الحج هو خامس أركان الإسلام، وهو عبادة بدنية مالية، فيها إنفاق المال، وتعب البدن، وفيها التقرب إلى الله تعالى بالذبائح، وفيها من كمال التسليم لله ما ليس في غيرها، وقد أوجب الله فيها ضربا من التقشف والابتذال، وحرم فيها ما لم يحرم في غيرها، كالنكاح والطيب وإزالة التفث، ويتعين فيها السفر على غالب الحجاج، ولذلك كان فيها من شرط الاستطاعة ما ليس فيما عداها، فالحج كالدورة التدريبية، أوجبها الشرع مرة واحدة في العمر تخفيفا عن الناس، ولولا أنها كذلك؛ لخلت بلدان المسلمين منهم، وتعطلت بقية مصالح دينهم ودنياهم، وقد جاء الترغيب في التطوع بالحج والعمرة وتكريرهما، فقال النبي ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة»، رواه النسائي والترمذي (٨١٠) عن عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن ماجة (٢٨٨٧) عن عمر بسند ضعيف، والحج المبرور الذي لا معصية فيه، يؤيده قول النبي ﷺ: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه»، وقيل المبرور الذي لا معصية بعده، وجعل الشرع الحج للنساء جهادا، ولعل الضعفاء مثلهن، فعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد»؟، قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد: حج مبرور»، رواه البخاري (١٥٢٠)، وقال عمر: «إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمرة، فإنه أحد الجهادين»، وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٨٠٨)، وعلقه البخاري نحوه، ومعنى وضع السروج الرجوع من الغزو، والسفر لأجل النسك والجهاد هو ما سافر من أجله النبي ﷺ.
قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٨٠): «وتسمية الحج جهادا إما من باب التغليب، أو على الحقيقة، والمراد جهاد النفس لما فيه من إدخال المشقة على البدن والمال».
والكعبة هي الموضع الذي دحيت الأرض من تحته، وهي قبلة المسلمين أحياء
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وأمواتا، يتجهون إليها في صلواتهم في أي جهة كانوا، ولذلك عرفوا بأهل القبلة، فأوجب الله على المستطيع منهم أن يجمع إلى هذا التوجه اليومي إليها بوجهه سفرا يراها فيه بعينه، وخصها الله تعالى هي وما حولها بعبادات لا توجد في غيرها، وقد قال الله عنها: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] أي جعل الكعبة سببا لقيام مصالح الناس ومنافعهم الدينية والدنيوية، إنهم يأمنون فيها مما يخافونه في غيرها، ويؤدون فيها وفيما حولها العبادات التي تزكو بها نفوسهم، وتتطهر قلوبهم، وتغفر ذنوبهم، وقد أودع في نفوس الناس حتى الكفار من تعظيمها وإكبار شأنها ما لا يكون من غير تقديره سبحانه، قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والظاهر أن الكعبة أول بناء ظهر على الأرض مع كونه خاصا بعبادة الله، وهو ظاهر آية سورة آل عمران، وكون الحديث قد صح في بناء إبراهيم ﵇ له؛ لا يمنع ما تقدم لظواهر نصوص وآثار عدة مع كون الأنبياء قد حجوه.
وقد تواطأ العرب على أن أحدهم لو وجد قاتل أبيه بالحرم لا يثأر منه، فأقر ذلك في هذا الدين الخاتم، بل زاد عليه المنع من الصيد وترويع الحيوان في الحرم للحلال وللمحرم في أي مكان كان، وزاد المنع من إتلاف النبات غير الإذخر، إذ قال رسول الله ﷺ: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها؛ فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ﷺ، ولم يأذن لك، وإنما أذن لي فيه ساعة من النهار، وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب»، رواه الشيخان، واللفظ للترمذي أول كتاب الحج، وحرم رسول الله ﷺ المدينة أيضا إذ قال: «ما بين لابتيها حرام»، رواه البخاري عن أبي هريرة.
قال ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة (١/ ١٤٤): «حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر فيه حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومكان فيه آيات بينات قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين
[ ٢ / ٤٦٦ ]
لشعائر الله متضرعين راجين وراغبين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو قوله ﷺ: «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة».
والحج في اللغة القصد، يقال حج فلان فلانا إذا قصده، وقيل هو القصد مع قيد التكرار، ويستعمل عند أهل الديانات - وهي باطلة غير الإسلام - في القصد إلى معظم، وهو بفتح الحاء وكسرها، والقياس الفتح لأنه مصدر فعل ثلاثي متعد، وما قيل عن الكسر إنه لغة شاذة كما في صحيح فقه السنة؛ فمما لا يلتفت إليه، فقد قرئ بهما في القرآن، أما الحج في الشرع؛ فهو عبادة ذات إحرام وطواف وسعي، ووقوف بعرفة، وغير ذلك تقربا لله تعالى».
والعمرة بضم العين هي الزيارة، يقال اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وقد يكون مرجعها إلى عمارة المكان، وفي الشرع مثل الحج، غير أنه ليس كل ما يطالب به الحاج يطالب به المعتمر، فهي حج أصغر كما قالوا، ومن الفرق بينهما أن زمن الحج محدد في أشهر لا يتعداها، بخلاف العمرة، والحج متفق على وجوبه، والعمرة مختلف في حكمها، وفي جواز تكرارها في العام، وهي مثل الحج في محرمات الإحرام، كما أنها مثله في الأركان، غير الوقوف بعرفة، وما تلاه من الأعمال.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
• قوله:
٠١ - «وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا»
المدينة التي يقع فيها بيت الله الحرام تسمى مكة بالميم وبكة بالباء، وكلاهما في القرآن، وقد قيل إن بكة لغة في مكة لتقارب مخرجي الميم والباء، وهذا هو الأقوى نحو لازب ولازم، وقيل إن بكة اسم بطن مكة حيث الحرم، سميت بذلك لازدحام الناس فيه، ومكة للبلدة، وقريب منه ما قاله مالك كما هو في العتبية، وقيل سميت كذلك لأنها كانت تبك أي تدق أعناق الجبابرة، وقيل إنها كلمة كلدانية، وقواه الشيخ الطاهر بن عاشور لارتباطها بذكر كونها أول بيت وضع للناس وبانيه إبراهيم ﵊، وهو من أرض الكلدانيين.
وأضيف الحج إلى البيت الحرام؛ لأن البيت هو المقصود بالأصالة، وغيره تبع له، وكون الحج فرضا على المستطيع مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد دل على ذلك قول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال النبي ﷺ حين ذكر ما بني عليه الإسلام من الأركان: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»، وفي صحيح مسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟، فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت نعم؛ لوجبت ولما استطعتم،،، الحديث، وهو دال على أن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، وأن الحج فرض مرة في العمر، لكنه يجب على من نذره، فمن جحد وجوب الحج كفر، ومن تركه مع توفر شرطه الذي سيذكر بعد؛ فالله حسيبه، وقد ذكر هذا المؤلف في أحكام الدماء، وشدد فيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فخرج كلامه مخرج التغليظ إذ قال: «لقد هممت أن أبعث
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وجوب الحج على الفور
رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة، ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، رواه عنه سعيد بن منصور بسند صحيح قاله الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٩٥٧)، وانظر الدر المنثور للسيوطي.
وجاء في حج التطوع قول الله تعالى في الحديث القدسي: «إن عبدًا أصححت له جسمه، ووسّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم»، رواه أبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد، كما في الصحيحة برقم (١٦٦١)، وفيه حجة على أن الإنكار على من يكرر الحج والعمرة بدعوى أنه ينبغي أن ينفق في أوجه أخرى ليس على إطلاقه، والله أعلم.
وقد اختلف في وجوب الحج على المستطيع هل هو على الفور، أو على التراخي، والفور هو أصل المذهب، والتراخي لأهل المغرب، ونص ابن العربي في أحكام القرآن على أن لا قول لمالك في المسألة، وذكر ابن خُوَيزمنداد كما في تفسير القرطبي أن تحصيل مذهب مالك التراخي، وجمهور البغداديين من المالكية على الفور، وقد احتج ابن عبد البر له بأن من أخر الحج وهو قادر عليه؛ لا يفسق بإجماع المسلمين، ولا يقال عنه إن حج بعد تأخير إنه قضى الحج كما يقال ذلك عمن أخر الصلاة، قال كاتبه: هذا ليس بحجة، لأنه مصادرة على المطلوب، على أن الإجماع كثيرا ما ادعي، وسبب هذا الاختلاف؛ عدم حج النبي ﷺ في العام الذي فرض فيه الحج، قالوا وقد ذكر في سورة الحج وهي مكية، وأنت تعلم أن سورة الحج إنما ذكر فيها ما أمر الله به نبيه إبراهيم ﵊ من الأذان في الناس به، وهذا سابق على الإسلام، وكان العرب يحجون، وقد حج النبي ﷺ مرتين قبل افتراض الحج، وفي كون سورة الحج مكية خلاف، بل الظاهر أنها مدنية لافتراض الجهاد فيها، وروى أحمد وابن ماجة (٢٨٨٣) عن الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من أراد الحج؛ فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»، وهو في صحيح الجامع، وجاء بلفظ: «تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»، رواه أحمد عن ابن عباس، وهذا كاف في ترجيح القول بأن الحج على الفور، فكيف بأمر الله تعالى بالمسارعة إلى الخيرات، وامتداحه عباده على ذلك.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
واختلف في العام الذي فرض فيه الحج على أقوال، فقيل فرض سنة خمس وقيل ست، وقيل سبع، وقيل ثمان، وقيل عشر، ولو افترضنا أنه فرض من قبل فإن الاستطاعة كانت مفقودة، وقد قال القاضي إسماعيل في توجيه القول بالفور ما نصه من جملة كلام له: «،،، ويستبعد أن يفرض عليه الحج فيحج أبو بكر قبله، ولو كان مفروضا يومئذ فأخره ﵊ لم يشبه غيره لأن الله سبحانه أخبره أنه يفتح عليه، ويدخل مكة آمنا، فكان على ثقة، فكيف يجوز لمن كان عليه فرض وهو غير معلوم بقاؤه إليه؛ أن يؤخره، وليس على علم من تأخر عمره»، وهو في غاية القوة كما ترى، وللألباني ﵀ كما في كتاب الموسوعة الفقهية للشيخ العوايشة قول يشبهه، ومعلوم أن مكة فتحت سنة ثمان وولى النبي ﷺ عليها عتاب بن أسيد، وهو أول أمراء الحج، وقد ولى النبي ﷺ أبا بكر على الحج سنة تسع، وحج هو سنة عشر، وكان الزمان قد استدار، فالظاهر أن النبي ﷺ إنما أخر الحج عن أول افتراضه إن كان قد فرض قبل سنة عشر؛ بوحي من الله تعالى لتكون حجة الإسلام مع استدارة الزمن، وخلو مكة وما حولها من الأصنام، ومنع المشركين من الطواف عراة، فلا يحتج بتأخيره كما قاله القاضي إسماعيل، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
شروط وجوب الحج
• قوله:
٠٢ - «من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره».
شرط وجوب الحج الحرية والبلوغ والعقل والاستطاعة، وشرط صحته الإسلام، لكن من تكلف من غير المستطيعين وحج؛ سقط عنه الحج الواجب، بخلاف من حج من الصغار والعبيد؛ فإنه يجب عليه الحج متى بلغ وكان مستطيعا، وهكذا العبد إذا تحرر واستطاع السبيل؛ تعين عليه الحج من جديد.
وقد جاء في ذلك قول النبي ﷺ: «أيما صبي حج، ثم بلغ الحنث؛ فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج، ثم هاجر؛ فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق؛ فعليه ان يحج حجة أخرى»، رواه الخطيب والضياء في المختارة عن ابن عباس، وصححه ابن حزم في المحلى (٧/ ٤٤)، وهو في صحيح الجامع، وروى الحاكم نحوه عن ابن عباس، لكن لم يذكر الأعرابي، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٩٥٣)، والحنث الإثم، والمراد به هنا البلوغ، لأنه الزمن الذي يؤاخذ فيه على المعصية، وفي الحديث إشارة إلى أن الصبي يكتب له ثواب الأعمال الصالحات، وإنما يجب على العبد الحج إذا عتق، وعلى الصبي إذا احتلم؛ لأنهما حجا قبل زمن الوجوب، أما الأعرابي إن ثبتت فقرته؛ فلعله لأنه لم يهاجر يوم كانت الهجرة متعينة إلى المدينة، وقد نسخت بعد الفتح.
وقد ضبط الحافظ في الفتح (٣/ ٤٧٧) شرط وجوب الحج وشرط صحته بقوله: «الناس قسمان: من يجب عليه الحج ومن لا يجب، الثاني العبد وغير المكلف وغير المستطيع، ومن لا يجب عليه؛ إما أن يجزئه المأتي به، أو لا، الثاني العبد وغير المكلف، والمستطيع إما أن تصح مباشرته منه أو لا، الثاني غير المميز، ومن لا تصح مباشرته إما أن يباشر عنه غيره أو لا، الثاني الكافر، فتبين أنه لا يشترط لصحة الحج غير الإسلام»، انتهى، وهو الذي اختصره خليل بقوله عن شرط صحة الحج والعمرة: «وصحتهما بالإسلام».
[ ٢ / ٤٧١ ]
تفسير السبيل الذي استطاعته شرط في الوجوب
• قوله:
٠٣ - «والسبيل الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة، إما راكبا، أو راجلا، مع صحة البدن».
السبيل التي يجب الحج على مستطيعها تختلف باختلاف الأشخاص والزمان والقرب والبعد، ومع اختلاف ذلك فقد يحتاج المرء إلى الركوب، وقد لا يحتاج، وكل واحد أعرف بنفسه، وقد ذكر المؤلف ما رآه أهل المذهب في تفسير السبيل المشترط استطاعتها في وجوب الحج، وهو أربعة أشياء، وعدها بعضهم ثلاثة:
أولها: الطريق السابلة، وهي السالكة التي يمكن السير فيها من غير خوف على النفس، ولا على المال الكثير الذي يجحف به.
والثاني: الزاد الذي يبلغه إلى مكة، من غير اعتبار الرجوع كما هو ظاهر كلامه، وقيد بعضهم عدم اعتبار الرجوع في الزاد بما إذا لم يخش الضياع، والصواب: اعتباره في الذهاب والإياب كما رجحه القرطبي في تفسيره، ويقوم مقام الزاد الحرفة التي يتمعش منها مما لا يزري به ولا يخاف كساده، قالوا: ويبيع في زاده وما يوصله إلى مكة داره وغير ذلك مما يباع على المفلس.
قلت: لو قيل بهذا فيما زاد عن حاجته كما إذا كان المسكن ضخما فخما، وكان في الأثاث ما لا حاجة له إليه؛ لكان حقا، ومما قالوه إنه يجب عليه الحج ولو أدى إلى أن يترك زوجته وأولاده من غير مال إلا أن يخشى عليهم الضياع فلا يلزمه، ولينظر في هذا مع قول رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، رواه أبو داود (١٦٩٢) وغيره عن عبد الله بن عمرو، وفي الصحيح عنه مرفوعا: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته»، يقال قات أهله يقوتهم إذا وفر لهم ما تقوم به أبدانهم من الطعام.
والثالث القدرة على الوصول إلى مكة راكبا أو ماشيا متى كان قادرا على المشي،
[ ٢ / ٤٧٢ ]
لأن الله تعالى ذكر نوعي الوافدين للحج، فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، ورجالا جمع راجل، هو الماشي، والضامر قليل لحم البطن من الحيوان الذي يركب كالإبل والخيل، وهي صفة محمودة، لأنها تساعد على سرعة السير، والرابع صحة البدن التي يتمكن بها من الوصول راكبا أو ماشيا مع القدرة على أداء المناسك، فمن كان مريضا لا يجب عليه الحج، وقد أعذر الله تعالى المرضى في التخلف عن الجهاد.
وقد ورد في تفسير الاستطاعة حديث ابن عمر قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «من الحاج يا رسول الله»؟، قال: «الشعث التفل»، فقام آخر فقال: «أي الحج أفضل»؟، قال: «العج والثج»، فقام آخر فقال: «ما السبيل يا رسول الله»؟، قال: «الزاد والراحلة»، رواه الترمذي في كتابي الحج (٨١٣) والتفسير (٢٩٩٨) وحسنه، ورواه ابن ماجة، ومال ابن كثير إلى تقويته في تفسيره (٢/ ٧٩) بما أورده له من المتابعات، وقال الألباني: «ضعيف جدا»، انتهى، والفقرة الثانية منه يشهد لها حديث أبي بكر الصديق عند الترمذي (٨٢٧) وابن ماجة وغيرهما ونصه أن النبي ﷺ: «سئل أي الحج أفضل»؟، فقال: «العج والثج»، والعج رفع الصوت بالتلبية وغيرها من الذكر، والثج إراقة دماء الضحايا والهدايا تقربا إلى الله تعالى، وقال ابن المنذر: «لا يثبت الحديث الذي فيه الزاد والراحلة، والآية الكريمة عامة ليست مجملة، فلا تفتقر إلى بيان، وكأنه كلف كل مستطيع قدره من مال أو بدن»، وقول مالك في أول كتاب الحج من النوادر في تفسير آية الاستطاعة قريب منه.
قال ابن ناجي في شرحه (١/ ٣٤٦): «واختلف في السائل الذي يغلب على الظن أنه يجد من يعطيه، فروى ابن وهب ما يقتضي الوجوب، وروى ابن القاسم أنه يسقط»، انتهى، ونفى خليل وجوب الحج إن توقف على السؤال، لكن شارحه الدردير (٢/ ٨) رجح الوجوب بشروط.
قلت: رواية ابن وهب التي أشار إليها ابن ناجي كما في النوادر (٢/ ٣١٩) تدل على الإجزاء، ولا يلزم من القول بالإجزاء الوجوب المدعى، فإن من حج بمال حرام أجزأه
[ ٢ / ٤٧٣ ]
حجه مع تحمله وزر جنايته، وعليه فلا يكون بين هذه الرواية ورواية ابن القاسم تناف، وهي في النوادر أيضا، وفيها: «وإني لأكره ذلك»، فالذي يظهر هو القول بمنع المرء أن يحج معتمدا على السؤال، فإنه إذا كان سؤاله لأجل معاشه؛ جاء فيه من التشديد والتقييد ما لا يخفى؛ فكيف بتجشم السفر لأجل الحج الذي لم يجب عليه مع الاعتماد فيه على السؤال المحرم في الأصل إلا للحاجة؟، وقد كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومعناه تزودوا لتَتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم، وما يترتب على ذلك من الإثم، وقد ذكر ابن العربي في أحكام القرآن أن الخطاب في الأية لأرباب الأموال، أوجب الله عليهم أن يتزودوا، قال: «فإن كان ذا حرفة تَنفُق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه»، انتهى.
قلت: بعد التسليم بأنه لا خطاب عليه في هذه الآية؛ أفترى حكم هذه المسألة مقصورا على هذه الآية؟، إن هناك الكثير الطيب من النصوص التي تخاطبه بما قلناه.
وينطبق هذا على الشباب الذين يفدون على بعض الدول ليحضروا حلقات العلم كما يفعل شبابنا في ذهابهم إلى مدينة النبي ﷺ وغيرها، لكنهم يعيشون على نفقات المحسنين، بتوسط أهل العلم لديهم جزاهم الله خيرا، فهذا مما لا ينبغي الإقدام عليه لما فيه من التعرض للسؤال والابتذال، مع احتمال تعريض النفس للمهالك بالسجن والطرد والتغريم، فضلا عن كون كثير من الذاهبين لا قدرة لهم على التحصيل لتدني مستواهم في العلم.
ومما يذكر أن عددا من الشراح يذكرون أن المعتبر في الوصول إلى مكة راكبا الوجه المعتاد في الركوب احترازا ممن قدر عليه بنحو طيران!!، فإنه لا يجب عليه الحج، وإن كان يسقط عنه إن فعله»، وإنما قالوا هذا لأن الطيران كان في زمانهم من خوارق العادات، أما اليوم فإن الأسفار البعيدة لا تتم غالبا إلا بالطيران، وإنما نبهت على هذا لأن بعض الناس ربما أخذ من كلام أهل العلم في بيئة مختلفة؛ ما لا ينبغي أن يؤخذ منه، وسيأتي مثل هذا عند الحديث على قطع السعي إذا أقيمت الصلاة.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ومن ذلك قول بعض من لا يرجو لله وقارا في هذه الأيام وهم يروجون لفصل الدين عن الدولة إن ابن باديس والإبراهيمي رحمهما الله كانا يدعوان إلى فصل الدين عن الدولة، وهذا حق، لكن المتحكم يومئذ هو فرنسا الكافرة المستعمرة، فلم يضعوا في الحسبان جهلا، - والغالب أنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه - أن فصل الدين عن الدولة يومئذ يعني استقلال الجزايريين المسلمين عن فرنسا في تدبير شؤون المساجد وغيرها مما يرجع إلى أحكام دينهم، ومع ذلك فهم يفاخرون بأن النص الأدبي يراعى في دراسته بيئته!!.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
الإحرام من الميقات
الميقات الزماني والمكاني
• قوله:
٠٤ - «وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات».
الميقات مفرد مواقيت، والتوقيت يكون في الزمان، يقال وقت توقيتا إذا جعل للشيء وقتا، ثم توسع فيه فأطلق على المكان، وكل من أركان الإسلام لها ميقات زماني فحسب، إلا الحج والعمرة فإن لهما ميقاتين زمانيا ومكانيا، والميقات في كلام المصنف؛ اسم مكان، وهو الميقات المكاني للحج، وثمة ميقات زماني له؛ هو الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومشهور المذهب أنه ثلاثة أشهر هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بتمامه على ظاهر الآية، وهو رواية أشهب، وقال ابن حبيب عن مالك الحج شهران وعشرة أيام، وعلى المشهور؛ فمن أخر طواف الإفاضة إلى ما قبل نهاية شهر ذي الحجة؛ فلا شيء عليه، وعلى القول الآخر عليه هدي، والمذهب أنه يكره أن يتقدم الإحرام على تلك الأشهر لكنه ينعقد حجا، وتعلقوا بقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فالتحديد على هذا؛ للتيسير لا للاشتراط، فمن أحرم قبل الميقات الزماني؛ فقد أساء بالتشديد على نفسه، وأيد القرطبي في تفسيره عدم انعقاده، وانصرافه إلى عمرة، وهو مذهب الشافعي، لما بين الآيتين من العموم والخصوص، وهذا هو الصواب إن شاء الله.
أما الميقات المكاني؛ فهو الموضع الذي يتعين على مريد الحج والعمرة أن لا يتجاوزه من غير إحرام، أما إن أحرم قبله؛ فقد اختلف فيه، والمذهب انعقاد الإحرام مع الكراهة، قال خليل في بيان حكم الإحرام قبل الميقاتين: «وكره قبله، كمكانه»، يعني يكره الإحرام قبل شوال كما يكره قبل الميقات، فاعتبروا التوقيت المكاني تيسيرا على قاصد الحج، قالوا: والأصل أن يحرم من داره ذكره ابن رشد في المقدمات، مع أن مالكا كره تقديم الإحرام على الميقات، وكلامه للذي أراد أن يحرم من المدينة من عند القبر الشريف
[ ٢ / ٤٧٦ ]
بدل ذي الحليفة مشهور، ولعله علم منه الميل إلى الزيادة في التعبد فشدد عليه، ومتمسكه فعل النبي ﷺ، فإنه لم يقدم الإحرام على المواقيت التي وقتها، فاجتمع القول والفعل وهو غاية في القوة، وقد تواتر أنه أحرم من ذي الحليفة مع قربها من المدينة، وأحرم بالعمرة من الجعرانة، وقد حمل القائلون بجواز الإحرام قبل الميقات فعله وقوله على التيسير، فإنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقد جاء عن جماعة من الصحابة أنهم أحرموا قبل الميقات، وقد فسر علي ﵁ قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أن تحرم بهما من دويرة أهلك، رواه الحاكم، وقوى إسناده الحافظ في التلخيص (ح/ ٩٦٦) ولا يظهر أن له حكم الرفع، مع ما يحتمله من إفرادهما بالسفر ابتداء كما قاله ابن عبد البر، وممن نقل عنهم الجواز عمر وابنه عبد الله وعلي وغيرهم ﵃، فالظاهر الإجزاء، مع أن خير الهدي هدي محمد ﷺ.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
• قوله:
٠٥ - «وميقات أهل الشام ومصر والمغرب؛ الجحفة، فإن مروا بالمدينة؛ فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة، وميقات أهل العراق ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة؛ فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة، إذ لا يتعداه إلى ميقات له».
لعل الحكمة من جعل هذه المواقيت حدودا لا يتعداها من أراد الحج والعمرة دون إحرام؛ إشعار المؤمن نفسه بمزيد تعظيم للبيت الحرام، وتطويل زمن التلبس بالإحرام بالمد في المسافة الذي يسيرها مريدها متصفا به، فيزداد بذلك أجره ومثوبته، كما أن فيه تشويقا للنفس إلى رؤية البيت الحرام المراد بالنسك، وفيه كثرة ترديد التلبية ورفع الصوت بها، وهي شعار الحج، وفيه طول الزمن الذي يترك فيه المحرم الكثير مما اعتاده في غير الإحرام، فيزداد شعثه وتفثه.
وقد جاء بيان المواقيت من النبي ﷺ نفسه، ولعله راعى في ذلك الطرق التي كانت توصل إلى مكة من الحواضر والأقاليم التي يفد الناس منها إليها، ولهذا نظر العلماء إلى أصحاب الأقاليم والجهات التي تقع على طريق لا يمر بتلك المواقيت، فألحقوهم بأهل المواقيت التي نصّ عليها النبي ﷺ، كما فعل المؤلف وغيره بحسب ما في أزمنتهم، إذ أُلحق أهل مصر والمغرب بميقات أهل الشام، وهو الجحفة، ومثلهم من وراءهم من أهل الأندلس!!، وألحق فارس وخراسان بميقات العراقيين، ويقال الآن إن أهل الشام لهم طريقان أحدهما يمر بالمدينة، فيكون ميقاتهم ذا الحليفة، والطريق الآخر المباشر المار بالجحفة فيكون ميقات من مر به منها، وهذه المواقيت توقيفية لا تتساوى في البعد عن مكة، وأبعدها عنها ذو الحليفة، وقول المؤلف «ومن مر من هؤلاء من المدينة؛ فواجب
[ ٢ / ٤٧٨ ]
عليه أن يحرم من ذي الحليفة،،،»، وهذا لأنهم لا يمرون وهم في طريقهم إلى مكة بمواقيتهم، وهي ذات عرق، ويلملم، وقرن المنازل، بخلاف من كان ميقاته أمامه كأهل المغرب والشام ومر بالمدينة، فإنه يجوز له التأخير إلى الجحفة، وهذا منصوص المدونة (١/ ٣٠٢)، ونص العلماء على أن من مر بغير هذه المواقيت يتحرى ما حاذاها من الأماكم ويحرم منه.
وحديث المواقيت هو ما رواه الشيخان (خ/ ١٥٢٤) عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك؛ فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة».
وفي الموطإ (٧٣٠) وصحيح البخاري وسنن أبي داود (١٧٣٧) عن ابن عمر مرفوعا: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن»، قال عبد الله بن عمر: «وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم»، وهذا من عظيم تحريه ﵁، وفي هذا الحديث أربعة مواقيت، وقد اختلف في ذات عرق هل هو من توقيت النبي ﷺ، أو هو من توقيت عمر بن الخطاب ﵁، ومعلوم أن العراق لم تفتح في حياة النبي ﷺ، فليس بها مسلمون يوقت لهم، ودليل الأول قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق»، رواه أبو داود (١٧٣٩) والنسائي.
ودليل الثاني ما رواه البخاري (١٥٣١) عن ابن عمر أن عمر هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق»، وقد تم ذلك لما فتحت البصرة حيث طلبوا ذلك، ولعل هذا كان اجتهادا منه وافق فيه الحق كما حصل ذلك له مرارا، وقد أجمع عليه المسلمون، فهو ميقات لا خلاف فيه، ولو وجدت طرق أخرى ومسالك تفضي إلى مكة؛ لكان المتعين على علماء المسلمين بيان مواقيت للمارين بها بمراعاة المسامتة والمحاذاة والله أعلم.
واعلم أن ظاهر ما في حديث ابن عباس وهو قوله ﷺ «ولمن مر بهن من غير أهلهن؛ أن على من مر بذي الحليفة من أهل الشام، أو أهل المغرب، أو غيرهم من أهل الآفاق؛ أن
[ ٢ / ٤٧٩ ]
يحرموا منها، لكن المذهب أنه يفضل لهم ذلك، ويجزئهم إن أخروا الإحرام إلى ميقاتهم حيث كانوا يمرون به، وإلا تعين عليهم الإحرام من الميقات الذي مروا به.
وقوله في الحديث «ممن أراد الحج والعمرة»؛ دليل على أن من لم يرد الحج أو العمرة لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، لكن مشهور مذهب مالك لزوم الإحرام بأحد النسكين لمن يريدها، ولم يستثنوا إلا من كان كثير التردد كالحطابين وكمن خرج من مكة للانتقال غير أنه نسي بها شيئا فرجع إليها، وكذا من خرج منها إلى مكان قريب ورجع قبل طول مكث، واعتبروا دخول النبي ﷺ مكة من غير إحرام كما رواه مسلم (١٣٥٧) وغيره من خصائصه.
وقد جاء عن ابن عباس: «لا يدخل أحد مكة إلا محرما»، رواه البيهقي وقال الحافظ إسناده جيد، والذي يظهر خلاف هذا، لاسيما إذا كان المرء قد سبق له أن حج أو اعتمر على القول بوجوب العمرة، فإن كلا منهما لا يجب إلا مرة في العمر، إلا أن ينذره المرء، فأما حديث: «لا يجاوز أحد ذات عرق حتى يحرم»، رواه ابن أبي شيبة (١٥٦٨٥) عن ابن عباس؛ فحديث ضعيف، ولو صح؛ لكان تقييده وكذا ما قبله بمريد الحج والعمرة، وقوله في الحديث «حتى أهل مكة من مكة»، يعني أن من أراد الحج والعمرة من أهل مكة يحرمون منها، ولا يحتاجون إلى الخروج إلى الحل، ولا إلى الميقات، لكن المذهب أن مريد الحج من أهل مكة يحرم منها، أما القارن والمعتمر؛ فلا بد له من الخروج إلى الحل، للقاعدة التي ذكروها، وهي أن كل نسك لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، لكن لما كان الحاج يخرج إلى الحل لزوما وهو عرفة؛ كان إحرامه من مكة كافيا، بخلاف المعتمر، وقد عولوا في ذلك على فعل النبي ﷺ، فإنه لم يحرم إلا من خارج مكة، وقد يقال إن هذا خارج عن مورد النزاع، لأن الكلام فيمن كان بمكة، وهو ﷺ لم يكن مقيما بها، وقال المحب الطبري: «إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة».
قال في سبل السلام (٢/ ١٨٦) مجيبا عن هذا: «وجوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتا لها بهذا الحديث، كما أجاب عن حديث إعمار أم المؤمنين عائشة من التنعيم بأمره ﷺ بما يعلم من موضعه في كتابه، وفحواه أن خروجها لم يكن على وجه الإلزام.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
قلت: وفي هذا نظر، فإنه وإن كان اعتمارها ليس واجبا إلا أنه ﷺ قد أمر أخاها أن يعمرها من الحل، فكيف لا يكون خروجها لازما مع ما فيه من الكلفة والمشقة والخروج من الحرم؟، ويظهر أن من جرى لها مثل ما جرى لأم المؤمنين تكون مثلها في مشروعية العمرة المكية، ويلتحق بذلك من اتبع أهل العلم القائلين براجحية الإفراد، مع كونه لم يسبق له أن اعتمر، ولا يتيسر لجميع الناس الذهاب إلى الميقات لموانع بعضها ذاتي وبعضها إداري، فهذا إن اعتمر من التنعيم يرجى أن لا يكون به بأس، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٨١ ]
الإحرام بإثر صلاة
• قوله:
٠٦ - «ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة».
جاء في فاتحة كتاب الحج في النوادر والزيادات من رواية ابن القاسم عن مالك قوله: «الحج كله في كتاب الله تعالى، وأما الصلاة والزكاة فذلك مجمل فيه، ورسول الله ﷺ بينه»، انتهى، ومراده أمهات مسائل الحج، وقد بين وجه ذلك ابن رشد في المقدمات، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ: «لتأخذوا عني مناسككم»، كما قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وكلام المصنف بيان لصفة الإحرام، وهو وصف لكيفية الحج بطريقة الإفراد، لأنه في المذهب أفضل أنواع النسك كما سيأتي، وسيذكر المؤلف ما يفعله المتمتع والقارن، ولا فرق بين الأنساك الثلاثة في كيفية الإحرام إلا في النية، فإذا تم السعي؛ استمر المفرد والقارن على إحرامهما، وحلق المعتمر رأسه أو قصره فانتهت عمرته، ثم يحرم بالحج بعدُ إن أراد.
أما أنه يستحب أن يكون الإحرام دبر الصلاة؛ فنعم، لكن الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه إنما أحرم عقب صلاة الظهر ركعتين، وقد احتج النووي بما في حديث جابر على صلاة ركعتين من غير الفريضة، وليس في الحديث إلا أنه صلى في المسجد، والأخبار قد يبدو عليها في هذا الأمر الاختلاف نتيجة الاختصار، وعليه فالنزاع ليس إلا في كون الإحرام له صلاة خاصة تفعل لأجله، ويقرأ فيها بسورتي الكافرون والإخلاص، وأن على مريد الإحرام انتظار وقت جواز النافلة إذا لم يوافق وقت جوازها، كما عليه بعض المصنفين والشراح، فهذا لم أقف له على دليل، فيكون الصواب: أن من أراد الإحرام إذا وافق صلاة فريضة؛ صلاها وأحرم عقبها، وإلا فإن صلى عقب الوضوء سنته وأحرم؛ فقد أحسن، وما ورد مما قد يظن دليلا لصلاة خاصة بالإحرام فإما ضعيف، وإما أنه لا دليل فيه على المدعى لاحتماله، ومن ذلك حديث ابن عباس عند الترمذي (٨١٩) والنسائي «أن رسول الله ﷺ أهل في دبر الصلاة»، وهو ضعيف، ولو صح لكان التعريف مرجحا لكونها صلاة
[ ٢ / ٤٨٢ ]
فريضة، وروى أبو داود (١٧٧٠) عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه؛ أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه»، وهو ضعيف أيضا، وهذا وإن كان ظاهرا في ركعتين غير الفريضة، لكن ينبغي صرفه عن ظاهره لموافقة ما في حديث ابن عباس عند مسلم (١٢٤٣) أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها، ثم ركب راحلته،،، الحديث، فإنه نص، ووجه دلالته أن الثابت عنه ﷺ عدم التسبيح في السفر، فيكون قد أحرم عقب صلاة الظهر، ولا يضره مخالفته لظاهر حديث أنس عند البخاري (١٥٥١) الدال على أنه أحرم بعد الصبح، فإن الأول نص، وبهذا يتبين لك أن لا وجه لما قاله الأبي ﵀ (٤/ ٣٠٥) من عدم منافاة هذا التنصيص على الإحرام عقب الفريضة للإحرام عقب النافلة، وفي حديث جابر الطويل: «فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء،،، فأهل بالتوحيد،،،».
وقد ذهب بعض أهل العلم ومن المعاصرين منهم الألباني ﵀ إلى أن من أحرم من ذي الحليلفة يستحب له بخاصة الصلاة بها لبركة المكان وخصوصيته لا للإحرام أسوة بالنبي ﷺ، فقد قال عمر: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: «صلّ في هذا الواد المبارك، وقل عمرة في حجة»، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٩٥): «وفي الحديث فضل العقيق كفضل المدينة وفضل الصلاة فيه، وفيه استحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليتدارك حاجته من نسيها مثلا، فيرجع إليها من قريب»، انتهى.
لكن الحافظ ابن كثير لا يرى هذا، فقد حقق أن الصلاة التي أمر النبي ﷺ بفعلها في وادي العقيق؛ هي صلاة الظهر التي أحرم عقبها، فقال في كتابه البداية والنهاية بصدد الكلام على حجة الوداع: «فالظاهر أن أمره ﵇ بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلي صلاة الظهر، لأن الأمر إنما جاء في الليل، وأخبرهم في صلاة الصبح، فلم يبق إلا صلاة الظهر، فأمر أن يصليها هنالك، وأن يوقع الإحرام بعدها»، انتهى.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ألفاظ التلبية ومعناها
• قوله:
٠٧ - «يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وينوي ما أراد من حج أو عمرة».
الإحرام هو الدخول في الحج أو العمرة بالنية مع قول أو فعل متعلق به، هذا معنى قول خليل، ومن القول؛ التلبية، ومن الفعل التوجه على الطريق، ولا تكفي النية وحدها؛ لأنها قد توجد قبل الميقاتين الزماني والمكاني، إذ ما يزال من يريد الحج أو العمرة قاصدا النسك بقلبه، وقيل ينعقد بالنية والتلبية، قاله ابن حبيب، فكأنه جعل التلبية بمثابة تكبيرة الإحرام من الصلاة، وقيل إن المعتمد في المذهب كفاية النية وحدها في الإحرام، والمؤلف جمع بين مطلوبية النية والقول، كما هو دأبه في هذا الكتاب من اعتماد الوصف، لا بيان الحكم في الغالب، وقد ورد ما قد يؤخذ منه النطق بالنسك مع النية، وهو ما رواه الترمذي (٨٢٩) عن خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية»، هذه رواية الترمذي بالعطف، فلا بد من المغايرة.
والذي في تحفة المباركفوري أنها بأو، فيظهر أن الأصل هو الشك من الراوي كما في سنن أبي داود، وسيأتي ذكر الحديث، لكن جاء ما يؤخذ منه النطق بالنسك، وهو ما رواه الترمذي في الشمائل، وابن ماجة عن أبان: حجّ رسول الله ﵌ على رحل رث، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم فقال: «اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة» وانظر الصحيحة رقم (٢٦١٧).
والتلبية التي أثبتها المؤلف هي تلبية النبي ﷺ، وهي في الموطإ (٧٣٥) وصحيح البخاري (١٥٤٩) عن ابن عمر، وفي الصحيح (خ/ ١٥٥٠) من حديث عائشة نحوها، ومن مرفوع التلبية «لبيك إله الخلق لبيك»، وهي في مصنف ابن أبي شيبة، والمذهب استحباب
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الاقتصار على التلبية المرفوعة، وقد أثر عن بعض الصحابة الزيادة عليها، فمن ذلك زيادة ابن عمر: «لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل»، وهي في الموطإ (٧٣٥)، وصحيح مسلم (١١٨٤) وسنن أبي داود (١٨١٢)، ومنها «لبيك ذا المعارج»، جاءت في حديث جابر عند أبي داود (١٨١٣)، وهو في صحيح مسلم، و«لبيك ذا الفواضل»، ذكرها الألباني في منسكه، ومما قيل إن عمر كان يزيده «لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك، مرهوبا منك، ومرغوبا إليك»، وهذا ذكره أبو الحسن في شرحه، وهي في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٦٢٨) مع تقديم وتأخير، فيظهر من هذا جواز الزيادة على التلبية المرفوعة متى ثبت ذلك عن الصحابي، إذا كان مما أقره النبي ﷺ، مع فصله عن المرفوع حتى لا يختلط به.
وقد كان للمشركين تلبية فيها شرك كما رواه مسلم (١١٨٥) عن ابن عباس ﵄ قال: «كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ: «ويلكم!!، قد، قد»، فيقولون: «إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك»، يقولون هذا، وهم يطوفون بالبيت»، وقوله ﷺ: «قد، قد» جاء بإسكان الدال وكسرها مع التنوين، ومعناه كفاكم هذا، فاقتصروا عليه، ولا تزيدوا ما بعده، وهو الذي ذكره الراوي بعد: «إلا شريكا هو لك … الخ، فسبحان الله ما أعظم عناية النبي ﷺ بمقاومة الشرك!!، هكذا يقول وهووأصحابه مستضعفون، ويلكم قد قد!!، يعني كفى كفى، فالمستضعف لا يتخلى عما يمكنه فعله والزجر به عم الباطل، ومن ذلك أن النبي ﷺ كان يقرأ عليهم من القرآن ما يزجرهم ويرهبهم، فقد قرأ على بعضهم قوله تعالى: «فإن أعرضوا فقد أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة هاد وثمود»، فأصيب بالفزع، حتى قال إنه لم يسمع منه غيرها.
والتلبية من واجبات الحج، فمن لم يلب عقب إحرامه وطال؛ لزمه هدي، ومن لبى أول الأمر ثم انقطع؛ فقد اختلف فيه، وما ذكره بعضهم من أن التلبية سنة؛ يريد به أنها من جملة أعمال الحج، ولا يريد به ما اصطلح عليه الفقهاء من معنى السنة.
ومعنى لبيك؛ إجابة بعد إجابة إلى ما لا نهاية له، قاله القسطلاني، أو إخلاصا لك بعد إخلاص، وقيل اتجاهي وقصدي إليك، وقيل محبتي، فهي مصادر مثناة، يراد بها التكثير
[ ٢ / ٤٨٥ ]
والتكرير، فقائلها بعد أن نوى الشروع في الإحرام يعلن استجابته دعوة مولاه للمجيء إلى بيته بألفاظ غير معهودة في التأكيد والتكرير، ولا متداولة في معاني التثنية، لأن التأكيد المعهود هو أن يقول لبيتك، لبيتك، أو لبيت دعوتك، لبيت دعوتك، والتثنية يراد بها الدلالة على اثنين، ومثلها عند العرب سعديك، ودواليك.
قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥١٦) نقلا عن ابن المنير: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ﷾»، انتهى، ومما يذكر هنا ما في المدونة من أن مالكا ﵀ سئل عن قول الرجل في غير الحج والعمرة لبيك،،، الخ، فقال هذا به خُرق!!، يعني أن من فعل ذلك فهو مدخول في عقله، لكون هذا الدعاء وإن كان صالحا من حيث لفظه لغير المحرم بالحج والعمرة، لكنه في الشرع خاص بهما، فلا يقال في غيرهما، وقد سمعت بعض المحسوبين على الدعوة في إحدى القنوات الفضائية يكرر التلبية من جملة الدعاء الذي اعتاده، بل سمعته يلبي وقد رمى جمرة العقبة!! وهو في طريقه إلى مكة في نفر من أصحابه، والمصورون مهتمون بنقل ذلك، من باب الدعوة إلى الحق!!، والمشارأليه هو عمرو خالد المصري الذي افتتن الناس به مدة من الزمن، ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا: «ما أهلّ مهلّ قط إلا بشر، ولا كبّر مكبّر قط إلا بشر» قيل: بالجنة؟ قال: «نعم».
[ ٢ / ٤٨٦ ]
الاغتسال والتجرد من مخيط الثياب
• قوله:
٠٨ - «ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم، ويتجرد من مخيط الثياب».
هذا الاغتسال من أغسال الحج والعمرة الثلاثة في المذهب، وهو أوكدها، فإنه من سنن الإحرام، ويجوز فيه التدلك وغيره مما يرافق الاستحمام دون الاغتسال لدخول مكة، وللوقوف بعرفة، ولعل الغرض منه التنظف للإحرام، لاسيما والمحرم ممنوع من إزالة الشعر، وقص الظفر، والتطيب، وإزالة الدرن، ودليله حديث زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل»، رواه الدارمي والترمذي (٨٣٠) وحسنه، وصححه الألباني، والإهلال أصله رفع الصوت، ثم توسع فيه فأطلق على الإحرام، وهو المراد هنا، لأنه إنما يعرف برفع الصوت بالتلبية، وقال ابن عمر ﵄: «من السنة أن يغتسل إذا أرد الإحرام، وإذا أراد دخول مكة»، ذكره في سبل السلام، وهو في الموطإ (٧٠٩) من فعله للإحرام ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة، ويسن الغسل كذلك للحائض والنفساء لأجل الإحرام، ففي في الموطإ (٧٠٧) أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول ﷺ، فقال: «مرها فلتغتسل، ثم لتهل»، وهو مرسل، وهو في صحيح مسلم وسنن أبي داود (١٧٤٣) عن عائشة موصولا، وجاء ذلك أيضا في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ، ودلالة الحديث على سنية الاغتسال للإحرام بالأولوية، لأن الحائض لا يرتفع حدثها، ومع ذلك أمرت بالاغتسال، فغيرها أولى، هكذا قيل، وقال الخطابي في معالم السنن: «فيه استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم، طمعا في درك مراتبهم، ورجاء لمشاركتهم في نيل المثوبة،،،» انتهى باختصار، وهو نفيس فانظر بقيته، وما ذكره يدل على أنه يعلل اغتسال الحائض بالتشبه بأهل الفضل، كما في إمساك مريد الأضحية عن قص شعره وقلم أظافره
[ ٢ / ٤٨٧ ]
إذا أهل هلال ذي الحجة، وليس بممتنع أن يكون القصد من هذا الاغتسال مع ذلك؛ التنظف، وإزالة رائحة المحيض، كي لا يتأذى الناس.
وقوله «ويتجرد من مخيط الثياب»؛ هذا من واجبات الإحرام التي تجبر بالهدي في المذهب متى فعلها من كان معذورا، فإن فعلها غير المعذور فهو عاص مع ذلك، ودليله منع النبي ﷺ المحرم أن يلبس القمص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف، وقد نبه بهذه الأمثلة على غيرها مما يلبس على قد الجسم مخيطا، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
الاغتسال لدخول مكة
• قوله:
٠٩ - «ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة».
هذا الاغتسال لأجل الطواف، ولا ينافيه ظاهر كلام المؤلف، ولذلك قالوا لا تطالب به الحائض والنفساء لأنهما لا تطوفان، وهو ثابت من فعل ابن عمر مع رفعه، ففي الصحيحين (خ/ ١٥٧٣) عنه أنه كان لا يقدم مكة؛ إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ، وهو في الموطإ من فعله وقد تقدم، وطوى بضم الطاء وفتحها اسم موضع، ومن لم يمر به اغتسل قبل الدخول إن أمكنه ذلك وهو غير متيسر الآن لعدم نزول الحجاج خارج مكة.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
استمرار المحرم على التلبية وموضع قطعها
• قوله:
١٠ - «ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك».
المتفق عليه أن التلبية أول الإحرام واجبة يجبر تركها بالهدي في النذهب، ثم إن المحرم مطالب بالاستمرار عليها من غير أن يشق على نفسه أو يبلغ الأمر به الملل، وقد جاء في الحديث؛ «أفضل الحج؛ العج والثج»، رواه الترمذي عن ابن عمر، وقال غريب، وهو في الصحيحة للألباني (١٥٠٠)، والثج؛ إراقة دماء الهدايا تقربا لله تعالى، والعج رفع الصوت بالذكر والدعاء، فالتلبية شعار الحج والعمرة، ومن أبرز شعائرهما، والمشروع للحاج أن يرفع صوته بالتلبية كما قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، أو بالإهلال» رواه مالك (٧٤١) وأصحاب السنن الأربعة (د/ ١٨١٤) و(ت/ ٨٢٩) عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه، وفي رفع الصوت بها أجر عظيم لقوله ﷺ: «ما من ملب يلبي؛ إلا لبى ما على يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا، يعني عن يمينه وشماله»، رواه ابن خزيمة والبيهقي بسند صحيح كما في منسك الألباني، وقال العلماء يجدد التلبية كلما تجددت له حال، كما إذا علا شرفا، أو هبط واديا، وقالوا مثل ذلك في الركوب، والنزول، وملاقاة الناس، وأدبار الصلوات، وفي الصحيحين (خ/ ١٥٥٥) واللفظ لمسلم عن ابن عباس مرفوعا: «كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا إصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية»، والجؤار رفع الصوت، وفي ذلك آثار عن السلف، وقال مالك في الموطإ «سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبركل صلاة، وعلى كل شرف من الأرض»، وفيه أيضا: «لا يرفع المحرم صوته بالإهلال في مساجد الجماعات، ليُسمع نفسه ومن يليه، إلا المسجد الحرام، ومسجد منى؛ فإنه يرفع صوته فيهما»، انتهى، يعني لأنهما
[ ٢ / ٤٩٠ ]
مسجدان للحجاج، وبقاعهما مناسك، وللأمن فيهما من الرياء، بخلاف غيرها، فإنها على الأصل من اجتناب رفع الصوت بالذكر والدعاء، ولم يذكر مالك مسجد نمرة؛ لأن مذهبه قطع التلبية إذا خرج إلى مصلاها كما سيأتي للمؤلف، وقد حصل وهم للشيخ محمد بن إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٢/ ١٩٠)، ولغيره - ولعله نقل عنه - فنسب لمالك قوله: «لا يرفع صوته بالتلبية إلا عند المسجد الحرام، ومسجد منى»، وقد علمت أن مالكا إنما أراد الرفع في تلك المساجد دون غيرها من المساجد لا مطلق البقاع فتنبه، والرواية الأخرى عن مالك أن المحرم يرفع صوته في المساجد التي بين المدينة ومكة، وقياس قوله أنه يرفع صوته بين الميقات ومكة من جميع الجهات، إذ لا خصوصية لميقات المدينة في هذا الأمر.
[ ٢ / ٤٩١ ]
• قوله:
١١ - «فإذا دخل مكة؛ أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى، ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة، ويروح إلى مصلاها».
إذا دخل المحرم بيوت مكة؛ أمسك عن التلبية ليتفرغ للاشتغال بغيرها، فإن عليه المبادرة إلى الطواف والسعي، والمطلوب فيهما الإكثار من الذكر والدعاء، فإن كان حاجا؛ عاود التلبية بعد تمام طوافه وسعيه، كما قال المؤلف، وسيأتي له بيان وقت انتهائها عند الحاج، فلنرجئ الكلام عليه.
وقد روى مالك في الموطإ (٧٥٢) أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا؛ ترك التلبية، وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم»، وفي الصحيحين أنه كان إذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التلبية، وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك»، ذكره الغماري في مسالك الدلالة، وفي الموطإ (٧٥٣) عن ابن شهاب أنه كان يقول: «كان عبد الله بن عمر لا يلبي وهو يطوف بالبيت».
والمذهب التفريق في موضع قطع التلبية بين من أحرم من التنعيم أو الجعرانة؛ فإنه لا يقطع حتى يرى البيت، وبين من أحرم من الميقات؛ فإنه يقطعها عند بداية الحرم، وقريب من هذا التفصيل رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة (١/ ٢٩٧)، وعمدتهم ما تقدم من أثر ابن عمر، ومن حيث النظر فإن من أحرم من الميقات استدام التلبية أياما، وقل في وقتك إنه قد استغرق وقتا أطول في التلبية، أما من أحرم من التنعيم مثلا فإنه لا يفصله عن المسجد كبير مسافة، فكان عليه استدامتها إلى أقصى ما يمكن، وعللوا قطع التلبية قبل الطواف بأن «من حكم النسك أن يعرى بعضه من التلبية كالحج»، ذكره الباجي في المنتقى، ونقله عنه ابن العربي في المسالك كعادته، وبعض هذا التفصيل فيه نظر.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
دخول مكة من كداء والخروج منها من كدى
• قوله:
١٢ - «ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية، التي بأعلى مكة، وإذا خرج؛ خرج من كُدى، وإن لم يفعل في الوجهين؛ فلا حرج».
هذا من تمام الاقتداء بالنبي ﷺ، فمن تركه بسبب ما جد من الطرق والتنظيم لحركة الحجاج؛ فلا حرج عليه إن شاء الله، وهو وغيره كثير مما لا يتيسر فعله لمعظم الحجاج والمعتمرين، فقد كانوا يختارون الطريق التي يدخلون منه، ومواضع النزول، وزمان الدخول والخروج، واليوم لا يتأتى لهم ذلك غالبا، ولأن الحجاج والمعتمرين لو دخلوا كلهم أو خرجوا من طريق واحد، أو باب واحد، أو أقاموا بمكان واحد، أو دخلوا كلهم ليلا، أو نهارا؛ لحصل ضيق شديد، ولما استقام لهم أمر، وقد دخل النبي ﷺ مكة نهارا كما في الصحيحين وغيرهما (د/ ١٨٦٥) عن ابن عمر، وورد أنه دخلها ليلا في عمرته من الجعرانة، ولعل ذلك لعارض، وعللوا دخوله نهارا بأنه إمام الناس، فيكون ذلك أنسب ليروه، وفي الصحيحين عن عائشة أنه دخل مكة من أعلاها، وخرج من أسفلها (خ/ ١٥٧٧) و(د/ ١٨٦٩) وهو في الموطإ (٧١٢) من فعل ابن عمر، وأعلى مكة يسمى كَداء بفتح الكاف، وهو من جهة باب المعلى، وتقع في جهته المقبرة، وهو طريق الحجون بفتح الحاء، وكُدى بضم الكاف، تقع أسفل مكة، وهو طريق جرول، وأهل مكة يقولون رابطين بين ضبط الكلمتين - كداء وكدى - وبين الدخول من الآولى والخروج من الثانية: «افتح وادخل، وضم واخرج»، ولعل الموضع الذي يدخل منه إلى مكة ليس شأنه التوقيف، فلا يكون فيه ائتساء، بل ما يكون مناسبا لجهة قدومه، ودليله أنه ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كدى، وهو في الصحيحين وسنن أبي داود (١٨٦٨)، ومما يحتمله هذا الأمر أنه ﷺ لما دخل من كداء يوم الفتح؛ استمر على ذلك، وسببه قول أبي سفيان بن حرب للعباس ﵄: «لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء»، فقال له
[ ٢ / ٤٩٣ ]
العباس: ما هذا؟، قال: «شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يطلع الخيل من هنالك أبدا»، قال العباس: فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل رسول الله ﷺ»، وللبيهقي من حديث ابن عمر قال قال النبي ﷺ لأبي بكر: «كيف قال حسان»؟، فأنشده شعرا: عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء
فتيسم رسول الله ﷺ وقال: ادخلوها من حيث قال حسان»، ذكر هذا الحافظ في الفتح باب من أين يخرج من مكة، والبيت الذي أحفظه هو قول حسان:
عدمنا خيلنا إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء
ويؤيد ما ذكرته من أن الأمر ليس توقيفا قول النبي ﷺ: «كل فجاج مكة طريق ومنحر»، وقوله ﷺ: «مكة كلها طريق: يدخل من هاهنا، ويخرج من هاهنا»، قال الألباني في منسكه الفقرة (٢٣): «رواه الفاكهي بسند حسن».
[ ٢ / ٤٩٤ ]
دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة
• قوله:
١٣ - «قال فإذا دخل مكة؛ فليدخل المسجد الحرام، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة».
ينبغي لداخل مكة لأجل الحج أو العمرة؛ أن يكون أول ما يفعله المبادرة إلى الطواف بالبيت، ولا يصح أن يشتغل بغير ذلك من الأمور إلا ما لا بد له منه من حط رحله، وترتيب أمر إقامته، والأكل إن كان في حاجة إليه، وينصح باصطحابه عنوان منزله، وقد اعتبر أهل العلم عدم المبادرة إلى الطواف من إساءة الأدب، وقلة الهمة، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة؛ أنه توضأ ثم طاف بالبيت»، رواه الشيخان، وقد استدل بهذا لمذهب الجمهوروهو لزوم الطهارة للطواف لأن النبي ﷺ قال: «لتأخذوا عني مناسككم»، وهذا منها، وليس بلازم لأنه فعل الواجب والشرط والمندوب، فلا يتجه الاستدلال.
ومن تيسر له؛ فليدخل من باب بني شيبة، ويسمى باب بني عبد مناف، وهو المعروف اليوم بباب السلام، وقد سميت الأبواب بأسماء المسالك التي تربط بين مساكن القبائل التي كانت تسكن حول الكعبة وبينها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يحفظه، فإن أول من عرف أنه بنى حوله جدارا إنما هو عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشرة من الهجرة، كما ذكر ذلك الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره (١٥/ ١٣)، وقد روي أن النبي ﷺ دخل من باب بني شيبة، وهو موافق للجهة التي دخل منها مكة، وإنما كان الدخول من هذا الباب مطلوبا بعد ما تقدم من موافقة جهة دخول مكة؛ لأنه كان قريبا من الركن الذي فيه الحجر الأسود من حيث يبتدأ الطواف، ولقصر المسافة بينهما، ومن فوائد ذلك اليوم أن الداخل لا يحتاج إلى الدوران لأجل ابتداء طوافه، مع ما في ذلك من المشقة، ولا سيما في أوقات الزحام، وكان هذا الباب في العهود الماضية قريبا من المطاف، فلما أدخل
[ ٢ / ٤٩٥ ]
رفع اليدين والدعاء عند رؤية البيت الحرام
المسعى في المسجد ازدادت المسافة الفاصلة بينهما، وازدادت الآن أكثر بعد الشروع في توسيع المسعى إلى الشرق سنة (١٤٢٨)، وقد أثار ذلك خلافا بين العلماء ما عرف عنهم من قبل، وهو الآن من أبعد الأبواب عن ركن الحجر الأسود، وليأت الداخل إلى المسجد بالذكر المشروع، وهو: «اللهم صل على محمد وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، ويقدم رجله اليمنى في دخوله كما يفعل في بقية المساجد.
ولم ير مالك ﵀ رفع اليدين عند رؤية بيت الله الحرام، لكنه في مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄، وصححه الألباني، وجاء ذلك عن بعض الأئمة كأحمد وابن المبارك والثوري وابن راهويه، ذكرهم الخطابي في المعالم (٢/ ١٩١)، ومما جاء في ذلك دعاء عمر بقوله كما في المصنف المذكور (١٥٩٨٥): «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام»، ولم يثبت حديث رفع اليدين ولا دعاء «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حج أو اعتمر تشريفا وتعظيما»، وليحذر أن يقف لأجل ذلك، فيتسبب في الزحام وإذاية الناس، وهذا الذي ثبت عن السلف لا يعارض بما رواه أبو داود (١٨٧٠) والترمذي (٨٥٥) عن المهاجر المكي أن جابر بن عبد الله سئل: أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت؟، فقال: «حججنا مع النبي ﷺ أفكنا نفعله: رفع اليدين عند رؤية البيت»، لأنه حديث ضعيف، وفي سنن أبي داود (١٨٧٠) جعله من فعل اليهود، ولك أن تسأل عن علاقة اليهود بالكعبة، إلا أن يكون المراد أنهم هم الذين يفعلون ذلك بما يعظمونه من المزارات.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
استلام الحجر الأسود
• قوله:
١٤ - «فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه من غير تقبيل».
المذهب أن استلام الحجر في بداية الطواف سنة، وفي باقي الأشواط مندوب، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: «لما قدم مكة؛ دخل المسجد الحرام فاستلم الحجر»، ذلك أن بداية الطواف تكون منه.
وقد اجتهد أولو الأمر هناك فوضعوا خطا يخرج من ركن الحجر إلى أبعد مدى في المطاف، ليتمكن الناس من بداية الطواف بداية صحيحة، لكن ذلك تسبب في الازدحام لوقوف الناس عليه مكبرين رافعي أيديهم، ثم إنهم تفطنوا فأزالوه فأحسنوا، فعلى الطائف أن يستيقن بداية طوافه بحيث يكون تاما، وإلا ألغى الشوط الناقص، وأول ما يفعله؛ هو التكبير مع استلام الحجر بفيه إن قدر، وإلا كبر ووضع يده عليه، ثم يضعها على فمه فيقبلها.
واعلم أن لفظ الاستلام يطلق على ما هو أعم من التقبيل بالفم ولمسه باليد مع تقبيلها أو عدمه، والعمدة في التفريق النقل، فالحجر يقبل بالفم ويستلم باليد مع تقبيلها، والركن اليماني مختلف فيه، والصواب استلامه باليد من غير تقبيل لها.
وفي صحيح مسلم عن نافع أن ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: «ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله»، فلعل قول المؤلف من غير تقبيل؛ يريد به من غير صوت، أو مراعاة لرواية عن مالك أنه أنكر تقبيل اليد، كما في الفتح (٣/ ٥٩٧)، فإن لم يصل إليه بيده؛ كبر ومسه بعود وقبل العود، وهو في حديث ابن عباس عند مسلم من فعله ﷺ، فإن لم يقدر استقبله وكبّر وأشار إليه بيده، وهو في البخاري (١٦١٣)، ولم ير مالك
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الإشارة أيضا، أما الآن فيمتنع حمل العود وكل ما يؤذي حال الطواف والسعي والرمي ونحوها من مواضع الزحام، لما فيه من الضرر والأذى، والذي يتأتى لمعظم الناس اليوم؛ هو التكبير إذا قابل الحجر، وهو الذي قاله النبي ﷺ لعمر: «يا عمر إنك رجل قوي، فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر؛ فإن خلا لك؛ فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر»، رواه الترمذي وصححه كما في منسك الألباني.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
طواف القدوم
واجبات الطواف، وسننه، ومستحباته
• قوله:
١٥ - «ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف، ثلاثة خببا، ثم أربعة مشيا، ويستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا، ويكبر».
مما جاء في فضل الطواف بالبيت قول النبي ﷺ: «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه؛ كان كعتق رقبة، لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة»، رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن ابن عمر، وهو في صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني.
هذا هو طواف القدوم وبأتي به من أفرد الحج، ومن قرن، ويسمى طواف الورود، أما المعتمر فيندرج عنده في طواف العمرة، والثاني طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، والثالث طواف الوداع، ويسمى أيضا طواف الصدر.
وطواف القدوم من الواجبات الأحد عشر التي يجبر تركها بالهدي في المذهب، ولا شيء على المراهق أعني من ضاق عليه الوقت بخشيته فوات وقت الوقوف بعرفة، وكذلك الحائض والنفساء، وإنما يطالب به غير المقيم بمكة، أما المحرم بعمرة فيندرج طواف الورود في طوافها الركن.
وللطواف من حيث هو واجبات، وسنن، ومستحبات، فأما الواجبات فقد ذكر المؤلف منها ثلاثة هي أن يجعل البيت على يساره، وهذا مما لا خلاف فيه، وفي حديث جابر بعد ذكره استلام الحجر: «ثم مشى على يمينه …»، وأن يكون سبعة أشواط كاملة، وهذا أيضا لا خلاف فيه وهو مذكور في حديث جابر كما سيأتي، وينبغي له أن يتأكد من بداية طوافه عند الحجر الأسود، ونهايته عنده، وإن شك بنى على اليقين كالصلاة، وإن زاد على السبعة سهوا؛ فلا شيء عليه، فإن تعمد الزيادة؛ بطل طوافه، لأنه عبادة مؤقتة بعدد، فتبطل بالزيادة عمدا كالصلاة، والواجب الثالث الذي ذكره المؤلف هو أن يركع ركعتين
[ ٢ / ٤٩٩ ]
بعد الطواف، وحكمهما الوجوب إن كان الطواف واجبا أو ركنا، وإلا يكن كذلك؛ فقد اختلف فيهما، فإن تركهما فثمة تفصيل يطلب في الشروح.
وبقي من الواجبات أن يكون الطواف بالبيت كله، فلو طاف داخل الحجر لم يصح طوافه لقول النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت»، رواه أبو داود (٢٠٢٨) والترمذي (٨٧٦)، والحجر بكسر الحاء هو الموضع غير المبني من الكعبة إلى جهة الشمال، ومقداره ما بين ستة أذرع إلى سبعة، وسببه أن الكعبة حين هدمها السيل في الجاهلية وبنتها قريش قصرت بهم النفقة عن إقامتها على قواعد إبراهيم، وقد قال النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لولا قومك حديثو عهد بكفر لأقمت الكعبة على قواعد إبراهيم»، وهو في الصحيح، وقد أقامها على قواعد إبراهيم ﵊ عبد الله بن الزبير رضي لله عنهما، ثم هدم ذلك البناء الأمويون، واستشار بعض الخلفاء مالكا في إعادة بنائها على تلك القواعد؛ فنصحه أن لا يفعل حتى لا تكون الكعبة مضحكة للناس، ولو أعيد بناؤها اليوم على قواعد إبراهيم لكان ذلك خيرا، إذ لا مانع منه، وقد ألمح إلى ذلك ابن كثير ﵀، ومن الواجبات أن يكون الطائف محصلا لشرائط صحة الصلاة وهي الطهارتان، وستر العورة، فإن أحدث في أثنائه؛ تطهر واستأنف، ولا يبني على المشهور، ونقل ابن حبيب عن مالك أنه يبني، وفرق بعضهم بين الفرض والنفل، والثاني من الواجبات التي لم يذكرها المؤلف أن يكون الطواف داخل المسجد، والثالث أن يوالي بين الأشواط، فلا يقطعه قطعا طويلا، ولا غير طويل لغير حاجة كالشرب، أو المريض والضعيف يقف للاستراحة قليلا، فإن نسي شوطا، ولم ينتقض وضوؤه؛ عاد إليه بالقرب كما في الصلاة، وإن طال بطل الطواف بالقياس عليها.
واعلم أنه لم يقم الدليل الصحيح الصريح على وجوب طهارة الحدث في الطواف فضلا عن شرطيتها، وحديث الترمذي (٩٦٠) عن عن ابن عباس مرفوعا «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»؛ لا دليل فيه على الوجوب، مع ما في ثبوته من الكلام، وقد أطال الكلام في الاستدلال به على الشرطية
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الرملان في الأشواط الثلاثة الأول
المشي في الطواف
القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة فأجاد، وما كل مجيد يقبل كلامه، ولا يدل على الشرطية ما ثبت من توضئه ﷺ قبل أن يطوف، لأنه مجرد فعل وهو يدل على الاستحباب، وقد سبق الكلام عليه، ولأنه لا خلاف في اشتراط الطهارة للصلاة، والطواف يصلى بعده، ولأن استحباب الطهارة لذكر الله لا خلاف فيه، وفيه النص حيث تطهر النبي ﷺ ليرد السلام.
ومع هذا يتعين القول إن على من أراد الطواف أن يتطهر، فإن انتقض وضوؤه فليتم طوافه، ثم ليتوضأ لصلاة الركعتين، وفي الحديث دليل على استحباب ترك الكلام بغير الذكر والدعاء في الطواف.
وسنن الطواف خمسة: أولها الرمل بفتح الميم في الأشواط الثلاثة الأول كلها، والمشي في باقي الأشواط، لكن هذا إنما يكون في طواف القدوم بخاصة، لا في النفل، ولا في طواف الإفاضة إلا للمراهق، فإنه لما لم يطف؛ كان مطالبا بالرملان، ودليله ما في حديث حجته ﷺ: «فرمل ثلاثا ومشى أربعا»، وأصله قوله ﷺ: «ارملوا بالبيت، ليرى المشركون قوّتكم» رواه أحمد عن ابن عباس، والرمل هو الخبب أيضا بفتح الخاء والباء؛ سير فوق المشي ودون الجري، وإنما يسن في حق الرجال لا النساء.
وثاني السنن المشي، فلا يركب ولا يحمل إلا من عذر، فإن فعل؛ أعاد، فإن رجع إلى بلده؛ فعليه هدي، ومشهور المذهب أن المشي واجب، وهو اللائق بالقول بوجوب الدم على تاركه من غير عذر متى تعذرت إعادته، فيلتقي القولان.
ودليل المشي في الطواف؛ حديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور»، رواه البخاري (١٦٣٣)، وقولها «أني أشتكي»؛ تعني أني مريضة، من التعبير بالمسبب عن السبب، فدل على أن الإذن بالركوب مقيد بحال المرض، لكن النبي ﷺ قد طاف راكبا على بعيره كما في الصحيح عن جابر وأبي الطفيل، وجاء ذلك عن صفية بنت شيبة، وجاء عن ابن عباس أنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته … الحديث، رواه أحمد وأبو داود (١٨٨١)، وفيه من لا يحتج
[ ٢ / ٥٠١ ]
الدعاء في الطواف
به، ولو صح لكان فيه بيان لعلة الركوب، فيلتقي مع حديث أم سلمة، لكن التعليل في حديث جابر عند مسلم وأبي داود جاء بأمر آخر، وهو «ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه»، فدل على الركوب للحاجة.
والسنة الثالثة الدعاء في الطواف، وهو غير محدود، ولا ينبغي التزام أدعية معينة يظن أنها هي السنة، وليحذر من رفع صوته بالدعاء فيشوش على الناس، وما يفعله كثير منهم من قراءة الأدعية وحده جهرا، أو مع ترديد مرافقيه من ورائه؛ فإنه لا يشرع، وهكذا ما يزعم بعضهم من تخصيص كل شوط بدعاء كما في بعض الكتب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دعا بين الركن اليماني والحجر الأسود بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، رواه أبو داود (١٨٩٢) وغيره عن عبد الله بن السائب، كما كان يدعو بهذا الدعاء في غير الطواف، وهو في صحيح البخاري عن أنس، بل كان ذلك أكثر دعائه كما في مسند أحمد عن أنس، وقال مالك في المدونة (١/ ٣١٨): «ليس من السنة القراءة في الطواف»، وقيل لابن القاسم: «هل كان مالك يوسع في إنشاد الشعر في الطواف»؟، قال: «لا خير فيه، وقد كان مالك يكره القراءة في الطواف، فكيف الشعر»؟.
قلت: لو قرأ الطائف سرا فلا بأس بذلك إن شاء الله، فإن قراءة القرآن خير ما يتكلم به المرء، وفي الحديث المتقدم: «فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»، وهذا في المباح فكيف بغيره؟، والرابع استلام الحجر الأسود أول طوافه كما تقدم، والخامس استلام الركن اليماني في أول الأشواط.
ومستحباته استلام الحجر في بقية الأشواط على التفصيل المتقدم، واستلام الركن اليماني فيها بوضع اليد عليه، من غير تقبيله ولا تقبيل اليد، فإن لم يتمكن فلا يشير إليه، وقد وروى أبو داود (١٨٧٦) عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة»، وهو عند أحمد والحاكم نحوه، ومن المستحبات الدنو من البيت للرجال دون النساء كالصف الأول، والدعاء عند الملتزم بعد الفراغ من الطواف وركعتيه، وقيل إن هذا ليس من مستحبات الطواف لأنه يفعل بعد الفراغ منه، وقد انقضى بصلاة الركعتين، والملتزم هو جدار الكعبة الذي يقع بين الحجر الأسود وباب الكعبة،
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الاضطباع في الطواف
فيشرع وضع الصدر والوجه والذراعين عليه، لما رواه البيهقي عن ابن عمرو قال: كان النبي ﷺ يلزق صدره ووجهه بالملتزم، وروى أبو داود وابن ماجة تفسير الملتزم مرفوعا، ووضع الصدر والوجه والذراعين والكفين عليه، قال هبد الواحد بن عاشر في المرشد المعين:
وادع بما شئت لدى الملتزم … والحجر الأسود بعدُ استلم
ومما يسن في الطواف الاضطباع، وهو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، فيكون منكبه الأيمن ظاهرا، ومنكبه الأيسر مغطى، وقد دل على ذلك وعلى تفسير الاضطباع ما رواه أبو داود (١٨٨٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قذفوها على عواتقهم اليسرى»، كما دل عليه ما رواه أبو داود (١٨٨٣) والترمذي (٨٥٩) وابن ماجة عن ابن يعلى عن أبيه أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا»، وصح عن عمر ﵁ قوله: «فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب؟، وقد أَطَّأَ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ»، ولا يشرع الاضطباع قبل هذا الطواف ولا بعده، وكثير من الناس يفعلونه طيلة مدة الإحرام!!.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
لا يستلم الركن اليماني
فضل استلام الحجر الأسود
• قوله:
١٦ - «ولا يستلم الركن اليماني بفيه، ولكن بيده، ثم يضعها على فيه من غير تقبيل»
المشروع في الركن اليماني إنما هو استلامه بوضع اليد عليه في كل شوط، فإن لم يقدر على ذلك؛ فلا يشير إليه بيده كما يفعل مع الحجر الأسود.
وقد جاء عن النبي ﷺ أن الحجر الأسود نزل من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم»، رواه الترمذي (٨٧٧) عن ابن عباس، وقال حسن صحيح، وإذا كان هذا فعل الخطايا في الحجارة؛ فكيف بفعلها في القلوب؟، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطفِّفين: ١٤]، وقد جاء في فضل استلام الحجر الأسود قول النبي ﷺ: «والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق»، رواه الترمذي (٩٦١) عن ابن عباس وحسنه، وعلى في الحديث بمعنى اللام، وقوله بحق؛ أي إيمانا واحتسابا واقتداء بالنبي ﷺ، وقد قال عمر بن الخطاب وهو يقبله: «إني أقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك»، رواه الشيخان والترمذي، وفيه التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف من معانيها، وبيان أن هذا التقبيل استثناء فلا يقاس عليه، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما عمله، ولو لم يعلم الحكمة فيه»، قاله بعض أهل العلم مع إضافة مني، وجاء في فضل استلام الركنين ما رواه الترمذي (٩٥٩) وحسنه عن ابن عبيد بن عمير عن أبيه أنه قال لابن عمر: «يا أبا عبد الرحمن، إنك تزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب النبي ﷺ يزاحم عليه، فقال: إن أفعل؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مسحهما كفارة للخطايا»، وسمعته يقول: «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه؛ كان
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كعتق رقبة»، وسمعته يقول: «لا يضع قدما ويرفع أخرى؛ إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة»، والأسبوع معناه سبعة أشواط، ويقال سُبوع أيضا بضم السين، وقوله فأحصاه يعني لم يأت فيه بزيادة ولا نقص، والذي يظهر أنه لا بد مع ذلك من الاحتساب الذي يعني حضور القلب، كما في قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة»، فليس المراد مجرد حفظ الأسماء.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
ركعتا الطواف
• قوله:
١٧ - «فإذا تم طوافه؛ ركع عند المقام ركعتين».
صلاة الركعتين عقب الطواف، أي طواف كان؛ مطلوبة، قال الزهري: «لم يطف النبي ﷺ سبوعا قط؛ إلا صلى ركعتين»، وهو في مصنفي ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والسبوع بضم السين؛ الطواف بالبيت لأنه سبعة أشواط، وجاء ذلك في حديث جابر الصحيح، وتصلى الركعتان خلف مقام إبراهيم إن تيسر، وإلا صليتا في أي مكان من المسجد، فإن كان زحام فالأولى أن تصليا حيث يطمئن المصلي ويحضر قلبه، وليجتنب أن يصليهما خلف المقام إذا كان ذلك لا يتم إلا بحراسة من جماعته، يضربون عليه طوقا بأيديهم كأنهم في حرب، ويسن أن يقرأ فيهما بعد أم القرآن بسورتي الكافرون والإخلاص، على ما في حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما أتى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد،،،»، وهذا كما ترى يدل على أنه جهر في الصلاة، ولعله فعل ذلك للتعليم كما صنع في ركعتي الفجر شهرا.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
السعي بين الصفا والمروة
صفة السعي
• قوله:
١٨ - «ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا، فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة، ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة؛ وقف عليها للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات، فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة».
هذا الاستلام يكون قبل الشروع في السعي بين الصفا والمروة، وهو معدود في سننه، وقد تركه معظم الحجاج والمعتمرين، إما بسبب الزحام وعسر الرجوع بعد صلاة الركعتين إلى الركن، وإما للجهل بالحكم، لكنه ثابت في حديث جابر الطويل قال: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا …».
والسعي بين الصفا والمروة في كل من العمرة والحج ركن لا ينجبر عند الجمهور، وقد روى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: «إن الله كتب عليكم السّعي فاسعوا»، والمطلوب وصله بالطواف اقتداء بالنبي ﷺ، وقد عد بعضهم ومنهم ابن عاشر هذا الوصل واجبا، فمن فرق بينهما تفريقا طويلا؛ فعليه هدي، وقيل لا، وقد أطال الحطاب في مواهب الجليل (٣/ ٨٦) الاحتجاج لعدم وجوب الوصل فانظره، ومن الواجب تقديمه في الإفراد والقران على الوقوف بعرفة، فمن أخره من غير المراهق والحائض والنفساء أهدى، وقال أشهب لا شيء عليه، وينبغي أن يذهب للسعي من باب بني مخزوم، ويسمى اليوم باب الصفا، ويشرب من ماء زمزم في طريقه إليه، وقال النبي ﵌: «ماء زمزم لما شُرِب له» رواه أحمد وغيره عن جابر، ويُشرع اصطحاب ماء زمزم كما جاء من فعله في سنن الترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-.
وصفة السعي أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ
[ ٢ / ٥٠٧ ]
اتصال السعي بالطواف
شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، أبدأ بما بدأ الله به»، فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بعد ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه؛ رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا …»، تأمل كيف تلا النبي ﷺ آية السعي بين الصفا والمروة في بداية سعيه كما تلا آية الصلاة في مقام إبراهيم قبل صلاته خلفه، ولعل ذلك ليحمل الحاج والمعتمر نفسه على كمال التسليم لله في اشتراع هذه العبادات، وحتى لا يقيس عليها غيرها برأيه كما يفعل الذين توسعوا في التبرك بالآثار ففتحوا أبوابا خطيرة على الناس في عقائدهم والله الهادي، ومما جاء في الخبب في السعي قول النبي ﷺ: «لا يقطع الأبطح إلا شدا»، رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني وهو في الصحيحة برقم (٢٤٣٧).
أما أن السعي سبعة أشواط؛ فلحديث ابن عمر في البخاري (١٦٤٥) وغيره وفيه قصة، قال قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعا،،،»، فالذهاب شوط، والرجوع شوط، مع أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
وللسعي في المذهب شروط وسنن ومستحبات، فأما الشروط؛ فأولها الترتيب بينه وبين الطواف في الفعل، فلو بدأ بالسعي؛ رجع فطاف وأعاد السعي، والثاني الموالاة، فإن طال حتى صار كالتارك؛ استأنف سعيه، فإن احتاج إلى الوضوء؛ توضأ وبنى بخلاف الطواف على المشهور كما تقدم، وإن أقيمت عليه الصلاة تمادى إلا أن يخاف خروج الوقت، هكذا تجده في الشروح القديمة، لأن المسعي كان حينها خارج المسجد، فرأوا أن الساعي لبعده عن المسجد الحرام؛ غير مطالب بقطع طوافه لأجل صلاة الجماعة، كما هو شأن الطواف، أما اليوم فالمسعى داخل المسجد، وهذا الموجود في الكتب للعلة التي ذكرتها حمل بعض من اطلع عليه في حج عام (١٤٢٨) أن يأمر مرافقيه بالاستمرار في السعي بعد أقيمت الصلاة، والحال أنهم لا يتمكنون من ذلك كيف والصفوف قد أوقف لأجلها
[ ٢ / ٥٠٨ ]
اختلاف أهل العلم في توسيع المسعى
السعي، ولعله قد ظن أن السعي أهم من الطواف، فلا يقطع لأجل الصلاة!!، والثالث إكمال الأشواط سبعة، والرابع أن يتقدمه طواف صحيح أي طواف كان، وقيل يشترط أن يكون الطواف الذي يسبقه واجبا، وقد علمت أن السعي يجب تقديمه على الوقوف بعرفة إلا للمراهق، وهو الذي خشي فوات الوقوف بعرفة، ومثله الحائض والنفساء، فإنهم لما كانوا لا طواف عليهم؛ كان تأخيرهم السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة لا بد منه.
ومن سنن السعي اتصاله بالطواف، إلا الزمن اليسير، وقيل إن الاتصال واجب يجبر بالهدي، وهو ما نص عليه ابن عاشر في نظمه، وقد ورد عن الإمام أكثر من رواية كما في النوادر (٢/ ٣٨٢)، مما يدل على أنه لا يرى وجوب ذلك، ومنها بالمعنى أن من طاف ثم تنفل سبوعا أو سبوعين فلا شيء عليه، ومنها أن من أتى ليلا فطاف ولم يسع إلا بعد أن أصبح؛ فإن كان بطهر واحد أجزأه.
وقد ذكر الحطاب في شرحه على مختصر خليل شيئا من هذا، لكن فيه «وطاف نفلا سبعا أو سبعين»، وهذا يوهم أنه طاف سبعا أو سبعين طوافا، وإنما هو سبوع أي سبعة أشواط، أو سبوعين، مثنى سبوع، وقد حصل لبعض وزراء الشؤون الدينية المتشددين في التعصب لمذهب مالك بغير وجه حق؛ أن طاف بالبيت مع بعض النساء في بعض ليالي منى وعجزت النساء عن إتمام الطواف، وخشي فوات المبيت بمنى، فيترتب عليه هدي، فعاد إليها وجاء يسأل هذا الذي يكتب ما تقرؤون فقلت له ممازحا ومذكرا له بتعصبه إن مذهب مالك أن تهدي هديا عنك وعمن معك، ثم أجبته بما كنت مقتنعا به وهو أن يرجع بعد نصف الليل فيسعى مع من معه، ومن سنن السعي تقبيل الحجر الأسود قبل الخروج إلى الصفا، والرقي على الصفا والمروة، والدعاء عليهما، ويستحب فيه طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، وعن مالك يقطعه لأجل تحصيل الطهارة، ثم يبني.
واعلم أنه لما ضاق المسعى بالناس وحصل فيه الزحام فقد أحدث فيه الطابق الأول ثم احتاج الناس إلى السعى على السطح، فلما لم يكف ذلك؛ استفتي أهل العلم في مشروعية توسيع المسعى عرضا إلى جهة المشرق، فكان أن اتفق معظم أعضاء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية على عدم مشروعية ذلك، ورأوا أن السعي يكون في
[ ٢ / ٥٠٩ ]
حال التوسعة خارجا عن الصفا والمروة، ورأى قليل منهم الجواز، وقد أخذ أولو الأمر بهذا، ونحن في هذه المسألة بين أمرين فإن أخذنا بقول معظم العلماء؛ فلا يصح من أحد حج ولا عمرة بناء على قول الجمهور بوجوب السعي وهو الحق، لفعل النبي ﷺ ذلك، وأمره به في قوله: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا»، رواه الطبراني عن ابن عباس، وهو في صحيح الجامع للألباني، وعلى قول الحنفية يكون جميع الحجاج مطالبين بالهدي، لأن السعي يقع باطلا، والذي نراه أنه لما قال بعض أهل العلم بأن المسعى لم يخرج عن أصله بهذه التوسعة، بل كان بعضهم يتمنى ذلك كالمعلمي اليماني في رسالته التي حققها بعض هل العلم الثّقات، وحكم بذلك حاكم؛ فإن السعي صحيح، والله أعلم.
[ ٢ / ٥١٠ ]
الخروج إلى منى يوم التروية
المبيت بمنى ليلة عرفة
• قوله:
١٩ - «ثم يخرج يوم التروية إلى منى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات».
التروية بفتح التاء وسكون الراء وكسر الواو والياء المخففة، يومها هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي كذلك لأنهم كانوا يعدون فيه الماء ليخرجوا به، إذ كان مفقودا بتلك المواضع، فهو من الري بفتح الراء الذي هو سقي الماء، وقد وصل الماء إلى تلك الأماكن منذ عهد هارون الرشيد، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٤٠): «وقد روى الفاكهي من طريق مجاهد قال، قال عبد الله بن عمر: «يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها فخذ حذرك»!.
وقد ثبت هذا الخروج في حديث جابر قال: «لما كان يوم التروية؛ توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة،،، الحديث، رواه مسلم، وجاء أيضا عند البخاري (١٦٥٣) من طريق عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك ﵁ قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي ﷺ أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟، قال بمنى،،، الحديث، ونحوه في الموطإ (٩٠٧) موقوفا على عبد الله بن عمر.
واعلم أن المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ يتعين عليه أن يحرم قبل يوم التروية ليتمكن من صوم ثلاثة أيام في الحج، إذ المراد بالحج في الآية على المذهب الإحرام به من المتمتع لا زمانه، ولو أحرم يوم التروية؛ لما بقي له غير يومين، فيصوم بعض أيام التشريق، ومعلوم أن صومها إنما هو كالترخيص لمن لم يصم قبل العيد فتنبه.
والمبيت بمنى ليلة التاسع قيل هو مستحب، وقيل مسنون، وعليه فمن لم يصل بها الظهر والعصر وبات بها؛ فلا دم عليه باتفاق في المذهب، ومن لم يبت كره له ذلك، ولا دم على المشهور،
[ ٢ / ٥١١ ]
ومتمسك القائلين بعدم الوجوب؛ أنه لا يتعلق بهذا المبيت نسك خاص، فكأنه مجرد مرحلة للاستراحة، وهذا رأي محض، ومن الحجة عندهم أن بعض الصحابة كان يبيت تلك الليلة بمكة، كما نقل عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، وجاء عن ابن الزبير أنه صلى الظهر يوم التروية بمكة، مع أنه هو القائل: «سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة، رواه ابن خزيمة والحاكم كما في فتح الباري (٣/ ٦٤٢)، لكن هذا القول منه ﵁ بمجرده؛ لا يدل على عدم الوجوب كما قد يظن، لأن مراده ليس السنة الاصطلاحية الحادثة، بل المقصود أن النبي ﷺ فعل ذلك، وتخلف عبد الله بن الزبير وعائشة ﵃ قد يكون لعذر، أو لأن ذلك مذهبهما، وفي الموطإ (٩٠٧) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى عرفة، وفي المدونة (١/ ٣٢٠): «أرأيت لو أن حاجا أحرم بالحج من مكة، فأخر الخروج يوم التروية والليلة المقبلة فلم يبت بمنى وبات بمكة، ثم غدا من مكة إلى عرفات أكان مالك يرى عليه لذلك شيئا؟، قال: «كان مالك يكره له ذلك، ويراه قد أساء»، وقال ابن المنذر: «لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا»، الفتح (٣/ ٦٤٢).
قلت: وقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي إلى لزوم الهدي لمن لم يبت بمنى ليلة التاسع، ذكره علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن، ويظهر أن ترك المبيت بمنى أمر قديم، فقد قال ابن العربي في العارضة (٣/ ١١٠): «مررت من ذات عرق فألفيت الحاج كله بائتا بعرفة ليلة عرفة، وليس على من فعل ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله ﷺ، وقد خاب من تركه»، انتهى، وأفعال النبي ﷺ في الحج على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك، اللهم إلا أن يثبت الإجماع على عدم لزوم الهدي كما حكاه النووي، وأشار إليه ابن المنذر، وانظر نيل الأوطار للشوكاني (٥/ ١٣٣)، وقد كره مالك الذهاب إلى منى قبل يوم التروية، كما كره إقامة الحاج بمكة يومها إلا لمن أدركه وقت الجمعة، ولعل ذلك مقيد عنده بمن وجبت عليه لكون حكم السفر قد انقطع عنه.
[ ٢ / ٥١٢ ]
يقطع التلبية إذا راح إلى مصلى عرفة
• قوله:
٢٠ - «ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة، ويروح إلى مصلاها».
تقدم هذا للمؤلف حين ذكر قطع التلبية لدخول مكة، وإنما كرره هنا للمناسبة، ونقل هذا عن بعض السلف من الصحابة، لكن ثبت أن النبي ﷺ ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر، (خ/ ١٦٨٦)، أي انتهى من رميها كما جاء مصرحا به في رواية للنسائي (٥/ ٢٧٦) من حديث أسامة بن زيد، ويعسر أن يقال عن أحد إنه قطع التلبية ما لم يصرح بقوله، وليس من المستبعد أن يحمل القطع على غير ما يظهر كالتكبير بدل التلبية، والانقطاع عنها فترة قد تطول، فهذا مما يجوز أن يحمل عليه فعل بعض الصحابة كعمر وأبي بكر وعلي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم.
وقد سأل محمد بن أبي بكر الثقفي أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة: «كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ؟، قال: «كان يهل المهل منا فلا ينكَر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكَر عليه»، رواه مالك في الموطإ (٧٤٩) والشيخان (خ/ ١٦٥٩)، لكن الاستدلال بهذا ونحوه على قطع التلبية إذا راح الحاج إلى عرفة كما صنع الحافظ الغماري؛ فيه نظر، بل يستدل به على مشروعية التكبير والتلبية معا في هذا اليوم، وهو ما ترجم به البخاري، ولعل الغماري اغتر بترجمة مالك رحمة الله عليه بقوله قطع التلبية، مع ما أورد معه من الآثار بذلك عن علي وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃، وقد عول مالك على فعل عائشة أم المؤمنين، وكانت مرافقة للنبي ﷺ في حجته، لكن يقال إن هذا فعلها، وليس خبرا نقلته عنه ﷺ، وقد أيد الباجي في المنتقى (٢/ ٢١٦) قطع التلبية عند رمي جمرة العقبة، فقال: «وما تضمنه الحديث أظهر عندي وأقوى في النظر»، وهو رواية عن مالك ذكرها القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٤٧٩)، واستحسن ذلك اللخمي في التبصرة.
[ ٢ / ٥١٣ ]
الاغتسال يوم عرفة
الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم
• قوله:
٢١ - «وليتطهر قبل رواحه، فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس».
هذا أحد الأغسال الثلاثة التي في الحج، وهو غسل من غير دلك، بل بإمرار اليد فقط، وقد روى مالك في الموطإ (٧٠٩) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة»، غير أن الاغتسال للإحرام ولدخول مكة ثبتا بالمرفوع من الحديث، وهذا الغسل للوقوف لا للصلاة، وعليه فتخاطب به الحائض والنفساء.
وقد أكد المصنف هنا وفي الإفاضة من عرفة الصلاة وراء الإمام والدفع بدفعه، وهو أمر كان السلف يشددون فيه، لما في تركه من أسباب الخلاف والشقاق، وقد بنى بعض أهل المذهب على الوقوف مع الإمام والدفع معه؛ أن من فعل ذلك يَجمع معه بالمزدلفة، ومن وقف معه وتأخر لعذر؛ فإنه يجمع في أي محل شاء، بخلاف من وقف معه، وتأخر اختيارا؛ فإنه لا يجمع إلا بالمزدلفة، ومن لم يقف معه؛ لا يجوز له الجمع مطلقا، بل يصلي كل صلاة لوقتها، انظر حاشية علي الصعيدي على شرح رسالة ابن أبي زيد لأبي الحسن (٢/ ١٥٨)، وإنما ذكرت هذا لبيان تشددهم في الانتقال مع أمير الحج في المشاعر، لا لأني أقر هذا التفصيل، إذ هو مما لا أعلم عليه دليلا، وهو أمر يتعذر اليوم على غالب الحجاج.
أما الجمع بين الظهر والعصر بعرفة قصرا جمع تقديم؛ فقد ثبت في حديث جابر الطويل، وقد اختلف فيه هل هو جمع للسفر، أو للنسك؟، والأخير هو المذهب، ويكون بأذانين وإقامتين رعاية لأصل التأذين لكل صلاة، فإنه حيث جعل الشارع وقت الصلاتين وقتا واحدا، فلا تكون إحداهما أولى بالأذان من الأخرى، كذا قالوا، وقال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز بأذان واحد وإقامتين، وانظر شرح الزرقاني على الموطإ (٢/ ٣٥٢)،
[ ٢ / ٥١٤ ]
الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس
وهو ما دل عليه حديث جابر الواصف لحجة النبي ﷺ، ويؤذن بعد انتهاء الخطبة، ويقرأ سرا، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله.
وقد نبه المؤلف بقوله: «ثم يروح إلى موقف عرفة»؛ إلى أن السنة أن يكون موضع الصلاة دون عرفة كما هو حال مقدم مسجد نمرة الآن، وكما فعل ذلك النبي ﷺ، فيسن للحاج أن يصلي خارج عرفة، ثم يروح إليها بعد الصلاة، وقد أرشد إلى ذلك النبي ﷺ بقوله: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة»، وهي بضم العين وفتح الراء، تقع على حدود عرفة مما يلي مزدلفة غربي مسجد نمرة، وليست عرنة ولا نمرة من عرفات، ولا من الحرم، وجاء ذلك من فعله أيضا، كما في حديث جابر أن النبي ﷺ نزل بنمرة، حتى إذا زاغت الشمس؛ أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم ركب حتى أتى الموقف، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا،،، الحديث، وبطن الوادي المذكور هو عرنة، وذكر الأبي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٢٥٤) أن عرنة ليست من عرفة إلا عند مالك، وما ذكره حكاه ابن المواز عن مالك أن من وقف في بطن عرنة؛ فقد تم حجه، ويريق دما، وهو في شرح زروق (١/ ٣٥٥).
وقد يُرد ذلك برواية مالك في الموطأ (٨٧٨) بلاغا أن رسول الله ﷺ قال: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر»، ووصله عبد الرزاق بنحوه كما في الاستذكار (٤/ ٢٧٤)، وعليه قول خليل مشبها في عدم الإجزاء: «كبطن عرنة، وأجزأ بمسجدها بكره»، وقد وسع المسجد كثيرا إلى جهة عرفة ويقف كثير من الحجاج داخله، ويظهر والله أعلم أن ثمة مواضع هي موضع اشتباه بين عرفة ومزدلفة، وبين مزدلفة ومنى، فينبغي الاحتياط بتجنب الوقوف بها.
والوقوف بعرفة من أعظم أركان الحج، وليس أعظمها كما يتبادر من قول النبي ﷺ: «الحج عرفة»،،، وهو طرف من حديث عبد الرحمن بن يعمر، رواه أصحاب السنن، ومعناه الحج الصحيح المعتبر هو ما وقف فاعله بعرفة، والمراد بالوقوف وجود الحاج بعرفة في جزء من الليل على المذهب سواء كان قائما أو قاعدا أو مارا، لكن يشترط في
[ ٢ / ٥١٥ ]
فضل يوم عرفة
المار القصد، قال خليل: «ولو مر إن نواه»، وهو الركن الذي يفوت الحج بفواته، فأما الوقوف نهارا ابتداء من الزوال؛ فواجب يجبر بالدم، لكن يدل على أن الحج لا يفوت بالوقوف ليلا ما في حديث عروة بن مضرس، قال: أتيت النبي ﷺ يعني بجمع، فقلت: جئت يا رسول الله من جبل طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل؛ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟، فقال رسول الله ﷺ: «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك ليلا، أو نهارا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه»، رواه أبو داود (١٩٥٠) والترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح، كما صححه ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٣٦)، وقال يلزم الشيخين إخراجه، وقوله هذه الصلاة؛ قيل صلاة الفجر بمزدلفة، والتفث بالتاء والفاء المفتوحتين؛ أصله الوسخ والقذر، والمراد هنا أن من فعل ما ذكر؛ فقد أتى بأغلب المناسك التي تسبق ما يلزم منه عدم قص الظفر، وإزالة الشعر، وتنحية الدرن، وترك الطيب، والتزين، فأطلق المسبب، وأراد السبب، والله أعلم، والمراد الغالب من ذلك، إذ لم يبق على الحاج إلا رمي جمرة العقبة، والحجة منه قوله: ليلا أو نهارا، ويدل عليه أيضا ما في حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة، فجاء ناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلا فنادى رسول الله ﷺ: «كيف الحج»؟، فأمر رسول الله ﷺ رجلا فنادى: «الحج الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع، فتم حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»، رواه أبو داود (١٩٤٩)، وبقية أصحاب السنن، وصححه الترمذي، ويمكن القول إن الوقوف المجزئ هو ما كان بعد الزوال إلى طلوع الفجر بمعية فعل النبي ﷺ، وقوله هذا، وفعل أصحابه.
وقد جاء في فضل يوم عرفة قول النبي ﷺ: «مامن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: «ما ذا أراد هؤلاء»؟، رواه مسلم (١٣٤٨) والنسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ودنو الله تعالى يُمَرُّ من غير نعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومما يدل على عظم الوقوف بعرفة وما فيه من الفضل
[ ٢ / ٥١٦ ]
بغفران الذنوب؛ حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «وقف النبي ﷺ بعرفات، وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: «يا بلال، أنصت لي الناس»، فقام بلال فقال: «أنصتوا لرسول الله ﷺ»، فأنصت الناسُ، فقال: «يا معشر الناس، أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربي السلام، وقال: «إن الله ﷿ غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات»، فقام عمر بن الخطاب فقال: «يا رسول الله، هذا لنا خاصة»؟، قال: «هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة»، فقال عمر بن الخطاب: «كثر خير الله وطاب»، نسبه في الترغيب والترهيب لابن المبارك من غير بيان موضعه، وجعله الحافظ على شرط الشيخين إن ثبت سنده إلى ابن المبارك، وصححه الألباني، والتبعات بفتح التاء وكسر الباء جمع تبعة، قال في لسان العرب: «التبعة والتباعة ما فيه إثم يتبع به، يقال: ما عليه في هذا من الله تبعة، ولا تباعة»، وفي الحديث دليل على مغفرة الكبائر وحقوق الناس، ولا مانع من تقييد ذلك بالعجز عن ردها أو استحلالهم منها، والله أعلم، ومن ذلك قوله ﷺ: «إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله»، رواه ابن ماجة (٣٠٢٤) بإسناد فيه مجهول كما في الزوائد، وصححه الألباني لشواهده، وتَطَول بفتح التاء والطاء؛ قال ابن الأثير: ومنه الحديث تطاول عليهم الرب بفضله، أي تطول»، انتهى، وفي لسان العرب يقال منه طال عليه، وتطول عليه؛ امتن عليه، انتهى، وهذا هو المناسب هنا.
والدعاء في عرفة أفضل الدعاء فقد قال رسول الله ﷺ: «أفضل الدعاء؛ دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيئون من قبلي؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، رواه مالك في الموطإ (٩٥٥) عن طلحة بن عبيد بن كريز مرسلا، لكنه جاء مسندا كما بينه ابن عبد البر في التمهيد، وانظر الصحيحة (١٥٠٣)، والحديث دال على فضل يوم عرفة على سائر أيام العام، وعلى أن أفضل الدعاء فيه التهليل، وذكر ابن عبد البر من دعاء النبي ﷺ في عرفة ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ أنه دعا يوم عرفة بعرفة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في
[ ٢ / ٥١٧ ]
قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، أعوذ بك من وساوس الصدر، وفتنة القبر، ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر ما ياتي به الليل والنهار»، وإنما ذكرته لأنبه على أن محققي كتاب الاستذكار قد نسباه إلى البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وهو ليس عند واحد منهم، وبعض ألفاظه في الصحيح، فانظر باب جامع الحج من الاستذكار.
[ ٢ / ٥١٨ ]
صلاة المغرب والعشاء والصبح بمزدلفة
وجوب النزول بمزدلفة واستحباب المبيت بها
قول بعض الماللكية بوجوب المبيت
• قوله:
٢٢ - «ثم يدفع بدفعه إلى مزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح».
إذا غربت الشمس يفيض الحاج من عرفة إلى مزدلفة، وتسمى جمعا بفتح الجيم وسكون الميم، قيل لاجتماع آدم فيها بحواء، كما تسمى المشعر الحرام، وقيل هو جزء منها، وهو جبل قزح في آخرها جهة مكة، فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء جمعا وقصرا بأذانين وإقامتين كما تقدم في الجمع بعرفة.
وقد جاء الجمع بأذانين وإقامتين عن ابن مسعود من فعله في صحيح البخاري (١٦٧٥) من حديث عبد الرحمن بن يزيد، كما صح عن عمر ﵁، فالظاهر أن مالكا اعتمد فيما ذهب إليه من الأذانين والإقامتين فعل عمر، وجاء عن ابن عمر الأمران، فكأنه كان يرى في الأمر سعة، لكن جاء في حديث جابر بأذان وإقامة، فيكون هو الأولى، وإنما حج النبي ﷺ مرة واحدة.
والمذهب أن النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها مستحب، والظاهر وجوب المبيت، يدل عليه أنه إنما رخص في تركه للمعذور، وقد قال بلزوم الهدي لمن لم يبت القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف (١/ ٤٨٣).
وقد روى مالك في الموطإ (٩٠٩) والبخاري (١٦٦٧) عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: «دفع رسول الله ﷺ من عرفة، حتى إذا كان بالشعب؛ نزل فبال، فتوضأ، فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: «الصلاة يا رسول الله»، فقال: «الصلاة أمامك»!!، فركب، فلما جاء المزدلفة؛ نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا»، وفي هذا الحديث المبادرة بصلاة المغرب بمجرد الوصول، وفيه الفصل بين
[ ٢ / ٥١٩ ]
الصلاتين المجموعتين باليسير من العمل، وأن ذلك لا يضر، وترك الصلاة بينهما.
ومما رأيته ما يفعله الحجاج من النزول في أول مزدلفة، فيسدون الطريق على من أراد المرور إلى المواضع الفارغة في بقية الجهات إلى القبلة، فيحصل بذلك اضطراب كثير، وازدحام وإيذاء للنائمين والمصلين، ولو ساروا إلى نهاية مزدلفة لما حصل شيء من ذلك، فيتعين على أولي الأمر التنبه لهذا.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الوقوف بالمشعر الحرام للدعاء بعد صلاة الصبح
الإسراع في بطن محسر
• قوله:
٢٣ - «ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها، ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى، ويحرك دابته ببطن محسر».
هذا الوقوف يكون بعد صلاة الصبح إلى أن يسفر جدا كما جاء ذلك في حديث جابر أنه ﷺ بعد الصلاة «اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا،،، الحديث، وقد كانت العرب لا تفيض من المزدلفة حتى تشرق الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وهو جبل عال إلى يمين الذاهب إلى منى، فخالفهم النبي ﷺ كما جاء ذلك عن عمر في سنن الترمذي، وما في حديث جابر مبين لما في كتاب الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وفيه أن المشعر الحرام يؤتى بعد الوقوف بعرفة، وفيه الأمر بذكر الله عنده، ومن ذكره إقامة صلاتي المغرب والعشاء والصبح، والتلبية وسائر الأذكار، ومنها التي تكون بعد صلاة الصبح من يوم العيد، وقد بين حديث جابر أن المشعر الحرام غير عموم المزدلفة.
وبطن محسر هو واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأن الفيل الذي جاء به الأحباش لهدم الكعبة حسر فيه أي أعيا فيه وكل، وحصل في هذا الموضع لأصحاب الفيل ما حصل، فلما كان موضع عذاب؛ كان مستحبا أن يسرع الحاج فيه السير إشعارا للنفس بكراهية مواطن العذاب كما هو الشأن في ديار ثمود، ومن حديث جابر: «،،، فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا،،،».
وفي حديث علي ﵁ عند الترمذي في وصف حجته ﷺ: «،،، حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته، فخبت حتى جاوز الوادي،،،».
[ ٢ / ٥٢١ ]
رمي جمرة العقبة يوم العيد
ما يفعل يوم العيد من المناسك وحكم ترتيبها
• قوله:
٢٤ - «فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة».
الذي يفعل يوم العيد هو أربعة أشياء من السنة فعلها مرتبة، وهي رمي جمرة العقبة، فالنحر، فالحلق، فطواف الإفاضة، فإن أخل بالترتيب؛ ففي الأمر تفصيل، فإن قدم الحلق على الرمي؛ لزمته فدية، وفي تقديم الإفاضة على الرمي روايتان: أولاهما الإجزاء مع الهدي، والثانية عدم الاعتداد بالطواف فيعيده، أما الترتيب في غير هاتين الصورتين؛ فمندوب، قال خليل: «وتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي، لا إن خالف في غير»، انتهى، لكن ظاهر ما في الموطإ لزوم تأخير الحلق عن الذبح، وقد استدل مالك على ذلك بحديث كعب بن عجرة حيث ترجم عليه بقوله: (فدية من حلق قبل أن ينحر)، ثم ساق الحديث، وقال في باب الحلاق: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن أحدا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره؛ حتى ينحر هديا إن كان معه، ولا يحل من شيء حرم عليه؛ حتى يحل بمنى يوم النحر، وذلك أن الله ﵎ قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ودلالة الآية على وجوب الترتيب واضحة، إلا أن يحمل بلوغ الهدي محله على وصوله إلى المحل، لا على نحره أو ذبحه بالفعل، وقد جاء هذا التأويل لمعنى الآية عن مالك من رواية ابن القاسم إذ قال لأن الهدي قد بلغ محله، وذلك يوم النحر، فانظر الاستذكار أول الأحاديث في باب جامع الحج، والظاهر فيمن لم يرتب هذه الأمور الأربعة ناسيا أو جاهلا أنه لا شيء عليه، لما صح عن النبي ﷺ أنه قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: «لا حرج»، رواه البخاري (١٧٣٤) عن ابن عباس.
وأخرج مالك (٩٥١) والبخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، فقال:
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وقتا الأداء والقضاء في رمي الجمار
«اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: «لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي»، فقال: «ارم ولا حرج»، فما سئل عن شيء قدم ولا أخر؛ إلا قال «افعل ولا حرج»، والشعور هنا هو العلم، ويدخل فيه النسيان لأن العلم حال النسيان محجوب عن المرء، ولهذا فالظاهر عدم دخول العامد في رفع الحرج، الذي يعني الاعتداد بالفعل مع عدم ترتب شيء على المخالفة، لأن في تعميم ترك الترتيب من اختلال أعمال الحج ما فيه من انخرام نظامه.
فإن قيل: إن قوله ﷺ: «افعل ولا حرج»؛ يدل على جواز ذلك في المستقبل، وقد لا يكون نسيانا ولا جهلا، فكأنه استثناء من قاعدة لتأخذوا عني مناسككم؛ فالجواب: أن حمله على معنى إتمام ما بقي على السائل من غير عود إلى فعل ما لم يرتبه؛ أولى من حمله على تعمد عدم ترتيب ما بقي مما شأنه الترتيب ممن كان عالما به، فكأنه ﷺ قال للسائل افعل ما بقي عليك مما كان مرتبا ولم ترتبه، وذلك بين إن شاء الله.
وجمرة العقبة هي الجمرة الأخيرة مما يلي نهاية منى إلى جهة مكة، وسميت الجمرات كذلك باسم ما يرمى فيها، فإن الجمار هي الحجارة، ويبتدئ وقت رمي جمرة العقبة من طلوع الفجر، وينتهي بغروب الشمس، فهذا وقت الأداء، والليالي والأيام الموالية لزمن أداء جمرة العقبة وغيرها كلها قضاء، تتنهي بغروب شمس اليوم الرابع، فمتى غربت شمسه فلا خلاف في لزوم الهدي، أما من فاته وقت الأداء وانتهاؤه في كل يوم بغروب الشمس فقد اختلف في وجوب الهدي عليه، والمشهور الوجوب.
ومع أن وقت رمي جمرة العقبة يبتدئ من طلوع الفجر؛ إلا أنه يندب أن لا يرمي حتى تطلع الشمس، لكن جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: «بعثني رسول الله ﷺ في ثَقَل من جمع بليل، وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس»، لفظ الترمذي (٨٩٣)، وصححه، وحسنه الحافظ في الفتح (٣/ ٦٦٧)، وانظر سنن أبي داود (١٩٤١)، والثقَل بفتح الثاء والقاف هو حشم المسافر ومتاعه، والنهي كما ترى موجه إلى من كانوا مع ابن عباس من النساء والضعفة، وقد حمله الجمهور على خلاف الأولى اعتبارا بترخيصه ﷺ للضعفة بالإفاضة من مزدلفة بالليل، وما جاء من رميهم كما في حديث ابن عمر وعائشة الصحيحين، لكن يقال لا يلزم من الترخيص بعدم المبيت تقديم الرمي، فكيف إذا نهوا عن
[ ٢ / ٥٢٣ ]
التحلل الأصغر برمي جمرة العقبة
ذلك؟، وكيف بغيرهم؟.
ومن السنة أن يكبر مع كل حصاة من الحصيات السبع، وحجمها مثل حصى الخذف، والخذف هو الرمي، أي أنها بمقدار ما يرمى بإصبعين، كانوا يرمون بها على وجه اللعب، تجعل بين السبابة والإبهام من اليسرى، وتقذف بسبابة اليمنى، فحولها الشرع إلى عبادة!!، وحجمها فوق حبة الحمص ودون حبة الفول، وقال في الموطإ (٩٢٤)، إنه سمع بعض أهل العلم يقول: «الحصى التي يرمى بها الجمار مثل حصى الخذف»، قال مالك: «وأكبر من ذلك قليلا أعجب إلي»، وقوله هذا يحمل على أنه لم يبلغه ما في حديث جابر أنه ﷺ سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر،،،»، لأنه لو بلغه ذلك؛ ما نسب القول به إلى أهل العلم، ولا استحب ما هو أكبر قليلا من حصى الخذف، والعلم عند الله.
ولا بد في الرمي من العدد وهو سبع حصيات، وتكون من الحجر ونحوه لا من الطين والمعادن كالحديد، وأن تكون مثل حصى الخذف، وقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ أمره أن يلتقط له حصى الجمار فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه، وقال: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، رواه النسائي وابن ماجة (٣٠٢٩).
واعلم أن الحصيات التي ترمى بها الجمرات لم يرد في موضع التقاطها شيء، فيجوز أن تلتقط من أي مكان، والأصل أن تلتقط من منى، لأن في خلاف ذلك تكلفا ومشقة، وفي المذهب الأفضل التقاط حصى جمرة العقبة من مزدلفة والأوْلى تركه، وينبغي أن تكون طاهرة، في الحجم المتقدم، وقد رأيت بعضهم يغالون في الأمر، فيلتقطون عدد الجمار التي يرمى بها في الأيام كلها من المزدلفة، ولا يخفى ما فيه من التشدد والتلكف والحرج.
وإذا رمى الحاج جمرة العقبة تحلل التحلل الأصغر، فيباح له ما كان محظورا عليه ما عدا النساء والصيد، ويكره له التطيب على المذهب، والظاهر عدم كراهته لقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل
[ ٢ / ٥٢٤ ]
أن يطوف بالبيت»، وهو في الموطإ (٧٢٥) وفي الصحيحين وسنن أبي داود (١٧٤٥)، لكنه معارض عند مالك بحديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ، وهو بالجعرانة، وعليه أثر خلوق، أو قال صفرة، وعليه جبة، فقال: «يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي»؟، فأنزل الله ﵎ على النبي ﷺ الوحي، فلما سري عنه قال: «أين السائل عن العمرة»؟، قال: «اغسل عنك أثر الخلوق»، أو قال: أثر الصفرة، واخلع الجبة عنك، واصنع في عمرتك ما صنعت في حجك»، وهو في الصحيحين وسنن أبي داود (١٨١٩)، ولما بين هذا الحديث وحديث عائشة من التعارض؛ أورده مالك مرسلا عن عطاء بن أبي رباح عقب حديثها وفيه تطييبها النبي ﷺ، ولأهل المذهب تأويلات لحديثها ومعارضات، ولا أحسب أن شيئا من ذلك ناهض، فإذا طاف طواف الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة إن كان عليه سعي؛ فقد تحلل التحلل الأكبر، غير أن قربان النساء بعد رمي جمرة العقبة، أو خروج وقت أدائها؛ لا يفسد الحج، وإن كان يلزم من فعله الهدي.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
موضع نحر الهدي
• قوله:
٢٥ - «ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق، ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا، ثم يركع».
المراد بالنحر ما هو أعم منه ومن الذبح من هدي واجب بسبب تمتع بالعمرة إلى الحج، أو قران، أو جبران نقص بترك واجب، أو جزاء صيد، أو تطوع، فهذا ينحر بعد الرمي في أي موضع من منى، مما ليس وراء جمرة العقبة، كما قال النبي ﷺ: «ومنى كلها منحر»، وإنما ينحره بمنى إن كان قد أوقف هديه بعرفة هو أو وكيله ليلة النحر، وإلا فلينحره بمكة، فإن نحر بمكة ما ينحر بمنى؛ أجزأه، وإن خالف لم يجزئه، ولعل ذلك لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، إذ هو الأصل فيه، لكن في عدم الإجزاء نظر، وبعد النحر يحلق أو يقصر إن كان رجلا، ما لم يكن قد لبد رأسه أو عقصه، فإن كان كذلك؛ لم يجزه غير الحلق، وقد نسب القول به لعمر ﵁ وسيأتي، والملبد هو الذي يجعل عليه الصمغ ونحوه لمنع تفريقه ودخول الهوام فيه وبعد الحلق يطوف بالبيت طواف الإفاضة، وإن لم يكن قد سعى من قبل لكونه مراهقا، أو لأنه أحرم من مكة؛ فإنه يسعى بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج، ويجوز تأخير طواف الإفاضة عن موعده المذكور، وقيل إنه لا يفوت إلا بخروج شهر ذي الحجة، غير أنه يستحب له على المذهب أن يطوف في ثوبي إحرامه، والظاهر أن من لم يعجل الطواف في وقته؛ يبقي عليه ثوبي إحرامه حتى يطوف لقول النبي ﷺ: «إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت؛ صرتم حرما لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به»، رواه أبو داود (١٩٩٩) عن أم سلمة، وأمره ﷺ لوهب بن زمعة ولمن معه أن ينزعا عنهما القميصين لكونهما لم يطوفا، وهكذا تشبيهه حالتهم الثانية بحالتهم الأولى في الإحرام ينبئ عن الوجوب لا الاستحباب، قال البيهقي لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به، وذكر ابن حزم أنه مذهب عروة بن الزبير، وقال به الألباني.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
المبيت بمنى ثلاث ليال لرمي الجمار
• قوله:
٢٦ - «ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام، فإذا زالت الشمس من كل يوم منها؛ رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة، ولينصرف».
أي يقيم بمنى ثلاثة أيام بلياليها، فإن ترك المبيت بها جل ليلة؛ فعليه هدي، وأيام منى الثلاثة ذكرها الله تعالى في كتابه إذ قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وبعضها هو المراد عند أهل العلم على أحد القولين في قوله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] ومن جملة ذكره الذي أمر به رمي الجمار، وما يصحب ذلك من التكبير، والدعاء الذي بعد الجمرتين، والتكبير أدبار الصلوات وغيرها، والرمي وغيره من المناسك إنما شرع لذكر الله وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله»، رواه أبو داود (١٨٨٨) والترمذي (٩٠٢) عن عائشة، وهو ضعيف.
فإن قيل: إن غير الطواف والسعي ورمي الجمار من العبادات إنما تفعل لذكر الله، فما وجه اختصاص هذه به؟، فالجواب: أن هذه العبادات أبيح فيها الكلام، وفيها أعمال غير معهودة كالرملان، والاضطباع، وتقبيل الحجر، ورمي الجمار، والمكث في أماكن معينة في زمن معين مما يشبه الأعمال العادية، فقد يتمسك الفاعل بالصورة والشكل، ويغفل عن المقصود، فكان هذا بيانًا للغرض من هذه الأعمال حتى لا تغدو مجرد أشكال
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وصور خالية من المعاني التي رمى إليها الشرع، وأعظمها ذكر الله، وقد غدت كذلك عند كثير من الناس كما لا يخفى.
وما ذكره من رمي الجمار في الأيام الثلاثة إذا زالت الشمس بسبع حصيات، والتكبير مع كل حصاة، والدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى؛ هو الوارد عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر من فعله، وقال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل»، وهو في مسند أحمد وصحيح البخاري (١٧٥١).
وروى أبو داود (١٩٧٣) وغيره عن عائشة قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رفع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، وعند الثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها»، قال الألباني صحيح إلا قوله «حين صلى الظهر»، فإنه منكر».
قلت: قال في عون المعبود: «فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمنى، ثم أفاض»، انتهى، ويدل على أنه صلى الظهر بمنى قول ابن عمر: «أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى»، رواه مسلم، وأبو داود (١٩٩٨)، وعلقه البخاري لكن خالفهما حديث جابر أن رسول الله ﷺ انصرف إلى المنحر، فنحر ثم ركب، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، رواه مسلم، وقد جمع بينهما العلماء بأنه صلى بمكة الظهر أول الزوال، وهو ما دل عليه حديث جابر، وأعادها بمن لم يصلها من أصحابه في منى، وهو ما دل عليه الحديثان الآخران، فإن كان ولا بد من الترجيح؛ فكونه ﵊ صلاها في منى أقوى لاعتبارات رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر عون المعبود (٥/ ٣٣٢).
ووقت رمي الجمار في اليوم الثاني والثالث والرابع من الزوال إلى غروب الشمس، على المذهب، والليل كله قضاء، يلزم من أخر إليه الهدي، كما يلزم ذلك من ترك مبيت ليلة أو جلها بمنى، أو ترك رمي جمرة، أو حصاة واحدة، أو رمى الجمار كلها غير أنه لم
[ ٢ / ٥٢٨ ]
يرتب رميها، كمن ابتدأ بالجمرة الصغرى، كل ذلك فيه الهدي.
وحد منى من وادي محسر جهة المزدلفة إلى جمرة العقبة، ويليها المحصب، وقد رخص النبي ﷺ للعباس في المبيت بمكة من أجل السقاية، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ أن العباس ﵁ استأذن رسول الله ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له»، رواه البخاري (١٧٤٥)، كما صح الترخيص في عدم المبيت للرعاة وهو في الموطإ (٩٢٩) عن أبي البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون يوم الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرْمُون يوم النفر، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ: «الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار» رواه البيهقي، وهذا حيث يمكن.
والوقوف للدعاء مستقبلا القبلة إنما يكون عقب الجمرة الصغرى والوسطى، ولا يقف عند جمرة العقبة، ويشرع فيه رفع اليدين كما صح ذلك عن النبي ﷺ، ولم ير مالك رفع اليدين فيه، ولا في بقية المشاعر، فيكون دليلا على أن الحديث لم يبلغه، وهو مشعر بشدة حرصه على الاقتداء، ولأن العبادات الأصل فيها المنع وضيق نطاق القياس، فلم يأخذ بالمطلقات، ولا قاس بعضها على بعض، وقد ذكرته في كتابي المسمى (درء الشكوك عن أحكام التروك)، لكنه رؤي رافعا يديه في الاستسقاء، وقد جعل بطونهما إلى الأرض، وقال: إن كان الرفع؛ فهكذا»، انظر كفاية الطالب الرباني (٢/ ١٦٦).
وقوله ولينصرف؛ يعني لا يقف للدعاء، قال أبو الحسن: «يعني يمضي أمامه، ولا يرجع خلفه، لأنه يمنع الذي يأتي الرمي، قاله الخرشي»، وهذا الذي نبه عليه أهل العلم ﵏ منذ قرون؛ ما زال بعض الحجاج يفعلونه، فتسقط بسببه عشرات الأنفس قتلى وجرحى، وقد أحدث أولو الأمر في السنوات الأخيرة ما يمنع الرجوع من الطريق الذي يذهب منه إلى الجمرات، ووسعوا المرمى، وجعلوه على هيئة مستطيل بحيث يرمي الحجاج من جهتين ويمضون بعد أن كان على شكل دائري يتواجه فيه الرماة من الحجاج وقد يقذف بعضهم
[ ٢ / ٥٢٩ ]
بعضا، وزودوا جداره بما يمنع رجوع الجمار على الناس بعد رميها، وتجري الأشغال بالجمرات منذ سنتين لإحداث طوابق جديدة حسب الجهات التي يأتي منها الحجاج إلى الجمرات، فاطمأن الناس في الرمي، وصاروا يذكرون الله فيه، ويقفون للدعاء بعد أن كان هم معظمهم فيه أن ينجو من الموت والأذى، فلله الحمد والمنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وجزى الله القائمين على ذلك خيرا.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
استحباب النزول بالمحصب
• قوله:
٢٧ - «فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر؛ انصرف إلى مكة، وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف».
يجب الرمي في اليوم الثالث بعد يوم النحر على من بات بمنى، لأن المبيت إنما شرع للرمي في النهار، فمن أراد أن يتعجل؛ فعليه أن يخرج من منى قبل الغروب، إلا أن يمنعه مانع قهري؛ فلا شيء عليه إذا لم يبت ويرم في اليوم الرابع من العيد، وقد خير الله تعالى عباده في الرمي في هذا اليوم بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ولا ريب أن المبيت خير لأن فيه زيادة طاعة وعبادة، لكن المدار على التقوى، لأنها المقصودة من صور العبادات كيفما كانت، وإنما الصور منبهة عليها ومذكرة بها.
ويستحب لغير المتعجل إذا أنهى رمي الجمار في أيام منى؛ أن ينزل بالمحصب، ويسمى الأبطح، فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويقصر الرباعية، لأن المحصب من تمام المناسك، ويدخل مكة ليلا، لفعل النبي ﷺ، ولا شيء على من تركه، وفي المدونة أن من يقتدى به لا يدع النزول به، وسع لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي به سرا»، والمحصب هو الموضع الذي تحالفت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم، وإخوانهم بني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ، وقد قال: «ننزل غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر»، رواه مسلم (١٣١٤) عن أبي هررة، وعن ابن عمرو ﵁: «من السّنّة النزول بالأبطح عشية النفر» وهو في الصحيحة. لكن المحصب الآن هو طريق يتعذر الإقامة به إلا على الأفراد القلائل.
[ ٢ / ٥٣١ ]
طواف الوداع
• قوله:
٢٨ - «فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف».
يستحب في المذهب - وقيل يسن - للحاج والمعتمر وغيرهما ممن يريد مغادرة مكة ما لم يكن ممن يتردد عليها؛ أن يطوف طواف الوداع، بحيث يكون آخر عهده بالبيت، فإذا طال مكثه بعد فعله؛ أعاده، ومن تركه؛ فلا شيء عليه، ومرجع ذلك إلى ما رواه الشيخان وأبو داود (٢٠٠٢) عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت»، وفيه كما ترى النهي عن الخروج من مكة حتى يطوف طواف الصدور، والنهي عن الشيء أمر بضده، وقد جاء الحديث مصرحا فيه بالأمر كما رواه الشيخان (خ/ ١٧٥٥) عن ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»، فاجتمع على طواف الوداع الأمر به، والنهي عن تركه، مع فعله ﷺ، ومن ذلك قوله في الحديث خفف، فإن التخفيف لا يكون غالبا إلا من واجب، فإنه في المستحب قائم بأصله، فيلزم أهل المذهب الذين بلغهم الحديث القول بوجوب طواف الوداع، ولكنهم لم يقولوا به، كما لم يقولوا بالوجوب على المشهور في المبيت بمزدلفة مع أنه إنما رخص في تركه للمعذور، وقد يستدل على استحبابه بعدم إلزام من تركه للعذر بما يجبر به من هدي أو غيره، مع أن بعض أعمال الحج من أفعال أو أقوال أو مناه قد ألزم تاركها المعذور بالهدي، ومن ذلك من حلق رأسه للعذر، فإن الله تعالى أوجب عليه الفدية.
واعلم أن أهل المذهب يرون أن طواف الوداع ليس من أعمال الحج، ولا من أعمال العمرة، وإنما شرع رعاية لحرمة البيت، فكما قالوا إن دخول مكة لا يكون بغير إحرام على ما تقدم؛ ذهبوا إلى إن طواف الوداع يطالب به كل من أراد الخروج من مكة، لا فرق بين معتمر وحاج وغيرهما، إلا من خرج للموضع القريب كالتنعيم، فإن خرج ليقيم
[ ٢ / ٥٣٢ ]
طولب به، وإنما يستثنى المتردد على مكة، ولو كان سفره بعيدا، ودليلهم عموم قوله ﷺ: «لا ينفرن أحد،،،».
قلت: ومن حيث النظر؛ فإن طواف الوداع لما كان يطالب به المرء ولو طال مكثه بمكة كأن لا يخرج منها حتى ينقضي شهر ذي الحجة؛ قوي ما رأوه من عدم ارتباطه بالحج والعمرة، وقد وجدت القاضي عبد الوهاب أشار إلى هذا في كتابه المعونة، لكن جاء في حديث الحارث بن عبد الله بن أوس قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، قال فقال الحرث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ، قال: فقال عمر: «أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ كيما أخالف!!، رواه أبو داود (٢٠٠٤)، وللترمذي: «من حج هذا البيت أو اعتمر؛ فليكن آخر عهده بالبيت»، فقال له عمر: «خررت من يديك!!، سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ولم تخبرنا به؟، وفي سند الترمذي الحجاج بن أرطاه، لكن قوله أو اعتمر، زيادة غير محفوظة كما قال المباركفوري والألباني، وقول عمر: «خررت من يديك»، وفي رواية أبي داود «أربت عن يديك»، قال ابن الأثير: «كأنه أراد؛ أصابك خجل أو ذم»، انتهى، أنكر عليه سؤالَه عن الحكم وعنده سنة من النبي ﷺ، وقد ثبت الترخيص للحائض بترك طواف الوداع، فيكون حديث الحارث منسوخا، هكذا قيل، ولا يلزم لاحتمال تمسك عمر والحارث بالعموم من غير أن يكون هناك تنصيص من النبي ﷺ على لزوم الوداع للحائض، وفي الحديث كما ترى جعل طواف الوداع على من حج وحده، فيحمل عليه عموم قوله ﷺ: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت»، والعلم عند الله.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
يفعل في العمرة كما يفعل في الحج إلى تمام السعي
• قوله:
٢٩ - «والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه، وقد تمت عمرته».
العمرة معناها الزيارة، وحكمها في المذهب السنية كما سيأتي، وقد أمر الله تعالى بإتمامها بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واتفق أهل العلم على أن من شرع فيها لزمته، فلا يتحلل إلا أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ما لم يحصر، أو يشترط في إحرامه على ما عليه بعض العلماء، ولها ميقاتان زماني ومكاني، فالزماني العام كله، لكن من أفرد الحج، وأراد أن يعتمر؛ فلا يحرم بها إلا بعد غروب شمس آخر يوم من أيام منى، فإن أحرم قبل ذلك؛ فلا يفعل شيئا من مناسكها إلا بعد ذلك الغروب، والميقات المكاني؛ هو الحل للمقيم داخل الحرم، والمواقيت للآفاقي، ويكره تكريرها في العام الواحد، وهي مثل الحج في الاغتسال، والتجرد من مخيط الثياب، ومحرمات الإحرام، والتلبية، والتفاصيل المتعلقة بالطواف، والسعي، فإذا أكمل المعتمر السعي؛ حلق أو قصر، وقد تمت عمرته، ويجمع ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ، وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخَلوق، أو قال صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟،،، الحديث، وفيه جواب النبي ﷺ للرجل: «اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك»، والخلوق بفتح الخاء طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره، فهذا يدل على تماثلهما فيما هو مطلوب في العمرة من أعمال الحج، غير أنها لا وقوف فيها، وهكذا بقية أعمال الحج التي تلي الوقوف.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
أفضلية الحلق على التقصير عند الرجال
• قوله:
٣٠ - «والحلاق أفضل في الحج والعمرة، والتقصير يجزئ، وليقصر من جميع شعره، وسنة المرأة التقصير».
المراد بالتقصير أن يأخذ المرء من جميع شعر رأسه ويترك قدر الأنملة منه في الطول، فإن لم يحلق، أو طال الزمن؛ فعليه هدي، لأن الحلق من الواجبات، أما المرأة فتقصر لا غير، بأن تأخذ من جميع شَعْر رأسها قَدْر الأنْمُلة لأن حلق رأسها مثلة، وقد روى أبو داود (١٩٨٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير»، وقد حسنه الحافظ في بلوغ المرام، وصححه الألباني.
وإنما يكون الحلق أفضل للرجل إذا لم يكن قد لبد رأسه أو عقصه، قالوا لأن التقصير مع ذلك لا يتأتى، والتلبيد أن يجعل في شعره شيئا كالصمغ يجمعه حتى لا يتشعث، وليمنع دخول الغبار والهوام فيه، وما يفعله كثير من الناس اليوم يقاربه لكن الغرض أن تظل شعورهم ذات بريق مصففة منظمة قائمة فلا يحتاجون إلى مشطها وتسريحها!!، والدليل على إلزام الملبد والعاقص بالحلق ليس بالبين، وكون النبي ﷺ كان قد لبد رأسه وحلق؛ لا يدل على الوجوب بمجرده.
ولعل عمدة القائل به ما في الموطإ (٩٠٤) عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «من عقص رأسه أو ضفر أو لبد فقد وجب عليه الحلاق»، والعقص أن يجمع شعره في قفاه، والضفر أن يجعله ضفائر، وقد تقدم معنى التلبيد، كما أن الحلق إنما يكون أفضل في حق من لم يكن في عمرة، وهو يريد أن يحج، وكان الوقت قريبا، فإن هذا الأولى له أن يقصر في التحلل من العمرة، ويستبقي الحلق للتحلل من الحج.
ويدل على أفضلية الحلق، وإجزاء التقصير؛ حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال:
[ ٢ / ٥٣٥ ]
«اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال: «وللمقصرين»، فلما رضي بالتقصير بدعائه للمقصرين بعد المرة الثالثة من دعائه للمحلقين؛ دل على إجزائه وعلى أفضلية الحلق، وهو يقتضي حلق جميع الرأس، أو التقصير من جميع الشعر وهو المذهب، لا كما يفعل بعض من يحرص على زينة شعره أكثر من حرصه على أداء نسكه، وإنما يجزئ التقصير لمن كان له شعر يمكن تقصيره، وإلا كان الحلق هو المتعين كالأصلع يمر على رأسه الموسى، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الحلق والتقصير فقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ما يجوز للمحرم قتله من الحيوان
• قوله:
٣١ - «ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب العقور، وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها، ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط».
ذكر ﵀ هنا ما يجوز للمحرم قتله من الدواب، وهي الفأرة بالهمزة الساكنة، والحية والعقرب والكلب العقور، وهو الذي يعدو فيدخل فيه السبع والكلب والنمر والفهد، ويظهر أن المؤلف لم يدخل ما ذُكر في الكلب العقور، ولهذا عطف قوله: «وما يعدو من الذئاب والسباع»، فما لا يعدو من صغار السباع لا يقتل، وقد فسر مالك في الموطإ الكلب العقور بأنه «كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد والنمر، والفهد، والذئب، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهر وما أشبههن؛ فلا يقتلهن المحرم، فإن قتله فداه، وأما ما ضر من الطير فإن المحرم لا يقتله إلا ما سمى النبي ﷺ الغراب والحدأة، وإن قتل المحرم شيئا من الطير سواهما فداه»، انتهى ببعض اختصار، والغربان جمع غراب وهو طائر أسود غالبا، والصواب في الأحدية: أنها الحدأ بكسر الحاء وفتح الدال، ومفردها حدأة ضبطها كالجمع قال:
«وتفني الأولى يستلئمون على الأولى • تراهن يوم الروع كالحدأِ القبل».
وقوله فقط؛ مشعر أن ما آذى من الطير من غير ما ذكر لا يقتل، وقد علمت أنه نص قول مالك.
وإنما نص العلماء على جواز قتل الحاج ما ذكر؛ لأنه ممنوع من صيد البر، وإلا فإن المذكورات يقتلن في الحل والحرم كما هو نص حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الهوام ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور»، وهو في الموطإ (٧٩٢) وعند الشيخين، وروياه أيضا عن عائشة،
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وروى مسلم عن ابن عمر قال حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور،،، وذكر فيه الهوام السابقة قبلُ مع زيادة الحية، والفرق كما ترى واضح بين الحديثين: فالأول فيه رفع الجناح عمن قتلها، وفي الثاني الأمر بذلك، ودلت ألفاظ الأحاديث على أن الإحرام يمنع من ذلك، كما أن الحرم مانع، ودلت الزيادات التي جاءت في أحاديث أخرى على أن مفهوم العدد غير مراعى، وقد جاءت أعداد أخرى منها أربع، قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى ص (٢٠٠): «وأحسب أن تخصيص هذه الأنواع بالذكر لأنها لما كان ضرها غير مخطر وكان من الممكن دفعها نبه عليها توسعة على الناس، إذ لا يخفى أن السباع المفترسة والحيات يقتلها المحرم لخطر إضرارها، فليس الشارع بحاجة إلى التنبيه على الإذن بقتلها، وأما سباع الطير فإن ما فيها من النفور من الإنسان ما يكفيه شرها، فإذا هاجمته فلا خلاف في قتلها».
[ ٢ / ٥٣٨ ]
محرمات الإحرام وفي الحرم
• قوله:
٣٢ - «ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث».
هذا شروع من المصنف في ذكر محرمات الإحرام، ومن المحرمات ما سببه الإحرام نفسه، ومنها ما يحرم بالحرم ولو من غير المحرم، ومن جملة ما يحرم بالإحرام النساء، أي ترك الجماع وغيره من مقدماته، كان معه إنزال أو لا، قالوا ولو علمت السلامة، وذكروا أنه يختلف عن الصوم لشدة الأمر في الحج، فإن جامع ولو من غير إمناء، أو أمنى بفعله شيئا مما يستدعي ذلك قبل أن يرمي جمرة العقبة أو مضي يوم العيد، وفي العمرة قبل أن ينهي سعيه؛ فقد فسد حجه أو عمرته، وعليه القضاء من قابل مع الهدي، وإن فعل شيئا من مقدمات الجماع ولم ينزل؛ فعليه الهدي، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرفث الكلام الذي يستقبح ذكره كالحديث عن الجماع ودواعيه، والمراد به هنا الجماع والإفحاش بحضرة النساء.
ومما يحرم على المحرم الطيب: مذكره ومؤنثه، والمذكر ما ظهر لونه وخفي ريحه كالورد والياسمين، فهذا يكره شمه ولا فدية فيه، ويجوز استصحابه والمكث في الموضع الذي هو فيه، ومؤنثه عكسه كالمسك والعنبر، يكره شمه، ويحرم التطيب به، وفيه الفدية، والمذهب أنه لا يشرع التطيب للإحرام ولا للتحلل الأصغر اعتمادا على ما في حديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ بإزالة ما عليه من الخلوق، والصواب إن شاء الله: استحباب التطيب للإحرام وللتحلل، فإن الخلوق وإن كان من الطيب إلا أنه طيب فيه زعفران وغيره، وقد ورد النهي عنه لغير المحرم فكيف به له؟، فلا يقاوم الحديث الدال على التطيب، فيحمل على ما عدا الخلوق، ولو استحكم التعارض بين الحديثين؛ لكان المطلوب الأخذ
[ ٢ / ٥٣٩ ]
بما دل عليه حديث عائشة لكونه في حجة الوداع سنة عشر، والحديث الآخر سنة ثمان.
ومن محرمات الإحرام على الرجال؛ لبس الثياب المخيطة كالقميص والسراويل والبرنس والخف والعمامة، فعن ابن عمر ﵄ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: عما يلبس المحرم من الثياب»؟، فقال رسول الله ﷺ: «لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحدا لا يجد نعلين؛ فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران أو الورس»، رواه مالك (٧١٤) والشيخان (خ/ ١٥٤٢) وأصحاب السنن عن ابن عمر، وقد أجاب ﷺ السائل عما لا يلبس لأنه أقرب إلى الحصر بخلاف ما يلبس، وقوله العمائم ذكرها لأنها هي التي كان الرأس يغطى بها، فلا مفهوم لها، فضلا عن كونها لقبا، فتغطية المحرم رأسه محرمة غطاه بعمامة أو بغيرها، وسينص عليه المؤلف، وأبى مالك في الموطإ أن يلبس السراويل من لم يجد الإزار قياسا على من لم يجد النعل فيلبس الخف بعد قطعه.
ومما يحرم على المحرم؛ صيد البر سواء كان لأجل الأكل أو لغيره، كأن يصيد قردا أو خنزيرا أو غيرهما، كما يحرم عليه أكله إن صيد له لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ويحل له صيد البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، ومن خالف ذلك فعليه الجزاء وسيذكره المؤلف.
وقول المؤلف «وقتل الدواب وإلقاء التفث»؛ يريد ما كان في جسم المحرم منها كالقمل، فيحرم عليه قتلها، وكذا إلقاؤها إن كان ذلك سببا في قتلها، بخلاف ما لا يتسبب إلقاؤه في قتله كالبرغوث، كما يحرم عليه إلقاء التفث، وأصله ما تأنف منه النفس وتكرهه، والمراد قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الظفر، وإزالة الدرن من الجسم، وجامعها أنها مما يترفه بإزالتها فيستبقيها الحاج طلبا للشعث طيلة إحرامه.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
حرمة تغطية الرأس وحلقه
• قوله:
٣٣ - «ولا يغطي رأسه في الإحرام، ولا يحلقه إلا من ضرورة، ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ، أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد».
تغطية المحرم رأسه لا تجوز، وكذلك حلق شعر رأسه كله أو إزالة شيء منه، أو من بقية جسده، ودليل الأول قول النبي ﷺ فيمن وقصته ناقته وهو محرم: «ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا»، وجه الدلالة أنه علل النهي عن تغطية الرأس بأنه يبعث ملبيا، والذي يلبي إنما هو المحرم، وقد احتج به بعض المالكية على منع المحرم من تغطية رأسه، وهو غير متجه ممن لم يقل بما تضمنه من عدم تغطية رأس من مات محرما لما في ذلك من التناقض، وقد عول مالك فيما ذهب إليه من تغطية رأس من مات محرما على أن الحكم خاص بمن خرج الحديث عليه لأن القيامة غيب، ودعم ذلك بأثر عن ابن عمر ﵄ وهو في الموطإ (٧٢٢) حيث قال عن ابنه واقد وقد كفنه وخمر رأسه ووجهه: «لولا أنا حرم لطيبناه»، ومن النظر الذي اعتمده قوله: «وإنما يعمل الرجل ما دام حيا، فإذا مات فقد انقضى العمل»، انتهى، والحق أن عمل الميت انقضى، لكن غيره وهو الحي مكلف بذلك، كما كلف بتغسيله وترا وتكفينه وترا ونحو ذلك، وقد كثرت الأحاديث التي فيها بعث الناس على أوصاف معينة محمودة أو مذمومة، فلا خصوص لهذا.
ودليل المنع من الحلق حال الإحرام؛ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فجعل غاية المنع من الحلق النحر، فهذا هو الأصل وهو فعل النبي ﷺ، لكن دل قوله ﷺ على أن من خالف فلم يرتب لا حرج عليه، وقد تقدم.
أما جواز الحلق من ضرورة كالمرض والضرر اللاحق بسبب الهوام؛ فللقاعدة المقطوع بها في الشرع، وهي أن الضرورات تبيح المحظورات، ثم لحديث كعب بن عجرة
[ ٢ / ٥٤١ ]
فدية الأذى
الآتي، لكن من حلق لعذر؛ فعليه الفدية لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن معقل قال قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فسألته عن فدية الصيام فقال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟، فقلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك»، فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة»، ورواه مالك في الموطإ (٩٤٨) نحوه، وظاهر هذه الرواية الترتيب بين النسك بشاة من جهة، وبين الإطعام والصوم من جهة أخرى، وظاهر الآية التخيير بين الخصال، فيكفي ذلك، وإن كان النسك بالشاة أولى.
وقوله يذبحها حيث شاء من البلاد»؛ فدية الأذى لا يتقيد فعلها بمكان، حتى ولو كانت نسكا بشاة، لأنها نسك وليست بهدي، فلذلك لم يروا في قول الله تعالى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ حجة على لزوم ذبحه بها، إلا إذا قلدها أو أشعرها، فإنها تعطى حكم الهدي، فيلزم ذبحها بمنى إن أوقفها بعرفة، وإلا ذبحها بمكة، ولا يأكل منها بعد المحل لبراءة ذمته منها ببلوغها إياه، بخلاف ما إذا عطبت قبل، فإن له أن يأكل منها لأن عليه البدل، وقد بين مالك في الموطإ قوله في هذه المسألة فقال: «ما كان ذلك هديا؛ فلا يكون إلا بمكة، وما كان من ذلك نسكا؛ فهو يكون حيث أحب صاحب النسك».
وقد اتخذ أهل المذهب حديث كعب بن عجرة قاعدة في كل ما يرتكبه المحرم من المخالفات مما يترفه به أو يزيل أذى، فإن كان معذورا فعليه الفدية ولا إثم عليه، وإلا أثم مع الفدية، كما اتخذوا هدي التمتع وبدله وهو الصيام قاعدة في كل ما ترك من الواجبات، قال خليل: «وغير الفدية والصيد مرتب،،،».
[ ٢ / ٥٤٢ ]
اختلاف المرأة عن الرجل في بعض محرمات الإحرام
• قوله:
٣٤ - «وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها، وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل».
تختلف المرأة عن الرجل في بعض محرمات الإحرام، ويتساويان في بعضها، والحكمة في ذلك؛ أنها مطلوب منها التستر والصيانة، لذلك أبقى الشرع على لباسها المعتاد، حتى تستر جميع جسدها، فيجوز لها لبس الخفين، وثيابها المخيطة، وإنما منعها من الانتقاب ولبس القفاز على ما سيأتي؛ لأن كفيها ووجهها ليسا بعورة، وفي ذلك نزاع.
كما منعها ما يمنع على الرجل من الطيب والصيد والرفث وإلقاء التفث وقتل الدواب لأصل المساواة، ولأنه لا حاجة إلى استثنائها هنا، وقد جاء الدليل على مخالفة الرجال النساءَ فيما رواه أبو داود (١٨٢٧) عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا»، وفيه محمد بن إسحاق لكنه صرح بالتحديث، وبعض ألفاظه لا يشبه كلام النبي ﷺ.
واعلم أن الحديث قد دل على جواز لبس المرأة السراويل وغيرها من الثياب التي ذكرت معه، وذلك لأنها غير مطالبة بالتجرد كالرجل، ولا يعني ذلك قطعا لبسها السروال وحده، فهذا لا أحسب مسلما يقول به، لكن صاحب كتاب فقه العبادات وأدلته على مذهب السادة المالكية!! (ص ٤٥٧) استدل بهذا على جواز لبس المرأة السراويل الساتر لزينتها!! في الحج وفي غيره، وعدم وجوب لبس الجلباب الوارد في الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وهذا من الباطل الذي لا يرتاب فيه، ولو كان الأمر كذلك؛ فلم لم ينزل دركة أخرى فيقول يجوز لها لبس الحلي والاكتفاء به عن غيره من اللباس، وهكذا يقال في القميص والخف، وكل ما جوزه
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الشرع لهن، ثم قال: وفي الحديث الأول دليل على عدم وجوب لبس القفاز والنقاب للمرأة في الحج وفي غير الحج»، انتهى، ولعلك علمت الخلل الذي في العبارة، فإن الحج يمتنع فيه لبس القفاز والنقاب، وغير الحج والعمرة قد يؤخذ من الحديث عدم وجوب ذلك فيه، أما عدم الاستحباب فأين السبيل إليه، وإني أحذر من الاستماع للرجل وقراءة كتبه، وقد) أتحفنا (بعض المصريين الذين لا يفتأون يجتهدون في إبطال السنن والعبادات، وحشرها في خانة العادات بكتاب زعم فيه كاتبه أن النقاب عادة وليس عبادة، وقد قال ذلك بعضهم عن توفير اللحية، فهي عنده من سنن العادة، وقال ذلك آخرون عن الخفاض للنساء، فهو عنده قسوة، وقال غيره عن أخذ الناس الزيادة على ما يودعون في البنوك إنه ليس هو الربا المحرم، وقال آخرون بعدم فرضية الجهاد الطلبي، فالله حسبنا وهو ولينا وناصرنا:
يا ناطح الجبل العالي ليوهنه … أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
[ ٢ / ٥٤٤ ]
• قوله:
٣٥ - «وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه».
معنى كون إحرام المرأة والرجل في شيء عدم جواز تغطيته، فلا تستر المرأة وهي محرمة وجهها بنقاب، ولا كفيها بقفازين، وقد جاء في حديث ابن عمر السابق فيما يلبسه المحرم زيادة هي: «ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين»، (د/ ١٨٢٥)، لكن لها أن تسترهما بما تسدله عليها من فوق رأسها، ويتأكد ذلك إذا خالطت الرجال كما هو الحال الآن، وقد كانت النساء تفعل ذلك على عهد النبي ﷺ، كما هو في سنن أبي داود (١٨٣٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا؛ سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه»، لكن فيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
أما الرجل فيحرم عليه تغطية رأسه وقد تقدم، أما وجهه فقد اختلف فيه، والمذهب منع تغطيته، وقد روى مالك في موطإه آثارا مختلفة عن ابن عمر من قوله بالمنع، حيث اعتبر الوجه من الرأس لكونه فوق الذقن، وعن عثمان من فعله بالجواز، ثم اختار المنع مراعاة لأصله، وهو أن ما اختلف فيه الصحابة شأنه عنده الاجتهاد لا الاختيار، وقد روى فيه عن ابن عمر أنه كفن ابنه واقدا ومات وهو بالجحفة محرما وخمر رأسه ووجهه، وقال: لولا أنا حرم لطيبناه»، وعلق مالك على ذلك بقوله الذي سبق ذكره، يريد أن المحرم وإن كان ممنوعا من تغطية الوجه والرأس والطيب؛ إلا أنه بموته زال المنع بزوال سببه، ولذلك لم يعمل أهل المذهب بظاهر الحديث الذي جاء فيمن وقصته ناقته، ورأوا أنه واقعة حال لا عموم فيها، ولأن التعليل الذي فيه بأنه يبعث يوم القيامة ملبيا مما لا يعرف إلا بالوحي، وليس بجيد، والصواب: جواز تغطية المحرم وجهه للحاجة وقد جاء ذلك من فعل النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
لا يلبس الرجل الخفين
• قوله:
٣٦ - «ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين».
جاء هذا في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟، قال: «لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحدا لا يجد نعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران، ولا الورس»، رواه الشيخان (خ/ ١٥٤٢) وهذا لفظ مسلم عن بلوغ المرام، وانظر (د/ ١٨٢٣)، وهو في الموطإ كما تقدم، وإنما أمر النبي ﷺ بقطع الخفين أسفل من الكعبين لأنهما يصيران حينئذ نعلين، والفرق بينهما أن الخف يغطي الكعب، والنعل لا يغطيه، وما يلبسه المرء لوقاية رجله ليس إلا الخف أو النعل، فمن قيد النعل الجائز لبسه للمحرم بكونه على الشكل الفلاني، أو كونه من نعال التكرور، أو كونه لا يغطي ظاهر الرجل؛ فعليه الدليل من الوحيين، أو من اللغة، أقول هذا مع علمي أن معظم العلماء اشترطوا عدم تعطية ظاهر الرجل، وجاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن الخفين لا يقطعهما من لم يجد النعلين، وهذا هو الموافق لمقاصد الشرع من حفظ الأموال، واجتناب إتلافها، وأهل المذهب كالجمهور على خلافه، واعتبروه من باب حمل المطلق على المقيد.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
أفضلية الإفراد على التمتع والقران
• قوله:
٣٧ - «والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران».
تقدم أن أنواع الإحرام ثلاثة، وقد اتفق المسلمون على جواز أي منها، والخلاف إنما هو في أفضلها، والمذهب أفضلية الإفراد، وعن مالك في قول آخر أن التمتع أفضل، وهو في حاشية علي الصعيدي على شرح أبي الحسن، فلينظر من أين استقاه ووثقه، وإنما كان الإفراد أفضل عندهم لأمرين: أولهما ما ثبت من حديث عائشة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ أفرد الحج، وهؤلاء هم من خواصه الذين كانوا قريبين منه في حجته، وهم من العارفين بشأنه، ومن هذا القبيل ما جرى عليه الخلفاء الراشدون في عملهم بإفراد الحج غير علي بن أبي طالب الذي نقل عنه هذا وهذا، والأمر الثاني أن كلا من القارن والمتمتع يلزمه الهدي، وهو للجبران كما قالوا، والمفرد لا هدي عليه، وما لا يلزم معه الهدي أولى مما يلزم معه.
ويبدو أن الشارع متشوف إلى إفراد كل من النسكين بسفر لمن تيسر له، فأشهر الحج خاصة به، لكنه اختصاص كمال وفضيلة، وليس هو بالاختصاص الذي يمنع من غيره، وقد كنت أحوم حول هذا المعنى ثم رأيت أبا بكر ابن العربي ذكره في المسالك، وقد عدوا عمارة المسجد الحرام من فروض الكفاية، ولهذا فرض الشارع الهدي على من اعتمر وحج من عامه، أو قرن العمرة بالحج، وهذا ما كان يراه عمر بن الخطاب ﵁ إذ قال: «افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحجكم»، وهو في الموطإ، وهذه معان تقوي أفضلية الإفراد، ولمن ذهبوا إلى أفضلية التمتع أجوبة قوية يحسر معها هذا النظر، كما أن لهم ما يعارض ما عند الأولين من الأثر، ورأوا أن ما فعله النبي ﷺ هو الأفضل، وقد رأيتَ الاختلاف فيما فعله، وبعضهم رأى الأفضل فيما تمناه، ورده ابن العربي قائلا: «كيف يفوته الله تعالى الأكمل، ويرده إلى الدون»؟، والناظر بعين الإنصاف في الأدلة قد يوفقه الله تعالى
[ ٢ / ٥٤٧ ]
إلى الإقرار بأن النبي ﷺ كان قارنا، وإنما لم يتحلل بعمرة كما فعل أصحابه لأنه ساق الهدي كما هو صريح قوله فيما ثبت عنه، وعليه فيكون القران خيرا لمن معه هديه، والتمتع مقدم لمن كان خلافه، والإفراد لمن اعتمر أو كان مقيما بمكة وأحرم منها، وقد رجح ابن العربي أنه كان قارنا وقال في المسالك (٤/ ٣١٦) ما رآه جامعا للروايات التي ظاهرها التعارض فيما أحرم به النبي ﷺ، وقوله شبيه بما جمع به ابن عباس ﵄ بين الروايات الواردة في موضع إهلاله ﷺ، مع أن فيه شيئا من التعمل، وممن ذهب إلى أنه كان قارنا القرطبي في تفسيره، وقد أطنب ابن كثير في بيان ذلك في قسم السيرة من البداية والنهاية فانظره.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وجوب الهدي أو بدله على المتمتع والقارن
• قوله:
٣٨ - «فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة؛ فعليه هدي، يذبحه أو ينحره بمنى، إن أوقفه بعرفة، وإن لم يوقفه بعرفة؛ فلينحره بمكة بالمروة، بعد أن يدخل به من الحل، فإن لم يجد هديا؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج، يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك؛ صام أيام منى، وسبعة إذا رجع».
سيأتي للمؤلف صفة كل من القران والتمتع، وإنما تكلم هنا على ما يلزم من أحرم بواحد منهما من الهدي أو بدله عند العجز عنه، وينبغي أن تعلم أن لفظ التمتع يصح أن يشمل القران أيضا، لأن كلا منهما تمتع بإسقاط أحد السفرين، إما السفر للحج، أو لأجل العمرة، ولو ترك الأمر لهذا لكان القران أولى بالتسمية لما فيه من إسقاط السفر وتوحيد الفعل، بيد أن فيه استمرار الإحرام، وقيد من غير أهل مكة مخرج لأهلها إذا قرنوا أو تمتعوا، فإنه لا هدي عليهم، وهو نص القرآن، وجعل مثل أهل ذي طوى ممن لا هدي عليهم، لكونهم على مسافة يلزم من كان بها صلاة الجمعة.
والهدي يكون من الإبل والبقر والغنم حسب الشروط المذكورة في الأضحية والعقيقة، والأفضل هنا الإبل فالبقر فالغنم، لأن المقصود سد حاجة المساكين، ينحر هديه أو يذبحه نهارا بمنى بعد الفجر، ولا يجزئ ليلا لفعله ﵊، وللأخذ بمفهوم الأيام في كلام الله تعالى، وسيأتي الحديث عن ذلك في الضحايا والهدايا،.
ولصحة النحر بمنى شروط: أن يكون قد أوقف هديه هو أو نائبه بعرفة، وأن يكون النحر في أيام منى، وهي يوم النحر واللذان بعده لا الرابع، وأن يكون النحر في حجة لا في عمرة، فإذا اكتملت هذه الشروط؛ فلا يجوز النحر بمكة ولا بغيرها، وإن فقد بعضها؛ تعين نحره بمكة وما وليها من البيوت، وهذا ما عناه بقوله: «وإن لم يوقفه بعرفة؛ فلينحره بمكة
[ ٢ / ٥٤٩ ]
بالمروة، والمذابح الآن محددة لا يمكن الذبح خارجها ولا يتولى الحاج والمعتمر ذلك بنفسه غالبا، وإنما شأنه التوكيل، وقوله بعد أن يدخل به من الحل؛ معناه أن الهدي لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم كما هو الشأن في الإحرام بالحج والعمرة، وقد تقدم ما فيه، فمن اشترى هديا من مكة؛ لا يجزئه على هذا أن ينحره بمكة حتى يخرجه إلى الحل، وإن اشتراه من الحل؛ فلا ينحره به حتى يدخله إلى الحرم.
فمن لم يكن عنده ثمن الهدي، أو لم يجده؛ تعين عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج تبتدئ من وقت إحرامه إلى يوم عرفة بدخول الغاية، فإن لم يفعل صام أيام منى، ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله، وعند مالك هو الرجوع إلى مكة، والظاهر من الآية الرجوع إلى سكناه في أفقه، ولذا فضلوا تأخيرها إلى الرجوع إلى أهله للخروج من الخلاف، وقد فسرها ابن عباس (بالرجوع إلى أمصاركم) علقه البخاري عنه بصيغة الجزم، بل رواه (١٦٩١) مرفوعا عن ابن عمر، فإن قدم السبعة في الحج قاصدا المخالفة للتقسيم لم تجزئه، ولا يحسب منها شيئا، وإن قدم العشرة كلها فصامها في الحج فليحسب منها ثلاثة، ويكون مطالبا بالباقي، وإن أخر الجميع إلى ما بعد الحج من غير عذر فالظاهر أنه يأثم ويجزئه، والله أعلم.
ودليل لزوم الهدي أو بدله للمتمتع والقارن؛ قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
[ ٢ / ٥٥٠ ]
شروط وجوب الهدي على المتمتع
• قوله:
٣٩ - «وصفة التمتع؛ أن يحرم بعمرة، ثم يحل منها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، قبل الرجوع إلى أفقه، أو إلى مثل أفقه في البعد، ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها، ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل».
ذكر هنا شروط لزوم الهدي لمن اعتمر أو أتى بالنسكين جميعا، وهي سبعة شروط يمكن أن تنتزع من كلامه:
١ - أن يقدم العمرة على الحج، لأنه إن قدم الحج؛ فلا يشرع له أن يعتمر إلا بعد انتهاء أيام منى على ما سيأتي، ويؤخذ هذا من قوله «وصفة التمتع أن يحرم بعمرة».
٢ - أن تكون العمرة كلها أو بعضها في أشهر الحج، فلو فرغ منها بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ كان متمتعا، والمعتبر في ذلك الركن لا الحلق مثلا، يؤخذ هذا من قوله في أشهر الحج.
٣ - أن يحل من عمرته قبل الإحرام بالحج، وقد أشار إلى هذا الشرط بقوله ثم يحل منها، لكن هذا الشرط إنما اعتبروه لإخراج القران وفيه الهدي أو بدله كما علمت، فلا فرق بينهما من هذه الحيثية.
٤ - أن تكون العمرة والحج في عام واحد، لأنه بذلك يحصل حقيقة التمتع، وإليه الإشارة بقوله ثم يحج من عامه، ولا يعزبن عنك أنه يمكن أن يأتي المرء بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج بعد ذلك غير أنه لا يأتي به إلا في العام القابل على القول بجواز الإحرام بالحج قبل أشهره كما تقدم، وهو مرجوح، فلا يلزمه هدي على هذا.
٥ - أن لا يعود إلى أفقه أو لمثل أفقه في البعد بعد انتهاء عمرته، لأنه إن فعل لم يتمتع بسقوط أحد السفرين كما تقدم.
[ ٢ / ٥٥١ ]
٦ - أن لا يكون مقيما بمكة وما قاربها كذي طوى وقت أداء النسكين، وهذا نص القرآن.
٧ - أن تكون العمرة والحج عن واحد، فإن كان أحد النسكين عن نفسه، والآخر عن غيره؛ فالأشهر سقوط الدم، لأنه لم تحصل له حقيقة التمتع، وهذا ينتزع من قوله وصفة التمتع؛ لأن الكلام مفروض في شخص واحد لا في متعدد، وقيل أن الراجح لزوم الدم.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
صفة القران
• قوله:
٤٠ - «وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا، ويبدأ بالعمرة في نيته، وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع؛ فهو قارن».
هذه صفة القران، والقارن إنما يقوم بنسك واحد يقوم مقام النسكين، فليس عليه إلا طواف بعده سعي، ثم يطوف طواف الإفاضة يوم العيد أو بعده، والإحرام بالقران يكون بأن يقصد الحج والعمرة معا، فإذا نطق استحب له أن يقدم العمرة على الحج، والصورة الثانية أن يحرم بالعمرة وحدها، ثم يردف الحج عليها، وهذه تحتها أقسام، فإن كان ذلك قبل أن يعمل من أعمال العمرة شيئا، كأن أدرف قبل أن يشرع في الطواف؛ فلا خلاف في كونه قارنا، وإن كان بعد الشروع في الطواف؛ فالمشهور جواز الإرداف أثناءه، ويصح كذلك بعد كماله، وقبل الركوع مع الكراهة، فإذا صلى الركعتين؛ فات الإرداف، فإن أردف بعد السعي؛ لم يكن قارنا بالاتفاق، لكنه يلزمه الاستمرار على الإحرام بالحج، ولا يجوز له الحلق، ومع ذلك يفتدي لتأخيره، وقد أشار المؤلف إلى جميع صور القران، لأنه قيده بما قبل الطواف والركوع معا، بخلاف ما ذكره أبو الحسن.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
• قوله:
٤١ - «وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران».
تقدم هذا في شروط لزوم الهدي للمتمتع، لكن الخلاف قائم في القارن إذا كان من حاضري المسجد الحرام، والمشهور عدم اللزوم، وذهب ابن الماجشون واللخمي إلى وجوب الهدي على أهل مكة إذا قرنوا، ووجهه؛ أنهم وإن لم يتمتعوا بإسقاط أحد السفرين؛ فقد أدخلوا نسكا في غيره، وأتوا بواحد أجزأهم عن اثنين.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
• قوله:
٤٢ - «ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج، ثم حج من عامه؛ فليس بمتمتع».
المقصود بالحل من العمرة الفراغ من أركانها، فمن لم يحلق إلا بعد ظهور هلال شوال؛ فليس بمتمتع، وهذا معلوم مما تقدم من مفهوم قوله في المتمتع ثم يحل منها في أشهر الحج»، لكنه أعاده زيادة في البيان.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
جزاء الصيد
• قوله:
٤٣ - «ومن أصاب صيدا؛ فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين، ومحله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فمكة، ويدخل به من الحل، وله أن يختار ذلك، أو كفارة طعام مساكين: أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما، فيتصدق به، أو عدل ذلك صياما: أن يصوم عن كل مد يوما، ولكسر المد يوما كاملا».
المحرم بأحد النسكين ممنوع عنه صيد البر، وكذا غير المحرم إذا كان في الحرم، سواء ما كان منه مأكول اللحم، أو غير مأكوله، إلا ما أذن الشرع في قتله من الفواسق الخمسة، فمن قتل صيدا أو نتف ريشه الذي لا يقدر معه على الطيران، أو جرحه، ولم تتحقق سلامته، أو تسبب في ذلك ولم يباشر؛ لزمه الجزاء، ولو لم يتعمد ذلك على المشهور، ولا فرق في هذا بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، كما أنه يحرم عليه أكل لحمه إذا صيد من أجله، وأصل ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]، والجزاء ثلاثة أمور على التخيير:
١ - ما يماثل الحيوان البري المقتول من الحيوان المستأنس، والمثلية تكون في الصورة والمساواة في القدر، أو القرب من المساواة، فمن قتل فيلا؛ فعليه بدنة خراسانية ذات سنامين، ومن قتل نعامة؛ فعليه بدنة، ومن قتل أيلا، أو بقرة وحشية، أو حمارا كذلك؛ فعليه بقرة، ومن قتل ظبية أو ضبعا أو ثعلبا أو حماما من حمام مكة والحرم أو يمامهما؛ فعليه شاة، وفي حمام غير مكة ويمامها حكومة أي تحكيم، ولا بد من الرجوع في المثلية
[ ٢ / ٥٥٦ ]
إلى حكم ذوي عدل من فقهاء المسلمين، ولا يشترط فيهما أن يكونا فقيهين في كل أبواب الفقه، بل فيما يحكمان فيه، فإن أخرج الجزاء قبل حكمهما؛ فلا يجزئه، ولو وافق حكمهما ما أهداه، ولا يستثنى من ذلك إلا حمام مكة لخروجه كما قالوا بالدليل.
ويشترط في الجزاء ما يشترط في الهدي من السن والصفة، والجمع بين الحل والحرم، لأن الله تعالى سماه هديا، فما ثبت للهدي؛ ثبت له، وما ذكره المؤلف بخصوص موضع ذبح هدي الجزاء إنما هو فيمن كان حاجا، أما المعتمر فمحل نحر هديه مكة.
٢ - أن يقوم الصيد بالطعام، فيخرج ذلك بأن يعطي لكل مسكين مدا، وما فضل مما دون المد كمله، لأن ما دونه ليس إطعاما معتبرا هنا.
٣ - وله بعد أن يُقَوَّمَ الصيد بالطعام أن يعدل عن إخراجه إلى الصيام بأن يجعل مقابل كل مد يوما يصومه، ويصوم عن المد الناقص يوما كاملا لأن الصوم لا يتجزأ.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
حكم العمرة
• قوله:
٤٤ - «والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر».
العمرة في اللغة هي الزيارة، من قولهم اعتمر إذا زار، وهي حج أصغر، وقال النبي ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، رواه مالك (٧٧١) والشيخان عن أبي هريرة، والمكفر بالعمرة؛ إنما هو صغائر الذنوب، بدليل قول النبي ﷺ: «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر»، وهو في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة، وحض النبي ﷺ على العمرة في رمضان وإن لم يعتمر فيه، فقال: «عمرة في رمضان كحجة معي»، رواه أبو داود (١٩٩٠)، وفي الموطإ أن امراة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إني كنت تجهزت للحج، فاعترض لي أمر، فقال لها رسول الله ﷺ: «اعتمري في رمضان؛ فإن عمرة رمضان؛ كحجة»، وهو في الصحيحين عن ابن عباس، واعتمر النبي ﷺ أربع عمرات كلها في أشهر الحج عمرة الحديبية، وقد منع هو وأصحابه من إتمامها، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي قرنها مع حجته، هذا معنى ما في حديث أنس عند الشيخين والترمذي (٨١٥)، وهو في الموطإ (٧٦٢) بلاغا، لكن لم يذكر فيه العمرة التي قرنها ﷺ مع الحج، أما عدد حجاته ﷺ؛ فثلاثة، ثنتان منهما قبل الهجرة، والثالثة حجة الإسلام، رواه الترمذي (٨١٤) عن جابر، ولا تنافي بين حديثي جابر وأنس في عدد الحجات، إما لعدم اطلاع أنس، أو لأنه إنما عنى الحج في الإسلام، فلم يتوارد الحديثان على أمر واحد.
وألحق الشرع بعض الأعمال الصالحة التي هي في متناول كثير من الناس بأجر العمرة حضا عليها وتسلية لمن لم يقدر عليها لقلة ماله أو عجزه، كما في الجلوس بعد صلاة الصبح لذكر الله إلى أن تطلع الشمس، وكالصلاة في مسجد قباء، فمن فاتته مبرة من
[ ٢ / ٥٥٨ ]
المبرات؛ فقد يسر الله له الحصول على أجرها، فالحمد لله على فضله وإحسانه، وكرمه وامتنانه.
أما كون العمرة سنة مؤكدة؛ فلفعل النبي ﷺ كما تقدم، ولحضه عليها بأقواله، وأما أن ذلك يكون مرة واحدة في العمر؛ فلأنها نظير الحج، وهو لا يجب إلا مرة، فأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾؛ فلا دليل فيه على الوجوب، لأنه وإن احتمل الإتيان بالفعل من أصله؛ فإن الاحتمال الأقوى منه أنه أمر بالإتمام، ولا يكون إلا بعد الشروع، والإتمام بعد الشروع مجمع عليه، فلا ينافي أن يكون الأصل مندوبا كالحج الزائد على الفرض، وهو نفل بالإجماع، وقد نزلت هذه الآية عام الحديبية سنة ست كما هو منصوص حديث كعب بن عجرة الصحيح، وليس الغرض منها إلا بيان أن من شرع في حج أو عمرة؛ فعليه أن يتمهما، فإن منعه مانع كما حصل للمسلمين مع النبي ﷺ فليذبح ما استيسر من الهدي، والظاهر أن الحج لم يكن يومئذ قد فرض، فإن آية افتراضه هي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقد كان بعض المسلمين يحجون قبل افتراض الحج، وحج النبي ﷺ كذلك، وقيل إنه قد فرض سنة خمس لذكره في حديث ضمام بن ثعلبة، لكن رجح الحافظ في الإصابة أنه وفد سنة تسع من الهجرة، قال مالك: «العمرة سنة، ولا نعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها، ولا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مرارا»، وهو في الموطإ باب جامع ما جاء في العمرة.
وقد قيل بوجوب العمرة اعتمادا على ذلك الاحتمال في آية سورة البقرة، وثمة أحاديث ظاهرها الوجوب، لكن لم يخلص واحد منها من شائبة الضعف والمعارضة، وأقواها حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «يا رسول الله هل على النساء جهاد»؟، قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، رواه أحمد وابن ماجة (٢٩٠١)، وصححه الألباني، وهو في صحيح البخاري (١٥٢٠) بلفظ: «يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد»؟، قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد: حج مبرور»، ووجه دلالته
[ ٢ / ٥٥٩ ]
على الوجوب؛ ما تفيده كلمة على من ذلك، مع اقتران العمرة بالحج، وهو واجب على المستطيع من غير خلاف، فالأحوط للمسلم أن يعتمر، ولو لم يتيسر له الحج لسبب ما، وقد علّق البخاري عن ابن عمرو قوله: «ليس أحد إلا وعليه حجّة أو عمرة»، وقال ابن عباس: إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
دعاء من انصرف من حج أو عمرة
• قوله:
٤٥ - «ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»
هذا الدعاء جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ عند البخاري (١٧٩٧) ومسلم؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة؛ يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الحزاب وحده»، والذي بدأ به المؤلف من الدعاء؛ جاء فيما قاله النبي ﷺ في رجوعه من خيبر، ويظهر أن هذا الذكر شرع في الرجوع من تلك العبادات على أنه ختام لها كالأذكار التي تقال في أدبار الصلوات، وجاء أنه كرره في أثناء رجوعه، وقيل يشرع في كل سفر طاعة، وقفل معناه رجع، والشرف بمفتوحتين ما علا من الأرض، وآيبون جمع آيب هو الراجع، والمقصود رجوع خاص تلبس صاحبه بطاعة الله في سفره، ونال الفلاح المراد منه، أو المعنى تذكير النفس بالرجوع إلى الله بالموت، وعلى الرغم من أنه ﷺ كان في سفر هو عبادة؛ أعلن توبته من التقصير تواضعا وتعليما بقوله تائبون، كما كان يفعل إذا قضى صلاته، فيستغفر، وإذا خرج من بيت الخلاء يستغفر، هذا دأبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وإنما ذكر عبد الله بن عمر الغزو والحج والعمرة؛ لأن النبي ﷺ ما عرف عنه السفر إلا لأجلها كما تقدم، وهو أيضا حافظ قوله ﷺ: «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر؛ وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»، رواه ابن ماجة (٢٨٩٣) وغيره عن ابن عمر، وقال في الزوائد حسن، كما حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٦٢٦).
[ ٢ / ٥٦١ ]
واعلم أخي القارئ أن المسافر متى قضى نسكه؛ ينبغي له الإسراع في الرجوع إلى أهله، وإن كان حاجا أو معتمرا؛ فلا أرى له أن يقيم زيادة على المدة المحددة له في وثيقة سفره، لما يترتب على ذلك من المفاسد له ولغيره، ولا يحسن بالمرء أن ينشئ سفرا لغير غرض مشروع، ومنه التجارة الحلال، والحج، والعمرة، وصلة الرحم، وطلب العلم، والدعوة إلى الله ممن هو لها أهل، والجهاد بشرطه، والقدوة في النبي ﷺ، فإنه لم يسافر إلا لحج، أو عمرة، أو جهاد، وحض على السفر في طلب العلم، وذكر الله تعالى الضرب في الأرض للتجارة، وقد قال النبي ﷺ: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته؛ فليعجل إلى أهله»، رواه مالك (١٧٩٢) والبخاري (١٨٠٤) عن أبي هريرة، والمراد بالعذاب ما يترتب على السفر من المشاق، وقد ذكر بعضها في الحديث، والنهمة بفتح النون وسكون الهاء؛ ما يريده المرء من سفره، فكيف بمن يتعبون أنفسهم في الباطل فيعرضون أنفسهم لأعظم المشاق كصعود قمم الجبال، وحمل الأثقال، والسير على الحبال، وتسلق العمارات، وجر العربات، وابتلاع الزجاج، ونحو ذلك مما ليس الغرض منه التدرب على فنون القتال، والاستعداد للمشروع من النزال، قال الحافظ في الفتح: «وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع، ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة له على صلاح الدين والدنيا، ولما فيها من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة»، وبنعمة الله تتم الصالحات.
[ ٢ / ٥٦٢ ]