• قوله:
١ - «والأضحية سنة واجبة على من استطاعها».
ترجم ﵀ لما يحرم من الأطعمة والأشربة ولم يورده، والضحايا في الترجمة جمع ضَحية بفتح الضاد، ويقال أيضا أُضحية بضم الهمزة، وسكون الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء، وجمعها أَضاحي بفتح الهمزة، وتشديد الياء، وقد جمع المؤلف بينهما فذكر في الترجمة جمع الضحية، وفي المتن مفرد الأضاحي.
والأضحية ما يتقرب به من النعم إلى الله تعالى يوم العيد وتالييه، وسميت باليوم الذي تشرع فيه، وهو عيد الأضحى وقت الضحى، وسمي الأضحى من أجل الصلاة يومه في ذلك الوقت.
والأضحية سنّة مؤكدة على المشهور، قال مالك في الموطإ: «الضحية سنة، وليست بواجبة، ولا أحب لأحد ممن قوي على ثمنها أن يتركها»، وقال ابن حبيب: تاركها وهو قادر عليها آثم، وهو في النوادر، واعتبر الباجي في المنتقى (٣/ ١٠٠) قول ابن القاسم في المدونة (٢/ ٥) عمن كانت له أضحية فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر متعمدا أنه آثم، اعتبره دالا على أنه يرى وجوبها، وهذا لا يتجه كما يعلم من قراءة السياق الذي ورد فيه قوله هذا، ومقصوده أنه يأثم بتفويت الوقت، أو لأنه أوجبها على نفسه فصارت كالنذر، والمشهور في المذهب أن الأضحية لا تتعين على مريدها إلا عند الشروع في ذبحها.
ومما استدل به على وجوبها قول رسول الله ﷺ: «من كان له سعة، ولم يضح؛ فلا
[ ٢ / ٥٦٣ ]
يقربن مصلانا»، رواه أحمد وابن ماجة (٣١٢٣) وابن أبي شيبة وصححه الحاكم عن أبي هريرة، وقال الحافظ رجح الأئمة وقفه، وقال في مسالك الدلالة (ص ١٥٢): «واختلف في رفعه ووقفه، والذي رفعه ثقة، فقوله مقبول»، انتهى.
قلت: لكن احتجاجه بالحديث على السنية ليس كما ينبغي، فإن الاحتجاج به على الوجوب هو المتبادر لما فيه من التشديد كما ترى، وهو نظير قول النبي ﷺ: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا».
ومما جاء فيها ما رواه أحمد والأربعة (ت/ ١٥١٨) وحسنه عن مخنف بن سليم قال: «كنا وقوفا مع النبي ﷺ بعرفات، فسمعته يقول: «يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟، هي التي تسمونها الرجبية»، قال الحافظ: سنده قوي، وقد قال أبو داود: «العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ»، انتهى، لكن نسخ العتيرة؛ لا يلزم منه نسخ ما معها، ومما اعتبر صارفا للنصوص التي ظاهرها الإيجاب قول النبي ﷺ: إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فليمسك عن شعره وأظفاره»، رواه مسلم (١٩٧٧) من حديث أم سلمة، وقد استدل به على عدم الوجوب بعض البغداديين المالكيين، ذكره في النوادر، ووجه ذلك ما فيه من التفويض إلى المكلف، إذ لا تفويض في الواجب، وهذا ما ذهب إليه الشافعي في كتابه مختلف الحديث، ومال إليه الشوكاني في النيل، قال كاتبه: وليس بِمُسَلَّمٍ، لأنه لا يبعد أن يكون منه ﷺ إحالة على ما عرف من شرعه، ويؤيده قول النبي ﷺ: «من أراد الحج؛ فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»، رواه أحمد والبيهقي عن الفضل بن عباس، والحج واجب على المستطيع بالنص والإجماع، ومع ذلك فوض فعله إلى المكلف، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير: ٢٨]، ولا تخيير هنا بالإجماع.
وقد روى الترمذي (١٥٠٦) عن جبلة بن سحيم أن رجلا سأل ابن عمر ﵄ عن الأضحية أواجبة هي؟، فقال: «ضحى رسول الله ﷺ والمسلمون، فأعادها عليه، فقال: أتعقل؟!، ضحى رسول الله ﷺ والمسلمون»، قال الترمذي حسن، وضعفه الألباني من قبل الحجاج بن أرطاه، وعلق البخاري عن ابن عمر قوله: «هي سنة ومعروف»، قال الحافظ في
[ ٢ / ٥٦٤ ]
الأضحية سنة عين
إجزاء الأضحية الواحدة عن البيت الواحد
الفتح (١٠/ ٦): «وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد، والعبرة فيه أن اهتمام ابن عمر كان ينصرف إلى الاقتداء بفعل النبي ﷺ، وقد أشار بقوله والمسلمون إلى عدم الاختصاص، وأهل المذهب على أن الأضحية واجبة على النبي ﷺ خاصة، قال خليل: «خص النبي ﷺ بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر بحضر،،،».
وينبغي أن تطيب نفس المضحي بالتقرب بأضحيته إلى الله تعالى، ولا يستثقل ثمنها فيراها غُرما، وقد قال ﵊ فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن معاوية مرفوعا: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعمَ الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام،،،»، الحديث، وقوله رافدة؛ من الرفد وهو الإعانة، أي أن نفسه تعينه على أداء الزكاة، ولا يحصل فضل الأضحية لمن ذبح تقليدا أو عادة كما عليه كثير من الناس، قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد شرحه بعض أحاديث فضل الأضحية: «لكن إذا وقعت لقصد التسنن، وتجردت عن المقاصد الفاسدة، وكانت على الوجه المطابق للحكمة في شرعها».
والأضحية سنة عين على المستطيع كبيرا كان أو صغيرا ذكرا كان أو أنثى، بيد أن تضحية الصغير يخاطب بها وليه، فيضحي عنه من ماله، ولا يخاطب بها الفقير، ولا من تجحف به، وهو من يحتاج إلى ثمنها في عامه، وإن كان قادرا على شرائها، وتجزئ الشاة الواحدة عن أهل البيت مع ذلك، قيشتركون في الأجر لحديث عطاء بن يسار قال: «سألت أبا أيوب الأنصاري: «كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ﷺ «؟، قال: «كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعَمون، حتى تباهى الناس، فصار كما ترى»،!!، رواه مالك (١٠٤٤) وابن ماجة (٣١٤٧) والترمذي (١٥٠٥) وصححه، وقد سبق حديث مخنف بن سليم مرفوعا: «يا أيها الناس، على كل أهل بيت في كل عام أضحية،،،».
ومن أدلة التشريك في الأجر حديث جابر ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ في المصلى، فلما قضى خطبته نزل عن منبره، وأُتي بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده، وقال بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي»، رواه أحمد وأبو داود (٢٨١٠)
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الاشتراك في الأضحية
والترمذي (١٥٢١)، ووجه الدليل قوله: «وعمن لم يضح من أمتي»، وهو عموم يدخل فيه القادر وغيره عند من لم ير الوجوب، لكنه من الخصائص بالنسبة لعموم الأمة.
قال الشوكاني ﵀ في كتابه نيل الأوطار بعد أن حكى أقوالا تقيد عدد من تجزئ عنهم الأضحية في البيت الواحد: «والحق أنها تجزئ عن أهل البيت، وإن كانوا مائة نفس وأكثر، كما قضت بذلك السنة،،،»، انتهى.
والمذهب أن الاشتراك إنما يكون في الأجر لا في الثمن، لأنها كما تقدم سنة عين على القادر، ولا اشتراك في الثمن ولو في الإبل ولا البقر، لكون ذلك إنما ورد في الهدي لا في الأضحية، ولأن الاشتراك فيها يجعلها بمثابة شراء اللحم.
قال القاضي عبد الوهاب: «ولأن كل واحد يصير مخرجا للحم بعض بدنة أو بقرة، وذلك لا يكون أضحية كما لو اشترى لحما،،،»، انتهى.
وذكر الشيخ أبو مالك في صحيح فقه السنة (٢/ ٣٧٠) أن مالكا اشترط فيمن يشتركون في البدنة والبقرة أن يكونوا من بيت واحد، هذا معنى كلامه، ومالك فيما أعلم لم يجز الاشتراك في الثمن مطلقا، لا في البدن ولا في غيره، وإنما يجوز في مذهبه الاشتراك في الأجر بشروط، وإنما يجوز الاشتراك في الثمن عنده في هدي التطوع، وقد حمل ﵀ ما ورد من ذلك في عام الحديبية عليه، قال: «ومن فعله في التطوع؛ فهو خفيف»، وقال: «ومعنى حديث جابر نحرنا البدنة عن سبعة، أن ذلك في التطوع، وكانوا معتمرين»، وهو في النوادر (٢/ ٤٥٥)، يقصد أن المحصر لا يجب عليه الهدي إذا تحلل، وقد نصر قوله هذا في سبل السلام، وثمة محامل أخرى حمل عليها الحديث فانظرها في المنتقى للباجي وغيره، وظاهر الآية وجوب الهدي على المحصر، وهو الموافق لرواية أشهب عن مالك في كتاب محمد كما حكاه ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٢٠) فإن خرج أحد على هذا نسبة القول بجواز الاشتراك في البدنة للإمام فهو ذاك.
وفي النوادر (٢/ ٤٣٢) نسبة وجوب الهدي على المحصر إلى أشهب، وقال الشوكاني في نيل الأوطار بعد أن حكى قول مالك بعدم لزوم الهدي لمن أحصر: «وخالف في ذلك مالك، فقال إنه لا يجب الهدي على المحصر، وعول على قياس الإحصار على
[ ٢ / ٥٦٦ ]
شروط الاشتراك في الأجر
الخروج من الصوم بعذر، والتمسك بمثل هذا القياس في مقابل ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التي يتعجب من وقوع مثلها من أكابر العلماء»، انتهى.
والظاهر كذلك إجزاء البقرة والبدنة عن سبعة، لا فرق بين الأضحية والهدي، لحديث جابر المشار إليه، وهو عند مسلم وأبي داود (٢٨٠٧)، ولا يلزم من ذلك أن يكون المشتركون متقربين باللحم، لأن هذا رأي في مقابل النص، ولأن الأصل عدم التفريق بين هدي التطوع والواجب كالصلاة والصوم والحج يستوي ما كان منها تطوعا وما كان فرضا، إلا فيما نص عليه من الفروق، بل إنه قد جاء ما يدل على إجزاء البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة، وهو ما رواه الترمذي (٩٠٥) وحسّنه وصححه الألباني عن ابن عباس قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة»، وعضده حديث البخاري (٥٤٩٨) عن رافع بن خديج، وفيه أن النبي ﷺ عدل عشرة من الغنم ببعير، وفي الحديث الأول مشروعية الأضحية في السفر.
وقد اشترطوا للتشريك في الأجر شروطا، فإن كان المشرَك ممن تجب نفقتهم على المضحي؛ فيشترط قرابتهم له، وإن كانوا ممن لا تجب نفقتهم عليه، أضيف إلى الشرط السابق السكنى معه، والتشريك يكون قبل الذبح، وأما بعده؛ فلا تسقط السنية عن المشرَك وتصح عن ربها، وقال مالك كما في النوادر: «ولا ينبغي أن يذبح أضحيته عن نفسه، وعن أجنبي تطوعا، وإنما ذلك في أهل البيت،،، إلى أن قال: وإنما يُدخل في أضحيته إن شاء أهله وولده ووالديه الفقيرين، وإن كنا نحب للواحد في أهل بيت أن يذبح على كل نفس شاة».
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ما يجزئ في الأضحية من أسنان الأنعام
• قوله:
٢ - «وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان؛ الجذع من الضأن، وهو ابن سنة، وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن عشرة أشهر، والثني من المعز، وهو ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني، والثني من البقر؛ ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل؛ ابن ست سنين».
الأضحية والهدي والعقيقة نسائك يتقرب بها إلى الله، فينبغي أن يتقيد فيها المسلم بما ورد في الشرع عنها من حيث الصفة والسن وزمن التقرب ومكانه في بعضها، فإذا لم تكن على تلك الصفة؛ كانت شاة لحم لا تجزئ عما شرعت له، وقد ذكر المصنف هنا هذه الأمور، وابتدأ بما يجزئ من الأسنان من الضأن والمعز والبقر والإبل.
ولما كان الضأن أفضل في الأضحية عند أهل المذهب؛ ابتدأ ببيان ما يجزئ منه، فذكر ثلاثة أقوال في تفسير الجذع من الضأن، وهي ما أوفى سنة، وهذا لا خلاف في إجزائه، والثاني ما بلغ ثمانية أشهر، والثالث ما أوفى عشرة أشهر، ومنشأ هذا هو الخلاف بين أهل اللغة في سن الجذع من الغنم، وقد جزم ابن عبد البر أنه ابن سبعة أشهر إذ قال في الاستذكار (٥/ ٢٢٦): «والجذع من الضأن ابن سبعة أشهر، قيل إذا دخل فيها، وقيل إذا أكملها، وعلامته أن يرقد صوف ظهره قبل قيامه، فإذا كان ذلك؛ قالت الأعراب هذا جذع»، ويتلخص أن في الجذع من الضأن أربعة أقوال.
ودليل إجزاء الجذع من الضأن حديث عقبة بن عامر قال: «ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذع من الضأن»، رواه النسائي (٧/ ٢١٩)، وفي الصحيحين عنه قال: «قسم رسول الله ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله أصابني جذع، فقال: «ضح به»، ومعنى أصابني صار لي، ومثله طار لي، وهو دارج فصيح.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
واعلم أن الأفضل أن لا يضحى من الضأن إلا بالمسنة، ما لم يعسر ذلك، لقول النبي ﷺ: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن»، رواه مسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧) عن جابر، والمسنة هي الثني من كل من الإبل والبقر والغنم، ولولا ما جاء من الصارف لهذا النهي عن المنع لكان الجذع من الضأن غير مجزئ إلا بشرط تعسر المسنة، قال في التلخيص الحبير: «ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة، والإجماع على خلافه، فيجب تأويله، بأن يحمل على الأفضل،،،»، وقد ضعّف هذا الحديث الألباني في الإرواء فانظره. ويستدل بالحديث أيضا على عدم إجزاء التضحية بما دون الثني من المعز وغيره، وقد بين المؤلف المراد منه، فمن المعز ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، ومن البقر ما أوفى ثلاث سنين، ودخل في الرابعة، ومن الإبل ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة، وفيه خلاف بين أئمة اللغة أيضا.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
تفاضل الأنعام في الأضحية
• قوله:
٣ - «وفحول الضأن في الضحايا؛ أفضل من خصيانها، وخصيانها؛ أفضل من إناثها، وإناثها؛ أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناث المعز؛ أفضل من الإبل والبقر في الضحايا».
هذه الفقرة قريبة مما قاله مالك كما في النوادر، ومرد هذا التفضيل إلى طيب اللحم، فإنه مقدم في الأضاحي على كثرته في المذهب، بخلاف الهدايا فالمقدم فيها كثرة اللحم، ودليله فعل النبي ﷺ، فقد ضحى بالضأن دائما أو غالبا، والحكم للغالب، وهكذا قوله حيث أذن في التضحية بالجذع من الضأن دون غيره من بقية الأنواع كما تقدم، وقد علل تقديم فحول الضأن على خصيانها بطيب اللحم، وعلله آخرون بكمال الخلقة، ولعله هو الصواب إن كان الفحل ينزو، فإن كان الخصي أو مقابله أسمن؛ كان أفضل من غيره باتفاق، كما علل تقديم الخصيان من الضأن على الإناث بطيب اللحم، ولفضل الذكر على الأنثى، ولأن النبي ﷺ ضحى بالخصي، ولم يصح عنه التضحية بالأنثى، وقد روى أحمد والحاكم عن أبي رافع قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين»، قال في مجمع الزوائد إسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء، وحسنه الغماري في مسالك الدلالة، والأملح الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل هو النقي البياض، والموجوء مَنْ رُضت أنثياه رضا شديدا يذهب شهوة الجماع، وقيل من وجئت عروق جهازه والخصيتان بحالهما، وعلى المعنى الأخير حمل أهل المذهب الخصي الذي يضحى به فيقدم على أنثاه، وحملوا عليه الحديث الوارد في ذلك، وهو غير جيد، لأن الخصاء بذلك المعنى؛ مما لا يطلع عليه إلا فاعلُه أو من أُخبر به، ولهذا قالوا إن كان مقطوع الأنثيين؛ فإنه يكره التضحية به، ولعله للنقص، ورد ابن العربي الحديث الذي فيه التضحية بالخصي
[ ٢ / ٥٧٠ ]
بالحديث الذي فيه التضحية بالفحيل، وهو في سنن أبي داود (٢٧٩٦) عن أبي سعيد، وفي الموطإ (١٠٣٧) عن ابن عمر إذ رآهما متنافضين، ولا حاجة إلى ما قاله، لاحتمال التعدد كما قاله الحافظ، فلا تناقض بين الفعلين.
[ ٢ / ٥٧١ ]
اختلاف الهدي عن الأضحية في الأفضلية
• قوله:
٤ - «وأما في الهدايا؛ فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز».
هذا عكس ما تقدم في الضحايا، لكون الأفضل هنا كثرة اللحم لا طيبه، وقد كانت هدايا النبي ﷺ من الإبل، نحر مائة ناقة في حجة الوداع، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا شك أن من تيسر له أن ينحر بدنة؛ كان ذلك خيرا مما إذا ذبح شاة أو بقرة، ولأن النبي ﷺ جعل من ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى يوم الجمعة كأنما قرب بدنة، ثم ذكر البقرة، ثم الكبش،،، الخ، فهذا منظور فيه إلى ارتفاع القيمة، ودل فعله في الأضاحي على غير ذلك.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
العيوب التي لا تجزئ معها الأضحية
• قوله:
٥ - «ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء، ولا مريضة، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها».
العيوب التي تكون في النسائك أقسام: متفق على عدم إجزاء ما كانت فيه، ومختلف فيه، ومتفق على عدم تأثيره، قال القاضي عبد الوهاب: ونكتة هذا الباب أن كل عيب نقص اللحم، أو أثر فيه، أو كان مرضا، أو نقص من الخلقة؛ فإنه يمنع الضحية، وفي بعضها خلاف، وينبغي في الجملة أن يتقى العيب، وتتوخى السلامة، لأنه ذبح مقصود به القربة، فوجب أن يكون مُسَلَّمًا مخلصا مما ينقصه ويكدره لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
ومن العيوب المنصوصة ما جاء من قول النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب ﵁: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقي»، رواه مالك (١٠٣٥) وأصحاب السنن الأربعة، (د/ ٢٨٠٢)، وصححه الترمذي (١٤٩٧)، وقوله لا تجوز؛ نص في عدم الإجزاء، والمرض البين يفسد اللحم، وقد يضر بمن يأكله، والظلع بسكون اللام ويفتح؛ هو العرج، وقريب منه الضلع بالضاد، و«الكسير»؛ هي العجفاء كما جاء في رواية، وقوله: لا تنقي؛ هو رباعي الفعل أنقى، من النقي بكسر النون وسكون القاف هو المخ، فالكسير التي لا تنقي؛ هي التي لا شحم فيها، وقيل هي التي لا مخ في عظامها، وهما كالمتلازمين، ولذلك جمع بينهما بعضهم، وقيد البين في العور والمرض والعرج دال على أن ما كان في العين مما لا يمنع الإبصار، والمرض الخفيف، والعرج الخفيف؛ لا يضر، وحد ما لا يضر أن تسير مع الغنم وتلحقها، وهذه العيوب الأربعة اتفق أهل العلم على أنها متى كان واحد منها في الشاة لا تجزئ التضحية بها، ولا ريب أن ما كان في معناها كالعمى وقطع الرجل ملحق بها.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وذكر بعض من كتب في أصول الفقه من المعاصرين أنه اختلف في قياس العمياء على العوراء، فمن لم يقس؛ قال إن العور مانع للشاة أن تأكل من جهتيها، فيؤدي ذلك إلى هزالها، بخلاف العمياء فإن ربها يَعلفها بنفسه، فيجوز التضحية بها، وهذا كما ترى ساقط، لأن الهزال عيب آخر منصوص، ولأن هذه العلة التي استنبطها هذا القائل؛ قد تعود على النص بالإبطال، إذ يقال إن العوراء إذا ربطت وعلفت؛ جاز التضحية بها، فالله الله في دينكم أيها الناس، ولا تتوسعوا في القياس.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
استحباب اتقاء كل العيوب
• قوله:
٦ - «ويتقى فيهما العيب كله، ولا المشقوقة الأذن، إلا أن يكون يسيرا، وكذلك القطع، ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز».
ضمير فيهما يرجع إلى الضحايا والهدايا ومثلهما كل ما كان نسكا كالعقيقة، وقد اختلف في القياس على العيوب المتقدم ذكرها، والمؤلف مع القياس، ولهذا قال: ويتقى فيها العيب كله، يعني العيب الكثير، فإنه لا تجزئ معه، أما اليسير فيغتفر، قال القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة: «وإذا لم تجز العوراء فالعمياء أولى»، ومن هذا القبيل العيوب الواردة في حديث علي ﵁ عند الأربعة، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابَلة، ولا مدابَرة، ولا شَرقاء، ولا خَرقاء»، وقد صححه الترمذي (١٤٩٨)، وقال في صحيح فقه السنة إنه حسن بطرقه، وقال مثل ذلك المعلقان على زاد المعاد، لكن أعله الدارقطني، وضعفه الألباني، وقد روى الترمذي (١٥٠٣) وابن ماجة (٣١٤٣) عن علي ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين»، قال الترمذي حسن صحيح، وحسنه الألباني، وقوله نستشرف، أي نهتم ونتأمل، وأصله أن تضع يدك على حاجبك في مواجهة الشمس كي تتمكن من النظر، وإنما أمرهم بذلك في خصوص العين والأذن، لكون عيوبهما لا يهتم بها، أو لأنها ليست من الظهور كالعيوب الأخرى، وإذا صحت فقرة «وأن لا نضحي بمقابلة،،، الخ، اتجه القول بأن هذه العيوب متى كانت في الشاة لا يضحى بها، وكأن الشارع بتنبيهه على هذه العيوب، واعتبارها مخلة بصلاحية الشاة للنسك يدعو إلى تجنيب الحيوان إياها، حتى يحتفظ بسلامته من النقص، والمقابلة هي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا، والمدابرة هي التي قطع من أذنها من جهة قفاها، والخرقاء التي في أذنها خَرق مستدير، والشرقاء هي المشقوقة الأذن،
[ ٢ / ٥٧٥ ]
والمذهب أن الشق الذي بلغ الثلث فما دونه؛ يسير لا يضر، فهذه العيوب منصوصة، وكلها في الأذن، فيقاس عليها عضباء الأذن، أي مقطوعتها من باب أولى، مع أن فيها حديث علي الآتي، وقد اختلف في حد القطع الذي يضر، فقيل الثلث كثير، وقيل يسير، وهو الذي رجحه الباجي، ومشى عليه خليل في المختصر، وفرقوا بين ثلث الذنب فيضر، لأنه لحم وعصب، فتتضرر به وينقص منها، أما ثلث الأذن؛ فهو طرف جلد.
وتقييد مكسورة القرن بحالة الإدماء؛ لأنه يصدق عليها حينئذ وصف المرض، أما إن كان قد برئ؛ فلا مانع من التضحية بها في المذهب، وقد صرح مالك بهذا الفارق، وفسر بعضهم الإدماء بما إذا كان الدم يسيل، ويعترض على هذا بأنه يمكن أن ينقطع الدم، ومع ذلك يحصل بالكسر الضعف والمرض، ومعظم أهل المذهب لا يفرقون بين ما انكسر من أعلاه أو من أصله، لكون ذلك ليس نقصا في الخلقة، ولا في اللحم، إذ يجوز التضحية بالجماء، وهي التي لا قرن لها أصلا، وهذا قياس مع الفارق كما ترى.
والعمدة في هذا قول علي بن أبي طالب ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن»، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي (١٥٠٤)، وحسنه المعلقان على زاد المعاد (٢/ ٣٢٠)، واختلف في المراد بالأعضب، فقيل ما ذهب نصف قرنه فأكثر، وقيل ما انكسر أو قطع من أصله، وقيد بعضهم الكسر بالداخل، ومعنى هذا أنه إذا انكسر غلاف القرن فإن ذلك لا يسمى عضبا، بل هو القصم، فإن القصماء من المعز المكسورة القرن الخارج، والعضباء المكسورة القرن الداخل كما في لسان العرب، وهذا قريب من تقييد أهل المذهب ذلك بالإدماء، قال الزمخشري في الفائق: «العضب في القرن الداخل الانكسار، واستدل بقول الأخطل:
إن السيوف غدوها ورواحها … تركت هوازن مثل قرن الأعضب
وقال الشوكاني: «فالظاهر أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقدارا يسيرا، بحيث لا يقال لها عضباء لأجله، أو يكون دون النصف إن صح أن التقدير بالنصف لغوي أو شرعي»، انتهى، وقد ذهب الجمهور إلى جواز التضحية بالأعضب، ومذهب مالك أعدل الأقوال في المسألة.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
يلي المرء ذبح أضحيته بنفسه
جواز التوكيل في ذبح الأضحية
• قوله:
٧ - «وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة، ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر؛ أعاد أضحيته، ومن لا إمام لهم؛ فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه».
ذبح الأضحية أو نحرها عبادة، والأصل فيها أن يقوم بها المكلف بنفسه اقتداء برسول الله ﷺ، فإنه نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين ناقة، ثم أعطى عليا ﵁، فنحر ما بقي، جاء معناه في حديث جابر عند مسلم، ولو لم يكن ذلك مؤكدا؛ لما تعنى بنحر هذا العدد الكبير بيده، مع حاجة الناس إليه لتعليمهم وإرشادهم، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به، فقال: «يا عائشة هلم المُدْيَة»، ثم قال: «اشحذيها»، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به، رواه مسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢)، والمدية مثلثة الميم؛ هي السكين.
والأضحية وغيرها من الأنساك تقبل النيابة بالتوكيل، كأن يقول مريد التضحية لمسلم: وكلتك على ذبح أضحيتي، فيقبل، أو تكون العادة قد جرت بتولي الخادم والأجير والقريب والجار والصديق ذبح الأضحية، وتوكيل أهل الصلاح والعلم بباب الذكاة مقدم، قال مالك ﵀: «فإن أمر غيره من غير عذر؛ فبئس ما صنع، ويجزئه»، وهو في النوادر.
ومن وكل تارك الصلاة؛ أجزأته على المشهور، ومقابله أنها لا تجزئ بناء على أنه كافر، أما توكيل اليهودي والنصراني؛ فالمشهور عدم الإجزاء، وهو رواية ابن وهب عن مالك، وقال ابن القاسم: «ومن أمر نصرانيا يذبح أضحيته ففعل؛ لم يجزه، ولا ينبغي له بيع لحمها»، وقال أشهب في غير كتاب ابن المواز إنها تجزئه، وقد أساء، وهذه الأقوال في النوادر، ووجه الأول أنها عبادة والكافر لا تصح منه، ووجه الثاني أنها داخلة في ذبيحة
[ ٢ / ٥٧٧ ]
يذبح بعد ذبح الإمام ضحوة
الكتابي لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقول ابن القاسم: «لا ينبغي له بيعها»؛ إن كان المقصود منه المنع؛ فهذا لا يستقيم، لأنها إنما يمنع بيعها إذا تعينت أضحية بالذبح، ولو تعينت أضحية؛ فإنها تكون مجزئة، فكيف يقال بعدم الإجزاء، مع منع البيع؟.
ولا مفهوم لقول المؤلف الرجل؛ فإن المرأة مثله في هذا الأمر تتولى ذبح أضحيتها بنفسها، إذ لا حجة عند من قال إنها لا تتولى ذلك إلا من ضرورة، مستدلا بأن النبي ﷺ نحر عن أزواجه البقر في الحج، ولم يتولين ذلك بأنفسهن؛ فإن هذا لا حجة فيه على المنع، وغاية ما فيه ترك الأفضل، وقد يكون لمانع لا ندريه، وقد نقل عن الإمام كراهة تولي المرأة الذبح، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «والأظهر أن لا تذبح المرأة ضحيتها إلا من ضرورة بدليل ما جاءني أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه في الحج ولم يرو أنهن نحرن بأنفسهن»، انتهى، وذكر هذا أيضا الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٥)، وقال في التلخيص الحبير: «حديث عائشة «أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه أن يلين ذبح هديهن»، لم أره مرفوعا»، انتهى، وقد صحح إسناد أثر أبي موسى في الفتح عن المسيب بن رافع «أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن، بأيديهن»، وعلقه البخاري نحوه بصيغة الجزم.
وقوله بعد ذبح الإمام، هذا القيد لا بد منه، وهاهنا أمران: أن يكون الذبح بعد الصلاة، والثاني أن يكون بعد ذبح الإمام، والأول لا يسوغ أن يختلف فيه، لقول النبي ﷺ: «من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا؛ فليذبح بسم الله»، رواه الشيخان (م/ ١٩٦٠) عن جندب بن سفيان البجلي، وقوله ﵊: «من ذبح قبل الصلاة؛ فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة؛ فقد تم نسكه، وأصاب السنة»، رواه البخاري ومسلم (١٩٦١) عن البراء بن عازب، وانظر الحديث (١٠٣٨) في الموطإ، وقد بين النبي ﷺ الترتيب بقوله: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر»، والحكمة منه «أن لا يشتغل الناس عن الصلاة وسماع الخطبة وحضور دعوة المسلمين التي حض الشارع عليها، حتى أمر بالخروج إليها العواتق وذوات الخدور»، انظر شرح الأبي (٧/ ٤٧).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
والأمر الثاني أن يكون الذبح بعد ذبح الإمام، أعني إمام الصلاة، أو قدر ذبحه إن لم يذبح في المصلى كما هو المسنون، حتى يؤخذ بالسنة كما وردت، فإن النبي ﷺ كان يبرز أضحيته ويذبحها في المصلى، وقد تقدم الحديث في صلاة العيد، ومن لم يكن لهم إمام؛ تحروا ذبح أقرب الأئمة إليهم وذبحوا، ويدل على اشتراط الذبح بعد ذبح الإمام؛ حديث جابر ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله؛ أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ»، عزاه في منتقى الأخبار لأحمد ومسلم، وفيه دليل على أن من أخطأ فذبح قبل ذبح الإمام فهي شاة لحم، فكيف بالمتعمد؟، ومذهب مالك في هذا هو الصواب إن شاء الله، ولو قيل إنّ ذلك مقيد بما إذا كان الإمام يبرز أضحيته إلى المصلى ليذبحها كما كان النبي ﷺ يفعل؛ لكان ذلك القيد حقا، ثم عثرت على كلام لأبي مصعب يقول فيه: «إذا ترك الإمام الذبح بالمصلى؛ فمن ذبح بعد ذلك فهو جائز»، أثبته الباجي في المنتقى، وقد قال الحسن البصري: «إن ناسا ذبحوا قبل رسول الله ﷺ يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحُجُرات: ١].
[ ٢ / ٥٧٩ ]
من ضحي بالليل أو أهدى به لم يجزه
• قوله:
٨ - «ومن ضحى بليل أو أهدى؛ لم يجزه».
العمدة في اشتراط النهار في ذبح الأضحية عند أهل المذهب؛ ذكر اليوم في الأحاديث، وكذا في قول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، حيث اعتبروا ذكر الأيام قيدا، ومفهومه هو الليل؛ فلا تصح التضحية فيه، ولا يخفى عنك أن اليوم لقب، والاعتماد على مفهومه ضعيف، وقد تفصى بعضهم من هذا بأن مالكا لم يعتمد مفهوم اللقب، بل اعتمد مفهوم الظرف، فإن كان مقصود هذا القائل الظرفَ الاصطلاحي عند النحاة؛ فإن الأيام ليست ظرفا عندهم، فإن اليوم ظرف متصرف، ولو قيل إن فعل النبي ﷺ مبين للمراد من الأيام لكان ذلك متجها، لكنه لا يفيد غير الاستحباب، وقد وجدت الباجي ذهب إلى نحو هذا في المنتقى، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: «مجرد ذكر الأيام في حديث الباب وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب؛ لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي، والعكس؛ مشهور متداول بين أهل اللغة، لا يكاد يتبادر غيره عند الإطلاق»، انتهى، قال كاتبه: يعكر على ما قاله من التبادر؛ ما جاء في حديث صفوان بن عسال من قوله: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة،،، الحديث، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي، فلو كان الأمر كما قال الشوكاني؛ لما احتاج إلى ذكر الليالي، مع أن المقصود هنا دخول الليالي مع الأيام بلا شك، إذ لو قَطعت الليلةُ الرخصةَ؛ لما كان لذكر الثلاثة وجه، وروي عن مالك جواز الذبح ليلا ذكره الباجي نقلا عن القاضي أبي الحسن، وهو قول الجمهور، وفرق أشهب في أحد قوليه بين الهدي والأضحية، فأجاز الهدي ليلا دونها.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
أيام النحر ثلاثة العيد ويومان بعده
• قوله:
٩ - «وأيام النحر ثلاثة، يذبح فيها، أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها».
أهل المذهب متفقون على أن أيام النحر ثلاثة: يوم العيد وتالياه، أما اليوم الأول؛ فقد تقدم وقت الذبح فيه، وأما تالياه؛ فإن الذبح فيهما يكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لكن يكره الذبح قبل طلوع الشمس، للاختلاف في كون ما بين الفجر إلى طلوعها من اليوم أو من الليل، وعليه؛ فمن ذبح في اليوم الرابع؛ فهي شاة لحم، قال الشوكاني: «ومقتضى كلام أهل اللغة والفقه؛ أن أيام التشريق ما بعد يوم النحر على اختلافهم هل هي ثلاثة أو يومان؟، لكن ما ذكره من سبب تسميتها يقتضي دخول يوم العيد فيها،،،».
قلت: مردّ الخلاف في ذلك إلى تأويل قول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وما هو المراد بأيام التشريق عند أهل اللغة والفقه، هل هي يومان أو ثلاثة؟، وهل يدخل فيها يوم العيد أو لا؟، وقد روى أحمد عن سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح»، ورواه الدار قطني من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار، وعن نافع بن جبير عن جبير، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١٩٦٩): «وهذه الزيادة ليست بمحفوظة، والمحفوظ منى كلها منحر»، كما ضعفه ابن القيم، لكن قال الألباني في منسكه: «وهو قوي عندي بمجموع طرقه، ولذلك خرجته في الصحيحة (٢٤٧٦)»، انتهى، ولو قيل بتصحيح الحديث لما كان فيه إنهاء للنزاع للاختلاف في المراد بأيام التشريق هل يدخل فيها يوم العيد أو لا؟.
والمذهب أنه لما كانت الأيام المعلومات مرادا بها وقت نحر الهدي، والتضحية
[ ٢ / ٥٨١ ]
مقيسة في وقتها على الهدي؛ كان يوم العيد من الأيام المعلومات، وأما المعدودات؛ فإنها أيام منى، وقد نقل المهدي في البحر الإجماع عليه، كما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ٣٨٧)، ولما كانت هذه الأيام ثلاثة بنص حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه، فأمر مناديا ينادي: «الحج عرفة، فمن جاء ليلة الجمع قبل طلوع الفجر؛ فقد أدرك، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين؛ فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»، رواه أصحاب السنن الأربعة، (ت/ ٨٨٩)، وصححه الترمذي في كتاب التفسير (٢٩٧٥)، فلما كانت أيام منى ثلاثة؛ وجب أن تكون الأيام المعلومات غير المعدودات، إذ لو توافقتا؛ لكان سائغا أن ينفر الحاج في اليوم الحادي عشر، وهو مخالف لاتفاق أهل العلم، ولهذا قالوا إن يوم العيد معلوم غير معدود، واليوم الرابع معدود غير معلوم، وما بينهما معدودان معلومان، وقد روي نحو هذا عن ابن عمر، فهذه حجة على اختلاف الأيام المعدودات عن المعلومات، مع ما جاء في المعلومات من الخلاف، ولو سلم ذلك؛ فلا يلزم منه أن يكون اليوم الرابع غير معلوم، فإن إثبات تغايرهما؛ لا يلزم منه أن تكون الأيام المعلومات ثلاثة فحسب، إلا بالاعتماد على أن أقل الجمع ثلاثة، والثلاثة داخلة في جمع القلة ولا بد، وما زاد عليها مشكوك في دخوله، قال مالك كما في النوادر والزيادات: «والأيام المعلومات أيام النحر، والأيام المعدودات أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر».
ومما احتج لهم به حديث النهي عن ادخار لحوم الأضلحي بعد ثلاثة أيام، فإنه لو كانت مدة النحر أربعة أيام لكان ممنوعا الذبح في الرابع على ما يقتضيه النهي، وكونه منسوخا لا يمنع من الاحتجاج به على هذا الحكم، والجواب عنه أن الأدخار يكون بعد اليوم الأول، فلا حجة فيه.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
أفضل أيام النحر أولها
• قوله:
١٠ - «وأفضل أيام النحر أولها، ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال؛ فقد قال بعض أهل العلم: يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني».
أما أن أفضل أيام النحر أولها؛ فنعم، لأنه اليوم الأول منها، والمسارعة إلى أعمال البر مطلوبة، ولأن النبي ﷺ كان يضحي ويهدي فيه، ولأنه هو يوم الحج الأكبر كما هو في سنن أبي داود عن أبي هريرة فيما بعث به النبي ﷺ عليا يؤذن به، وعلقه البخاري، وقد روى أبو داود (١٧٦٥) عن عبد الله بن قُرط عن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر، ثم يوم القَر»، ويوم القر هو اليوم الثاني، سمي كذلك لأن الناس يقَرون فيه بمنى، وأما أن من فاته الذبح في هذا اليوم حتى أدركه الزوال؛ استحب له أن يؤجل الذبح إلى ضحى اليوم الثاني؛ فلا أعرف عليه دليلا، والفضلية منسوبة إلى اليوم بتمامه، والقول بما تقدم من التأجيل إلى اليوم الثاني منسوب في الواضحة إلى مالك نفسه، وليس هو قول ابن حبيب فحسب كما ذكر بعضهم.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
لا يباع شيء من الأضحية ولا يعطى أجرة لذابحها
• قوله:
١١ - «ولا يباع شيء من الأضحية: جلد ولا غيره».
متى تعينت الأضحية نسكا وقربة، وذلك بالشروع في ذبحها؛ انتقلت عن كونها مجرد لحم إلى كونها عبادة، فلا يتصرف المكلف فيها إلا وفق ما أذن له فيه دينه، ومما لم يؤذن له فيه أن يبيع شيئا منها لحما كان أو غيره، ومثل البيع أن يعطي شيئا منها أجرة للجازر أو للحارس، لقول علي ﵁: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا، قال: ونحن نعطيه من عندنا»، رواه الشيخان (خ/ ١٧٠٧)، وأبو داود (١٧٦٩)، وهذا لفظه، والبدن بضم الباء وسكون الدال جمع بدنة بمفتوحتين، تقع على «الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه»، كذا في النهاية، وقال الحافظ إن أصل البُدن من الإبل، وألحقت بها البقر شرعا»، قلت هذا إذا ذكرت البدن وحدها، لكن قد تذكر الإبل والبقر معا في نص كما في حديث ابن عباس في اشتراك العشرة في البدنة والسبعة في البقرة، والجلال بكسر الجيم جمع جُل بضمها وفتحها؛ هي ما تُلبَسُه الدابة بوضعه على ظهرها لتصان به وقد توسع في استعماله، فقال قائلهم:
أخا الحرب لباسا إليها جلالها … وليس بولاج الخلائف أعقلا
ووجه الدلالة في حديث علي أنه نهاه أن يعطي الجزار منها شيئا لقاء عمله، فدل على عدم جواز دفع شيء منها في سائر المعاوضات، ومنها البيع، والمنهي عن البيع إنما هو المضحي أو من يقوم مقامه كالوكيل، أما من أهدي له أو تصدق به عليه فلا يمنع من ذلك، لأنها انتقلت إليه بوجه مشروع، فزال عنها الوصف الخاص، فله أن يتصرف فيها تصرف المالك فيما يملك، ومن جملة ذلك البيع، ولو علم من تصدق عليه أو أهدى له بأنه يبيع، وفي زماننا تجمع الجلود وتعطى لجمعيات المساجد، فتبيعها، وذلك لا حرج فيه إن شاء الله لأنها قد تصدق بها فخرجت من مالكها، أما قول الشارح أبي الحسن: «وبني
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الفعل لما لم يسم فاعله ليدخل فيه المضحي وغيره من متصدق عليه، وموهوب له، ووارث»؛ فهو خلاف المعروف في المذهب، والأحكام الشرعية لا تؤخذ من مثل هذا، وقد شدد الشرع في ذلك حتى قال النبي ﷺ: «من باع جلد أضحيته فلا أضحية له»، رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال صحيح الإسناد، وتعقب، وهو حسن كما في صحيح الترغيب والترهيب للألباني.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
توجيه الذبيحة إلى القبلة
• قوله:
١٢ - «وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة».
هذا شروع من المؤلف في بيان كيفية الذبح التي منها الواجب، ومنها غيره، وتوجيه الذبيحة إلى القبلة مستحب بالإجماع على ما نقله أبو الحسن عن ابن المنذر، واتفق العلماء عليه كما قال النووي، وصفته أن تضجع على الجنب الأيسر، ووجهها إلى القبلة، فإن ترك التوجيه عمدا أكلت عند ابن القاسم، وقال ابن المواز: «لا أحب أن تؤكل لمخالفة السنة»، وفي هذا عِبرة لمن يعتبر، فإن كان أعسر فيغتفر إضجاعها على الجنب الأيمن للضرورة، وقال جابر ﵁: «ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته»، رواه أبو داود (٢٧٩٥) وابن ماجة (٣١٢١)، وهو في ضعيف أبي داود، وانطر الإرواء (ح/ ١١٣٨)، وقد جاء التوجيه إلى القبلة في الموطإ عن ابن عمر موقوفا وعلقه البخاري بصيغة الجزم.
ومما يستحب؛ أن يجعل الذابح رجله على عنق الذبيحة، لما في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين، يذبح ويكبر ويسمي، ويضع رجله على صفحتهما»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٢٧٩٤)، ومن العجب أن يزعم بعضهم أنه من الخصائص، وقد كرهه ابن المواز كما في شرح أبي الحسن، وهكذا قال ابن حبيب كما في النوادر، نعم يمكن تقييد وضع الرجل بالحاجة إليه، كأن لا يكون مع الذابح من يمسك الشاة من عنقها، لأن الظاهر أن ذلك ليس متعبدا به.
ومن ذلك أن يشحذ شفرته قبل مباشرة الذبح ليتأتى له الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء كما قال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم
[ ٢ / ٥٨٦ ]
فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»، رواه مسلم وأصحاب السنن (د/ ٢٨١٥) عن شداد بن أوس ﵁، والقتلة والذبحة هما بكسر القاف والذال؛ هيئة القتل والذبح، وليحد رباعي من أحد الشفرة إذا شحذها، واللام فيه للطلب، والمراد بالشفرة حد السكين من تسمية الشيء باسم جزئه، وليرح مضموم الياء من أراحه يريحه إذا جلب له الراحة، وفيه دليل على مطلوبية الإحسان في كل الأعمال، ومن ذلك إحسان قتل من وجب قتله، وقد ذكر هنا لمشابهته الذبح، فإن كل المخلوقات أحسن الله خلقها، ومن مفردات إحسان الذبح شحذ الشفرة ليتأتى إزهاق الروح في أقصر وقت، فيجتنب بذلك تعذيب الحيوان، وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، ومن الإحسان إراحة الذبيحة بسرعة الإجهاز عليها، وذلك بإمرار السكين عليها بقوة، ومن ذلك الإمهال بسلخها حتى تبرد، وعدم إظهار الشفرة للشاة، روى أحمد وابن ماجة (٣١٧٢) من حديث ابن عمر ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز»، لكن في إسناد ابن ماجة ابن لهيعة، قال الشوكاني: «ويشهد له الحديث الذي قبله»، انتهى، يعني حديث شداد بن أوس في إحسان القتلة والذبحة، وقد قواه شعيب الأرناؤوط في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب رحمهما الله، ومعنى فليجهز؛ فليسرع في الذبح، وروى الطبراني عن عكرمة عن ابن عباس قال: «مرّ رسول الله ﷺ برجل واضع رجلَه على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: «أفلا قبل هذا؟، تريد أن تميتها موتات»؟، وهو في صحيح الترغيب، وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٦٠٨) عن عكرمة مرسلا، ورُوي عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا قال للنبي ﷺ: «يا رسول الله، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي ﷺ: «والشاةُ إن رحمتها رحمك الله»، وروى عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: «رأى عمر ابن الخطاب رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: ويلك، قدها إلى الموت قودا جميلا»!!.
وقال الإمام أحمد: «تقاد إلى الذبح قودا رفيقا، وتوارى السكين عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله ﷺ بذلك، أن توارى الشفار، وقال: ما أبهمت عليه
[ ٢ / ٥٨٧ ]
البهائم؛ فلم تبهم أنها تعرف ربها، وتعرف أنها تموت»!!، وهو في كتاب جامع العلوم والحكم.
وإذ قد تبين لك أن الشرع متشوف إلى تخفيف أمر الذبح وتعجيله والمبالغة في الإحسان فيه، فلا أشك أنك تقتنع بمشروعية الذبح بالآلة الكهربية، لأن في الذبح بها مزيد إحسان على الذبح باليد، على أن يتوفر معها ما ينبغي في الذبح من التسمية، وغيرها من المستحبات بحسب الإمكان، وإن أدى ذلك إلى قطع العنق فما هو بالمحرم، أفبعد هذا يزعم الكفار أن في الذبح تعذيبا للحيوان فيمنعون المسلمين من التذكية الشرعية في بلدانهم، ويعاقبون من يفعل ذلك، وهم يعذبون بني آدم بأضعاف ما يزعمون أنه تعذيب للحيوان عند المسلمين، بإحراقهم بالقنابل، وتهديم البيوت وغير ذلك، مع أن الحيوان أباحه الله للإنسان، وشرع له قتله بتلك الصفة، وهو سبحانه أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
[ ٢ / ٥٨٨ ]
بعض ما يستحب في الذبح
التسمية عند الذبح وعند إرسال الجوارح
• قوله:
١٣ - «وليقل الذابح: بسم الله، والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا، فلا بأس بذلك، ومن نسي التسمية في ذبح أضحية، أو غيرها؛ فإنها تؤكل، وإن تعمد ترك التسمية؛ لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد».
قال الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار (٦/ ١٧٧): «سبب مشروعية التذكية التفصي من أكل المشركين الميتة، وسبب التشديد في التسمية على الطعام من صيد وذبيحة هو إبعاد المسلمين عما كان عليه المشركون من الذبح لغير الله تعالى، بالإهلال به لأصنامهم، أو وضعها على النصب، واستبدال اسم الله وحده بتلك الأسماء التي سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، ليطهرهم من كل ما كانوا عليه من أدران الشرك،،،»، انتهى.
والتسمية عند الذبح نسكا كان أو غير نسك؛ واجبة مع الذكر والقدرة، فمن تركها عامدا لم تؤكل ذبيحته، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]، ومما اعتبر تقييدا للتسمية على الذبيحة بالذكر حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- عند البخاري وغيره أن قوما قالوا للنبي ﷺ: «إن قومنا يأتوننا بلحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه، أم لا؟، فقال: «سموا عليه أنتم وكلوا»، وهو في الموطإ (١٠٤٨) عن هشام بن عروة عن أبيه، ووجه الدلالة منه على ما ذكر؛ أن التسمية لو كانت شرطا من غير قيد في حل المذبوح ما عوملت حالة الشك بما عوملت به في هذا الحديث، وليس هذا الوجه بالواضح، لأن المجتمع مسلم فيحمل على الأصل، وقد حمل مالك الحديث على أنه كان في أول الإسلام، ويظهر أنه كان بعد نزول سورة الأنعام وفيها مطلوبية التسمية، قاله ابن عبد البر، وقال: إنه كان بالمدينة وأهل باديتها كانوا هم الذين يأتون إليهم باللحمان، وقوله سموا عليه، هذه التسمية على أكل الطعام لحما كان أو غيره وليست بدلا عن التسمية التي هي شرط مع الذكر والقدرة، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وتجب التسمية أيضا عند إرسال الجوارح للصيد، وعند رمي السهم، وسيأتي الكلام على ذلك، أما زيادة التكبير؛ فمستحب في المذهب، لثبوته من فعل رسول الله ﷺ في حديث أنس عند الشيخين، وحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وقد تقدم.
ويظهر أن السنة الفعلية مبينة للمراد من ذكر الله المنهي عن أكل الذبيحة بدونه، فيقول الذابح بسم الله، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ، وكما قال: «ومن لم يذبح فليذبح بسم الله، وإن كان محتملا، لكن المذهب أنه لو قال الله أكبر، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله؛ أجزأ، لأن كل هذا يصدق عليه أنه من ذكر لله تعالى المأمور به في كتاب الله.
وكره مالك أن يقول: «اللهم منك وإليك» في ذبح الأضحية لأنه بدعة، والمرجع في ذلك ثبوت هذا عن النبي ﷺ، وقد جاءت هذه الجملة في حديث جابر عند أبي داود وابن ماجة، وذكر الألباني شاهدا لها فانظر الإرواء (ح/ ١١٣٨)، وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي ﷺ في هذا استنانا، ذكره في النوادر، وهذا من احتياط القوم للسنة ﵏، فليكن فيه عبرة لمن أرخوا لأنفسهم العنان للاستحسان، فأدخلوه في كل ميدان!!.
ومن نسي التسمية حتى انتهى من الذبح؛ فلا شيء عليه، فإن ذكرها أثناء الذبح سمى، وإن تعمد تركها لم تؤكل، ومما يجب في الذبح نيته من غير قيد بالذكر والقدرة، والمراد نية فعل الذبح، وإن لم يلاحظ التحليل أو التقرب إلى الله تعالى بالذبيحة، وهو أمر مطلوب لكنه ليس شرطا في الحل.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
لا يباع شيء من النسائك
• قوله:
١٤ - «ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك؛ لحم، ولا جلد، ولا ودك، ولا عصب، ولا غير ذلك».
تقدم الكلام على منع بيع شيء من الأضحية، وأعاده هنا ليبين امتناع البيع في غيرها من العقيقة والنسك، يعني الهدي مطلقا، واجبا كان كهدي التمتع والقران والجبران وجزاء الصيد والنذر، أو هدي التطوع، كل ذلك يمنع بيع شيء منه، والودك الدهن، والعصب العروق، وقوله: «ولا غير ذلك»، يعني كالقرن والشعر والصوف.
[ ٢ / ٥٩١ ]
يأكل المضحي من أضحيته ويتصدق
• قوله:
١٥ - «ويأكل الرجل من أضحيته، ويتصدق منها أفضل له، وليس بواجب عليه».
ما يقدمه المسلم من الذبائح على وجه القربة لله تعالى بعضه يشرع له أن يأكل منه، وكذا التصدق والإهداء، وهو قسمان: ما أصله الأكل كالأضحية، وما أصله عدمه كالهدي، والثاني ما لا يباح له الأكل منه، والأضحية من الأول، بل إنها في الأصل لذلك، بل يندب لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ بذلك، لكن ينبغي أن لا يترك التصدق منها، وإن جمع بين الأكل والتصدق والإهداء فهو أفضل، وليس لهذه الثلاثة حد، وقيل لو جعل أضحيته ثلاثة أقسام فحسن، وإن اقتصر على الأكل أجزأته، وترك ما هو مستحب، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨]، وهذا في البدن التي تهدى، والأمر فيه للاستحباب، ولو لم يكن الأكل متأكدا ما تلكف النبي ﷺ أخذ بَضعة من كل نوقه التي أهداها، وعددها كثير، ووضعها في البرمة ليأكل من جميعها، والأضحية أولى أن يؤكل منها، وعن ثوبان قال: «ذبح رسول الله ﷺ أضحيته، ثم قال: يا ثوبان أصلح لي لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة»، رواه أحمد ومسلم (١٩٧٥)، وفيه حجة على مشروعية الأضحية للمسافر، وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس عند الترمذي، وفي حديث بريدة عند أحمد ومسلم (١٩٧٧) والترمذي (١٥١٠) واللفظ له قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ليتسع ذوو الطول على من لا طول له، فكلوا ما بدا لكم، وأطعموا وادخروا»، والطول بفتح الطاء وسكون الواو القدرة، وفيه وفي الحديث الذي قبله اجتماع القول والفعل على جواز ادخار لحوم الأضاحي، وأن المنع من ادخارها منسوخ.
والمشهور أن إطعام الكافر من الأضحية مكروه، وقيده بعضهم بما إذا كان ينقلب به
[ ٢ / ٥٩٢ ]
إلى منزله، أما أن يطعمه المضحي في بيته؛ فلا كراهة، قال زروق: «وفي كراهة إطعام الكافر منها روايتا العتبية، واختيارُ ابن القاسم الكراهة، وقد قال ابن القاسم كان مالك يجيزه، ثم رجع عنه، وما يعجبني أن يطعم إلا من كان في عياله»، انظر شرح بن ناجي على الرسالة، (١/ ٣٧٧).
قلت: وظاهر قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يدل على خلاف ذلك، فكل ما كان حلا لنا من الذبائح وغيرها يجوز أن نطعمهم منها، ما لم يكن مصرفه معينا في نذر أو كفارة، فإن الآية لا تدل على أنه حلال لهم بالمعنى الذي يقصد مع المسلمين، لأنهم ليسوا من الحل والحرمة في شيء، وإنما معناه أنه يجوز لنا أن نطعمهم منه، وهو عموم لا يستثنى منه إلا ما دل الدليل على خلافه، قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره: «لم يعرج المفسرون على بيان المناسبة ﴿ركذب وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، وإني أراه أن الله تعالى نبهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نطعمهم طعامنا، فعلم من هذين الحكمين؛ أن علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم،،،»، انتهى.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ما يؤكل منه من النسائك وما لا يؤكل منه
• قوله:
١٦ - «ولا يأكل من فدية الأذى، وجزاء الصيد، ونذر المساكين، وما عَطب من هدي التطوع قبل محله، ويأكل مما سوى ذلك إن شاء».
لما ذكر حكم الأكل من الأضحية؛ قاده ذلك إلى استيفاء الكلام على ما يؤكل منه من الهدي والنسك، وما لا يؤكل منه، وينحصر ذلك في أربعة أقسام: ثلاثة منها لا يجوز الأكل منها إذا بلغت محلها، وهو منى إن كان قد وقف بها في عرفة، وكان الذبح في أيام النحر، ومكة إن لم يقف بها، أو انتهت تلك الأيام، فإن لم تبلغ محلها؛ جاز الأكل منها، وعللوا ذلك بأنها إن لم تبلغ محلها ضمنها:
أولها: فدية الأذى، وهي ما ترتب على فعل محظور من محظورات الإحرام، والثاني: جزاء الصيد ممن كان محرما أو في الحرم، والثالث: نذر المساكين، وإنما لم يسغ له الأكل من هذه الثلاثة؛ لأنها كفارة، والمرء لا يأكل من كفارته، وفي نذر المساكين قد أخرج نفسه بجعله لهم، والرابع مما يمتنع الأكل منه هدي التطوع إذا عَطب قبل أن يبلغ محله، وذلك لأنه لا يجب عليه بدله، فهو متهم على عطبه، انظر النوادر والزيادات (٢/ ٤٥١).
وقد روى مسلم (١٣٢٦) عن ذؤيب بن حلحلة قال: كان النبي ﷺ يبعث معه بالبدن ثم يقول: إذا عَطب منها شيء فخشيت عليها موتا؛ فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تَطعَمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك»، ومثله حديث ناجية في الموطإ وسنن أبي داود (١٧٦٢) والترمذي، لكن هذا إنما يصلح دليلا على عدم الأكل من هدي التطوع إذا عطب قبل محله، وقد علمت توجيه عدم الأكل من غيره.
وقوله «ويأكل مما سوى ذلك إن شاء»؛ إشارة إلى ما يجوز الأكل منه، وهو الممنوعات الثلاثة السابقة إذا لم تبلغ محلها: فدية الأذى، وجزاء الصيد، ونذر المساكين،
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وإنما جاز له الأكل منها؛ لأن عليه بدلها، فلا يتهم على عطبها، والرابع هو هدي التطوع إذا بلغ محله، ودم التمتع، والقران، وهدي فساد الحج والعمرة، ودم الجبران، أعني الذي يذبحه جبرا لنقص في حجته أو عمرته، كتجاوز الميقات دون إحرام، أو ترك واجب، وبين بقوله «إن شاء»؛ أن الأصل في الهدي عدم الأكل، كذا قالوا.
واعلم أنه قد دل الدليل على مشروعية الأكل من الهدي عموما بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولا يضير هذا العموم ما ورد أنها نزلت لإبطال ما كان عليه العرب من عدم الأكل من الهدي، لأن العبرة بعموم اللفظ، كما دل الدليل على مشروعية الأكل من هدي التمتع والقران بفعل النبي ﷺ، وما قاله أهل المذهب من التفصيل قوي في النظر، ولكن قياس الهدي على الكفارة المنصوص على عدد المساكين فيها؛ فيه شيء، وكون جزاء الصيد بدله إطعام عدد من المساكين يعدل قيمة الحيوان؛ لا يدل بمجرده على منع الأكل منه كما يمتنع من الطعام، لأن الذبح نفسه قربة بخلاف الطعام، فإنه إنما يصير قربة بتقديمه للمسكين، فالقول بأن البدل يعطى حكم المبدل قد لا يطرد وقد لا يلتزمه من قال به، فما لم يأت دليل يمنع من الأكل فالأصل الجواز، نعم ما نذره المسلم للمساكين يتجه المنع منه، بخلاف ما إذا نذر مجرد الذبح لله تعالى، وقد عثرت في السيل الجرار على كلام للشوكاني بهذا المعنى، فانظره في (٢/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
معنى الذكاة وما يكفي منها عند العلماء
• قوله:
١٧ - «والذكاة قطع الحلقوم والأوداج، ولا يجزئ أقل من ذلك».
قوله الذكاة أي التذكية، وأصلها تمام الشيء أو إتمامه، يقال ذكيت النار إذا أتممت إشعالها، وذكت الشمس إذا اشتدت حرارتها، وذكى البهيمة إذا أزهق روحها، والمراد بالذكاة هنا الذبح خصوصا، وإطلاقه على الذكاة اصطلاح، وهو فرد من أفراد ما تزهق به روح الحيوان فيحل أكله، والثلاثة الأخرى هي النحر والعقر وما يموت به ما ليس له نفس سائلة، وكلها ذكاة.
والذبح في المشهور هو «قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين من المقدم، بلا رفع قبل التمام»، كذا قال خليل ﵀، فدخل من كان مميزا من الصبيان، وقد نقل الإجماع على حل ذبيحته، ودخلت المرأة، وقد تقدم الكلام على ذبحها، وخرج غير المميز من الصبيان وكذلك المجانين والسكارى، ودخل في قوله يناكح؛ الكتابي وهو اليهودي والنصراني، لأنه يجوز نكاح أنثاه، وخرج بقوله تمام الحلقوم والودجين؛ قطع الحلقوم وحده، أو الودجين فقط، أو أحد الودجين، وقد نص المؤلف على ذلك بقوله: «ولا يجوز أقل من ذلك»، وبناء على اشتراط قطع الحلقوم قالوا إن انحازت الغلصمة إلى الجسم؛ لم تؤكل، مع شيء من الخلاف في مقدار ما يكفي من قطعها، والغلصمة بفتح الغين جمعها الغلاصم هي رأس الحلقوم أي الموضع الناتئ في آخر القصبة الهوائية إلى جهة الراس، والحلقوم بضم الحاء مجرى النفس، وقول المؤلف والأوداج المراد الودجان، وهما عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما معظم عروق البدن، ولا يشترط في المذهب قطع المريء، وهو مجرى الطعام من الفم إلى المعدة.
واعلم أن العلماء قد اختلفوا فيما يكفي في الذبح، والذي تقدم مما يجب قطعه هو
[ ٢ / ٥٩٦ ]
ما أجمع أهل العلم على حل الذبيحة به، فلذلك أخذ أهل المذهب بالحد الأعلى، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المرء إذا ذبح ما يجوز الذبح له، وسمى الله، وقطع الحلقوم والودجين، وأسال الدم؛ أن الشاة مباح أكلها»، وأضاف ابن رشد إلى المجمع عليه قطع المريء، لكن هذا الإجماع إن ثبت لا يدل على أن ما كان أقل مما أجمع عليه؛ لا تحل معه الذبيحة، ثم وجدت ابن رشد ﵀ نص عليه في بداية المجتهد (١/ ٤٤٥) إذ قال: «لأن ما وقع الإجماع على إجزائه؛ لا يلزم أن يكون شرطا في الصحة»، ومن أدلة أهل المذهب في اشتراط قطع ما تقدم؛ حديث رافع بن خديج قال: يا رسول الله ليس لنا مدى، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه؛ فكل، ليس السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة»، رواه الشيخان (خ/ ٥٥٠١) عن رافع بن خديج، وأنهر الدم؛ أساله وصبه بكثرة، والمدى جمع مدية مثلثة الميم وقد تقدمت، وأهل المذهب حملوا إنهار الدم على أقصى حالاته بقطع الأوداج وما ذكر معها، ولم يدخلوا المريء لأن ما يسيل بقطعه من الدم قليل، ومما استدل به على قطع ما ذكر أو بعضه حديث ابن عباس ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان»، رواه أبو داود (٢٨٢٦)، وقد فسرت الشريطة بالتي تذبح فيقطع الجلد، ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت، هكذا فسرها بعض رواة الحديث، وقد ترجم عليه أبو داود بقوله: «المبالغة في الذبح»، يعني أن ذلك مطلوب، لكن هذا لا يثمر المراد، وهو اشتراط قطع ما ذكر في حل الذبيحة، ولو صح الحديث لكان المراد منه النهي عن تعذيب الحيوان بإطالة زمن زهوق روحه، وهذا مما لا خلاف فيه، قال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٢٨١): «وأخذت الشريطة من الشرط، وهو شق الجلد بالمبضع ونحوه، كأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد، دون ذبحه، والإتيان بالقطع على حلقه».
والذي ينبغي أن يقال هو أن الشارع رمى إلى إزهاق روح الحيوان بطريقة فيها إحسان كما تقدم، لكنه نوع ذلك بحسب ما يمكن من الوسائل، فليس المتوحش من الحيوان كالمستأنس، وليس الحيوان المتردي كغيره، وقد جاء حديث أبي العشراء
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الدارمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟، قال: لو طعنت في فخذها لأجزأك»، رواه أحمد وأصحاب السنن، وقال الترمذي (١٤٨١) غريب، ومع ضعفه من أجل جهالة أبي العشراء؛ فقد حمله أهل العلم على حال الضرورة، قال أبو داود (٢٨٢٧): «لا يصلح هذا إلا في المتردية والمتوحش»، واللبة بفتح اللام وشد الباء هي آخر الحلق إلى جهة الصدر.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
حكم رفع اليد قبل تمام الذبح
• قوله:
١٨ - «وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك، ثم أعاد يده فأجهز؛ فلا تؤكل».
في هذا الأمر تفصيل لم يشر إليه المؤلف، ذلك أنه إن رفع يده وقد قطع الجلد وحده أو شيئا مما تحته مما يمكن معه أن يعيش الحيوان؛ فإن ذلك لا يضر، لأن الذبح الثاني مستقل، أما إن قطع ما تعتبر معه الشاة منفوذة المقاتل، بحيث لو تركت لم تعش، وكان الرفع طويلا؛ فإنه يضر باتفاق، ويلزم منه الحرمة، والطول بالعرف، ولا فرق عندهم بين أن يرفع اختيارا أو اضطرارا، واختلفوا إذا كان الفارق بين الذبح الأول والثاني يسيرا، فقال سحنون تحرم، وقال ابن حبيب تؤكل، وهذا هو المعتمد في المذهب، ومتى طال الفارق لزمت النية والتسمية.
واعلم أن مجرد الرفع لا يلزم منه حرمة الذبيحة، إذ لا دليل عليه، ومن رفع من غير حاجة؛ صدق عليه أنه تسبب في تعذيب الحيوان بإطالة أمد إزهاق روحه، وخالف أمر النبي ﷺ بإحسان الذبح كما تقدم، لكن هل يلزم من ذلك حرمة الذبيحة؟، لا يظهر، ومن رفع يده لأجل شحذ السكين فهو مخالف أيضا، لأنه مطالب بفعل ذلك قبل الذبح لقوله ﷺ: «وليحد أحدكم شفرته»، أما إن كانت الشاة لو تركت لم تعش؛ فهذا يمشي على مشهور المذهب من أن ما أنفذت مقاتله لا تنفع فيه الذكاة، وسيأتي ما فيه، وقد راعى علماء المذهب مسألة إراحة الحيوان، فكان المشهور أن من قطع الحلقوم ثم عسرت السكين في يده بسبب عدم تحديدها فقلبها وقطع بها الأوداج من داخل أن الشاة لا تؤكل.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
التمادي في الذبح حتى قطع الرأس
• قوله:
١٩ - «وإن تمادى حتى قطع الرأس؛ أساء، ولتؤكل».
من تعمد التمادي في الذبح حتى قطع الرأس؛ فقد خالف سنة الذبح، لكونه يحصل بإنهار الدم كما تقدم، ولأن فيه ضربا من تقطيع الذبيحة قبل موتها، فأشبه ما أبين من الحيوان وهو حي، لكن المشهور أنها تؤكل، وقيل لا تؤكل لأنه عابث بالذكاة حين ترك سنة الذبح، وكل هذا مع المتعمد، وقد ورد النهي عن أن تفرس الذبيحة قبل أن تموت، رواه الطبراني عن ابن عباس، لكنه ضعيف، ولو صح لأمكن أي يؤخذ منه حرمة أكلها، قال ابن الأثير: «وفي حديث عمر: أنه كره الفرس في الذبائح، وفي رواية: نهى عن الفرس في الذبائح، وهو كسر رقبتها قبل أن تبرد»، وقال: «وبه سميت فريسة الأسد»، وأصل الفرس دق العنق، ثم توسع فيه فجعل كل قتل فرسا هكذا في لسان العرب.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الذبح من القفا
• قوله:
٢٠ - «ومن ذبح من القفا لم تؤكل».
ذبح الشاة من القفا يؤدي إلى نخعها أي قطع نخاعها قبل ذبحها، وقطع النخاع من المقاتل، فتكون ميتة لا تعمل فيها الذكاة على المذهب، ولأنها ذكاة غير مشروعة.
فإن قلت: في التمادي على الذبح قطع للنخاع أيضا ولا تحرم به الذبيحة، فالجواب: أن ذلك جاء بعد الذبح، مع أن متعمده مسيء لمخالفته ما هو مطالب به من إحسان الذبح، ولا خصوصية لقوله من القفا، إذ الأمر كذلك إن ذبح من صفحة العنق.
[ ٢ / ٦٠١ ]
ما يذبح من الأنعام وما ينحر
• قوله:
٢١ - «والبقر تذبح؛ فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر، فإن ذبحت لم تؤكل، وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح، فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك».
لا خلاف أن الثابت من فعل النبي ﷺ هو ذبح الغنم ونحر الإبل، أما ذكاة البقر فجاء عنها في السنة النحر، وجاء في القرآن الذبح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وهذا في غير حال الضرورة، أما معها فيجوز أن تزهق روح الحيوان بغير ما ذكر، وإنما اختير الذبح للغنم؛ لأنه أحسن في قتلها لقصر رقبتها، وسرعة اندفاع الدم منها، كما أن اختيار النحر للإبل إنما هو لعكس ما تقدم، وهو طول رقبتها، فيمتد أمد موتها لو ذبحت، ولغلظ جلدها، بخلاف نحرها، فإنه يكون في لبتها، وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فتموت بسرعة، أما البقر فهي وسط بينهما، إذ أن لها موضع النحر، وموضع الذبح، وهذا كله داخل في إحسان الذبح المأمور به، ولذلك كان مشهور المذهب ما ذكره المؤلف من أن الغنم وما في معناها كالظباء والطيور تذبح أي وجوبا، فإن نحرت لم تؤكل، والإبل وما في معناها كالزرافة والفيل تنحر وجوبا، فإن ذبحت لم تؤكل، والبقر تذبح ندبا، فإن نحرت أكلت، وهو قول مالك في المدونة قال: «لا ينحر ما يذبح، ولا يذبح ما ينحر»، قال: «فقلت: فالبقر نحرت، أترى أن تؤكل؟، قال: «نعم، وهي خلاف الإبل إذا ذبحت».
وقال ابن بكير يجزئ الذبح عما ينحر لأن فيه زيادة، ولا يجزئ النحر عما يذبح لأن فيه نقصا، وهو في شرح زروق، لكن القول بتحريم الغنم إن هي نحرت، والإبل إن هي ذبحت؛ فيه شيء فأين الدليل عليه؟، نعم إن الأمر عند المسلمين قد جرى على ذلك فلا يخالف، لكن لا يلزم من مخالفته التحريم حيث لا إجماع، لا سيما وأن كلا منهما قد
[ ٢ / ٦٠٢ ]
تحقق به إنهار الدم المطلوب، وفي النوادر قال ابن أبي سلمة: «ويؤكل ذلك كله: إذا ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح، من طير، أو غيره من غير ضرورة، وهو قول ابن جريج أيضا كما في مصنف عبد الرزاق (٨٥٨٤)، وعلق أحمد ﵀ على حديث أبي العشراء الدارمي عن أبيه وقد تقدم بقوله: «لو كان حديث أبي العشراء حديثا»!، فلعله يعني لو صح لقلت به في إجزاء ما فيه عن الذبح، والله أعلم، وقد علمت أن أهل العلم قد حملوه على حال الضرورة، وهو دال على أن المتقرر عندهم في الذبح إنما يكون في الحلق واللبة.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
ذكاة الجنين ذكاة أمه وشروط أكله
• قوله:
٢٢ - «وذكاة ما في البطن ذكاة أمه، إذا تم خلقه، ونبت شعره».
هذه ذكاة شرعية، لكنها ليست حسية، فالبهيمة إذا ذكيت وخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل لقول النبي ﷺ: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، رواه أبو داود (٢٨٢٧) والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي سعيد، وهو في الموطإ نحوه من كلام سعيد بن المسيب، أي أن ذكاته حاصلة بذكاة أمه، ووجه ذلك أن حياته بحياتها، فتكون ذكاته بذكاتها، وهذا فيه صون المال عن الضياع، وأبعد من قال إن المعنى أن ذكاته تكون كذكاة أمه، لأن حمله على ذلك يفرغه من أي معنى، فإن هذا المعنى معروف من غير الحديث لكونه هو الأصل، ولأن الحديث ورد على سؤال يرد هذا التأويل، والمذهب أنه إنما يؤكل إذا تم خلقه، ونبت شعره، وهو من كلام سعيد المتقدم، والمراد بتمام خلقه تناهيه إلى الحد الذي ينزل عنده من بطن أمه، ولو كان ناقص يد أو رجل، أما نبات شعره فالمراد منه الجملة، لا كل الشعر، وهذا القيد لم يرد في الحديث.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع
الخلاف في ذكاة ما نفذت مقاتله وأدركت فيه الحياة
• قوله:
٢٣ - «والمنخنقة بحبل ونحوه، والموقوذة بعصا وشبهها، والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع، إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش معه؛ لم تؤكل بذكاة».
لحم الحيوان الحلال أكله يعرض له ما يحرمه، وهو إما وصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله تعالى، وما ذكره هنا من الأول وهو مما حرم بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والاستثناء إنما يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه يمكن أن تنتهي حياتها بالفعل قبل إدراكها، فتكون ميتة، وهي ليست مرادة هنا قطعا، إذ لو كانت مرادة؛ لكان كل ما ذكر من المنخنقة وما بعدها أفرادا من الميتة باعتبار سبب الموت، فيتعين أن المراد ما قتل بالخنق والوقذ والتردي والنطح وأكل السبع، غير أنكم أدركتموه حيا، لكنهم اختلفوا في معنى إدراك الحياة فيه، بناء على اختلافهم في ذلك الاستثناء هل هو متصل أو منقطع، فمن قال إنه منقطع - وهو مشهور المذهب - رأى أن ما ذكر إن كان وصل إلى حالة لا يعيش معها الحيوان، فإن الذكاة لا تنفع فيه، ولو أدرك حيا، وهو المسمى عندهم الميت حكما، إذا كان أحد مقاتله الخمسة قد أنفذ، وهي انقطاع النخاع، وانتثار الدماغ، وقطع الأوداج، وخرق المصران الأعلى، وانتثار الحشوة، وقيل قطع الودج مقتل، فمتى أنفد مقتل من هذه المقاتل في الحيوان فلا تنفع الذكاة فيه.
ومن قال إن الاستثناء متصل؛ رأى أن ما ذكر من المنخنقة وما معها؛ إن أدركت فيه الحياة؛ عملت فيه الذكاة، وهذا هو الأصل في الاستثناء، وهو ظاهر ما في الموطإ (١٠٥٥): «سئل مالك عن شاة تردت فتكسرت، فأدركها صاحبها فذبحها، فسال الدم منها ولم
[ ٢ / ٦٠٥ ]
تتحرك، فقال مالك: إذا كان ذبحها ونفسها يجري؛ وهي تطرف فليأكلها»، وهذا هو الراجح من حيث إن الأصل في الاستثناء الاتصال، قال ابن العربي عن قول مالك هذا: «وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره، فهو أولى من الروايات النادرة، وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها، ولو أشرفت على الموت، إذا كانت فيها بقية حياة، وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت الفكَر»، وهو الذي قاله ابن عبد البر.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
إباحة أكل الميتة للمضطر
هل يتزود المضطر من الميتة؟
• قوله:
٢٤ - «ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها».
المضطر هو من بلغت به الحاجة إلى الأكل مبلغا يخشى به على نفسه الهلاك، يقينا أو ظنا، فهذا يجوز له بل يجب عليه أن يأكل الميتة، صونا لنفسه من الهلاك، فإن الله تعالى إنما حرمها لخبثها وضررها، وهذا الضرر قد يتبين، وقد لا يتبين، وقد يتضرر الآكل، وقد لا يحصل له شيء، فإذا بلغ المرء ما تقدم مما يتحقق أو يظن معه لحوق الضرر به؛ جاء الترخيص من الشرع، من باب ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، قال ربنا ﵎ في خصوص حل الميتة وما ذكر معها للمضطر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال تعالى في حل المحظور عموما للمضطر: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].
والمشهور أنه يجوز للمضطر الأكل حتى يشبع، كما يجوز له التزود إذا خاف العدم فيما يستقبل فيموت، ودليل هذا حديث جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها، قال فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم»، رواه أحمد وأبو داود (٣٨١٦)، وهذا ليس لفظه.
قال الإمام في الموطإ (١٠٧٥): «أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها»، ورأى ﵀ أن يقدم المضطر مال الغير على الميتة؛ متى علم أنهم يصدقونه في دعواه الاضطرار، ولا يتعرض لقطع اليد، لكنه احتاط أن يكون ذلك ذريعة يصطنعها غير المضطر فقال: «مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون
[ ٢ / ٦٠٧ ]
اضطرار»، والقول الثاني في مقدار ما يأكله المضطر ما في مختصر خليل وهو الاقتصار على سد الرمق، اتباعا لقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، قال: «وللضرورة ما يسد غير آدمي»، يعني أنه يكتفي في الأكل بالقدر الذي يسد رمقه، ويبقي به على نفسه الحياة، ولا يجوز له أكل لحم الآدمي.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ
• قوله:
٢٥ - «ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ، ولا يصلى عليه ولا يباع».
مشهور المذهب أن جلد الميتة عدا الخنزير إذا دبغ يجوز الانتفاع به في اليابس والماء، ومقابل المشهور جواز استعماله في جميع المائعات، وهو قول سحنون، وقال هو وابن عبد الحكم إن الدبغ يعمل في جلد الخنزير أيضا، ووجه الأول أن الإهاب إذا دبغ إنما يطهر عندهم طهارة مخصوصة، فلا تجوز الصلاة عليه، ولا يجوز بيعه، فحملوا الانتفاع على أقل مشمولاته، ولعلهم لم يجيزوا بيعه لما فيه من التغرير، ولأنه إنما أذن لأصحاب الشاة في الانتفاع، ولو جارينا من قالوا بعدم الطهارة؛ لقلنا يجواز بيعه مقرونا ببيان حاله، وقد جمع خليل حكم هذه المسألة في قوله: «ورخص فيه إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء»، وقد استدل لإخراج الخنزير بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، على القول برجوع الضمير فيه إلى المضاف إليه، أعني الخنزير، في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، واستدل على استثناء جلد الخنزير من الانتفاع بقول النبي ﷺ فيما رواه أحمد من حديث ابن عباس الآتي: «ألا انتفعتم بإهابها؟، ألا دبغتموه؟، فإنه ذكاته»، قال في منتقى الأخبار: «وهذا تنبيه على أن الدباغ إنما يعمل فيما تعمل فيه الذكاة»، انتهى، قال كاتبه عفا الله عنه: هذا محتمل ظاهر فيما ذكر، وأحاديث طهور الإهاب بالدباغ مبينة أن المراد بطهارة الإهاب بالدباغ؛ العموم، لا خصوص ما تنفع فيه الذكاة، فلا تخصص بما نص عليه في تلك الواقعة.
وعمدة ما تقدم من الانتفاع بجلد الميتة في المذهب؛ ما رواه مالك (١٠٧٣) وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن النبي ﷺ أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت»، وروى مالك (١٠٧٢) والبخاري ومسلم وغيرهم عن ابن عباس قال: «تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه
[ ٢ / ٦٠٩ ]
الرواية عن الإمام بطهارة جلد الميتة إذا دبغ
فانتفعتم به»، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها»، وهو حجة في أن منع أكل الشيء لا يلزم منه حرمة الانتفاع بشيء منه، وقد حمل مالك في المشهور عنه الانتفاع على ما ذكر من حمل الشيء على بدايته وأقل ما يصدق عليه لأنه استثناء
واعلم أن بعض المالكية العراقيين؛ قد رووا عن مالك طهارة جلد الميتة بالدباغ طهارة كاملة إلا جلد الخنزير، وذهب سحنون وابن عبد الحكم إلى طهارة الإهاب إذا دبغ مطلقا، وهو في حاشية الدسوقي على شرح الدردير، ولذلك قال الفاكهاني كما في شرح أبي الحسن: «ثم الجلد المدبوغ طاهر، ظاهره، وباطنه، وجائز بيعه على إحدى الروايتين»، انتهى، وهذا هو الظاهر من قول النبي ﷺ: «أيما إهاب دبغ؛ فقد طهر»، رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس، وهو في الموطإ (١٠٧٣) وصحيح مسلم بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، وعمومه شامل لجلد الخنزير، فيطهر بالدباغ كغيره، وأنصح بقراءة ما كتبه الشيخان الدردير والدسوقي عند قول خليل في (باب الطاهر ميت ما لا دم له): «وفيها كراهة العاج والتوقف في الكيمخت»، فقد أجادا القول، وبينا التناقض الحاصل بين القول بأن طهارة الجلد بالدباغ لغوية، وما ورد من استعمال السلف الكيمخت، وهو جلد الحمار، ويلزم منه أن الطهارة شرعية.
وقد روى أحمد وأبو داود (٤١٢٧) والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عُكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول ﷺ بأرض جهينة، وأنا غلام شاب: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، وهذا إن صح؛ فهو مطلق، فيصرف إلى ما لم يدبغ، ولا يعارض به اللفظ المقيد، بل يحمل عليه، بل يقال لا حاجة إلى الحمل المذكور، لأن الإهاب في اللغة يراد به ما لم يدبغ، فإذا دبغ؛ فلا يقال له إهاب، وإنما يسمى شنا وقربة، وقد بين ذلك أبو داود عقب روايته الحديث، ثم إن هذا لا حجة فيه لمشهور المذهب، لأنهم يقولون بالانتفاع بجلد الميتة كما تقدم، فكيف يسوغ الأخذ ببعض الحديث وترك بعضه؟، وقد تفطن الباجي ﵀ لذلك فقال: «لا يصح احتجاجنا به، لأنا لا نمنع الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ»، انتهى.
[ ٢ / ٦١٠ ]
حكم جلود السباع وبيعها إذا ذكيت
• قوله:
٢٦ - «ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها».
لو قدم المعطوف على الشرط لكان أنسب، ومبنى جواز بيعها إما لأن لحوم السباع مكروهة تنزيها كما هو المشهور، ومثلها في ذلك الفيل والذئب والثغلب والضبع، سواء ذكيت للجلد أو للحم، وإما لأن الذكاة تعمل في محرم الأكل، فيطهر بها كما هو المشهور، فتجوز الصلاة على جلد ما ذكي، ويجوز من ثمة بيعه، والقول بكراهة لحومها بعيد، فإنه من الأقوال الضعيفة في المذهب، إذ كيف يقال بجواز ذلك مع ورود النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير.
وقد روى مالك في موطئه (١٠٧٠) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام»، وترجمته على الحديث صريحة، إذ قال: «تحريم أكل كل ذي ناب من السباع»، ثم قال: «وهو الأمر عندنا»، وقال في المدونة: «لا أحب أكل الضبع ولا الذئب، ولا الثعلب، ولا الهر الوحشي، ولا الإنسي، ولا شيئا من السباع»، وقال: «ما فرس وأكل اللحم؛ فهو من السباع، ولا يصلح أكله؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك»، وقد تأول بعضهم اللفظ الذي رواه مالك في موطئه، فزعم أن المصدر مضاف إلى فاعله، فيكون المعنى أن ما أكله السبع من الحيوان؛ يحرم كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، وهو من التمحلات العجيبة الغريبة، وللمسألة علاقة بالآيات التي فيه حصر المحرمات في سور البقرة والأنعام والنحل، والكلام عليها يطول، وحصر التحريم فيما دلت عليه هذه الأيات مذهب لبعض الصحابة، قال في مسالك الدلالة: «ولا ينبغي لعاقل أن ينقل ما ذكروه من الجواب عن هذا الحديث فإنه من الفضائح»، انتهى.
أما طهارة جلود السباع بالذكاة؛ فكيف يقال إن الذكاة مطهرة، وهو مما لا دليل عليه، ولا يؤخذ بما هو منصوص من أن دبغ الإهاب أي إهاب يطهره؟، فأهب السباع
[ ٢ / ٦١١ ]
كغيرها تطهر بالدباغ ذكيت أو لم تذك للعموم الوارد في ذلك، وقد تقدم، وإذا جاء في السنة ما يدل على المنع من استعمال جلود السباع؛ كان ذلك مخصصا لها من بين سائر الجلود، سواء تلك الطاهرة بأصلها، أو التي تطهر بالدباغ، وقد روى أبو داود (٤١٢٩) وابن ماجة (٣٦٥٦) عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تركبوا الخز ولا النمار»، والخز من الثياب ما كان سداه أو لحمته من حرير، وخلافهما من غيره كالصوف والكتان، والنمار بكسر النون جمع نَمر ككتف، وتكسر نونه أيضا، ويجمع أيضا على نمور، وهي رواية ابن ماجة، والنمر هو الحيوان المفترس المعروف، منقط الجلد وهو أخبث من الأسد وأسرع منه، ويظهر أن المراد من النهي افتراش الخز وجلود النمار بجعلها على المراكب، فيكون على حذف مضاف، أو من إطلاق الجزء على الكل، وجاء النهي عن لبس جلود السباع عموما والركوب عليها في حديث أبي هريرة والمقدام بن معديكرب وأبي المليح ابن أسامة عن أبيه عند أبي داود، وقد قيل إن علة المنع منها ما فيها من الزينة والخيلاء والتشبه بالأعاجم، قال الغماري في مسالك الدلالة عن مشهور المذهب في عدم طهارة الجلد بالدباغ، وطهارة جلود السباع به: «فجوازها مع ورود النهي عنها، والمنع من التي قبلها مع ورود الأمر بها من عجائب الدنيا».
[ ٢ / ٦١٢ ]
الانتفاع بصوف الميتة وشعرها إذا جز
لا ينتفع بالريش ولا بالقرن ويكره الانتفاع بأنياب الفيل
• قوله:
٢٧ - «وينتفع بصوف الميتة وشعرها، وما ينزع منها في حال الحياة، وأحب إلينا أن يغسل، ولا ينتفع بريشها، ولا بقرنها، وأظلافها، وأنيابها، وكره الانتفاع بأنياب الفيل، وقد اختلف في ذلك».
الصوف والشعر والوبر لا تحل فيها الحياة، فإذا جز شيء منها من الحيوان وهو حي؛ كان طاهرا، وإن نتف لم يكن كذلك إلا بعد قطع ما يجاور الجلد منه، ولا يشمله قول النبي ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهي ميتة»، رواه أبو داود (٢٨٥٨) والترمذي (١٤٨٠) عن أبي واقد، وقال حسن غريب، فإن عموم هذا الحديث مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]، فهذا مما خص من السنة بالقرآن، فيجوز الصلاة عليه وبيعه، وقالوا مثل ذلك فيما جز من الميتة، معللين بأن الحياة لا تحله، أما عدم جواز الانتفاع بالريش والقرن والأظلاف والأنياب من الميتة؛ فلأن الحياة تحله، ولأن نتفه يتأذى به الحي من الحيوان، والنص إنما جاء كما علمت في الجلد، فيستصحب التحريم للباقي حتى يأتي الناقل عنه، ومشهور المذهب؛ أن كل ذلك نجس، قال خليل: «وما أبين من حي وميت من قرن، وعظم، وظلف، وظفر، وقصب ريش، وجلد ولو دبغ،،،»، وقيل إن ما ذكر طاهر، وقيل بالتفريق بين الأصل الرطب، والطرف الجاف.
أما أنياب الفيل فإن من قال بكراهتها؛ فللاختلاف في كون الحياة تحلها أو لا، ومن قال بجوازها فعمدته النقل، وقد روى أبو داود (٤٢١٣) في آخر كتاب الترجل من حديث ثوبان وهذا طرف منه أن رسول الله ﷺ قال: «يا ثوبان، اشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج»، وفيه حميد الشامي وسليمان المنبهي، والعصب بفتح العين وسكون
[ ٢ / ٦١٣ ]
الصاد وتفتح؛ لعلها أطناب مفاصل الحيوان تجعل شبه الخرز يتزين بها، والعاج ناب الفيل، لا يسمى غيره عاجا، وقيل هو العظم مطلقا.
وقال الخطابي: «عظم ظهر السلحفاة البحرية»، وأنكر عليه بعض العلماء العدول عما هو معروف عند العرب من لفظ العاج، وقيل إنما عدل لأن عظم الميت نجس عنده، ولا حاجة إلى هذا كله لضعف الحديث، والحكم لا يصح أخذه منه، وكون العاج هو ناب الفيل هو الأقوى، بقرينة فعل الصحابة، فإنهم كانوا يتخذون أمشطا من عظام الفيل فأحرى أنيابه، وعن أنس أن النبي ﷺ كان يمشط بمشط من عاج»، رواه البيهقي.
[ ٢ / ٦١٤ ]
موت الفأرة في المائع والجامد
جواز الاستصباح بالزيت المتنجس في غير المساجد
• قوله:
٢٨ - «وما ماتت فيه فأرة من سمن، أو زيت، أو عسل ذائب؛ طرح ولم يؤكل، ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد، وليتحفظ منه، وإن كان جامدا؛ طرحت وما حولها، وأكل ما بقي، قال سحنون إلا أن يطول مقامها فيه، فإنه يطرح كله».
لا خصوصية للفأرة، فإن غيرها مما يتنجس به الطعام مثلها، وإنما ذكرها لأنها قد نص عليها في الحديث الذي هو أصل هذا الحكم، فعن ابن عباس عن أم المؤمنين ميمونة أن فأرة وقعت في سمن، فأخبر النبي ﷺ، فقال: «ألقوا ما حولها وكلوا»، رواه مالك (١٧٧٢) والبخاري وأبو داود (٣٨٤١) والترمذي (١٧٩٨)، وفي المتن إشارة إلى أن السمن كان
جامدا.
وجاء التفصيل الذي ذكره المؤلف فيما رواه أبو داود (٣٨٤٢) عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا؛ فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا؛ فلا تقربوه»، وقد أشار إليه الترمذي، ونقل تضعيفه عن شيخه البخاري جبل العلم.
وقد يؤخذ من هذا أن النجاسة إذا وقعت في شيء؛ فإما أن يكون مائعا، أو جامدا؛ فإن كان الأول؛ طرح، لسرعة سريان النجاسة فيه، وإن كان جامدا، طرحت النجاسة وما حولها من غير تحديد لما يطرح إلا بحسب غلبة الظن مما يشك في سريان التنجس له، إلا أن يطول وجود النجاسة في الشيء، فإنه يرمى كله احتياطا كما قال سحنون بذلك في طول بقاء الفأرة في الطعام الجامد.
[ ٢ / ٦١٥ ]
والاستصباح طلب الإصباح أي الإنارة، فالزيت المتنجس وغيره من المائعات يجوز أن يستصبح به في البيوت والحوانيت والشوارع، ويتحفظ من الاستصباح به في المساجد لأنه متنجس، وهي تنزه عن ذلك، إلا أن يكون الدخان يُخرج من المسجد، وإذا كان الاعتماد في جواز الاستصباح بالزيت ونحوه مما تنجس ما ورد فيه من السنة فإنها وردت بالإذن مطلقا من غير استثناء، فتدخل المساجد وغيرها، فيكون استثناؤها مجرد رأي، وقد صحح ابن حزم ﵀ حديث أبي هريرة في المسألة، وفيه: «،،، وإن كان ذائبا أو مائعا؛ فاستصبحوا به، أو قال انتفعوا به»، والانتفاع يشمل ما عدا الأكل، وهل يدخل فيه التداوي على الظاهر من الجسم؟، لينظر، فقد جاء النهي عن التداوي بالحرام.
[ ٢ / ٦١٦ ]
حل طعام أهل الكتاب وذبائحهم
• قوله:
٢٩ - «ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم».
اعلم أن المراد من أهل الكتاب عند علماء المذهب اليهود والنصارى لا غيرهم في أمرين: أكل ذبائحهم، والتزوج بنسائهم، دون سواهم ممن اختلف فيهم كالمجوس وسائر الكفار، فهؤلاء تؤخذ منهم الجزية من غير قيد كما سيأتي في باب الجهاد، وما ذكره المصنف هو منطوق قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (٥)﴾ [المائدة: ٥]، والمراد بطعامهم عند جمهور أهل العلم ما يذكونه مما هو حلال لنا، لا مطلق ذبائحهم، وليس المراد من طعامهم غير الذبائح، فإنه لا تتعلق به الحرمة إذ لا شرط في حله غير كونه حلالا بأصله، ولا يجوز أن يكون المراد من الآية عموم طعامهم، فأما أن طعامنا حل لهم؛ فمعناه أنه يجوز لنا أن نطعمهم، وإلا فإنهم ليسوا من الحل والحرمة في شيء، فقد كفروا بالله وجعلوا له الأنداد، وهذا قد يستدل به على جواز إطعام أهل الكتاب من النسائك التي يجوز للمسلم أن يأكل منها، لأنها من طعامنا، ثم وجدت الشيخ رشيد رضا يستدل به على ما قلت.
والظاهر أنه لا فرق بين ما ذكروا اسم الله عليه، أو ذكروا اسم غيره ممن يشركونه به، من غير أن نعلم بذلك، فإن الله تعالى عليم بما يصنعون، ولم يقيد ما أحل لنا من ذبائحهم بشيء، قالوا وهذا ما لم يكن الكتابي ممن يستحل أكل الميتة، أما من يستحل أكلها؛ فلا يجوز أكل ذبيحته إلا إذا ذبح بحضرة المسلم، وأصاب وجه الذكاة، هكذا قال الباجي، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٥٦): «ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة، ثم يطبخها هل يؤكل معه، أو تؤخذ طعاما منه؟، فقلت: تؤكل، لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا، إلا ما كذبهم الله ﷾ فيه»، والذي يظهر أن المعتمد
[ ٢ / ٦١٧ ]
تغليب تحريم الميتة عموما، فإن الذكاة كيفما كانت تطهير للحيوان، فتكون الذكاة معتبرة في حل ذبائحهم.
فإن علمنا أن ما ذبحوه أهلوا به لغير الله، أو علمنا بذكرهم أسماء معبوداتهم على ذبائحهم؛ فهذا يتناوله دليل آخر محرم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، فهل يقال إن هذا مخصوص بغير أهل الكتاب، فتؤكل ذبائحهم على أي وجه ذبحوها رعاية لدليل الحل، أو يقال إن دليل حل ذبائحهم مخصوص بهذا، أعني بدليل تحريم ما أهل به لغير الله، لا ريب أن القول الأول هو الأقرب ما لم نعلم، لأن في تحقق تلك القيود من الحرج ما لا تأتي به هذه الشريعة السمحة، فيؤول الأمر إلى عدم الحل، أما إن علمنا ذلك منهم فالتحريم هو الظاهر، فإن الله تعالى لما حرم علينا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ عقلنا أن ما علمنا أنه قد ذكر عليه غير اسم الله يكون محرما من باب أولى، فإن لم نعلم كان الأصل الحل، قال الزهري لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعته يسمي لغير الله فلا تأكل، وإذا لم تسمعه فقد أحله الله، وعلم كفرهم»، انتهى، علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد كره مالك ما علم أنهم ذكروا اسم غير الله عليه ولم يحرمه، وذهب إلى مثل ذلك فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم فقال: «أكرهه ولا أحرمه»، وهو في كتاب الذبائح من المدونة، بخلاف ما ذبحوه متقربين به بحيث لا يأكلونه، فهذا ليس من طعامهم كما لا يخفى.
[ ٢ / ٦١٨ ]
كراهة أكل شحوم ما ذكاه اليهود
• قوله:
٣٠ - «وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم».
وهذا لأنها محرمة عليهم كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال رسول الله ﷺ: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها»، رواه البخاري عن عنر بن الخطاب، جملوها أذابوها، وهم يزعمون أنهم يتبعون ما في كتابهم، ونحن مستيقنون أن هذا منه، فيكره أن نأكله، لأنه غير مقصود عندهم بالتذكية فأشبه الدم، وهذا قول ابن القاسم كما ذكره القرطبي في تفسيره، وقد يقال إن الذي أحل لنا طعامهم، وهذا ليس منه، لكن يقال إن الله تعالى أحل لنا ذبائحهم من غير تفصيل، وما كان ربك نسيا، وقد ثبت أكل النبي ﷺ من كتف شاة مسمومة أهدتها له يهودية، وكأن ابن القاسم توسط بالقول بالكراهة بين روايتين عن الإمام، الأولى بالتحريم، قاله في كتاب محمد، ووجهها والله أعلم أن الشحوم ليست مما أحل لهم، والثانية أنها حلال وهي في المبسوط، وقال بها ابن نافع، قال القرطبي نقلا عن ابن العربي: «وهو الصحيح، لأن الله ﷿ رفع ذلك التحريم بالإسلام، واعتقادهم فيه لا يؤثر، لأنه اعتقاد فاسد»، انتهى.
وقد روى الشيخان وأبو داود (٢٧٠٢) عن عبد الله بن مغفل قال: «دلي جراب من شحم يوم خيبر قال فأتيته فالتزمته، قال: ثم قلت لا أعطي من هذا أحدا اليوم شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يتبسم لي»، والجراب وعاء من جلد، وهذا نص في المسألة.
[ ٢ / ٦١٩ ]
• قوله:
٣١ - «ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي».
لا يؤكل ما ذكاه غير الكتابي وثنيا كان أو غير وثني، ذكاه لنفسه أو للمسلم، وقد دل على هذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمجوسي ليس من أهل الكتاب، وإنما ألحق بهم في الجزية بنص الحديث فيبقى ما عداها من الذبائح والزواج على الأصل وهو المنع، لكن قال أهل المذهب إن أمَرَه المسلم بالذبح، أو ذكر اسم الله عليه؛ جاز أكل ذبيحته، وكذلك إذا ذكر اسم صنمه مع اسم الله تعالى تغليبا لاسمه سبحانه لقوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام: ١١٨].
وقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذلك، وقال أبو ثور بحل ذبائح المجوس ونسائهم، وعلق عليه أحمد بقول غليظ، وروى ابن أبي شيبة عنه وعن طاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية، وما تقدم من التفريق هو الصواب إن شاء الله، وانظر تفسير المنار (١٠/ ٣٠٢).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
جواز أكل طعام الكفار عموما غير الذبائح
• قوله:
٣٢ - «وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم؛ فليس بحرام».
لما كانت الذبائح يؤثر في حلها وحرمتها أمور خارجة عن طبيعتها، فإن ذبحها يراد به التقرب إلى الله سبحانه، كما يراد به التقرب إلى غيره مما يشركه به المشركون، وقد لا يراد به غير استحلالها، لما كان الأمر كذلك؛ جاء في حلها ما علمت من الاشتراطات من القصد إلى الذبح، وذكر اسم الله، وإنهار الدم، وما يشترط في الذابح، أما الطعام من غير الذبائح؛ فهو على أصله من الحل، كيفما كان صاحبه كتابيا أو مجوسيا، ما لم يعرض له ما يجعله حراما، والطعام غير الذبائح على ضريبن: الأول ما لا صنعة فيه أصلا، كالبر والفاكهة، فهذا جائز باتفاق، وما تدخله الصنعة كخبز الدقيق وعصير الزيت، والأدوية ونحو ذلك؛ فهذا جائز ما لم يعلم أن فيه ما هو محرم، وهكذا أوانيهم متى علم عدم نجاستها بخمر أو خنزير، أما أجبان أهل الكتاب فقيل بتحريمها، عزاه أبو الحسن للمحققين، وشدد فيه خليل في التوضيح، والقياس يقضي بإباحتها، فإنها إن كانت مما يحل لنا أكله فحكمه قد علم، وهو ما قرره الشيخ علي الصعيدي في حاشيته على شرح الرسالة، فإن كانت مستوردة من بلاد غير أهل الكتاب، وكانت مصنوعة بإنفحة ذبائحهم؛ فإن القياس التحريم، وهو مذهب مالك.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣): «والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا من جبن المجوس، وهذا كان ظاهرا شائعا بينهم»، انتهى، وانظر آثارا كثيرة في ذلك في مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٢٠٦) وما بعدها، والإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة وجمعها أنافح - ومثلها المنفحة بكسر الميم - هي كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، وبهذا تعلم أن الخلاف إنما هو فيما صنع بالإنفحة، أما الآن فلا يدرى مما تصنع، وأغتنم المناسبة لأدعو القائمين
[ ٢ / ٦٢١ ]
ما تدخله الصنعة وما لا تدخله من طعام الكفار
على التجارة الخارجية أن يريحونا من الحديث عن اللحوم المجمدة المستوردة، فيكلفوا من يتولى الإشراف على ذبحها، ويعلنوا ذلك في الناس، حتى ينتهي هذا اللغط وهذا الاضطراب واللبس الذي يعيشونه، وإلا فالقول بالمنع هو المتعين مالم يكن البلد المستورد منه من بلاد الإسلام.
والمصيبة التي عمت هي في المصنوعات المستوردة من المآكل والأدوية، بل ومنها بعض ما هو مصنوع في البلد أنها تدخل فيها مواد محرمة من الخنزير وأجزاء من الحيوانات المصروعة الميتة والحشرات التي هي موضع خلاف وغير ذلك، مع أن البيانات التي كانت تلصق على العلب فتعرف بها مركباتها وما أقل من يقرأها قد حجبت في المدة الأخيرة، وصار يحال بأرقام مرجعية يمكن بها الوقوف على تلك المركبات في مظانها ولا يعرف ذلك إلا النادر من الناس، فلم تسكت أجهزة الدولة عن كل هذا والإمكانات متوفرة، والمراقبة متأتية؟، وقد علمت أن دولة ماليزيا أنشأت جهاز رقابة لهذه الأمور.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
التلهي بالصيد وحكمه
• قوله:
٣٣ - «والصيد للهو مكروه، والصيد لغير اللهو مباح».
أراد بالصيد الاصطياد، ويطلق الصيد على المصيد أيضا، ولما كان غرضه هنا بيان صفة الصيد الذي يحل به الحيوان؛ فلنذكر تعريفهم له، قالوا: «هو أخذ غير مقدور عليه، من وحش طير، أو بر، أو حيوان بحر، بقصد»، فغير مقدور عليه؛ يخرج المقدور عليه، فإنه لا يجزئ في تذكيته ما يجزئ في الصيد، وقوله من وحش طير أو بر؛ يخرج الطير غير الوحشي، والحيوان المستأنس؛ فإنه وإن ند؛ لا يذكى بما يذكى به المتوحش، وقد حملوا ما ورد في ذلك على غير الذكاة التي تحل بها الذبيحة، بل على حبس الناد، أي الشارد، ليُتمكن من ذكاته على الوجه المعتاد، وقوله بقصد، يريد به النية، فيخرج قتل الصيد من غير قصد إلى تذكيته، كما يخرج به؛ ما إذا جاءه كلبه بصيد من غير إرساله إياه، وهذا التعريف غير مانع لأن المراد من هذا الباب بيان ما يحل به أكل الصيد لا مطلق الاصطياد، فإن قوله أخذ يصدق على ما إذا قبض ما يصطاد حيا، وقبضه ينقله إلى لزوم تذكيته كما يذكى الإنسي، وليس بمراد هنا، والله أعلم.
واعلم أن قتل الحيوان المأكول اللحم لمجرد العبث والشهوة يظهر أنه محرم، لما جاء في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئا فيه روح غرضا»، رواه مسلم (١٩٥٨)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله»، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟، قال: «أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي بها»، رواه أحمد والنسائي (٧/ ٢٣٩)، والدارمي (٢/ ٨٤)، والبغوي (٢٧٨٧) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقواه الشيخ شعيب بشاهد رواه أحمد والنسائي عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال البغوي: «فيه كراهية ذبح الحيوان لغير الأكل، وقد روي عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب»، وأراد بالمعاقرة؛ أن يتبارى الرجلان فيعقر هذا عددا من إبله ويعقر صاحبه، فأيهما كان أكثر
[ ٢ / ٦٢٣ ]
عقرا؛ غلب صاحبه، كره لحومها؛ لئلا يكون مما أهل به لغير الله ﷾، قال الخطابي ﵀: «وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان عند قدوم الملوك والرؤساء وأوان حدوث نعمة تتجدد لهم في نحو ذلك من الأمور»، انتهى.
قلت: تجدد النعمة مثله القصد إلى دفع النقمة بالذبح، ولا سيما مع جعل الذبح تحت عنوان طعام سيدي فلان، ووعدة فلان، فهذا أعظم مما نبه عليه البغوي والخطابي، وهو أقوى في المنع مما دل عليه حديث النهي عن معاقرة الأعراب، لأنه ليس فيه إلا المفاخرة، مع احتمال غيرها، أما الوعدة ففيها ضروب عدة من المخالفات بعضها شرك بلا ريب، والقرائن المصاحبة للفعل لا ينفع معها القصد لأنه أمر يخفى، فلا تناط به الأحكام.
فأما أن الصيد لمجرد اللهو مكروه؛ فلقول النبي ﷺ: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان؛ افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قربا؛ إلا ازداد من الله بعدا»، رواه أحمد عن أبي هريرة، كما في الصحيحة برقم (١٢٧٢)، وفقراته الثلاثة الأول عند أبي داود (٢٨٥٩) والترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني عن ابن عباس كما في مسالك الدلالة، وهو في صحيح الجامع الصغير، فلما كان اتباع الصيد ذريعة إلى الغفلة؛ كان مكروها، فإن شغل عما هو واجب؛ فهو محرم، وأما الصيد لغير اللهو كمن كانت معيشته منه، فهذا لا حرج فيه، وقد يكون واجبا، إن لم يكن له مورد رزق غيره، وقد صرح بذلك الشيخ زروق.
وقد امتن الله تعالى علينا بما أحله لنا من صيد البر لغير المحرمين، وبصيد البحر في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا (١٤)﴾ [النحل: ١٤]، وقال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولما كان التمكن من الحيوان المتوحش لا يتيسر كما يتيسر ذلك في الحيوان المستأنس؛ وسع الله الوسيلة إلى ذكاته، كما أباح لنا صيد البحر، ولم يجعل فيه ذكاة، بل أباح لنا طعام البحر، وهو ما كان ميتا فيه من غير صيد، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]، فلله الحمد والمنة.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الصيد بالكلب والبازي ونحوهما
ما يشترط في الصائد والمصيد به من الشروط
• قوله:
٣٤ - «وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم؛ فجائز أكله، إذا أرسلته عليه».
ما يصطاد به ثلاثة أشياء: حيوان، وسلاح، وغيرهما كالفخاخ والشراك، لكن الثالث ليس مما يبحث في هذا الباب، لأنه حيث تمكن المرء من إمساك الصيد صار في حكم المستأنس فيذكى.
وقد تكلم هنا على الحيوان، وهو الكلب المعلم ومثله الفهد والطير، وهي الجوارح، قال الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، وهو دال على أن من شرط إباحة الأكل أن نرسلها فتمسك علينا، ولا يكون هذا إلا إذا كانت تفقه التعليم، وقيد الأكل بأن نذكر اسم الله عليه أي حال الإرسال، فشروط ما يصاد به من الحيوان منتزعة من القرآن.
ودليل ذلك من السنة؛ حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله، إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم، فما يصلح لي؟، فقال: «ما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه؛ فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه؛ فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته؛ فكل»، رواه البخاري (٥٤٧٨) ومسلم، وقوله في القوس والكلب المعلم فكل، يعني ولو مات بذلك، وقوله عن الكلب غير المعلم فأدركت ذكاته فكل؛ يعني إن ذكيته فكل، وإلا فلا، إذ لا عبرة بصيد الجارح غير المعلم لأنه يشمله قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ومشهور المذهب أن الذكاة إنما تنفع فيه إن لم تنفذ مقاتله، وهو منصوص المدونة عن مالك، وجاء في الموطأ خلافه وهو الصواب إن شاء الله، وفيه (١٠٦٢) عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في الكلب
[ ٢ / ٦٢٥ ]
حكم صيد غير المسلم
المعلم: «كل ما أمسك عليك، إن قتل، وإن لم يقتل».
فأما المصيد؛ فيشترط في جواز أكله أربعة شروط أن يكون مرئيا، احترازا من غير المعين، إلا أن يكون في مكان محصور كالغار والغوطة، سواء علم الصائد بوجوده أو لم يعلم، وقد ورد العموم بحل ما أمسك الجارح على صاحبه من غير تخصيص كما في حديث عدي الصحيح: «فكل ما أمسك عليك»، والشرط الثاني أن يكون مما يؤكل لحمه، والثالث أن يكون وحشيا، احترازا مما يند من الإنسي، فإنه لا يحل بما يحل به الصيد، والرابع أن لا يكون مقدورا عليه، احترازا مما إذا قدر على الصيد، كأن يقبض عليه، فلا يقال إنه يجزئ فيه ما يجزئ في الوحشي، بل يتعين أن يذكى كالإنسي.
أما الصائد فيشترط فيه أن ينوي حال إرسال الجارح، أو حين الرمي، وأن يسمي الله، وأن يكون مسلما، فلا يحل صيد الكتابي، إذ إن الذي أحله الله لنا إنما هو ذبيحته، وحل الصيد خاص بنا، لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، لكن هذا إنما هو في صيد البر الذي يشترط فيه ما رأيت، بخلاف صيد البحر، فإنه لا يشترط فيه أي نوع من أنواع الذكاة، فكانت ذكاته أخذه، ولا فرق بين آخذ وآخذ، قال مالك: «ولا بأس بأكل الحيتان يصيدها المجوسي، لأن رسول الله ﷺ قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وإذا أكل ذلك ميتا؛ فلا يضره من صاده»، والرابع أن يكون الصائد مميزا، فلا يباح أكل ما صاده الصبي غير المميز، ولا المجنون، ولا السكران، لكون النية شرطا في الحل كما تقدم في الذبح والنحر، فإذا توفرت هذه الشروط؛ حل للمسلم أكل الصيد الذي قتله الجارح، أو مات من الرمي كما سيأتي.
ونقل عن الإمام مالك ما هو ظاهر في تحريم أكل صيد غير المسلم، قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٧٢): «جمهور الأمة على جواز صيده غير مالك، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤]، قال: «فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى».
وقال ابن وهب وأشهب: «صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته»، انتهى، لكن
[ ٢ / ٦٢٦ ]
القرطبي جزم في موضع آخر من تفسيره (٦/ ٣٠١) بأنه إنما كرهه ولم يحرمه، قال: «وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم والصيد باب آخر، فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه»، ثم قال: «هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم، فيسقط عنا هذا الإلزام، فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم؛ فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له فإنه من طعامهم».
قال كاتبه: وفي أخذ تحريم صيد غير المسلم من قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ نظر، فإنها جملة وقعت حالا من الصيد بحسب الواقع الغالب، فإن صيد البر إلى الآن ما زال صيدا فرديا، وهي بعد ذلك معارضة بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهذا من طعامهم، لأن تفسير من فسر الطعام بالذبائح وهم الجمهور لا يريد به نوعا من أنواع الذكاة وهو الذبح، بل المقصود ما يذكى به الحيوان، وإن كان الذبح هو الغالب على أنواع الذكاة، بل أقول إن الصيد تنتفي عنه الشبهات التي ترافق الذبح، لأنه أبعد أن يقصد به التقرب إلى غير الله تعالى، أو يسمى عليه غير اسمه سبحانه، فيكون من هذه الحيثية أولى بالحل مما يذبح أو ينحر، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
ما أنفذت الجوارح مقاتله ولم يقدر على ذكاته
• قوله:
٣٥ - «وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته، وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله؛ لم يؤكل إلا بذكاة».
ما قتلته الجوارح المعلمة أو مات بالرمي؛ لا يحتاج إلى تذكيته، فإن أدركه حيا، فإما أن يكون قد أنفذت مقاتله التي تقدم ذكرها، أو لا، فإن كان الأول؛ فهو ميت حكما، فيأكله، إن لم يفرط في اتباعه، ولم يتسع الوقت لذبحه قبل موته حين أدركه، وقد استحبوا الإجهاز عليه حال إدراكه، وإن لا تكن مقاتله قد أنفذت؛ تتعين المسارعة إلى تذكيته، ولا يحل أكله بدونها، لأنه اختل فيه شرط، إذ أصبح مقدورا عليه فيذكى بما يذكى به الإنسي، فإن تهاون وتركه حتى مات؛ فلا يحل أكله، قال مالك: «أحسن ما سمعت في الذي يتخلص الصيد من مخالب البازي أو من الكلب ثم يتربص به فيموت أنه لا يحل أكله».
وقد اختلف فيما أكل منه الجارح هل يحل أكله، أو لا، وقد قال ابن عبد البر في الكافي (١/ ١٨٢) إن أكثر أهل المدينة على أكل ما أكل منه الكلب المعلم، ولو لم تبق منه إلا بضعة واحدة»، ووجهه أن الشارع جعل قتل الجارح للصيد ذكاة له فيحل، وقد ورد ما يؤخذ منه جواز الأكل من غير فرق، وهو ما رواه أبو داود (٢٨٥٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة فأفتِنِتي في صيدها، فقال رسول الله ﷺ: «إن كان لك كلاب مكلبة؛ فكل مما أمسكن عليك»، قال: «ذكيا وغير ذكي»؟، قال: «نعم»، قال: «فإن أكل منه»؟، قال: «وإن أكل منه» الحديث، وقد حسّنه الألباني دون جملة «أكل منه» فهي منكرة.
قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٤٥): «لا بأس بسنده»، وقد نسب الشوكاني في النيل (٩/ ٩) تحسين حديث أبي ثعلبة عند أبي داود برقم (٢٨٥٢) للحافظ، وهو إنما حسن حديث عمرو بن شعيب المذكور، لكن متن الثاني نحو الأول، ووجه القول الثاني أن
[ ٢ / ٦٢٨ ]
الجارح إذا أكل؛ كان ذلك دليلا على أنه إنما أمسك على نفسه، وقد جاء اشتراط عدم أكله في السنة في حديث عدي بن حاتم عند الشيخين (خ/ ٥٤٧٦) ومما جاء فيه، قلت: «فإن أكل»؟، قال: «فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك، وإنما أمسك على نفسه»، ويؤيد عدم الأكل ظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فإن قلنا إن الأصل في الذبيحة المنع؛ كما عليه الجمهور؛ كان الراجح الترك، وإن قلنا الأصل الجواز؛ كان الأمر بخلافه، وحمل المنع على الكراهة جمعا بين الأدلة أولى، لا سيما وقد جاء في الخبر ما يدل على أنها هي المرادة بالنهي، وهو قوله ﷺ: «إني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه»، والطعام لا يطرح بمجرد الشك، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الخلاف في حل ما أكل منه الجارح
الصيد بالسهم والرمح
• قوله:
٣٦ - «وكل ما صدته بسهمك، أو رمحك؛ فكله، فإن أدركت ذكاته؛ فذكه، وإن فات بنفسه؛ فكله، إذا قتله سهمك، ما لم يبت عنك، وقيل: إنما ذلك فيما بات عنك، مما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله؛ فلا بأس بأكله».
لا يختلف ما صيد بالسهم والرمح عما صيد بالجارح المعلم في اشتراط التسمية مع الذكر والقدرة، وأن يكون قد مات حين أدركه، أو أنفذت مقاتله، ولم يتسع الوقت لتذكيته حتى مات، وأن يكون هو الذي أصابه بسهمه بأن يجده فيه، أو يعلم أنه هو الذي أصابه بالقرينة، فإن بات؛ فقد قيل لا يؤكل، وقيل لا يؤكل إذا قتلته الجوارح، أما إن قتله بالسهم ووجده فيه؛ فإنه يؤكل، وكل ذلك مقيد بما إذا لم ينتن، لما ورد في حديث أبي ثعلبة الذي رواه مسلم وغيره بتقييد الأكل بما لم ينتن، وفيه خلاف، والمنع هنا متجه لعلة الخبث، ويشترط في تذكية الصيد بالسهم أن يكون قد مات بخزق أي برأس السهم والرمح ونحوه من الآلات لا بالعصا والبندق والحجر ونحوها، فهذا إن مات فإنما هو موقوذة، وهي محرمة بنص القرآن، وقد جاء في ذلك حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض فقال: «إذا أصبت بحده فكل، فإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ، فلا تأكل،،،»، الحديث، رواه البخاري (٥٤٧٦)، والوقيذ هو الموقوذ فعيل بمعنى مفعول، هو المضروب بالعصا من دون حديدة، والمعراض بكسر الميم سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه، والنصل الحديدة، ولهذا المعنى جاء نهي النبي ﷺ عن الخذف، وقال: «إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين»، وتنكأ أصل الفعل نكى العدو ينكي نكاية إذا أكثر فيه الجراح والقتل فوهن لذلك، وقد يهمز الفعل،
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فيقال نكأت القرحة إذا قشرتها، وانظر النهاية لابن الأثير، والخذف تقدم معناه في الحج، وفي النهي عن تلك الحصى حض على الآلات الأخرى التي تقتل الصيد سريعا، فيكون ذلك من الإحسان المطلوب، كما أنها تنكأ العدو، ومن شأن هذه العناية أن تؤدي إلى تطوير الأسلحة، أما أن يبقى الأمر في الحصى والمخذفة فهذا لا يفيد، وهذا الذي منع هنا؛ شرع في رمي الجمار، وورد النهي هناك عن الغلو، وأن يقتل المسلم أخاه، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
[ ٢ / ٦٣١ ]
لا يحل الحيوان الإنسي بما يحل به المتوحش
• قوله:
٣٧ - «ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد».
وهذا صحيح، لأن الاكتفاء في الذكاة بقتل الجارح المعلم، والسهم ونحوه؛ إنما جاء نصا في غير المستأنس من الحيوان، فمن قتل حيوانا إنسيا بما يصاد به المتوحش بكلب أو آلة فلا يحل به، وهذا محل اتفاق، وقد حصل الخلاف فيما ند من المستأنس هل يذكى بما يذكى به الصيد من الآلة أو لا؟، حجة الأول حديث رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إبلا وغنما، إلى أن قال: فند منها بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال رسول الله ﷺ: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم منها؛ فاصنعوا به هكذا»، رواه البخاري (٥٤٩٨) ومسلم، والأوابد جمع آبدة هي في الأصل الغريبة، والمراد هنا ما سلك من الحيوان الإنسي مسلك الوحشي فيكون غريبا من هذا الوجه، ومعنى ند؛ هرب، لكن علماءنا حملوا هذا الحديث على مجرد حبس الحيوان المستأنس الهارب، ليتمكن من ذكاته على الأصل، ويرد هذا التأويل تشبيه النبي ﷺ المستأنس الذي ند بالوحشي فيما أقره من فعلهم، والوحشي يذكى بالرمي، فيكونان سواء في الوسيلة التي يحل بها كل منهما، وإذا كان الأمر هكذا مع الناد فأحرى أن يكون مع المستأنس الذي توحش.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
تعريف العقيقة
• قوله:
٣٨ - «والعقيقة سنة مستحبة».
العقيقة من العق، وهو الشق، لأن حلق النسيكة يشق عند الذبح، وقيل أصلها الشعر الذي يكون على رأس المولود، ومنه قول امرئ القيس ينهى امرأة عن التزوج بهذا الذي وصفه بقوله:
أيا هند لا تنكحي بوهة … عليه عقيقته أحسبا
مرسعة بين أرساغه … به عسم يبتغي أرنبا
والبوهة البومة العظيمة، والمراد الضعيف الطائش، والأحسب الذي ابيضت جلدته من داء ففسدت شعرته، ينهاها عن نكاحه لكونه قذرا لا يتنظف، ولا يزيل ما ينبغي من شعر جسده، حتى إن الشعر الذي ولد به ما يزال عليه!، مع جبنه، يدل عليه هذه التمائم التي يعلقها خوفا على نفسه، وهو يدل على أن العرب كانوا يحلقون رأس المولود، لكنهم كانوا يدمونه فأقر الشرع الحلق وأبطل التدمية.
والعقيقة في الشرع «ما يتقرب به إلى الله من النعم شكرا على نعمة الولادة»، ومشهور المذهب أنها مستحبة، لأن النبي ﷺ سئل عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق، كأنه كره الاسم، وقال: «من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عنه؛ فلينسك، عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة»،،، الحديث رواه أبو داود (٢٨٤٢) والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد صدر به مالك كتاب العقيقة عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه، لكنه ليس فيه عنده عدد ما ينسك به عن الغلام والجارية، وقد أخذ بعضهم كراهية هذا الاسم من قوله ﷺ: «لا يحب الله العقوق»، مع أنه قال من أحب أن ينسك،،، فلتسم نسيكة أو ذبيحة، والظاهر خلافه لورود اسم العقيقة في كلامه ﷺ، ولينظر هنا ما نقله السندي عن التوربشتي في حاشيته على سنن النسائي، ووجه الدلالة على
[ ٢ / ٦٣٣ ]
الاستحباب أنه فوض إلى الوالد في ذبحها، وهذا ليس شأن الواجب كما قالوا، وقد سبق القول في الأضحية الدليل على أن مجرد تفويض الفعل إلى المكلف لا يدل على عدم وجوبه، لأن من لم يكن ذلك واجبا عليه؛ لا يقال إنه لا يجوز له الفعل.
واستدل بعضهم على وجوبها بحديث: «كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٢٨٣٧) من حديث الحسن عن سمرة، وقوله رهين؛ أي مرهون، فقيل المقصود أن نفعه لوالديه في الآخرة بالشفاعة إذا مات طفلا؛ متوقف على العق عنه، وقيل إنه دال على أنها لازمة لا بد منها، كما أن الرهن في يد المرتهن باق إلى أن يتخلص من الدين، وأقوى في الدلالة على الوجوب قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة»، رواه الترمذي وابن ماجة، والجمع بين هذا الذي ظاهره الوجوب، وما تقدم أن يكون السابق صارفا عن الوجوب فيبقى الاستحباب نظير ما سبق في الأضحية.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
العق عن المولود يوم السابع
رواية عن مالك بالعق في غير السابع
وجوب توفر شروط الأضحية في العقيقة ووجهه
• قوله:
٣٩ - «ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة، مثل ما ذكرنا من سن الأضحية وصفتها «
أما أنه يعق عن المولود يوم السابع؛ فلقول النبي ﷺ في حديث سمرة المتقدم: «كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه»،،، فهو دال على أنها لا تشرع قبله ولا بعده لما دل عليه الظرف من القيد، وهو مشهور المذهب، وإنما يعق عن المولود إذا كان حيا في الوقت الذي تشرع فيه العقيقة، أما إن مات قبل ذلك فلا، لأنه لم يدرك الزمن المحدد للنسك، وروى ابن وهب عن مالك إن من لم يعق عنه في السابع الأول عق عنه في السابع الثاني، وإلا ففي الثالث، ونقل الترمذي عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح يوم السابع، فإن لم يتهيأ؛ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ؛ عق عنه يوم أحد وعشرين، وروى الطبراني في الأوسط والضياء في المختارة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين»، وهو في صحيح الجامع، فإذا ثبت كان هو الحجة، وأهل المذهب يقولون في رد ما عدا المشهور: لم تشرع العقيقة يوم الثامن، فأحرى أن لا تشرع فيما بعده من الرابع عشر والواحد والعشرين، ويقول أصحاب الرواية الثانية إن في ذلك شبها بالثلاثة الأيام التي تذبح فيها الأضحية، لكن هذه على التوالي، والعقيقة على رأس الأسابيع الثلاثة الأول توسعة على الناس، وقد ذهب بعض أهل العلم منهم الحسن البصري إلى أن مَنْ علِم أنه لم يعقّ عنه يُشرع له أن يعقّ عن نفسه لنا رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (٧٩٦٠) عن عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن أنس قال: «عق رسول الله ﷺ عن نفسه بعد ما بعث بالنبوة»، حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ عقّ عن نفسه بعد ما بُعث نبيًّا»، وعبد الله بن محرر ضعيف، والحديث في الصحيحة برقم (٢٧٢٦).
أما أنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية من حيث السن والسلامة من
[ ٢ / ٦٣٥ ]
العيوب كما تقدم ذكره؛ فهذا من باب القياس بجامع أن كلا منهما نسك متعبد به، فينبغي أن يعتبر هنا ما اعتبر هناك وجودا وعدما، قال مالك في الموطإ: «إنما هي بمنزلة النسك والضحايا، لا يجوز فيها عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء ولا جلدها،،،»، وهو الذي نسبه الترمذي لأهل العلم، لكن الذي وردت به النصوص في العقيقة الإطلاق، وهو قوله ﷺ شاة، شاتان، وفي الأضحية التقييد كما مر، قال الشوكاني: «وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق، لكن لا لهذا الإطلاق، بل لعدم ورود ما يدل هاهنا على تلك الشروط والعيوب المذكورة في الأضحية وهي أحكام شرعية، لا تثبت بدون دليل»، انتهى، قال كاتبه: القياس دليل، والعلة الجامعة؛ أن كلا من العقيقة والأضحية نسك، وكذلك حمل المطلق على المقيد، فإن حكم الأضحية والعقيقة عند القائلين بذلك متحد، وهو السنية، واختلف سببهما كما في عتاق الرقبة في الظهار وقتل الخطإ.
واعلم أن الشوكاني ﵀ قد رد على من اعتمد القياس في هذه المسألة، باعتبار أن الجامع بين الأضحية والعقيقة وهو التقرب، ومنهم الإمام يحي، فقال في نيل الأوطار (٥/ ٢١٣١): «ولا يخفى أنه يلزم على مقتضى هذا القياس؛ أن تلزم أحكام الأضحية في كل دم متقرب به، ودماء الولائم كلها مندوبة عند المستدل بذلك القياس، والمندوب متقرب به، فيلزم أن يعتبر فيها أحكام الأضحية، بل روى عن الشافعي في أحد قوليه أن وليمة العرس واجبة»، انتهى.
قلت: من قال باستحباب الولائم كالوكيرة، والنقيعة والخرس، والوليمة، أو قال بوجوب بعضها؛ لم يشترط فيها الذبح كما هو الشأن في الأضحية والعقيقة، ومقصودهم أن الوليمة نفسها مندوبة أو واجبة، لا أن إراقة الدم داخلة في هذا الحكم، فما أدري لاعتراض الشوكاني بهذا القول على ذلك القياس وجها يقبل، ولا وجه للتعلق بقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»، فإن المقصود ما تكون به الوليمة، وبدلابة فعل النبي ﷺ.
ومهما يكن فالمتفق عليه أن اجتناب العيوب المذكورة لا ريب في استحبابه لقوله
[ ٢ / ٦٣٦ ]
استواء الذكر والأنثى في العق عنهما بشاة
قول ابن عسكر البغدادي باستحباب العق بشاتين عن الذكر
تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وأما أن العقيقة شاة للذكر والأنثى سواء؛ فقد احتج له بأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا، رواه أبو داود (٢٨٤١) من حديث ابن عباس، لكن جاء من قوله ﷺ ما يؤخذ منه أن المولود الذكر يعق عنه بشاتين مكافئتين، أي متماثلتين كما تقدم في حديث عائشة، وكما جاء في حديث أم كرز من قوله ﷺ: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»، رواه أبو داود (٢٨٣٦) وغيره، ومعنى «مكافئتان»؛ متماثلتان، فهذا قول، وهو شريعة عامة فيقدم عند التعارض لو فرض الأمر كذلك، فمن وجد سعة؛ فالسنة أن ينسك عن الذكر بشاتين، بل جاء عن النبي ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، رواه النسائي (٧/ ١٦٦)، واحتج به الحافظ في الفتح (٩/ ٧٣٣)، وقال: أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وأشار إلى أن ذبح شاتين عن الغلام مما تواتر عن النبي ﷺ، وعليه يجتمع القول والفعل، ولو لم يثبت هذا؛ فلا تعارض بينهما لاحتمال عدم تيسر ذبح شاتين له ﵊ عن كل منهما، ولأن ذلك ليس إلا مستحبا، وقد قال باستحبابه من المالكية العلامة شهاب الدين بن عبد الرحمن بن عسكر البغداي المالكي في كتابه إرشاد السالك، وغيرُه.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
لا يحسب اليوم الذي ولد فيه إذا كانت الولادة بعد الفجر
• قوله:
٤٠ - «ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه».
المشهور أنه لا يحسب اليوم الذي يولد فيه الصبي إذا كان بعد الفجر لأنه غير تام، وهو ما نص عليه مالك، قال ابن عبد البرفي الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٢٥): «كان مالك لا يعتد باليوم الذي يولد فيه المولود في أيام أسبوعه إلا أن يولد قبل الفجر وإلا ألغى ذلك اليوم»، وقال القاضي عبد الوهاب في كتابه التلقين: «ويحسب السابع إذا سبقت الولادة فجره وإن تأخرت عنه ألغى وحسب غدها»، وهو كالقاعدة في المذهب في غير العقيقة أيضا، وثمة أقوال أخرى ثلاثة، والإطلاق الذي في كلام الشارع وما تدل عليه اللغة ظاهر في احتساب اليوم الذي ولد فيه، فلا يعدل عنه إلا إذا ورد ما يقيده بما ذكر.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
وقت ذبح العقيقة
• قوله:
٤١ - «وتذبح ضحوة».
هذا هو الوقت المفضل في ذبح العقيقة، شأنها شأن الأضحية والهدي، من الضحى إلى الزوال، فلا يجزئ ذبحها قبل طلوع الشمس، ولا في الليل، على ما تقدم في الضحية والهدي، ويكره ذبحها من الزوال إلى الغروب، وقال ابن الماجشون يجزئ ذبحها قبل طلوع الشمس، والذي قالوه في الاستدلال على عدم جواز ذبحها في الليل يقال هنا لقوله ﷺ: «يوم سابعه»، وقد تقدم ما فيه.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
ما جاء به الشرع في العقيقة من الإصلاح
• قوله:
٤٢ - «ولا يمس الصبي بشيء من دمها».
هذه العبارة هي نفس ما جاء في الموطإ من قول مالك، بل هي جملة من حديث يزيد ابن عبد المزني عن أبيه مرفوعا عند ابن ماجة، وقد رد بهذا على من قال بتدمية رأس المولود كما في رواية همام لحديث الحسن عن سمرة عند أبي داود (٢٨٣٧)، وقد بين أنها وهم منه، وأن الصحيح يسمى، لكن فسرها قتادة ﵀ وهو شيخ همام في هذا الحديث بقوله: «إذا ذبحت العقيقة، أخذت منها صوفة، واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي، حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق»، واليافوخ وسط الرأس، فيظهر أن الوهم من قتادة لا من همام كما ذكره بن االعربي في المسالك (٥/ ٣٢٧)، وقد يكون هذا من قتادة تفسيرا لما كانت تفعله الجاهلية، وقد ورد وصف ذلك عن غير قتادة، والذي ثبت إنما هو «يسمى»، فالمشروع تسميته يوم السابع، وهو ما لا يتأنى اليوم للحاجة إلى التسجيل السريع إثر الولادة مباشرة، وإلا احتاج الأمر إلى حكم قضائي، وتسمة المولود إثر الولادة إنما يشرع إذا لم يعق عنه كما ترجم به البخاري.
ومما يدل على بطلان التدمية؛ قول النبي ﷺ: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى»، رواه البخاري (٥٤٧١) عن سلمان ابن عامر الضبي، فالتدمية مخالفة لأمره بإماطة الأذى، ومن جملة الأذى الذي يماط حلق رأسه، وكذا ما يكون عليه من أقذار الدم والرطوبات ونحوها.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
تكسر عظام العقيقة ويؤكل منها ويتصدق
• قوله:
٤٣ - «ويؤكل منها، ويُتصدق، وتكسر عظامها».
العقيقة من النسائك التي يجوز الأكل منها بلا خلاف، والأفضل أن يجمع المرء بين الأكل والصدقة، ومشهور المذهب أنها توزع لحما ولا تعمل طعاما لما في ذلك من المباهاة، كذا قالوا، وإذا لم يمنع من صنعها طعاما دليل؛ فإن الأصل الجواز، بل هو من الإحسان إلى الناس، إلا إذا خشي اعتقادهم أنه أمر لا بد منه، فمن تركه كان محقا، وقد ورد عن مالك صنع الطعام للناس، ولا يشرع اجتناب كسر عظامها، بحيث تتبع المفاصل في ذلك، فإن هذا لم يرد به دليل، وهو من فعل الجاهلية، قال مالك: ويكسر عظامها، ويأكل أهلها من لحمها، ويتصدقون منها،،،».
[ ٢ / ٦٤١ ]
استحباب حلق شعر المولود والتصدق بزنته فضة
• قوله:
٤٤ - «وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة؛ فذلك مستحب حسن».
اعتبر بعض أهل العلم حلق رأس المولود من جملة الأذى الذي أمرنا بإماطته عنه، وهو قول الحسن كما في سنن أبي داود، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة اقتران الذبح بالحلق والتسمية، واختلف في الذي يبدأ به منها، وصنيع البخاري أن المولود إذا لم يرد النسك عنه؛ فإنه يسمى قبل السابع، كما اختلف هل يحلق رأس الجارية أم لا؟، ولعل من قال بعدم حلق رأسها؛ راعى أن الأصل عدم حلق رأس المرأة لأنه مثلة، ولا مثلة هنا، ولأن الذبح والتسمية والحلق جاء بعضها ببعض مقترنا، فمن فرق بين الذكر والأنثى؛ فقد تحكم، ولأن ما علل به الحلق يشمل الذكر والأنثى، كما أن الأصل المساواة في الأحكام.
أما التصدق بزنة شعر المولود ذهبا فلم يرد ذكر له في حديث يثبت كما قاله الحافظ في التلخيص الحبير والغماري في مسالك الدلالة، وإنما جاء ذكر التصدق بزنة شعره فضة في حديث أبي رافع أن الحسن بن علي لما ولد؛ أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين، فقال النبي ﷺ: «لا تعقي عنه، ولكن احلقي شعر رأسه، ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله»، رواه أحمد والطبراني في الكبير، والبيهقي وهو ضعيف، وجاء ذلك في حديث علي عند الترمذي (١٥١٩) وحسنه، ولينظر التلخيص الحبير (ح/ ١٩٨٤)، ولا ينبغي أن يؤخذ من قوله ﷺ «لا تعقي عنه معارضة ما ورد من مطلوبية العق، إذ إن النبي قد ثبت عنه أنه عق عن الحسن والحسين ﵄ وعن سائر آل النبي ﷺ وأتباعه.
وكثيرا ما يرد السؤال عن المفاضلة بين العقيقة والأضحية إذا اجتمعتا، ولم يتمكن المرء إلا من إحداهما أيهما يقدم؟ وهل يجوز جمعهما؟، والجواب هو أنهما إذا كان حكمهما واحدا فإن العق مقدم لعدم تكرره بخلاف الأضحية، وهو الذي قاله مالك كما ذكره ابن عبد البر في الكافي، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
• قوله:
٤٥ - «وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية؛ فلا بأس بذلك»
الخلوق بفتح الخاء هو الطيب، قال في النهاية: «هو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة بإباحته، وتارة بالنهي عنه، والنهي أكثر وأثبت، وإنما نهي عنه لأنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالا له منهم، والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة»، انتهى.
قلت: في بعض الروايات جاء ذكر الزعفران، فلعله لكونه أصل الخلوق، ولعل الشارع استثناه من المنع لأنه جاء بدلا مما كانت عليه الجاهلية من تلطيخ رأس المولود بالدم، ولأنه صغير والقلم عنه مرفوع، وصحيح ابن حبان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي ﷺ: «اجعلوا مكان الدم خلوقا»، وهو في الصحيحة برقم (٤٦٣).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
الختان سنة للذكور مكرمة في الإناث
كراهة الختان يوم السابع
• قوله:
٤٦ - «والختان سنة في الذكور واجبة، والخفاض في النساء مكرمة».
الختان هو قطع الجلدة الساترة للحشفة كي تنكشف، ويسمى إعذارا، وهو مما يساعد على كمال طهارة العضو لخروج البول من رأس الحشفة، فلو ظلت مستورة؛ لكان ذلك ذريعة للتلوث، وعسر التطهير، وفي القطع كذلك تأمين جهاز الأنثى مما قد يصيبه منها عند الجماع وقد ثبت لدى أطباء هذا العصر أن من أسباب سرطان الرّحم عند نساء الكفار الذين لا يختنون هو ترك الختان، فاعتبروا يا أولي الألباب. قال ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ويظهر هذا المعنى من كون الشارع جعل الختان من جملة خصال الفطرة، أي الخصال التي يكمل بها المرء حتى يكون على أفضل الصفات، كما يظهر ذلك من اقترانها بأمور كلها معينة على النظافة، قال النبي ﷺ: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط»، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
وحكم الختان أنه سنة مؤكدة لهذا الحديث، هذا قول مالك وكثير من أصحابه، وذهب سحنون إلى وجوبه، وهو مذهب الشافعي، والمذهب أنه يكره أن يختن يوم ولادته، أو يوم السابع لأنه من فعل اليهود، إلا لعلة.
قلت: لا نهي أعلمه عن الختان في السابع، والأصل الجواز، مع أنه قد روى البيهقي عن جابر أنه ﷺ عقّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام، والجملة الأخيرة لم تثبت، والصحيح أنه لا وقت محددا له غير أنه لا يترك إلى وقت البلوغ للحاجة حينئذ إلى الكشف عن عورة الكبير، بخلاف ما قاله بعضهم من تأخيره إلى البلوغ، والله أعلم.
ووقته المستحب عندهم يبدأ من وقت أمره بالصلاة - وهو سبع سنين - إلى عشر، ذكر هذا ابن حبيب عن مالك، وقال الباجي اختار مالك وقت الإثغار، يعني وقت نبات
[ ٢ / ٦٤٤ ]
ما في الختان والخفاض من المنافع
الأسنان، وروى اللخمي يختن يوم يطيق الختان، وانظر شرح الشيخ زروق.
أما الخفاض وهو الخفض أيضا، ويسمى ختانا كذلك؛ فهو قطع شيء يسير من الناتئ بين شفري فرج المرأة، وهي الجلدة التي كعرف الديك، وحكمه كالختان، كما صرح به القاضي عبد الوهاب في المعونة، وإنما قال المؤلف مكرمة في النساء تبعا لحديث: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء»، رواه أحمد عن والد أبي المليح، والطبراني عن شداد بن أوس وابن عباس، وقد رمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير، وأيده الغماري في المداوي، وضعفه الألباني ﵏، وقد روى أبو داود (٥٢٧١) عن أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ: «لا تنهكي، فإنه أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل»، ضعفه أبو داود بجهالة محمد بن حسان، وصححه الألباني، وفي حديث أنس بن مالك أنه ﷺ قال لأم عطية: «إذا خفضت فأشمي، ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى للزوج»، انظر الصحيحة (٧٢١)، وأشمي من الإشمام، وهو الاقتصار على قطع شيء يسير، وهو أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج، شبهه بشم الرائحة، وأكده بالنهي عن ضده، وهو الإنهاك، أي المبالغة في القطع، وقوله أحظى للزوج لعل المراد أحظى عنده، من الحظوة، وهي المكانة والمنزلة، وفي النهاية يقال حظيت المرأة عند زوجها؛ إذا سعدت به ودنت من قلبه وأحبها، وقوله أسرى للوجه، أي أشرق له، فكأنه يُسرى عنه به فيُكسى جمالا وبهاء.
وقد اختلف في ختان المرأة هل هو مشروع للنساء قاطبة، أو هو خاص بنساء المشرق لوجود تلك الفضلة فيهن كما قالوا دون نساء المغرب!، قال زروق: وهو في نساء المشرق لا في نساء المغرب، ونقله علي الصعيدي العدوي عن غيره.
قلت: لا أحسب إلا أن الأمر على العموم، ثم ينظر هل هناك فرق في هذا بين نساء المشرق ونساء المغرب؟، واسأل عن مصر من أي الجهتين هي؟.
لقد رأيتَ ما جاء في الحديث من كون الخفاض مكرمة ومن كونه أحظى للزوج والزوجة، وأسرى للوجه، فهو سبب لكمال لذة الزوجين، وفيه وفي الختان تخفيف الشبق الجنسي لدى المرأة والرجل، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١١٤): «والمقصود
[ ٢ / ٦٤٥ ]
الاعتراض على الخفاض بزعم أن فيه تعذيبا للنساء
من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، ولهذا يقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء، فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، لا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة؛ حصل المقصود باعتدال».
وقد ذكرالرازي حكمة لختان الرجل مفادها جعل شهوته معتدلة كما عند المخفوضة، نقلها عنه المناوي في فيض القدير (٣/ ٥٠٣)، قال: «إن الحشفة قوية الحس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوى اللذة عند المباشرة، وإذا قطعت صلبت الحشفة، فضعفت اللذة، وهو اللائق بشرعنا تقليلا للذة، لا قطعا لها، توسيطا بين الإفراط والتفريط».
وإنما سجلت هذه الحكمة التي للختان والخفاض لأن متبعي الشهوات لما علموها؛ اجتهدوا في تعطيل الخفاض بخاصة، وقد صدر حكم بمنعه في مصر هذا العام بعد حملات شعواء عليه من مبتغي الشهوات، ومتبعي الشبهات، ورأوا أن فيه تعذيبا للمرأة، وليت شعري لم لا يقولون ذلك عن الرجل؟، وسبحان من قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٦ و٢٧]، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٦٤٦ ]