• قوله:
١ - «وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وهو القميص والخمار الحصيف، ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد، ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة، أو يضم ثيابه، أو يكفت شعره».
تقدم الكلام على ستر العورة في باب الطهارة، والتكرير في هذه الرسالة مما قصده مؤلفها ﵀، لأنه وسيلة إلى ترسيخ العلم وتثبيته، وهو منهج القرآن الكريم، وقد نبهت على ذلك من قبل من هذا الكتاب، ويمكن أن المؤلف إنما أعاد ذكره ليرتب عليه ما بعده، وهو عدم تغطية الأنف والوجه في الصلاة، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة عند أبي داود (٦٤٣) قال: «نهى رسول الله ﷺ عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه»، وروى الترمذي منه النهي عن السدل، وفي الموطإ (٣٠) عن عبد الرحمن بن المجبر أنه كان يرى سالم ابن عبد الله إذا رأى الإنسان يغطي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذا شديدا حتى ينزعه عن فيه»، ويظهر من الترجمة التي وضع مالك تحتها هذا الأثر أنه لا يرى التغطية مشروعة ولو لنحو كف ريح الثوم، لأن المطلوب حينئذ عدم المجيئ إلى المسجد.
والسدل إرخاء الثوب، أي إرساله حتى يصيب الأرض، والمطلوب أن لا ينزل عن الكعبين، وقيل إسباله إرساله من غير أن يضم جانبيه بين يديه، ولعل النهي حينذاك إذا لم يكن تحته لباس آخر، فيكون المقصود الاحتراز من التكشف، وفي الحديث النهي عن تغطية الفم، قال ابن حبان لأنه من زي المجوس، وهذا النهي مقيد بما إذا لم يكن حال التثاؤب، فإن المتثائب مأمور بالكظم ما استطاع لما فيه من تشويه الخلقة وإيذاء الغير، ولا
_________________
(١) (تعليق الشاملة): في المطبوع «١١»
[ ٢ / ٣٩ ]
كفت الثياب والشعر
يتكلم حينئذ لما فيه من قبح الصوت، وقد جاء في صحيح البخاري مرفوعا: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع، ولا يقل: ها، فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه»، وروى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال، قال رسول الله: «لا يصلين أحدكم وثوبه على أنفه، فإن ذلك خطم الشيطان»، ذكره في مسالك الدلالة، ويدلك على ذلك أيضا أن المرأة وهي المطالبة بالتستر لم يشرع لها ستر وجهها.
أما النهي عن ضم الثياب وكفت الشعر؛ فلما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أسجد على سبعة، لا أكف شعرا ولا ثوبا»، الكف، هو الضم، وهو الكفت كما في رواية أخرى، والمعنى عدم جمع الثياب والشعر كي تباشر الأرض مع الساجد، وفي حديث أبي رافع عند أبي داود (٦٤٦) والترمذي (٣٤٨) وحسنه أنه مر بالحسن بن علي ﵄ وهو يصلي قائما وقد غرز ضفره في قفاه، فحلها أبو رافع، فالتفت حسن إليه مغضبا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك، ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذلك كفل الشيطان»، يعني مقعد الشيطان»، انتهى، والضفر الشعر يضفر بإدخال بعضه في بعض.
وقال ابن القاسم في المجموعة عن مالك: «ولا يتلثم، ولا يغطي فاه، وقال عنه أشهب في العتبية: «ولا يكفت ذو الشعر شعره بعمامة ويصلي، إلا أن يريد أن يستدفئ»، النوادر (في لباس الرجل في الصلاة).
لكن قالوا في الفروع الأربعة إنها مكروهة ما لم يكن ذلك عادته، ولم يكن في صنعة أو عمل يتطلب الاحتزام أو كفت الثياب أو ضم الشعر، ثم حضرت الصلاة، فصلى كذلك، قال في المدونة: «من صلى محتزما، أو شمر كميه، أو جمع شعره، فإن كان لباسه كذلك، أو كان في عمله وقد حانت الصلاة؛ فلا بأس بذلك»، وهذا لأنهم عللوا النهي بالتكبر، وخير للمصلي ولو كانت تلك هيئته في عمله أن يغيرها في صلاته، ولأن الأمور المذكورة تسجد مع الشخص، وقد ورد في الدعاء ذكر سجودها مع الساجد.
[ ٢ / ٤٠ ]
متى ينفع سجود السهو
استواء الفريضة والنافلة في سجود السهو عدا مسائل خمسة
• قوله:
٢ - «وكل سهو في الصلاة بزيادة؛ فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لهما ويسلم منهما، وكل سهو بنقص؛ فليسجد له قبل السلام إذا تم تشهده، ثم يتشهد ويسلم، وقيل لا يعيد التشهد، ومن نقص وزاد سجد قبل السلام».
السهو معناه الذهول عن الشيء، تقدم له ذكر أو لا، بخلاف النسيان، فإنه لما تقدم له ذكر، فيكون أخص من السهو، والمراد هنا السهو بترك بعض أفعال وأقوال الصلاة التي ليست واجبة، ولا هي من الفضائل أو السنن الخفيفة، فإن هذه لا يسجد لها في المذهب، ومما يسجد له الزيادة بسبب البناء على اليقين في حال الشك، ويُسْجَدُ لترك واجب فات تداركه، فتلغى الركعة التي ترك منها ويؤتى بها، ويسجد أيضا لاجتماع الزيادة والنقص، فمن حصل ذلك منه من إمام أو فذ، أو مأموم أدرك ركعة فما زاد؛ فهو مطالب بالسجود للسهو على وجه السنية، وقيل على سبيل الوجوب وهو الظاهر؛ إن لزم من تركه البطلان، وقد ورد الأمر بالسجود، وأقل ما يدل عليه الأمر؛ الاستحباب، لأنه عبادة، وهو لإصلاح الصلاة إن كان السجود قبليا على أصول أهل المذهب، إما إصلاح تبطل الصلاة بدونه، لأن تركه مع الطول تبطل معه الصلاة كما سيأتي، وهذا شأن الواجب، وإما إصلاح للكمال، أما البعدي فلترغيم الشيطان، وإغاظة الشيطان مطلوبة.
ولعلك قد تبين لك مما سبق أن الكلية التي أتى بها المؤلف ﵀ في السجود للسهو ليست على عمومها، بل هو من العموم المراد به الخصوص، فإن السجود إنما يكون لترك سنة مؤكدة، لا لسنة خفيفة، ولا لترك واجب لم يتدارك، وسيأتي بيان المؤلف لهذا.
والسجود المذكور تستوي فيه الفريضة والنافلة في المذهب إلا في خمس مسائل فلا يسجد لها في النافلة، وهي: استبدال السر بالجهر، والعكس، وترك السورة، ومن عقد الركعة الثالثة في النفل برفع رأسه من الركوع؛ فإنه يتم أربعا، بخلاف الفريضة، فإن من زاد
[ ٢ / ٤١ ]
السجود قبل السلام وبعده
فيها ثم تذكر يرجع مطلقا، والخامسة من نسي واجبا من النافلة وطال، أو شرع في صلاة مفروضة، أو نافلة وركع؛ فلا شيء عليه، بخلاف الفريضة فإنه يعيدها، وكون الفريضة مثل النافلة في مشروعية السجود للسهو حق، لأن الأصل المساواة بينهما إلا ما خصه الشارع، وفي الحديث الذي رواه أبو داود (١٠٣٨) وغيره عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم»، فيه إسماعيل بن عياش، وقد رواه عن أهل بلده وهو صدوق في روايته عنهم، لكن قال الحافظ في بلوغ المرام سنده ضعيف، وقال الكحلاني تضعيف الحديث بإسماعيل فيه نظر، وقد حسنه الألباني.
والساهي إما أن يزيد، أو ينقص، أو يجمع بينهما، والمذهب أن الزيادة يسجد لها بعد السلام، وأن النقص، وكذا الجمع بين الزيادة والنقص يسجد لهما قبل السلام، ووجه الأول أن الزيادة سهوا تصح معها الصلاة، لأنه لم يلحقها خلل، فيكون السجود بعد الصلاة ترغيما للشيطان، إلا أن يزيد في الصلاة مثلها فتبطل لتفاحش السهو، ووجه الثاني أن السجود لجبران الصلاة فكان قبل السلام، وهكذا إذا اجتمعا لأن النقصان مغلب، لكن يصح في المذهب تقديم البعدي، وتأخير القبلي، وقد جاء عن الإمام ما يدل على أنه أدرك الناس لا يفرقون بين السجود القبلي والبعدي في السهو، ففي المجموعة عنه: «ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل، ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلا»، وهذا يرجح أحد القولين في المذهب بإجزاء كل منهما عن الآخر، قال خليل: «وصح إن قدم، أو أخر».
أما دليل السجود للزيادة بعد السلام؛ فحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين الذي فيه أن النبي ﷺ سلم من اثنتين ساهيا في الظهر، وقيل من العصر، فعاد فصلى ركعتين، وسجد بعد السلام سجدتين»، وهو متفق عليه، وفي الموطإ (د/ ١٠٠٨)، وأما أن النقصان يسجد له قبل السلام؛ فلحديث عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ قام من صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس»، متفق عليه، وقيل سجدهما بعد السلام، والراجح الأول.
ومما يسجد له بعد السلام التكلم ساهيا، إذا كان يسيرا، أما الكثير فمبطل، وأما
[ ٢ / ٤٢ ]
التشهد في سجود السهو
الكلام لإصلاح الصلاة عند الحاجة إليه فلا يبطلها، ومنه زيادة ركوع أو سجود، أو ركعة لعدم إمكان التدارك، أو للبناء على المستيقن، ما لم يزد في الصلاة مثلها، واختلف في الأكل والشرب ونحوه مما ليس من جنس أفعال الصلاة، فقيل تبطل به الصلاة مطلقا، وقيل تبطل إن كثر، وقيل تبطل إن جمع بين الأكل والشرب.
واعلم أن السجود البعدي يعاد له التشهد باتفاق أهل المذهب، ووجه ذلك أنه بعد التسليم، فكأنه صلاة مستقلة فيتشهد، لأن التسليم إنما يقع عقب التشهد، أما السجود القبلي؛ فقيل يعاد له التشهد، وهو المشهور من رواية ابن القاسم، وقيل لا يعاد، حيث روى ابن نافع عن مالك أنه لا يتشهد إلا فيما كان بعد السلام، لكنه روى عنه أيضا عكس هذا، كما في النوادر (في العمل في سجدتي السهو)، ووجه عدم التشهد للسجود القبلي أنه داخل الصلاة، والفصل بالسجود بين التشهد والتسليم غير مؤثر، فهو كالقيام من سجود التلاوة، يجوز معه الركوع دون قراءة، ووجه القول بالتشهد له أن التشهد فصل عن التسليم بالسجدتين، فألحق بالبعدي، هذا ما ظهر لي بالنظر، لكن الأمر منوط بالأثر.
وقد جاء في التشهد حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم، رواه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥) وحسنه، وصححه ابن حبان، لكن ضعفه الحافظ، لمخالفة أشعث غيره من الحفاظ الذين رووا عن ابن سيرين في زيادة ذكر التشهد، وانظر صحيح مسلم (٥٧٤).
وجاء في التشهد للسجود القبلي ما رواه أبو داود (١٠٢٨) والنسائي من حديث ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا كنت في صلاتك فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع؛ تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضا، وتسلم»، وفيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، وفي خصيف أحد رواته؛ كلام أيضا، قال الحافظ في (الفتح ٣/ ١٢٨) عما ورد فيه: «لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي وفي إسنادهما ضعف، فقد يقال عن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبي شيبة»، انتهى، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٣ ]
ولأهل العلم في سجود السهو مذاهب؛ منها: أنه كله قبل السلام، وقيل كله بعده، وقيل: إن الزيادة يسجد لها بعده، والنقصان يسجد له قبله، وهذا في النظر قوي جدا لما سبق من التعليل، لكن ثبت ما يدل على عدم اطراده، وهو ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ من قوله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى: ثلاثا، أم أربعا؟، فليطرح الشك جانبا، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم»، رواه مسلم وأبو داود (١٠٢٤ نحوه، وحيث انخرمت القاعدة المذكورة، وثبت سجود النبي ﷺ قبل السلام تارة وبعده أخرى، فلم يبق إلا أن يقال إن المقدم أن يسجد فيما سجد فيه من السهو كما سجد، والباقي على التخيير فيجوز السجود قبل السلام وبعده، والمواضع التي سجد فيها النبي ﷺ أربعة هي: سجوده قبل السلام لترك التشهد، وسجوده بعد السلام حين سلم من اثنتين ثم رجع فصلى اثنتين وسلم ثم سجد، ونظيره التسليم من ثلاث في العصر، وصلى الظهر خمسا، فسجد بعد السلام.
[ ٢ / ٤٤ ]
نسيان السجود البعدي والقبلي
• قوله:
٣ - «ومن نسي أن يسجد بعد السلام؛ فليسجد متى ما ذكره، وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام؛ سجد إن كان قريبا، وإن بعد ابتدأ صلاته، إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن، أو تكبيرتين، أو التشهدين، وشبه ذلك؛ فلا شيء عليه».
والمعية في قوله: «مع أم القرآن»، ليست على بابها، بل يريد بعدها، لا تركها معها، وقد ذكر بعض السنن التي يسجد لتركها، وهي عند أهل المذهب ثمانية هي: ترك قراءة السورة، والسر في محل الجهر، والجهر في محل السر، وترك التشهدين الأول، والثاني، والجلوس لهما، وترك تكبيرتين، أو تسميعتين، ومثل ذلك تكبيرة وتسميعة، وفي استبدال تكبيرة بتسميعة خلاف.
[ ٢ / ٤٥ ]
ما لا يجزئ عنه سجود السهو
السهو عن القراءة في الصلاة كلها وفي بعضها
• قوله:
٤ - «ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة، ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل يلغيها ويأتي بركعة، وقيل يسجد قبل السلام، ولا يأتي بركعة، ويعيد الصلاة احتياطا، وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى».
المتروك من الصلاة سهوا في المذهب أقسام ثلاثة: ما يسجد لتركه، كأن يترك قراءة السورة، أو التشهد، أو أكثر من تكبيرة وتحميدة، وقد علمت السنن التي يسجد لتركها، والثاني ما لا يكفي فيه السجود، وهو قسمان: ما لا يتدارك، كأن يترك تكبيرة الإحرام، أو النية، فهذا يستأنف صلاته، والآخر يمكن تداركه كترك الركوع والسجود والاعتدال، والطمأنينة، والسلام، فمن ترك شيئا من هذه وغيرها من الواجبات على اصطلاح المذهب؛ فإن أمكن تداركه؛ أتى به، وإلا ألغى الركعة التي كان منها النقص، وأتى بركعة بدلها، وسجد بعد السلام، وكل ما نقص من الركعة يمكن تداركه ما لم يرفع من الركعة التي تليها، إلا ترك الركوع فيفوت بالانحناء للركوع الذي بعده.
قال خليل ﵀ مبينا متى يمكن تدارك الركن المتروك: «وبترك ركن وطال - كشرط - وتداركه إن لم يسلم، ولم يعقد ركوعا، وهو رفع رأس، إلا لترك ركوع فبالانحناء»، انتهى، يعني أن ترك الركوع يفوت بالانحناء، بخلاف غيره فيفوت بالرفع من الركوع.
لكن في المذهب اختلافا فيما يجزئ فيه سجود السهو وما لا يجزئ فيه من ترك قراءة الفاتحة، للاختلاف في وجوبها في كل ركعة، أو في الجل، وقد تقدم أن وجوبها في كل ركعة هو الصواب، لأمر النبي ﷺ المخطئ في صلاته أن يعمل ما علمه في كل ركعة، ومما
[ ٢ / ٤٦ ]
علمه القراءة، وبناء عليه لا يكفي من ترك قراءتها في ركعة السجود، وهذا هو المشهور، وهو الرواية الراجحة مما روي عن مالك في ذلك، يدل عليه أنه أورد في باب ما جاء في أم القرآن من موطإه (١٨٤) أثر جابر ابن عبد الله الذي قال فيه: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن؛ فلم يصل إلا وراء الإمام».
وقال ابن عبد البر (الاستذكار ١/ ٤٤٦): «وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن، وهو يشهد بصحة ما ذهب إليه ابن القاسم، ورواه عن مالك في إلغاء الركعة، والبناء على غيرها، وألا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، وقد فسر بهذا الأثر المراد من الصلاة في قول النبي ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، فإن أقل ما يطلق عليه صلاة ركعة.
أما على القول بوجوبها في الجل؛ فإن من قرأها في ثلاثة من الرباعية، واثنتين من المغرب؛ أجزأه السجود القبلي، بخلاف من ترك القراءة في ركعة من الصبح فلا يجزئه السجود لأن الصبح لا جل لها، ومن ترك القراءة في ركعة مما له جل؛ فقد اختلف فيه، فقيل يجزئه السجود، وقيل يلغيها ويأتي بركعة بدلها، يعني إذا لم يمكن تداركها، وقيل يسجد قبل السلام مراعاة لقول من يقول بصحتها بذلك، ثم يعيد الصلاة احتياطا، وهذا هو الذي اختاره المؤلف، والصواب: الإلغاء، والأقوال الثلاثة روايات عن مالك ذكرها في الموازية كما في النوادر (في السهو عن القراءة) فقال: «ومن نسي القراءة من ركعة - يريد مما فيه أكثر من ركعتين من الصلوات - فلمالك فيه ثلاثة أقاويل؛ قال تجزئه سجدتا السهو، وقال: إنه يسجد للسهو، ثم يعيد، وقال: يأتي بركعة، وتجزئه،،،».
[ ٢ / ٤٧ ]
لا يسجد لترك تكبيرة أو تسميعة ولا لترك القنوت
• قوله:
٥ - «ومن سها عن تكبيرة، أو عن سمع الله لمن حمده مرة، أو القنوت؛ فلا سجود عليه».
هذا مخصص لما سبق من تعميم المؤلف مشروعية السجود لكل من نقص شيئا من الصلاة، وقد تقدم التنبيه عليه، فإن المذهب عدم السجود لترك القنوت، ولا لترك تكبيرة، أو تحميدة، أو لفظ آمين، بل قيل إن من سجد لواحد من هذه بطلت صلاته لأنها فضائل، أو سنن خفيفة، وهو المشهور، قال خليل بصدد ذكر مبطلات الصلاة: «وبسجوده لفضيلة أو تكبيرة»، وفي بطلان الصلاة بالسجود لما ذكر نظر، فإن مشروعية السجود للسهو عموما دليلها قائم، وقد تقدم، فلا وجه لإبطال الصلاة به بدعوى أنها زيادة في الصلاة من غير موجب، على أنه قد جاء السجود لمثل ذلك في بعض الأخبار.
[ ٢ / ٤٨ ]
حكم من سلم من صلاته ساهيا
• قوله:
٦ - «ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها، ثم يصلي ما بقي عليه، وإن تباعد ذلك، أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته، وكذلك من نسي السلام».
دليل ما ذكره حديث ذي اليدين الصحيح، فإن النبي ﷺ لما علم بترك ركعتين رجع فأتمهما، وسجد بعد السلام، فإن من سلم من صلاته ساهيا، أو ظانا أنها قد تمت، ثم تذكر؛ فإنه مطالب بإصلاحها، وفي تكبيره ليحرم مجددا خلاف، والمشهور التكبير مطلقا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وقيل من ذكر قريبا جدا لا يكبر، وغيره ممن زاد طول الوقت عنده يكبر، ويكبر ليتم حيث تذكر، كي لا يزداد الفصل، لكن لا بد من النية، فإن لم يكبر فقد قيل تصح صلاته، والقياس أنه لا يكبر، لأن القطع المذكور غير معتبر، إذ لو كان معتبرا لامتنع البناء.
والبناء مشروط بما إذا لم يطل الفاصل، لأن أجزاء الصلاة ينبغي أن يتصل بعضها ببعض، واختلف في الطول الذي لا يتأتى معه التدارك، فقيل يرجع فيه إلى العرف، وهو قول مالك، وعليه ابن القاسم.
قال في المدونة: «قال مالك في الرجل يسلم من ركعتين ساهيا، ثم يلتفت فيتكلم، قال: إن كان شيئا خفيفا؛ رجع فبنى، وسجد سجدتي السهو، قال: وإن كان متباعدا ذلك؛ أعاد الصلاة، فقلت لمالك: وما حد ذلك؟، أهو أن يخرج من المسجد؟، قال: ما أَحُد فيه حدا، فإن خرج ابتدأ، ولكن إذا تباعد ذلك ولم يخرج، وأطال في القعود والكلام، وما أشبه ذلك؛ أعاد، ولم يبن، وقد تكلم رسول الله ﷺ ساهيا، وبنى على صلاته، ودخل فيما نسي بتكبير، وسجد للسهو بعد السلام»، فاعتبر الخروج من المسجد مفوتا للبناء، أما إن لم يخرج فالمرجع العرف، وقد جمع بين القولين خليل إذ قال: «وبنى إن قرب، ولم يخرج
[ ٢ / ٤٩ ]
من المسجد؛ بإحرام».
ومن نسي السلام فإن كان بالقرب وهو جالس مستقبلا لم يتكلم؛ سلم، ولا سجود عليه، أما إن انحرف عن القبلة؛ فإنه يسلم ويسجد بعده، أما إن قام أو تكلم؛ فإنه يحرم ويعيد التشهد ويسلم ويسجد بعد السلام، وكل ما تقدم من البناء إنما هو فيمن ترك شيئا سهوا، بخلاف من سلم شاكا، فإنه لما كان مطالبا بالبناء على اليقين؛ لم يكن حكمه حكم الساهي، فتبطل صلاته، لأنه خالف ما هو مطلوب منه، وهو ما نبه عليه المؤلف فيما يأتي.
[ ٢ / ٥٠ ]
بناء الشاك في صلاته على ما استيقن منها
• قوله:
٧ - «ومن لم يدر ما صلى: أثلاث ركعات، أم أربعا؛ بنى على اليقين، وصلى ما شك فيه، وأتى برابعة، وسجد بعد سلامه».
هذا هو الشاك، وحكمه أن يبني على ما استيقن، ثم يتم صلاته ويسجد بعد السلام، ودليله حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى: ثلاثا، أم أربعا؟، فليطرح الشك جانبا، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم»، رواه مسلم وأبو داود، وقد تقدم، وقوله فليطرح أي فليلغ الشك وليبعده، والحجة منه البناء على اليقين، فإن الذمة مشغولة فلاتبرأ إلا باليقين، بخلاف السجود فإنه فيه قبل السلام، والمعروف في المذهب في هذه الصورة السجود بعد السلام للزيادة، وليس ذلك بمانع من الاستدلال به على خصوص طرح الشك، والبناء على اليقين.
[ ٢ / ٥١ ]
التكلم سهوا في الصلاة
• قوله:
٨ - «ومن تكلم ساهيا؛ سجد بعد السلام، ومن لم يدر: أسلم، أم لم يسلم،؛ سلم، ولا سجود عليه».
من تكلم متعمدا لغير إصلاح الصلاة؛ بطلت صلاته، لأن الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي، وهو في صحيح مسلم، وسنن أبي داود (٩٣٠)، فإن كان كلامه لإصلاحها ولم يكثر؛ فصلاته صحيحة، والحجة في ذلك ما في حديث ذي اليدين من تكليم الصحابة لرسول الله ﷺ، وإجابته لهم، أما من تكلم ساهيا فعليه أن يسجد بعد السلام لصدق الزيادة في الصلاة على ذلك، ولأنه ترغيم للشيطان، ومن شك هل سلم، أو لم يسلم؛ سلم لأن السلام تحليل الصلاة، ولا سجود عليه؛ إن كان بالقرب على التفصيل المتقدم، لأنه إن كان قد سلم؛ فصلاته صحيحة، والسلام الثاني وقع خارج الصلاة، فلا وجه للسجود، وإن لم يكن قد سلم؛ فقد تدارك ما فاته، ولم يقع منه ما يقتضي السجود من الكلام والقيام والتحول عن القبلة كما هو المفترض، وهذه الفقرة كان الأولى أن تذكر مع الكلام على نسيان السلام، المذكور فيما سبق.
[ ٢ / ٥٢ ]
حكم من استنكحه الشك
• قوله:
٩ - «ومن استنكحه الشك في السهو؛ فَلْيَلْهَ عنه، ولا إصلاح عليه، ولكن عليه أن يسجد بعد السلام، وهو الذي يكثر ذلك منه: يشك كثيرا أن يكون سها زاد أو نقص، ولا يوقن؛ فليسجد بعد السلام فقط، وإذا أيقن بالسهو؛ سجد بعد إصلاح صلاته، فإن كثر ذلك منه، فهو يعتريه كثيرا؛ أصلح صلاته، ولم يسجد لسهوه».
قوله فَلْيَلْهَ، لَهِيَ عن الشيء، كرضي تركه، وقد تقدم حكم الساهي عن بعض أجزاء الصلاة، وحكم الشاك الذي يحصل له ذلك بين الحين والحين، وتكلم هنا على من استنكحه الشك، وعلى من كثر سهوه، والمستنكح بفتح الكاف، من داخله الشك، وكثر حصوله منه، فهو يشك هل زاد أو نقص، فالمطلوب منه أن يلهى عن الشك، أي يضرب عنه صفحا، ولا يلتفت إلى ما يجده في نفسه من ذلك، وعليه أن يسجد بعد السلام، ويظهر أن الإعراض عنه واجب، لأن من التفت إليه؛ أوشك أن يفتنه، فلا تستقيم له صلاة، وما أدى إلى ذلك كان مطلوبا حسم مادته، ولا حسم لها كعدم العمل عليه، لأنه ذريعة إلى الباطل، وقد يؤدي به التعب وكثرة الوسواس إلى ترك الصلاة رأسا، وعليه فإذا خطر له أنه ما صلى إلا ثلاثا في الظهر، قال ما صليت إلا أربعا، وصلاتي صحيحة، وقيل يعمل بأول خاطريه لأنه فيه سليم، وما بعده هو فيه شبيه بغير العقلاء، والحق أن المستنكح لا ينضبط له خاطر حتى يطالب بالعمل عليه، ومع ذلك قالوا إنه إن بنى على الأقل وأصلح صلاته وسجد صحت لأنه أتى بالأصل.
ودليل ما تقدم من عدم الالتفات إلى الشك ظاهر حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه، حتى لا يدري كم صلى؟، فإذا
[ ٢ / ٥٣ ]
وجد ذلك أحدكم؛ فليسجد سجدتين وهو جالس»، رواه الشيخان، (خ/ ١٢٣٢) وأصحاب السنن، (د/ ١٠٣٠) وأحمد، وفي رواية لأبي داود (١٠٣٢) وابن ماجة قبل أن يسلم ثم يسلم، وقوله لبس عليه هو بتخفيف الباء وتثقل فتدل على التكثير، معناه خلط عليه، قال تعالى: «وللبسنا عليهم ما يلبسون»، وقد علل أهل المذهب سجوده بعد السلام بأن الغالب على مثله الزيادة، قال الغماري: «وفي الباب أحاديث في بعضها تعيين البعدية»، انتهى.
ولعله يقصد حديث عبد الله بن جعفر عند أبي داود (١٠٣٣) مرفوعا: «من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم»، قال البيهقي لا بأس بإسناده، لكن فيه مصعب بن أبي شيبة لين الحديث كما في التقريب، وظاهر قوله «فليسجد سجدتين»؛ انه ليس عليه أكثر من ذلك، لكن هذا الحديث معارض بحديث أبي سعيد الخدري عند مسلم، إذ فيه الأمر بطرح الشك، كما تقدم، فيكون المطلوب بناء المطلق على المقيد، غير أن الحالة المتحدث عنها هنا حالة استنكاح فلا يكون حديث أبي سعيد الخدري متناولا لها، فيحمل عليها حديث أبي هريرة هذا، وهو جمع بينهما، وقد أشار الحافظ إلى طريق آخر للجمع، بحمل حديث أبي هريرة على ما إذا طرأ الشك بعد السلام، والله أعلم.
وذكر المؤلف بعد ذلك حكم من أيقن بالسهو، وهو لا يعدو أن يكثر ذلك منه أو لا، فإن لم يكثر ذلك منه؛ أصلح صلاته بأن يأتي بما سها عنه، ويسجد بعد السلام، وإن كثر السهو منه أصلح صلاته ولا سجود عليه للمشقة.
[ ٢ / ٥٤ ]
من قام من اثنتين رجع ما لم يفارق الأرض
• قوله:
١٠ - «ومن قام من اثنتين؛ رجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإذا فارقها تمادى، ولم يرجع وسجد قبل السلام».
التشهد في مشهور المذهب من السنن المؤكدة المركبة التي تبطل الصلاة بتركها عمدا، أو سهوا مع عدم السجود قبل السلام وطول الوقت، فمن سها عنه؛ فإن فارق الأرض بيديه وركبتيه فلا يرجع، وليسجد قبل السلام، وإن لم يفارق الأرض بما ذكر؛ رجع وتشهد وأتم صلاته، ولا سجود عليه لخفة الأمر، لقوله ﷺ في حديث المغيرة الآتي: «ولا سهو عليه»، وهذا ليس نفيا للسهو نفسه، لكونه قد حصل، وإنما المراد أن ذلك لا يعتبر سهوا يتطلب السجود، فالمراد إذن نفي المسبب، فيخص به وبمثله من يسير الأفعال تلك الكلية التي في قوله ﷺ: «لكل سهو سجدتان،،،»، وقد تقدم، وقد جاء في هذه المسألة حديثان من قوله ﷺ، ومن فعله، فالأول رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة (د/ ١٠٣٤) عن عبد الله بن بحينة أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه؛ كبر وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم»، والثاني حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شك أحدكم فقام في الركعتين، فاستتم قائما؛ فليمض، ولا يعود، وليسجد سجدتين، فإن لم يستتم قائما؛ فليجلس ولا سهو عليه»، رواه أبو داود (١٠٣٦) وابن ماجة والدارقطني، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف، قال أبو داود: «وليس في كتابي عن جابر إلا هذا الحديث»، وصححه الألباني، ولعل ذلك لشواهده، وهو كما ترى فيه تقييد عدم عوده بما إذا استتم قائما لا مجرد المفارقة باليدين والركبتين كما هو المذهب، وفيه دليل على أن المصلي لا يرجع من الواجب لما كان دونه، أو من الأوكد لما كان دونه في الآكدية، إذا فات التدارك.
[ ٢ / ٥٥ ]
من ذكر صلاة صلاها متى ذكرها
هل يقضى ما ترك من الصلاة عمدا؟
• قوله:
١١ - «ومن ذكر صلاة صلاها متى ما ذكرها، على نحو ما فاتته، ثم أعاد ما كان في وقته مما صلى بعدها».
ذكر هنا ثلاث مسائل:
أولاها: أن من نسي صلاة صلاها حين يذكرها، ولا يجوز تأخيرها عن ذلك، وعليه فوقتها مضيق، لكن من حيث الإثم، وقيل غير مضيق، والأول هو منطوق قول النبي ﷺ: «من نسي صلاة؛ فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»، متفق عليه من حديث أنس، وفي رواية لمسلم: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها؛ فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: «وأقم الصلاة لذكري»، وهو في الموطإ (٢٤) عن سعيد بن المسيب مرسلا، وذكر النبي ﷺ الآية مقرونة بأمره زيادة على التعليل الذي تفيده الفاء، يبين أن معناها أقم الصلاة حين تذكرها.
فإن قلت: ما معنى كون أداء الصلاة المنسية كفارة، وناسيها لا إثم عليه، كما قال النبي ﷺ: «إنه لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة»؟؛ فالجواب: أن هذا يشبه كفارة قتل الخطإ مع أن من حصل منه القتل غير آثم، وقد يكون المعنى ما في ذلك من احتمال عدم الاحتياط، والله أعلم.
وجمهور أهل العلم لا يفرقون في لزوم قضاء الصلاة بين النائم عنها وناسيها، وبين تاركها عمدا إلا في الإثم، واعتبروا النص على الناسي والنائم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو من قياس النقيض على نقيضه، ورأى القاضي أبو بكر بن العربي وابن عبد البر أن الناسي يشمل التارك عمدا، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩]، وهؤلاء متعمدون لما وصفوا بنسيانه، وهو طاعة الله تعالى، ومع ذلك سمي
[ ٢ / ٥٦ ]
صنيعهم نسيانا.
قلت: لو كان هذا صحيحا في اللغة؛ فإنه ليس مرادا من قول النبي ﷺ وهو دليل القائلين بالقضاء: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها،،، الحديث، لأن المتعمد لا يقال عنه إنه تذكر، فإنه لم يعزب عنه ما تركه حتى يوصف بما يوصف به الناسي، الذي بارحه النسيان، ولو كان ذلك صحيحا فما القول في كلام النبي ﷺ أن الله رفع عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه؟، فهل النسيان هنا يشمل العمد فيرفع الله تعالى الإثم عمن بدر منه؟، فإن قالوا نعم دخلوا في الإرجاء، وإن قالوا لا تحكموا، وذهب بعض أهل العلم وعلى رأسهم ابن حزم، وهو رواية عن مالك - وأنكرها عياض - إلى أن تارك الصلاة عمدا لا يقضي، وقد بسط ابن عبد البر الأدلة على لزوم القضاء في الاستذكار فانظره، والظاهر لزوم القضاء مع كون ذلك كبيرة من الكبائر لقول رسول الله ﷺ: «فدين الله أحق أن يقضى»، رواه البخاري (١٨٥٥) والنسائي (٥/ ١١٧) من جملة حديث عن ابن عباس ﵄، قال ابن ناجي: «اعلم أن تارك الصلاة لا يخلو إما يتركها سهوا، أو عمدا، فإن تركها سهوا فالقضاء بلا خلاف، وإن تركها عمدا؛ فكذلك على معروف المذهب.
وثانية المسائل: أن الصلاة المتروكة نسيانا أو عمدا تصلى على نحو ما فاتت، من سفرية أو حضرية، ومن سرية أو جهرية، بيد أن الصحة والمرض لا يعتبران إلا وقت الفعل لا وقت الفوات، وهذا لأن الأصل في فعل المشروع أن يفعل على النحو الذي فات عليه، وفي الموطإ عن سعيد بن المسيب مرسلا ٢٤)، وعن زيد بن سلم (٢٥) كذلك وهذا لفظه في قصة تعريسه ﷺ ونومه مع أصحابه قال: «فإذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها،،،»، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الصبح: «ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم».
وثالثة المسائل: أن الصلاة المتروكة إما أن تكون يسيرة أو كثيرة، وسيأتي المراد بهما، فإن كانت يسيرة؛ فإما أن يذكرها قبل إحرامه بالتي بعدها، أو بعد إحرامه، وفي هذه إما أن يكون فذا أو إماما أو مأموما، وتفاصيل ذلك مذكورة في الشروح، وقد ذكر المؤلف هنا
[ ٢ / ٥٧ ]
ما إذا صلى صلاة حاضرة، ثم ذكر صلاة نسيها وهي من يسير الفوائت: خمس أو أربع، فإنه يصليها ثم يعيد الصلاة التي كان قد صلاها قبلها إذا لم يخرج وقتها الضروري، وذلك ليحصل له الترتيب بين الفائتة اليسيرة، وبين الصلاة الحاضرة، وتقييد الإعادة بالوقت الضروري؛ يفيد أن الأولى لا تبطل، وإلا لقالوا بالإعادة أبدا، مثاله أن ينسى المغرب، حتى إذا صلى الصبح من الغد ذكرها، فإنه يستحب له بعد أن يصلي المغرب أن يعيد صلاة الصبح إذا لم تطلع الشمس، أما لو صلّى العشاء ثم تذكّر أن عليه المغرب فإنه لا يعيد العشاء لخروج وقتها بطلوع الفجر، أما إذا ذكر المغرب بعد طلوع الشمس، فإنه لا يعيد شيئا أصلا.
وقد روى مالك في الموطإ (٤٠٦) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فإذا سلم الإمام؛ فليصل الصلاة التي نسي، ثم ليصل بعدها الأخرى»، ورواه الدارقطني وصححه مرفوعا إلى النبي ﷺ، كما صححه أبو زرعة، ذكر ذلك في مسالك الدلالة، فالله أعلم.
وذاكر الصلاة الفائتة المأموم إنما تمادى لحق الإمام وهي إحدى المسائل التي ينقلب النفل فيها واجبا بالشروع، وقد جمعها الحطاب فيما نظمه بقوله:
قف واستمع مسائلا قد حكموا … بأنها بالابتداء تلزم
صلاتنا وصومنا وحجنا … وعمرة لنا كذا اعتكافنا
طوافنا مع ائتمام المقتدي … فيلزم القضا بقطع عامد
وفي المدونة (في إمام ذكر صلاة نسيها في الصلاة) قال مالك: «من نسي صلاة فذكرها، فليصلها، ثم ليعد كل صلاة هو في وقتها».
[ ٢ / ٥٨ ]
الفرض المتروك يقضى في كل وقت
• قوله:
١٢ - «ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند غروبها، وكيفما تيسر له».
لا مفهوم لقوله كثيرة، بل إن الصلاة المتروكة تفعل في كل وقت كما تقدم في حديث أنس، فإنه دال على أن وقتها وقت ذكرها، وإنما خص الكثيرة بالذكر لكونها لا يجب ترتيبها مع الحاضرة لعسر ذلك، ولأنه لو روعي الترتيب فقد يؤدي إلى أن لا تصلى صلاة في وقتها، ولعله إنما نص على طلوع الشمس وغروبها ليرد على الحنفية القائلين بأنه لا يصلى حين طلوع الشمس إلا صبح اليوم، كما لا يصلى عند غروب الشمس إلا عصر اليوم، ذاهبين إلى تخصيص حديث النهي عن الصلاة في ذينك الوقتين بالحديث الذي فيه أن الصبح والعصر تدركان بركعة قبل الطلوع وقبل الغروب، وحمل الجمهور النهي على النافلة، وأبقوا حديث الأمر بقضاء المنسية على عمومه، وقوله «كيفما تيسر له»؛ إشارة إلى أنه يقضي بحسب ما يستطيع من غير تحديد، بحيث لا يترك شغله الضروري لمعاشه، ومعاش من تلزمه نفقته، ولا يفرط في القضاء.
قال في المدونة (فيمن نسي صلاة ثم ذكرها في وقت صلاة): «ومن نسي صلوات كثيرة، أو ترك صلوات كثيرة؛ فليصل على قدر طاقته، وليذهب إلى حوائجه، فإذا فرغ من حوائجه؛ صلى أيضا ما بقي عليه، حتى يأتي على جميع ما نسي أو ترك، ويقيم لكل صلاة،،،».
وفيها أيضا: قال مالك فيمن نسي الصبح أو نام عنها حتى بدا حاجب الشمس؛ قال يصليها ساعته تلك إذا ذكرها، وإن نسي العصر حتى غاب بعض الشمس، أو نام عنها، ثم ذكرها؛ فليصلها مكانه، ولا يؤخرها إلى أن تغيب الشمس، وكذلك من نسي غيرها من الصلوات هو بمنزلتها».
[ ٢ / ٥٩ ]
ترتيب يسير الفوائت مع الحاضرة ولو خرج وقتها
كثير الفوائت مع الحاضرة
• قوله:
١٣ - «وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة؛ بدأ بهن، وإن فات وقت ما هو في وقته، وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته».
في تحديد يسير الفوائت قولان: أحدهما أنها خمسة، والآخر: أنها أربعة.
ودليل اعتبار يسير الفوائت ما كان أقل من خمس صلوات؛ حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الترمذي (١٧٩) عنه قال: «إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء»، وهو منقطع، لأن في إسناده أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهو لم يسمع من أبيه، لكن قال الترمذي ليس بإسناده بأس، وحسنه الألباني، ولعل ذلك لحديث أبي سعيد عند النسائي بمعناه، وإسناده صحيح كما قال المباركفوري في تحفة الأحوذي، ومع ذلك؛ فالاستدلال بحديث ابن مسعود وما في معناه على وجوب ترتيب يسير الفوائت مع الحاضرة لا يتم إلا بأمرين: أولهما: أن يعلم أن وقت العشاء حين صليت هذه الصلوات كان يُخشى خروجه، ولا يكفي في ذلك قول ابن مسعود إن المشركين شغلوا النبي ﷺ عن أربع صلوات، لأنه إذا فات أول وقت صلاة العشاء الذي اعتاد النبي ﷺ أن يصليها فيه؛ ساغ ذلك القول، والثاني: أن يضم إلى ذلك قول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ويمكن أن يستدل للبدء بالمنسي الفائت من الصلوات بحديث من نام عن صلاة أو نسيها، وقد تقدم، لكن الاستدلال به معارض بأحاديث الأمر بأداء الصلاة في وقتها، فيظهر والله أعلم رجحان تقديم الصلاة الحاضرة التي خيف خروج وقتها على المنسية اليسيرة التي خرج وقتها لأن وقت الفائتة وإن كان مضيقا مثل الحاضرة كما هو المفروض؛ إلا أن الحاضرة وقتها أصلي، ووقت الفائتة بدلي، والأصلي مقدم على البدلي، لاشتماله على الحكمة الأصلية
[ ٢ / ٦٠ ]
التي لتوقيت العبادة، وهذا مرجح قوي، والله أعلم.
وقد نص في المدونة على تقديم يسير الفوائت وإن خاف خروج وقت الحاضرة إذ قال: «قال مالك في الرجل ينسى الصبح والظهر فلا يذكرهما إلا في آخر وقت الظهر؛ قال يبدأ بالصبح، وإن خرج وقت الظهر».
[ ٢ / ٦١ ]
من ذكر يسير الفوائت في صلاة بطلت عليه
• قوله:
١٤ - «ومن ذكر صلاة في صلاة؛ فسدت هذه عليه».
هذه إحدى الصور المشار إليها في الفقرة الثانية عشرة، وهي ما إذا ذكر منسية من يسير الفوائت بعد إحرامه بصلاة حاضرة؛ فإنه مطالب بقطعها، والبدء بالفائتة ليحصل الترتيب المطلوب، وقد اختلف في القطع هل هو واجب أو مستحب، والمشهور أنه واجب غير شرط في صحة التي هو فيها، وقيل بالشرطية في خصوص الترتيب بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، لمشاركة إحداهما الأخرى في الوقت، وقد تقدم الكلام على هذا الاشتراك.
قال مالك في المدونة: «الأمر عندنا في كل من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو في صلاة غيرها؛ وهو مع إمام أو وحده، قال فإن الصلاة التي ذكرها فيها تفسد عليه، ولا تجزئه حتى يصليها بعد الصلاة التي نسي،،،»، وقد اختلف في المأموم هل يقطع كما يقطع الإمام والفذ؟، والمشهور أن المأموم لا يقطع لحق الإمام كما تقدم، وفي وجوب إعادة المأموم المتمادي لحق الإمام خلاف، والذي يظهر من كل هذا أنه لا يجب عليه الإعادة، كما لا يجب القطع على من دخل الصلاة ناسيا للفائتة لأنه دخلها بوجه مشروع مجمع عليه فيستصحب الإجماع في محل النزاع، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٢ ]
بطلان صلاة الضاحك والنافخ عمدا
• قوله:
١٥ - «ومن ضحك في الصلاة؛ أعادها ولم يعد الوضوء، وإن كان مع إمام تمادى وأعاد، ولا شيء عليه في التبسم، والنفخ في الصلاة كالكلام، والعامد لذلك مفسد لصلاته».
الضحك خارج الصلاة لغير داع مستقبح، والإكثار منه منهي عنه، فأما داخل الصلاة فهو مناف لها، كيف والكلام بما فيه مصلحة خارجة عن الصلاة مبطل لها، مع اختلافهم فيما كان لمصلحة الصلاة، فإذا كان الضحك قهقهة عمدا بطلت الصلاة إجماعا، فإن كان جهلا، فعلى المشهور لاستواء الجهل والعمد في العبادات عندهم، وهكذا إن كان سهوا أو غلبة، وقال الحنفية إنه مبطل لها وللوضوء، ولذلك نص المؤلف على عدم إعادة الضاحك في الصلاة الوضوء.
وقد ناظر بعض الشافعية حنفيا فقال له: «ما تقول في رجل قذف مُحصنة في الصلاة، قال بطلت صلاته، قال: فما بال الطهارة؟ قال: بحالها، قال: فما تقول فيمن ضحك في الصلاة؟ قال: بطلت صلاته وطهارته، فقال له: فقذف المحصنة أيسر من الضحك في الصلاة!» انتهى. قلت: في القصة نكارة.
أما التبسم فلا يبطلها، لأنه مجرد حركة في الشفتين، فأما النفخ - وهو إخراج النفس من الفم - فإن كان عمدا أو جهلا فالمشهور أنه كالكلام مبطل للصلاة، وهذا وجه تشيبه المؤلف له به، وإن كان نسيانا وسهوا فعلى الفاعل السجود بعد السلام، قالوا لأن النفخ فيه حرفان هما الهمزة والفاء، وإنما قال المؤلف «والعامد لذلك مفسد لصلاته»، لأن النفخ المشبه بالكلام قد يكون من غير عمد، ودليل ذلك قول ابن عباس ﵄: «النفخ في الصلاة كلام».
فإن قيل: يمكن أن يكون هذا اجتهادا منه، فالجواب: أنهم قالوا إن مثل هذا لا يقال
[ ٢ / ٦٣ ]
من قبل الرأي، وفيه نظر، وفي بطلان الصلاة بالنفخ روايتان:
إحداهما في المختصر: قال مالك: «وإذا تنحنح لرجل يسمعه، أو نفخ في موضع سجوده؛ فذلك كالكلام».
والثانية رواية علي بن زياد عنه في المجموعة قال: «أكره النفخ في الصلاة، ولا أراه يقطع الصلاة كما يقطعها الكلام».
ولعل هذا هو الصواب قياسا على قول مالك الآتي في التنحنح بأنه ليس فيه حروف، والظاهر أن النافخ المتعمد من غير حاجة يأثم، لمخالفته قول النبي ﷺ: «إن في الصلاة لشغلا»، وقد ترك من أجل الصلاة بعض ما هو قربة في غيرها فكيف بالنفخ عبثا؟، وقد ثبت أن النبي ﷺ نفخ في سجوده في صلاة الكسوف، فقال: أف، أف، ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟،،، الحديث، رواه أبو داود (١١٩٤) عن عبد الله بن عمرو، لكن هذا لا يصح الاحتجاج به على النفخ عمدا من غير حاجة، أما البطلان بالتنحنح على ظاهر الرواية الأولى؛ فمعارض برواية ابن القاسم عن مالك: «إذا تنحنح ليسمع إنسانا، أو أشار إليه، فلا شيء عليه، لأن التنحنح ليس بكلام، وليس له حروف هجائية»، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٤ ]
حكم من أخطأ القبلة أو صلى بثوب نجس
من توضأ بماء غير طهور أعاد أبدا
• قوله:
١٦ - «ومن أخطأ القبلة؛ أعاد في الوقت، وكذلك من صلى بثوب نجس، أو على مكان نجس، وكذلك من توضأ بماء نجس مختلف في نجاسته، وأما من توضأ بماء قد تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه أعاد صلاته أبدا ووضوءه».
من اجتهد في تحديد القبلة وصلى، ثم تبين له أنه صلى لغير جهتها؛ فقد فعل ما عليه، فصلاته صحيحة، فإن المرء إنما يكلف مستطاعه، بيد أنه إن لم يخرج وقت الصلاة؛ استحب له الإعادة، ومثله من صلى بثوب نجس، أو في مكان نجس غير عالم، ذلك أن استقبال القبلة، وستر العورة، وطهارة الخبث، وطهارة الحدث شروط في صحة الصلاة، لكن مع الذكر والقدرة في غير الأخير، وهذا هو وجه ما ذكره من إعادة من توضأ بما لا يصدق عليه أنه ماء مطلق لأن وضوءه كالعدم، والله تعالى لا يقبل صلاة من غير طهور، لكن ينبغي أن يقيد المغير بما إذا كان مما لا يفارقه غالبا، وكذا بما إذا تغيرت أوصافه مع بقاء اسم الماء له وهي رواية عن الإمام، وقد تقدم ذكرها مع دليلها، أما ما ذكره من أنه يعيد في الوقت من توضأ بماء مختلف فيه؛ فمبني على نجاسة الماء إذا خالطه قليل النجاسة ولو لم يتغير، فهذا يعيد في الوقت مراعاة للخلاف، والذي يظهر عدم نجاسته لما تقدم في باب طهارة الماء.
[ ٢ / ٦٥ ]
الجمع بين الصلاتين تقديما وتأخيرا في خمسة مواضع
• قوله:
١٧ - «ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين وظلمة: يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد، ثم يؤخر قليلا في قول مالك، ثم يقيم في داخل المسجد، ويصليها، ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد، ويقيم، ثم يصليها، ثم ينصرفون وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق».
ذكر المؤلف هنا رخصة الجمع بين الصلاتين، أعني بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، في خمسة مواضع، جمع تقديم وتأخير، وجمع تقديم فقط، وتأخير فقط، والمواضع هي الجمع للمطر، والجمع بعرفة، والجمع بالمزدلفة، والجمع في السفر، والجمع للمرض، أما الجمع من غير عذر فلا يسوغ وتعاد معه الصلاة أبدا، قال ابن القاسم في المجموعة: «ومن جمع بين العشاءين في الحضر من غير مرض؛ أعاد الثانية أبدا، قال ابن أبي زيد: «يريد إن صلاها قبل مغيب الشفق»، ولا يصح أن يؤخذ بمفهومه فيقال بأن ابن القاسم لا يرى الجمع للمطر، فإن قوله الصريح بالجمع للمطر في المدونة وغيرها، فيكون مراده الجمع من غير عذر، وقد حمله الأبي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ٣٠) على أن ابن القاسم لا يرى الجمع للمطر، حيث قال: «ومنعه ابن القاسم، وقال من جمع أعاد الثانية أبدا»، وهذا قد يكون وهما، وصاحب النوادر لم يورد كلام ابن القاسم في الباب الذي فيه الكلام على الجمع للمطر.
وقد روى مالك في الموطإ (٣٢٧) ومن طريقه مسلم (٧٠٥) وأبو داود (١٢١٠) عن ابن عباس قال: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف ولا سفر»، وفي رواية فقيل لابن عباس: «ما أراد إلى ذلك»؟، قال: «أراد أن لا يحرج أمته» وقد جاء هذا المعنى مرفوعا، وسيذكر في الجزء الأخير إن شاء الله.
وقد قال مالك فيه إنه يرى أنه كان في مطر، وقد يلزم من تأويل مالك ﵀ للحديث
[ ٢ / ٦٦ ]
الجمع بين المغرب والعشاء للمطر الواقع والمتوقع وللطين مع الظلمة
أن يكون الجمع للمطر غير مقتصر على المغرب والعشاء عنده كما هو المذهب، وسأعود للكلام على الحديث في الجمع للمرض.
والجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم يشرع للمطر الواقع والمتوقع، ويكون للطين مع الظلمة، لا للطين وحدها على المشهور، والرخصة في اللغة السهولة، وفي الشرع «إباحة الممنوع مع قيام السبب المانع»، والممنوع هنا؛ هو تقديم الصلاة على وقتها، أو تأخيرها عنه، والمراد بقيام السبب المانع؛ هو وجوده، وهو هنا إمكان أداء الصلاة في وقتها لولا وجود المشقة بسبب المطر، وقال بعضهم إن هذا الجمع خلاف الأولى، والصواب: أن الجمع أولى أحيانا، لا سيما مع نسيان الناس هذه الرخصة حتى غدت غريبة.
وفي سنن الأثرم عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال: «إن من السنة إذا كان يوم مطير؛ أن يجمع بين المغرب والعشاء»، وقول التابعي من السنة؛ وإن اختلف فيه؛ الراجح أنه موقوف، فيكون مما شاع في عصر الصحابة، وحسبك بهم، وروى مالك في الموطإ (٣٢٨) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم»، وكون الجمع للمطر سنة؛ هو رواية ابن عبد الحكم، ومثله ما في المدونة عن ابن القاسم: الجمع ليلة المطر سنة ماضية، ذكر هذا ابن ناجي في شرحه، وظنه مخالفا لقول المؤلف بأن هذا الجمع رخصة، ولا مخالفة، فإن المراد بالسنة أنه مشروع، لا ما اصطلح عليه الناس بإطلاق السنة على ما ليس بواجب، والنقل عن ابن القاسم ذكره ابن ناجي، وهو ليس في المدونة في (جمع الصلاتين ليلة المطر)، أما استشكال وصف هذا الجمع بأنه سنة ورخصة؛ فلا يظهر، فإن المراد بكونه سنة؛ أنه مشروع، وذلك لا ينافي كونه رخصة، كالمسح على الخفين، فليس المراد بالسنة ما يقابل الواجب كما هو مصطلح المتأخرين.
وقد استشكل القرافي الجمع للمطر ذاكرا أن رعاية الأوقات واجبة، وفائدة الجمع تحصيل فضيلة الجماعة، وهي مندوب إليها، فكيف يترك الواجب لأجل تحصيل المندوب؟، ولا يلزم شيء من هذا حيث ثبت الجمع في هذه الشريعة السمحة التي هي يسر كلها ورفع للحرج، ولا يصح أن تضرب لها الأمثال.
ثم ذكر المؤلف صفة الجمع بين المغرب والعشاء، والغرض من التأخير الذي ذكره
[ ٢ / ٦٧ ]
بعد أذان المغرب؛ الاقتراب من دخول وقت العشاء المختار، وليحضر الناس بحيث يدخلون على الجمع بين الصلاتين من أول الأمر، وللاختلاف في اشتراط نية الجمع عند الأولى، وهذا قول مالك كما أشار إليه المؤلف، فقيل ليس له في ذلك إلا التأخير، وجرى عليه الشيخ علي الصعيدي، وقيل له قولان كما في النوادر، وقيل لا يستأني بصلاة المغرب، وهو لابن عبد الحكم وابن وهب وأشهب، وإنما يؤذن للعشاء داخل المسجد لأن الغرض من الأذان لها ليس الإخبار بدخول وقتها لغير من يجمع، فلو أذن لها على المنار؛ لكان في ذلك تلبيس على الناس، ومع هذا فإن الأصل اشتراع الأذان للصلاة، فكان في الأذان داخل المسجد جمع بينهما، لكن لو ساغ القياس؛ لكان الأولى ترك الأذان الثاني، فإن النبي ﷺ لم يؤذن له في الجمع بعرفة، ولا فيه بالمزدلفة إلا مرة واحدة، والجمع للمطر لا يختلف عنه، بل إن تكرير الأذان هناك لا يترتب عليه مفسدة، لأن الصلاتين معا كان قد دخل وقتهما، بخلاف الجمع في المطر، ولذلك صحّ عن بعض الصحابة الأذان لهما بخلاف الجمع في المطر.
[ ٢ / ٦٨ ]
جمع الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة
الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير بالمزدلفة
• قوله:
١٨ - «والجمع بعرفة عند بين الظهر والعصر عند الزوال سنة واجبة بأذان وإقامة لكل صلاة، وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة إذا وصل إليها».
النوع الثاني من الجمع: الجمع بين الظهر والعصر مع القصر جمع تقديم بعرفة، وهو في المذهب سنة مؤكدة، وصفة الجمع أن يخطب الإمام خطبتين كالجمعة، ثم يؤذن لصلاة الظهر، ثم يقيم فيصلون الظهر، ثم يؤذن للعصر، ثم يقيم فيصلون العصر، وهذا هو المشهور، وقال ابن الماجشون يؤذن مرة واحدة ويقام لكل صلاة، وهذا هو الموافق لما نقل عن النبي ﷺ في حجة الوداع كما في حديث جابر عند مسلم (١٢١٨) أن النبي ﷺ نزل بنمرة، حتى إذا زاغت الشمس؛ أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس،،، ثم أذن فأقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر،،، الحديث.
والثالث: الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير بالمزدلفة ليلة عيد الأضحى، وصفة الجمع في المذهب كما تقدم في الجمع بعرفة بأذانين وإقامتين، غير أنه لا خطبة هنا، لكن روى مسلم من جابر أن النبي ﷺ صلى بالمزدلفة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين»، فيظهر والله أعلم أن هذا الحديث لم يبلغ من قال بأذانين هنا وفي عرفة، فجرى على الأصل الذي ينبغي أن يتمسك به حتى يرد الناقل عنه، وقد عرفته فتمسك به، أو اعتمدوا على فعل بعض الصحابة.
[ ٢ / ٦٩ ]
جمع المسافر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء
• قوله:
١٩ - «وإذا جد السير بالمسافر؛ فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، وكذلك المغرب والعشاء، وإذا ارتحل في أول وقت الصلاة الأولى؛ جمع حينئذ».
والجمع الرابع: جمع المسافر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم وجمع تأخير، ومشهور المذهب أن المسافر لا يجمع إلا أن يجد به السير.
قال في المدونة: قال مالك: «لا يجمع الرجل بين الصلاتين في السفر؛ إلا أن يجد به السير، فإذا جد به السير؛ جمع بين الظهر والعصر، ويؤخر الظهر حتى يكون في آخر وقتها، ثم يصليها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ويؤخر المغرب حتى تكون في آخر وقتها، قبل مغيب الشفق، ثم يصليها في وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصلي العشاء بعد مغيب الشفق»، وهذا كما ترى جمع صوري تأخيرا.
وفي رواية لعلي بن زياد عن مالك ما يدل على أنه يفرق بين من جمع بين الصلاتين في أول وقت الأولى فيعيد الثانية في الوقت، وبين من صلاها بعد مضي شيء من الوقت فلا يعيدها.
ولابن القاسم عن مالك: «ومن جمع ففي وسط ذلك بين الصلاتين»، (النوادر في جمع المسافر بين الصلاتين)، ومؤدى رواية ابن زياد أن الصلاة صحيحة، وإلا كانت الإعادة لازمة أبدا، أما رواية ابن القاسم فأوسع من ذلك.
وقد فسر أشهب جد السير بقوله، وهو في النوادر: «جد السير بمبادرة ما يخاف فواته، أو يسرع إلى ما يهمه»، وقد ذهب أشهب وابن حبيب وابن الماجشون وأصبغ إلى جواز الجمع بدون جد السير، وقول أشهب ومن معه هنا أعدل الأقوال في المسألة، فقد بين أن ما يسوغ الجمع متفاوت في القوة، وله في ذلك كلمة جامعة فانظرها في النوادر.
وحجة قيد جد السير في المذهب ما رواه مالك في الموطإ (٣٢٦) عن نافع أن عبد الله
[ ٢ / ٧٠ ]
اشتراط جد السير في القصر على المذهب
ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير يجمع بين المغرب والعشاء»، وهو ثابت من فعل ابن عمر أيضا كما رواه الترمذي (٥٥٥)، قال الباجي في (المنتقى ١/ ٢٥٣) مبينا وجه اشتراط جد السير في الجمع: «جميع ما روي عن النبي ﷺ في الجمع إنما هو إخبار عن فعله وليس فيه شيء من قوله، والفعل لا يحتمل العموم، وإنما يقع على وجه واحد، فيحتمل أن يكون ذلك لشدة السير، ويحتمل غيره».
قلت: هو كذلك؛ لو كان الذي بلغنا من أخبار جمعه ﷺ بين الصلاتين مطلقا، فيقال بذلك الاحتمال، أما وقد جاء ما يدل على أنه جمع في غير جد السير؛ فلا وجه لهذا، والأحاديث جاءت بذكر الجمع في السفر مطلقا، وبتقييد الجمع بجد السير، وبذكر مقابله، وهو كونه ﷺ حين الجمع كان نازلا، ومن الأحاديث التي جمعت بين إطلاق الجمع، وبين تقييده بعدم جد السير؛ حديث معاذ بن جبل الذي رواه مالك في الموطإ (٣٢٥) أنهم خرجوا مع رسول ﷺ عام تبوك، فكان رسول ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا،،، الحديث، وقد رواه مسلم وأبو داود (١٢٠٦)، وهذا نص في جمع المسافر النازل، لكن النص محتمل لجمع التقديم والتأخير، واحتماله للتأخير في الفقرة الأولى أرجح، بقرينة قوله: «فأخر الصلاة يوما»، وقد يكون تأخيرا عما اعتاده من وقت الصلاة، وفقرته الأخيرة محتملة، وحملها على معنى التي قبلها أولى، باعتبار أن قوله فأخر الصلاة يوما شامل لتأخير الظهر والمغرب، والله أعلم
قال ابن عبد البر في (الاستذكار ٢/ ٢٠٥): «ليس في حديث ابن عمر ما يدل على أن المسافر لا يجوز له الجمع بين الصلاتين إلا أن يجد به السير، بدليل حديث معاذ بن جبل، لأن فيه أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في سفره إلى تبوك نازلا غير سائر، وليس في أحد الحديثين ما يعارض الآخر، وإنما التعارض لو كان في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان لا يجمع بين الصلاتين إلا أن يجد به السير،،، وإنما هما حديثان حكى الراوي لكل منهما الجمع للمسافر بين الصلاتين جد به السير، أو لم يجد، ولو تعارض الحديثان لكان الحكم لحديث معاذ لأنه أثبت ما نفاه ابن عمر، وليس للنافي شهادة مع المثبت».
[ ٢ / ٧١ ]
الجمع الصوري عسير يتنافى مع التخفيف المقصود
أما ما ذكره المؤلف ﵀ هنا من الجمع فهو نوعان:
جمع تقديم حقيقي: وذلك فيما إذا أراد المسافر النزول عند الظهر، أو كان نازلا، أو عند المغرب، فيجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، وبين المغرب والعشاء كذلك.
والثاني جمع تأخير صوري: يؤخر الظهر إلى آخر وقتها فيصليها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، وكذلك المغرب والعشاء.
واعلم أنه قد جاء الدليل الذي لا احتمال معه في جمع المسافر جمع تقديم وتأخير حقيقيين، وهو حديث معاذ بن جبل من رواية أحمد وأبي داود (١٢٠٨)، والترمذي (٥٥٣) وغيرهما أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب»، ورواية أبي داود أصرح في التأخير الحقيقي، إذ فيها: «حتى ينزل للعصر»، و«حتى ينزل للعشاء»، وهذا التفصيل الذي في حديث معاذ لا يعارض بما في الصحيحين عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل في سفره قبل أن تزيغ الشمس؛ أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل؛ صلى الظهر ثم ركب»، لأنه إما حكاية لحالة من حالات جمعه ﷺ بين الصلاتين، وإما أنه اختصار من بعض الرواة، وهو ما قاله الحافظ في بلوغ المرام: «وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح: «صلى الظهر والعصر، ثم ركب».
واعلم أن الجمع الصوري يسوغ في غير السفر إذا أمكن تحقيقه، إذ غاية ما فيه أن الصلاة الأولى تؤدى في آخر وقتها، وتؤدى الثانية في أول وقتها، وقد تقدم ما في حديث تعليم جبريل ﵇ النبي ﷺ أوقات الصلاة حيث قال له: «ما بين هذين وقت»، وإذا كان المقصود من مشروعية الجمع الرفق والتيسير فإن الجمع الصوري عسره باد، والحرج فيه أظهر من أن يخفى على أحد، حتى في زمن ضبط الوقت بالساعة، فكيف إذا ضم إليه قيد جد السير كما هو ظاهر كلام المؤلف؟.
[ ٢ / ٧٢ ]
جمع المريض بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء
• قوله:
٢٠ - «وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال، وعند الغروب، وإن كان الجمع أرفق به لبطن ونحوه؛ جمع وسط وقت الظهر، وعند غيبوبة الشفق».
دليل مشروعية الجمع للمريض ما رواه مالك (٣٢٧) ومن طريقه مسلم (٧٠٥) وأبو داود (١٢١٠) عن ابن عباس قال: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف ولا سفر»، وفي رواية فقيل لابن عباس: «ما أراد إلى ذلك»؟، قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، وقد قال مالك: «أرى ذلك كان في مطر»، وهذا الحمل ترده الرواية الأخرى عن ابن عباس إذ جاء فيها: «من غير خوف ولا مطر»، وهي في صحيح مسلم، ووجه الدليل منه أنه إذا كان الجمع من غير عذر محدد - غير مجرد رفع الحرج - مشروعا أحيانا؛ فكيف بالمرض وهو عذر؟، وقد حمل هذا الحديث على محامل شتى، فقيل كان الجمع للمطر، وقيل للمرض، وقيل هو جمع صوري، وأقواها الأخير لما يدعمه من تفسير الرواة له، وقد أطال البحث في ذلك الإمام الشوكاني، ومال إلى كون الجمع صوريا، لكن تعليل ابن عباس للجمع بقوله أراد أن لا يحرج أمته يأباه، كيف وهو راويه، مع ما في الجمع الصوري من العسر الذي تأدية كل صلاة في وقتها أيسر منه بكثير.
ومن الأدلة على الجمع للمرض ما في حديث حمنة بنت جحش حيث قال لها النبي ﷺ: «،،، وإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، وتغتسلين مع الفجر فافعلي»، رواه أبو داود (٢٨٧) والترمذي (١٢٨)، وقال حسن صحيح، وحسنه البخاري، ومعلوم أن المريض أحوج إلى هذا من المستحاضة، وجمع المريض عند الزوال وعند الغروب هو جمع تقديم حقيقي، وبالقياس يجوز له أن
[ ٢ / ٧٣ ]
يجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير، وكذلك بين المغرب والعشاء، وهذا ما يدل عليه قول المؤلف وعند غيبوبة الشفق، لكن اختلف في مراده بجمعه وسط وقت الظهر، فقيل المراد بالوسط نصف القامة، فيكون جمع تقديم حقيقيا، وقيل آخر القامة، فيكون جمعا صوريا، وقد عرفت عسر هذا الجمع، وأنه أبعد عن الرفق المقصود من الجمع، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٤ ]
المغمى عليه لا يقضي الصلاة التي خرج وقتها في حال إغمائه
الحائض تقضي الصلوات التي طهرت في وقتها
• قوله:
٢١ - «والمغمى عليه لا يقضي ما خرج وقته في إغمائه، ويقضي ما أفاق في وقته ما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات، وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات؛ صلت الظهر والعصر، وإن كان الباقي من الليل أربع ركعات؛ صلت المغرب والعشاء، وإن كان من النهار أو من الليل أقل من ذلك؛ صلت الصلاة الأخيرة، وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته، وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة، أو لثلاث ركعات من الليل إلى ركعة؛ قضت الصلاة الأولى فقط، واختلف في حيضها لأربع ركعات من الليل، فقيل مثل ذلك، وقيل إنها حاضت في وقتهما؛ فلا تقضيهما».
العقل مناط التكريم والتكليف، والمغمى عليه فاقد للعقل، فهو ممن رفع عنهم القلم، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي (١٤٢٣) من طريق الحسن عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل»، قال الترمذي: كان الحسن في زمان علي، وقد أدركه، ولكنا لا نعرف له سماعا منه، ثم رواه من غير طريق الحسن، وهو عند أبي داود عن علي، وعائشة، ولا معنى لرفع القلم عن هؤلاء إلا أنهم غير ملزمين بخطاب التكليف في تلك الحال، لكن دل الدليل على أنه يكتب للصبي أجر ما يعمل من الصالحات، فيكون المراد بالقلم الذي رفع عنه قلم المؤاخذة فحسب.
وفي الموطإ (٢٣) عن نافع أن عبد الله بن عمر أغمي عليه، فذهب عقله، فلم يقض
[ ٢ / ٧٥ ]
الصلاة»، وقد وجهه مالك بقوله: «وذلك فيما نرى والله أعلم، أن الوقت قد ذهب، فأما من أفاق في الوقت فإنه يصلي»، وعليه فإذا أفاق ووقت الصلاة لم يخرج بعد؛ توجه إليه الخطاب.
فإن قيل: فالنائم لم قيل يقضي؟، قيل: جاء النص فيه وبقي غيره على الأصل، فكل صلاة خرج وقتها قبل إفاقة المغمى عليه؛ فلا يطالب بقضائها.
وقد أخبر النبي ﷺ أن الصلاة تدرك بركعة، فمن أفاق قبل طلوع الشمس بمقدار ما يتوضأ ويصلي ركعة؛ شغلت ذمته بهذه الصلاة، ومن أفاق قبل الغروب بمقدار ما يتوضأ ويصلي خمس ركعات؛ فقد لزمنه صلاتا الظهر والعصر، فإن كان الزمن يسع ركعة؛ لزمته العصر وحدها، وإدراكه أربع ركعات قبل طلوع الفجر ملزم له بصلاتي المغرب والعشاء، فإن كان الباقي إنما يسع ركعة لزمته العشاء وحدها، ويقال مثل ذلك إذا كان يقصر الصلاة، والمقدار المذكور كما تترتب الصلاة في الذمة به، تسقط به الصلاة أيضا، كمن أغمي عليه قبل الغروب بمقدار خمس ركعات، أو قبل الفجر بمقدار أربع ركعات، فإنه لا تترتب الصلاتان في ذمته إذا أفاق، وقس على هذا ما لم أذكر، هذا ما قرره أهل المذهب، لكن القول بسقوط الصلاة عنه، لا يعني أنه يبرأ من الإثم إذا كان التأخير لغير ضرورة إلى ذلك الوقت، ومثل هذا يقال فيمن تحيض وتطهر لزوما وسقوطا، حضرا وسفرا، لأن الحيض مانع من أداء الصلاة وقضائها، وقد فصله المؤلف وهو واضح، وتقدم شيء من الكلام عليه، فلا حاجة إلى الإطالة، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٦ ]
الشك في الحدث ناقض للوضوء
• قوله:
٢٢ - «ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث؛ ابتدأ الوضوء».
ذكر المؤلف هنا وفيما يليه مسائل ذكرها في باب الطهارة أولى.
فأقول: إنه اتفق المسلمون على أن الصلاة لا تصح بدون طهارة مستيقنة، فإذا شك هل توضأ أولا؟ فهو غير متطهر، لكنهم اختلفوا فيما إذا استيقن الطهارة، وشك في الحدث، فمذهب مالك المشهور وهو رواية ابن القاسم عنه أن الشك في الحدث ناقض للطهارة مطلقا، وفي رواية ابن نافع عنه لا ينقض مطلقا، وهو قول الجمهور، وفرق بعض أصحابه بين الشك داخل الصلاة فلا ينقض، وبين خارجها فينقض رعاية لما دل عليه الحديث الآتي، والذي يظهر أن التمسك بالأصل هو الحق، والأصل هنا الطهارة المستيقنة، واليقين لا يزول بالشك، وقد رجح القرافي مذهب مالك، وهو ترجيح قوي من حيث النظر، لكنه خالفه الأثر، قال: «ما ذهب إليه مالك راجح، لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل» انتهى.
ودليل عدم انتقاض الطهارة بالشك؛ حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني أنه شكي إلى رسول الله ﷺ: الرجلُ الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة»؟، فقال: «لا ينفتل - أو لا ينصرف - حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، وهو في الصحيحين، وسنن أبي داود (١٧٦)، وهو في مسلم نحوه من حديث أبي هريرة، وقوله: يخيل إليه؛ من الخيال، أي يظن، وهو الظن اللغوي، الواقع في مقابل اليقين، وقوله: يجد الشيء؛ يعني يظن أنه خرج منه شيء، وينفتل هو ينصرف، أي يقطع الصلاة، والحديث حجة في عدم انتقاض الوضوء بالشك، وبعض أهل المذهب يعملون بالحديث في خصوص الصورة الوارد فيها، أما خارج الصلاة فالشك ناقض، ويعللون بأن الانصراف عن الصلاة إبطال لها، وقد نهينا عن ذلك.
[ ٢ / ٧٧ ]
قال الحافظ في (الفتح ١/ ٣١٣): «والنهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك، لأن هذا التخيل إن كان ناقضا خارج الصلاة؛ فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض»، وقد سبق ذكر شيء من هذا وكرر هنا.
[ ٢ / ٧٨ ]
حكم من نسي من وضوئه ما هو فريضة
• قوله:
٢٣ - «ومن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه، فإن كان بالقرب؛ أعاد ذلك وما يليه، وإن تطاول ذلك؛ أعاده فقط، وإن تعمد ذلك ابتدأ الوضوء إن طال ذلك، وإن كان قد صلى في جميع ذلك؛ أعاد صلاته أبدا ووضوءه».
من نسي شيئا من أعضاء وضوئه، فلا يخلو أن يكون مما غسلُه فريضة، أولا، فإن كان الأول؛ فلا يصدق عليه أنه توضأ، فإذا ذكر ذلك؛ تعين عليه الإتيان بالمنسي، وإعادة الصلاة التي صلاها بذلك الوضوء الناقص.
والمذهب أن من نسي عضوا من وضوئه فذكره قبل أن تجف أعضاؤه في زمن وحال معتدلين؛ غسل العضو المنسي وما بعده رعاية للترتيب المسنون بين الفرائض، ولتمكنه قبل جفاف الأعضاء أن يتدارك الموالاة وهي واجبة مع الذكر والقدرة، فإن جفت الأعضاء؛ غسل العضو وحده، لما في إعادة غسله مع ما بعده من المشقة، ولأنه لو أعاد ما بعده؛ لما حصل له الترتيب المسنون، ولا الموالاة الواجبة، لأنه لا يعتبر وضوءا واحدا بسبب الجفاف، ولأن الموالاة واجبة بشرط الذكر والقدرة، أما من تعمد ذلك الترك؛ فإن طال ابتدأ وضوءه من جديد، وإن كان بالقرب غسل العضو المتروك وما بعده، وفي الوطإ (٦٩) سئل مالك عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى جف وضوؤه؟، قال: «أرى أن يمسح رأسه، وإن كان قد صلى ان يعيد الصلاة».
فإن قيل: فما القول فيما رواه أبو داود (١٧٣) والنسائي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلا في قدميه مثل الظفر لم يصبه الماء، فقال له: «ارجع فأحسن وضوءك»، وهو في صحيح مسلم عن عمر، (باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة)، وروى أبو داود (١٧٥) عن بعض أصحاب النبي ﷺ نحوه، وفيه: «فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة»، فالجواب: أن ظاهر الحديث يدل على وجوب الموالاة في الوضوء، لأنه أمره
[ ٢ / ٧٩ ]
بالإعادة، ولم يقتصر على أمره بغسل المتروك، ورجح الكحلاني أن المراد من الوضوء اللغوي أي أن يغسل ما تركه، وسماه إعادة باعتبار ظن المتوضئ، قال: «وفي الحديث دليل على أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد»، والذي يظهر لي أن يحمل لفظ الوضوء على الشرعي، ولا يتناول الحديث العاجز والناسي كما قال ابن تيمية في (المجموع ٢١/ ١٣٦) عن هذا الحديث، بعد أن نصر مذهب مالك في وجوب الموالاة مع الذكر والقدرة: «فهذه قضية عين، والمأمور بالإعادة مفرط، لأنه كان قادرا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإنما بإهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضؤون وأعقابهم تلوح فناداهم بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار،،،».
[ ٢ / ٨٠ ]
حكم من نسي من وضوئه ما هو غير فريضة
• قوله:
٢٤ - «وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين؛ فإن كان قريبا؛ فعل ذلك ولم يعد ما بعده، وإن تطاول؛ فعل ذلك لما يستقبل، ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك».
من نسي ما ليس بواجب؛ فإنه يفعله وحده لما يستقبل، ولا يعيد الصلاة، فإن تعمد ترك ما هو سنة من الوضوء؛ فإنه يفعلها، ويعيد الصلاة استحبابا، وقد فرقوا بين من تعمد ترك سنة من الصلاة، ومن تعمد تركها من الوضوء بانحطاط رتبة الوسيلة عن المقصد، ولأنه جرى في بطلان تارك السنة من الصلاة خلاف، هكذا قالوا، لكن ينبغي القول أيضا بأن هذا التنظير قد يستقيم عند الاتفاق على كون هذا سنة في الوضوء، وهذا سنة في الصلاة.
[ ٢ / ٨١ ]
النجاسة المجاورة لا تضر من كان مصلاه طاهرا
• قوله:
٢٥ - «ومن صلى على موضع طاهر من حصير، وبموضع آخر منه نجاسة؛ فلا شيء عليه، والمريض إذا كان على فراش نجس؛ فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا، ويصلى عليه».
المطلوب من المصلي أن يكون كل من بدنه وثوبه ومصلاه طاهرا، وإن تيسر له أن يكون محيطه طاهرا فهذا خير، لكنه إنما يشترط طهارة ما تماسه أعضاؤه في مصلاه، أو ما كان محمولا له كطرف عمامته وإن لم تماسه، لكونها تتحرك بحركته، بخلاف الحصير ونحوه مما يعتبر كالأرض إذا كان في بعض أجزائه نجاسة لم تماسها أعضاؤه؛ فإن ذلك لا يضره، وإنما نص على الحصير لأنه يمكن أن يقال إن تنجسه ولو لم يباشره المصلي يؤثر خللا في صلاته، أما ما ذكره من صحة صلاة المريض إذا بسط الثوب الطاهر على الفراش النجس؛ فإنه لا يختص به، ولكنه لما كان أحوج إلى مثل ذلك نص عليه.
[ ٢ / ٨٢ ]
صلاة المريض إذا لم يقدر على القيام
• قوله:
٢٦ - «وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام؛ صلى جالسا إن قدر على التربع، وإلا فبقدر طاقته، وإن لم يقدر على السجود؛ فليومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء، وإن لم يقدر إلا على ظهره؛ فعل ذلك، ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق».
الصلاة إما نافلة أو مكتوبة، فإن كانت نافلة: فإن القيام فيها ليس بلازم، بيد أن أجر المصلي الجالس على النصف من أجر القائم، كما قال النبي ﷺ في ما رواه البخاري والترمذي (٣٧١) عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدا، فقال: «إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا؛ فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما؛ فله نصف أجر القاعد»، وكون صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم هو في الموطإ (٣٠٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا الحديث إن حمل على أن المتنفل مخير بين هذه المراتب الثلاثة بما فيها الاضطجاع؛ فقد استشكله معظم أهل العلم.
أما المكتوبة؛ فلا بد فيها من القيام، إلا إذا عجز المكلف عنه، فإنه يأتي بما يستطيع، والمشهور أنه لا ينتقل إلى الجلوس إلا إذا لم يمكنه القيام مستندا، فيجلس بغير استناد، ثم يجلس مستندا، ويكون في جلوسه متربعا إن أمكنه، وإلا بحسب استطاعته، ويركع ويسجد من جلوس، ويغير جلوسه بين السجدتين، وإلا يمكنه الركوع والسجود التامان أومأ للسجود أخفض من الركوع، فإن لم يمكنه ذلك صلى مضطجعا على جنبه الأيمن، وجهه إلى القبلة، وإلا صلى مستلقيا على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، ويومئ بما يستطيع، والقول بالترتيب بين الاستناد وعدمه متجه، لأن الأصل قيام المصلي استقلالا، فإن عجز عنه فعل
[ ٢ / ٨٣ ]
لا تسقط الصلاة عمن يعقل
مستطاعه منه، وهو الاستناد، وهكذا في الجلوس، وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١١١٧)، وهذا لفظه، والترمذي (٣٧٢) عن عمران بن حصين قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، والبواسير جمع باسور؛ هو ورم في باطن المقعدة، وشرط عدم القدرة على القيام لجواز الانتقال إلى القعود إنما هو في المكتوبة لا النفل، فيجوز ذلك فيه ابتداء، والمشروع لمن صلى جالسا أن يتربع، ويغير جلسته بين السجدتين على الأصل، وقد كان ابن عمر يتربع، إذ روى البخاري (٨٢٧) عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄ يتربع في الصلاة إذا جلس،،،» الحديث، وإن عجز المريض الذي يصلي جالسا عن السجود أومأ له أخفض من الركوع.
ولا يسوغ للمصلي أن يؤخر الصلاة عن وقتها لعجزه عن الإتيان بها على كمالها كعجزه عن القيام أو عن الركوع أو غيره من هيئاتها، فإن الأوامر تؤدى بحسب الاستطاعة ولا تسقط إلا بالعجز التام عنها، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقول النبي ﷺ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحِجر: ٩٩]، واليقين هنا الموت، قال ابن كثير ﵀: «ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله،،،، ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد، وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة وإنما المراد باليقين هنا الموت كما قدمناه»، وقال تعالى عن نبيه عيسى ﵊: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
[ ٢ / ٨٤ ]
تيمم المريض على الحائط
• قوله:
٢٧ - «وإن لم يقدر على مس الماء لضرر به، أو لأنه لا يجد من يناوله إياه؛ تيمم، فإن لم يجد من يناوله ترابا؛ تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا، أو عليه طين، فإن كان عليه جص أو جير؛ فلا يتيمم به».
دليل ما ذكره قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، والمريض الذي فقد من يناوله الماء؛ هو في حكم فاقد الماء، أو فاقد القدرة على استعماله، ومن تراجم البخاري «التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوات الصلاة، وبه قال عطاء، وقال الحسن في المريض عنده الماء، ولا يجد من يناوله: يتيمم»، وهكذا إذا لم يجد من يناوله التراب، فإنه يتيمم على الحائط إذا كان لم تدخله الصنعة، بحيث يصدق عليه أنه من جملة الصعيد الذي يشرع التيمم عليه، لكن قيد عدم وجود من يناوله التراب؛ إنما هو من باب الأفضلية لا غير، لجواز التيمم على غير التراب من الصعيد كما مر، لأن الحائط الذي بهذه الصفة؛ يجوز التيمم عليه للقادر على غيره على الصحيح، أما الجدر التي داخلتها الصنعة فلا يصح التيمم بها، لأنها ليست من الصعيد، ولا دلالة على جواز التيمم عليها في حديث ابن عباس قال: «أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحرث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أتى على جدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد السلام»، رواه الشيخان (خ ٣٣٧) وأبو دود (٣٢٩)، فالظاهر حمل الجدر على ما كانت عليه يومئذ، من كونها مبنية باللبن الذي لا يخرج عن الصعيد بالصنعة، لكن قد يقال لم ترك النبي ﷺ التيمم على التراب والأرض يومئذ لم تكن مغطاة؟، وقد يجاب بأن هذه واقعة حال، ولا
[ ٢ / ٨٥ ]
ندري ما حال الأرض التي كان فيها، مما قد يكون مانعا له من التيمم عليها، على أنه قد جاء في بعض الروايات أنه حت الحائط، فإذا صحت فذاك، وإلا فلا تصح هنا قاعدة ترك الاستفصال كما هو قول بعض، لأن تلك القاعدة تكون في الأقوال، وهذه واقعة فعل، أما أن التيمم رخصة للتسهيل؛ فينبغي ترك الحديث على ظاهره ليشمل كل ما يصدق عليه أنه جدار؛ فهو معارض بكون التيمم إنما شرع على الصعيد حتى اختلف الناس هل هو خاص بالتراب أو يشمل غيره مما هو على وجه الأرض من الحجارة والرمل، والتمسك بمسمى الجدار في اللغة يجعل التيمم سائغا على كل الجدر، لا فرق بين جدر الخشب والزجاج والحديد والنحاس والبلاستيك، فهل قال بهذا بعض من تقدم؟، الله أعلم.
[ ٢ / ٨٦ ]
نزول الراكب عن دابته وصلاته من قيام إذا لم يمكنه السجود
• قوله:
٢٨ - «والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض، لا يجد أين يصلي، فلينزل عن دابته، ويصلي فيه قائما يومئ بالسجود أخفض من الركوع، فإن لم يقدر أن ينزل فيه؛ صلى على دابته إلى القبلة».
هذا لا يخرج عما في هذه الشريعة من التخفيف والتيسير، وأن ما تعسر من المطلوبات لا يسقط المتيسر منها، فمن كان راكبا في سفر، وخاف خروج الوقت، وخشي تلطخ ثيابه في الخضخاض وهو الطين الجاري، فإن أمكنه النزول نزل وصلى قائما يركع، ويومئ للسجود أخفض من الركوع بيديه كما تقدم، وينوي الجلوس بين السجدتين قائما، وكذلك جلوس التشهد، فإن لم يمكنه النزول أصلا كأن خاف الغرق، أو اللصوص والسباع؛ صلى على دابته موقفة إن أمكن ويتجه إلى القبلة، يومئ بالركوع، وإنما خص المؤلف السفر لأنه الغالب على مثل هذا، فالحضر مثله إن وقع ذلك فيه.
وقد روى الترمذي (٤١١)، - وقال غريب - عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه عن جده؛ أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة، فمطروا: السماء من فوقهم، والبلة أسفل منهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام - أو أقام - فتقدم على راحلته فصلى بهم، يومئ إيماء: يجعل السجود أخفض من الركوع»، والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فهو موافق لقواعد الشريعة من أن التقوى بحسب الاستطاعة.
[ ٢ / ٨٧ ]
صلاة المسافر النافلة على الدابة
• قوله:
٢٩ - وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به، إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة، وليوتر على دابته إن شاء، ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض، إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا إيماء لمرضه؛ فليصل على الدابة بعد أن توقف له، ويستقبل بها القبلة».
من أحكام السفر - لكونه مظنة التخفيف - جواز صلاة النافلة فيه على الدابة، وعدم لزوم توجه مصلي النافلة على الدابة إلى القبلة، بل يجوز له أن يصلي إلى الجهة التي تتجه إليها دابته، بشرط أن يكون سفرا تقصر فيه الصلاة، وقد تقدم بيان ذلك من حيث المسافة ومدة الإقامة، ومما يجوز له صلاته على دابته الوتر، وإنما نص عليه المؤلف لكونه أوكد النوافل، وقد نص على صلاته على الدابة، فاستدل بمشروعية صلاته فوق الدابة على عدم وجوبه، لأن الفريضة لا تصلى على الدابة اختيارا، ودليل التنفل على الدابة حديث عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ وهو على راحلته يسبح: يومئ برأسه قبل أي وجهة توجه، يوتر عليها، ولم يكن يصنع ذلك في المكتوبة»، رواه البخاري ومسلم، وتقييد ذلك بسفر القصر مأخوذ من كونه مظنة الترخيص، ولأن صلاة النبي ﷺ النافلة على الدابة إنما جاءت في أسفاره، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرا قصيرا فصنع ذلك، ذكر نحوا من هذا الحافظ في الفتح، في باب ينزل للمكتوبة.
وروى مالك في الموطإ (٣٥١) عن عبد الله بن عمر قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وهو على حمار، وهو متجه إلى خيبر»، وروى أيضا عنه: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به»، وحمل بعض أهل العلم على هذا قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
[ ٢ / ٨٨ ]
الرعاف في الصلاة
• قوله:
٣٠ - «ومن رعف مع الإمام؛ خرج فغسل الدم، ثم بنى ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة، ولا يبن على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها».
اعلم أن هذا الباب مبني على ثلاثة أمور:
أولها: نجاسة الدم، وهو ما عليه الجمهور، مع التفريق بين قليله وكثيره، لكن ما ستراه يدل على شيء من الاضطراب في تطريد كونه نجسا.
والثاني: صحة الصلاة مع الفعل اليسير كما دل عليه حديث ذي اليدين، بضميمة.
الثالث: وهو ما ورد عن السلف من البناء في حال الرعاف منهم ابن عمر وجاء مرفوعا عن ابن عباس عند الدار قطني ولم يصح.
من ذلك ما رواه مالك في الموطإ (٧٦) عن نافع عن ابن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم»، ومثله عن سعيد ابن المسيب.
وقال ابن العربي في القبس: «ليس في المذهب أشكل منها، وليست من المسائل التي يعوّل عليها».
وفي الموطإ (٧٧) أيضا أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيغسل الدم عنه، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى»، وهذا صريح في أنه ليس الوضوء الشرعي، وقد حمل الوضوء في أثر ابن عمر وسعيد على غسل الدم، لا على الوضوء المعتاد، لكن ابن عمر معدود فيمن يرى إيجاب الوضوء من الرعاف إذا كان الدم ظاهرا سائلا كما أشار إليه ابن عبد البر معتمدا على جمع ابن عمر بين المذي والرعاف والقيء في سياق واحد، قال رواه عبد الرزاق في مصنفه عنه، ولم أقف عليه.
وروى ابن أبي شيبة عنه قوله: «من رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ، فإن لم يتكلم بنى على صلاته، وإن تكلم استأنف الصلاة» (الاستذكار: ١/ ٢٢٨ و٢٢٩).
[ ٢ / ٨٩ ]
والذي يظهر أن ما يذكره بعض أهل العلم دليلا على نجاسة الدم لا ينتج المطلوب، وبناء عليه يكون انصراف الراعف لا لنجاسة الدم، بل لما في ذلك من تلطيخ ثيابه، أو تلويث المسجد، والفرق واضح بين الأمرين، والله أعلم.
والرعاف سيلان الدم من الأنف، يقال رعف يرعف بفتح العين فيهما، وضمها في المضارع أيضا، والراعف في المذهب لا يخلو من حالين، أن يسيل دمه ويقطر بحيث لا يمكن فتله، وتجفيفه بأنامله، أو يكون قليلا، فالأول إن كان إماما أو مأموما استحب له أن يخرج لغسل الدم ثم يعود لصلاته فيبني على ما صلى، إذا توفرت الشروط الآتي ذكرها، ولا يبني إلا على ركعة تامة بسجدتيها، وهذا هو المشهور، وقيل يبني على ما دون ذلك أيضا، وقد اختلف في بناء الفذ، فقيل يبني، وقيل لا يبني، وسبب الخلاف هل البناء رعاية للعبادة بحيث لا تبطل متى أمكن ذلك، فيكون البناء مشروعا في حق الجميع، أم هو رعاية لصلاة الجماعة وحق الإمام فلا يشرع للمنفرد؟، وعند ابن القاسم القطع أولى لما في البناء من تفريق أجزاء الصلاة وحقها الاتصال.
ولصحة بناء الراعف شروط ستة أشار المصنف إلى اثنين منها هما عدم الكلام إلا لإصلاح الصلاة في حال ذهابه وإيابه، وأن لا يطأ نجاسة، والثالث أن لا يتجاوز أقرب مكان يمكنه فيه غسل الدم، شرط أن يكون المكان قريبا في نفسه بالعرف، وأن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء، وأن لا يتلطخ بالدم زيادة على القدر المعفى عنه، وهذه الشروط المرجع فيها الاجتهاد مع ما فيها من النقل عن السلف، وقاعدة الضرورة تقدّر بقدرها.
[ ٢ / ٩٠ ]
الراعف الذي يمكنه فتل الدم يستمر على صلاته
شروط البناء في الرعاف
لا ينصرف الراعف إذا كان الدم خفيفا
• قوله:
٣١ - «ولا ينصرف لدم خفيف، وليفتله بأصابعه، إلا أن يسيل أو يقطر».
هذا هو الراعف الذي لا يحتاج إلى الغسل، وهو الذي يسيل منه دم قليل فيفتله بأنامل يده اليسرى ويستمر في صلاته، أما الخلاف في عدد الأنامل التي يعتبر الدم معها قليلا أو كثيرا فهي من الآراء، وهو الذي أشرت إليه قبل من الاضطراب، وقوله «إلا أن يسيل أو يقطر» يحتمل أنه يريد بيان الحد الذي لا يصح معه الفتل كما تقدم، ويحتمل أنه يقصد أن من فتل إذا بلغ الأمر إلى السيلان والقطر فإنه ينصرف كما سبق.
[ ٢ / ٩١ ]
لا بناء مع القيء والحدث
• قوله:
٣٢ - «ولا يبني في قيء ولا حدث».
لما كان سيلان الدم ليس ناقضا للوضوء، وجاء في الآثار ما يدل على بناء من رعف؛ أخذ به أهل المذهب، ولم يقيسوا عليه القيء ولا الحدث، فإن كان القيء قليلا طاهرا استمر المصلي في صلاته، وإن كان كثيرا ولو طاهرا، أو كان نجسا ولو قليلا قطع صلاته.
أما الحدث فمبطل للوضوء، فتبطل الصلاة به لافتقاد الشرط، فلا يصح معه البناء، وقد احتجوا بقول النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»، وليس الاستدلال به ناهضا كما أشار إليه ابن عبد البر، لكنه قال: «قد أجمع العلماء على أن الراعف إذا تكلم لم يبن، فقضى إجماعهم بذلك على أن المحدث أحرى أن لا يبني، لأن الحدث إن لم يكن كالكلام في مباينته للصلاة كان أشد منه الكلامُ، وهذا أوضح لمن أراد الله هداه»، انتهى، قلت الكلام الذي نقل الاتفاق على عدم البناء معه؛ هو ما كان لغير إصلاح الصلاة، وما تعمده المتكلم، والحدث الذي قيل بالبناء معه هو غير المتعمد، بل المنسي أو الغالب، فافترق الأمران.
ومثل الحدث في عدم صحة البناء في المذهب من رأى في ثوبه أو جسده أو سقطت عليه نجاسة، فإن المشهور في كل ذلك البطلان، وقال أشهب يبني وهو الصواب إن شاء الله، والدليل على ما قاله في خصوص النجاسة؛ خلع النبي ﷺ نعله حين أعلمه جبريل ﵇ بأن فيها قذرا وقد تقدم، ومما قاله ابن العربي في العارضة تعليقا على حديث البراء الذي رواه الترمذي في تغيير القبلة قال: «وفيه دليل على أن من علم بفساد صلاته؛ صح ما مضى منها، كمن يصلي بثوب نجس».
أما البناء مع تذكر الحدث؛ فقد استدل له بما رواه أبو داود (٢٣٣) عن أبي بكرة «أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانَكم، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى
[ ٢ / ٩٢ ]
تصحيح مالك حديث البناء في الحدث وبيان وجه عدم عمله به
بهم»، وهو في الموطإ (١٠٨) عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جلده أثر الماء»، لكنه معارض بما في الصحيحين عن أبي هريرة: «حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف،،،»، فهذا صريح في عدم دخوله الصلاة، فيحتمل أنهما واقعتان، وهو الظاهر، ويحتمل أن قول أبي بكرة «دخل في صلاة الفجر»، مجاز عن مقاربة الدخول.
وقال ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٢٨١): «من ذكر أنه كبر؛ فقد زاد زيادة حافظ يجب قبولها، وفي حديث مالك وغيره أنه كبر،،،»، ومن روى أو اعتقد أنه لم يكبر؛ فقد أراح نفسه من الكلام في هذا الباب، ثم ذكر أنه لو افترض أنه بنى فهو منسوخ بالسنة والإجماع، وذكر أن السنة قول النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة من غير طهور،،، إلى آخر كلامه.
والذي يظهر أن الإمام مالكا صح عنده الحديث في بناء المحدث، لكنه محمول عنده على الخصوصية، واحتج له بأن الأمراء والأئمة بعد النبي ﷺ لم يفعلوه، قال علي ابن زياد عنه كما في النوادر (باب الإمام تفسد صلاته، أو يذكر جنابة): «لا ينبغي للإمام إذا ذكر جنابة وخرج؛ أن ينتظروه ليتم بهم، والذي فعل النبي ﷺ من ذلك هو له خاص، وذلك أنه لم يفعله أحد من الأئمة بعده،،،»، والخصوصية التي قيل بها لا تتعلق بعدم صحة البناء من غير النبي ﷺ، بل هي خصوصية تتعلق بوجوب انتظار الإمام إذا تذكر الحدث، فهذه ليست لغيره ﷺ، ولعل ذلك لكونه أمرهم بانتظاره وأمره مطاع، لكن ذلك لا يدل على امتناع انتظار المأمومين غيره من الأئمة، وعدم أخذ الأئمة به لا يمنع من كونه حقا في نفسه، إذ حصل البلاغ بثبوته، وكلامنا ليس إلا في صحة البناء مع الحدث، وليس المقصود لزوم انتظار الإمام الذي يحصل له مثل هذا، فقد يمكن ذلك، وقد لا يمكن، لطول الانتطار ونحوه، فالحاصل أن خصوصية وجوب الانتظار قوية في الحديث، لكون أمر النبي ﷺ واجب الطاعة، وقد أشار إليهم بالانتظار؛ أما ادعاء الخصوصية في البناء مع الحدث؛ فلا يستقيم القول بها، على أن بعض العلماء منهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى اعتبر مالكا من
[ ٢ / ٩٣ ]
جملة القائلين بالبناء في سبق الحدث، نعم إنه يختلف عن نسيان الحدث، ولا اعتراض بما روى أبو داود (١٠٠٥) والترمذي وحسنه عن علي بن طلق قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فسا أحدكم في الصلاة؛ فلينصرف، فليتوضأ، وليعد صلاته»، فإن الحديث سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح، وهو ما ليس شديد الضعف، لكن ضعفه الألباني، والفساء خروج الريح من الدبر من غير صوت، والضراط خروجه بصوت، والله أعلم.
[ ٢ / ٩٤ ]
ما يفعل من رعف بعد سلام إمامه
• قوله:
٣٣ - «ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف، ومن رعف قبل سلامه انصرف، وغسل الدم، ثم رجع فجلس وسلم».
من رعف بعد سلام الإمام؛ فقد تمت صلاته فليسلم، أما أن يقال إنه قد فعل شيئا من واجبات الصلاة وهو حامل للنجاسة؛ فجوابهم عنه أن هذا أخف من أن يرتكب لأجله من الأفعال ما هو خارج عن جنس الصلاة وهو المشي، واستدبار القبلة ونحو ذلك، أما إن رعف قبل سلام إمامه فينطبق عليه حكم الراعف في الصلاة، وقد تقدم، وقالوا إنه يعيد تشهده إن كان أتى به ليقع سلامه بعد تشهد.
[ ٢ / ٩٥ ]
بناء الراعف في غير المسجد
• قوله:
٣٤ - «وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام، إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع».
إذا انصرف الراعف من غسل الدم، ويئس أن يدرك الإمام قبل أن يسلم، فإنه يتعين عليه أن يتم صلاته في أقرب مكان، حتى يقلل الأفعال المنافية للصلاة التي جاز ارتكابها للحاجة إليها، ولا حاجة إليها إذا خرج الإمام من الصلاة، أما إن كانت الصلاة التي رعف فيها صلاة الجمعة فإنه يتعين عليه العودة إلى المسجد لأنه شرط في صحة الجمعة، وما فاته من الصلاة هو جزء منها وحكم الجزء حكم الكل، وقد تقدم نظيره في سجود السهو.
[ ٢ / ٩٦ ]
غسل قليل الدم ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره
• قوله:
٣٥ - «ويغسل قليل الدم من الثوب، ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره».
ملابسة المرء للدم مما يشق الاحتراز منه، ففرق بين القليل من الدم، فيعفى عنه، وبين الكثير فتبطل الصلاة إن صلى به، ولفعل السلف ذلك، وفي المذهب قول يفرق بين قليل دم الحيض، فتعاد منه الصلاة في الوقت، وغيره فلا تعاد، لأن الله سبحانه سماه أذى، ذكره في النوادر (١/ ٧٨) عن ابن وهب عن مالك، وهذا قول لبعض أهل العلم الذين يعتبرون الدم النجس هو دم الحيض لما وصف به في القرآن، وللأمر بحته وقرصه ونضحه في حديث أسماء عند الشيخين.
[ ٢ / ٩٧ ]
قليل النجاسة وكثيرها غير الدم سواء
• قوله:
٣٦ - «وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء».
لعل المؤلف إنما ذكر هذا لما قد يفهم من كلامه في التفريق بين قليل الدم وكثيره، أنه يقاس غيره عليه، فبين أن ذلك التفريق خاص بالدم، أما غيره من النجاسات فقليله وكثيره سواء في تأثيره الخلل في الصلاة، والأمر كما قال ﵀، لقول النبي ﷺ: «أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله»، وعذاب القبر لا يكون على ترك غير الواجب، والاستنزاه يشمل القليل والكثير، ولأمره ﵌ بذلك إذ قال: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه».
[ ٢ / ٩٨ ]
دم البراغيث لا يجب غسله إلا إذا تفاحش
• قوله:
٣٧ - «ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش».
لقد علمت الفرق بين قليل الدم وكثيره في النجاسة، وذكر المؤلف هنا درجة أخرى من العفو، وهي أن دم البراغيث لا ينطبق عليه ما تقدم من حد القلة والكثرة، بل كثرته المعتبرة أن يتفاحش، لما في اشتراط غسله من المشقة والعسر، قالوا لأنه لا يكاد يفارق الإنسان، بخلاف درجة التفاحش فإنها نادرة الحصول فلا مشقة معها، هذا ما يعطيه كلامه، وإن احتار في توجيهه وفهمه بعض الشراح، والله أعلم.
[ ٢ / ٩٩ ]