الأيمان جمع يمين، وتجمع على أيمن، وهي مؤنثة، ففي الحديث: «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان»، ومثل اليمين القسم والإيلاء والحلف بفتح الحاء وكسر اللام وقيل وبسكونها أيضا، فهي ألأفاظ متقاربة.
وسمي الحلف يمينا إما لأن أصله العضو المعروف، فإن العرب كانوا إذا حلَّف شخص منهم غيره أو تحالفوا؛ وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه للاستيثاق، أو لأن اليمين هي القوة، لوفرتها في العضو الأيمن على الأيسر غالبا.
فلما كان الحلف تقوية لفعل المحلوف عليه؛ كان التزام الطلاق والعتاق وغيرهما يمينا، كأن يقول لزوجته إن فعلت كذا فأنت طالق، وإن جاء فلان فعبدي حر، وهذا جار على التفسير الأخير لليمين في اللغة، وهو كونه القوة، أما على التفسير الأول وهو أن اليمبن هو العضو؛ فلا يدخل هذا الالتزام في اليمين، وبهذا يظهر أن اليمين أعم من القسم، وانظر شرح الخرشي على مختصر خليل (٣/ ٤٩)، والفواكه الدواني وهو شرح الرسالة للنفراوي (١/ ٦٢٨).
أما اليمين عند الفقهاء فقد اختلف في الحاجة إلى تعريفها، وممن حدها ابن عرفة ﵀ بقوله: «اليمين قسم، أو التزام مندوب غير مقصود به القربة، أو ما يجب بإنشاء لا يفتقر لقبول، معلق بأمر مقصود عدمه»، وقد تضمن التعريف ثلاثة أشياء كلها يمين عنده:
- أولها وهو الأصل ما يسمى اليمين القسمية، التي لا تكون إلا بالله تعالى، أو صفة من صفاته، وهي التي قال عنها اليمين قسم.
- والثاني هو الذي قال عنه: التزام مندوب،،، أي التزام فعله، كأن يقول: إن فعلت كذا؛ فلله علي عتق عبدي، فيلزم العتق، بخلاف إن فعلت كذا فلله علي طلاق امرأتي لأنه ليس قربة.
[ ٣ / ٧٦ ]
- والثالث قوله أو ما يجب بإنشاء لا يفتقر لقبول؛ يخرج الإنشاء المتوقف اعتباره على طرف آخر كالبيع والنكاح ونحوهما، وقوله معلق بأمر مقصود عدمه؛ مثاله أن يقول أنت طالق إن ذهبت إلى السوق، فإنه إنما يريد بذلك منعها من الذهاب، ومثله ما إذا كان يريد حضها على الفعل، فيكون ذلك الأمر مقصودا وجوده، كأن يقول أنت طالق إن لم تصلي، فكان ينبغي إلحاقه بالتعريف إذ لا فرق بينهما فيما يظهر، ثم وجدت النفراوي ﵀ في الفواكه الدواني (١/ ٦٢٩) قد أدخل نحو هذا المثال في التعريف بنوع تأويل.
وإدخال ابن عرفة وغيره هذه الأقسام في مسمى اليمين لا يعني أنها تعطى حكم القسم في الكفارة والاستثناء كما سيظهر لك، وليلتمس العذر لمن أورد هذا التعريف المعقد بالنظر إلى أنه موجود في الشروح، وقد يتوقف عليه فهن كلام المصنف، وإلا فذكره بالمثال بدل الحد أيسر وأقرب، وقد عرف خليل اليمين بقوله: «اليمين تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله، أو صفته»، فاقتصر على اليمين القسمية.
[ ٣ / ٧٧ ]
حديث أفلح وأبيه إن صدق
• قوله:
٠١ - «ومن كان حالفا؛ فليحلف بالله، أو ليصمت».
هذا أحد أنواع اليمين الثلاثة، وهي اليمين القسمية، وما في الفقرة هو شطر حديث لعبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه؛ فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآباكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، رواه مالك (١٠٣١) والشيخان، وأبو داود (٣٢٤٩)، وفيه دليل على النهي عن الحلف بغير الله تعالى من المخلوقات، لا فرق بين ما كان منها معظما في الشرع أو محقرا، وإنما جاء ذكر الآباء لسبب ورود الحديث، فهو بعض أفراد العام المنهي عن الحلف به وهو المخلوقات كلها، والفقرة الأخيرة قاضية بما ذكرت، واختلف في حكم الحلف بغير الله في المذهب، فقيل بالكراهة، وقيل بالتحريم وهو المشهور، وهو ظاهر النهي، ومذهب مالك أن النهي يدل على التحريم، وهذا الخلاف فيما إذا كان صادقا، فإن كان كاذبا فهو محرم بلا خلاف، وفي المرفوع: «كل يمين يحلف بها دون الله شرك»، رواه الحاكم عن ابن عمر، وأقره الذهبي على ما قال، وهو في الصحيحة برقم (٢٠٤٢)، فحكم على كل يمين بغير الله بأنها شرك، فدل على تحريم ذلك، ولا يلزم منه الحكم على الفاعل بأنه مشرك كما لا يخفى.
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون»، رواه أبو داود (٣٢٤٨) والنسائي، والأنداد جمع ند بكسر النون هو المثيل والشبيه، أي لا تحلفوا بمن جُعِلُوا أندادا لله من الأصنام وغيرها.
فأما حديث طلحة بن عبيد الله في قصة الأعرابي، وفيه قول النبي ﷺ: «أفلح وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق»، رواه أبو داود في موضعين من سننه: (٣٩٢) و(٣٢٥٢)، وهو في الصحيحين بأصله؛ فقد قيل بضعفه، وقيل كان قبل النهي، وليس بجيد لكونه من العقائد ولا نسخ فيها، وقيل هذا جرى على اللسان من غير إرادة الحلف، وهذا خير مما
[ ٣ / ٧٨ ]
تنعقد اليمين باسم الله وصفات ذاته لا بصفات أفعاله
تقدم، وقيل المقصود ورب أبيه، فحذف المضاف وهو كثير في لغة العرب، وعلى كل حال؛ فلا يعارض الثابت المجزوم بصحته؛ بما فيه شبهة من عدة وجوه، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن قال: «أدركت الناس ولو أن رجلا ركب راحلته لأنضاها قبل أن يسمع رجلا يحلف بغير الله»، وأنضاها أهزلها، ومعناه عدم وجود من يحلف بغير الله في وقته، أو قِلَّتُهُ لمعرفة الناس أحكام دينهم والتزامها.
ولما كان الحلف بالشيء يعتبر تعظيما له وتوكيدا لفعل المحلوف عليه أو عدم فعله؛ اختص الشرع ذلك بالله تعالى، فمن حلف بشيء غير الله؛ فلا تنعقد يمينه، ولا يطالب بكفارة إن حنث، لكنه قد ارتكب محرما، فإن قصد تعظيم ما حلف به كما يعظم الله؛ فقد كفر، لا فرق بين معظم شرعا كالأنبياء والكعبة، وبين من يستحق التحقير كالأصنام، وقد قال رسول الله ﷺ: «من حلف بغير الله؛ فقد كفر، أو أشرك»، رواه الترمذي (١٥٣٥) عن ابن عمر وحسنه، ثم قال: «وفُسر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله فقد كفر أو أشرك على التغليظ،،،»، وقد ساق الترمذي نصوصا من الكتاب والسنة تدعم هذا المعنى الذي قاله أهل العلم في الحديث، ومرده إلى أن الكفر كفران أصغر وأكبر، أو عملي، وعقدي، وقال خليل: «وإن قصد بكالعزى التعظيم فكفر».
وليس المقصود من حديث ابن عمر أن اليمين لا ينعقد إلا باسم الجلالة، بل إنه ينعقد بجميع أسماء الله وصفات ذاته، كقوله والذي لا إله إلا هو، وكالرحمن والغفار والعليم والحكيم، وبصفاته كعزة الله وجلاله وعظمته وكبريائه وكلامه والقرآن، وبصفات أفعاله كمقلب القلوب، ومنزل السحاب، وفي صحيح البخاري وسنن الترمذي (١٥٤٠) عن ابن عمر ﵄ قال: «كثيرا ما كان رسول الله ﷺ يحلف بهذه اليمين: لا ومقلب القلوب»، وقد ذكره مالك في موطئه بلاغا أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا، ومقلب القلوب»، ولا تنعقد اليمين بصفات أفعال الله تعالى الحادثة كالخلق والرزق والإماتة والإحياء والعطاء، والنزول، والضحك، والعجب، والأشعرية يؤولونها والسّلف يُثبتونها لكن لا يكيّفونها.
[ ٣ / ٧٩ ]
يؤدب الحالف بالطلاق ويقع طلاقه
• قوله:
٠٢ - «ويؤدب من حلف بطلاق، أو عتاق، ويلزمه».
هذا يدل على أن المؤلف يرى سعة دائرة اليمين كما مر في التعريف، فيدخل فيها الحلف بالطلاق، كأن يقول: علي الطلاق إن كلمت فلانا، أو الطلاق يلزمني إن لم أكلمه، وإنما يريد بهذا منع نفسه من تكليمه، أو إلزامها بتكليمه وحضها عليه، فهذا يمين، وقد تعرفت على صلته باليمين على أحد التفسيرين المتقدمين لها في اللغة، لكنه يمين منهي عنه، ويؤدب الحاكم المقدمَ عليه إذا كان بالغا عالما معتادا لذلك، بخلاف من صدر عنه فلتة، قالوا ويكون ذلك جرحة في شهادته، وفي النوادر (٤/ ٧): «قيل لمالك إن هشام بن عبد الملك كتب: أن يجلد من حلف بذلك عشرة أسواط، قال مالك: «قد أحسن هشام إذ أمر بالضرب فيه»، قال ابن القاسم قال مالك: «يضرب الناس على ذلك إن نهوا عنه فلم ينتهوا»، وقد استدل بعض الشراح على مطلوبية هذا التأديب بكلام لا يشك المبتدئ في أنه ليس كلام النبي ﷺ، بل إن أصول شريعته لا تقبله، وهو ما زُعم أنه ﷺ كتب إلى ورثة الأنبياء وإلى الناس وإلى أشباه الناس (؟): «لا تحلفوا بطلاق ولا بعتاق، فإنهما من أيمان الفساق»، وقد ذكره كل من زروق والفاكهاني جازمين بنسبته، وسلفهم فيه ابن حبيب في واضحته، وقد أثبت المكتوب منه ابن أبي زيد في نوادره (٤/ ٧)، وانظر المقاصد الحسنة للسخاوي (ح/ ٦٥٦).
أما أنه يلزم به الطلاق على المذهب؛ فقد استدل بعضهم له بقول النبي ﷺ: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة»، رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي (١١٨٤) وحسنه عن أبي هريرة، وهو في الموطإ نحوه عن سعيد بن المسيب مرسلا، وفيه العتق بدل الرجعة، وهي بكسر الراء وفتحها؛ عود المطلق إلى من طلقها، وفيه حرص الشارع على الاحتياط للفروج، وسد باب العبث بالعقود فيها، كما استدل له بقول النبي
[ ٣ / ٨٠ ]
الاستدلال على وقوع الحلف بالطلاق
توسع الناس في الحلف بالطلاق
ﷺ: «ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: الطلاق والنكاح والعتق»، رواه الطبراني عن فضالة بن عبيد، وفي إسناده ابن لهيعة، وانتزاع الاستدلال منه على وقوع الطلاق من الحالف به عسير، لأن الحالف بالطلاق؛ أبعد ما يكون عن الهزل، ثم بدا لي أنه إذا كان الهازل تقع منه الثلاثة وهو لا يقصدها، فأولى أن تقع من غيره ممن حلف أو علق ولو كان غير قاصد وقوع ما التزمه، ومنشأ الخلاف في المسألة هو قصده الطلاق وعدم قصده، فإنه إن كان يقصد بحلفه وقوع الطلاق عند وقوع المعلق عليه فإن الخلاف في وقوعه ضعيف، وقد نقل بعضهم الإجماع على الوقوع، وإن كان إنما يريد بذلك منع امرأته أو منع نفسه من فعل شيء أو إلزامها بفعله، ولا قصد له في الطلاق، وهو مما يصعب التأكد منه، فهذا هو المختلف فيه، وجمهور العلماء على عدم التفريق، وبهذا يتبين لك وجه الاحتجاج بالحديث، فإن الهازل غير قاصد، ومع ذلك نجز عليه الشارع الطلاق والعتاق والرجعة، ويجاب عنه؛ بأنه ليس من المسلم أن يقاس غير القاصد جادا على غير القاصد هازلا، فإن الهازل يشبه المستخف من وجه، فالأقرب إلى الصواب: هو القول بعدم الوقوع، فإنما الطلاق عن وطر كما جاء عن ابن عباس ﵄ في صحيح البخاري، ولأنه إذا صدق على ما قاله أنه يمين؛ فإن الله تعالى قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ (٢)﴾ [التحريم: ٢]، وهو جمع مضاف فيعم أيمان المسلمين، ومعنى فرض هنا بين وشرع، والتحلة ما تنحل به اليمين وهو الكفارة، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٥٩): «،،، مع أنه لم يبلغني عن أحد من الصحابة في الحلف بالطلاق كلام، وإنما بلغنا الكلام فيه عن التابعين ومن بعدهم، لأن اليمين به محدثة، لم تكن تعرف في عصرهم،،،»، انتهى.
وقال أيضا (٣٥/ ٢٦٤): «لكن فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف بالعتاق بكفارة يمين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق، فإنه إذا كان نذر العتق الذي هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة؛ فالحلف بالطلاق ليس بقربة، إما أن تجزئ فيه الكفارة، أو لا يجب فيه شيء على قول من يقول نذر غير الطاعة لا شيء فيه،،،».
واعلم أن الناس عندنا قد توسعوا في الحلف بالطلاق توسعا فاحشا، والعوام يسمونه حلفا ويمينا ويعضهم يسمونه التزاما، ومما يقولونه: ثلاث لا أكلم فلانا، وثلاث لن
[ ٣ / ٨١ ]
تذهبي، والحرام لا أفعل، وأنت ترى بأن هذه صيغة صريحة في اليمين القسمية، غير أن المقسم به ليس اسم الله ولا صفة من صفاته، بل هو حكمه الذي هو أثر خطابه وكلامه، وهي على كل حال يمين جرى بها العرف، والذي ينطق بها يظهر أنه يعظم الحكم، حتى يمنع نفسه من الفعل، أو يلزمها به، والحكم عليه بتطليق امرأته مع أنه لم يدر بخلده في معظم الأحيان ذلك؛ مما لا وجه له، فإما أن يقال إنها من أيمان المسلمين التي تُكَفَّرُ، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وإما أن يقال إنها لغو فلا عبرة بها، والأول أولى، والله أعلم.
[ ٣ / ٨٢ ]
لا ينفع الاستثناء إلا في اليمين بالله وصفاته
رواية عن الإمام بصحة الاستثناء في الطلاق
• قوله:
٠٣ - «ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله ﷿، أو بشيء من أسمائه وصفاته».
اعلم أن من الأيمان ما يكفر في حال الحنث، ومنها ما لا يكفر، والأخير نوعان: أحدهما ينجز على الحالف ما حلف عليه بحنثه، كما في الحلف بالطلاق والعتاق على ما تقدم، فلا تنفع فيه كفارة، ولا ينفع فيه استثناء، والثاني لا كفارة فيه، مع أن المقدم عليه مرتكب لكبيرة، وهو اليمين الغموس، والذي هنا ذكر الثنيا وهي الاستثناء، كقول المرء بالله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله، أو امرأتي طالق إلا أن يشاء الله، وقد بين المؤلف أن الاستثناء والكفارة معا إنما ينفعان في اليمين بالله تعالى، أو بشيء من أسمائه وصفاته، فلا كفارة في الحلف بغير ما يشرع الحلف به، ولا استثناء في الحلف بالطلاق والعتاق، ومن حنث في اليمين لزمته الكفارة إلا أن يستثني مع توفر شروط الاستثناء.
وإذا علمت أن مذهب مالك عدم انتفاع المطلق بالاستثناء في الطلاق، وهو قول الأوزاعي والحسن وقتادة، فاعلم أيضا أن للإمام رواية بجدوى الاستثناء فيه، ذكرها الغماري في مسالك الدلالة، وانظر النوادر (٤/ ١٩ و٥٣)، وهو قول طاوس وحماد والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، فهؤلاء يرون الاستثناء مجديا في الطلاق، كأن يقول أنت طالق إلا أن يشاء الله، وهو الذي رجحه ابن المنذر، ودلت عليه مطلقات النصوص وعموماتها، وقد قال الخطابي في المعالم يشرح حديث ابن عمر الآتي» من حلف فاستثنى،،،: «وقد دخل في هذا كل يمين كانت بطلاق، أو عتاق، أو غيرهما، لأنه ﷺ عم ولم يخص»، انتهى، وانظر تفسير القرطبي (٣/ ١٢٧)، وهذه الرواية أولى أن يفتى بها لما فيها من مراعاة قصد الشارع في الطلاق وتضييق نطاقه، وقد علمت استفحال الأمر في بلدنا.
[ ٣ / ٨٣ ]
شروط اعتبار الاستثناء في اليمين
• قوله:
٠٤ - «ومن استثنى؛ فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء، وقال: إن شاء الله، ووصلها بيمينه قبل أن يصمت، وإلا لم ينفعه ذلك».
الاستثناء عند النحاة هو إخراج بعض الجملة بإلا أو إحدى أخواتها، والمراد به هنا التعليق على مشيئة الله تعالى، فمن حلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته، وقال: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، واتصل استثناؤه بحلفه، ولو قدمه عليه؛ فإنه وإن لم يصح في صناعة النحو، فلا يضر ذلك بصحة الاستثناء، وينبغي أن يكون قاصدا للاستثناء قبل نطقه أو أثناءه أو بعده مباشرة، يدل عليه حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من حلف فاستثنى؛ فإن شاء مضى، وإن شاء ترك غير حنث»، رواه النسائي والبيهقي، وهو في صحيح الجامع، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال إن شاء الله؛ فقد استثنى»، وهو في سنن أبي داود (٣٢٦١) وغيره، ورواه مالك في الموطإ عن ابن عمر أنه كان يقول: «من قال: والله، ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه؛ لم يحنث»، فقوله فاستثنى؛ دليل على أنه لا يشترط القصد إلى الاستثناء قبل الانتهاء من الحلف، لأن الفاء للترتيب والتعقيب، فلا داعي لفصل اللفظ عن معناه في الزمن، ومعنى قوله فقد استثنى؛ أن الاستثناء ينفعه، وقول ابن عمر ثم قال؛ لا يدل على التراخي عند أهل المذهب، كما هو غالب استعمال ثم، يوضحه اللفظ المرفوع في الذي قبله وهو بالفاء التي تفيد التعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه.
والحديث دال على أنه لا يكفي في الاستثناء القصد إليه، لقوله فاستثنى، وهذه وإن كانت محتملة، إلا أن قوله: «فقال إن شاء الله»؛ نص، فإن النية ليست قولا، لكن أهل المذهب القائلين بوقوع الطلاق بالعزم عليه، ووقوع النذر بقصده؛ قد يصح أن يُلزَموا القول بوقوع الاستثناء بالقصد إليه من غير نطق، فإنه لا فرق بينهما، وإذا كان الشيء برمته
[ ٣ / ٨٤ ]
من حلف وسكت ثم استثنى من فوره
يلزم بالقصد إليه؛ فأحرى أن يقع الاستثناء بالقصد، وهو ليس إلا إخراجا لبعض الجملة.
فإذا اكتملت تلك الشروط ولم يفعل المرء ما حلف على فعله، أو لم يترك ما حلف على تركه؛ نفعه الاستثناء، فلا كفارة عليه، وإن لم تتوفر لم ينفعه استثناؤه، كما لو فصل بين حلفه وبين الاستثناء بغير ما هو ضروري كالسعال ونحوه، أو جرت عادته بذكر الاستثناء من غير قصد، أو قاله تبركا بذكر الله تعالى، قال مالك في الموطإ (١٠٢٦): «أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها، ما لم يقطع كلامه، وما كان في ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا، قبل أن يسكت، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له».
لكن قد جاء ما يدل على أن من حلف وسكت ثم استثنى، فله استثناؤه، كما في حديث سماك عن عكرمة أن رسول الله ﷺ قال: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، ثم قال: إن شاء الله»، رواه أبو داود (٣٢٨٥) مرسلا، وترجم عليه بقوله: «الاستثناء في اليمين بعد السكوت»، وقال: «وقد أسند هذا الحديث غير واحد عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أسنده عن النبي ﷺ، وقال الوليد بن مسلم عن شريك: «ثم لم يغزهم»، انتهى، وقد صججه الألباني، فقوله ثم قال؛ ظاهر في الفصل، وفي رواية لأبي داود التصريح بالسكوت، فيمكن حمله على العذر، ويمكن حمله على الظاهر وهو المقدم، لأنه لو سعل أو تنحنح؛ لنقله الراوي، ولم يقل سكت.
[ ٣ / ٨٥ ]
اليمين المنعقدة على بر والمنعقدة على حنث
اليمين اللغو
• قوله:
٠٥ - «والأيمان بالله أربعة، فيمينان تكفران: وهو أن يحلف بالله إن فعلت، أو يحلف ليفعلن، ويمينان لا تكفران: إحداهما لغو اليمين، وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك يقينه، ثم يتبين له خلافه؛ فلا كفارة عليه ولا إثم، والأخرى الحالف متعمدا للكذب، أو شاكا؛ فهو آثم، ولا تكفر ذلك الكفارة، وليتب من ذلك إلى الله تعالى».
هذه أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه، وهي أربعة اثنتان تكفران، واثنتان لا تكفران:
ا- المنعقدة على بر، كأن يقول: بالله لا أفعل كذا، أو بالله إن فعلت كذا؛ فعلي كذا، ومعنى كونها منعقدة على بر؛ أن الحالف باق على براءة الذمة، فلا يلزمه شيء حتى يفعل.
ب- المنعقدة على حنث، كأن يقول: بالله لأفعلن كذا، أو بالله إن لم أفعل كذا؛ فعلي كذا، ومعنى كونها على حنث؛ أن الحالف شغلت ذمته بمجرد نطقه، فلا يخرج عن العهدة حتى يفعل، أو يكفر.
ج - اليمين اللغو، وهي أن يحلف على شيء يستيقنه، أو يظنه ظنا قويا، ثم يتبين خلافه، كمن رأى شخصا؛ فظنه زيدا، فقال والله لقد رأيت زيدا في المسجد، ثم ظهر أنه ليس هو، فلا كفارة عليه، قال مالك: «أحسن ما سمعت في هذا؛ أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك، فهو لغو».
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها كانت تقول: لغو اليمين «هو قول الإنسان «لا والله، لا والله» [وبلى والله]، رواه مالك في الموطإ (١٠٢٥) واللفظ مرفوع بنحوه من رواية عائشة عند أبي داود (٣٢٥٤)، قال رسول الله ﷺ: «هو كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله»، وفي
[ ٣ / ٨٦ ]
اليمين الغموس
صحيح البخاري (٤٦١٣) عنها قالت: أنزلت هذه الآية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥] في قول الرجل: لا والله، وبلى والله»، ويظهر أن هذا الذي فسرت به الآية لا يمنع أن تتناول من حلف على ما يعتقده فتبين له خلافه، لعدم كسب القلب ما حلف عليه، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يؤاخذ عباده بذلك، ونفي المؤاخذة على عمومه، فيدخل فيه عدم الكفارة.
د - اليمين الغموس، والغموس صفة مبالغة من الغمس، لأنها تغمس المقدم عليها في الإثم، أو في النار، فإن أخذ بها حق غيره؛ كانت شرا على شر، وهي من الكبائر للوعيد الوارد فيها، ومثالها أن يقول المرء والله ما رأيت فلانا، وقد رآه وهو غير ناس حين حلف على رؤيته، أو يحلف كاذبا والله لقد اشتريت هذه السلعة بمائة، وقد اشتراها بثمانين، وهذه لا كفارة فيها لعظم شأنها، والواجب التوبة منها، وفي حديث ابن عمرو عن النبي ﷺ: «الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»، رواه أحمد والبخاري (٦٦٧٥) والترمذي (٣٠٢١) والنسائي، قال ابن الأثير: «هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، وفعول للمبالغة»، انتهى، وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي أمامة الحارثي عن النبي ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، وإن كان قضيبا من أراك»، وقال مالك: «فأما الذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب وهو يعلم ليرضي به أحدا، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه، أو ليقطع به مالا؛ فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة».
[ ٣ / ٨٧ ]
خصال كفارة اليمين
شروط التكفير بهذه الخصال
• قوله:
٠٦ - «والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين، بمد النبي ﷺ، وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد، أو نصف مد، وذلك بقدر ما يكون من وسط عيشهم في غلاء أو رخص، ومن أخرج مدا على كل حال أجزأه، وإن كساهم؛ كساهم للرجل قميص، وللمرأة قميص وخمار، أو عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد ذلك ولا إطعاما؛ فليصم ثلاثة أيام يتابعهن، فإن فرقهن أجزأه».
لفظ الكفارة مبالغة في كفر أي ستر وأزال، والتاء في آخرها للمبالغة أيضا، وفي الشرع هي ما يستر الذنب، ويكون سببا في غفرانه من الله تعالى، ككفارة الفطر عمدا في رمضان، وكفارة الظهار، وكإقامة الحد على من ارتكب موجبه، وكفارة إتيان الحائض، وكفارة التنخم في المسجد، وتأتي أيضا لما ليس فيه ذنب على الظاهر كقتل الخطإ، ولما كان الرجوع في الحلف بالله على فعل شيء أو تركه؛ موجبا للحنث، أي الإثم، حتى سمي عدم البر حنثا؛ شرع الله تعالى الكفارة مانعة من ذلك الإثم رحمة منه وفضلا وتيسيرا على هذه الأمة المرحومة، فله الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وقد بيّن هنا الخصال التي تكفر بها الأيمان القابلة للتكفير، ثلاثة على التخيير، وهي الإطعام والكسوة والعتق، وواحدة على الترتيب، أي بعد العجز عن واحد من الثلاثة المتقدمة، وهي صيام ثلاثة أيام، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
وللكفارة بهذه الخصال شروط خمسة أولها أن يكون العدد عشرة، فلا يعطى لأكثر
[ ٣ / ٨٨ ]
ولا لأقل، فإذا أعطى لخمسة مدين مدين؛ بنى على خمسة فقط، وإن أعطى عشرين مسكينا نصف مد لكل واحد؛ لم يجزه، ويعطى الفطيم كالكبير، ولا يصح التلفيق بين الإطعام والكسوة، كأن يطعم خمسة ويكسو خمسة، والثاني أن يكونوا مسلمين، فلا تدفع للكفار، لأنها قربة، والكفار ليسوا من أهلها قياسا على الزكاة، فإنها تؤخذ من أعنياء المسلمين، وترد على فقرائهم، والثالث أن يكونوا مساكين، احترازا مما لو دفعها لأغنياء وهو عالم بحالهم، والرابع أن يكونوا أحرارا، والخامس أن يكون المعطى مدا بمد النبي ﷺ، فلا يجزئ ما دونه، والمذهب استحباب الزيادة على المد بغير المدينة لاختلاف العيش، وهو الذي أشار إليه المؤلف بقوله «وأحب إلينا لو زاد على المد مثل ثلث مد، أو نصف مد».
قال مالك بعد ذكر المد: «فأما سائر الأمصار؛ فإن لهم عيشا غير عيشنا»، والقول بزيادة الثلث بمصر لأشهب، وزيادة النصف لابن وهب، وقال ابن القاسم لا يزاد، وهذا منهم ﵏ رعاية للمطلوب من شبع المسكين، المشار إليه في كلام الله تعالى بالإطعام، ويقوم مقام المد عندهم شيآن: إما رطلان من الخبز بالرطل البغدادي مع أُدْم زيت أو لبن أو لحم، وإما إشباعهم غداء وعشاء، ولا يجزئ أحدهما، هكذا قالوا، ولفظ الإطعام الوارد في النصوص وإن احتمل التمليك إلا أنه ظاهر في الإطعام المباشر، وإذا كان المطلوب الإطعام فإنه يصدق على إشباع المسكين مرة واحدة غداء وحده أو عشاء وحده.
واعلم أن من الشروط المذكورة ما هو نص القرآن، وهو العدد والمسكنة، فأما شرط الإسلام؛ فبقياس الكفارة على الزكاة، قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٢٨٠): إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو عبد لم يجزه، وقال أبو حنيفة يجزئه لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة، ويشتمل عليه عموم الآية،،،»، وقال أيضا: «ومقتضى لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد على فقرائهم، وقال عكرمة الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين مساكين أهل الكتاب»، الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٧٤)، وأما الحرية فقد قالوا إن العبد ومن فيه شائبة رق غني بإنفاق سيده عليه، فإن كان عاجزا عن الإنفاق عليه؛ فليعتقه فهو كالغني، وهذا ليس بمتجه، وإلا لقلنا إن كل من وجب إنفاقه على غيره لا يعطى الكفارة، فأما أنه
[ ٣ / ٨٩ ]
التكفير بالصيام لمن لم يجد
يبيعه إن عجز عن الإنفاق عليه؛ فهذا قوي في النظر، لكن من يرغمه على ذلك؟.
والخصلة الثانية أن يكسوهم للرجل ثوب كالقميص وللمرأة درع وخمار وهو ما تصح به الصلاة، ولم يروا أن يكون ذلك من الوسط كالطعام، والقواعد تقتضي ذلك للجمع بين المطلق والمقيد المتحدي السبب.
والثالثة تحرير رقبة مؤمنة قياسا على تحرير الرقبة في قتل الخطإ، أو هو من باب حمل المطلق على المقيد، وإن اختلف سببهما؛ فقد اتفق حكمهما فتقاربا، ولقول النبي ﷺ: «اعتقها فإنها مؤمنة»، فإن فيه تعليل جواز عتقها بإيمانها، والحديث دال على أنه عتق لازم، ولأن بعض الكفار يجوز استرقاقه وهو الحربي، فلم يجز تحرير الذمي في عبادة للاشتراك في الكفر.
فمن لم يجد واحدة من هذه الثلاثة فليصم ثلاثة أيام متتابعة إن قدر، لما في التتابع من المبادرة إلى إبراء الذمة، وللخروج من الخلاف، وإلا فيجوز تفريقها للإطلاق الذي في الآية.
فإن قيل: فلم لا يحمل المطلق على المقيد كما سبق في الرقبة؟، فالجواب: عدم التماثل بين الأيام الثلاثة والشهرين، وقد قوي الحمل بالأدلة الأخرى الناصة على الإيمان في تحرير الرقاب.
[ ٣ / ٩٠ ]
جواز التكفير قبل الحنث
• قوله:
٠٧ - «وله أن يكفر قبل الحنث، أو بعده، وبعد الحنث أحب إلينا».
جواز التكفير قبل الحنث هو مشهور المذهب، وروى أشهب عن مالك عدم الإجزاء، ذكره القرطبي في التفسير، وظاهر المدونة (٢/ ٣٨) الإجزاء، وهذا وجه استحسان المؤلف التكفير بعد الحنث، لأن الأصل في الكفارة التأخر عن الموجب، فإنها إنما وجبت سترا للمخالفة بعدم البر الذي هو الأصل، أو هي بدل عن البر، لكن من عزم على عدم الإبرار بيمينه؛ جاز له أن يكفر قبل وقوع الحنث، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وإن كان الظاهر أنه من دلالة الاقتضاء، ومعناها هنا أنه لا بد من تقدير محذوف ليصح به الكلام شرعا، فإن الكفارة مرتبة على الحنث، لا على مجرد الحلف، فيكون المعنى: إذا حلفتم وأردتم الحنث، أو حنثتم، واستدل بعضهم على جواز تقديم الكفارة على الحنث بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ووجهه أن من حنث؛ فقد انحلت يمينه، فإذا كفر بعد الحنث؛ فلا يقال إن الكفارة تحلة ليمينه، وإنما يقال عنها إنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقضه ما التزمه أو حلف عليه، ذكر ذلك ابن تيمية عن بعض أهل العلم.
ومما يدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث قول النبي ﷺ: «وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها؛ إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، رواه الشيخان وأبو داود (٣٢٧٦) عن أبي بردة عن أبيه، وهو في المدونة، وجاء ذلك من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن الشيخين وأبي داود (٣٢٧٧) مرفوعا: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها؛ فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير»، وفي رواية بلفظ: «إذا حلفت على يمين؛ فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير»، وهو في سنن النسائي مع شرح السيوطي (٨/ ١٠)، وهو عند أبي داود أيضا لكن على الشك، والضمير المؤنث في
[ ٣ / ٩١ ]
قوله غيرها عائد على اليمين، وليس ذلك بمراد، والمقصود المحلوف عليه، يدل عليه ما بعده، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وفي الحديث مشروعية الحنث في اليمين متى رأى الحالف أن ذلك خير، كأن يترتب على عدم حنثه ضرر لنفسه، أو لأهله، أو لغيرهم، وقد خُص الأهل بالذكر في قول النبي ﷺ: «والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله؛ آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه»، رواه البخاري (٦٦٢٥) ومسلم عن أبي هريرة، وهو مرجع تسمية يمين اللجاج، يقال لج يلج بكسر اللام لجاجا إذا تمادى على الأمر، وأبى أن ينصرف عنه، والمراد الثبات على ما حلف عليه بعدم الحنث، وقوله في أهله؛ أي يمينه المتعلقة بأهله، ومعناه أن من حلف على يمين يترتب على عدم الحنث فيها ضرر لأهله؛ فليحنث ويكفر، لأن استمراره على ما حلف عليه أعظم إثما من حنثه مع الكفارة، وظاهر قوله آثم؛ أن الأصل في اليمين البر بها ما لم تكن معصية، وما لم ير الحالف أن غيرها خير منها، وذلك لأن من قال والله لأفعلن كذا؛ فقد عقد اليمين بالله، «فإذا كان قد عقدها بالله؛ كان الحنث فيها نقضا لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله من التحلة،،،»، قاله ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٥١)، وقيل إن صيغة التفضيل ليست على بابها، وإنما جاءت على زعم الحالف وتوهمه أن في الحنث إثما.
قلت: الأصل الوفاء باليمين، ثم جاء الإذن في الحنث مع الكفارة كما هو في مستدرك الحاكم عن أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا حلف على يمين لا يحنث، حتى أنزل الله تعالى كفارة اليمين، فقال: «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمين ثم أتيت الذي هو خير»، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ويدل على هذا أن سورة المائدة متأخرة في النزول وهي التي فيها الكفارة، وليس ذلك في سورة البقرة، والله أعلم.
[ ٣ / ٩٢ ]
تعريف النذر
• قوله:
٠٨ - «ومن نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ولا شيء عليه».
النذر في اللغة الالتزام والإيجاب، ويطلق النذر إطلاقا أعم، فيشمل الطاعة والمعصية، وقد سمي في الحديث نذرا كما علمت، وإطلاقا أخص، وهو المنظور فيه إلى لزوم الوفاء، وعرفه خليل بقوله: «النذر التزام مسلم كلف ولو غضبان، وإن قال إلا أن يبدو لي، أو أرى خيرا منه، بخلاف إن شاء فلان فبمشيئته، وإنما يلزم به ما ندب»، انتهى، يعني التزام فعل شيء مندوب، وقوله ولو غضبان يريد كأن يقول حال غضبه إن فعلت كذا فعلي كذا، ويدخل في نذر الغضب نذر اللجاج أي النذر الحاصل لأجل قطع المرء لجاج نفسه، فهو لازم كذلك، وعرف بأنه: «التزام طاعة بنية قربة»، والالتزام يحصل بذكر النذر، وبقوله لله علي كذا، أو علي كذا من غير ذكر لفظ الجلالة، وخرج بقوله طاعة؛ الحرام والمكروه والمباح، فهذا لا يلزم الوفاء به، وخرج بقوله بنية قربة، التزام الطاعة من غير نية القربة، بل لأجل الامتناع من أمر، كأن يقول إن فعلت كذا فعلي صلاة ركعتين، أو لله علي صوم يوم، أو صدقة بدينار، فهذا يمين على ما تقدم في تعريف ابن عرفة، وجعله بعضهم نذرا، لكنه يلزم الوفاء به عندهم، وإنما الخلاف في التسمبة على ما تقدم في أول هذا الباب.
وقال في الفتح (١١/ ٦٩٧) معرفا النذر: «التزام المكلف شيئا لم يكن عليه، منجزا أو معلقا، وهو قسمان: نذر تبرر، ونذر لجاج، ونذر التبرر قسمان: ما يتقرب به ابتداء، كلله علي أن أصوم كذا، ويلتحق به ما إذا قال لله علي أن أصوم كذا شكرا لله على ما أنعم به علي من شفاء مريضي مثلا، وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحته واستحبابه، والثاني ما يتقرب به معلقا بشيء ينتفع به إذا حصل له، كإن قدم غائبي، أو كفاني شر عدوي، فعلي صوم كذا مثلا، ونذر اللجاج قسمان: أحدهما ما يعلقه على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينعقد في
[ ٣ / ٩٣ ]
أركان النذر
الراجح، إلا إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقة فيلزمه، ويلتحق به ما يعلقه على فعل مكروه، والثاني ما يعلقه على فعل خلاف الأولى، أو مباح، أو ترك مستحب، وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء، أو كفارة يمين، أو التخيير بينهما، واختلف الترجيح عند الشافعية، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفية بكفارة اليمين في الجميع، والمالكية بأنه لا ينعقد أصلا»، انتهى باختصار.
وللنذر أركان ثلاثة أولها الصيغة، سواء أطلقها، كلله علي صدقة، أو علقها، كعلي صدقة إن شفى الله مريضي، وسواء كانت بذكر الله، كلله علي صوم يوم، أو من غير ذكره سبحانه، كعلي صوم يوم، والثاني: الشيء الملتزَم، ولا يكون إلا مندوبا أصالة، كنافلة الصلاة والصيام والحج والعمرة والذكر، بخلاف النكاح، والثالث: الشخص الملتزم، وهو المسلم المكلف فلا يلزم الكافر الوفاء ولو أسلم، لكن يندب له ذلك، كما يندب الوفاء للصبي حين يبلغ، ودخل في المكلف السفيه، لكن إنما يلزمه الوفاء بغير المال.
والنذر إنما تشغل به الذمة إذا نطق به المرء قاصدا إياه، فإن حديث النفس لا تبنى عليه الأحكام العملية، ولا يؤاخذ الناس به في هذه الملة الحنيفية كما قال النبي ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»، رواه أحمد والبخاري والنسائي عن أبي هريرة، وقد فسر مالك النذر في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧] باليمين، وأقل ما يعطيه هذا التفسير؛ أنه مثلها، وهي لا تكون بمجرد القصد، وإن سجل خلاف مذهبي في حصول النذر بالنية، ومثله الحلف، وقد نسب ابن العربي إلى علماء المذهب لزوم النذر بالنية والقصد، فقال ﵀ في المسالك (٥/ ٣٧٥): «النذر هو التزام في الذمة بالقول لما لا يلزم من القرب بإجماع من الأمة، ويلزم بالنية عند علمائنا خاصة دون غيرهم من العلماء، والعمدة في ذلك أن الالتزام إنما هو بالعقد في القلب، والقول في النفس، فيما يختص به المرء، ولا يتعداه إلى غيره يلزمه ذلك فيه، وإنما يحتاج إلى القول أو إلى الكتاب؛ فيما يتعلق بسواه، ويدور بينه وبين غيره، وهذا أصل لا تزعزعه الاعتراضات، لأنه من أصح الدلالات …»، انتهى، قال كاتبه عفا الله عنه: لعل هذه المسألة امتداد للخلاف في الكلام النفسي، ولو كان الأمر على ما قال ما خلا امرؤ
[ ٣ / ٩٤ ]
هل يلزم النذر بمجرد النية؟
حي القلب من كثير من النذر، فإن الذي يخطر ببال المرء من الطاعات كثير، والذي ينتقل من ذلك الحيز إلى حيز العزم موجود، ونية المؤمن أوسع من عمله، فيلزم على هذا أن يكون هذا المتمني للخير الذي لم يلتزمه بالقول ولم يعمله آثما، والذي لم يجل في نفسه فكر في الخير سالما، ويقال إن مشتري الأضحية ومريدها ما يزال ناويا التضحية بها، وهم يقولون إنما تلزم بالشروع في ذبحها، على أن هذا الذي نسبه ابن العربي إلى علماء المذهب قد ينازع فيه، فقد نقل ابن رشد في بداية المجتهد؛ أن من مذهب مالك أن النذر لا يلزم إلا بالنية واللفظ، وأن الذي قال بكفاية النية فيه؛ هو فيما إذا قال: لله علي أن أفعل كذا لقربة سماها، ولم يقل علي نذر كذا، فهذا هو الذي قال مالك تكفي فيه النية، ومن قال لا تكفي فيه النية؛ ذهب إلى أنه لم يصرح بجهة الوجوب، وهو لفظ النذر، لكون الشيء غير الواجب لا يجب إلا بلفظ التزام النذر، فلعل هذه المسألة التبست على بعض أهل العلم، فظنوا أن مذهب مالك لزوم النذر بحديث النفس، وليرجع إلى مواهب الجليل (٣/ ٣١٧) للحطاب ﵀.
وما ذكره المؤلف هو لفظ حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-، أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، رواه مالك (١٠٢٤) والبخاري وأبو داود (٣٢٨٩)، والحديث نص في أن نذر الطاعة يلزم الوفاء به، من غير فرق بين ما كان معلقا أو مطلقا على ما سيأتي، لإطلاق الأدلة في لزوم الوفاء، ومنها قول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وللأحاديث الواردة في هذا المعنى، أما نذر المعصية فيحرم الوفاء به، ولا كفارة عليه، وهو المراد بقول المؤلف: ولا شيء عليه»، لكن روى أبو داود (٣٢٩٠) وابن ماجة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، وهو نص في لزوم الكفارة في نذر المعصية، وقد عورض بحديث عمران بن حصين: «لا وفاء للنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»، وبعدم أمر النبي ﷺ بالكفارة في غير حديث، والجواب: أن غاية ما في حديث عمران وغيره منع الوفاء بنذر المعصية وهو متفق عليه، ولا يلزم منه نفي الكفارة، فإن الحديث هذا ساكت عنها، والآخر ناطق بها، فمتى صح؛ فهو الذي يقدم.
[ ٣ / ٩٥ ]
لزوم الوفاء بنذر الطاعة
نذر الطاعة المشروط وغير المشروط
نذر اللجاج ونذر التبرر
واعلم أن نذر الطاعة منه ما يكون مشروطا، ومنه غير المشروط، فالأول كأن يقول لله علي صوم يوم إن شفى الله مريضي، فيتعين الوفاء به متى حصل الشرط، وأصله الكراهة لنهي االنبي ﷺ عنه، فقد جاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يرد شيئا، ولكنه يستخرج به من البخيل»، رواه الشيخان (خ/ ٦٦٩٣) وأبو داود والنسائي، وإنما كان النهي عنه لما في إلزام المرء نفسه شيئا قد تستثفله، ولما قد يقع في روعه من أن النذر صرف شيئا مما قدر الله، أو جلب شيئا مما لم يقدره سبحانه، وغير المشروط كأن يقول: لله علي أن أعتمر، ويظهر أن هذا ليس كالأول، إلا أن يكون ملتزما على الدوام لما يخشى على ملتزمه من الملل والمشقة، قال القاضي عياض: «ومحصل مذهب مالك؛ أنه مباح إلا إذا كان مؤبدا لتكرره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله فيفعله بالتكلف من غير طيب نفس وغير خالص النية فحينئذ يكره»، انتهى بالنقل عن الفتح (١١/ ٧٠٤).
ولا فرق في لزوم الوفاء بين أن يكون النذر في حالة غضب وهو المسمى نذر اللجاج، وبين أن يكون المقصود به التبرر، ويدخل فيه ما إذا نذر شيئا يدفع الضرر به عن نفسه، تمسكا بظاهر ما نذره، كمن نذر عتق عبده لكراهة إقامته عنده، فيلزمه الوفاء أيضا، وقيل لا يلزمه الوفاء لأنه ليس قصده التقرب بما نذره، وإنما هو من باب الأيمان، ليلزم نفسه الإقدام على الشيء أو الامتناع منه، وأهل المذهب يقولون إن قصد القربة في هذا النوع لا يخفى، وانظر المسالك (٥/ ٣٧٧)، وهذا قد يُنقض بما ذهبوا إليه من لزوم الوفاء بالنذر ولو بمجرد النية، فيقال لهم ألزمتموه النذر بالنية هناك، وألزمتموه النذر باللفظ هنا مع أنه غير قاصد التقرب، وقد يجيبون بأن ما نذره هو قربة، فلا يضر عدم قصده ذلك، فافترق الأمران.
[ ٣ / ٩٦ ]
حكم من نذر ما لا يملك
• قوله:
٠٩ - «ومن نذر صدقة مال غيره، أو عتق عبد غيره؛ لم يلزمه شيء».
وهذا لأنه نذر ما لا يملك، فلا ينعقد نذره، كمن طلق قبل النكاح فلا عبرة بطلاقه لأنه لما يملك العصمة بعد، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لا وفاء للنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»، رواه مسلم، وأبو داود (٣٣١٦) عن عمران بن حصين، وقد يقال إنه من اللازم لمن قالوا إن نذر المعصية فيه كفارة يمين؛ أن يقولوا بالكفارة في نذر ما لا يملكه المرء، لأنه معصية كما هو الظاهر، لا مكروه فقط كما هو المشهور، بل قد يحشر في خانة العبث، ولأنه مع ذلك ذكر مع نذر المعصية في الحديث، فتقوى به دلالة الاقتران، كما يلزم أهل المذهب وغيرهم ممن قالوا بلزوم الكفارة لمن حلف على فعل معصية؛ أن يقولوا بلزوم الكفارة لمن نذر فعل المعصية، لأن النذر مع تسميته يمينا؛ أقوى من اليمين القسمية، أو لا ترى أنه لا استثناء فيه، ولا كفارة على المشهور في المذهب، إلا فيما كان منه مبهما، وقد يجري هذا أيضا فيمن نذر المباح، فيقال إذا كان حلفه على فعل المعصية يطالب فيه بالكفارة فأولى أن يطالب بها في نذر المباح إذا لم يفعله وهذا هو الصواب إن شاء الله، أما الاستدلال على ذلك بما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت يا رسول الله ﷺ إني نذرت إن انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: «أوفي بنذرك»، فقد قيل إنه إنما أمرها بالوفاء لأن نذرها اقترن بالفرح بقدومه ﷺ سالما، فصار شبيها بالقربة من هذه الحيثية، وإن كان الأصل في الضرب بالدف في غير ما استثني المنع، وانظر معالم السنن للخطابي، وفي كلام ابن عمر شارح الرسالة أن من نذر التصدق بمال غيره؛ لا يلزمه الوفاء إلا أن يقصد ملكه، فيلزمه النذر إذا ملكه، ولعله قاسه على طلاق معينة قبل النكاح على المشهور، ذكره أبو الحسن في شرحه (٢/ ٢٨٣).
[ ٣ / ٩٧ ]
النذر المعلق
• قوله:
١٠ - «ومن قال إن فعلت كذا؛ فعلي نذر كذا وكذا، لشيء يذكره من فعل البر من صلاة، أو صوم، أو حج، أو عمرة، أو صدقة شيء سماه؛ فذلك يلزمه إن حنث».
النذر عندهم ثلاثة أقسام: معلق، ومطلق، ومبهم، والكلام هنا على المعلق، سواء علق بمرجو الحصول، أو غير مرجوه، كأن يقول إن سافرت، أو صليت مع فلان، أو كذبت؛ فعلي صلاة ركعتين، أو صوم يوم، أو التصدق بكذا، أو عمرة، أو المشي إلى مكة، أو قال: إن لم أفعل كذا؛ فعلي نذر كذا؛ فإنه يلزمه الوفاء بما نذره إن فعل ما شرط تركه، أو ترك ما شرط فعله، فإن عين القربة؛ لزمته، وإن لم يعين كقوله علي صلاة، أو صيام، أو صدقة، لزمه أقل ما يصدق عليه ذلك، فيصلي ركعتين، ويصوم يوما، ويتصدق بثلث ماله، وقيل يتصدق بما لا يتضرر به، والظاهر أنه يتصدق بأقل ما يصدق عليه أنه صدقة.
[ ٣ / ٩٨ ]
النذر المطلق
• قوله:
١١ - «كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين».
هذا هو القسم الثاني من النذر، وهو المطلق، كأن يقول: لله علي صوم يوم، أو صوم، أو صلاة ركعتين، أو صلاة، وهكذا، فهو مطلق في قوله «صوم يوم» بالنسبة لليوم، وفي قوله «صوم» بالنسبة لعدد ما يصوم، وهذا الضرب لازم الوفاء كالمعلق، وقول المؤلف من غير يمين؛ يعني به من غير تعليق، لأن مراد المعلق بالتعليق؛ تقوية الإقدام على الفعل أو الترك المعلق عليهما النذر.
[ ٣ / ٩٩ ]
النذر المبهم
• قوله:
١٢ - «وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال؛ فعليه كفارة يمين».
هذا هو القسم الثالث، وهو النذر المبهم، كأن يقول: لله علي نذر، أو إن فعلت كذا؛ فعلي نذر، ولم يعين مخرج النذر باللفظ، ولا بالقصد؛ فهذا عليه كفارة يمين، لأن صرف نذره هذا لقربة من القربات مجرد تحكم، وترجيح من غير مرجح، فيلتحق بما لا يستطاع من النذور، وكفارتها كفارة يمين، على أنه قد جاء في ذلك قول النبي ﷺ: «كفارة النذر كفارة اليمين»، رواه مسلم، وأبو داود (٣٣٢٣) والنسائي عن عقبة بن عامر، ووجه الدلالة منه؛ أن النذر لازم الوفاء بالدليل، فلو حمل الحديث على عمومه؛ لبطل لزوم الوفاء، واللازم باطل، فالملزوم مثله، فيكون المراد من النذر في الحديث نوعا منه، وهو ما لا يتمكن من الوفاء به، فيدخل فيه غير المقدور عليه بالفعل وغير المعين، لأنه في معنى غير المقدور عليه، والعلم عند الله، وهذا الذي تبين لي في توجيه لفظ الحديث؛ قد جاء في رواية الترمذي مصرحا به بقيد «إذا لم يسم»، قال الترمذي (١٥٢٨): «حسن صحيح»، وقال الألباني: «صحيح دون قوله «إذا لم يسم»، وروى أبو داود (٣٣٢٢) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من نذر نذرا لم يسم؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لا يطيقه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا يطيقه؛ فليف به»، قال الحافظ وإسناده صحيح غير أن الحفاظ رجحوا وقفه»، انتهى، والنذر المبهم في المذهب؛ كاليمين، يدخله الاستثناء والكفارة، وقد يكون لغوا أو غموسا، قال مالك في الموطإ (١٠٢٧): «من قال علي نذر ولم يسم شيئا؛ إن عليه كفارة يمين».
[ ٣ / ١٠٠ ]
نذر المعصية ونذر المباح
• قوله:
١٣ - «ومن نذر معصية من قتل نفس، أو شرب خمر، أو شبهه، أو ما ليس بطاعة ولا معصية؛ فلا شيء عليه، وليستغفر الله».
تقدم الكلام على نذر المعصية، وأنه يحرم الوفاء به، ولا كفارة فيه عندهم، ومثله ما ليس بطاعة ولا معصية وهو المباح، فضلا عن المكروه، فهذا يحرم نذره على المشهور، ومن نذره؛ فلا شيء عليه إن لم يفعله، وقد فسر مالك قول النبي ﷺ: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»؛ بقوله: «أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك، مما ليس لله بطاعة، إن كلم فلانا، أو ما أشبه ذلك، فليس في شيء من ذلك شيء، إن هو كلمه، أو حنث بما حلف عليه، لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفى لله بما له فيه طاعة»، قال الباجي في المنتقى (٣/ ٢٤٢) مبينا قول مالك هذا: «فسر المعصية بمعان ليست بمعاص في أنفسها، وإنما هي مباحة لكن سماها معصية، لأن نذرها عنده معصية، أو لأن حكمها إذا علقت بالنذر حكم المعصية، لأنه لا يصح أن ينذر».
ومما يدل على أن نذر المباح لا يلزم، قول النبي ﷺ: «لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله، ولا يمين في قطيعة رحم»، رواه أبو داود (٣٢٧٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمباح لا يبتغى به وجه الله في الأصل، وقوله «ولا يمين في قطيعة رحم»؛ هو نذر معصية، وقال الباجي عن نذر الذهاب إلى المدينة: «والثاني أن يريد به مدينة النبي ﷺ، فهذا إن علق مشيه بالمدينة؛ لا يتعلق به النذر، إلا أن ينوي المسجد للصلاة»، فليعتبر بهذا القول الزاعمون اتباع مذهب مالك ممن يشدون الرحال، لا للطاعات ولا للمباحات، بل للمعاصي والمنكرات كالوعدات والزردات، فالله الله في دينكم، واجتنبوا المنكرات، واتركوا المنافحة عن المعاصي بالمهاترات.
[ ٣ / ١٠١ ]
كفارة من حلف على فعل حرام أو ترك واجب
• قوله:
١٤ - «وإن حلف بالله ليفعلن معصية؛ فليكفر عن يمينه، ولا يفعل ذلك، وإن تجرأ وفعله؛ أثم، ولا كفارة عليه ليمينه».
المعصية محرمة، فمن نذرها؛ فقد ارتكب معصية أخرى بالتزام فعل الحرام، ولأنه ألزم نفسه أن يتقرب إلى الله تعالى بما حرم عليه، أو ترك ما وجب عليه، فالمطلوب منه عدم الفعل، ومع ذلك يُكَفِّرُ، فإن تجرأ وفعل المحرم؛ فليتب من ذلك، ولا كفارة عليه.
واعلم أن قول أهل المذهب بلزوم الكفارة لمن حلف على فعل معصية؛ قد يلزمون به القولَ بلزوم الكفارة لمن نذر المعصية، لكون نذر المعصية يسمى يمينا، ولأن النذر أقوى من اليمين في الإلزام، وقد تقدم بيان ذلك، والحاصل أن نذر الطاعة يلزم الوفاء به، فإن عجز كفّر، وأن نذر المعصية لا يوفى به فتلزم الكفّارة، وأن النذر المباح إن لم يف به كفّر، والله أعلم.
[ ٣ / ١٠٢ ]
لزوم كفارتين لمن قال علي عهد الله وميثاقه
• قوله:
١٥ - «ومن قال: علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث؛ فعليه كفارتان».
من قال علي عهدٌ لأفعلن كذا لا يعتبر قوله يمينا، وهذا هو محترز الإضافة في كلامه، أما من قال علي عهد الله وميثاقه وأمانته وعزته فإن هذا من جملة ما تنعقد به اليمين في المذهب، لأن العهد الإلزام بالتكاليف، والأمانة التكليف من إيجاب وتحريم، والتكليف راجع إلى خطابه سبحانه، والعزة هي المنعة فالجميع صفات، قالوا فإن أريد المعنى المخلوق فلا تنعقد اليمين به، لكن لم يتبين لي وجه تعدد الكفارة على من جمع بين العهد والميثاق في حلف واحد، لأنه لا يخرجه ذلك عن كونه كرر الحلف، كأن يقول والله، والله، والله، أو يقول والله، والذي لا إله إلا هو، فمن أين أتى لزوم الكفارتين إذا حنث في هذا ونحوه مع أن الحلف به فيه خلاف؟، وقد علل بعضهم تعدد الكفارة بقوله «لأن العهد يمين، والميثاق يمين، فإذا جمعهما فقد حلف يمينين»، وقد يكون المراد أنه مع اختلاف اللفظ والقصد يلزم تعدد الكفارة كما ذهب إليه القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة بقوله: «فإن أراد التكرار أو التأكيد فكفارة واحدة، وإن أراد الاستئناف فلكل واحد كفارة»، وانظر المدونة (٢/ ٣٠) باب الرجل يحلف بعهد الله وميثاقه، وعلى كل فإن ما ذكره المصنف خلاف المشهور، وهو عدم تعدد الكفارة بتعدد المحلوف به من أسماء الله وصفاته من غير فرق بين أن يقصد التوكيد أو الإنشاء، أو لا قصد له إلا أن ينوي تعدد الكفارة.
وبعد هذا فاعلم أنه قد جاء النهي عن الحلف بالأمانة فيما رواه أبو داود عن بريدة مرفوعا: «من حلف بالأمانة فليس منا»، ووجه ذلك أن المسلم منهي عن الحلف بغير الله والأمانة ليست من أسمائه لأنها التكاليف كالصلاة والصوم والحج، والمعنى الذي قيد به أهل المذهب الحلف بهذه الألفاظ قد يخرج الحلف بالأمانة عن المنع لمن استحضر ذلك، بيد أنه عسير، فاجتناب الحلف بها هو الصواب، والله أعلم.
[ ٣ / ١٠٣ ]
ليس في توكيد اليمين غير كفارة واحدة
• قوله:
١٦ - «وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد؛ غير كفارة واحدة».
وهذا لأن الواجب هو كفارة واحدة، متى حنث في الشيء الواحد، ومن وكد اليمين بتكريره الحلف على الشيء الواحد؛ لا يخرجه التوكيد عن ذلك، ولو قصد التأسيس أي الإنشاء على المشهور، ما لم ينو كفارة مقابل كل من أيمانه التي كررها، فتتعدد الكفارات عليه في الشيء الواحد يحنث فيه، قال مالك ﵀: فأما التوكيد؛ فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين،،، فكفارة ذلك واحدة،،،»، الموطأ (١٠٢٧).
[ ٣ / ١٠٤ ]
من قال هو مشرك أو يهودي أو نصراني
• قوله:
١٧ - «ومن قال أشركت بالله، أو هو يهودي، أو نصراني إن فعل كذا؛ فلا شيء عليه، ولا يلزمه غير الاستغفار».
سبحان الله، كيف ينطق المسلم بمثل هذا ونحوه من الألفاظ الغليظة المكروهة لله ورسوله وصالح المؤمنين؟، بل إن كثيرا من الناس ليتَفَوَّهُونَ بأعظم منها فلا يكادون يذكرون ربهم إلا في حالة الغضب ساخطين ناقمين، وتأمل كيف ذكر المؤلف هذا اللفظ بضمير الغائب ليتجنب ذكره بضمير المتكلم، فمن قال شيئا من هذا ونحوه ليمنع نفسه من شيء أو يحضها عليه فقد عصى ربه، فلزمته التوبة والاستغفار، لكن لا كفارة عليه، لأن هذا ليس يمينا، أما إن قال ذلك من غير يمين فهي في المذهب ردة، وفي حديث ثابت الضحاك عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام؛ كاذبا فهو كما قال»، رواه الشيخان (خ/ ٦٦٥٢)، والملة بكسر الميم الدين والشريعة، وقد اختلف في معنى قوله ﷺ فهو كما قال، فقال بعضهم ظاهره أنه يكفر بذلك، وهذا والله أعلم إذا طابق قصده قوله من الإخبار عن نفسه بما ذكر، أما إن تخالفا؛ فالأمر ليس كذلك، قال الحافظ في الفتح (١١/ ٦٥٦): «التحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر؛ كَفَر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر: فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك؛ كَفَر، لأن إرادة الكفر؛ كفر، وإن أراد البعد عن ذلك؛ لم يكفر»، انتهى.
واعلم أن كون الألفاظ التي ذكرها المؤلف وما كان نحوها لم يلزم منها الردة لأنها خرجت مخرج اليمين، أما من قال: هو مشرك بالله، أو كافر، أو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي من غير ربط؛ فإنه مرتد لأن هذه الألفاظ يحصل بها الارتداد على هذا الوجه في المذهب، قال الدردير في شرح المختصر (٢/ ١٢٨): «فإن كان في غير يمين فردة ولو هازلا».
[ ٣ / ١٠٥ ]
من حرم على نفسه ما أحل الله
• قوله:
١٨ - «ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له؛ فلا شيء عليه، إلا في زوجته، فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج».
لا يجوز للمرء أن يحرم شيئا مما أحل الله تعالى ورسوله، ولا أن يحلل شيئا مما حرم الله ورسوله، فإن فعل شيئا من ذلك بالقول؛ فهو معصية، وإن كان بالاعتقاد لما هو معلوم الحرمة بالضرورة؛ فهو كفر، فإن التحليل والتحريم لله تعالى وحده، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]، وكذلك لا يجوز للمسلم أن يلتزم تحريم شيء مما أحله الله له بالقسم، فإن فعل ففيه كفارة يمين، لأنه أقسم على فعل معصية، وإن كان بغير قسم؛ فهو لغو لا شيء فيه، إلا الزوجة فإنها تحرم عليه بذلك إلا بعد زوج، إن لم يكن قد دخل بها، فإن كان قد دخل بها ونوى أقل من الثلاث؛ لزمه ما نوى، وهكذا الأَمَة، فإنها متى حرمها، ونوى بالتحريم العتق؛ عتقت عليه، ولا يطؤها إلا بعقد نكاح، لأن تحريمها يتنافى مع ملك اليمين الذي يباح له به وطؤها، قالوا فإن لم ينو العتق بالتحريم؛ فذلك لغو، وإنما استُثنيت الزوجة من تحريم الحلال؛ لأن في إمكان المرء تحريمها بالطلاق والظهار والإيلاء، بخلاف غيرها مما أحل الله، فلا يؤثر ذلك شيئا فيه، ومشهور المذهب أن من قال لزوجته أنت علي حرام، أو أنت حرام، أو أنا منك حرام؛ أنها تحرم عليه إلا بعد زوج، لأن هذا اللفظ إنما يصدق تمام الصدق بالطلاق البائن، فحملوه على أكبر ما يحتمله من المعاني، والموضع اللائق للكلام على هذا الأمر هو كتاب النكاح وتوابعه.
[ ٣ / ١٠٦ ]
من نذر ماله أجزأه ثلثه
• قوله:
١٩ - «ومن جعل ماله صدقة أو هديا؛ أجزأه ثلثه».
من عين شيئا من ماله نذرا لزمه ما عينه، ولو استغرق مالَه كله على المشهور، فإن قلت: هذا ثقيل، وفيه حرج عظيم، فالجواب: لم يتلاعب المؤمن بدينه؟ ومن ألزمه بذلك وهو في تمام إدراكه واختياره؟، قال الباجي في المنتقى (٣/ ٢٦١): «ومن تصدق بشيء معين وهو جميع ماله فالمشهور من المذهب أنه يلزمه إخراج جميعه وفي النوادر عن ابن نافع يجزئه الثلث»، انتهى، وهذا أولى، أما من قال: مالي صدقة؛ فيكفيه أن يخرج منه ثلثه، فإن قيل: كيف وسع على هذا، وضيق على الذي قبله؟، فالجواب: أن السابق نطق قاصدا ما نذر الصدقة به، وهذا عم ولم يخص.
قال مالك: «الذي يقول مالي في سبيل الله، ثم يحنث؛ يجعل ثلث ماله في سبيل الله»، وهو قوله في المدونة أيضا، أما من حدد ما يتصدق به كأن يقول داري أو كذا وكذا فإنه يلزمه ذلك، ولو كان جميع ماله، وهو في المدونة (١/ ٢٤ و٢٥).
قلت: الظاهر عدم الفرق بين من عين شيئا، وكان ذلك جميع ماله، وبين من نذر الصدقة بجميع ماله في كفاية الثلث عنهما لاستوائهما في الواقع، ومما يذكر أن ربيعة كان يرى على من نذر الصدقة بماله كله أن يتصدق بمقدار الزكاة منه، لأن ذلك طهارة له، وقال ابن وهب بقول مالك في الملي، وبقول ربيعة في القليل المال، وبكفارة يمين في الفقير، وانظر النوادر (٤/ ٣٥).
وقد روى مالك في الموطإ (١٠٣٣) عن ابن شهاب أنه بلغه أن أبا لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه قال: يا رسول الله، أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأجاورك، وأنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله؟، فقال رسول الله ﷺ: «يجزيك من ذلك الثلث»، وقد وصله أبو داود (٣٣١٩) في سننه، وجاء عن كعب بن مالك نحوه، وهو في
[ ٣ / ١٠٧ ]
سنن أبي داود أيضا، واللفظ الذي هنا لا يعطي أنه نذر، بل هو استشارة، لكن إذا نظر إلى كل الروايات أمكن أن ينتزع منها ذلك، إذ لم يأت في بعضها الاستفهام، بل العزم والتصميم، منها قوله: «إن من تمام توبتي،،،» كما هو عند أبي داود، وروي أيضا أن أبا لبابة كان عاهد الله تعالى قبل أن يتوب عليه أن لا يطأ بني قريظة، وأن لا يرى في بلد خان فيه الله ورسوله، ويقوي هذا قوله ﷺ: «يجزيك»؛ فإنه يشعر بلزوم الأصل.
[ ٣ / ١٠٨ ]
من نذر ذبح ولده
• قوله:
٢٠ - «ومن حلف بذبح ولده؛ فإن ذكر مقام إبراهيم؛ أهدى هديا يذبح بمكة، وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه».
هذا كما لو قال: إن فعلت كذا؛ فعلي نحر ولدي، فإنه مما لا يجوز الحلف به أعني نذره، لأنه معصية، وقال ابن العربي في المسالك في باب الحكم في الصيد: «قال علماؤنا إذا قال الرجل لله علي أن أقتل ولدي فهو عاص لا شيء عليه، وإذا قال: لله علي أن أذبح ولدي؛ فإنه يفديه بشاة»!!، ووجه الفرق ذكر الذبح هنا والقتل هناك، والمقصود أن قائل ذلك يحرم عليه الوفاء بما نذر، والمذهب عدم لزوم التكفير في هذا، لأنهم يقولون لا كفارة في نذر المعصية، وهذا معصية بلا شك، لكن لما كان هذا الالتزام محتملا لوجه صحيح؛ فرقوا بين من ذكر مقام إبراهيم أو نواه، وبين من لم يذكره، فمن ذكره؛ كان ذلك قرينة على أنه أراد الهدي، وقد فدى الله تعالى إسماعيل ﵊ بذبح عظيم بعد أن رأى إبراهيم ﵊ في المنام أنه يذبحه، فمن حصل له ما ذكر؛ لزمه الهدي، فينحر بدنة إن تيسر له، وإلا فبقرة، وإلا ذبح شاة، وقد أفتى بذلك ابن عباس ﵄، رواه سحنون في المدونة (٢/ ٢٧)، وقال مالك فيها: «إني أرى أن آخذ فيها بحديث ابن عباس ولا أخالفه»، انتهى، وكأنه ﵀ رأى أن القياس يقتضي عدم اللزوم، لكنه اتبع الأثر، أما من لم يذكر مقام إبراهيم؛ فقد تمحض نذره للمعصية، فلا كفارة فيه، هكذا قالوا، وقد علمت أن نذر المعصية فيه كفارة يمين.
[ ٣ / ١٠٩ ]
الحالف بالمشي إلى مكة
• قوله:
٢١ - «ومن حلف بالمشي إلى مكة، فحنث؛ فعليه المشي من موضع حلفه، فليمش إن شاء في حج، أو عمرة، فإن عجز عن المشي؛ ركب، ثم يرجع ثانية إن قدر، فيمشي أماكن ركوبه، فإن علم أنه لا يقدر؛ قعد وأهدى، وقال عطاء: لا يرجع ثانية، وإن قدر، ويجزئه الهدي».
من نذر المشي إلى مكة؛ تعين عليه أن يجعل مشيه في حج أو عمرة أيهما شاء، إن كان قد حج حجة الإسلام، لأن الناس إنما يمشون إلى مكة من أجل ذلك.
فإن قيل: إن المشي ليس بطاعة فكيف يلزمه الوفاء به؟، فالجواب: أن المشي لمن قدر عليه، يلزم معه الحج، لأنه مستطيع كما تقدم، فهو من الوسائل الواجب اصطناعها حينئذ، وقد اعتبر في كتاب الله تعالى من وسائل بلوغ الحرم، قال ربنا ﷿: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فمن نذر المشي لزمه، وهو لا يكون نذر معصية إلا إذا أدى إلى مشقة فادحة، وقد نُص على ما ذكره المؤلف في المدونة (٢/ ٩): «قلت: ويجعلها في قول مالك إن شاء حجة وإن شاء عمرة؟، قال: نعم»، وينبغي أن يمشي في ذهابه كله إلى مكة، حتى ينتهي من سعيه إن اعتمر، ومن طواف الإفاضة إن حج، ويبتدئ المشي من موضع حلفه، فإن عجز؛ ركب، وأتم نسكه، ثم يعود فيمشي المواضع التي ركب فيها، وله أن يركب المواضع التي مشى فيها، فإن علم أنه لا يقدر على مشي تلك المواضع؛ أهدى ولا يلزمه ذلك
والذي يترجح هو قول عطاء ﵀ الذي أثبته المؤلف، وهو أنه إن عجز عن المشي أول مرة، فلا يلزمه الرجوع ليمشي ما ركب، بل يكفيه الهدي عن ركوبه لحديث ابن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا ضعفها،
[ ٣ / ١١٠ ]
فقال النبي ﷺ: «إن الله غني عن نذر أختك، فلتركب، ولتهد بدنة»، رواه أحمد وأبو داود (٣٢٩٦)، وفي رواية: «إن الله لغني عن نذرها، مرها فلتركب»، وفي ثالثة: «لتمش، ولتركب»، فالظاهر أن القادر على المشي؛ يمشي، والعاجز عنه مطلقا أو بعضا يركب ويهدي، وقد روى الشيخان وأبو داود (٣٣٠١) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يهادى بين ابنيه فسأل عنه، فقالوا نذر أن يمشي، فقال: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه»، وأمره أن يركب»، يهادى مبني للمجهول معناه يمشي معتمدا على ابنيه لضعفه.
فإن قلت: فما يفعل اليوم من نذر المشي إلى مكة؟، فالجواب: أن المانع اليوم ليس عدم القدرة على المشي فحسب، بل المانع أمور أخرى مستجدة، فمن لم يكن داخل البلاد السعودية أو فيما جاورها؛ فحكمه حكم العاجز عن المشي إذا نذره، وكان قصده المشي لا مطلق الذهاب كما هو العرف عندنا.
[ ٣ / ١١١ ]
الصرورة الناذر المشي إلى مكة
• قوله:
٢٢ - «وإذا كان صرورة؛ جعل ذلك في عمرة، فإذا طاف وسعى وقصر؛ أحرم من مكة بفريضة، وكان متمتعا، والحلاق في غير هذا أفضل، وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج».
الصرورة من الصر وهو الحبس والمنع، ويطلق على التبتل وترك النكاح، وعلى من لم يحج هكذا في النهاية، والمراد هنا الأخير، وفي الحديث: «لا صرورة في الإسلام»، رواه أبو داود (١٧٢٩) عن ابن عباس مرفوعا، وسكت عنه، ورمز السيوطي لصحته، وضعفه المناوي والألباني من أجل عمر بن عطاء، وقد بين الغماري أن عمر الذي في الحديث هو ابن أبي الخوار، وأنه ثقة من رجال مسلم، وليس هو ابن وراز الضعيف، انظر المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (٦/ ٥٩٦)، وقال المنذري عن ابن الخوار كما في عون المعبود (٦/ ١٠٧) إنه قد ضعفه غير واحد من الأئمة.
والمراد بالنفي في الحديث النهي، أي لا يصح أن يكون في المسلمين من يستطيع الحج ثم لا يحج، أو من يقدر على النكاح ثم لا يتزوج، وهو تغليظ شديد كأن المخالف ليس بمسلم، ومعنى كلام المؤلف، أن من نذر الذهاب إلى مكة وكان قد حج، أو لم يحج وليس الحج واجبا عليه لعدم استطاعته إياه؛ فإنه يجعل ذهابه في حجة أو عمرة على الخيار، فإن كان ممن لزمه الحج؛ أحرم بعمرة يوفي بها نذره، قيل على سبيل الوجوب، حتى لا ينعقد الإحرام عن حجتين واجبتين، وهما حجة الإسلام، والحجة التي نذرها، وذلك لا يتأتى، وقيل يحرم بالعمرة أولا استحبابا، ولعل القائل به يرى أن حجه ينصرف للواجب الأصلي الذي هو حجة الإسلام فلا تعارض، قال خليل: «وعلى الصرورة جعله في عمرة ثم يحج من مكة على الفور»، ومن أحرم بعمرة وكان الفاصل بينها وبين الإحرام بالحج قصيرا؛ فالأفضل له أن يقصر رأسه، ليستبقي الشعث للحج.
[ ٣ / ١١٢ ]
نذر المشي إلى المدينة أو إلى بيت المقدس
• قوله:
٢٣ - «ومن نذر مشيا إلى المدينة، أو إلى بيت المقدس؛ أتاهما راكبا إن نوى الصلاة بمسجديهما، وإلا فلا شيء عليه».
من نذر المشي إلى مدينة النبي ﷺ، أو إلى بيت المقدس ردها الله على المسلمين، وأخزى مغتصبيها من اليهود الظالمين، ومناصريهم من الكفرة المعتدين فإن كان قصده المسجدين ليصلي فيهما؛ لزمه السفر إلى كل منهما ولا بد، ولا يلزمه المشي الذي نذره، لأن السفر إليهما طاعة يلزم الوفاء بها، لقول النبي ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، رواه الشيخان عن أبي سعيد وهذا لفظ البخاري، أما المشي فليس طاعة في نفسه، بل هو وسيلة لبلوغ ما نذره، واختلافه عما تقدم في نذر الذهاب إلى مكة واضح، لأن ذلك النذر قد صرف إلى الحج أو العمرة، والقادر على المشي إليها مستطيع، وإن لم يكن قصده المسجدين؛ فلا شيء عليه، بل ولا يجوز له السفر للمدينتين بنية العبادة من غير أن يكون قصده كذلك، وقد جاء في مسجد قباء ما يؤخذ منه لزوم الوفاء بالذهاب إليه وقد كان النبي ﷺ يذهب إليه كل أسبوع، وعدل الصلاة فيه بعمرة، ولعل ذلك لمن كان بالمدينة والله أعلم.
[ ٣ / ١١٣ ]
لا يوفى بنذر السفر إلى غير المساجد الثلاثة
• قوله:
٢٤ - «وأما غير هذه الثلاثة مساجد؛ فلا يأتيها ماشيا ولا راكبا لصلاة نذرها، وليصل بموضعه».
المساجد كلها متساوية في الفضل عدا المساجد الثلاثة، فإن أفضلها المسجد الحرام عند جمهور العلماء، يليه مسجد رسول الله ﷺ، فالمسجد الأقصى، وعند مالك ﵀ وبعض أتباعه الأول في الرتبة؛ هو مسجد النبي ﷺ، وسيأتي الحديث عن ذلك في باب آخر، فمن نذر الذهاب إلى واحد منها؛ تعين عليه، إلا أن يكون ساكنا بقرب ما هو أفضل منه؛ فلا يتعين عليه السفر إلى غيره، بل يصلي في الأفضل، والعبرة منه أن البقاع كلها متساوية في المنزلة، فلا يصح أن يطلب شيء منها لبركة المكان، عدا المساجد الثلاثة، أما غيرها من المساجد فلا يصح السفر إليها بنية طلب فضيلة المكان، وإذا كان هذا في المساجد التي هي خير البقاع؛ فكيف بغيرها من الأماكن؟، فكيف إذا كان السفر لأجل المعصية وتقديم النذور، التي لا تكون إلا لله تعالى، أو للتطواف وتعظيم ساكني القبور؟.
ولا يصح أن يعترض على هذا بأن الحديث المتقدم ليس على عمومه، فالمراد به على ما ذهب إليه بعضهم أن الرحال لا تشد إلى مسجد عدا المساجد الثلاثة، ولا دخل له فيما خلا من البقاع، فإن الناس يسافرون لغير المساجد الثلاثة، وسفرهم جائز بإجماع المسلمين، هكذا يقولون، والجواب أن النهي المتقدم إنما هو عن السفر لأجل طلب بركة البقعة وفضيلتها، أما السفر المباح والواجب والمستحب كالسفر للتجارة، وصلة الرحم، والجهاد، وطلب العلم، والرباط، والصيد، فإن قصد المسافر هنا ليس خصوص البقعة، بل ما فيها من المعاني التي لأجلها سافر، فلا يدخل في النهي، ومن ثم فلا يصح أن يعترض على من قال بعمومه بمثل ما ذكرت، ولأنه إذا كانت المساجد وهي خير بقاع الأرض لا
[ ٣ / ١١٤ ]
تشد الرحال إلا إلى الثلاثة المذكورة منها، فأحرى أن لا تشد إلى غيرها من الأماكن لطلب فضيلة بقاعها، فإنها دون المساجد في ذلك، ووقوع حدث تأريخي هام في حياة المسلمين بها لا يكسبها الفضيلة الدائمة، وإلا لبينها النبي ﷺ بسنته لأمته، وقد أوكل الله إليه البيان، وقام به من غير توان.
[ ٣ / ١١٥ ]
• قوله:
٢٥ - «ومن نذر رباطا بموضع من الثغور؛ فذلك عليه أن يأتيه».
تقدم الكلام على معنى الرباط، وبيان فضله في أثناء الحديث عن الجهاد، ولما كان الرباط قربة، بل من أعظم القربات؛ تعين على من نذره الوفاء به لقول النبي ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه،،، الحديث، لكن إن كان الناذر في موضع رباط هو في الأهمية لحراسة بلاد الإسلام مثل الموضع الذي نذر المرابطة فيه، أو أعظم منه أهمية؛ فإنه يفي بنذره فيه، ولا يسافر للآخر، لأن الغرض ليس خصوص البقعة، بل المعنى الذي فيها كما تقدم، وهو حراسة أرض المسلمين، وإذا كان من نذر أن يسافر إلى مسجد من المساجد المفضلة الثلاثة؛ لا يتعين عليه السفر إن كان مقيما قرب ما هو أعظم فضلا، مع أن المسجد مقصود لذاته؛ فأحرى أن يكون ذلك في الرباط مع أنه ليس مقصودا منه البقعة لذاتها، وأين نحن من الرباط في هذا الزمان؟، لكننا نحمد الله تعالى أن جعل لنا بدائل، عما فاتنا من الفضائل، ومنها الرباط كما قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»، رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة، والحمد لله رب العالمين.
[ ٣ / ١١٦ ]