المحتضر بفتح الضاد من حضرته الوفاة، والكفن بفتح الفاء لباس الميت، وبسكون الفاء تكفين الميت أي إدراجه في كفنه، والتحنيط جعل الحنوط بفتح الحاء في جسد الميت وثيابه، وقد تعرض المؤلف لما ترجم له على التوالي، وما ذكر هنا هو من المطلوبات الكفائية من الحي نحو الميت المسلم، والمواراة لغير المسلم.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
• قوله:
١ - «ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر وإغماضه إذا قضى».
أي يستحب توجيه من حضرته الوفاة إلى القبلة، بأن يجعل على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة، أما الأول فلأنه هو الهيئة التي جاءت أثناء أذكار النوم، وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب مرفوعا: «إذا أويت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك،،، الحديث، وقال في آخره: «فإن مت من ليلتك؛ مت على الفطرة»، ووجه الدليل أن النوم موتة صغرى، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزُّمَر: ٤٢] فلما ربط النبي ﷺ بين هذه الهيئة في النوم، وما ذكر معها من الأمور، ومنها النوم؛ أمكن أن يقال إنها هيئة مستحبة عند الاحتضار، ومما استدل به على ذلك حديث يحي بن عبد الله بن أبي قتادة عند الحاكم والبيهقي؛ أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه للقبلة إذا احتضر، فقال رسول الله ﷺ: «أصاب الفطرة»، سكت عليه الحافظ في التلخيص الحبير (مع الحديث ٧٣٠)، وهو مرسل كما قال الألباني في (الإرواء، الأثر
[ ٢ / ٢٠٦ ]
(٦٨٩)، وبين من حصل له فيه وهم؛ فاعتبره موصولا مثل الحاكم، والذهبي، والزيلعي، والحافظ ابن حجر، ﵏.
قلت: وقلدهم في ذلك أيضا الحافظ الغماري كما في مسالك الدلالة، لكن الجملة الأخيرة فيه يشهد لها ما في حديث البراء الذي تتقدم وهو قوله ﷺ «مت على الفطرة»، فإنها دلت على أن فعل المجموع المأمور به من الوضوء والاضطجاع على الشق الأيمن والدعاء هو الفطرة، والحديث الذي بعده دل على أن من طلب توجيهه إلى القبلة حين الاحتضار أصاب الفطرة، فدل هذا في نظري على صحة هذه اللفظة بهذا البيان في خصوص المعنى، وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن عبيد بن عمير عن أبيه أن رجلا قال يارسول الله، ما الكبائر؟، قال: «هي سبع»، وذكر منها «واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا»، ومداره على أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، كما في التلخيص الحبير للحافظ بن حجر (ح/ ٧٣٠)، وقد حسنه الألباني في الإرواء (ح/ ٦٩٠)، أما طعن الشوكاني في دلالته بأن المراد «بقوله أحياء؛ الصلاة، وبقوله أمواتا؛ في اللحد، والمحتضر حي غير مصل»، فليس كما ينبغي، لأن حال الاحتضار حال موت لا حياة، بدليل أن الشارع قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، وقال: «اقرؤوا على موتاكم يس»، وبهذا يتبين لك ما في قول المحدث الألباني ﵀ في أحكام الجنائز من نفي مشروعية هذا التوجيه من الإجمال، لأن عدم صحة حديث في مسألة بخصوصها، ومن ذلك حديث عبد الله بن أبي قتادة المتقدم؛ لا يعني دائما أن الحكم الذي تضمنه الحديث لا يثبت، وقد علمت وجه ثبوته بدخوله في تلك الظواهر، وقد أمر حذيفة ﵁ أن يوجه إلى القبلة كما في ترجمته في تاريخ دمشق لابن عساكر، وقال الألباني ﵀: «وأما قراءة يس عنده، وتوجيهه نحو القبلة؛ فلم يصح فيه حديث، بل كره ابن المسيب توجيهه إليها، وقال: أليس الميت امرأ مسلما»؟.
قلت: لم يظهر لي وجه اعتراض سعيد بن المسيب ﵀ بما قاله على توجيه المحتضر المسلم إلى القبلة، لأن كونه مسلما ليس مانعا من ذلك بمجرده، بل قد يكون ذلك من دواعي توجيهه، لا من دواعي منع توجيهه، فإن الكافر هو الذي لا تتعلق به أحكام الفروع عمليا، وإن كان يؤاخذ بها، ولو استقام هذا التعليل لتركنا كثيرا مما شرع فعله بالميت المسلم، وقد روي كلامه بألفاظ مختلفة، والمؤكد عندي أنها من تصرف الناقلين، ثم وقفت بعد ذلك على كلام لابن حبيب ﵀ فيه توجيه حسن لكلام ابن المسيب، قال
[ ٢ / ٢٠٧ ]
بعد أن ذكر قول ابن المسيب وهو مخالف لما سبق في اللفظ، وفي مصنف عبد الرزاق لفظ آخر أقرب، قال: «وأراه إنما كره عجلتهم بذلك، قبل نزول حقيقته، فلا أحب أن يوجه إلا أن يغلب أو يعاين، وذلك عند إحداد نظره، وشخوص بصره،،،» (النوادر في توجيه الميت وتلقينه)، وقد روى عبد الرزاق في المصنف (٦٠٥٨) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أرأيت حروف الميت إلى القبلة حين يحين فوضه على شقه الأيمن؛ أسنة ذلك؟، قال سبحان الله!!، ما علمت من أحد يعقل؛ ترك ذلك من ميته، والله إن الرجل ليحمل فراشه حتى يحرف به إذا لم يُستطع ذلك»، ومعنى حروف الميت؛ صرفه وإمالته، وقوله فوضه؛ القياس فيضه، من فاض يفيض فيضا، يقال فاضت روحه إذا مات.
وفي توجيه المحتضر إلى القبلة روايتان عن مالك:
ففي الواضحة: «لا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة إن يستطع ذلك».
وفي المجموعة قال ابن القاسم عنه في التوجيه: «ما علمته من الأمر القديم».
ويظهر لي أن الرواية المثبتة هي المتأخرة، وأما جعل وجه المحتضر إلى القبلة؛ فلأن هذه هي الهيئة التي يجعل عليها الميت في قبره، وقد قال بذلك بعض السلف كما في المصنف لعبد الرزاق برقم (٦٠٦١) وقيل يوجه مستلقيا، والله أعلم
وأما إغماض عينه إذا مات؛ فلحديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، فصيح ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله رب العالمين، اللهم افسح له في قبره، ونور له فيه»، رواه مسلم وأبو داود (٣١١٨)، وهذا لفظه، وفي مسلم قوله ﷺ: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، قال أبو داود بعد رواية الحديث المتقدم: «وتغميض الميت بعد خروج الروح، سمعت محمد بن محمد بن النعمان المقري، قال سمعت أبا ميسرة رجلا عابدا يقول: أغمضت جعفرا المعلم وكان رجلا عابدا في حالة الموت، فرأيته في منامي ليلة مات يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل أن أموت»، انتهى، ومن الحكمة في ذلك اجتناب ما في بقاء عيني الميت مفتوحتين من نكارة المنظر.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
تلقين المحتضر لا إله إلا الله
• قوله:
٢ - «ويلقن لا إله إلا الله عند الموت».
دليل التلقين قول النبي ﷺ: «لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة: د/ ٣١١٧)، والمراد بالموتى من حضرهم الموت، من تسمية الشيء بما يؤول إليه، فهو مجاز، ولا إله إلا الله أفضل ما قاله رسول الله ﷺ، والنبيون من قبله، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل مرفوعا: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، رواه ومسلم وأبو داود (٣١١٦)، ولذلك كان مطلوبا أن يذكر بها المسلم في غمرات الموت حتى يموت عليها، والظاهر الاكتفاء بشطرها هذا دون شطر الشهادة لنبينا محمد ﷺ بالرسالة، لأن الملقن مسلم موحد وإنما الغرض تذكيره بكلمة التوحيد، ولأن هذه الكلمة بشطرها الأول جاء الحث على قولها في أدبار الصلوات، وكونها تقال عشرًا بعد المغرب والعشاء، وقال رسول الله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله مائة مرة غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»، ولفظ أبي داود كما رأيت فيه لقنوا موتاكم «قول لا إله إلا الله».
وقد رأيت بعض الشراح إذا ذكروا حديث التلقين المتقدم أثبتوا معه شطر الشهادة الثاني، وهو لا وجود له في شيء من الروايات، ومن المثبتين له الشيخان زروق، والخراشي، ومن تتبع أحاديث التلقين ورواياتها أيقن أن المقصود خصوص الشطر الأول، ولا يتسع المقام لبسط ذلك، وإنما توقفت عند هذا الأمر لأن بعض من لا علم عنده شنع علينا بتقولات لا تمت إلى العلم بصلة، ولذا فإني أوصي بعدم الخوض مع الناس في مثل هذه المسألة.
قال المناوي في فيض القدير: «وظاهره أنه لا يلقن الشهادة الثانية، وذلك لأن القصد ذكر التوحيد والصورة أنه مسلم، فلا حاجة إليها، ومن ثم وجب تلقينهما للكافر»، انتهى.
قلت: أما عرض النبي ﷺ لا إله إلا الله على عمه أبي طالب لما احتضر كما في
[ ٢ / ٢٠٩ ]
صحيح البخاري (١٣٦٠) عن سعيد بن المسيب عن أبيه؛ فإما لأن تلك الكلمة عنوان على الشطرين، والقرينة الصارفة كون المعروض عليه كافرا، ولإجماع المسلمين على أن من لم يشهد لمحمد ﷺ بالرسالة ليس بمؤمن، والظاهر أن أبا طالب كان مقرا برسالة النبي ﷺ، ولم يكن موحدا، وذهب شارح بلوغ المرام إلى ترجيح تلقينه الشطرين، ومن العجب أن يستدل الشوكاني في السيل الجرار (١/ ٣٣٤) على تلقين الميت شطري الشهادة بحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله،،، الحديث، وهذا في الكفار ودخولهم الإسلام لا يتم بغير ذلك، فلا علاقة له بما نحن فيه.
وقد قال بعض أهل العلم: يقال عند الميت لا إله إلا الله، ولا يقال له قل، لأن الشيطان يحضره، وقد يرد عليه المحتضر ما يدعوه إليه من الكفر، فيقول له لا، فيظن به السوء، لكن الظاهر من قوله ﷺ لقنوا موتاكم أن يقال له قل، وورد في المرفوع ما فيه الأمر بالقول فينقطع النزاع، ومما قالوه أيضا أنه إذا لقن وقالها لا تكرر عليه إن لم يتكلم بعدها لحصول المقصود، وهو أنها آخر كلامه، ولما في ذلك من الإثقال عليه، فإن تكلم لقن من جديد، وهذا حق، والله أعلم.
[ ٢ / ٢١٠ ]
الحرص على أن يكون المحتضر طاهرا
• قوله:
٣ - «وإن قدر على أن يكون طاهرا، وما عليه طاهر؛ فهو أحسن، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب».
استدامة طهارة الثياب والبدن والمكان الذي يلابسه المرء مما لا يختلف في تشوف الشارع إليه، وفي كون الميت طاهرا إكرام للملائكة الذين يحضرون لقبض روحه، وقد ورد فيما ذكره المصنف ما رواه أبو داود (٣١١٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ لما حضرته الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها».
ومما يستدل به لذلك؛ استياك النبي ﷺ وهو في حال الوفاة كما في حديث عائشة عند البخاري (٤٤٣٨) قالت: «دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ ببصره، فأخذت السواك فقضمته، ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانا قط أحسن منه»، وقولها: فأبده؛ هو بالباء الموحدة تحت، المفتوحة، والدال المفتوحة المشددة، أي مد نظره إليه.
أما أنه لا يقربه الجنب؛ فلما ورد أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب، رواه أبو داود (٢٢٧) عن علي ﵁، وفيه عبد الله بن نجي صدوق، وأبوه مقبول كما في التقريب، ولو صح فقد قال بعض أهل العلم يكون المراد بالجنب من يؤخر الاغتسال عن وقته المطلوب تهاونا، وقد ترجم أبو داود راويه بما يدل على هذا، أما العاجز عن الماء أو فاقده؛ فإنه يرفع الجنابة بالصعيد، ولذلك كان الجنب إذا أراد أن ينام مطالبا بالوضوء تخفيفا للجنابة، وروى البزار عن ابن عباس مرفوعا: «ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب والسكران والمتمضمخ بالخلوق»، المتمضمخ بالخلوق هو المتلطخ، والخلوف
[ ٢ / ٢١١ ]
بفتح الخاء الطيب له لونا.
فأما الحائض؛ فقال الغماري في مسالك الدلالة: «في مصنف ابن أبي شيبة ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: «كانوا إذا حضروا الرجل يموت أخرجوا الحيض»، وهذا لا حجة فيه، ومع ذلك فأنت تعلم أن أمر الحيض يخفى إلا على خواص المرأة في العادة، فكيف يكون هذا الأمر مما يكلف الناس فعله عموما؟، ولعله لذلك قال مالك: «ولا بأس أن تغمضه الحائض والجنب»، وأمر الحائض أخف من الجنب، لأنها لا دخل لها في انقطاع الدم، وقد اختلف العلماء في قراءتها القرآن فكيف بتوليها أمر الميت؟.
وقد صح أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل، أو تصاوير، إلا رقما في ثوب، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، والرقم المستثنى قيل ما لا ظل له، والظاهر كون الصورة غير تامة، وإلا فبحيث نكون ممتهنة، وهذا كله في استعمال ما هو موجود أما الإقدام على صنعه فبتناوله النهي والوعيد، ومن المعلوم أن المنهي عن اتخاذه من الصور ما كان من ذوات الأرواح، وفي المرفوع: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة»، رواه رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن أبي طلحة ﵁، لكن من الحرج أن يأذن الشارع في اتخاذ الكلب للزرع والصيد والماشية ثم يقع التكليف بمنعه من دخول البيت مع ما في ذلك من العسر، وروى أبو داود (٢٥٥٥) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس»، وإذا كان هذا خارج البيت ففيها يكون الأمر أولى، فالظاهر تخصيص المنع.
والمطلوب إبعاد ما ذكر مما صح الخبر فيه عن البيت مطلقا، لأن عدم دخول الملائكة البيت مما تقل به بركته وخيره، ووقت الاحتضار فيه زيادة على ما تقدم دخول الملائكة التي تقبض الروح فتتأذى بذلك.
[ ٢ / ٢١٢ ]
قراءة سورة يس عند المحتضر
• قوله:
٤ - «وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به».
روى أحمد وأبو داود (٣١٢١) والنسائي وابن ماجة عن معقل بن يسار قال: قال النبي ﷺ: «اقرؤوا على موتاكم ﴿يس﴾»، والحديث ضعيف لأن فيه مجهولين كما قال النووي في الأذكار، وضعفه الدارقطني في نقل ابن العربي، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما أشار إليه المصنف، وهو يريد به ابن حبيب وقوله هذا في النوادر: «ولا بأس أن يقرأ عنده يس، وإنما كره مالك ذلك أن يكون استنانا».
قال ابن ناجي: «وظاهر كلام الشيخ أن الخلاف إنما هو في القراءة بسورة يس، أما القراءة بغيرها فالاتفاق على أنها غير مشروعة هنا، وهو كذلك».
ومن الذين قووا الحديث الشوكاني، والمذهب كراهة القراءة مطلقا عند الاحتضار، وبعد الموت، وعلى القبر، لا فرق بين هذه الثلاثة، إما لأن الحديث لم يبلغ مالكا، أو لعدم صحته عنده كما هو الواقع.
قال ابن نافع في المجموعة عن مالك، وقال أشهب عنه في العتبية أيضا: «ليس القراءة عنده والإجمار من عمل الناس»، قلت: هذا في إجمار البيت نتل ذكره خليل، أما إجمار الكفن فسيأتي الكلام عليه.
وقال خليل ذاكرا المكروهات: «وقراءة عند موته، كتجمير الدار، وبعده، وعلى قبره»، وتوجيه كلام الإمام بما سبق عن ابن حبيب أو غيره غير مقبول كما هو واضح، وقد جاء من بعده من وسعوا دائرة (الترخيص)، اعتمادا على ما تقدم من التوجيه؛ فقال الشيخ علي الصعيدي العدوي: قال العلماء «ومحل الكراهة عند مالك إذا فعلت على وجه السنية، وأما لو فعلت على وجه التبرك بها، ورجاء بركتها فلا»، أقول: هذا هو الذي يقصده
[ ٢ / ٢١٣ ]
الناس بالقرآن، فلا ينبغي كراهة ذلك في هذا الزمان، وتصح الإجارة عليها»، انتهى كلام الصعيدي، وقال نحوه الخراشي.
قلت: أين هذا التفصيل في قول مالك؟، ولم لم يفعله الناس في عصره للتبرك؟، أم أنهم كانوا مستغنين عنه؟، ثم إنه في نفسه غير ممكن، إذ كيف يقرأ المسلم القرآن وهو من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى، ثم يقول أنا لا أقصد أن فعلي سنة، وإنما أقصد التبرك، وكيف يتبرك بغير السنة؟، وما ذا بعد السنة غير البدعة؟، وليس الإلحاح هنا على رفض القراءة نفسها، وإنما المراد أن يبتعد عن تحميل أقوال الأئمة ما لم يريدوه كهذا التوجيه لكلام مالك، كما وجه كلامه في إبائه قراءة القرآن جماعة، وهو قوله: «لم يكن من عمل الناس»، ثم يضاف إلى هذا؛ القول بجواز أخذ الأجرة على هذه القراءة، قال زروق: «وما لم يصحبه العمل مما ورد الترغيب فيه فليس بمندوب عند مالك، لأنهم كانوا أحرص على الخير، وأعلم بالسنة، وما تركوه إلا لأمر عندهم فيه»، يريد زروق بيان قاعدة عند مالك وهي اعتماده على العمل، فإذا رأى الناس لم يعملوا بما ورد الترغيب فيه كان موقفه منه ما عرفت، فكيف بقراءة يس التي لم يصح فيها النقل، ولا وجد العمل به؟، فالله الله في دينكم أيها الناس، لكن في تقييد الأخذ بالسنة بعمل الناس شيء، إلا أن يجمعوا على خلافها، وأين هذا من ترك جهة بعينها لها؟، وقد لا يستقسم القول بأنهم أطبقوا على تركها.
[ ٢ / ٢١٤ ]
مشروعية البكاء من غير صوت
• قوله:
٥ - «ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع، وينهى عن الصراخ والنياحة».
جمود العين مذموم، قال رسول الله ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع»، رواه الترمذي (٣٤٨٢) والنسائي عن ابن عمرو، وأبو داود (١٥٤٨) عن أبي هريرة، وذكر رسول الله ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»، وقرأ ابن مسعود عليه ﷺ من سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، قال حسبك، قال: «فالتفت فإذا عينا رسول الله ﷺ تذرفان»، وقد بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه، وقال عن ذلك إنه رحمة، ثم قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، وبكى على عثمان بن مظعون، وبكى على سعد بن عبادة، وبكى على صبي لبنته زينب، ﵍، فقال له سعد ما هذا يا رسول الله؟، فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»، وهو في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، وبكى عند قبر أمه، وأقر أبا بكر وعمر على البكاء على سعد بن معاذ، كما أقر آل عمه جعفر ﵁ على البكاء عليه، ثم نهاهم عن البكاء عليه بعد ثلاث، كما رواه أبو داود عن عبد الله بن جعفر، وبكى أبو بكر على رسول الله ﷺ بعد وفاته، وهو في صحيح البخاري عن عائشة، لكن ورد عنه بعد إقراره البكاء حال احتضار عبد الله بن ثابت قوله: «فإذا وجب فلا تبكين باكية»، رواه مالك (٥٥٤) وأبو داود عن جابر ابن عتيك، ومعنى وجب مات.
والجمع بين ما سبق أن يكون المنهي عنه هو ما كان مصحوبا بصراخ أو نياحة، والمأذون فيه البكاء بدمع العين فحسب من غير تكلف ولا استدعاء، ذلك أن البكاء لا
[ ٢ / ٢١٥ ]
يقدر المرء على دفعه، لكن بإمكانه كتمانه والحد منه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النجم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾.
[النجم: ٥٩ - ٦٠]
السن تضحك والأحشاء تحترق … وإنما ضحكها زور ومختلق
يا رب باك بعين لا دموع لها … ورب ضاحك سن ما به رمق
وإنما تحدث أهل العلم عن البكاء على الميت وبينوا ما يجوز منه مما لا يجوز؛ لأنه يقع عند الموت ويحصل من الناس ما هو غير مشروع، كالاجتماع عليه، ورفع الصوت به، وتعداد محاسن الميت، والافتخار بخصاله، أو شق الثياب، ونشر الشعر، وضرب الوجه، وكونه مصحوبا بالجزع والتسخط، ولذلك قيد المؤلف المشروع منه بما كان بالدموع، يعني لا برفع صوت.
ويجمع الجائز من البكاء والممنوع منه قول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: «ألا تسمعون؟، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم»، وقول المؤلف حينئذ يعني وقت الاحتضار، وكأنه يشير إلى أن الجواز مقيد بذلك الوقت، والظاهر من النصوص جواز البكاء قبل الموت وبعده بلا رفع صوت ولا كلام مكروه ولا اجتماع، قاله زروق نقلا عن ابن حبيب.
وقد ورد الوعيد الشديد على الصراخ والنياحة، من ذلك قول النبي ﷺ: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»، متفق عليه من حديث ابن مسعود، وقوله ليس منا؛ فيه الزجر الشديد عما ذكر بالبراءة من فاعله، والجيوب جمع جيب الفتحة التي يدخل منها الثوب الجسد، والمقصود بشقها؛ إكمال شقها، والمراد ب «دعوى الجاهلية»؛ مناداة الباكي الميت كقوله واسنداه واجبلاه واعضداه، أو يقول يا ويلاه واكرباه، ونحو ذلك، وقد روى مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، رواه أحمد ومسلم.
أما ما ورد من ذلك عن بعض الصحابة الكرام مما يخالف، كقول فاطمة -رضي الله تعالى عنها- بعد
[ ٢ / ٢١٦ ]
موت أبيها ﷺ: «واكرباه»، وقولها: «يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه»، وهو في صحيح البخاري (٤٤٦٢) عن أنس، وكذا قول أبي بكر ﵁ حين وقف على جثمان النبي ﷺ: «وانبياه، واصفياه، واخليلاه»، فقيل إن ذكر بعض محاسن الميت لا حرج فيه، إذا لم يصحبه تسخط على القدر.
والصواب إن شاء الله: أن هذا مما قد يغلب عليه المرء فلا يتمالك، ومن بدر منه شيء من ذلك على هذا النحو فلا مؤاخذة، وقد أقر النبي ﷺ فاطمة على ذلك حيث قالت: واكرباه، فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم»، وهو في صحيح البخاري عن أنس وقد تقدم، أما أنهما لم يبلغهما الخبر؛ فهذا بعيد مع عموم البلوى بذلك.
وعن أبي بردة قال: «وَجِعَ أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما أفاق قال: «أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ، فإن رسول الله ﷺ، برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة»، رواه الشيخان، والصالقة الرافعة صوتها بالبكاء، وقيل الصلق ضرب الوجه، وليس ببعيد، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة حزنا وأسفا، والشاقة التي تشق ثوبها لذلك.
ويدل كلام أبي موسى بعد إفاقته من غشيته أن المرء ينبغي أن ينهى أهله وغيرهم عما ذكر، فإن كان يعلم من أهله ذلك ولم ينههم كان آثما إن هم فعلوا ذلك به، لأن من لم ينه عن المنكر مع تمكنه من ذلك يأثم، وقد ورد في ذلك قول النبي ﷺ: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٣١٢٩) عن ابن عمر، وهذا لا ينبغي أن يعارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، فإن المعنى أن أحدا لا يحمل ذنب أحد فيقع التخفيف بذلك عنه، ومقابلها القاعدة التي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، والمقصود أن الأولى تثبت المسؤولية الشخصية على المخالفات والمعاصي، يدل على ذلك سياقها في سورتي الإسراء وفاطر، لكنها مخصوصة بهذا وبغيره، أو لأن الذي يعذب ببكاء أهله إنما يعذب بما ارتكب من ترك النهي عن المنكر الذي علمه من أهله وهو حي، والنهي عن المنكر واجب، وهذا ما يحسن حمل كلام أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عليه، وقال النبي ﷺ: «،،، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، وهذا إنما صدر عنه فعله ولم يفعل ما فعله من ائتسى به، وما ذا يقال فيمن علم أن عادة قومه بناء القباب والضرائح على من يظنونهم من أهل العلم أو هم
[ ٢ / ٢١٧ ]
كذلك، ثم لا يوصي بعدم البناء عليه؟.
وقد قال الشيخ الطاهر بن عاشور عن هذا المعنى في كتابه النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح (ص/ ٤٢) إنه «تأويل بعيد، إذ لا يجب على أحد أن يوصي قومه بأن لا يفعلوا منكرا بعد موته!!، لأن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ورؤيته، وأما الوصايا باجتنابه قبل وقوعه ففضيلة وتنبيه، وليس ذلك بالواجب، فإن أحكام الشريعة تقررت في تكليف الناس فلم يلزم التذكير بها»!!، انتهى.
أما أن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ورؤيته فنعم، لكن هذا الذي بكى عليه أهله بكاء غير مشروع، وكان يراهم يفعلون ذلك في حياته ولم ينههم؛ هو معاقب على تقصيره في نهيهم حين رآهم يفعلون، لا على منكر حصل من بعده، فإذا مات ولم يفعلوا ما ذكر فذاك، فوقب لأنه نتيجة تفريطه في تعليم أهله، وأما أن أحكام الشريعة قد تقررت، فلم يجب التذكير بها، فلا يسلم لقائله، إذ التعليم مطلوب، وقد يكون واجبا، ثم يقال إن تقرر أحكام الشريعة يتفاوت في الإلمام به الناس، إذ علمهم بأحكامها غير متساو، بل ولو قدرنا أنهم في منزلة واحدة من العلم بها وهيهات؛ فإن من علم كثيرا ما يواقع المخالفة، فيتعين أمره ونهيه، فمن كان قادرا على ذلك وقصر فعلى نفسه جنى، والاعتماد على ما قاله مؤد إلى عدم لزوم النهي عن المنكر أصلا في كل ما تقرر من أحكام الشريعة وكان بينا، وهذا باطل.
قدم ابن عمر من سفر وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر، وذكر ابن أبي زيد في النوادر في (البناء على القبور وتجصيصها) أنه رثاه فقال:
فإن تك أحزان وفائض دمعة … جرين دما من داخل الجوف مُنقعا
تجرعتها في عاصم واحتسبتها … فأعظَمُ منها ما احتسبنا تجرعا
فليت المنايا كن خلفن عاصما … فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
دفعنا بك الأيامَ حتى إذا دنت … تريدك لم نسطع لها عنك مَدفعا
[ ٢ / ٢١٨ ]
ستر عورة الميت وتغسيله بماء وسدر وكافور
• قوله:
٦ - «وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في الأخيرة كافور، وتستر عورته».
هذا قول مالك -رحمه الله تعالى- في الموطإ (٥٢٢)، قال بعد روايته حديث أم عطية: «وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف، وليس لذلك صفة معلومة، ولكن يغسل فيطهر»، وفي المدونة: «ليس في غسل الميت حد، يغسلون، وينقون»، وعدم التحديد من أصول مذهبه، لكن المراد به هنا أن التحديد بعدد معين من الغسلات، أو بتقديم أعضاء الوضوء ليس حتما لا يكفي الغسل دونه، لكن ذلك لا ينفي فضيلة ما ذكر، بدليل قوله (ويغسل وترا)، وفي حديث أم عطية التفويض فيما زاد من الغسلات على الخمس للغاسل، إذ فيه: «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، على أن يكون وترا، قال ابن حبيب: «والسنة أن يكون الغسل وترا»، وقال النخعي: «غسله وتر، وكفنه وتر، وتجميره وتر»، والتجمير التبخير.
وحديث أم عطية هو الأصل في غسل الميت وهو في الموطإ (٥٢٠) وعند الجماعة د/ ٣١٤٢) قالت: «دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه»، هذا لفظ الموطإ، والحديث يدل على أن عدد الغسلات يكون وترا، وأن أقلها ثلاث، ثم يفوض للغاسل بحسب ما يراه.
وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود (٣١٤٦) قال: «أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنه»، وينبغي أن يكون في إحداها سدر، أو ما يقوم مقامه في التنظيف كالصابون، ويكون في الآخرة كافور.
[ ٢ / ٢١٩ ]
قال مالك كما في كتاب ابن القرطي: «ومن اغتسل عند الموت؛ لم يكتف بذلك الغسل إن مات»، ومراده ﵀ بذلك الرد على من زعم كفايته إذ فعله بعض الناس قبيل موتهم، ومن ذلك ما روي عن فاطمة عليها رضوان الله؛ أنها تطهرت قبيل وفاتها واغتسلت، وأوصت أن لا تكشف، ويكتفى بذلك في غسلها، وهذا مستبعد، وورد أن عليا ﵁ غسلها مع أسماء بنت عميس، واستبعد بعض أهل العلم حضور أسماء لموضع وجوب التستر على المرأة، وعلي ليس بمحرم لها.
أما ستر عورة الميت؛ فواجب كما تستر عورة الحي، فإن حرمة هذا كحرمة هذا، ومن قال بالفرق فعليه الدليل، وقال ﵊ وعلى آله: «ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة»، رواه الشيخان وأبو داود (٤٨٦٣)، عن ابن عمر من حديث، وما أكثر ما رأيت الناس يتهاونون في هذا الأمر، وفي المذهب قولان فيما يجب ستره من جسد الميت، الأول أن الواجب ستر السوأتين، وهو ما فهمه اللخمي من المدونة إذ جاء فيها: «ويجعل على عورة الميت خرقة إذا أرادوا غسله، ويفضي بيده إلى فرجه من يغسله إن احتاج إلى ذلك، ويجعل على يده خرقة إذا أفضى بها إلى فرجه،،،»، وهذا كما ترى لا يدل على ما ذهب إليه اللخمي ﵀، ولذلك رده القاضي عياض، والقول الثاني أنها من السرة إلى الركبة في حق الرجل مع مثله، ومع محرمه، وهذا هو الحق، والزيادة على ذلك للتحفظ وسد الذريعة أولى.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
عصر بطنه وكراهة قلم أظفاره وحلق شعره
• قوله:
٧ - «ولا تقلم أظفاره، ولا يحلق شعره، ويعصر بطنه عصرا رفيقا».
وقد علّلوا ما ذكره المؤلف بأن تقليم الأظفار وحلق الشعر من الزينة، وهي للحي لا للميت، وهذا التعليل ليس صحيحا، فإن الميت يغسل ويطيب، ويكفن في الأبيض، وتجمر ثيابه، ويجعل فيها الحنوط، وثبت مشط شعر الميتة وضفره، وجعله ثلاثة قرون، كما في الصحيحين وسنن أبي داود والظاهر أن ذلك كان من النساء بعد علمهن بالجواز لأنه الأصل، كما أن الظاهر أن تغسيل الميت للتعبد وللنظافة أيضا، وكل هذا من الزينة، وعلله بعضهم بأنها أجزاء منه وأبعاض، فينبغي أن تدفن معه، فإذا أزيلت ضمت إليه، وهذا لا يتجه، فإذا جاء من الدليل ما يؤخذ منه حكم المنع، وإلا فالأصل ما ذكر، وقد ورد عن بعض السلف فعل شيء من ذلك بالموتى، أو ذهبوا إلى مشروعيته، منهم سعد بن أبي وقاص، والحسن البصري وهما في مصنف عبد الرزاق في أرقام (٦٢٢٨) و(٦٢٣٤) و(٦٢٣٥)، وفيه أيضا كراهية عطاء وأيوب وابن أبي ليلى له، كما كرهه مالك، قال في المدونة: «وأكره أن يتبع الميت بمجمرة، أو تقلم أظفاره، أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله».
أما عصر البطن فإنه من تمام تطهير الميت وتنظيفه، لكن ينبغي أن يكون برفق، وذلك قبل الشروع في الغسل، حتى لا ينزل بعده ما يلطخ كفنه، وفي مصنف عبد الرزاق (١٦٧٤) عن ابن المسيب قال: التمس علي من النبي ﷺ ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: «بأبي وأمي طيبا حيا، وطيبا ميتا»، وظاهره الإرسال كما ترى، لكن رواه ابن ماجة (١٤٦٧) عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال: لما غسل النبي ﷺ، فذكره نحوه، وصححه الألباني، وذهب بعض أهل العلم إلى إعادة الغسل إذا نزل من الميت شيء، وبعضهم إلى إعادة الوضوء، والظاهر عدم الإعادة، إذ لا وجه لقياس انتقاض وضوء الميت على انتقاض وضوء الحي، فأقصى ما يمكن أن يقال أن يغسل ذلك عن الميت من جديد للتنظيف، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٢١ ]
البدء بأعضاء الوضوء في تغسيل الميت
• قوله:
٨ - «وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن، وليس بواجب».
تقديم أعضاء الوضوء، وكذا تقديم الميامن على المياسر في غسل الميت مما أمر به رسول الله ﷺ كما في الصحيحين، د/ ٣١٤٥) من حديث أم عطية، فإنه قال لهن في تغسيل بنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، ولأن هذه الصفة في غسل الحي، وقد عدوها من الفضائل، فتكون كذلك في غسل الميت لثبوت المشابهة بينهما.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قلب الميت على جنبه أثناء تغسيله
• قوله:
٩ - «ويقلب لجنبه في الغسل أحسن، وإن أجلس فذلك واسع».
الميت إذا وضع على جنبه الأيسر كان ذلك هو المناسب حتى يتمكن الغاسل من البدء بغسل جنبه الأيمن، لأن الميامن مقدمة، ثم يقلبه على جنبه الأيسر فيغسله، فإن لم يتيسر ذلك فعل ما أمكن مما ليس فيه تشويه لمنظر الميت، وبناء على هذا اختلف العلماء في الوضع الذي يجعل عليه، فرأى ابن القاسم أن يقلب ظهرا وبطنا ولا يجلس، وقال القاضي عبد الوهاب يجلس الميت، لأنه أمكن في مناولة غسله، وهذا حق لكنه خلاف الأفضل لما فيه من تشويه منظره، والحاجة إلى كثرة المعالجة والتحريك للميت، مما قد يتنافى مع الرفق به وهو مطلوب.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
تغسيل كل جنس لجنسه
تغسيل كل من الزوجين الآخر
• قوله:
١٠ - «ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة، والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا محرم من الرجال؛ فليمم رجل وجهها وكفيها، ولو كان الميت رجلا؛ يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين إن لم يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه، فإن كانت امرأة من محارمه؛ غسلته وسترت عورته، وإن كان مع الميتة ذو محرم؛ غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها».
إذا مات الشخص فلا يخلو الحال من أربعة أقسام بالنظر إلى من مع الميت من الناس:
الأول: أن يكون مع الميت جنسه من الرجال والنساء؛ فيغسل الرجال؛ الرجال والنساء؛ النساء باتفاق، كيف وقد أسلم النبي ﷺ بنته زينب للنساء يغسلنها؟.
والثاني: أن يكون للميت زوج؛ فعلى المذهب؛ يغسل الزوج زوجته، كما تغسل الزوجة زوجها، بل المذهب أن الزوجين يقدمان، ولو توفر من يغسل الميت من جنسه، قال خليل: «وقدم الزوجان إن صح النكاح إلا أن يفوت فاسده».
والثالث: أن لا يكون مع الميت جنسه من الرجال والنساء، ولا بين الميت والحي علاقة زواج، فهذا لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون بين الميت والحي محرمية، والمذهب أن المرأة المحرم تغسل محرمها، وتستر عورته من السرة إلى الركبة، كما يغسل الرجل محرمه المرأة ويسترها، والقياس أن يستر ما عدا رأسها وأطرافها، والتحفظ بالزيادة أولى كما تقدم.
والثاني - وهو الرابع - أن لا يكون بينهما محرمية، فمشهور المذهب أن ييمم الرجل
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ييمم غير المحرم المرأة وتيممه هي
المرأة الأجنبية وجهها وكفيها، وتيمم المرأة الأجنبية الرجل وجهه ويديه لمرفقيه.
ودليل تغسيل كل من الزوجين الآخر حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع وأنا أجد صداعا في رأسي، وأقول وارأساه، فقال: «ما ضرك؟، لو مت قبلي، فقمت عليك، وغسلتك وكفنتك»، رواه أحمد والدارمي وابن ماجة والدارقطني، وجه الدلالة منه تمني النبي ﷺ ذلك أو ربطه به ربط الشرط بجزائه، وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه»، تعني رسول الله ﷺ رواه أبو داود (٣١٤١) وابن ماجة، وأوصى أبو بكر أن تغسله أسماء بنت عميس زوجته، فغسلته، وأوصت فاطمة أن يغسلها علي فغسلها، ولأن كلا من الزوجين أحق بمباشرة الآخر، فإنه لما كان يحل له من الآخر ما لا يحل لغيره منه؛ كان في ذلك وجه تقديمه على غيره من جنس الميت، قال ابن القاسم في المدونة: وسألته عن رجل يغسل امرأته في الحضر، وعنده نساء يغسلنها؟، فقال: نعم»، وقال مثل ذلك في المرأة، ثم قال، فقلت له: أيستر كل واحد منهما عورة صاحبه؟، فقال: نعم، وليفعل كل واحد منهما بصاحبه كما يفعل بالموتى يستر عليهم عورتهم»، فلم يقس مالك ﵀ حال الموت على حال الحياة، وهو جواز نظر المرأة عورة زوجها، والرجل عورة امرأته، وهذا حق.
أما تغسيل الرجل محرمه من النساء، وعكسه، ففيه ثلاث روايات عن الإمام:
أولاها: ما في الموطإ (٥٢٢) من قول مالك إنه سمع أهل العلم يقولون: إذا ماتت المرأة وليس معها نساء يغسلنها، ولا من ذوي المحارم أحد يلي ذلك منها، ولا زوج يلي ذلك منها؛ يممت، فمسح بوجهها وكفيها من الصعيد»، وقال أيضا: «وإذا هلك الرجل، وليس معه أحد، ولا نساء؛ يممنه أيضا»، قوله هنا: «ولا نساء»؛ يعني محارم، وهذا يدل على أن محارم المرأة من الرجال يغسلونها، ومحارم الرجل من النساء يغسلنه، لكن هذا الإطلاق في التيمم هنا مقيد عند مالك بما ذكره ابن عبد الحكم عنه من أن المرأة تيمم الرجل غير المحرم للمرفقين، وأن الرجل يممها للكوعين، وهو بهذا التفصيل في المدونة أيضا، ووجه ذلك أن الرجل إنما يجوز له أن ينظر من المرأة وجهها وكفيها، فاقتصر على الكوعين لأن مسحهما هو الواجب في المذهب كما تقدم في التيمم.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
تغسيل المحرم لمثله
قال ابن عبد البر (الاستذكار ٣/ ١٣): «ليس فيما حكاه (يعني مالكا) بين العلماء خلاف، إلا في: هل يغسل المرأةَ إذا ماتت ذو المحرم منها، أم لا؟، فإن هذا موضع اختلفوا فيه، فقال مالك في المدونة وفي العتبية من رواية سحنون وعيسى عن ابن القاسم ومن سماع أشهب؛ إنه أيضا جائز أن يغسل المرأة ذو محرم منها من فوق الثوب إذا لم يكن نساء، وكذلك الرجل تغسله ذات المحرم منه إذا لم يكن رجال، وتستره».
والرواية الثانية: أنه يكتفى في المرأة بصب الماء عليها، وهو ما رواه أشهب عن مالك في العتبية، كما رواه عنه ابن وهب، قالا عنه في امرأة ماتت بفلاة، ومعها ابنها يغسلها؟، قال: ما أحب أن يلي ذلك منها، قيل أيممها؟، قال: يصب الماء عليها من وراء الثوب أحب إلي».
والرواية الثالثة: رواية ابن غانم عنه، يممها للمرفقين، ولا يغسلها ابنها ولو بصب الماء عليها، وأخذ بهذه الرواية أشهب، لكنه رأى مع ذلك أن تغسيلها من فوق ثوب واسع، يعني أنه جائز، قال ابن عبد البر: وذكر محمد بن سحنون عن أشهب أنه لا يغسل ذو المحارم بعضهم بعضا، ولكن يممون».
قال الشوكاني عليه رحمة الله: «وإذا ألجأت الضرورة فلم يوجد الجنس غسل الجنس غير جنسه، مع ستر ما لا يجوز النظر إليه، ويكون الدلك بحائل، وإذا تعذر الدلك فالمسح، وإذا تعذر المسح فالصب، وإذا تعذر الصب ارتفع وجوب الغسل، ومحارم المرأة مع الرجال؛ أقدم من سائر الرجال، ومحارم الرجل من النساء؛ أقدم من سائر النساء للتخفيف بين المحارم في مقدار العورة».
[ ٢ / ٢٢٦ ]
تكفين الميت في وتر من الثياب
• قوله:
١١ - «ويستحب أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب، أو خمسة، أو سبعة، وما جعل له من أزرة، وقميص، وعمامة، فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر، وقد كفن النبي ﷺ قي ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا ﷺ، ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم».
تكفين الميت في حدود ستره واجب، والمستحب كون الكفن وترا: ثلاثة، أو خمسا للذكر، وسبعا للأنثى لا يزاد على ذلك، هذا هو مشهور المذهب، وما ذكره المؤلف من كفن النبي ﷺ هو في الموطإ (٥٢٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، د/ (٣١٥١).
قال ابن عبد البر: «هذا أثبت ما يروى عن النبي ﷺ في كفن الميت من جهة النقل»، قولها سحولية؛ بفتح السين وضمها ثياب بيض نقية، لا تكون إلا من قطن، وقيل هي منسوبة إلى سحول قرية باليمن تصنع فيها، وقولها: «ليس فيها قميص ولا عمامة»؛ ظاهره أنه ﷺ لم يقمص ولم يعمم، وقد جاء عن الشعبي كما في طبقات ابن سعد ما يدل على أن الثلاثة الأثواب التي كفن فيها رسول الله ﷺ هي إزار ورداء ولفافة، ذكره صاحب سبل السلام، وقيل إن المعنى أن القميص والعمامة لم يعتد بهما فيما كفن فيه، والأزرة بضم الهمزة، هي الإزار، وهو للجزء الأسفل من الجسم، والرداء للأعلى منه، ومجموعهما يسمى الحلة، وقد أخذ من الحديث المتقدم استحباب الاقتصار في الكفن على ثلاثة أثواب، لما في الزيادة عليها من إضاعة المال وهي منهي عنها، إلا أن تكون بحيث لا يتم بها الستر المطلوب كما عليه الثياب التي تشترى للكفن عندنا فإنها كالشفافة، ووجه انتزاع هذا الحكم من الحديث أن الله تعالى لا يختار لنبيه إلا ما هو أفضل.
وليس في الموطإ في هذه المسألة غير الحديث المتقدم، وما رواه (٥٢٤) عن يحي
[ ٢ / ٢٢٧ ]
كفن المرأة
رواية عن الإمام بعدم تقميص الميت وتعميمه
بن سعيد قال بلغني أن أبا بكر الصديق قال لعائشة - وهو مريض - في كم كفن رسول الله ﷺ؟، فقالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فقال أبو بكر: «خذوا هذا الثوب - لثوب عليه - قد أصابه مشق، أو زعفران، فاغسلوه، ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين»، فقالت عائشة: وما هذا؟، فقال أبو بكر: «الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هذا للمهلة»، والمشق بكسر الميم المغرة بفتح الميم وسكون الغين، وهي طين أحمر، اشتبه على الراوي أي منهما الذي أصاب الثوب، مشق، أو زعفران، والمراد أنه كان فيه ما ينبغي غسله منه للتنظيف، وإلا فالثوب المستعمل يجوز التكفين فيه، ولا يتعين غسله، والمقصود أنه ﵁ حرص على أن يعلم عدد الأثواب التي كفن فيها صاحبه ﷺ ليأمر أن يفعل ذلك به، ورغب عن أن يكفن في جديد، ورأى أن الحي أولى به، لكن علماء المذهب أخذوا من الحديث المتقدم كون الكفن وترا فقالوا به، ولم يروا بالزيادة على الثلاثة بأسا، وقد ورد ما يدل على الزيادة على ثلاثة بالنسبة للمرأة فعن أم عطية قالت عن أم كلثوم بنت النبي ﷺ: «كفناها في خمسة أثواب، وخمرناها كما يخمر الحي»، نسبه الحافظ في (الفتح ٣/ ١٧١) للجوزقاني، وقال وهذه الزيادة صحيحة الإسناد»، والمشهور في المذهب كراهة الزيادة على الخمسة للرجال، وعلى السبعة للنساء، قال خليل مبينا عدد ما يكفن فيه الرجال والنساء: «وتقميصه وتعميمه وعذبة فيها، وأزرة ولفافتان، والسبع للمرأة».
وللإمام في تقميص الميت وتعميمه قولان، قال الباجي: روى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك أن الميت يقمص ويعمم،،،، إلى أن قال: وقال القاضي أبو الحسن إن مذهب مالك أنه غير مستحب، وقد رواه يحي بن يحي عن ابن القاسم أن المستحب أن لا يقمص ولا يعمم، ونحا به نحو المنع، وبه قال الشافعي»، ثم اختار الباجي الجواز، لحديث جابر الذي فيه أن النبي ﷺ كسا عبد الله بن أبي بن سلول قميصه»، وهذا والله أعلم لا حجة فيه لا على الزيادة على ثلاثة أثواب، ولا على تقميص الميت لكون المفعول به ذلك ليس مسلما، مع أنني رايت كثيرا من أهل العلم يستدلون به على ذلك، وقد يقال أنه مسلم في الظاهر.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
تحنيط الميت
• قوله:
١٢ - «وينبغي أن يحنظ، ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده، ومواضع السجود منه».
الحنوط بفتح الحاء هو ما يطيب به الميت من مسك وعنبر ونحوهما فيستحب أن يجعل على جسد الميت، ولا سيما في مراقه، ومواضع السجود منه، ومن الحكمة فيه بعد كونه طيبا عدم إسراع التلف له، ودليله حديث ابن عباس ﵄ قال: «بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا»، رواه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقصته؛ كسرته، بسقوطه من عليها، وتخمير الرأس تغطيته، ووجه الدلالة فيه أنه نهاهم عن تحنيط المحرم، فدل على أنهم كانوا يحنطون الموتى، وإلا ما احتاج إلى أن ينهاهم، لكن المشهور في المذهب أن الميت يحنط سواء أكان محرما أم لا، قال في المجموعة: «وليل تحنيط المحرم غير محرم، وليغط رأسه كما يغطى بالدفن»، النوادر (في تكفين الميت وتحنيطه)، والذي يظهر أن الإمام قد بلغه الحديث، كما بدل عليه كلامه في الموطإ، لكنه تأوله، وسيأتي ذكره في الحج ومن ثم قيل في المذهب لا يحنط من مات محرما وهو الحق، وما اعتذر به من كون الحديث السابق واقعة حال لا عموم فيها ليس بناهض لا سيما مع التعليل المصاحب لذلك، وهو قوله: «فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا».
ومما يستحب تبخير الكفن ثلاثا لحديث جابر عند أحمد قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا»، وقوله أجمرتم الميت؛ المراد أجمرتم كفنه، قال في النوادر نقلا عن الواضحة: «فإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله في ثوب، وعورته مستورة، وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترا،،،»، وقال ابن حبيب: «ثم يجعل الكافور على مساجده: من وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه،،،».
[ ٢ / ٢٢٩ ]
لا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه
• قوله:
١٣ - «ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه».
المراد بالشهيد من مات في قتال الكفار، وليس بلازم أن يكون قد قتل على أيديهم، فهذا لا يغسل، ولو علم أنه كان جنبا على المشهور، ولا يصلى عليه، والمذهب أن الغسل والصلاة متلازمان، فمن لم يغسل لم يصل عليه، ويدفن الشهيد في ثيابه، إلا إذا لم تكف لستره فيزاد عليها ما يكفي للستر، ومن حمل من المعركة حيا، ثم مات فإنه يغسل، ويصلى عليه، إلا أن يكون حين رفعه في غمرة الموت، ولم يأكل ولم يشرب، فيعطى حكم الشهيد بالفعل.
والأحكام الثلاثة المذكورة كلها جاءت في حديث جابر الذي رواه ابن وهب كما في المدونة، والبخاري والنسائي والترمذي عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم».
وعن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه فأخطأه، وأصاب نفسه، فقال رسول الله ﷺ: «أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟، قال: نعم، وأنا له شهيد»، رواه أبو داود (٢٥٣٩)، وهو حديث ضعيف يغني عنه حديث مسلم وأبي داود (٢٥٣٨) عن سلمة ابن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، وشكوا فيه: «رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ: «مات جاهدا مجاهدا»، وفيه دلالة على أن من مات في المعركة فهو شهيد ولو لم يقتله الكفار، ما لم يقتل نفسه.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
يصلى على قاتل نفسه وعلى المحدود ولا يصلي عليه الإمام
رواية عن الإمام بعدم قبول توبة القاتل عمدا
• قوله:
١٤ - «ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلي عليه الإمام».
المراد بالحد هو العقوبات المقدرة شرعا على بعض المعاصي كالزنا والسرقة والقذف والحرابة، فما كان منها عقوبته القتلَ فهو المراد هنا، أما ما كانت عقوبته دون القتل ومات فلا يدخل فيما نحن فيه من ترك الإمام الصلاة عليه، والقود بفتحتين القصاص، والقاعدة أن المسلم يصلى عليه، وقتل النفس من أعظم الآثام، وقد يكون فاعله من وجه أكثر إثما ممن قتل غيره، لكن ذلك لا يخرجه عن دائرة الإيمان، فيغسل ويصلى عليه، وما دام مسلما فهو أحوج إلى الصلاة والدعاء له من غيره ممن لم يفعل فعله في الظاهر.
لكن قال بعض العلماء: لا يصلي عليه أهل الفضل، ليكون ذلك زجرا لغيره أن يصنع مثل صنيعه، بخلاف من قتل نفسه خطأ، فإنه يصلي عليه الناس عموما، كما يصلى على من قتل في حد وجب عليه به القتل، كالزاني المحصن، والقاتل عمدا عدوانا، والمحارب قاطع الطريق، فهؤلاء ومن كان مثلهم يصلي عليهم غير الإمام في المذهب، وغير أهل الفضل والصلاح.
وذكر الحافظ في (الفتح ٣/ ٢٨٨) عن الإمام أنه لا توبة للقاتل عمدا وهذا حق، لورود الحديث بذلك وهو مذكور في موضعه، لكنه قال: «ومقتضاه أن لا يصلى عليه»، وهذا ليس بلازم لقول الإمام، لأن عدم قبول التوبة لا يعني كفره، كما لا يدل على عدم مغفرة هذا الذنب لتعدد المكفرات، ويدل عليه ما جاء في المجموعة قال علي قال مالك: «يصلى على كل مسلم، ولا يخرجه من حق الإسلام حدث أحدثه، ولا جرم اجترمه».
وقال عنه ابن القاسم: «يصلى على قاتل نفسه، ويورث، ويصلي الناس على من قتله
[ ٢ / ٢٣١ ]
الإمام في قود، أو رجم في زنا دون الإمام، وقال ابن حبيب: ويصلى على كل موحد، وإن أسرف على نفسه بالكبائر،،،، إلى أن قال: «وإنما يشفع للمسيء» (النوادر في الصلاة على من قتل بقود، أو في حد)، يريد ابن حبيب أنه أحوج إلى أن يصلّى عليه.
ودليل عدم صلاة الإمام على قاتل نفسه؛ ما رواه مسلم (٩٧٨) وأصحاب السنن (د/ ٣١٨٥) عن جابر بن سمرة قال: «أتي النبي برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه»، والمشاقص مفردها مشقص؛ سهم عريض النصل، والظاهر أن المراد بالجمع الواحد، وبه جاءت رواية أبي داود، والظاهر من امتناع النبي ﷺ من الصلاة عليه إنما هو للزجر، يدل عليه قوله كما في رواية النسائي: «أما أنا فلا أصلي عليه»، وجاء أنه قال في الغال: «صلوا على صاحبكم»، رواه أبو داود (٢٧١٠) والنسائي وابن ماجة، وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني، وفيه أبو عمرة مولى زيد المذكور، قال في التقريب مقبول، وقال الألباني في (الإرواء/ ٧٢٦) بعد إثبات كلام للذهبي: «فهو مجهول العين»، والمقصود أن امتناع النبي ﷺ من الصلاة على بعض الموتى لا يدل ولا بد على عدم مشروعيتها، يدل على ذلك أكثر من واقعة، وثبت أنه ﷺ لما أمر برجم الغامدية ورجمت صلى عليها، فقال له عمر: «أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت»؟، فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى»؟، رواه مسلم (١٦٩٦) والأربعة (د/ ٤٤٤٠) عن عمران ابن حصين، وقول عمر أتصلي عليها،،،؟، قرينة على أنه ﷺ صلى عليها بنفسه، وقد اختلف في ماعز هل صلى عليه النبي ﷺ بعد رجمه أو لا؟.
فروى البخاري (٦٨٢٠) عن جابر أن النبي ﷺ قال له خيرا وصلى عليه، قال: «ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري فصلى عليه»، فاعتبر بعض أهل العلم هذه زيادة من ثقة لم تقع منافية فيؤخذ بها، ويؤيدها ما تقدم من الصلاة على الغامدية، وهذا رأي الشوكاني، لكن اعتبرها الألباني شاذة (د/ ٤٤٣٠)، إذ أنه وإن كان السكوت لا ينافيه الإثباث، إلا أن بعضهم صرحوا بعدم الصلاة وهم أكثر، فتكون رواية من أثبت شاذة، وقد جمع الحافظ في (الفتح ١٢/ ١٦٠) بين الروايتين جمعا حسنا بالاعتماد على ما رواه عبد الرزاق من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز أنه قيل للنبي ﷺ أتصلي عليه؟، قال: «لا»، فلما
[ ٢ / ٢٣٢ ]
الفاضل الذي يحصل الزجر بتركه الصلاة على الميت
كان من الغد قال: «صلوا على صاحبكم»، فصلى عليه رسول الله ﷺ والناس»، وقد يختلف الأمر بحسب المقام كأن يتوب مرتكب ما يستوجب الحد ويعترف فيصلي عليه الفاضل، ويترك الصلاة على غيره ممن لم يقع منه ذلك.
والظاهر أن الفاضل هنا هو من شأنه أن يحصل الانزجار بتركه الصلاة على من ذكر، ومن لم يكن معروفا بين الناس بالعلم، أو بالفضل أو بالتقديم؛ لا يحصل بتركه الصلاة شيء من ذلك، ولو كان ذا هيئة حسنة شرعية، أو فاضلا غير معروف في الناس، فهذا خير له أن ينفع أخاه بالدعاء له، وينفع نفسه بحصول الأجر، والله أعلم.
قال خليل عن مكروهات الجنازة ممزوجا بقول شارحه أحمد الدردير: «وكره صلاة فاضل بعلم أو عمل، أو إمامة على بدعي ردعا لمن هو مثله، أو مظهر كبيرة كزنا وشرب خمر، إن لم يخف عليهم الضيعة،،،».
وفي المدونة: أرأيت قتلى الخوارج أيصلى عليهم؟، فقال: قال مالك في القدرية والإباضية: «لا يصلى على موتاهم، ولا يتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى عندي أن لا يصلى عليهم»، قال زروق: «قال سحنون أدب لهم، فإن خيف عليهم الضياع غسلوا وصلي عليهم، وقال ابن عبد الحكم يصلى عليهم ابتداء».
[ ٢ / ٢٣٣ ]
لا تتبع الجنازة بمجمر
إنشاد البردة ورفع الصوت بالذكر في تشييع الجنازة
• قوله:
١٥ - «ولا يتبع الميت بمجمر».
هذا مما لا يجوز أن تتبع به الجنازة، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار»، رواه أبو داود (٣١٧١)، وفيه مجهولان، مجهول عين ومجهول حال، لكن قال الألباني في (أحكام الجنائز ٩١): «يتقوى بشواهده المرفوعة، وبعض الآثار الموقوفة»، وفي الموطإ (٥٣٠) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت لأهلها: أجمروا ثيابي إذا مت، ثم حنطوني، ولا تذروا على كفني حناطا، ولا تتبعوني بنار»، وروى أيضا الأخير عن أبي هريرة، قال يحي: «سمعت مالكا يكره ذلك».
واتباع الجنائز بالنار قد انقطع عندنا والحمد لله، لكن ما زال الغالب أن يصحب إخراج الجنازة من الدار رفع الصوت بالبكاء والعويل، بل أصبحت النساء يتحرين إخراج الجنازة ليحضرن ذلك، ويقفن على الأبواب والشرفات، ويصحب ذلك الصراخ، والظاهر أن رفع الصوت منهي عنه على العموم، ولا يختص برفعه بالبكاء، فيشمل مثلا قراءة البردة وهي قصيدة البوصيري في مدح النبي ﷺ التي لا تكاد تخلو جنازة من رفع الصوت بها، وكثيرا ما يرددها من لا يفقه شيئا من معانيها، وفي بعض أبياتها ما لا يجوز قوله فضلا عن اعتقاده، ففعل ذلك بدعة بلا ريب، وهكذا الجهر بقراءة القرآن والتهليل وسائر الأذكار التي هي مشروعة في الأصل، فإنها من قبيل البدع، لأنها ليس هذا موضعها، وكون بعض الأحاديث جاء فيها التنصيص على البكاء غير مانع مما قلت، فإنه بعض أفراد العام، والعام ما عم شيئين فصاعدا، ولأن جعل رفع الصوت هنا العويل كالتعطيل للحديث، لأن أدلة النهي عن النياحة معروفة، وقد تقدم بعضها، ومما يدل على ذلك قول قيس بن عباد: «كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز»، وقد رواه عنه ابن المبارك في كتاب الزهد له.
وقد تقدم إثبات ما جاء في المدونة من قول مالك: «وأكره أن يتبع الميت بمجمرة،
[ ٢ / ٢٣٤ ]
إلى أن قال: «وأرى ذلك بدعة ممن فعله»، فحكم على كل ما ذكر بأنه بدعة، لأنه لم يكن من هدي النبوة، ولا فعله السلف، فقراءة البردة من هذا القبيل.
وقال ابن أبي زيد في النوادر (وجه العمل في حمل الميت): «سمع سعيد بن جبير الذي يقول استغفروا له، فقال: «لا غفر الله لك»، ومشهور المذهب كراهة ذلك، قال خليل ذاكرا المكروهات: «وكره حلق شعره، وقلم ظفره، وهو بدعة، وضم معه إن فعل، ولا تنكأ قروحه، ويؤخذ عفوها، وقراءة عند موته، كتجمير الدار، وبعده، وعلى قبره، وصياح خلفها، وقول استغفروا لها».
قلت: لكن جاء في حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت؛ وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل»، رواه أبو داود (٣٢٢١)، فمن نبه الناس إلى ذلك أحيانا، ولم يتخذ من ذلك تعلة للخطبة كما عليه الحال عندنا فقد وفق للحق إن شاء الله، لكن هذا إنما يكون عند الفراغ من الدفن.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الراكب يسير خلف الجنازة
• قوله:
١٦ - «والمشي مع الجنازة أفضل».
مما يستدل به على أفضلية المشي مع الجنازة على الركوب؛ ما رواه أبو داود (٣١٧٩) والترمذي وغيرهما عن ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة»، وهو في الموطإ (٥٢٦) بنحوه مرسلا، فهذا فيه أمران:
أولهما: المشي، وهو أولى من الركوب، قال ابن عبد البر: «ليس الركوب بمحظور، ولكن المشي لمن قدر عليه أفضل إن شاء الله»، قال ابن أبي زيد في نوادره: «ويكره أن يشيعها راكبا تقدمها، أو تأخر عنه …».
قلت: مما يستدل به على كراهة الركوب للقادر على المشي حديث ثوبان الذي رواه داود (٣١٧٧) أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: «إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت»، قوله «فقيل له»، حذف المقول للعلم به، أي لمَ أبيت الركوب؟.
والأمر الثاني الذي في حديث ابن عمر هو كون الماشي أمام الجنازة، وهو جائز أيضا، لوروده من فعل النبي ﷺ رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣١٧٩) عن سالم عن أبيه قال: «أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة».
وقد يفضل المشي خلفها لاعتضاد فعله ﷺ بظاهر قوله في حقوق المسلم على المسلم الست: «وإذا مات فاتبعه»، وظاهر تصرف الإمام مالك من الآثار التي أوردها في الموطإ أنه يرى المشي خلف الجنازة مخالفا للسنة.
فإن كان المشيع للجنازة راكبا فينبغي أن يكون خلفها لظاهر قوله ﵌: «الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريبا منها …»، الحديث، رواه أبو داود (٣١٧٩) وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة، وفيه زيادة على ما تقدم المشي قريبا من الجنازة عن يمينها وعن يسارها.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وقد روى عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت أمشي مع علي في جنازة وهو آخذ بيدي وهو يمشي خلفها، وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، فقلت له في ذلك، فقال: إن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها؛ كفضل صلاة المكتوبة على صلاة النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما يسهلان على الناس»، فهذا فيه بيان الداعي لفعل الصاحبين، فإنهما لما علما جواز ذلك فعلاه تيسيرا على الناس، وبين علي الأفضل، ف ﵃ جميعا.
فإن قلت: لم لم يتعرض المؤلف لبيان مكان المشيع من الجنازة؟. قلت: لعله سكت عنه لما علمت من الخلاف فيه، وقد قال في النوادر بعد أن ذكر قول ابن شهاب الذي في الموطإ: «والمشي خلفها من خطإ السنة»؛ قال: «وروي عن علي ابن أبي طالب أن المشي خلفها أفضل، وأراه واسعا للاختلاف»، وبهذا يتبين لك أن ما حكاه الباجي في المنتقى من الإجماع السكوتي على المشي أمام الجنازة بعيد عن الصواب، والله أعلم.
قال مطرف قال مالك: «ولم يزل شأن الناس الازدحام على حمل جنازة الرجل الصالح ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان، وكسر تحت عائشة ثلاثة أنعش، وذلك حسن ما لم يكن فيه أذى»، وفي كتاب ابن القرطي أن الركاب يمشون خلفها كما في النوادر.
قال ابن حبيب: «ولا يمشى بالجنازة الهوينا، ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته»، انتهى، وهو في النوادر (وجه العمل في حمل الميت)، والهوينا تصغير الهونى، والمراد مشية فيها بطء وتثاقل، وهي مشية الكفار يفعلون ذلك بكبرائهم وزعمائهم إذ يشيعونهم في السيارات، وقد قلدهم في ذلك كثبر من المسلمين، لكن الذي نراه من الإسراع في السير ليس مشروعا، إذ لا يكاد معظم الناس يسيرون مع الجنازة، فالمراد بالإسراع هو ما فوق المشي المعتاد.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
كيفية وضع الميت في قبره وما يقال حينذاك
• قوله:
١٧ - «ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن، ويقول حينئذ: «اللهم إن صاحبنا قد نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، وألحقه بنبيه محمد ﷺ».
وضع الميت في قبره على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، ورأسه يمين مستقبلها، ورجلاه يساره؛ مما جرى به عمل المسلمين من عهد نبيهم ﷺ إلى الآن لا يختلفون في ذلك، وقد تقدم أن النائم يشرع له أن يكون على جنبه الأيمن، ويشرع أن يجعل المحتضر كذلك، فإذا قيل يجعل الميت في قبره على هذه الصفة كان ذلك متجها، وقد تقدم ذكر الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن عبيد بن عمير عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله، ما الكبائر؟، قال: «هي سبع»، وذكر منها «واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا»، وقد حسنه الألباني في الإرواء (ح/ ٦٩٠)، وقد يقال إن كونها قبلتنا أمواتا لا يلزم منه وضع الميت على الصفة المذكورة، فيقال بعضها مأخوذ من وضعه للصلاة عليه، وباقيها مما عمل به المسلمون كما تقدم.
واللبن بفتح اللام وكسر الباء واحده لبنة، وضبطها كضبط الجمع، وهي ما تبنى به الجدران، كانت تعمل من طين وتبن، وربما صنعت بدون تبن، وقد روى مسلم (٩٦٦) أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ»، وإنما شرع نصب اللبن إكراما للميت بعدم وضع التراب على جسمه، وقد قال بعضهم: ما جنبي الأيمن أحق بالتراب من الأيسر، وأمر أن يحثى عليه التراب دون غطاء، قلت لا يطاع الشخص في هذا ولا يؤخذ بوصيته، بل يفعل به المشروع، وما له ولهذا؟، نعم ذهب ابن حبيب إلى أن سن التراب على الميت من غير لبن
[ ٢ / ٢٣٨ ]
خير من التابوت، لكونه من فعل غير المسلمين.
فأما الدعاء حين وضع الميت في قبره بهذا اللفظ الذي ذكره المؤلف؛ فما وقفت عليه، وغالب الظن أنه أخذه عن بعض المتقدمين كما هي عادته، وقد وجدت بعد ذلك أبا الحسن يقول: «واختار المصنف هذا الدعاء لأنه مروي عن بعض السلف، لا أنه يتعين دون غيره، ثم ذكر نحو ما رواه أبو داود (٣٢١٣) والترمذي (١٠٤٦) عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله، وعلى سنة رسول الله»، لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: «بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله»، وقال حسن غريب، فهذا هو الذي ينبغي الاقتصار عليه.
فائدة: لا يصح أن يقال عن الميت أنه انتقل إلى مثواه الأخير، كما هو الغالب على الناس يقولون شيع إلى مثواه الأخير، وإنما ذلك هو الجنة أو النار.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
• قوله:
١٨ - «ويكره البناء على القبور، وتجصيصها».
البناء على القبر يكون بإحاطته بالجدران، ولا يهم إن كان على شكل قبة، أو بناء عادي، مع تسقيف أو بدون تسقيف، ويكون أيضا ببناء جوانب القبر ونصب الشواهد في جهتي الرأس والرجل، فهذا كله يصدق عليه أنه بناء، وهو مخالفة للنهي الصريح عن ذلك، كما سيأتي، لكن الأول أعظم خطرا، لأن فيه الاستحواذ في بعض صوره على ملك الغير، وأخطر من ذلك كله ما فيه من الافتتان بالميت: بقصده ودعائه، أو الدعاء به، أو الدعاء عنده، والتبرك ببنائه، وقد يصل إلى الذبح عنده، وقد علل أهل المذهب كراهة هذا النوع من البناء بما فيه من تفضيل الميت على غيره من المقبورين، ولو كانت هذه هي العلة وحدها لكان الأمر أهون، واشترطوا لبقاء الحكم في حيز الكراهة التنزيهية كما هو المشهور بالنسبة للنوع الأول شروطا: أولها أن يكون في أرض موات أو مملوكة للباني، والثاني أن لا يأوي إلى البناء أهل الفساد، والثالث أن لا يباهى به، وقالوا إنه يحرم في الأرض المحبسة مطلقا، وبهذا يتبين لك أن بناء القبب والضرائح على الموتى محرم عند أهل المذهب حتى على القول بحمل نهي النبي ﷺ عن البناء على الكراهة التنزيهية، وما ذلك الحمل بمتجه، كما سيتبين لك إن شاء الله.
ودليل المنع من البناء حديث جابر ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه»، رواه مسلم (٩٧٠) وأبو داود (٣٢٢٥)، وجاء النهي عن الكتابة أيضا في رواية الترمذي (١٠٥٢)، والجص بفتح الجيم، وكسرها - ومثله القصة بفتح القاف - هو الجير، وتجصيص القبر- ويقال تقصيصه - طليه بالجص، وغير الجص مثله، وحقيقة القعود معروفة، وحمل مالك ﵀ القعود على قعود قضاء الحاجة وهو مجاز، لكن جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم (٩٧٢) مرفوعا: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها»، وقوله ﷺ: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى
[ ٢ / ٢٤٠ ]
النهي عن القعود على القبر
رد ما استدل به بعضهم لتأويل القعود على غير ظاهره
جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر»، والأحاديث ورواياتها يكمل بعضها بعضا، ويفسر بعضها بعضا.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى محتجا لما حمل مالك عليه الحديث: «ووجه هذا المحمل أن الشريعة منزهة عن كراهة أو تحريم شيء في حق الميت يجوز مثله في حق الحي، فإن القبر بيت الميت، ولا مانع من القعود على سطح بيت أحد، أو على سرير فوق سريره كبيوت المدارس، وفرش مراكب البحر، فتعين تأويل اللفظ على محمل صحيح فصيح الاستعمال،،،»، والتأصيل الذي ذكره ليس صحيحا، لا سيما وقد ادعى تنزيه الشريعة عن الكراهة والتحريم معا لما يفعل بالحي أن يفعل بالميت، وهذا عجيب غريب، وما ذا يقول عن البناء على القبر؟، وهو مشروع للحي، وما ذا يقول عن الصلاة إلى القبر، وقد صح النهي عنها؟، وقد كان النبي ﷺ يصلي وعائشة ممدودة أمامه، والأحياء يسكن منهم أكثر من واحد في بيت، ودفن أكثر من واحد قي قبر واحد مقصور على حال الشدة والضرورة، والأحياء يقصون شواربهم ويقلمون أظفارهم، ويمشطون شعورهم ويضفرونها، وكل ذلك مكروه في المذهب فعله بالميت، وبعضه بدعة فيه كما هو في مختصر خليل، وقد تقدم الكلام عليه، ثم يقال إن من منع من القعود على سطح بيته فلا يجوز القعود عليه، والميت ليس له من يمنع ذلك عنه، فتولى الشارع المنع إكراما له، وذودا عنه أن يهان، نظيره أنه أوجب على المتوفى عنها عدة الوفاة، وما ذكره من بيوت المدارس وفرش مراكب البحر، معاملة حي لمثله، وهذا حي مع ميت، فليس صحيحا في القياس لو لم يكن القياس من أصله فاسد الاعتبار فكيف وهو كذلك؟، ثم أقول إن قضاء الحاجة على القبر تنفر منها الطباع السليمة وتستبشعها فتأوبل الحديث بها كالتعطيل له، والله أعلم.
وإنما أطلت الكلام في القعود على القبر لأني رأيت كثيرا من الناس عندنا يفعلون ذلك، بل رأيت بعضهم يبني مقعدا من رخام ليجلس عليه إذا جاء يزور القبر، وموضع جلوسه فوق الميت لأن صورة القبر في حال اللحد لا يوجد الميت فيها، ولذلك رأيت الشق في بلدنا أولى لهذه العلة، وللمشي بين القبور بالنعال، وهو منهي عنه.
[ ٢ / ٢٤١ ]
بيان أن قول المتقدمين أكره كذا لا يدل على الكراهة التنزيهية
والظاهر أن النهي عن البناء وما معه للتحريم، لأنه الأصل، ولا قرينة تصرفه هنا عنه، وإذا كان مجرد التجصيص وهو الطلي منهيا عنه، لما فيه من جلب الانتباه؛ فكيف بالبناء كيفما كان نوعه وهيئته؟، ولعل المشهور من إطلاق الكراهة التنزيهية على البناء المعتمد فيه على قول الإمام في المدونة: «أكره تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي يبنى عليها»، فيقال إنه من المعلوم أن إطلاق لفظ الكراهة على ما يثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله؛ إنما هو اصطلاح حادث، فلا ينبغي تحكيمه في أقوال المتقدمين من السلف المرحومين، ولأنهم كانوا زيادة على هذا يتحرجون من التصريح بالحرمة، بل أقول إنه يندر أن تعثر على التصريح بالحرمة في الموطإ، والكراهة في اللغة تستعمل في المنع كما في الحديث الصحيح: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم كثرة السؤال، وقيل وقال، وإضاعة المال»، وإضاعة المال محرمة.
قال خليل ذاكرا المكروهات: «وتطيين قبر، أو تبييضه، وبناء عليه، أو تحويز، وإن بوهي به حرم»، انتهى، وتحويز القبر البناء حوله، فأنت ترى أنه ناط حرمة ما ذكر بالمباهاة، وهذا بعيد، فإن المباهاة أمر محرم لذاته، لا يحتاج إلى نهي آخر، إلا فيما استثناه الشارع، كالتباهي على الكفار في الحرب، وعليه يكون التباهي مع البناء شر على شر، كالاختيال مع جر الثوب، فلا ينبغي تقييد حرمة البناء بالتباهي، ولا حرمة جر الثوب بالاختيال.
وقد علق سحنون في المدونة على الأثرين اللذين أثبتهما فيها في تسوية القبور بعد قول مالك المتقدم، فقال: «فهذه آثار في تسويتها، فكيف بمن يريد أن يبني عليها»؟، يعني أنه لو كان التسامح سائغا لتسومح في ذلك بعد أن تبنى، فإنه قد يتسامح في الاستمرار ما لا يتسامح في الابتداء، فلما لم يتسامح فيه بعد فعله، فكيف يتسامح فيه قبله؟.
ومثل ما تقدم في لفظ الكراهة قول ابن القاسم عن نكاح الحربيات في المدونة (٢/ ٢١٥): «بلغني عن مالك أنه كرهه»، ومع ذلك جزم القرطبي في تفسيره (٥/ ٦٩) بالحرمة، قال: «وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا، فلا يحل»، قال: «وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير»، وقد عبر مالك بالكراهة أيضا في بناء المساجد على القبور كما رواه عنه ابن القاسم في العتبية، وهو في
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ليس من مقاصد الشرع الإبقاء على القبور أبدا
النوادر (البناء على القبور) فهل يفسر هذا بأنه الكراهة الاصطلاحية؟، وفيها وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة، ويكتب فيها، ولم ير بالحجر والعود والخشبة بأسا، يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب فيه، ولا أرى قول عمر: «ولا تجعلوا على قبري حجرا»، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء»، ومما أطلق مالك عليه الكراهة والظاهر أنه يريد الحرمة كتابة ما لا يعرف من الكلام لتعليقه على المريض، قال: «ولا بأس بما تعلقه الحائض والصبيان من القرآن إذا أخرز عليه، أو جعل في شيء يكنه، ولا بأس أن يكتب للحبلى يعلق عليها من القرآن، وذكر الله وأسمائه، وأما ما لا يعرف، والكتاب العبراني؛ فأكرهه، وكره العقد في الخيط»، فهل يقول من يعرف مالكا وتسننه، وتوقيه من الابتداع وشدة نفوره من المخالفة للسنة؛ أن كتابة ما لا يعرف معناه هو مكروه كراهة تنزيه؟، اللهم لا.
فإن قلت: إن كان الأقدمون قد تحرجوا من إطلاق لفظ الحرمة، فلنفعل مثلهم، فنتحفظ في إطلاقها، فلا نقول بتحريم البناء على القبور، فالجواب: أن لكل قصده، وهو مأجور عليه، وقد يكون اللائق بزماننا غير اللائق بزمانهم، فإن لفظ الكراهة اعتمد عليه بعض الناس فاجترأوا على محارم الله، فصار متعينا أن يصرح بالحرمة متى وجد دليلها، ولكل وجهة هو موليها، وقد روى مسلم والترمذي (١٠٤٩) عن أبي وائل أن عليا قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟: لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته»، فكيف تلتقي الكراهة التنزيهية التي هي خلاف أصل دلالة النهي مع الأمر بالتسوية بعد حصول المخالفة وبوقت طويل؟، ولا أريد أن أستدل بدلالة الاقتران حيث جمع في هذا الحديث بين الأمر بتسوية القبور، والأمر بطمس الثماثيل؛ فقد قالوا إنها ضعيفة، والتماثيل مما أجمع على تحريمه.
فإن قيل: إن البناء يحافظ به على القبر حتى يعلم فيزار للاستغفار له وللعبرة والاتعاظ، فالجواب: أن هذا رأي في مقابل النص فيكون فاسدا، ومفاسد العالمَ كلها راجعة إلى تقديم العقل على الشرع، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]، ثم إن القبر يمكن أن يعلم بغير البناء،
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ويمكن أن يقال عند الحاجة بجواز كتابة أقل ما يتم به المقصود، لا ما نشاهده من التوسع في الكتابة: كتابة الاسم واللقب وتاريخ الميلاد والدعاء والقرآن.
قال خليل: «وجاز للتمييز كحجر، أو خشبة بلا نقش»، انتهى، ثم إن تعليم القبر لزيارته ليس المقصود منه أن يظل معروفا أبدا، وإلا لضاقت الأماكن التي يدفن فيها، وقد قال المعري:
خفف الوطء ما أرى أديم ال … أرض إلا من هذه الأجساد
سر إن استطعت في الهواء رويدا … لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد
أو لا ترى أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا جما غفيرا لا يعرف قبر واحد منهم على وجه الجزم إلا قبر نبينا محمد ﷺ، فلو كان حفظ القبور مقصودا شرعا بحيث لا تنسى لكانوا أولى بذلك من غيرهم.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
لا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يدخله قبره إلا أن يخاف ضياعه
• قوله:
١٩ - «ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره».
إنما نص على عدم تغسيل الأب الكافر؛ ليدل على أن غيره من الأقارب أولى أن لا يفعل به ذلك، فإن الأب مطلوب البر به حتى مع كفره، قال مالك في المدونة: «لا يغسل المسلم والده إذا مات الوالد كافرا، ولا يتبعه، ولا يدخله قبره، إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه»، لكن هذا مقيد بما إذا وجد من يقوم بشأنه من أمثاله من الكفار، وإلا فإنه إن لم يوجد تعين عليه ستره، ومواراته.
قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال في كافر مات بين المسلمين، وليس عندهم كفار، قال: «يلفونه في شيء، ويوارونه»، والمستند في ذلك مواراة علي بن أبي طالب أباه بأمر من النبي ﷺ كما رواه أبو داود (٣٢١٤) عن علي ﵁ قال: قلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي».
لكن ظاهر الحديث لا يدل على اشتراط عدم وجود من يتولاه من أهل ملته، فقد كان هناك من يواري أبا طالب من الكفار، وقد يقال إن ذلك هو الأصل، وهو أن لا يتولى المسلم الكافر، فقيد جواز مواراته بذلك، اما ما في الحديث فقد يكون خشية منة الكفار على المسلمين وتشنيعهم عليهم بعدم مواراة أقاربهم، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
جواز كل من الشق واللحد وهذا أولى
• قوله:
٢٠ - «واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق، وهو أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر، وذلك إذا كانت تربة صلبة لا تتهيل، ولا تتقطع، وكذلك فعل برسول الله ﷺ».
اللحد أن يحفر في جدار القبر جهة القبلة جيب يسع الميت فيوضع فيه، والشق أن يحفر وسط القبر حفرة يوضع فيها الميت، واللحد أولى لقول النبي ﷺ: «اللحد لنا، والشق لغيرنا»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣٢٠٨) عن ابن عباس، وهو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ، فقد روى ابن ماجة عن أنس قال: «لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد والآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا له»، وهو في الموطإ (٥٤٦) بنحوه عن هشام بن عروة عن أبيه، ولولا أن الصحابة كانوا يرون الأمرين جائزين لتركهم ذلك من غير اختيار منهم، لكانت صيغة حديث ابن عباس دالة على كراهة الضرح، وقد بين المؤلف أن الضرح يتعين إذا كانت التربة غير صلبة بحيث تتهيل وتنهدم كالأرض الحديثة بالردم، وأقول وبناء على هذا فإن الأفضل عندنا الضرح، لأن الناس كلهم يسيرون بين القبور، وفي الضرح يكون الميت في الموضع الذي لا يسير فيه الناس، وفي العتبية من سماع ابن غانم عن مالك: «اللحد والشق كل واسع، واللحد أحب إلي».
وينبغي أن يوسع القبر من قِبَل الرأس ومن قِبَل الرِّجْلين، حتى لا يكون تعلة لترك السنة، وهي إدخال رأس الميت أولا من جهة الرجلين في القبر، لا كما عليه فعل الناس عندنا، ودليله ما رواه ابن أبي شيبة وأبو داود عن أبي إسحاق قال: «أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: «من السنة»، وهذا له حكم الرفع.
[ ٢ / ٢٤٦ ]