يقول عنها العامة الفطرة، وهي تسمية بديعة لأنها زكاة على الأنفس، وإنما أضيفت إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان، لكن اختلف في زمان الوجوب على أقوال خمسة، أشهرها اثنان، فقيل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وهي رواية أشهب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم ومطرف أن وقت الوجوب طلوع الفجر، ووجه الأول أن ظهور الهلال ينقضى به زمن الصوم، أما القول الآخر فلأنه به يتبين الفطر بالفعل، ذكر الروايتين في النوادر (٢/ ٣٠٧)، والباجي في المنتقى (٢/ ١٩٠).
وعلى القول الأول؛ فإن من مات قبل الغروب؛ لا يجب إخراجها عنه، لأنه لم يدرك زمن الوجوب، وتخرج عمن ولد قبل الغروب، وعلى الثاني ينتقل الحكم إلى طلوع الفجر، والراجح الأول لحرمة تبييت الصوم ليلة العيد.
وقد تكلم المؤلف في هذا الباب عن حكم هذه الزكاة، ومقدار ما يُخرج، ومن تُخرج عنه، ومن يلزمه الإخراج، وعن وقت الإخراج.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
حكم زكاة الفطر
• قوله:
٠١ - «وزكاة الفطر سنة واجبة، فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير، أو صغير، ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، من المسلمين».
ما ذكره جزء من حديث ابن عمر ﵄، ونصه: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، رواه مالك (٦٢٩) مختصرا والشيخان (خ/ ١٥٠٣) وغيرهم، وقول ابن عمر فَرَض؛ معناه أوجب، وقيل معناه قدر، وقد ساق في نصب الراية (٢/ ٤١١) بعض الأحاديث، ثم قال: «وهذه الألفاظ تمنع تأويل الفرض المذكور في الصحيح بالفرض التقديري»، انتهى، ومما يقوي ما ذلك أنها سميت زكاة فهي فرد من أفرادها وهي واجبة.
وقول المؤلف ظاهر في أنها واجبة بالسنة، وهو مشهور المذهب، وقيل هي سنة مؤكدة، ونقل عن أشهب، وقد اعتمد مالك في القول بوجوبها على قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهي فرد منها، النوادر (٢/ ٣٠٠)، وقال الحافظ في الفتح: «وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، وثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات،،،»، انتهى.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
مقدار زكاة الفطر
• قوله:
٠٢ - «صاعا عن كل نفس بصاع النبي ﷺ».
هذا من نص الحديث المتقدم بالمعنى، فإن قوله عن كل نفس؛ يعم الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد، ولا يكفي ما دون الصاع كيفما كان المخرج منه، ويظهر أن مالكا من جملة ما رامه في موطئه (٦٣٠) تحت ترجمة مكيلة زكاة الفطر بروايته حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهو في الصحيحين أيضا - قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب وذلك بصاع النبي ﷺ»؛ أراد أن يرد قول من قال بكفاية نصف صاع من البر، وهو مذهب الحنفية، قال في النوادر: «وأنكر مالك ما روي في الحديث من نصف صاع، ولم يصح عنده»، انتهى، وقد رأى بعض الصحابة ذلك، منهم عمر بن الخطاب وهو في سنن أبي داود (١٦١٤)، ورواه البخاري مختصرا، ورأى ذلك أيضا معاوية ﵁، وهو في الصحيحين (خ/ ١٥٠٨)، وقد قيل إن ذلك كان اجتهادا منهم في مقدار قيمة القمح التي تقابل الصاع من التمر والشعير وغيرهما مما ورد في المرفوع لقلة الحنطة في أرض الحجاز، ولغلاء ثمنها يومئذ، أما حديث أبي سعيد فلا يستقيم الرد به على الحنفية ومن ذهب مذهبهم، لأنه لا يتعين أن يكون المراد من الطعام فيه البر كما أفاض في الحديث عن ذلك الحافظ في فتح الباري أثناء كلامه على ما تحت ترجمة البخاري (باب صاع من زبيب)، فإن ثبت نصف الصاع من البر مرفوعا ولا إخاله إلا كذلك فهو توقيت يلتزم.
قلت: وقد جاء ذلك من قوله ﷺ: «أدوا صاعا من بر أو قمح بين اثنين أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل حر وعبد وصغير وكبير»، رواه الدارقطني وأحمد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه، وهو في الصحيحة برقم (١١٧٧).
وقال مالك: «والكفارات كلها، وزكاة الفطر، وزكاة العشور، كل ذلك بالمد الصغير
[ ٢ / ٤٥٥ ]
هل تجب على من قدر على بعضها؟
هل يجوز لمن أخرجها أن يأخذ إن أعطيها؟
مد النبي ﷺ، إلا الظهار فإنه بمد هشام»، انتهى، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين.
ولا فائدة في التحديد بالوزن لاختلاف المواد في الكثافة، وقد رأيت بعض من كتب في ذلك يذكر وزن الصاع من غير أن يبين من أي المواد هذا الوزن؟، وإنما النافع معرفة سعة الصاع، وقد تقدم أن حجم المد نحو ٠.٦٩ ل من المائة من اللتر، فيكون حجم الصاع مساويا (٠.٦٩) × (٤) = ٢.٧٦ ل.
ولا يكفي ما دون الصاع للقادر عليه، ولو كان ثمنه أغلى من غيره، لكن من لم يقدر إلا على بعض الواجب كآصع هي دون عدد من يجب عليه إخراج الزكاة عنهم، أو بعض صاع عن واحد منهم أو عن نفسه؛ تعين عليه إخراج ما قدر عليه، إذ لا يشترط في المزكي أن يكون غنيا، بل كل من كان عنده ما يزيد عن حاجته يوم العيد أخرج الزائد للإطلاق الذي في الحديث، وبهذا يكون كثير ممن وجب عليهم إخراج زكاة الفطر مستحقين لأخذها، لانطباق وصف الفقر عليهم، فكأن من حكمة مشروعيتها حض المسلم على التعود على أن يتصدق بما يقدر، وأن لا يكون همه الادخار، بل ينبغي أن يعيش متضامنا مع غيره ممن هو دونه في الرزق، ويتضامن غيره معه ممن هو فوقه، بل إن المذهب أن من وجد من يسلفه، وكان له وفاء تسلف وأخرج، قال في المدونة (١/ ٢٨٩): «أرأيت من تحل له زكاة الفطر، أيؤديها في قول مالك؟، قال: نعم، قلت: فالرجل يكون محتاجا؛ أيكون عليه صدقة الفطر؟، قال: قال لي مالك: «إن وجد فليؤد»، قال: فقلنا له: «فإن وجد من يسلفه»؟، قال: «فليتسلف، وليؤد»، لكن لا يظهر الإيجاب على من هذا شأنه.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
تخرج من جل عيش البلد
• قوله:
٠٣ - «وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد: من بر، أو شعير، أو سلت، أو تمر، أو أقط، أو زبيب، أو دخن، أو ذرة، أو أرز، وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه، وهو حب صغير يقرب من خلقة البر».
السلت بضم السين وسكون الميم؛ نوع من الشعير، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف؛ اللبن المجفف غير منزوع الزبد، وقيل ولو منزوعه، والعلس بفتحتين قد بينه المؤلف، وما ذكره مما تخرج منه زكاة الفطر، وهو التسعة الأولى؛ هو عين ما في المدونة: (١/ ٢٩٣)، وأضاف العلس ابن حبيب، قال زروق ويسمى في جبال بلادنا نيشنتيت، وقال أشهب لا تخرج إلا من الأربعة المذكورة في الحديث، والظاهر خلافه، إذ ليس المراد منه، ولا مما ذكره المصنف وغيره الحصر، بل المطلوب أن يخرج من غالب قوت أهل البلد، سواء كان مما ذكر، أو من غيره مما قاسه عليه أهل العلم، لكن قال بعضهم لا يصح الإخراج من غيرها إذا كانت موجودة، فإن لم توجد جاز، وقيل العبرة بغالب قوت المزكي وهو الأقرب، قال ابن العربي: «مساكينهم شركاؤهم لا يتكلفون لهم بغير ما عندهم، ولا يحرمونهم مما بأيديهم»، نقله عنه ابن ناجي في شرحه، ولو قيل إن المراد الحصر في تلك العشرة أو غيرها؛ لكان لا يجب على الذين يقتاتون السمك أو اللحم أو البطاطس زكاة، وهذا بعيد عن قصد الشارع منها.
وفي المدونة (١/ ٢٩٣): قيل لمالك: «فالدقيق والسويق؟، قال: لا يجزئه»، ولعل ذلك لكونه اعتبره كالقيمة للصاع، وقد يكون أقل منه، ومالك يرى أن لا يخرج المزكي أكثر من صاع، فإن أراد أن يتطوع فلا يجمع ذلك مع زكاة الفطر، والشارع قدر المخرج بصاع، وصاع دقيق يختلف عن صاع قمح أو شعير، لكن الذي يظهر هو الإجزاء، بل هو اليوم من الإحسان إلى الفقراء لعدم تمكنهم من الطحن والتصفية.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
ليس المراد من ذكر ما تخرج منه الحصر
هل يجوز إعطاء القيمة؟
ثم وجدت ابن أبي زيد يقول في النوادر (٢/ ٣٠٢): «وأما الدقيق فإنما نهي عنه لريعه، فمن أخرج منه قدر ما يزيد عن كيل القمح أجزأه»، انتهى، والريع النماء والزيادة، قال ابن العربي: «يخرج من قوت كل أمة، من اللبن لبنا، ومن اللحم لحما، ومن التين تينا، ولو أكلوا ما أكلوا»، انتهى، وهو المشهور، وهو قول ابن القاسم.
فالمقصود من زكاة الفطر أمران: أولهما: أنها طهرة للصائم، والثاني: أنها يستغني بها الآخذ عن السؤال يوم العيد، وهما أمران يتحققان بكل ما يقتات به الناس، بل وبالقيمة أيضا متى دعت إليها مصلحة راجحة، أو حاجة الآخذ، قال ابن عباس ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات»، رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة (١٨٢٧) وغيرهما، وابتدأ به الدارقطني كتاب زكاة الفطر وقال: «ليس فيهم مجروح»، وقوى سنده محققا زاد المعاد لابن القيم.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
يخرج المرء زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته
• قوله:
٠٤ - «ويخرج عن العبد سيده، والصغير لا مال له؛ يخرج عنه والده، ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته، وعن مكاتبه، وإن كان لا ينفق عليه، لأنه عبد له بعد».
القاعدة أن المرء يخرج زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته من المسلمين بقرابة، أو نكاح، أو ملك، صرح بذلك في المدونة، وقد ورد التقييد بأن يكونوا من المسلمين في حديث عبد الله بن عمر المتقدم، فيخرج عن الزوجة، ولو كانت غنية، ما دامت في العصمة، والمطلقة طلاقا رجعيا هي في العصمة، وعن الولد والوالد إذا لم يكن لهم مال، وعن المكفول، والمملوك، ويخرج عن الذكور من أولاده حتى يبلغوا قادرين على الكسب، وعن الإناث حتى يدخل بهن أزواجهن، أو يدعون إلى الدخول.
ويدل على ما سبق الزيادة التي في رواية الدارقطني لحديث ابن عمر في زكاة الفطر بلفظ: «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون»، وهو في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني، فإن قوله تمونون معناه تقومون بكفايتهم وتتحملون مؤونتهم.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
زمان إخراجها جوازا واستحبابا ووجوبا
• قوله:
٠٥ - «ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر».
لزكاة الفطر وقت إجزاء، ووقت فضيلة، ووقت قضاء، أما وقت الإجزاء؛ فهو قبل العيد بيوم أو يومين، أي ابتداء من ليلة التاسع والعشرين، ففي الموطإ (٦٣٢) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة، وفي الصحيحين (خ/ ١٥١١): «وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين»، والمقصود بمن يقبلونها الذين ينصبهم الإمام لقبضها، فيمكن أن يقال إن تقديمها على زمن الوجوب إنما كان للعلة المذكورة، وهي تمكن الجباة من جمعها وتوزيعها، وقد جاء ما يدل على هذا في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (٢٣١١) في كتاب الوكالة، وفيه: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان»، وفيه أنه جاءه الشيطان ثلاث ليال، مما يدل على أن إخراجها كان متقدما على العيد بيومين على الأقل.
واعلم أن إطلاق القول بجواز إخراجها باليوم واليومين من غير قيد كون ذلك لتسليمها لمن يوزعها؛ مخالف لمشهور المذهب من أن من ولي توزيعها بنفسه لا يجزئه إن أخرجها قبل وقت وجوبها، صرح به الباجي في المنتقى (٢/ ١٩٠)، والقيد واضح في حديث ابن عمر، ورواية ابن القاسم يجوز ذلك من غير قيد بناء على جواز إخراج الزكاة قبل أوان وجوبها.
أما وقتها المفضل؛ فهو ما بين طلوع الفجر من يوم العيد إلى أن تؤدى الصلاة، وذلك لما ورد في حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم: «وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، ومثله حديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة، وانظر كيف رتب وقت إخراج زكاة الفطر على ما قبل الخروج إلى المصلى، لأن الغرض منها نفع الغير بها، ورتب وقت الأضحية على ما بعد الصلاة، لأنها ليست متمحضة للغير، ولكون الأضحية محتاجة
[ ٢ / ٤٦٠ ]
إلى معالجة وصناعة.
فإن قلت: كيف يكون إخراجها قبل الصلاة مندوبا وقد جاء في الحديث أمر رسول الله ﷺ بذلك، فالجواب أنهم قالوا إن التقييد بما قبل الصلاة لأنه أول النهار، والمقصود إغناؤهم عن السؤال في يوم العيد، وقد قال مالك في الموطإ تحت ترجمة (وقت إرسال زكاة الفطر): «وذلك واسع إن شاء الله أن تؤدى قبل الغدو من يوم الفطر وبعده»، انتهى، وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات»، رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي، وفيه كما ترى خلاف ما مضى من قول مالك، فينبغي إخراجها قبل الصلاة، وفيه أيضا بيان لمقصد الشرع من هذه الزكاة في المعطي والآخذ، وهو يرجح أن مصرفها ليس مصرف زكاة الأموال الثمانية، بل خصوص المساكين كما هو المذهب، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان الجمهور على أن مصارفها هي مصارف زكاة الأموال، قال ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٢٢): «وكان من هديه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه،،،»، انتهى.
وينبغي للمسلم أن يتخير من يعطيه زكاة الفطر وزكاة المال من الذين يتوفر فيهم الوصف المعتبر شرعا، وأن يكونوا من المصلين، وأن لا يكونوا من أهل البدع المكفرة، ولا من الذين يستعينون بالزكاة على المعاصي، فإن نعم الدنيا إنما خلقها الله تعالى ليستعان بها على طاعته، والكفار يستمتعون بها تبعا للمؤمنين، على أن تكون يوم القيامة خالصة لهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وأهل العلم على أن من أخرها عن وقتها أثم، وترتبت في ذمته فيلزمه إخراجها، وتكون صدقة من الصدقات، وينبغي له التوبة والاستغفار، والمتجه أن يفرق بين متعمد تأخير إخراجها فلا يخرجها بخلاف من جهل الحكم أو نسيها، وعن عكرمة قال: «يقدم الرجل زكاته يوم فطره بين يدي صلاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، يعني ليقتدي بالترتيب الذي في القرآن حيث ذكرت زكاة الفطر
[ ٢ / ٤٦١ ]
قبل صلاة العيد، ونظير هذا أن النبي ﷺ لما رقي الصفا قال: أبدا بما بدأ الله به، وفي رواية ابدأوا على الأمر، وكان ابن مسعود يقول: «رحم الله امرأ تصدق ثم صلى»، ويقرأ هذه الآية، وانظر تفسيير البغوي والقرطبي مع ملاحظة أن سورة الأعلى مكية، ولم يفرض بمكة لا صيام رمضان ولا زكاة الفطر.
وفي المدونة قلت: «أرأيت زكاة الفطر، هل يبعث فيها الوالي من يقبضها»؟، فقال: قال مالك وسألناه عنها سرا، فقال لنا: «أرى أن يفرق كل قوم زكاة الفطر في مواضعهم: أهل القرى حيث هم في قراهم، وأهل العمود حيث هم، وأهل المدائن في مدائنهم»، قال: ويفرقونها هم ولا يدفعونها للسلطان إن كان لا يعدل فيها، قال: «وقد أخبرتك في قول مالك إذا كان الإمام يعدل؛ لم يسع أحدا أن يفرق شيئا من الزكاة، ولكن يدفع ذلك إلى الإمام».
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الفطر يوم العيد قبل الذهاب إلى المصلى
• قوله:
٠٦ - «ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى، ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق، ويرجع من أخرى».
اعتنى الشرع بالفصل والتمييز بين العادات والعبادات عناية عظيمة، فكانت النية شرطا في صحة العبادة، ورتب الأجر على النية فيما كان من الأعمال عادة، وندب إلى تعجيل الفطر لانتهاء وقت العبادة، وتأخير السحور لامتداد وقت العادة، ومن هذا القبيل النهي عن صوم يوم الشك، واستحباب الفطر يوم عيد الفطر قبل الذهاب إلى المصلى، ولا يستحب ذلك في عيد الأضحى؛ لأنه ليس قبله صوم لازم بالزمن، ومنه عدم الزيادة على الواجب في زكاة الفطر وغيرها عند المالكية كي تحفظ حدود الشرع، قال ابن قدامة: «الحكمة في ذلك أن يوم الفطر حرم فيه الصيام عقب وجوبه، فاستحب تعجيل الفطر لإظهار المبادرة إلى طاعة الله وامتثال أمره في الفطر، على خلاف العادة، والأضحى بخلافه، مع ما فيه من استحباب الفطر على شيء من أضحيته»، انتهى.
وقد روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، وكان يأكلهن وترا»، وإنما جعلهن وترا إشارة إلى الوحدانية، وكذا كان ﷺ يفعل في جميع أموره تبركا بذلك، ولذلك لا يبعد أن يقال بمثل هذا في الفطر من الصيام وإن لم يأت التقييد بالوتر، والله أعلم.
وقد روى مالك (٤٣١) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يأكل يوم عيد الفطر قبل أن يغدو»، وقال عن سعيد بن المسيب إنه أخبره أن الناس كانوا يؤمرون بالأكل يوم الفطر قبل الغدو»، قال مالك: ولا أرى ذلك على الناس في الأضحى»، فلم يستعمل القياس ﵀ للفارق.
وقد جاء في تأجيل الفطر يوم الأضحى إلى ما بعد الصلاة ما رواه الترمذي (٥٤٢)
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وقال غريب، والحاكم عن بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يَطعم، ولا يَطعم يوم الأضحى حتى يصلي»، صححه الألباني.
وقال الحافظ الفتح (/ ٥٧٨) بعد سوقه ثلاثة أحاديث في المسألة: «وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال»، وعند أحمد والدارقطني زيادة «فيأكل من أضحيته»، وهي زيادة صححها ابن القطان، قال ذلك الزيلعي في نصب الراية، وانظر تحفة الأحوذي للمباركفوري، لكن الأكل قبل الصلاة جائز لتقريره ﵌ أبا بردة عليه، أما سلوك من رجع من صلاة العيد طريقا غير الطريق الذي سلكه في ذهابه؛ فقد كرره المؤلف لمناسبته الحديث عن زكاة الفطر، وتقدم الكلام عليه وذكر دليله من فعل النبي ﷺ في صلاة العيد من الجزء الأول، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٤٦٤ ]