• قوله:
١ - «ومن سافر مسافة أربعة برد- وهي ثمانية وأربعون ميلا- فعليه أن يقصر الصلاة، فيصليها ركعتين، إلا المغرب فلا يقصرها».
للسفر أحكام بعضها رخص، كالمسح على الخف، والجمع بين الصلاتين، وبعضها مختلف فيه، كالإفطار في رمضان، وترك الرواتب النهارية.
ومما اختلف فيه قصر الصلاة، فقد قيل: إنه سنة مؤكدة وهو المشهور في المذهب، وقيل إنه: واجب لأن الصلاة فرضت كذلك ثم زيد في صلاة الحضر، وأبقيت صلاة السفر على الأصل، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها- (خ/ ١٠٩٠): «الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر»، قال الزهري فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟، قال: تأولت ما تأول عثمان» وهو في الموطإ أيضا، لكن في الاستدلال بهذا على الوجوب نظر، من ذلك أن إتمام عائشة يدل على خلاف ما حمله عليه من استدلوا به على الوجوب من غير قيد، قال الحافظ ومن أدل دليل على تعين تأويل حديث عائشة هذا كونها كانت تتم في السفر».
وعلى الوجوب يحمل قول المصنف «فعليه أن يقصر الصلاة»، فإنه قال في باب جمل: «والفطر في السفر رخصة، والإقصار فيه واجب»، وهو قول القاضي إسماعيل، وسحنون، وأببي بكر بن الجهمي، كما ذكره ابن ناجي عنهم، وذكر الأول والثالث ابن عبد البر في (الاستذكار: ٢/ ٢٢٢)، وذكر عن ابن الجهمي أن أشهب روى الوجوب عن مالك، وحمل بعضهم قول المصنف على معنى أنه واجب وجوب السنن، وقيل مستحب، وقيل
[ ٢ / ١١٠ ]
القصر مرتبط بالسفر لا بالمشقة
قصر المسافر العاصي بسفره
مباح، والأخير لا ينبغي أن يلتفت إليه مع مواظبته ﷺ على القصر، وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فأما الاحتجاج لعدم الوجوب بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ فليس بناهض، لاحتمال أن تكون الآية في قصر الكيفية لا قصر العدد، وهو قول مجاهد وغيره، وعزاه في النوادر للواضحة، وعليه تكون صلاة السفر إنما شرعت بالسنة، والآية في صلاة الخوف بخاصة، جاء الاقتصار فيها على ركعة كما في حديث ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة»، رواه مسلم وأبو داود (١٢٤٧)، وتأوله الجمهور على أن المراد صلاة الخوف في جماعة مع القصر.
والجمهور على أن قيد «إن خفتم»؛ خرج مخرج الغالب باعتبار الواقع وقت نزول الآية، فيكون مهجور المفهوم، قتدل الآية على القصر الذي نتحدث عنه، ونفي الجناح؛ يمكن أن يجتمع مع الوجوب كما في قوله تعالى: «فلا جناح عليه أن يطوف بهما»، وثم أدلة أخرى عند القائلين بالوجوب منها حديث عائشة الدال على أن صلاة السفر أصل، ونظيره حديث ابن عباس المتقدم.
أما الاحتجاج على عدم الوجوب بإتمام المسافر إذا اقتدى بمقيم، فليس بناهض، لأنه يقال زاحمت مصلحةُ متابعة الإمام وعدمُ الاختلاف عليه؛ وهي واجبة، القصرَ الواجب، فقدمت عليه، ثم إن إتمام المسافر خلف المقيم منصوص، والأصول لا يعارض بعضها ببعض.
ومشروعية القصر منوطة بالمظنة، وهي السفر نفسه، لا بالمشقة لعدم انضباطها، ومما قاله الشيخ محمد عرفة الدسوقي في حاشيته على شرح الدردير (١/ ٣٥٨) رحمهما الله في وقت لم يكن فيه شيء من وسائل النقل الحديثة: «ولو كان سفره على خلاف العادة، بأن كان بطيران، أو بخطوة، فمن كان يقطع المسافة الآتية بسفره قصر، ولو كان يقطعها في لحظة بطيران أو نحوه»!!.
والذي يشرع له القصر: هو المسافر سفرا واجبا أو مستحبا أو مباحا كسفر الحج والعمرة وطلب الرزق وصلة الرحم والرباط والجهاد وبث العلم، فإن كان عاصيا بسفره؛
[ ٢ / ١١١ ]
اقتداء المسافر بالمقيم وعكسه
فلا يشرع له ذلك، كقاطع الطريق، وكذلك اللاهي بسفره، كمن خرج للصيد على وجه اللهو، بخلاف العاصي في سفره لا به، كالمسافر سفرا واجبا أو مستحبا أو مباحا، يعصي الله تعالى فيه، فهذا يشرع له القصر، وقد أشار إلى ذلك خليل في مختصره بقوله: «سن لمسافر غير عاص به ولاه …»، وعمدة التفريق بين ما يقصر فيه من الأسفار وما لا يقصر فعل النبي ﷺ، فإن أسفاره كانت لحج، أو عمرة، أو جهاد، والقياس يقتضي القصر دون تفريق، والعقوبة لا تكون إلا بما شرعه الله ورسوله إذا كانت هي المقصودة بالإتمام، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقد روى ابن زياد عن مالك القصر في السفر كيفما كان.
والمشهور في المذهب أن القصر سنة مؤكدة آكد من صلاة الجماعة، بل قد صرح في الواضحة بأن الإمام قال: «لا يجوز أن يتم المسافر»، وهذا قد يستفاد منه الوجوب، ومع ذلك قالوا لا يعيد إلا في الوقت لقوة اختلاف الصحابة في ذلك، هكذا علل ابن أبي زيد عدم القول بالإعادة مطلقا.
ولهذا السبب كره اقتداء المسافر بالمقيم، لما يلزم عليه من إتمام الصلاة، وهو آكد في الكراهة من اقتداء المقيم بالمسافر لما فيه من اختلاف نية الإمام عن نية المأموم، وقد أشار إلى ذلك العلامة خليل بقوله: «وإن اقتدى مقيم به؛ فكل على سنته، وكره كعكسه، وتأكد، وتبعه، ولم يعد»، والعمدة عندهم فعل بعض السلف منهم سالم بن عبد الله كما في النوادر (المسافر يتم الصلاة).
وفي كراهة ذلك نظر، فأما اقتداء المقيم بالمسافر؛ فدليله حديث عمران بن حصين: «ما سافر رسول الله ﷺ سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: «يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر»، رواه أحمد والترمذي وحسنه لشواهده كما قال الحافظ، وإلا فإن فيه ضعيفا هو زيد بن جدعان، وفي الموطإ (٣٤٤) أن عمر كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم قال: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر»، والسفر بفتح السين؛ هم المسافرون، ومفرد سَفر هو سافر، كشَرب وصَحب مفردهما شارب وصاحب، وفي الموطإ
[ ٢ / ١١٢ ]
مسافة القصر أربعة برد
عن ابن عمر أنه أم وهو مسافر وأتم من وراءه، وفيه أنه كان يتم إذا ائتم بمقيم.
وأما اقتداء المسافر بالمقيم؛ فقد روى مسلم (٦٨٨) عن موسى بن سلمة الهذلي قال سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟، فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ»، وجه الدلالة منه قيد إذا «لم أصل مع الإمام»، وقول الصحابي عن ذلك إنه سنة له حكم الرفع، والظاهر شمول قوله سنة لصلاة ركعتين في حال الانفراد، والإتمام في حال الإئتمام، وقد روى الإمام أحمد ذلك عن موسى بن سلمة الهذلي قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: «إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين»؟، قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ»، وسنده صحيح كما قال الألباني في الإرواء.
فأما المسافة التي يقصر فيها؛ فهي في المذهب أربعة برد، جمع بريد، وهو مسيرة القافلة المثقلة يومين، أو يوما وليلة، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون المسافة بالأميال ثمانية وأربعين، وقد اختلف في الميل على أقوال، منها أنه ألفا ذراع، ورجح ابن عبد البر أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، فيكون المجموع بالذراع حاصل ضرب (٣٥٠٠) في (٤٨) يساوي (١٦٨٠٠٠) ذراع، فإذا اعتبرنا طول الذراع نصف متر تقريبا كانت مسافة القصر (٨٤) كيلومترا، ثم إنهم راعوا الخلاف في مقدار الأربعة برد، فقال ابن القاسم إن من قصر في ستة وثلاثين ميلا لا يعيد، ومن قصر فيما دون ذلك أعاد.
أما عمدة القصر في أربعة برد؛ فما في الموطإ (٣٣٥) عن ابن عمر أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد، ومنها أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك.
قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد، وفي الموطإ بلاغا أن ابن عباس يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة، قال مالك: وذلك أربعة برد، وفي صحيح البخاري: «وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا»، لكن روي عن ابن عمر أقوال في مسافة القصر فيها مخالفة كبيرة لما ذكر، لا يطمأن معها إلى أن مسافة القصر التي يراها هي أربعة برد، لاسيما وهي أفعال، فلا يؤخذ منها عدم القصر فيما دونها، فيكون الحق هو
[ ٢ / ١١٣ ]
معتمد القول بالقصر في أربعة برد
مسافة القصر المنصوصة احتمالا
الاعتماد على حديث أنس عند مسلم وسيأتي ذكره، إذا لم يعتمد العرف أو اختلف فيه، والله أعلم.
قال ابن العربي في) العارضة ٣/ ٢٣ (مبينا وجه اعتماد فعل ابن عمر في مسافة القصر: «ألا ترى إلى اضطراب المالكية في هذه المسألة: «في العتبية يقصر في خمسة وأربعين ميلا، وفي المبسوط في أربعين، وقال أيضا في العتبية في ستة وثلاثين ميلا، وفي الموطإ في أربع فراسخ، وهذا كله تحكم على التفصيل الذي نهينا عنه، وهذا مالك على جلالة قدره يقول في يوم، وفي قول يومان، ويمكن الجمع بينهما، فإن اليوم التام الجاد يومان في العادة والرفق، ولما لم يكن في ذلك معنى يعول عليه؛ لجأنا إلى فعل ابن عمر لعظيم اقتدائه وكثرة تحريه».
وقد تبيّن لك أن ما ذكر من مسافة القصر تقريب لا تحديد، سواء في مقدار البريد نفسه، أو في مقدار ما فيه من الأميال، أو في مقدار الميل من الأذرع، والأذرع تتفاوت بحسب الناس، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الذراع ستة وثلاثون أصبعا، وذكر النووي أنه أربعة وعشرون، وقد تكون الأصابع مكتنزة والذراع قصيرا، فتقل الأصابع، وقد قسته فوجدته كالأول بذراعي، فيكون الذراع نصف متر تقريبا، ونظرا لهذا الأمر؛ رأوا أن من قصر الصلاة في خمسة وثلاثين ميلا أعاد أبدا، وإن قصر فيما زاد عليه قالوا بعدم الإعادة في بعضها، وترددوا في بعضها، مما يؤكد لك أن الأمر تقريب، وأن الرأي قد استأثر بالكثير من مباحث هذا الباب، وليس في القصر في أربعة برد سوى آثار عن بعض الصحابة كما تقدم، فأما قول النبي ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم»، وجاء التحديد في بعض الروايات بيوم وليلة، وببريد، وجاء مطلقا، فهذا ليس فيه حجة على عدم القصر فيما كان دون ذلك.
قال الشوكاني ﵀ في شرح الدرر البهية رادا على من استدل بالحديث المتقدم: «فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم؛ هو كونه ﷺ سمى ذلك سفرا، قلت: تسميته سفرا؛ لا تنافي تسمية ما دونه سفرا».
وأقوى ما يستدل به في مسافة القصر: ما رواه مسلم عن يحي بن زيد الهنائي قال،
[ ٢ / ١١٤ ]
سألت أنسا عن قصر الصلاة؛ فقال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين»، لكن فريقا من أهل العلم حمل هذا الحديث على أنه دل على الموضع الذي ابتدأ منه القصر، لا على أن تلك المسافة هي غاية السفر ونهايته، والظاهر خلافه، وعليه فيكون تقدير المسافة بأعلى ما في الحديث وهو ثلاثة فراسخ، أي اثنا عشر ميلا، فإذا اعتبرنا الميل (١٧٠٠) متر، فتكون مسافة القصر تزيد قليلا على (٢٠) كيلومترا، ولو قدرنا عدم ورود شيء مرفوع؛ لكان المطلوب الرجوع إلى ما يطلق عليه في العرف اسم السفر، لكن العرف ليس مضبوطا الآن لما طرأ على وسائل النقل من التطور، فالتمسك بما تقدم أولى، والله أعلم.
[ ٢ / ١١٥ ]
يقصر إذا جاوز بيوت المدينة
• قوله:
٢ - «ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر، وتصير خلفه، ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء، ثم لا يتم حتى يرجع إليها، أو يقاربها بأقل من الميل».
اعلم أن المسافر كيفما كانت مدة إقامته التي ينويها حيث يصل؛ فإنه يقصر الصلاة في ذهابه وإيابه إذا لم ينزل خلالهما المدة التي تقطع سفره، وقد بين المؤلف هنا الموضع الذي يبتدئ فيه القصر حين يشرع في السفر، والموضع الذي يبدأ فيه إتمام الصلاة حين يعود، وللإمام في ذلك روايتان:
إحداهما: وهي المشهورة التي ذكرها المؤلف، أنه يقصر عند مجاوزة بيوت قريته بحيث لا يكون عن يمينه ولا عن يساره منها شيء، ويتم في رجوعه إذا بلغ المكان ذاته، فبداية القصر هي نهايته، وهذه رواية ابن القاسم، وهي المعتمدة، ففي الموطإ: لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل بيوت القرية أو يقارب ذلك»، وفي صحيح البخاري: «خرج علي ﵁ فقصر وهو يرى الييوت، فلما رجع؛ قيل له: هذه الكوفة، قال: لا، حتى ندخلها».
والرواية الثانية: لمطرف وابن الماجشون وهي في النوادر، وفيها الفرق بين من كان من القرى التي تصلى فيها الجمعة، فهذا لا يقصر حتى يجاوز بيوتها بثلاثة أميال، لكون الجمعة واجبة عليه يأتي إليها من هذه المسافة، وأما من كان من القرى التي لا يجمع فيها؛ فهذا يقصر إذا تجاوز بساتينها، كما قال خليل: «سن لمسافر غير عاص به ولاه أربعة برد ولو ببحر ذهابا قصدت دفعة إن عدى البلدي البساتين المسكونة، وتؤولت أيضا على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة، والعمودي حلته، وانفصل غيرهما قصر رباعية وقتية أو فائتة فيه»، والحلة بكسر الحاء جماعة البيوت لأنها تحل، أي تسكن، ورواية مطرف وابن الماجشون في موضع بداية القصر؛ نقل ابن المنذر الإجماع على خلافها حيث قال: «أجمعوا على أن لمن يريد السفر أن يقصر إذا خرج من جميع بيوت القرية التي يخرج منها»، فالله أعلم.
[ ٢ / ١١٦ ]
إتمام من نوى إقامة أربعة أيام
• قوله:
٣ - «وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أو ما يصلي فيه عشرين صلاة؛ أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك».
سريان حكم السفر لا يكون إلا بالنية مع الشروع فيه حسب ما تقدم، أما انقطاع حكمه في المكان الذي سافر إليه فيكون بنية إقامة أربعة أيام، أو مدة يصلي فيها عشرين صلاة في أي موضع عامرا كان أو قفرا.
وفي المذهب قولان في مدة الإقامة التي تقطع السفر: الأول أنها أربعة أيام صحاح، وهذا يعني إلغاء يومي الدخول والخروج، أو أحدهما، إذا دخل بعد الفجر، وخرج قبل المغرب، وهو قول ابن القاسم، والقول الثاني مقدار ما يصلي عشرين صلاة، فيلفقها من يوم دخوله ويوم خروجه، وهذا قول سحنون وعبد الملك وابن وهب، فأو في كلام المصنف لبيان الاختلاف، لا للتخيير.
والظاهر من القولين الثاني، ومرده إلى ما ثبت أن النبي ﷺ في حجة الوداع صلى الصبح خارج مكة، ولعله صلاه بذي طوى، حيث جاء في الصحيح قول ابن عمر: «بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح»، انتهى، ومعنى ذلك أنه دخل مكة صبيحة اليوم الرابع - وهو يوم الأحد - وأقام بها الخامس، والسادس، والسابع، ثم خرج إلى منى يوم الثامن - وهو يوم الخميس - فصلى فيها الظهر، فيكون قد صلى في مكة عشرين صلاة، وقد كان يقول عن نفسه ومن معه من أصحابه الوافدين على مكة: «إنا قوم سفر»، ولا ريب أنه ﷺ حين دخل مكة قصد إقامة هذه المدة، فمن نوى إقامة مثل المدة التي أقامها فحكمه أن يقصر قطعًا، فإن زاد عليها أتم.
أما إن قيل: إن أنسا ﵁ قد سئل عن مدة إقامة النبي ﷺ بمكة، فقال عشرا، وهو في صحيح البخاري وغيره؛ فالجواب: أن أنسا جمع مدة الإقامة كلها في مكة وما حولها، أعني من يوم دخوله مكة وهو اليوم الرابع من ذي الحجة إلى يوم خروجه وهو اليوم الرابع عشر، فهي إقامة ملفقة، لأن السفر تخللها إلى منى ثم عرفة ثم منى.
[ ٢ / ١١٧ ]
قضاء الصلاة السفرية والحضرية
• قوله:
٤ - «ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات؛ صلاهما سفريتين، فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة؛ صلى الظهر حضرية، والعصر سفرية، ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما؛ صلاهما حضريتين، فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة؛ صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر، ولم يكن صلى المغرب والعشاء؛ صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية، ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب، ثم صلى العشاء سفرية».
قد تقدم حكم الحائض متى تترتب الصلاة في ذمتها إذا حاضت فتطالب بقضائها بعد الطهر، ومتى تسقط فلا تطالب بقضائها، وإذا طهرت فمتى تطالب بأدائها ومتى لا تطالب، وقد بنوا ذلك التفصيل على قول النبي ﷺ: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر»، رواه مالك (٤)، وهو متفق عليه (خ/ ٥٧٩) من حديث أبي هريرة، وأعم منه لفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، وهو في الموطإ (١٤)، وفي الصحيحين أيضا (خ/ ٥٨٠)، والإدراك الوصول إلى الشيء، وبالإجماع ليس المراد أن ما أدركه وهو الركعة يكفيه عما فاته، والحديث يحتج به على إدراك وقت الصلاة، لكنه لأرباب الضرورات، كما يحتج به على ترتب الصلاة في الذمة بهذا المقدار، وعلى سقوطها من الذمة بالنسبة لحائض، أو أنهم قاسوا ما به السقوط على ما به الإدراك، والمذهب انقسام وقت الصلاة إلى اختياري وضروري، والمقصود هنا بيان متى تصلى الصلاة سفرية مقصورة، ومتى تصلى حضرية تامة، وإنما يحتاج لبيان ذلك فيما إذا لم يكن قد صلى الصلاتين المشتركتي الوقت، وهما الظهر والعصر نهارا، والمغرب والعشاء ليلا، وكل من القسمين إما أن
[ ٢ / ١١٨ ]
يكون لم يصلهما في حالة انقطاع سفره بالرجوع، أو حالة سفره بالشروع:
ا - فمن بلغ موضع القصر وقد بقي من النهار مقدار ثلاث ركعات فإن الظهر والعصر لم يخرج وقتهما بالنسبة لحالة السفر التي هو عليها فيصليهما سفريتين، سواء أخرهما ناسيا أو عامدا، غير أنه يأثم في العمد.
ب - وإن بقي من الوقت ركعة أو ركعتان، فقد ترتبت الظهر في ذمته حضرية لخروج وقتها فيصليها حضرية، ويصلي العصر سفرية لبقاء وقتها حين سفره، واختلف بأيهما يبدأ؟، فقيل بالظهر لوجوب الترتيب ولا سيما بين مشتركتي الوقت، وهو قول ابن القاسم، وقيل بالعصر خوفا من خروج وقتها، وهو لابن وهب، وخيره أشهب.
ج- وإن انقطع حكم سفره وقد بقي مقدار خمس ركعات وكان ناسيا لصلاة الظهر والعصر صلاهما حضريتين لبقاء وقتهما، وعدم ترتبهما في ذمته بخروج وقتهما معا، لأنه يصلي الظهر، ويدرك العصر بركعة، وإنما اقتصر المؤلف على الناسي لأنه الغالب، إذ كيف يتعمد المسلم تأخير الصلاة إلى مثل هذا الحد.
د - وإن كان الباقي من الوقت بمقدار أربع ركعات فأقل صلى الظهر سفرية، لأنها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية، والعصر حضرية، لأنه أدركه وقتها وهو في الحضر.
هـ - وفي حالة انقطاع سفره ولم يكن قد صلى المغرب والعشاء، وقد بقي لطلوع الفجر ركعة يصلي المغرب أولا، والعشاء حضرية لأن وقتها قائم حين انقطع سفره.
و- أما من خرج مسافرا وقد بقي من الليل مقدار ركعة فما زاد؛ فإنه يصلي المغرب أولا لوجوب الترتيب، ثم يصلي العشاء سفرية لكون وقتها لم يخرج حين تلبسه بالسفر.
ولو قيل: إن المسافر إذا نسي صلاة وذكرها في الحضر، والحاضر إذا نسي صلاة، ثم ذكرها في السفر؛ أن كلا منهما يصليها حسب الحالة التي هو عليها، لكون وقت الذكر هو وقت الصلاة المنسية لكان هذا متجها، وقد جاء في بعض روايات حديث نسيان الصلاة والنوم عنها؛ قول النبي ﷺ: «من نسي صلاة؛ فوقتها إذا ذكرها»، وهو عند ابن عدي، والبيهقي من طريقه فلينظر.
[ ٢ / ١١٩ ]