وقال الشافعي: ولو انكسر عظم مسلم فأحبّ أن يجبره بعظم فلا يجوز له إلا بعظم ما يؤكل لحمه [٢٦ ظ] ذكيا، فإن رقعه بعظم ميتة، أجبره السلطان على قلعه فإن مات صار ميتا كله، والله حسيبه. فأوجب الشافعي عليه ما لعلّه يكون حتفه منه وموته منه إذ قال: أجبره السلطان على قلعه. فمن سبقه إلى هذا القول من المسلمين؟ أفلا اعتبر في كلامه هذا ما نطق به وقد مضى مثل هذا في كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ. قال الله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس. الآية﴾ والجراح قصاص. ففرض الله ﵎ في الجراح القصاص. وجاز السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عن النبي ﷺ، بإزالة القصاص في كل جرح يخاف منه التلف من المقتص منه، الموت. فحدّثني يحيى بن عمر قال حدّثني نصر بن مرزوق، قال حدّثنا أسد بن موسى قال حدّثنا ابن لهيعة، قال حدّثنا معاذ بن محمد عن ابن صهبان أن عمرو بن معدي كرب أصاب رجل بمأمومة فأراد عمر بن الخطاب أن يقتد منه فجاء رجل من
[ ٩٩ ]
أصحاب رسول الله وهو العبّاس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا قود في المأمومة ولا في منقلة ولا في جائفة فأمر به عمر بن الخطاب أن يعقل.
وحدثني يحيى وأحمد بن داود قالا: حدثنا سحنون. وحدثني يحيى قال: حدثني الحارث وأبو الطاهر [٢٧ و] قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: اخبرتي اسماعيل بن عياش عمن أخبره عن أبي سعيد الخدري قال: كان أبو بكر وعمر بن الخطاب يقولان وليس في الجائفة والمأمومة والمنقلة، ولا في كل شيء لا يستطاع منه القصاص، قصاص، وكانا يقضيان في الجائفة الثلث، فإن يقدر فالثلثان. وقال عن مكحول عن زيد بن ثابت مثله، فسنّة رسول الله صلى الله عليه
[ ١٠٠ ]
وسلم وأصحابه كانت أولى بالشافعي أن يتبعها. ولا يحمل سلطان على أن يجبر رجلا مسلما على شيء قد يكون حتفه فيه فقد أزال النبي ﷺ القصاص في الجراح التي يخاف على المقتص منه فيها، إذ قد سلم المجروح منها، ويخاف على الجارح إن اقتص منه، أن يكون حتفه فيها. وأزالها أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت كما قد اقتصصناه عليه. وقلنا للشافعي: إنّ السّنن لا يحلّ لأحد أن يخالفها ولا [أن] يعارضها بشيء. وإنما الفرض على المسلمين اتباعها والاقتداء بها والقياس عليها. فإذا قسنا ما قلت على سنة رسول الله، ﷺ، هذه، فأيّ الرّجلين أولى بأن لا يعرض [إلى] الحتف والموت عندك؟ أرجل ليس قبله لأحد من المسلمين حقّ في قصاص يؤخذ له به [٢٧ ظ] غير أنه جبر عظما انكسر له بعظم ميتة حتى التأم العظم وانجبر والتأم اللحم عليه والتحم فإن قطع اللحم وانكسر العظم الذي قد جبر به، وانجبر بعضه إلى بعض فتكسره حتى تخرج العظم الميت ولعلّ حتفه يكون فيه. أم رجل جرح رجلا جرحا يخاف عليه أن اقتص منه أن يموت؟ فافهم هذا يبين لك الذي قلت وذهبت إليه، [وهو] ليس كما قلت وذهبت إليه، وبالله التوفيق.