وأيكما أشد إعظاما لحديث رسول الله، ﷺ، وأبين تورعا عن أن يستجيز ادعاء ما ليس فيه، مالك، ﵁، حين روى عن عائشة، ﵂، أنها قالت: "كان فيما أنزل الله ﵎، في القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله، ﷺ، وهن فيما يقرأ من القرآن" وروي عن عروة عن عائشة أن رسول الله، ﷺ [قال]: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة." وروي عن ابراهيم بن عقبة أنه سأل سعيد بن المسيب
[ ٦٧ ]
وعروة بن الزبير، عن الرضاعة، فكلاهما قال ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة فهي تحرّم. وروي عن عروة عن عائشة أن رسول الله، ﷺ، أمر سهلة أن ترضع سالما خمس رضعات فتحرم بهن مكانهن، حديثه عن عمرة عن عائشة أنها قالت: "كان فيما أنزل الله، ﵎، في القرآن، عشر رضعات معلومات يحرّمن ثم نسخن بخمس معلومات" إن قولها معلومات العدد وليس في الحديث لقول عائشة معلومات فنسخن مبينا ولا نصا مخلصا فننتهي إليه، وروي عن عروة عن عائشة [١٢ و] أن رسول الله، ﷺ، قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب." فذهب إلى أن حديث عروة هذا يجمع الرضاعة قليلة وكثيرة وأنه موافق لقول الله، ﵎: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ فسماهم ﷿ بالرضاعة أخوات، من غير استثناء لقليل الرضاعة من كثيره. فقال عروة إن الرضاع يحرّم وإن كان قطرة واحدة. وذهب مالك، ﵁، إلى أن عروة هو راوي حديث عائشة أن رسول الله ﷺ، أمر سهلة ابنة سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات وهو القائل: ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة فهي تحرّم. وإنه أولى بمعرفة ما روى عن عائشة، لأن له فضل السماع
[ ٦٨ ]
منها والعلم بما سمع، فاتبع [مالك] من حديثه عن عائشة ما وجد عروة اتبعه من حديثه عن عائشة ما وجد عروة اتبعه من حديثه عنها، ورآه حديثا مستغنيا عن أن يتكلف له التفسير بالرأى، أم أنت حين تركت حديث عائشة عن رسول الله، ﷺ، الذي هو موافق لما في كتاب الله، عز اسمه، وكلام عروة الذي رواه عنها وهو مستغنى عن أن يتكلف له التفسير، وأخذت أنت بزعمك، بحديثك عن مالك، ﵁، عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل الله، عز اسمه، من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ثم نسخن بخمس [١٢ ظ] معلومات، فتكلفت أن تفسر برأيك قولها، فقلت في كتاب الرضاع من كتبك في باب ما يحرم من النساء بالقرابة والرضاعة إلا خمس رضعات، وذلك أن يرضع المولود ثم ينقطع الرضاع، ثم يرضع ثم ينقطع. قال: إن انقطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو أكثر فهي رضعة وإذا ألقم الثدي أو لها بشيء ثم عاد، كانت رضعة واحدة. ثم نقضت قولك هذا فقلت: ولا ينظر إلى قليل الرضاع ولا كثيره، إذا وصل إلى جوفه، فهي رضعة، بعد أن قلت إنه إذا رضع ثم قطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو أكثر، فهى رضعة، وهذا خلاف قولك: إنه لا ينظر إلى قليل الرضاع ولا إلى كثيره إذا وصل إلى جوفه فهى رضعة، لأنه إذا رضع ثم قطع الرضاع، فينبغي في قولك أن يكون رضعة، لأنه قد وصل إلي جوفه، ثم تكون عودته إلى الرضاع ثابتة لأنك قد زعمت أن ما وصل إلى جوفه من قليل أو كثير فهى رضعة. ثم قلت ولو أخذ ثديها الواحد فأنفد ما فيه، ثم تحوّل إلى الأخر فأنفد ما فيه، فهي رضعة واحدة. فلم تجعل ما وصل إلى جوفه من أحد الثديين، وهو
[ ٦٩ ]
قد أنفد ما فيه رضعة لما تحول إلى الثدي الآخر، فأنفد ما فيه، وجعلت ما أنفد في الثدي الأول ثم في الثاني رضعة واحدة، وأنت قد قلت ما وصل إلى جوفه من قليل [١٣ و] أو كثير، وإن كانت قطرة، فهي رضعة.
ثم قلت والرضاع قد يكون بقية النفس والارسال والعودة: "كما يكون الحالف لا يأكل بالنهار إلا مرة، فيكون يأكل ويتنفس بعد الازدراد [إلى أن يأكل] فيكون ذلك أكل مرة [وإن طال] ". فشبهت الرضاع بالأكل ومثلته به وقلت إن الآكل إذا كان يأكل ويتنفس بعد الازدراد فهو أكل مرة قبله أنه قد أكل ووصل إلى جوفه ما أكل وازدرد فوصل ما ازدرد إلى جوفه وتنفس بعد الازدراد، فجعلت ذلك كله أكلة، وأنت قد قلت: ما وصل إلى جوف الصبي فهو رضعة، ولم تقل ما وصل إلى جوف الآكل، وإن كان لقمة واحدة، أكلة، كما جعلت ما وصل إلى جوفه رضعة، وإن كانت قطرة، فمرة شبّهت الأكل بالرضاع، ومرة جعلت كل قطرة تصل إلى جوف الصبي رضعة، ومرة لم تجعل انفاده ما في الثدي الواحد رضعة، ومرة لم تفرق بين قليل الرضاع وكثيره. وكل هذا إنما قلته برأيك وفصّلته من قبلك بلا شيء. ووجدته في حديثك منصوصا عن رسول الله، ﷺ. وأنت بحديثك عنه احتججت، وبما فيه زعمت أنك أجدت، وتورّع مالك، ﵁، عن كل هذا، ولم تستجز أن ينسبه إلى
[ ٧٠ ]
رسول الله، صلى الله [١٣ ظ] عليه وسلم، ولا احتج به على أنه في حديثه عنه. وإنما دخل حديث عائشة في الخمس الرضعات لك، وكل هذا الاضطراب من قولك، والتناقض في مذهبك، إنما اضطرك إليه طلبك أن تبينّ ما أرادت عائشة، ﵂، بقولها: معلومات. وعرف مالك، ﵁، ما يدخل ذلك فتوقف عنه، ولم يدّع ما ليس في الحديث.