الزكاة: هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة، منكر وجوبها ليس بمسلم، ومانعها تؤخذ منه قهرا، وهي حق أوجبه الله تعالى في أموال الأغنياء للفقراء وبقية مصارفها، وقد ذكر المؤلف معها الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين؛ لما بين هذه الأمور من المناسبة.
ومعنى الزكاة في اللغة الزيادة والنماء، يستوي في ذلك الحسيات كالنبات والمال، والمعنويات كنمو الإنسان بالفضائل وصالح الأعمال، وسميت صدقة المال زكاة؛ لأنها تعود بالبركة على المال المزكى، فقد قال النبي ﷺ: «ما نقص مال من صدقة»، وفي المقابل جاء أن الزكاة ما خالطت مالا إلا أهلكته.
ثم إن ما يخرجه المرء من المال ينميه الله تعالى له بمضاعفة الأجر عليه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، بقدر ما يكون عليه المتصدق من الإخلاص والتثبت، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ومعنى إنفاقهم تثبيتا من أنفسهم؛ قيل على يقين بالثواب عليها، وقيل: يعلمون أن ما أخرجوا خير مما تركوا.
وتحصل الزكاة أيضا لنفس المزكي بتطهيرها من رذيلة الشح وقسوة القلب، ومن آثارها سلامة قلوب الفقراء على الأغنياء، فيدعون لهم، ويتمنون المزيد من الخير لهم،
[ ٢ / ٣٧٧ ]
شروط وجوبها وإجزائها وآداب إخراجها
ومنها دعاء الإمام الذي يتسلم الصدقة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال بعد أخذ الزكاة: «اللهم صل على آل أبي أوفى»، وفي الحديث الذي رواه الشيخان والترمذي (٦٦١) عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحكم فُلُوَّهُ أو فصيله»، والحديث عام في الصدقة الواجبة والتطوع، وفي قوله: «إلا أخذها الرحمن بيمينه»؛ إثبات اليمين لله تعالى.
وانظر ما قاله الترمذي في جامعه باب ما جاء في فضل الصدقة، حيث أثبت منهج السلف في الصفات، وتربو معناه تكثر وتزداد، والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، وبكسر الفاء وسكون الواو، وجمعه أفلاء؛ هو المُهْرُ، والفصيل ولد الناقة إذا فصل عنها، جمعه فصلان بضم الفاء وفصال بكسرها، ووجه المناسبة بين تكثير الأجر على الصدقة من حلال، وبين تربية الفلو؛ ما في تربيته وما كان في معناه من الحاجة إلى التعاهد والعناية والرعاية حتى يبلغ المربى مبلغ الكمال، فالصدقة يكثرها الله وينميها كيفما كانت قليلة، والجبل الذي هو منتهى التكثير؛ متفاوت في العظم، وإن اتحد في الاسم.
وللزكاة شروط وجوب هي حولان الحول في زكاة العين والأنعام، وكمال الملك، والحرية، وخروج الساعي في الماشية إن وجد على المذهب، وعدم العجز عن تنمية المال.
وشروط إجزائها أربعة: النية، وإخراجها بعد وجوبها، وفي تقديمها بيسير الوقت خلاف، ودفعها إلى الإمام العادل إن كان، أو إلى الأصناف الثمانية عند عدمه، ولا يشترط استغراق تلك الأصناف، والإخراج من عين ما وجبت فيه، ومن آدابها إخراجها عن طيب نفس، ومن كسب طيب، ومن خيار المال، ودفعها للمساكين باليمين، وسترها عن أعين
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الناس، وتفريقها في البلد الذي وجبت فيه، وفي إخراجها إلى مسافة القصر خلاف، وأن تعطى للأحوج فالأحوج، وعلى الإمام أو المصدق أن يدعو لصاحبها، ومما جاء في إخراج المرء زكاة ماله بنفسه ما رواه البيهقي وأبو عبيد عن أبي سعيد المقري قال: «جئت عمر بن الخطاب ﵁ بمائتي درهم، قلت: يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالي، قال: اذهب بها أنتَ فاقسمها».
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وجوب زكاة العين والحرث والماشية
• قوله:
٠١ - «وزكاة العين والحرث والماشية فريضة».
أجمع المسلمون على أن الزكاة واجبة في هذه الأنواع الثلاثة، وهي زكاة العين، أي الذهب والفضة، ويقوم مقامهما الآن ما كان بدلا عنهما من الأثمان في هذه الأزمان، وزكاة الحرث، لكن اختلف المسلمون فيما يشمله هذا النوع، وزكاة الماشية، وهي الإبل والبقر والغنم، وفي الموطإ بلاغا في ترجمة ما تجب فيه الزكاة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على دمشق: «إنما الصدقة في العين والحرث والماشية»، ومجموع ما تجب فيه الزكاة بالتفصيل ستة هذه الثلاثة، وزكاة المعدن، وعروض التجارة، وزكاة الفطر، لكن زكاة المعدن والعروض؛ مآلها إلى زكاة العين، وزكاة الفطر على النفوس، لا على الأموال.
فائدة: روى مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنّ عثمان بن عفان كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دَيْن فليؤد دَيْنه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة»، وهذا مشعر أنهم كانوا يتحرون وقتا يؤدون فيه الزكاة جميعا كما يفعل معظم الناس اليوم يخرجون زكاة أموالهم في شهر المحرم ليسهل ذلك عليهم، وهذا إذا كان متقدما على الحول فلا بأس إن شاء الله، أما التأخر عنه فلا، والخير إخراج كل أحد زكاة ماله متى حال عليه الحول لأنه الأصل ولما في ذلك من تواصل مد المحتاجين بالمال طول العام.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
زكاة الحرث يوم حصاده
• قوله:
٠٢ - «فأما زكاة الحرث؛ فيوم حصاده».
اعلم أن زكاة المال بالنظر إلى الزمن؛ أقسام ثلاثة، أولها: ما لا يتوقف وجوب الزكاة فيه على مرور زمن، وهو المعدن والركاز، والثاني: ما تجب الزكاة فيه بمرور الحول، وهو العين والماشية، والثالث: ما تجب فيه الزكاة بحصاده، وهو النبات، ودليله قول الله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ومعنى الأمر بإخراجها يوم الحصاد؛ أنها تترتب في الذمة ابتداء من ذلك الوقت عند أهل المذهب، والمشهور أن وقت الوجوب الإفراك، بمعنى اليبس والطيب، فما نقص منها بسبب الأكل والعطية ونحوهما؛ ضمنه المزكي، وفيه نظر، أما الإخراج بالفعل؛ فيكون بعد التصفية.
[ ٢ / ٣٨١ ]
زكاة العين والماشية كل عام مرة
• قوله:
٠٣ - «والعين والماشية ففي كل حول مرة».
دليل ذلك قول النبي ﷺ: «،،، وليس في مال زكاة؛ حتى يحول عليه الحول»، وهو من جملة حديث علي ﵁ عند أبي داود (١٥٧٣) والترمذي وابن ماجة وهو في الموطإ موقوفا على ابن عمر، ولما كان المال المزكى ليس إلا عينا أو حرثا أو ماشية، وقد خرج الحرث بالدليل القرآني المتقدم؛ بقي ما عداه مشترطا في وجوبه مرور الحول، واختلف الزرع عن غيره، لأن يوم الحصاد؛ تكمل فيه دورة النبات، ويجني الزارع ثمرة جهده، ولأن الزرع لا يحتاج إلى تحريك وضرب في الأرض، ولهذا المعنى ألحق به المعدن والركاز، فأما العين والماشية؛ فجعل الشرع الزكاة فيها مرة كل سنة كي يتمكن المالك من تنميتهما، فالحمد لله على ما أغنى وأقنى.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
نصاب زكاة الحب والتمر وغيرهما
• قوله:
٠٤ - «ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق، وذلك ستة أقفزة وربع قفيز»
لما بين وقت وجوب الزكاة؛ ذكر النصاب الذي إذا بلغه الحرث وجبت فيه الزكاة، ونصاب الحبوب والتمر يقدر بالكيل لا بالوزن، لأن أنواع الحبوب ومثلها التمور وإن تساوت في الكيل؛ فإن أوزانها تختلف، لا ختلاف كثافتها، فلا يتأتى أن يكون الوزن ضابطا للنصاب في جميعها، ومن ثمة فلا ينفعنا أن نعد جدولا بأوزان الحبوب، لأن الجنس الواحد منها كالقمح مثلا تختلف أنواعه بالكبر والصغر والصلابة والليونة، فيختلف من ثمة وزن بعضه عن بعض، وكذلك التمور، ولذلك فالضابط المطرد هو ضابط الكيل، وقد ألمح المؤلف إلى أن الزكاة إنما تجب في الحرث، إذا كان حبا أو تمرا، لأنه هو الذي يوسق، مع كونه قوتا مدخرا، فلا تجب في الخضر، أو لأنه أراد أن يوافق بذلك ما جاء في بعض روايات حديث أبي سعيد الخدري المتفق على أصله: «ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة»، ولفظه هذا عند أحمد ومسلم (٩٧٩).
وقد ذكر المؤلف ما يساوي خمسة أوسق بالكيل الذي كان مستعملا في بلده، وهو ستة أقفزة وربع قفيز، لأن العبرة بالمعيار الشرعي لا العرفي، إلا أن لا يكون الشرع قد بين المعيار، وإنما فعل ذلك ليسهل على الناس معرفة النصاب بما يتداولونه من الأوعية، والقفيز يختلف حجمه باختلاف البلدان، وقد قال زهير بن أبي سلمى عن حرب عبس وذبيان:
فتغلل لكم ما لاتغل لأهلها … قرى بالعراق من قفيز ودرهم
وقد ذكر غير ابن أبي زيد مثل ما ذكره هو مراعين المكاييل المعمول بها في زمنهم، ومنهم أبو عبيد في كتاب الأموال، وعبد الله المنوفي، إذ حرر النصاب بحضرته؛ فوُجد ستة
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار
الأصناف المنصوص عليها في السنة أربع
أرادب ونصفا ونصف ويبة، وذلك سنة سبع وأربعين وسبعمائة، والإردب والويبة مكيالان كانا مستعملين يومئذ، ومحمد عرفة الدسوقي في القرن الثالث عشر؛ فكان النصاب أربعة أرداب وويبة، فتبيّن أن مكاييلهم كان حجمها يتغير، وذكر الشيخ زروق في شرحه على الرسالة أن قفيز تونس في وقته يساوي الوسق الشرعي.
قلت: كان هذا من صنع الموحدين إذ أحدثوا ما يسمى بالقفيز في تونس، قال الأبي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم (٣/ ٤٠٠): «وهو من محاسن ما أسس الموحدون، لأنهم جعلوا القفيز قدر الوسق، تيسيرا لمعرفة قدر النصاب الشرعي»، انتهى، فانظروا كيف سجل التأريخ هذه المأثرة لهذا الحاكم، فليرجع بنا حكامنا إلى الحق يفلحوا ونفلح.
والذي تجب فيه الزكاة في المذهب عشرون صنفا من الحبوب وغيرها، وهي القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، والعلس، والقطاني السبعة: البسيلة، والفول، والترمس، والعدس، والحمص، واللوبيا، والجلبان، والتمر، والزبيب، وذوات الزيوت، وهي الزيتون، والقرطم، وحب الفجل الأحمر، والسمسم، ورأى بعضهم وجوب الزكاة في التين لكونه مقتاتا مدخرا، لأن مالكا لم يعرف ادخاره، فلم يوجب فيه الزكاة، أو لأنه وإن كان مقتاتا فذلك ليس في حال الاختيار، وقد اعتبر ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٦٢) قول مالك الذي فيه قصر وجوب الزكاة على ما يقتات في حال الاختيار؛ أظهر قوليه، وعليه فلا زكاة في القطاني عنده، لأنها لا تقتات في تلك الحال.
وقد جاء في حديث أبي موسى ومعاذ ﵄ أن النبي ﷺ قال لهما: «لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر»، رواه الدارقطني (٢/ ٩٨) والطبراني والحاكم والبيهقي وقال: «رواته ثقات، وهو متصل»، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني كما في تمام المنة، وسكت عنه الحافظ في بلوغ المرام (ح/ ٦٣٦)، وحكى ابن عدي تضعيف الحديث عن جماعة، ورواه البيهقي بلفظ غير مرفوع، وهو أنهما حين بعثا إلى اليمن لم يأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة،،،»، كما في نصب الراية للزيلعي، وورد من حديث موسى بن طلحة عن عمر ﵁ قال: «إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب»، رواه الدارقطني (٢/ ٩٦)،
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وسنده ضعيف كما في التعليق المغني، وروى مثله ابن ماجة (١٨١٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قولَه مثل قول عمر، وزاد الذرة، وإسناده واه كما قال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٨٣٨)، وقال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٨٩): «وأما أحاديث إنما تجب الزكاة في خمسة»؛ فكلها مدخولة وفي متنها اضطراب»، انتهى، ثم ساقها.
وألفاظ هذه الأحاديث كما ترى متفاوتة الدلالة، فقول عمر ﵁: «إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذا الخمسة - مع ضعف سنده - ليس فيه دلالة على المنع من الأخذ من غير الخمسة إذا وضع في الحسبان احتمال كون ذلك مراعى فيه الواقع، والأثر الذي رواه اليهقي وفيه أن معاذا وأبا موسى لم يأخذا إلا من الأربعة ليس مرفوعا، فضلا عن كون غير الأربعة ليس بالضرورة أن تكون حبا مقتاتا في البلد الذي توجها إليه، فيقال إن ما كان مقتاتا في غير ذلك البلد ألحق به.
أما المرفوع الذي فيه الحصر وهو أقوى الأدلة فإنه إذا سلم ثبوته احتمل أن يكون الراوي حاكيا لتصرف معاذ وأبي موسى بتنزيله فعلهما منزلة ما أمر به النبي ﷺ، واتحاد المخرج لا يبعد معه هذا المعنى الذي قد يحمل عليه الحديث رعاية لظواهر القرآن الكريم حتى يجمع بين هذه الآثار وبينه، لكن هذا الحمل بعيد لما يلزم عليه من إبطال حجية الأحاديث بمجرد التوهمات والظنون.
أما الذي عليه الأمة فإن من ثبت عنده هذا المنقول رآه مخصصا لعمومات القرآن، فذهب إلى القول بحصر زكاة الحرث في الأربعة، وهو ما قال به بعض الأئمة الأعلام، منهم ابن عمر، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن، وابن سيرين، وأبو عبيد، وابن زنجويه، لكن لا يبعد أن يكون ما في الحديث حصرا إضافيا لكون هذه الأربعة هي التي كانت قوتهم في ذلك البلد، فما كان في معناها مما هو قوت للناس في غيره وجبت فيه.
وقد أشار إلى هذا المعنى أبو عبيد في كتاب الأموال (النص ١٤٠٩) وإن لم يكن قصده بهذا القول هو قصدي، فقد قال موجها قول من حصرها في الحنطة والشعير والتمر: «…، فذهبوا إلى أن رسول الله ﷺ إنما حكم على العرب في صدقاتها بما يعرف من أقواتها، مما هو طعام لها في حاضرتها وباديتها، فلم تكن إلا هذه الأصناف الثلاثة،،،»، انتهى،
[ ٢ / ٣٨٥ ]
ما يلزم على القول بقصر الزكاة على الأصناف الأربعة
ويحتمل أن يكون المقصود عدم أخذ الجابي من غير تلك الأنواع وترك إخراجها لأصحابها.
ولعل المعنى الأول هو الذي راعاه من زاد من السلف على الأربعة أو نقص منها، فنقص منها شريح والشعبي، وزاد ابن عباس السلت والزيتون، وزاد إبراهيم الذرة، وزاد عمر بن عبد العزيز القطاني والسلت، وزاد مكحول القطنية.
وقال الزهري: «التوابل بمنزلة الحبوب تزكى»، ذكرهم أبو عبيد في كتاب الأموال: (باب السنة فيما تجب فيه الصدقة مما تخرج الأرض)، وتوسع مالك فرأى الاعتماد على الاقتيات، وقال أحمد تجب الزكاة في كل ما يوسق، فلم يخص مقتاتا من غيره، وقال عبد الملك ابن الماجشون بوجوبها في أصول الثمار دون البقول، وقد اقتربا من قول أبي حنيفة الذي قال بوجوب الزكاة في جميع ما يؤكل قوتا كان أو غيره، والمسألة من المعضلات، وبالله التوفيق والعصمة.
قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٥٩) بعد أن سرد أقوال بعض المذاهب: «وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق، وقال إن الله أوجب الزكاة في المأكول قوتا كان أو غيره،،»، ثم شرع ينصر هذا القول، ويرد ما عداه فانظره فإنه نفيس.
واعلم أنه يلزم على القول بعدم وجوب الزكاة في غير الأربعة، وهكذا غيرها مما ذكره من قاس عليها كل بحسب ما عرف من المحاصيل في بيئته؛ أنه متى لم يكن ما ذكر مستنبتا في مكان؛ فلا زكاة في الحرث أصلا، وهذا بعيد من مقاصد الشرع في الزكاة، فإن على رأسها مواساة المحتاجين، والقيام بالمصالح العامة والخاصة المرتبطة بالمصارف الثمانية، والشارع لا يتشوف إلى نوع بعينه مما يقيم الناس به أودهم من الطعام فيرغب في استبقائه ووجوده، فيلزم الناس باستنباته وتنميته، حتى يقال لا يجب في غير ما ذكره، فإن الحكمة من الزكاة بيّنة واضحة، نظيره أن الشارع إنما أوجب الزكاة في الذهب والفضة، فلم يقال بوجوب الزكاة فيما قام مقامها من العملات في هذا العصر؟
فإن قيل: كانا أثمانا للأشياء، فما حل محلهما في ذلك أعطي حكمهما، قلنا: وهذه أموال وأقوات وأطعمة للناس، إذا لم تكن موجودة في زمن أو في موضع ووجدت في آخر
[ ٢ / ٣٨٦ ]
أعطيت الحكم لقيامها مقامه، ونظيره أن النبي ﷺ فضل الفارس على الراجل في الغنيمة، فهل يقال إنه لا يفرق في قسمة الغنيمة بين مجاهد وآخر في هذا العصر مهما اختلف غَناء هذا عن هذا، ومهما كانت الوسيلة التي يستخدمانها في القتال، لو كان المسلمون قادرين على جهاد الطلب، والحال أنّ الخيل لا تستعمل في القتال؟، إن الزكاة وإن كانت من العبادات التي الشأن فيها ترك القياس، بالنظر إلى بعض أمورها كالمقادير المخرجة حسب الأصناف، ومتى يجب الإخراج من مختلف الأصناف؛ إلا أنها معقولة المعنى من جهة مواساة الفقراء وسد حاجتهم، والقيام بشؤون المصارف الأخرى، ولذلك حصل الخلاف في لزوم النية لها، كما جرى الخلاف في جواز إخراجها قبل وقتها، فالقول بعدم وجوبها في غير تلك الأصناف الأربعة يلزم عليه عدم إخراجها من الحرث في بعض الأزمنة والأمكنة، ولا ريب أن هذا القول عظيم، وقد يقال إن أموال الناس معصومة فلا يجوز الإقدام على أخذ شيء منها إلا بدليل ناهض، وهذا حق، لكننا هنا بصدد شيء قد دل القرآن بظاهره عليه، وأخذ به بعض سلف هذه الأمة، كعمر بن عبد العزيز وغيره، وأيده بعض كبار أهل العلم من أصحاب المذاهب، مع توفره على معنى المواساة الذي هو من مقاصد الشرع في الزكاة، والنص الذي اعتبر مخصصا اختلفت الأمة في ثبوته وفي دلالته.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
مقدار الوسق والصاع والمد
ضابط نصاب الحبوب بالكيل
• قوله:
٠٥ - «والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ، وهو أربعة أمداد بمده ﵊».
الوسق بفتح الواو وتكسر؛ مفرد أوسق وأوساق، وهو معيار من معايير الكيل، فأما أنه ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد بمد النبي ﷺ؛ فمما لا خلاف فيه بين الناس، إنما الخلاف بينهم في مقدار الصاع والمد، فقيل خمسة أرطال وثلث من غير فرق بين مد الطعام والماء، وعلى هذا مذهب مالك، وقيل ثمانية أرطال فيهما معا، وهو قول أهل العراق، وفرق قوم بين صاع الماء وصاع الطعام، فجعلوا صاع الماء على قول أهل العراق، وصاع الطعام الذي يرجع إليه في الزكاة على قول أهل الحجاز، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ٤٣)، قال أبو عبيد في كتاب الأموال عن مذهب أهل المدينة: «فاجتمعت فيه ثلاث خلال: حديث النبي ﷺ، وتدبر حديث عمر، واتفاق أهل الحجاز عليه، فأين المذهب عن هذا»؟، انتهى، يعني بالحديث قوله ﷺ: «المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة»، فأما حديث عمر؛ فهو ما رواه (١٦٠٦) عنه من ضربه الجزية مفرقا فيها بين أهل الذهب وأهل الورق، وما فرضه معها من أرزاق المسلمين، وقد ناقش الأثر وقارن بين المعايير الواردة فيه، فأداه إلى ما انتهى إليه من الترجيح.
وقد تقدم في باب الطهارة أن حجم المد بالماء يساوي (٦٩، ٠) جزءا من مائة جزء من اللتر على وجه التقريب، ومهما يكن فإن حجم المد بالماء لا يزيد على ٦٩، ٠ ل، ولا يقل عن ٦٣، ٠ ل، فيكون حجم الخمسة أوساق وعاء يسع (٨٢٨) ل، وهذه أحجام الوحدات التي تتوقف معرفة النصاب عليها لمن أراد أن يكون عنده أوعية بقدرها، وهي على وجه التقريب لا التحديد:
- حجم المد ٦٩، ٠ ل
[ ٢ / ٣٨٨ ]
متى يجب إخراج العشر أو نصفه في زكاة الحرث؟
- حجم الصاع ٦٩، ٠ ل× ٤ = ٧٦، ٢ ل
- حجم الوسق ٧٦، ٢ ل × ٦٠ = ٦٠، ١٦٥ ل
- حجم ٥ أوسق ٦٠، ١٦٥ ل × ٥ = ٨٢٨ ل
أما ضابط النصاب بالوزن؛ فيمكن تحديده بالتقريب لكل جنس زكوي بملء هذه الأوعية ثم وزنها، لكن ينبغي التنبه إلى تفاوت أفراد الجنس الواحد بحسب الكثافة، وقد سماها أبو عبيد (الرزانة والخفة)، أما جعل مرجع نصاب الحبوب ما يسعه إناء مملوء قمحا بوزن (٦٤٧) كلغ كما ذكره صاحب صحيح فقه السنة جزاه الله خيرا، فيأباه اختلاف الأجناس بعضها عن بعض بالصلابة والليونة فيختلف وزنها مِنْ ثَمَّ، بل إن أصناف الجنس الواحد يوجد فيها هذا التفاوت، وكون النصاب في الحبوب تقريبًا لا تحديدًا غير مغن هنا في الرد.
ولم يذكر المؤلف ﵀ اختلاف القدر الواجب إخراجه من الحرث بالنظر إلى كيفية سقيه، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، رواه الترمذي (٦٣٩).
وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه سن فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، ومعنى سن شرع، والنضح الرش، والمراد ما سقي بالسانية أي الإبل كما في جاء في رواية مسلم، وقد كانت هي وسيلتَهم في ذلك، وتدعى النواضح.
وقال في النهاية «العثري ما يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة»، والمقصود التفريق بين ما سقي من غير مشقة وكلفة كماء الأمطار والماء الجاري وما يسقى بقليل الماء عند بذره فهذا فيه العشر، وما خالف ذلك ففيه نصف العشر، وما كان فيه من هذا وهذا فعلى حكميهما إن تساويا، وإلا فالحكم للأغلب، وقيل كل على حكمه.
وتأمل كيف فرض الشرع إخراج نسب من المال مختلفة لها صلة بما في تنميته من الكلفة كثرة وقلة، فأوجب إخراج ربع العشر في زكاة العين وما رجع إليها وهو زكاة التجارة، وفي الحرث نصف العشر فيما سقي بكلفة، والعشر فيما ليس كذلك، وفرض
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الخمس في الركاز، فتدرجت نسب الزكاة هكذا صعودا:
-١/ ٤٠ - ١/ ٢٠ - ١/ ١٠ - ١/ ٥.
أما في زكاة الأنعام فالرفق فيها أبين وإن كان متفاوتا حسب كل صنف، لما في تنميتها من الكلفة، لكن القدر المخرج أقيم على الأعداد.
ويسأل كثير من الناس عن نفقاتهم على الحرث هل تطرح قبل إخراج الزكاة أم لا؟، والظاهر أن الشرع قد راعى ذلك إذ جعل فيها العشر أو نصف العشر حسب طريقة السقي، فإذا أنفق المرء من ماله فهذا حكمه، وإذا استدان، فالمذهب أن الدين إنما تسقط به زكاة العين وحدها كما سيأتي.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
ما يجمع من الحبوب والقطاني في نصاب الزكاة
• قوله:
٠٦ - «ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق؛ فليزك ذلك، وكذلك تجمع أصناف القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر، وكذلك أصناف الزبيب، والأرز والدخن والذرة كل واحد منها صنف، لا يضم إلى الآخر في الزكاة».
مشهور المذهب أن الحبوب وهي القمح والشعير والسلت بضم السين؛ يجمع بعضها إلى بعض في الزكاة، فإذا بلغ مجموعها خمسة أوسق؛ وجبت الزكاة، وكذلك تضم أصناف القطنية، وتضم أصناف التمور بعضها إلى بعض، وأصناف الزبيب، ويخرج من كل ما ينوبه، وإذا أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه، لا العكس، وعمدتهم في القول بالضم؛ أن منافعها متقاربة بل متحدة، ويمكن انتزاع ذلك من لفظ حديث أبي سعيد المتقدم: «ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة»، لكن من علم أن النبي ﷺ أباح بيع القمح بالشعير متفاضلا بقوله «فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»؛ صعب عليه القول بالضم في الزكاة، أما أصناف الزبيب وأصناف التمر فإن الاسم يجمعها فلا شك في ضم بعضها إلى بعض.
[ ٢ / ٣٩١ ]
إخراج الزكاة من أوسط أصناف الجنس الواحد
• قوله:
٠٧ - «وإذا كان في الحائط أصناف من التمر؛ أدى الزكاة عن الجميع من وسطه».
إذا كان التمر الذي وجبت فيه الزكاة صنفين؛ فقد تقدم القول فيه، وهو أنه يؤخذ من كل ما ينوبه، وإن أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه، وإن كان صنفا واحدا؛ أخرج منه كيفما كان، ولا يكلف شراء غيره، لأن الأصل أن تخرج الزكاة مما وجبت فيه، فإن كان أصنافا عدة؛ أخرج من الوسط، لما في الإخراج من كل الأصناف من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، فإن أخرج الأعلى؛ فقد تطوع، ومن تطوع خيرا فهو خير له.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
زكاة الزيتون
• قوله:
٠٨ - «ويزكى الزيتون: إذا بلغ حبه خمسة أوسق؛ أخرج من زيته، ويخرج من الجلجلان وحب الفجل من زيته».
استدلوا على وجوب زكاة الزيتون بقول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإن الحق المذكور يراد به الزكاة، إذ لا يجب غيرها، وقيل إنه حق آخر كان واجبا قبل فرض الزكاة ثم نسخ.
فإن قيل: إن سورة الأنعام مكية والزكاة إنما فرضت في المدينة؛ فالجواب: أنه لا يمتنع أن تكون الزكاة قد فرضت بمكة جملة، ثم فصلت بقية أحكامها من نصاب ومقدار بالمدينة، لكن يرد على هذا الاستدلال أن الرمان ذكر مع الزيتون، والمستدلون لا يقولون بوجوب الزكاة فيه، كيف والضمير في قوله ﴿حَقَّهُ﴾ شامل لهما ولما معهما، واستدلوا أيضا بعموم حديث: «فيما سقت السماء العشر»، ولا يستقيم لهم، لأنهم يُلزَمون القول بتزكية غير الزيتون، مما يدخل في العموم، وقد يتفصون من هذا الإلزام بقولهم خصصنا ذلك العموم بالقياس لأن الزيتون مقتات، لكن نازعهم في ذلك أيضا بعض أهل العلم، ومنهم العز بن عبد السلام.
وأشف ما يستدل به لزكاة الزيتون أمران أولهما قول ابن شهاب ﵀: «مضت السنة في زكاة الزيتون؛ أن تؤخذ ممن عصر زيتونه حين يعصر»، وقد رواه عنه جمع منهم سحنون، وابن أبي شيبة، ويحي بن آدم، وقد قيل إنه أصح ما في الباب كما في التلخيص الحبير، لكن قول التابعي من السنة ليس له حكم الرفع، وهو على كل حال يفيد انتشار هذا الأمر في عهد التابعين والعمل به، وقد روي أخذ الزكاة من الزيتون عن ابن عباس ولم يصح عنه، والثاني من جهة القياس، وهو اعتبار زيت الزيتون مقتاتا مدخرا، فتجب فيه
[ ٢ / ٣٩٣ ]
كيفية تزكية الزيتون
الزكاة على أصل المذهب، لكن كونه مقتاتا فيه نزاع، وقال ابن وهب لا تجب فيه الزكاة، ولا تجب في كل ما له زيت، قال ابن عبد السلام وهو الصحيح على أصل المذهب، لأنه ليس بمقتات، وقيل هو مصلح للمقتات، فأعطي حكمه كما قالوا ذلك في تعليل دخول الملح في الربويات، لكن الفرق أن الملح داخل فيها بالنص.
والمشهور أن الزيتون - ومثله ذوات الزيوت - متى وجبت الزكاة فيها ببلوغها خمسة أوسق حبا؛ أخرج من زيتها بالغا ما بلغ، ولا يخرج من حبها، فالعبرة في النصاب بالحب، أما الإخراج من زيته فلأنه المقصود، وبالقياس على غيره، فإن المساكين إنما يأخذونه مصفى.
قلت: والزيتون نفسه مقصود فيظهر أنه إن أخرج من حبه أجزأه مراعاة للأصل، فإن كان ممن يعصره؛ كان الأفضل أن يخرجه زيتا، لما فيه من الإحسان والرفق، أما إن لم يكن ممن يعصره؛ فلا يكلف شراء الزيت لإخراجه.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
• قوله:
٩ - «فإن باع ذلك؛ أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله».
إذا باع الزيتون ولم يعصره؛ أخرج من ثمنه، ولا يراعي بلوغ ثمنه نصاب النقد، لأن العبرة فيه بأصله، وقد قيل إنه إذا كان الزيتون مما له زيت؛ أخرج من زيته، وإن كان مما ليس له زيت؛ أخرج من ثمنه إذا باعه، ومثله ما لا يجف من الأعناب والرطب، فإنه يزكى، وإن بيع بأقل مما تجب الزكاة فيه بشيء كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق، والخرص الحزر والتقدير، فإن نقص عنها؛ لم تجب فيه الزكاة، ولو كان ثمنه أكثر من النصاب، وقد أشار المؤلف بقوله إن شاء الله، إما إلى ضعف إجزاء الإخراج من ثمن ما له زيت، والأولى أن يحمل على الإشارة إلى قوة الخلاف في المسألة.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
• قوله:
١٠ - «ولا زكاة في الفواكه والخضر».
ظواهر القرآن تدل على إخراج الزكاة من جميع ما تنبت الأرض، ومن جميع الأموال، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومثلها آية سورة الأنعام المكية التي فيها إيجاب إخراج الحق يوم الحصاد من الزرع عموما ومن النخل والزيتون والرمان خصوصا، ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، فناط الافتراض بالغنى والفقر، لكن السّنة لم ترد بالأخذ إلا مما علمت مما في حديث أبي موسى ومعاذ من الأصناف الأربعة، مع ما وقفت عليه من الخلاف في ثبوته والنزاع في دلالته، ومع هذا فقد روى الترمذي عن معاذ ﵁ أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضراوات، وهي البقول، فقال: «ليس فيها شيء»، لكنه ضعفه، ثم قال: «والعمل على هذا عند أهل العلم أن ليس في الخضراوات صدقة»، وقد صححه الألباني، وقد قالوا إن هذا الحديث الضعيف يتأيد بما تقدم من قصر الزكاة على تلك الأصناف، كما يقوى بما انضم إليهما من أقوال الصحابة، مع أنه ﷺ لم ينقل عنه أنه أخذ من الخضراوات زكاة وقد كانت موجودة بدليل النهي عن أكل الثّوم والبصل وغيرهما، وهذه سُنّة تَرْكِية، وهي حجة متى قام مقتضيها، وانتفى مانعها، والمقتضي هنا قائم، والمانع مفقود، والدواعي على النقل متوفرة، وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأوله حديث الحصر على معنى أنه ﷺ لم يأذن لمعاذ في أخذها، وليس يلزم منه أن لا يخرج مالكها منها شيئا.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
حجة القائلين بزكاة الخضر
وقد قال ابن العربي وهو بصدد نصرة مذهب أبي حنيفة: «فإن قيل: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر»؟، قلنا: كذلك عول علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل لا دليل»، فإن قيل: لو أخذها لنقل، قلنا: وأي حاجة إلى نقله، والقرآن يكفي عنه»؟، انتهى، ولم يحصل لي في هذه المسألة الظن الغالب الذي يتعين العمل به.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
نصاب الذهب عشرون دينارا
المرجع في معرفة وزن الدينار الذهبي
• قوله:
١١ - «ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا؛ ففيها نصف دينار: ربع العشر، فما زاد؛ فبحساب ذلك وإن قل».
هذا نصاب العين ويسمى النقد، وهو اثنان: الذهب والفضة، فأما الذهب؛ فنصابها عشرون دينارا، فإذا بلغتها وجبت فيها الزكاة، وما زاد على ذلك ولو قليلا يخرج منه بحسبه، وكذلك الفضة، إذ لا وقص في زكاة العين والحرث، والواجب في زكاة العين ربع العشر، أي دينار من كل أربعين دينارا، وبلغة أهل العصر = (٥، ٢) %.
فإذا أريد معرفة ذلك بالوزن لعدم وجود الدنانير المسكوكة الآن؛ فالمرجع إما إلى ما ذكره العلماء من وزن الدينار بالشعير على الصفة المتقدمة في الكلام على المد والصاع، وإما بالرجوع إلى المتاحف لمعرفة أوزان الدنانير المتحدث عنها، فأما الأول؛ فقد قال العلماء إن وزن الدينار يساوي اثنتين وسبعين حبة من الشعير، فيكون وزن العشرين دينارا هو (٧٢×٢٠) = ١٤٤٠ حبة، وأما الثاني؛ فإن من تتبع وزن الدينار في المتاحف؛ وجد وزنه مختلفا بحسب الدول، وفي الدولة الواحدة بحسب العهود، وقد كاد المهتمون بهذا الأمر يجمعون على أن وزنه في عهد عبد الملك بن مروان كان ٢٥، ٤ غ، فيكون وزن العشرين دينارا هو ٨٥ غ.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
نصاب الفضة مائتا درهم
المرجع في معرفة وزن الدرهم الفضي
• قوله:
١٢ - «ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم، وذلك خمس أواق، والأوقية أربعون درهما، من وزن سبعة، أعني أن السبعة دنانير؛ وزنها عشرة دراهم، فإذا بلغت هذه الدراهم مائتي درهم؛ ففيها ربع عشرها: خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك».
نصاب الفضة هو خمسة أواق جمع أوقية بضم الهمزة، وكسر القاف، وشد الياء، والأوقية أربعون درهما، فيكون النصاب بالدراهم مائتين (٢٠٠)، ووزن الدرهم (٤، ٥٠) حبة شعير، فيكون نصاب الفضة بحبات الشعير هو (٤، ٥٠×٢٠٠=١٠٠٥٠) حبة، والرجوع إلى الدراهم المحفوطة في المتاحف لا يؤخذ منه وزن الدرهم بدرجة الظن التي أخذ بها وزن الدينار، والأوزان المعتبرة تتدرج من ٣ غ، إلى ١٤٥، ٣ غ، وعليه يكون نصاب الفضة يحوم حول ٦٢٨ غ، فمن ملك النصاب زكى، وما زاد عليه أخرج على ما زاد بحسبه قل أو كثر، إذ لا وقص في العين.
وقول المصنف «أعني أن السبعة دنانير؛ وزنها عشرة دراهم»؛ هذا مما اتفقت عليه الأمة كما نقل ذلك أبو عبيد في كتاب الأموال، أي أن الدينار يساوي سبعة أعشار الدرهم (٧/ ١٠)، ومما يستفاد من هذا؛ أنك متى علمت وزن الدينار؛ علمت وزن الدرهم، فمثلا إذا وثقنا أن وزن الدينار هو (٢٥)، (٤) غ وعلمت أن (١٠) دراهم تساوي (٧) دنانير؛ أمكنك أن تعرف وزن الدرهم هكذا: (٢٥، ٤ غ ×٧: ١٠= ٩٧، ٢ غ) تقريبا، فيكون نصاب الفضة (٥٩٤) غ، وأنا إلى هذا أميل من الأول لما علمت، وعكس هذا إذا علمت أو غلب على ظنك وزن الدرهم ولم تعلم وزن الدينار؛ أمكنك معرفته أيضا، ومن اليسير عليك إذا طبقت ما علمت من وزني الدينار والدرهم بحبات الشعير استقام لك الحساب أيضا:
[ ٢ / ٣٩٩ ]
مساواة الدينار في الوزن لسبعة أعشار الدرهم
اعتماد الأقل قيمة من الذهب والفضة في النصاب
وزن الدرهم بالشعير ٤، ٥٠ حبة، فيكون:
وزن (١٠) دراهم بالشعير ٤، ٥٠×١٠=٥٠٤ حبة
وزن الدينار بالشعير ٧٢ حبة، فيكون:
وزن (٧) دنانير بالشعير ٧٢×٧=٥٠٤ حبة
واعلم أن الذهب والفضة لم يعودا مرجعا لأثمان الأشياء وقيم المتلفات، ولكن لما أوجب الشارع فيهما الزكاة وعلم وزن ما اعتبره نصابا فيهما كما تقدم؛ كان من ملك النصاب مطالبا بالزكاة، غير أن كثيرا من الناس إنما يخرجون قيمة ربع العشر بالعملات، ويعتبرون المرجع في النصاب قيمة عشرين دينارا من الذهب، ولا يعتبرون قيمة الفضة غالبا، وحجة القائلين بذلك أن الفضة قد تدنى سعرها كثيرا، فلا تصلح لمعرفة نصاب العملات، فيقال والذهب قد ارتفع كثيرا فلم اعتبر هو المرجع في النصاب؟، ثم ما وجه استبعاد الفضة واعتماد الذهب، والحال أن النقود إنما وجبت الزكاة فيها باعتبارها بدلا عنهما، بل إن كون نصاب الذهب هو عشرون دينارا فيه نزاع، حتى اعتبر بعض السلف الذهب من العروض، فأقل ما في هذا الصنيع أنه مجرد تحكم، وليس تدني قيمة الشيء مجيزة لعدم اعتماده، وقد رهن النبي ﷺ درعه في ثلاثين (٣٠) صاعا من الشعير ثمنها يومئذ دينار، رواه ابن حبان من طريق قتادة عن أنس، وهو في الفتح (٤/ ١٧٤)، وأصله في الصحيح، فيكون نحو نصف قنطار منه يساوي دينارا ذهبيا، وقيمة الدينار الذهبي عندنا هذا العام نحو (٠٠٠، ١٠) د. ج، فقارن هذا بسعر الشعير عام (١٤٢٩) وهو (٢٥٠٠) د. ج للقنطار مع أنه سعر فيه دعم للفلاحين من الدولة، والمقصود أن ارتفاع قيمة الشيء أو انخفاضه ليست حجة في ترك اعتباره مرجعا لما جاء بدلا عنه، فالصواب إن شاء الله: هو كون النصاب معتبرا بأقل القيمتين، فضة كان ذلك أو ذهبا، لما فيه من براءة الذمة، والاحتياط للمساكين.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
جمع الذهب والفضة في الزكاة
• قوله:
١٣ - «ويجمع الذهب والفضة في الزكاة، فمن كان له مائة درهم، وعشرة دنانير؛ فليخرج من كل مال ربع عشره».
المذهب أنه يضم الذهب إلى الفضة في الزكاة، فمتى حصل من مجموعهما نصاب؛ زكى، لكن الضم إنما يكون بالجزء، لا بالقيمة باتفاق، فمن كان عنده (١٠) دنانير من الذهب، و(١٠٠) درهم من الفضة؛ وجبت عليه الزكاة، ومن كان عنده (٩) دنانير من الذهب تروج رواج العشرة، و(١٠٠) درهم فضة لا تجب عليه الزكاة، لكن هذا يصلح حين كانت الدنانير والدراهم مسكوكة، وكان فيها النافق وغيره، وكانت العملات وإن اختلف سكتها متفقة في كونها ذهبا أو فضة، أما الآن فالعبرة بالقيمة، فمتى بلغ المملوك من الذهب والفضة وما معه من النقود النصاب وجبت الزكاة، ويخرج زكاته بعملته.
واعلم أن الخلاف الذي كان من قبل في مشروعية جمع الذهب إلى الفضة في اعتبار النصاب يظهر أنه قد زال سببه، وهو كونهما جنسين مختلفين مع ما في كل منهما من وصف الثمنية، فإنهما أصبحا من جملة العروض، فيتعين القول بالضم، ولا يحتج هنا بما ذكرته في توجيه عدم ضم القمح إلى الشعير، للاختلاف الذي بينهما، فإن الذهب والفضة لم تعودا أثمانا للأشياء، فنبقي على المنع من بيع أحدهما بالآخر بالتفاضل والنَّسَاء، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارهما كالجنس الواحد في الزكاة لما علمت، أما ما اعتمد عليه بعض الشراح في هذا الضم، وهو ما ذكر عن بكير بن عبد الله الأشج أنه قال: «مضت السنة بضم الدنانير إلى الدراهم»، ونسبه الشارح أبو الحسن إلى النبي ﷺ، ونقل الشيخ علي الصعيدي عن غيره هذا الأثر بلفظ يدل على فعل النبي ﷺ، فهذا كله وهم وقع فيه الثلاثة، فانتبه بارك الله فيك.
[ ٢ / ٤٠١ ]
زكاة عروض التجارة
دليل وجوب الزكاة في عروض التجارة
• قوله:
١٤ - «ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة».
العروض بضم العين؛ جمع عرض بفتحها وسكون الراء، وهو هنا ما ليس بنقد، وهي في المذهب أقسام ثلاثة، ما كان منها للقنية بضم القاف وكسرها أي الامتلاك، وما كان للتجارة وهي نوعان، وسيأتي مزيد بيان، أما أن الزكاة تجب في عروض التجارة؛ فبالنظر إلى أن مالكها إنما قصد بها الحصول على قيمتها من الذهب والفضة في غابر الأزمان، ومن غيرهما من العملات الآن، وهذا هو الفارق بين ما ابتغي من العروض للتجارة، وما كان منها مرادا به القنية فإنه لا يجب فيه شيء.
ومن أدلة القائلين بوجوب الزكاة في هذه العروض، وهم معظم الأمة؛ قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقد بوب البخاري عليها بقوله: «باب صدقة الكسب والتجارة»، وفسر مجاهد ﵀ وغيره ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، بالتجارة، ومما يستدل به عموم قول النبي ﷺ لمعاذ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، وروى الدارقطني ﵀ عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته، ومن رفع دراهم أو دنانير لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله؛ فهو كنز يكوى به يوم القيامة».
قال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٨٦٠): «وهذا إسناد لا بأس به»، انتهى، والبز بالزاي القماش ونحوه، قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: «ومن الناس من صحفه بضم الباء وبالراء المهملة وهو غلط»، وهو في التعليق المغني على الدارقطني (٢/ ١٠١)، وروى أبو داود والدارقطني والبزار عن سليمان بن سمرة عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع»، قال الحافظ في التلخيص (ح/ ٨٦١): «وفي إسناده
[ ٢ / ٤٠٢ ]
جهالة»، وقال في بلوغ المرام: «وإسناده لين»، وعورض، وحسّن هذا الحديث ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٧٠)، وانظر تمام المنة للألباني ﵀، فإنه ضعفه هو والذي قبله.
وقال ابن المنذر في الإجماع (١٣٧): «أجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول»، وقال الطحاوي: «ثبت عن عمر وابنه زكاة عروض التجارة، ولا مخالف لهما من الصحابة»، وقد جاء ذلك عن عمر وابنه وابن عباس ﵃، فانظر آثارهم هذه في كتاب الأموال لأبي عبيد (١١٢٠) ومصنف ابن أبي شيبة (١٠٥٤٩)، وقال ابن عمر: «ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة»، رواه الشافعي في الأم كما في تمام المنة، ورواه عنه ابن أبي شيبة (١٠٥٥٢)، وهو في مصنف عبد الرزاق (٧١٠٣) بمعناه، وصح عن عمر بن عبد العزيز الأمر بأخذ الزكاة من التجارة، وهو في الموطإ (٥٩٦).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
تجارة الاحتكار وتجارة الإدارة
شروط زكاة عروض التجارة
• قوله:
١٥ - «فإذا بعتها بعد حول فأكثر من يوم أخذت ثمنها، أو زكيته؛ ففي ثمنها الزكاة لحول واحد، أقامت قبل البيع حولا أو أكثر».
التجارة في مذهب مالك ضربان تجارة إدارة، وتجارة احتكار، والمراد بالأولى؛ أن يبيع التاجر بما يتيسر من الأثمان، وليس غرضه ترصد ارتفاع الأسعار في الأسواق، وهذا هو المدير، ويقابله المحتكر، وهو الذي يمسك السلعة عن البيع إلى أن يحصل على ربح جيد، ولو مر عليه سنون، وتفريق مالك بين المدير والمحتكر قال به الشعبي وعطاء، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٧١): لا أعلم أحدا قال بقول الشعبي وعطاء في غير المدير إلا مالكا ﵀، وأما طاوس فاختلف عليه في ذلك،،،».
ولوجوب الزكاة في التجارة شروط يلتقي في بعضها النوعان، وشروط تخص كلا منهما، وقد لختصها من الكتب المعتمدة، مع التصرف في العبارة، وتقريب المعنى، والتعليق إن اقتضى الحال، وهي هذه:
١ - أن ينوي بالعروض التجارة، أو يضم إلى نية التجارة نية القنية، أو نية الغلة، فإن نوى القنية وحدها، أو الغلة وحدها، أو جمع في النية بين القنية والغلة؛ فلا زكاة، ومعنى الغلة الاستفادة من كراء الشيء المملوك أو إجارته أو لبنه.
٢ - أن يترصد بها الأسواق، وهذا خاص بالمحتكر، ويؤخذ هذا من قول المؤلف: «فإذا بعتها بعد حول فأكثر»، لأن زكاة الإدارة تجب في كل حول.
٣ - أن يملك السلعة بمعاوضة مالية، فخرج ما إذا ملكها بهبة، أو إرث، أو معاوضة غير مالية كالخلع والصداق، فلا زكاة فيها إلا بعد مرور حول من يوم قبض ثمنها، مع كونه نصابا، وأخذ هذا من قول المصنف: «من يوم أخذت ثمنها، أو زكيته».
٤ - أن يبيع السلعة بعين أي نقد، فخرج ما إذا باعها بسلعة أخرى، وهي المقايضة
[ ٢ / ٤٠٤ ]
من غير قصد الهروب من وجوب الزكاة، فلا شيء فيها، ويؤخذ هذا الشرط من تنصيص المؤلف على أن الزكاة في الثمن، إذ قال «ففي ثمنها الزكاة».
وأراد بقوله «لحول واحد»، أن المحتكر لا يزكي إلا لعام واحد، ولو مر على تجارته سنون، ولعل ذلك لأن الأصل أن المخرج في الزكاة يكون من المال المزكى، وهو لم بيع كما هو المفروض، ولأن النية وحدها لا تنقل العروض من القنية إلى التجارة، كما استدل بذلك القاضي أبو إسحاق فيما نقله الباجي عنه بما مضمونه «أن أعيان العروض لما كانت لا صدقة فيها، فمن اشترى العرض بذهب للتجارة؛ فقد صرف ما تجب في عينه الزكاة إلى ما لا تجب في عينه، فما دام عرضا؛ فلا شيء فيه، فإن النية مفردة لا تؤثر، ولو أثرت لوجبت الزكاة على من عنده عرض للقنية فنوى بذلك التجارة، وقد أجمعنا على بطلان ذلك».
٥ - أن يكون مقام السلعة عنده قبل البيع حولا فما فوقه، فإن كان أصل التجارة مالا بيده، وكان قد زكاه؛ فالحول من يوم تزكيته، وإن كان غير مزكى لكونه دون النصاب، أو لعدم مرور حول عليه عنده؛ فالحول من يوم ملكه، لأن الرِّبح يضم إلى أصله فيعتبر النصاب به.
٦ - فإن كانت التجارة احتكارا؛ اشترط في وجوب الزكاة أن يكون المبيع به نصابا، لأن عروض المحتكر لا تقوم، بخلاف عروض المدير.
٧ - وإن كانت التجارة إدارة؛ اشترط في وجوب الزكاة؛ أن ينض من التجارة شيء ولو قليلا من النقد، بأن يبيع بعض السلع في أي جزء من أجزاء الحول، فإن تأخر النضوض إلى ما بعد الحول؛ زكى يوم النضوض، أي يوم حصول النقد، وكان ذلك اليوم بداية حوله الجديد، وألغى الزائد من الزمن.
وشرط النضوض هو مشهور المذهب، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وهي التي توافق كون الأصل إخراج الزكاة من المال الذي وجبت فيه، كما هو صريح قول.
مالك في الموطأ تحت ترجمة (الزكاة في الدين)، ولازم هذا؛ أن ينض للتاجر مقدار ما يجب عليه إخراجه، أو يقال بجواز إخراج العروض، وهم كما تعلم يشترطون في زكاة العروض إخراج القيمة، والقول الآخر عدم اشتراط النضوض، وهو رواية مطرف وابن
[ ٢ / ٤٠٥ ]
الماجشون عن مالك، ويلزم من هذا القول؛ إخراج العروض في الزكاة، أو بقاء الزكاة في الذمة، أو الاستدانة، فانتبه وإنما تقوم العروض إذا لم تجب الزكاة في عينها، أما إن وجبت في عينها كالماشية والحبوب والثمار؛ فإن اللازم هو الإخراج منها حسب المقادير المذكورة في نصاب كل منها.
ولا يهولنك أيها القارئ ذكر وصف الاحتكار وهو مذموم، وعدم وجوب الزكاة على المحتكر كما تجب على المدير كل عام، فإن المراد هنا بيان كيفية زكاة المحتكر، وليس ذلك بإقرار لفعله، على أن المرء قد يوصف بهذا الوصف من غير أن يستوجب ذما، لأن الذم إنما لحقه لما في فعله من الإضرار بالناس، فاستثناه الشارع من البيع والشراء المباحين، إذ الاحتكار أن يجمع المرء الطعام ويحبسه عن الناس متربصا بذلك غلاء سعره، وقيل إن الاحتكار يعم الطعام وغيره، ويظهر أنه هو الصواب، وغالبا ما يكون ذلك إذا اشتراه من سوق الناس واحتجنه دونهم، بخلاف ما إذا جلبه من منطقة بعيدة، أو جمعه وقت عدم حاجة الناس إليه لكثرته، فحفظه من التلف، ثم أخرجه لهم حينما يحتاجونه، كما هو الغالب الآن في حفظ بعض الخضر والفواكه، فهذا ليس بالمحتكر المذموم، بل هذا مطلوب شرعا لوقاية المنتوج من التلف، وقد قال النبي ﷺ: «لا يحتكر إلا خاطئ»، رواه مسلم (١٥٠٦) وأبو داود وغيرهما عن معمر بن عبد الله، والاحتكار الادخار، ولا يراد به العموم لأن النبي ﷺ كان يدخر لعياله قوت سنة، والخاطئ الآثم، ولا يكون إلا عن عمد بخلاف الخطإ.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
زكاة تجارة المدير
• قوله:
١٦ - «إلا أن تكون مديرا لا يستقر بيدك عين ولا عرض؛ فإنك تقوم عروضك كل عام، وتزكي ذلك مع ما بيدك من العين».
هذه هي تجارة الإدارة، وحكمها أنه إذا مر بصاحبها حول من يوم بدء تجارته، وكان قد نض له شيء على المشهور قوم سلَعَه تقويم عدل، بسعر البيع الوسط، وضم إلى قيمة السلع؛ ما معه من الناض إن كان، وكذا ما له من دين تجاري على غيره متى حل وقته، ورجا قبضه، بخلاف دين القرض، فسيأتي الكلام عليه، ويخرج من الجميع ربع العشر، وقد اختلف في بداية حول تقويم العروض، فعند أشهب تكون بدايته من يوم شروعه في الإدارة، وقال الباجي يبتدئ من اليوم الذي زكى فيه ثمن العرض، أو من اليوم الذي استفاده فيه، وهذا الخلاف إنما هو في بداية تقويم السلع، أما الناض إن كان نصابا؛ فإن حوله حول أصله بلا خلاف، كذا قال علي الصعيدي ﵀.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
حول الربح هو حول أصله
• قوله:
١٧ - «وحول ربح المال حول أصله».
المال الذي يتجدد ملكه للمرء أقسام ثلاثة: الأول الربح، وهو الناشئ عن التجارة، والثاني الغلة، وهي الناشئة عن الكراء والإجارة، والثالث الفائدة، وهي التي لا تنشأ عن معاوضة مالية كالهدايا، والعطايا، والأرزاق المفروضة، وصَدُقات النساء، والميراث، ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على الغلة والفائدة، والغرض هنا بيان أن حول الربح هو حول أصله، سواء كان الأصل نصابا أو لا، لأن الربح يقدر كامنا في الأصل، فمن وهب له مال في أول رجب، نصابا كان أو غير نصاب، وبدأ يتاجر به في أول رمضان، فإن زكاته تجب في آخر يوم من جمادى الثانية من العام المقبل، متى بلغ تقوبم العروض مع الناض إن وجد نصابا.
وقد انفرد مالك بهذا القول من بين جمهور أهل العلم، وأنكره عليه أبو عبيد في كتاب الأموال، ولعل الإمام قاسه على نسل الماشية لما فيه من الأثر عن عمر، ولينظر هنا حاشية العدوي على شرح الخرشي (٢/ ١٨٤).
قلت: القول بعدم ضم الربح إلى أصله ينشأ عنه أن التاجر قد يبلغ ماله نصابا في أثناء الحول، وهو لا يعلم، فلا يحسب تلك المدة في حوله، أو يكلف بالتقويم المستمر لسلعه، والتقوبم يختلف من وقت لآخر، والقيمة متقلبة صعودا ونزولا، وهذا فيه عسر شديد تأباه هذه الشريعة السمحة.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
حول نسل الأنعام هو حول أمهاتها
• قوله:
١٨ - «وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات».
إن كان هذا هو المقيس فالأولى أن يجعل مشبها لا مشبها به، لأن المعتمد في ضم نسل الأمهات إليها هو النقل، ومذهب مالك أن حول النسل هو حول الأمهات، فمن بلغ ما عنده من الماشية بعد مرور الحول نصابا؛ وجبت عليه الزكاة، ولو كمل النصاب قبل مرور الحول بيوم، كمن كان عنده من الماشية عشرون شاة، ثم تناسلت فبلغت أربعين على رأس حول الأمهات؛ فإنه يخرج شاة، ولا يخرجها من الصغار، ولا فرق بين أن يكون النصاب كله من كبار الغنم، أو بعضه من هذا، وبعضه من هذا، ولا يشترط في الاعتداد بالصغار في النصاب؛ أن يكون الكبار نصابا.
والعمدة في ذلك ما رواه مالك في موطئه (٦٠٢) عن سفيان ابن عبد الله أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقا، فكان يعد على الناس بالسخل، فقالوا: أتعد علينا بالسخل، ولا تأخذ منه شيئا؟، فلما قدم على عمر بن الخطاب؛ ذكر له ذلك، فقال عمر: نعم، تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء الغنم وخياره»، والأكولة التي تسمن للأكل فهي فعول بمعنى مفعول والغذاء جمع غَذي بشد الياء وزن كريم، هي السخال، أي الصغار.
والمراد أن لا يأخذ الخيار ولا الرديء وإنما يأخذ الوسط، ولعل عمر إنما ذكر ما لا يؤخذ من أرباب الأموال مما فيه إجحاف بهم، ليكون ذلك في مقابل الاعتداد بالسخال عليهم في النصاب، مع أنها لا تؤخذ منهم، لأن أخذها إجحاف بحق الفقراء، ولأنها في حاجة إلى أمهاتها، ولأن في الاعتداد بها قطعا للنزاع باختلاف الناس في السن الذي يعتمد في ذلك، فجعل الأمر موكولا إلى العدد لهذا، نظير من وجبت عليه سن من الإبل وليس عنده
[ ٢ / ٤٠٩ ]
إلا ما هو أعلى منها أو أدنى كما سيأتي.
واعلم أن القول بأن حول الربح هو حول أصله إن كان المعتمد فيه القياس على السخال كما في الأثر عن عمر، وبعد التسليم بثبوت الأصل بدليل؛ يقوم الفرق بين الأمرين مانعا من القياس عند قوم، وقد كنت ألمحت إلى بعضه من قبل، ثم وجدت أبا عبيد ﵀ أشار إليه بقوله: «وأما أنا فإن الذي عندي فيه الاتباع لما قال عمر في الماشية خاصة، وأرى الدراهم والدنانير مفارقين لها في التشبيه، وذلك لخلتين من المرافق جعلتا لأهل المواشي في السنة، ليس لأهل الذهب والورق منهما واحدة …»، وقد ذكر أن الأولى هي أن ما بين الفريضتين من الشناق والأوقاص لا زكاة فيها في الماشية، والثانية ما في أثر عمر من أنه يترك لهم الربى والماخض والفحل وشاة اللحم، يعني ولا شيء يترك في زكاة العين لا من الوقص ولا غيره.
[ ٢ / ٤١٠ ]
• قوله:
١٩ - «ومن له مال تجب فيه الزكاة وله دين مثله، أو ينقصه عن مقدار مال الزكاة؛ فلا زكاة عليه».
سبق ذكرالأثر الذي رواه مالك عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين؛ فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة»، وفيه أن الدين يطرح من المال قبل إخراج زكاته، وهو يدل على أنهم جروا على إخراج الزكاة في وقت معين، قيل إنه رجب وقيل غيره، وقد سبق بيان التفصيل الذي رأيته فيه، والله أعلم، وفيه أيضا عن يزيد بن خصيفة أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله، أعليه زكاة؟، فقال: «لا»، انتهى.
ومعنى كلام المصنف؛ أن من كان عليه دين، ووجبت عليه الزكاة، زكاة العين؛ فلينظر: فإن كان الدين مثل المال الذي وجبت فيه الزكاة، أو كان ينقصه عن النصاب؛ فلا يجب عليه شيء، لأن ملكه ناقص، ولأن الزكاة إنما وجبت لمواساة الفقراء، والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، ولأنه يجوز أن يعطى من الزكاة بوصف الغارم، فلا وجه لإلزامه بالزكاة، ثم اعتباره من أهلها، فإنه مجرد تطويل، والشرع متشوف إلى إبراء الذمم، ولا فرق بين عاجل الدين وآجله عندهم، وأنت تعلم ما جد في هذا العصر من جدولة الديون لمدة طويلة، وتقاعس المدينين عن دفع الأقساط، فهل يكتفى بطرح ما كان منها سنويا؟.
[ ٢ / ٤١١ ]
زكاة المدين المالك للعين
جعل عروض القنية في مقابل الدين
• قوله:
٢٠ - «إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة، أو رقيق أو حيوان مقتناة، أو عقار أو ريع؛ ما فيه وفاء لدينه؛ فليزك ما بيده من المال، فإن لم تف عروضه بدينه؛ حسب بقية دينه فيما بيده، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة؛ زكاه».
من وجبت عليه زكاة العين، وكان عليه دين؛ فلا يخلو حاله من احتمالين، فإما أن يكون عنده من عروض القنية ما تجعل قيمته في مقابل الدين، بحيث تكون تلك القيمة كفاء للدين أو لبعضه أو لا، فإن كان عنده ذلك، وكانت عروض القنية مثل الدين في القيمة؛ زكى ماله كله، وإن كانت قيمة العروض أقل من الدين؛ اعتبر الباقي من الدين فطرحه من ماله، وزكى الباقي، فإن لم يكن له عروض؛ فلا زكاة عليه، وإنما جعلوا عروض القنية في مقابل الدين؛ لأنها تباع على المفلس، فما عليه من الدين لا يجعله فقيرا، ولا يكون غارما مستحقا للزكاة، لكن ينبغي أن ينظر في مقدار ما يترك له بحيث لا يقوم ولا يجعل في مقابل الدين، وهذا مثال ما تقدم:
- رجل حال الحول على ماله وهو (٤٠٠٠٠٠) دج، وعليه دين قدره (٢٠٠٠٠٠) دج، وله عروض قنية قيمتها (٢٠٠٠٠٠) دج، فحكمه وجوب تزكية ماله كله لأن في العروض وفاء بدينه.
- فإن كان ماله (٤٠٠٠٠٠) دج، ودينه (٤٠٠٠٠٠) دج، وقيمة عروض القنية (٢٠٠٠٠٠) دج وجبت الزكاة في (٢٠٠٠٠٠) دج.
[ ٢ / ٤١٢ ]
لا يسقط الدين زكاة الحب والماشية
• قوله:
٢١ - «ولا يسقط الدين زكاة حب، ولا تمر، ولا ماشية».
المذهب أن الدين إنما يسقط أو ينقص زكاة العين على التفصيل المتقدم، لأنها أموال خفية، والسلطان لا يطالب بأخذها من أربابها، أما زكاة الحرث، وزكاة الماشية؛ فلا يسقطها الدين ولا ينقصها، والعمدة في ذلك أن النبي ﷺ والخلفاء من بعده ﵃؛ كانوا يرسلون الجباة لجمع الزكاة، فما عرف أنهم كانوا يسألون المزكين هل عليهم دين أو لا؟، ولأن من عليه الدين؛ ينبغي له أن يبادر إلى قضائه حيث كان قادرا موسرا، فلو قضاه ونقص المال عن النصاب؛ فلا يجب عليه شيء، فلما لم يقضه؛ تعينت عليه الزكاة.
قال كاتبه: لكن إذا كان الجباة لم يؤثر عنهم أنهم كانوا يسألون أرباب الأموال عما عسى أن يكون عليهم من ديون؛ فهذا وحده ليس دليلا على أن الديون لا تطرح من الحرث والماشية قبل إخراج الزكاة، لأن الجباة متمسكون بالأصل، ولأن المعروف عن الناس في القرون المفضلة الابتعاد عن الاقتراض إلا من ضرورة أو حاجة بخلاف الأمر فيما بعد، ولاسيما في هذا العصر الذي قلد الناس فيه الكفار في التوسع في مرافق الحياة كالسعي في امتلاك المسكن والسيارة والتوسع في التجارة والخدمات كل ذلك بالاعتماد على الاقتراض، وكل هذا خلاف الصواب، ولما كان الفارق بين زكاة الحرث والماشية وبين زكاة العين غير واضح في مسألة طرح الدين، مع أنه في كل منها مؤثر في نقص الملك؛ اتجه القول بإسقاط الدينِ الزكاةَ من غير فرق بين نوع وآخر.
[ ٢ / ٤١٣ ]
زكاة دين القرض
• قوله:
٢٢ - «ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه، وإن أقام أعواما، فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه، وكذلك العرض حتى يبيعه».
ينطبق على الدين ذلك الأصلُ المتقدم، وهو أن زكاة كل شيء إنما تخرج منه لا من غيره، ولا يمكن إخراج زكاة الدين منه حتى يقبض الدائن دينه، أو يمكن من قبضه فيرجئه، فإنه بذلك يصير كالوديعة، ولأنه مال لم يتمكن من تثميره وتنميته، ولا يدري أيرجع إليه أولا؟، ولأنه قد أحسن به إلى غيره من عباد الله تعالى، ومن المستبعد أن يجمع الله ﷿ على عبده بين تجميد ماله بسبب إقراضه غيره وإحسانه إليه، وبين وجوب تزكيته، فإذا قبضه؛ زكاه مرة واحدة لما مر من السنين، وكان ذلك بداية حوله لما يستقبل.
فإن كان عنده مال واجتمع مع ما قبضه من الدين في الحول، وكمل به نصاب؛ وجبت فيه الزكاة، وكذلك إذا كان عنده نصاب زكاه وقيض من الدين شيئا فإنه يزكيه إذ لا وقص في زكاة النقد.
وقول المصنف «وكذلك العرض حتى يبيعه»؛ يعني بذلك عرض تجارة الاحتكار إن كان أصله عينا بيده، أو كان قد ملك بمعاوضة مالية، وقد تقدم، وإنما كرره ليرتب عليه قوله:
[ ٢ / ٤١٤ ]
زكاة الدين عن ميراث أو ريع كراء ونحوهما
• قوله:
٢٣ - «وإن كان الدين أو العرض من ميراث؛ فليستقبل حولا بما يقبض منه».
الدين الذي تقدم الكلام عليه؛ هو دين القرض، فإنه يزكى لعام واحد بعد قبضه، ولو أقام عند المدين أكثر من حول، أما إن تأخر تسلم الدين، وكان ميراثا، أو صداقا، أو عوض خلع، أو إجارة عامل، أو كراء دابة، أو مؤخر جراية، أو أرش جناية، أو دية؛ فإنه يستقبل به حولا من يوم قبضه إن كان نقدا، فإن كان عرضا؛ استقبل بثمنه حولا من يوم بيعه، قالوا ولو تركه عند من كان عنده فرارا من الزكاة، ولعل ذلك لأن الزكاة ليست واجبة في عينه.
[ ٢ / ٤١٥ ]
وجوب الزكاة في مال الصغير
• قوله:
٢٤ - «وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم: في العين والحرث والماشية، وزكاة الفطر».
الزكاة من العبادات، وشرط التكليف البلوغ والعقل، لكن لما كان في هذه العبادة معنى المواساة بسد خَلَّة المحتاج والقيام بالمصالح التي في مصارفها، وكان ولي الصبي والمجنون ونحوهما من غير المكلفين مشروعا له أن يتصرف بالنيابة عنهم، ومن ذلك أنه ينفق عليهم، ويدفع أرش جنايتهم من أموالهم؛ وجبت الزكاة في ذلك المال للإنفاق على غيره عند جمهور العلماء، لأن المواساة حاصلة بذلك، سواء قي ذلك زكاة المال وزكاة الفطر، هذا من حيث النظر، ومن حيث الأثر وهو مقدم؛ فإن الزكاة حق المال كما في الحديث الصحيح، وفيه أيضا أنها تؤخذ من الأغنياء، وترد على الفقراء، ومالك النصاب غني، وإن كان صغيرا أو مجنونا.
ومما جاء نصا في ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «ألا من ولي يتيما له مال؛ فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، رواه الترمذي (٦٤١) وغيره، وقال: «إنما يروى هذا الحديث من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث»، لكنه قد ورد من عدة طرق عن عمرو بن شعيب به، وجاء من حديث أنس أيضا عند الطبراني في الأوسط، وقد صححه العراقي، وحسنه الحافظ كما في فيض القدير للمناوي (١/ ١٠٨)، وجاء في المسألة أقوال لفريق من الصحابة بهذا المعنى، منهم ابن عمر وعائشة وغيرهما، وعول مالك في موطئه (٥٨٨) منها على ما رواه بلاغا عن عمر بن الخطاب أنه قال: «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة»، وهو في مصنف عبد الرزاق (٦٩٩٠)، كما أسند مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: «كانت عائشة تليني وأخا لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة»، وأسنده عبد الرزاق (٦٩٨٤) أيضا.
[ ٢ / ٤١٦ ]
لا زكاة على العبد
• قوله:
٢٥ - «ولا زكاة على عبد، ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله، فإذا أعتق؛ فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله».
العبد لا زكاة عليه، سواء كان قِنًّا، أو مكاتبا، أو مبعضا، أو مدبرا، أو أم ولد، إما لأنهم لا يَمْلِكُون، كما عليه فريق من العلماء، أو لأنه يَمْلِكُ لكن ملكه غير تام، إذ للسيد أن ينتزع منه ماله، وهذا مذهب مالك، فلهذا لم تجب عليه العبادات المالية من الزكاة والكفارات، ولا العبادات البدنية التي تقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد والجمعة، وعدم إخراج العبد الزكاة مروي عن عمر، وابنه، وجابر بن عبد الله، وقد يقال إن الأصل وجوب الزكاة على العبد متى مر على ماله حول، وتمكن من إخراجها، فإن أخذ سيده ماله قبل حولان الحول؛ لم يكن مطالبا بإخراج الزكاة، وأمّا إن كان مكاتبا؛ فهو من الغارمين ينطبق عليه ما ينطبق على المدين، فلا زكاة عليه، وأصل ذلك قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [النحل: ٧٥].
وقول النبي ﷺ: «من باع عبدا له مال؛ فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر، ورواه مالك (١٢٩١) موقوفا على أبيه عمر، ووجه دلالته على ما سقته له؛ أن الشرع نسب المال للعبد، لكنه جعله لسيده إذا باعه، ما لم يشترط المبتاع على بائعه أخذه معه، فدل على أن المال ليس للعبد خالصا، لكن إذا ترك السيد مال العبد له ومر عليه حول؛ كان مطالبا بتزكيته رعاية لأصل الوجوب، فإن أخذه سيده قبل الحول فليخرج هو زكاته.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وقوله: «فإن أعتق؛ فليأتنف حولا … الخ، وهذا لأن العبد إذا أعتق فإن ماله يكون له ما لم يشترطه المعتق، بخلاف بيعه، فمتى كان معه مال؛ فإن الحول يبتدئ من يوم تحريره، والظاهر أنه يكمل الحول ولا يستأنفه، لما علمت من قبل، وقد جاء عن ابن عمر في رواية وجوب الزكاة على العبد.
[ ٢ / ٤١٨ ]
لا زكاة في عروض القنية
• قوله:
٢٦ - «ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره، ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض».
مرد هذا إلى قول النبي ﷺ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»، رواه مالك (٦١٣) والشيخان (خ/ ١٤٦٣) عن أبي هريرة، وفي رواية لمسلم بلفظ: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر»، ولأبي داود نحوه، وليس المراد بالعبد والفرس الواحد منهما، بل المقصود الجنس، متى لم يكن ذلك للتجارة، يوضحه حديث علي ﵁ مرفوعا: «قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة،،،»، رواه أبو داود (١٥٧٤)، وحسنه الحافظ في الفتح (٣/ ٤١٢)، ونحوه عنده (١٥٩٤) من حديث أبي هريرة.
وقصد المؤلف بقوله عبده وخادمه؛ العبد والأمة، وقوله ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض؛ هو قياس على العبد والفرس المنصوصين، والرباع الأرض وما يتصل بها من البناء، وإنما لم تجب الزكاة فيما ذكر إذا كان للقنية كما قيده بذلك المؤلف.
[ ٢ / ٤١٩ ]
لا زكاة في الحلي المتخذ للبس
• قوله:
٢٧ - «ولا فيما يتخذ للباس من الحلي».
الحَلي بفتح اللام؛ مفرد حُلي بضم الحاء وكسر اللام هو ما يتحلى به، والمراد هنا خصوص الذهب والفضة، فإن الزكاة وإن كانت واجبة فيه باعتبار الأصل، فإنه إذا كان للباس لا يزكى، لأنه يشبه العروض المتخذة للقنية، وأخذ من قيد اللباس؛ ما خالف ذلك كالذي يتخذ للتجارة، أو يحتفظ به للعاقبة، وكذا ما كان منه ملكا للرجال مما يمتنع عليهم لبسه، وكذا ما يمتنع استعماله للنساء والرجال كالمرود والمُكحُلة والأواني، كل هذا تجب فيه الزكاة، وخرج ما كان مباحا للرجال كالخاتم، والأنف، والأسنان، وحلية المصحف، وما يجوز منه في السيف، فهذا لا زكاة فيه.
قلت: إنما استثنوا حلية المصحف لجوازها عندهم، وفيه نظر، لحديث: ««
واختلف فيما اتخذ من الحلي للكراء فظاهر المدونة عدم الوجوب، وكلام المؤلف مشعر به.
وقد روى الدارقطني عن جابر: «ليس في الحلي زكاة»، وفيه عافية بن أيوب وهو مجهول، ونقل عن أبي زرعة أنه لا بأس به، وقال الألباني: «باطل».
وحيث لم يثبت ما يدل على استثناء الحلي من الزكاة بالنص ولا بالإجماع؛ فإنه يبقى على أصله من الوجوب لدخوله فيما وجبت فيه الزكاة، مع أنه قد جاء في ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا»؟، قالت: «لا»، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار»؟، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ»، وقالت: هما لله ولرسوله»، رواه أبو داود (١٥٦٣) والترمذي والنسائي، قال الحافظ في بلوغ المرام: «إسناده قوي»، وروى أبو داود (١٥٦٥) والحاكم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «دخل علي
[ ٢ / ٤٢٠ ]
رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: «ما هذا يا عائشة»؟، فقلت: «صنعتهن أتزين لك يا رسول الله»، قال: «أتؤدين زكاتهن»، قلت: «لا»، أو ما شاء الله، قال: «هو حسبك من النار»، وفيه جواز شراء المرأة الشيء من غير مشاورة زوجها، لكن دل الدليل على أن ذلك في حدود الثلث، والخير الاستشارة إن علم تغيظ الزوج، والله أعلم.
وروى الدار قطني عن فاطمة بنت قيس مرفوعا: «في الحلي زكاة» وسنده ضعيف يتقوّى بما سبق، فالظاهر وجوب الزكاة في الحلي؛ فإن الوعيد لا يكون على ما ليس بواجب، فإذا بلغ نصابا سواء كان ذلك من الذهب أو من الفضة، أو من مجموعهما على ما تقدم، أو كان منه ما لو ضم إلى نقود عند مالكها لبلغ نصابا؛ وجبت فيه الزكاة، لكنه يقوم بالسعر الذي يباع به، وهو سعر الذهب المكسور كما يعبر بذلك معظم الصاغة، ولا تكلف المرأة تزكية حليها بسعر (الجديد)، وهو إما السعر الذي يبيع به الصاغة، أو السعر العام الذي تحدده الدولة عن طريق الوكالة الوطنية للذهب والفضة والمواد الثمينة، ولا يجبر الزوج زوجته على إخراج الزكاة من الحلي إذا كانت عالمة، أو اتبعت من العلماء من رأى عدم الإخراج، وليس لزوجها أن يمنعها من لبس الذهب المحلق إذا كانت لا ترى ذلك بنفسها، أو باتباع من يرى ذلك، وإذا اقتنعت بوجوب إخراج الزكاة عن الحلي؛ فلا تطالب بالإخراج عن سالف السنوات.
قال ابن العربي في العارضة: «ليس لعلمائنا أصل يعول عليه إلا طريقان: أحدهما طرق ابن عمر وأسماء، يعني انهما كانا لا يريان أن يُزكى الحلي، والثاني: ضرب من المعنى، فإن النية والقصد إذا كان يقلب المال الذي ليس زكائيا، وهو العروض إذا نوى بها التجارة، وكذلك أيضًا إذا نوى بالمال الزكائي القنية يجب أن ينصرف إلى ما لا زكاة فيه، إذ لها قوة التغيير والقلب».
[ ٢ / ٤٢١ ]
زكاة الميراث والهبة والزرع المزكى
• قوله:
٢٨ - «ومن ورث عرضا، أو وهب له، أو رفع من أرضه زرعا فزكاه؛ فلا زكاة عليه في شيء من ذلك؛ حتى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه».
الذي ذكره هنا هو ما يسمى بزكاة الفائدة، وهي نوعان الأول: المال الطارئ من غير أصل، كالصداق، والميراث، والهبة، والصدقة، والدية، وأرش الجناية، والجراية، فهذا مال تجدد من غير أصل.
والثاني المال المتجدد من أصل غير مزكى، وهو ثمن عرض القنية إذا باعه، فمن حصل على شيء من نوعي الفائدة؛ فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عنده إن كان المقبوض عينا، أو يبيعه بعين ويمضي على قبضه ثمنه حول.
قال خليل: «واستقبل بفائدة تجددت لا عن مال»، ومثل ما تقدم في الحكم؛ الزرع الذي أخرج زكاته، ولو أقام عنده سنين، فإذا باعه ومر على قبض ثمنه حول زكاه.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
زكاة المعدن
• قوله:
٢٩ - «وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة؛ الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا أو خمس أواق فضة، ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه، وكذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلا به، وإن قل، فإن انقطع نيله بيده، وابتدأ غيره؛ لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة».
المعدن بفتح الميم وكسر الدال؛ ما في باطن الأرض من ذهب أو فضة أو غيرهما، لكن الزكاة إنما تجب فيما كان منه نقدا على المشهور، وكان المستخرج نصابا، ولا يشترط في الوجوب حولان الحول، بل يجب وقت إخراجه، لذلك قال المصنف: «يوم خروجه»، وقيل يجب بتصفيته وتخليصه من الشوائب، وعلى الأول فإنه إذا لم يصفه حتى مر عليه حول زكاه مرتين، بخلاف الثاني.
ودليل تزكيته دخوله في عموم أدلة زكاة النقدين نصابا وقدرا، والفرق بينهما عدم اعتبار مرور الحول فيه، لكونه يشبه الزرع فتجب زكاته بالحصاد، ويلزم الإخراج بالتصفية، ويختلف عن الركاز الذي سيأتي الحديث عنه.
ولذلك ورد في المدونة (٢/ ٢٤٦) عن الإمام أن المعدن إن أخرج من غير كلفة، وكان ندرة (القطعة من الذهب والفضة)؛ ففيه الخمس، لأنه صار في معنى الركاز، وقد جاء في زكاة المعدن بخصوصه ما رواه مالك في الموطإ (٥٨٤) ومن طريقه أبو داود (٣٠٦١) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد أن رسول الله ﷺ أقطع لبلال ابن الحارث المزني معادن القبَلية، وهي من ناحية الفُرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة»، ورواه عن مالك أشهب وابن وهب وابن القاسم كما في المدونة، وهذا منقطع، لكنه موصول كما بينه ابن عبد البر في التمهيد، وانظر الاستذكار (٣/ ١٤٤)، وروى أبو داود
[ ٢ / ٤٢٣ ]
(٣٠٦٢) عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحرث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها،،،»، وقد حسنه الألباني، لكنه كما ترى ليس فيه ذكر الزكاة، ولذلك قال الشافعي ﵀ عن رواية مالك: «ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس؛ فليست مروية عن النبي ﷺ»، انتهى، وفي المدونة (١/ ٢٤٨): «قال أشهب عن ابن أبي الزناد أن أباه حدثه أن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ من المعادن ربع العشر.
وواجد المعدن متى حصل على نصاب دفعة واحدة، أو حصل عليه في نفس العرق متصلا به فالزكاة واجبة، فإن انقطع العرق الأول، وابتدأ آخر؛ فلا زكاة فيه حتى يكون الثاني نصابا لاستقلاله عن الأول.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
أخذ الجزية من أهل الذمة
• قوله:
٣٠ - «وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين، ولا تؤخذ من نسائهم، وصبيانهم، وعبيدهم».
ذكر الجزية ليستوفى الكلام على حق المال، فإنه إما أن يؤخذ من مسلم أو من غيره، والأول الزكاة، والثاني الجزية والعشور، وقد سبق مالك إلى جمع الكلام على الجزية مع الزكاة للملحظ السابق، فاقتدى به المؤلف، وسيأتي الكلام على معناها وبعض أحكامها في كتاب الجهاد باعتبارها بديلا من البدائل التي تقبل من الكفار قبل قتالهم.
والذين تؤخذ منهم الجزية؛ هم الذين يقاتلون، وهم الذكور الأحرار البالغون، فإن الصبيان والنساء لا يقاتلون، لأن الله تعالى قد أوجب أخذها ممن يقاتل، أما العبيد فلأنهم لا يستقلون بأموالهم، فلا تؤخذ منهم، قال مالك: «مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين بلغوا الحلم،،،»، انتهى.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أخذ الجزية من المجوس ونصارى العرب
• قوله:
٣١ - «وتؤخذ من المجوس ومن نصارى العرب».
يعني أنه لا فرق في أخذ الجزية بين نصارى العرب وغيرهم، ولا بين المجوس وغيرهم، وقد قال النبي ﷺ عن المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، رواه مالك (٦١٨) والبخاري عن عبد الرحمن بن عوف، فألحقهم بهم، ولم يقل هم من أهل الكتاب، ولو كانوا أهل كتاب لكان ذلك هو المتبادر، بخلاف من فهم منه أنهم منهم كابن حزم وغيره، وقد ترجم مالك على الحديث بقوله: «جزية أهل الكتاب والمجوس»، فعطفهم عليهم، وحيث إنهم ليسوا أهل كتاب؛ فالقياس يقضي بإلحاق كل المشركين كيفما كانت مللهم بهم، لأن الشرك يشملهم، وهذا هو الذي تتيسر إقامته في الواقع لو كان للمسلمين من القوة ما يقيمون به فريضة الجهاد، لا سيما مع اختلاط الملل في المدينة الواحدة والبلد الواحد بعد ظهور ما يدعى بالمواطنة في هذ العصر، وقد ورد أن عمر أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان أخذها من البربر وليسوا أهل كتاب، ذكره مالك في الموطإ (٦١٧) بلاغا، وإنما قدم مالك هذين الأثرين على حديث عبد الرحمن بن عوف؛ ليستعين بفعل الخليفتين على فهمه، فإن الصحابة أعرف بمراد النبي ﷺ وبحال الناس يومئذ، فضلا عن خلفائه في أمته، قال ابن تيمية في قاعدة قتال الكفار ومهادنتهم (ص ١٥٨): «وقد تتبعت ما أمكنني في هذه المسألة، فما وجدت لا في كتاب، ولا في سنة، ولا عن الخلفاء الراشدين الفرق في أخذ الجزية بين أهل الكتاب وغيرهم».
[ ٢ / ٤٢٦ ]
مقدار ما يؤخذ في الجزية
• قوله:
٣٢ - «والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما».
مستند هذا التحديد؛ ما رواه مالك في الموطإ (٦١٩)، وأبو عبيد في كتاب الأموال (١٠٤) عن عمر بن الخطاب أنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام»، لكن هذا المقدار ليس مطردا، بل يفرض على صنفين من الكفار، أولهما أهل العنوة - بفتح العين - وهم من فتحت بلادهم قهرا وغلبة.
والثاني أهل الصلح، وهم الذين حموا بلادهم حتى صالحوا المسلمين على شيء يعطونه لهم دون تحديد، فيكون المقدار المذكور هو المرجع فيما يفرض عليهم، ولا يزاد عليه في مشهور المذهب بسبب غناهم، أما لو صالحوا على شيء؛ فإنه هو الذي يؤخذ منهم قل أو كثر، لأمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود.
والظاهر أن مقدار الجزية لا حد فيه، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام، وفي أثر عمر أخذ الجزية من المال الغالب عند من تضرب عليهم، ودل حديث معاذ الآتي على أنها تؤخذ من النقد أو غيره من العروض، ولا يكلفون شراء ما ليس عندهم، لأن الأصل أن يؤخذ من الناس ما بأيديهم، وظاهر كلام المؤلف سقوط ضيافة المسلمين عن أهل الجزية كما هو في أثر عمر، وقد نقل ابن المواز عن مالك أن الضيافة تطرح عنهم اليوم لأنهم لم يوف لهم!!، وسيأتي أن بعض السلف أسقط عنهم الجزية رأسا حيث لم يتمكن المسلمون من الدفاع عنهم، وفي هذا العصر يجوز أن يراعى في الجزية حاجة دولة الإسلام إلى السلع.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
يخفف عن الفقير في الجزية
• قوله:
٣٣ - «ويخفف عن الفقير».
التخفيف عن الفقير متروك إلى نظر الإمام، فإن لم تكن له قدرة على شيء؛ سقطت عنه الجزية، وهذا لأن التقدير السابق؛ هو الحد الأعلى في حال عدم الاتفاق على شيء، ويدل عليه أيضا اختلاف الجزية في عهد الخلفاء بين بلد وبلد، وقد قال ابن أبي نجيح قلت لمجاهد: «ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟، قال: «جعل ذلك من قبل اليسار»، وقد علقه البخاري، وكما يكون ذلك بحسب الغنى واليسار يكون لاختلاف القيمة بين عهد وعهد، ويدل عليه قول معاذ ﵁: «بعثني النبي ﷺ على اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافريا»، رواه أبو داود والترمذي والنسائي، والحالم البالغ، والعدل بكسر العين هو المثل، والمعافري ثوب منسوب إلى معافر بفتح الميم اسم قبيلة.
وقد روى أبو داود (٣٠٤٥) عن عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من القبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟!!، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»، ومعنى يشمس يعرضهم للشمس عقابا لهم على عدم دفع الجزية.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أخذ العشر من تجار أهل الذمة
• قوله:
٣٤ - «ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مرارا».
العمدة في أخذ العشر من أهل الذمة؛ ما أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ كما في الموطإ (٦٢٣) عن السائب بن يزيد قال: كنت غلاما مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فكنا نأخذ من النبط العشر»، انتهى، فأهل الذمة المقيمون ببلاد الإسلام، كيفما كانوا رجالا أو نساء، أحرارا أو عبيدا، متى خرجوا في تجارة إلى ما وراء الأفق الذي هم فيه، أعني خارج الإمارة التي فرضت عليهم فيها الجزية؛ لزمهم أن يدفعوا لسلطان المسلمين عشر ما يتاجرون فيه، قيل إنما يدفعون عشر ما يبيعونه، وقيل بل يعطون عشر قيمة السلع التي يدخلون بها إلى الأفق، باعوا أو لم يبيعوا، والأول لابن القاسم، وعليه؛ لو أرادوا الرجوع قبل البيع؛ لم يلزمهم شيء، والثاني لابن حبيب، وعليه؛ لو أرادوا الرجوع بعد دخولهم وقبل بيعهم؛ لزمهم العشر، وقد عللوا قول ابن القاسم بأن المأخوذ منهم لحق الانتفاع بما باعوه، وعللوا قول ابن حبيب بأن المأخوذ منهم لحق الوصول إلى القطر، وقد وصلوا، وعلم مما سبق أنه لا يؤخذ منهم شيء إذا اتجروا في الأفق الذي فرضت عليهم فيه الجزية، لأن ذلك مما يقتضيه إقرارهم على دينهم فيه، وقد نص مالك في الموطإ على أن من خرج منهم من بلاده إلى غيرها يتجر فيها فعليه العشر، من يتجر منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن أهل الشام إلى العراق، ومن أهل العراق إلى المدينة أو اليمن،،، إلى أن قال: «مضت بذلك السنة»، وقوله وإن اختلفوا في السَّنَةِ مرارا؛ معناه أن أخذ العشر يتكرر بتكرر خروجهم من أفقهم إلى الأفق الآخر لتكرر سببه، وهو الوصول، أو البيع على الخلاف المتقدم، قال مالك: «وإن اختلفوا في العام الواحد مرارا في بلاد المسلمين؛ فعليهم كلما اختلفوا العشر، لأن هذا ليس مما صالحوا عليه، ولا مما
[ ٢ / ٤٢٩ ]
شرط لهم، وهذا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا».
وقد ورد في كتاب عمر بن عبد العزيز الذي وجهه إلى زريق بن حيان، وصدر به مالك باب زكاة العروض (٥٩٦)، قوله: «،،،، واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابا إلى مثله من الحول»، وهذا يدل على عدم تكرر الأخذ منهم إذا تكرر دخولهم في العام الواحد، ولم يرد الأمر بالكتابة في كتاب عمر بن الخطاب، فأخذ مالك به، ورأى تكرر العشر كلما عاودوا الدخول إلى أفق غير أفقهم، كما أن مالكا ﵀ خالف قول عمر بن عبد العزيز في أخذ نصف العشر من أهل الذمة إلى قول عمر بن الخطاب الذي فيه أخذ العشر، وقد وجه ذلك بن عبد البر بقوله في الاستذكار (٣/ ١٦٦): «رأى مالك قول عمر بن الخطاب أعلى من قول عمر بن عبد العزيز فمال إليه، فأخذ العشر من الذمي».
[ ٢ / ٤٣٠ ]
أخذ نصف العشر ممن حمل الطعام منهم إلى مكة والمدينة
• قوله:
٣٥ - «وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة؛ أخذ منهم نصف العشر من ثمنه»
خاصة الأولى في كلام المؤلف؛ لتقييد المحمول بكونه طعاما، وخاصة الثانية؛ لتقييد المحمول إليه بمكة والمدينة، ومعناه أن أهل الذمة إذا جلبوا الطعام وهو كل ما يقتات وما يجري مجراه من مصلحه إلى مكة والمدينة بخاصة؛ فلا يؤخذ منهم إلا نصف العشر، وقد اختلف في علة ذلك، فقيل لما لمكة والمدينة من الفضل، وقيل إن تقليل الرسم ينشأ عنه كثرة الجالبين إليهما من تجار أهل الذمة، وحاجة أهلهما شديدة إلى الطعام، وهذا والله أعلم يبين أن التحديد بالعشر أمر اجتهادي، فيمكن للحاكم أن يخفف منه بحسب ما يرى من المصلحة، وأن ذلك لا يقتصر على مكة والمدينة، والدول تعمل بهذا اليوم، فتشجع من يقيم في جهة لعمارتها برفع راتبه، أو بالمد في عطلته، أو بتقصير أمد تقاعده، وبغير ذلك من المرغبات، وقد ترفع الضريبة عن نشاط معين مدة من الزمان ليقبل الناس عليه، أو تخفف منها لتشجع على ما ترى من تعمير المناطق، وشغل الوظائف، وجلب الأرزاق، وهذا ليس إلا ذكرا للواقع، وليس إقرارا للمكس المحرم.
وفي الموطإ (٦٢٢) عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت؛ نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر».
[ ٢ / ٤٣١ ]
أخذ العشر من تجار الحربيين
• قوله:
٣٦ - «ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك».
روى أبو يوسف في الخراج ص (١٣٥) عن عمرو بن شعيب أن أهل منبج قوم من أهل الحرب وراء البحر كتبوا إلى عمر بن الخطاب: «دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا، فشاور عمر أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، فأشاروا عليه به، فكانوا أول من عشر من أهل الحرب».
ونظير هذا ما رواه يحي بن آدم في كتابه الخراج (٦٣٩) عن الحسن قال: كتب أبو موسى إلى عمر ﵁: «إن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب؛ أخذوا منهم العشر، قال فكتب إليه عمر: خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك العشر، وخذ من تجار أهل الذمة نصف العشر، وخذ من المسلمين من مائتين خمسة، فما زاد؛ فمن كل أربعين درهما درهم»، انتهى، وهو في كتاب الخراج لأبي يوسف أيضا وفيه معاملتهم بمثل ما عاملوا به المسلمين، والمقرر أن الذي يؤخذ منهم هو العشر ما لم يصالحوا على أكثر من ذلك كما ذكره المؤلف.
ويختلف أهل الذمة عن الحربيين في خروج كل منهما من أفق إلى أفق، فبلاد الإسلام كلها تعتبر أفقا واحدا بالنسبة للحربيين، فإذا خرجوا من بلادهم إلى بلاد الإسلام؛ أخذ منهم عشر ما معهم من السلع باعوا أو لم يبيعوا، وتركوا وشأنهم يتاجرون في بقية الآفاق، لكن إن شارطهم المسلمون على أكثر من العشر؛ لزمهم إعطاء المشروط، ولا يمكنون من أن يبيعوا للمسلمين ما هو محرم عليهم، كالخمر والخنزير، وغير ذلك، والمشهور جواز تمكينهم من بيع الخمر لغير المسلمين، ولا يجوز تمكينهم من ذلك في أمصار المسلمين التي لا يوجد بها أهل ذمة.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
زكاة الركاز
• قوله:
٣٧ - «وفي الركاز وهو دفن الجاهلية؛ الخمس على من أصابه».
الركاز بكسر الراء من مادة ركز الرمح في الأرض إذا غرزه، قال في مختصر الصحاح هو «دفين أهل الجاهلية كأنه ركز في الأرض»، وقال غيره: «يقال لما يوضع في الأرض، ولما يخرج من المعدن من قطع الذهب، أو الورق»، فجعله شاملا للأمرين، وهو في المذهب ما فسره به المؤلف، من كونه دفن الجاهلية بكسر الدال وسكون الفاء كذِبْح، وإنما خالفوا بين المعدن وبين الركاز؛ لأن النبي ﷺ غاير بينهما في قوله: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس»، رواه الشيخان، وأصحاب السنن عن أبي هريرة، والعجماء البهيمة، وجبار معناه هدر، ووجه الدلالة منه؛ أنه لو كان المراد شمول المعدن للدفن وغيره؛ لما غاير بينهما النبي ﷺ بالإظهار في موضع الإضمار، والدول الآن قد أعلنت اختصاصها بما في باطن الأرض فضلا عن ظاهرها، فتعين مذهب أبي حنيفة في إحياء الموات، وهو إذن الحاكم، ويظهر أن ما يستخرج من باطنها كذلك حتى المياه، فإن حفر الآبار في كثير من الدول لا يسمح به إلا برخصة.
وأذكر هنا أنه قد شاع في بلادنا البحث عن الركاز، ومخادعة الباحثين بعض الناس بإغرائهم ووعدهم بالكنوز فينفقون الأموال فيما هو باطل محرم ومنه الذبح للجن، وإعداد البخور ليستعينوا به على استخراج الدفائن زعموا، ويشترون آلات الاستكشاف، وأعرف بعض من يشارك في البحث منذ أزيد من عقدين فما عثر على شيء، قال مالك في المدونة (١/ ٢٤٩): «أكره حفر قبور الجاهلية والطلب فيها، ولست أراه حراما،،،».
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره لسورة الفجر: «،،، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من
[ ٢ / ٤٣٣ ]
الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهديانات، ويَطْنِزُونَ بهم!!، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وكنوزا كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها فكذب، ولم يصح ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم، أو نقل من أخذ عنهم، والله ﷾ الهادي للصواب» انتهى، ويَطْنِزُون يسخرون ويستهزؤون، وهو من الدارج الفصيح.
وقد انضاف إلى الركاز الأموال التي كانت بأيدي بعض الجماعات التي حملت السلاح في هذه الفتنة التي ضربتنا، وجرى فيها ما جرى من سفك الدماء وسلب الأموال وانتهاك الأعراض، وأصبح الناس يسألون عن حكم هذه الأموال، ويظن بعضهم أنها كالركاز، وما هي منه بسبيل، وإنما هي لقطة، ولما كان التعريف بها لا يتأتى، تعين أن تسلم للحاكم، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٣٤ ]