد الطلع الذكر – فانطلقت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى أن يتزوجها، جتى يأكل القضيض.
ووافقه على ذلك القاسم، وسليمان بن يسار وابن شهاب، وقاله رجاء بن حيوة وأبو بكر بن حزم. وقد رواه املك في موطئه، عن ابن مسعود وعبد الله بن عمر، ورواه غير مالك عنهما، قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت، ورواه مالك أيضا عن القاسم وسالم وغيرهما. أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا أبي، نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن محمد بن قيس، عن إبراهيم عن الأسود قال قلت: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فسألت ابن مسعود فقال: بانت منك اخطبها إلى نفسها، يعني بعد ما عقد عليها.
قال ونا محمد بن شاذان، نا معلي، نا أبو عوانة، عن محمد بن قيس، قال: سألت إبراهيم عن ذلك، فحدثني عن علقمة والأسود عن ابن مسعود انه قال: هي كما قال: فرجعت إلى الشعبي، فأخبرته، فقال: صدق.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ونا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر نا يحيى بن عبد الله بن بكير، نا مالك، عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي، أنه سأل القاسم عن رجل طلق امرأة إن هو تزوجها، فقال: القاسم [بن محمد إن رجلا جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها] فأمره عمر بن الخطاب أن يتزوجها ولا يقربها، حتى يكفر كفارة الظهار.
وهذا يكثر إن تقصيناه، وفي بعضه كفاية.
ويحتمل ما روي عن النبي ﵇، وعن علي ﵀ ما تأولنا، مع احتماله فيمن عم النساء، وعم العتق والصدقة، وأوجبنا ذلك فيمن خص، على ما قدمنا من الدلائل، وفيما ذكرنا لمن أنصف مقنع.
فأما قول هذا الرجل في معارضته بالقائل لزوجته: إن طلقتك فقد ارتجعتك، وألزمنا مناقضة، لتفريقنا بين القائل لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق.
ولا يلزمنا بذلك مناقضة بحمد الله، لأنه قرن شيئا بغير نظيره.
وذلك أن القائل: إن طلقتك فقد ارتجعتك، إنما أوجب لنفسه عقد ما يستأنف حله، والمطلق إنما الزم نفسه حل ما يستأنف عقده، وهذا غير مستبه.
وهو أشبه بما شبهناه به، ممن لم يملك ما لا فعقد على نفسه صدقته، بشرط الملك. فهو كمشتر [ط] حل الشيء بعد عقده، فيما ذكرنا من الحل بالطلاق، ما انعقد من النكاح، وبالعتق والصدقة ما انعقد من الملك.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وقياس الشيء بالأشبه به أولى، وذلك إيجاب الصدقة فيما يستأنف ملكه، وما دل عليه القرآن من إيجاب ذلك.
فقياس الطلاق الذي هو حل شيء بعد عقده أولى أن يشبه بإيجاب الصدقة بعد عقد الملك.
وكلفنا القياس على ما لا يشبه [] هذا [].
[فـ]ـإن قيل: فألا جعلته كقول الأمة [] [أن أعتقت]: اخترت [الرق]، ومن قولك: إن ذلك لا يلزم، وهذا حل شيء بعد عقد متقدم بما انعقد لها من الحرية التي لم تكن بعد؟
قلت: إن هذا لا يلزم، لأن الذي قال: إن تزوجتك فأنت طالق قد حلف على فعل نفسه، فهو يعقد بفعله النكاح، الذي أوجب على نفسه به الطلاق.
وهذا إنما جعلت فعلها فيما هو بيد غيرها، ففعلت فيما لم يجب لها، وهي لا تملك منه عقدا ولا حلا، وليس بيدها وقوع العتق، الذي به يجب الخيار لها.
وكذلك كل من اسقط ما لم يجب له، ولا له في عقده فعل بحال.
مثل أن يقول: إن قتل فلان وليي فقد عفوت عنه، أو إن اشترى فلان هذا الشقص، فقد اسقطت عنه شفعني، فهذا لا يلزمه، وهو كقول الأمة في الاشتباه.
وعقد الشيء آكد في الأصول من حله، والأمور الموجبة لعقود الأشياء أقوى من الأمور التي توجب حلها، وهذه أمور تفترق عند التامل، مع موجبة التوفيق.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وفي الأصول أيضا، أنا ندع الشيء بالشك ولا نأخذه بالشك، ويحنث الحالف بالأقل ولا يبر إلا بالأكثر، ويفرق بالشك ولا يعقد النكاح على الشك.
والحياطة في الإشكال أولى في الديانة، وأقرب إلى السلامة إ [ن] شاء الله، والتوفيق بيد الله سبحانه.
تم الجزء الثاني من كتاب: الذب عن مذهب مالك، في شيء من أصوله، وبعض مسائل من فروعه، ولله الحمد في عونه وتأييده، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليما.
يليه الجزء الثالث إن شاء الله [أوله] [باب: أقل] ما يكون صداقا.
[ ٢ / ٦٠٩ ]