الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، لا سيما حبيبه محمد المصطفى، وآله الشرفا، وصحبه أولي الوفا، أما بعدُ …
فهذا البحث مقدمة بين يديّ دراسة أُعِدُّها عن تحقيق الشراح (^١)؛ لأن للشراح دورًا بارزًا في تشييد فن التحقيق الإسلامي، هذا الفن الذي وضع أسسه علماء الحديث، وفي هذا يقول أستاذنا فضيلة الدكتور فيصل الحفيان: "علم التحقيق -الذي نقوم عبر منهجه وأدواته بسبر النصوص جميعًا ونقدها أيًّا كان موضوعها- إنَّما ولد من رحم علوم السنة، سواء في ذلك علم السند وعلم المتن، فإلى هذه العلوم يرجع الفضل في نشأته" (^٢)، فإذا كان المحدثون قد حازوا براءة اختراعه فإن الشراح قد اعتنوا بتلك الأسس وبنوا عليها، فحملت تلك الشروح تطبيقًا عمليًّا لأسس التحقيق الإسلامي.
وقد خرجنا من قراءة نسخة التتائي من الرسالة بنتائج، وهي:
١ - قام أئمتنا الشراح بدور المحقق على أكمل وجه من مقارنة النسخ والترجيح بين الروايات وضبط ألفاظ الرسالة وبيان المبهمات والمجملات في النص.
٢ - الشروح مرجع رئيس لتحقيق النص الأصل (المتن)؛ لأن علماءنا الشراح كانت لهم رواية وأسانيد إلى صاحب الأصل.
_________________
(١) أريد بالشراح المؤلفين الذين اعتنوا ببيان وشرح كتب غيرهم في علوم الحضارة الإسلامية المختلفة.
(٢) من بحث له بعنوان: "نصوص السنة وعلومها: طبيعة المعرفة وتقاليدها، وخصوصية العمل وطرائقه". يراجع: مجلة التراث النبوي، العددان: الأول والثاني، محرم ورجب ١٤٣٩ هـ (ص ١٢٩).
[ ٣٣٧ ]
٣ - أظهرت الدراسة أهمية شرح التتائي للرسالة؛ فقد استطعنا أن نخرج الرسالة كاملة من شرحه.
٤ - أكثر الفروق بين نسخة التتائي ونسخ غيره من الشراح هي من قبيل التعبير بالمرادف ك (يقربها/ يمسها) و(بمكان/ بموضع) و(توان/ تراخ) أو بتغيير بعض السياق بتقديم وتأخير، والمعنى واحد.
٥ - أظهرت هذه الدراسة أهمية الرجوع إلى أصالة طلب علم الفقه بتحقيق مباحث النص اللغوية والإعرابية لتحرير المعاني، ولربط الفقه بدلالات المباني.
والحمد لله على انتهائي كما حمدته في ابتدائي، أسأله مغفرةَ الذنوب وسترَ العيوب، إنه هو التواب الرحيم.
[ ٣٣٨ ]