الزكاة قرينة الصلاة فكان حقها أن تقرن بها، وتقديم المؤلف الصيام لأنه أعم من الزكاة في شمول المكلّفين، والتعبّد لله فيه أظهر، وجاء في صحيح البخاري تقديم أحدهما على الآخر، وكذا تقديم الحج، ويظهر أنه من تصرف الرواة، وقد كان ابن عمر ينكر على من نقل عنه تقديم الصوم على الزكاة وسيأتي ذكر حديثه.
والصيام في اللغة: الإمساك مطلقا، ومنه الإمساك عن الكلام كما في قول الله تعالى عن مريم ﵍: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦]، وفي الشرع: هو الإمساك عن شهوتي الفرج والبطن وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية عبادة الله تعالى، قبل الفجر أو معه».
قال ابن القيم ﵀ في كتابه مفتاح دار السعادة (٢/ ٩): «وأما الصوم فناهيك به من عبادة، تكف النفس عن شهواتها، وتخرجها عن شبه البهائم، إلى شبه الملائكة المقربين، فإن النفس إذا خُليت ودواعيَ شهواتها؛ التحقت بعالم البهائم، فإذا كفت شهواتها لله، ضيقت مجاري الشيطان، وصارت قريبة من الله بترك عاداتها وشهواتها محبة له، وإيثارا لمرضاته، وتقربا إليه، فيدع الصائم أحب الأشياء إليه، وأعظمها لصوقا بنفسه، من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه، فهو عبادة لا تتصور حقيقتها إلا بترك الشهوة لله،،، وهذا معنى كون الصوم لله ﵎، وبهذا فسر النبي ﷺ هذه الإضافة في الحديث فقال: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي»، وأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة، وتقمع النفس، وتحيي القلب، وتزهد في الدنيا وشهواتها، وترغب فيما عند الله، وتذكر الأغنياء بشأن المساكين، وأحوالهم، وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشه،
[ ٢ / ٢٧٩ ]
فتعطف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله، فيزدادوا له شكرا»، انتهى
وقد بيّن الله تعالى حكمة افتراضه الصيام على عباده بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ومرجع الخيرات كلها إلى تقوى الله، ومن أفرادها أن الصوم وقاية من المعاصي، كما قال النبي ﷺ: «الصوم جنة» رواه مسلم عن أبي هريرة، إذ حرم الله فيه مؤقتا ما به قوام حياة الصائم من المباحات، فيكون في ذلك تعويد له على ترك المحرمات من باب أولى في رمضان وغيره، وهذا ملحوظ في غير الصوم كالصلاة والاعتكاف والحج والعمرة.
ورمضان مطلوب فيه أقصى الإمساك حتى تعتاد النفس وترتاض على ذلك في بقية الشهور، إذا علمت هذا؛ تبين لك وجه الربط في قول النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري (١٩٠٣) وأبو داود والترمذي وابن ماجة (١٩٨٦).
إذ كيف يترك المرء ما هو مباح، ثم يرتكب ما هو محرم من قول الباطل والعمل على وفقه؟، إن من ترك طعامه وشرابه من أجل ربه؛ لا يفعل ذلك، بخلاف من تركه تقليدا ومتابعة.
وقد نقل الحافظ في فتح الباري (٤/ ١١٧) في معرض شرحه لحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»؛ عن السبكي قوله: «في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية للأول لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقا، والصوم مأمور به مطلقا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة معنى يفهمه، فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين: أحدهما زيادة قبحها في الصوم على غيره، والثاني البحث على سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، قال فإذا لم يسلم عنها نقص، ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس
[ ٢ / ٢٨٠ ]
المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات، لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات لكن لما كان ذلك يشق خفف الله، وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده، فيكون اجتناب المفطرات واجبا، واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات والله أعلم».
قلت: التعبير عن إتيان المخالفات بقوله: «لكن لما كان ذلك يشق» …؛ مرغوب عنه، ويريد بقوله: «واجتناب ما عداها من المخالفات؛ من المكملات»؛ أي من المكملات لصحة الصوم، فالصوم ليس المقصود منه مجرد الامتناع من المفطرات، فإن ذلك صورة من صور العبادات، وهي أنواع، وهي وإن كانت مطلوبه ولا تؤخذ إلا من الشرع؛ لكن روحها ولبها واحد في جميع الصور، ولما كان لبها أعظم مطلوبية منها كان التسامح قد يحصل في الصورة للعذر، إما باشتراع بدلها، أو بالنيابة فيها، أو بالترخيص في تركها، أو بنسخها، لكن لا يتسامح في روحها ولبها المقصود منها، وقد قال النبي ﷺ عن الطواف: «الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه؛ فلا يتكلمن إلا بخير»، رواه الترمذي (٩٦٠) والحاكم والبيهقي عن ابن عباس.
وقد اختص الصوم بعدم معرفة مقدار مضاعفة الحسنات التي لصاحبه كما جاء في الحديث: «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله ﷿ إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك»، رواه مالك (٦٨٩) وأحمد ومسلم (١١٥١) عن أبي هريرة.
وقد كان نبينا ﷺ جوادا، غير أنه كان في رمضان أجود من الريح المرسلة حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يحصل له بالصوم من الفرح والتلذذ والتنعم بالطاعة والقرب من الله والأنس به ما يجعله كالآكل الشارب، فلا يشعر بالحاجة إلى ذلك، ولهذا قال: «إني
[ ٢ / ٢٨١ ]
لست كهيئة أحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد!
لها بوجهك نور يستضاء به … ومن حديثك في أعقابها حاد!
[ ٢ / ٢٨٢ ]
دليل فرضيته
• قوله:
١ - «وصوم شهر رمضان فريضة».
ينقسم الصوم إلى واجب ونفل، والواجب أقسام: واجب بزمن وهو صوم ومضان، وواجب بنذر، وواجب كفارة، وقد دل على وجوب صوم شهر رمضان كتاب الله تعالى في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقال النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، رواه الشيخان والترمذي (٢٦٠٩) وغيرهم عن ابن عمر، وأجمع المسلمون على ذلك، فمن أنكر وجوبه؛ فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتله الحاكم، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه؛ أكرهه عليه الحاكم، فإن لم يمتثل قتله حدا.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
ما يثبت به هلال رمضان وشوال
الشاهدان والرؤيا المستفيضة وإكمال الشهر ثلاثين
• قوله:
٢ - «يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته، كان ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين يوما».
يعني أنه يصام لرؤية هلال رمضان، ويفطر لرؤية هلال شوال، وهذا واحد مما يعتمد عليه في إثبات الصيام والفطر، وقد دلّ عليه قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ولما كان المفروض صوم شهر معين هو رمضان؛ كان ظهور الهلال هو المرجع في بداية الشهر ونهايته.
وقال النبي ﷺ: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له»، رواه مالك (٦٣٤)، والبخاري ومسلم عن ابن عمر، واختلف في معنى (اقدروا له)، فقيل قدروه بالحساب، وقيل قدروه موجودا تحت السحاب وصوموا، والصواب: أن معناه؛ أتموا الشهر ثلاثين، لأن قوله «اقدروا له»؛ مجمل، ولا تعارض بين المجمل والمبين، والمبين هو حديث ابن عباس الذي فسر المراد بالتقدير، وهو في الموطإ (٦٣٦) وغيره، إذ قال النبي ﷺ: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين»، وقد قطع النزاع في معنى (اقدروا له) رواية مسلم عن ابن عمر: «فإن أغمي عليكم؛ فاقدروا له ثلاثين».
وبداية الشهر ومثلها نهايته تَثبت عند المسلمين اتفاقا واختلافا بواحد من أشياء أربعة: رؤية، وغير رؤية، والرؤية إما من جماعة مستفيضة يستحيل تواطؤهم على الكذب، أو من غيرهم، والثالثة إكمال الشهر ثلاثين، والرابعة حساب منازل القمر.
والمذهب أنه لا بد من شاهدي عدل في بداية الشهر ونهايته، حتى إنه لما قيل لسحنون: «أرأيت إن أخبرك الرجل الفاضل أنه رآه؟، قال: «ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت بشهادته ولا أفطرت، ولا يجب ذلك إلا بشاهدين»، وهو في النوادر
[ ٢ / ٢٨٤ ]
والزيادات (٢/ ٩)، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم؛ فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا»، رواه أحمد والنسائي (٤/ ١٣٢) عن زيد بن الخطاب قال: جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، وأنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: فذكره، وجهالة الصحابة لا تضر لعدالتهم، وهو في صحيح الجامع.
وقوله وانسكوا؛ من نسك ينسك نسكا إذا ذبح متقربا، والنسك بضم النون والسّين وسكونها؛ هو الطاعة والعبادة، والمراد هنا إما ألأضحية، أو غير الصوم من العبادات مما هو مؤقت كالكفارة، والعدة، ويلحق بهما آجال البياعات ونحوها فإن المعتبر فيها الشهر أيضا، سواء كان ثلاثين، أو تسعا وعشرين، فهو من عطف العام على الخاص.
والمقصود هنا أنه اشترط شاهدين كما ترى، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، ودونه في الدلالة على شرطية شهادة اثنين؛ حديث ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: «اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ لأَهَلَّ الهلال أمس عشية، فأمر رسول ﷺ الناس أن يفطروا، وأن يغدوا إلى مصلاهم»، رواه أبو داود (٢٣٣٩).
لكن هذين الحديثين إنما دلا على الشاهدين بالمفهوم في الأول شرطا، وفي الثاني عددا، فلما جاء ما دل على إجزاء الشاهد الواحد منطوقا في إثبات الصوم؛ كان المطلوب تقديم المنطوق لقوة دلالته على مفهومي الشرط والعدد.
وقد روى أصحاب السنن (د/ ٢٣٤٠) و(ت/ ٦٩١) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: «إني رأيت الهلال»، قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟، أتشهد أن محمدا رسول الله»؟، قال: «نعم»، قال: «يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا»، وهو ضعيف، يغني عنه ما رواه ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه»، رواه أبو داود (٢٣٤٢)، وصححه الحاكم، وابن حبان، وابن حزم، وهو في صحيح أبي داود للألباني.
وقد ذكر النفراوي في شرحه على الرسالة (١/ ٤٦٦) أن الواحد ولو عبدا أو امرأة
[ ٢ / ٢٨٥ ]
يكفي في إثبات الهلال إذا كان ذلك في موضع لا يعتنى فيه بمراقبة الهلال، قلت: هو شبيه بما ذهب إليه بعض أهل العلم من كفاية غير العدل في الشهادة متى تعذر وجود العدل كي لا تضيع الحقوق، ثم جاء التوثيق بالكتابة الرسمية الذي غدا لازما في هذا العصر ليحل محل هذا الذي كاد يفقد، ومن هذا القبيل الشروط المطلوب توفرها في الحاكم، فإنها في الغالب مفقودة، فهذا أمر معمول به اليوم وإن كان أهل العلم لا يتعرضون له ويتجاهلونه.
والمسألة لها علاقة باختلاف العلماء في إثبات الهلال: هل هو من قبيل الخبر؛ فيقبل فيه الواحد، أو من قبيل الشهادة؛ فلا يقبل إلا اثنان، والذي يظهر أنه إخبار، ولا سيما على أصل المالكية في لزوم الصوم للجميع كما بيّنه القرافي في الفروق، والشرع إنما احتاط في إثبات الحقوق باشتراط رجلين، أو رجل وامرأتين في الأموال، أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال في إثبات الزنا، والمهم أن النص وهو حديث ابن عمر قد رجح الأول، وقال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢١٠) إنهما سواء، ولكن الخبر الذي يشترط فيه العدد إنما هو في حق يقع فيه تنازع، فأما مناسك الله؛ فإن أصله يثبت بخبر الواحد فكيف تفصيل وجوبه»، انتهى، فانظر كيف ترك مذهبه للحق بما تبين له!!، وهو يريد بالأصل أننا ملزمون بالعمل بما تضمنه خبر الآحاد من أصول الشرائع، فكيف ينكر العمل بما فيها من التفاصيل، ومنها إثبات أوائل الشهور؟.
أما الفطر من رمضان؛ فقد قال الترمذي في باب ما جاء في الصوم بالشهادة: «ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين»، وذكر مثله النووي في شرحه صحيح مسلم واستثنى أبا ثور.
وقد احتج بعضهم على عدم الإفطار إلا بشهادة اثنين؛ بما في حديث طاوس قال: «شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على رؤية هلال رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين»، وقد ضعفه الدارقطني لتفرد حفص بن عمر الأيلي به وهو ضعيف، وقد اعتبر الحافظ ﵀ في التلخيص الحبير هذا الحديث هو نفسه حديث ابن عمر المتقدم
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الذي فيه قوله: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته،،، إذ قال بعد أن ذكر الأول: وأخرجه الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاوس قال …»، فليتأمّل ذلك.
وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٢/ ٣٥) عن حديث طاوس: «فإن قلت هذا الحديث ضعيف فكيف يصح الاحتجاج به على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار؟؛ قلت: أصل الاحتجاج بحديث عبد الرحمن بن زيد، وحديث الحرث بن حاطب المذكورين، فإن قوله ﷺ: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»؛ في حديث عبد الرحمن بن زيد، وقوله: «فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما»؛ في حديث الحارث؛ يدلان بمفهومهما على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار، ولا يعارضه منطوق، بل منطوق حديث ابن عمر وابن عباس وإن كان ضعيفا يؤيدهما»، انتهى.
والحديثان اللذان ذكرهما روى الأول منهما أحمد والنسائي (٤/ ١٣٢)، وقد تقدم، وقال عنه الشوكاني: «لا بأس بإسناده»، وروى الثاني أبو داود (٢٣٣٨) والدارقطني، وقال: «إسناد متصل صحيح»، وصححه الألباني، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٨٧٧).
أما الرؤية المستفيضة؛ فقال عنها محمد بن عبد الحكم: «وقد يأتي من رؤيته ما يشتهر، حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل، مثل أن تكون قرية كبيرة، فيراه فيها الرجال والنساء والعبيد ممن لا يمكن فيهم التواطؤ على باطل، فيلزم الناسَ الصوم بذلك من باب استفاضة الأخبار، لا من باب الشهادات،،».
أما إثبات الهلال بحساب المنازل؛ فقد نسب إلى الشافعي، ولم يصح عنه، وقد قال شيخ الإسلام بن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٣٢) ضمن رسالته عن الهلال: «فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العمرة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لايرى؛ لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتفقهين الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب،،،»، انتهى، وقد علمت اعتماد بعضهم في القول بالحساب على جملة «اقدروا له»، وبطلان ذلك
[ ٢ / ٢٨٧ ]
حديث نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب
الاستدلال، وراويها هو عبد الله بن عمر الذي حفظ قول النبي ﷺ: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب،،،» الحديث؟.
ويستفيد الناس الآن من حساب الفلكيين، فمنهم من يعتمد عليه وحده، ويثبت به أول الشهر، ولو لم تكن الرؤية البصرية المجردة ممكنة لقرب الهلال من الشمس عند الغروب، ومنهم من يعتمد عليه في نفي الرؤية لا في إثباتها، ومقصوده أن الفلكيين إذا قالوا إن الهلال لا يرى الليلة؛ فلا عبرة برؤية من رآه ولو كانوا عشرة!!، سمعت هذا من أحد كبار أهل العلم في بلد مشرقي عن هلال شهر ذي الحجة في موسم حج (١٤٢٨)، أما إن قالوا إنه موجود بعد الغروب وتمكن رؤيته؛ فلا يعتمد عليهم إلا إذا رؤي الهلال، فاعجب لهذا، وابحث عن الفرق بين الاعتماد عليهم في نفي إمكان الرؤية، وعدم الاعتماد عليهم في إثباتها وإمكانها لعلك تعثر عليه، لا أرى هذا إلا محاولة للتوفيق بين أمرين لا يمكن التوفيق بينهما، قال ابن تيمية وهو من كلامه السابق: «… حتى بلغني أن من القضاة من كان يَرُدُّ شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب إنه يرى أو لا يرى، فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه، وربما أجاز شهادة غير المرضي لقوله».
وخير للناس أن يستريحوا من هذا الاضطراب، وأن يرصدوا منهم من يراقب الهلال فيصوموا لرؤيته، ويفطروا لرؤيته، وقد عشنا في كثير من السنين تناقضات الفلكيين في الإثبات والنفي، وفي هذا اليوم (٢٧) رمضان (١٤٢٩) قرأت لبعضهم كلاما بأن الهلال لا يمكن أن يرى في كل بقاع العالم ليلة الشك، لكنه يرى من بقعة ما على الأرض!!، مما يستوجب المراقبة العالمية للهلال!!، فما الحاجة إلى هذه المراقبة؟، وما الجدوى من وراء ذلك؟، وهل كلفنا الله أن نراقب الهلال في بقاع الأرض القفراء، أو في المحيطات على صفحات الماء؟، وقالت جماعة فلكية بعد أن بينت وقت الاقتران إن رؤية الهلال ستكون في تلك الليلة مستحيلة!! ثم ثبتت بداية الشهر بالرؤية المجردة في دولة تقع إلى الشرق منا بثلاث ساعات.
فإن قلت: إننا لسنا متعبدين بالرؤية نفسها، كما أننا لسنا متعبدين بمراقبة الظل لإثبات أوقات الصلوات، وإنما الرؤية وسيلة إلى إثبات وقت الواجب، فإذا هيأ الله لنا من
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الوسائل ما هو أقوى في الإثبات؛ تعين علينا الانتقال إليه، مع ما هو معروف من الفرق بين رؤية الشخص الواحد التي تحتمل من الخطإ والغلط ما لا تحتمله حسابات الفلكيين في هذا العصر، وأن الذين يستبعدون علم الفلك بإطلاق من هذا الأمر يتناقضون، فإننا لا نعلم من يراقب الظل ليثبت وقت الظهر حين يشرع الفيء في الزيادة، ولا من يراقبه ليعلم وقت العصر بزيادة الظل على القامة بعد ظل الزوال، وحتى غروب الشمس قل من يرقبه لإثبات وقت المغرب مع يسر ذلك، والواقع في هذا عامل بحساب الفلكيين في بعض الأحكام الشرعية تارك لبعضها فهو متناقض، فإما أن يعمل بأقوال الفلكيين وإما أن يتركها.
وقد قال الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار (٢/ ١٨٨): «وأما هذا الاختلاف وترك النصوص في جميع المواقيت عملا بالحساب، ما عدا مسألة الهلال؛ فلا وجه ولا دليل عليه، ولم يقل به إمام مجتهد، بل هو من قبيل: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض»، انتهى.
قال كاتبه: إذا لم يقل بهذا إمام مجتهد؛ فقد قاله رسول رب العالمين ﷺ، فلندع كل قول غير قوله، ثم إن العمل بحساب الفلكيين في إثبات أوائل الشهور؛ ليس كالعمل بحسابهم في بيان وقت طلوع الفجر وغروب الشمس ومغيب الشفق، لأن هذا مرتبط بحركة الشمس الظاهرة ودوران الأرض حولها، وهو أمر لا يرتاب من له أدنى اطلاع في أنه لا يتخلف، فمن عرف طلوع الشمس متى كان يوم أمس في بقعة ما من الأرض؛ يمكن أن يجزم بوقت طلوعها في اليوم الموالي في تلك البقعة إذا أخذ في الاعتبار الاتجاه الذي يأخذه الليل والنهار أهو نحو الزيادة أو نحو النقصان، بل إن معرفة ذلك في يوم ما من العام؛ تكفي لمعرفته في غيره من الأعوام في نفس البقعة واليوم إذا لم يطرأ عليها تغير بالارتفاع والانخفاض، أما الهلال فلا يمكن انضباط أمره، فإنه يظهر في نهاية هذا الشهر في موضع، ونهاية شهر آخر في موضع غيره، ويرى أحيانا نهاية الشهر بعد الغروب على ارتفاع ما عن الأفق، ونهاية شهر آخر على ارتفاع أدنى أو أعلى، ويرى في موضع من الأرض، ولا يرى في موضع آخر منها، وما قالوه بأنه متى رؤي في بلد من المشرق فلا بد أن يرى في بلد إلى الغرب منه ليس على إطلاقه إذا اختلفت خطوط العرض.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قال ابن تيمية ﵀: «فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما، بل لا يمكن أن يكون لرؤيته طريق مطرد إلا الرؤية»، انتهى، وهذا الذي قاله العلماء الربانيون منذ قرون قد علمت مصداقه في هذا العصر.
وأذكر أن مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية وكان من المتحمسين لاعتماد الحساب في إثبات أوائل الشهور القمرية؛ التقى بالمجلس الإسلامي الأعلى لتدارس هذا الأمر، وكان الشيخ سعيد الصالحي من الرافضين له، فلما نظر إلى الساعة وقال إن وقت العصر قد دخل؛ قال له الوزير: هل راقبت الظل؟، كيف تعتمد على الفلكيين في إثبات أوقات الصلوات، ولا تعتمد عليهم في إثبات الصيام، والصلاة أعظم منه؟، وظن الوزير أن الشيخ محجوج، لأنه سكت، وليس الأمر كما ظن رحمهما الله، وقد علمت الفرق.
وليس ببعيد أن يؤخذ عدم انضباط الهلال بقاعدة مطردة في إثباته من قول النبي ﷺ: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، يعني تمام ثلاثين»، رواه الشيخان عن ابن عمر، إذ ليس المراد من الحديث نفي الكتابة والحساب عن الأمة بإطلاق.
ولا يستقيم أن يكون المراد بالأمة ما قاله الحافظ من أنهم «أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه ﷺ»، انتهى، وقد قاله ابن بزيزة أيضا كما في شرح الأبي، لأنه يشعر أن عدم الاعتماد على الحساب معلل بافتقاد الحاسبين والكاتبين وقد توفروا الآن، بل الغرض نفي الاعتماد على علم الفلك بالخصوص في إثبات بداية صوم رمضان وفي الإفطار منه لما تقدم، وكذا بقية الشهور فإن الله تعالى أخبر أنه جعل الأهلة مواقيت للناس.
ولا يستقيم أن يقال إن المسلمين لم يكن فيهم يومئذ علماء فلك، وقد توفروا الآن والحمد لله، لأن النبي ﷺ نفى الكتابة والحساب عن الأمة، وهو يتكلم عن أمته قاطبة، وقد كان فيها يومئذ الكاتبون والحاسبون، وإن كانوا قلة، ثم إن قوله ﷺ: «إنا أمة أمية،،،»؛ يتعذر أن يراد به نفي الكتابة والحساب عن الأمة في كل شيء، فإنه ﷺ كما أخبر عنه ربه؛
[ ٢ / ٢٩٠ ]
جاء يعلمنا الكتاب والحكمة، والأمية وإن كانت في حقه ﷺ كمالا ومعجزة لاستغنائه عنها، لكونها مجرد وسيلة، فإنها في حقنا نقص، فكيف يتمدح بالنقص عموما؟، فالذي يعطيه الحديث لمن فتح الله قلبه للحق أن الأمية هنا ليس المراد من مرعاتها إلا ما وردت في سياقه، وهو إثبات الشهور، أو ما لم يكن متسيرا يومئذ إثباته إلا بالشمس عينا أو أثرا كما في أوقات الصلوات.
ولا يصح أن يؤخذ من الحديث التنفير من علم النجوم والفلك كما ظن بعضهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
وعن عمر ﵁ قال: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، ثم أمسكوا»، أما الحديث الذي فيه: «وإذا ذكر النجوم فأمسكوا»؛ فهو إمساك عن أمر آخر، ومنه استعمالها في معرفة البخوت والحظوظ فإنه ضرب من الكهانة، فالحاصل أن علم النجوم وإن كان مشروعا، لكن الاعتماد عليه في أمرنا هذا لا يصلح لعدم الانضباط والاطراد، لأنه يتناقض مع المراد من الحساب الذي شأنه الدقة والضبط، وبهذا يتبين أن الحديث مخصوص بالسياق الوارد فيه، ومن أمثلته في كتاب الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، ومن ذلك حديث أبي سعيد ﵁ الذي فيه ذكر الأجناس الربوية الستة، وهو في الصحيح، فإنه في رواية البيهقي زيادة: «وكل ما يكال أو يوزن»، وهذه إن صحت؛ فإنه يجوز أن يكون المراد منها خصوص ما هو ثمن للأشياء، أو الطعام وما يصلحه، فيكون السياق معينا على هذا التقييد، فلا يكون فيه حجة ليشمل الحديد والنحاس بل والتراب والحجر وسائر ما يوزن أو يكال، وإذا ظهر المعنى فإن اللفظ صورة له ووسيلة إليه، فلا ينبغي تطويل العكوف عليه، وقد تنبه إلى هذا الأمر العز بن عبد السلام وابن القيم.
وقال ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام (٢/ ٢١٦): «السياق طريق إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه، ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام عليها، وتقرير
[ ٢ / ٢٩١ ]
إحصاء هلال شعبان لرمضان
لزوم الصوم للجميع برؤية الهلال
قاعدتها مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم، وهي قاعدة متعينة على الناظر، وإن كانت ذات شغب على المناظر»، انتهى.
وقوله: «كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما»؛ يريد أن الشهر يكون كذلك فإذا رؤي هلال رمضان؛ وجب الصوم، ولو كان شهر شعبان تسعة وعشرين، كما أنه إذا رؤي هلال شوال؛ وجب الفطر، ولو كان رمضان تسعة وعشرين، فإن عدد أيام الشهر العربي لا ينزل عن تسعة وعشرين، ولا يزيد على الثلاثين، وهذا يترتب عليه؛ أن من صام على رؤية بلد، وسافر إلى بلد آخر؛ أفطر مع أهل البلد الذي هو فيه، ولو كانت العدة عندهم أقل من بلده، ما لم يترتب على ذلك صوم ثمانية وعشرين يوما؛ فإنه يقضي يوما.
وقد روى البخاري (٥٢٨٩) والترمذي (٦٨٩) عن أنس قال: «آلى النبي ﷺ من نسائه شهرا، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسعا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرا، قال: «الشهر تسع وعشرون»، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة، فبين لهم أن الشهر يكون تسعا وعشرين، يعني ويكون ثلاثين، وهو العدد الذي كانوا يظنونه لازما للشهر، وليس المراد بالحديث حصر عدد ليالي الشهر في تسع وعشرين على ما يعطيه ظاهر اللفظ، ولهذا روى الترمذي قبله عن غير واحد من الصحابة الشهر يكون تسعا وعشرين، وهو رواية في صحيح البخاري (١٩١١) أيضا عن أنس وأم سلمة، وقال ابن مسعود: «ما صمت مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين»، رواه الترمذي وأبو داود (٢٣٢٢).
ولما كانت معرفة أول رمضان بالرؤية، أو بإكمال شعبان ثلاثبن؛ متوقفة على معرفة أول شعبان بالرؤية، أو بإكمال رجب ثلاثين، أمر النبي ﷺ بما يتحقق به ذلك فقال: «أحصوا هلال شعبان لرمضان»، رواه الترمذي (٦٨٧) عن أبي هريرة، وصححه ابن العربي في العارضة.
واعلم أنه إذا ثبتت بداية الشهر ثبوتا شرعيا في بلد؛ ففي المذهب روايتان فيمن يلزمه الصوم والفطر، فعن ابن القاسم والمصريين عن مالك إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه؛ فعليهم القضاء»، وهذا يدل على أنه يرى لزوم الصوم للجميع وإن تباعدت ديارهم، وهو
[ ٢ / ٢٩٢ ]
اخنلاف المسلمين في الصوم
المشهور في المذهب، وقيده ابن عبد البر بما إذا لم يكن البعد كثيرا كالأندلس من خراسان، وهذا القيد ليس لعدم بلوغ الخبر فيما يظهر، لأن أقصى موضع يمكن بلوغ الخبر له يومئذ لا يتعدى (١/ ٦٠) من هذه المسافة، والأمر الآن مختلف، فقد يسر الله تعالى من الوسائل ما يجعل الخبر يصل في ثوان، وروى المدنيون عن مالك وهو قول ابن الماجشون وغيره أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد، فمتى كان أهل البلد مستندهم الرؤية، فإن الخير للناس موافقة أهل بلدهم، لما في المخالفة من الفتنة والتفرقة، ولقول النبي ﷺ: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»، رواه الترمذي (٦٩٧) وحسنه، وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة، وهو في سنن أبي داود (٢٣٢٤) مع فقرات أخرى تتعلق بالمناسك، قال الترمذي: «وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا؛ أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس»، وهذا الحديث يرد كل التقولات من نوع: قرر الفلكيون أن الهلال لا يرى، أو ما يقوله بعضهم إن الهلال كبير، أو الشهر ناقص، ونحو ذلك من القيل والقال، ومثله في هذا المعنى قول النبي ﷺ: «شهران لا ينقصان شهرا عيد: رمضان وذو الحجة»، رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي بكرة، لا ينقصان في الأجر ولو كانا تسعا وعشرين، وقيل لا ينقصان عن ثلاثين يوما والحس يرده، وينصح من صام مستنندا إلى رؤية بلد آخر أن لا يجاهر بذلك.
وقد جاء أن من علامات الساعة انتفاخ الأهلّة، وابقاؤه على الظاهر هو الحق، وتأويله على معنى آلات التقريب والتكبير ممكن، والله أعلم.
وقد تسمع من يقول: كيف لا يتفق المسلمون على بدايات الشهور، وأعداؤهم يسخرون منهم، والجواب أن هذا الاختلاف لا يضر المسلمين لو استقامت أمورهم الأخرى على منهاج الله، كما لم يضر ذلك سلفَهم الصالح، وقد كانت خلافتهم الجامعة لهم قائمة، ومتى كان أعداؤنا حريصين على ما فيه خيرنا، وكتاب الله بين أيدينا يخبرنا ببغضهم لنا، وانطواء صدورهم على كراهيتنا، واستمرارهم على مقاتلتنا ليردونا إن استطاعوا عن ديننا؟.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
حديث ابن عباس الذي ظاهره عدم اللزوم
وقد روى مسلم (١٠٨٧) وأبو داود (٢٣٣٢) والترمذي عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي هلال رمضان، وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: «متى رأيتم الهلال»؟، فقلت: «رأيناه ليلة الجمعة»، فقال: «أنت رأيته ليلة الجمعة»؟، فقلت: «رآه الناس، فصاموا وصام معاوية»، فقال ابن عباس: «لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما، أو نراه»، فقلت: «ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه»؟، قال: «لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ»، لكن مع هذا؛ فالحديث لا حجة فيه لمن قال إن لكل بلد رؤيتهم، فإن قول ابن عباس ﵄ «هكذا أمرنا رسول الله ﷺ»؛ اجتهاد منه في فهم حديث رسول الله ﷺ الذي رتب فيه وجوب الصوم والإفطار على رؤية الهلال، وقد أخذ به الشافعي ﵀ في قوله باختلاف المطالع وعدم لزوم الصوم للجميع، وانظر ما قاله في ذلك الشوكاني في نيل الأوطار فقد بين أن لا حجة فيه على ذلك.
ومن الأمور التي يتساءل عنها في هذا العصر أن المسلمين في بلاد الكفار يطلب منهم أن يخبروا بيوم عيدهم مسبقا حتى يتأتى للشركات والهيآت ترتيب عطل العبد التي هي حق لهم، فيقال إن من كان منهم مخالفا للشرع بإقامته فعلى نفسه جنى، ومن كان أصله من تلك البلدان فهذا مستضعف، فعيده هو عيد المسلمين، وإن أخذ العطلة بحساب الفلك فيرجى.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
• قوله:
٣ - «فإن غم الهلال؛ فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله، ثم يصام، وكذلك في الفطر».
يقال غم الهلال بضم الغين، إذا حجبه سحاب أو غبار، وغرة الشهر بضم الغين أوله، أي إذا لم ير الهلال أكمل الشهر ثلاثين يوما لأن ذلك أقصاه، وذلك بحساب الشهر من أوله، ولا يتأتى هذا إلا إذا عرف أول شعبان برؤية، أو بإكمال رجب ثلاثين، وقد تقدم ما يتحقق به ذلك من إحصاء شعبان، وما لا يتم هذا الواجب إلا به؛ فهو واجب على الكفاية.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
تبييت الصيام من الليل
• قوله:
٤ - «ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته».
شروط الصوم سبعة هي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والنقاء من الحيض والنفاس، والإمساك عن المفطرات، والقدرة على الصوم، والسابع النية، ويشترك فيها الوجوب والصحة، والنية هي القصد إلى الصوم لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، ووقتها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو مع الطلوع، وهذا من التوسعة والتيسير في هذا الدين السمح، لصعوبة اقتران النية بأول العبادة كما هو الشأن في غير الصوم، فلله الحمد، والمقصود بالنية القصد إلى فعل العبادة، ويستحضر المكلف التقرب إلى لله بها، لا مجرد القصد إلى كونه صوما، أو صلاة، أو زكاة.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن (د/ ٢٤٥٤) عن أم المؤمنين حفصة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر؛ فلا صيام له»، وهو في الموطإ (٦٣٨) موقوفا على ابن عمر وحفصة وعائشة ﵃، وفيه قول ابن عمر: «لا يصوم إلا من كان أجمع الصيام قبل الفجر»، وقد وهم ابن رشد فعزاه في بداية المجتهد للبخاري، وقد اختلف في رفعه ووقفه.
قال ابن حزم: «الاختلاف يزيده قوة»، وقال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٦٤): «هذا حديث صحيح عزيز لم يقع لأحد من أهل المغرب قبل رحلتي، وهو من فوائدي الخمسين التي انفردت بها بإبلاغها عن الشريعة إلى أهل المغرب، فظنوا أنه لا يوجد صحيحا،،،»، انتهى.
وقوله «يجمع» من الرباعي بضم الياء؛ معناه يعزم على الصيام، وظاهر قوله: «قبل الفجر»، أن النية لا تجزئ مع الفجر، لكن دل على إجزائها قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، إذ هو صريح في جواز
[ ٢ / ٢٩٦ ]
كفاية نية واحدة لما يلزم تتابعه
رواية عن الإمام بتجديد النية كل ليلة
الأكل والشرب إلى التبين، أو يكون المراد من الفجر في الحديث تبينه لا أوله لعسر ذلك.
والرواية المشهورة عن الإمام أن نية الصوم في أول ليلة تكفي فيما يجب تتابعه كصوم رمضان، والكفارات الواجبة التتابع، إلا إذا قطع الصوم لمانع كالحيض والنفاس، والسفر، فيتعين تجديد النية، والحجة في ذلك أن الصوم الواجب التتابع عبادة لا خيار للمكلف في قطعها، فكأنها عبادة واحدة أجزاؤها متصلة، وهو الواجب المضيق، فتكفي النية في أوله، والرواية الثانية التي أشار إليها ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٦٦) ورجحها وعليها الجمهور؛ أنه لا بد من تجديد النية في كل ليلة، لا فرق بين واجب التتابع وغيره، وذلك لأن صيام أيام الشهر عبادات منفردة، لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها كالأكل والشرب في الليل، فهي ليست كالصلاة والحج والعمرة، والمتأمل يدرك قرب ما بين المذهبين، فإن من كان في رمضان لا يعزب عنه أنه سيصوم، فكيف إذا ضم إلى ذلك تسحره وقيامه للصلاة وغير ذلك من القرائن التي تدل على استحضار النية؟ فإذا قطع الصوم لمانع أو عذر فالجميع متفقون على تجديد النية.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
إتمام الصيام إلى الليل
• قوله:
٥ - «ويتم الصيام إلى الليل».
وهذا لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ففي الأية بيان لبداية الصوم ونهايته، وبه يظهر أنه يصام جزء من الليل إذا لا ينبغي الفطر إلا بعد تيقن الغروب استصحابا للأصل، لكن من كان بحيث يرى الشمس فليس عليه صيام جزء من الليل كما في حديث ابن أبي أوفى الصحيح، وفي المقابل فإنه يجوز أكل جزء من النهار؛ استصحابا للأصل كذلك، أقصد أنه ما لم يتبين فهو على الأصل، ولا حاجة إلى إيجاب إمساك جزء من الليل تحت قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأنها هنا واقعة في مجابهة المنصوص عليه وهو التبين، ولا حجة في حديث أنس عن زيد بن ثابت عند البخاري قال: «تسحرنا مع النبي ﷺ، ثم قام إلى الصلاة»، قلت: «كم كان بين الأذان والسحور»؟، قال: «قدر خمسين آية»، فإن هذا لم يكن بالأمر الدائم، ولا كان المراد منه تحديد وقت للإمساك، ولعل القائلين بالإمساك عشر دقائق قبل طلوع الفجر؛ اعتمدوا عليه، وترتيب هذا على الناس من البدع، لكن ينبغي التنبيه إلى أن التبين إنما يكون في حق من يتأتى له، أما من كان في منزله وقد أغلق عليه أبوابه، وهو غالب شأن الناس اليوم؛ فينبغي له الاعتماد على المؤذن، فإذا سمعه؛ وجب عليه الإمساك، وهكذا غير المؤذن من الوسائل، أما الحرص على فعل المستحب وهو التأخر في الإمساك، مع القصد إلى مخالفة ما عليه الناس في إمساكهم وإفطارهم؛ فليس مما تقام به السنن، إلا أن يكون الإناء على يد المرء؛ فليتم ما هو بصدده لقول النبي ﷺ: «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه؛ حتى يقضي حاجته منه»، رواه أبو داود (٢٣٥٠) وغيره عن أبي هريرة، وحمله بعضهم على المؤذن يؤذن قيل الفجر اعتمادا على الحديث الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٣١١) عن يحيى بن عباد، عن جده شيبان أنه غدا إلى المسجد، فجلس إلى
[ ٢ / ٢٩٨ ]
بعض حجر النبي ﷺ، فسمع صوته، فقال: «أبا يحيى»؟ قال: نعم، قال: «ادخل، فدخل، فإذا النبي ﷺ يتغذى، فقال: «هلم إلى الغداء»، فقال: يا رسول الله، إني أريد الصيام، قال: «وأنا أريد الصيام، إن مؤذننا في بصره سوء، أذن قبل الفجر»، وهذا تشغيب لا فائدة فيه، فإنه بعد تجاوز ما قيل في بعض رجال الحديث، فإنه واقعة خاصة، وحديث أبي هريرة شرع عام، ومن تيقن أن المؤذن أذن قبل الوقت فله أن يأكل، لكن في بلدنا من توسع في هذا الأمر، فكان إذا سمع النداء؛ طلب من أهله إعداد السحور تحت زعم أن الأذان يعتمد فيه على حساب الفلكيين، وهو متقدم على طلوع الفجر الصادق، وقد ذكرت ما في هذا الأمر في الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
حديث إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا
• قوله:
٦ - «ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور».
الفطر اسم مصدر، والمصدر الإفطار، والسحور بضم السين؛ هو الفعل أي التسحر، وبفتح السين هو ما يؤكل وقت السحر، والسحر بفتح الحاء آخر الليل، والمعنى أن الواجب هو صوم النهار، فإذا انقضى؛ فقد أفطر الصائم حكما، فعليه أن يبادر بالفطر فعلا، وهذه المبادرة لا تكون إلا بعد أن يتيقن دخول الليل، لقول النبي ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»، رواه الشيخان عن عمر بن الخطاب، (خ/ ١٩٥٤)، ومعنى «أفطر الصائم»؛ دخل في وقت الإفطار، وقيل معناه هو مفطر حكما، والأول أولى، بدلالة إذن النبي ﷺ في المواصلة إلى السحر كما في حديث أبي سعيد عند البخاري: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السحر»، ولم يكتف النبي ﷺ بذكر غروب الشمس، بل ذكر قبلها أمرين، فينبغي البحث عن مغزى ذلك، كيف وهو الذي أوتي جوامع الكلم؟، والسبب أن إقبال الليل يكون من جهة المشرق، بازرقاق جزء السماء الملاصق للأفق، لأن الشمس تكون حينئذ قد نزلت عنه في المغرب، وإدبار النهار يكون من جهة المغرب، فإذا غابت الشمس فيما يرى الناظر، غير أنها لما تزل في مرتفع إلى الشرق منه؛ فإن الليل لم يقبل، وإذا حجب الشمس سحاب، فظهرت الظلمة في المغرب والمشرق، فليس ذلك بوقت إفطار الصائم، وقد روى نافع عن مالك أن المرء لا يأكل عند أذان المؤذنين للفجر، وإن رأى هو الفجر لم يطلع، ولا يفطر حتى يؤذنوا، وإن رأى هو الشمس قد غربت، لأنهم موكلون بذلك ورعاته»، نقله ابن العربي في المسالك باب ما جاء في الفطر من الموطإ، وهذا ينطبق علينا في المدن، ولمالك قول لا يخالف هذا، لأنه فيمن يعرف الفجر، وكان في موضع ينظر إليه، وهو صالح لأهل البوادي ممن يعرفون ذلك، وقال الشيخ علي الصعيدي: «تحقق دخول الليل يكون بتحقق غروب جميع قرص
[ ٢ / ٣٠٠ ]
المبادرة إلى الإفطار بناء على الظن بتأخر حساب الفلكيين
الشمس لمن ينظره، أو دخول الظلمة، وغلبة الظن بالغروب لمن لم ينظر قرص الشمس، كمحبوس بحفرة تحت الأرض، ولا مخبر له».
أما المبادرة إلى الإفطار لمجرد اعتقاد المرء أن حساب الفلكيين متأخر قليلا عن غروب الشمس بالفعل كما عليه بعضهم، وهم لا يرون غروب الشمس لكونها محجوبة عنهم بالبنيان؛ فليس بحق.
قال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٢٢) بعد أن بين مراد الشارع من الترغيب في التعجيل بالإفطار وما يحترز منه في التعجيل به: «ولا ينبغي أن يحملكم ذلك على الإسراف فيه، حتى تقعوا في الفطر قبل محله وفي غير محله، لما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ قال: «بينما أنا قائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضَبْعَيَّ (^١)، وساق الحديث، وفيه: «ثم انطلقا بي، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل دما، قلت: من هؤلاء؟، قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل محل صومهم، قال: خابت اليهود والنصارى»!!، انتهى (^٢).
وقد جاء في تعجيل الفطر ما رواه مالك (٦٣٩) وأحمد والشيخان والترمذي (٦٩٩) عن سهل بن سعد قال، قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، وفي رواية لأحمد زيادة: «وأخروا السحور».
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه كشف المغطى: «وإنما لم يزد عليه «وأخروا السحور»، لأنه قد علم أن كثيرا من أصحابه كان يحب التملي من الصوم، والاستكثار من الخير والقربة، حتى رام كثير منهم أن يصل صوم اليوم بصوم اليوم الموالي له،،،» انتهى، قال كاتبه: نبينا ﷺ لا يشرع لزمانه فحسب، حتى يقتصر في بيان الحكمة على ما كان عليه الأمر يومئذ، وكلمة الناس في حديثه من ألفاظ العموم، ثم إن الشيخ ﵀ قال عن الروايات والأحاديث الواردة في هذا الباب: «لم يتضح المراد بالخير في كلام رسول الله ﷺ لشراح هذا الحديث، ولم يظهر وجه التسبب بين تعجيل الفطر ودوام الخير للأمة، فجعل بعض
_________________
(١) الضّبع: هو ما تحت الإبط
(٢) والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٩٨٦)، وابن حبان في صحيحه (٧٤٩١)، وغيرهما، وإسناده صحيح، كما قال شعيب الأرناؤوط.
[ ٢ / ٣٠١ ]
ما جاء في تعجيل الفطر وتأخير السحور
الرواة يرويه بالمعنى الذي بدا له،،،»، وقد أشار إلى بعض الروايات والأحاديث، والخطورة في قوله: «فجعل بعض الرواة يرويه بالمعنى الذي بدا له»، فإن شأن العلماء أن يصبروا على الروايات المختلفة، ويأخذوا بالزائد منها، ويردوا ما كان ضعيفا، أما أن يقال عن خير الأمة إنهم يروون الأحاديث بالمعنى الذي بدا لهم، وأن الذي دفعهم إلى هذا هو خفاء العلاقة عندهم بين تعجيل الفطر، ودوام الخير للأمة؛ فكلام بعيد عن التحقيق، ومجانب لما عليه علماء هذا الفن، أما الربط بين بقاء الخير وبين تأخير السحور وتقديم الإفطار؛ فلأن الأمة معه تكون عالمة بأحكام دينها، بعيدة عن اتباع أهل الملل الأخرى في الغلو والجفاء.
وقد جاء في رواية البيهقي ما يبين وجه ذلك الربط: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، فإن اليهود يؤخرون»، ومن ذلك قوله ﷺ: «لا تزال أمتي بخير، أو قال على الفطرة؛ ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم»، رواه أحمد وأبو داود (٤١٨)، ويبينه أيضا أجلى بيان ما في صحيح مسلم وسنن أبي داود (٢٣٤٣) عن عمرو بن العاص مرفوعا: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، والأكلة بفتح الهمزة المرة الواحدة من الأكل، وإن كثر المأكول، وقد قال العلماء إن التسحر يحصل بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد ورد في الحديث ولو بجرعة ماء، وبيّن الشيخ الطاهر بعد قوله السابق؛ الحكمة من تعجيل الفطر وتأخير السحور، وهو كلام نفيس فاقرأه إن استطعت، ومن شمائله ﵌: «أنه كان لا يصلِّي المغرب وهو صائم حتى يُفطر ولو على شَربة ماء» رواه الطبراني عن أنس، وهو في الصحيحة.
ومن الحكمة في تعجيل الفطر وتأخير السحور الاقتداء بالنبي ﷺ وهذا يجمع كل خير، ومنها أن لا يزاد في العبادات قصدا، مع ما فيه من الاستجابة لحاجة الجسم، ومنها مخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون، ومنها التَّقوِّي على العبادة، ومنها مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع عند بعض الناس، ومنها كون التسحر سببا في الذكر والدعاء في هذا الوقت الفاضل، وهو وقت النزول الإلهي، ومنها أداء صلاة الصبح في وقتها، ومنها أن يتنبه لنية الصيام من غفل عنها، ومنها الإقبال على صلاة المغرب وقد فرغ بال الصائم من
[ ٢ / ٣٠٢ ]
التعلق بالطعام، ومنها أنه إذا أفطر على تمر أو رطب أو حسوات من ماء كما كان النبي ﷺ يفعل؛ كان ذلك خفيفا، فلا يكون حائلا بين الصائم وبين المبادرة إلى الصلاة، مع أن نفع الحلو للجسم سريع كما ذكره أهل الاختصاص، وهو مجرب في سرعة ارتفاع نسبة السكر في الدم بمجرد ابتلاع شيء حلو كما يفعل ذلك بمن انخفضت نسبة السكر في دمائهم، ولذلك رأى بعض أهل العلم الإفطار على مطلق الحلو إن لم يوجد التمر.
وفي الصحيحين (خ/ ١٩٢٣) وغيرهما عن أنس أن النبي ﷺ قال: «تسحروا، فإن في السحور بركة»، وهذا التعليل وحده يكفينا في الترغيب فيه، وعن العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان، فقال: «هلم إلى الغداء المبارك»، رواه أبو داود (٢٣٤٤)، والغداء هنا هو الطعام نفسه، ويراد به طعام الغدوة بضم الغين، وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس، ويقابل الغداء العشاء، وقد كان غداء العرب صباحا.
قال الباجي في المنتقى (٢/ ٤٢): «تعجيل الفطر ألا يؤخر بعد غروب الشمس على وجه التشدد والمبالغة واعتقاد أنه لا يجزئ الفطر عند غروب الشمس على حسب ما تفعله اليهود، وأما من أخر فطره باختياره لأمر عَنَّ له؛ مع اعتقاده أن صومه قد كمل؛ فلا يكره ذلك، رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة»، انتهى.
قلت: «المبادرة إلى الإفطار بشرطها مرغوب فيها، ولو لم يكن الشخص يرى أن التأخر فيه تعبد لإطلاق الأدلة، إلا من لم يكن لديه ما يفطر عليه، ولعله لهذا روى في الموطإ (٦٤١) عقب روايته حديث سهل ومرسل سعيد بن المسيب في تعجيل الفطر أثر حميد بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في رمضان».
[ ٢ / ٣٠٣ ]
من أكل شاكا في طلوع الفجر
• قوله:
٧ - «وإن شك في الفجر؛ فلا يأكل».
هذا مبناه على الاحتياط للعبادة، ففي المدونة: «كان مالك يكره للرجل أن يأكل إذا شك في الفجر؟، فقال: نعم»، والظاهر من هذه الكراهة المنع، يدل عليه قوله قبله: «ما قول مالك فيمن شك في الفجر في رمضان، فلم يدر أكل فيه، أو لم يأكل؟، قال، قال مالك: «عليه قضاء يوم مكانه»، وبهذا يعلم ما في كلام صاحب مسالك الدلالة ﵀ حيث قال: «وليس في المدونة إلا الكراهة، فمن فهم منها المنع فقد أبعد»، انتهى.
ويقوي ما ذكرته من تحريم الأكل على الشاك في المذهب؛ ما في النوادر والزيادات من قول مالك: «فإن أكل بعد شكه؛ فعليه القضاء، ولا يُكَفِّرْ»، انتهى، لكن منع الشاك من الأكل يعارضة أمران: الأول استصحاب الأصل وهو هنا الجواز، أعني الاستمرار على ما كان عليه المرء من قبل، والثاني الغاية التي في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، بخلاف الصائم، قيستصحب الأصل أيضا وهو الصوم، فلا يفطر إلا بيقين، وعن ابن عباس ﵄ قال: «كل ما شككت حتى لا تشك»، رواه البيهقي عنه بإسناد صحيح، وقد اعتمد عليه ابن حبيب في القول بجواز أكل الشاك، وانظر المصنف لعبد الرزاق الأثر (٧٣٦٥) وما بعده، لكن الشاك هنا ليس الذي يغلق عليه بابه ونوافذه فإذا استيقظ قال إني شاك، فيجوز لي الأكل، مع ما عنده من وسائل التوقيت التي لم تكن متوفرة من قبل، بل المراد والله أعلم من كان يرى الأفق غير أنه لم يدر أطلع الفجر أم لا، أو كلف غيره بذلك فشك، وعن عطاء ما يخالف هذا كما في المصنف لعبد الرواق.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
صوم يوم الشك
• قوله:
٨ - «ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان، ولمن شاء صومه تطوعا؛ أن يفعل».
ويوم الشك؛ هو اليوم المكمل الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة، فلم تثبت الرؤية، كما هو في كتاب المعونة للقاضي عبد الوهاب، وعند الشافعية هو اليوم الذي يشيع فيه على ألسنة من لا تقبل شهادته أنه من رمضان، وقد رجح ابن عبد السلام قول الشافعية بحجة أننا مطالبون ليلة الثلاثين في حالة الغيم بإكمال العدد، ولا شك في هذه الصورة، والمقصود أن يوم الشك لا يصام احتياطا لرمضان، فإن صيم وتبين أنه أول رمضان، كأن رؤي الهلال ليلة التاسع والعشرين من صومنا؛ فإنه لا يجزئ لعدم جزم النية، وقد تقدم أن ابن عمر كان يصومه إذا كانت السماء مغيمة، وعليه أحمد بن حنبل، وهو مجزئ عنده متى تبين أنه من رمضان، أما من صامه متطوعا، فلا يخلو: إما أن تكون عادته قد جرت بصومه أو لا، فإن جرت بذلك عادته؛ فصومه مشروع، لظاهر قول النبي ﷺ: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه»، رواه أحمد ومسلم (١٠٨٢) وأصحاب السنن (د/ ٢٣٣٥) عن أبي هريرة، أما إن لم تجر له عادة بذلك؛ فالظاهر تحريم صومه، لقول عمار بن ياسر ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم»، رواه أبو داود (٢٣٣٤) والترمذي، وقال: «حسن صحيح»، وهو وإن كان موقوفا في اللفظ، إلا أنه من المرفوع في الحكم، لأنه مما لا يقال بالرأي، على أنه قد دل على هذا الحكم حديث أبي هريرة الذي قبله.
وظاهر كلام المصنف جواز صوم يوم الشك مطلقا في التطوع، لأنه لم يفرق بين من جرت له عادة ومن لم تجر له، وهو قول الإمام إذ قال: «إنه سمع أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به صيام رمضان،،، إلى أن قال: «ولا يرون بصيامه
[ ٢ / ٣٠٥ ]
تطوعا بأسا»، انتهى.
وقد عللوا الجواز بقولهم «كل يوم لم يكره أن يُتطوع بصومه على وجه؛ لم يكره أن يُتطوع به على وجه الابتداء»، ذكره القاضي عبد الوهاب والباجي رحمهما الله، وهو كما ترى رأي في مواجهة النص، ويبدو أن مراد الشارع من النهي عن صوم يوم الشك وهكذا نهيه عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومثله النهي عن الصوم متى انتصف شعبان؛ إنما هو سد الذريعة إلى الزيادة في العبادة، أو الاحتياط لها بمثل هذا، لا لكون ذلك قد يؤدي إلى ضعف الفاعل عن صوم رمضان، بدليل أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان إلا أقله، أو كان يصومه كله، ولم يأت ما يدل على اختصاصه به، وصوم الشهر كله أدعى إلى الضعف من صوم بعض الأيام.
قال الشعبي كما في تفسير البغوي (١/ ١٥٠): «لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان، فصاموا قبل الثلاثين يوما، وبعدها يوما، ثم لم يزل القرن الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله؛ حتى صاروا إلى خمسين يوما»، وهذا المعنى هو الذي حدا ببعض أهل العلم ومنهم مالك إلى كراهة المبادرة بصوم الستة أيام من شوال عقب عيد الفطر حتى قال ابن العربي ﵀: «ولذلك كره علماء الدين أن تصام الأيام الستة متصلة برمضان مخافة أن يعتقد أهل الجهالة أنها منه، ورأوا أن صومها من ذي القعدة إلى شعبان أفضل، لأن المقصود منها حاصل بتضعيف الحسنة بعشر أمثالها متى فعلت، ومن اعتقد أن صومها مخصوص بثاني يوم العيد؛ فهو مبتدع سالك سنن أهل الكتاب في الزيادات، داخل في وعيد الشرع حيث قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، انتهى باختصار.
قال كاتبه: ينبغي أن يعلم أن حديث صوم ستة أيام من شوال الذي رواه مسلم وغيره (د/ ٢٤٣٣) عن أبي أيوب ليس بمؤسس لقاعدة مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، فإنها معروفة في غيره من كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ، فإذا حمل قوله عن فضل صوم هذه ألأيام: «فكأنما صام الدهر» على معنى أنه كالصائم للسَّنَةِ، فلا يكون فيه زيادة على غيره من النصوص التي تضمنت قاعدة المضاعفة.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
ومن ثم رأى ابن العربي والله أعلم أن ذلك الأجر يحصل لمن صام تلك الأيام في غير شوال، ولا سيما في الشهور التي ثبت فضل الصيام فيها، ويحتمل الحديث معنى آخر، وهو أن من صامها بعد صوم رمضان كان كمن صام الدهر بقطع النظر عن كونه صامها في عام آخر أو لا، وهذا المعنى هو الذي تفرد به هذا الحديث، فإن استقام كما هو اعتقادي؛ كان صومها في شوال لا يقوم مقامه صومها في غيره، والقيد لا بد من اعتباره في كلام العقلاء فكيف بكلام الشارع؟، ولم يتكلم المؤلف على صوم التطوع في هذا الباب، بل تحدث عنه في باب جامع، فعسى أن أبلغه في شرحي، فأتكلم عليه.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
من لم يبيت النية من الليل
• قوله:
٩ - «ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان؛ لم يجزه، وليمسك عن الأكل في بقيته، ويقضيه».
إنما لم يُعتد بصوم هذا الذي لم يأكل ولم يشرب، ووجب عليه القضاء؛ لأنه لم يبيت النية من الليل، وهي شرط في صحة الصوم، لكن جاء ما أخذ منه الاعتداد بصوم من لم يبيته من الليل إذا لم يأكل ولم يشرب، ثم علم أن اليوم من رمضان، وهو ما رواه الشيخان (خ/ ١٩٢٤) عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل»، وهو قول عبد الملك بن الماجشون كما في المعونة للقاضي عبد الوهاب والمنتقى للباجي.
قال الحافظ (٤/ ١٨٢): «وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، وقد جاء ذلك صريحا فيما رواه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه أن أسلم أتت النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا»؟، قالوا: «لا»، قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه»، انتهى، قال أبو داود: يعني عاشوراء، قلت: إن الحديث في مسند أحمد أيضا، ولا حجة فيه لأن «فاقضوا» زيادة تفرد بها عبد الرحمن بن سلمة وهو مجهول.
أما وجوب الإمساك على من علم أن اليوم من رمضان بعد ذهاب وقت النية؛ فدليله ما في الحديث المتقدم، ولحرمة الشهر، ولا فرق في وجوب الإمساك عندهم بين من لم يأكل ولم يشرب، وبين من فعل.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
المسافر يقدم نهارا والحائض تطهر
• قوله:
١٠ - «وإذا قدم المسافر مفطرا، أو طهرت الحائض نهارا؛ فلهما الأكل في بقية يومهما».
المسافر يجوز له الفطر والصوم، والحائض يحرم عليها الصوم، فإذا قدم المسافر من سفره مفطرا في النهار، أو طهرت الحائض نهارا؛ جاز لهما الأكل في بقية اليوم، ومثلهما المريض يصح، لأنهم أفطروا بوجه مشروع، ومثلهم المجنون يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، والفرق بين هؤلاء وبين من أفطر، ثم تبين له أن اليوم من رمضان؛ أن الفطر جائز في حقهم في نفس الأمر وفي الظاهر، أما المفطر الذي لم يعلم أن اليوم من رمضان؛ فإنما جاز له الفطر في الظاهر، لا في نفس الأمر، ويستفاد ذلك من أمر النبي ﷺ بالإمساك يوم عاشوراء حين كان فرضا كما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع.
ومن فروع هذه المسألة أن المسافر إذا قدم نهارا مفطرا وكانت امرأته قد طهرت من حيضها؛ جاز له قربانها، وقال مالك: «فإن كانت نصرانية وهي طاهر في يومها؛ فليس له وطؤها، لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم»!!، وأحسب أنه لا يقول بالمنع، قال الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته: «وتحمل الكتابية - يعني التي يجوز لزوجها القادم من سفر قربانها - على من لم تكن صائمة، حيث لا يفسد الوطء صومَها في دينها، لأنه لا يجوز له إكراهها على ما لا يحل لها في دينها،،،»!!.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
قضاء من أفطر في تطوعه متعمدا
• قوله:
١١ - ومن أفطر في تطوعه عامدا، أو سافر فيه فأفطر لسفره؛ فعليه القضاء، وإن أفطر ساهيا؛ فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة».
الصوم أحد أشياء سبعة تجب بالشروع فيها في المذهب، وباقيها الصلاة، والاعتكاف، والطواف، والحج، والعمرة، والاقتداء، وقد تقدم ذكرها في كتاب الصلاة، وأثبت هنا ما قاله مالك في الموطإ في ترجمة «قضاء التطوع»، وهو يؤصل لمبدإ وجوب النفل بالشروع، بعد أن ثبتت بعض أفراده بالنص، قال: «ولا ينبغي أن يدخل الرجل في شيء من الأعمال الصالحة: الصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه هذا من الأعمال الصالحة التي يتطوع بها الناس؛ فيقطعه حتى يتمه على سنته، إذا كبر لم ينصرف حتى يصلي ركعتين، وإذا صام لم يفطر حتى يتم صوم يومه، وإذا أهل لم يرجع حتى يتم حجه، وإذا دخل في الطواف لم يرجع حتى يتم سُبوعه، ولا ينبغي أن يترك شيئا من هذا إذا دخل فيه؛ إلا من أمر يعرض له مما يعرض للناس من الأسقام التي يعذرون بها، والأمور التي يعذرون فيها، وذلك أن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعليه إتمام الصيام كما قال الله، إلى أن قال: «فكل أحد دخل في نافلة؛ فعليه إتمامها إذا دخل فيها، كما يتم الفريضة، وهذا أحسن ما سمعت».
وذكر المؤلف في هذه الفقرة ثلاثة أمور: إفطار الصائم عمدا في التطوع، وإفطاره نسيانا فيه وفي الفرض، وإنما لم يذكر الرابع وهو الفطر عمدا في الفرض لوضوحه، فالمفطر في التطوع ناسيا لا شيء عليه، والمتعمد من غير عذر، كشدة الجوع والعطش، أو أمر من تجب طاعته كالوالد؛ يجب عليه القضاء، ومثل العامد الجاهل في المشهور، وهكذا من أفطر في التطوع لأجل السفر، إذ لا قياس في الرخص، ولهذا قالوا لا يقدم الوتر مع العشاء المجموعة جمع تقديم، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ جوابا لمن سأله هل علي
[ ٢ / ٣١٠ ]
أدلة القول بوجوب قضاء الصائم المتطوع
غيرها؟، قال: «لا، إلا أن تطوع»، فإنه يحتمل أن يكون المعنى إلا أن تدخل في تطوع، فيلتحق بالواجب بالشروع فيه، فيكون الاستثناء متصلا.
ومن الأدلة ما رواه مالك في الموطإ (٦٨١) من حديث عائشة عن حفصة أنها قالت يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام، فأفطرنا عليه، فقال رسول الله رسول الله ﷺ: «اقضيا مكانه يوما آخر»، وهو في سنن أبي داود (٢٤٥٧) والترمذي والنسائي، واختلف في وصله وإرساله، وهو ضعيف عند نقاد الحديث، لكن قال الحافظ في الفتح: «ورد من طرق كثيرة يتعذر معها الحكم بضعفه»، انتهى.
ولو ثبت وحمل القضاء فيه على الوجوب؛ لكان معارضا بما هو أقوى منه في الثبوت كما سيأتي، ومما احتجوا به على لزوم قضاء النفل بالشروع؛ ما صح من أن النبي ﷺ ترك الاعتكاف في إحدى المرات، ثم اعتكف عشرين يوما.
قالوا: هذا نفل لم يشرع فيه، ومع ذلك قضاه، فكيف بما شرع فيه منه؟، والجواب: أن النبي ﷺ كان إذا فعل شيئا أثبته، فلما فاته الاعتكاف، وكان ذلك عادته؛ قضاه، كما قضى راتبة الظهر بعد العصر حين شغله عنها وفد عبد قيس.
ومما يعارض ما سبق؛ قول النبي ﷺ لأم هانئ يوم الفتح حين أفطرت: «فلا يضرك إن كان تطوعا»، رواه أبو داود (٢٤٥٦)، والترمذي (٧٣١)، لكن جاء قوله لها: «إن كان قضاء من رمضان فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شِئت فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي» رواه أحمد والدارمي، ومنها قوله ﷺ: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر»، رواه أحمد والترمذي (٧٣٢) عن أم هانئ.
وورد ذلك من فعله أيضا كما رواه مسلم (١١٥٤) وأصحاب السنن (د/ ٢٤٥٥) عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟، فقلنا: لا، فقال: «فإني إذن صائم، ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائما، فأكل»، الحيس بفتح الحاء وسكون الياء والسين المهملة يتخذ من السمن والأقط والتمر، فالصواب إن شاء الله: أنه يستحب قضاء صوم التطوع لمن أفطر عامدا، وهو استحباب مؤكد، وإلا فإن الاستحباب في الأصل قائم من غير قضاء.
[ ٢ / ٣١١ ]
من أفطر في الفرض ناسيا
أما الاستدلال على ذلك بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، فقد رد بأن المراد الإبطال بالشرك والرياء، ولأن من أذن له الشارع في الفطر لضيافة ونحوها فقد أبطل عمله على وفق ما يقولون، قال ابن عبد البر: «من احتج في هذه المسألة بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؛ فجاهل بأقوال أهل العلم فيها،،،».
قلت: احتج بها ابن المنذر وغيره، وقد شنع الغماري على من احتج بها، وليس بمستقيم فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يقال إن الأدلة قد دلت على جواز إفطار الصائم فيكون مستثنى، ولأن المضي في العمل وعدم تركه هو الأصل، قال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٧٢): «عول مالك على أن هذا الحديث يعضده المعنى من أنه خير شرع فيه، فلا يحسن نقضه، والحسن ما حسنته الشريعة، وحديث سلمان وعائشة المسند الصحيح أولى وأحق أن يتبع»، يعني بحديث سلمان قصته مع أبي الدرداء حين عزم عليه أن يفطر فأفطر وقال عنه الصادق المصدوق ﷺ: «صدق سلمان»، وهو في صحيح البخاري، لكن ابن العربي قال خلاف ما تقدم في المسالك (٤/ ٢٢٧)، وزعم أن أكل النبي ﷺ يحمل على أنه كان مجهودا بالجوع، وهي كانت غالب أحواله، فكان يصوم إذا عدم؛ رغبة في الأجر، ويفطر إذا وجد؛ للحاجة في الأكل»، انتهى.
قلت: هذا أمر فيه شناعة، وإن كان ظاهر بعض ألفاظ الحديث يعطيه، لأنه يجعل كلا من الصوم والفطر غير مقصود للنبي ﷺ، بل هما تابعان لما ذكره من وجود ما يؤكل وعدم وجوده، وهذا لا يليق بحال الواحد العادي من أمته، فكيف بمن كان ربه يطعمه ويسقيه؟.
أما من أفطر في الفرض ناسيا؛ فعليه القضاء في المذهب، وهو المشهور، وهو ما بينه المؤلف بقوله: «بخلاف الفريضة»، قال مالك في الموطإ (٦٧٩): «من أكل أو شرب في رمضان ساهيا أو ناسيا، أو ما كان من صيام واجب عليه؛ أن عليه قضاء يوم مكانه»، انتهى، وحجتهم أن هذا لم يكمل العدة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾.
قلت: إكمال العدة وارد في المريض والمسافر ونحوهما من المأمورين بالقضاء، ومن الحجج؛ أن المكلف مطالب أن يأتي بيوم سالم من الخرم، والأوامر لا تسقط بالنسيان.
قلت: هذا إن كان خرما فإن الشرع لم يعتد به، بل سمى الفاعل صائما، أما القاعدة
[ ٢ / ٣١٢ ]
المذكورة فغير مطردة، وفي المسألة حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «من نسي وهو صائم، فأكل، أو شرب؛ فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه»، رواه الشيخان وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وهو كما ترى عموم يدخل فيه كل صائم، وقد حمله أهل المذهب على صوم التطوع لخفته بقرينة ما تقدم.
قال كاتبه: حمله على صوم الفرض أولى، لأن الفرض هو الذي يشترك في فعله المكلفون، وإنما يتطوع من شاء، قالوا: ولأن الحديث اقتصر فيه على الأمر بإتمام الصيام، ولم يذكر قضاء، ولا تعرض له.
قلت: النص المتقدم كاف في الدلالة على عدم القضاء، يدل عليه أنه قال فليتم صومه، فاعتبره صوما، وأمر بإتمامه، على أنه قد جاء ما هو نص في صوم رمضان عند الدارقطني: «من أفطر في شهر رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة».
قال القرطبي في تفسيره: «فزال الاحتمال، وارتفع الإشكال»، وقد علق ابن العربي القول به على صحته في شرحه المسمى بالقبس، وما دل عليه هذا الحديث نصا هو رواية أبي بكر الأثرم عن الإمام مالك، قال: «سمعت أبا عبد الله يسأل عمن أكل ناسيا في رمضان، قال: ليس عليه شيء على حديث أبي هريرة، ثم قال أبو عبد الله مالك: وزعموا أن مالكا يقول عليه القضاء، وضحك!!»، ذكرها القرطبي في تفسيره للآية (١٨٧) من سورة البقرة (٢/ ٣٢٢).
قلت: هذا كلام أحمد ﵀، وقد كنت أظن منذ سنين أنه كلام مالك لما في تفسير القرطبي من الإيهام لقوله: قال أبو عبد الله مالك وزعموا،،،»، ثم علمت أن الخلل الذي في نقل القرطبي هو الذي قادني إلى ذلك، وأن الأصل هو قال أبو عبد الله: مالك زعموا أنه يقول عليه القضاء، وضحك»، فظننت أن مالك عطف بيان وإنما هو مقول قول أحمد رحمهما الله، ثم إن الأثرم لم يسمع مالكا، وانظر الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٣١٩)، وللشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى كلام نفيس في تعليل الفرق بين إلزام المفطر الناسي بالقضاء في الصوم الواجب، وعدم إلزامه في التطوع، غير أنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولا تداني صبغة الله صبغة.
[ ٢ / ٣١٣ ]
مشروعية السواك للصائم في جميع النهار
• قوله:
١٢ - «ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره».
هذا موافق لقول مالك في الموطإ (٦٩١): «إنه سمع أهل العلم لا يكرهون السواك للصائم في رمضان في ساعة من ساعات النهار،،،»، انتهى، وقد وردت مشروعية الاستياك من أقوال النبي ﷺ وأفعاله من غير قيد بزمان، وقد تقدم بعضها في الطهارة، فهذا وحده كاف في مشروعية الاستياك للصائم استصحابا للأصل، ولأنه ﷺ كان كثير الصوم، يصوم حتى يقولوا لا يفطر، وكان يصوم شعبان كله أو معظمه، فهل يقال إنه كان لا يتسوك كلما كان صائما وصومه كثير؟.
وقد جاءت مشروعية الاستياك في خصوص الصائم فيما رواه أبو داود (٢٣٦٤) والترمذي وقال حسن، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة التمريض عن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم»، لكن فيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر، وهو ضعيف، ويوشك أن يكون متنه صحيحا لما ذكرت، وقد رام المصنف بقوله «في جميع النهار»؛ الرد على من رأى عدم مشروعية الاستياك في النصف الثاني من اليوم، لأنه لم يصح ما يؤخذ منه ذلك، وقد استدل قائله بكونه الزمن الذي يظهر فيه خلوف فم الصائم، والخلوف بضم الخاء تغير رائحة الفم لخلو المعدة من الطعام.
وقد رتب عليه من الفضل ما جاء في الموطإ (٦٨٩) والصحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به، كل حسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي، وأنا أجزي به»، لكن لا يلزم من هذا أن استبقاء تغير الرائحة مطلوب، بل المراد والله أعلم طمأنة الصائم بأن ذلك حيث وقع ليس بضاره شيئا، لأن صدور تلك الرائحة ليست من اختياره وكسبه حتى يكلف رفعها أو يؤاخذ
[ ٢ / ٣١٤ ]
بها ولئلا يستقذره وينفر منه غيره في تلك الحال، ولعل مالكا إنما جمع بين القول الذي ذهب إليه في استياك الصائم، وبين الحديث الذي فيه ذكر خلوف فم الصائم؛ ليرد على من استنبط منه كراهة الاستياك، ونظير هذا أن لا تؤخذ مطلوبية استبقاء الظلمة وتعمد السير فيها من قول النبي ﷺ: «بشر المشائين إلى المساجد في الظلمات بالنور التام يوم القيامة»، رواه أبو داود (٥٦١)، فإن المقصود من حصل له ذلك اتفاقا، لما في السير في الظلمة من المشقة، ولا يؤخذ منه تعمد المشي في الظلمات لمن أمكنه أن يمشي في الضوء، وهكذا ما ذكر من الأجر في أبوال الخيل وروثها لمن رصدها في سبيل الله، والمشهور أن الاستياك يكون باليابس، لأن الأخضر يتحلل، فمن استاك به فليمُجه وقال ابن سيرين: «لا بأس بالسواك الرطب»، قيل: «له طعم»، قال: «والماء له طعم وأنت تمضمض به»، انتهى، وهو في صحيح البخاري، لكن لا يؤخذ منه عدم اللفظ.
[ ٢ / ٣١٥ ]
احتجام الصائم
• قوله:
١٣ - «ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير».
عمدة من منع الصائم من الحجامة؛ قول النبي ﷺ: «أفطر الحاجم والمحجوم»، جاء من حديث ثوبان، وشداد بن أوس، ورافع بن خديج، وأبي هريرة، وعائشة، وأسامة بن زيد (د/ ٢٣٦٧)، وقال السيوطي: متواتر، لكن روى البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم»، وورد أنه ﷺ نهى عن المواصلة والحجامة ولم يحرمهما، والنظر في مجموع الأدلة الواردة؛ يدل على واحد من أمرين: إما نسخ هذا الحديث إن كان المراد بما فيه الإخبار عن حكم شرعي، وإما أنه مؤول بإحدى التأويلات التي ذكرها أهل العلم، فيصرف بذلك عن ظاهره، وأمثل هذه التأويلات ما في الحجامة للصائم من التغرير إذ قد يضعف فيفطر، وما فيها للحاجم من الذريعة إذ يوشك أن يمتص شيئا من الدم فيفطر، فجاء التعبير عن المحتمل بالواقع، وقد ثبت أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وورد أنه ﷺ أرخص في الحجامة للصائم، رواه النسائي عن أبي سعيد.
وثبت الاحتجام حال الصيام عن ابن عمر وهو في الموطإ، وذكر البخاري جماعة ممن ثبت عنهم في صحيحه، والاحتجام يختلف عن التبرع بالدم في زماننا للفرق بينهما في الكمية المأخوذة، ولذلك لا يصح قياس هذا على هذا، ولو قدرنا أن مريضا توقفت سلامته على الدم المتبرع به مع عدم إمكان تأجيل ذلك؛ لكان سائغا لمن عنده فصيلته أن يتطوع بمده بالدم، ويفطر لما يلحقه من ضعف، ويقضي، والله أعلم.
[ ٢ / ٣١٦ ]
المستقيء ومن ذرعه القيء
• قوله:
١٤ - «ومن ذرعه القيء في رمضان؛ فلا قضاء عليه، وإن استقاء فقاء؛ فعليه القضاء».
يقال ذرعه القيء؛ إذا غلبه، واستقاء إذا استدعى القيء، وقد فرق الشارع بين الأمرين، فأوجب القضاء على من استقاء دون من ذرعه القيء، قال النبي ﷺ: «من ذرعه قيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء؛ فليقض»، رواه الأربعة (د/ ٢٣٨٠) و(ت/ ٧٢٠) عن أبي هريرة، وقال حسن غريب، وهو قول عبد الله بن عمر كما في الموطإ (٦٧٨) وفي المدونة: «إن ذرعه القيء؛ فلا شيء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء».
[ ٢ / ٣١٧ ]
إفطار الحامل والمرضع
• قوله:
١٥ - «وإذا خافت الحامل على ما في بطنها؛ أفطرت، ولم تطعم، وقد قيل تطعم، وللمرضع إن خافت على ولدها، ولم تجد من تستأجر له، أو لم يقبل غيرها؛ أن تفطر وتطعم، ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر؛ أن يطعم».
الحامل إذا خافت على حملها عند مالك؛ هي بمثابة المريض، تفطر ولا تطعم، وعليها القضاء، وقد صرح بإلحاقها بالمريض في الموطإ (٦٨٣)، ولم ير عليها الفدية، مع أنه أثبت في موطئه (٦٨٣) بلاغا قول ابن عمر أنها تفطر وتطعم وتقضي، وقد أشار إليه المؤلف بصيغة التمريض، وهو رواية ابن وهب عن مالك، أما المرضع؛ ففطرها لأجل غيرها، فعلة إفطارها خارجة عنها، فلم تشبه الحامل التي ألحقت بالمريض، فرأى أن الفدية واجبة عليها مع القضاء، والرواية الثانية مساواتها بالحامل، فتقضي ولا فدية عليها، أما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم؛ فلا قضاء عليه ولا فدية، هذا هو ظاهر ما في المدونة، وقيل تستحب له الفدية، لأن الذي في المدونة نفي الوجوب، ولا يلزم من نفيه نفي ما دونه، ومرد الحكم فيمن ذكر إلى قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
قال ابن عباس: «أثبتت للحبلى والمرضع»، رواه عنه أبو داود (٢٣١٧)، وظاهر هذا أنهما تفتديان ولا تقضيان، لأن مراده بالإثبات؛ أن الأمر كان على التخيير بين الصيام والإطعام عند نزول هذه الآية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبقي الحكم المنسوخ ثابتا للحبلى والمرضع، وكونها منسوخة هو في صحيح البخاري (٤٥٠٧) عن سلمة بن الأكوع، ومعنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على هذا؛ يقدرون على الصيام.
وفي صحيح البخاري أيضا عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا»، ويطوقونه في الآية على قراءة ابن عباس بفتح الطاء وشد
[ ٢ / ٣١٨ ]
الواو، مبني للمجهول، أي يتكلفون الصوم بمشقة، فيفطرون ويُكَفِّرُونَ.
ويخالف رواية ابن عباس هذه ما رواه أبو داود (٢٣١٨) عنه في الآية وهو قوله: «كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام؛ أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا»، قال أبو داود: «يعني على أولادهما»، فهذه الرواية فيها المخالفة للتي قبلها في أمور منها إثبات الاستطاعة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، والكبير المستطيع وغيره في التكاليف سواء، وإنما الترخيص لمن لم يستطع، ومنها ما ذكره من أن الآية تشمل الحبلى والمرضع، لكن هذا لا يعد اضطرابا، لأن الرواية الأولى لا حصر فيها، والثالث قوله كانت رخصة،،، فإن معناه أنها نسخت، ولذلك حكم عليها المحدث العلامة الألباني بالشذوذ كما في الإرواء (ح/ ٩١٢) وبين أن الشذوذ أتاها من اختصار أصل الحديث اختصارا أخل بالمراد منه.
ومن أدلة المسألة؛ قول النبي ﷺ: «إن الله ﷿ وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم»، رواه أبو داود (٢٤٠٨) والترمذي (٧١٥) وحسنه عن أنس بن مالك القشيري، فجمع ﷺ بين المسافر والحبلى والمرضع في نسق واحد، وهذه دلالة اقتران، وهي وإن كانت ضعيفة؛ فإذا لم يأت ما هو نص يجب الأخذ به في تفسير الآية؛ اعتمد على ما دل عليه ظاهر الحديث من تساوي الثلاثة في القضاء باعتبار وجوبه على المسافر بالإجماع، وبالقياس عليه في الحبلى والمرضع، وهو الذي أميل إليه، وقد يختلف الأمر إذا توالى على المرأة الحمل والإرضاع، بحيث ينقضي الوقت الموسع، ولا تتمكنان من القضاء، ومثلهما كل من كان عليه صوم لم يتمكن من قضائه حتى انقضى الوقت الموسع؛ فليقل هنا بالفدية، ثم وجدت أن هذا مذهب الشافعي وغيره، وحكاه ابن المنذر عن مالك وغيره، ولينظر هنا شرح المهذب للنووي ﵀، ففيه بيان القائلين بهذا فلله الحمد.
أما ما ذكره المؤلف من الشرط في المرضع بقوله «ولم تجد من تستأجر له، أو لم يقبل غيرها»؛ فهو محل نظر، ومثل الأم المرضع المستأجرة متى كانت في حاجة إلى الأجرة، والله أعلم.
[ ٢ / ٣١٩ ]
مقدار الفدية والكفارة
• قوله:
١٦ - «والإطعام في هذا كله؛ مد عن كل يوم يقضيه».
الإطعام في باب الصيام كله واحد، كفارة كان أو فدية، والمذكور منه في الكتاب والسنة هو الإطعام، قال الله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وقال النبي ﷺ: «هل تجد ما تطعم به ستين مسكينا»، لكن اختلف العلماء في تقدير ذلك، والمذهب أنه مد بمد النبي ﷺ، وهو ربع صاع، وهو في الموطإ (٦٨٣) عن ابن عمر بلاغا، وقال في المدونة: وكيف الطعام عند مالك؟، قال: «مدا، مدا، لكل مسكين»، ومن أشبع مسكينا من أوسط طعام أهله كفاه، وقد ورد ذلك عن أنس أنه أطعم بعد ما كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر، علقه البخاري جازما في كتاب التفسير.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
إطعام المفرط في قضاء رمضان
• قوله:
١٧ - «وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر».
الظاهر أن قضاء صوم رمضان واجب على التراخي، وأن زمانه يمتد إلى ما قبل رمضان المقبل، لكن الأولى مبادرة من ليس له عذر بالقضاء من غير خلاف، لظواهر النصوص الكثيرة التي فيها امتداح المسارعين إلى الخيرات، وهي تشمل المندوبات، والمفروضات أوكد منها، ويدل على أنه على التراخي قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «إن كان ليكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان»، رواه الشيخان، (خ/ ١٩٥٠) وأصحاب السنن، (د/ ٢٣٩٩).
فمن أخر قضاء رمضان من غير عذر حتى دخل عليه شهر رمضان الذي يليه؛ فقد أثم، وعليه القضاء، ويفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم مما أخر قضاءه، وفي المدونة (الكفارة في رمضان): «ما قول مالك فيمن كان عليه صيام رمضان، فلم يقضه؛ حتى دخل عليه رمضان آخر؟، قال: يصوم هذا الرمضانَ الذي دخل فيه، فإذا أفطر؛ قضى ذلك الأول، فأطعم مع هذا الذي يقضيه،،،» وقد استدل على ذلك بما رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في رجل مرض في رمضان فأفطر، ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقال: «يصوم الذي أدركه، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه، ويطعم عن كل يوم مسكينا»، لكنه ضعيف، والصحيح موقوف على أبي هريرة كما بينه الدارقطني، وعلقه البخاري عنه وعن ابن عباس بصيغة التمريض، وكلاهما في مصنف عبد الرزاق برقمي (٧٦٢٠) و(٧٦٢٨)، وروي الإطعام عن عمر وابنه ﵄، وقد مال البخاري إلى عدم الفدية محتجا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يذكر الإطعام، وليس بجيد لأن الدليل لا ينحصر في الكتاب الكريم، وقد قيل إنه عن ستة من الصحابة لا مخالف لهم، فالأحوط الإطعام، وانظر فتح الباري ترجمة (متى يقضى قضاء رمضان)؟، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٤/ ٣١٨): «الظاهر عدم الوجوب».
[ ٢ / ٣٢١ ]
متى يلزم الصبيان الصيام
• قوله:
١٨ - «ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة، قال الله سبحانه: «وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا».
هذا مما لا خلاف فيه، لأن الصبي ممن رفع عنهم التكليف، وقد سبق ذكر الحديث الذي رواه الترمذي (١٤٢٣) عن علي ﵁ مرفوعا: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل»، وبلوغ الأطفال يكون بأمور بعضها مشترك بين الجنسين، وبعضها خاص بكل منهما، فالمشترك نزول المني، ونبات شعر العانة، والخاص الحمل والحيض، وقيل إن الحمل ليس علامة، لأنها لا تحمل إلا وقد أنزلت، فيقال: الأمر كذلك، لكنه علامة ظاهرة على البلوغ، فيستند إليها في الأحكام التي للقاضي والإمام رعايتها، وذلك لا يعني براءة الذمة من التكاليف التي فرط فيها قبل ذلك، بل عليه أن يقدر الوقت الذي فات، ويتدارك ما فرط فيه، فإن لم يظهر شيء من ذلك؛ فببلوغ ثمانية عشر عاما، وقال ابن وهب هو خمس عشرة سنة، ووجه الأول أنه سن لا يبلغه أحد إلا أدرك.
قال في النوادر (في صيام الصغير): «والمعروف من قول مالك وأكثر أصحابه إذا فقد الحيض والاحتلام والإنبات؛ رفعا إلى سن لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك من سبع عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة، وقد أجابوا عن إجازة النبي ﷺ ابن عمر يوم الخندق وعمره خمس عشرة سنة؛ بأنه نظر إلى إطاقته القتال، وذلك أمر ظاهر للعين، ولم ينظر إلى بلوغه الاحتلام، فإذا بلغ الأطفال ذلك؛ وجب عليهم ما يجب على سائر المكلفين، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٦٠]، ووجه الدلالة منها أن الله تعالى لم يوجب عليهم الاستئذان فيما قبل الاحتلام إيجابه على الكبار، ثم أخبر أن ذلك واجب عليهم مثل الكبار إذا بلغوا الحلم، وأوامر الله تعالى التكليفية جنس واحد، فإذا وجب شيء منها؛ وجب غيره ما لم
[ ٢ / ٣٢٢ ]
تدريب الصبيان على الصيام
حصول الأجر للصبي بأعمال البر
تنعدم الاستطاعة.
لكن عدم وجوب الصوم على الصبيان إلا بالبلوغ؛ لا يلزم منه عدم مشروعية تدريبهم وتعويدهم عليه، ولا ينهض التفريق بينه وبين الصلاة بأن فيه تعذيبا للصغير بعبادة غير متكررة في السنة، فلا يتأتى فيه تمرين.
وقد أشار المؤلف في مقدمة كتابه هذا إلى قياس غير الصلاة عليها حيث قال» … فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون من ذلك جوارحهم».
وقد كان السلف يدربون الصبيان على الصوم، بل ورد ما يؤخذ منه أنهم كانوا يصومون الرضع بأمر النبي ﷺ، وقد ترجم بذلك البخاري فقال (باب صوم الصبيان)، وقال عمر لنشوان في رمضان: ويلك وصبياننا صيام!!، فضربه، وساق بعده حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء (خ/ ١٩٦٠) في تصويم الصبيان.
قال الشيخ علي الصعيدي العدوي عند قول المؤلف وشارحه أبي الحسن (ولا صيام على الصبيان لا وجوبا ولا استحبابا): «أي فلا ثواب لهم، لأن الثواب إنما يكون في فعل ما يؤمر به الفاعل، قاله عج»، انتهى.
قال كاتبه: وما ذا يقال في التي قالت للنبي ﷺ عن حج الصبي: «ألهذا حج»؟، قال: «نعم ولك أجر»، مع أن الحج لا يجب إلا مرة في العمر، ثم ما هو الحج الذي أثبته النبي ﷺ للصبي ونحن نعلم أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام بالنص؟، فلم يبق إلا أنه يؤجر على حجه، مع أنه غير مأمور به أمر إيجاب، فالحمد لله على فضله وإحسانه، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ثم إن ذلك القول يخالف ما هو معروف في المذهب من كون الصبيان مخاطبين بغير الواجبات والمحرمات من الأحكام الشرعية، وقد ذكر ذلك ابن رشد في البيان وفي المقدمات، كما ذكره القرافي في كتاب اليواقيت في أحكام المواقيت، تجد هذا في شرح الشيخ علي بن عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي لنظمه المسمى مراقي السعود عند قوله:
قد كلف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم
[ ٢ / ٣٢٣ ]
من لم يغتسل من الجنابة والحيض إلا بعد طوع الفجر
• قوله:
١٩ - «ومن أصبح جنبا ولم يتطهر، أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر، فلم يغتسلا إلا بعد الفجر؛ أجزأهما صوم ذلك اليوم».
لما كان الصوم إنما يجب في النهار، وكان الأكل والشرب وسائر المباحات تجوز في الليل إلى أن يتبين الفجر؛ فإن هذا ينتج جواز أن يصبح المرء جنبا وهو صائم، لأن الجنابة أثر الجماع، وهو كغيره من المفطرات مباح إلى تبين طلوع الفجر، وعن عائشة وأم سلمة ﵄ أن النبي ﷺ كان يصبح جنبا من جماع، ثم يغتسل ويصوم»، رواه مالك (٦٤٥) والشيخان (خ/ ١٩٢٥).
أما إن طهرت الحائض بعد طلوع الفجر؛ فإنها لا تدع الفطر بقية يومها كما تقدم، وقد أنكر مالك قول الأوزاعي الذي فيه أنها إن لم تكن أكلت؛ فلتتم صيام ذلك اليوم فقال: «ولقد احتمل عظيما من أفتى بهذا، وإن كان لرجلا صالحا، ولكنكم كلفتموه فتكلف»، وهو في النوادر (صيام الجنب والحائض).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
حرمة صوم يومي الفطر والأضحى وأيام منى
• قوله:
٢٠ - «ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك».
صوم يومي الفطر والأضحى محرم بالإجماع، لا يصامان في نذر ولا في كفارة، ولو كان تتابعها واجبا، فقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر»، وهو في الموطإ (٦٦٩) عن أبي هريرة، والأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر هي أيام التشريق، وقد جاء فيها قول النبي ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿»، رواه مسلم (١١٤١) عن نبيشة وهو متواتر كما قال الألباني، وسميت كذلك؛ لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر للشمس لتيبس، وقيل في تسميتها غير ذلك، وفي الحديث دلالة على أنها لا تصام في الفرض، لكن ورد ما يخصص ذلك عند أهل المذهب؛ وهو أن يصومها المتمتع الذي لم يجد الهدي، لكونه مطالبا بصيام ثلاثة أيام في الحج، وأعمال الحج تفوت بانقضاء هذه الأيام، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي»، رواه البخاري (١٩٩٨)، ولا يضر هذا الاحتجاج؛ أن يكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله، لأن الذي له الترخيص هو النبي ﷺ، ولو لم يصح الحديث مرفوعا؛ لأمكن الرجوع بالاستدلال إلى القرآن، لأن أعمال الحج لا تنتهي إلا باليوم الرابع، وقد أمر الله تعالى المتمتع الذي لم يجد الهدي بصوم عشرة أيام، ثلاثة منها في الحج، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فتكون الآية مخصصة لحديث نبيشة الذي تضمن النهي عن صومها، والمذهب أن هذا الحكم خاص باليومين اللذين بعد العيد، أما اليوم الثالث بعده؛ فإنه لما كان يوم اختيار في الرمي
[ ٢ / ٣٢٥ ]
والمبيت؛ كان أمره أخف، فلا يصام في التطوع، ولكنه يصومه من نذره، أو من شرع قبله في صوم واجب التتابع.
واعلم أن الحافظ ﵀ قد قال في الفتح باب صيام أيام التشريق (٤/ ٣٠٩):»،،، فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد؛ نظر لو كان الحديث مرفوعا، فكيف وفي كونه مرفوعا نظر، فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري»، انتهى.
وإنما أثبت كلامه ﵀ لأنه قد يلتبس على قارئه الأمر، فإن الآية خاصة بمن لم يجد الهدي، فيصوم في الحج، وتلك الأيام داخلة فيه، وحديث نبيشة عام فيمن لم يجد الهدي وغيره، فنخصصه بها، فلا يواجهنا اختلاف العلماء في تخصيص المتواتر بالآحاد، ثم إن الحافظ كما ترى قد ذهب وهله في كلامه السابق إلى حديث عائشة، ومراده حديث نبيشة، لأن حديث عائشة هو الذي اختلف في الترخيص الذي فيه هل هو من النبي ﷺ، أو من غيره، أو هو مما فهمته أم المؤمنين وغيرها من الصحابة من الآية المذكورة، وعلى هذا فلا يكون مرفوعا، أما حديث نبيشة؛ فإنه صريح في الرفع كما لا يخفى، ولأن حديث عائشة داخل في عموم الآية، فلا يصح القول بالتعارض بينه وبينها، وقد نقل المباركفوري في التحفة كلام الحافظ من غير أن يعلق عليه.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
قضاء من أفطر لعذر
• قوله:
٢١ - «ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا؛ فعليه القضاء فقط، وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض».
تقدم أن من أفطر في رمضان ناسيا؛ فعليه القضاء، وذلك مخالف لحديث أبي هريرة الصحيح الصريح، وقد بين المؤلف هنا أن عليه القضاء فقط، يعني بذلك أن لا كفارة عليه، سواء أفطر بأكل أو شرب أو جماع، ويظهر أنه رام بقوله فقط؛ الرد على من ذهب إلى وجوب الكفارة عليه إذا نسي فجامع، وهو رواية ابن الماجشون وابن نافع في الواضحة عن مالك قال: «إن من وطئ في نهار رمضان ناسيا؛ فعليه الكفارة» النوادر (٢/ ٤٧)، وقد استند من قال بذلك إلى حديث الكفارة، فإن الرجل حين قال «هلكت وأهلكت»، لم يستفصله النبي ﷺ: هل فعل ذلك عامدا أو ناسيا؟، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال، قال ابن أبي زيد عن ابن الماجشون عقب ما تقدم: «واحتج أن الذي قال للنبي ﷺ: وطئت أهلي، ولم يذكر عمدا، ولا سهوا».
قلت: لم يذكر ذلك صراحة، لكن القرائن المحتفة يتبين بها أن الرجل تعمد ذلك، منها قوله: هلكت، وقوله احترقت، ومنها نتفه شعره، والرواية التي عليها قول المؤلف هي في المدونة، «قال: أرأيت من أكل أو شرب أو جامع امرأته في رمضان ناسيا أعليه القضاء في قول مالك؟، قال نعم، ولا كفارة عليه».
أما الفطر لأجل المرض؛ فهو منصوص القرآن، وفي كتاب الله إطلاق إباحة الفطر للمريض، فإن كان شديدا يخشى معه على النفس وجب الفطر، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وإن كان المريض بحيث يقدر على الصوم؛ كان الفطر مباحا للإطلاق المذكور، لكن الذي في المذهب وهو قول الجمهور أنه إنما يفطر إذا شق عليه الصوم مع المرض، أو خاف طوله، أو زيادته، أو تأخر برئه، فإن
[ ٢ / ٣٢٧ ]
أفطر لمجرد المرض من غير شيء مما تقدم؛ فعليه القضاء والكفارة في المذهب، وإيجاب الكفارة على هذا ليس بالمرضي.
وفي العتبية قال ابن نافع عن مالك: «رأيت ربيعة أفطر في مرض له، لو كان غيرَه قلت يقوى على الصوم، فإنما ذلك بقدر طاقة الناس».
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فطر المسافر مسافة القصر
• قوله:
٢٢ - «ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة؛ فله أن يفطر، وإن لم تنله ضرورة، وعليه القضاء، والصوم أحب إلينا».
يباح الفطر في السفر من غير تقييد بمشقة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقد ذكرت الرخصة مرتين في سياق آيات الصوم، ذكرت مع الآية التي نزلت إبان مرحلة التخيير، وذكرت بعد أن فرض الصوم من غير تخيير، وذلك والله أعلم لدفع احتمال أن يظن أن الترخيص للمسافر نسخ مع ما نسخ من التخيير في الصوم على القول بذلك.
ومن الأدلة ما رواه الشيخان (خ/ ١٩٤٣) و(د/ ٢٤٠٢) عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر»؟، قال: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت»، ورواه مالك (٦٥٧) عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة فذكره، لكن الاستدلال بلفظ هذا الحديث على تخيير المسافر في صوم رمضان فيه شيء، فإن السرد الموالاة والمتابعة، ورمضان لا تخيير فيه في المتابعة، بل هذا شأن التطوع.
وأصرح من هذا في الدلالة ما رواه مسلم (١١٢١) عنه أنه قال: «أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح»؟، فكان الجواب: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، وروى مالك (٦٥٤) والشيخان (م/ ١١١٣) و(د/ ٢٤٠٤) عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ»، والكديد بفتح الكاف اسم موضع ماء، وفي بعض الروايات «عسفان»، وهو قريب من الكديد، وكذلك «كراع الغميم»، بضم الكاف، ولعل من فضل الصوم
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قيود إباحة الفطر للمسافر
للمسافر قد رأى أن الإفطار في الحديث كان للمشقة التي لحقت الناس بالصوم، ويجاب بأنها لم تنل كل المسافرين، ومنهم النبي ﷺ مع الإطلاق الذي في الآية، والمقصود أن المسافر يباح له أن يفطر إذا سافر مسافة تقصر فيها الصلاة، وقد تقدم بيان مسافة القصر في كتاب الصلاة، ولا يشترط في جوز الإفطار حصول المشقة، فإن الشرع اكتفى هنا بالمظنة، ويجب على المسافر إذا أفطر قضاء ما أفطره بالإجماع.
لكن اختلف في الفطر في السفر هل هو عزيمة أو رخصة، وعلى الأخير ما هو الأفضل؟، والمذهب أن من لم تكن له إلى الفطر ضرورة ولا حاجة؛ فالصوم خير له، وعللوا ذلك بأنه قد يتثاقل عن القضاء فيأثم، وفرقوا بينه وبين قصر الصلاة في السفر بأنه إنما كان سنة؛ لأن الذمة معه تبرأ، بخلاف الفطر في السفر فإن الذمة معه تشغل، والشرع متشوف إلى براءة الذمة، وقال مالك في المدونة (١/ ١٨٠): «الصيام في رمضان في السفر؛ أحب إلي لمن قوي عليه».
وقول المؤلف في النوادر يخالف ما اختاره هنا وهو الصوم، ولعل ذلك لاختلاف الحال من كتاب هو متقيد فيه بمشهور المذهب، إلى كتاب هو فيه جامع للروايات، ناقل للأقوال، موازن بينها أحيانا، قال: «وقد استحب كثير من السلف الفطر في السفر، وهو أشبه بتيسير الدين، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، كان ابن عمر يفطر في السفر على تشدده، والفطر آخر فعل النبي ﷺ بعد الفتح،،،».
ولأهل المذهب تفريعات كثيرة، وتقييدات جمة في إباحة الفطر للمسافر، وتوسع في إلزامه بالكفارة، يغلب على بعضها الرأي، وقد أوصل الشيخ علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن الصور المرتبطة بالمسافر من حيث تبييته الصوم أو الفطر، وشروعه في السفر قبل الفجر أو بعده، وإفطاره بعد العزم على السفر أو بعد الخروج، أوصلها إلى تسع عشرة، فانظرها إن شئت فيه وفي غيره من شروح الرسالة ومختصر خليل، وبعضها في المنتقى للباجي.
وأذكر هنا بعضها، فمنها أنه إنما يباح له الفطر إذا سافر سفر قصر، وهذا لا نزاع في أصله، ومنها أن لا يكون في سفر معصية، ومنها أن يصل إلى موضع القصر ليلا أو مع الطلوع، وهو في
[ ٢ / ٣٣٠ ]
الموطإ (٦٦٠) قال: «وإذا أراد أن يخرج في رمضان فطلع عليه الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج؛ فإنه يصوم ذلك اليوم»، انتهى، لكن هذا إن أفطر فليس عليه غير القضاء.
قلت: الظاهر أنه يجوز له أن يفطر ولو لم يشرع في السفر متى عزم عليه وأخذ أهبته، ودليله ما رواه الترمذي (٧٩٩) وحسنه عن محمد ابن كعب قال: «أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: «سنة»؟، قال: «سنة»، ثم ركب»، وقد رواه أيضا إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي كما في الاستذكار، وقول الصحابي عن الشيء سنة؛ من المرفوع حكما، ومنها ما في الموطإ: «من كان في سفر فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه وطلع له الفجر قبل أن يدخل؛ دخل وهو صائم»، انتهى، وقد استند مالك في هذا إلى أثر عن عمر ﵁ رواه من فعله، والظاهر أن من أدركه النهار وهو مسافر فأفطر؛ فهو ممن شملتهم الرخصة، وأن قول مالك بصيامه على الاستحسان، لا على الإلزام، كما أن الظاهر جواز الفطر للمسافر ولو بعد شروعه في الصوم لحديث عبد الله بن عباس في إفطاره ﷺ هو وأصحابه حين بلغ الكديد، وقد تقدم.
فإن قيل: كان الفطر للمشقة لا للسفر وحده؛ فالجواب: أن المشقة لم تلحق النبي ﷺ كما هو واضح من سياق حديث جابر عند مسلم والترمذي (٧١٠) والنسائي، ومثله حديث ابن عباس عند أحمد، لكن مشهور المذهب لزوم الكفارة للمسافر إذا أفطر بعد أن شرع في الصيام من غير عذر، وفرق مالك بين هذا وبين من أراد السفر فأفطر ولم يخرج حتى طلع الفجر فرق بينهما بوجه تراه في المدونة (١/ ١٨٠).
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٢/ ٥٥): «ولم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة التي يفطر فيها المسافر بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام قد رغبوا عن هدي محمد ﷺ، وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويجدون أن ذلك سنته وهديه،،،»، انتهى.
[ ٢ / ٣٣١ ]
ليس على المفطر متأولا غير القضاء
الفرق بين التأويل القريب والبعيد
• قوله:
٢٣ - «ومن سافر أقل من أربعة برد، فظن أن الفطر مباح له، فأفطر؛ فلا كفارة عليه، وعليه القضاء، وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه، وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب، أو جماع مع القضاء».
سبق الكلام في كتاب الصلاة من هذا الشرح أنه لم يرد في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة عن النبي ﷺ غير حديث مسلم، وفيه ثلاثة فراسخ على أكثر الاحتمالين، والأربعة برد إنما جاءت عن بعض الصحابة ﵃ كابن عباس، وابن عمر، في المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وغرض المؤلف هنا؛ بيان حكم من أفطر متأولا، وكلامه ظاهر في أنه لا فرق بين تأويل وآخر، ويقويه حصره الكفارة في حالة الفطر عمدا، لكن المشهور أن من أفطر متأولا تأولا قريبا؛ فليس عليه غير القضاء، ومن أفطر متأولا تأولا بعيدا؛ فعليه القضاء والكفارة، والفرق بينهما؛ أن السببية في الأول قوية، وفي الثاني ضعيفة، وقد ذكروا لكل من التأويل القريب والبعيد صورا مع الاختلاف في بعضها إلى أي النوعين تنتمي، فمن الأول من سافر دون مسافة القصر فأفطر لاعتقاده أنه يباح له؛ فلا كفارة عليه، ومنه من أفطر ناسيا، ثم تعمد الفطر بعد ذلك ظانا الإباحة، ومنه من أصبح جنبا أو حائضا ولم يغتسل، وظن أن الصوم لا يلزمه فأفطر، ومنه من تسحر في الفجر، فاعتقد عدم اللزوم فأفطر، ومنه من قدم من سفره في رمضان ليلا، فاعتقد أن صبيحة تلك الليلة لا يلزم فيها صوم، وسابعها من رأى هلال شوال نهارا فظن أن الفطر يباح له فأفطر، ومن التأويل البعيد من رأى هلال رمضان فلم تقبل شهادته فأفطر، ومنه من عادته أن تأتيه الحمى في زمان معين، فأفطر في اليوم الذي تأتي فيه قبل حصولها، ومنه من عادتها الحيض في يوم معين، فأفطرت قبل حصول الحيض، ومنه من اغتاب شخصا في رمضان فأفطر، ومعظم ذلك من كلام غير الإمام كما في النوادر (الصائم يفطر متأولا).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
أما القضاء؛ فيلزم كل من أفطر في رمضان عامدا أو ناسيا، كما يلزم القضاء المتطوع الذي تعمد الفطر من غير عذر، وقد تقدم ما في هذين الأمرين، وإنما كان على متعمد الفطر القضاء زيادة على الكفارة لأن صومه انخرم، فلم يكمل العدة كما شرع الله، ولا يكفي الاعتماد على حديث المواقع أهله في رمضان، فيقال لم يأمره النبي ﷺ إلا بالكفارة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وذلك لاحتمال أن يكون السائل عالما بالحكم من قبل، ومن الدليل على لزوم القضاء القياس الأولوي على المستقيء، وقد أمره النبي ﷺ بالقضاء في قوله: «من ذرعه قيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء؛ فليقض»، ولأن الأصل في الكفارة أن تكون زائدة على جبر الأصل كما في قتل الخطإ، وسجود السهو، إلا إذا لم يمكن الجبران فتكون في مقابل ما اقترف من الإثم، ومنه مفهوم المخالفة في قول النبي ﷺ فيمن أفطر ناسيا إنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وقد رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح، فيكون غير الناسي مخالفا له، على أنه قد جاء في بعض روايات حديث أبي هريرة الصحيح في خصال الكفارة زيادة «وصم يوما مكانه»، يعني بدلا عن اليوم الذي جامع فيه، وقد بين الحافظ في الفتح (٤/ ٢٢٠) الطرق التي فيها هذه الزيادة، ثم قال: «وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا»، وانظر الروضة الندية (٢/ ١٧).
أما أن النبي ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض؛ لم يقض عنه صوم الدهر كله، وإن صامه»، رواه الترمذي (٧٢٣)، وابن ماجة (١٦٧٢) عن أبي هريرة، وعلقه البخاري في (باب إذا جامع في رمضان) بصيغة التمريض؛ فليس بمانع مما تقدم لضعفه، ولو كان ثابتا؛ لما دل على عدم القضاء، لأنه خرج مخرج الزجر، ولأن القول بالقضاء لا يعني براءة الذمة من الإثم، كما هو الشأن في القول بالقضاء في الصلاة المتروكة عمدا عند الجمهور، وإنما الذي ينفع في ذلك التوبة، والقضاء من أفرادها.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
كفارة متعمد الفطر في رمضان
خصال الكفارة الثلاثة
• قوله:
٢٤ - «والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ، فذلك أحب إلينا، وله أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة».
تجب الكفارة على من أفطر متعمدا في صوم رمضان خاصة بأكل أو شرب أو جماع أو إنزال المني عمدا مع لزوم القضاء، ولا تجب في قضاء رمضان، ولا في صوم النذر أو غيره من الصوم الواجب، وهي ثلاثة أمور على التخيير: إطعام ستين مسكينا لكل مد، وهو أفضلها في المذهب لما فيه من النفع للمساكين، وقد علل بأنه الذي فعل في الحديث، يعنون حديث الكفارة الآتي.
ولأنه ورد مع غيره في بعض أنواع الكفارات، وورد وحده، يعنون فدية الشيخ الكبير العاجز عن الصوم والمرضع، وعلل ذلك التقديم أيضا بغلاء سعره، وقلة الطعام في الحجاز، والمراد بما في المدونة من نفي معرفة مالك لغير الإطعام؛ تقديمه على غيره، وإلا فهو أظهر من أن يجهله مالك ﵀، قال فيها: «وكيف الكفارة في قول مالك؟، قال: الطعام، لا يعرف غير الطعام، ولا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام»، والثاني عتق رقبة مؤمنة، والثالث صيام شهرين متابعين، دل على ذلك ما رواه مالك (٦٦١) ومسلم (١١١١) وأبو داود (٢٣٩٢) عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا،،، الحديث»، وقد أخذوا منه أمورا أولها التخيير في هذه الخصال الثلاثة من الكفارة، وهذا ظاهر من أو العاطفة، والثاني إلزام كل من أفطر عامدا في رمضان من غير عذر بالكفارة، لا فرق بين المجامع والآكل والشارب، والعمدة في ذلك إما إطلاق الإفطار كما في الحديث، والقائل إن كان نقل الحديث بالمعنى؛ لكون الحادثة واحدة؛ فقد اعتبر الجماع فردا من أفراد الإفطار، وإلا فلأن كلا من الآكل
[ ٢ / ٣٣٤ ]
والشارب والمجامع يلتقون على انتهاك حرمة رمضان، وهو ما يعرف عند أهل الأصول بتنقيح المناط، نعم إن قوله في الحديث أفطر؛ لا عموم فيه لأنه في سياق الإثبات، وإنما يكون عاما على اختلاف فيه لو كان في سياق النفي، وقد علمت أن العمدة الإطلاق من الراوي مع ما يدعمه من التنقيح، وقد جاء هذا الحديث من غير الوجه المذكور مستقصى مجودا عند أحمد والشيخين وأصحاب السنن، وفيه قول النبي ﷺ: «هل تجد ما تعتق به رقبة»؟، قال: «لا»، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»؟، قال: «لا»، قال: «فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا»؟، قال: «لا»، ثم جلس، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا»، فقال: «أعلى أفقر منا»؟، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك»، والعرق بفتح العين والراء الزبيل بفتح الزاي ويقال له الزنبيل وعاء يسع خمسة عشر صاعا، وهي ستون مدا، والظاهر أن القصة واحدة، فيحمل مطلق الإفطار على المقيد وهو الجماع، فيؤخذ من الحديث أن الكفارة إنما هي على المجامع، فإن صح إلحاق المفطر بغير الجماع بالمفطر بالجماع قياسا؛ فذاك، والنفس إليه أميل، والتفصي بعدم القياس في العبادات فيه شيء، كما يؤخذ منه وجوب ترتيب خصال الكفارة فلا ينتقل إلى الثاني إلا بعد عدم استطاعة الذي قبله، لأن النبي ﷺ لم يذكر له الخصلة الثانية ولا الثالثة إلا بعد سؤاله عن قدرته على التي قبلها، وهو قول ابن حبيب، وابن العربي.
وقد روي عن مالك في غير الموطإ النص الذي فيه الترتيب، كما ذكره الأبي في شرحه لصحيح مسلم، ولمن قال بعدم الترتيب متمسك في حديث عبد الله بن معقل في رواية لمسلم في قصة كعب بن عجرة حيث قال: أتجد شاة؟، فسأله عن استطاعته ذلك، مع أن التخيير نص الحديث الصحيح، لكن يقال إن هناك فرقا بين فدية الأذى وكفارة الجماع، فإن التخيير في الأولى نص القرآن والحديث الصحيح معا، أما الثانية فالمعتمد فيها الحديث وحده، مع وضوح الفرق بين سببيهما، فإن حالق الرأس للأذى معذور، ومنتهك حرمة رمضان موزور، والتخيير تخفيف يناسب الخفيف، والترتيب تشديد يناسب الشديد، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
ومما يؤخذ من حديث المواقع أهله ما قاله ابن العربي في المسالك (٤/ ١٩٧).
فإن قلت: «لم تركه النبي ﷺ دون أدب، أو تثريب؟، قلنا: لأنه جاء مستفتيا، والشريعة قد قضت بالمصلحة في ذلك كله، وهي رفع العقوبة والتثريب عن المستفتي، لأنه لو فعل ذلك مع واحد؛ ما جاء غيره بعده، ولانسد باب الاستفتاء، وبقي الخلق في ظلمة الجهالة والمعصية».
قال كاتبه: «لا يلزم من ترك التثريب ترك التنبيه، فلو سألك امرؤ عما يقدم إذا طلعت عليه الشمس أركعتي السنة أم الفريضة لكان مطلوبا أن تبين له قبل ذلك في رفق ما هو أهم مما سألك عنه، وهو أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن طلوع الشمس، إذ قد يأخذ من سكوتك على ذلك أن ليس في الأمر شيء، ولو أن أحدا سألك عن طلاق زوجته وأنت تعلم ما عليه معظم الناس من إخراج زوجاتهم من بيوتهم متى طلقناهن أو خروج الزوجات من تلقاء أنفسهن؛ لكان متعينا عليك أن تنبه على هذا الأمر الذي لم تسأل عنه، وأن تذكر بما في كتاب ربك في هذا الأمر في سورة الطلاق.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
حكم صيام المغمى عليه والمجنون
• قوله:
٢٥ - «ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر؛ فعليه قضاء الصوم، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته».
المغمى عليه من ذهب عقله ومثله في الحكم المجنون، ويظهر مما قاله المؤلف أن أهل المذهب يعتبرون الإغماء والجنون في بعض صوره بمثابة الحيض والنفاس، فالخلو منها شرط في في صحة الصوم، لا في لزوم قضائه، وهذا هو الذي قاله ابن العربي في المسالك (٤/ ١٤٧)، ويعللون قضاء المغمى الصوم بعدم تكرره بخلاف الصلاة، وفرقوا بينه وبين النائم.
وتفصيل ذلك عندهم أنه لا يخلو أن يغمى عليه قبل الفجر، أو بعده، فإن أغمي عليه قبل الفجر، وأفاق قبل طلوعه أو معه؛ أجزأه صومه، وإن أفاق بعده بقليل؛ لم يجزئه على المشهور، وقال أشهب يجزئه، أما إن أغمي عليه بعد طلوع الفجر فلينظر؛ فإن كان الإغماء أقل اليوم، أو نصفه؛ لم يضر، ما دام أوله قد سلم، وإلا قضى، أما الصلوات فقد تقدم أنه يقضي ما أفاق في وقته، وحجتهم في ذلك؛ قياسه على الحائض في بعض الحالات، ولأن تكليفه متقدم على الإغماء والجنون، وليس جديدا كالصبي يبلغ والكافر يسلم.
والذي يظهر والله أعلم؛ أنه إن نوى الصيام وغاب بعض النهار؛ صح صومه، وإن غاب النهار كله، فهو غير مكلف، لأن القلم مرفوع عنه في تلك الحال، وإن لم ينو وأفاق خلال النهار؛ طولب بالإمساك وبالقضاء، فهذا هو الذي ينقدح في النفس ما لم يأت نص يدفعه، أو إجماع يرده.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
حفظ الصائم جوارحه وتعظيمه شعائر الله
• قوله:
٢٦ - «وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه، ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه».
المراد بحفظ الجوارح؛ أن لا يستعملها إلا في المشروع من المباحات، والواجبات، والمندوبات، ويبتعد بها عن المكروهات، والمحرمات، وخص اللسان بالذكر لأن خطره أعظم، والشر الذي يلحق الإنسانَ منه أكبر، ولأن الذي ينبغي فيه؛ أن يصونه عما لا ينفع ولا يعني.
لكن هذا الأمر لا يختص برمضان، وإنما خصه بذلك لما له من مزيد الحرمة على غيره، والذنب يعظم بحسب الزمان والمكان والأشخاص، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، والأصل في اختصاص الصوم بمزيد العناية قول النبي ﷺ: «قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث يومئذ، ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله؛ فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده؛ لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه؛ فرح بصومه»، وهو في صحيح مسلم (١١٥١) عن أبي هريرة، وبعضه في الموطإ (٦٨٨)، قوله يرفث بضم الفاء وكسرها وماضيه مثلث الفاء؛ من الرفث، وله معان، وهو هنا الكلام الفاحش، وقوله لا يسخب من السخب، وهو بالصاد أيضا الضجة واضطراب الأصوت للخصام، وقيل هو الجهل والسفه، وقوله «فليقل إني امرؤ صائم»، المراد أن يتذكر الصائم ما هو فيه، حتى يصرف نفسه عما تريده من الانتقام، ويخبر غيره بتعاليه عن سفاسف الأمور، ولأنه تارك للمباحات، أفلا يتعين عليه أن يترك المحرمات والمكروهات؟.
ومن الحكمة في تخصيص الشارع رمضان بهذا ونحوه مما هو منهي عنه في غيره؛
[ ٢ / ٣٣٨ ]
دعوة المكلف إلى الرقي درجة أعلى مما هو عليه في غير هذه المناسبة، لأن الصيام يعينه على هذا المرتقى الصعب لما فيه من كسر سَوْرَةِ النفس، بالإعراض عن الشهوات، وهي من وسائل الشيطان ومجاريه إلى نفس الإنسان، وقد قال أبو هريرة ﵁: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، رواه مالك (٦٩٠) موقوفا، وهو مما لا يقال بالرأي، وصفدت غلت، قال ابن عبد البر: «هو عندي مجاز، والمعنى فيه والله أعلم أن الله يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب من المعاصي، ولا يخلص إليهم فيه الشياطين كما كانوا يخلصون إليهم في سائر السَّنَةِ»، انتهى.
قلت: ولا مانع من وجود التصفيد مع ذلك، فهنا موضع الفرق بين خبر المعصوم وخبر غيره.
وقال النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري (١٩٠٣) وأبو داود والترمذي (٧٠٧) عن أبي هريرة، وقول الزور؛ هو القول المائل عن الحق، فيشمل الكذب، وشهادة الزور، والشتم، والاغتياب، والقذف، فأما قوله «والعمل به»؛ فيعني العمل على وفقه، فهنا ثلاث دركات في الزور الجمع بين قول الزور والعمل به، وقوله فقط، والعمل به فقط، وقوله فليس لله حاجة، الله تعالى ليس له حاجة إلى خلقه مطلقا، فلا تضره طاعاتهم، ولا تنفعه معاصيهم، فالمراد بنفي الحاجة هنا؛ نفي القبول الذي يترتب عليه الثواب، فليس المقصود من الصوم خصوص الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، وإنما يريد الشرع منه ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ نظيره أن إراقة الدماء في الضحايا والهدايا من القربات، لكنها ليست مقصودة لذاتها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وأمثلته في القرآن منعددة.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
تحريم الجماع وحكم غيره من المباشرة والتقبيل
• قوله:
٢٧ - «ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا مباشرة، ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك عليه في ليله، ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء».
تحريم قربان النساء في نهار رمضان لا خلاف فيه، ويدل عليه ما تقدم من وجوب الكفارة على من فعله، ولمفهوم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والرفث هنا الجماع، أما المباشرة والقبلة؛ فالمنع منهما عند من ذهب إليه مطلقا، وهو المشهور في المذهب كراهة أو تحريما؛ من باب سد الذرائع إلى المحرم، فهل تعطى حكمه؟، والقيد الذي ذكره المؤلف وهو «للذة»؛ يريد به أن الذي يستثنى من الكراهة إنما هو القبلة للوداع والرحمة، بناء على المشهور، وقيل إن القيد يراد به أنه إن لم يكن القصد اللذة؛ فلا كراهة، والظاهر أن حكم المباشرة والقبلة لا يتساوى فيه الناس، فمن اعتاد من نفسه أن ذلك يحرك منه الشهوة؛ فالحزم يقتضي الامتناع، ومن ليس كذلك؛ فلا منع في حقه، وهو قول ابن عباس كما في الموطإ، وقالت عائشة: «يحرم عليه فرجها»، وهو في صحيح البخاري معلقا بالجزم، فإن حصل من الشخص خلاف ما اعتاده، فأنزل؛ فالظاهر أن ليس عليه غير القضاء، قال ابن العربي: «وكيف يكون على من قبل مرة فأمنى؛ الكفارة وهو مأذون له في قبلتها؟، وهل يصح أن يؤذن له في ذلك، ويعترض عليه شرعا، ذلك بعيد نظرا، ولا يجد له أحد في الشريعة مثالا،،،»، انتهى.
ولا يصح أن يحتج بمفهوم قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، فيقال إن مفهومه؛ أنه لا تجوز المباشرة في النهار، إذ يقال إن نبي الله ﷺ هو المبين عن الله مراده، وقد ثبت عنه ما يدل على حمل المباشرة المنهي عنها بهذا المفهوم على الجماع، وجواز القبلة ونحوها، جاء ذلك عن أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة، فقد روى مالك (٦٤٦) والشيخان (خ/ ١٩٢٩) عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم»، لفظ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
البخاري، وفي الصحيحين (خ/ ١٩٢٧) (م/ ١١٠٦) وغيرهما (ت/ ٧٢٩) عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لأربه»، وروى مالك (٦٥١) نحوه بلاغا، والأرب بفتح الهمزة والراء؛ الحاجة، وبكسرها مع سكون الراء العضو، وهذا تعليل من عائشة -رضي الله تعالى عنها- لتقبيله ومباشرته، فيدل على أنها تفرق في التقبيل بين من يملك نفسه، ومن لا يملك، وهذا أعدل المذاهب.
وروى مسلم (١١٠٨) عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل النبي ﷺ: «أيقبل الصائم»؟، فقال: «سل هذه»، لأم سلمة، فأخبرته أنه يفعل ذلك، فقال له: «يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فقال له: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له»، وهذا يدل أن فعله هذا كغيره محل للقدوة، وقد كان يمكنه ﷺ أن يقول لعمر: يجوز، فعدل عن ذلك إلى إحالته على زوجته وهي أمه ليتأكد، وإنما كان غضبه لبيان أن الأصل في أفعاله القدوة وأن الخصائص لا تثبت بمجرد الظن والاستبعاد، وقال بعض أهل العلم في إحالة النبي ﷺ عمر على أمه لمعرفة الجواب: «أحاله في السؤال على أمه، وكان أهل الجاهلية لا يعرض أحدهم لولد الزوجة، ولا لأخيها؛ أنه يقبلها، ويخالطها، وقدر رسول الله ﷺ في التنزيه عن ذلك أرفع، ولكن أراد أن يبين أن تنزيههم في الجاهلية عن ذلك رعونة ليست من الشريعة»، انظر شرح الأبي (٤/ ٤٢)، وجاء ما يدل على التفريق بين الشيخ والشباب، فقد روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «كنا عند النبي ﷺ، فجاء شاب فقال: يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال: «لا»، فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: «نعم»، قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله ﷺ: «إن الشيخ يملك نفسه»، وهو في الصحيحة برفم (١٦٠٦).
[ ٢ / ٣٤١ ]
حكم الإمذاء والإمناء بمباشرة أو قبلة أو غيرهما
• قوله:
٢٨ - «ومن التذّ في نهار رمضان بمباشرة، أو قبلة، فأمذى لذلك؛ فعليه القضاء، وإن تعمد ذلك حتى أمنى؛ فعليه الكفارة».
إذا باشر الصائم زوجته أو قبلها، فلا يخلو: أن لا ينزل منه شيء؛ فلا يلزمه أمر، والثاني أن يمذي؛ فعليه القضاء في المذهب، قالوا لأن المذي خارج بشهوة حصلت عن مباشرة، فأفسد الصوم كالمني، وفيه نظر، وقد أبى ذلك ابن العربي في العارضة، والثالث أن يمني، فعليه القضاء والكفارة، لأن الإمناء أقصى ما يطلب من الجماع، فإذا حصل ممن تعمد دواعيه؛ التحق بالجماع في الحكم، وقد تقدم بعض التفصيل بخصوص ما اعتاده الفاعل في هذه المسألة، والنظر الصحيح يقضي بقياسه على المجامع الذي ورد فيه النص، سواء جامع زوجته، أو زنى، أو استمنى، ومن فرق فلا يستقيم له القول.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
قيام رمضان إيمانا واحتسابا
تكفير قيام رمضان للذنوب
• قوله:
٢٩ - «ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وإن قمت فيه بما تيسر؛ فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به».
هذا نص حديث في الصحيحين (خ/ ٢٠٠٩) عن أبي هريرة، ومعنى كون القيام إيمانا؛ أن يفعله تصديقا بأنه مما شرعه الله، ومعنى كونه احتسابا؛ أن يفعله راجيا الثواب عليه من الله، لا رياء ولا سمعة، فخرج من فعله لمجرد التقليد والمتابعة كما هو شأن كثير من الناس الذين لا يكادون ينتابون المساجد لأداء الصلاة جماعة، وكثيرا ما يتخلفون عن الجمعة، فإذا جاء رمضان؛ كان اهتمامهم بصلاة التراويح؛ أعظم من اهتمامهم بالفرائض، ولو لقي المرء ربه ولم يأت بشيء من النوافل ومنها النراويح غير مستخف به، ولا راغب عنه؛ لكان مرجوا أن لا يعاقب، وإن كان قد بخس نفسه وناله بعض الخسران، فهذا شأن من لم يعرف دينه إلا بالتقليد والوراثة.
وقد ذكر بعضهم أنه رأى مسجدا بمدينة قسنطينة في صلاة التراويح يؤمه نحو خمسة وثلاثين ألفا، ثم حضر العشاء يومين بعد العيد فلم يتجاوز عدد المصلين به الخمسين، ومع أننا نستبشر خيرا بإقبال الناس على بيوت الله تعالى، لأنه لا يسعنا إلا هذا، فإن ذلك لا يمنعنا أن نتأسف لعدم تفريق الناس بين ما يحاسبون عليه، بل إن تركه كفر عند فريق من أهل العلم، وما هم في سعة من أمرهم إن هم تركوه، وليس المراد من قيام رمضان؛ قيام الليل كله، بل إنه إذا صلى العشاء، وصلى مع الإمام ما صلاه؛ صدق عليه ذلك، وإذا صلى ما قدر له، ثم جلس يقرأ القرآن ويذكر الله تعالى كان هذا من القيام، والذنوب التي تكفر إنما هي صغائر الإثم، أما الكبائر؛ فسبيل تكفيرها التوبة منها، وقد تقدم الكلام على ذلك في الجزء الأول.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
صلاة التراويح في المساجد وفي البيوت
• قوله:
٣٠ - «والقيام فيه؛ في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته، وهو أحسن لمن قويت نيته وحده».
لعل المؤلف إنما نص على أن صلاة التراويح تؤدى في المساجد، لأن الروافض يزعمون أنها بدعة، ويفترون على الله الكذب بأن عمر ﵁ هو الذي ابتدعها وأفكوا، وقد كان المؤلف بالقيروان حيث دولة بني عبيد الشيعية التي عاصرها، والتراويح؛ جمع ترويحة، هي المرة الواحدة من الراحة، كالتسليمة المرة من السلام، والمراد بها الصلاة التي تفعل في ليالي رمضان بخاصة، سميت كذلك لأنهم كانوا يستريحون بعد كل تسليمتين منها، وربما صلى بعضهم أثناء ذلك لنفسه، والظاهر تركه، وقد شدد في كراهتها أحمد، وإنما تشرع صلاة التراويح في ليالي رمضان، أي ابتداء من الليلة التي تسبق اليوم الأول منه، ولا تصلى في الليلة التي يليها يوم الفطر، وقد رأينا بعض الأئمة يصلونها قبل أن يعلموا ثبوت الصيام، كما يصلونها قبل أن يعلموا نهاية رمضان من عدمها، وهذا خلاف الصواب، وقد شرعت فيها الجماعة بفعل النبي ﷺ، ثم تركها خشية أن تفرض، وكان الناس بعد ذلك يصلون فرادى، ويصلي الواحد معه النفر، ثم صلاها الصحابة في خلافة عمر سنة اثنتي عشرة من الهجرة، حيث جمعهم على قارئ واحد هو أبي بن كعب أَقْرَأُ أصحاب رسول الله ﷺ، واتفقوا عليها، فمن صلاها في المسجد؛ فقد أحسن، لكن الأصل في النوافل أن تؤدى في البيوت لحديث زيد ابن ثابت أنه قال: «احتجر رسول الله ﷺ في المسجد حجرة فكان رسول الله ﷺ يخرج من الليل فيصلي فيها، قال: فصلوا معه - يعني رجالا - وكانوا يأتونه كل ليلة، حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم، وحصبوا بابه، قال: فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبا فقال: «يا أيها الناس، ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أن ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في
[ ٢ / ٣٤٤ ]
بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»، وهو في صحيح البخاري (٧٣١) و(٦١١٣) و(د/ ١٤٤٧)، وهذا لفظه، وقد جاء هذا في سياق صلاة التراويح كما هو عند مالك (٢٤٥) من حديث عائشة والبخاري (١١٢٩) في التهجد، وفي كتاب التراويح عنده مختصرا (٢٠١١)، فيتناولها لأنها سببه، فإن السبب داخل في عموم ما ورد فيه من غير خلاف، وحسبك أن المسجد الذي قيل ذلك عنه؛ مسجده ﷺ، وفضل الصلاة فيه معروف.
وروى ابن ماجة (١٣٧٨) والترمذي في الشمائل نحوه عن عبد الله بن سعد، وقال في الزوائد إسناده صحيح.
وأخرج عبد الرزاق (٤٨٣٥) وابن أبي شيبة (٦٤٥٥) في مصنفيهما عن الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن ضَمْرة بن حبيب بن صهيب عن رجل من أصحاب محمد ﷺ قال: «تطوُّعُ الرجل في بيتِهِ يزيدُ على تطوُّعِه عندَ الناس، كفضْلِ صلاة الرجل في جماعةٍ على صلاتهِ وحدَه»، وهو في الصحيحة برقم (٣١٤٩)، وهو موقوف لكنه مما لا يقال بالرأي فله حكم الرفع.
فمن قويت عزيمته على الصلاة وحده، وصدقت نيته، فصلى في داره، ولم يترتب على ذلك تعطيل المساجد؛ فقد فعل الأصل، فلا لوم عليه، لكن عليه مع ذلك أن يحرص على صلاة العشاء جماعة في المسجد، وقد كان عمر يفضل صلاة التراويح على انفراد، ويفضلها بعد النوم، قال: «نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون»، يريد آخر الليل، وهو في صحيح البخاري (٢٠١٠).
وفي المدونة (١/ ١٩٤)، وفي الصفحة التي قبلها: «سألت مالكا عن قيام الرجل في رمضان أمع الناس أحب إليك أم في بيته؟، فقال: إن كان يقوى في بيته فهو أحب إلي، وليس كل الناس يقوى على ذلك، وقد كان ابن هرمز ينصرف فيقوم بأهله، وكان ربيعة وعدد غير واحد من علمائهم ينصرف ولا يقوم مع الناس، قال مالك: «وأنا أفعل ذلك»، ولا حجة على خلاف هذا ما في حديث: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة»، رواه أبو داود (١٣٧٥) والترمذي عن أبي ذر مرفوعا، وقال حسن صحيح، فإنه لو
[ ٢ / ٣٤٥ ]
سلم ثبوته؛ ما سلمت دلالته على المدعى لما يعلم من سبب وروده، وفي بعض المساجد تصلى التراويح عقب العشاء، ثم يأتي الناس سحرا فيصلون مرة أخرى، ولو أنهم صلى منهم ذلك من لم يصل قبل؛ لكان خيرا حتى يكون في ذلك سعة وتيسير عليهم، ولا أعرف لهذا الفصل بين صلاة الناس عقب العشاء، ثم رجوعهم للصلاة جماعة في آخر الليل سندا، والله أعلم.
ولا بد من التنبيه هنا على أن راتبة العشاء مشروعة قبل صلاة التراويح وأنها لا تدخل فيها، والأصل استصحاب الحال ما لم يأت الناقل وهو غير موجود، فليقلع الذين بعتبرون هذا العمل غريبا عن الجزائر وأنه وافد كما قالوا ذلك عن كثير من الأمور المشروعة التي هجرت بسبب الجهل فإذا أحياها أحد لمزوه بهذه الأوصاف التي اخترعوها ما أنزل الله بها من سلطان، وبلغ الأمر ببعضهم أن أوعزوا إلى الأئمة أن يسارعوا إلى إقامة صلاة التراويح مباشرة عقب الانتهاء من صلاة العشاء، كي يمنعوا من أراد أن يصلي هذه الراتبة، فوقعوا في مخالفة أخرى، وهي وصل الصلاة بالصلاة، وهل تلد الحية إلا حية؟، لقد حاز هؤلاء المسلمون وصفا من أوصاف الكفار الذين قال الله عنهم: «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه»، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الاختلاف في عدد ركعات التراويح
• قوله:
٣١ - «وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين».
ذكر المؤلف عددين من أعداد صلاة التراويح هما ثلاث وعشرون، وتسع وثلاثون، والأول في الموطإ عن يزيد بن رومان: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة»، لكنه منقطع كما قال الألباني في الإرواء، وقال الشافعي: «رأيت الناس يقومون في المدينة بتسع وثلاثين، وفي مكة بثلاث وعشرين»، والأخير في المدونة، وفيها أن مالكا نهى أحد الأمراء أن ينقص من هذا العدد الذي هو من الأمر القديم ولم تزل عليه الناس، وقال عنه مالك إنه العمل بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم، رواه عنه محمد بن نصر.
وقد جاء في التراويح وقت الخلافة الراشدة أعداد، وفيما تلاها كذلك، منها إحدى عشرة، وثلاث عشرة، وثلاث وعشرون، وتسع وثلاثون، وإحدى وأربعون، وهذا رواه ابن القاسم عن مالك أنها تسع وثلاثون والوتر بثلاث.
والذي صح من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- حين سئلت عن صلاة النبي ﷺ أنها قالت: «ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، وما خالف ظاهر هذا من الروايات عنها؛ ينبغي أن يرد إليه، لأنها رواية حاصرة، وعائشة أعلم الناس بصلاة النبي ﷺ في الليل.
أما عدد ما صلاه المسلمون في التراويح في خلافة عمر بأمره؛ فقد اختلف فيه، فجاء في الموطإ (٢٤٧) عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على
[ ٢ / ٣٤٧ ]
العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر»، وقيل كانوا يصلون ثلاث عشرة ركعة، رواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إسحاق وقد عنعن، وهو مدلس، وفي مصنف عبد الرزاق (٧٧٣٠) من طريق داود بن قيس عن محمد بن يوسف عن السائب نحو رواية مالك، غير أن فيها إحدى وعشرين ركعة، وهو ما رواه مالك أيضا عن السائب بن يزيد من طريق يزيد بن خصيفة، لكنه أسقط ركعة الوتر، ذكره الحافظ في الفتح.
وروى مالك في الموطإ (٢٤٩) عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة».
فهذه روايات متضاربة في عدد ما صلاه الصحابة ومن تلاهم من السلف بعد تسليم ثبوتها، وقد جمع بعض العلماء بينها بأن ذلك كان باختلاف الأحوال، وبحسب تطويل القراءة وتخفيفها، والجمع إنما يصار إليه بين الروايات المقبولة من كلام وفعل المعصوم.
وقد استدل ابن عبد البر على وهم الإمام مالك فيما رواه من الإحدى عشرة ركعة بالروايات الأخرى التي خالفه رواتها في العدد، فقال في الاستذكار (٢/ ٦٨): «ولا أعلم أحدا قال في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة غير مالك …»، وقال بعد ذكره روايات أخرى: «فهذا كله يشهد بأن الرواية بإحدى عشرة ركعة؛ وهم وغلط، وأن الصحيح ثلاث وعشرون، وإحدى وعشرون ركعة»، انتهى.
قال كاتبه: توسع المباركفوري ﵀ في التحفة (٢/ ٧٢ - ٧٦) في الكلام على هذه الآثار، ومما ذكره رواية سعيد بن منصور للعدد الذي رواه مالك، وقال السيوطي في رسالته المصابيح في صلاة التراويح عن سند مالك إنه في غاية الصحة، فتبين بهذا أن مالكا لم يتفرد بذكر هذا العدد، وقد تعقب الزرقاني وغيره ابن عبد البر فيما وهم فيه مالكا وردوه.
ورغم رواية مالك بعض هذه الأعداد وحكايته ما عليه العمل القديم في بلده المدينة؛ فإنه اختار لنفسه إحدى عشرة، وهو الذي كان يصليه النبي ﷺ، وجمع عليه عمر ابن الخطاب الناس، واستنكر تلك الأعداد بقوله: «لا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير؟!!، وهو ما اختاره القاضي أبو بكر بن العربي ﵀، فإنه قال في العارضة (٤/ ١٩): «والصحيح أن يصلي إحدى عشرة ركعة صلاة النبي ﵇ وقيامه، فأما غير ذلك من
[ ٢ / ٣٤٨ ]
الاختلاف في التراويح أمن النوافل هي أم من الرواتب
حديث أم المؤمنين عائشة في عدد ما كان النبي ﷺ يقومه في الليل
الأعداد؛ فلا أصل له، ولا حد فيه، فإن لم يكن بد من الحد؛ فما كان النبي ﵇ يصلي، ما زاد النبي ﵇ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وهذه الصلاة هي قيام الليل، فوجب أن يقتدى فيها بالنبي ﵇»، انتهى، وهذا الذي قاله هو الحق فمن التزم عددا فليكن ما ما في حديث عائشة، ومن لم يلتزم فلا حرج إن شاء الله.
وقال المحدث الألباني ﵀ عن بعض تلك الأعداد المأثورة عن عمر وعلي ﵄: «وأما عمر وعلي؛ فقد روي ذلك عنهما بأسانيد كلها معلولة، كما فصلت القول في ذلك تفصيلا لا أعلم أني سبقت إليه في كتابي صلاة التراويح، وبينت أن الروايات الواردة في ذلك؛ ليست من النوع الذي يقوي بعضه بعضا …»، وبيّن ﵀ أن صلاة الليل ومنها صلاة التراويح ليست من النوافل المطلقة، بل هي من الرواتب المحدد عددها بفعل النبي ﷺ، نظير ما عليه أهل العلم في رواتب الصلوات المفروضات القبلية والبعدية، فإنهم إنما أخذوا التحديد من فعله، وهو لم يزد في صلاة الليل في رمضان ولا في غيره على ذلك العدد، وهذا كما ترى كلام واضح، ودليل ساطع لا يشك فيه منصف، لكن جمهور أهل العلم يرون أن صلاة الليل من النوافل المطلقة، والصلاة خير موضوع، فمستكثر منه ومستقل، فلا تحد بعدد.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٠٢): «وقد أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيء مقدرا في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود»، انتهى.
وقد علمت أن لا إجماع في هذا، وإذا أردت المزيد فارجع إلى تحفة الأحوذي للمباركفوري، وصلاة التراويح للألباني، والخير للناس أن يسكتوا عن هذا الأمر، ومن لم يكن يرى الزيادة على إحدى عشرة ركعة؛ فليصل العشاء، ولينصرف إلى منزله يصلي فيه ما كتب له، ويقال أيضا إن من حد صلاة التراويح بعدد يلتزمه فعليه بإحدى عشرة، ومن صلى من غير أن يلتزم بعدد فله سلف من جمهور هذه الأمة المرحومة.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
بعض أقوال مالك ﵀ في صلاة التراويح وقراءة القرآن والقنوت وغير ذلك
• قوله:
٣٢ - «وقالت عائشة ﵂: «ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر».
الذي في الصحيح من حديث عائشة أنه ﷺ لم يزد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، فلعل المؤلف ذكر حديثا آخر لها بالمعنى؛ لأنه صحّ عنها أيضا وعن ابن عباس أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، أما باللفظ الذي فيه النفي والاستثناء فلا أعرفه، غير أن الغماري قال في مسالك الدلالة: «رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم في حديث طويل»، فالله أعلم.
وأختم هذا الفصل ببعض ما أثر عن مالك ﵀ في صلاة التراويح، وقراءة القرآن، عسى أن يتعظ به من يزعمون أنهم يتبعون مالكا، مع أنهم لا يفتأون يبتدعون ويخترعون، وما قصدت به أن أجعل قول هذا الإمام حجة شرعية بمجرده، ولكل مقام مقال:
- قال مالك ﵀: «والوتر آخر الليل أحب إلي لمن يقوى عليه، ولقد كنت أنا أصلي معهم مرة، فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أوتر معهم» المدونة (١/ ١٩٥).
- وقال: «الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء، ولكن الصلاة»!!، المدونة (١/ ١٩٤)، وقد علق عليه الطرطوشي بقوله: «فتأملوا رحمكم الله، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحكى أن الأمر المعمول به إنما هو الصلاة من غير قصص، ولا دعاء»، وهو في كتاب (فتاوى الإمام الشاطبي)، تحقيق محمد أبي الأجفان.
- وقال: «ليس ختم القرآن في رمضان بسنة للقيام»، قلت: ابتلينا بمن يقرأ من أول القرآن أو من وسطه حتى إذا اقتربت ليلة السابع والعشرين انتقل إلى الأجزاء الأخيرة ليكون (ختمه) في تلك الليلة يوهم الناس بذلك.
- وسئل عن الذي يقرأ القرآن ثم يختمه يدعو، فقال: «ما سمعت أنه يدعى عند ختم
[ ٢ / ٣٥٠ ]
القرآن، وما هو من عمل الناس»، فتاوى الإمام الشاطبي، ص (٢٠٧ و٢٠٨)، والناس يطيلون الدعاء ويتكلفون فيه ويسجعونه ويبكي فيه الناس ما لا يبكون عند سماع القرآن.
- وسئل مالك عن الألحان، فقال: لايعجبني، وأعظم القول فيه، وقال: «إنما هو غناء يتغنون به، ليأخذوا عليه الدراهم»!!، انتهى، المدونة (١/ ١٩٤)، وهذا والله نعيشه أكثر مما كان الأمر عليه في عهد مالك.
- وقال ابن الحاج في كتابه المدخل (٢/ ٣١١): «ولا يزاد في ليلة الختم شيء على ما فعل في أول الشهر، لأنه لم يكن من فعل من مضى، خلاف ما أحدثه بعض الناس اليوم من زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن الحد المشروع، لما فيه من إضاعة المال، والسرف والخيلاء»!!، وقال مثله النفراوي في شرح الرسالة، ولأن وسائل تعظيم الأوقات المعظمة توقيفي كما لا يخفى.
- ومعظم الناس اليوم مفتونون بالأصوات والنغمات في قراءة القرآن، وتحسين الصوت مطلوب مرغوب، ومراعاة الأحكام لا بد منها، لأن الترتيل مأمور به، لكن لا ينبغي أن يصل الأمر إلى التكلف، أو التطريب والتمطيط الذي يخرج القراءة عن الوضع العربي.
وبعد أن كنا نلاحظ بأسف هذا الالتزام لاستعمال مكبرات الصوت للحاجة ولغيرها، انتقلنا إلى طور آخر في الحرص عليها، وهو تعليقها على صدر الإمام، فتعوقه عن وضع إحدى يديه على الأخرى، وعن القبض في موضعه المشروع، ويشغل بالمحافظة على الجهاز حتى لا يسقط، ويراعي أن لا تقع على الخيط ركبتاه حين يجلس، كل ذلك رعاية لتضخيم الصوت.
- ومما يؤسف له أن نسمع من يدخل اصطلاحات الموسيقى في تلاوة كتاب الله تعالى، فقد ذكروا هذا في مسابقة فرسان القرآن الكريم، وقال بعضهم بضرورة مراعاة هذه المقامات، لتكون التلاوة منسجمة، وزعموا أن القارئ إذا ابتدا بمقام؛ تعين عليه أن يختم به، ووجدنا من يدعو إلى عدم تقليد المشارقة في المقامات هذه، بل يتعين مراعاة مقامات البلد!!، وأدخلوا ذلك أيضا في الأذان، فلا كانت مقامات هؤلاء ولا هؤلاء، ثم قالوا هذا خطنا الذي تميزنا به فكتبوا به بعض طبعات المصحف وإن كان يعسر قراءته على كثير من الناس.
[ ٢ / ٣٥١ ]
- وسئل مالك عن القراءة في رمضان يقرأ كل رجل من موضع سوى موضع صاحبه، فأنكر ذلك، وقال: لا يعجبني، لم يكن ذلك من عمل الناس، وإنما اتبع هؤلاء فيه ما خف عليهم، ليوافق ذلك ألحان ما يريدون، وأصواتهم،،» المدونة (١/ ١٩٤)، وهو ﵀ يريد اختيارهم لسياقات معينة يقرؤونها لاعتيادهم التطريب بها وتمرنهم عليها، وهو معهود عند بعض الناس في قراءتهم في الصلوات فكأنهم خطباء لا قراء.
- وقال ابن القاسم: وسألته عن الرجل يقوم بالناس بإجارة في رمضان، فقال: لا خير في ذلك، قلت لابن القاسم: «فكيف الإجارة في الفريضة»؟، فقال: «ذلك أشد عندي من ذلك»، المدونة (١/ ١٩٣)، قال كاتبه: «وأشد منه من كان موظفا وصلى ليأخذ الأجرة على الصلاة من الناس، وفي النوادر: «وروى عنه أشهب قال: «ولا بأس بالصلاة خلف من يصلي القيام بالناس بإجارة، إن كان بأس؛ فعليه».
وقد سمعت أن بعضهم جمع في تلك الليلة مالا كثيرا فلما خشي أن يسلبه أحضر معه ضابطا عسكريا أوصبه إلى داره بأمان!!.
- وقيل له الحديث الذي يذكره «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان»، قال: «ليس عليه العمل، ولا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله، ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلا»، وهذا معناه أنه لا يرى قنوت النوازل، وهو معلوم من مذهبه كما سبق.
أما القنوت في الوتر فقد جاء عنه فيه ثلاث روايات: نفيه مطلقا، وهو رواية ابن القاسم وهو القول المشهور على قاعدة تقديم روايته على غيره، والرواية الثانية إثباته مطلقا، والثالثة إثباته في النصف الثاني من رمضان.
وقد روى مالك في الموطإ أثرالأعرج قال: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، قال وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف»، والذين أدركهم الأعرج هم من الصحابة ومن كبار التابعين، وهذا الأثر لا يعارض القنوت في غير رمضان لأنه فعل الفرد، وهو لا يعرف كما يعرف فعل الجماعة.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وما كان من الروايات مثبتا بإطلاق أولى أن يؤخذ به لموافقته ما ثبت عن النبي ﷺ من تعليمه الحسن بن علي ﵄ دعاء القنوت في الوتر كما في سنن الترمذي.
وقد روى عنه ابن القاسم في الإمام يقرأ الآية فيها ذكر النار فيتعوذ المأموم، قال: «تركه أحب إلي، فإن فعل فسرا»، وقال عنه أيضا: «ولا بأس في النافلة أن يسأل الله الجنة، ويستعيذه من النار»، وقال عنه ابن نافع: «وإن كان في نافلة فمر بآية فيها استغفار فيستغفر، ويقول ما شاء الله، ولا بأس بذلك»، وقال عنه علي بن زياد: «ولا أرى في الوتر قنوتا إلا في النصف الآخر من رمضان»، النوادر والزيادات (١/ ١٩١ - ١٩٣)
- وقال أبو داود (٧٦٩): حدثنا القعنبي عن مالك قال: «لا بأس بالدعاء في الصلاة: أوله، وأوسطه، وفي آخره، في الفريضة، وغيرها»، وهذا إسناد صحيح، لكن ينبغي الاقتصار على الدعاء المأثور، فإن فيه كفاية، وأن يترك هذا التوسع والتطويل الذي عليه الناس، ولو كان مشروعا لقال النبي ﷺ لحفيده ﵁ كما قال في الدعاء بعد التشهد: «ثم ليتخير من الدعاء أحبه إليه»، ولا يمكن القياس هنا، لأن هذا الدعاء يسر به، ويدعو به المرء لنفسه، إماما كان أو فذا، وذاك دعاء جماعي يسمعه الناس ويؤمنون.
[ ٢ / ٣٥٣ ]