• قوله:
١ - «وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء».
ليس في المذهب من السجود الذي هو سجدة واحدة؛ غير سجود التلاوة، وقد صح في السنة سجود الشكر، ومما جاء فيه ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي بكرة أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرّ ساجدًا، وسجد أُبيّ بن كعب لما بُشِّر بتوبته …، وإنما كرهه الإمام لعدم ثبوته عنده، ومن ذلك السجود عند الآيات كما رواه أبو داود (١١٩٧) عن عكرمة قال: قيل لابن عباس ماتت فلانة بعض أزواج النبي ﷺ، فخر ساجدا، فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟، فقال، قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم آية فاسجدوا»، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ؟.
وأكثر ما قيل من مواضع السجود في القرآن أنها خمسة عشر، والخلاف حاصل بين العلماء في السجود في المفصل، وفي السجدة الثانية من سورة الحج، والمشهور في المذهب السجود في أحد عشر موضعا من القرآن، وهي رواية المصريين عن الإمام، وهي التي بينها المصنف، ويدعونها عزائم السجود، وسمي المفصل كذلك لكثرة الفصل بين سوره، وبدايته من سورة الحجرات، وقيل من سورة ق، وقيل غير ذلك.
ودليلهم على عدم السجود في المفصل قول أبي الدرداء: «سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء»، رواه ابن ماجة، وفيه عثمان بن فائد وهو ضعيف، وقد أشار إليه أبو داود (١٣٩٨) فقال: «وروي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ
[ ٢ / ١٠٠ ]
رواية ابن وهب عن الإمام السجود في أربعة عشر موضعا
الجمع بين رواية ابن وهب والرواية الأخرى المشهورة
إحدى عشرة سجدة، وإسناده واه».
ومنها قول ابن عباس ﵄: «لم يسجد رسول الله ﷺ في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة»، رواه أبو داود (١٤٠٣)، وسكت عليه، وفيه أبو قدامة، وهو الحارث بن عبيد، وقال النووي «ضعيف الإسناد، ومع كونه ضعيفا مناف للمثبت المقدم عليه، فإن إسلام أبي هريرة سنة سبع، وقد ذكر أنه سجد مع النبي ﷺ في الانشقاق وإقرأ، وهما من المفصل، على أن الترك يحتمل أن يكون لسبب من الأسباب».
ومنها حديث زيد بن ثابت قال: «قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها»، رواه الشيخان، وأبو داود (١٤٠٤)، وقال: «كان زيد الإمام فلم يسجد فيها»، يعني لما لم يسجد زيد وهو القارئ؛ لم يسجد النبي ﷺ، لأن القارئ إمام عند بعضهم في سجود التلاوة.
وما أوردوه من الأدلة إما ضعيف كما علمت، وإما صحيح لا ينتج المطلوب، ومع ذلك فهي معارضة بما ثبت عن أبي هريرة أنه سجد خلف النبي ﷺ في الانشقاق والعلق، وإسلامه كان عام خيبر، زيادة على أنه مثبت، والمثبت مقدم على النافي.
فالذي يظهر أن الصواب: هو الرواية الثانية عن الإمام أعني رواية ابن وهب عنه أن السجود في أربع عشرة سجدة، بزيادة سجدات المفصل الثلاثة، وهو الذي رآه ابن العربي والباجي، بل ذكر ابن العربي في (العارضة ٣/ ٥١) رواية المدنيين عن الإمام السجود في خمسة عشر موضعا بما في ذلك السجدة الثانية في الحج، وقواها.
لكن يظهر أن الجمع بين الروايتين ممكن اعتمادا على قول الإمام في الموطإ (٤٨٤): «الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء»، ومعناه أن الإحدى عشرة أمرها أوكد من الثلاثة الباقية، ولهذا روي عنه أنه كان يسجد في بعضها في خاصة نفسه.
وقد نقل الباجي في المنتقى ما يشير إلى هذا الجمع عن القاضي أبي محمد أن مالكا لا يمنع السجود في المفصل، وإنما يمنع أن يكون من عزائم السجود، وإنما وصفت بذلك للعزم على الناس على السجود فيها» وأبى هذا المعنى ابن العربي في المسالك، وفي كلام
[ ٢ / ١٠١ ]
ابن عباس ﵄ كما في سنن الترمذي (٥٧٧)، ما يشير إلى هذا، إذ روى عنه قوله: «رأيت رسول الله ﷺ يسجد في ص»، ومع ذلك قال: «وليست من عزائم السجود»، وتتقوى رواية ابن وهب زيادة على ما تقدم - وهو كاف - أن مالكا روى في الموطإ (٤٨٠) سجود النبي ﷺ في الانشقاق، وهو في الصحيح، وسجود عمر في سورة النجم، لكن ليس بالضرورة أن يكون ما عد من غير العزائم هو كذلك في نفس الأمر، فإن موضع سجدة الانشقاق فيه أقوى الأدلة القرآنية على تحتم السجود لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾
[الانشقاق: ٢١].
[ ٢ / ١٠٢ ]
مواضع السجدات الإحدى عشرة
مناسبة مواضع السجدات لسياقاتها القرآنية
• قوله:
٢ - «في المص عند قوله ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وهو آخرها، فمن كان في صلاة؛ فإذا سجدها قام وقرأ من الأنفال، أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد».
وفي الرعد عند قوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وفي النحل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
وفي بني إسرائيل: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
وفي مريم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.
وفي الحج أولَها: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وفي الفرقان: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.
وفي الهدهد: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
وفي ألم تنزيل: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وفي ص: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، وقيل عند قوله: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
وفي حم تنزيل: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
اعلم أن المواضع التي ذكر المؤلف السجود فيها وغيرها مما لم يذكره؛ لها مناسبة بين الموضع وبين السجود فيه، تارة تكون امتداح الله تعالى الملائكة بسجودهم له، فالمطلوب من الناس أن يتشبهوا بهم، كما في الأعراف والنحل على أحد القولين، فإن النبي ﷺ قال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها»؟، وقال: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة»، وتارة تكون
[ ٢ / ١٠٣ ]
سجود القرآن
قيام الساجد في الصلاة ليكون ركوعه من قيام
المناسبة إخباره تعالى عن خضوع كل المخلوقات له طوعا وكرها، وسجودهم، وسجود ظلالهم له صباحا ومساء، فليكن القارئ من جملة من يسجد لله اختيارا، والسجود فيه تمام الخضوع، ولذلك كان العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، كما في سورتي الرعد والنحل، وتارة ببيان استكبار الكفار عن السجود لله، ونهيهم الناس عن أن يسجدوا له سبحانه، فيتعين على المؤمنين أن يسجدوا كي يخالفوهم ولا يطيعونهم كما في الانشقاق، ومنها إخبار من الله تعالى عن سجود أنبيائه له وسجود صالحي عباده وبكائهم إذا تليت عليهم آياته، والناس مطالبون بالاقتداء بهم كما في سورتي الإسراء ومريم، ومنها النهي عن السجود لغير الله والإخبار بأن الكفار يفعلون ذلك، بل وينهون المؤمنين عن الصلاة، فينبغي مخالفتهم بالسجود لله وحده كما في سور النمل وفصلت والعلق، وبهذا اجتمع على مشروعية السجود الإخبار بسجود العالمين، ومدح الساجدين، وذم التاركين المستكبرين، فلا يبعد مع هذا أن يقال بوجوبه لا مجرد استحبابه، والقول بوجوبه مذهب الحنفية، ويؤيد الوجوب قول النبي ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار»، رواه مسلم.
أما الاحتجاج على عدم الوجوب بأنها صلاة تفعل على الراحلة، وما يفعل على الراحلة لا يكون واجبا؛ فليس بمستقيم، أما أولا فللنزاع في اعتبارها صلاة، وأما ثانيا فلأنها لو كانت صلاة فإنها لا قيام فيها ولا ركوع ولا رفع منه فلا يصح قياسها على الوتر لينتج ذلك عدم وجوبها، نعم الاعتراض على ذلك بعدم سجود زيد بن ثابت ﵁ كما في الحديث المتقدم، وهكذا عمر بن الخطاب أثناء خطبة الجمعة، بمحضر الصحابة ينبغي أن ينظر فيه، والله أعلم.
وقول المصنف «فإذا سجدها قام وقرأ من الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد»؛ يعني أن من سجد في الصلاة للتلاوة؛ يجب عليه أن يقوم ليكون ركوعه من قيام، ويستحب له أن يقرأ قبل الركوع، فإذا سجد في نهاية الأعراف؛ قام فقرأ من الأنفال أو من غيرها وركع، ومثل ذلك ما إذا سجد في سورة النجم؛ فإنه يقوم ويقرأ من أول سورة القمر أو من غيرها، ثم يركع.
[ ٢ / ١٠٤ ]
شروط سجود التلاوة
• قوله:
٣ - «ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء».
يشترط في صحة سجدة التلاوة ما يشترط في صحة الصلاة من طهارتي الحدث، والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وقد أشار إلى ذلك العلامة خليل بقوله: «سجد بشرط الصلاة بلا إحرام قارئ ومستمع فقط إن جلس ليتعلم، ولو ترك القارئ إن صلح ليؤم، ولم يجلس ليسمع».
ووجه هذا أن السجود صلاة، وقد صرح الإمام بذلك في الموطإ كما سيأتي إن شاء الله، ومن شرط الصلاة الطهارة، لكن في اعتبار السجود صلاة نزاع، فإن الشارع قد بين أن مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، والسجود لا إحرام فيه، وفيه خلاف، ولا تسليم فيه بالاتفاق في المذهب، ولم يسم الشارع السجود صلاة، وقال النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى»، لكنه اعتبر ركعة الوتر صلاة، وصلاة الجنازة سماها كذلك، فلم يثبت للسجود ذلك الوصف، ولأن القارئ لا تجب عليه الطهارة الصغرى فيعطى السجود حكم ذلك، وهو استحباب الطهارة فقط، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٥ ]
التكبير لسجود التلاوة
• قوله:
٤ - «ويكبر لها، ولا يسلم منها، وفي التكبير في الرفع منها سعة، وإن كبر فهو أحب إلينا».
ورد عن الإمام في التكبير قولان: التكبير وعدمه، ولذلك خير ابن القاسم فيه، فهذه ثلاثة أقوال، والرابع تأكد مشروعية التكبير في الخفض على التكبير في الرفع، وهو الذي أشار إليه المؤلف، ووجه القول بالتكبير حمله على الصلاة، وهم يقولون إن السجود صلاة، ووجه الثاني يشعر بأن السجود ليس بصلاة، ولأن الأصل عدم الاشتراع، ووجه الرابع إشعار المستمع بذلك، ومراعاة لقول من يرى الإحرام، ولأنه بانتهاء السجود انتهت هذه العبادة لأن الرفع ليس من جملتها، وهذا كله في السجود خارج الصلاة، أما في الصلاة فالتكبير متفق عليه عندهم، وقد يتقوى هذا بما ورد من تكبير النبي ﷺ في كل خفض ورفع، والهوي لسجود التلاوة والرفع منه في الصلاة؛ من جملة الصلاة، ولم ينقل عن النبي ﷺ التكبير من فعله من وجه صحيح، فأما ما رواه أبو داود (١٤١٣) عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا»، قال عبد الرزاق - وهو أحد رواته -: «وكان الثوري يعجبه هذا الحديث»، قال أبو داود: «يعجبه لأنه كبر»، لكن في الحديث عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف، وأصل الحديث في الصحيحين دون ذكر التكبير، انظر البخاري مع الفتح (ح/ ١٠٧٩)، وقد روي التكبير عن ابن مسعود، والحسن، وأبي قلابة، وابن سيرين، ومسلم بن يسار، ذكرهم الألباني في (تمام المنة ص ٢٦٨) والأسانيد إلى بعضهم ضعيفة.
وإذا علمت ما في مسألة التكبير في سجود التلاوة من الخلاف، وأنه يمكن إدخاله تحت عموم التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، تبين لك أن الخير في اجتناب هذا اللغط والجدال والخصومات، وأن الإمام في صلاة التراويح يحسن به أن يقفل هذا الباب بالتكبير
[ ٢ / ١٠٦ ]
الدعاء في سجود التلاوة
اعتمادا على ما تقدم، وقد قال بهذا القول من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ﵀.
أما التسليم فلا يشرع في سجود التلاوة، وقد عده ابن تيمية في (المجموع ٢٣/ ١٧١) من البدع رغم أنه رواية عن أحمد ﵀ كما في المغني.
ومما ورد قوله في سجود القرآن؛ ما رواه أبو داود (١٤١٤) والترمذي (٥٨٠) وقال حسن صحيح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل يقول في السجدة مرارا: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته»، وروى الترمذي (٥٧٩) عن ابن عباس ﵄ دعاء آخر في قصة فانظره، وقد كرر هذا الحديث والذي تقدم في موضعين من جامعه، وروى أبو يعلى في مسنده والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري نحو ما رواه الترمذي عن ابن عباس، فمن صح عنده من ذلك شيء فليقل به، وإلا قال ما يقال في سجود الصلاة، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٧ ]
سجود التلاوة في الفريضة والنافلة
السجود في الصلاة الجهرية والسرية
الرواية عن الإمام مالك بشمروعية قراءة آية السجدة في الصلاة
• قوله:
٥ - «ويسجدها من قرأها في الفريضة والنافلة».
المشهور أنه يكره تعمد قراءة آية السجدة في صلاة الفريضة لما في ذلك من التخليط على المأمومين، لكن متى قرأها سجد، وإن كان في صلاة سرية فينبغي له أن يجهر بآية السجدة حتى يعلم المأمومون ذلك، فإن لم يجهر فقد اختلف في متابعة المأموم له خوفا من أن يكون ذلك الفعل سهوا منه، واتفقوا على أن من لم يتابعه فيها تصح صلاته، والذي يظهر أنه يتابعه لقول النبي ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
كما أن الظاهر عدم كراهة تعمد قراءتها في الصلاة، أما في الجهرية فبالنص وهو سجود النبي ﷺ في سورة الانشقاق في العشاء، وقراءته سورة السجدة في صبح يوم الجمعة، أما عن السجود في الصلاة السرية فقد روى أبو داود (٨٠٧) عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة»، لكن الحديث منقطع كما بينه المحدث الألباني في تمام المنة (ص ٢٧١)، فيمكن أن يقال إن قراءة آية السجدة في الصلاة السرية مما تركه النبي ﷺ، ولو فعله لنقل إلينا لعموم الحاجة إليه، ولحرص أصحابه على وصف صلاته، وهذا أولى من أن تلحق السرية بالجهرية، والله أعلم.
قال أبو الحسن: وروى ابن وهب لا تكره قراءتها في الفريضة ابتداء، وصوبها اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم لما ثبت أنه ﷺ كان يداوم على قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة، ابن بشير: وعلى ذلك كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم»، وقولهم بعدم الكراهة يعني أن ذلك مستحب، لأن العبادة لا تكون مباحة إلا على وجه البدل.
[ ٢ / ١٠٨ ]
السجود بعد الصبح وبعد العصر
• قوله:
٦ - «ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس».
لما كان سجود القرآن صلاة عندهم كما تقدم، وكان غير واجب؛ أعطي حكم النافلة، فلا يفعل في أوقات الكراهة، بله الحرمة، ومن الأوقات التي تكره فيها النافلة ما بعد صلاة العصر، وصلاة الصبح، وعلى هذا جاء قول مالك في الموطإ (٤٨١): «لا ينبغي لأحد أن يقرأ من سجود القرآن شيئا بعد صلاة الصبح، ولا بعد صلاة العصر، وذلك أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، والسجدة من الصلاة، فلا ينبغي لأحد أن يقرأ سجدة في تينك الساعتين» انتهى، فقد سماها كما ترى صلاة، ومنع من قراءتها للنهي الوارد عن الصلاة في هذين الوقتين، والذي سار عليه المؤلف هو ما في المدونة من جواز السجود بعد الصبح قبل الإسفار، وبعد العصر قبل الاصفرار، ووجه استثنائها من كراهة النافلة بعد الصبح والعصر؛ أنها سنة مؤكدة ففارقتها، ومراعاة للقول بوجوبها، والذي يظهر أننا إن اعتبرناها صلاة غير واجبة؛ فإن لها حكم النافلة المسببة، فمن رأى استثناءها سجد غير متقيد بوقت، وإن اعتبرنا السجود واجبا فالجمهور على استثناء الصلاة الواجبة من النهي والله أعلم.
وقد استدل المحدث الغماري في مسالك الدلالة لما في المدونة من جواز سجود التلاوة بعد العصر ما لم تصفر الشمس؛ بما رواه أبو داود (١٢٧٤) عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة»، وهذا حق لو قلنا إن سجود التلاوة صلاة، ويكون الاستدلال حينئذ أولويا، لأن السجود مسبب، لكن يلزم من استدل بهذا الحديث على مشروعية سجود التلاوة أن يستدل به على مشروعية النافلة بعد العصر قبل تلك الغاية، وهو صريح في ذلك، وأول راض سيرة من يسيرها.
[ ٢ / ١٠٩ ]