الخسوف والكسوف: هو أن يُحجب ضوءُ الشمس بالقمر؛ يتوسط بينها وبين الأرض، أو يُحجب ضوء القمر بالأرض؛ تتوسط بينه وبين الشمس، وهذا بناء على أن اللفظين مترادفان، وهو الظاهر كما جاء في الأحاديث، إذ استعمل فيها الكسوف والخسوف للشمس وللقمر معا، وغالب اصطلاح الفقهاء على القول بكسوف الشمس، وخسوف القمر، ويقال فيهما كَسف وخَسف من باب ضرب للمعلوم، وقد يستعملان مبنيين للمجهول، ومعلوم أن كسوف الشمس لا يقع إلا في النهار فإن الشمس آيته، وخسوف القمر لا يقع إلا في الليل، فإن القمر آيته، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٧ - ٨]، لكن خسوف القمر هنا ليس المراد منه انطماس نوره انطماسا مؤقتا، بل انطماسا مستمرا ناتجا عن انخرام نظام الكون، وعوده مظلما كما كان، وذلك عند قيام الساعة، كما يدل عليه السياق.
وقد شرع الله تعالى الصلاة عند ذهاب ضوء الشمس أو القمر كلا أو بعضا بحيث يرى ذلك، لا ما إذا كان بحيث لا يدركه إلا الحذاق، أو علماء الفلك، لأنه كالعدم، وقد دل الدليل على مشروعية صلاة الكسوف، ولو لم يكن الكسوف بحيث يتفطن له كل الناس، يدل عليه حديث أسماء في الموطإ (٤٤٧) والصحيحين قالت: «أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟، فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: سبحان الله،،،»، وسميت هذه الصلاة باسم سببها، لأنها تفعل وقت الحدوث، لا قبله ولا بعده، وقد رأيت من صلى صلاة الكسوف قبل وقتها بساعة ونصف منذ عامين، أعني سنة (١٤٢٦) اعتمادا على أن علماء الفلك أخبروا بوقوع الكسوف، وهذا لا يصح، لأن النبي ﷺ علق مشروعية الصلاة برؤيتنا ذلك كما يأتي.
_________________
(١) (تعليق الشاملة): في المطبوع «١٧»
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقت هذه الصلاة
رواية عن الإمام أنها تصلى في كل وقت
أما وقتها: فمشهور المذهب هو رواية ابن القاسم عن مالك قال: «لا أرى أن تصلى الكسوف بعد الزوال، وإنما سنتها أن تصلى ضحى إلى الزوال»، فسلك بها مسلك صلاة الضحى والعيدين.
قال خليل: «ووقتها كالعيد»، وروى ابن وهب عن مالك قال: «لا تصلى الكسوف إلا في حين تجوز فيه الصلاة النافلة، فإذا كسفت في غير حين صلاة لم يصلوا، فإذا جاز وقت الصلاة، ولم تنجل صلوا، فإن تجلت قبل ذلك لم يصلوا»، وهذه رواية مطرف وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، كما في النوادر (باب ما جاء في صلاة الكسوف) وفي الاستذكار (باب العمل في صلاة الكسوف)، وفي هذه الرواية سلك بها مسلك النوافل، وهي أقرب إن شاء الله إلى الصواب.
وفي (المختصر): ولا يصلى في غير حين صلاة، فإذا خسفت حينئذ فإنما فيه الدعاء»، النوادر (ما جاء في صلاة الكسوف)، ولهذه الرواية متعلق في الأحاديث التي فيها الأمر بالدعاء والتكبير والصدقة فحسب، لكن يقال إن كلام النبي ﷺ جاء في الخطبة بعد أن صلى، فالظاهر من الأحاديث أنها صلاة معلقة على سبب، فمتى حصل السبب كانت مشروعة، وهذا هو الذي يجري على رواية ثالثة عن الإمام أنها تصلى في كل وقت، رواها الشيخ أبو القاسم بن الجلاب، كما ذكره الباجي في (المنتقى ١/ ٣٢٩)، وذكره أيضا القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة.
فإن قلت: هل يمكن الاعتماد على هذه الرواية ليخرج عليها ذوات الأسباب من النوافل كتحية المسجد، فيقال بمشروعيتها في كل وقت؟، فالجواب: الظاهر عدم التخريج، لأن صلاة الكسوف لا خيار للمكلف في وقتها فإن سببها كوني، بخلاف غيرها فإن سببها اختياري، والله أعلم.
[ ٢ / ١٧٨ ]
حكمها ووقت الخروج إليها
الخوف عند الآيات مطلوب، وبعضهم ينهى عنه
• قوله:
١ - «وصلاة الخسوف سنة واجبة، إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، فافتتح الصلاة بالناس، بغير أذان ولا إقامة».
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]، وذهاب ضوء الشمس والقمر من الآيات العظيمة التي يخوف الله بها عباده، فيتذكرون بذلك ساعة انخرام نظام هذا الكون، وانتثار عقده، فلذلك شرع لهم إذا رأوا كسوفهما هذه الصلاة الخاصة له سبحانه، وهي ثابتة من فعل النبي ﷺ، وقد أمر بها أيضا، وأصل الأمر ما تعلم من الدلالة على الوجوب في غيبة القرينة الصارفة.
ومما يؤسف له ويدل على قلة الفقه في الدين، أن بعض المسلمين يقولون هذا أمر طبيعي، وقد أمر الأئمة أن ينهوا الناس عن الخوف من ذلك، والواجب اعتقاده أن ذلك آية من آيات الله تعالى، وأن الكسوف والخسوف وغيرهما من الأحداث الكونية كالزلازل والبراكين والأعاصير مما علمه الله وكتبه وأراده وخلقه يخوف به عباده، وليس المقصود بالتخويف ما يخلفه من آثار الهلع والجزع والاضطراب في ضعاف النفوس، فهذا ليس هو المراد.
وحكم صلاة كسوف الشمس في المذهب؛ أنها سنة مؤكدة، يصليها أهل القرى والحضر والمسافرون إلا أن يجد بهم السير، كما يصليها المسافر وحده، والمرأة في بيتها، وتخرج المتجالة، الكبيرة التي لا أَرَب للرجال فيها.
قال في المدونة: «وأرى أن تصلي المرأة صلاة الخسوف في بيتها، ولا أرى بأسا أن تخرج المتجالات من النساء في صلاة خسوف الشمس»، وقد ثبتت صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، وترجم بذلك البخاري، أما صلاة خسوف القمر، فقد اختلف في
[ ٢ / ١٧٩ ]
الحكمة من كونها تصلى في المسجد
حكمها، والراجح في المذهب أنها مندوبة، والفرق بينهما أن الأولى فعلها النبي ﷺ في جماعة، وإذا لم يصلها أكثر من مرة على أحد القولين؛ فلأن موجبها لم يتكرر، أما الثانية فلم يصلها في جماعة، وسيأتي ما فيه.
أما أنها تصلى في المسجد؛ فقد علل بعضهم ذلك بخشية فوات وقتها المقدر بوقت غياب ضوء الشمس كلا أو بعضا، وهذا فيه نظر، فإن النبي ﷺ لم يصلها قط خارج المسجد، كما ذكره ابن عبد البر ﵀، وهو يرد على من زعم أن تكرير الركوع ليس مشروعا، وإنما كان النبي ﷺ يراقب الشمس، فظن الراوي أنه يركع.
وقد أثبت العلم في هذا العصر ما يلحق بصر الناظر إلى الشمس إذا حدق ببصره نحوها، وذلك لأنه لا يتيسر له النظر إليها إلا حال الكسوف لقلة ضوئها، فلعل اشتراع أدائها في المسجد بدل الصحراء كما هو الشأن في صلاة الاستسقاء والعيدين إنما كان لهذا المعنى، ويكفي المسلمين أن نبيهم ﷺ أمرهم إذا رأوا ذلك أن يفزعوا إلى المساجد، فإذا جاء من العلم الحديث ما يدل على ما ذكر؛ فلا جديد عندنا نحن المسلمين، فإننا جازمون أن لا بد من حكمة فيما شرع الله ورسوله، علمنا ذلك أو جهلناه، وربنا حين وعد - ووعده الحق - بأن يري خلقه آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق؛ أخبر مع ذلك بما يكتفي به عباده المؤمنون به دون حاجتهم إلى سواه، وهو كونه سبحانه عالما بكل شيء، شهيد على كل شيء وليست المخلوقات عند الله كما هو الأمر عندنا قسمان غائب وحاضر، بل الجميع في علمه سواء، قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فُصِّلَت: ٥٣].
ولذلك أيضا طولت الصلاة على خلاف المعتاد، حتى تستغرق وقت الكسوف الذي ربما تجاوز الساعة، فكان في كل ركعة ركوعان، وورد أكثر من ذلك، ولعل الحكمة من كون هذه الصلاة فيها قيامان وركوعان أو أكثر من ذلك على ما في بعض الروايات، أن يتاح للمصلي تغيير وضعه، حتى لا يثقل عليه البقاء على هيئة واحدة، فيكون في تغييرها راحة له.
وقد اختلف فيما لو انجلت الشمس بعد شطر الصلاة الأول، فقيل يتمها على
[ ٢ / ١٨٠ ]
لا أذان ولا إقامة في صلاة الكسوف
الأصل، وقيل يأتي بركعة من غير تكرير الركوع والقيام، واستصحاب الأصل يقضي بأن الأول هو الراجح، ولا مانع من قصر الكيفية بتخفيفه، والله أعلم.
ولا يشرع الأذان ولا الإقامة في هذه الصلاة كما هو الأمر في العيد والاستسقاء، فإن الأذان والإقامة من خصائص الفرائض، نعم يشرع الإعلام بهذه الصلاة خاصة، بخلاف العيد والاستسقاء، ووجه الفرق أنها مما يطرأ سببه دون علم سابق، يدل عليه قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «خسفت الشمس على عهد رسول ﷺ فبعث مناديا: الصلاة جامعة، فقام فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات»، رواه الشيخان وأبو داود (١١٨٠).
[ ٢ / ١٨١ ]
كيفية هذه الصلاة
مسالك العلماء في تعدد كيفيات هذه الصلاة
• قوله:
٢ - «ثم قرأ قراءة طويلة سرا، بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ دون قراءته الأولى، ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يقرأ دون قراءته هذه، ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع رأسه كما ذكرنا، ثم يسجد كما ذكرنا، ثم يتشهد ويسلم».
جاء في الأحاديث كيفيات عدة لصلاة الكسوف، وذلك يدل على أنها تكررت في حياة رسول الله ﷺ، وفيه خلاف، وبعض الأحاديث فيه بيان أنه صلاها يوم موت ابنه إبراهيم ﵇، حيث كسفت الشمس فقيل كسفت لموته، فصلى بهم، ثم خطب فقال: «إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم فصلوا، وادعوا»، وفيما قال ﷺ إبطال لما ظن بعضهم من أن للكواكب تأثيرا في الأرض وما عليها، بل جميع ما يقع من فعل الله تعالى وخلقه، لكن ما زال هذا الاعتقاد الباطل يروج على كثير من الناس، ويصنفهم أهل الدجل في أبراج، ويتكهنون لهم، ويذكرون لهم بخوتهم وحظوظهم، وموت إبراهيم ﵇ كانت قبل وفاة النبي ﷺ بأربعة أشهر، وقد ذكر بعض أهل الفلك أن الشمس قد كسفت بالمدينة يوم الإثنين (٢٩) شوال سنة عشر من الهجرة، الموافق للسابع والعشرين من شهر جانفي (٦٣٢) في الساعة الثامنة وثلاثين دقيقة.
وقد سلك العلماء إزاء تعدد كيفيات هذه الصلاة مسالك، فمنهم من رجح بعض الكيفيات على بعض، ومنهم من خير فيما ثبت منها، ورد بعض الكيفيات إلى وهم الرواة، والكيفية المذكورة هي أرجح الكيفيات الواردة في الأحاديث من حيث الثبوت، وهي في
[ ٢ / ١٨٢ ]
هل يجهر بالقراءة فيها أو يسر
الموطإ (٤٤٤ و٤٤٥) والصحيحين (خ/ ١٠٥٢) وغيرهما من حديث عائشة، وابن عباس، وهذا حديثه قال: «خسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه من الركوع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فاذكروا الله»،،، الحديث.
والمذهب أن كلا من القيام الثاني والركوع الثاني؛ إنما يقاس طوله إلى ما قبله في الركعة نفسها، وهو صريح قول مالك في المدونة، فنظروا إلى القيامين كأنهما ركعتان، والسنة الغالبة تقصير الثانية عن الأولى.
ولذلك قال خليل: «وركع كالقراءة، وسجد كالركوع»، يعني في الطول، أما الرفع من السجود فلا طول فيه على المشهور، لكن ورد ما يدل على تطويله وهو حديث عبد الله بن عمرو رواه النسائي وابن خزيمة، وقد صحح الحافظ إسناده في (الفتح ٢/ ٦٩٦) فثبت أن تطويل جميع الأركان مطلوب، وهذا هو القياس.
ويقرأ في كل قيام بفاتحة الكتاب، وهو قول مالك، ويقول في الرفع من الركوع الأول والثاني سمع الله لمن حمده كما في الصلوات الأخرى، وقد ورد هذا في بعض روايات حديث عائشة في الصحيح خ/ ١٠٤٧)، ولا يعترض عليه بأن هذا القيام للقراءة، لا للرفع من الركوع كما هو في بقية الصلوات، لأنه يقال إن صلاة الكسوف أصل بنفسها فيلتزم ما ورد فيها، ولا تصلح المقايسة مع الأصول.
والمذهب الإسرار في قراءة الكسوف، لقول ابن عباس في الحديث المتقدم: «فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة»، فإنه لو سمع القراءة ما لجأ إلى التقدير، وابن عباس كما تعلم من صغار الصحابة، فالظاهر أنه كان بعيدا فلم يسمع القراءة، فهذا الاحتمال مطعن في هذا الاستدلال.
[ ٢ / ١٨٣ ]
رواية المدنيين عن الإمام الجهر فيها
وقال سمرة بن جندب في حديثه الطويل عند أبي داود (١١٨٤): «فقام بنا رسول لله ﷺ كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا»، وهذا كما ترى نفي والإثبات مقدم عليه، وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- عند الشيخين وأبي داود (١١٨٨)، قالت عنه ﷺ إنه «قرأ قراءة طويلة فجهر بها»، ورواية الإسرار بالقراءة هي رواية المصريين، وروى المدنيون عن مالك الجهر، والنظر يقويها بعد الأثر، ورأى بعض المتأخرين الجهر بها.
وقد تقدم قول خليل بتطويل السجود كالركوع، وقيل إن السجود لا يطال كما يطال القيام والركوع، والمعتمد في هذا ما في روايات الموطإ لحديثي عائشة وابن عباس، فإن فيهما ذكر مطلق السجود، قال مالك: «لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف»، وهذا هو الذي عناه المؤلف بقوله: «ثم يسجد سجدتين تامتين»، أي يطمئن فيهما، وهو نفس تعبير مالك عن السجود كما في النوادر، لكن تطويل السجود جاء في حديث عائشة المذكور أعلاه، وهو قول ابن القاسم، ولم ينسب الباجي تقصير السجود إلا لابن حبيب.
[ ٢ / ١٨٤ ]
جواز صلاة الكسوف في البيوت
• قوله:
٣ - «ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل».
الظاهر أن الجماعة وإن كانت مطلوبة في هذه الصلاة، فإنها ليست شرطا فيها، لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة أمرا مطلقا إذ قال: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي»، وقال: «فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة».
[ ٢ / ١٨٥ ]
صلاة خسوف القمر كالنوافل المعتادة
• قوله:
٤ - «وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل الناس عند ذلك أفذاذا، والقراءة فيها جهرا كسائر ركوع النوافل».
تختلف صلاة خسوف القمر عن كسوف الشمس في أمور:
أولها: أنها لا تصلى جماعة في المذهب، لعدم ثبوت فعل النبي ﷺ لها في جماعة، وهذا هو عمدة مالك في ذلك، ففي المدونة قال ابن وهب قال مالك: «لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ صلى إلا في خسوف الشمس، ولم يعمل أهل بلدنا فيما سمعنا وأدركنا إلا بذلك»، واعتمد عليه أيضا عبد العزيز بن أبي سلمة لأمر النبي ﷺ بالفزع إلى الصلاة حين الرؤية.
وثانيها: أنها مندوبة فحسب، وهذا مرتب على عدم فعلها في جماعة وعدم إظهارها وهو حد السنة عند أهل المذهب.
وثالثها: أن صفتها كالنوافل وليست كصلاة كسوف الشمس، وقال عبد الملك هي مثلها، لكنها تصلى أفذاذا.
ورابعها: أنها يجهر فيها بالقراءة على أصل نوافل الليل، لأن خسوف القمر لا يكون إلا فيه.
وخامسها: أنها تصلى في البيوت على أصل صلاة النوافل، فإن أفضل الصلاة بعد الفريضة ما كان في البيوت، وروى علي بن زياد عن مالك: «ويفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع فيصلون أفذاذا ويكبرون ويدعون».
والذي يظهر أن خسوف القمر لما كان يحصل في الليل؛ اختلف أمره عن كسوف الشمس، فلم تشتهر صلاته جماعة اشتهار صلاتها، فإن حصل الخسوف والناس أيقاظ؛ هرعوا إلى المساجد، كما أمروا وصلوا جماعة، وإن حصل وهم نيام فمن علم صلى كيفما استطاع في جماعة أو منفردا.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقد نسب إلى أشهب أنها تصلى جماعة، قال الشيخ أحمد زروق: «وهوأبين».
قلت: وكذلك كونها مثل كيفية صلاة كسوف الشمس، فإن النبي ﷺ جمع بينهما في سياق واحد، فقال: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة»، والصلاة التي أمرنا بالفزع إليها قد بينها بالنبي ﷺ بفعله في كسوف الشمس فتكون صلاة خسوف القمر مثلها، ولا يقال إنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة، فإني لا أحسبها هنا دلالة اقتران.
ثم يقال إن عدم صلاة النبي ﷺ لها ليس مما يسلم، وما كسوف الشمس في الوضوح وتأثر الناس به، ومعاينتهم له؛ بمماثل لخسوف القمر بسبب أن الأول يظلم معه النهار، وهو ضياء، والثاني يظلم معه الليل، وهو مظلم في الأصل، وقد يأتي خسوف القمر والناس نيام.
وقد روى الشافعي في مسنده عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركعتان، ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي»، وفي سنده محمد بن إبراهيم بن محمد، قال في التقريب مقبول، ومصطلحه في المقبول أنه لين الحديث ما لم يتابع، مع ما في الأثر من قول الحسن فخطبنا، وهو لم يكن بالبصرة حين ذاك، وفيه أمر آخر، وهو أن قول ابن عباس: «كما رأيت النبي ﷺ يصلي»؛ لا يدل نصا على أن النبي ﷺ صلى في خسوف القمر، لأن التشبيه يحتمل أن يكون في الصلاة نفسها لا في سببها، فيمكن أن يكون قد أخذ مشروعية الصلاة من ذكره ﷺ الشمس والقمر، وأمره بالفزع إلى الصلاة.
وروى الدارقطني (الخسوف ٦) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات، في أربع سجدات»، والحديث في مسلم والترمذي (٥٦٠) وقال حسن صحيح، لكن ليس فيه عندهما ذكر القمر، وقد قالوا إنه منقطع بين حبيب بن أبي ثابت وطاوس، قال ابن حبان ليس بصحيح، لكن قال في نصب الراية إسناده جيد، وسكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان من بعده»، ومع ذلك فهناك آثار عدة أخرى تدل بمجموعها على أن الصلاة في خسوف القمر قد حصلت في عهده ﷺ، فانظر (الفتح ٢/ ٧٠٦).
[ ٢ / ١٨٧ ]
لا خطبة فيها وإنما هو وعظ الناس وتذكيرهم
• قوله:
٥ - «وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم».
المذهب أن صلاة الكسوف لا خطبة معها، وإنما هو وعظ وتذكير للمصلين، وهذا هو معنى نفي المؤلف الخطبة المرتبة، وإثباته مع ذلك الوعظ والتذكير، والفرق كما ترى عسير بين الأمرين، لا سيما إذا افتتح هذا الوعظ والتذكير بالحمد والشهادة، كما هو شأن النبي ﷺ في خطبه، فإنه يستبعد أن لا يفعل ذلك، وهو القائل: «كل خطبة لا شهادة فيها؛ فهي كاليد الجذماء»، وقد جاء التصريح في حديث عائشة الصحيح بأنه ﷺ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا»، وهذا الحديث بهذا اللفظ في الموطإ (٤٤٤)، ولو تتبعت ألفاظ الحديث في رواياته لزاد حجم المقول منه ﷺ، والذي يظهر من قول الإمام أن خطبة الكسوف ليست على نسق الخطب الأخرى من الترتيب بحيث يخطب خطبتين ويجلس بينهما، ويجلس قبلهما، ويرقى من أجلهما المنبر، فهذا هو المقصود بالنفي، ولعل الإمام أدرك الناس على هذا، فقال به في فهم الحديث الذي رواه كعادته عليه رحمة الله، ثم إن أقوال مالك؛ فيها الربط بين الجهر بالقراءة وبين الخطبة المرتبة المعتادة كما في الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، أما عرفة فقوله فيها أن المقصود منها تعليم الناس، فليست خطبة تابعة للصلاة، وقد تقدم في صلاة العيد ما في المدونة من قول مالك عن خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء وأنها على شكل واحد، وعلى هذا أهل المذهب لما رأوا أن صلاة الكسوف يسر فيها بالقراءة قالوا لا خطبة فيها، لأنها كسائر النوافل.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وقد قال مالك في المدونة (ما جاء في صلاة الاستسقاء): «كل صلاة فيها خطبة؛ يجهر فيها الإمام بالقراءة»، ومثله في المدونة في (الصلاة بعرفة)، وبهذا يتبين لك أن من نسب إلى الإمام نفي الخطبة مطلقا في كلامه شيء.
والصواب إن شاء الله: مشروعية الخطبة على أصول المذهب لثبوت الجهر بالقراءة عن الإمام، والله أعلم.
[ ٢ / ١٨٩ ]